المبدع في شرح المقنع
ابن مفلح، برهان الدين
[مقدمة المؤلف]
[مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّف] الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَحْمُودِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، الدَّائِمِ الْبَاقِي بِلَا زَوَالٍ، الْمُوجِدِ خَلْقَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ، الْحَبْرُ الْمُحَقِّقُ، وَالْمُجْتَهِدُ الْمُدَقِّقُ، كَاشِفُ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ، مُبَيِّنُ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، إِمَامُ الْأَئِمَّةِ وَزَاهِدُهَا، وَجَهْبَذُ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَنَاقِدُهَا، أُسْتَاذُ عُلَمَاءِ الْآفَاقِ، وَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ، الْمَخْصُوصُ بِالْمَوَاهِبِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْقَائِمُ بِأَعْبَاءِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، قَاضِي الْقُضَاةِ، بُرْهَانُ الدِّينِ، أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُفْلِحٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وَأَسْكَنَهُ فَسِيحَ جَنَّتِهِ، بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَعَلَّمَهُ، وَرَفَعَ قَدْرَ الْعِلْمِ وَعَظَّمَهُ، وَوَفَّقَ لِلتَّفَقُّهِ فِي دِينِهِ مَنِ اخْتَارَهُ وَفَهَّمَهُ. أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَعْصِمُ مِنْ نِقَمِهِ، وَيَتَكَفَّلُ بِدَوَامِ نِعَمِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، عَالِمُ خَفِيَّاتِ الْأَسْرَارِ، وَغَافِرُ الْخَطِيئَاتِ وَالْأَوْزَارِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَحَبِيبُهُ، وَخَلِيلُهُ، الدَّاعِي إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ بِالْحِكْمَةِ، وَالْكَاشِفُ بِرِسَالَتِهِ جَلَابِيبَ الْغُمَّةِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - الْكِرَامِ، وَأَصْحَابِهِ الْحَائِزِينَ مِنْ رِضَى اللَّهِ أَقْصَى الْمَرَامِ، وَسَلَّمَ وَكَرَّمَ، وَشَرَّفَ وَعَظَّمَ. وَبَعْدُ; فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ فِي الْعِلْمِ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ، وَأَجَلِّ الطَّاعَاتِ، وَآكَدِ الْعِبَادَاتِ، خُصُوصًا عِلْمَيِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، الَّذِي بِهِ قِوَامُ الْأَنَامِ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْعَمَلِ بِالْأَوْلَى وَالْأُخْرَى، وَتَحْصُلُ بِهِ السَّعَادَةُ فِي الْأُولَى، وَرَفْعُ الدَّرَجَاتِ فِي الْأُخْرَى. وَكُنْتُ قَرَأْتُ فِيهِ كِتَابَ " الْمُقْنِعِ " لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْعَلَّامَةِ مُوَفَّقِ الدِّينِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ قُدَامَةَ، تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَأَسْكَنَهُ بُحْبُوحَةَ جَنَّتِهِ. وَهُوَ مِنْ أَجَلِّهَا تَصْنِيفًا، وَأَجْمَلِهَا تَرْصِيفًا، وَأَغْزَرِهَا عِلْمًا، وَأَعْظَمِهَا تَحْرِيرًا، وَأَحْسَنِهَا تَرْتِيبًا وَتَقْرِيرًا. فَتَصَدَّيْتُ لِأَنْ أَشْرَحَهُ شَرْحًا يُبَيِّنُ حَقَائِقَهُ، وَيُوَضِّحُ دَقَائِقَهُ، وَيُذَلِّلُ مِنَ اللَّفْظِ صِعَابَهُ، وَيَكْشِفُ عَنْ وَجْهِ الْمَعَانِي نِقَابَهُ، أُنَبِّهُ فِيهِ عَلَى تَرْجِيحِ مَا أُطْلِقَ، وَتَصْحِيحِ مَا أُغْلِقَ. وَاجْتَهَدْتُ فِي
[الكلام على الحمد لله]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالِاخْتِصَارِ خَوْفَ الْمَلَلِ وَالْإِضْجَارِ، وَوَسَمْتُهُ بِـ: " الْمُبْدِعِ فِي شَرْحِ الْمُقْنِعِ "، وَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ، وَيَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، إِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. [الْكَلَامُ عَلَى الْحَمْدِ لِلَّهِ] قَالَ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (الْحَمْدُ) افْتَتَحَ كِتَابَهُ بَعْدَ التَّبَرُّكِ بِالْبَسْمَلَةِ بِحَمْدِ اللَّهِ أَدَاءً لِحَقٍّ مُنْبِئٍ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ شُكْرِ نَعْمَائِهِ الَّتِي تَأْلِيفُ هَذَا الْمُخْتَصَرِ أَثَرٌ مِنْ آثَارِهَا، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَمَعْنَى " ذِي بَالٍ " أَيْ: حَالٍ يُهْتَمُّ بِهِ، وَالْأَجْذَمُ، بِالْجِيمِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ الْأَقْطَعُ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ مَقْطُوعُ الْبَرَكَةِ. وَالْحَمْدُ: هُوَ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى قَصْدِ التَّعْظِيمِ، سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِالنِّعْمَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا، وَالشُّكْرُ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ، لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا، سَوَاءٌ كَانَ بِاللِّسَانِ، أَوْ بِالْجَنَانِ، أَوْ بِالْأَرْكَانِ، فَمَوْرِدُ الْحَمْدِ هُوَ اللِّسَانُ وَحْدَهُ، وَمُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ وَغَيْرُهَا، وَالشُّكْرُ يَعُمُّ اللِّسَانَ وَغَيْرَهُ، وَمُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ فَقَطْ، فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقِ، وَأَخَصُّ بِاعْتِبَارِ الْمَوْرِدِ، وَعَكْسُهُ الشُّكْرُ، فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، لِأَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَادَّةٍ، وَهُوَ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِحْسَانِ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي صِدْقِ الْحَمْدِ فَقَطْ، عَلَى الْوَصْفِ بِالْعِلْمِ وَالشَّجَاعَةِ، وَصِدْقِ الشُّكْرِ فَقَطْ، عَلَى الثَّنَاءِ بِالْجَنَانِ أَوِ الْأَرْكَانِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِحْسَانِ. وَقِيلَ: الْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ، وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ. وَنَقِيضُ الْحَمْدِ: الذَّمُّ، وَنَقِيضُ الشُّكْرِ: الْكُفْرُ. وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعُمُومِ، أَيْ: يَسْتَحِقُّ الْمَحَامِدَ كُلَّهَا، وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهِ، فَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ " الْحَمَدَةِ " وَهِيَ شِدَّةُ لَهَبِ النَّارِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: هُوَ مَقْلُوبٌ مِنَ " الْمَدْحِ " كَقَوْلِهِمْ: مَا أَطْيَبَهُ وَأَيْطَبَهُ. (لِلَّهِ) اسْمٌ لِلذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ، الْمُسْتَحِقِّ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلِ: الْحَمْدُ لِلْخَالِقِ، أَوْ لِلرَّزَّاقِ مِمَّا يُوهِمُ بِاخْتِصَاصِ اسْتِحْقَاقِهِ الْحَمْدَ بِوَصْفٍ دُونَ وَصْفٍ. وَنَقَلَ الْبَنْدَنِيجِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ، لِأَنَّهُ فِي سَائِرِ تَصَارِيفِهِ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ. وَذَهَبَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ، وَذَهَبَ آخَرُونَ وَحَكَاهُ سِيبَوَيْهِ عَنِ الْخَلِيلِ إِلَى خِلَافِهِ، فَقِيلَ: هُوَ مِنْ أَلَهَ بِالْفَتْحِ " إِلَاهَةً "، أَيْ: عَبَدَ عِبَادَةً، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبَادَةَ دُونَ غَيْرِهِ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَلَهْتُ إِلَى فُلَانٍ أَيْ: سَكَنْتُ إِلَيْهِ، وَأَصْلُهُ: إِلَهٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] فَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، فَصَارَ " الْإِلَهُ "، ثُمَّ أُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ، ثُمَّ سُكِّنَتْ، وَأُدْغِمَتْ فِي اللَّامِ الثَّانِيَةِ، فَصَارَ " اللَّهَ " بِالتَّرْقِيقِ، ثُمَّ فُخِّمَ إِجْلَالًا وَتَعْظِيمًا، فَقِيلَ: " اللَّهُ " كَذَا قَرَّرَهُ أَبُو الْبَقَاءِ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ. وَهُوَ عَرَبِيٌّ خِلَافًا لِلْبَلْخِيِّ فِي تَعْرِيبِهِ مِنَ السُّرْيَانِيَّةِ. (الْمَحْمُودِ) هُوَ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْأَوْلَى جَرُّهُ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ مِنَ الصِّفَاتِ. (عَلَى
عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ، الْعَالِمِ بِعَدَدِ الْقَطْرِ، وَأَمْوَاجِ الْبِحَارِ، وَذَرَّاتِ الرِّمَالِ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا تَحْتَ أَطْبَاقِ الْجِبَالِ، عَالِمِ الْغَيْبِ ـــــــــــــــــــــــــــــQكُلِّ حَالٍ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» . (الدَّائِمِ) قَالَ تَعَالَى: {أُكُلُهَا دَائِمٌ} [الرعد: 35] أَيْ: مُسْتَمِرٌّ، وَلَمَّا كَانَ أَحَقُّ الْأَشْيَاءِ بِالدَّوَامِ هُوَ اللَّهُ، كَانَ الدَّائِمُ هُوَ اللَّهَ تَعَالَى. (الْبَاقِي) قَالَ تَعَالَى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27] وَالدَّوَامُ أَعَمُّ مِنَ الْبَقَاءِ، لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، وَيُسَمَّى أَزَلِيًّا، وَفِي الْمُسْتَقْبَلِ وَيُسَمَّى أَبَدِيًّا. (بِلَا زَوَالٍ) ، أَيْ: بِلَا انْفِصَالٍ، (الْمُوجِدِ) هُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَوْجَدَ، (خَلْقَهُ) ، أَيْ: مَخْلُوقَاتِهِ، إِذِ الْمَصْدَرُ يَرِدُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، كَقَوْلِهِمُ: الدِّرْهَمُ ضَرْبُ الْأَمِيرِ، أَيْ مَضْرُوبُهُ. (عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ) سَبَقَ، لِأَنَّهُ أَنْشَأَهَا مِنَ الْعَدَمِ، لِكَمَالِ قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ. (الْعَالِمِ) هُوَ مِنْ جُمْلَةِ أَوْصَافِهِ الذَّاتِيَّةِ، لِأَنَّهُ يُوصَفُ بِهِ، وَلَا يُوصَفُ بِنَقِيضِهِ فِي مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِعِلْمٍ، وَعِلْمُهُ قَدِيمٌ، لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ، وَلَا نَظَرِيٍّ، وِفَاقًا. (بِعَدَدِ) يُقَالُ: عَدَدْتُ الشَّيْءَ عَدًّا: أَحْصَيْتُهُ، وَالِاسْمُ: الْعَدَدُ، وَالْعَدِيدُ، يُقَالُ: هُمْ عَدِيدُ الْحَصَى وَالثَّرَى، أَيْ: فِي الْكَثْرَةِ. (الْقَطْرِ) جَمْعُ قَطْرَةٍ، وَهُوَ الْمَطَرُ، وَقَدْ قَطَرَ الْمَاءُ، يَقْطُرُ قَطْرًا، وَقَطَرْتُهُ أَنَا، يَتَعَدَّى، وَلَا يَتَعَدَّى. (وَأَمْوَاجِ) يُقَالُ: مَاجَ الْبَحْرُ، يَمُوجُ مَوْجًا: إِذَا اضْطَرَبَ وَكَذَلِكَ النَّاسُ يَمُوجُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (الْبَحْرِ) هُوَ خِلَافُ الْبَرِّ، يُقَالُ: يُسَمَّى بِهِ لِعُمْقِهِ وَاتِّسَاعِهِ، وَالْجَمْعُ أَبْحُرٌ، وَبِحَارٌ، وَبُحُورٌ، وَكُلُّ نَهْرٍ عَظِيمٍ بَحْرٌ، وَيُسَمَّى الْفَرَسُ الْوَاسِعُ الْجَرْيِ بَحْرًا، وَمَاءٌ بَحْرٌ، أَيْ: مِلْحٌ، وَتَبَحَّرَ فِي الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ.، أَيْ: تَعَمَّقَ فِيهِ وَتَوَسَّعَ. (وَذَرَّاتِ الرِّمَالِ) الذَّرَّاتُ: وَاحِدُهَا ذَرَّةٌ، وَهِيَ صُغْرَى النَّمْلِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الرَّمْلِ تَشْبِيهًا. (لَا يَعْزُبُ) هُوَ بِضَمِّ الزَّايِ وَكَسْرِهَا، أَيْ: لَا يَبْعُدُ وَلَا يَغِيبُ (عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) أَيْ: زِنَةُ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ (فِي الْأَرْضِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ عَلَى قَرْنِ ثَوْرٍ، وَالثَّوْرُ وَاقِفٌ عَلَى ظَهْرِ نُونٍ، وَالْحُوتُ فِي الْمَاءِ، وَالْمَاءُ عَلَى ظَهْرِ صَفَا، وَالصَّفَا عَلَى ظَهْرِ مَلَكٍ، وَالْمَلَكُ عَلَى صَخْرَةٍ، وَالصَّخْرَةُ عَلَى الرِّيحِ، وَهِيَ الصَّخْرَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا لُقْمَانُ لَيْسَتْ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) . قَالَ الْحُكَمَاءُ: الْأَرْضُ جِسْمٌ بَسِيطٌ كُرِّيٌّ بَارِدٌ يَابِسٌ، يَتَحَرَّكُ إِلَى الْوَسَطِ، وَلَوْلَا بُرُودَتُهَا وَيُبْسُهَا مَا أَمْكَنَ قَرَارُ الْحَيَوَانِ عَلَى ظَهْرِهَا، وَمَدَرَتِ الْمَعَادِنُ وَالنَّبَاتُ فِي بَطْنِهَا، وَخُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ فِي قَوْلٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة: 29] وَهِيَ سَبْعٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطلاق: 12] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ، طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» {وَلا فِي السَّمَاءِ} [آل عمران: 5] قَالَ قَتَادَةُ: خُلِقَتْ قَبْلَ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} [النازعات: 27]
وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى وَآلِهِ خَيْرِ آلٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQإِلَى قَوْلِهِ: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30] وَقَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [الأنعام: 1] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّهُ تَعَالَى أَيْبَسَ الْمَاءَ الَّذِي كَانَ عَرْشُهُ عَلَيْهِ، فَجَعَلَهُ أَرْضًا، وَثَارَ مِنْهُ دُخَانٌ، فَارْتَفَعَ فَجَعَلَهُ سَمَاءً، فَصَارَ خَلْقُ الْأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ، ثُمَّ قَصَدَ أَمْرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ إِذَا خَلَقَهَا غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ. (وَلَا تَحْتَ أَطْبَاقِ الْجِبَالِ) : وَاحِدُهَا جَبَلٌ، وَأَعْظَمُهَا خَلْقًا جَبَلُ قَافٍ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هُوَ جَبَلٌ أَخْضَرُ مِنْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْرَاءَ، وَمِنْهَا خُضْرَةُ السَّمَاءِ، وَهُوَ مُحِيطٌ بِالدُّنْيَا إِحَاطَةَ بَيَاضِ الْعَيْنِ بِسَوَادِهَا، وَمِنْ وَرَائِهِ خَلَائِقُ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ وَخَلَقَهَا اللَّهُ لِحِكْمَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الْحُوتَ لَمَّا اضْطَرَبَ تَزَلْزَلَتِ الْأَرْضُ، فَأَرْسَلَ عَلَيْهَا الْجِبَالَ، فَقَرَّتْ، فَالْجِبَالُ تَفْخَرُ عَلَى الْأَرْضِ، قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} [الأنبياء: 31] قَالَ بَعْضُ الْمُهَنْدِسِينَ: لَوْ لَمْ تَكُنِ الْجِبَالُ لَكَانَ وَجْهُ الْأَرْضِ مُسْتَدِيرًا أَمْلَسَ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَغَطَّى الْمَاءُ جَمِيعَ جِهَاتِهَا وَأَحَاطَ بِهَا. (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) لِأَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا غَابَ عَنِ الْعُيُونِ، مِمَّا لَمْ يُعَايَنْ وَلَمْ يُشَاهَدْ، وَقِيلَ: هُمَا السِّرُّ وَالْعَلَانِيَةُ. وَالْإِشَارَةُ بِهِ أَنَّ الْعِلْمَ يَنْقَسِمُ إِلَى شَهَادَةٍ وَغَيْبٍ، فَالشَّهَادَةُ: مَا حَصَلَتْ مَعْرِفَتُهُ مِنْ طَرِيقِ الشُّهُودِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ غَيْبٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ. (الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ) الْمُنَزَّهُ عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ أُنْكِرَ عَلَى الْمُؤَلِّفِ فِي إِسْقَاطِ التَّشَهُّدِ مِنَ الْخُطْبَةِ، لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ مَا سَبَقَ، فَهُوَ كَافٍ. (وَصَلَّى اللَّهُ) وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، قَرَنَ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] قَالَ: لَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي. وَالصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ: الرَّحْمَةُ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ: اسْتِغْفَارٌ، وَمِنَ الْآدَمِيِّ تَضَرُّعٌ وَدُعَاءٌ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: صَلَاةُ اللَّهِ: ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ: الدُّعَاءُ. (عَلَى سَيِّدِنَا) السَّيِّدُ: هُوَ الَّذِي يَفُوقُ قَوْمَهُ فِي الْخَيْرِ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ، وَقِيلَ: التَّقِيُّ، وَقِيلَ: الْحَلِيمُ، وَقِيلَ: الَّذِي لَا يَغْلِبُهُ غَضَبُهُ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ مُنْحَصِرٌ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. (مُحَمَّدٍ) لَمَّا عَلِمَ اللَّهُ كَثْرَةَ خِصَالِهِ الْمَحْمُودَةِ، أَلْهَمَ أَهْلَهُ أَنْ يُسَمُّوهُ مُحَمَّدًا، وَهُوَ عَلَمٌ مَنْقُولٌ مِنَ التَّحْمِيدِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْحَمِيدِ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ بِقَوْلِهِ: وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ (الْمُصْطَفَى) هُوَ الْخَالِصُ مِنَ الْخَلْقِ، وَهُوَ خَيْرُ الْخَلَائِقِ كَافَّةً. (وَآلِهِ) . جُمْهُورُ
صَلَاةً دَائِمَةً بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، أَمَّا بَعْدُ، فَهَذَا كِتَابٌ فِي الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيِّ اجْتَهَدْتُ فِي جَمْعِهِ وَتَرْتِيبِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ إِضَافَةِ " آلِ " إِلَى الْمُضْمَرِ كَمَا اسْتَعْمَلَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ، وَالنَّحَّاسُ، وَالزُّبَيْدِيُّ: لَا يُضَافُ إِلَّا إِلَى الْمُظْهَرِ لِتَوَغُّلِهِ فِي الْإِبْهَامِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمْ. (خَيْرِ آلٍ) أَصْلُ خَيْرٍ: أَخْيَرُ، فَحَذَفُوا الْهَمْزَةَ، وَبَعْدَهَا سَاكِنٌ لَا يُمْكِنُ النُّطْقُ بِهِ، فَنَقَلُوا حَرَكَةَ مَا قَبْلَ الْآخِرِ إِلَيْهِ، فَبَقِيَ " خَيْرٌ " كُلُّ ذَلِكَ تَخْفِيفًا. (صَلَاةً دَائِمَةً) أَيْ مُسْتَمِرَّةً مُتَّصِلَةً، لَا تَنْقَطِعُ. اقْتَصَرَ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَمُسْلِمٍ فِي " صَحِيحِهِ " وَهُوَ مَكْرُوهٌ، نَقَلَهُ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " فَقَالَ: يُكْرَهُ إِفْرَادُ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَسْلِيمٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِمَا جَمِيعًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] مَعَ تَأْكِيدِ التَّسْلِيمِ بِالْمَصْدَرِ، فَدَلَّ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِهِ. (بِالْغُدُوِّ) جَمْعُ غُدْوَةٍ، وَهُوَ نَفْسُ الْفِعْلِ، تَقُولُ: غَدَا يَغْدُو غُدُوًّا، عَبَّرَ بِالْفِعْلِ عَنِ الْوَقْتِ، وَالْمُرَادُ بِالْغَدَوَاتِ، كَمَا تَقُولُ: آتِيكَ طُلُوعَ الشَّمْسِ، أَيْ: وَقْتَ طُلُوعِهَا. (وَالْآصَالِ) جَمْعُ أُصُلٍ، وَهُوَ جَمْعُ أَصِيلٍ، وَقِيلَ: الْآصَالُ: جَمْعُ أَصِيلٍ، وَالْآصَالُ: الْعَشِيَّاتُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ، هِيَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ. (أَمَّا بَعْدُ) أَيْ: بَعْدَ مَا ذَكَرَ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ يَأْتِي بِهَا الْمُتَكَلِّمُ إِذَا كَانَ فِي كَلَامٍ، وَأَرَادَ الِانْتِقَالَ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا يُؤْتَى بِهَا فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْتِي بِهَا فِي خُطَبِهِ وَكُتُبِهِ، رَوَاهُ عَنْهُ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ صَحَابِيًّا. فَأَمَّا " أَمَّا ". فَهِيَ كَلِمَةٌ فِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ: أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، مَعْنَاهُ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَأَصْلُهَا " مَامَا "، فَحُذِفَتِ الْأَلِفُ، ثُمَّ أُدْغِمَ بِشَرْطِهِ، وَالِابْتِدَاءُ بِالسَّاكِنِ مُتَعَذِّرٌ، فَأُلْحِقَتِ الْهَمْزَةُ مَفْتُوحَةً، لِئَلَّا يَلْتَبِسَ. " بَعْدُ " ظَرْفُ زَمَانٍ، وَالْأَعْرَفُ فِيهَا هُنَا الْبِنَاءُ عَلَى الضَّمِّ، لِكَوْنِهَا قُطِعَتْ عَنِ الْإِضَافَةِ، وَفِيهَا وُجُوهٌ أُخَرُ، وَهِيَ فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ دَاوُدُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص: 20] وَزَعَمَ الْكَلْبِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ قَالَهُ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ، وَقِيلَ: كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ، وَقِيلَ: يَعْرُبُ بْنُ قَحْطَانَ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. (فَهَذَا) إِشَارَةٌ إِلَى الْكِتَابِ الْمُؤَلَّفِ الْمُسَمَّى بِـ: " الْمُقْنِعِ " فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ جَازَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قَبْلَ تَأْلِيفِهِ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ الْإِشَارَةَ كَانَتْ إِلَى كِتَابٍ مُصَوَّرٍ فِي الذِّهْنِ، لِأَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى تَأْلِيفِ كِتَابٍ صَوَّرَهُ فِي ذِهْنِهِ، أَوْ إِنْ عَمِلَ خُطْبَةً كَانَتْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ تَأْلِيفِ الْكِتَابِ. (كِتَابٌ) هُوَ مِنَ الْمَصَادِرِ السَّيَّالَةِ، أَيْ: يُوجَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، يُقَالُ: كَتَبَ كِتَابًا وَكِتَابَةً، وَسُمِّيَ الْمَكْتُوبُ بِهِ مَجَازًا، وَمَعْنَاهُ جَمَعَ جُمْلَةً مِنَ الْعِلْمِ. (فِي الْفِقْهِ) هُوَ فِي اللُّغَةِ الْفَهْمُ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ بِالِاسْتِدْلَالِ. (عَلَى مَذْهَبِ) هُوَ الطَّرِيقُ، يُقَالُ: ذَهَبَ مَذْهَبًا حَقًّا وَذَهَابًا وَذُهُوبًا، وَجَمْعُهُ مَذَاهِبُ. (الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيِّ) وَالصِّدِّيقُ الثَّانِي إِمَامُ الْأَئِمَّةِ، وَنَاصِرُ السُّنَّةِ، وُلِدَ بِبَغْدَادَ بَعْدَ
وَإِيجَازِهِ، وَتَقْرِيبِهِ وَسَطًا بَيْنَ الْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ، وَجَامِعًا لِأَكْثَرِ الْأَحْكَامِ عُرْيَةً عَنِ الدَّلِيلِ، وَالتَّعْلِيلِ، لِيَكْثُرَ عِلْمُهُ وَيَقِلَّ حَجْمُهُ، وَيَسْهُلَ حِفْظُهُ وَفَهْمُهُ، وَيَكُونَ مُقْنِعًا لِحَافِظِيهِ نَافِعًا لِلنَّاظِرِ فِيهِ، وَاللَّهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يُبَلِّغَنَا أَمَلَنَا، وَيُصْلِحَ قَوْلَنَا وَعَمَلَنَا، وَيَجْعَلَ سَعْيَنَا مُقَرِّبًا إِلَيْهِ وَنَافِعًا لَدَيْهِ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQحَمْلِ أُمِّهِ بِهِ بِمَرْوَ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثَانِيَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَهُ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً. رَوَى ابْنُ ثَابِتٍ الْخَطِيبِ بِإِسْنَادِهِ: قَالَ الْوَرْكَانِيُّ جَارُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَسْلَمَ يَوْمَ مَاتَ أَحْمَدُ عِشْرُونَ أَلْفًا مِنَ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَالْمَجُوسِ،. وَمَنَاقِبُهُ مَشْهُورَةٌ. (اجْتَهَدْتُ) الِاجْتِهَادُ: هُوَ بَذْلُ الْوُسْعِ فِيمَا فِيهِ كَلَفَةٌ وَمَشَقَّةٌ. (فِي جَمْعِهِ) مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ وَأَصْحَابِهِ. (وَتَرْتِيبِهِ) أَيْ: تَرْتِيبِ أَبْوَابِهِ وَمَسَائِلِهِ. (وَإِيجَازِهِ) أَيْ: تَقْصِيرِهِ، يُقَالُ: أَوْجَزَ فِي الْكَلَامِ، فَهُوَ كَلَامٌ مُوجَزٌ وَمُوجِزٌ وَوَجْزٌ وَوَجِيزٌ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. (وَتَقْرِيبِهِ) إِلَى الْأَفْهَامِ بِعِبَارَةٍ سَهْلَةٍ مِنْ غَيْرِ تَعْقِيدٍ، وَلَقَدْ بَالَغَ فِي ذَلِكَ، وَحَرَصَ عَلَيْهِ طَاقَتَهُ، فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، وَأَثَابَهُ الْجَنَّةَ. (وَسَطًا بَيْنَ الْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ) أَيْ: مُتَوَسِّطًا بَيْنَهُمَا، لَيْسَ هُوَ بِالْقَصِيرِ الْمُخِلِّ، وَلَا بِالطَّوِيلِ الْمُمِلِّ، وَخِيَارُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا، إِذِ الْوَسَطُ الْعَدْلُ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ، بِـ" جَمْعِهِ " عَلَى الْحَالِ، أَيِ: اجْتَهَدْتُ فِي جَمْعِهِ وَسَطًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَاصِبُهُ فِعْلًا مُقَدَّرًا، أَيْ: جَعَلْتُهُ وَسَطًا. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: هُوَ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ طَرَفَيِ الشَّيْءِ، فَأَمَّا اللَّفْظُ بِهِ، فَقَالَ الْمُبَرِّدُ: مَا كَانَ اسْمًا، فَهُوَ مُحَرَّكُ السِّينِ، كَقَوْلِكَ: وَسَطُ رَأْسِهِ صُلْبٌ، وَمَا كَانَ ظَرْفًا، فَهُوَ مُسَكَّنٌ، كَقَوْلِكَ: وَسْطَ رَأْسِهِ دَهَنَ، أَيْ: فِي وَسَطِهِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: مَا صَلَحَ فِيهِ " بَيْنَ "، فَهُوَ بِالسُّكُونِ، وَمَا لَمْ يَصْلُحْ فِيهِ " بَيْنَ " فَهُوَ بِالتَّحْرِيكِ، وَرُبَّمَا سُكِّنَ، وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَالَ يُونُسُ: سَمِعْتُ وَسَطَ وَوَسْطَ بِمَعْنًى. (وَجَامِعًا) مَعْطُوفٌ عَلَى (وَسَطًا) ، (لِأَكْثَرِ الْأَحْكَامِ) جَمْعُ حُكْمٍ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ، أَوِ التَّخْيِيرِ، أَوِ الْوَضْعِ) ، (عُرْيَةً عَنِ الدَّلِيلِ) أَيْ: مُجَرَّدًا عَنْ ذِكْرِ الدَّلِيلِ غَالِبًا وَهُوَ لُغَةً: عِبَارَةٌ عَنِ الْمُرْشِدِ، وَاصْطِلَاحًا: مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ. وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الدَّلِيلُ التَّفْصِيلِيُّ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ. (وَالتَّعْلِيلِ) أَيْ: مُجَرَّدًا عَنِ الْعِلَّةِ أَيْضًا، وَهِيَ حِكْمَةُ الْحُكْمِ، أَيْ: مَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ لِأَجْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الدَّلِيلِ، إِذْ كُلُّ تَعْلِيلٍ دَلِيلٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا. (لِيَكْثُرَ عِلْمُهُ) أَىْ جَرَّدَهُ عَنِ الدَّلِيلِ وَالتَّعْلِيلِ غَالِبًا مَعَ مَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ: اجْتَهَدْتُ إِلَى آخِرِهِ، لِأَجْلِ تَكْثِيرِ أَحْكَامِهِ. (وَيَقِلَّ حَجْمُهُ) فِي النَّظَرِ فَلَا تَنْفِرُ النَّفْسُ مِنْهُ، (وَيَسْهُلُ حِفْظُهُ وَفَهْمُهُ) أَيْ: يَسْهُلُ حِفْظُ مَبَانِيهِ وَفَهْمُ مَعَانِيهِ، إِذِ الْفَهْمُ: إِدْرَاكُ مَعْنَى الْكَلَامِ، قِيلَ: بِسُرْعَةٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ. (وَيَكُونَ مُقْنِعًا لِحَافِظِيهِ) أَيْ: يَقْنَعَ بِهِ حَافِظُهُ عَنْ غَيْرِهِ. (نَافِعًا لِلنَّاظِرِ فِيهِ) أَيْ: بِمُطَالَعَتِهِ. (وَاللَّهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يُبَلِّغَنَا أَمَلَنَا، وَيُصْلِحَ قَوْلَنَا وَعَمَلَنَا، وَيَجْعَلَ سَعْيَنَا مُقَرِّبًا إِلَيْهِ وَنَافِعًا لَدَيْهِ)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQسَأَلَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُبَلِّغَهُ أَمَلَهُ، وَيُصْلِحَ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ، وَقَدْ عَمَّ فِي الدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى عَلِيٍّ وَهُوَ يَدْعُو وَيَخُصُّ نَفْسَهُ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، عُمَّ فَإِنَّ فَضْلَ الْعُمُومِ عَلَى الْخُصُوصِ كَفَضْلِ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ» . (وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) الْحَسِيبُ: الْكَافِي. وَالْوَكِيلُ: الْحَافِظُ، وَقِيلَ: الْمَوْكُولُ إِلَيْهِ تَدْبِيرُ خَلْقِهِ، وَالْقَائِمُ بِمَصَالِحِهِمْ، فَيَكُونُ " وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " عُطِفَ عَلَى جُمْلَةِ " وَهُوَ حَسْبُنَا "، وَالْخُصُوصُ مَحْذُوفٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى " حَسْبُنَا " أَيْ: وَهُوَ نِعْمَ الْوَكِيلُ، وَالْمَخْصُوصُ: هُوَ الضَّمِيرُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى مَا قَالُوهُ فِي: زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَقَدْ عُطِفَ الْإِنْشَاءُ عَلَى الْإِخْبَارِ.
[كتاب الطهارة]
كِتَابُ الطَّهَارَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [كِتَابُ الطَّهَارَةِ] [مُقَدِّمَةٌ] ِ بَدَأَ الْمُؤَلِّفُ بِذَلِكَ اقْتِدَاءً بِالْأَئِمَّةِ، مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ، لِأَنَّ آكَدَ أَرْكَانِ الدِّينِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ الصَّلَاةُ، وَلَا بُدَّ لَهَا مِنَ الطَّهَارَةِ، لِأَنَّهَا شَرْطٌ، وَالشَّرْطُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَهِيَ تَكُونُ بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ، وَالْمَاءُ هُوَ الْأَصْلُ، وَبَدَءُوا بِرُبْعِ الْعِبَادَاتِ اهْتِمَامًا بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ فَقَدَّمُوهَا عَلَى الدُّنْيَوِيَّةِ، وَقَدَّمُوا رُبْعَ الْمُعَامَلَاتِ عَلَى النِّكَاحِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، لِأَنَّ سَبَبَ الْمُعَامَلَاتِ وَهُوَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَنَحْوُهُمَا ضَرُورِيٌّ يَسْتَوِي فِيهِ الْكَبِيرُ، وَالصَّغِيرُ، وَشَهْوَتُهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى شَهْوَةِ النِّكَاحِ، وَقَدَّمُوا النِّكَاحَ عَلَى الْجِنَايَاتِ وَالْمُخَاصَمَاتِ، لِأَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَهَذِهِ مُنَاسَبَةٌ حَسَنَةٌ ذَكَرَهَا الْمُتَوَلِّي فِي تَتِمَّتِهِ.، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ تَعْرِيفَ الْمُرَكَّبِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَعْرِفَةِ كُلٍّ مِنْ مُفْرَدَيْهِ، فَالْكِتَابُ وَالْكَتْبُ مَصْدَرَانِ: صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَكُتُبٌ يَدُورُ مَعْنَاهَا عَلَى الْجَمْعِ يُقَالُ: كَتَبْتُ الْبَغْلَةَ، إِذَا جَمَعْتَ بَيْنَ شَفْرَيْهَا بِحَلْقَةٍ أَوْ سَيْرٍ، قَالَ سَالِمُ بْنُ دَارَةَ: لَا تَأْمَنَنَّ فَزَارِيًّا خَلَوْتَ بِهِ ... عَلَى قَلُوصِكَ وَاكْتُبْهَا بِأَسْيَارِ أَيْ: وَاجْمَعْ بَيْنَ شَفْرَيْهَا بِحَلْقَةٍ أَوْ سَيْرٍ، وَالْقَلُوصُ فِي الْإِبِلِ بِمَنْزِلَةِ الْجَارِيَةِ فِي النَّاسِ، وَتَكَتَّبَتْ بَنُو فُلَانٍ: إِذَا اجْتَمَعُوا، وَمِنْهُ قِيلَ لِجَمَاعَةِ الْخَيْلِ: كَتِيبَةٌ، وَالْكِتَابَةِ بِالْقَلَمِ كِتَابَةٌ، لِاجْتِمَاعِ الْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْكِتَابَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْكَتْبِ عَجِيبٌ، لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُشْتَقُّ مِنْ مِثْلِهِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَصْدَرَ أُطْلِقَ وَأُرِيدَ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُولِ وَهُوَ الْمَكْتُوبُ، كَقَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ نَسْجُ الْيَمَنِ، أَيْ: مَنْسُوجُهُ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: الْمَكْتُوبُ لِلطَّهَارَةِ، وَالْمَكْتُوبُ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الِاشْتِقَاقُ الْأَكْبَرُ، وَهُوَ اشْتِقَاقُ الشَّيْءِ مِمَّا يُنَاسِبُهُ مُطْلَقًا كَالْبَيْعِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْبَاعِ، وَهِيَ بِالْمُثَلَّثَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الرَّمْلِ الْمُجْتَمِعِ، وَهُوَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذَا. وَأَمَّا الطَّهَارَةُ: فَمَصْدَرُ طَهُرَ يَطْهُرُ بِضَمِّ الْهَاءِ فِيهِمَا كَالضَّخَامَةِ، وَهُوَ فِعْلٌ لَازِمٌ لَا يَتَعَدَّى إِلَّا بِالتَّضْعِيفِ، فَيُقَالُ: طَهَّرَ، وَقَدْ تُفْتَحُ الْهَاءُ مِنْ " طَهَرَ " فَيَكُونُ مَصْدَرُهُ طُهْرًا دُونَ طَهَارَةٍ كَحَكَمَ حُكْمًا، وَأَمَّا فَعَالَةٌ فَلَمْ يَأْتِ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ، وَمَعْنَاهَا لُغَةً: النَّظَافَةُ وَالنَّزَاهَةُ
[باب المياه]
بَابُ الْمِيَاهِ وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَاءٌ طَهُورٌ، وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ وَمَا تَغَيَّرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَنِ الْأَقْذَارِ، وَمَادَّةُ " ن ز هـ " تَرْجِعُ إِلَى الْبُعْدِ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ قَالَ: لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» أَيْ: مُطَهَّرٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وَهِيَ أَقْذَارٌ مَعْنَوِيَّةٌ، وَشَرْعًا: رَفْعُ مَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ مِنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَاسَةٍ بِالْمَاءِ، أَوْ رَفْعُ حُكْمِهِ بِالتُّرَابِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ عَكْسَهُ الْحَجَرَ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ فِي الِاسْتِجْمَارِ، وَدَلْكِ النَّعْلِ، وَذَيْلِ الْمَرْأَةِ عَلَى قَوْلٍ، وَالْأَغْسَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ، وَالتَّجْدِيدِ، وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، فَإِنَّهَا طَهَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَلَا تَمْنَعُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْيِيدِهِمَا بِكَوْنِهِمَا طَهُورَيْنِ، وَأُجِيبَ عَنِ الْأَغْسَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ لِمُشَابَهَتِهِ الرَّافِعَ فِي الصُّورَةِ، زَادَ ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ: وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِجْمَالِ يُوهِمُ أَنَّ (مِنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَاسَةٍ) بَيَانٌ لِمَا فِي مَعْنَاهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ مَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ، وَفِي " الْوَجِيزِ ": اسْتِعْمَالُ الطَّهُورِ فِي مَحَلِّ التَّطْهِيرِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، وَرُدَّ بِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً مَعَ أَنَّهُ حَدٌّ لِلتَّطْهِيرِ لَا لِلطَّهَارَةِ، فَهُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْمَحْدُودِ. وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: خُلُوُّ الْمَحَلِّ عَمَّا هُوَ مُسْتَقْذَرٌ شَرْعًا، وَهُوَ إِمَّا حِسِّيٌّ، وَيُسَمَّى نَجَاسَةً، وَإِمَّا حُكْمِيٌّ، وَيُسَمَّى حَدَثًا، فَالتَّطْهِيرُ إِخْلَاءُ الْمَحَلِّ مِنَ الْأَقْذَارِ الشَّرْعِيَّةِ، وَفِي ابْنِ الْمُنَجَّا: اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الطَّهُورِ أَوْ بَدَلِهِ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ قَاصِرٌ، وَبِأَنَّ الطَّهَارَةَ قَدْ تُوجَدُ حَيْثُ لَا فِعْلَ بِالْكُلِّيَّةِ، كَالْخَمْرَةِ إِذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا، وَالْأَوْلَى: أَنَّهَا رَفْعُ الْحَدَثِ، وَإِزَالَةُ النَّجَسِ، وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِاسْتِعْمَالِهِ إِلَّا فِيهِمَا، فَعِنْدَ إِطْلَاقِ لَفْظِ الطَّهَارَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ، إِنَّمَا يَنْصَرِفُ إِلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ، وَكَذَا كُلُّ مَا لَهُ مَوْضُوعٌ شَرْعِيٌّ وَلُغَوِيٌّ كَالصَّلَاةِ، فَكِتَابُ الطَّهَارَةِ: هُوَ الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الطَّهَارَةِ مِنْ بَيَانِ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ، وَمَا يُتَطَهَّرُ لَهُ، وَمَا يَجِبُ أَنْ يُتَطَهَّرَ مِنْهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. [بَابُ الْمِيَاهِ] [أَقْسَامُ الْمِيَاهِ] [الْمَاءُ الطَّاهِرُ الْمُطَهِّرُ] بَابُ الْمِيَاهِ الْبَابُ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الصِّنْفِ، وَهُوَ مَا يَدْخُلُ مِنْهُ إِلَى الْمَقْصُودِ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ. الْمِيَاهُ: جَمْعُ مَاءٍ، وَهَمْزَتُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ هَاءٍ فَأَصْلُهُ مَوَهَ، وَجَمْعُهُ فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالْقِلَّةِ أَمْوَاهٌ، وَفِي الْكَثْرَةِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ مِيَاهٌ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ مِيَاهٌ جَمْعُ قِلَّةٍ أَيْضًا، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَإِنَّمَا جُمِعَ لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ (وَهِيَ) أَيِ: الْمِيَاهُ (عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ) لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَجُوزَ الْوُضُوءُ بِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ جَازَ فَهُوَ الطَّهُورُ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَجُوزَ شُرْبُهُ أَوْ لَا، فَإِنْ جَازَ فَهُوَ الطَّاهِرُ، وَإِلَّا فَهُوَ النَّجِسُ، أَوْ نَقُولُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا فِي اسْتِعْمَالِهِ أَوْ لَا. الثَّانِي: النَّجِسُ، وَالْأَوَّلُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ: الطَّهُورُ، وَالثَّانِي: الطَّاهِرُ، وَطَرِيقَةُ الْخِرَقِيِّ، وَصَاحِبِ " التَّلْخِيصِ " أَنَّ الْمَاءَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: طَاهِرٍ، وَهُوَ قِسْمَانِ: طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، وَطَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ، وَنَجِسٍ. وَطَرِيقَةُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى طَاهِرٍ وَنَجِسٍ، وَقَالَ: إِثْبَاتُ قِسْمٍ طَاهِرٍ غَيْرِ مُطَهِّرٍ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَذَكَرَ ابْنُ رَزِينٍ أَنَّهُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، وَزَادَ: " الْمَشْكُوكُ فِيهِ "، (مَاءٌ طَهُورٌ) قَدَّمَهُ عَلَى قِسْمَيْهِ لِمَزِيَّتِهِ بِالصِّفَتَيْنِ، وَالطُّهُورُ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمَصْدَرُ، وَقَالَ الْيَزِيدِيُّ: وَبِفَتْحِهَا: هُوَ الطَّاهِرُ فِي ذَاتِهِ، الْمُطَهِّرُ غَيْرَهُ، مِثْلُ الْغَسُولِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ، فَعَلَى هَذَا هُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُتَعَدِّيَةِ وِفَاقًا لِمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ دَاوُدَ: هُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ اللَّازِمَةِ بِمَعْنَى الطَّاهِرِ سَوَاءً، لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ فَاعِلٍ وَفَعُولٍ فِي التَّعَدِّي وَاللُّزُومِ كَقَاعِدٍ وَقَعُودٍ، وَإِذَا كَانَ الطَّاهِرُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ فَالطَّهُورُ كَذَلِكَ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الطَّهُورُ مُتَعَدِّيًا لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ هَذَا الْإِطْلَاقُ حَقِيقَةً إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ التَّطْهِيرِ كَقَتُولٍ وَضَرُوبٍ، وَجَوَابُهُ قَوْله تَعَالَى {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» . وَلَوْ أَرَادَ بِهِ الطَّاهِرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ طَاهِرٌ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، وَرَوَى مَالِكٌ، وَالْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» . وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الطَّهُورُ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُطَهِّرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَوَابًا لِلْقَوْمِ، حَيْثُ سَأَلُوهُ عَنِ التَّعَدِّي ; إِذْ لَيْسَ كُلُّ طَاهِرٍ مُطَهِّرًا، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] فَمَعْنَاهُ طَاهِرًا مُطَهِّرًا، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ هُنَاكَ إِلَى التَّطْهِيرِ ; إِذْ لَا نَجَاسَةَ فِيهَا، لِأَنَّ الْقَصْدَ وَصْفُهُ بِأَعْلَى الْأَشْرِبَةِ عِنْدَنَا، وَهُوَ الْمَاءُ الْجَامِعُ لِلْوَصْفَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَرَابًا طَهُورًا أَيْ: مُطَهِّرًا مِنَ الْغِلِّ وَالْغِشِّ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ الْعَرَبَ سَوَّتْ بَيْنَهُمَا فِي اللُّزُومِ وَالتَّعَدِّي، قُلْنَا: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فِي الْجُمْلَةِ فَقَالُوا: قَتُولٌ، لِمَنْ كَثُرَ مِنْهُ الْقَتْلُ، فَيَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ هُنَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ إِلَّا مِنْ حَيْثُ اللُّزُومِ وَالتَّعَدِّي. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُ: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّ عِنْدَنَا أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تُزَالُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَائِعَاتِ غَيْرِ الْمَاءِ وَعِنْدَهُمْ يَجُوزُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَا تُرْفَعُ النَّجَاسَةُ عَنْ نَفْسِهَا، وَالْمَاءُ يَدْفَعُهُ لِكَوْنِهِ مُطَهِّرًا، وَقِيلَ: وِفَاقًا لِمَالِكٍ: الطَّهُورُ: مَا يَتَكَرَّرُ مِنْهُ التَّطْهِيرُ، كَالصَّبُورِ، وَالشَّكُورِ لِمَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الصَّبْرُ، وَالشُّكْرُ، وَأَجَابَ الْقَاضِي عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الْمَاءِ أَوْ كُلُّ جُزْءٍ ضُمَّ إِلَى غَيْرِهِ، وَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ، أَوْ أَنَّ مَعْنَاهُ بِفِعْلِ التَّطْهِيرِ، وَلَوْ أُرِيدَ مَا ذَكَرُوهُ لَمْ يَصِحَّ وَصْفُهُ بِذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ الْفِعْلِ. (وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ) عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ مِنْ بُرُودَةٍ، أَوْ حَرَارَةٍ، أَوْ مُلُوحَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا كَمَاءِ السَّمَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] وَذَوْبِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَمَاءُ الْبَحْرِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» . وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْوُضُوءَ بِمَاءِ الْبَحْرِ، وَقَالَ: هُوَ نَارٌ، وَمَاءُ الْبِئْرِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ، قَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ صَحِيحٌ، وَمَاءُ الْعُيُونِ، وَالْأَنْهَارِ، لِأَنَّهُمَا كَمَاءِ الْبِئْرِ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صُبُّوا عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ذَنُوبًا مِنْ
بِمُكْثِهِ أَوْ بِطَاهِرٍ لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ كَالطُّحْلُبِ، وَوَرَقِ الشَّجَرِ، أَوْ بِمَا لَا يُخَالِطُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَاءٍ» . وَأَمَرَ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ أَنْ تَغْسِلَ دَمَ الْحَيْضِ بِالْمَاءِ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ جَوَازَ الطَّهَارَةِ أَيْضًا بِكُلِّ مَاءٍ شَرِيفٍ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " حَتَّى مَاءِ زَمْزَمَ فِي رِوَايَةٍ، وَرَجَّحَهَا الْمَجْدُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ: «ثُمَّ أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَا بِسَجْلٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْهُ وَتَوَضَّأَ» رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَيُكْرَهُ فِي أُخْرَى، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ أَنَّهَا أَصَحُّ، وَقَدَّمَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِمَا رُوِيَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْعَبَّاسَ قَائِمًا عِنْدَ زَمْزَمَ يَقُولُ: أَلَا لَا أُحِلُّهُ لِمُغْتَسِلٍ، وَلَكِنَّهُ لِكُلِّ شَارِبٍ حِلٌّ وَبِلٌّ، وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ: أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ قَالَ ذَلِكَ حِينَ احْتَفَرَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ شَرَفَهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ ذَلِكَ كَالْمَاءِ الَّذِي نَبَعَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَالنِّيلِ، وَالْفُرَاتِ، فَإِنَّهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ، وَقَوْلُ الْعَبَّاسِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ الشَّرَابَ، وَكَوْنُهُ مِنْ مَنْبَعٍ شَرِيفٍ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ، كَعَيْنِ سُلْوَانَ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: لَهُ خُصُوصِيَّةٌ انْفَرَدَ بِهَا، وَهِيَ كَوْنُهُ يُقْتَاتُ بِهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو ذَرٍّ فِي بَدْءِ إِسْلَامِهِ، وَفِي " التَّلْخِيصِ ": أَنَّهُ يُكْرَهُ الْوُضُوءُ بِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِهِ تُكْرَهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ فِي " نِهَايَتِهِ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهِ، وَفِيهَا يَتَخَرَّجُ أَنْ تَقُولَ: لَا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِهِ لِحُرْمَتِهِ، وَفِي جَبَلِ التُّرَابِ الطَّاهِرِ بِهِ، وَرَشِّ الطُّرُقِ وَجْهَانِ. وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ لَوْ سُبِّلَ مَاءٌ لِلشُّرْبِ، هَلْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ أَمْ يَحْرُمُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ الْغُسْلُ لَا الْوُضُوءُ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ لَا يُكْرَهُ مَا جَرَى عَلَى الْكَعْبَةِ، وَصَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ. (وَمَا تَغَيَّرَ بِمُكْثِهِ) يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الْآجِنَ الَّذِي تَغَيَّرَ بِطُولِ إِقَامَتِهِ فِي مَقَرِّهِ بَاقٍ عَلَى إِطْلَاقِهِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَوَضَّأَ بِمَاءٍ آجِنٍ، وَلِأَنَّهُ تَغَيَّرَ عَنْ غَيْرِ مُخَالَطَةٍ، أَشْبَهَ الْمُتَغَيِّرَ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ مَنْ يَحْفَظُ قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سِوَى ابْنِ سِيرِينَ فَإِنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " وَفِي " الْمُحَرَّرِ " لَا بَأْسَ بِهِ. (أَوْ) تَغَيَّرَ (بِطَاهِرٍ لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ) أَيْ: لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (كَالطُّحْلُبِ) يَجُوزُ فِيهِ ضَمُّ اللَّامِ وَفَتْحُهَا، وَهُوَ النَّبْتُ الْأَخْضَرُ الَّذِي يَخْرُجُ فِي أَسْفَلِ الْمَاءِ حَتَّى يَعْلُوَهُ، (وَوَرَقِ الشَّجَرِ) الَّذِي يَسْقُطُ
كَالْعُودِ، وَالْكَافُورِ، وَالدُّهْنِ، أَوْ بِمَا أَصْلُهُ الْمَاءُ كَالْمِلْحِ الْبَحْرِيِّ، أَوْ مَا تَرَوَّحَ بِرِيحِ مَيْتَةٍ إِلَى جَانِبِهِ، أَوْ سُخِّنَ بِالشَّمْسِ أَوْ بِطَاهِرٍ، فَهَذَا كُلُّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ يَرْفَعُ الْأَحْدَاثَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQفِيهِ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، أَشْبَهَ الْمُتَغَيِّرَ بِتِبْنٍ أَوْ عِيدَانٍ، وَكَالْمُتَغَيِّرِ بِكِبْرِيتٍ أَوْ قَارٍ، أَوْ فِي آنِيَةِ أَدَمٍ أَوْ نُحَاسٍ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " هُوَ مِنَ الطَّهُورِ الْمَكْرُوهِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " لَا بَأْسَ بِهِ، وَفِي الْمُتَغَيِّرِ بِتُرَابٍ طَهُورٍ طُرِحَ فِيهِ قَصْدًا وَجْهَانِ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ صَفَا الْمَاءُ فَطَهُورٌ، وَإِلَّا فَطَاهِرٌ، وَجَزَمَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " أَنَّهُ طَهُورٌ لِكَوْنِهِ يُوَافِقُ الْمَاءَ فِي صِفَتَيْهِ الطَّاهِرِيَّةِ وَالطَّهُورِيَّةِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " عَكْسُهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ رِقَّتِهِ، فَإِنْ ثَخُنَ بِحَيْثُ لَا يَجْرِي عَلَى الْأَعْضَاءِ لَمْ تَجُزِ الطَّهَارَةُ بِهِ لِأَنَّهُ طِينٌ وَلَيْسَ بِمَاءٍ، (أَوْ) تَغَيَّرَ (بِمَا لَا يُخَالِطُهُ كَالْعُودِ) وَالْمُرَادُ بِهِ الْعُودُ الْقَمَارِيُّ بِفَتْحِ الْقَافِ مَنْسُوبٌ إِلَى قَمَارَ مَوْضِعٍ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ (وَالْكَافُورِ) هُوَ الْمَشْمُومُ مِنَ الطِّيبِ (وَالدُّهْنِ) الطَّاهِرِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ عَنْ مُجَاوَرَةٍ، أَشْبَهَ الْمُتَغَيِّرَ بِجِيفَةٍ بِقُرْبِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يَصِيرُ طَاهِرًا، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ " الْخِلَافَ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": إِنْ تَحَلَّلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَطَاهِرٌ، وَإِلَّا فَطَهُورٌ، فَلَوْ خَالَطَ الْمَاءَ بِأَنْ دَقَّ أَوِ انْمَاعَ فَأَقْوَالٌ (أَوْ) تَغَيَّرَ (بِمَا أَصْلُهُ الْمَاءُ كَالْمِلْحِ الْبَحْرِيِّ) وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُرْسَلُ عَلَى السِّبَاخِ فَيَصِيرُ مِلْحًا، لِأَنَّ الْمُتَغَيِّرَ بِهِ مُنْعَقِدٌ مِنَ الْمَاءِ، أَشْبَهَ ذَوْبَ الثَّلْجِ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْمِلْحَ الْمَعْدِنِيَّ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهُوَ صَحِيحٌ صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ خَلِيطٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ مِنَ الْمَاءِ، أَشْبَهَ الزَّعْفَرَانَ، وَقِيلَ: لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْأَصْلِ مَاءٌ، وَلِهَذَا يَذُوبُ بِالنَّارِ (أَوْ مَا تَرَوَّحَ بِرِيحِ مَيْتَةٍ إِلَى جَانِبِهِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ تَغَيُّرُ مُجَاوَرَةٍ (أَوْ سَخُنَ بِالشَّمْسِ) نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: أَهْلُ الشَّامِ يَرْوُونَ فِيهِ شَيْئًا لَا يَصِحُّ، وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ: يُكْرَهُ الْمُشَمَّسُ قَصْدًا وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ، وَقَالَ: لَا أَكْرَهُهُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ، وَرُوِيَ فِي الْأُمِّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَغْتَسِلُوا بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ
وَيُزِيلُ الْأَنْجَاسَ، غَيْرُ مَكْرُوهِ الِاسْتِعْمَالِ، وَإِنْ سُخِّنَ بِنَجَاسَةٍ، فَهَلْ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQاللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ سَخَّنْتُ مَاءً فِي الشَّمْسِ فَقَالَ: لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ، فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» . وَشَرْطُهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ بِبِلَادٍ حَارَّةٍ، وَآنِيَةٍ مُنْطَبِعَةٍ كَنُحَاسٍ لَا خَزَفٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَغْطِيَةُ رَأْسِ الْإِنَاءِ، وَلَا قَصْدُ التَّشْمِيسِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ بُرِّدَ زَالَتِ الْكَرَاهَةُ عَلَى الْأَصَحِّ فِي زِيَادَةِ " الرَّوْضَةِ ". وَالْأَوَّلُ: قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، فَإِنَّهَا تَشْمَلُ الْمُشَمَّسَ وَغَيْرَهُ، لِأَنَّ سُخُونَتَهُ بِغَيْرِ نَجَاسَةٍ، أَشْبَهَ الْمُشَمَّسَ بِغَيْرِ قَصْدٍ، وَالْمُشَمَّسَ فِي الْبِرَكِ، وَالسَّوَاقِي، وَالْمُسَخَّنَ بِالطَّاهِرَاتِ، لِأَنَّهَا صِفَةٌ خُلِقَ عَلَيْهَا الْمَاءُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَرَّدَهُ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، وَفِي بَعْضِهَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَفِي بَعْضِهَا وَهْبُ بْنُ وَهْبٍ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَكُلُّهُمْ ضُعَفَاءُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مَوْضُوعًا، وَخَبَرُ عُمَرَ أَيْضًا ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمْ، لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى، وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ إِجْمَاعُ أَهْلِ الطِّبِّ عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْبَرَصِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَثَّرَ لَمَا اخْتَلَفَ بِالْقَصْدِ وَعَدَمِهِ، (أَوْ بِطَاهِرٍ) كَالْحَطَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَابْنِ مَنْصُورٍ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِعُمُومِ الرُّخْصَةِ، وَعَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُسَخَّنُ لَهُ مَاءٌ فِي قُمْقُمٍ فَيَغْتَسِلُ بِهِ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَعَنِ ابْنَ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ بِالْحَمِيمِ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ دَخَلُوا الْحَمَّامَ، وَرَخَّصُوا فِيهِ، وَكَرِهَهُ مُجَاهِدٌ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَى عَنْ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْحَمِيمِ، وَذَكَرَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، و" الْمُغْنِي "، و" الْمُحَرَّرِ " أَنَّهُ إِنِ اشْتَدَّ حَرُّهُ كُرِهَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ النَّهْيُ عَنِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْحَمِيمِ إِنْ ثَبَتَ، لِكَوْنِهِ يُؤْذِي أَوْ يَمْنَعُ الْإِسْبَاغَ، وَمَنْ نَقَلَ عَنْهُ الْكَرَاهَةَ عَلَّلَ بِخَوْفِ مُشَاهَدَةِ الْعَوْرَةِ، أَوْ قَصْدِ التَّنَعُّمِ بِهِ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ سُخُونَةَ الْمَاءِ لَا تُوجِبُ كَرَاهَتَهُ (فَهَذَا) إِشَارَةٌ إِلَى مَا سَبَقَ (كُلُّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ يَرْفَعُ الْأَحْدَاثَ) جَمْعَ حَدَثٍ، وَهُوَ مَا أَوْجَبَ الْوُضُوءَ أَوِ الْغُسْلَ (وَيُزِيلُ الْأَنْجَاسَ) جَمْعَ نَجَسٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْمُسْتَقْذَرُ، يُقَالُ: نَجِسَ يَنْجَسُ كَعَلِمَ يَعْلَمُ، وَنَجُسَ يَنْجُسُ كَشَرُفَ يَشْرُفُ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ: كُلُّ عَيْنٍ حَرُمَ تَنَاوُلُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ، مَعَ إِمْكَانِهِ، لَا لِحُرْمَتِهَا وَلَا اسْتِقْذَارِهَا، وَلَا لِضَرَرٍ بِهَا فِي بَدَنٍ أَوْ عَقْلٍ، وَاحْتَرَزَ بِالْإِطْلَاقِ عَمَّا يُبَاحُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQقَلِيلُهُ دُونَ كَثِيرِهِ كَبَعْضِ النَّبَاتِ الَّذِي هُوَ سُمٌّ، وَبِالِاخْتِيَارِ عَنِ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَحْرُمُ فِي الْمَخْمَصَةِ مَعَ نَجَاسَتِهَا، وَبِإِمْكَانِ التَّنَاوُلِ عَنِ الْحَجَرِ، وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الصُّلْبَةِ، وَبِعَدَمِ الْحُرْمَةِ عَنِ الْآدَمِيِّ، وَبِعَدَمِ الِاسْتِقْذَارِ عَنِ الْمُخَاطِ وَالْمَنِيِّ، زَادَ بَعْضُهُمْ مَعَ سُهُولَةِ التَّمْيِيزِ، يَحْتَرِزُ بِهِ عَنِ الدُّودِ الْمَيِّتِ فِي الْفَاكِهَةِ، وَنَحْوِهَا (غَيْرُ مَكْرُوهِ الِاسْتِعْمَالِ) لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ تَسْتَدْعِي دَلِيلًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ لَا إِنْ تَغَيَّرَ بِمُخَالَطَةِ عُودٍ، أَوْ كَافُورٍ، أَوْ دُهْنٍ، أَوْ بِمَا أَصْلُهُ الْمَاءُ، أَوْ سُخِّنَ بِمَغْصُوبٍ، أَوِ اشْتَدَّ حَرُّهُ، أَوْ بَرْدُهُ، أَوْ مَاءُ زَمْزَمَ فِي إِزَالَةِ نَجَاسَةٍ، أَوْ بِئْرٌ فِي مَقْبَرَةٍ، فَيُكْرَهُ. (وَإِنْ سُخِّنَ بِنَجَاسَةٍ، فَهَلْ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ "، و " التَّلْخِيصِ "، و" الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: لَا يُكْرَهُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، لِأَنَّ الرُّخْصَةَ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ تَشْمَلُ الْمَوْقُودَ بِالطَّاهِرِ، وَالنَّجِسِ، وَأَنَّهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ نَجَاسَتُهُ أَشْبَهَ سُؤْرَ الْهِرِّ، وَمَاءَ سِقَايَاتِ الْأَسْوَاقِ، وَالْأَحْوَاضِ فِي الطُّرُقَاتِ، وَالثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ. صَحَّحَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " وَإِنْ بُرِّدَ، وَنَصَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ ". قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ» ، وَلِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ دُخَانِهَا، وَصُعُودِهِ بِأَجْزَاءٍ لَطِيفَةٍ مِنْهَا، وَقِيلَ: إِنْ ظَنَّ وُصُولَ النَّجَاسَةِ كُرِهَ، وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَهُ فَلَا، وَإِنْ تَرَدَّدَ فَرِوَايَتَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي " إِنْ تَحَقَّقَ وُصُولُ النَّجَاسَةِ إِلَيْهِ، وَكَانَ الْمَاءُ يَسِيرًا نَجُسَ، وَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمُ وُصُولِهَا، وَالْحَائِلُ غَيْرُ حَصِينٍ كُرِهَ، وَإِنْ كَانَ حَصِينًا فَقَالَ الْقَاضِي: يُكْرَهُ، وَاخْتَارَ الشَّرِيفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَصَحَّحَهُ الْأَزَجِيُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ. فَرْعٌ: إِذَا وَصَلَ دُخَانُ النَّجَاسَةِ، فَهَلْ هُوَ كَوُصُولِ نَجِسٍ أَوْ طَاهِرٍ؛ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاسْتِحَالَةِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ مَاءُ الْحَمَّامِ لِعَدَمِ تَحَرِّي مَنْ يَدْخُلُهُ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ أُحِبُّ أَنْ يُجَدَّدَ مَاءٌ غَيْرُهُ. فَرْعٌ: لَا تَصْلُحُ الطَّهَارَةُ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ، كَالصَّلَاةِ فِي ثَوْبِ غَصْبٍ، وَإِنْ حَفَرْتَ الْبِئْرَ بِمَالٍ مَغْصُوبٍ أَوْ فِي مَوْضِعِ غَصْبٍ، أَوْ مِمَّا ثَمَنُهُ الْمُتَعَيَّنُ فِي عَقْدِ شِرَائِهِ حَرَامٌ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ.
[الماء الطاهر غير المطهر]
فَصْلٌ الْقِسْمُ الثَّانِي: مَاءٌ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ، وَهُوَ مَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ اسْمَهُ، أَوْ غَلَبَ عَلَى أَجْزَائِهِ، أَوْ طُبِخَ فِيهِ، فَغَيَّرَهُ، فَإِنْ غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، لَوْنَهُ، أَوْ طَعْمَهُ، أَوْ رِيحَهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْمَاءُ الطَّاهِرُ غَيْرُ الْمُطَهِّرِ] فَصْلٌ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْحَجْزِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وَمِنْهُ فَصْلُ الرَّبِيعِ، لِأَنَّهُ يَحْجِزُ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، وَهُوَ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ حَاجِزٌ بَيْنَ أَجْنَاسِ الْمَسَائِلِ وَأَنْوَاعِهَا (الْقِسْمُ الثَّانِي: مَاءٌ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ) جَعَلَهُ وَسَطًا لِسَلْبِ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ، وَبَقَاءِ الْأُخْرَى، وَهُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا غَيْرُ مُطَهِّرٍ بِالْإِجْمَاعِ (وَهُوَ مَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ) يُمْكِنُ أَنْ يُصَانَ الْمَاءُ عَنْهُ، وَالْمُرَادُ بِالْمُخَالَطَةِ هُنَا: الْمُمَازَجَةُ بِحَيْثُ يُسْتَهْلَكُ جِرْمُ الطَّاهِرِ فِي جِرْمِ الْمَاءِ، وَتَتَلَاقَى جَمِيعُ أَجْزَائِهِمَا، وَالثَّانِي: مُخْتَلَفٌ فِي التَّطْهِيرِ بِهِ، وَسَيَأْتِي، وَالْأَوَّلُ: ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: مَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ (فَغَيَّرَ اسْمَهُ) بِأَنْ صَارَ صَبْغًا أَوْ خَلًّا، لِأَنَّهُ أَزَالَ عَنْهُ اسْمَ الْمَاءِ (أَوْ غَلَبَ عَلَى أَجْزَائِهِ) فَصَيَّرَهُ حِبْرًا، لِأَنَّ الْمُخَالِطَ إِذَا غَلَبَ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَاءِ أَزَالَ مَعْنَاهُ لِكَوْنِهِ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ الْإِرْوَاءُ، (أَوْ طُبِخَ فِيهِ فَغَيَّرَهُ) ، حَتَّى صَارَ مَرَقًا، كَمَاءِ الْبَاقِلَاءِ الْمَغْلِيِّ، لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ طَبِيخًا، وَزَالَ عَنْهُ مَقْصُودُ الْمَاءِ مِنَ الْإِرْوَاءِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَارَ حِبْرًا، وَقَدْ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ ; لِمَا رَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الْمُنَجَّا بِأَنَّ الطَّبْخَ إِنْ تَغَيَّرَ فِيهِ تَغَيَّرَ الِاسْمُ، أَوْ غَلَبَةُ الْأَجْزَاءِ كَانَ كَالنَّوْعَيْنِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ ذَلِكَ، دَخَلَ فِيهِ مَاءٌ سُلِقَ فِيهِ بَيْضٌ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى طَبْخًا بِدَلِيلِ الْيَمِينِ، وَطَبْخُ مَا ذُكِرَ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الطَّبْخُ الْمُعْتَادُ، وَقَوْلُهُ: طُبِخَ فِيهِ لَا عُمُومَ لَهُ. تَذْنِيبٌ: حُكْمُ الْمِيَاهِ الْمُعْتَصَرَةِ مِنَ الطَّهَارَاتِ كَمَاءِ الْوَرْدِ، وَمَا يَنْزِلُ مِنْ عُرُوقِ الْأَشْجَارِ غَيْرُ مُطَهِّرٍ خِلَافًا لِابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالْأَصَمِّ، إِذِ الطَّهَارَةُ لَا تَجُوزُ إِلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَكَذَا النَّبِيذُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَصَحَّحَهُ قَاضِي خَانْ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ: يُتَوَضَّأُ بِهِ فِي السَّفَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ، وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَعَنْهُ: الْجَمْعُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQبَيْنَهُمَا مُسْتَحَبٌّ، وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى النَّبِيذِ، وَقَالَهُ إِسْحَاقُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَتُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ وَلَا يَتَيَمَّمُ، قَالَ الرَّازِيُّ: وَهِيَ أَشْهَرُ عَنْهُ، وَقَالَهُ زُفَرُ. قَالَ فِي " الْمُحِيطِ "، و" الْمَبْسُوطِ " وَقَاضِي خَانْ: النَّبِيذُ الْمُشْتَدُّ حَرَامٌ شُرْبُهُ فَكَيْفَ يُتَوَضَّأُ بِهِ؟ وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى أَبُو فَزَارَةَ، وَاسْمُهُ رَاشِدُ بْنُ كَيْسَانَ، - عَنْ أَبِي زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ، فَقَالَ: أَمَعَكَ مَاءٌ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: مَا فِي الْإِدَاوَةِ؛ قُلْتُ: نَبِيذٌ. فَقَالَ: تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ مَائِعٌ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، أَشْبَهَ نَبِيذَ الزَّبِيبِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمْ يُصَحِّحْهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَقَالَ الْخَلَّالُ: كَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: لَمْ يَكُنِ ابْنُ مَسْعُودٍ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ، وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: أَحَادِيثُ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وُضِعَتْ عَلَى أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ ظُهُورِ الْعَصَبِيَّةِ، قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: إِنَّمَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ اعْتِمَادًا عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا أَصْلَ لَهُ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْقِسْمِ الثَّانِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَقَالَ (فَإِنْ غَيَّرَ) أَيِ الطَّاهِرُ، سَوَاءٌ كَانَ مَذْرُورًا كَالزَّعْفَرَانِ وَالْأُشْنَانِ، أَوْ حُبُوبًا كَالْبَاقِلَاءِ وَالْحِمَّصِ (أَحَدَ أَوْصَافِهِ) وَالْمَذْهَبُ: أَوْ أَكْثَرَهَا (لَوْنَهُ) وَاخْتُلِفَ فِي لَوْنِ الْمَاءِ عَلَى أَقْوَالٍ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا لَوْنَ لَهُ، وَرُدَّ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ «مَاءِ الْحَوْضِ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ» (أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ) فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ فِي رِوَايَةٍ نَصَّ عَلَيْهَا، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ فِي " الشَّافِي " وَأَبُو حَفْصٍ فِي " الْمُقْنِعِ " وَالْقَاضِي، وَقَالَ: هِيَ الْمَنْصُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ بِمُخَالَطَةِ طَاهِرٍ يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَغَيَّرَ بِطَبْخٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وُكِّلَ فِي شِرَاءِ مَاءٍ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، وَالنُّصُوصُ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الْعَارِي عَنِ الْقُيُودِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ النَّفْيِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ مَاءَ الزَّعْفَرَانِ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَلَامُهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي التَّغْيِيرِ بَيْنَ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ الْأَصْحَابَ سَوَّوْا بَيْنَهَا قِيَاسًا لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، لَكِنَّ الْخِرَقِيَّ شَرَطَ الْكَثْرَةَ فِي الرَّائِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَهُوَ أَظْهَرُ
أَوِ اسْتُعْمِلَ فِي رَفْعِ حَدَثٍ، أَوْ طَهَارَةٍ مَشْرُوعَةٍ كَالتَّجْدِيدِ، وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ، أَوْ غَمَسَ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِسُرْعَةِ سِرَايَتِهَا وَنُفُوذِهَا، وَفِي أُخْرَى: مُطَهِّرٌ، نَقَلَهَا أَبُو الْحَارِثُ، وَالْمَيْمُونِيُّ، وَذُكِرَ فِي " الْكَافِي " أَنَّهَا أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَاءٍ، لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَلَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ عِنْدَ وُجُودِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَسْلُبْهُ اسْمَهُ وَلَا رِقَّتَهُ، أَشْبَهَ الْمُتَغَيِّرَ بِالدُّهْنِ. وَفِي ثَالِثَةٍ: طَهُورٌ مَعَ عَدَمٍ قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَسْلُبْهُ اسْمَهُ فَقَدْ سَلَبَهُ الْإِطْلَاقَ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْمُتَغَيِّرِ بِالدُّهْنِ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ عَنْ مُجَاوَرَةٍ، وَهَذَا تَغَيَّرَ عَنْ مُخَالَطَةٍ. فَرْعٌ: إِذَا غَيَّرَ وَصْفَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، فَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: مُطَهِّرَةٌ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُسَافِرُونَ، وَغَالِبُ أَسْقِيَتِهِمُ الْأُدُمُ، وَهِيَ تُغَيِّرُ أَوْصَافَ الْمَاءِ عَادَةً، وَلَمْ يَكُونُوا يَتَيَمَّمُونَ مَعَهَا، وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ بِمُطَهِّرٍ عَلَى الْأَشْهَرِ، لِأَنَّهُ غَلَبَ عَلَى الْمَاءِ أَشْبَهَ مَا لَوْ زَالَ اسْمُهُ. (أَوِ اسْتُعْمِلَ) - وَكَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " (فِي رَفْعِ حَدَثٍ) أَيُّ حَدَثٍ كَانَ فَهُوَ طَاهِرٌ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبَّ عَلَى جَابِرٍ مِنْ وَضُوئِهِ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ غَيْرُ مُطَهِّرٍ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي " الْكَافِي ": إِنَّهَا الْأَشْهَرُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَغْتَسِلَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَهُوَ جُنُبٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَوْلَا أَنَّهُ يُفِيدُ مَنْعًا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ أَزَالَ بِهِ مَانِعًا مِنَ الصَّلَاةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَزَالَ بِهِ النَّجَاسَةَ، أَوِ اسْتُعْمِلَ فِي عِبَادَةٍ عَلَى وَجْهِ الْإِتْلَافِ، أَشْبَهَ الرَّقَبَةَ فِي الْكَفَّارَةِ، وَفِي أُخْرَى: مُطَهِّرٌ اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْبَقَاءِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، لِأَنَّهُ مَاءٌ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQطَاهِرٌ لَاقَى أَعْضَاءً طَاهِرَةً، فَلَمْ يَسْلُبْهُ الطَّهُورِيَّةَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَبَرَّدَ بِهِ، وَفِي ثَالِثَةٍ: نَجِسٌ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي ثَوْبِ الْمُتَطَهِّرِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَى عَنِ الْغُسْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَنَهَى عَنِ الْبَوْلِ فِيهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْبَوْلَ يُنَجِّسُهُ، فَكَذَا الْغُسْلُ، وَلِأَنَّهُ أَزَالَ مَانِعًا مِنَ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ قَالَ جَمَاعَةٌ: وَعَلَيْهَا يُعْفَى عَمَّا قُطِّرَ عَلَى بَدَنِ الْمُتَطَهِّرِ وَثَوْبِهِ، وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي أُخْرَى: لَا، صَحَّحَهُ الْأَزَجِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَالْأُولَى أَصَحُّ، لِأَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ لَا يُقَاسُ عَلَى إِزَالَةِ النَّجِسِ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ، وَبِأَنَّهُ يَكْفِي اشْتِرَاكُهُمَا فِي أَصْلِ الْمَنْعِ مِنَ التَّطْهِيرِ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي التَّنْجِيسِ قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ طَهُورٌ فِي إِزَالَةِ الْخُبْثِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْمُنْفَصِلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ إِذَا قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ فِيهِ الرِّوَايَاتُ، وَيُسْتَثْنَى عَلَى الْأَوَّلِ غَيْرُ غُسْلِ ذِمِّيَّةٍ لِحَيْضٍ، وَنِفَاسٍ، وَجَنَابَةٍ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " فِيهِ وَجْهًا وَاحِدًا بِالشَّرْطِ السَّابِقِ. فَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ أَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلًا عَنْ مَسْحِهِ لَمْ يَسْلُبْهُ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا اشْتَرَى مَاءً لِيَشْرَبَهُ، فَبَانَ قَدْ تُوُضِّئَ بِهِ فَعَيْبٌ، لِأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ شَرْعًا ذَكَرَهُ فِي " النَّوَادِرِ ". (أَوْ طَهَارَةٍ مَشْرُوعَةٍ كَالتَّجْدِيدِ، وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ) وَالْإِحْرَامِ، وَسَائِرِ الْأَغْسَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ طَهُورٌ قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " و" الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " النِّهَايَةِ " لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثًا، وَلَمْ يُزِلْ نَجَسًا أَشْبَهَ التَّبَرُّدَ، وَالْأُخْرَى: غَيْرُ مُطَهِّرٍ قَدَّمَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، لِأَنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِي طَهَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ رَفَعَ بِهِ حَدَثًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الطَّهَارَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً كَالتَّبَرُّدِ لَمْ تَسْلُبْهُ الطَّهُورِيَّةَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ". مَسَائِلُ: الْأُولَى: الْمَذْهَبُ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِانْتِقَالِهِ إِلَى عُضْوٍ آخَرَ، وَعَنْهُ: لَا. قَالَهُ فِي " النِّهَايَةِ " وَعَنْهُ: لَا فِي الْجُنُبِ، وَعَنْهُ: يَكْفِيهِمَا مَسْحُ اللُّمْعَةِ بِلَا غُسْلٍ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. الثَّانِيَةُ: أَعْضَاءُ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ لَيْسَتْ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، وَعَنْهُ: بَلَى.
يَدَهُ فِيهِ قَائِمٌ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا، فَهَلْ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالثَّالِثَةُ: إِذَا انْغَمَسَ جُنُبٌ أَوْ مُحْدِثٌ فِي قَلِيلٍ رَاكِدٍ بِنِيَّةِ رَفْعِ حَدَثِهِ، أَوْ نَوَاهُ بَعْدَ انْغِمَاسِهِ لَمْ يَرْتَفِعْ وَصَارَ مُسْتَعْمَلًا، نَصَّ عَلَيْهِ. قِيلَ: بِأَوَّلِ جُزْءٍ لَاقَى مِنْهُ الْمَاءَ كَمَحَلٍّ نَجَسٍ لَاقَاهُ، وَذَلِكَ الْجُزْءُ غَيْرُ مَعْلُومٍ. قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: بِأَوَّلِ جُزْءٍ انْفَصَلَ، كَالْمُتَرَدِّدِ عَلَى الْمَحَلِّ، وَيَتَوَجَّهُ عَلَى الْخِلَافِ مَا لَوِ اغْتَرَفَ مِنْهُ آخَرُ، وَتَوَضَّأَ بِهِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ، وَقِيلَ: لَيْسَ مُسْتَعْمَلًا، وَقِيلَ: يَرْتَفِعُ (أَوْ غَمَسَ يَدَهُ) - وَهِيَ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إِلَى الْكُوعِ، وَقِيلَ: أَوْ بَعْضَهَا - (فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَاءِ إِذَا كَانَ دُونَ قُلَّتَيْنِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِغَمْسِهَا فِي مَائِعٍ طَاهِرٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ (قَائِمٌ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا فَهَلْ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَسْلُبُهُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَكَثِيرٌ مِنَ الْأَصْحَابِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: «فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ» . وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ: مِنَ اللَّيْلِ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ الْوُجُوبُ، وَعَلَيْهَا غَسْلُهُمَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْوُضُوءِ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَهَلْ هُوَ تَعَبُّدٌ؛ فَيَجِبُ إِنْ شُدَّتْ يَدُهُ أَوْ جُعِلَتْ فِي جِرَابٍ، أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ مُعَلَّلٌ بِوَهْمِ النَّجَاسَةِ فَلَا يَجِبُ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، وَيَتَعَلَّقُ هَذَا الْحُكْمُ بِالنَّوْمِ النَّاقِضِ لِلْوُضُوءِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ مَا زَادَ عَلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى بَيْتُوتَةً، بِدَلِيلِ مَا لَوْ دَفَعَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ دَمًا، وَيَنْتَقِضُ بِمَنْ وَافَاهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ، مَعَ كَوْنِهِ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِهِ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ نَوْمَ النَّهَارِ لَا أَثَرَ لَهُ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ غَمْسُهَا فِيهِ بَعْدَ غَسْلِهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ: يَكْفِي غَسْلُهَا مَرَّةً. فَعَلَى هَذَا لَا يُؤَثِّرُ غَمْسُهَا فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَفِي وُجُوبِ النِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ لِغَسْلِهِمَا أَوْجُهٌ. ثَالِثُهَا: تَجِبُ النِّيَّةُ فَقَطْ، وَالْمَذْهَبُ لَا فَرْقَ فِي الْغَمْسِ بَعْدَ نِيَّةِ غَسْلِهَا أَوْ قَبْلَهَا، وَقَالَ الْمَجْدُ: إِنَّمَا يُؤَثِّرُ إِذَا كَانَ بَعْدَ نِيَّةِ الْوُضُوءِ، وَقَبْلَ غَسْلِهِمَا، وَعَلَيْهَا إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ اسْتَعْمَلَهُ وَتَيَمَّمَ مَعَهُ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي شُرْبٍ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، صَحَّحَهُ الْأَزَجِيُّ، لِلْأَمْرِ بِإِرَاقَتِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا حَصَلَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ غَمْسٍ أَنَّهُ
أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ، فَانْفَصَلَ مُتَغَيِّرًا، أَوْ قَبْلَ زَوَالِهَا، فَهُوَ نَجِسٌ، وَإِنِ انْفَصَلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ بَعْدَ زَوَالِهَا، فَهُوَ طَاهِرٌ إِنْ كَانَ الْمَحَلُّ أَرْضًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْأَرْضِ، فَهُوَ ـــــــــــــــــــــــــــــQطَهُورٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ، وَعَنْهُ: كَغَمْسِهِ، وَفَمٌ أَوْ رِجْلٌ كَيَدٍ فِي قَلِيلٍ بَعْدَ نِيَّةِ غُسْلٍ وَاجِبٍ لَا وُضُوءَ، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ يَدُهُ نَجِسَةً، وَالْمَاءُ قَلِيلٌ، وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَغْتَرِفُ بِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِفِيهِ، وَيُصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ، أَوْ يَغْمِسَ خِرْقَةً، أَوْ غَيْرَهَا فَعَلَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ تَيَمَّمَ كَيْ لَا يُنَجِّسَ الْمَاءَ، وَيَتَنَجَّسَ بِهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ شَامِلٌ لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، وَالْكَافِرِ كَضِدِّهِمْ، وَهُوَ وَجْهٌ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَسْلُبُهُ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وَالشَّيْخَانِ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ مَاءٌ لَاقَى أَعْضَاءً طَاهِرَةً، فَكَانَ عَلَى أَصْلِهِ، وَنَهْيُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ غَمْسِ الْيَدِ، إِنْ كَانَ لِوَهْمِ النَّجَاسَةِ فَهُوَ لَا يُزِيلُ الطَّهُورِيَّةَ كَمَا لَا يُزِيلُ الطَّاهِرِيَّةَ، وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا اقْتُصِرَ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، وَهُوَ مَشْرُوعِيَّةُ الْغَسْلِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَفِي ثَالِثَةٍ: هُوَ نَجِسٌ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِرَاقَتِهِ فِي خَبَرٍ رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَقَدْ فَصَّلَ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ: إِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ غَسْلِهِمَا، فَكَمُسْتَعْمَلٍ فِي رَفْعِ حَدَثٍ، وَإِنْ سُنَّ غَسْلُهُمَا، فَكَمُسْتَعْمَلٍ فِي طَهَارَةٍ مَسْنُونَةٍ. (وَإِنْ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ فَانْفَصَلَ مُتَغَيِّرًا) فَهُوَ نَجِسٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ (أَوْ قَبْلَ زَوَالِهَا) يَعْنِي: إِذَا انْفَصَلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ مَعَ بَقَاءِ النَّجَاسَةِ، كَالْمُنْفَصِلِ فِي السَّادِسَةِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ (فَهُوَ نَجِسٌ) لِأَنَّهُ مُلَاقٍ لِنَجَاسَةٍ لَمْ يُطَهِّرْهَا. فَكَانَ نَجِسًا أَشْبَهَ مَا لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ. وَالْمَحَلُّ الْمُنْفَصِلُ عَنْهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى طَاهِرٌ. صَرَّحَ بِهِ الْآمِدِيُّ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْقَاضِي، وَجَزَمَ فِي " الِانْتِصَارِ " بِنَجَاسَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْحُلْوَانِيِّ (وَإِنِ انْفَصَلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ بَعْدَ زَوَالِهَا) وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الْوَجِيزِ "، وَلَمْ يَبْقَ لِلنَّجَاسَةِ أَثَرٌ (فَهُوَ طَاهِرٌ إِنْ كَانَ الْمَحَلُّ أَرْضًا) نَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعُوهُ، وَأَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» . أَمَرَ بِذَلِكَ لِأَجْلِ التَّطْهِيرِ، وَلَوْلَا أَنَّهُ يُطَهِّرُ لَكَانَ تَكْثِيرًا لِلنَّجَاسَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ طَهَارَةُ الْمَحَلِّ،
طَاهِرٌ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَهَلْ يَكُونُ طَهُورًا؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ خَلَتْ بِالطَّهَارَةِ مِنْهُ امْرَأَةٌ، فَهُوَ طَهُورٌ وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الطَّهَارَةُ بِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الْوَجِيزِ "، وَإِنْ لَمْ يَنْفَصِلِ الْمَاءُ، وَعَنْ أَحْمَدَ: إِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ رَطْبَةً، وَالْأَرْضُ صُلْبَةً، فَمُنْفَصِلُهُ نَجِسٌ، وَقِيلَ: الْمُنْفَصِلُ عَنِ الْأَرْضِ كَالْمُنْفَصِلِ عَنْ غَيْرِهَا فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْبَنَّا رِوَايَةً. فَرْعٌ: إِذَا وَقَعَ خَمْرٌ عَلَى أَرْضٍ فَذَهَبَ بِالْمَاءِ لَوْنُهُ دُونَ رِيحِهِ، عُفِيَ عَنْهُ فِي الْأَصَحِّ، وَتَطْهُرُ أَرْضُ الْبِئْرِ الْيَابِسَةُ وَنَحْوُهَا بِنَبْعِ مَاءٍ طَهُورٍ كَثِيرٍ فِيهَا. (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْأَرْضِ فَهُوَ طَاهِرٌ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ انْفَصَلَ عَنْ مَحَلٍّ مَحْكُومٍ بِطَهَارَتِهِ، كَالْمُنْفَصِلِ فِي السَّابِعَةِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ. وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي " الْوَجِيزِ ": وَآخِرُ غَسْلَةٍ زَالَتِ النَّجَاسَةُ بِهَا، وَلِأَنَّهُ بَعْضُ الْمُتَّصِلِ، وَهُوَ طَاهِرٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَشَرْطُهُ الِانْفِصَالُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " بِخِلَافِ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْفَصِلْ فَعَيْنُ النَّجَاسَةِ قَائِمَةٌ، وَمَقْصُودُ الْغَسْلِ زَوَالُهَا. وَالثَّانِي: نَجُسَ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، لِأَنَّهُ مَاءٌ قَلِيلٌ لَاقَى نَجَاسَةً، أَشْبَهَ مَا لَوِ انْفَصَلَ قَبْلَ زَوَالِهَا، وَالْبَلَلُ الْبَاقِي إِنَّمَا عُفِيَ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ (وَهَلْ يَكُونُ طَهُورًا؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) : مَبْنِيَّانِ عَلَى الْمُسْتَعْمَلِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ، لِأَنَّهُ أُزِيلَتْ بِهِ نَجَاسَةٌ حُكْمِيَّةٌ، لِأَنَّهَا زَالَتْ بِمَا قَبْلَهَا مِنَ الْغَسَلَاتِ، أَشْبَهَ الْحَدَثَ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَنْعِ الشَّرْعِيِّ. (وَإِنْ خَلَتْ بِالطَّهَارَةِ) أَيِ: الْكَامِلَةِ عَنْ حَدَثٍ (مِنْهُ) إِذَا كَانَ قَلِيلًا جَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " و" الْوَجِيزِ " لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ فَهَذَا أَوْلَى، وَقِيلَ: وَبِكَثِيرٍ (امْرَأَةٌ) مُسْلِمَةٌ كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةٌ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عَنْهَا إِذَا خَلَتْ بِهِ لِغُسْلِهَا مِنَ الْحَيْضِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ إِبَاحَةُ وَطْئِهَا، وَالثَّانِي: لَا يَمْنَعُ، لِأَنَّ طَهَارَتَهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَمِثْلُهُ غُسْلُهَا مِنَ النِّفَاسِ وَالْجَنَابَةِ، وَقِيلَ: الْمُمَيِّزَةُ كَذَلِكَ (فَهُوَ طَهُورٌ) بِالْأَصْلِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَطَهَّرَ بِهِ، وَلِغَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ أَشْبَهَ بِالَّذِي لَمْ تَخْلُ بِهِ (وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الطَّهَارَةُ بِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) لِمَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا أَنَّ النَّسَائِيَّ، وَابْنَ مَاجَهْ قَالَا: وَضُوءِ الْمَرْأَةِ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَخَصَصْنَاهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالْخَلْوَةِ، لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ: تَوَضَّأْ أَنْتَ هَا هُنَا، وَهِيَ هَا هُنَا، فَإِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبَنَّهُ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، ثُمَّ فِي مَعْنَى الْخَلْوَةِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: انْفِرَادُهَا بِهِ عَنْ مُشَارَكَةِ رَجُلٍ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ الْأَصَحُّ: أَنْ لَا يُشَاهِدَهَا أَحَدٌ عِنْدَ طَهَارَتِهَا، فَعَلَى هَذَا، هَلْ تَزُولُ بِمُشَاهَدَةِ الْمَرْأَةِ، وَالصَّبِيِّ، وَالْكَافِرِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَزُولُ، كَخَلْوَةِ النِّكَاحِ، اخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَالثَّانِي: لَا تَزُولُ إِلَّا بِمُشَاهَدَةِ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالثَّانِيَةُ: تَجُوزُ، وَهِيَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ أَقْيَسُ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَحَمَّتْ مِنْ جَنَابَةٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ مِنْ فَضْلِهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي اغْتَسَلْتُ مِنْهُ فَقَالَ: الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ» ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْخَلْوَةِ، لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَقْصِدُ الْخَلْوَةَ فِي الِاغْتِسَالِ، وَكَاسْتِعْمَالِهِمَا مَعًا، وَكَإِزَالَتِهَا بِهِ نَجَاسَةً، وَكَامْرَأَةٍ أُخْرَى، وَكَتَطَهُّرِهَا بِمَا خَلَا بِهِ فِي الْأَصَحِّ فِيهِنَّ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ فِي الْأَخِيرَةِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ إِجْمَاعًا، وَفِي ثَالِثَةٍ: يَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَمَعْنَاهُ اخْتِيَارُ الْآجُرِّيِّ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى رِوَايَةِ الطَّهُورِيَّةِ، وَقِيلَ: أَوِ الطَّاهِرِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَاقْتَضَى كَلَامُهُ: أَنَّ الْخَلْوَةَ بِهِ لِلشُّرْبِ، أَوِ التَّبْرِيدِ، أَوِ التَّنْظِيفِ مِنْ وَسَخٍ لَا أَثَرَ لَهُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَإِنْ كَانَ لِغَسْلِ بَعْضِ أَعْضَائِهَا عَنْ حَدَثٍ، أَوْ فِي طُهْرٍ مُسْتَحَبٍّ، أَوْ طَهَارَةِ خَبَثٍ أَثَّرَتْ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ، وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْمُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إِلَى طَهَارَةِ الْحَدَثِ الْكَامِلَةِ. فَرْعٌ: الْخُنْثَى هُنَا كَرَجُلٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ كَامْرَأَةٍ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: هَلْ تُلْحَقُ الصَّبِيَّةُ بِالْمَرْأَةِ، وَالصَّبِيُّ بِالرَّجُلِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَفِيمَا تَيَمَّمَتْ بِهِ خَلْوَةً احْتِمَالَانِ. تَذْنِيبٌ: إِذَا اغْتَرَفَ بِيَدِهِ مِنَ الْقَلِيلِ بَعْدَ نِيَّةِ غَسْلِهِ، صَارَ مُسْتَعْمَلًا، نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ.
[الماء النجس]
فَصْلٌ الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَاءٌ نَجِسٌ وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ بِمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ، فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَهُوَ يَسِيرٌ، فَهَلْ يَنْجُسُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهُوَ طَاهِرٌ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَنْهُ: لَا، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ لِصَرْفِ النِّيَّةِ بِقَصْدِ اسْتِعْمَالِهِ خَارِجَهُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقِيلَ: اغْتِرَافُ مُتَوَضِّئٍ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ لَمْ يَنْوِ غَسْلَهَا فِيهِ كَجُنُبٍ، وَالْمَذْهَبُ طَهُورٌ لِمَشَقَّةِ تَكَرُّرِهِ، فَإِنْ وَقَعَ فِي طَهُورٍ مُسْتَعْمَلٍ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ، فَإِنْ كَثُرَ الْوَاقِعُ وَتَفَاحَشَ مُنِعَ فِي رِوَايَةٍ، وَقَالَ الْمَجْدُ: الْحُكْمُ لِلْأَكْثَرِ قَدْرًا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ كَانَ الْوَاقِعُ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ خَلًّا غَيَّرَهُ، مُنِعَ. وَنَصُّهُ فِيمَنِ انْتَضَحَ مِنْ وَضُوئِهِ فِي إِنَائِهِ: لَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ لَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ فَكَمَّلَهُ بِمَائِعٍ آخَرَ لَمْ يُغَيِّرْهُ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ فِي رِوَايَةٍ، وَرَجَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّ الْمَائِعَ قَدِ اسْتُهْلِكَ، وَإِنْ بَلَغَ بَعْدَ خَلْطِهِ قُلَّتَيْنِ أَوْ كَانَا مُسْتَعْمَلَيْنِ فَطَاهِرٌ. وَقِيلَ: طَهُورٌ. [الْمَاءُ النَّجِسُ] فَصْلٌ (الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَاءٌ نَجِسٌ) . هَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ مَا يَسْلِبُ الْمَاءَ صِفَتَيْهِ: طَهَارَتَهُ وَتَطْهِيرَهُ (وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ بِمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ) فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّطْهِيرِ فَيَنْجُسُ إِجْمَاعًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَحَكَى ابْنُ الْبَنَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ أَخَذَ مِنْ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ الْعَفْوَ عَنْ يَسِيرِ الرَّائِحَةِ، وَهُوَ شَاذٌّ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَثِيرِ التَّغَيُّرِ وَيَسِيرِهِ. مَسْأَلَةٌ: يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ إِلَّا ضَرُورَةً، لِدَفْعِ عَطَشٍ أَوْ لِقُمَّةٍ، وَيَجُوزُ سَقْيُهُ الْبَهَائِمَ قِيَاسًا عَلَى الطَّعَامِ إِذَا تَنَجَّسَ، وَقَالَ الْأَزَجِيُّ: لَا يَجُوزُ قُرْبَانُهُ بِحَالٍ بَلْ يُرَاقُ (فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَهُوَ يَسِيرٌ فَهَلْ يَنْجُسُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَظْهَرُهُمَا يَنْجُسُ. قَالَ فِي " النِّهَايَةِ ": وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِالْفَلَاةِ، وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ، فَقَالَ: إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» . وَفِي رِوَايَةٍ «لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQشَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَفْظُهُ لِأَحْمَدَ، وَسُئِلَ ابْنُ مَعِينٍ عَنْهُ، فَقَالَ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَيَكْفِي شَاهِدًا عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ نُجُومَ أَهْلِ الْحَدِيثِ صَحَّحُوهُ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِإِرَاقَةِ الْإِنَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، وَلَمْ يُعْتَبَرِ التَّغْيِيرُ. وَعُمُومُ كَلَامِهِ يَشْمَلُ الْجَارِي وَالرَّاكِدَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَفِي ثَانِيَةٍ: أَنَّ الْجَارِيَ لَا يَنْجُسُ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ، اخْتَارَهَا الْمُوَفَّقُ، وَجَمَعَ، وَرَجَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ ". وَفِي أُخْرَى: تُعْتَبَرُ كُلُّ جِرْيَةٍ بِنَفْسِهَا، اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، فَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً نَجُسَتْ، وَإِلَّا فَلَا، وَالْجِرْيَةُ مَا أَحَاطَ بِالنَّجَاسَةِ فَوْقَهَا وَتَحْتَهَا إِلَى قَرَارِ النَّهْرِ، وَيَمْنَةً وَيَسْرَةً مَا بَيْنَ حَافَّتَيِ النَّهْرِ زَادَ فِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ ": مَا قَرُبَ مِنَ النَّجَاسَةِ أَمَامَهَا وَخَلْفَهَا، وَلِابْنِ عَقِيلٍ: مَا فِيهِ النَّجَاسَةُ، وَقَدْرُ مِسَاحَتِهَا فَوْقَهَا وَتَحْتَهَا، وَيَمِينَهَا وَيَسَارَهَا، انْتَهَى. فَإِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ مُمْتَدَّةً فَهَلْ تُجْعَلُ كُلُّ جِرْيَةٍ مِنْهَا كَنَجَاسَةٍ مُفْرَدَةٍ، أَوْ كُلُّهَا نَجَاسَةَ وَاحِدَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لَعَلَّهُ سَقَطَ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَنْجُسُ إِلَّا بِالتَّغْيِيرِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْمُنَى، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وِفَاقًا لِمَالِكٍ، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ؛، وَهِيَ بِئْرٌ تُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ، وَالنَّتْنُ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ. » رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، قَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ صَحِيحٌ، قُلْتُ: وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ، وَطَعْمِهِ، وَلَوْنِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ. فَرْعٌ: يَسِيرُ النَّجَاسَةِ مِثْلُ كَثِيرِهَا فِي التَّنَجُّسِ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهَا الطَّرْفُ أَيْ: لَا تُشَاهَدُ بِالْبَصَرِ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " لَا بُدَّ أَنْ يُدْرِكَهَا الطَّرْفُ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: إِنْ مَضَى زَمَنٌ تَسْرِي فِيهِ زَادَ فِي " الشَّرْحِ " إِلَّا أَنَّ مَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، كَالدَّمِ، حُكْمُ الْمَاءِ الَّذِي تَنَجَّسَ بِهِ حُكْمُهُ فِي الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِهِ. (وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا) وَلَمْ يُغَيَّرْ بِالنَّجَاسَةِ (فَهُوَ طَاهِرٌ) بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ مَا لَمْ
النَّجَاسَةُ بَوْلًا، أَوْ عَذِرَةً مَائِعَةً، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: لَا يَنْجُسُ، وَالْأُخْرَى: يَنْجُسُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ لِكَثْرَتِهِ، فَلَا يَنْجُسُ. وَإِذَا انْضَمَّ إِلَى الْمَاءِ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَكُنْ بَوْلَ آدَمِيٍّ أَوْ عَذِرَتَهُ لِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ، وَبِئْرِ بُضَاعَةَ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ إِلَى نَجَاسَتِهِ إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ حَدًّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: مَا إِذَا حُرِّكَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ لَمْ يَتَحَرَّكِ الْآخَرُ، وَقِيلَ: عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فِي مِثْلِهَا، وَمَا دُونَ ذَلِكَ فَهُوَ قَلِيلٌ، وَإِنْ بَلَغَ أَلْفَ قُلَّةٍ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ بَوْلًا) أَيْ: بَوْلَ آدَمِيٍّ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الْعَذِرَةِ، فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَخُصَّ فِي " التَّلْخِيصِ " الْخِلَافُ بِهِ فَقَطْ، وَقَالَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ (أَوْ عَذِرَةً مَائِعَةً) لِأَنَّ أَجْزَاءَهَا تَتَفَرَّقُ فِي الْمَاءِ وَتَنْتَشِرُ، فَهِيَ كَالْبَوْلِ بَلْ أَفْحَشُ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ حُكْمَ الرَّطْبَةِ وَالْيَابِسَةِ إِذَا ذَابَتْ كَذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَالْأَوْلَى التَّفْرِيقُ بَيْنَ الرَّطْبَةِ وَالْمَائِعَةِ (فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: لَا يَنْجُسُ) اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " لِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ، وَلِأَنَّ نَجَاسَةَ الْآدَمِيِّ لَا تَزِيدُ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ الْكَلْبِ، وَهُوَ لَا يُنَجِّسُهَا، فَهَذَا أَوْلَى (وَالْأُخْرَى يَنْجُسُ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَالْمَرُّوذِيِّ، وَأَبِي طَالِبٍ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَالشَّرِيفُ، وَالْقَاضِي، وَابْنُ عَبْدُوسٍ، وَأَكْثَرُ شُيُوخِ أَصْحَابِنَا، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» . لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ مُسْلِمٌ: ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، وَهُوَ خَاصٌّ فِي الْبَوْلِ. وَخَبَرُ الْقُلَّتَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى بَقِيَّةِ النَّجَاسَاتِ فَحَصَلَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ لِكَثْرَتِهِ فَلَا يَنْجُسُ) هَذَا مُسْتَثْنًى مِمَّا سَبَقَ، وَهُوَ الْمَاءُ إِذَا كَانَ كَثِيرًا، وَوَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ بَوْلًا أَوْ عَذِرَةً مَائِعَةً، فَإِنَّهُ يَنْجُسُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ مَا لَمْ يَبْلُغِ الْمَاءُ حَدًّا يَشُقُّ نَزْحُهُ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا نَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ، مِثْلُ الْمَصَانِعِ الَّتِي جُعِلَتْ مَوْرِدًا لِلْحَاجِّ بِطَرِيقِ مَكَّةَ يَصْدُرُونَ عَنْهَا وَلَا يَنْفُذُ مَا فِيهَا أَنَّهَا لَا تَنْجُسُ إِلَّا بِالتَّغْيِيرِ، قَالَ فِي
النَّجِسِ مَاءٌ طَاهِرٌ كَثِيرٌ طَهَّرَهُ إِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ تَغَيُّرٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ النَّجِسُ كَثِيرًا، ـــــــــــــــــــــــــــــQ" الْمُغْنِي ": لَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ تَقْدِيرَ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْمَصَانِعِ الَّتِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَقَالَ الشِّيرَازِيُّ: الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا يُقَدِّرُونَهُ بِبِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ سِتَّةُ أَشْبَارٍ فِي مِثْلِهَا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدَّرْتُهَا فَوَجَدْتُهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ، وَسَأَلْتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا؛ قَالَ: لَا، وَقَالَ: سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: سَأَلْتُ قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَنْ عُمْقِهَا، فَقَالَ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ إِلَى الْعَانَةِ قُلْتُ: فَإِذَا نَقَصَ، قَالَ: دُونَ الْعَوْرَةِ. تَنْبِيهَاتٌ - الْأَوَّلُ: أَنَّ كُلَّ مَائِعٍ كَزَيْتٍ وَسَمْنٍ يَنْجُسُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ فِي رِوَايَةٍ صَحَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ "، وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " لِأَنَّهُ لَا يُطَهِّرُ غَيْرَهُ فَلَمْ يَرْفَعِ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ كَالْيَسِيرِ، وَفِي أُخْرَى: كَالْمَاءِ يَنْجُسُ إِنْ قَلَّ أَوْ تَغَيَّرَ، وَإِلَّا فَلَا، وَفِي ثَالِثَةٍ: مَا أَصْلُهُ الْمَاءُ كَالْخَلِّ التَّمْرِيِّ، فَهُوَ كَالْمَاءِ، وَغَيْرِهِ يَنْجُسُ مُطْلَقًا، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَبَنٌ كَزَيْتٍ. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ نَجَاسَةَ الْمَاءِ النَّجِسِ عَيْنِيَّةٌ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا، لِأَنَّهُ يُطَهِّرُ غَيْرَهُ، فَنَفْسُهُ أَوْلَى، وَأَنَّهُ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. الثَّالِثُ: إِذَا غَيَّرَتْ نَجَاسَةٌ بَعْضَ الطَّهُورِ الْكَثِيرِ، فَفِي نَجَاسَتِهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ مَعَ كَثْرَتِهِ وَجْهَانِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ طَهُورٌ. (وَإِذَا انْضَمَّ إِلَى الْمَاءِ النَّجِسِ مَاءٌ طَاهِرٌ) أَيْ: طَهُورٌ (كَثِيرٌ طَهَّرَهُ، إِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ تَغَيُّرٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ النَّجِسُ كَثِيرًا فَزَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِنَزْحٍ بَقِيَ بَعْدَهُ كَثِيرُ، طَهُرَ) هَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ تَطْهِيرِ الْمَاءِ النَّجِسِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ النَّجِسُ دُونَ قُلَّتَيْنِ، فَتَطْهِيرُهُ بِالْمُكَاثَرَةِ حَسْبَ الْإِمْكَانِ زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " عُرْفًا، وَاعْتَبَرَ الْأَزَجِيُّ، وَالسَّامِرِيُّ الِاتِّصَالَ فِيهِ بِقُلَّتَيْنِ طَهُورِيَّتَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُصَبَّ فِيهِ، أَوْ يَجْرِي إِلَيْهِ مِنْ سَاقِيَةٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَيَزُولُ بِهِمَا تَغَيُّرُهُ إِنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ طَهُرَ بِمُجَرَّدِ الْمُكَاثَرَةِ، لِأَنَّ الْقُلَّتَيْنِ تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهَا، وَعَمَّا اتَّصَلَ بِهَا، وَلَا يَنْجُسُ إِلَّا بِالتَّغْيِيرِ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ النَّجِسَ الْقَلِيلَ لَا يَطْهُرُ بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ عِلَّةُ نَجَاسَتِهِ الْمُلَاقَاةُ لَا التَّغْيِيرُ، الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قُلَّتَيْنِ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ بِالنَّجَاسَةِ، فَتَطْهِيرُهُ بِالْمُكَاثَرَةِ. أَوْ مُتَغَيِّرًا بِهَا فَتَطْهِيرُهُ بِالْمُكَاثَرَةِ إِذَا زَالَ التَّغَيُّرُ، وَبِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ، لِأَنَّ عِلَّةَ
فَزَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَزْحٍ بَقِيَ بَعْدَهُ كَثِيرُ طُهْرٍ، وَإِنْ كُوثِرَ بِمَاءٍ يَسِيرٍ، أَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ، فَأَزَالَ التَّغَيُّرَ، لَمْ يَطْهُرْ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَطْهُرَ. وَالْكَثِيرُ مَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ، وَالْيَسِيرُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالتَّنْجِيسِ زَالَتْ، كَالْخَمْرَةِ إِذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَطْهُرُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ، الثَّالِثُ: الزَّائِدُ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ فَتَطْهِيرُهُ بِالْمُكَاثَرَةِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا فَتَطْهِيرُهُ بِالْأَمْرَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَبِثَالِثٍ: وَهُوَ أَنْ يُنْزَحَ مِنْهُ حَتَّى يَزُولَ التَّغَيُّرُ، وَيَبْقَى بَعْدَ النَّزْحِ قُلَّتَانِ، هَذَا إِنْ كَانَ مُتَنَجِّسًا بِغَيْرِ الْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ مُجْتَمِعًا مِنْ مُتَنَجِّسٍ كُلُّ مَا دُونَ قُلَّتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَقَصَ عَنْهُمَا قَبْلَ زَوَالِ التَّغَيُّرِ، ثُمَّ زَالَ لَمْ يَطْهُرْ، لِأَنَّ عِلَّةَ التَّنَجُّسِ فِي الْقَلِيلِ مُجَرَّدُ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، وَيُعْتَبَرُ زَوَالُ التَّغَيُّرِ فِي الْكُلِّ. تَنْبِيهٌ: إِذَا كَانَ مُتَنَجِّسًا بِغَيْرِ بَوْلِ آدَمِيٍّ وَعَذِرَتِهِ، فَإِنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ، فَتَطْهِيرُهُ بِإِضَافَةِ مَا يَشُقُّ نَزْحُهُ، وَإِنْ تَغَيَّرْ، وَكَانَ مِمَّا يَشُقُّ نَزْحُهُ، فَتَطْهِيرُهُ بِإِضَافَةِ مَا يَشُقُّ نَزْحُهُ مَعَ زَوَالِ تَغَيُّرِهِ، أَوْ بِنَزْحٍ يَبْقَى بَعْدَهُ قُلَّتَانِ، أَوْ بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ بِمَا لَا يَشُقُّ نَزْحُهُ فَبِإِضَافَةِ مَا يَشُقُّ نَزْحُهُ، كَمَصَانِعِ مَكَّةَ مَعَ زَوَالِ التَّغَيُّرِ (وَإِنْ كُوثِرَ) ، أَوْ كَانَ كَثِيرًا فَأُضِيفَ إِلَيْهِ (بمَاءٍ يَسِيرٍ) طَهُورٍ، (أَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ) كَالتُّرَابِ، وَالْخَلِّ، وَنَحْوِهِمَا، لَا مِسْكٍ وَنَحْوِهِ، (فَأَزَالَ التَّغَيُّرَ) لَمْ يَطْهُرْ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ، فَعَنْ غَيْرِهِ أَوْلَى (وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَطْهُرَ) ، وَقَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ، وَلِأَنَّ عِلَّةَ النَّجَاسَةِ زَالَتْ، وَهِيَ التَّغَيُّرُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ زَالَ بِالْمُكَاثَرَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: التُّرَابُ لَا يَطْهُرُ، لِأَنَّهُ يَسْتُرُ النَّجَاسَةَ بِخِلَافِ الْمَاءِ، وَقِيلَ بِهِ فِي النَّجِسِ الْكَثِيرِ فَقَطْ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَغَيْرِهِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْإِيضَاحِ " رِوَايَتَيْنِ فِي التُّرَابِ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا اجْتَمَعَ مِنْ نَجِسٍ وَطَهُورٍ وَطَاهِرٍ قُلَّتَانِ بِلَا تَغَيُّرٍ فَكُلُّهُ نَجِسٌ، وَقِيلَ: طَاهِرٌ، وَقِيلَ: طَهُورٌ، وَإِنْ أُضِيفَتْ قُلَّةٌ نَجِسَةٌ إِلَى مِثْلِهَا، وَلَا تَغَيُّرَ لَمْ تَطْهُرْ فِي الْمَنْصُوصِ كَنَجَاسَةٍ أُخْرَى، وَفِي غَسْلِ جَوَانِبِ بِئْرٍ نُزِحَتْ وَأَرْضِهَا رِوَايَتَانِ. (وَالْكَثِيرُ مَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ) هُمَا تَثْنِيَةُ قُلَّةٍ، وَهِيَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا ارْتَفَعَ وَعَلَا، وَمِنْهُ قُلَّةُ الْجَبَلِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْجَرَّةُ الْكَبِيرَةُ، سُمِّيَتْ قُلَّةً لِعُلُوِّهَا وَارْتِفَاعِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّ الرَّجُلَ الْعَظِيمَ يُقِلُّهَا بِيَدِهِ أَيْ: يَرْفَعُهَا، وَالتَّحْدِيدُ وَقَعَ بِقِلَالِ هَجَرَ، وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ
مَا دُونَهُمَا، وَهُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ. وَعَنْهُ: أَرْبَعُمِائَةٌ وَهَلْ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهَا مَشْهُورَةُ الصِّفَةِ مَعْلُومَةُ الْمِقْدَارِ لَا يَخْتَلِفُ كَالصِّيعَانِ، وَلِأَنَّ خَبَرَ الْقُلَّتَيْنِ دَلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى رَفْعِهِمَا النَّجَاسَةَ عَنْ أَنْفُسِهِمَا، وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى نَجَاسَةِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُمَا، فَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهُمَا حَدًّا لِلْكَثِيرِ (وَالْيَسِيرُ مَا دُونَهُمَا) أَيْ: دُونَ الْقُلَّتَيْنِ (وَهُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الْفُرُوعِ "، وَذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ: رَأَيْتُ قِلَالَ هَجَرَ، فَرَأَيْتُ الْقُلَّةَ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ، أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا، وَالِاحْتِيَاطُ إِثْبَاتُ الشَّيْءِ، وَجَعْلُهُ نِصْفًا، لِأَنَّهُ أَقْصَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مُنْكَرٍ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُهُمَا خَمْسُ قِرَبٍ بِقِرَبِ الْحِجَازِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ تِسْعُمِائَةِ رِطْلٍ عِرَاقِيَّةٍ، بِاتِّفَاقِ الْقَائِلِينَ بِتَحْدِيدِ الْمَاءِ بِالْقِرَبِ، وَالرِّطْلُ الْعِرَاقِيُّ: مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " الْقَدِيمِ، وَعَزَاهُ إِلَى أَبِي عُبَيْدٍ، وَقِيلَ: وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ ذَكَرَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَقِيلَ: وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " الْجَدِيدِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، فَعَلَى هَذَا هُوَ سُبْعُ الرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ وَنِصْفُ سُبْعِهِ، فَتَكُونُ الْقُلَّتَانِ بِالدِّمَشْقِيِّ مِائَةَ رِطْلٍ وَسَبْعَةَ أَرْطَالٍ وَسُبْعَ رِطْلٍ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِأُوقِيَّةٍ وَخَمْسَةِ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ، وَبِالْقُدْسِيِّ: ثَمَانُونَ رِطْلًا وَسُبْعَا رِطْلٍ، وَنِصْفُ سُبْعٍ، وَبِالْحَلَبِيِّ: تِسْعَةٌ وَثَمَانُونَ رِطْلًا وَسُبْعَا رِطْلٍ، وَبِالْمِصْرِيِّ: أَرْبَعُمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ، وَمِسَاحَتُهُمَا مُرَبَّعًا: ذِرَاعٌ وَرُبْعٌ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا، وَمُدَوَّرًا: ذِرَاعٌ طُولًا، وَذِرَاعَانِ وَنِصْفُ ذِرَاعٍ عُمْقًا، وَالْمُرَادُ بِهِ: ذِرَاعُ الْيَدِ، صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ (وَعَنْهُ: أَرْبَعُمِائَةٍ) رَوَاهُ عَنْهُ الْأَثْرَمُ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، لِقَوْلِ يَحْيَى بْنِ عَقِيلٍ: رَأَيْتُ قِلَالَ هَجَرَ، وَأَظُنُّ الْقُلَّةُ تَأْخُذُ قِرْبَتَيْنِ. رَوَاهُ الْجَوْزَجَانِيُّ، وَعَلَى هَذَا هُمَا بِالدِّمَشْقِيِّ: خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ رِطْلًا وَثُلُثَا رِطْلٍ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ، وَفِي ثَالِثَةٍ: هُمَا قِرْبَتَانِ وَثُلُثٌ، جَعْلًا لِلشَّيْءِ ثُلُثًا. (وَهَلْ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ) صَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "،
تَحْدِيدٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِذَا شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ أَوْ كَانَ نَجِسًا فَشَكَّ فِي طَهَارَتِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَ " الشَّرْحِ "، و" الْفُرُوعِ " لِأَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا جُعِلَ نِصْفًا احْتِيَاطِيًّا، وَالْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا دُونَ النِّصْفِ (أَوْ تَحْدِيدٌ) ؛ هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، لِأَنَّ مَا جُعِلَ احْتِيَاطِيًّا يَصِيرُ وَاجِبًا كَغَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ (عَلَى وَجْهَيْنِ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ رَاجِعٌ إِلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَلَامُهُ فِي " الْمُغْنِي "، و" الْمُحَرَّرِ " يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْخِلَافِ بِالْأَوْلَى. قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهُوَ الْأَشْبَهُ إِنْ قِيلَ: الْقِرْبَةُ تِسْعُمِائَةٍ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُ لَا تَرْدِيدَ فِي كَوْنِ الْقُلَّةِ قِرْبَتَيْنِ، وَإِنَّمَا التَّرْدِيدُ فِي الزَّائِدِ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ قِيلَ: هِيَ مِائَةٌ تَقْرِيبًا حَسُنَ مَجِيءُ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: الْأَصَحُّ أَنَّ الْخَمْسَمِائَةٍ تَقْرِيبٌ، وَالْأَرْبَعَمِائَةٍ تَحْدِيدٌ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إِذَا نَقَصَتِ الْقُلَّتَانِ رِطْلًا أَوْ رِطْلَيْنِ، وَوَقَعَ فِيهِمَا نَجَاسَةٌ، فَعَلَى الْأُولَى طَاهِرٌ، لِأَنَّهُ نَقْصٌ يَسِيرٌ لَا أَثَرَ لَهُ، وَعَلَى الثَّانِي: نَجِسٌ، لِأَنَّهُ نَقْصٌ عَنْ قُلَّتَيْنِ. مَسَائِلُ: إِذَا وَقَعَ نَجَاسَةٌ فِي قَلِيلٍ، وَلَمْ تُغَيِّرْهُ، وَقُلْنَا: يَنْجُسُ بِهَا، فَانْتُضِحَ مِنْهُ عَلَى ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ، نَجُسَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَهُ اسْتِعْمَالٌ كَثِيرٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَلَوْ مَعَ قِيَامِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا قَلِيلٌ، وَإِنْ شَكَّ فِي كَثْرَةِ الْمَاءِ، أَوْ نَجَاسَةِ عَظْمٍ، أَوْ رَوْثَةٍ، أَوْ جَفَافِ نَجَاسَةٍ عَلَى ذُبَابٍ وَغَيْرِهِ، أَوْ وُلُوغِ كَلْبٍ أَدْخَلَ رَأْسَهُ فِي إِنَاءٍ، وَثَمَّ بِفِيهِ رُطُوبَةٌ، فَوَجْهَانِ. وَنَقَلَ حَرْبٌ: فِيمَنْ وَطِئَ رَوْثَةً، فَرَخَّصَ فِيهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مَا هِيَ. (وَإِذَا شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ) فَهُوَ طَاهِرٌ، لِأَنَّهَا مُتَيَقَّنَةٌ فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ، وَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمُكْثِهِ، أَوْ بِمَا لَا يَمْنَعُ، وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِالْمَاءِ، بَلْ يَجْرِي فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، (أَوْ كَانَ نَجِسًا فَشَكَّ فِي طَهَارَتِهِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) أَيِ: الْأَصْلِ، لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ عَلَى حَالٍ، فَانْتِقَالُهُ عَنْهَا يَفْتَقِرُ إِلَى عَدَمِهَا، وَوُجُودُ الْأُخْرَى، وَبَقَاؤُهَا وَبَقَاءُ الْأُولَى لَا يَفْتَقِرُ إِلَّا إِلَى مُجَرَّدِ الْبَقَاءِ، فَيَكُونُ أَيْسَرَ مِنَ الْحُدُوثِ وَأَكْثَرَ، وَالْأَصْلُ إِلْحَاقُ الْفَرْدِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ. فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِنَجَاسَتِهِ، وَذَكَرَ السَّبَبَ قَبْلُ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَلْزَمُ قَبُولُ خَبَرِهِ، لِاحْتِمَالِ اعْتِقَادِ نَجَاسَتِهِ بِسَبَبٍ لَا يَعْتَقِدُهُ الْمُخْبَرُ، وَقِيلَ: يَقْبَلُ، كَالرِّوَايَةِ، وَيَكْفِي مَسْتُورُ الْحَالِ فِي الْأَصَحِّ، كَعَبْدٍ وَأُنْثَى، وَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّ كَلْبًا وَلَغَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ فَقَطْ، وَقَالَ آخَرُ: إِنَّمَا وَلَغَ فِي هَذَا، حُكِمَ بِنَجَاسَتِهِمَا، لِأَنَّ صِدْقَهَا مُمْكِنٌ،
بَنَى عَلَى الْيَقِينِ. وَإِنِ اشْتَبَهَ الْمَاءُ الطَّاهِرُ بِالنَّجِسِ لَمْ يَتَحَرَّ فِيهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَيَتَيَمَّمُ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ إِرَاقَتُهُمَا أَوْ خَلْطُهُمَا؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَإِنْ عَيَّنَا كَلْبًا وَوَقْتًا يَضِيقُ عَنْ شُرْبِهِ مِنْهُمَا؛ تَعَارَضَا، وَلَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: وَلَغَ فِي هَذَا، وَقَالَ الْآخَرُ: نَزَلَ وَلَمْ يَشْرَبْ، قَدَّمَ قَوْلَ الْمُثْبِتِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَرِيرًا فَيُقَدِّمُ قَوْلَ الْبَصِيرِ عَلَيْهِ. فَرْعٌ: إِذَا أَصَابَهُ مَاءٌ، وَلَا أَمَارَةَ تَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ، كُرِهَ سُؤَالُهُ عَنْهُ نَقَلَهُ صَالِحٌ لِقَوْلِ عُمَرَ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لَا تُخْبِرْنَا، فَلَا يَلْزَمُ الْجَوَابُ، وَقِيلَ: بَلَى كَمَا لَوْ سُئِلَ عَنِ الْقِبْلَةِ، وَقِيلَ: الْأَوْلَى السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ، وَقِيلَ: بِلُزُومِهِمَا، وَأَوْجَبَ الْأَزَجِيُّ إِجَابَتَهُ إِنْ عَلِمَ نَجَاسَتَهُ. (وَإِنِ اشْتَبَهَ الْمَاءُ الطَّاهِرُ) أَيِ: الطَّهُورُ (بِالنَّجِسِ) تَنْقَسِمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إِلَى صُوَرٍ، مِنْهَا: أَنْ يَزِيدَ عَدَدَ النَّجِسِ، أَوْ يَتَسَاوَيَانِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِيهِمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَمِنْهَا أَنْ يَزِيدَ عَدَدُ الطَّاهِرِ عَلَى عَدَدِ النَّجِسِ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُتَوَاطِئِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ مَحَالِّهِ، وَهُوَ مَجَازٌ شَائِعٌ (لَمْ يَتَحَرَّ فِيهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ) لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْمُبَاحُ بِالْمَحْظُورِ فِي مَوْضِعٍ لَا تُبِيحُهُ الضَّرُورَةُ، كَمَا لَوِ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَوْلًا، لِأَنَّ الْبَوْلَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّطْهِيرِ، وَالثَّانِيَةُ: لَهُ التَّحَرِّي إِذَا زَادَ عَدَدُ الطَّهُورِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ شَاقْلَا، وَالنَّجَّادِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ إِصَابَتُهُ الطَّهُورَ، وَجِهَةُ الْإِبَاحَةِ تَرَجَّحَتْ، أَشْبَهَ مَا لَوِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهُ فِي نِسَاءِ بَلَدٍ كَبِيرٍ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ اجْتِنَابُ الْكُلِّ، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ النِّكَاحُ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ، وَعَلَى هَذَا هَلْ يَكْتَفِي بِمُطْلَقِ الزِّيَادَةِ، أَوْ كَوْنِ الطَّهُورِ أَكْثَرَ عُرْفًا، أَوْ كَوْنِ النَّجَسِ تُسْعَ الطَّهُورِ؛ فِيهِ أَوْجُهٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَعْمَى وَغَيْرِهِ، وَهَلْ يَلْزَمُ مَنْ عَلِمَ النَّجِسَ إِعْلَامُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ؛ فِيهِ احْتِمَالَاتٌ، ثَالِثُهَا: يَلْزَمُ إِنْ شُرِطَتْ إِزَالَتُهَا لِصَلَاةٍ، وَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْ أَحَدِهِمَا بِلَا تَحَرٍّ، فَبَانَ طَهُورًا لَمْ يَصِحَّ، وَيُعَايَا بِهَا، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: يَصِحُّ (وَيَتَيَمَّمُ) فِي الصُّوَرِ السَّابِقَةِ، لِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ حُكْمًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا تَيَمَّمَ وَصَلَّى بِهِ، ثُمَّ عَلِمَ النَّجِسَ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ (وَهَلْ يُشْتَرَطُ إِرَاقَتُهُمَا أَوْ خَلْطُهُمَا؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي
اشْتَبَهَ طَهُورٌ بِطَاهِرٍ تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَصَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً. وَإِنِ اشْتَبَهَتِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ" الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ - لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ - إِعْدَامُهُمَا بِخَلْطٍ أَوْ إِرَاقَةٍ، جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهَا ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي بِئْرٍ لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ: تُشْتَرَطُ الْإِرَاقَةُ، لِيَكُونَ عَادِمًا لِلْمَاءِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو الْبَرَكَاتِ، وَهَذَا إِذَا أَمِنَ الْعَطَشَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ طَهُورٌ بِيَقِينٍ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَطْهِيرُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَالْمُحَرَّمُ بِغَصْبٍ كَالنَّجِسِ فِيمَا ذَكَرْنَا. فَرْعٌ: إِذَا احْتَاجَ إِلَى شُرْبٍ أَوْ أَكْلٍ لَمْ يَجُزْ بِلَا تَحَرٍّ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ فَعَلَ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: أَوْ تَطَهَّرَ مِنْ أَحَدِهِمَا بِتَحَرٍّ، ثُمَّ وَجَدَ مَاءً طَهُورًا، وَجَبَ غَسْلُ ثِيَابِهِ وَأَعْضَائِهِ، وَقِيلَ: يُسَنُّ، وَيُرِيقُ النَّجِسَ إِنْ عَلِمَهُ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ، وَإِنْ خَافَ الْعَطَشَ تَوَضَّأَ بِالطَّاهِرِ، وَحَبَسَ النَّجِسَ، وَقِيلَ: يَحْبِسُ الطَّاهِرَ وَيَتَيَمَّمُ، وَهُوَ أَوْلَى كَمَا لَوْ خَافَ احْتِيَاجَهُمَا لِلْعَطَشِ. فَرْعٌ: إِذَا تَوَضَّأَ بِمَاءٍ، ثُمَّ عَلِمَ نَجَاسَتَهُ أَعَادَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، خِلَافًا " لِلرِّعَايَةِ "، وَنَصُّهُ: حَتَّى يَتَيَقَّنَ بَرَاءَتَهُ، وَذُكِرَ فِي " الْفُصُولِ "، وَالْأَزَجِيِّ: إِنْ شَكَّ هَلْ كَانَ وُضُوءُهُ قَبْلَ نَجَاسَةِ الْمَاءِ أَوْ بَعْدَهُ؟ لَمْ يُعِدْ، لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ. (وَإِنِ اشْتَبَهَ طَهُورٌ بِطَاهِرٍ؛ تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) قَالَ فِي " الْوَجِيزِ " مَعَ عَدَمِ طَهُورٍ مُشْتَبَهٍ، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُضُوءًا كَامِلًا، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، و" الْمُحَرَّرِ " لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ تَأْدِيَةُ فَرْضِهِ بِيَقِينٍ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ مِنْهُمَا وُضُوءًا وَاحِدًا، فَيَأْخُذُ مِنْ هَذَا غُرْفَةً، وَمِنْ هَذَا غُرْفَةً مُطْلَقًا، فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْهُمَا مَعَ طَهُورٍ بِيَقِينٍ وُضُوءًا وَاحِدًا صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى أَحَدِهِمَا لِلشُّرْبِ تَحَرَّى وَتَوَضَّأَ بِالطَّهُورِ عِنْدَهُ، وَتَيَمَّمَ لِيَحْصُلَ لَهُ الْيَقِينُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَصَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً) قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ ":
[باب الآنية]
الثِّيَابُ الطَّاهِرَةُ بِالنَّجِسَةِ، صَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ صَلَاةً وَزَادَ صَلَاةً. بَابُ الْآنِيَةِ كُلُّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ يُبَاحُ اتِّخَاذُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ، وَلَوْ كَانَ ثَمِينًا كَالْجَوْهَرِ، وَنَحْوِهِ إِلَّا آنِيَةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ فَرْضِهِ بِيَقِينٍ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ كَانَا طَهُورَيْنِ، وَلَمْ يَكْفِهِ أَحَدُهُمَا. (وَإِنِ اشْتَبَهَتِ الثِّيَابُ الطَّاهِرَةُ بِالنَّجِسَةِ) وَهُوَ يَعْلَمُ عَدَدَهَا (صَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ صَلَاةً) يَنْوِي بِهَا الْفَرْضَ احْتِيَاطًا، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ وَلَمْ يَجُزِ التَّحَرِّي مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ وَالْأَوَانِي، وَفَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَاءَ يُلْصَقُ بِبَدَنِهِ، فَيَتَنَجَّسُ بِهِ، وَأَنَّهُ يُبَاحُ طَلَبُهُ فِيهِ عِنْدَ الْعَدَمِ، بِخِلَافِ الْمَاءِ النَّجِسِ، قَالَ الْأَصْحَابَ: وَلِأَنَّ الْقِبْلَةَ يَكْثُرُ الِاشْتِبَاهُ فِيهَا، وَالتَّفْرِيطُ هُنَا حَصَلَ مِنْهُ بِخِلَافِهَا، وَلِأَنَّ لَهَا أَدِلَّةً تَدُلُّ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الثِّيَابِ (وَزَادَ صَلَاةً) لِأَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ يَقِينًا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَدَدَ النَّجِسِ، صَلَّى حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ صَلَّى فِي طَاهِرٍ. صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، فَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ وَشَقَّ صَلَاتُهُ فِي الْكُلِّ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَتَحَرَّى فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ، وَالثَّانِي: لَا يَتَحَرَّى، لِأَنَّهُ يَنْدُرُ جِدًّا، وَقِيلَ: يُصَلِّي فِي وَاحِدٍ بِلَا تَحَرٍّ، وَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ، وَلَا تَصِحُّ فِي ثِيَابٍ مُشْتَبِهَةٍ مَعَ وُجُودِ طَاهِرٍ يَقِينًا، وَكَذَا حُكْمُ الْأَمْكِنَةِ الضَّيِّقَةِ، وَأَمَّا الْوَاسِعَةُ فَيُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ بِلَا تَحَرٍّ. [بَابُ الْآنِيَةِ] [التَّوَضُّؤُ مِنَ الْآوَانِي الَّتِي لَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهَا] بَابُ الْآنِيَةِ الْآنِيَةُ هِيَ الْأَوْعِيَةُ: جَمْعُ إِنَاءٍ كَسِقَاءٍ وَأَسْقِيَةٍ، وَجَمْعُ الْآنِيَةِ أَوَانٍ، وَالْأَصْلُ أَآنِي أُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ الثَّانِيَةُ وَاوًا كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِ هَمْزَتَيْنِ، كَآدَمَ وَأَوَادِمٍ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَدَمَةِ، أَوْ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ، أَيْ: وَجْهِهَا، وَهِيَ ظُرُوفُ الْمَاءِ، لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْمَاءَ ذَكَرَ ظَرْفَهُ. (كُلُّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ يُبَاحُ اتِّخَاذُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ) كَالْخَشَبِ، وَالْجُلُودِ، وَالصُّفْرِ، وَالْحَدِيدِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ جِلْدُ الْآدَمِيِّ، وَعَظْمُهُ لِحُرْمَتِهِ (وَلَوْ كَانَ) الْإِنَاءُ (ثَمِينًا كَالْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ) كَبِلَّوْرٍ، وَيَاقُوتٍ، وَزُمُرُّدٍ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ فِي الصُّفْرِ، وَالنُّحَاسِ، وَالرَّصَاصِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيُّ، لِأَنَّ الْمَاءَ يَتَغَيَّرُ فِيهَا، وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَكْرَهُ رِيحَ النُّحَاسِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ. » رَوَاهُ
الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْمُضَبَّبَ بِهِمَا، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ اتِّخَاذُهَا، وَاسْتِعْمَالُهَا عَلَى الرِّجَالِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْبُخَارِيُّ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ جَفْنَةٍ، وَمِنْ تَوْرِ حِجَارَةٍ، وَمِنْ إِدَاوَةٍ، وَمِنْ قِرْبَةٍ، فَثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهَا لِفِعْلِهِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ قِيَاسًا، لِأَنَّهُ مِثْلُهُ، وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُحَرِّمَةَ لِلنَّقْدَيْنِ مَفْقُودَةٌ فِي الثَّمِينِ، لِكَوْنِهِ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا خَوَاصُّ النَّاسِ، فَلَا يُؤَدِّي إِلَى الْخُيَلَاءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وَلِأَنَّ إِبَاحَتَهُ لَا تُفْضِي إِلَى اسْتِعْمَالِهِ لِقِلَّتِهِ، بِخِلَافِ النَّقْدَيْنِ فَإِنَّهُمَا فِي مَظِنَّةِ الْكَثْرَةِ، فَيُفْضِي إِلَى الِاسْتِعْمَالِ، وَكَثْرَةُ أَثْمَانِهَا لَا تَصْلُحُ فَارِقًا كَمَا فِي الثِّيَابِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الْحَرِيرُ، وَإِنْ قَلَّ ثَمَنُهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَإِنْ بَلَغَ ثَمَنُهُ أَضْعَافَ ثَمَنِ الْحَرِيرِ، وَكَذَلِكَ يُبَاحُ فَصُّ الْخَاتَمِ جَوْهَرَةً، وَلَوْ بَلَغَ ثَمَنُهَا مَهْمَا بَلَغَ، وَيَحْرُمُ ذَهَبًا، وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا (إِلَّا آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) حَتَّى الْمِيلَ وَنَحْوَهُ، (وَالْمُضَبَّبَ بِهِمَا) لِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ النَّقْدَيْنِ هِيَ الْخُيَلَاءُ، وَكَسْرُ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْمُضَبَّبِ بِهِمَا، وَيَأْتِي حُكْمُهَا (فَإِنَّهُ يَحْرُمُ اتِّخَاذُهَا) ذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " عَنْ شَيْخِهِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيمَا عَلِمْنَا فِي تَحْرِيمِ اتِّخَاذِ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْخِلَافُ فِيهِ مَشْهُورٌ، فَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " رِوَايَةً، وَبَعْضُهُمْ حَكَاهُ وَجْهًا: أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الِاتِّخَاذُ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ تَحْرِيمُ الِاتِّخَاذِ، كَمَا لَوِ اتَّخَذَ الرَّجُلُ ثِيَابَ الْحَرِيرِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ: إِذَا اتَّخَذَ مِسْعَطًا، أَوْ قِنْدِيلًا، أَوْ نَعْلَيْنِ، أَوْ مِجْمَرَةً، أَوْ مِدْخَنَةً مِنَ النَّقْدَيْنِ كُرِهَ وَلَمْ يَحْرُمْ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَفِي الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا حَرُمَ اتِّخَاذُهُ عَلَى هَيْئَةِ الِاسْتِعْمَالِ، كَالْمَلَاهِي، وَأَمَّا ثِيَابُ الْحَرِيرِ فَإِنَّهَا لَا تَحْرُمُ مُطْلَقًا، لِأَنَّهَا تُبَاحُ لِلنِّسَاءِ، وَتُبَاحُ لِلتِّجَارَةِ فِيهَا (وَاسْتِعْمَالُهَا) هَذَا مِمَّا اتُّفِقَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» . وَرَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، فَتَوَعَّدَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ، فَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَالْجَرْجَرَةُ: هِيَ صَوْتُ
وَالنِّسَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْهَا، فَهَلْ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الضَّبَّةُ يَسِيرَةً مِنَ الْفِضَّةِ، كَتَشْعِيبِ الْقَدَحِ، وَنَحْوِهِ، فَلَا بَأْسَ بِهَا إِذَا لَمْ يُبَاشِرْهَا بِالِاسْتِعْمَالِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوُقُوعِ الْمَاءِ بِانْحِدَارِهِ فِي الْجَوْفِ، وَغَيْرُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي مَعْنَاهُ، لِأَنَّ ذِكْرَهُمَا خَرَجَ فِي مَخْرَجِ الْغَالِبِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَتَقَيَّدُ الْحُكْمُ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ} [البقرة: 283] الْآيَةَ (عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَالْمَعْنَى فِيهِمَا أَنَّ كُلًّا مِنَ الْجِنْسَيْنِ مُكَلَّفٌ، وَلَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ. وَإِنَّمَا أُبِيحَ التَّحَلِّي لِلنِّسَاءِ لِحَاجَتِهِنَّ إِلَيْهِ لِأَجْلِ التَّزَيُّنِ لِلزَّوْجِ (فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْهَا) وَفِيهَا، وَإِلَيْهَا، وَفِي إِنَاءٍ مَغْصُوبٍ، أَوْ ثَمَنِهِ (فَهَلْ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: تَصِحُّ صَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّ الْإِنَاءَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَلَا رُكْنٍ لِلْعِبَادَةِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ، وَالثَّانِي: لَا تَصِحُّ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَابْنُهُ أَبُو الْحُسَيْنِ لِإِتْيَانِهِ بِالْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ، أَشْبَهَ الصَّلَاةَ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ " بِأَنَّ الْأَفْعَالَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ مُحَرَّمٌ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَقِيلَ: فِي صِحَّةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ رِوَايَتَانِ، وَجَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ " بِالصِّحَّةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ مِنْهُ، وَبِهِ، وَفِيهِ، وَصَرَّحَ بِهِمَا الْخِرَقِيُّ. وَالْأَشْهَرُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمُ، فَعَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ إِنْ جَعَلَهَا مَصَبًّا لِلْمَاءِ صَحَّ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ " لِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ الَّذِي يَقَعُ فِي الْآنِيَةِ قَدْ رَفَعَ الْحَدَثَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ بِوُقُوعِهِ فِيهِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِوُجُودِ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ الضَّبَّةُ يَسِيرَةً) عُرْفًا (مِنَ الْفِضَّةِ، كَتَشْعِيبِ الْقَدَحِ فَلَا بَأْسَ بِهَا) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشُّعَبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ» ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ سَرَفٌ وَلَا خُيَلَاءٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُضَبَّبَ بِذَهَبٍ حَرَامٌ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَصْلُحُ مِنَ الذَّهَبِ وَلَا خَرْبَصِيصَةٍ» وَفِيهِ وَجْهٌ. وَكَذَا الْمُضَبَّبُ بِفِضَّةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ كَثِيرَةً، لِحَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا، وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ شَرِبَ مِنْ إِنَاءِ
[ثياب الكفار وأوانيهم طاهرة ما لم تعلم نجاستها]
وَثِيَابُ الْكُفَّارِ وَأَوَانِيهِمْ طَاهِرَةٌ مُبَاحَةُ الِاسْتِعْمَالِ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا. وَعَنْهُ: مَا وَلِيَ ـــــــــــــــــــــــــــــQذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ إِنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. فَمُقْتَضَى هَذَا تَحْرِيمُ الْمُضَبَّبِ مُطْلَقًا، تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ فِيمَا ضَبَّتُهُ يَسِيرَةٌ، لِلنَّصِّ السَّابِقِ. فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ، وَالْحَاجَةُ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ فِي الْيَسِيرَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ "، وَحَكَيَاهُ عَنِ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ لَا سَرَفَ فِيهِ، وَلَا خُيَلَاءَ، أَشْبَهَ الصُّفْرَ، إِلَّا أَنَّهُ كَرِهَ الْحَلْقَةَ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تُبَاحُ إِلَّا لِحَاجَةٍ، وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ، وَفِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي الْحَاجَةِ، فَيَجِبُ قَصْرُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا، فَعَلَى هَذَا تُبَاحُ وِفَاقًا، وَقِيلَ: تُكْرَهُ (إِذَا لَمْ يُبَاشِرْهَا بِالِاسْتِعْمَالِ) لِئَلَّا يَكُونَ مُبَاشِرًا لِلْفِضَّةِ الَّتِي جَاءَ الْوَعِيدُ فِي اسْتِعْمَالِهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ إِذَا بَاشَرَهَا بِالِاسْتِعْمَالِ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُبَاحُ مُبَاشَرَتُهَا مَعَ الْحَاجَةِ وَبِدُونِهَا، فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ: يُبَاحُ، وَالْكَثِيرُ مَا كَثُرَ فِي الْعُرْفِ، وَقِيلَ: مَا لَاحَ عَلَى بُعْدٍ، وَقِيلَ: مَا اسْتُوعِبَ أَحَدُ جَوَانِبِهِ، وَالْحَاجَةُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ غَرَضٌ غَيْرُ الزِّينَةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ بَعْضِهِمْ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مُرَادُهُمْ أَنْ يُحْتَاجَ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ، لَا إِلَى كَوْنِهَا مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنَّ هَذِهِ ضَرُورَةٌ، وَهِيَ تُبِيحُ الْمُنْفَرِدَ. فَرْعٌ: الْمَطْلِيُّ، وَالْمُطَعَّمُ، وَنَحْوُهُمَا كَمُمَوَّهٍ، وَمُكَفَّتٍ، بِأَحَدِهِمَا كَالْمُصْمَتِ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: لَوْ حُكَّ وَاجْتَمَعَ مِنْهُ شَيْءٌ، حَرُمَ، وَإِلَّا فَلَا. [ثِيَابُ الْكُفَّارِ وَأَوَانِيهِمْ طَاهِرَةٌ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا] (وَثِيَابُ الْكُفَّارِ وَأَوَانِيهِمْ طَاهِرَةٌ مُبَاحَةُ الِاسْتِعْمَالِ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكُفَّارَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَهْلُ كِتَابٍ وَغَيْرُهُمْ، فَالْأَوَّلُ: يُبَاحُ أَكْلُ طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ، وَاسْتِعْمَالُ أَوَانِيهِمْ بِشَرْطِهِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] ، وَتَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ، وَرَوَى أَحْمَدُ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَضَافَهُ يَهُودِيٌّ بِخُبْزِ شَعِيرٍ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ» ، وَفِي كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ أَوَانِيهِمْ رِوَايَتَانِ، وَأَمَّا ثِيَابُهُمْ فَمَا عَلَا مِنْهُ كَالْعِمَامَةِ، وَنَحْوِهَا، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا وَلِيَ عَوْرَاتِهِمْ كَالسَّرَاوِيلِ، قَالَ أَحْمَدُ: أُحِبُّ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يُعِيدُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي ظَاهِرِ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَالَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَالْآمِدِيُّ،
[استعمال آنية من لا تحل ذبيحته]
عَوْرَاتِهِمْ كَالسَّرَاوِيلِ وَنَحْوِهِ لَا يُصَلَّى فِيهِ. وَعَنْهُ: أَنَّ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ لَا يُسْتَعْمَلُ مَا اسْتَعْمَلُوهُ مِنْ آنِيَتِهِمْ إِلَّا بَعْدَ غَسْلِهِ وَلَا يُؤْكَلُ مِنْ طَعَامِهِمْ إِلَّا الْفَاكِهَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ مِنَ الثِّيَابِ وَالْأَوَانِي مُطْلَقًا، لِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، وَلِأَنَّهُمْ لَا يَتَوَرَّعُونَ عَنِ النَّجَاسَةِ، وَعَنْهُ: الْكَرَاهَةُ، وَعَلَيْهَا يُحْمَلُ النَّهْيُ فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. (وَعَنْهُ: مَا وَلِيَ عَوْرَاتِهِمْ كَالسَّرَاوِيلِ) هُوَ أَعْجَمِيٌّ مُفْرَدٌ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِشَبَهِهِ بِمَفَاعِيلَ وَنَحْوِهِ، كَالتُّبَّانِ وَالْقَمِيصِ. لَا يُصَلَّى فِيهِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أَحْمَدَ فِيهِ. [اسْتِعْمَالُ آنِيَةِ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ] (وَعَنْهُ: أَنَّ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ) كَالْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ (لَا يُسْتَعْمَلُ مَا اسْتَعْمَلُوهُ مِنْ آنِيَتِهِمْ إِلَّا بَعْدَ غَسْلِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا بِالْمَاءِ، وَكُلُوا فِيهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إِذَا مُنِعَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَنُهِيَ عَنِ اسْتِعْمَالِ أَوَانِيهِمْ بِدُونِ غَسْلِهَا، فَفِي غَيْرِهِمْ أَوْلَى، وَلِأَنَّ ذَبَائِحَهُمْ مَيْتَةٌ، فَنَجَاسَةُ الْآنِيَةِ بِهَا مُتَيَقَّنَةٌ، وَعَلَيْهَا يُمْنَعُ مِنَ الثِّيَابِ أَيْضًا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ لَا يَتَوَقَّوْنَهَا فِي الثِّيَابِ، فَتَكُونُ نَجِسَةً، وَقِيلَ: تُغْسَلُ آنِيَةُ مَنْ يَسْتَحِلُّ الْمَيْتَةَ، وَالنَّجَاسَةَ كَالْمَجُوسِ، وَبَعْضِ النَّصَارَى، وَطَهَارَةُ غَيْرِهَا قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَبْلَ الْغَسْلِ، وَعَدَمِ تَحَقُّقِ النَّجَاسَةِ، فَأَمَّا بَعْدَ غَسْلِهَا فَلَا خِلَافَ فِي طَهَارَتِهَا، وَجَوَازِ اسْتِعْمَالِهَا، وَمَعَ تَحَقُّقِ النَّجَاسَةِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَنْعِ، وَكَذَا حُكْمُ مَا صَبَغُوهُ، قِيلَ: لِأَحْمَدَ عَنْ صَبْغِ الْيَهُودِ بِالْبَوْلِ، فَقَالَ: الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَلَا تَسْأَلْ عَنْ هَذَا، وَلَا تَبْحَثْ عَنْهُ، فَإِنْ عَلِمْتَ فَلَا تُصَلِّ فِيهِ حَتَّى تَغْسِلَهُ (وَلَا يُؤْكَلُ مِنْ طَعَامِهِمْ إِلَّا الْفَاكِهَةُ وَنَحْوُهَا) لِأَنَّ النَّجَاسَةَ بَعِيدَةٌ مِنْهَا، لِأَنَّهَا لَا تُخَالِطُهَا، وَمُلَاقَاةُ رَطْبِ النَّجَاسَةِ لَهَا غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، وَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ. فَرْعٌ: إِذَا شَكَّ فِي اسْتِعْمَالِهِ، فَهُوَ طَاهِرٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ،
[جلود الميتة]
وَنَحْوُهَا. وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ وَهَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسَاتِ بَعْدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقِيلَ: يُغْسَلُ إِنْ كَانَ لِمَجُوسِيٍّ، وَإِنْ كَانَ لِكِتَابِيٍّ كُرِهَ، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ قِدْرِ النَّصْرَانِيِّ، وَمَا نَسَجَهُ الْكُفَّارُ فَهُوَ مُبَاحُ اللُّبْسِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَصْحَابَهُ كَانَتْ ثِيَابُهُمْ مِنْ نَسْجِ الْكُفَّارِ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي " الْإِرْشَادِ " رِوَايَتَيْنِ، أَصَحُّهُمَا: لَا يَجِبُ غَسْلُهَا، وَذَكَرَ أَيْضًا فِي " الْإِرْشَادِ ": أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا دَاوَمَ شُرْبَ الْخَمْرِ أَنَّهُ فِي آنِيَتِهِ، وَثِيَابِهِ، وَسُؤْرِهِ كَالْمَجُوسِ، وَفِي كَرَاهَةِ ثَوْبِ الْمُرْضِعِ، وَالْحَائِضِ، وَالصَّغِيرِ رِوَايَتَانِ. ذُكِرَ فِي " الشَّرْحِ " الْإِبَاحَةُ، ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّوَقِّيَ لِذَلِكَ أَوْلَى لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ فِيهِ. [جُلُودُ الْمَيْتَةِ] (وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْمَيْتَةِ) أَيِ: الَّذِي نَجُسَ بِمَوْتِهَا (بِالدِّبَاغِ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَعَائِشَةَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ قَالَ: «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ، أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَلَمْ يَذْكُرِ التَّوْقِيتَ غَيْرُ أَبِي دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ، وَقَالَ: مَا أَصْلَحَ إِسْنَادَهُ، وَقَالَ أَيْضًا: حَدِيثُ ابْنِ عُكَيْمٍ أَصَحُّهَا، وَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ: «كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هَذَا فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ. » وَهُوَ دَالٌّ عَلَى سَبْقِ الرُّخْصَةِ، وَأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ مِنْ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. لَا يُقَالُ: هُوَ مُرْسَلٌ لِكَوْنِهِ مِنْ كِتَابٍ لَا يُعْرَفُ حَامِلُهُ، لِأَنَّ كِتَابَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَلَفْظِهِ، وَلِهَذَا كَانَ يَبْعَثُ كُتُبَهُ إِلَى النَّوَاحِي بِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ. فَإِنْ قُلْتَ: الْإِهَابُ اسْمٌ لِلْجِلْدِ قَبْلَ الدَّبْغِ، وَقَالَهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَأُجِيبَ بِمَنْعِ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ قَبْلَ الدَّبْغِ، وَلَا هُوَ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ (وَهَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسَاتِ) ؛ احْتُرِزَ بِهِ عَنِ
الدَّبْغِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ: يَطْهُرُ مِنْهَا جِلْدُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَائِعَاتِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَصْحَابِ مَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَذَكَرُوهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَوْ لَمْ يُنَجِّسِ الْمَاءَ بِأَنْ كَانَتْ تَسَعُ قُلَّتَيْنِ، لِأَنَّهَا نَجِسَةُ الْعَيْنِ، وَجَوَّزَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِذَا لَمْ يُنَجِّسِ الْمَاءَ (بَعْدَ الدَّبْغِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي ابْنِ تَمِيمٍ، وَفِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ " وَخَصَّاهُ بِجِلْدِ طَاهِرٍ حَالَ الْحَيَاةِ، وَبَعْضُهُمْ حَكَاهُمَا قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ جِلْدَ كَلْبٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ وَهِيَ الْأَصَحُّ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا، فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا فَتَحُوا فَارِسَ انْتَفَعُوا بِسُرُوجِهِمْ، وَأَسْلِحَتِهِمْ، وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ، وَنَجَاسَتُهُ لَا تَمْنَعُ الِانْتِفَاعَ بِهِ، كَالِاصْطِيَادِ بِالْكَلْبِ، وَإِذَا جَازَ اسْتِعْمَالُهُ جَازَ دَبْغُهُ، وَإِلَّا احْتَمَلَ التَّحْرِيمَ، وَاحْتَمَلَ الْإِبَاحَةَ، كَغَسْلِ نَجَاسَةٍ بِمَائِعٍ، وَمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ، وَإِنْ لَمْ يُطَهِّرْ، قَالَهُ الْقَاضِي. وَكَلَامُ غَيْرِهِ خِلَافُهُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ. فَرْعٌ: اخْتَلَفَ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي جَوَازِ الْخَرْزِ بِشَعَرِ الْخِنْزِيرِ، وَفِي كَرَاهَتِهِ رِوَايَتَانِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الْخَرْزُ بِرَطْبِهِ، وَفِي يَابِسِهِ الْخِلَافُ، فَإِنْ خَرَزَ بِرَطْبِهِ وَجَبَ غَسْلُهُ. مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ اتِّخَاذُ مُنْخُلٍ مِنْ شَعَرٍ نَجِسٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُكْرَهُ. (وَعَنْهُ: يَطْهُرُ مِنْهَا جِلْدُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ) قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَهِيَ أَوْلَى، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ أَنَّهَا آخِرُ قَوْلَيْ أَحْمَدَ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ» . وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْمَأْكُولَ، وَغَيْرَهُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا كَانَ نَجِسًا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي الْحَيَاةِ، لِكَوْنِ الدَّبْغِ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي رَفْعِ نَجَاسَةٍ حَادِثَةٍ بِالْمَوْتِ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ. وَعَنْهُ: يَطْهُرُ جِلْدُ مَا هُوَ مَأْكُولُ اللَّحْمِ، وَاخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ، وَهِيَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ذَكَاةُ الْأَدِيمِ دِبَاغُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. لِأَنَّهُ شَبَّهَ الدِّبَاغَ بِالذَّكَاةِ، وَهِيَ إِنَّمَا تَعْمَلُ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي غَيْرِ مَأْكُولٍ كَالذَّبْحِ، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِعُمُومِ لَفْظِهِ فِي ذَلِكَ. وَعَلَى هَذَا: هَلِ الدِّبَاغُ يُصَيِّرُهُ كَالْحَيَاةِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الْمُؤَلِّفِ، وَصَاحِبِ " التَّلْخِيصِ " فَلَا يُطَهِّرُ مِنْهَا إِلَّا مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ، كَالْهِرِّ، أَوْ كَالذَّكَاةِ وَهِيَ اخْتِيَارُ الْمَجْدِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ أَصَحُّ، فَلَا يُطَهِّرُ إِلَّا مَا تُطَهِّرُهُ الذَّكَاةُ، وَقَدْ يَخْرُجُ عَلَيْهِمَا جِلْدُ الْآدَمِيِّ، فَإِنَّ فِي طَهَارَتِهِ إِنْ قِيلَ بِنَجَاسَتِهِ وَجْهَيْنِ، وَالْأَشْهَرُ عَدَمُهُ، وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ جِلْدِهِ وَسَلْخِهِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، لِعَدَمِ رَفْعِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ، وَخَالَفَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرِهِ، وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ: أَنَّهُ لَا يَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ إِلَّا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَنَقَلَ خِطَابَ ابْنِ بِشْرٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَذْهَبُ إِلَيْهِ، رَأَيْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، فَرَفَعْنَا الْمُتَوَاتِرَ بِالْآحَادِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ. مَسَائِلُ: لَا يَفْتَقِرُ الدَّبْغُ إِلَى فِعْلِ آدَمِيٍّ، فَلَوْ وَقَعَ فِي مَدْبَغَةٍ طَهُرَ، لِأَنَّهَا إِزَالَةُ نَجَاسَةٍ، فَهُوَ كَالْمَطَرِ يُطَهِّرُ الْأَرْضَ النَّجِسَةَ، وَلَا تَحْصُلُ بِتَشْمِيسِهِ، وَقِيلَ: بَلَى، وَكَمَا فِي تَتْرِيبِهِ أَوْ رِيحٍ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَيَفْتَقِرُ مَا يُدْبَغُ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُنَشِّفًا لِلْخَبَثِ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ زَوَالِ الرَّائِحَةِ الْخَبِيثَةِ، وَلَا تَحْصُلُ بِنَجِسٍ كَالِاسْتِجْمَارِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " بَلَى، وَيُغْسَلُ بَعْدَهُ، وَيُنْتَفَعُ بِمَا طَهُرَ، وَقِيلَ: وَيَأْكُلُ الْمَأْكُولَ، وَمَا طَهُرَ بِدَبْغِهِ جَازَ بَيْعُهُ وَإِجَارَتُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ: لَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَطْهُرْ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ نَجَاسَتِهِ كَثَوْبٍ نَجِسٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ بَيْعُ نَجَاسَةٍ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا، وَلَا فَرْقَ وَلَا إِجْمَاعَ، فَأَمَّا قَبْلَ الدَّبْغِ فَلَا، وَيُغْسَلُ الْمَدْبُوغُ فِي وَجْهٍ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهُوَ أَوْلَى لِقَوْلِهِ
[لبن الميتة وإنفحتها وعظمها وقرنها]
غَيْرِ الْمَأْكُولِ بِالذَّكَاةِ. وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتُهَا نَجِسَةٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَظْمُهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQ- عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «جِلْدُ الشَّاةِ الْمَيْتَةِ يُطَهِّرُهُ الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلِأَنَّ مَا يُدْبَغُ بِهِ يَنْجُسُ بِمُلَاقَاةِ الْجِلْدِ، فَإِذَا انْدَبَغَ بَقِيَتِ الْآلَةُ نَجِسَةً، فَلَا تَزُولُ إِلَّا بِالْغَسْلِ، وَفِي آخَرَ: يَطْهُرُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» وَلِأَنَّهُ طَهُرَ بِانْقِلَابِهِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى غَسْلٍ، كَالْخَمْرَةِ. (وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ بِالذَّكَاةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَبُو الْمَلِيحِ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ «وَأَنْ يُفْتَرَشَ» . وَلِأَنَّهُ ذَبْحٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، فَلَمْ يُفِدْ طَهَارَةَ الْجِلْدِ، كَذَبْحِ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ، لِأَنَّ عِنْدَنَا كُلُّ ذَبْحٍ لَا يُفِيدُ إِبَاحَةَ اللَّحْمِ لَا يُفِيدُ طَهَارَةَ الْمَذْبُوحِ، قَالَ الْقَاضِي: جُلُودُ السِّبَاعِ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا قَبْلَ الدَّبْغِ وَلَا بَعْدَهُ، وَهَلْ يُبَاحُ لُبْسُ جِلْدِ الثَّعْلَبِ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ، أَوْ لَا، أَوْ يُبَاحُ لُبْسُهُ فَقَطْ، أَوْ يُبَاحَانِ مَعَ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ؛ فِيهِ رِوَايَاتٌ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ: إِنَّهُ يُلْبَسُ إِذَا دُبِغَ بَعْدَ تَذْكِيَتِهِ. [لَبَنُ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتُهَا وَعَظْمُهَا وَقَرْنُهَا] (وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتُهَا) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ مُخَفَّفَةً - ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَيُقَالُ أَيْضًا: مِنْفَحَةٌ (نَجِسَةٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) هَذَا هُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنِ الْجُبْنِ يُصْنَعُ فِيهِ أَنَافِحُ الْمَيْتَةِ، فَقَالَ: لَا تَأْكُلُوهُ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا تَأْكُلُوا مِنَ الْجُبْنِ إِلَّا مَا صَنَعَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ مِثْلُهُ، وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ حُلِبَ فِي إِنَاءٍ نَجِسٍ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُمَا طَاهِرَانِ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ فَتَحُوا بِلَادَ الْمَجُوسِ، وَأَكَلُوا مِنْ جُبْنِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِنَجَاسَةِ ذَبَائِحِهِمْ، لِأَنَّ الْجُبْنَ إِنَّمَا يُصْنَعُ بِهَا، وَاللَّبَنُ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ إِذْ لَا حَيَاةَ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ فِي صِحَّةِ مَا نُقِلَ
وَقَرْنُهَا، وَظُفْرُهَا نَجِسٌ، وَصُوفُهَا وَشَعَرُهَا وَرِيشُهَا طَاهِرٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQعَنِ الصَّحَابَةِ نَظَرًا، وَلَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ يَهُودُ وَنَصَارَى يَذْبَحُونَ لَهُمْ، فَلَا يَتَحَقَّقُ الْقَوْلُ بِالنَّجَاسَةِ، وَفِي " الْكَافِي "، و" الشَّرْحِ " أَنَّ الْجُبْنَ نَجِسٌ، وَالْخِلَافُ فِي الْإِنْفَحَةِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِمَا، وَقِيلَ: هُمَا فِي مَحَلِّهِمَا نَجِسَانِ، وَبَعْدَ أَخْذِهِمَا طَاهِرَانِ. فَرْعٌ: إِذَا صُلِّبَ قِشْرُ بَيْضَةٍ فَطَاهِرَةٌ، لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ أَشْبَهَ مَا لَوْ غُمِسَتْ فِي مَاءٍ نَجِسٍ، وَإِنْ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيْضَةُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: مَا كَانَ قِشْرُهَا أَبْيَضَ، فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ نَجِسٌ، لِأَنَّ الْحَاجِزَ غَيْرُ حَصِينٍ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَنْجُسُ، لِأَنَّ جُمُودَهَا، وَغِشَاوَتَهَا الَّذِي هُوَ كَالْجِلْدِ مَعَ لِينِهِ يَمْنَعُ نُفُوذَ النَّجَاسَةِ إِلَيْهَا، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، فَعَلَى النَّجَاسَةِ إِنْ صَارَتْ فَرْخًا فَهُوَ طَاهِرٌ. (وَعَظْمُهَا، وَقَرْنُهَا، وَظُفْرُهَا) وَسِنُّهَا، وَحَافِرُهَا، وَعَصَبُهَا (نَجِسٌ) نُصَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَأْكُولٍ، أَوْ غَيْرِهِ، كَالْفِيلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] ، وَالْعَظْمُ مِنْ جُمْلَتِهَا، فَيَكُونُ مُحَرَّمًا، وَعَنْهُ: طَاهِرٌ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يُحِلُّهَا، فَلَا تَنْجُسُ بِالْمَوْتِ كَالشَّعَرِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ثَوْبَانَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا ثَوْبَانُ، اشْتَرِ لِفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ، وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ. » وَالْعَاجُ هُوَ عَظْمُ الْفِيلِ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ ذُكِّيَ الْفِيلُ فَعَظْمُهُ طَاهِرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ نَجِسٌ، لِأَنَّ الْفِيلَ مَأْكُولٌ عِنْدَهُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ وَهْبٍ الْمَالِكِيُّ فَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ، وَقِيلَ: - وَهُوَ أَصَحُّ - لِأَنَّ سَبَبَ التَّنْجِيسِ وَهِيَ الرُّطُوبَةُ مُنْتَفِيَةٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ الْحَيَاةَ تُحِلُّهُ، فَيَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، كَالْجِلْدِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] الْآيَةَ، وَبِدَلِيلِ الْإِحْسَاسِ وَالْأَلَمِ، وَهُوَ فِي الْعِظَامِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي اللَّحْمِ، وَالضِّرْسُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQيَأْلَمُ، وَيَلْحَقُهُ الْقَرْسُ، وَيُحِسُّ بِبُرُودَةِ الْمَاءِ وَحَرَارَتِهِ، وَحَدِيثُ ثَوْبَانَ فِيهِ حُمَيْدٌ الشَّامِيُّ، وَسُئِلَ عَنْهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ فَقَالَا: لَا نَعْرِفُهُ، وَلَوْ سَلِمَ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ: الْعَاجُ الذَّبْلُ، وَقِيلَ: هُوَ عَظْمُ السُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ، وَقِيلَ: الْعَصَبُ كَالشَّعَرِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رُطُوبَةٌ مُنَجِّسَةٌ، وَحُكْمُ مَا ذَكَرْنَا إِنْ أُخِذَ مِنْ مُذَكًّى فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِنْ أُخِذَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ نَجِسٌ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا يُقْطَعُ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَكَذَا مَا يَسْقُطُ مِنْ قُرُونِ الْوُعُولِ فِي حَيَاتِهَا، وَفِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ " احْتِمَالٌ بِطَهَارَتِهِ كَالشَّعَرِ، وَأَمَّا مَا لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ كَالسَّمَكِ فَلَا بَأْسَ بِعِظَامِهِ. (وَصُوفُهَا، وَشَعَرُهَا، وَرِيشُهَا طَاهِرٌ) يَعْنِي الْمَيْتَةَ الطَّاهِرَةَ فِي الْحَيَاةِ، وَإِلَّا فَالنَّجِسَةُ فِيهَا لَا يَزِيدُهَا الْمَوْتُ إِلَّا خُبْثًا، وَهَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ، نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: صُوفُ الْمَيْتَةِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَهُ، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} [النحل: 80] الْآيَةَ، وَهِيَ فِي سِيَاقِ الِامْتِنَانِ، فَالظَّاهِرُ شُمُولُهَا لِحَالَتَيِ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهَا نَجِسَةٌ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي شَعَرِ الْآدَمِيِّ الْحَيِّ، وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، وَمِنْ ثَمَّ حِكَايَةُ صَاحِبِ " التَّلْخِيصِ " الْخِلَافَ فِي شَعَرِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، وَالْقَطْعُ بِالطَّهَارَةِ فِيهِ غَرِيبٌ، وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ: «لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ» ، وَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ: الْحَيَاةُ الْحَيَوَانِيَّةُ، وَمِنْ خَاصِّيَّتِهَا الْحِسُّ وَالْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ، وَهُمَا مَنْفِيَّانِ فِي الشَّعَرِ، وَوَبَرٌ كَشَعَرٍ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِنَا: الْمَيْتَةُ الطَّاهِرَةُ فِي الْحَيَاةِ شَعَرُ الْهِرَّةِ وَنَحْوِهَا، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقِيلَ بِنَجَاسَتِهِ بَعْدَ
[باب الاستنجاء]
بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ الْخَلَاءِ أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللَّهِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبْثِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَوْتِ لِزَوَالِ عِلَّةِ الطَّوَافِ بِهِ، وَجَعَلَ الْقَاضِي الْخِلَافَ فِي الْمُنْفَصِلِ فِي حَيَاتِهِ أَيْضًا، وَأَلْحَقَ ابْنُ الْبَنَّا بِذَلِكَ سِبَاعَ الْبَهَائِمِ إِذَا قُلْنَا بِطَهَارَتِهَا، فَأَمَّا أُصُولُ الشَّعَرِ وَالرِّيشِ إِذَا نُتِفَ مِنَ الْمَيْتَةِ وَهُوَ رَطْبٌ، فَهُوَ نَجِسٌ بِرُطُوبَةِ الْمَيْتَةِ، وَهَلْ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يُنْتَفَعُ بِصُوفِهَا إِذَا غُسِلَ قِيلَ: فَرِيشُ الطَّيْرِ؛ قَالَ: هَذَا أَبْعَدُ، وَحَرَّمَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " نَتْفَ ذَلِكَ مِنْ حَيٍّ لِإِيلَامِهِ، وَكَرِهَهُ فِي " النِّهَايَةِ ". [بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ] [مَا يُقَالُ عِنْدَ الدُّخُولِ إِلَى الْخَلَاءِ] بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ. الِاسْتِنْجَاءُ: اسْتِفْعَالٌ مِنْ: نَجَوْتُ الشَّجَرَةَ أَيْ: قَطَعْتُهَا، فَكَأَنَّهُ قَطَعَ الْأَذَى، وَقِيلَ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّجْوَةِ، وَهِيَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ، لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ اسْتَتَرَ بِهَا، وَهُوَ إِزَالَةُ خَارِجٍ مِنْ سَبِيلٍ بِمَاءٍ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي إِزَالَتِهِ بِالْحَجَرِ، وَيُسَمَّى الِاسْتِجْمَارَ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْجِمَارِ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ، لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهَا فِي اسْتِجْمَارِهِ، وَعَبَّرَ بَعْضٌ بِالِاسْتِطَابَةِ، يُقَالُ: اسْتَطَابَ، وَأَطَابَ: إِذَا اسْتَنْجَى، قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ. وَبَعْضٌ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. (يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ الْخَلَاءِ) بِالْمَدِّ: الْمَكَانُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ فِيهِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُتَخَلَّى فِيهِ أَيْ: يُنْفَرَدُ (أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللَّهِ) لِمَا رَوَى عَلِيٌّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سِتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللَّهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ. وَتُقَالُ فِي ابْتِدَاءِ كُلِّ فِعْلٍ تَبَرُّكًا بِهَا، وَقُدِّمَتْ هُنَا عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ، لِأَنَّ التَّعَوُّذَ هُنَاكَ لِلْقِرَاءَةِ، وَالْبَسْمَلَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَيُقَدَّمُ التَّعَوُّذُ عَلَيْهَا، وَشَرْطُهُ: أَنْ لَا يَقْصِدَ بِبِاسْمِ اللَّهِ الْقُرْآنَ، فَإِنْ قَصَدَهُ حَرُمَ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» اقْتَصَرَ فِي " الْغُنْيَةِ "، و" الْمُحَرَّرِ "،
[دخول الخلاء ومعه شيء فيه ذكر الله]
وَالْخَبَائِثِ، وَمِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ، الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وَلَا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَ " الْفُرُوعِ " عَلَى ذَلِكَ مَعَ التَّسْمِيَةِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الْخُبْثُ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أَنَّهُ أَكْثَرُ رِوَايَاتِ الشُّيُوخِ، وَفَسَّرَهُ بِالشَّرِّ، وَالْخَبَائِثَ بِالشَّيَاطِينِ، فَكَأَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنَ الشَّرِّ وَأَهْلِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ، وَهُوَ جَمْعُ خَبِيثٍ، وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ، فَكَأَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنْ ذُكْرَانِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ، وَقِيلَ: الْخُبْثُ: الْكُفْرُ، وَالْخَبَائِثُ: الشَّيَاطِينُ (وَمِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) وَفِي " الْبُلْغَةِ " كَـ " الْمُقْنِعِ " وَكَذَا فِي " الْوَجِيزِ " عَنْهُ: أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الِاسْتِعَاذَةَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَعْجِزْ أَحَدُكُمْ إِذَا دَخَلَ مِرْفَقَهُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ [الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ] الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الرِّجْسُ الْقَذِرُ، وَالنَّجِسُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ نَجِسَ يَنْجُسُ فَهُوَ نَجِسٌ، قَالَ الْفَرَّاءُ: إِذَا قَالُوهُ مَعَ الرِّجْسِ أَتْبَعُوهُ إِيَّاهُ، أَيْ: قَالُوهُ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَالشَّيْطَانُ مُشْتَقٌّ مِنْ شَطَنَ، أَيْ: بَعُدَ يُقَالُ: دَارٌ شَطُونٌ، أَيْ: بَعِيدَةٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِبُعْدِهِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: مِنْ شَاطَ، أَيْ: هَلَكَ، سُمِّيَ بِهِ لِهَلَاكِهِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالرَّجِيمُ نَعْتٌ لَهُ، وَهُوَ بِمَعْنَى رَاجِمٍ، أَيْ: يَرْجُمُ غَيْرَهُ بِالْإِغْوَاءِ، أَوْ بِمَعْنَى مَرْجُومٍ، لِأَنَّهُ يُرْجَمُ بِالْكَوَاكِبِ عِنْدَ اسْتِرَاقِهِ السَّمْعَ. [دُخُولُ الْخَلَاءِ وَمَعَهُ شَيْءٌ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ] (وَلَا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى) لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا
[تقديم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج]
تَعَالَى. وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي الدُّخُولِ، وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوجِ، وَلَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ، وَيَعْتَمِدُ فِي جُلُوسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَلَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يَلْبَثُ فَوْقَ ـــــــــــــــــــــــــــــQدَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ نَقْشَ خَاتَمِهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَلِأَنَّ الْخَلَاءَ مَوْضِعُ الْقَاذُورَاتِ، فَشُرِعَ تَعْظِيمُ اسْمِ اللَّهِ، وَتَنْزِيهُهُ عَنْهُ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ دُخُولُهُ بِمَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا حَاجَةٍ، فَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْفَظُهُ لَهُ أَوْ خَافَ ضَيَاعَهُ فَلَا بَأْسَ حَيْثُ أَخْفَاهُ، قَالَ أَحْمَدُ: الْخَاتَمُ إِذَا كَانَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى يَجْعَلُهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ، وَقَالَ فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ، وَمَعَهُ الدَّرَاهِمُ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، وَقَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": إِنَّ إِزَالَةَ ذَلِكَ أَفْضَلُ، وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِتَحْرِيمِهِ بِمُصْحَفٍ، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ اسْمَ الرَّسُولِ كَذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْبُنْيَانِ. [تَقْدِيمُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى فِي الدُّخُولِ وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوجِ] (وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي الدُّخُولِ وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوجِ) عَلَى الْعَكْسِ مِنَ الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ الْيُسْرَى لِلْأَذَى، وَالْيُمْنَى لِمَا سِوَاهُ، لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ إِلَى الْأَمَاكِنِ الطَّيِّبَةِ، وَأَحَقُّ بِالتَّحَرُّزِ عَنِ الْأَذَى وَمَحَلِّهِ، وَلِهَذَا قُدِّمَتْ فِي الِانْتِعَالِ دُونَ النَّزْعِ، صِيَانَةً لَهَا، لِمَا رَوَى الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى قَبْلَ يَسَارِهِ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ ابْتُلِيَ بِالْفَقْرِ، وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ لَفْظِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْبُنْيَانِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يُقَدِّمُ يُسْرَاهُ إِلَى مَوْضِعِ جُلُوسِهِ فِي الصَّحْرَاءِ وَيُمْنَاهُ عِنْدَ مُنَصْرَفِهِ. (وَلَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ - وَقَدْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQسَمَّاهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ: الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ، لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهُ، وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ الْحَاجَةِ، وَلَكِنَّ الْمُؤَلِّفَ تَبِعَ النَّصَّ الْوَارِدَ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَكْمِلِ الرَّفْعَ حَتَّى يَدْنُوَ، فَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: يَرْفَعُ ثَوْبَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا كَانَ أَوْلَى، وَلَعَلَّهُ يَجِبُ إِنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَنْظُرُهُ. (وَيَعْتَمِدُ فِي جُلُوسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى) لِحَدِيثِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَتَّكِئَ عَلَى الْيُسْرَى، وَأَنْ نَنْصِبَ الْيُمْنَى» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْيُمْنَى مَنْصُوبَةً إِكْرَامًا لَهَا (وَلَا يَتَكَلَّمُ) أَيْ: يُكْرَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَلَوْ بِرَدِّ سَلَامٍ، نَصَّ عَلَيْهِ كَابْتِدَائِهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: «أَنَّ رَجُلًا مَرَّ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَيَمَّمَ، ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ» ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِلِسَانِهِ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيُّ، لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ مَحْمُودٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ الْوَاجِبَ، فَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى، فَلَوْ عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ: وَبِلَفْظِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِهِ، وَكَذَا إِجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ صَاحِبُ النَّظْمِ بِتَحْرِيمِ الْقِرَاءَةِ فِي الْحَشِّ
[ما يقال عند الخروج من الخلاء]
حَاجَتِهِ. فَإِذَا خَرَجَ قَالَ: غُفْرَانُكَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي، فَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَسَطْحِهِ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ عَلَى حَاجَتِهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا رَأَى أَعْمَى يَقَعُ فِي بِئْرٍ، أَوْ حَيَّةً تَقْصِدُ إِنْسَانًا، فَإِنَّ إِنْذَارَهُ لَا يُكْرَهُ. (وَلَا يَلْبَثُ فَوْقَ حَاجَتِهِ) لِأَنَّهُ مُضِرٌّ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ، قِيلَ: إِنَّهُ يُدْمِي الْكَبِدَ، وَقِيلَ: يُورِثُ الْبَاسُورَ قَالَ جَدِّي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَهُوَ كَشْفٌ لِعَوْرَتِهِ خَلْوَةً بِلَا حَاجَةٍ، وَفِي أُخْرَى: يَحْرُمُ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَحَكَى أَبُو الْمَعَالِي: أَنَّهَا مَسْأَلَةُ سَتْرِهَا عَنِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ، وَلَا يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَى عَوْرَتِهِ. [مَا يُقَالُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْخَلَاءِ] (فَإِذَا خَرَجَ قَالَ: غُفْرَانَكَ) وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيْ: أَسْأَلُكَ غُفْرَانَكَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْغَفْرِ، وَهُوَ السَّتْرُ، وَسِرُّهُ أَنَّهُ لَمَّا خَلَصَ مِنَ النَّجْوِ الْمُثْقِلِ لِلْبَدَنِ، سَأَلَ الْخَلَاصَ مِمَّا يُثْقِلُ الْقَلْبَ، وَهُوَ الذَّنْبُ، لِتَكْمُلَ الرَّاحَةُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي) لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى، وَعَافَانِي» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُ، وَفِي " مُصَنَّفِ " عَبْدِ الرَّزَّاقِ: «أَنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقُولُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ، وَأَبْقَى فِيَّ مَنْفَعَتَهُ، وَأَذْهَبَ عَنِّي أَذَاهُ. » مَسَائِلُ: يُسْتَحَبُّ لَهُ تَغْطِيَةُ رَأْسِهِ، وَلَا يَرْفَعُهُ، وَلَا بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَلَا يَبْصُقُ عَلَى بَوْلِهِ، لِأَنَّهُ يُورِثُ الْوَسْوَاسَ، وَأَنْ يَنْتَعِلَ وَيَتَنَحْنَحَ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَيَمْشِيَ خُطُوَاتٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا بِدْعَةٌ (فَإِنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ) هُوَ مَا اتَّسَعَ
كَانَ فِي الْفَضَاءِ أَبْعَدَ وَاسْتَتَرَ، وَارْتَادَ مَكَانًا رَخْوًا، وَلَا يَبُولُ فِي شَقٍّ، وَلَا سَرَبٍ، وَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنَ الْأَرْضِ (أَبْعَدَ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَرَّحَ السَّامِرِيُّ بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ (وَاسْتَتَرَ) بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ حَائِشِ نَخْلٍ، أَوْ كَثِيبِ رَمْلٍ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: «كَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ، أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفُسِّرَ بِأَنَّهُ جَمَاعَةُ النَّخْلِ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ جُهْدُهُ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ أَنَّهُ يَنْبَغِي ذَلِكَ (وَارْتَادَ) أَيْ: طَلَبَ (مَكَانًا رَخْوًا) يَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ الرَّاءِ وَكَسْرُهَا، وَمَعْنَاهُ: لَيِّنًا هَشًّا أَوْ عَالٍ، أَوْ يُلْصِقُ ذَكَرَهُ بِالْأَرْضِ الصُّلْبَةِ، لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَبُولَ، فَأَتَى دَمِثًا فِي أَصْلِ جِدَارٍ، فَبَالَ، ثُمَّ قَالَ: إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ يَأْمَنُ بِذَلِكَ مِنْ رَشَاشِ الْبَوْلِ. (وَلَا يَبُولُ فِي شَقٍّ) بِفَتْحِ الشِّينِ، وَاحِدُ الشُّقُوقِ (وَلَا سَرَبٍ) بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ، عِبَارَةٌ عَنِ الثُّقْبِ، وَهُوَ مَا يَتَّخِذُهُ الدَّبِيبُ، وَالْهَوَامُّ بَيْتًا فِي الْأَرْضِ، لِمَا رَوَى قَتَادَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ، قَالُوا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنْ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ؛ قَالَ: يُقَالُ: إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ» .
طَرِيقٍ، وَلَا ظِلٍّ نَافِعٍ، وَلَا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ. وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ، وَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بَالَ بِجُحْرٍ بِالشَّامِ، ثُمَّ اسْتَلْقَى مَيِّتًا، فَسُمِعَ مِنْ بِئْرِ الْمَدِينَةِ قَائِلٌ يَقُولُ: نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْ ... رَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْ ... نِ فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادَهْ فَحَفِظُوا ذَلِكَ، فَوَجَدُوهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ سَعْدٌ، وَلِأَنَّهُ يُخَافُ أَنْ يُخْرِجَ بِبَوْلِهِ دَابَّةً تُؤْذِيهِ، أَوْ تَرُدُّهُ عَلَيْهِ فَتُنَجِّسُهُ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا النَّهْيِ الْكَرَاهَةُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " كَمَوْرِدِ مَاءٍ، وَفَمِ بَالُوعَةٍ، وَكَذَا يُكْرَهُ عَلَى نَارٍ - لِأَنَّهُ يُورِثُ السَّقَمَ - وَرَمَادٍ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَمِثْلُهُ عَلَى قَرْعٍ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْمُتَجَرِّدُ مِنَ النَّبْتِ بَيْنَ بَقَايَا مِنْهُ (وَلَا طَرِيقٍ) ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ تَمِيمٍ بِأَنْ يَكُونَ مَأْتِيًّا، وَالْأَشْهَرُ عَدَمُهُ، (وَلَا ظِلٍّ نَافِعٍ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ، قَالُوا: وَمَا اللَّاعِنَانِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طُرُقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَفِي إِضَافَةِ الظِّلِّ إِلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرْنَا (وَلَا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ) ، وَهِيَ الَّتِي أَثْمَرَتْ، أَوْ قَرُبَ ثَمَرُهَا، لِأَنَّهُ يُفْسِدُ عَلَى النَّاسِ ثَمَرَهُمْ، أَوْ تَعَافُهَا النَّفْسُ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ مُثْمِرَةً، أَوْ لَيْسَ وَقْتُ ثَمَرٍ جَازَ إِنْ لَمْ يَكُنْ ظِلًّا نَافِعًا، لِأَنَّ أَثَرَهَا يَزُولُ بِالْأَمْطَارِ، وَغَيْرِهَا، إِلَى مَجِيءِ الثَّمَرِ، ذَكَرَهُ فِي " شَرْحِ الْعُمْدَةِ "، وَدَلَّ كَلَامُهُ أَنَّ الْغَائِطَ أَشَدُّ مِنَ الْبَوْلِ لِغِلَاظَتِهِ، وَلَا يَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ.
[منع استقبال القبلة إلا عند وجود سترة]
يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي الْفَضَاءِ وَفِي اسْتِدْبَارِهَا فِيهِ، وَاسْتِقْبَالِهَا فِي الْبُنْيَانِ رِوَايَتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQتَذْنِيبٌ: لَا يَبُولُ فِي رَاكِدٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَلَغَ حَدًّا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ، وَأَطْلَقَ الْبَغْدَادِيُّ تَحْرِيمَهُ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَغَوَّطَ فِي جَارٍ لِبَقَاءِ أَثَرِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فَأَمَّا الْبَوْلُ فِيهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ كَثِيرًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ الْجَوَازُ مُطْلَقًا. وَلَا يَبُولُ فِي مَوْضِعِ الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِلنَّهْيِ عَنْهُ: فَإِنْ بَالَ وَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَكَانَ مِمَّا لَا يَقِفُ عَلَيْهِ، فَلَا كَرَاهَةَ، وَفِي " الْمُغْنِي " رِوَايَتَانِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي إِنَاءٍ بِلَا حَاجَةٍ، وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَلَا يَبُولُ عَلَى مَا لَهُ حُرْمَةٌ، وَلَا عَلَى مَا نُهِيَ عَنْ الِاسْتِجْمَارِ بِهِ لِحُرْمَتِهِ، وَفِي " النِّهَايَةِ " يُكْرَهُ عَلَى الطَّعَامِ، كَعَلَفِ دَابَّةٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ سَهْوٌ. فَرْعٌ: يُكْرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ عَلَى مَوْضِعِ بَوْلِهِ، أَوْ يَسْتَنْجِيَ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ بِهِ، فَلَوْ كَانَ فِي الْأَبْنِيَةِ الْمُتَّخَذَةِ لِذَلِكَ، فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهَا لِلْمَشَقَّةِ، أَوْ كَانَ بِالْحَجَرِ لَمْ يُكْرَهْ، لِأَنَّهُ لَوِ انْتَقَلَ لَنَضَحَ بِالنَّجَاسَةِ. [مَنْعُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ إِلَّا عِنْدَ وُجُودِ سُتْرَةٍ] (وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ) لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ مَعَهُمَا مَلَائِكَةً، وَأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ مَكْتُوبَةٌ عَلَيْهِمَا، وَأَنَّهُمَا يَلْعَنَانِهِ، وَبِهِمَا يَسْتَضِيءُ أَهْلُ الْأَرْضِ، فَيَنْبَغِي احْتِرَامُهُمَا، وَكَالرِّيحِ، وَإِنِ اسْتَتَرَ عَنْهُمَا بِشَيْءٍ فَلَا بَأْسَ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) عِنْدَ التَّخَلِّي (فِي الْفَضَاءِ) لِمَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَلَهُ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQهُرَيْرَةَ، وَلِأَنَّ جِهَةَ الْقِبْلَةِ أَشْرَفُ الْجِهَاتِ، فَصِينَتْ عَنْ ذَلِكَ، وَعَنْ أَحْمَدَ: يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ، وَرَبِيعَةَ، وَدَاوُدَ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ. لَا يُقَالُ: هَذَا نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْبُنْيَانِ، أَوْ مُسْتَتِرًا بِشَيْءٍ، أَوْ يَكُونُ خَاصًّا بِهِ، فَلَا يَثْبُتُ النَّسْخُ بِالِاحْتِمَالِ، وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، وَجَوَّزَهُ فِي " الْمُبْهِجِ " إِذَا كَانَتِ الرِّيحُ فِي غَيْرِ جِهَتِهَا، وَعَلَى الْمَنْعِ يَكْفِي انْحِرَافُهُ عَنِ الْجِهَةِ، نَقَلَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَمَعْنَاهُ فِي الْخِلَافِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَجْدِ وَحَفِيدِهِ: لَا يَكْفِي (وَفِي اسْتِدْبَارِهَا فِيهِ) أَيْ: فِي الْفَضَاءِ (وَاسْتِقْبَالِهَا فِي الْبُنْيَانِ: رِوَايَتَانِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ أَحْمَدَ قَدِ اخْتَلَفَتْ، فَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِدْبَارُ فِي الْفَضَاءِ وَالْبُنْيَانِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «رَقَيْتُ عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى حَاجَتِهِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ فِي الْفَضَاءِ، وَفِي ثَانِيَةٍ: بِالْمَنْعِ فِيهِمَا، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQحَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي ثَالِثَةٍ: جَوَازُهُمَا فِي الْبُنْيَانِ فَقَطْ، صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّهُ الْأَشْهَرُ عَنْهُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِمَا رَوَى الْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْغَرِ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؛ قَالَ: إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ هَذَا فِي الْفَضَاءِ، أَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَالْحَسَنُ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: أَحَادِيثُهُ أَبَاطِيلُ، وَقَوَّاهُ جَمَاعَةٌ، وَرَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ، فَهَذَا تَفْسِيرٌ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْعَامِّ، فَتُحْمَلُ أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَلَى الْفَضَاءِ، وَأَحَادِيثُ الرُّخْصَةِ عَلَى الْبُنْيَانِ، وَفِي رَابِعَةٍ: يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُهَا فِي الْبُنْيَانِ، قَدَّمَهَا جَمَاعَةٌ، لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَفِي خَامِسَةٍ: يَجُوزُ، قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهَا أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي " الْخِلَافِ "، وَحُمِلَ النَّهْيُ حِينَ كَانَ قِبْلَةً، وَلَا يُسَمَّى بَعْدَ النَّسْخِ قِبْلَةً، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُكْرَهُ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ لِبَقَاءِ حُرْمَتِهِ. فَرْعٌ: يَكْفِي الِاسْتِتَارُ فِي الْأَشْهَرِ بِدَابَّةٍ أَوْ جِدَارٍ وَنَحْوِهِ، وَفِي إِرْخَاءِ ذَيْلِهِ وَجْهَانِ، وَظَاهِرُهُ لَا يُعْتَبَرُ قُرْبُهُ مِنْهَا، كَمَا لَوْ كَانَ فِي بَيْتٍ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ كَسُتْرَةِ صَلَاةٍ، وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهَا بِاسْتِنْجَاءٍ.
[الاستنجاء باليد اليسرى]
فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ، مَسَحَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ إِلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يَنْتُرُهُ ثَلَاثًا، وَلَا يَمَسَّ فَرْجَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَجْمِرْ بِهَا فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَدِ الْيُسْرَى] (فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ مَسَحَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيُمْنَى لِطَهُورِهِ، وَطَعَامِهِ، وَيَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذَى» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ) وَهُوَ الدَّرْزُ الَّذِي تَحْتَ الْأُنْثَيَيْنِ مِنْ حَلْقَةِ الدُّبُرِ، فَيَضَعُ إِصْبُعَهُ الْوُسْطَى تَحْتَ الذَّكَرِ، وَالْإِبْهَامَ فَوْقَهُ مِنْ مَجَامِعِ الْعُرُوقِ (إِلَى رَأْسِهِ) لِئَلَّا يَبْقَى شَيْءٌ مِنَ الْبَلَلِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ (ثُمَّ يَنْتُرُهُ ثَلَاثًا) نَصَّ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ، لِمَا رَوَى عِيسَى بْنُ يَزْدَادَ، عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. لِأَنَّهُ بِالنَّتْرِ يَسْتَخْرِجُ مَا عَسَاهُ يَبْقَى وَيَخْشَى عَوْدَهُ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ، هَذَا هُوَ الِاسْتِبْرَاءُ، فَإِنِ احْتَاجَ أَنْ يَمْشِيَ خُطُوَاتٍ مَشَى خُطُوَاتٍ قِيلَ: أَكْثَرُهَا سَبْعُونَ خُطْوَةً. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ذَلِكَ بِدْعَةٌ، وَيَتَوَجَّهُ: إِنْ لَمْ يَسْتَبْرِئْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَجَبَ (وَلَا يَمَسَّ فَرْجَهُ بِيَمِينِهِ) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ يَبُولُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ النَّهْيِ بِحَالَةِ الْبَوْلِ. قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِوُضُوحِهِ (وَلَا يَسْتَجْمِرْ بِهَا) صَرَّحَ فِي " الْوَجِيزِ " بِالْكَرَاهَةِ فِيهِمَا، وَاقْتَصَرَ فِي " الْمُحَرَّرِ " عَلَى الثَّانِي، لِمَا رَوَى سَلْمَانُ قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - –
[الاستجمار والاستنجاء بالماء وبكل طاهر ينقي]
عَنْ مَوْضِعِهِ. ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ، ثُمَّ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ، وَيُجْزِئُهُ أَحَدُهُمَا إِلَّا أَنْ يَعْدُوَ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَنْ كَذَا، وَأَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ: «وَلَا يَتَمَسَّحْ فِي الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ» . ثُمَّ إِنْ كَانَ يَسْتَجْمِرُ مِنَ الْغَائِطِ أَخَذَ الْحَجَرَ بِيَسَارِهِ فَمَسَحَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ بَوْلٍ، أَمْسَكَ ذَكَرَهُ بِشِمَالِهِ، وَمَسَحَهُ عَلَى الْحَجَرِ، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، وَلَمْ يُمْكِنْهُ، وَضَعَهُ بَيْنَ عَقِبَيْهِ، وَإِلَّا أَمْسَكَ الْحَجَرَ بِيَمِينِهِ، وَمَسَحَ بِيَسَارِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَيَمْسَحُهُ بِيَسَارِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَبِكُلِّ حَالٍ تَكُونُ الْيُسْرَى هِيَ الْمُتَحَرِّكَةُ، لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْمُتَحَرِّكَةِ، فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيُسْرَى أَوْ بِهَا مَرَضٌ، اسْتَجْمَرَ بِيَمِينِهِ لِلْحَاجَةِ، قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": يَمِينُهُ أَوْلَى مِنْ يَسَارِ غَيْرِهِ (فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ) مَعَ الْكَرَاهَةِ، لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ بِالْحَجَرِ لَا بِالْيَدِ، فَلَمْ يَقَعِ النَّهْيُ عَلَى مَا يُسْتَنْجَى بِهِ، لِكَوْنِ أَنَّ النَّهْيَ نَهْيُ تَأْدِيبٍ لَا تَحْرِيمٍ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ وَيَصِحُّ. فَرْعٌ: تُبَاحُ الْمَعُونَةُ بِيَمِينِهِ فِي الْمَاءِ لِلْحَاجَةِ (ثُمَّ يَتَحَوَّلُ عَنْ مَوْضِعِهِ) مَعَ خَوْفِ التَّلَوُّثِ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ، وَهَذَا وَاجِبٌ، وَلَوْ لَمْ يَزِدْ عَلَى دِرْهَمٍ. [الِاسْتِجْمَارُ وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ وَبِكُلِّ طَاهِرٍ يُنَقِّي] (ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ، ثُمَّ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ) وَجَمْعُهُمَا أَفْضَلُ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يُتْبِعُوا الْحِجَارَةَ الْمَاءَ، فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِنْقَاءِ وَأَنْظَفُ، لِأَنَّ الْحَجَرَ يُزِيلُ
الْخَارِجُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ، فَلَا يُجْزِئُ إِلَّا الْمَاءُ، وَيَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِكُلِّ طَاهِرٍ يُنَقِّي ـــــــــــــــــــــــــــــQعَيْنَ النَّجَاسَةِ، وَلَا تُبَاشِرُهَا يَدُهُ. وَالْمَاءُ يُزِيلُ أَثَرَهَا، فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَاءِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يُكْرَهُ (وَيُجْزِئُهُ أَحَدُهُمَا) أَمَّا الْمَاءُ، فَلِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، أَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ فَيَسْتَنْجِي بِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ. وَيُوَاصِلُ صَبَّ الْمَاءِ، وَيَسْتَرْخِي قَلِيلًا، وَيُدَلِّكُ الْمَوْضِعَ حَتَّى يَخْشُنَ وَيُنَقَّى، وَأَمَّا الْأَحْجَارُ، فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَكِنَّ الْمَاءَ أَفْضَلُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْعَيْنَ وَالْأَثَرَ، وَيُطَهِّرُ الْمَحَلَّ، وَالْحَجَرُ يُخَفِّفُ النَّجَاسَةَ، وَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي عَدَمَ إِجْزَائِهِ، لَكِنَّ الْإِجْزَاءَ رُخْصَةٌ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ وَحْدَهُ، لِأَنَّ فِيهِ مُبَاشَرَةَ النَّجَاسَةِ بِيَدِهِ، وَنَشْرَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَعَنْهُ: الْحَجَرُ أَفْضَلُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ مُجْزِئٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٍ مِنْ إِنْكَارِ الْمَاءِ، فَهُوَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِنْكَارٌ عَلَى مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ مُعْتَقِدًا لِوُجُوبِهِ، وَلَا يَرَى الْأَحْجَارَ مُجْزِئَةً، لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا مِنَ النَّاسِ مُحَافَظَةً عَلَيْهِ، فَخَافُوا التَّعَمُّقَ فِي الدِّينِ (إِلَّا أَنْ يَعْدُوَ الْخَارِجُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، و" التَّلْخِيصِ "، و" الْوَجِيزِ "، مِثْلُ أَنْ يَنْتَشِرَ إِلَى الصَّفْحَتَيْنِ، أَوْ يَمْتَدَّ إِلَى الْحَشَفَةِ كَثِيرًا،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الشَّرْحِ " وَحْدَهُ، وَفِي " شَرْحِ الْعُمْدَةِ " إِلَى النِّصْفِ مِنَ الْأَلْيَةِ، وَالْحَشَفَةِ فَأَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ عُفِيَ عَنْهُ: وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ فِي " الْهِدَايَةِ "، وَظَاهِرِ " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهَا إِذَا تَعَدَّتْ عَنْ مَخْرَجِهَا مُطْلَقًا (فَلَا يُجْزِئُ إِلَّا الْمَاءُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ، وَإِنَّمَا رَخَّصَ فِي الِاسْتِجْمَارِ لِتَكَرُّرِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَحَلِّ الْمُعْتَادِ، فَإِذَا جَاوَزَتْهُ خَرَجَتْ عَنْ حَدِّ الرُّخْصَةِ، فَوَجَبَ غَسْلُهَا كَسَائِرِ الْبَدَنِ، وَالْغَسْلُ لِلْمُتَعَدِّي نَصَّ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَنَفْسُ الْمَخْرَجِ يُجْزِئُ فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " أَنَّ الْمَاءَ مُتَعَيَّنٌ لِلْكُلِّ، وَحَكَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي " الْوَجِيزِ "، رِوَايَتَيْنِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يَسْتَجْمِرُ فِي غَيْرِ الْمَخْرَجِ، وَقِيلَ: يَسْتَجْمِرُ فِي الصَّفْحَتَيْنِ، وَالْحَشَفَةِ، وَبِهِ قَطَعَ الشِّيرَازِيُّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التُّرَابُ، وَلَا الْعَدَدُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِيمَا إِذَا انْسَدَّ الْمَخْرَجُ، وَانْفَتَحَ غَيْرُهُ، فَقَالَ الْقَاضِي، وَالشِّيرَازِيُّ: يُجْزِئُهُ الِاسْتِجْمَارُ فِيهِ، لِأَنَّهُ صَارَ مُعْتَادًا، وَنَفَاهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْمُؤَلِّفُ، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ الْفَرْجِ، وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ، سَوَاءٌ انْفَتَحَ فَوْقَ الْمَعِدَةِ أَوْ تَحْتَهَا، صَرَّحَ بِهِ الشِّيرَازِيُّ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمَجْدُ بِمَا إِذَا انْفَتَحَ أَسْفَلَ الْمَعِدَةِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إِجْرَاءُ الْخِلَافِ مَعَ بَقَاءِ الْمَخْرَجِ، فَلَوْ يَبِسَ الْخَارِجُ فِي مَخْرَجِهِ، أَوْ تَنَجَّسَ بِغَيْرِ نَجَاسَةٍ، كَالْحُقْنَةِ إِذَا خَرَجَتْ، أَوِ اسْتَجْمَرَ بِنَجِسٍ، وَجَبَ غَسْلُ الْمَحَلِّ فِي الْأَشْهَرِ، وَيَغْسِلُ الْأَقْلَفَ الْمَفْتُوقَ نَجَاسَةَ حَشَفَتِهِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ: أَنَّهُ يُسَنُّ، وَقِيلَ: حُكْمُ طَرَفِ الْقُلْفَةِ، حُكْمُ رَأْسِ الذَّكَرِ، وَقِيلَ: إِنْ تَعَذَّرَ إِخْرَاجُهَا فَهُوَ كَمَخْتُونٍ.
كَالْحَجَرِ، وَالْخَشَبِ، وَالْخِرَقِ، إِلَّا الرَّوْثَ، وَالْعِظَامَ، وَالطَّعَامَ، وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ، وَمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQتَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: الْبِكْرُ كَالرَّجُلِ، لِأَنَّ عُذْرَتَهَا تَمْنَعُ مِنَ انْتِشَارِ الْبَوْلِ، فَأَمَّا الثَّيِّبُ، فَإِنْ خَرَجَ الْبَوْلُ وَلَمْ يَنْتَشِرْ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ تَعَدَّى إِلَى مَوْضِعِ الْحَيْضِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَجِبُ غَسْلُهُ، لِأَنَّ مَخْرَجَ الْحَيْضِ غَيْرُ مَخْرَجِ الْبَوْلِ. وَفِي " الْمُغْنِي " احْتِمَالٌ لَا يَجِبُ، لِأَنَّ هَذَا إِعَادَةٌ فِي حَقِّهَا، فَكَفَى فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ كَالْمُعْتَادِ. الثَّانِي: يَبْدَأُ الرَّجُلُ وَالْبِكْرُ بِالْقُبُلِ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ كَالثَّيِّبِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ: أَنَّهَا تَبْدَأُ بِالدُّبُرِ، فَلَا تُدْخِلُ إِصْبُعَهَا بَلْ يَكْفِي مَا ظَهَرَ، لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ تَلْحَقُ بِهِ كَدَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ حَمْدَانَ: هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، وَاخْتَلَفَ كَلَامُ الْقَاضِي، وَيَخْرُجُ عَلَى ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ مَا احْتَشَتْهُ بِبَلَلٍ هَلْ يَنْقُضُ؛ مَسْأَلَةٌ: إِذَا اسْتَجْمَرَ فِي فَرْجٍ، وَاسْتَنْجَى فِي آخَرَ فَلَا بَأْسَ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنِ اسْتَنْجَى نَضْحُ فَرْجِهِ، وَسَرَاوِيلِهِ بِالْمَاءِ، لِدَفْعِ الْوَسْوَاسِ، وَعَنْهُ: لَا لِمَنِ اسْتَجْمَرَ، وَمَنْ ظَنَّ خُرُوجَ شَيْءٍ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا تَلْتَفِتْ حَتَّى تَتَيَقَّنَ، وَلَمْ يَرَ حَشْوَ الذَّكَرِ، فَإِنْ فَعَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَخْرَجَهُ، فَوَجَدَ بَلَلًا فَلَا بَأْسَ مَا لَمْ يَظْهَرْ خَارِجًا. (وَيَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِكُلِّ طَاهِرٍ يُنَقِّي كَالْحَجَرِ) إِجْمَاعًا، (وَالْخَشَبِ، وَالْخِرَقِ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ، فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ
يَتَّصِلُ بِالْحَيَوَانِ، وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ، إِمَّا بِحَجَرٍ ذِي شُعَبٍ، أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَحْجَارٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» . وَالثَّانِيَةُ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَهِيَ قَوْلُ دَاوُدَ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا الْأَحْجَارُ، لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهَا، وَعَلَّقَ الْإِجْزَاءَ بِهَا. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْجَارِ كُلُّ مُسْتَجْمَرٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْجَامِدَاتِ، وَلِقَوْلِ سَلْمَانَ: «أَمَرَنَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ لَا نَكْتَفِيَ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ، وَلَا عَظْمٌ» فَلَوْلَا أَنَّهُ يَعُمُّ الْجَمِيعَ لَمْ يَكُنْ لِاسْتِثْنَاءِ الرَّجِيعِ وَالْعَظْمِ مَعْنًى. وَإِنَّمَا خَصَّ الْحَجَرَ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُ أَعَمُّ الْجَامِدَاتِ وُجُودًا، وَأَشْمَلُهَا تَنَاوُلًا، لَا يُقَالُ: الْمُرَادُ بِالرَّجِيعِ الْحَجَرُ الْمُسْتَجْمَرُ بِهِ مَرَّةً، لِأَنَّهُ فِي اللُّغَةِ اسْمُ الرَّوْثِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ رَجَعَهُ بَعْدَ أَنْ أَكَلَهُ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا: «مَنِ اسْتَجْمَرَ بِرَجِيعِ دَابَّةٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ» . (إِلَّا الرَّوْثَ، وَالْعِظَامَ، وَالطَّعَامَ، وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ، وَمَا يَتَّصِلُ بِالْحَيَوَانِ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ، وَلَا بِالْعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ عَظْمٍ، وَقَالَ: إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي طَعَامِ الْجِنِّ، فَفِي طَعَامِ الْآدَمِيِّ أَوْلَى، وَبِالْجُمْلَةِ فَيُشْتَرَطُ فِي الْمُسْتَجْمَرِ بِهِ شُرُوطٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ جَامِدًا، لِأَنَّ الْمَائِعَ إِنْ كَانَ مَاءً، فَهُوَ اسْتِنْجَاءٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ امْتَزَجَ بِالْخَارِجِ، فَيَزِيدُ الْمَحَلَّ نَجَاسَةً، وَيُؤْخَذُ هَذَا مِنْ تَمْثِيلِهِ بِالْحَجَرِ وَالْخِرَقِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ: «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: إِنَّهَا لَرِكْسٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالرِّكْسُ النَّجِسُ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُنَقِّيًا، فَلَا يَجُوزُ بِالْفَحْمِ الرَّخْوِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، وَلَا بِالزُّجَاجِ، وَلَا الْحَجَرِ الْأَمْلَسِ وَالْبِلَّوْرِ، إِذِ الْمَقْصُودُ الْإِنْقَاءُ، وَلَمْ يَحْصُلْ. الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ مُحْتَرَمًا، فَلَا يَجُوزُ بِطَعَامِنَا، وَلَا بِطَعَامِ دَوَابِّنَا، وَكَذَا طَعَامُ الْجِنِّ، وَدَوَابِّهِمْ، وَكَذَلِكَ كُتُبُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، وَمَا فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ الشَّرِيعَةِ، وَالِاسْتِخْفَافِ بِحُرْمَتِهَا، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الطَّعَامِ بِحُرْمَةِ الْأَكْلِ فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَكَذَلِكَ مَا يَتَّصِلُ بِحَيَوَانٍ، كَيَدِهِ، وَذَنَبِهِ، وَصُوفِهِ الْمُتَّصِلِ بِهِ، لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةً فَهُوَ كَالطَّعَامِ، وَقَدْ يُنَجِّسُ الْغَيْرَ، فَقَوْلُهُ: وَمَا لُهُ حُرْمَةٌ يَدْخُلُ فِيهِ الطَّعَامُ، وَمَا يَتَّصِلُ بِحَيَوَانٍ فَذِكْرُهُ كَافٍ عَنْهُمَا، وَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " عَلَيْهِ. الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ مُحَرَّمًا، فَلَا يَجُوزُ بِمَغْصُوبٍ، وَلَا ذَهَبٍ، وَلَا فِضَّةٍ، ذَكَرَهُ فِي " النِّهَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقِيلَ: يَجُوزُ بِالْمَغْصُوبِ، وَهُوَ مُخَرَّجٌ مِنْ رِوَايَةِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي بُقْعَةِ غَصْبٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ رُخْصَةٌ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالرُّخَصُ لَا تُسْتَبَاحُ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْإِجْزَاءَ فِي ذَلِكَ، وَبِمَا نُهِيَ عَنْهُ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ لِكَوْنِهِ لَا يُنَقِّي، بَلْ لِإِفْسَادِهِ، وَمِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ النَّجَاسَةَ تُزَالُ بِغَيْرِ الْمَاءِ، وَهِيَ مِنْ بَابِ التُّرُوكِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِزَوَالِهَا قَصْدٌ، وَجَوَابُهُ رِوَايَةُ الدَّارَقُطْنِيِّ السَّابِقَةِ، وَحَيْثُ قِيلَ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ، وَكَذَا فِي الثَّانِي عَلَى مَا قَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ، وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي "، وَفِي " الْمُغْنِي " احْتِمَالٌ بِإِجْزَاءِ الْحَجَرِ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَفِي الثَّالِثِ يَعْدِلُ إِلَى طَاهِرٍ مُنَقٍّ، وَفِي الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ: هَلْ يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ جَعْلًا لِوُجُودِ آلَةِ النَّهْيِ، كَعَدَمِهَا أَوْ يَعْدِلُ إِلَى الْمَاءِ لِعَدَمِ فَائِدَةِ الْحَجَرِ إِذَنْ لِنَقَاءِ الْمَحَلِّ؛ فِيهِ وَجْهَانِ. (وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ) مُنَقِّيَةٍ (إِمَّا بِحَجَرٍ) كَبِيرٍ (ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ أَوْ بِثَلَاثَةٍ) إِذَا حَصَلَ لَهُ الْإِنْقَاءُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَهِيَ مُجْزِئَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَأَمَّا الْحَجَرُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَهُ شُعَبٌ فَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَجُلُّ الْمَشَايِخِ، وَعَنْهُ: لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالشِّيرَازِيُّ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، نَصَّ عَلَيْهَا، وَعَلَّقَ الْإِجْزَاءَ بِهَا، وَلِأَنَّهُ إِذَا اسْتَجْمَرَ بِهِ تَنَجَّسَ، فَلَمْ يَجُزْ كَالصَّغِيرِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا تَغَوَّطَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَمَسَّحْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَقْصُودَ تَكْرَارُ التَّمَسُّحِ، لَا تَكْرَارُ الْمَمْسُوحِ بِهِ، وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِالشُّعَبِ الثَّلَاثَةِ مَا يَحْصُلُ بِالْأَحْجَارِ الثَّلَاثَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَسَرَ مَا تَنَجَّسَ، أَوْ غَسَلَهُ، أَوِ اسْتَجْمَرَ بِثَلَاثَةِ
بِثَلَاثَةٍ فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ بِهَا زَادَ حَتَّى يُنَقَّى، وَيَقْطَعُ عَلَى وِتْرٍ. وَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَحْجَارٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا ثَلَاثُ شُعَبٍ أَجْزَأَهُ لِحُصُولِ الْمَعْنَى، وَالْإِنْقَاءِ. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَا يُجْزِئُهُ جُمُودًا عَلَى اللَّفْظِ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ بَعِيدٌ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَوْ مَسَحَ بِالْأَرْضِ أَوْ بِالْحَائِطِ فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ، فَهُوَ كَالْحَجَرِ الْكَبِيرِ. تَذْنِيبٌ: الْإِنْقَاءُ بِالْحَجَرِ بَقَاءُ أَثَرٍ لَا يُزِيلُهُ إِلَّا الْمَاءُ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: خُرُوجُ الْحَجَرِ، أَيِ: الْأَخِيرِ لَا أَثَرَ بِهِ إِلَّا يَسِيرًا، فَلَوْ بَقِيَ مَا يَزُولُ بِالْخِرَقِ لَا بِالْحَجَرِ أُزِيلَ عَلَى ظَاهِرِ الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي، وَيُنْدَبُ نَظَرُهُ إِلَى الْحَجَرِ قَبْلَ رَمْيِهِ لِيَعْلَمَ هَلْ قَلَعَ أَمْ لَا، وَالْإِنْقَاءُ بِالْمَاءِ خُشُونَةَ الْمَحَلِّ كَمَا كَانَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: أَنْ يَعُودَ الْمَحَلُّ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يَنْتَقِضَ بِالْأَمْرَدِ وَنَحْوِهِ، وَيَكْفِي الظَّنُّ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَفِي " النِّهَايَةِ " بِالْعِلْمِ، وَمِثْلُهُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ. مَسْأَلَةٌ: يَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ بِكُلِّ مَسْحَةٍ الْمَحَلَّ. ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُمِرَّ الْحَجَرَ الْأَوَّلَ مِنْ صَفْحَةِ مُقَدَّمِ الْيُمْنَى إِلَى مُؤَخَّرِهَا، ثُمَّ يُدِيرُهُ عَلَى الْيُسْرَى حَتَّى يَصِلَ بِهَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ يُمِرُّ الثَّانِيَ مِنْ صَفْحَتِهِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ، ثُمَّ الثَّالِثَ عَلَى الْمَسْرُبَةِ، وَالصَّفْحَتَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إِنْ أَفْرَدَ كُلَّ جِهَةٍ بِحَجَرٍ فَهَلْ يُجْزِئُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ رِوَايَةً (فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ بِهَا) أَيْ: بِالْمَسَحَاتِ الثَّلَاثِ (زَادَ حَتَّى يُنَقَّى) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِزَالَةُ أَثَرِ النَّجَاسَةِ (وَيَقْطَعُ) فِي الزِّيَادَةِ (عَلَى وِتْرٍ) اسْتِحْبَابًا لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، فَإِنْ قَطَعَ عَلَى شَفْعٍ جَازَ، لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ «مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» .
[الاستنجاء من كل خارج إلا الريح]
كُلِّ خَارِجٍ إِلَّا الرِّيحَ، فَإِنْ تَوَضَّأَ قَبْلَهُ، فَهَلْ يَصِحُّ وُضُوءُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ كُلِّ خَارِجٍ إِلَّا الرِّيحَ] (وَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ أَوِ الِاسْتِجْمَارُ مِنْ كُلِّ خَارِجٍ) لِخَبَرِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهِ، إِذِ الْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الْإِجْزَاءِ فَإِنَّهُ غَالِبًا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِلْمُعْتَادِ، كَالْغَائِطِ، وَالْبَوْلِ، وَالنَّادِرِ كَالدُّودِ، وَالْحَصَى، وَالطَّاهِرِ، وَالنَّجِسِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي طَاهِرٍ، كَمَنِيٍّ، وَدَوَاءٍ تَحَمَّلَتْ بِهِ، إِنْ قِيلَ بِطَهَارَةِ فَرْجِهَا، وَالْمَذْيِ عَلَى رِوَايَةٍ، وَلِلرَّطْبِ وَالْيَابِسِ، حَتَّى لَوْ أَدْخَلَ مَيْلًا فِي ذَكَرِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ لَزِمَهُ الِاسْتِنْجَاءُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ رَبْطًا لِلْحُكْمِ بِالْمَظِنَّةِ، وَهِيَ اسْتِصْحَابُ الرُّطُوبَةِ، وَقَالَ فِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ ": الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي يَابِسٍ لَا يُنَجِّسُ الْمَحَلَّ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ ذَلِكَ وَجْهًا (إِلَّا الرِّيحَ) فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQ «مَنِ اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ فَلَيْسَ مِنَّا» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " الصَّغِيرِ، قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِيهَا اسْتِنْجَاءٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلِأَنَّ الْغَسْلَ إِنَّمَا يَجِبُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَلَا نَجَاسَةَ فِيهَا، قَالَ فِي " الْمُبْهِجِ ": لِأَنَّهَا عَرَضٌ بِاتِّفَاقِ الْأُصُولِيِّينَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ لِلرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنَ الدُّبُرِ رَائِحَةً مُنْتِنَةً قَائِمَةً بِهَا، وَلَا شَكَّ فِي كَوْنِ الرَّائِحَةِ عَرَضًا، فَلَوْ كَانَتِ الرِّيحُ أَيْضًا عَرَضًا، لَزِمَ قِيَامُ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ، وَفِي " النِّهَايَةِ " نَجِسَةٌ فَتُنَجِّسُ مَاءً يَسِيرًا، وَفِيهِ بُعْدٌ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَنَّهَا غَيْرُ نَاقِصَةٍ بِنَفْسِهَا، بَلْ بِمَا يَتْبَعُهَا مِنَ النَّجَاسَةِ، وَيُعْفَى عَنْ خَلْعِ السَّرَاوِيلِ لِلْمَشَقَّةِ، وَقِيلَ: لَا اسْتِنْجَاءَ مِنْ نَوْمٍ وَرِيحٍ، وَإِنَّ أَصْحَابَنَا بِالشَّامِ قَالَتْ: الْفَرْجُ يَرْمَصُ كَمَا تَرْمَصُ الْعَيْنُ، وَأَوْجَبَتْ غَسْلَهُ، ذَكَرَهُ أَبُو الْوَقْتِ الدِّينَوَرِيُّ (فَإِنْ تَوَضَّأَ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ عَلَيْهِ (فَهَلْ يَصِحُّ وُضُوءُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهَا الْقَاضِي، وَفِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّهَا إِزَالَةُ نَجَاسَةٍ، فَلَمْ تُشْتَرَطْ لِصِحَّةِ الطَّهَارَةِ، كَالَّتِي عَلَى غَيْرِ الْفَرْجِ، فَعَلَيْهَا يُبَاحُ لَهُ بِهِ مَسُّ الْمُصْحَفِ، وَلُبْسُ الْخُفِّ، وَالصَّلَاةُ عِنْدَ عَجْزِهِ عَمَّا يُسْتَنْجَى بِهِ، وَيَسْتَمِرُّ وُضُوءُهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ، ثُمَّ يُزِيلُهَا بِخِرْقَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، وَالْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، و" الْفُرُوعِ "، وَذَكَرَ أَنَّهَا اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الْمِقْدَادِ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ» فَرَتَّبَ الْوُضُوءَ بَعْدَ الْغَسْلِ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ، فَاشْتَرَطَ تَقْدِيمَ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَيْهَا كَالتَّيَمُّمِ، فَعَلَى هَذِهِ لَا يَسْتَبِيحُ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا (وَإِنْ تَيَمَّمَ قَبْلَهُ خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) السَّابِقَتَيْنِ،
[باب السواك]
تَيَمَّمَ قَبْلَهُ خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ وَجْهًا وَاحِدًا. بَابُ السِّوَاكِ وَسُنَّةِ الْوُضُوءِ السِّوَاكُ مَسْنُونٌ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ إِلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَلَا يُسْتَحَبُّ، ـــــــــــــــــــــــــــــQفَيَصِحُّ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي، وَابْنُ حَمْدَانَ الْبُطْلَانَ، وَبَنَاهُ فِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ " عَلَى رِوَايَةِ صِحَّةِ الْوُضُوءِ فَقَطْ (وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ وَجْهًا وَاحِدًا) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَإِنَّمَا يُسْتَبَاحُ بِهِ، وَلَا يُبَاحُ مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ، كَالتَّيَمُّمِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَتْ عَلَى غَيْرِ الْفَرْجِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَفِي وَجْهٍ: يُجْزِئُ، لِأَنَّهُ اسْتَبَاحَ الصَّلَاةَ بِغَيْرِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الثَّوْبِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهُوَ الْأَشْبَهُ، لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْفَرْجِ سَبَبُ وُجُوبِ التَّيَمُّمِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ بَقَاؤُهَا مَانِعًا، بِخِلَافِ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ. مَسْأَلَةٌ: يَحْرُمُ مَنْعُ الْمُحْتَاجِ إِلَى الطَّهَارَةِ، وَلَوْ وُقِفَتْ عَلَى طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَلَوْ فِي مِلْكِهِ، لَبَذَلَهَا لِلْمُحْتَاجِ شَرْعًا وَعُرْفًا، وَلَوْ صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِالْمَنْعِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ دُخُولِ طَهَارَةٍ إِنْ حَصَلَ بِهِمْ ضَرَرٌ، وَمَعَ عَدَمِهِ، لَا مُزَاحَمَةَ لَهُمْ. [بَابُ السِّوَاكِ] [فضل السواك وأوقات استحبابه] بَابُ السِّوَاكِ وَسُنَّةِ الْوُضُوءِ. السِّوَاكُ وَالْمِسْوَاكُ: اسْمٌ لِلْعُودِ الَّذِي يُتَسَوَّكُ بِهِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّسَاوُكِ، وَهُوَ التَّمَايُلُ وَالتَّرَدُّدُ، لِأَنَّ الْمُتَسَوِّكَ يُرَدِّدُهُ فِي فِيهِ وَيُحَرِّكُهُ، يُقَالُ: جَاءَتِ الْإِبِلُ تَسَاوَكُ، إِذَا كَانَتْ أَعْنَاقُهَا تَضْطَرِبُ مِنَ الْهُزَالِ، وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ سَاكَ إِذَا دَلَكَ، وَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَقِيلَ: يُذَكَّرُ فَقَطْ، وَجَمْعُهُ سُوُكٌ، كَكُتُبٍ، وَيُقَالُ: سُؤُكٌ بِوَاوٍ مَهْمُوزَةٍ، وَفِي الشَّرْعِ: اسْتِعْمَالُ عُودٍ أَوْ نَحْوِهِ فِي الْأَسْنَانِ، لِإِذْهَابِ التَّغْيِيرِ وَنَحْوِهِ. (وَسُنَّةِ الْوُضُوءِ) السُّنَّةُ لُغَةً: الطَّرِيقَةُ، وَاصْطِلَاحًا: عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِعْلِهِ، وَتَقْرِيرِهِ، وَإِذَا أُطْلِقَتْ فِي مُقَابَلَةِ الْوَاجِبِ، فَالْمُرَادُ بِهَا الْمُسْتَحَبُّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالسَّلَامُ: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ صِيَامَ رَمَضَانَ، وَسَنَنْتُ قِيَامَهُ» . وَالْوَضُوءُ بِالْفَتْحِ: اسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ فِيهِمَا، وَقِيلَ: بِالضَّمِّ فِيهِمَا، وَهُوَ أَضْعَفُهَا، وَأَصْلُهُ مِنَ الْوَضَاءَةِ، وَهِيَ النَّظَافَةُ، وَفِي الشَّرْعِ: أَفْعَالٌ مَخْصُوصَةٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالنِّيَّةِ. (السِّوَاكُ مَسْنُونٌ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ) اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، لِحَثِّ الشَّارِعِ، وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ، وَتَرْغِيبِهِ فِيهِ، وَنَدْبِهِ إِلَيْهِ، يُوَضِّحُهُ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَهَذَا شَامِلٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَقِيلَ: كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْأُمَّةِ إِجْمَاعًا، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ، شَقَّ أَوْ لَمْ يَشُقَّ، وَيُعَضِّدُهُ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ مَرْفُوعًا قَالَ: «فَضْلُ الصَّلَاةِ بِسِوَاكٍ عَلَى الصَّلَاةِ بِغَيْرِ سِوَاكٍ سَبْعُونَ ضِعْفًا» رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَهَذَا مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَبَبِ أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ مُدَلِّسٌ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ (إِلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ فَلَا يُسْتَحَبُّ) فِي الْمَشْهُورِ حَتَّى ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّ الْمَذْهَبَ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ
وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: عِنْدَ الصَّلَاةِ، وَالِانْتِبَاهِ مِنَ النَّوْمِ، وَتَغَيُّرِ رَائِحَةِ الْفَمِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ إِنَّمَا يَظْهَرُ غَالِبًا بَعْدَ الزَّوَالِ، فَوَجَبَ اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِهِ، وَلِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ مُسْتَطَابٌ شَرْعًا، فَتُسْتَحَبُّ إِدَامَتُهُ، كَدَمِ الشَّهِيدِ، فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ وَصَفَ دَمَ الشَّهِيدِ بِرِيحِ الْمِسْكِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَخُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ بِأَنَّهُ أَطْيَبُ مِنْهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ؛ قُلْتُ: الدَّمُ نَجِسٌ، وَغَايَتُهُ أَنْ يُرْفَعَ إِلَى أَنْ يَصِيرَ طَاهِرًا، بِخِلَافِ الْخُلُوفِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُوَاصِلِ وَغَيْرِهِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعُودِ الرَّطْبِ، وَغَيْرِهِ، فَلَوْ خَالَفَ، كُرِهَ فِي رِوَايَةٍ صَحَّحَهَا فِي " التَّلْخِيصِ " وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، و" الْفُرُوعِ " وَهِيَ الْمَذْهَبُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَعَنْهُ: يُبَاحُ، لِمَا رَوَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ، وَهُوَ صَائِمٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا. وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا، اخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ قَبْلَهُ بِعُودٍ رَطْبٍ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهَا الْحُلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ: فِيهِ لَا، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَالْمَضْمَضَةِ الْمَسْنُونَةِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَاكَ بِالْعَشِيِّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَمْ يَرَ الشَّافِعِيُّ بَأْسًا بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ، كَمَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَزُولُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. (وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: عِنْدَ الصَّلَاةِ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ عَامٌّ فِي الْفَرْضِ
وَيُسْتَاكُ بِعُودٍ لَيِّنٍ يُنَقِّي الْفَمَ، وَلَا يَجْرَحُهُ، وَلَا يَتَفَتَّتُ فِيهِ، فَإِنِ اسْتَاكَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالنَّفْلِ حَتَّى صَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ، وَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الطَّوَافُ، وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ، وَالتِّلَاوَةِ (وَالِانْتِبَاهِ مِنَ النَّوْمِ) لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، يُقَالُ: شَاصَهُ، وَمَاصَهُ: إِذَا غَسَلَهُ، وَقِيلَ: هُوَ الدَّلْكُ وَالْحَكُّ، وَلِأَنَّ النَّائِمَ يَتَغَيَّرُ فَاهُ، لِانْطِبَاقِهِ (وَتَغَيُّرِ رَائِحَةِ الْفَمِ) بِكَلَامٍ، أَوْ سُكُوتٍ، أَوْ أَكْلٍ، أَوْ جُوعٍ، أَوْ عَطَشٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ فِي الْأَصْلِ لِتَنْظِيفِ الْفَمِ، وَيَتَأَكَّدُ أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا: عِنْدَ الْوُضُوءِ فِي الْمَضْمَضَةِ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّنْظِيفِ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَالْغُسْلِ، وَمِنْهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَسَبَقَهُ إِلَيْهِ أَبُو الْفَرَجِ، وَمِنْهَا دُخُولُ الْمُنْزِلِ لِمَا رَوَى الْمِقْدَادُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «قُلْتُ لِعَائِشَةَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ، قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَدُخُولُ الْمَسْجِدِ أَوْلَى، وَمِنْهَا اصْفِرَارُ الْأَسْنَانِ، وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ. (وَيَسْتَاكُ بِعُودٍ لَيِّنٍ يُنَقِّي الْفَمَ) كَالْأَرَاكِ وَنَحْوِهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنْتُ أَجْنِي لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ. وَمَا فِي مَعْنَاهُ الْعُرْجُونُ كَالْأَرَاكِ لَكِنْ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ أَنَّ الْأَرَاكَ أَوْلَى لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -،
بِإِصْبُعِهِ أَوْ خِرْقَةٍ فَهَلْ يُصِيبُ السُّنَّةَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَيَسْتَاكُ عَرْضًا عَلَى لِسَانِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ أَنَّهُ لَا يَعْدِلُ عَنْهُ، وَعَنِ الزَّيْتُونِ وَالْعُرْجُونِ، وَهُوَ سَاعِدُ النَّخْلِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ الثَّمَرَةُ إِلَّا لِتَعَذُّرِهِ. قَالَ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ: مِنَ الْأَطِبَّاءِ مَنْ زَعَمُوا أَنَّ التَّسَوُّكَ مِنْ أُصُولِ الْجَوْزِ، فِي كُلِّ خَامِسٍ مِنَ الْأَيَّامِ، يُنَقِّي الرَّأْسَ، وَيُصَفِّي الْحَوَاسَّ، وَيُحِدُّ الذِّهْنَ، وَالسِّوَاكُ بِاعْتِدَالٍ يُطَيِّبُ الْفَمَ، وَالنَّكْهَةَ، وَيَجْلُو الْأَسْنَانَ، وَيُقَوِّيهَا، وَيَشُدُّ اللِّثَةَ بِحَيْثُ (لَا يَجْرَحُهُ وَلَا يَضُرُّهُ وَلَا يَتَفَتَّتُ فِيهِ) يُحْتَرَزُ بِذَلِكَ عَنِ الرَّيْحَانِ، وَالرُّمَّانِ، فَإِنَّهُ رَوَى قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ مَرْفُوعًا: «لَا تُخَلِّلُوا بِعُودِ الرَّيْحَانِ، وَلَا الرُّمَّانِ، فَإِنَّهُمَا يُحَرِّكَانِ عِرْقَ الْجُذَامِ» . رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَزْدِيُّ، وَقِيلَ: السِّوَاكُ بِالرَّيْحَانِ يَضُرُّ بِلَحْمِ الْفَمِ، وَكَذَا الطَّرْفَاءُ، وَالْآسُ، وَالْأَعْوَادُ الذَّكِيَّةُ، التَّخَلُّلُ بِذَلِكَ كُلِّهِ مَكْرُوهٌ، كَالسِّوَاكِ (فَإِنِ اسْتَاكَ بِإِصْبُعِهِ أَوْ خِرْقَةٍ فَهَلْ يُصِيبُ السُّنَّةَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " أَحَدُهُمَا: لَا يُصِيبُ قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، و" الرِّعَايَةِ " وَابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْإِنْقَاءُ بِهِ حُصُولَهُ بِالْعُودِ، وَالثَّانِي: بَلَى، وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ " فِي الْإِصْبُعِ لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يُجْزِئُ مِنَ السِّوَاكِ الْأَصَابِعُ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالْحَافِظُ الضِّيَاءُ فِي " الْمُخْتَارَةِ " وَقَالَ: لَا أَرَى بِإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ بَأْسًا، وَفِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ " أَنَّهُ يُصِيبُ مِنَ السُّنَّةِ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ مِنَ الْإِنْقَاءِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ الصَّحِيحُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْأَصْحَابُ إِلَى إِصْبُعِ غَيْرِهِ، وَلَا إِلَيْهَا إِذَا كَانَتْ مُنْفَصِلَةً، وَظَاهِرُهُ الْإِجْزَاءُ إِذَا قُلْنَا بِطَهَارَتِهَا، وَإِنْ كَانَ دَفْنُهَا عَلَى الْفَوْرِ وَاجِبًا، وَقَيَّدَ فِي " الرِّعَايَةِ " الْخِرْقَةَ بِكَوْنِهَا خَشِنَةً وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ، وَفِيهِ وَجْهٌ يُصِيبُ إِنْ لَمْ يَجِدْ عُودًا، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يُصِيبُ بِإِصْبُعٍ مَعَ وُجُودِ
وَأَسْنَانِهِ، وَيَدَّهِنُ غِبًّا، وَيَكْتَحِلُ وِتْرًا. وَيَجِبُ الْخِتَانُ مَا لَمْ يَخَفْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيُكْرَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQخِرْقَةٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ: الْعُودُ وَالْخِرْقَةُ سَوَاءٌ، ثُمَّ الْإِصْبُعُ، وَفِيهِ وَجْهٌ يُصِيبُ بِالْإِصْبُعِ عِنْدَ الْوُضُوءِ خَاصَّةً. (وَيَسْتَاكُ عَرْضًا عَلَى لِسَانِهِ وَأَسْنَانِهِ) زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " وَلَثَتِهِ، «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَسْتَاكُ عَرْضًا» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَافِظُ الضِّيَاءُ، وَضَعَّفَهُ، وَلِأَنَّ التَّسَوُّكَ طُولًا رُبَّمَا أَدْمَى اللِّثَةَ، وَأَفْسَدَ الْأَسْنَانَ، وَقِيلَ: الشَّيْطَانُ يَسْتَاكُ طُولًا، وَقَالَ فِي " الْمُبْهِجِ "، و" الْإِيضَاحِ ": طُولًا، وَفِي " الشَّرْحِ ": إِنِ اسْتَاكَ عَلَى لِسَانِهِ، أَوْ حَلْقِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَاكَ طُولًا لِخَبَرِ أَبِي مُوسَى. رَوَاهُ أَحْمَدُ. فَائِدَةٌ: ذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَغْسِلُ السِّوَاكَ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَاكَ بِالْوَاحِدِ اثْنَانِ، أَوْ أَكْثَرُ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَيَقُولُ إِذَا اسْتَاكَ: اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي، وَمَحِّصْ ذُنُوبِي، قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: وَيَنْوِي بِهِ الْإِتْيَانَ بِالسُّنَّةِ. (وَيَدَّهِنُ غِبًّا) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنِ التَّرَجُّلِ إِلَّا غِبًّا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَالتَّرَجُّلُ: تَسْرِيحُ الشَّعَرِ وَدَهْنُهُ، وَالْغِبُّ يَوْمًا وَيَوْمًا، نَقَلَهُ يَعْقُوبُ، عَنْ أَحْمَدَ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " مَا لَمْ يَجِفَّ الْأَوَّلُ، لَا مُطْلَقًا لِلنِّسَاءِ، وَاللِّحْيَةُ كَالرَّأْسِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَيَفْعَلُهُ كُلَّ يَوْمٍ لِلْحَاجَةِ لِخَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَفْعَلُ مَا هُوَ الْأَصْلَحُ بِالْبَلَدِ، كَالْغَسْلِ بِمَاءٍ حَارٍّ فِي بَلَدٍ رَطْبٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَرْجِيلُ الشَّعَرِ، وَهُوَ فِعْلُ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّ مِثْلَهُ نَوْعُ اللُّبْسِ وَالْمَأْكَلِ. غَرِيبَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَنْفَعَ لِلْوَبَاءِ مِنَ الْبَنَفْسَجِ يُدَّهَنُ بِهِ وَيُشْرَبُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَيَكْتَحِلُ) فِي كُلِّ عَيْنٍ (وِتْرًا) بِالْإِثْمِدِ الْمُطَيِّبِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، «مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا، فَلَا حَرَجَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثَةُ أَطْرَافٍ كَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ: فِي الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَفِي الْيُسْرَى اثْنَتَيْنِ، وَقِيلَ: مِرْوَدَيْنِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْخَامِسُ: يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَفْعَلُهُ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا. (وَيَجِبُ الْخِتَانُ) عِنْدَ الْبُلُوغِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْوُجُوبَ إِذَا وَجَبَتِ الطَّهَارَةُ، وَالصَّلَاةُ (مَا لَمْ يَخَفْهُ عَلَى نَفْسِهِ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ مَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ السِّنِينَ، وَقَدْ عُورِضَ بِمَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ، وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً» . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ أُمِرَ بِالِاخْتِتَانِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " الْأَدَبِ " بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَلْقِ عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ، وَاخْتَتِنْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَخَرَجَ مِنْهُ إِلْقَاءُ الشَّعَرِ بِدَلِيلٍ، فَبَقِيَ الْخِتَانُ عَلَى أَصْلِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلذَّكَرِ، وَهُوَ قَطْعُ جِلْدَةٍ غَاشِيَةٍ عَلَى الْحَشَفَةِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: أَوْ أَكْثَرِهَا، وَلِلْأُنْثَى: وَهُوَ قَطْعُ جِلْدَةٍ فَوْقَ مَحَلِّ الْإِيلَاجِ تُشْبِهُ عُرْفَ الدِّيكِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُؤْخَذَ كُلُّهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ، وَصَحَّحَهَا بَعْضُهُمْ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَخْتَتِنُ الْخُنْثَى فِي ذَكَرِهِ، وَفَرْجِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا خِيفَ مِنْهُ، فَظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَسْقُطُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: عَلَى الْأَصَحِّ، وَنَقَلَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQحَنْبَلٌ: يَخْتَتِنُ، فَظَاهِرُهُ يَجِبُ، لِأَنَّهُ قَلَّ مَنْ يَتْلَفُ مِنْهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالْعَمَلُ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَأَنَّهُ مَتَى خُشِيَ عَلَيْهِ لَمْ يَخْتَتِنْ، وَيُعْتَبَرُ لِذَلِكَ زَمَنٌ مُعْتَدِلٌ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِهِ وَلَوْ فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، فَتَلِفَ فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِهِ، وَزَعَمَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّهُ يُتْلِفُ، أَوْ ظَنَّ تَلَفَهُ ضَمِنَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ. تَذْنِيبٌ: فِعْلُهُ زَمَنُ الصِّغَرِ أَفْضَلُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: التَّأْخِيرُ، زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْأَوَّلِ إِلَى التَّمْيِيزِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " قِيلَ: مُجَاوَزَةُ عَشْرٍ، وَفِي الرِّعَايَةِ بَيْنَ سَبْعٍ وَعَشْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ حَتَّى يُدْرِكَ جَازَ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ، وَيُكْرَهُ يَوْمُ السَّابِعِ لِلتَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ، وَعَنْهُ: لَا، قَالَ الْخَلَّالُ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ. (وَيُكْرَهُ الْقَزَعُ) وَهُوَ حَلْقُ بَعْضِ رَأْسِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْقَزَعِ، فَقِيلَ لِنَافِعٍ: مَا الْقَزَعُ؛ قَالَ: أَنْ يُحْلَقَ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ، وَيُتْرَكَ بَعْضُهُ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: بَلْ حَلْقُ وَسَطِهِ، وَقِيلَ: بَلْ حَلَقٌ يَقَعُ مِنْهُ، وَكَنَتْفِ الشَّيْبِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ حَلْقَهُ كُلَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نُسُكٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَقَصِّهِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ لِغَيْرِ نُسُكٍ، وَحَاجَةٍ وِفَاقًا لِمَالِكٍ، وَكَحَلْقِ الْقَفَا، زَادَ فِيهِ جَمْعٌ: لِمَنْ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ كَحِجَامَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ، وَيُكْرَهُ لِامْرَأَةٍ حَلْقُهُ كَقَصِّهِ، وَقِيلَ: يَحْرُمَانِ عَلَيْهَا، نَقَلَ الْأَثْرَمُ: أَرْجُو أَلَّا بَأْسَ لِضَرُورَةٍ، وَيُسْتَثْنَى عَلَى الْأَوَّلِ مَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَحْرُمُ حَلْقُهُ عَلَى مُرِيدٍ لِشَيْخِهِ، لِأَنَّهُ ذُلٌّ وَخُضُوعٌ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى. مَسَائِلُ: يَجُوزُ اتِّخَاذُ الشَّعَرِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ لَا إِنْ شَقَّ
الْقَزَعُ، وَيَتَيَامَنُ فِي سِوَاكِهِ وَطَهُورِهِ، وَانْتِعَالِهِ، وَدُخُولِهِ الْمَسْجِدَ. وَسُنَنُ الْوُضُوءِ عَشْرٌ: ـــــــــــــــــــــــــــــQإِكْرَامُهُ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ سُنَّةٌ لَوْ نَقْوَى عَلَيْهِ اتَّخَذْنَاهُ، وَلَكِنَّ لَهُ كُلْفَةً، وَمَئُونَةً، وَيُسَرِّحُهُ، وَيَفْرُقُهُ، وَيَكُونُ إِلَى أُذُنَيْهِ، وَيَنْتَهِي إِلَى مَنْكِبَيْهِ كَشَعَرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا بَأْسَ بِزِيَادَتِهِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَجَعْلِهِ ذُؤَابَةً، وَيَعْفِي لِحْيَتَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ: أَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ كَقَصِّ الشَّارِبِ، وَأَطْلَقَ أَصْحَابُنَا، وَغَيْرُهُمْ: أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَفِي الْمَذْهَبِ مَا لَمْ يُسْتَهْجَنْ طُولُهَا، وِفَاقًا لِمَالِكٍ، وَيَحْرُمُ حَلْقُهَا، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَلَا يُكْرَهُ أَخْذُ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ. وَنَصُّهُ: لَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ، وَمَا تَحْتَ حَلْقِهِ لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَتَرْكُهُ أَوْلَى، وَأَخَذَ أَحْمَدُ مِنْ حَاجِبِهِ وَعَارِضِهِ، وَيَحُفُّ شَارِبَهُ، وَهِيَ أَوْلَى فِي الْمَنْصُوصِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُنَظِّفَ أَنْفَهُ خُصُوصًا إِذَا فَحُشَ كَإِبِطِهِ، وَيَحْلِقَ عَانَتَهُ، وَلَهُ إِزَالَتُهُ بِمَا شَاءَ، وَالتَّنْوِيرُ فَعَلَهُ أَحْمَدُ فِي الْعَوْرَةِ، وَكَرِهَ الْآمِدِيُّ كَثْرَتَهُ، وَيَدْفِنُ ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَفْعَلُهُ كُلَّ أُسْبُوعٍ، وَلَا يَتْرُكُهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَمَّا الشَّارِبُ فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ وَحْشًا، وَقِيلَ: عِشْرِينَ، وَقِيلَ: لِلْمُقِيمِ، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ مُخَالِفًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ، وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَحِيفَ عَلَيْهَا فِي الْغَزْوِ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَى حِلِّ شَيْءٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَنْظُرُ فِي مِرْآةٍ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي، وَحَرِّمْ وَجْهِي عَلَى النَّارِ» لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَيَتَطَيَّبُ الرَّجُلُ بِمَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَالْمَرْأَةُ عَكْسُهُ لِأَثَرٍ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. ( «وَيَتَيَامَنُ فِي سِوَاكِهِ» ) أَيْ: يَبْدَأُ بِجَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، وَيَسْتَاكُ بِيَسَارِهِ، نَقَلَهُ حَرْبٌ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَا عَلِمْتُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ كَانْتِثَارِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَذَكَرَ جَدُّهُ: إِنْ قُلْنَا: يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ فَيَسْتَاكُ بِهَا (وَطَهُورِهِ، وَانْتِعَالِهِ، وَدُخُولِهِ الْمَسْجِدَ) وَأَكْلِهِ، وَشُرْبِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطَهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[باب الوضوء]
السِّوَاكُ، وَالتَّسْمِيَةُ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ، وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابُ الْوُضُوءِ] [سُنَنُ الْوُضُوءِ] (وَسُنَنُ الْوُضُوءِ) سُمِّيَ وُضُوءًا لِتَنْظِيفِهِ الْمُتَوَضِّئَ وَتَحْسِينِهِ (عَشْرٌ السِّوَاكُ) لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ وَالْمُرَادُ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ، (وَالتَّسْمِيَةُ) هَذَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَالْمُؤَلِّفِ، قَالَ الْخَلَّالُ: إِنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] الْآيَةَ فَلَمْ يَذْكُرْهَا، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ، فَلَمْ تَجِبْ لَهَا التَّسْمِيَةُ، كَطَهَارَةِ الْخَبَثِ، قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ يَثْبُتُ فِي هَذَا حَدِيثٌ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ حَدِيثًا لَهُ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ شَاقْلَا، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَحْمَدَ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَحْسَنُ مَا فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ: هُوَ أَصَحُّهَا، فَعَلَى هَذَا تَسْقُطُ سَهْوًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ تَتَغَايَرُ أَفْعَالُهَا، فَكَانَ فِي وَاجِبَاتِهَا مَا يَسْقُطُ سَهْوًا كَالصَّلَاةِ، وَلَا تَسْقُطُ فِي أُخْرَى، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ شَرْطًا، اخْتَارَهَا ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَالْمَجْدُ، لَكِنْ قَالَ الشِّيرَازِيُّ وابن عبدوس: مَتَى سَمَّى فِي أَثْنَائِهِ أَجْزَأَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى وُضُوئِهِ، وَإِذَا قِيلَ بِوُجُوبِهَا، فَهَلْ تُسَمَّى فَرْضًا أَوْ
قَائِمًا مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ، وَالْبُدَاءَةُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQسُنَّةً؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالْأَخْرَسُ تَكْفِي إِشَارَتُهُ بِهَا. تَتْمِيمٌ، مَحَلُّهَا اللِّسَانُ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ، وَوَقْتُهَا بَعْدَ النِّيَّةِ لِتَكُونَ شَامِلَةً لِجَمِيعِ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ، وَصِفَتُهَا: بِاسْمِ اللَّهِ، فَإِنْ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ أَوِ الْقُدُّوسِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى الْأَشْهَرِ، كَمَا لَوْ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى الْمُحَقَّقِ. (وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ) أَيْ: قَبْلَ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ [أَبِي] أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ فَاسْتَوْكَفَ ثَلَاثًا أَيْ: غَسَلَ كَفَّيْهِ» ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا يُغْسَلَانِ ثَلَاثًا، وَلَوْ تَحَقَّقَ طَهَارَتُهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ) نَاقِضٍ لِلْوُضُوءِ، (فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ) الْأَصَحُّ وَالظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبُ غَسْلِهِمَا تَعَبُّدًا، وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْرِ بِهِ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَالثَّانِيَةُ: هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَالشَّيْخَانِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْقَائِمَ إِلَى الصَّلَاةِ بِغَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْقَائِمِ مِنَ النَّوْمِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ فَسَّرَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ بِالْقِيَامِ مِنَ اللَّيْلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الْيَدَيْنِ، وَحُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى النَّدْبِ، لِأَنَّهُ عُلِّلَ بِوَهْمِ النَّجَاسَةِ، وَطَرَيَانُ الشَّكِّ عَلَى يَقِينِ الطَّهَارَةِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهَا. فَرْعٌ: إِذَا نَسِيَ غَسْلَهُمَا سَقَطَ مُطْلَقًا، لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ، وَإِنْ وَجَبَ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يَسْقُطُ، لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْوُضُوءِ، وَالْأَوَّلُ: أَقْيَسُ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ غَسْلِهِمَا قَبْلَ الْوُضُوءِ بَزَمَنٍ طَوِيلٍ، وَوُجُوبُ غَسْلِهِمَا لِمَعْنًى فِيهِمَا، وَقِيلَ: بَلْ لِإِدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ، وَيُعْتَبَرُ لِغَسْلِهِمَا نِيَّةٌ وَتَسْمِيَةٌ. مَسْأَلَةٌ: يَتَوَجَّهُ كَرَاهَةُ غَمْسِهَا فِي مَائِعٍ، وَأَكْلُ شَيْءٍ رَطْبٍ بِهَا. (وَالْبُدَاءَةُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ) أَيْ: قَبْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي
وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا، وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ، وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQحَدِيثِ عُثْمَانَ: «أَنَّهُ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ» وَلِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ فَقُدِّمَا، لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهُ أَذًى بَعْدَ غَسْلِ الظَّاهِرِ فَيُلَوِّثَهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ (وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا) إِلَى أَقَاصِيهِمَا، هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ، لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ: وَبَالَغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، وَاقْتَصَرَ الْخِرَقِيُّ عَلَيْهِ تَبَعًا لِحَدِيثِ لَقِيطٍ «قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ، فَقَالَ: وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَابْنُ شَاقْلَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ لِسُقُوطِهَا بِصَوْمِ النَّفْلِ، وَالْوَاجِبُ لَا يَسْقُطُ بِالنَّفْلِ، وَعَنْ أَحْمَدَ وُجُوبُ الْمُبَالَغَةِ فِيهِمَا عَلَى الْمُفْطِرِ، وَقِيلَ: فِي الْكُبْرَى، وَالْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ: اجْتِذَابُ الْمَاءِ بِالنَّفَسِ إِلَى أَقْصَى الْأَنْفِ، وَلَا يُصَيِّرُهُ سَعُوطًا، وَفِي الْمَضْمَضَةِ: إِدَارَةُ الْمَاءِ فِي أَقَاصِي الْفَمِ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ ": أَوْ أَكْثَرِهِ، وَلَا يُصِيِّرُهُ وَجُورًا، وَلَهُ بَلْعُهُ كَلَفْظِهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا) فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَحَرَّمَهُ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِصَوْمِ الْفَرْضِ، صَرَّحَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ. (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ) لِمَا رُوِيَ «عَنْ عُثْمَانَ: أَنَّهُ تَوَضَّأَ، وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ حِينَ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ الَّذِي رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ، وَهَذَا إِذَا كَانَتْ كَثِيفَةً، فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ خَفِيفَةً تَصِفُ الْبَشَرَةَ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا، وَقِيلَ: يَجِبُ التَّخْلِيلُ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ،
وَالتَّيَامُنُ، وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلْأُذُنَيْنِ، وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهُوَ بَعِيدٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: فَيُخَلِّلُهَا مِنْ تَحْتِهَا بِأَصَابِعِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْ جَانِبَيْهَا بِمَاءِ الْوَجْهِ، وَقِيلَ: بِمَاءٍ جَدِيدٍ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ شَاءَ خَلَّلَهَا مَعَ وَجْهِهِ، وَإِنْ شَاءَ إِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ، وَحُكْمُ بَقِيَّةِ الشُّعُورِ كَعَنْفَقَةٍ، وَشَارِبٍ، وَحَاجِبٍ، وَلِحْيَةِ امْرَأَةٍ، وَخُنْثَى كَذَلِكَ. (وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ) أَيْ: تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِمَا رَوَى لَقِيطُ بْنُ صَبْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ فِي الرِّجْلَيْنِ آكَدُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَعَنْهُ: لَا يُسَنُّ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ، إِذْ تَفْرِيجُهُمَا يُغْنِي عَنْ تَخْلِيلِهِمَا، وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ الْيُسْرَى، لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ وَالدَّرَنِ مِنْ بَاطِنِ رِجْلِهِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ، يَبْدَأُ بِخِنْصَرِهَا إِلَى إِبْهَامِهَا، وَفِي الْيُسْرَى بِالْعَكْسِ، لِيَحْصُلَ التَّيَامُنُ فِيهِ، وَأَصَابِعُ يَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، فَإِنْ كَانَتْ، أَوْ بَعْضُهَا مُلْتَصِقَةً سَقَطَ. (وَالتَّيَامُنُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَشَذَّ الرَّازِيُّ فَحَكَى فِي " تَفْسِيرِهِ " عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبَ غَسْلِ الْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى، وَهُوَ مُنْكَرٌ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: هُمَا فِي حُكْمِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ، حَتَّى لَوْ غَسَلَ إِحْدَاهُمَا بِمَاءِ الْأُخْرَى جَازَ (وَأَخَذَ مَاءً جَدِيدًا لِلْأُذُنَيْنِ) ظَاهِرِهِمَا، وَبَاطِنِهِمَا فِي رِوَايَةٍ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: «أَنَّهُ رَأَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQرَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ فَأَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلَافَ الَّذِي لِرَأْسِهِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ خَرَجَ مِنَ الْخِلَافِ، وَالثَّانِيَةُ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ: لَا يُسَنُّ، لِأَنَّ غَالِبَ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، فَعَلَى الْأُولَى يُدْخِلُ سَبَّاحَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ، وَيَمْسَحُ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا، كَذَا وَصَفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَتُسَنُّ مُجَاوَزَةُ مَوْضِعِ الْفَرْضِ. (وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ) لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، فَقَالَ: هَذَا وَظِيفَةُ الْوُضُوءِ، أَوْ قَالَ: هَذَا وُضُوءٌ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْهُ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً، ثُمَّ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ مَنْ تَوَضَّأَهُ كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنَ الْأَجْرِ، وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالَ: هَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الْمُرْسَلِينَ قَبْلِي» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْوُضُوءِ فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَتَكَلَّمَ مُسْلِمٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَوْ نَقَصَ، وَأَوَّلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى نُقْصَانِ الْعُضْوِ، وَاسْتَحْسَنَهُ الذَّهَبِيُّ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ: فَيُكْرَهُ. زَادَ بَعْضُهُمْ لِغَيْرِ وَسْوَاسٍ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ لِلْخَبَرِ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا إِلَّا رَجُلٌ مُبْتَلًى.
[فرائض الوضوء]
بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ وَصِفَتِهِ وَشَرْطِهِ وَفُرُوضُهُ سِتَّةٌ: غَسْلُ الْوَجْهِ، وَالْفَمِ، وَالْأَنْفِ، مِنْهُ، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ، وَمَسْحُ ـــــــــــــــــــــــــــــQخَاتِمَةٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ مَسْحُ الْعُنُقِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِعَدَمِ ثُبُوتِ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ، وَعَنْهُ: يُسَنُّ، اخْتَارَهُ فِي " الْغُنْيَةِ " وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَابْنُ رَزِينِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ " الْخِلَافَ، وَأَنَّهُ لَا يُسَنُّ غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالشَّيْخَانِ، نَظَرًا إِلَى أَنَّ الضَّرَرَ الْمُتَوَقَّعَ كَالْمُتَحَقِّقِ، وَقِيلَ: يُسَنُّ مَعَ أَمْنِ الضَّرَرِ، جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَحَكَى بَعْضُهُمْ رِوَايَةً بِالْوُجُوبِ مُخَرَّجَةً مِنْ وُجُوبِ ذَلِكَ فِي الْغَسْلِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا لِنَجَاسَةٍ. [فَرَائِضُ الْوُضُوءِ] بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ وَصِفَتِهِ، وَشَرْطِهِ (وَفُرُوضُهُ سِتَّةٌ) الْفُرُوضُ: جَمْعُ فَرْضٍ، وَهُوَ لُغَةً التَّأْثِيرُ، وَشَرْعًا قِيلَ: مَا أُثِيبَ فَاعِلُهُ، وَعُوقِبَ تَارِكُهُ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الطَّهُورِ فِي الْأَعْضَاءِ الْمَخْصُوصَةِ عَلَى صِفَةٍ مُفْتَتَحَةٍ بِالنِّيَّةِ، وَكَانَ فَرْضُهُ مَعَ فَرْضِ الصَّلَاةِ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْفَرْضَ وَالشَّرْطَ يَشْتَرِكَانِ فِي تَوَقُّفِ الْعِبَادَةِ عَلَى وُجُودِهِمَا، وَيَفْتَرِقَانِ بِأَنَّ الشَّرْطَ خَارِجٌ عَنْهَا، وَالْفَرْضَ دَاخِلُهَا، وَبِأَنَّ الشَّرْطَ يُسْتَصْحَبُ فِيهَا إِلَى انْقِضَائِهَا، وَالْفَرْضَ يَنْقَضِي، وَيَخْلُفُهُ غَيْرُهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ نَظَرَ إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَسَمَّى النِّيَّةَ وَنَحْوَهَا فَرْضًا، وَهِيَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي شَرْطٌ (غَسْلُ الْوَجْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] ، (وَالْفَمِ وَالْأَنْفِ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْوَجْهِ لِدُخُولِهِمَا فِي حَدِّهِ (وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] (وَمَسْحُ الرَّأْسِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] (وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] أَيْ: كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ فَرْضٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الْجَمَاهِيرِ لِقِرَاءَةِ نَافِعٍ،
الرَّأْسِ، وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، وَتَرْتِيبُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْمُوَالَاةُ عَلَى إِحْدَى ـــــــــــــــــــــــــــــQوَابْنِ عَامِرٍ، وَالْكِسَائِيِّ، وَحَفْصٍ بِالنَّصْبِ فِي {وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] عَطْفًا عَلَى الْيَدَيْنِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْخَفْضِ لِلْمُجَاوَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} [سبأ: 5] ، وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتِ الْأَرْجُلُ فِي مَظِنَّةِ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مَذْمُومٌ، عَطَفَهَا عَلَى الْمَمْسُوحِ لَا لِلتَّمَسَّحِ، بَلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى مِقْدَارِ الْوَاجِبِ، ثُمَّ قِيلَ: (إِلَى الْكَعْبَيْنِ) دَفْعًا لِظَنِّ ظَانٍّ أَنَّهَا مَمْسُوحَةٌ، لِأَنَّ الْمَسْحَ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ غَايَةٌ فِي الشَّرْعِ، وَلِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقَوْلِهِ: «ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَاهُ، وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ. إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَأَنْ يُقْطَعَا أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَمْسَحَ الْقَدَمَيْنِ، وَهَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ لَابِسِ الْخُفِّ، فَأَمَّا لَابِسُهُ فَغَسْلُهُمَا لَيْسَ فَرْضًا مُتَعَيَّنًا فِي حَقِّهِ (وَتَرْتِيبُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى) هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَفِي " الْكَافِي " أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَدْخَلَ الْمَمْسُوحَ بَيْنَ الْمَغْسُولَاتِ، وَلَا نَعْلَمُ لِهَذَا فَائِدَةً غَيْرَ التَّرْتِيبِ، وَالْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ الْوَاجِبِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَتَّبَ الْوُضُوءَ، وَقَالَ: «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَبْطُلُ بِالْحَدَثِ، فَكَانَ التَّرْتِيبُ مِنْ شَرْطِهِ كَالصَّلَاةِ يَجِبُ فِيهَا الرُّكُوعُ قَبْلَ السُّجُودِ، وَلَوْ كَانَ التَّنْكِيسُ جَائِزًا لِفِعْلِهِ، وَلَوْ مَرَّةً لِتَبْيِينِ الْجَوَازِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، فَأَمَّا إِذَا قِيلَ: إِنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ، فَوَاضِحٌ، فَعَلَى هَذَا لَوْ بَدَأَ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ قَبْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ لَمْ يُحْسَبْ لَهُ، نَعَمْ إِنْ تَوَضَّأَ مُنَكِّسًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ صَحَّ وُضُوءُهُ إِنْ قَرُبَ الزَّمَنُ، لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ غَسْلُ عُضْوٍ، وَلَوْ غَسَلَهَا جَمِيعًا بِانْغِمَاسٍ وَاحِدٍ، أَوْ وَضَّأَهُ أَرْبَعَةً فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ لَبِثَ فِي جَارٍ، فَمَرَّتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُ جَرَيَاتٍ مُتَعَاقِبَةٍ، سَقَطَ التَّرْتِيبُ، إِنْ قِيلَ بِإِجْزَاءِ الْغَسْلِ عَنِ الْمَسْحِ، وَقِيلَ: إِنْ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ كَفَاهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ لَمْ تَمُرَّ عَلَيْهِ إِلَّا
الرِّوَايَتَيْنِ، وَهِيَ أَلَّا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQجَرْيَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنِ انْغَمَسَ فِي كَثِيرٍ رَاكِدٍ فَمَنْصُوصُهُ، وَقَطَعَ بِهِ جَمْعٌ: إِنْ خَرَجَ مُرَتَّبًا جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، وَالثَّانِيَةُ وَحَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ، وَأَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ نَصِّهِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْمَضْمَضَةِ، وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَأَبَى ذَلِكَ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ بِالْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ. (وَالْمُوَالَاةُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهَا الْمَشْهُورَةُ، وَصَحَّحَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَرَجَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ شَرْطٌ، وَالثَّانِي جَوَابٌ، وَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ، وَهُوَ الْقِيَامُ، وَجَبَ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ عَنْهُ جَوَابُهُ، وَهُوَ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي، وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ: وَالصَّلَاةَ، وَهَذَا صَحِيحٌ، وَفِيهِ بَقِيَّةٌ، وَهُوَ ثِقَةٌ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ، وَالثَّانِيَةُ، وَنَقَلَهَا حَنْبَلٌ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ، وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغَسْلِ، وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمُوَالَاةَ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ بَعْدَمَا جَفَّ وَضُوءُهُ، وَنَصَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ذَلِكَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ الْأَشْبَهُ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ، وَلَهُ نَظَائِرُ مِنْهَا: التَّتَابُعُ فِي صَوْمِ شَهْرَيِ الْكَفَّارَةِ، وَجَوَابُهُ النَّصُّ، وَالْإِجْمَاعُ، ثُمَّ لَوْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَكَذَا الْمُوَالَاةُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَفِي الطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ لَا يَبْطُلُ بِفِعْلِ الْمَكْتُوبَةِ (وَهُوَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الَّذِي قَبْلَهُ)
لِطَهَارَةِ الْحِدَثِ كُلِّهَا، وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ أَوِ الطَّهَارَةَ لِمَا لَا يُبَاحُ إِلَّا بِهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي زَمَنٍ مُعْتَدِلٍ، أَوْ بِمِقْدَارِهِ مِنَ الشِّتَاءِ، وَالصَّيْفِ، وَالْهَوَاءِ، وَهَلْ الِاعْتِبَارُ بِمَا يَلِي الْعُضْوَ الْمَغْسُولَ، أَوْ أَوَّلِهَا، أَوْ جَمِيعَهَا؟ فِيهِ أَقْوَالٌ، وَالتَّفْرِيقُ الْمُبْطِلُ مَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ تَفْرِيقًا، قَالَ الْخَلَّالُ: هُوَ الْأَشْبَهُ بِقَوْلِهِ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ، فَلَوْ جَفَّ الْأَوَّلُ لِاشْتِغَالِهِ فِي الثَّانِي بِسُنَّةٍ كَتَخْلِيلٍ، وَإِسْبَاغٍ لَمْ يَضُرَّ، وَكَذَا إِنْ كَانَ لِوَسْوَسَةٍ، وَإِزَالَةِ وَسَخٍ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ لِلِاشْتِغَالِ بِتَحْصِيلِ الْمَاءِ فَرِوَايَتَانِ، وَيَضُرُّ إِسْرَافٌ، وَإِزَالَةُ الْوَسَخِ لِغَيْرِ الطَّهَارَةِ، وَزِيَادَةٌ عَلَى الثَّلَاثِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الطَّهَارَةِ شَرْعًا، وَلَا تَسْقُطُ هِيَ، وَتَرْتِيبٌ سَهْوًا، كَبَقِيَّةِ الْفُرُوضِ. (وَالنِّيَّةُ) لُغَةً: الْقَصْدُ يُقَالُ: نَوَاكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ أَيْ: قَصَدَكَ بِهِ، وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ، وَأَنْ يُخْلِصَهَا لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَالنَّصُّ دَلَّ عَلَى الثَّوَابِ فِي كُلِّ وُضُوءٍ، وَلَا ثَوَابَ فِي غَيْرِ مَنْوِيٍّ بِالْإِجْمَاعِ (شَرْطٌ) وَهُوَ لُغَةً: الْعَلَامَةُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} [محمد: 18] ، وَاصْطِلَاحًا: مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ (لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ كُلِّهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] ، وَالْإِخْلَاصُ مَحْضُ النِّيَّةِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَقَوْلِهِ «لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ» وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الطَّهُورُ شَطْرُ
فَإِنْ نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ، أَوِ التَّجْدِيدَ، فَهَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْإِيمَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأَخْبَرَ أَنَّ الْخَطَايَا تَخْرُجُ بِالْوُضُوءِ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ نِيَّةٍ، فَالْعِبَادَةُ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ اضْطِرَادٍ عُرْفِيٍّ، وَلَا اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ، قِيلَ لِأَبِي الْبَقَاءِ: الْإِسْلَامُ وَالنِّيَّةُ عِبَادَتَانِ، وَلَا يَفْتَقِرَانِ إِلَى النِّيَّةِ، فَقَالَ: الْإِسْلَامُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ لِصُدُورِهِ مِنَ الْكَافِرِ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، سَلَّمْنَا، لَكِنْ صَحَّ لِلضَّرُورَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ، وَأَمَّا النِّيَّةُ، فَلِقَطْعِ التَّسَلْسُلِ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ، فَافْتَقَرَتْ إِلَى النِّيَّةِ كَالْكَفَّارَةِ، بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْخَبَثِ، فَإِنَّهَا نَقْلُ عَيْنٍ، أَشْبَهَ رَدَّ الْوَدِيعَةِ، وَلِأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ بَابُهَا الْفِعْلُ أَشْبَهَتِ الصَّلَاةَ، وَطَهَارَةَ النَّجَاسَةِ بَابُهَا التَّرْكُ أَشْبَهَتْ تَرْكَ الزِّنَا، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ طَوَائِفَ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعِبَادَةِ النِّيَّةُ بِدَلِيلِ السِّتَارَةِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَهُمَا شَرْطَانِ لِلْعِبَادَةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمَا يُوجَدَانِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ كَوُجُودِهِمَا قَبْلَهَا، فَنِيَّةُ الصَّلَاةِ مُتَضَمِّنَةٌ لَهُمَا بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَتَطَهَّرُ، وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ لَمْ يَحْنَثْ بِالِاسْتِدَامَةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَسْتَتِرُ، وَلَا يَسْتَقْبِلُ حَنِثَ بِاسْتِدَامَتِهِمَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي طَهَارَةِ النَّجِسِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُشْتَرَطُ إِنْ كَانَتْ عَلَى الْبَدَنِ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهَا شَرْطٌ مُطْلَقًا (وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ) ، وَهُوَ الْمَانِعُ مِمَّا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ، وَالْمُرَادُ رَفْعُ حُكْمِهِ، وَإِلَّا فَالْحَدَثُ إِذَا وَقَعَ لَا يَرْتَفِعُ (أَوِ الطَّهَارَةَ لِمَا لَا يُبَاحُ إِلَّا بِهَا) أَيْ: يَقْصِدُ اسْتِبَاحَةَ عِبَادَةٍ لَا تُسْتَبَاحُ إِلَّا بِالطَّهَارَةِ كَالصَّلَاةِ، وَالطَّوَافِ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ الْحَدَثِ ضَرُورَةَ أَنَّ صِحَّةَ ذَلِكَ لَا تَجْتَمِعُ مَعَهُ، فَإِنْ نَوَى التَّبَرُّدَ، وَمَا لَا تُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ، كَأَكْلٍ وَبَيْعٍ، وَنَوَى مَعَ ذَلِكَ الطَّهَارَةَ صَحَّتْ، وَإِلَّا
نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا فَهَلْ يُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَا، وَإِنْ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ لِيُزِيلَ عَنْهَا النَّجَاسَةَ، أَوْ لِيُعَلِّمَ غَيْرَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ نَوَى صَلَاةً مُعَيَّنَةً لَا غَيْرَهَا ارْتَفَعَ مُطْلَقًا، وَإِنْ نَوَى طَهَارَةً مُطْلَقَةً، أَوْ وُضُوءًا مُطْلَقًا فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ، وَإِنْ نَوَى الْجُنُبُ بِغَسْلِهِ الْقِرَاءَةَ ارْتَفَعَ الْأَكْبَرُ، وَفِي الْأَصْغَرِ وَجْهَانِ، وَإِنْ نَوَى بِغَسْلِهِ اللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ، ارْتَفَعَ الْأَصْغَرُ وَفِي الْأَكْبَرِ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَقِيلَ: وَغَيْرِهَا وَجْهَانِ، وَإِنْ نَوَى مِنْ حَدَثِهِ مُسْتَمِرًّا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ صَحَّ، وَارْتَفَعَ حَدَثُهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ لِلْفَرْضِ، فَلَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ لَمْ يَرْتَفِعْ فِي الْأَقْيَسِ، وَيُسَنُّ نُطْقُهُ بِهَا سِرًّا، وَلَا يَضُرُّ سَبْقُ لِسَانِهِ بِخِلَافِ قَصْدِهِ. تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ وُضُوءٍ عَقْلٌ، وَتَمْيِيزٌ، وَإِسْلَامٌ، وَدُخُولُ وَقْتٍ عَلَى مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ لِفَرْضِهِ، وَإِزَالَةُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ، وَطُهْرٌ مِنْ حَيْضٍ، وَنِفَاسٍ، وَفَرَاغُهُ مِنْ خُرُوجِ خَارِجٍ، وَطَهُورِيَّةُ مَاءٍ، وَإِبَاحَتُهُ (فَإِنْ نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ) كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالْأَذَانِ، وَنَحْوِهِمَا (أَوِ التَّجْدِيدَ) نَاسِيًا حَدَثَهُ (فَهَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يَرْتَفِعُ، اخْتَارَهَا ابْنُ حَامِدٍ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، كَمَنْ نَوَى التَّبَرُّدَ، وَالْأُخْرَى: يَرْتَفِعُ، اخْتَارَهَا أَبُو حَفْصٍ، وَالشَّيْخَانِ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ نَوَى طَهَارَةً شَرْعِيَّةً، وَصَحَّحَ السَّامِرِيُّ أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ، إِذَا نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " إِنْ جَدَّدَ مُحْدِثٌ وُضُوءَهُ نَاسِيًا حَدَثَهُ، لَمْ يَرْتَفِعْ فِي الْأَشْهَرِ، وَفِي حُصُولِ التَّجْدِيدِ إِذَا لَمْ يَرْتَفِعِ احْتِمَالَانِ (وَإِنْ نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا) كَغُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ (فَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنِ الْوَاجِبِ) كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ (عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ، وَالْمَذْهَبُ الْإِجْزَاءُ كَعَكْسِهِ
أَحْدَاثٌ تُوجِبُ الْوُضُوءَ أَوِ الْغُسْلَ، فَنَوَى بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهَا، فَهَلْ يَرْتَفِعُ سَائِرُهَا؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَيَجِبُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى أَوَّلِ وَاجِبَاتِ الطَّهَارَةِ، وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQفَإِنْ لَمْ يَرْتَفِعِ الْوَاجِبُ حَصَلَ الْمَسْنُونُ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ الْوَاجِبُ لِأَنَّهُ أَعْلَى، فَإِنْ نَوَاهُمَا حَصَلَا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنِ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ تُوجِبُ الْوُضُوءَ أَوِ الْغُسْلَ) مُتَنَوِّعَةٌ قِيلَ: مَعًا، وَقِيلَ: أَوْ مُتَفَرِّقَةٌ (فَنَوَى بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهَا) وَقِيلَ: وَعَلَى أَنْ لَا يَرْتَفِعَ غَيْرُهُ (فَهَلْ يَرْتَفِعُ سَائِرُهَا) أَيْ: بَاقِيهَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ ذَكَرَ بِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْجَمِيعِ إِلَّا الْجَوْهَرِيَّ، وَهُوَ وَهْمٌ (عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَرْتَفِعُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّ الْأَحْدَاثَ تَتَدَاخَلُ، فَإِذَا ارْتَفَعَ الْبَعْضُ ارْتَفَعَ الْجَمِيعُ، وَالْآخَرُ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا مَا نَوَاهُ، وَقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ أَشْبَهَ مَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَعَلَى قَوْلِهِ إِذَا اغْتَسَلَتْ مَنْ هِيَ حَائِضٌ جُنُبٌ لِلْحَيْضِ، حَلَّ وَطْؤُهَا دُونَ غَيْرِهِ لِبَقَاءِ الْحُرْمَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، إِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا، وَنَوَاهُ ارْتَفَعَ عَنِ الْمَنْوِيِّ، وَإِلَّا فَلَا، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُجْزِئُ نِيَّةُ حَيْضٍ عَنْ جَنَابَةٍ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ يَرْتَفِعُ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يُجْزِئُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، وَيُجْزِئُ فِي غَيْرِهِمَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا نَوَى الْجَمِيعَ ارْتَفَعَ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ إِلَّا غُسْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ، وَالْإِنْزَالَ.
عَلَى مَسْنُونَاتِهَا، وَاسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا فِي جَمِيعِهَا، وَإِنِ اسْتَصْحَبَ حُكْمَهَا، أَجْزَأَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَيَجِبُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى أَوَّلِ وَاجِبَاتِ الطَّهَارَةِ) لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا، فَيُعْتَبَرُ وَجُودُهَا فِي أَوَّلِهَا، فَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنَ الْوَاجِبَاتِ قَبْلَ وُجُودِ النِّيَّةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بِزَمَنٍ يَسِيرٍ كَالصَّلَاةِ، وَقِيلَ: وَطَوِيلٍ مَا لَمْ يَفْسَخْهَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُهَا عَمَلٌ يَسِيرٌ (وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهَا عَلَى مَسْنُونَاتِهَا) أَيْ: يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهَا عَلَى أَوَّلِ الْمَسْنُونَاتِ مِنْهَا، كَغَسْلِ الْيَدِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَائِمًا مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، لِيَشْمَلَ مَفْرُوضَ الْوُضُوءِ وَمَسْنُونَهُ، فَلَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ، صَحَّ فِي الْأَشْهَرِ. فَرْعٌ: غُسْلُ الذِّمِّيَّةِ مِنَ الْحَيْضِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ، وَاعْتَبَرَهُ الدِّينَوَرِيُّ قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَالنَّصُّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ غُسْلٌ بِلَا نِيَّةٍ (وَاسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا فِي جَمِيعِهَا) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ أَفْضَلُ لِتَكُونَ أَفْعَالُهُ مَقْرُونَةً بِالنِّيَّةِ (وَإِنِ اسْتَصْحَبَ حُكْمَهَا أَجْزَأَهُ) وَمَعْنَاهُ أَنْ يَنْوِيَ الْمُتَطَهِّرُ فِي أَوَّلِهَا، ثُمَّ لَا يَنْوِي قَطْعَهَا فَإِنْ عَزَبَتْ عَنْ خَاطِرِهِ، وَذَهَلَ عَنْهَا لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي قَطْعِهَا كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ. فَرْعٌ إِذَا شَكَّ فِي النِّيَّةِ فِي أَثْنَاءِ طَهَارَتِهِ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَهْمًا كَالْوَسْوَاسِ فَلَا يَلْتَفِتُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بَعْدَ فَرَاغِهِ كَالشَّكِّ فِي حَدَثٍ، وَالثَّانِي: تَبْطُلُ، لِأَنَّ حُكْمَهَا بَاقٍ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ أَبْطَلَهَا فِي أَثْنَاءِ طَهَارَتِهِ بَطَلَ مَا مَضَى فِي
[صفة الوضوء]
فَصْلٌ وَصِفَةُ الْوُضُوءِ أَنْ يَنْوِيَ، ثُمَّ يُسَمِّيَ، وَيَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ، وَيَسْتَنْشِقَ ثَلَاثًا مِنْ غُرْفَةٍ، وَإِنْ شَاءَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَإِنْ شَاءَ مِنْ سِتٍّ وَهُمَا وَاجِبَانِ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَصَحِّ، وَلَمْ تَبْطُلْ فِي آخِرٍ، لِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا فَلَمْ تَبْطُلْ بِقَطْعِ النِّيَّةِ كَمَا لَوْ نَوَى قَطْعَهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْوُضُوءِ، ثُمَّ هَلْ يُتِمُّ عَلَى الْأَوَّلِ؛ يَنْبَنِي عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ. [صِفَةُ الْوُضُوءِ] فَصْلٌ (وَصِفَةُ الْوُضُوءِ) الْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْكَيْفِيَّةُ. (أَنْ يَنْوِيَ، ثُمَّ يُسَمِّيَ) وَقَدْ تَقَدَّمَا (وَيَغْسِلَ يَدَيْهِ) أَيْ: كَفَّيْهِ (ثَلَاثًا) لِأَنَّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لِأَنَّ الْيَدَيْنِ آلَةٌ لِنَقْلِ الْمَاءِ، فَاسْتَحَبَّ غَسْلَهُمَا تَحْقِيقًا لِطَهَارَتِهِمَا، وَتَنْظِيفًا لَهُمَا، وَحِينَئِذٍ فَيَتَكَرَّرُ غَسْلُهُمَا عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ مِنَ النَّوْمِ، وَفِي أَوَّلِهِ، وَمَعَ كُلِّ يَدٍ (ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ، وَيَسْتَنْشِقَ ثَلَاثًا مِنْ غَرْفَةٍ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ فَأَخَذَ غُرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ بِهَا، وَاسْتَنْشَقَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْمَضْمَضَةُ: إِدَارَةُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ، وَالِاسْتِنْشَاقُ: اجْتِذَابُ الْمَاءِ بِالنَّفَسِ إِلَى بَاطِنِ الْأَنْفِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ بِيَمِينِهِ، وَيَسْتَنْثِرَ بِيَسَارِهِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ فِي الصُّغْرَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُسَنُّ تَقْدِيمُ الْمَضْمَضَةِ عَلَيْهِ، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ يَجِبُ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ، وَلِأَنَّ الْفَمَ أَشْرَفُ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الْقِرَاءَةِ، وَالذِّكْرِ، وَغَيْرِهِمَا، وَهُمَا فِي تَرْتِيبٍ وَمُوَالَاةٍ كَغَيْرِهِمَا (وَإِنْ شَاءَ مِنْ ثَلَاثٍ) لِلْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّهُ «أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ» (وَإِنْ شَاءَ مِنْ سِتٍّ) لِأَنَّ فِي حَدِيثِ جَدِّ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ،
الطَّهَارَتَيْنِ، وَعَنْهُ: أَنَّ الِاسْتِنْشَاقَ وَحْدَهُ وَاجِبٌ فِيهِمَا، وَعَنْهُ: أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالِاسْتِنْشَاقِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَوُضُوءُهُ كَانَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فَلَزِمَ كَوْنُهُمَا مِنْ سِتٍّ، وَالْأَفْضَلُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا مِنْ غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي تَسْمِيَتِهِمَا فَرْضًا وَسُقُوطِهِمَا سَهْوًا رِوَايَتَانِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا يُسَمَّيَانِ فَرْضًا، وَلَا يَسْقُطَانِ سَهْوًا (وَهُمَا وَاجِبَانِ فِي الطَّهَارَتَيْنِ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ وَأَطْلَقَ، وَفَسَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِعْلِهِ وَتَعْلِيمِهِ: تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ فِي كُلِّ وُضُوءٍ تَوَضَّأَهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ الْإِخْلَالُ بِهِ مَعَ اقْتِصَارِهِ عَلَى الْمُجْزِئِ، وَهُوَ الْوُضُوءُ مَرَّةً مَرَّةً، وَقَوْلُهُ هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ، وَفِعْلُهُ إِذَا خَرَجَ بَيَانًا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ ذَلِكَ الْمُبَيَّنِ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَتَرَكَهُ، وَلَوْ مَرَّةً، لِتَبْيِينِ الْجَوَازِ كَمَا فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَضْمَضَةِ، وَالِاسْتِنْشَاقِ» ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَفِي حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَتَمَضْمَضْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَلِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، بِدَلِيلِ أَنَّ وَضْعَ الطَّعَامِ، وَالْخَمْرِ فِيهِمَا لَا يُوجِبُ فِطْرًا، وَلَا يَنْشُرُ حُرْمَةً، وَلَا تُوجِبُ حَدًّا، وَحُصُولُ النَّجَاسَةِ فِيهِمَا يُوجِبُ غَسْلُهُمَا، وَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِوُصُولِهِمَا إِلَيْهِمَا، وَلَا يَشُقُّ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَيْهِمَا، بِخِلَافِ بَاطِنِ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ (وَعَنْهُ: أَنَّ الِاسْتِنْشَاقَ وَحْدَهُ وَاجِبٌ فِيهِمَا لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ» ، وَفِي لَفْظٍ: «فَلْيَسْتَنْشِقْ» . وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ فَفِي الْغُسْلِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ طَرَفَ الْأَنْفِ لَا يَزَالُ مَفْتُوحًا بِخِلَافِ الْفَمِ، وَقَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ (وَعَنْهُ: أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ فِي الْكُبْرَى) لِأَنَّهُ يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ فِيهَا إِلَى
الْكُبْرَى دُونَ الصُّغْرَى. ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ، وَالذَّقَنِ طُولًا مَعَ مَا اسْتَرْسَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ، وَمِنَ الْأُذُنِ إِلَى الْأُذُنِ عَرْضًا، ـــــــــــــــــــــــــــــQبَاطِنِ الشُّعُورِ، وَنَحْوِهِ (دُونَ الصُّغْرَى) لِأَنَّ الْمَأْمُورَ فِيهَا غَسْلُ الْوَجْهِ، وَهُوَ مَا تَقَعُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ، وَلَيْسَا كَذَلِكَ، أَشْبَهَا بَاطِنَ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ، وَعَنْهُ: يَجِبَانِ فِي الْأَصْغَرِ فَقَطْ، نَقَلَهَا الْمَيْمُونِيُّ، وَعَنْهُ: يَجِبُ الِاسْتِنْشَاقُ وَحْدَهُ فِي الْأَصْغَرِ، ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَعَنْهُ: عَكْسُهَا ذَكَرَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَعَنْهُ: هُمَا سُنَّةٌ وِفَاقًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، كَانْتِثَارِهِ. (ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ) لِلنَّصِّ، فَيَأْخُذَ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا أَوْ يَغْتَرِفَ بِيَمِينِهِ، وَيَضُمَّ إِلَيْهَا الْأُخْرَى، وَيَغْسِلَ بِهَا ثَلَاثًا، لِأَنَّ السُّنَّةَ قَدِ اسْتَفَاضَتْ بِهِ، خُصُوصًا حَدِيثُ عُثْمَانَ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ (مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ) غَالِبًا، فَلَا عِبْرَةَ بِالْأَقْرَعِ الَّذِي يَنْبُتُ شَعَرُهُ فِي بَعْضِ جَبْهَتِهِ، وَلَا بِالْأَجْلَحِ الَّذِي انْحَسَرَ شَعَرُهُ عَنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ (إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ، وَالذَّقَنِ طُولًا مَعَ مَا اسْتَرْسَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ، وَمِنَ الْأُذُنِ إِلَى الْأُذُنِ عَرْضًا) لِأَنَّ ذَلِكَ تَحْصُلُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ لَيْسَا مِنَ الْوَجْهِ، وَأَنَّ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الْعِذَارِ، وَالْأُذُنِ مِنْهُ، وَنَصَّ الْخِرَقِيُّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ مِنَ الْوَجْهِ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِقَوْلِهِ هَذَا، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُلْتَحِي، فَكَذَا غَيْرُهُ، فَيَدْخُلُ فِي حَدِّ الْوَجْهِ: الْعِذَارُ: وَهُوَ الشَّعَرُ الَّذِي عَلَى الْعَظْمِ النَّاتِئِ سَمْتَ صِمَاخِ الْأُذُنِ، مُرْتَفِعًا إِلَى الصُّدْغِ، وَمُنْحَطًّا إِلَى
فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَعَرٌ خَفِيفٌ يَصِفُ الْبَشَرَةَ، وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ يَسْتُرُهَا أَجْزَأَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْعَارِضِ، وَالْعَارِضُ: هُوَ الشَّعَرُ النَّابِتُ عَلَى الْخَدِّ، وَاللَّحْيَانِ: الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ فِي أَسْفَلِ الْوَجْهِ قَدِ اكْتَنَفَاهُ، وَعَلَيْهِمَا يَنْبُتُ أَكْثَرُ اللِّحْيَةِ، وَالذَّقَنُ: وَهُوَ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ، وَالْحَاجِبَانِ، وَأَهْدَابُ الْعَيْنَيْنِ، وَالشَّارِبُ، وَالْعَنْفَقَةُ، وَلَا يَدْخُلُ صُدْغٌ، وَهُوَ الشَّعَرُ الَّذِي بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعِذَارِ مُحَاذِي رَأْسِ الْأُذُنِ، وَيَنْزِلُ عَنْ رَأْسِهَا قَلِيلًا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَاخْتُلِفَ فِي التَّحْذِيفِ، وَهُوَ الشَّعَرُ بَيْنَ انْتِهَاءِ الْعِذَارِ وَالنَّزَعَةِ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: هُوَ مِنْهُ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهُ الْأَصَحُّ، وَضَابِطُهُ أَنْ يَضَعَ طَرَفَ خَيْطٍ عَلَى رَأْسِ الْأُذُنِ، وَالطَّرَفَ الثَّانِيَ عَلَى أَعْلَى الْجَبْهَةِ، وَيَفْرِضَ هَذَا الْخَيْطَ مُسْتَقِيمًا، فَمَا نَزَلَ عَنْهُ إِلَى جَانِبِ الْوَجْهِ، فَهُوَ مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ النَّزَعَتَانِ، وَهُمَا مَا انْحَسَرَ عَنْهُ الشَّعَرُ فِي الرَّأْسِ مُتَصَاعِدًا مِنْ جَانِبَيْهِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالشِّيرَازِيُّ خِلَافَهُ، وَدَلَّ كَلَامُهُ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ اللِّحْيَةِ مَعَ مُسْتَرْسِلِهَا، أَوْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ عَرْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ غَسْلُ مَا خَرَجَ عَنْ مُحَاذَاةِ الْبَشَرَةِ طُولًا، وَعَرْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيُّ فِي الْمُسْتَرْسِلِ، كَمَا لَا يَجِبُ غَسْلُ مَا اسْتَرْسَلَ مِنَ الرَّأْسِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ اللِّحْيَةَ تُشَارِكُ الْوَجْهَ فِي مَعْنَى التَّوَجُّهِ وَالْمُوَاجَهَةِ، وَخَرَجَ مَا نَزَلَ مِنَ الرَّأْسِ عَنْهُ، لِعَدَمِ مُشَارَكَةِ الرَّأْسِ فِي التَّرَؤُّسِ. مَسْأَلَةٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ فِي مَاءِ الْوَجْهِ لِأَسَارِيرِهِ، وَدَوَاخِلِهِ، وَخَوَارِجِهِ، وَشُعُورِهِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَكَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ، ثُمَّ يَصُبَّهُ، ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ، وَقَالَ: هَذَا مَسْحٌ، وَلَيْسَ بِغَسْلٍ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ (فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَعَرٌ خَفِيفٌ يَصِفُ الْبَشَرَةَ، وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَهُ) لِأَنَّهَا لَا يُسْتَرُ مَا تَحْتَهَا، أَشْبَهَ الَّذِي لَا شَعَرَ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ غَسْلُ
غَسْلُ ظَاهِرِهِ، وَيُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُهُ. ثُمَّ يَغْسِلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، وَيُدْخِلَ الْمِرْفَقَيْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالشَّعَرِ تَبَعًا لِلْمَحَلِّ (وَإِنْ كَانَ يَسْتُرُهَا أَجْزَأَهُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ) لِحُصُولِ الْمُوَاجَهَةِ فَوَجَبَ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِهِ، بِخِلَافِ الْغَسْلِ، وَقِيلَ: لَا، كَتَيَمُّمٍ، وَقِيلَ: يَجِبُ غَسْلُهُ، وَشَعَرُ غَيْرِ اللِّحْيَةِ كَهِيَ، وَقِيلَ: يَجِبُ غَسْلُهُ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ (وَيُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُهُ) كَمَا تَقَدَّمَ. فَرْعٌ: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ شَعَرٌ خَفِيفٌ، وَكَثِيفٌ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمَهُ. (ثُمَّ يَغْسِلَ يَدَيْهِ) لِلنَّصِّ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِيهِ (إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) وَيَجِبُ غَسْلُ أَظْفَارِهِ، وَلَا يَضُرُّ وَسَخٌ يَسِيرٌ فِي الْأَصَحِّ كَبَرَاجِمِهِ، وَقِيلَ: إِنْ مَنَعَ وُصُولَ الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَهُ كَشَمْعٍ فَفِي صِحَّةِ طَهَارَتِهِ وَجْهَانِ، وَجَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ بِعَدَمِهَا، وَقِيلَ: يُسَامَحُ فَلَّاحٌ، وَنَحْوُهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا نَبَتَ لَهُ إِصْبَعٌ زَائِدَةٌ أَوْ يَدٌ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا مَعَهُ، فَلَوْ كَانَ النَّابِتُ فِي الْعَضُدِ أَوِ الْمَنْكِبِ، وَلَمْ يَتَمَيَّزِ الْأَصْلِيُّ غُسِلَا وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ تَمَيَّزَ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ مَا لَمْ يُحَاذِ الْفَرْضَ، وَكَذَا إِنْ حَاذَاهُ مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي، وَالشِّيرَازِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ: أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الْمُحَاذِي، وَإِذَا تَدَلَّتْ جِلْدَةٌ إِلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ، أَوْ مِنْهُ غُسِلَتْ، وَقِيلَ: إِنْ تَدَلَّتْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ غُسِلَتْ، وَإِلَّا فَلَا، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَإِنِ الْتَحَمَ
فِي الْغَسْلِ، ثُمَّ يَمْسَحَ رَأْسَهُ، فَيَبْدَأَ بِيَدَيْهِ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ يُمِرَّهُمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQرَأْسُهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ وَجَبَ غَسْلُ مَا فِيهِ مِنْهَا (ثَلَاثًا) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ، وَغَيْرِهِ (وَيُدْخِلُ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغَسْلِ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا تَوَضَّأَ أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقِهِ» ، وَهَذَا بَيَانٌ لِلْغَسْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ إِدْخَالُهُمَا فِيهِ، وَقَالَهُ زُفَرُ؛ لِأَنَّ " إِلَى " لِلْغَايَةِ، قُلْنَا: وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى " مَعَ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52] {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] فَبَيَّنَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهَا كَذَلِكَ، أَوْ يُقَالُ: الْيَدُ تُطْلَقُ حَقِيقَةً إِلَى الْمَنْكِبِ، وَإِلَى آخِرٍ عَدَا الْمِرْفَقِ، فَإِنْ كَانَتِ الْيَدُ لَا مِرْفَقَ لَهَا، غَسَلَ إِلَى قَدْرِ الْمِرْفَقِ فِي غَالِبِ النَّاسِ. (ثُمَّ يَمْسَحَ رَأْسَهُ) وَهُوَ فَرْضٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ النَّصُّ، وَهُوَ مَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ الشَّعَرُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ غَالِبُ النَّاسِ، فَلَا يُعْتَبَرُ الْأَقْرَعُ، وَلَا الْأَجْلَحُ، كَمَا سَبَقَ فِي حَدِّ الْوَجْهِ (فَيَبْدَأَ بِيَدَيْهِ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ يُمِرَّهَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدَّهُمَا إِلَى مُقَدَّمِهِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَفِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ ": يَضَعُ طَرَفَ
يَرُدَّهُمَا إِلَى مُقَدَّمِهِ، وَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ مَعَ الْأُذُنَيْنِ وَعَنْهُ: يُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرِهِ وَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQإِحْدَى سَبَّابَتَيْهِ عَلَى طَرَفِ الْأُخْرَى، وَيَضَعُهُمَا عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَيَضَعُ الْإِبْهَامَيْنِ عَلَى الصُّدْغَيْنِ، ثُمَّ يُمِرُّ يَدَيْهِ إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ فِي وَصْفِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فَمَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا خَافَ أَنْ يَنْتَفِشَ شَعَرُهُ بِرَدِّ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، بَلْ يَمْسَحُ إِلَى قَفَاهُ فَقَطْ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، وَعَنْهُ: يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِهِ، وَيَخْتِمُ بِهِ، وَعَنْهُ: تَبْدَأُ هِيَ مِنْ وَسَطِهِ إِلَى مُقَدَّمِهِ، ثُمَّ مِنَ الْوَسَطِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ ": وَكَيْفَ مَسَحَ بَعْدَ اسْتِيعَابِ قَدْرِ الْوَاجِبِ أَجْزَأَهُ، وَيُجْزِئُ بَعْضُ يَدِهِ، وَبِحَائِلٍ فِي الْأَصَحِّ، وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. (وَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ) هَذَا ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَمُخْتَارُ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَالسَّامِرِيُّ: أَنَّهُ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِمَسْحِ الرَّأْسِ، وَبِمَسْحِ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ، وَهُوَ يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ فِيهِ، فَكَذَا هُنَا إِذْ لَا فَرْقَ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسَحَ جَمِيعَهُ، وَفِعْلُهُ وَقَعَ بَيَانًا لِلْآيَةِ، وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ أَيْ: إِلْصَاقِ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: أَلْصِقُوا الْمَسْحَ بِرُءُوسِكُمْ أَيِ: الْمَسْحَ بِالْمَاءِ، وَهَذَا بِخِلَافِ لَوْ قِيلَ: امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ، ثَمَّ شَيْءٌ مُلْصَقٌ، كَمَا يُقَالُ: مَسَحْتُ رَأْسَ الْيَتِيمِ، وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ الْبَاءَ إِذَا وَلِيَتْ فِعْلًا مُتَعَدِّيًا أَفَادَتِ التَّبْعِيضَ فِي مَجْرُورِهَا لُغَةً، فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ، وَلِإِنْكَارِ الْأَئِمَّةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ دُرَيْدٍ، وَابْنَ عَرَفَةَ عَنِ الْبَاءِ تُبَعِّضُ؛ فَقَالَا: لَا نَعْرِفُهُ فِي اللُّغَةِ، وَقَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبَاءَ تُبَعِّضُ فَقَدْ جَاءَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بِمَا لَا يَعْرِفُونَهُ، وَقَوْلُهُ {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6] ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَمِنْ بَابِ التَّضْمِينِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: تُرْوَى، وَمَا «رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعَ الْعِمَامَةِ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ اسْتِيعَابُ ظَاهِرِهِ كُلِّهِ، لَكِنِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQاسْتَثْنَى فِي " الْمُتَرْجِمِ "، و" الْمُبْهِجِ " الْيَسِيرَ لِلْمَشَقَّةِ (مَعَ الْأُذُنَيْنِ) أَيْ: يَجِبُ مَسْحُهُمَا مَعَ الرَّأْسِ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَسْحُهُمَا، وَإِنْ وَجَبَ الِاسْتِيعَابُ، لِأَنَّهُمَا مِنْهُ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً، لِأَنَّ الرَّأْسَ عِنْدَ إِطْلَاقِ لَفْظِهِ يَتَنَاوَلُ مَا عَلَيْهِ الشَّعَرُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مَسْحُهُمَا عَنْهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِإِجْزَاءِ الْبَعْضِ قَالَهُ الْجُمْهُورُ (وَعَنْهُ: يُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرِهِ) لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْجَمِيعِ كَمَا يُقَالُ جَاءَ الْعَسْكَرُ، وَالْمُرَادُ أَكْثَرُهُ، وَلِأَنَّ إِيجَابَ الْكُلِّ قَدْ يُفْضِي إِلَى الْحَرَجِ غَالِبًا، وَأَنَّهُ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، فَإِنْ تَرَكَ الثَّلَاثَ فَمَا دُونَ، جَازَ، وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُ بَعْضُهُ، وَفِي " الِانْتِصَارِ ": فِي التَّجْدِيدِ، وَفِي " التَّعْلِيقِ ": لِلْعُذْرِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَنَّهُ يَمْسَحُ مَعَهُ الْعِمَامَةَ، وَيَكُونُ كَالْجَبِيرَةِ فَلَا تَوْقِيتَ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُ بَعْضُهُ لِلْمَرْأَةِ، وَهِيَ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ الْخَلَّالِ وَالْمُؤَلِّفِ; لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهَا، وَعَنْهُ: قَدْرَ النَّاصِيَةِ، وَفِي تَعْيِينِهَا وَجْهَانِ، وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عِنْدَ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَقِيلَ: قُصَاصُ الشَّعَرِ. تَذْنِيبٌ: إِذَا مَسَحَ بَشَرَةَ رَأْسِهِ دُونَ ظَاهِرِ شَعَرِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَكَذَا إِذَا مَسَحَ مَا نَزَلَ عَنِ الرَّأْسِ مِنَ الشَّعَرِ، وَلَوْ كَانَ مَعْقُوصًا عَلَى الرَّأْسِ، وَإِنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلًا عَنْ مَسْحِهِ، ثُمَّ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ جَازَ فِي الْأَشْهَرِ، وَكَذَا الْخُفُّ وَالْجَبِيرَةُ، قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنَّمَا يُجْزِئُ الْغَسْلُ عَنْهُ إِذَا نَوَاهُ بِهِ، فَلَوْ أَصَابَ رَأْسَهُ مَاءٌ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، ثُمَّ مَسَحَهُ بِيَدِهِ بَعْدَ نِيَّةِ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ فِي الْأَقْيَسِ، وَالثَّانِي: لَا، كَمَا لَوْ وَضَعَ يَدَهُ مَبْلُولَةً عَلَى رَأْسِهِ، وَلَمْ يُمِرَّهَا عَلَيْهِ، أَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ خِرْقَةً مَبْلُولَةً، أَوْ بَلَّهَا عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ خِضَابٌ فَمَسَحَ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهُ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَيُدْخِلَهُمَا فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهُ) فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ وَاحِدَةً، وَلِأَنَّهُ مَسَحَ فِي طَهَارَةٍ عَنْ حَدَثٍ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ تَكْرَارُهُ، كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَفِي التَّيَمُّمِ (وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ) قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِهِ: وَالثَّلَاثُ أَفْضَلُ، وَفِيهِ نَظَرٌ - بِمَاءٍ جَدِيدٍ، نَصَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، لِمَا رَوَى عُثْمَانُ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي الطَّهَارَةِ فَسُنَّ تَكْرَارُهُ كَالْوَجْهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَحَادِيثُ عُثْمَانَ الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالُوا فِيهَا: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا كَمَا ذَكَرُوا فِي غَيْرِهِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": أَحَادِيثُهُمْ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ صَرِيحٌ، لَا يُقَالُ: إِنَّ مَسْحَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَرَّةً وَاحِدَةً لِتَبْيِينِ الْجَوَازِ، وَثَلَاثًا لِتَبْيِينِ الْفَضِيلَةِ كَمَا فَعَلَ فِي الْغَسْلِ، لِأَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي هَذَا طَهُورُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ طَهُورٌ عَلَى الدَّوَامِ. فَرْعٌ: إِذَا زَالَ شَعَرُهُ بَعْدَ غَسْلِهِ، أَوْ مَسْحِهِ، أَوْ ظُفُرٌ، أَوْ عُضْوٌ، لَمْ يُؤَثِّرْ فِي طَهَارَتِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ: بَلَى، وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ. (ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ) لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ (ثَلَاثًا) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ (إِلَى الْكَعْبَيْنِ)
الْغَسْلِ، وَيُخَلِّلَ أَصَابِعَهُ، فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَإِنْ لَمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَيْ: كُلُّ رِجْلٍ تُغْسَلُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَلَوْ أَرَادَ كِعَابَ جَمِيعِ الْأَرْجُلِ لَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] ، لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ يَقْتَضِي تَوْزِيعَ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ، كَقَوْلِكَ رَكِبَ الْقَوْمُ دَوَابَّهُمْ. وَالْكَعْبَانِ: هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ اللَّذَانِ فِي أَسْفَلِ السَّاقِ مِنْ جَانِبَيِ الْقَدَمِ، وَقَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: «كَانَ أَحَدُنَا يُلْصِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ فِي الصَّلَاةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَوْ كَانَ مُشْطُ الْقَدَمِ لَمْ يَسْتَقِمْ ذَلِكَ (وَيُدْخِلَهُمَا فِي الْغَسْلِ) كَمَا سَبَقَ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. (وَيُخَلِّلَ أَصَابِعَهُ) وَقَدْ تَقَدَّمَ (فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ، غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ) مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ (سَقَطَ) لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ. فَلَوْ قُطِعَ مِنَ الْمِرْفَقِ غَسَلَ رَأْسَ الْعَضُدِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُسْتَحَبُّ مَسْحُ طَرَفِهِ، صَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ. فَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، وَلَمْ يُسْتَحَبَّ مَسْحُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي " الشَّرْحِ " لِئَلَّا يَخْلُوَ الْعُضْوُ عَنْ طَهَارَةٍ، وَهُوَ مَوْضِعُ التَّحْجِيلِ، فَأَمَّا الْمُتَيَمِّمُ إِذَا قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ مَفْصِلِ الْكُوعِ سَقَطَ مَسْحُ مَا بَقِيَ هُنَاكَ، وَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ فِي الْغُسْلِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَا مَسْحُ الْكَفَّيْنِ، وَقَدْ رَمَيَا، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، فَإِنَّ الْمِرْفَقَ مِنْ جُمْلَةِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، وَالْمَنْصُوصُ: وُجُوبُ الْمَسْحِ أَيْضًا، لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مَسْحُ الْيَدِ إِلَى الْكُوعِ.
يَبْقَ شَيْءٌ سَقَطَ، ثُمَّ يَرْفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَيَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَتُبَاحُ مَعُونَتُهُ وَتَنْشِيفُ أَعْضَائِهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفَرْعٌ: إِذَا تَبَرَّعَ بِتَطْهِيرِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَيَتَوَجَّهُ: لَا، وَيَتَيَمَّمُ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ لَزِمَهُ، وَقِيلَ: لَا، لِتَكَرُّرِ الضَّرَرِ دَوَامًا فَإِنْ عَجَزَ صَلَّى، وَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ، كَعَادِمِ الطَّهُورَيْنِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ فِي اسْتِنْجَاءٍ مِثْلُهُ، وَفِي الْمَذْهَبِ: يَلْزَمُهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَزِيَادَةٍ لَا تُجْحِفُ فِي وَجْهٍ. (ثُمَّ يَرْفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَيَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ" وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ «ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ» قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْغَسْلِ، وَلَمْ يَذْكُرُوهُ. (وَتُبَاحُ مَعُونَتُهُ) كَتَقْرِيبِ مَاءِ الْوَضُوءِ، أَوِ الْغُسْلِ إِلَيْهِ، أَوْ صَبِّهِ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ، إِذْ نَزَلَ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ مِنْ إِدَاوَةٍ كَانَتْ مَعِي، فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ، وَيَقِفُ عَنْ يَسَارِهِ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ.
[المفاضلة بين أعضاء الوضوء]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفَرْعٌ: إِذَا وَضَّأَهُ غَيْرُهُ اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ فِي الْمُتَوَضِّئِ، لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ، وَقِيلَ: مَعَ نِيَّةِ مَنْ وَضَّأَهُ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَوْ وَضَّأَهُ غَيْرُهُ، وَلَا عُذْرَ، كُرِهَ، وَأَجْزَأَهُ، وَعَنْهُ: لَا، وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ. (وَتَنْشِيفُ أَعْضَائِهِ) مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فِيهِمَا، لِمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: «زَارَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَنْزِلِنَا، فَأَمَرَ لَهُ سَعْدٌ بِغُسْلٍ، فَوُضِعَ لَهُ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ نَاوَلَهُ مِلْحَفَةً مَصْبُوغَةً بِزَعْفَرَانٍ، أَوْ وَرْسٍ، فَاشْتَمَلَ بِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَعَنْهُ: يُكْرَهَانِ كَنَفْضِ يَدِهِ، لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَلَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطَانِ» رَوَاهُ الْمَعْمَرِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ لَكِنْ قِيلَ لِأَحْمَدَ عَنْ مَسْحِ بَلَلِ الْخُفِّ فَكَرِهَهُ، وَقَالَ: لَا أَدْرِي لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ (وَلَا يُسْتَحَبُّ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ إِزَالَةُ أَثَرِ الْعِبَادَةِ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ كَإِزَالَةِ دَمِ الشَّهِيدِ، وَلَوْ كَانَ أَفْضَلَ لَدَاوَمَ عَلَيْهِ. [الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ] 1 مَسَائِلُ: الْأُولَى: الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَنْهُ: تُكْرَهُ، إِذْ لَا مُفَاضَلَةَ بَيْنَهَا كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ، وَيُعْمَلُ فِي عَدَدِهَا بِالْأَقَلِّ، وَفِي " النِّهَايَةِ ": بِالْأَكْثَرِ. الثَّانِيَةُ: يُسَنُّ التَّجْدِيدُ لِكُلِّ صَلَاةٍ لِلْأَخْبَارِ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ»
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَعَنْهُ: لَا، كَمَا لَا يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُ الْغُسْلِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ: الْمُدَاوَمَةُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ. وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَمَاعَةٌ وُجُوبَ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ: لَا يُصَلِّي بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ، وَخَصَّهَا قَوْمٌ بِالْمُسَافِرِ. الثَّالِثَةُ: يُبَاحُ غُسْلٌ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ إِنْ لَمْ يُؤْذِ بِهِ أَحَدًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَإِنْ نَجُسَ الْمُنْفَصِلُ حَرُمَ كَاسْتِنْجَاءٍ، وَرِيحٍ، وَهَلْ تُكْرَهُ إِرَاقَتُهُ فِيمَا يُدَاسُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَيُكْرَهُ فِي مَسْجِدٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَا يُغَسَّلُ فِيهِ مَيِّتٌ: قَالَ: وَيَجُوزُ عَمَلُ مَكَانٍ لِلْوُضُوءِ لِلْمَصْلَحَةِ بِلَا مَحْذُورٍ. الرَّابِعَةُ: إِذَا بَقِيَ لُمْعَةٌ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَهَلْ يُجْزِئُ مَسْحُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ مَعَ التَّرْتِيبِ، وَالْمُوَالَاةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. الْخَامِسَةُ: يُكْرَهُ الْكَلَامُ عَلَى الْوُضُوءِ، وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ، وَكَذَا السَّلَامُ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ لَا يُكْرَهُ السَّلَامُ، وَلَا الرَّدُّ، وَإِنْ كَانَ عَلَى طُهْرٍ فَهُوَ أَكْمَلُ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَكَذَا فِي كُلِّ عِبَادَةٍ إِلَّا لِدَلِيلٍ. السَّادِسَةُ: الْحَدَثُ يَحُلُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ كَالْجَنَابَةِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. السَّابِعَةُ: يَجِبُ الْوُضُوءُ بِالْحَدَثِ، وَقِيلَ: بِإِرَادَةِ الصَّلَاةِ بَعْدُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَذَكَرَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ إِذَنْ، وَوُجُوبِ الشَّرْطِ بِوُجُوبِ الْمَشْرُوطِ، وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي غُسْلٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ لَفْظِي. فَائِدَةٌ: الْحِكْمَةُ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْوُضُوءِ دُونَ غَيْرِهَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مَا يَتَحَرَّكُ لِلْمُخَالَفَةِ أَسْرَعَ مِنْهَا، فَأَمَرَ بِغَسْلِهَا ظَاهِرًا تَنْبِيهًا عَلَى طَهَارَتِهَا الْبَاطِنَةِ، وَرَتَّبَ غَسْلَهَا عَلَى تَرْتِيبِ سُرْعَةِ الْحَرَكَةِ فِي الْمُخَالَفَةِ، فَأَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ، وَفِيهِ الْفَمُ وَالْأَنْفُ، فَابْتَدَأَ بِالْمَضْمَضَةِ، لِأَنَّ اللِّسَانَ أَكْثَرُ الْأَعْضَاءِ وَأَشَدُّهَا حَرَكَةً، لِأَنَّ غَيْرَهُ قَدْ
[المسح على الخفين]
بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQيَسْلَمُ، وَهُوَ كَثِيرُ الْعَطَبِ قَلِيلُ السَّلَامَةِ غَالِبًا، ثُمَّ بِالْأَنْفِ لِيَنُوبَ عَمَّا يَشُمُّ بِهِ، ثُمَّ بِالْوَجْهِ لِيَنُوبَ عَمَّا نَظَرَ، ثُمَّ بِالْيَدَيْنِ لِتَنُوبَ عَنِ الْبَطْشِ، ثُمَّ خَصَّ الرَّأْسَ بِالْمَسْحِ، لِأَنَّهُ مُجَاوِرٌ لِمَنْ تَقَعُ مِنْهُ الْمُخَالَفَةُ، ثُمَّ بِالْأُذُنِ لِأَجْلِ السَّمَاعِ، ثُمَّ بِالرِّجْلِ لِأَجْلِ الْمَشْيِ، ثُمَّ أَرْشَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى تَجْدِيدِ الْإِيمَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ. [الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ] [حُكْمُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ] بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَفِي " الْفُرُوعِ " مَسْحُ الْحَائِلِ، وَهُوَ أَوْلَى لِشُمُولِهِ، وَأَعْقَبَهُ لِلْوُضُوءِ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إِلَى مَسْحِ الْحَائِلِ أَتَى بِهِ بَعْدَهُ، وَهُوَ رُخْصَةٌ، وَعَنْهُ: عَزِيمَةٌ، وَمِنْ فَوَائِدِهَا: الْمَسْحُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَيُعْتَبَرُ الْمَسْحُ عَلَى لَابِسِهِ، وَيَرْفَعُ الْحَدَثَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَأَصْحَابَهُ إِنَّمَا طَلَبُوا الْأَفْضَلَ، وَفِيهِ مُخَالَفَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَعَنْهُ: الْغَسْلُ، لِأَنَّهُ الْمَفْرُوضُ وِفَاقًا، وَعَنْهُ: هُمَا سَوَاءٌ لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِهِمَا، وَقِيلَ: الْمَسْحُ أَفْضَلُ إِنْ لَمْ يُدَاوِمْهُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُلْبَسَ لِيُمْسَحَ، كَالسَّفَرِ لِيَتَرَخَّصَ. (يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ) وَهُوَ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الصَّرِيحَةِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ: رَوَى الْمَسْحَ سَبْعُونَ نَفْسًا فِعْلًا مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَوْلًا، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي قَلْبِي مِنَ الْمَسْحِ شَيْءٌ، فِيهِ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْتُ: وَمِنْ أُمَّهَاتِهَا حَدِيثُ جَرِيرٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ ذَلِكَ، لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ الْوَارِدُ فِيهَا بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ نَاسِخًا لِلْمَسْحِ، كَمَا صَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ
[حكم المسح على الجرموقين والجوربين]
وَالْجُرْمُوقَيْنِ، وَالْجَوْرَبَيْنِ. وَالْعِمَامَةِ وَالْجَبَائِرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالصَّحَابَةِ، وَقَدِ اسْتَنْبَطَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْقُرْآنِ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ (وَأَرْجُلِكُمْ) بِالْجَرِّ، وَحَمْلُ قِرَاءَةِ النَّصْبِ عَلَى الْغَسْلِ لِئَلَّا تَخْلُوَ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ عَنْ فَائِدَةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ حَتَّى لِزَمِنٍ، وَامْرَأَةٍ، وَمَنْ لَهُ رِجْلٌ وَاحِدَةٌ، لَمْ يَبْقَ مِنْ فَرْضِ الْأُخْرَى شَيْءٌ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْحَاجُّ إِذَا لَبِسَهُمَا لِحَاجَةٍ. [حُكْمُ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ] (وَالْجُرْمُوقَيْنِ) لِمَا رَوَى بِلَالٌ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى الْمُوقَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، أَشْبَهَ الْخُفَّ. تَنْبِيهٌ: الْمُوقُ هُوَ الْجُرْمُوقُ، وَهُوَ خُفٌّ صَغِيرٌ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ مِثَالُ الْخُفِّ يُلْبَسُ فَوْقَهُ لَا سِيَّمَا فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ، وَكَذَا كُلُّ كَلِمَةٍ فِيهَا جِيمٌ وَقَافٌ. (وَالْجَوْرَبَيْنِ) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَالنَّعْلَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ حَتَّى قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: النَّاسُ كُلُّهُمْ يَرْوُونَهُ عَلَى الْخُفَّيْنِ غَيْرَ أَبِي قَيْسٍ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ لَا يُحَدِّثُ بِهِ، لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنِ الْمُغِيرَةِ الْخُفَّيْنِ، وَهَذَا لَا يَصْلُحُ مَانِعًا لِجَوَازِ رِوَايَةِ اللَّفْظَيْنِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّعْلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ النَّعْلَيْنِ، كَمَا لَا يُقَالُ: مَسَحْتُ الْخُفَّ وَنَعْلَهُ، وَلِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ مَسَحُوا عَلَيْهِمَا، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ لِلْقَدَمِ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ أَشْبَهَ الْخُفَّ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْمُجَلَّدِ وَالْمُنَعَّلِ، وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى جَوْرَبِ الْخِرَقِ، وَهُوَ أَشْهَرُ، وَعَنْهُ: لَا، وَجَزَمَ بِهَا فِي " التَّلْخِيصِ "، فَإِنْ
[حكم المسح على العمامة والجبائر]
وَفِي الْمَسْحِ عَلَى الْقَلَانِسِ، وَخُمُرِ النِّسَاءِ الْمُدَارَةِ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ رِوَايَتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQثَبَتَ بِفِعْلٍ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ مَسَحَهُمَا فِي قَوْلِ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَعَنْهُ: أَوْ أَحَدُهُمَا، وَقِيلَ: يَمْسَحُ الْجَوْرَبَ وَحْدَهُ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ ": الظَّاهِرُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنَّمَا مَسَحَ عَلَى سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ، فَأَمَّا أَسْفَلَهُ وَعَقِبَهُ فَلَا يُسَنُّ مَسْحُهُ فِي الْخُفِّ، فَكَذَا النَّعْلُ، وَيَبْطُلُ الْوُضُوءُ، وَقِيلَ: بَلِ الْمَسْحُ بِخَلْعِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسَحَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْمَسْحِ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ قَدَمُ الْمَاسِحِ. فَائِدَةٌ: الْجَوْرَبُ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ غِشَاءٌ مِنْ صُوفٍ يُتَّخَذُ لِلدِّفْءِ. [حُكْمُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْجَبَائِرِ] (وَالْعِمَامَةِ) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ: «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَلِأَنَّ الرَّأْسَ يَسْقُطُ فَرْضُهُ فِي التَّيَمُّمِ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلِهِ كَالْقَدَمَيْنِ، وَخَالَفَ فِيهِ الْأَكْثَرُ. (وَالْجَبَائِرِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «انْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، وَقَدْ كَذَّبَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ صَاحِبِ الشَّجَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّهُ مَسْحٌ عَلَى حَائِلٍ أُبِيحَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَالْخُفِّ. فَائِدَةٌ: الْجَبَائِرُ وَاحِدَتُهَا جَبِيرَةٌ، وَهِيَ أَخْشَابٌ أَوْ نَحْوُهَا، تُوضَعُ عَلَى الْكَسْرِ لِيَنْجَبِرَ. [حُكْمُ الْمَسْحِ عَلَى الْقَلَانِسِ وَخُمُرِ النِّسَاءِ] (وَفِي الْمَسْحِ عَلَى الْقَلَانِسِ) وَاحِدُهَا قَلَنْسُوَةٌ، وَأَرَادَ بِهِ الْمُبَطَّنَاتِ كَدَنِيَّاتِ الْقُضَاةِ، وَالنَّوْمِيَّاتِ، نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ ": أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا كَكِلَّةٍ، وَلِأَنَّهَا أَدْنَى مِنْ عِمَامَةٍ غَيْرِ مُحَنَّكَةٍ، وَلَا ذُؤَابَةَ
[شروط المسح على الخفين والجبيرة ونحوهما]
وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَلْبَسَ الْجَمِيعَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ إِلَّا الْجَبِيرَةَ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَهَا، وَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَالَ: رُوِيَ عَنْ رَجُلَيْنِ صَحَابِيَّيْنِ: عُمَرَ، وَأَبِي مُوسَى، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا، وَلِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ مُعْتَادٌ سَاتِرٌ لِلرَّأْسِ أَشْبَهَ الْعِمَامَةَ الْمُحَنَّكَةَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الطَّاقِيَّةَ لَا يُمْسَحُ عَلَيْهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ (وَخُمُرِ النِّسَاءِ) وَاحِدُهَا: خِمَارٌ، وَهُوَ الْقِنَاعُ الَّذِي تُغَطِّي بِهِ رَأْسَهَا (الْمُدَارَةِ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ رِوَايَتَانِ) وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَجُوزُ، لِمَا رَوَى بِلَالٌ قَالَ: «مَسَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَالْخِمَارِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «امْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ يَشُقُّ نَزْعُهُ، أَشْبَهَ الْعِمَامَةَ الْمُحَنَّكَةَ، وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ بِالْمَسْحِ مِنْ تَحْتِهِ، وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ كَالْوِقَايَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُدَارًا تَحْتَ حَلْقِهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا. [شُرُوطُ الْمَسْحِ على الخفين والجبيرة ونحوهما] (وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَلْبَسَ الْجَمِيعَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَالْمَجْزُومُ بِهِ عِنْدَ الْمُعْظَمِ، لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالطُّهْرُ الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ، وَلِأَنَّ مَا اشْتُرِطَتْ لَهُ الطَّهَارَةُ اشْتَرَطَ كَمَالَهَا كَمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، اخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ «قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَهُوَ أَعَمُّ أَنْ يُوجِدَ ذَلِكَ مَعًا، أَوْ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى، لِأَنَّ حَدَثَهُ حَصَلَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَاللُّبْسِ، فَجَازَ الْمَسْحُ كَمَا لَوْ نَزَعَ الْأَوَّلَ، ثُمَّ لَبِسَهُ، فَلَوْ غَسَلَ رِجْلًا، ثُمَّ أَدْخَلَهَا الْخُفَّ خَلَعَ، ثُمَّ لَبِسَ بَعْدَ غَسْلِ الْأُخْرَى، وَإِنْ لَبِسَ الْأُولَى طَاهِرَةً، ثُمَّ الثَّانِيَةَ، خَلَعَ الْأُولَى، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ: وَخَلَعَ الثَّانِيَةَ، وَلَوْ نَوَى جُنُبٌ رَفْعَ حَدَثَيْهِ، وَغَسْلَ رِجْلَيْهِ، وَأَدْخَلَهُمَا الْخُفَّ، ثُمَّ تَمَّمَ طَهَارَتَهُ، أَوْ فَعَلَهُ مُحْدِثٌ، وَلَمْ يَعْتَبِرِ التَّرْتِيبَ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ، وَعَلَى الْأُولَى: لَا، وَكَذَا لُبْسُ عِمَامَةٍ قَبْلَ طُهْرٍ كَامِلٍ، فَلَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ لَبِسَهَا، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، مَسَحَ عَلَى الثَّانِيَةِ، وَعَلَى الْأُولَى يَخْلَعُ ثُمَّ يَلْبَسُ، وَكَذَا يَنْبَنِي عَلَيْهِمَا: لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ بَقِيَّةَ أَعْضَائِهِ، وَقُلْنَا: لَا تَرْتِيبَ، وَإِنْ تَيَمَّمَ ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ حَدَثًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: بِالْجَوَازِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ رَافِعٌ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا فِيمَنْ تَيَمُّمُهُ لِعَدَمِ الْمَاءِ، أَمَّا مَنْ تَيَمَّمَ لِمَرَضٍ كَالْجَرِيحِ، وَنَحْوِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَتَعْلِيلُهُمْ يَقْتَضِيهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، ثُمَّ لَبِسَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ مِنْهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَهُ الْمَسْحُ، وَلَا يَمْسَحُ عَلَى طَهَارَةٍ لَا تُبِيحُ الصَّلَاةَ غَيْرِ هَذِهِ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِأَصْحَابِ الْأَعْذَارِ كَمَنَ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَنَحْوِهِمَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، لِأَنَّ طَهَارَتَهُمْ فِي حَقِّهِمْ كَامِلَةٌ. فَلَوْ زَالَ الْعُذْرُ لَزِمَهُمُ الْخَلْعُ، وَاسْتِئْنَافُ الطَّهَارَةِ كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ بِخِلَافِ ذِي الطُّهْرِ الْكَامِلِ يَخْلَعُ، أَوْ تَنْقَضِي الْمُدَّةُ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ اشْتِرَاطُ تَقَدُّمِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ. قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَحَكَى الشِّيرَازِيُّ رِوَايَةً بِعَدَمِهِ رَأْسًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَوْ لَبِسَ مُحْدِثًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ، وَهُوَ غَرِيبٌ بَعِيدٌ. مَسْأَلَةٌ: يُكْرَهُ اللُّبْسُ عَلَى طَهَارَةٍ يُدَافِعُ أَحَدَ الْأَخْبَثَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلصَّلَاةِ أَشْبَهَ الصَّلَاةَ. (إِلَّا الْجَبِيرَةَ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ قَدَّمَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " فِيهِ، وَالْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِلْأَخْبَارِ، وَلِلْمَشَقَّةِ، لِأَنَّ الْجُرْحَ يَقَعُ فَجْأَةً، أَوْ فِي وَقْتٍ لَا يَعْلَمُ الْمَاسِحُ وُقُوعَهُ فِيهِ، وَالثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، و" الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ مَسْحٌ عَلَى حَائِلٍ، أَشْبَهَ الْخُفَّ، فَعَلَيْهَا حُكْمُهَا حُكْمُ الْخُفِّ فِي الطَّهَارَةِ، فَإِنْ شَدَّ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ نَزَعَ، وَإِنْ شَقَّ نَزْعُهَا تَيَمَّمَ لَهَا، وَقِيلَ: وَيَمْسَحُ، وَقِيلَ: هُمَا، وَكَذَا لَوْ تَعَدَّى بِالشَّدِّ مَحَلَّ الْحَاجَةِ وَخَافَ، وَإِنْ كَانَ شَدٌّ عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا حَائِلًا، فَإِنْ كَانَ جَبِيرَةً جَازَ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَكَذَا لُبْسُهُ خُفًّا عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عِمَامَةً أَوْ عَكْسُهُ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَتْ فِي رِجْلِهِ، وَقَدْ مَسَحَ عَلَيْهَا، ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْخِلَافَ رَاجِعٌ إِلَى مَا عَدَا الْجَبِيرَةَ مِنَ الْمَمْسُوحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهَا، وَهُوَ وَإِنْ قَرُبَ فَفِيهِ بُعْدٌ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهَا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْكَمَالِ، وَأَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا عَدَاهَا أَشْهَرُ مِنَ الْخِلَافِ فِيهَا، فِيهِ نَظَرٌ وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ. فَرْعٌ: الدَّوَاءُ كَجَبِيرَةٍ، وَلَوْ جَعَلَ فِي شِقٍّ قَارًا، وَتَضَرَّرَ بِقَلْعِهِ، فَعَنْهُ: يَتَيَمَّمُ لِلنَّهْيِ عَنِ الْكَيِّ، وَعَنْهُ: لَهُ الْمَسْحُ كَمَا لَوْ أَلْقَمَ إِصْبُعَهُ مَرَارَةً لِحَاجَةٍ، وَشَقَّ نَزْعُهَا، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: يَغْسِلُهُ، وَعِنْدَ الْقَاضِي: إِنْ خَافَ تَلَفًا صَلَّى وَأَعَادَ.
[مدة المسح للمقيم والمسافر]
وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّا الْجَبِيرَةَ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا إِلَى حَلِّهَا، أَوْ بُرْئِهَا، وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ، وَعَنْهُ: مِنَ الْمَسْحِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [مدة المسح للمُقِيم وَالْمُسَافِر] (وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ) لِأَخْبَارٍ: مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: سَلْ عَلِيًّا فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: هُوَ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ» ، وَالْمُرَادُ بِهِ سَفَرُ الْقَصْرِ، لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الرُّخَصُ، فَإِنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، أَوْ مُحْرِمًا مَسَحَ كَالْمُقِيمِ، جَعْلًا لِوُجُودِ هَذَا السَّفَرِ كَعَدَمِهِ، وَحِينَئِذٍ يَخْلَعُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَإِنْ خَافَ، أَوْ تَضَرَّرَ رَفِيقُهُ بِانْتِظَارِهِ تَيَمَّمَ، فَلَوْ مَسَحَ وَصَلَّى أَعَادَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَمْسَحُ كَالْجَبِيرَةِ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقِيلَ: يَمْسَحُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ كَغَيْرِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ، وَقِيلَ: لَا يَمْسَحُ أَصْلًا عُقُوبَةً لَهُ (إِلَّا الْجَبِيرَةَ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا إِلَى حَلِّهَا، أَوْ بُرْئِهَا) لِأَنَّ مَسْحَهَا لِلضَّرُورَةِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا (وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ) أَيْ: مِنْ وَقْتِ جَوَازِ مَسْحِهِ بَعْدَ حَدَثِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كُنَّا سَفْرًا، أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أَنَّهَا تُنْزَعُ لِثَلَاثٍ يَمْضِينَ مِنَ الْغَائِطِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فَاعْتُبِرَ أَوَّلُ وَقْتِهَا مِنْ حِينِ جَوَازِ فِعْلِهَا كَالصَّلَاةِ، فَلَوْ مَضَى
بَعْدَهُ، وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا، ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ، وَإِنْ مَسَحَ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ، أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنَ الْحَدَثِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَوْ ثَلَاثَةٌ إِنْ كَانَ مُسَافِرًا، وَلَمْ يَمْسَحْ، انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، وَمَا لَمْ يُحْدِثْ لَا تُحْتَسَبُ الْمُدَّةُ، فَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ لُبْسِهِ يَوْمًا عَلَى طَهَارَةِ اللُّبْسِ، ثُمَّ أَحْدَثَ، اسْتَبَاحَ بَعْدَ الْحَدَثِ الْمُدَّةَ (وَعَنْهُ: مِنَ الْمَسْحِ بَعْدَهُ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: امْسَحْ إِلَى مِثْلِ سَاعَتِكَ الَّتِي مَسَحْتَ فِيهَا. خَرَّجَهُ الْخَلَّالُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثًا» فَلَوْ كَانَ أَوَّلُهُ الْحَدَثَ لَمْ يُتَصَوَّرْ، إِذِ الْحَدَثُ لَا بُدَّ أَنْ يَسْبِقَ الْمَسْحَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتِ جَوَازِ الْمَسْحِ، وَأَمَّا تَقْدِيرُهُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدَّرَهُ بِالْوَقْتِ دُونَ الْفِعْلِ، فَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ الْمُقِيمُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْمَسْحِ سِتَّ صَلَوَاتٍ، يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَمْسَحُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَيُصَلِّيهَا فِيهِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْجَمْعَ أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ سَبْعَ صَلَوَاتٍ، وَالْمُسَافِرُ أَنْ يُصَلِّيَ سِتَّ عَشْرَةَ صَلَاةً، وَإِنْ جَمَعَ فَسَبْعَ عَشْرَةَ صَلَاةً. (وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ) كَمَا فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ طَرَفَيْهَا فِي الْحَضَرِ غَلَبَ حُكْمُهُ، وَلَوْ تَلَبَّسَ بِصَلَاةٍ فِي سَفِينَةٍ، فَدَخَلَتِ الْإِقَامَةُ فِي أَثْنَائِهَا بَطُلَتْ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": فِي الْأَشْهَرِ، وَقَوْلُهُ: أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ مُرَادُهُ: إِذَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ، فَإِنِ اسْتَكْمَلَهَا خَلَعَ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ لِتَغْلِيبِ جَانِبِ الْحَضَرِ، وَذَكَرَ الشِّيرَازِيُّ أَنَّهُ إِذَا مَسَحَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ (وَإِنْ مَسَحَ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ) أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْأَكْثَرُ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَغْلِيبِ جَانِبِ الْحَضَرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْحَضَرِ أَوْ لَا، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَسَائِلِ الَّتِي أُقِيمَ فِيهَا الزَّمَانُ مَقَامَ الْفِعْلِ، كَمَا إِذَا رَهَنَهُ أَوْ وَهَبَهُ شَيْئًا عِنْدَهُ، وَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ، وَمَضَى زَمَنُ إِمْكَانِهِ صَارَ كَالْمَقْبُوضِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ صَلَّى بِطَهَارَةِ الْمَسْحِ فِي
شَكَّ فِي ابْتِدَائِهِ، أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ، وَعَنْهُ: يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ، وَمَنْ أَحْدَثَ، ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الْمَسْحِ أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ. وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إِلَّا عَلَى مَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ، وَيَثْبُتُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْحَضَرِ غَلَبَ جَانِبُهُ (أَوْ شَكَّ فِي ابْتِدَائِهِ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الْغَسْلُ، وَالْمَسْحَ رُخْصَةٌ، فَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي شَرْطِهَا رُدَّ إِلَى الْأَصْلِ، وَسَوَاءٌ شَكَّ هَلْ أَوَّلُ مَسْحِهِ فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ عَلِمَ أَوَّلَ الْمُدَّةِ، وَشَكَّ هَلْ كَانَ مَسْحُهُ حَاضِرًا أَوْ مُسَافِرًا (وَعَنْهُ: يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ) فِيهِمَا، أَمَّا الْأُولَى فَاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " الِانْتِصَارِ "، لِأَنَّ هَذَا مُسَافِرٌ فَيُعْطَى حُكْمُهُ. وَادَّعَى الْخَلَّالُ أَنَّهُ نَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ أَحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، وَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ; وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلِأَنَّهُ مُسَافِرٌ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: كَوْنُهُ يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ مَعَ الشَّكِّ فِي أَوَّلِهِ غَرِيبٌ بَعِيدٌ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ مَعَ الشَّكِّ فِي إِبَاحَتِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْغَسْلِ، فَلَوْ شَكَّ فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ يَمْسَحْ، فَإِنْ مَسَحَ الشَّاكُّ، فَبَانَ بَقَاءُ الْمُدَّةِ صَحَّ وُضُوءُهُ، وَقِيلَ: لَا، كَمَا يُعِيدُ مَا صَلَّى بِهِ مَعَ شَكِّهِ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. قَالَ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ: وَمَنْ لَبِسَ وَأَحْدَثَ، وَمَسَحَ، وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ شَكَّ هَلْ مَسَحَ قَبْلَ الظُّهْرِ أَوْ بَعْدَهَا؛ وَقُلْنَا: ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْمَسْحِ، بُنِيَ الْأَمْرُ فِي الْمَسْحِ فِي الْمُدَّةِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ بَعْدَهَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّتِهِ، وَوُجُوبُ الْغَسْلِ، فَعَادَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى أَصْلِهِ. فَرْعٌ: لَوْ مَسَحَ إِحْدَى خُفَّيْهِ فِي الْحَضَرِ، وَالْأُخْرَى فِي السَّفَرِ يَتَوَجَّهُ لَنَا خِلَافٌ. (وَمَنْ أَحْدَثَ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الْمَسْحِ أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ) قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لَا نَعْلَمُ فِيهِ
[شروط المسح على حوائل الرجل]
بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ، أَوْ كَانَ وَاسِعًا يُرَى مِنْهُ الْكَعْبُ، أَوِ الْجَوْرَبُ خَفِيفًا يَصِفُ الْقَدَمَ، أَوْ يَسْقُطُ مِنْهُ إِذَا مَشَى، أَوْ شَدَّ لَفَائِفَ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ ـــــــــــــــــــــــــــــQخِلَافًا، لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ مُسَافِرًا، وَذَكَرَ فِي الْخِلَافِ و" الرِّعَايَةِ " رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّهُ يُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ، كَمَنْ سَافَرَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَلَمْ يُحْرِمْ بِالصَّلَاةِ، وَقِيلَ: إِنْ مَضَى وَقْتُ صَلَاةٍ. [شُرُوطُ الْمَسْحِ عَلَى حَوَائِلِ الرِّجْلِ] (وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إِلَّا عَلَى مَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ) وَهُوَ الْقَدَمُ كُلُّهُ (وَيَثْبُتُ بِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ، أَوْ كَانَ وَاسِعًا يُرَى مِنْهُ الْكَعْبُ، أَوِ الْجَوْرَبُ خَفِيفًا يَصِفُ الْقَدَمَ، أَوْ يَسْقُطُ مِنْهُ، أَوْ شَدَّ لَفَائِفَ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ) . اعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى حَوَائِلِ الرِّجْلِ شُرُوطٌ. الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، وَإِلَّا فَحُكْمُ مَا اسْتَتَرَ الْمَسْحُ، وَمَا ظَهَرَ الْغَسْلُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى جَمْعِهِمَا، فَوَجَبَ الْغَسْلُ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَسَوَاءٌ كَانَ ظُهُورُهُ لِقِصَرِ الْحَائِلِ، أَوْ سَعَتِهِ، أَوْ صَفَائِهِ، أَوْ خَرْقٍ فِيهِ، وَإِنْ صَغُرَ حَتَّى مَوْضِعِ الْخَرَزِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْخَرْقَ إِذَا انْضَمَّ، وَلَمْ يَبْدُ مِنْهُ شَيْءٌ، أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، لَكِنْ مَالَ الْمَجْدُ إِلَى الْعَفْوِ عَنْ خَرْقٍ لَا يَمْنَعُ مُتَابَعَةَ الْمَشْيِ نَظَرًا إِلَى ظَاهِرِ خِفَافِ الصَّحَابَةِ، وَبَالَغَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَقَالَ: يَجُوزُ عَلَى الْمُخَرَّقِ مَا لَمْ يُظْهِرْ أَكْثَرَ الْقَدَمِ، فَإِنْ ظَهَرَ أَكْثَرُهُ فَهُوَ كَالنَّعْلِ، أَوِ الزَّرْبُولِ الَّذِي لَمْ يَسْتُرِ الْقَدَمَ مِمَّا فِي نَزْعِهِ مَشَقَّةٌ، بِأَنْ لَا يُخْلَعَ بِمُجَرَّدِ خَلْعِ الرِّجْلِ، إِنَّمَا يُخْلَعُ بِالرِّجْلِ الْأُخْرَى أَوْ بِالْيَدِ، وَقَالَ: إِنَّهُ يُغْسَلُ مَا ظَهَرَ مِنَ الْقَدَمِ، وَيُمْسَحُ النَّعْلُ، أَوْ يُمْسَحُ الْجَمِيعُ، مُعْتَمِدًا فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَادِيثَ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِنَفْسِهِ، إِذِ الرُّخْصَةُ وَرَدَتْ فِي الْخُفِّ الْمُعْتَادِ، وَمَا لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى مَا يَسْقُطُ لِزَوَالِ شَرْطِهِ، وَلَا عَلَى اللَّفَائِفِ فِي الْمَنْصُوصِ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا، لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا بِنَفْسِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهَا نَعْلٌ أَوْ لَا، وَلَوْ مَعَ مَشَقَّةٍ فِي الْأَصَحِّ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ رِوَايَةً بِالْجَوَازِ، بِشَرْطِ قُوَّتِهَا وَشَدِّهَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ مَسْحُ لِفَافَةٍ تَحْتَ خُفٍّ مُخَرَّقٍ كَجَوْرَبٍ تَحْتَ مُخَرَّقٍ، أَمَّا إِذَا ثَبَتَ الْخُفُّ وَنَحْوُهُ بِنَفْسِهِ، لَكِنْ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ بِدُونِ شَدِّهِ، فَيَجُوزُ مَسْحُهُ مَعَ شَدِّهِ، صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا، اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الزَّرْبُولُ الَّذِي لَهُ أُذُنٌ. الثَّالِثُ: أَنْ يُمْكِنَ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، فَلَوْ تَعَذَّرَ لِضِيقِهِ، أَوْ نَعْلٍ جَدِيدَةٍ، أَوْ تَكْسِيرِهِ كَرَقِيقِ الزُّجَاجِ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا، فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْمَغْصُوبِ، وَالْحَرِيرِ، لِأَنَّ لُبْسَهُ مَعْصِيَةٌ، فَلَا تُسْتَبَاحُ بِهِ الرُّخْصَةُ، وَبَنَاهُ جَمَاعَةٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَفِي ثَالِثٍ: إِنْ لَبِسَهُ لِحَاجَةٍ كَالْبِلَادِ الْبَارِدَةِ الَّتِي يَخْشَى فِيهَا سُقُوطَ أَصَابِعِهِ، أَجْزَأَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْفُصُولِ "، و" النِّهَايَةِ ".
وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا فَلَمْ يُحْدِثْ حَتَّى لَبِسَ عَلَيْهِ آخَرَ، جَازَ الْمَسْحُ. وَيَمْسَحُ أَعْلَى الْخُفِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مُعْتَادًا فَلَا يَجُوزُ عَلَى الْخَشَبِ، وَالزُّجَاجِ، وَالنُّحَاسِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشِّيرَازِيِّ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ، وَالْقَاضِي، وَزَعَمَ أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ، لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ، أَشْبَهَ الْجُلُودَ، وَالْأَوْلَى أَنْ نَقُولَ: الرُّخْصَةُ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْخِفَافِ الْمُتَعَارَفَةِ لِلْحَاجَةِ. السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ طَاهِرَ الْعَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ، وَفِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِيمَنْ لَبِسَ جِلْدَ كَلْبٍ، أَوْ مَيْتَةٍ فِي بَلَدِ ثَلْجٍ، وَخَشِيَ سُقُوطَ أَصَابِعِهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ لَا يُشْتَرَطُ، لِلْإِذْنِ فِيهِ إِذًا، وَنَجَاسَةُ الْمَاءِ حَالَ الْمَسْحِ لَا تَضُرُّ، كَالْجُنُبِ إِذَا اغْتَسَلَ وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَالْمَجْدُ: يُشْتَرَطُ، لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْأَصْلِ، وَهَذِهِ ضَرُورَةٌ نَادِرَةٌ، وَإِذًا يَتَيَمَّمُ لِلرِّجْلَيْنِ، فَإِنْ كَانَ طَاهِرَ الْعَيْنِ، وَبِبَاطِنِهِ، أَوْ بِالْقَدَمِ نَجَاسَةٌ لَا تُزَالُ إِلَّا بِالْمَاءِ فَقِيلَ: هُوَ كَالْوُضُوءِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ، وَقِيلَ: إِنْ تَعَذَّرَ الْخَلْعُ، وَقُلْنَا بِجَوَازِ الْمَسْحِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَالْإِعَادَةُ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ مَسَّ الْمُصْحَفِ، وَالصَّلَاةَ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ إِزَالَتِهِ النَّجَاسَةَ. (وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا فَلَمْ يُحْدِثْ حَتَّى لَبِسَ عَلَيْهِ آخَرَ، جَازَ الْمَسْحُ) أَيْ: إِذَا جَمَعَ بَيْنَ مَلْبُوسَيْنِ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، فَلَهُ مَسْحُ الْأَعْلَى بِشَرْطِ لُبْسِهِ قَبْلَ الْحَدَثِ، لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ، أَشْبَهَ الْمُنْفَرِدَ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ الْحَدَثَ إِذَا تَقَدَّمَ لَبِسَ الْفَوْقَانِيَّ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَكَثِيرٌ مِنَ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّهُ لَبِسَهُمَا عَلَى حَدَثٍ، وَكَذَا لَوْ مَسَحَ، ثُمَّ لَبِسَ آخَرَ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَغَيْرِهِ بَلْ عَلَى مَا تَحْتَهُ، وَلَوْ نَزَعَ الْفَوْقَانِيَّ بَعْدَ مَسْحِهِ عَلَيْهِ بَطَلَ وُضُوءُهُ، وَلَهُ مَسْحُ مَا تَحْتَهُ فِي
[يمسح أعلى الخف دون أسفله]
دُونَ أَسْفَلِهِ، وَعَقِبِهِ، فَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْأَصَابِعِ، ثُمَّ يَمْسَحُ إِلَى سَاقِهِ. وَيَجُوزُ الْمَسْحُ ـــــــــــــــــــــــــــــQرِوَايَةٍ، وَإِنْ لَبِسَ عَلَى لِفَافَةٍ، أَوْ مُخَرَّقٍ صَحِيحًا، مَسَحَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ، وَكَذَا إِنْ لَبِسَ عَلَى صَحِيحٍ مُخَرَّقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ: يَمْسَحُ الصَّحِيحَ، لِأَنَّ الْفَوْقَانِيَّ لَا يُمْسَحُ عَلَيْهِ مُنْفَرِدًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ لِفَافَةٌ، وَإِنْ كَانَا مُخَرَّقَيْنِ، وَلَمْ يَسْتُرَا، لَمْ يَجُزْ بِحَالٍ، وَكَذَا إِنْ سَتَرَا، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَقِيلَ: يَجُوزُ، لِأَنَّ الْقَدَمَ اسْتَتَرَ بِهِمَا فَكَانَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ. [يَمْسَحُ أَعْلَى الْخُفِّ دُونَ أَسْفَلِهِ] (وَيَمْسَحُ أَعْلَى الْخُفِّ) هَذَا هُوَ السُّنَّةُ، وَيُجْزِئُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ (دُونَ أَسْفَلِهِ، وَعَقِبِهِ) أَيْ: لَا يُسَنُّ مَسْحُهُمَا مَعَ أَعْلَى الْخُفِّ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، فَبَيَّنَ أَنَّ الرَّأْيَ وَإِنِ اقْتَضَى مَسْحَ أَسْفَلِهِ إِلَّا أَنَّ السُّنَّةَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ، لِأَنَّ أَسْفَلَهُ مَظِنَّةُ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، وَكَثْرَةِ الْوَسَخِ، فَمَسْحُهُ يُفْضِي إِلَى تَلْوِيثِ الْيَدِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَقِيلَ: يُسَنُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى، «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ، وَأَسْفَلَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: رُوِيَ هَذَا مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: مَعْلُولٌ، وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ، وَمُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، أَمَّا لَوْ مَسَحَهُمَا مَعَ أَعْلَاهُ أَجْزَأَهُ، لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَقْصُودِ وَزِيَادَةٍ، وَقِيلَ: هُوَ أَفْضَلُ، وَلَا يُجْزِئُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِمَا وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنَّمَا مَسَحَ ظَاهِرَ
[المسح على العمامة المحنكة]
عَلَى الْعِمَامَةِ الْمُحَنَّكَةِ إِذَا كَانَتْ سَاتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأْسِ إِلَّا مَا جَرَتِ الْعَادَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQخُفَّيْهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْخُفِّ بِالْمَسْحِ بَلِ الْوَاجِبُ مَسْحُ أَكْثَرِ أَعْلَاهُ أَيْ: أَكْثَرِ ظَهْرِ الْقَدَمِ، وَقِيلَ: قَدْرَ النَّاصِيَةِ مِنَ الرَّأْسِ، وَقِيلَ: هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: يَجِبُ جَمِيعُهُ، لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ مَغْسُولٍ (فَيَضَعُ يَدَهُ) مُعْوَجَّةَ الْأَصَابِعِ، وَيُسْتَحَبُّ تَفْرِيجُهَا (عَلَى الْأَصَابِعِ) أَيْ: عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ (ثُمَّ يَمْسَحُ إِلَى سَاقِهِ) هَذَا صِفَةُ الْمَسْحِ الْمَسْنُونِ، وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، الْيُمْنَى بِالْيُمْنَى، وَالْيُسْرَى بِالْيُسْرَى، قَالَ فِي " الْبُلْغَةِ ": وَيُقَدِّمُ الْيُمْنَى، وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ مَسَحَ إِلَى أَعْلَاهُ مَسْحَةً وَاحِدَةً» فَلَيْسَ فِيهِ تَقَدُّمٌ، فَلَوْ مَسَحَ مِنْ سَاقِهِ إِلَى أَسْفَلَ جَازَ، قَالَ أَحْمَدُ: كَيْفَمَا فَعَلْتَ فَهُوَ جَائِزٌ، نَعَمْ لَوْ مَسَحَهُ بِخِرْقَةٍ، أَوْ خَشَبَةٍ، أَوْ أُصْبُعٍ، أَوْ غَسَلَهُ، فَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الْمَسْحِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لِقَوْلِهِ مَسْحَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ يُوهِنُهُ وَيُخْلِقُهُ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، بَلْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: يُكْرَهُ. [الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ الْمُحَنَّكَةِ] (وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ الْمُحَنَّكَةِ) وَهِيَ الَّتِي يُدَارُ مِنْهَا تَحْتَ الْحَنَكِ لَوْثٌ أَوْ لَوْثَانِ وَنَحْوُهُ، وَهَذِهِ كَانَتْ عِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ أَكْثَرُ سَتْرًا مِنْ غَيْرِهَا، وَيَشُقُّ نَزْعُهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ لَهَا ذُؤَابَةٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، قَالَهُ الْقَاضِي، صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً (إِذَا كَانَتْ سَاتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأْسِ إِلَّا مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ) كَمُقَدَّمِ رَأْسِهِ،
بِكَشْفِهِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِ الْمُحَنَّكَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ ذُؤَابَةٍ، فَيَجُوزُ فِي أَحَدِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَجَوَانِبِهِ، وَالْأُذُنَيْنِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُمَا مِنْهُ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، فَعُفِيَ عَنْهُ، بِخِلَافِ خَرْقِ الْخُفِّ، وَيُشْتَرَطُ لِمَا ذَكَرَهُ أَنْ تَكُونَ مُبَاحَةً، فَلَوْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً، أَوْ حَرِيرًا لَمْ تُبَحْ، وَأَمَّا الطَّهَارَةُ وَالتَّوْقِيتُ فَقَدْ تَقَدَّمَا، وَهَذَا خَاصٌّ بِالرِّجْلِ، فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تَمْسَحُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ فِي حَقِّهَا، وَفِيهِ وَجْهٌ: تَمْسَحُ عَلَيْهَا لِضَرَرٍ بِهَا، وَإِنْ كَانَ تَحْتَ الْعِمَامَةِ قَلَنْسُوَةٌ يَظْهَرُ بَعْضُهَا، فَالظَّاهِرُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُمَا صَارَا كَالْعِمَامَةِ الْوَاحِدَةِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " (وَلَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِ الْمُحَنَّكَةِ) يَعْنِي إِذَا كَانَتْ صَمَّاءَ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَشُقُّ نَزْعُهَا، أَشْبَهَتِ الطَّاقِيَّةَ، وَالْكِلَّةَ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ لُبْسِهَا، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالتَّلَحِّي، وَنَهَى عَنْ الِاقْتِعَاطِ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالِاقْتِعَاطُ: أَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَانَ أَبِي يَكْرَهُ أَنْ يَعْتَمَّ الرَّجُلُ بِالْعِمَامَةِ، وَلَا يَجْعَلَهَا تَحْتَ حَنَكِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ كَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: إِنَّمَا يَعْتَمُّ مِثْلَ هَذَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ، وَغَيْرُهُ، وَجْهًا بِالْجَوَازِ، قَالُوا: لَمْ يُفَرِّقْ أَحْمَدُ، وَفِي " مُفْرَدَاتِ " ابْنِ عَقِيلٍ: هُوَ مَذْهَبُهُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ هِيَ كَالْقَلَانِسِ الْمُبَطَّنَةِ، وَأَوْلَى، لِأَنَّهَا فِي السَّتْرِ، وَمَشَقَّةِ النَّزْعِ لَا تَقْصُرُ عَنْهَا (إِلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ ذُؤَابَةٍ) بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ مِنَ الشَّعَرِ، وَالْمُرَادُ هُنَا طَرَفُ الْعِمَامَةِ الْمَرْخِيِّ، سُمِّيَ ذُؤَابَةً مَجَازًا (فَيَجُوزُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ لِأَنَّ إِرْخَاءَ الذُّؤَابَةِ مِنَ السُّنَّةِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ: يَنْبَغِي أَنْ يُرْخِيَ خَلْفَهُ مِنْ عِمَامَتِهِ، كَمَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَمُّ، وَيُرْخِيهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «عَمَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ الرَّحْمَنِ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ، وَأَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ» ، وَلِأَنَّهَا لَا تُشْبِهُ عَمَائِمَ أَهْلِ
الْوَجْهَيْنِ وَيُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرِهَا، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا مَسْحُ جَمِيعِهَا. وَيَمْسَحُ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQالذِّمَّةِ، وَالثَّانِي: لَا، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَطَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " (وَيُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرِهَا) قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّهَا مَمْسُوحَةٌ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ، فَأَجْزَأَ بَعْضُهَا كَالْخُفِّ، وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَكْوَارِهَا، وَهِيَ دَوَائِرُهَا، قَالَهُ الْقَاضِي، فَإِنْ مَسَحَ وَسَطَهَا فَقَطْ أَجْزَأَهُ فِي وَجْهٍ كَمَا يُجْزِئُ بَعْضُ دَوَائِرِهَا، وَفِي آخَرَ: لَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَسَحَ أَسْفَلَ الْخُفِّ وَحْدَهُ (وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا مَسْحُ جَمِيعِهَا) قِيلَ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ، وَأَخَذَهُ مِنْ نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: يَمْسَحُ الْعِمَامَةَ كَمَا يَمْسَحُ رَأْسَهُ، لَكِنْ قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْبِيهَ فِي صِفَةِ الْمَسْحِ دُونَ الِاسْتِيعَابِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْبِيهَ فِي الِاسْتِيعَابِ فَيَخْرُجُ فِيهَا مِنَ الْخِلَافِ مَا فِي وُجُوبِ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: أَظْهَرُهُمَا وُجُوبُهُ فِيهِ، فَكَذَا هُنَا، وَلِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ جِنْسِ الْمُبْدَلِ، فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عِوَضًا عَنْهَا إِذَا عَجَزَ عَنْهَا، بِخِلَافِ التَّسْبِيحِ، وَبِهِ يُجَابُ عَنْ مَسْحِ بَعْضِ الْخُفِّ. فَرْعٌ: مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ مَعَ الْعِمَامَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ، وَنَاصِيَتِهِ، وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنِ الْوُجُوبِ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُهُ، لِأَنَّ الْفَرْضَ انْتَقَلَ إِلَى الْعِمَامَةِ، فَلَمْ يَبْقَ لِمَا ظَهَرَ حُكْمٌ، وَفِي " الْمُغْنِي "،
[المسح على الجبيرة]
جَمِيعِ الْجَبِيرَةِ إِذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ قَدْرَ الْحَاجَةِ، وَمَتَى ظَهَرَ قَدَمُ الْمَاسِحِ، أَوْ رَأْسُهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْأُذُنَيْنِ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَسْحُهُمَا، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَلَيْسَا مِنَ الرَّأْسِ إِلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ. [الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ] (وَيُسْمَحُ عَلَى جَمِيعِ الْجَبِيرَةِ) سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى كَسْرٍ أَوْ جُرْحٍ، نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ، لِأَنَّهُ لَا يَشُقُّ الْمَسْحُ عَلَيْهَا كُلِّهَا بِخِلَافِ الْخُفِّ، وَهُوَ مَسْحٌ لِلضَّرَرِ، أَشْبَهَ التَّيَمُّمَ، هَذَا إِذَا كَانَتْ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ غَسَلَ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي اسْتِيعَابَهَا بِالْمَسْحِ، وَأَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا طَهَارَةُ عُذْرٍ فَأَسْقَطَتِ الْفَرْضَ كَالتَّيَمُّمِ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ عَبْدُوسٍ ثَانِيَةً بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ، لَكِنَّهُمْ بَنَوْهَا عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَتَطَهَّرْ لَهَا، وَقُلْنَا بِالِاشْتِرَاطِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِالْمَسْحِ وَحْدَهُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، لِأَنَّهُ مَسَحَ عَلَى حَائِلٍ، فَأَجْزَأَ مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ، كَمَسْحِ الْخُفِّ، بَلْ أَوْلَى، إِذْ صَاحِبُ الضَّرُورَةِ أَحَقُّ بِالتَّخْفِيفِ، وَالثَّانِيَةُ: يَتَيَمَّمُ مَعَهُ لِظَاهِرِ قِصَّةِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ، وَضَعُفَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ " الْوَاوَ " فِيهِ بِمَعْنَى " أَوْ "، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ التَّيَمُّمَ فِيهِ لِشَدِّ الْعِصَابَةِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ (إِذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ) بِشَدِّهَا (قَدْرَ الْحَاجَةِ) لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، فَتُقَيَّدُ بِقَدْرِهَا، وَاقْتَضَى أَنَّهُ إِذَا تَجَاوَزَ بِشَدِّهَا إِلَى مَوْضِعٍ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَكُونُ تَارِكًا لِغَسْلِ مَا يُمْكِنُهُ غَسْلُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَعَلَى هَذَا يَنْزِعُهَا، فَإِنْ خَافَ التَّلَفَ بِهِ سَقَطَ، وَكَذَا إِنْ خَافَ الضَّرَرَ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَيَمْسَحُ قَدْرَ الْحَاجَةِ، وَيَتَيَمَّمُ لِلزَّائِدِ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ مَسْحُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى الزَّائِدِ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَتْ ضَرُورَةٌ إِلَى الْمَسْحِ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَوْضِعَ الْكَسْرِ، وَفِي ثَالِثٍ: يَجْمَعُ فِي الزَّائِدِ بَيْنَهُمَا، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ، وَالْمَرْوُذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْعَصَائِبِ كَيْفَ شَدَّهَا، لِأَنَّ هَذَا لَا يَنْضَبِطُ، وَهُوَ شَدِيدٌ جِدًّا، وَالْأَوَّلُ: أَوْلَى، وَأَصَحُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. مَسْأَلَةٌ: تُفَارِقُ الْجَبِيرَةُ الْخُفَّ مِنْ أَوْجُهٍ.
أَوِ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ، اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ مَسْحُ رَأْسِهِ، وَغَسْلُ قَدَمَيْهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا إِلَّا عِنْدَ التَّضَرُّرِ بِنَزْعِهَا. الثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِيعَابُهَا. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا مُقَيَّدٌ بِالْحَلِّ أَوِ الْبُرْءِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا فِي الْكُبْرَى. الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا تَقَدُّمُ طَهَارَةٍ فِي رِوَايَةٍ. السَّادِسُ: أَنَّهَا تَجُوزُ مِنْ خَرْقٍ وَنَحْوِهِ، وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنْ حَرِيرٍ وَنَحْوِهِ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا عَلَى رِوَايَةِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ. السَّابِعُ: أَنَّ مَسْحَهَا عَزِيمَةٌ، وَالْخُفُّ بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَتَقَدَّمَ أَوْجُهٌ أُخَرُ. (وَمَتَى ظَهَرَ قَدَمُ الْمَاسِحِ) بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ فِي الْمَشْهُورِ، لِأَنَّ الْمَسْحَ أُقِيمَ مَقَامَ الْغَسْلِ، فَإِذَا زَالَ بَطَلَتِ الطَّهَارَةُ فِي الْقَدَمَيْنِ، فَيَبْطُلُ فِي جَمِيعِهَا، لِكَوْنِهَا لَا تَتَبَعَّضُ، وَحُكْمُ انْكِشَافِ بَعْضِ الْقَدَمِ مِنْ خَرْقٍ حُكْمُ ظُهُورِهِ كُلِّهِ، فَلَوْ أَخْرَجَ الْقَدَمَ، قَالَ الْمَجْدُ، وَالْجَدُّ: أَوْ بَعْضَهُ إِلَى سَاقِ الْخُفِّ فَهُوَ كَخَلْعِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ فِيهِ، وَعَنْهُ: إِنْ جَاوَزَ الْعَقِبَ أَثَّرَ، وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْهُ: لَا، وَعَنْهُ: لَا يُبَعِّضُهُ، وَنَزْعُ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ كَنَزْعِهِمَا، لِأَنَّهُمَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ، وَقَوْلُهُ: الْمَاسِحُ يَحْتَرِزُ بِهِ مَا إِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفِّ، فَإِذَا طَهُرَتْ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَيُصَلِّي بِهِ مَا أَرَادَ (أَوْ) ظَهَرَ (رَأْسُهُ بَطَلَتْ أَيْضًا قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْكَشْفُ يَسِيرًا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ، قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا زَالَتْ عَنْ رَأْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَفْحُشْ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: مَا لَمْ يَرْفَعْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ، وَظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ "، و" الْوَجِيزِ " أَنَّهَا تَبْطُلُ بِظُهُورِ شَيْءٍ مِنْ رَأْسِهِ، وَكَذَا إِذَا انْتَقَضَتْ بَعْدَ مَسْحِهَا فَإِنَّهَا تَبْطُلُ، وَفِي بَعْضِهَا رِوَايَتَانِ (أَوِ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ) وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ (اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ مَسْحُ رَأْسِهِ، وَغَسْلُ قَدَمَيْهِ) لِأَنَّهُ أَزَالَ بَدَلَ غَسْلِهِمَا، فَأَجْزَأَهُ
[نواقض الوضوء]
وَلَا مَدْخَلَ لِحَائِلٍ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى إِلَّا الْجَبِيرَةُ. بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ: الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا نَادِرًا أَوْ مُعْتَادًا. الثَّانِي: ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُبْدَلُ، كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ، وَفِي الْأُولَى يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ فَقَطْ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْمُوَالَاةِ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الزَّاغُونِيُّ، وَالْمُؤَلِّفُ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْخَلْعَ إِذَا كَانَ عَقِبَ الْمَسْحِ كَفَاهُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ، أَوْ رَفْعُ الْحَدَثِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّهُ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَيَرْفَعُهُ فِي الْمَنْصُوصِ وِفَاقًا، أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَى غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ بِنِيَّةٍ. أَوْ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَتَبَعَّضُ فِي النَّقْضِ، وَإِنْ تَبَعَّضَتْ فِي الثُّبُوتِ، كَالصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ اخْتَارَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَيَتَوَجَّهُ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بَلْ يُصَلِّي بِهِ. فَرْعٌ: إِذَا حَدَثَ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ كَمَا لَوْ كَانَ خَارِجَهَا، وَبَنَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى قُدْرَةِ الْمُتَيَمِّمِ عَلَى الْمَاءِ. (وَلَا مَدْخَلَ لِحَائِلٍ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى) لِحَدِيثِ صَفْوَانَ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ» (إِلَّا الْجَبِيرَةُ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بِنَزْعِهَا بِخِلَافِ الْخُفِّ، فَإِذَا زَالَتْ فَكَالْخُفِّ، وَقِيلَ: طَهَارَتُهُ بَاقِيَةٌ قَبْلَ الْبُرْءِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مُطْلَقًا. [نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ] [الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ] بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ النَّوَاقِضُ: جَمْعُ نَاقِضَةٍ لَا نَاقِضٍ، لِأَنَّهُ لَا يُجْمَعُ عَلَى فَوَاعِلَ إِلَّا الْمُؤَنَّثُ، وَشَذَّ: فَوَارِسُ، وَهَوَالِكُ، وَنَوَاكِسُ جَمْعُ فَارِسٍ، وَهَالِكٍ، وَنَاكِسٍ، يُقَالُ: نَقَضْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَفْسَدْتَهُ، فَنَوَاقِضُ الْوُضُوءِ مُفْسِدَاتُهُ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِيهِ مَجَازٌ، كَاسْتِعْمَالِهِ فِي الْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا حَقِيقَتُهُ فِي الْبِنَاءِ، وَاسْتُعْمِلَ فِي الْمَعَانِي بِعَلَاقَةِ الْإِبْطَالِ. (وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ: الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ) أَيْ: عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ وَاحِدُهُمَا سَبِيلٌ، وَهُوَ الطَّرِيقُ، وَهُمَا مَخْرَجُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَالْمُرَادُ إِلَى مَا هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، وَيَلْحَقُهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQحُكْمُ التَّطْهِيرِ، إِلَّا مِمَّنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ (قَلِيلًا كَانَ) الْخَارِجُ (أَوْ كَثِيرًا) ذُكِرَ لِمُقَابَلَةِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مُغْنٍ عَنْهُ (نَادِرًا أَوْ مُعْتَادًا) فَالْمُعْتَادُ كَالْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ، فَيَنْقُضُ إِجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43] وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ» وَالنَّادِرُ كَالدُّودِ، وَالْحَصَى حَتَّى دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، لِمَا رَوَى عُرْوَةُ، «عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ، فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي، وَصَلِّي، فَإِنَّمَا هُوَ دَمُ عِرْقٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. فَقَدْ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَدَمُهَا غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ السَّبِيلِ، أَشْبَهَ الْمُعْتَادَ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ بِلَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ، فَيَنْتَقِضُ بِهَا، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْمَنِيِّ وَالرِّيحِ، وَإِنْ خَرَجَتْ مِنَ الْقُبُلِ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ النَّقْضُ بِالرِّيحِ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ دُونَ قُبُلِ الرَّجُلِ، وَعَلَّلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: لِأَنَّ قُبُلَهَا لَهُ مَنْفَذٌ إِلَى الْجَوْفِ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ، وَرِيحُ الدُّبُرِ إِنَّمَا نَقَضَ لِاسْتِصْحَابِهِ جُزْءًا لَطِيفًا مِنَ النَّجَاسَةِ بِدَلِيلِ نَتْنِهَا، وَكَمَا إِذْ أَقْطَرَ فِي فَرْجِهِ دُهْنًا، ثُمَّ سَالَ، أَوِ احْتَشَى قُطْنًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ، أَوْ كَانَ فِي وَسَطِ الْقُطْنِ مَيْلٌ، فَسَقَطَ بِلَا بِلَّةٍ فِي وَجْهِ إِنَاطَةٍ بِالْمَظِنَّةِ، وَلَا نَقْضَ فِي آخَرَ، لِانْتِفَاءِ الْخَارِجِ، فَإِنْ تَيَقَّنَ خُرُوجَ بِلَّةٍ نُقِضَ عَلَى الْأَعْرَفِ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: لَا نَقْضَ حَتَّى يَخْرُجَ بَوْلٌ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَتَبْعِيدُهُ بَعِيدٌ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ، نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَفِي وَجْهٍ: يَنْقُضُ الدُّهْنُ دُونَ غَيْرِهِ، وَفِي نَجَاسَةِ الدُّهْنِ وَجْهَانِ، لِنَجَاسَةِ بَاطِنِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ بَاطِنٌ، فَلَمْ يَتَنَجَّسْ بِهِ، كَنُخَامَةِ الْحَلْقِ، وَهُوَ مَخْرَجُ الْقَيْءِ، وَكَذَا إِذَا طَهُرَتْ مَقْعَدَتُهُ يَعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهَا بَلَلًا، وَلَمْ يَنْفَصِلْ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ عَلَى الْمَنْصُوصِ،
[خروج النجاسات من سائر البدن]
خُرُوجُ النَّجَاسَاتِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ، فَإِنْ كَانَ غَائِطًا أَوْ بَوْلًا نَقَضَ قَلِيلُهَا وَإِنْ كَانَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَكَذَا طَرَفُ مُصْرَانٍ، أَوْ رَأْسُ دُودَةٍ، وَخَرَجَ مِنْهُ مَا إِذَا احْتَقَنَ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا شَيْءٌ، أَوْ وَطِئَ فِي الْفَرْجِ، أَوْ دُونَهُ، فَدَخَلَ فَرْجَهَا، وَلَمْ يَخْرُجْ فِي وَجْهٍ، وَمُجَرَّدُ الْحُقْنَةِ فِيهَا أَوْجُهٌ، ثَالِثُهَا: يَنْقُضُ مِنْ دُبُرِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِيمَا تَحْمِلُهُ، لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ طَرَفِهِ خَارِجًا، أَوْ لَا. [خُرُوجُ النَّجَاسَاتِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ] (الثَّانِي: خُرُوجُ النَّجَاسَاتِ مِنْ سَائِرِ) أَيْ: بَاقِي (الْبَدَنِ فَإِنْ كَانَ غَائِطًا أَوْ بَوْلًا نَقَضَ قَلِيلُهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ لِمَا سَبَقَ، وَكَالْخَارِجِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَا مُنْسَدَّيْنِ، أَوْ مَفْتُوحَيْنِ فَوْقَ الْمَعِدَةِ أَوْ تَحْتَهَا، وَإِنِ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ، وَانْفَتَحَ غَيْرُهُ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَسْفَلَ الْمَعِدَةِ، فَخَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ لَمْ يَنْقُضْ فِي الْأَشْهَرِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ بَوْلٌ أَوْ غَائِطٌ، وَرُجِيَ انْقِطَاعُهُ نَقَضَ كَثِيرُهُ، وَفِي يَسِيرِهِ رِوَايَتَانِ، قَالَ فِي " النِّهَايَةِ ": إِنِ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ خِلْقَةً، فَسَبِيلُ الْحَدَثِ الْمُنْفَتِحُ، وَالْمَسْدُودُ كَعُضْوٍ زَائِدٍ مِنَ الْخُنْثَى، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْخَارِجَ إِذَا كَانَ طَاهِرًا فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ، سَوَاءٌ كَانَ بُصَاقًا، أَوْ نُخَامَةً، أَوْ بَلْغَمًا، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَأَصْلُهُمَا هَلْ يُفْطِرُ الصَّائِمُ؟ وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ، لِأَنَّهَا تُخْلَقُ مِنَ الْبَدَنِ كَبَلْغَمِ الرَّأْسِ، وَقِيلَ: هُوَ نَجِسٌ إِذَا انْعَقَدَ، وَازْرَقَّ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً (وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا لَمْ يَنْقُضْ إِلَّا كَثِيرُهَا) وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِفَاطِمَةَ: «إِنَّهُ دَمُ عِرْقٍ» فَعَلَّلَ بِكَوْنِهِ دَمَ عِرْقٍ، وَالْقَيْحُ وَالدَّمُ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ خَارِجَةٌ مِنَ الْبَدَنِ أَشْبَهَ الْخَارِجَ مِنَ السَّبِيلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ دَمٌ، وَقَيْحٌ، وَدُودٌ، وَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ قَيْحٌ، وَلَا صَدِيدٌ، وَلَا مِدَّةٌ، إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ ذَلِكَ مِنَ السَّبِيلِ، فَلَوْ خَرَجَ دَمٌ كَثِيرٌ بِمَصِّ عَلَقٍ، أَوْ قُرَادٍ نَقَضَ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِنَفْسِهِ بَلْ بِقُطْنَةٍ، وَنَحْوِهَا، فَكَذَلِكَ، بِخِلَافِ مَصِّ ذُبَابٍ، وَبَعُوضٍ لِقِلَّتِهِ، وَمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْهَا، ذَكَرَهُ
غَيْرَهُمَا لَمْ يَنْقُضْ إِلَّا كَثِيرُهَا، وَهُوَ مَا فَحُشَ فِي النَّفْسِ، وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّ قَلِيلَهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQأَبُو الْمَعَالِي، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْيَسِيرَ لَا يَنْقُضُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَحَكَاهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَجَابِرٍ، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إِجْمَاعًا، قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الدَّمِ: إِذَا كَانَ فَاحِشًا أَعَادَ الْوُضُوءَ، وَالْقَلِيلُ لَا أَرَى فِيهِ الْوُضُوءَ، لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصُوا فِيهِ، ثُمَّ بَيَّنَ حَدَّ الْكَثِيرِ فَقَالَ (وَهُوَ مَا فَحُشَ فِي النَّفْسِ) أَيْ: كُلُّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْفَاحِشُ مَا فَحُشَ فِي قَلْبِكَ. قَالَ الْخَلَّالُ: إِنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ، وَذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ الْمَذْهَبَ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لِأَنَّ اعْتِبَارَ حَالِ الْإِنْسَانِ بِمَا يَسْتَفْحِشُهُ غَيْرُهُ مُحْرِجٌ، فَيَكُونُ مَنْفِيًّا، وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ نُفُوسُ أَوْسَاطِ النَّاسِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ "، و" الْمُحَرَّرِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " كَمَا يَرْجِعُ فِي يَسِيرِ اللُّقَطَةِ إِلَيْهِمْ، وَعَنْهُ: الْفَاحِشُ قَدْرُ الْكَفِّ، وَعَنْهُ: قَدْرُ عَشَرَةِ أَصَابِعَ (وَحُكِيَ عَنْهُ: أَنَّ قَلِيلَهَا يَنْقُضُ) لِمَا رَوَى مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاءَ فَتَوَضَّأَ، فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: صِدْقٌ أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ، وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ، أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلَسٌ، أَوْ مَذْيٌ، فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَهُوَ حِجَازِيٌّ، وَرِوَايَتُهُ عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ، وَكَخَارِجٍ مُعْتَادٍ لَكِنْ قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لَا تُعْرَفُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ إِلَّا فِي الْقَلْسِ، وَاطَّرَحَهَا، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا نَقْضَ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ فِي غَيْرِ الْقَيْءِ، فَإِنْ شَرِبَ مَاءً وَقَذَفَهُ
[زوال العقل]
يَنْقُضُ. الثَّالِثُ: زَوَالُ الْعَقْلِ إِلَّا النَّوْمَ الْيَسِيرَ جَالِسًا، أَوْ قَائِمًا، وَعَنْهُ: أَنَّ نَوْمَ الرَّاكِعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي الْحَالِ فَنَجِسٌ، وَبِالْجُمْلَةِ فَيُحْمَلَانِ عَلَى الْفَاحِشِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. فَائِدَةٌ: الْقَلَسُ بِالتَّحْرِيكِ، وَقِيلَ بِالسُّكُونِ: مَا خَرَجَ مِنَ الْجَوْفِ مِلْءَ الْفَمِ، أَوْ دُونَهُ، وَلَيْسَ بِقَيْءٍ فَإِنْ عَادَ فَهُوَ قَيْءٌ. [زَوَالُ الْعَقْلِ] (الثَّالِثُ زَوَالُ الْعَقْلِ) أَوْ تَغْطِيَتُهُ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُ:، وَلَوْ تَلَجَّمَ، وَلَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ إِلْحَاقًا بِالْغَالِبِ، لِأَنَّ الْحِسَّ يَذْهَبُ مَعَهُ، وَالْمُزِيلُ لَهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: نَوْمٌ وَغَيْرُهُ، فَغَيْرُ النَّوْمِ كَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ يَنْقُضُ كَثِيرُهَا، وَيَسِيرُهَا إِجْمَاعًا عَلَى كُلِّ الْأَحْوَالِ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَشْعُرُونَ بِحَالٍ، بِخِلَافِ النَّائِمِ، وَفِي إِيجَابِ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ تَنْبِيهٌ عَلَى وُجُوبِهِ بِمَا هُوَ آكَدُ مِنْهُ، وَأَمَّا النَّوْمُ فَرَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ لِيَسْتَرِيحَ بَدَنُهُ عِنْدَ تَعَبِهِ، وَهِيَ غَشْيَةٌ ثَقِيلَةٌ تَقَعُ عَلَى الْقَلْبِ تَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِالْأَشْيَاءِ فَيَنْقُضُ فِي الْجُمْلَةِ، لِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ بَقِيَّةَ، عَنِ الْوَضِينِ بْنِ عَطَاءٍ، وَلِأَنَّهُ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الْحَدَثِ، فَأُقِيمَ مَقَامَهُ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ قَالَ الْخَلَّالُ: هُوَ خَطَأٌ بَيِّنٌ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِذَا ظَنَّ بَقَاءَ طُهْرِهِ، وَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهَا، ثُمَّ هُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى أَقْسَامٍ، فَقَالَ (إِلَّا النَّوْمَ الْيَسِيرَ) عُرْفًا، لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ فِي الشَّرْعِ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ هَيْئَتِهِ كَسُقُوطِهِ، وَقِيلَ: مِقْدَارُ الْكَثِيرِ رَكْعَتَانِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ إِذَا رَأَى فِيهِ حُلْمًا، وَمَنْ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى عَقْلِهِ، فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، فَلَوْ شَكَّ فِي كَثْرَتِهِ لَمْ يَنْقُضْ (جَالِسًا أَوْ قَائِمًا) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ، وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْيَسِيرِ، لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَالْقَائِمُ كَالْقَاعِدِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي انْضِمَامِ مَحَلِّ الْحَدَثِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَنْقُضُ إِذَا
[مس الذكر]
وَالسَّاجِدِ لَا يَنْقُضُ يَسِيرُهُ. وَالرَّابِعُ: مَسُّ الذَّكَرِ بِيَدِهِ أَوْ بِبَطْنِ كَفِّهِ، أَوْ بِظَهْرِهِ، وَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQكَانَ كَثِيرًا، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ مَعَ الْكَثْرَةِ لَا يُحِسُّ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ، وَعَنْهُ: لَا (وَعَنْهُ: أَنَّ نَوْمَ الرَّاكِعِ أَوِ السَّاجِدِ لَا يَنْقُضُ يَسِيرُهُ) لِأَنَّهُمَا مِنَ الصَّلَاةِ أَشْبَهَ الْجَالِسَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَنْقُضُ الْيَسِيرُ مِنْهُمَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقِيَاسُهُمَا عَلَى الْجَالِسِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِأَنَّ مَحَلَّ الْحَدَثِ فِيهِمَا مُنْفَتِحٌ بِخِلَافِ الْجَالِسِ، وَقَدَّمَ فِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الْبُلْغَةِ " اسْتِثْنَاءَ الْيَسِيرِ فِي الْحَالَاتِ الْأَرْبَعِ، وَعَنْهُ: يَنْقُضُ الْيَسِيرُ إِلَّا فِي الْجَالِسِ، وَعَنْهُ: لَا نَقْضَ فِيهَا، وَهِيَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَالشِّيرَازِيِّ، وَابْنِ عَقِيلٍ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا نَامَ الْعَبْدُ وَهُوَ سَاجِدٌ، يُبَاهِي اللَّهُ بِهِ الْمَلَائِكَةَ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي، وَهُوَ سَاجِدٌ» فَسَمَّاهُ سَاجِدًا مَعَ نَوْمِهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ نَوْمَ الْمُسْتَنِدِ، وَالْمُتَّكِئِ، وَالْمُحْتَبِي كَالْمُضْطَجِعِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْأَشْهَرِ. [مَسُّ الذَّكَرِ] (الرَّابِعُ مَسُّ الذَّكَرِ) أَيْ: ذَكَرِ الْآدَمِيِّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَتْ بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَغَيْرُهُمْ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ بُسْرَةَ، وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ مَعْنَاهُ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْأَثْرَمُ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «وَلَيْسَ دُونَهُ سِتْرٌ» ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بِضْعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا، وَهَذَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَنْ تَوْقِيفٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ لِمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَمَسُّ ذَكَرَهُ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، هَلْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ؛ قَالَ: لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَلَفْظُهُ لِأَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ جَسَدِهِ أَشْبَهَ رِجْلَهُ، فَعَلَيْهَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّهِ، وَاخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي فَتَاوِيهِ، وَالْأُولَى أَصَحُّ، لِأَنَّ حَدِيثَ قَيْسٍ ضَعَّفَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ: قَيْسٌ لَا تَقُومُ بِرِوَايَتِهِ حُجَّةٌ، وَلَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ، فَهُوَ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّ «طَلْقَ بْنَ عَلِيٍّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُؤَسِّسُ فِي الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: «قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَهُ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ، فَسَأَلَهُ» الْحَدِيثَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّأْسِيسَ كَانَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، وَإِسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ، وَبُسْرَةَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ عَامَ الْفَتْحِ هَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِي النَّسْخِ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ، وَحَدِيثُهُمْ مُبْقًى عَلَى الْأَصْلِ، وَأَحَادِيثُنَا نَاقِلَةٌ عَنْهُ، وَهِيَ أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بِهِ هُوَ الْمَنْسُوخُ، لَزِمَ التَّغْيِيرُ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ تَرْكُ الْوُضُوءِ هُوَ الْمَنْسُوخُ لَمْ يَلْزَمِ التَّغْيِيرُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَيَكُونُ أَوْلَى، وَقِيَاسُهُمُ الذَّكَرَ عَلَى بَقِيَّةِ الْبَدَنِ لَا يَسْتَقِيمُ، لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ يَنْفَرِدُ بِهَا مِنْ إِيجَابِ الْغُسْلِ بِإِيلَاجِهِ، وَالْحَدِّ، وَالْمَهْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَسِّ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، وَالْمُصَلِّي فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا يَمَسُّهُ مِنْ فَوْقِ ثِيَابِهِ، وَلِهَذَا عَلَّلَ بِأَنَّهُ بَضْعَةٌ مِنْهُ، قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، وَصَحَّحَهُ عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» . قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ طَلْقٌ سَمِعَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَفِي تَصْحِيحِهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيِّ، وَأَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ، وَحِينَئِذٍ فَيَتَعَارَضُ رِوَايَتَاهُ، وَيُرْجَعُ إِلَى أَحَادِيثِ النَّقْضِ. (بِيَدِهِ) وَهِيَ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إِلَى الْكُوعِ، كَالسَّرِقَةِ، وَالتَّيَمُّمِ (أَوْ بِبَطْنِ كَفِّهِ أَوْ بِظَهْرِهِ) لِلْعُمُومِ، وَالْأَوَّلُ: مُغْنٍ عَنْهُ، لِأَنَّهُ يَشْمَلُهُ، وَعَنْهُ:
يَنْقُضُ مَسُّهُ بِذِرَاعِهِ وَفِي مَسِّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ وَجْهَانِ. وَإِذَا لَمَسَ قُبُلَ الْخُنْثَى ـــــــــــــــــــــــــــــQيَخْتَصُّ النَّقْضُ بِبَطْنِ الْكَفِّ لِأَنَّهُ آلَةُ اللَّمْسِ، وَفِي حَرْفِ كَفِّهِ وَجْهَانِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَكَرِ نَفْسِهِ، وَذَكَرِ غَيْرِهِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَيَتَوَضَّأُ مَنْ مَسَّ الذَّكَرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَعَنْهُ: يَخْتَصُّ بِذَكَرِ نَفْسِهِ، وَالصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَعَنْهُ: لَا نَقْضَ بِمَسِّ ذَكَرِ طِفْلٍ، ذَكَرَهَا الْآمِدِيُّ، وَالْحَيِّ وَالْمَيِّتِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَسَوَاءٌ مَسَّهُ سَهْوًا، أَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعَنْهُ: إِنْ تَعَمَّدَ مَسَّهُ نَقَضَ، وَعَنْهُ: إِنْ مَسَّهُ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ لِشَهْوَةٍ نَقَضَ، وَلَا فَرْقَ أَيْضًا بَيْنَ أَصْلِ الذَّكَرِ، وَرَأْسِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: يَخْتَصُّ بِالثُّقْبِ، وَعَنْهُ: بِالْحَشَفَةِ، وَهُمَا بَعِيدَانِ، وَمُرَادُهُ إِذَا كَانَ أَصْلِيًّا، سَوَاءٌ كَانَ صَحِيحًا، أَوْ أَشَلَّ، فَلَوْ كَانَ زَائِدًا لَمْ يَنْقُضْ فِي الْأَصَحِّ، وَشَمَلَ كَلَامُهُ الْيَدَ الصَّحِيحَةَ، وَالشَّلَّاءَ، وَالزَّائِدَةَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَنْقُضُ إِذَا مَسَّهُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، وَلَوْ بِزَائِدٍ خَلَا ظُفْرِهِ (وَلَا يَنْقُضُ مَسُّهُ بِذِرَاعِهِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، كَالْعَضُدِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ عَلَى مُطْلَقِ الْيَدِ لَا يَتَجَاوَزُ الْكُوعَ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَهِيَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، لِأَنَّهَا فِي الْوُضُوءِ كَذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا غَسَلَهُ فِيهِ لِتَقْيِيدِهِ بِهَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ مَسُّهُ بِغَيْرِ الْيَدِ زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَفِي الْفَرْجِ وَجْهَانِ، وَاخْتَارَ الْأَكْثَرُ النَّقْضَ بِمَسِّهِ بِفَرْجٍ، وَالْمُرَادُ لَا ذَكَرِهِ بِذَكَرِ غَيْرِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي (وَفِي مَسِّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ) الْمُنْفَصِلِ (وَجْهَانِ) وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الْفُرُوعِ "، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ لِذَهَابِ الْحُرْمَةِ، وَالثَّانِي: بَلَى، وَقَطَعَ بِهِ الشِّيرَازِيُّ لِبَقَاءِ الِاسْمِ، وَكَذَا
الْمُشْكِلِ وَذَكَرَهُ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَإِنْ مَسَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَنْتَقِضْ إِلَّا أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ لِشَهْوَةٍ، وَفِي مَسِّ الدُّبُرِ، وَمَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا رِوَايَتَانِ، وَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ مَسُّ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْخِلَافُ فِي مَسِّ مَحَلِّهِ، وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ، وَأَبُو الْمَعَالِي فِيهِ يَنْقُضُ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالذَّكَرِ الْبَائِنِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْخِتَانَيْنِ، لِأَنَّهُ كَيَدٍ بَائِنَةٍ بِخِلَافِ فَرْجٍ بَائِنٍ. وَحُكْمُ لَمْسِ الْقُلْفَةِ، وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي تُقْطَعُ فِي الْخِتَانِ قَبْلَ قَطْعِهَا كَالْحَشَفَةِ، لِأَنَّهَا مِنْهُ، وَلَا يَنْقُضُ مَسُّهَا بَعْدَ قَطْعِهَا لِزَوَالِ الِاسْمِ وَالْحُرْمَةِ. (وَإِذَا لَمَسَ قُبُلَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ وَذَكَرَهُ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ) لِأَنَّ لَمْسَ الْفَرْجِ مُتَيَقَّنٌ لِأَنَّ الْخُنْثَى إِنْ كَانَ ذَكَرًا، فَقَدْ لَمَسَ ذَكَرَهُ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَقَدْ مَسَّ فَرْجَهَا، (وَإِنْ مَسَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَنْتَقِضْ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ فَرْجٍ، فَلَا يُنْقَضُ الْوُضُوءُ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ (إِلَّا أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ) أَيِ الْخُنْثَى (لِشَهْوَةٍ) فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ لِأَنَّ الْخُنْثَى إِنْ كَانَ رَجُلًا فَقَدْ لَمَسَ ذَكَرًا، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَقَدْ لَمَسَ الرَّجُلُ امْرَأَةً لِشَهْوَةٍ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الْوَجِيزِ "، و" الْفُرُوعِ " صُورَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ: إِذَا لَمَسَتِ الْمَرْأَةُ قُبُلَهُ، لِأَنَّ الْخُنْثَى إِنْ كَانَ امْرَأَةً، فَقَدْ لَمَسَتِ الْمَرْأَةُ فَرْجَ امْرَأَةٍ، وَإِنْ كَانَ رَجُلًا فَقَدْ لَمَسَتْهُ لِشَهْوَةٍ (وَفِي مَسِّ الدُّبُرِ، وَمَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا) هُوَ اسْمٌ لِمَخْرَجِ الْحَدَثِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ شَفْرَيْهَا دُونَ اسْكِتَيْهَا، (رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا، وَنَقَلَهَا أَبُو دَاوُدَ: أَنَّهُ يَنْتَقِضُ، قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الْفُرُوعِ " وَاخْتَارَهَا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ، وَالْفَرْجُ: اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٌ فَيَعُمُّ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ
[مس المرأة بشهوة]
الْفَرْجِ بِحَالٍ الْخَامِسُ: أَنْ تَمَسَّ بَشَرَتُهُ بَشَرَةَ أُنْثَى لِشَهْوَةٍ، وَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ، وَعَنْهُ: ـــــــــــــــــــــــــــــQشُعَيْبٍ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ إِلَيْهِ، وَكَالذَّكَرِ، وَالْأُخْرَى: لَا يَنْتَقِضُ. أَمَّا الدُّبُرُ، فَقَالَ الْخَلَّالُ: إِنَّهَا الْأَشْيَعُ فِي قَوْلِهِ، وَاخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ، لِأَنَّ غَالِبَ الْأَحَادِيثِ تُقَيِّدُهُ بِالذَّكَرِ، وَأَمَّا الْفَرْجُ، فَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْجَارِيَةُ إِذَا مَسَّتْ فَرْجَهَا أَعَلَيْهَا وُضُوءٌ؛ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَلَا يُفْضِي مَسُّهُ إِلَى خُرُوجِ خَارِجٍ، بِخِلَافِ الذَّكَرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِلَافَ مُخْتَصٌّ بِمَا إِذَا مَسَّتْ فَرْجَ نَفْسِهَا، وَالْأَشْهَرُ، لَا فَرْقَ بَيْنَ مَسِّ فَرْجِهَا، وَفَرْجِ غَيْرِهَا، وَفِي " التَّلْخِيصِ " و" الْبُلْغَةِ ": يَنْقُضُ مَسُّ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، وَفِي مَسِّ فَرْجِ غَيْرِهَا وَجْهَانِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يُشْتَرَطُ لِلنَّقْضِ بِذَلِكَ الشَّهْوَةُ، وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَشَرَطَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى (وَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ مَسُّ الْفَرْجِ بِحَالٍ) لِمَا سَبَقَ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ بِمَسِّ غَيْرِ الْفَرْجَيْنِ مِنَ الْبَدَنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ عُرْوَةُ: يَجِبُ فِي مَسِّ الْأُنْثَيَيْنِ،، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَجِبُ عَلَى مَنْ مَسَّ مَا بَيْنَ فَرْجَيْهِ، وَلَا تَجِبُ بِمَسِّ فَرْجِ بَهِيمَةٍ وَلَوْ كَانَتْ مَأْكُولَةً، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَاهُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ ": لِشَهْوَةٍ، وَلَا بِمَسِّ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ إِذَا انْسَدَّ، وَانْفَتَحَ غَيْرُهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَقِيلَ: مَعَهَا. فَرْعٌ: إِذَا انْتَشَرَ عُضْوُهُ بِتَكَرُّرِ نَظَرٍ، لَمْ يَنْتَقِضْ فِي الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ كَانَ عَنْ فِكْرٍ. [مَسُّ الْمَرْأَةِ بِشَهْوَةٍ] (الْخَامِسُ: أَنْ تَمَسَّ بَشَرَتُهُ بَشَرَةَ أُنْثَى لِشَهْوَةٍ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلَّى، وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ» ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ مَسِّهَا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَإِنَّمَا هُوَ دَاعٍ إِلَيْهِ، فَاعْتُبِرَتِ الْحَالَةُ الَّتِي تَدْعُو إِلَيْهَا، وَهِيَ حَالَةُ الشَّهْوَةِ، وَفِي " الْوَجِيزِ " بِشَهْوَةٍ بِالْبَاءِ، وَهُوَ أَحْسَنُ لِتَدُلَّ عَلَى الْمُصَاحَبَةِ، وَالْمُقَارَنَةِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْأَجْنَبِيَّةِ، وَذَاتِ الْمَحْرَمِ، وَالصَّغِيرَةِ، وَالْكَبِيرَةِ لِعُمُومِ النَّصِّ، وَاللَّمْسُ النَّاقِضُ مُعْتَبَرٌ مَعَ الشَّهْوَةِ، فَإِذَا وُجِدَتْ فَلَا فَرْقَ لَكِنْ فِي الْعَجُوزِ، وَالْمَحْرَمِ، وَالصَّغِيرَةِ وَجْهٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ فِيهَا، وَصَرَّحَ بِهِ الْمَجْدُ مُقَيَّدًا بِالَّتِي لَا تُشْتَهَى، وَلِلْمَيِّتَةِ، وَالْحَيَّةِ، لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يَرْفَعُ عَنْهَا الِاسْمَ، وَكَمَا يَجِبُ
يَنْقُضُ لَمْسُهَا بِكُلِّ حَالٍ، وَلَا يَنْقُضُ مَسُّ الشَّعَرِ، وَالسِّنِّ، وَالظُّفْرِ، وَالْأَمْرَدِ. وَفِي نَقْضِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْغُسْلُ بِوَطْئِهَا، وَاخْتَارَ الشَّرِيفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ خِلَافَهُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَسُّ بِالْيَدِ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْبَشَرِ لِلْعُمُومِ، وَالتَّخْصِيصُ تَحَكُّمٌ، وَلَا فَرْقَ أَيْضًا بَيْنَ مَسِّهَا بِعُضْوٍ زَائِدٍ أَوْ مَسِّ عُضْوٍ زَائِدٍ مِنْهَا، وَخَرَجَ مِنْ كَلَامِهِ إِذَا كَانَ اللَّمْسُ بِحَائِلٍ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَلَوْ مَعَ شَهْوَةٍ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّهَا، وَالشَّهْوَةُ الْمُجَرَّدَةُ لَا تُوجِبُ الْوُضُوءَ، وَعَنْهُ: يَنْقُضُ، ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَهُوَ بَعِيدٌ، وَخَرَجَ مِنْهُ أَيْضًا مَسُّ الرَّجُلِ الرَّجُلَ، وَالْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ لِشَهْوَةٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَأَمَّا لَمْسُهَا لَهُ مَعَ الشَّهْوَةِ، فَرِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لَا أَثَرَ لَهُ، لِأَنَّ النَّصَّ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الرَّجُلِ، وَاللَّمْسُ مِنْهُ مَعَ الشَّهْوَةِ مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِ الْحَدَثِ فَأُقِيمَ مَقَامَهُ، وَالْأُخْرَى، وَهِيَ أَصَحُّ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: يَنْقُضُ، لِأَنَّهَا مُلَامَسَةٌ نَاقِضَةٌ، فَاسْتَوَيَا فِيهَا كَالْجِمَاعِ، وَهِيَ أَدْعَى إِلَى الْحَدَثِ لِفَرْطِ شَهْوَتِهَا (وَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ) اخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي، وَلَا يَتَوَضَّأُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَضَعَّفَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، «وَوَقَعَتْ يَدُ عَائِشَةَ عَلَى قَدَمِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَهُوَ يُصَلِّي، وَمَسَّهَا بِرِجْلِهِ، وَهُوَ يُصَلِّي» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَلَوْ بَطَلَ وُضُوءُهُ لَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَلِأَنَّهُ مَسَّ فَلَمْ يَنْقُضْ كَمَسِّ الْبَهِيمَةِ، وَالْمُلَامَسَةُ فِي الْآيَةِ أُرِيدَ بِهَا الْجِمَاعُ، قَالَهُ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَلَوْ بَاشَرَ مُبَاشَرَةً فَاحِشَةً، وَقِيلَ: إِنِ انْتَشَرَ نَقَضَ، وَإِذَا لَمْ يَنْقُضْ مَسُّ فَرْجٍ، وَأُنْثَى، اسْتُحِبَّ الْوُضُوءُ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَعَنْهُ: يَنْقُضُ لَمْسُهَا بِكُلِّ حَالٍ) وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ
وُضُوءِ الْمَلْمُوسِ رِوَايَتَانِ. السَّادِسُ: غُسْلُ الْمَيِّتِ. السَّابِعُ: أَكْلُ لَحْمِ الْجَزُورِ، لِقَوْلِ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَبِيهِ، وَقَالَ عُمَرُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ: الْقُبْلَةُ مِنَ اللَّمْسِ، وَفِيهَا الْوُضُوءُ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَحَقِيقَةُ اللَّمْسِ: الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ، قَالَ الشَّاعِرُ: لَمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أَطْلُبُ الْغِنَى وَلِأَنَّهُ مَسٌّ يَنْقُضُ فَلَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِ الشَّهْوَةُ كَالذَّكَرِ، وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ جَمْعًا بَيْنَ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، إِذِ الْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الشَّهْوَةِ، وَفِعْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى عَدَمِهَا، وَلَوْ أُرِيدَ بِهَا الْجِمَاعُ لَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] . (وَلَا يَنْقُضُ لَمْسُ الشَّعَرِ، وَالسِّنِّ، وَالظُّفُرِ) لِشَهْوَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْفَصِلُ عَنْهَا حَالَ السَّلَامَةِ، أَشْبَهَ الدَّمْعَ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ بِإِضَافَتِهِ إِلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يَنْتَقِضُ، لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَتِهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَذَا الْخِلَافُ إِنْ لَمَسَهَا الرَّجُلُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ (وَالْأَمْرَدِ) أَيْ: لَا يَنْقُضُ لَمْسُهُ مَعَ شَهْوَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْآيَةِ لَهُ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلشَّهْوَةِ شَرْعًا، وَعَنْهُ: بَلَى، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ لِآدَمِيٍّ حَقِيقَةً، وَلَا نَقْضَ بِمَسِّ خُنْثَى مُشْكِلٍ، وَلَا بِمَسِّهِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ لِلطَّهَارَةِ شَاكٌّ فِي الْحَدَثِ (وَفِي نَقْضِ وُضُوءِ الْمَلْمُوسِ رِوَايَتَانِ) أَظْهَرُهُمَا لَا نَقْضَ، قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَاخْتَارَهَا الْمَجْدُ، وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى اللَّامِسِ لَا يَصِحُّ لِفَرْطِ شَهْوَتِهِ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، وَهِيَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبْدُوسٍ، لِأَنَّ مَا يُنْقَضُ بِالْتِقَاءِ الْبَشَرَتَيْنِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ اللَّامِسِ وَالْمَلْمُوسِ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، ثُمَّ مَحَلُّهَا إِذَا وُجِدَتِ الشَّهْوَةُ فِي الْمَلْمُوسِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ، وَخَصَّ بَعْضُهُمُ الْمَلْمُوسَ بِالْمَرْأَةِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَفِي نَقْضِ وُضُوءِ الْمَلْمُوسِ فَرْجُهُ
[غسل الميت]
رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، وَلَا تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ» ، فَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَجْهَانِ، وَقِيلَ: لَا يُنْقَضُ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ ذَكَرُهُ بِخِلَافِ لَمْسِ قُبُلِ الْمَرْأَةِ. [غُسْلُ الْمَيِّتِ] (السَّادِسُ: غُسْلُ الْمَيِّتِ) هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي "، و" الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الْفُرُوعِ " لِمَا رَوَى عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ: كَانَا يَأْمُرَانِ غَاسِلَ الْمَيِّتِ بِالْوُضُوءِ، وَكَانَ شَائِعًا لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمُ الْإِخْلَالُ بِهِ، وَلِأَنَّ الْغَاسِلَ لَا يَسْلَمُ مِنْ مَسِّ عَوْرَةِ الْمَيِّتِ غَالِبًا، فَأُقِيمَ مَقَامَهُ، كَالنَّوْمِ مَعَ الْحَدَثِ، وَعَنْهُ: لَا، اخْتَارَهُ التَّمِيمِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ، فَإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيْسَ بِنَجِسٍ - فَحَسْبُكُمْ أَيْ: يَكْفِيكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ» وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَاهُ، وَكَغُسْلِ الْحَيِّ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ، وَالْكَافِرِ، وَالرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْكَبِيرِ، وَالصَّغِيرِ لِلْعُمُومِ، وَسَوَاءٌ غَسَّلَهُ فِي قَمِيصٍ أَوْ لَا، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ إِذَا غَسَّلَهُ فِي ثَوْبٍ، وَلَمْ يَمَسَّ فَرْجَهُ، ذَكَرَ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ الْأَظْهَرُ، وَخَرَجَ مِنْ كَلَامِهِ إِذَا غَسَلَ بَعْضَهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ الِاحْتِمَالَيْنِ عِنْدَ ابْنِ حَمْدَانَ، وَإِذَا يَمَّمَهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ غَسْلِهِ، وَفِيهِ قَوْلٌ. فَرْعٌ: الْغَاسِلُ مَنْ يُقَلِّبُهُ، وَيُبَاشِرُهُ، وَلَوْ مَرَّةً، لَا مَنْ يَصُبُّ الْمَاءَ وَنَحْوَهُ. [أَكْلُ لَحْمِ الْجَزُورِ] (السَّابِعُ: أَكْلُ لَحْمِ الْجَزُورِ) عَلَى الْأَصَحِّ (لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، وَلَا تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَمْ نَرَ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صَحِيحٌ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَهَبَ إِلَى هَذَا عَامَّةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ قَلِيلِهِ، وَكَثِيرِهِ،
شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْ كَبِدِهَا أَوْ طِحَالِهَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQنَيِّئِهِ، أَوْ مَطْبُوخِهِ، عَالِمًا كَانَ الْآكِلُ أَوْ جَاهِلًا، وَعَنْهُ: إِنْ عَلِمَ النَّهْيَ نَقَضَ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ قَوْلُهُ، لِأَنَّهُ خَبَرُ آحَادٍ فَيُعْذَرُ بِالْجَهْلِ كَمَا يُعْذَرُ بِجَهْلِ الزِّنَا، وَنَحْوُهُ الْحَدِيثُ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، وَعَنْهُ: يَنْقُضُ نَيِّئُهُ، وَعَنْهُ: إِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ كَعَشْرِ سِنِينَ، لَمْ يُعِدْ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَصُرَتْ، وَعَنْهُ: لَا يُعِيدُ إِذَا تَرَكَهُ مُتَأَوِّلًا، وَعَنْهُ: إِذَا كَثُرَ أَكْلُهَا، وَعَنْهُ: لَا نَقْضَ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَقَالَ عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ، وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّهُ مَأْكُولٌ أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَأْكُولَاتِ، وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ، لَا يُقَالُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْوُضُوءِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ، لِأَنَّهُ مَقْرُونٌ بِالْأَكْلِ، كَمَا حُمِلَ أَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ، لِأَنَّ الْوُضُوءَ الْوَارِدَ فِي الشَّرْعِ يُحْمَلُ عَلَى مَوْضُوعِهِ الشَّرْعِيِّ، وَلِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ مَا أَمَرَ بِهِ، وَهُوَ الْوُضُوءُ مِنْ لُحُومِهَا، وَبَيْنَ مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَهُوَ عَدَمُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ، وَالْخَصْمُ يَقُولُ: بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا، وَلِأَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، وَالْوُضُوءُ الْمُقْتَرِنُ بِهَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ غَيْرُ الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْإِيجَابُ، لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْهُ، وَدَعْوَى النَّسْخِ مَرْدُودَةٌ بِأُمُورٍ، وَقِيلَ: الْوُضُوءُ مِنْهُ مُعَلَّلٌ بِأَنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ، إِذْ كُلُّ عَاتٍ مُتَمَرِّدٍ شَيْطَانٌ، فَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانُ الْكِلَابِ، وَالْإِبِلُ شَيَاطِينُ الْأَنْعَامِ، فَالْأَكْلُ مِنْهَا يُورِثُ حَالَةً شَيْطَانِيَّةً، وَالشَّيْطَانُ يُطْفِئُهُ بَارِدُ الْمَاءِ. (فَإِنْ شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُغْنِي "، و" الْمُحَرَّرِ "،
[الردة عن الإسلام]
الثَّامِنُ: الرِّدَّةُ عَنِ الْإِسْلَامِ. وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَ " الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: يَنْقُضُ لِمَا رَوَى أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، وَأَلْبَانِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةٍ، وَرَوَى الشَّالَنْجِيُّ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَالْأُخْرَى: لَا، وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَاخْتِيَارُ الْأَكْثَرِينَ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَضْمِضُوا مِنَ اللَّبَنِ، فَإِنَّ لَهُ دَسَمًا» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُكْتَفَى بِهَا فِي كُلِّ لَبَنٍ، وَلِأَنَّ الْأَخْبَارَ الصَّحِيحَةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي اللَّحْمِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ فِيهِ (وَإِنْ أَكَلَ مِنْ كَبِدِهَا أَوْ طِحَالِهَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ) وَفِي " الْفُرُوعِ " رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: لَا يَنْقُضُ، لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْجَزُورِ، فَإِطْلَاقُ لَفْظِ اللَّحْمِ يَتَنَاوَلُهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ تَنَاوَلَ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ، وَالْأَشْهَرُ الْأَوَّلُ، وَالْحُكْمُ فِي بَقِيَّةِ الْأَجْزَاءِ كَالْكَرْشِ، وَالْمُصْرَانِ، وَالسَّنَامِ، وَالدُّهْنِ كَذَلِكَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنْ لَا وُضُوءَ مِنْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ مَسَّتْهُ النَّارُ أَوْ لَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَرُوِيَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَلَا وُضُوءَ بِأَكْلِ لَحْمٍ مُحَرَّمٍ، وَكَذَا طَعَامٌ مُحَرَّمٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ: يَخْتَصُّ النَّقْضُ بِلَحْمِ الْخِنْزِيرِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَبَقِيَّةُ النَّجَاسَاتِ تُخَرَّجُ عَلَيْهِ حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْخَبِيثُ الْمُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ، كَلَحْمِ السِّبَاعِ أَبْلَغُ مِنَ الْإِبِلِ، فَبِالْوُضُوءِ مِنْهُ أَوْلَى، قَالَ: وَالْخِلَافُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لَحْمَ الْإِبِلِ تَعَبُّدِيٌّ، أَوْ عَقْلِ مَعْنَاهُ. [الرِّدَّةُ عَنِ الْإِسْلَامِ] (الثَّامِنُ: الرِّدَّةُ عَنِ الْإِسْلَامِ) هَذَا هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] وَلِقَوْلِ ابْنِ
وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، فَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا، وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، نَظَرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَبَّاسٍ: الْحَدَثُ حَدَثَانِ، حَدَثُ اللِّسَانِ، وَحَدَثُ الْفَرْجِ، وَحَدَثُ اللِّسَانِ أَشَدُّ، وَفِيهِمَا الْوُضُوءُ، لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةٌ بِصِيغَةِ " عَنْ "، قَالَ فِي " التَّحْقِيقِ ": لَا يَصِحُّ، وَرَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ مَرْفُوعًا، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ، فَأَبْطَلَتْهَا الرِّدَّةُ كَالتَّيَمُّمِ، لَكِنَّ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ الْعَمَلَ بِمُجَرَّدِهَا، وَالْأَشْهَرُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا لَا تُحْبِطُهُ إِلَّا بِالْمَوْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [البقرة: 217] وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ صِحَّةَ الْحَجَّ فِي الْإِسْلَامِ الْأَوَّلِ، وَقَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلَاةٍ، وَزَكَاةٍ، وَصَوْمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، ثُمَّ الْإِحْبَاطُ إِنَّمَا يَنْصَرِفُ إِلَى الثَّوَابِ دُونَ الْفِعْلِ، بِدَلِيلِ مُصَلٍّ خَلْفَهُ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا تَمَسُّكٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا نَقْضَ، حَكَاهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْقَاضِي وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ فِي النَّوَاقِضِ، لِعَدَمِ فَائِدَتِهَا لِوُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهِ إِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْوُضُوءُ، وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَرَدَّهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ تَظْهَرُ إِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنَّا نُوجِبُهُمَا عَلَيْهِ، فَإِنْ نَوَاهُمَا بِغُسْلِهِ أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَوْ لَمْ يُنْقَضْ لَمْ يَجِبْ إِلَّا الْغُسْلُ فَقَطْ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْقَاضِي مَا أَوْجَبَ غُسْلًا أَوْجَبَ وُضُوءًا فَهُوَ مُلَازِمٌ لَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِغَيْرِهَا مِنْ غِيبَةٍ، وَنَمِيمَةٍ، وَقَهْقَهَةٍ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ. نَعَمْ، يُسْتَحَبُّ مِنَ الْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ، وَفِي اسْتِحْبَابِهِ مِنَ الْقَهْقَهَةِ وَجْهَانِ. 1 - (وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ) الْيَقِينُ: مَا أَذْعَنَتِ النَّفْسُ لِلتَّصْدِيقِ بِهِ، وَقَطَعَتْ بِهِ، وَقَطَعَتْ بِأَنَّ قَطْعَهَا صَحِيحٌ (وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ) الشَّكُّ خِلَافُ الْيَقِينِ (أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: «شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلُ
فِي حَالِهِ قَبْلَهُمَا، فَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا، فَهُوَ مُحْدِثٌ، إِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ، وَمَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا شَكَّ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ، فَيَجِبُ سُقُوطُهُمَا، كَالْبَيِّنَتَيْنِ إِذَا تَعَارَضَتَا، وَيَرْجِعُ إِلَى الْيَقِينِ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا تَسَاوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ، أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَحَدُهُمَا، لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا ضَابِطٌ فِي الشَّرْعِ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهَا، كَظَنِّ صِدْقِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ وَالْوَقْتِ، هَذَا اصْطِلَاحُ الْفُقَهَاءِ، وَعِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ إِنْ تَسَاوَى الِاحْتِمَالَانِ فَهُوَ شَكٌّ، وَالرَّاجِحُ ظَنٌّ، وَالْمَرْجُوحُ وَهْمٌ (فَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا) أَيْ: تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَالْحَدَثَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ مَثَلًا (وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا) أَيْ: لَمْ يَعْلَمِ الْآخَرَ مِنْهُمَا (نَظَرَ فِي حَالِهِ قَبْلَهُمَا) أَيْ: قَبْلَ الطَّهَارَةِ وَالْحَدَثِ، وَهُوَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ (فَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ) الْآنَ (مُحْدِثٌ) لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ زَوَالَ ذَلِكَ الْحَدَثِ بِطَهَارَةٍ، وَلَمْ يَتَيَقَّنْ زَوَالَ تِلْكَ الطَّهَارَةِ بِحَدَثٍ آخَرَ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْحَدَثُ الَّذِي تَيَقَّنَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ هُوَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، فَلَمْ يَزُلْ يَقِينُ الطَّهَارَةِ بِالشَّكِّ (وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ) لِمَا ذَكَرْنَا. هَذَا فِي تَيَقُّنِ الْحَالَيْنِ، وَأَمَّا تَيَقُّنُ الْفِعْلَيْنِ، فَإِذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ مَثَلًا تَطَهَّرَ عَنْ حَدَثٍ، وَأَحْدَثَ عَنْ طُهْرٍ، وَلَا يَعْلَمُ أَسْبَقَهُمَا فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ قَبْلَهُمَا جَزْمًا، فَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ، لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الَّتِي قَبْلَ الزَّوَالِ قَدْ تَيَقَّنَ زَوَالَهَا بِالْحَدَثِ، وَتَيَقَّنَ زَوَالَ الْحَدَثِ بِالطَّهَارَةِ الَّتِي فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ، وَكَذَا لَوْ عَيَّنَ وَقْتًا لَا يَسَعُهُمَا، فَإِنْ جَهِلَ حَالَهُمَا، وَأَسْبَقَهُمَا، أَوْ تَيَقَّنَ حَدَثًا، وَفَعَلَ طَهَارَةً فَقَطْ، فَبِضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا، وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ، وَلَا يَدْرِي الْحَدَثَ عَنْ طَهَارَةٍ، فَمُتَطَهِّرٌ مُطْلَقًا، وَعَكْسُ هَذِهِ بِعَكْسِهَا. مَسْأَلَةٌ: إِذَا سَمِعَا صَوْتًا أَوْ شَمَّا رِيحًا مِنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِمَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا يَأْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ، وَلَا يُصَافِفْهُ فِي الصَّلَاةِ إِنْ كَانَا وَحْدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا إِمَامًا أَعَادَا صَلَاتَهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ عَنْهُ: يَنْوِي كُلٌّ مِنْهُمَا الِانْفِرَادَ، وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ وَحْدَهُ. 1 -
أَحْدَثَ حُرِّمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، وَالطَّوَافُ، وَمَسُّ الْمُصْحَفِ.. ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَمَنْ أَحْدَثَ حُرِّمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ، وَالسُّجُودَ الْمُجَرَّدَ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَالْقِيَامَ الْمُجَرَّدَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا، فَلَوْ صَلَّى مَعَ الْحَدَثِ لَمْ يُكَفِّرْ، وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ، وَالنَّوَوِيُّ، عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ جَوَازَ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ (وَالطَّوَافُ) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمْ إِلَّا بِخَيْرٍ» إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ إِلَى عَطَاءٍ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَاخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، قَالَ أَحْمَدُ: عَطَاءٌ رَجُلٌ صَالِحٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، وَلَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ. (وَمَسُّ الْمُصْحَفِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] أَيْ: لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ، وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَحُرِّكَ بِالضَّمِّ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَالْمُطَهَّرُونَ الْمَلَائِكَةُ، لِأَنَّ الْمُطَهَّرَ مَنْ طَهَّرَهُ غَيْرُهُ، وَلَوْ أُرِيدَ بَنُو آدَمَ لَقِيلَ: الْمُتَطَهِّرُونَ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُمْ وَبَنُو آدَمَ قِيَاسًا عَلَيْهِمْ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا، وَكَانَ فِيهِ: لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مُتَّصِلًا، قَالَ الْأَثْرَمُ: وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ مَسُّهُ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى يَتَطَهَّرَ، وَلَوْ بِتَيَمُّمٍ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: إِنِ احْتَاجَهُ، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا يُسَمَّى مُصْحَفًا مِنَ الْكِتَابَةِ، وَالْجِلْدِ، وَالْحَوَاشِي، وَالْوَرَقِ الْأَبْيَضِ الْمُتَّصِلِ بِهِ، بِدَلِيلِ الْبَيْعِ عَلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَذْهَبِ، وَلَهُ حَمْلُهُ بِعَلَاقَتِهِ، أَوْ بِحَائِلٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ، لَا يَتْبَعُهُ فِي الْبَيْعِ كَغِلَافِهِ، أَوْ بِحَائِلٍ تَابِعٍ لِلْحَامِلِ، كَحَمْلِهِ فِي كُمِّهِ، أَوْ ثَوْبِهِ، أَوْ تَصَفُّحِهِ بِعُودٍ، وَنَحْوِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، جَزَمَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ وَالْقَاضِي، وَالْمُؤَلِّفُ، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ مِنْ حَمْلِهِ بِعَلَاقَتِهِ، وَتَصَفُّحِهِ بِكُمِّهِ، وَخَرَّجَهُ الْقَاضِي مِنْهُ إِلَى بَقِيَّةِ الْحَوَائِلِ، وَلَمْ يُعَوَّلْ عَلَيْهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَلَهُ الْكِتَابَةُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ، جَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: هُوَ كَالتَّقْلِيبِ بِالْعُودِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ دُونَ الْجُنُبِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى مُقْتَضَى مَا هُوَ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ. وَلَهُ مَسُّ تَفْسِيرٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَمَنْسُوخِ تِلَاوَتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْأَحَادِيثِ الْمَأْثُورَةِ، وَالتَّوْرَاةِ، وَالْإِنْجِيلِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقُرْآنٍ، وَحُكْمُ الْبَعْضِ كَالْكُلِّ، فَلَوْ كَتَبَ بَعْضَهُ مُنْفَرِدًا لَمْ يَجُزْ مَسُّهُ، وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ مُصْحَفًا، نَعَمْ، فِي مَسِّ الصِّبْيَانِ أَلْوَاحَهُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا الْقَاضِي، وَمَسِّ الدَّرَاهِمِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ، وَثَوْبٍ طُرِّزَ بِهِ، رِوَايَتَانِ، أَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ طَهَارَةَ الْخُبْثِ لَا يُشْتَرَطُ انْتِفَاؤُهَا، نَعَمْ، يُمْنَعُ مِنْ مَسِّهِ بِعُضْوٍ نَجِسٍ لَا بِغَيْرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالَّذِي لَا يَمَسُّهُ، لَكِنْ لَهُ نَسْخُهُ دُونَ حَمْلٍ وَمَسٍّ، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى حَمْلِهِ حَالَ كِتَابَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ مَسُّهُ بِعُضْوٍ طَهَّرَهُ حَتَّى يُكْمِلَهَا. مَسَائِلُ: الْأُولَى: لَا يُكْرَهُ تَحْلِيَتُهُ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ لِتَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ، وَعَنْهُ: لَا كَالضَّبَّةِ، وَكَتَطْيِيبِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَيَّسَهُ الْحَرِيرَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْرٌ يَسِيرٌ،
.. .... .... .... .. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقِيلَ: يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ لَا لِلنِّسَاءِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، كَكُتُبِ الْعِلْمِ فِي الْأَصَحِّ. قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: كَتْبُهُ بِذَهَبٍ حَرَامٌ، لِأَنَّهُ زَخْرَفَةٌ، وَيُؤْمَرُ بِحَكِّهِ، فَإِنِ اجْتَمَعَ مِنْهُ مَا يُتَمَوَّلُ زَكَّاهُ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِذَا بَلَغَ نِصَابًا. وَكَرِهَ أَحْمَدُ تَوَسُّدَهُ، وَفِي تَحْرِيمِهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا كُتُبُ الْعِلْمِ الَّتِي فِيهَا قُرْآنٌ، وَفِي مَعْنَاهُ التَّخَطِّي، وَرَمْيُهُ بِالْأَرْضِ، بِلَا وَضْعٍ، وَلَا حَاجَةٍ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ، وَيَحْرُمُ كَتْبُهُ بِحَيْثُ يُهَانُ، كَبَوْلِ حَيَوَانٍ، وَنَحْوِهِ، وَتَجِبُ إِزَالَتُهُ، وَيَحْرُمُ دَوْسُهُ، وَالْمُرَادُ غَيْرُ حَائِطِ الْمَسْجِدِ، قَالَ فِي " الْفُصُولِ "، وَغَيْرِهِ: يُكْرَهُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَى حِيطَانِ الْمَسْجِدِ ذِكْرًا، وَغَيْرَهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُ الْمُصَلِّي، وَيُلْهِيهِ، وَيُدْفَنُ إِذَا بَلِيَ لِتَعْظِيمِهِ وَصِيَانَتِهِ، وَلَهُ نَقْطُهُ، وَشَكْلُهُ، وَكِتَابَةُ الْأَعْشَارِ، وَالسُّوَرِ، وَعَدَدِ الْآيَاتِ فِي رِوَايَةٍ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ نَقْطُهُ، وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةَ النَّاسِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ تَقْبِيلُهُ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ الْوَقْفَ، وَلَا يَجْعَلُهُ عَلَى عَيْنَيْهِ لِعَدَمِ النَّقْلِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُقَامُ لَهُ، لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ فِعْلِ أَحْمَدَ الْجَوَازُ. الثَّالِثَةُ: لَهُ أَخْذُ الْفَأْلِ فِيهِ، فَعَلَهُ ابْنُ بَطَّةَ، وَلَمْ يَرَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ يَحْرُمُ، حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ عَنِ الطَّرْطُوشِيِّ الْمَالِكِيِّ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الْكَرَاهَةُ. الرَّابِعَةُ: يَحْرُمُ السَّفَرُ بِهِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَقِيلَ: إِلَّا مَعَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " يُكْرَهُ بِدُونِ غَلَبَتِهَا. الْخَامِسَةُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُمَلِّكَهُ لِكَافِرٍ، فَلَوْ مَلَكَهُ بِإِرْثٍ أُلْزِمَ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ، لِأَنَّهُ يَتَدَيَّنُ بِانْتِهَاكِهِ، وَإِزَالَةِ حُرْمَتِهِ.
[باب الغسل]
بَابُ الْغُسْلِ وَمُوجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ: خُرُوجُ الْمَنِيِّ الدَّافِقِ بِلَذَّةٍ، فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُوجِبْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابُ الْغُسْلِ] [مُوجِبَاتُ الغسل] [خُرُوجُ الْمَنِيِّ] ِ هُوَ مَصْدَرٌ، مِنْ غَسَلَ الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ، يَغْسِلُهُ غَسْلًا، قَالَ عِيَاضٌ: بِالْفَتْحِ الْمَاءُ، وَبِالضَّمِّ: الْفِعْلُ، وَذَكَرَ ابْنُ بَرِّيٍّ: أَنَّ غَسْلَ الْجَنَابَةِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: بِالضَّمِّ: الِاغْتِسَالُ وَالْمَاءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: غَسَلْتُ الشَّيْءَ غَسْلًا بِالْفَتْحِ، وَالِاسْمُ: الْغُسْلُ بِالضَّمِّ، وَبِالْكَسْرِ: مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خِطْمِيٍّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ وَاجِبٌ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] يُقَالُ: رَجُلٌ جُنُبٌ، وَكَذَا الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَقَدْ يُقَالُ جُنُبَانِ وَجُنُبُونَ، وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " " وَنَحْنُ جُنُبَانِ " سُمِّيَ بِهِ، لِأَنَّهُ نُهِيَ أَنْ يَقْرَبَ مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: لِمُجَانَبَتِهِ النَّاسَ حَتَّى يَتَطَهَّرَ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَاءَ جَانَبَ مَحِلَّهُ، وَالْأَحَادِيثُ مَشْهُورَةٌ بِذَلِكَ. (وَمُوجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ) وَفِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " سِتَّةٌ. (خُرُوجُ الْمَنِيِّ) مِنْ مَخْرَجِهِ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا لَوِ انْكَسَرَ صُلْبُهُ فَخَرَجَ مِنْهُ، لَمْ يَجِبْ، وَحُكْمُهُ كَالنَّجَاسَةِ الْمُعْتَادَةِ (الدَّافِقِ بِلَذَّةٍ) وَلَوْ دَمًا (فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ أَوْ كَسْرِ ظَهْرٍ (لَمْ يُوجِبْ) فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ لِمَا رَوَى عَلِيٌّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَاضِخًا فَلَا تَغْتَسِلْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْفَضْخُ: هُوَ خُرُوجُهُ بِالْغَلَبَةِ، قَالَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ النَّائِمُ، فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ يَكُونُ نَجِسًا، وَلَيْسَ مَذْيًا، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ ". وَالثَّانِيَةُ: يَجِبُ، ذَكَرَهَا ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَالْقَاضِي، وَأَخَذَهَا مِنْ نَصِّهِ فِيمَنْ جَامَعَ،
فَإِنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِهِ، فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ وَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ الْغُسْلِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَنْزَلَ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ أَنَّهُ يَخْرُجُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مَنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ» وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ: «وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهَذَا مَا لَمْ يَصِرْ سَلَسًا، قَالَهُ الْقَاضِي، وَجَمْعٌ، فَيَجِبُ الْوُضُوءُ فَقَطْ، لَكِنْ قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": يُمْكِنُ مَنْعُ كَوْنِ هَذَا مَنِيًّا، لِأَنَّ الشَّارِعَ وَصَفَهُ بِصِفَةٍ غَيْرِ مَوْجُودَةٍ فِيهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ وَاجِبٌ بِالْخُرُوجِ، وَيَتَوَجَّهُ بِإِرَادَةِ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ. فَائِدَةٌ: الْمَنِيُّ يُخْلَقُ مِنْهُ الْحَيَوَانُ، لِخُرُوجِهِ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَيَنْقُصُ بِهِ جُزْءٌ مِنْهُ، وَلِهَذَا يَضْعُفُ بِكَثْرَتِهِ فَيُجْبَرُ بِالْغُسْلِ. (فَإِنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِهِ) مِنْ ظَهْرِهِ (فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يَجِبُ، اخْتَارَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَخْبَارِ، إِذِ الْحُكْمُ فِي الْجَمِيعِ مُرَتَّبٌ عَلَى الرُّؤْيَةِ، لِأَنَّ الشَّهْوَةَ بِمُجَرَّدِهَا لَا تُوجِبُ غُسْلًا، لِأَنَّهَا أَحَدُ وَصْفَيِ الْعِلَّةِ، وَيُسَمَّى جُنُبًا، وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِخُرُوجِهِ. وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، وَهِيَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ، وَجَزَمَ بِهَا الْأَكْثَرُ، لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَصْلُهَا الْبُعْدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36] أَيِ: الْبَعِيدِ، وَمَعَ الِانْتِقَالِ قَدْ بَاعَدَ الْمَاءُ مَحِلَّهُ، فَصَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْجُنُبِ، وَإِنَاطَةً لِلْحُكْمِ بِالشَّهْوَةِ، وَتَعْلِيقًا لَهُ عَلَى الْمَظِنَّةِ، إِذْ بَعْدَ انْتِقَالِهِ يَبْعُدُ عَدَمُ خُرُوجِهِ قِيلَ: وَمَحَلُّهُمَا فِيمَا إِذَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى قُلْفَةِ الْأَقْلَفِ، وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ، أَمَّا إِذَا خَرَجَ إِلَيْهِمَا فَإِنَّهُ يَجِبُ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
أَوْ خَرَجَتْ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ، لَمْ يَجِبِ الْغُسْلُ وَعَنْهُ يَجِبُ، وَعَنْهُ: يَجِبُ إِذَا خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ دُونَ مَا بَعْدَهُ. الثَّانِي: الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ، وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ قُبُلًا كَانَ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَعَلَى الْأُولَى يَجِبُ الْغُسْلُ إِذَا خَرَجَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ، وَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، لِأَنَّ انْتِقَالَهُ كَانَ لِشَهْوَةٍ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " وَأَعَادَ مَا صَلَّى. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يَحْصُلُ بِهِ الْبُلُوغُ، وَالْفِطْرُ، وَفَسَادُ النُّسُكِ، وَوُجُوبُ بَدَنَةٍ فِي الْحَجِّ، حَيْثُ وَجَبَتْ لِخُرُوجِ الْمَنِيِّ. قَالَهُ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " إِلْزَامًا، وَجَعَلَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَجْهًا وَبَعَّدَهُ، وَأَطْلَقَ فِي " الْفُرُوعِ " الْوَجْهَيْنِ، وَكَذَا انْتِقَالُ حَيْضٍ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. (وَإِنْ) قُلْنَا: يَجِبُ بِالِانْتِقَالِ فَاغْتَسَلْ لَهُ، ثُمَّ (خَرَجَ بَعْدَ الْغُسْلِ أَوِ) اغْتَسَلَ لِمَنِيٍّ خَرَجَ بَعْضُهُ، ثُمَّ (خَرَجَتْ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ، لَمْ يَجِبِ الْغُسْلُ) ذَكَرَ الْخَلَّالُ: أَنَّهُ الَّذِي تَوَاتَرَتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْجُنُبِ، يَخْرُجُ مِنْهُ الشَّيْءُ بَعْدَ الْغُسْل؟ قَالَ: يَتَوَضَّأُ. وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّهُ مِنِيٌّ وَاحِدٌ، فَأَوْجَبَ غُسْلًا وَاحِدًا كَمَا لَوْ خَرَجَ دُفْعَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ خَارِجٌ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، أَشْبَهَ خُرُوجَهُ فِي الْبَرْدِ، وَبِهِ عَلَّلَ أَحْمَدُ قَالَ: لِأَنَّ الشَّهْوَةَ مَاضِيَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ حَدَثٌ، أَرْجُو أَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْوُضُوءُ. (وَعَنْهُ: يَجِبُ) قَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " وَصَحَّحَهَا الْمُؤَلِّفُ، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِخُرُوجِهِ كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ، فَيُنَاطُ الْحُكْمُ بِهِ. (وَعَنْهُ: يَجِبُ إِذَا خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ، لِأَنَّهُ بَقِيَّةُ مَنِيٍّ دَافِقٍ بِلَذَّةٍ (دُونَ مَا بَعْدَهُ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْهُ شَرْطُهُ، وَهُوَ الدَّفْقُ وَاللَّذَّةُ، وَرُوِيَ نَحْوُهَا عَنْ عَلِيٍّ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَعَنْهُ: يَجِبُ إِذَا خَرَجَ بَعْدَ الْبَوْلِ دُونَ مَا قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ مَنِيٌّ جَدِيدٌ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَوَّلِ لَمَا تَخَلَّفَ، وَكَذَا لَوْ جَامَعَ فَلَمْ يُنْزِلْ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: يَغْتَسِلُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِلَامِ مِنْ غَيْرِ إِنْزَالٍ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَعَنْهُ: إِنْ وَجَدَ لَذَّةَ الْإِنْزَالِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ خَرَجَ لِشَهْوَةٍ اغْتَسَلَ فِي الْحَالِ، وَإِلَّا فَرِوَايَتَا الِانْتِقَالِ، وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يَجِبُ لِئَلَّا يَلْزَمَ انْتِقَالُ مَنِيٍّ، وَخُرُوجُهُ مِنْ غَيْرِ اغْتِسَالٍ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إِذَا وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ، فَدَبَّ مَنِيُّهُ، فَدَخَلَ فَرْجَ الْمَرْأَةِ، ثُمَّ خَرَجَ أَوْ وَطِئَ فِي الْفَرْجِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا بَعْدَ غُسْلِهَا، أَوْ خَرَجَ مَا اسْتَدْخَلَتْهُ بِقُطْنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَمْ يَنْزِلْ مَنِيُّهَا، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: أَوْ خَرَجَ مَا دَخَلَهُ مِنْ مَنِيِّ امْرَأَةٍ بِسِحَاقٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَفِي الْكُلِّ وَجْهٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا انْتَبَهَ بَالِغٌ، أَوْ مَنْ يُحْتَمَلُ بُلُوغُهُ، فَوَجَدَ بَلَلًا جَهِلَ أَنَّهُ مِنِيٌّ، وَجَبَ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ حُلْمًا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَغَسَلَ بَدَنَهُ، وَثَوْبَهُ احْتِيَاطًا، وَلَا يَجِبُ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ، ذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنِيًّا أَوْ مَذْيًا، وَهُوَ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، وَإِنْ وَجَدَهُ يَقَظَةً، وَشَكَّ فِيهِ تَوَضَّأَ، وَلَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ حُكْمُ غَيْرِ الْمَنِيِّ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ حُكْمِهِمَا، وَإِنْ سَبَقَ نَوْمَهُ نَظَرٌ أَوْ بَرْدٌ أَوْ مُلَاعَبَةٌ لَمْ يَجِبْ،
[التقاء الختانين]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَعَنْهُ: إِنْ ذَكَرَ مَعَهُ حُلْمًا، وَإِنْ تَيَقَّنَهُ مَذْيًا، فَلَا، وَإِنْ رَأَى مَنِيًّا بِثَوْبٍ يَنَامُ فِيهِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي، وَالْأَزَجِّيُّ: لَا بِظَاهِرِهِ لِجَوَازِهِ مِنْ غَيْرِهِ، اغْتَسَلَ، وَيَعْمَلُ فِي الْإِعَادَةِ بِالْيَقِينِ، وَإِنْ كَانَ يَنَامُ فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ، فَلَا، عَلَى الْأَصَحِّ. [الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ] (الثَّانِي: الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَزَادَ هُوَ، وَأَحْمَدُ «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا بِالْإِنْزَالِ، لِقَوْلِهِ: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» . فَمَنْسُوخٌ بِمَا رَوَى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «قَالَ: إِنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَقُولُونَ: الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ، رُخْصَةٌ رَخَّصَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. ثُمَّ الْمُرَادُ مِنَ الْتِقَائِهِمَا: تَقَابُلُهُمَا وَتَحَاذِيهِمَا فَقَالَ: (وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ) الْأَصْلِيَّةِ أَوْ قَدْرِهَا إِنْ فُقِدَتْ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ (فِي الْفَرْجِ) الْأَصْلِيِّ بِلَا حَائِلٍ، وَقِيلَ: وَمَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَرَارَةً لِيَحْتَرِزَ بِهِ مِنَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ إِذَا أَوْلَجَ حَشَفَتَهُ، وَلَمْ يُنْزِلْ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، أَوْ أَوْلَجَ غَيْرُ الْخُنْثَى ذَكَرَهُ مِنْ قُبُلِ الْخُنْثَى، فَلَا غُسْلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِاحْتِمَالِ
أَوْ دُبُرًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ. الثَّالِثُ: إِسْلَامُ الْكَافِرِ أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ مُرْتَدًّا ـــــــــــــــــــــــــــــQكَوْنِ الْحَشَفَةِ أَوِ الْقُبُلِ خِلْقَةً زَائِدَةً، وَمَنْ أَنْزَلَ مِنْهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَإِنْ تَوَاطَأَ خُنْثَيَانِ فِي قُبُلَيْهِمَا أَوْ دُبُرَيْهِمَا فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: الزَّائِدُ كَأَصْلِيٍّ وَجَبَ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ تَوَاطَأَ رَجُلٌ وَخُنْثَى فِي دُبُرَيْهِمَا اغْتَسَلَ الرَّجُلُ بِيَقِينٍ، وَالْأَصَحُّ وُجُوبُهُ عَلَى الْخُنْثَى احْتِيَاطًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ مِنْ غَيْرِ إِيلَاجٍ فَلَا غُسْلَ، كَمَنْ أَوْلَجَ بَعْضَ الْحَشَفَةِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، فَلَوْ مَكَثَ زَمَانًا لَمْ يُصَلِّ احْتَاطَ فِي الصَّلَاةِ، وَيُعِيدُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مِمَّا اشْتُهِرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ فَلَمْ يُعْذَرْ بِالْجَهْلِ، وَالطَّائِعِ وَالْمُكْرَهِ، لِأَنَّ مُوجِبَ الطَّهَارَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَصْدُ، كَسَبْقِ الْحَدَثِ، وَالنَّائِمُ كَالْيَقْظَانِ (قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا) فِي الْمَنْصُوصِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، وَقِيلَ: عَلَى الْوَاطِئِ (مِنْ آدَمِيٍّ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِلْبَالِغِ وَغَيْرِهِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يَجِبُ عَلَى الصَّغِيرِ إِذَا وَطِئَ، وَالصَّغِيرَةِ إِذَا وُطِئَتْ، مُسْتَدِلًّا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَالْأَصَحُّ: يَلْزَمُهُ إِنْ أَرَادَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْغُسْلِ أَوِ الْوُضُوءِ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ فِعْلِهِ شَهِيدًا، لَكِنَّ الْقَاضِيَ صَرَّحَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ، مُسْتَدِلًّا بِعَدَمِ التَّكْلِيفِ كَالْحَائِضِ، وَحَمَلَ كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَرَدَّهُ فِي " الْمُغْنِي " لِكَوْنِهِ صَرَّحَ بِالْوُجُوبِ، وَلَعَلَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ، إِذْ مُرَادُهُ بِالْوُجُوبِ اشْتِرَاطُهُ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، لَا التَّأْثِيمُ بِتَأْخِيرِهِ، وَمُرَادُ الْقَاضِي بِالِاسْتِحْبَابِ انْتِفَاءُ إِلْزَامِهِ بِذَلِكَ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ لِوُجُوبِهِ مُجَامَعَةَ مِثْلِهِ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ لِلذَّكَرِ ابْنَ عَشْرٍ، وَلِلْأُنْثَى بِنْتَ تِسْعٍ، وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْأَكْثَرِ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ (أَوْ بَهِيمَةٍ) حَتَّى سَمَكَةٍ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي "تَعْلِيقِهِ" وَتَبِعَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ إِيلَاجٌ فِي فَرْجٍ أَشْبَهَ الْآدَمِيَّةَ، وَلَوْ غَيَّبَتِ امْرَأَةٌ
[إسلام الكافر]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQحَشَفَةَ بَهِيمَةٍ اغْتَسَلَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً فَلَا (حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ) لِمَا ذَكَرْنَا، فَيُعَادُ غُسْلُ الْمَيِّتِ، وَذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِوَطْئِهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالْعَجُوزِ وَالشَّوْهَاءِ، وَالْمَذْهَبُ: يَجِبُ عَلَى النَّائِمِ، وَالْمَجْنُونِ. فَرْعٌ: لَوْ قَالَتِ امْرَأَةٌ: لِي جِنِّيٌّ يُجَامِعُنِي كَالرَّجُلِ، فَلَا غُسْلَ، لِعَدَمِ الْإِيلَاجِ وَالِاحْتِلَامِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَفِيهِ نَظَرٌ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي قَوْله تَعَالَى {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ} [الرحمن: 74] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِنِّيَّ يَغْشَى الْمَرْأَةَ كَالْإِنْسِيِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْغَشَيَانِ الْإِيلَاجُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ غِشْيَانُهُ عَنْ مُلَابَسَةٍ بِبَدَنِهِ خَاصَّةً. [إِسْلَامُ الْكَافِرِ] (الثَّالِثُ: إِسْلَامُ الْكَافِرِ أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ مُرْتَدًّا) عَلَى الْأَصَحِّ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ أَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَمُرُوهُ أَنْ يَغْتَسِلَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْعَمْرِيِّ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا، وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ: «أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ جَنَابَةٍ، فَأُقِيمَتِ الْمَظِنَّةُ مُقَامَ الْحَقِيقَةِ كَالنَّوْمِ، وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مُسَاوٍ لِلْأَصْلِيِّ فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ الْإِسْلَامُ فَوَجَبَ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ، وَبَيْنَ مَنْ أَجْنَبَ أَوْ لَا، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَسْتَفْصِلْ، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحَالُ لَوَجَبَ الِاسْتِفْصَالُ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ بِالْبَالِغِ، وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ الْغُسْلَ
[الموت]
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ. الرَّابِعُ: الْمَوْتُ الْخَامِسُ: الْحَيْضُ السَّادِسُ: النِّفَاسُ ـــــــــــــــــــــــــــــQشَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ وَطْءِ الصَّبِيِّ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ) وَحَكَى فِي " الْكَافِي " رِوَايَةً. فَعَلَى هَذَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ وُجِدَ مِنْهُ سَبَبُهُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ كَجَنَابَةٍ، فَيَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ، وَسَوَاءٌ اغْتَسَلَ فِي كُفْرِهِ أَوْ لَا، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَأْمُرْ بِهِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَ بِهِ كَغَيْرِهِ، إِذْ هُوَ أَوَّلُ وَاجِبَاتِ بَعْدِ الْإِسْلَامِ، وَيَقَعُ كَثِيرًا، وَتَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَلَوْ وَقَعَ لَنُقِلَ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَيُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، لِحَدِيثِ قَيْسٍ بِقَرِينَةِ السِّدْرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَدِيثَ مُعَاذٍ إِنَّمَا ذَكَرَ فِيهِ أُصُولَ الْإِسْلَامِ لَا شَرَائِطَهَا، فَعَلَى هَذَا، الْأَشْهَرُ: لَوْ أَجْنَبَ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ تَدَاخَلَا، وَعَلَى الثَّانِي: يَجِبُ لِلْجَنَابَةِ، فَلَوِ اغْتَسَلَ فِي كُفْرِهِ أَعَادَهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ نِيَّتِهِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَا، إِنِ اعْتَقَدَ وَجُوبَهَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى طَاعَةٍ فِي الْكُفْرِ إِذَا أَسْلَمَ، وَقِيلَ: لَا غُسْلَ عَلَى كَافِرٍ مُطْلَقًا. فَرْعٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَ الْمَاءِ بِالسِّدْرِ، - كَإِلْقَاءِ شَعْرِهِ - لِلْخَبَرِ قَالَ أَحْمَدُ: وَيَغْسِلُ ثِيَابَهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهَا وَجَبَ، وَإِلَّا اسْتُحِبَّ. فَرْعٌ: يَحْرُمُ تَأْخِيرُ الْإِسْلَامِ لِغُسْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَوِ اسْتَشَارَ مُسْلِمًا فَأَشَارَ بِعَدَمِ الْإِسْلَامِ، أَوْ أَخَّرَ عَرْضَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ، وَذَكَرَ صَاحِبُ " التَّتِمَّةِ " مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَصِيرُ مُرْتَدًّا، وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ. [الْمَوْتُ] (الرَّابِعُ: الْمَوْتُ) لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ كَمَا يَأْتِي، وَلَوْ لَمْ يَجِبْ لَمَا أَمَرَ بِهِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: اغْسِلْنَهَا. . . إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَهُوَ تَعَبُّدٌ لَا عَنْ حَدَثٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَنْهُ، لَمْ يَرْتَفِعْ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِهِ، كَالْحَائِضِ لَا تَغْتَسِلُ مَعَ جَرَيَانِ الدَّمِ، وَلَا عَنْ
[الحيض]
وَفِي الْوِلَادَةِ الْعَرِيَّةِ عَنِ الدَّمِ وَجْهَانِ وَمَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ حَرُمَ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ آيَةٍ فَصَاعِدًا، ـــــــــــــــــــــــــــــQنَجِسٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَنْهُ لَمْ يَطْهُرْ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِ التَّنْجِيسِ، وَهُوَ الْمَوْتُ. وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ، وَالْمَقْتُولُ ظُلْمًا، وَسَيَأْتِي. [الْحَيْضُ] (الْخَامِسُ: الْحَيْضُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: «وَإِذَا ذَهَبَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَرَ بِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَسَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ، وَحَمْنَةَ، وَغَيْرَهُنَّ، يُؤَكِّدُهُ قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: 222] أَيْ: إِذَا اغْتَسَلْنَ، فَمُنِعَ الزَّوْجُ مِنْ وَطْئِهَا قَبْلَ غُسْلِهَا، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَيْهَا. [النِّفَاسُ] (السَّادِسُ: النِّفَاسُ) كَالْحَيْضِ، يَجْتَمِعُ ثُمَّ يَخْرُجُ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِهِمَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ بِالْخُرُوجِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ إِنَاطَةً لِلْحُكْمِ بِسَبَبِهِ، لَكِنَّ الِانْقِطَاعَ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ اتِّفَاقًا، وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ بِالِانْقِطَاعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا أَنَّ الْحَائِضَ إِذَا اسْتُشْهِدَتْ، فَعَلَى الثَّانِي: لَا تَغْسِلُ، إِذْ الِانْقِطَاعُ الشَّرْعِيُّ الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ لَمْ يُوجَدْ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: تَغْسِلُ لِلْوُجُوبِ بِالْخُرُوجِ، وَقَدْ حَصَلَ الِانْقِطَاعُ حِسًّا أَشْبَهَ مَا لَوْ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجِبُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّ الطُّهْرَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْغُسْلِ، أَوْ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا مَنْ عَلَّقَ عِتْقًا أَوْ طَلَاقًا عَلَى مَا يُوجِبُ غُسْلًا، وَقَعَ بِالْخُرُوجِ، وَعَلَى الثَّانِي: بِالِانْقِطَاعِ. (وَفِي الْوِلَادَةِ الْعَرِيَّةِ عَنْ دَمٍ) كَذَا قَيَّدَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " (وَجْهَانِ) - وَفِي " الْكَافِي " رِوَايَتَانِ - أَحَدُهُمَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخَيْنِ، وَظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ "، و" الْوَجِيزِ ": أَنَّهُ لَا يَجِبُ، لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَالثَّانِي:
[ما يحرم على من لزمه الغسل]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQبَلَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَابْنِ الْبَنَّا، لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ النِّفَاسِ الْمُوجِبِ، فَأُقِيمَ مُقَامَهُ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، أَوْ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ مُنْعَقِدٌ، وَرُدَّ بِخُرُوجِ الْعَلَقَةِ، فَإِنَّهَا لَا تُوجِبُ غُسْلًا بِلَا نِزَاعٍ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ ": بِلَا دَمٍ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا الْفِطْرُ، وَتَحْرِيمُ الْوَطْءِ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ، وَالْوَلَدُ طَاهِرٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي غُسْلِهِ مَعَ دَمٍ وَجْهَانِ. مَسْأَلَةٌ: لَا غُسْلَ عَلَى حَائِضٍ لِجَنَابَةٍ حَتَّى يَنْقَطِعَ حَيْضُهَا فِي الْمَنْصُوصِ، لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوِ اغْتَسَلَتْ صَحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مَنَعَ الْإِعْطَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، لِأَنَّ بَقَاءَ أَحَدِ الْحَدَثَيْنِ لَا يَمْنَعُ ارْتِفَاعَ الْآخَرِ، كَمَا لَوِ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ. قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ، وَهِيَ أَظْهَرُ، لِأَنَّهَا لَمْ تَسْتَفِدْ بِهِ شَيْئًا، وَفِي وُجُوبِ غُسْلِ ذِمِّيَّةٍ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضٍ لِوَطْءِ زَوْجٍ مُسْلِمٍ أَوْ سَيِّدٍ رِوَايَتَانِ. [مَا يَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ] (وَمَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ حَرُمَ عَلَيْهِ) مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ، وَحَرُمَ عَلَيْهِ (قِرَاءَةُ آيَةٍ فَصَاعِدًا) عَلَى الْأَصَحِّ، رُوِيَتْ كَرَاهَةُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ - بِكَسْرِ اللَّامِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَحْجُبُهُ، وَرُبَّمَا قَالَ: لَا يَحْجِزُهُ، مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ» وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَاهُ، قَالَ شُعْبَةُ: لَسْتُ أَرْوِي حَدِيثًا أَجْوَدَ مِنْ هَذَا. فَيَدْخُلُ فِيهِ الْكَافِرُ إِذَا أَسْلَمَ وَلَمْ يَغْتَسِلْ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، وَضَعَفَّهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: لَا وَجْهَ لَهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ: جَوَازُ قِرَاءَتِهَا، نَقَلَهَا الْخَطَّابِيُّ، وَأَشَارَ إِلَيْهَا فِي
وَفِي بَعْضِ آيَةٍ رِوَايَتَانِ. وَيَجُوزُ لَهُ الْعُبُورُ فِي الْمَسْجِدِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ" التَّلْخِيصِ " فَقَالَ: وَقِيلَ: يَتَخَرَّجُ مِنْ تَصْحِيحِ خُطْبَةِ الْجُنُبِ قِرَاءَةُ آيَةٍ لِاشْتِرَاطِهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِرَاءَةُ آيَاتٍ لِلتَّعَوُّذِ، وَفِي " الْوَاضِحِ " أَنَّهُ يَجُوزُ آيَةٌ وَآيَتَانِ، لِأَنَّهُ لَا إِعْجَازَ فِيهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا طَالَ، وَقِيلَ: يُبَاحُ لِحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، قَالَ الْقَاضِي: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: يُبَاحُ لِنُفَسَاءَ فَقَطْ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَقِيلَ: يُبَاحُ لِحَائِضٍ أَنْ تَقْرَأَ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ، قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ بَعِيدٌ. لَكِنِ اخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهَا أَنْ تَقْرَأَهُ إِذَا خَافَتْ نِسْيَانَهُ بَلْ يَجِبُ، لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَاجِبٌ. (وَفِي بَعْضِ آيَةٍ رِوَايَتَانِ) أَظْهَرُهُمَا: لَا يَجُوزُ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَقْرَأِ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ. أَشْبَهَ الْكَثِيرَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ قَوْلُ: بِاسْمِ اللَّهِ تَبَرُّكًا عَلَى الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ، بِشَرْطِ عَدَمِ قَصْدِ الْقِرَاءَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَالثَّانِيَةُ: الْجَوَازُ، وَهِيَ الْأَصَحُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الرِّعَايَةِ " كَالذِّكْرِ، وَلَوْ كَرَّرَهَا مَا لَمْ يَتَحَيَّلْ عَلَى قِرَاءَةٍ تَحْرُمُ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَافَقَ نَظْمَ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَقْصِدْهُ جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَهُ تَهَجِّيهِ فِي الْأَصَحِّ، وَالتَّفَكُّرُ فِيهِ، وَتَحْرِيكُ شَفَتَيْهِ مَا لَمْ يُبَيِّنِ الْحُرُوفَ، وَقِرَاءَةُ أَبْعَاضِ آيَةٍ مُتَوَالِيَةٍ، أَوْ آيَاتٍ يَسْكُتُ بَيْنَهَا سُكُوتًا طَوِيلًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ فَمُهُ نَجِسٌ لَا يُمْنَعُ مِنْ قِرَاءَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ أَوْلَى. فَرْعٌ: الْكَافِرُ كَالْجُنُبِ يُمْنَعُ مِنْ قِرَاءَتِهِ، وَلَوْ رُجِيَ إِسْلَامُهُ، نَقَلَ مُهَنَّا: أَكْرَهُ أَنْ يَضَعَهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. 1 - (وَيَجُوزُ لَهُ الْعُبُورُ فِي الْمَسْجِدِ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " و" الْفُرُوعِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43] ، وَهُوَ الطَّرِيقُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَنْبَأَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ أَحَدُنَا فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا مُجْتَازًا، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، شَاهِدٌ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: لِحَاجَةٍ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " وَكَوْنُهُ طَرِيقًا قَصِيرًا حَاجَةٌ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ اتِّخَاذَهُ طَرِيقًا، وَقِيلَ: يَحْرُمُ عَلَى حَائِضٍ وَجُنُبٍ، كَمَا لَوْ حَصَلَ تَلْوِيثٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَهُمَا دُخُولُهُ لِلْأَخْذِ مِنْهُ دُونَ الْوُضُوءِ، وَيُمْنَعُ مِنْهُ سَكْرَانُ، وَفِي الْخِلَافِ: لَا، وَمَجْنُونٌ، وَقِيلَ: فِيهِ يُكْرَهُ، كَصَغِيرٍ، وَفِيهِ: فِي " النَّصِيحَةِ " يُمْنَعُ اللَّعِبُ، لَا صَلَاةٌ، وَقِرَاءَةٌ، وَنَقَلَ مُهَنَّا يَنْبَغِي أَنْ يُجَنَّبَ الصِّبْيَانُ الْمَسَاجِدَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْعُبُورُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ، حَتَّى مُصَلَّى الْعِيدِ، لِأَنَّهُ أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ حَقِيقَةً، لَا مُصَلَّى الْجَنَائِزِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَلَمْ يَمْنَعْ فِي " النَّصِيحَةِ " حَائِضًا مِنْ مُصَلَّى الْعِيدِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ، وَمَنَعَهَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ". (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ) وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمَا لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، وَحَنْبَلٌ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُمْ مُجْنِبُونَ إِذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَهُمْ لِلصَّلَاةِ. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ يُخَفِّفُ حَدَثَهُ، فَيَزُولُ بَعْضُ مَا مَنَعَهُ، وَعَنْهُ: لَا، وِفَاقًا لِلْآيَةِ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا أُحِلُّ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ
[الأغسال المستحبة]
فَصَلٌ وَالْأَغْسَالُ الْمُسْتَحَبَّةُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ غُسْلًا: لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَنْهَا، وَالْأَكْثَرُ يُضَعِّفُهُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " رِوَايَةٌ: يَجُوزُ لِجُنُبٍ مُطْلَقًا، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يَجُوزُ لِحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ، لِأَنَّ حَدَثَهُمَا بَاقٍ لَا أَثَرَ لِلْوُضُوءِ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعِ الدَّمُ لَمْ يَجُزْ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ، وَاحْتَاجَ فَبِدُونِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَمُسْتَحَاضَةٍ، وَنَحْوِهَا، وَعِنْدَ أَبِي الْمَعَالِي، وَالْمُؤَلِّفِ: أَنَّهُ يَجُوزُ بِتَيَمُّمٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ كَلُبْثِهِ لِغُسْلِهِ فِيهِ. فَرْعٌ: يُمْنَعُ مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ تَتَعَدَّى، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي فِي اللُّبْثِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَيَمَّمُ لَهَا لِلْعُذْرِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. فَرْعٌ: إِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي الْمَسْجِدِ جَازَ دُخُولُهُ بِلَا تَيَمُّمٍ، وَإِنْ أَرَادَ اللُّبْثَ فِيهِ لِلِاغْتِسَالِ تَيَمَّمَ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِيهِ بُعْدٌ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْعُكْبَرِيُّ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ سَأَلَهَا أَبُو يُوسُفَ لِمَالِكٍ، فَجَوَّزَ الدُّخُولَ بِغَيْرِ تَيَمُّمٍ. [الْأَغْسَالُ الْمُسْتَحَبَّةُ] [الْغُسْلُ لِلْجُمُعَةِ] (وَالْأَغْسَالُ الْمُسْتَحَبَّةُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ غُسْلًا) . وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " (لِلْجُمُعَةِ) لِمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ إِلَى الْحَسَنِ، وَاخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ: لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْهُ، وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَيَكُونُ فِي يَوْمِهَا لِحَاضِرِهَا إِنْ صَلَّى، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَرْأَةُ، وَقِيلَ: وَلَهَا، وَعَنْهُ: يَجِبُ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عَلَيْهِ
[الغسل للعيدين]
وَالْكُسُوفِ وَالْمَجْنُونِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَا مِنْ غَيْرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالسَّلَامُ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ، وَالْأَمْرُ بِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، بِدَلِيلِ أَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَتَى الْجُمُعَةَ بِغَيْرِ غُسْلٍ. وَقَوْلُهُ: وَاجِبٌ قِيلَ: كَانَ وَاجِبًا، ثُمَّ نُسِخَ، وَقِيلَ: يُطْلَقُ، وَيُرَادُ بِهِ مُتَأَكِّدُ الِاسْتِحْبَابِ، كَمَا تَقُولُ: حَقُّكَ وَاجِبٌ عَلَيَّ، وَبِدَلِيلِ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَهُوَ آكَدُهَا عَلَى الْأَشْهَرِ. [الْغُسْلُ لِلْعِيدَيْنِ] (وَالْعِيدَيْنِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ لِذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَفِيهِمَا ضَعْفٌ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ تُشْتَرَطُ لَهَا الْجَمَاعَةُ، أَشْبَهَتِ الْجُمُعَةَ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا حَضَرَهَا، وَصَلَّى، وَلَوْ مُنْفَرِدًا، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " إِنْ حَضَرَ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ، وَمِثْلُهُ الزِّينَةُ وَالطِّيبُ، لِأَنَّهُ يَوْمُ الزِّينَةِ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ، وَوَقْتُهُ كَالْجُمُعَةِ، وَعَنْهُ: بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَتِهِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فِي جَمِيعِهَا أَوْ بَعْدَ نِصْفِهَا كَالْأَذَانِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ، لِأَنَّ زَمَنَ الْعِيدِ أَضْيَقُ مِنَ الْجُمُعَةِ. [الْغُسْلُ لِلِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ] (وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالْكُسُوفِ) فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ كَالْجُمُعَةِ (وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ) عَلَى الْأَصَحِّ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، بِدَلِيلِ أَنَّ أَسْمَاءَ غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرٍ، وَسَأَلَتْ هَلْ عَلَيَّ غُسْلٌ: قَالُوا: لَا، رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا، وَالثَّانِيَةُ: يَجِبُ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: أَبُو إِسْحَاقَ الْجَوْزَجَانِيُّ، وَعَنْهُ: مِنْ كَافِرٍ، «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يُوَارِيَ أَبَا طَالِبٍ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: اغْتَسِلْ رَوَاهُ أَحْمَدُ» ، وَعَنْهُ: حَتَّى الْحَيِّ قَالَهُ الْقَاضِي، وَفِي " الْمُغْنِي ": لَا نَعْلَمُ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ
[الغسل للمجنون والمغمى عليه]
احْتِلَامٍ، وَغُسْلِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَالْغُسْلِ لِلْإِحْرَامِ وَلِدُخُولِ مَكَّةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQحُجَّةً تُوجِبُهُ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا، قَالَ أَحْمَدُ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ: لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ. [الْغُسْلُ لِلْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ] (وَالْمَجْنُونِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ مِنَ الْإِغْمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَالْجُنُونُ فِي مَعْنَاهُ بَلْ أَوْلَى، لِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ فِي نَفْسِهِ لَا يُوجِبُهُ كَالنَّوْمِ، وَوُجُودُ الْإِنْزَالِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يُزَالُ عَنِ الْيَقِينِ، وَإِنْ وُجِدَ مَعَهُ بِلَّةٌ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنَ الْمَذْهَبِ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَوْ مَرَضٍ، فَإِنْ تَيَقَّنَ مَعَهُمَا الْإِنْزَالَ وَجَبَ، لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوجِبَاتِ كَالنَّائِمِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ مُطْلَقًا، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي أَفْعَالِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْوُجُوبُ، وَتَكَرَّرَ مَعَ مَشَقَّتِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ. [غُسْلُ الْمُسْتَحَاضَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ] (وَغُسْلِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - اسْتُحِيضَتْ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَفَهِمَتْ مِنَ الْأَمْرِ بِهِ الِاغْتِسَالَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَفِي غَيْرِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ أَمَرَهَا بِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ رَوَاهُ» أَبُو دَاوُدَ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ، وَعَنْهُ: بَلَى، لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - زَيْنَبَ وَأُخْتَهَا بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ أَشَدُّ مَا قِيلَ فِيهَا، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّ انْقِطَاعَ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ يُوجِبُ الْغُسْلَ. [الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ] (وَالْغُسْلِ لِلْإِحْرَامِ) لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ،
[الغسل للوقوف بعرفة]
وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَالطَّوَافِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَاغْتَسَلَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، وَهُوَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ مَعَ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، «لِأَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ نُفِسَتْ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتُهِلَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. لَا يُقَالُ: أَمَرَهَا بِهِ لِأَجْلِ النِّفَاسِ، فَلَا يَنْتَهِضُ دَلِيلًا، لِأَنَّ حَدَثَ النِّفَاسِ مُسْتَمِرٌّ، وَالْغُسْلَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، فَتَعَيَّنَ مَا قُلْنَا (وَلِدُخُولِ مَكَّةَ) أَيْ: حَرَمِهَا، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَانَ يَفْعَلُهُ، وَلَوْ مَعَ حَيْضٍ قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا. [الْغُسْلُ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ] (وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا. [الْغُسْلُ لِلْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَالطَّوَافِ] (وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَالطَّوَافِ) لِأَنَّهَا مَوَاضِعُ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ، وَيَزْدَحِمُونَ فَيَعْرَقُونَ، فَيُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَاسْتُحِبَّ كَالْجُمُعَةِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالْوَدَاعِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ نَقَلَ صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِدُخُولِ الْحَرَمِ، وَفِي " مَنْسَكِ ابْنِ الرَّاغُونِيِّ ": وَلِسَعْيٍ، وَفِي " الْإِشَارَةِ "، و" الْمَذْهَبِ "، وَلَيَالِي مِنًى، وَعَنْهُ: وَلِحِجَامَةٍ، وَنَصَّ أَحْمَدُ، وَلِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقِيلَ: وَلِكُلِّ اجْتِمَاعٍ مُسْتَحَبٌّ قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ " فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ.
[صفة الغسل]
فَصَلٌ فِي صِفَةِ الْغُسْلِ وَهُوَ ضَرْبَانِ: كَامِلٌ يَأْتِي فِيهِ بِعَشَرَةِ أَشْيَاءَ: النِّيَّةُ وَالتَّسْمِيَةُ، وَغَسْلُ يَدَيْهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَرْعٌ: يَتَيَمَّمُ لِلْكُلِّ فِي الْأَصَحِّ، لِحَاجَةٍ، نَقَلَهُ صَالِحٌ فِي الْإِحْرَامِ، وَلِمَا يُسَنُّ الْوُضُوءُ لَهُ لِعُذْرٍ، وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لَا لِغَيْرِ عُذْرٍ. [صِفَةُ الْغُسْلِ] فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْغُسْلِ لَمَّا تَمَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ، شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَتِهِ، وَالْعِلْمُ بِالْمَوْصُوفِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْعِلْمِ بِالصِّفَةِ (وَهُوَ ضَرْبَانِ: كَامِلٌ) سُمِّيَ كَامِلًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ (يَأْتِي فِيهِ بِعَشَرَةِ أَشْيَاءَ) وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " وَجَعَلَهَا فِي " الْكَافِي " تِسْعَةً، وَفِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَمَيْمُونَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. (النِّيَّةُ) وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ، أَوِ اسْتِبَاحَةَ مَا لَا يُشْرَعُ إِلَّا بِهِ، كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَنَحْوِهَا (وَالتَّسْمِيَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا: هِيَ هُنَا كَالْوُضُوءِ قِيَاسًا لِإِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَفِي " الْمُغْنِي " أَنَّ حُكْمَهَا هُنَا أَخَفُّ، لِأَنَّ حَدِيثَ التَّسْمِيَةِ إِنَّمَا تَنَاوَلَ بِصَرِيحِهِ الْوُضُوءَ لَا غَيْرَ، انْتَهَى، وَيَتَوَجَّهُ عَكْسُهُ، لِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وُضُوءٌ وَزِيَادَةٌ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْخِرَقِيُّ هُنَا نَظَرًا لِلْحَدَثَيْنِ (وَغَسْلُ يَدَيْهِ ثَلَاثًا) كَمَا فِي الْوُضُوءِ، لَكِنْ هُنَا آكَدُ بِاعْتِبَارِ رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْهُمَا بِذَلِكَ، وَلِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَيَكُونُ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ.
ثَلَاثًا، وَغَسْلُ مَا بِهِ مِنْ أَذًى، وَالْوُضُوءُ، وَيَحْثِي بِالْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا يَرْوِي بِهَا أُصُولَ الشَّعْرِ، وَيُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثَلَاثًا، وَيَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيُدَلِّكُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَغَسْلُ مَا بِهِ مِنْ أَذًى) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى فَرْجِهِ، أَوْ بَقِيَّةِ بَدَنِهِ، نَجَسًا كَانَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " أَوْ طَاهِرًا مُسْتَقْذَرًا كَالْمَنِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي " الْوَجِيزِ " و" الْفُرُوعِ " وَغَسْلُ مَا لَوَّثَهُ. (وَالْوُضُوءُ) الْكَامِلُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» وَعَنْهُ: يُؤَخِّرُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ: «ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» وَعَنْهُ: هُمَا سَوَاءٌ لِمَجِيءِ السُّنَّةِ بِهِمَا، وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ غَالِبِ فِعْلِهِ، وَمَيْمُونَةُ أَخْبَرَتْ عَنْ غُسْلٍ وَاحِدٍ. (وَيَحْثِي) يُقَالُ: حَثَوْتُ، أَحْثُو حَثْوًا، كَغَزَوْتُ، وَحَثَيْتُ أَحْثِي حَثْيًا كَرَمَيْتُ (بِالْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا) يَعْنِي: بِالْمَاءِ لِقَوْلِ مَيْمُونَةَ: «ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ» (يَرْوِي بِهَا) فِي كُلِّ مَرَّةٍ (أُصُولَ الشَّعْرِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدِ اسْتَبْرَأَ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ» ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. (وَيُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثَلَاثًا) لِقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «ثُمَّ أَفَاضَ
بَدَنَهُ بِيَدِهِ، وَيَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعِهِ فَيَغْسِلُ قَدَمَيْهِ وَمُجْزِئٌ. وَهُوَ أَنْ يَغْسِلَ مَا بِهِ مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ» ، وَلِقَوْلِ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ التَّثْلِيثِ فِيهِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " وَقِيلَ: مَرَّةً، وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي " الْفُرُوعِ " شَيْئًا (وَيَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَامُنُ فِي طَهُورِهِ (وَيُدَلِّكُ بَدَنَهُ بِيَدِهِ) لِأَنَّهُ أَنْقَى، وَبِهِ يَتَيَقَّنُ وُصُولَ الْمَاءِ إِلَى مَغَابِنِهِ وَجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَبِهِ يَخْرُجُ مِنَ الْخِلَافِ. (وَيَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعِهِ) فَيُعِيدُ (غَسْلَ قَدَمَيْهِ) لِقَوْلِ مَيْمُونَةَ: «ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» وَقِيلَ: لَا يُعِيدُ غَسْلَهُمَا إِلَّا لِطِينٍ، وَنَحْوِهِ كَالْوُضُوءِ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ لِوُرُودِهِمَا، وَظَاهِرُ إِحْدَى رِوَايَاتِ حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ. فَرْعٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَلِّلَ أُصُولَ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَلِحْيَتِهِ بِمَاءٍ قَبْلَ إِفَاضَتِهِ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ". وَيَكْفِي ظَنُّ وُصُولِ الْمَاءِ إِلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ أَوْ مَسْحُهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُحَرِّكُ خَاتَمَهُ لِيَتَيَقَّنَ وُصُولَ الْمَاءِ. 1 -
أَذًى، وَيَنْوِيَ، وَيَعُمَّ بَدَنَهُ بِالْغُسْلِ وَيَتَوَضَّأَ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلَ بِالصَّاعِ. فَإِنْ أَسْبَغَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَمُجْزِئٌ) أَيْ: كَافٍ (وَهُوَ أَنْ يَغْسِلَ مَا بِهِ مِنْ أَذًى) ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ صِحَّةَ الْغُسْلِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْحُكْمِ بِزَوَالِ النَّجَاسَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى فَرْجِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَقَدْ تَبِعَا أَبَا الْخَطَّابِ، لَكِنَّ عِبَارَتَهُ أَبْيَنُ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَنْوِي، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ كَلَامَهُمَا عَلَى مَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِنْجَاءَ بِشَرْطِ تَقَدُّمِهِ عَلَى الْغُسْلِ، كَمَا هُوَ فِي الْوُضُوءِ، لَكِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: يُشْكِلُ هَذَا عَلَى الْمُؤَلِّفِ، فَإِنَّهُ اخْتَارَ ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَجِبُ تَقْدِيمُ الِاسْتِنْجَاءِ، وَعَلَى الْخِرَقِيِّ: بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِهِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْمُجْزِئِ، فَعَلَى هَذَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ مَعَ بَقَاءِ النَّجَاسَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا مَعَ آخِرِ غَسْلَةٍ طَهَّرَتِ الْمَحَلَّ فَيُعَضِّدُ الْأَوَّلَ، ثُمَّ هَلْ يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ مَعَ بَقَاءِ النَّجَاسَةِ أَوْ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا مَعَ الْحُكْمِ بِزَوَالِهَا؛ فِيهِ قَوْلَانِ. ثُمَّ مَحَلُّهُمَا مَا لَمْ تَكُنِ النَّجَاسَةُ كَثِيفَةً تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ، فَإِنْ مَنَعَتْهُ فَلَا (وَيَنْوِي) أَيْ: يَقْصِدُ رَفْعَ الْحَدَثِ، أَوِ اسْتِبَاحَةَ أَمْرٍ لَا يُبَاحُ إِلَّا بِهَا كَمَسِّ الْمُصْحَفِ (وَيَعُمَّ بَدَنَهُ بِالْغُسْلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] ، وَلِمَا رَوَى جَابِرٌ: «أَنَّ أُنَاسًا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلُوا عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَقَالُوا: إِنَّا بِأَرْضٍ بَارِدَةٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَحْفِنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَظَاهِرُهُ: الِاجْتِزَاءُ بِالتَّطْهِيرِ، وَالِاغْتِسَالُ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ. وَالْمُرَادُ بِتَعْمِيمِهِ الظَّاهِرُ جَمِيعُهُ، وَمَا فِي حُكْمِهِ، مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ كَالْفَمِ وَالْأَنْفِ، وَتَرَكَهُمَا هُنَا اعْتِمَادًا عَلَى مَا سَبَقَ، وَصَرَّحَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَأَنْ يَغْسِلَ الْبَشَرَةَ الَّتِي تَحْتَ الشُّعُورِ كَالرَّأْسِ، وَاللِّحْيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ كَثَّةً، وَذَكَرَ الدِّينَوَرِيُّ أَنَّ بَاطِنَ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ فِي الْجَنَابَةِ كَالْوُضُوءِ. وَيَجِبُ غَسْلُ الشَّعْرِ ظَاهِرِهِ، وَبَاطِنِهِ مَعَ مُسْتَرْسِلِهِ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ غَسْلُ الْمُسْتَرْسِلِ، وَرَجَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " فَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ تَرَكَ غَسْلَ شَيْءٍ مِنْهُ لَمْ يَتِمَّ غُسْلُهُ، فَلَوْ غَسَلَهُ ثُمَّ تَقَطَّعَ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِنَقْضِ الشَّعْرِ، وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يَجِبُ نَقْضُهُ فِي الْحَيْضِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ لِقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا - وَكَانَتْ حَائِضًا - انْقُضِي شَعْرَكِ، وَاغْتَسِلِي» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - نَحْوُهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَيْضِ تَطُولُ فَيَتَلَبَّدُ، فَشُرِعَ النَّقْضُ طَرِيقًا مُوَصِّلًا إِلَى وُصُولِ الْمَاءِ إِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ وَلَا يَتَكَرَّرُ، بِخِلَافِ الْجَنَابَةِ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ كَالْجَنَابَةِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: «أَفَأَنْقُضُهُ مِنَ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ؛ قَالَ: لَا» ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يَجِبُ كَالْحَيْضِ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ بِمَا إِذَا طَالَ وَتَلَبَّدَ، وَالنُّفَسَاءُ كَالْحَائِضِ، أَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى رَأْسِ إِحْدَاهُنَّ مَا يَمْنَعُ وَصُولَ الْمَاءِ كَالسِّدْرِ، وَنَحْوِهِ، وَجَبَ نَقْضُهُ، وَالرَّجُلُ كَالْمَرْأَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَكَذَا يَجِبُ غَسْلُ حَشَفَةِ الْأَقْلَفِ إِذَا أَمْكَنَ تَشْمِيرُهَا، كَمَا يَجِبُ تَطْهِيرُهَا مِنَ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الرَّتِقِ، وَكَذَا مَا يَظْهَرُ مِنْ فَرْجِهَا عِنْدَ قُعُودِهَا لِحَاجَتِهَا، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، كَحَشَفَةِ الْأَقْلَفِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ مِنَ الْبَاطِنِ أَشْبَهَ الْحُلْقُومَ، وَكَذَلِكَ يَثْبُتُ الْفِطْرُ بِحُصُولِ الْحَشَفَةِ فِيهِ، لَكِنْ حَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQمَا عُمِّقَ مِنْهُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا تَسْمِيَةَ - وَقَدْ تَقَدَّمَتْ - وَلَا تَرْتِيبَ، وَهُوَ كَذَلِكَ اتِّفَاقًا، قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا انْغَمَسَ الْجُنُبُ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ أَجْزَأَهُ بِخِلَافِ الْمُحْدِثِ، وَلَا مُوَالَاةَ عَلَى الْأَصَحِّ لِلْحَاجَةِ إِلَى تَفْرِيقِهِ كَثِيرًا، وَلِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ بِإِعَادَتِهِ، وَلِخَبَرِ اللُّمْعَةِ، وَحَيْثُ فَاتَتِ الْمُوَالَاةُ فِيهِ أَوْ فِي وُضُوءٍ، وَقُلْنَا: يَجُوزُ، فَلَا بُدَّ لِلْإِمَامِ مِنْ نِيَّةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ النِّيَّةِ الْحُكْمِيَّةِ قُرْبَ الْفِعْلِ مِنْهَا، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ، فَدَلَّ عَلَى الْخِلَافِ. وَلَا دَلْكَ، وَقَدْ أَوْجَبَهُ مَالِكٌ حَيْثُ يَنَالُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: اغْتَسَلَ إِلَّا لِمَنْ دَلَّكَ نَفْسَهُ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ، فَوَجَبَ فِيهَا إِمْرَارُ الْيَدِ كَالتَّيَمُّمِ، مَعَ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ إِمْرَارِ الْيَدِ فَقَالَ: إِذَا اغْتَسَلَ بِمَاءٍ بَارِدٍ فِي الشِّتَاءِ أَمَرَّ يَدَهُ، لِأَنَّ الْمَاءَ يَنْزَلِقُ عَنِ الْبَدَنِ فِي الشِّتَاءِ، وَالْجَوَابُ عَنِ التَّيَمُّمِ بِأَنَّهُ أَمَرَنَا بِالْمَسْحِ، وَيَتَعَذَّرُ فِي الْغَالِبِ إِمْرَارُ التُّرَابِ بِغَيْرِ الْيَدِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَصِلْ إِلَى مَحَلِّهِ، فَيَجِبُ، كَبَاطِنِ الشُّعُورِ الْكَثِيفَةِ. تَذْنِيبٌ: يُسْتَحَبُّ السِّدْرُ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ، وَظَاهِرُ نَقْلِ الْمَيْمُونِيِّ، وَكَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ: يَجِبُ، وَأَنْ تَأْخُذَ مِسْكًا فَتَجْعَلَهُ فِي قُطْنَةٍ أَوْ شَيْءٍ، وَتَجْعَلَهَا فِي فَرْجِهَا بَعْدَ غُسْلِهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَطِيبًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَطِينًا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ، لِيَقْطَعَ الرَّائِحَةَ، وَقَالَ أَحْمَدُ: غُسْلُ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ، كَمَيِّتٍ. قَالَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ " مَعْنَاهُ: يَجِبُ مَرَّةً، وَيُسْتَحَبُّ ثَلَاثًا، وَيَكُونُ السِّدْرُ وَالطِّيبُ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ. 1 - (وَيَتَوَضَّأَ بِالْمُدِّ) وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ عِرَاقِيٌّ، وَبِالدِّرْهَمِ: مِائَةٌ وَوَاحِدٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا، وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ (وَيَغْتَسِلَ بِالصَّاعِ) وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، فَيَكُونُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا بِالْعِرَاقِيِّ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ لِكَعْبٍ: أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَعْلَمُهُ أَنَّ الْفَرَقَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ، وَالْفَرَقُ: سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ،
بِدُونِهِمَا أَجْزَأَهُ وَإِذَا اغْتَسَلَ يَنْوِي الطَّهَارَتَيْنِ، أَجْزَأَ عَنْهُمَا. وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى ـــــــــــــــــــــــــــــQوَأَوْمَأَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُشَيْشٍ أَنَّهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ مِنَ الْمَاءِ، اخْتَارَهُ فِي " الْخِلَافِ "، و" مُنْتَهَى الْغَايَةِ " لَا مُطْلَقًا. تَنْبِيهٌ: الرِّطْلُ الْعِرَاقِيُّ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ تِسْعُونَ مِثْقَالًا، وَالْمِثْقَالُ دِرْهَمٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، هَكَذَا كَانَ قَدِيمًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ زَادُوا فِيهِ مِثْقَالًا فَجَعَلُوهُ أَحَدًا وَتِسْعِينَ مِثْقَالًا، وَكُمِّلَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، وَقَصَدُوا بِذَلِكَ زَوَالَ الْكَسْرِ، وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ وَقْتَ تَقْدِيرِ الْعُلَمَاءِ الْمُدَّ بِهِ، وَهُوَ بِالدِّمَشْقِيِّ: ثَلَاثَةُ أَوَاقٍ، وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ، وَالصَّاعُ: رِطْلٌ وَأُوقِيَّةٌ، وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ، وَإِنْ شِئْتَ: رِطْلٌ وَسُبْعُ رِطْلٍ (فَإِنْ أَسْبَغَ بِدُونِهِمَا أَجْزَأَهُ) فِي الْمَنْصُوصِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ «أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي كَرَاهَتِهِ وَجْهَانِ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّ أَحْمَدَ أَوْمَأَ إِلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يُجْزِئُ مِنَ الْوُضُوءِ الْمُدُّ، وَمِنَ الْغُسْلِ الصَّاعُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَثْرَمُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ بِدُونِهِ. وَجَوَابُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغُسْلِ، وَقَدْ أَتَى بِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَبِمَا رَوَتْ أُمُّ عُمَارَةَ بِنْتُ كَعْبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّأَ، فَأُتِيَ بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ قَدْرَ ثُلُثَيِ الْمُدِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَحَدِيثُهُمْ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ، وَهَذَا بِالْمَنْطُوقِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا. مَسْأَلَةٌ: إِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ جَازَ، لَكِنْ يُكَرَهُ الْإِسْرَافُ وَالزِّيَادَةُ الْكَثِيرَةُ فِيهِ، قَالَهُ فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQ" الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى سَعْدٍ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ؛ فَقَالَ: أَفِي الْمَاءِ إِسْرَافٌ؛ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَإِذَا اغْتَسَلَ يَنْوِي الطَّهَارَتَيْنِ) وَقَالَ الْأَزَجِّيُّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَوِ الْأَكْبَرِ (أَجْزَأَ عَنْهُمَا) عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ تَرْتِيبٌ، وَلَا مُوَالَاةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْجُنُبَ بِالتَّطْهِيرِ، وَلَمْ يَأْمُرْ مَعَهُ بِوُضُوءٍ، وَلِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ، فَتَدَاخَلَا فِي الْفِعْلِ دُونَ النِّيَّةِ، كَمَا تَدْخُلُ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ، وَلَا يَرُدُّ غُسْلُ الْحَائِضِ الْجُنُبَ، لِأَنَّ مُوجِبَهُمَا وَاحِدٌ (وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ) عَنِ الْأَصْغَرِ (حَتَّى يَتَوَضَّأَ) قَبْلَ الْغُسْلِ، أَوْ بَعْدَهُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ لَمَّا اغْتَسَلَ، وَفِعْلُهُ يُفَسِّرُ الْآيَةَ، وَلِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مُخْتَلِفَتَا الْقَدْرِ، وَالصِّفَةِ فَلَمْ تَتَدَاخَلَا، كَالْحُدُودِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَتَدَاخَلَانِ إِذَا أَتَى بِخَصَائِصِ الصُّغْرَى، وَهِيَ التَّرْتِيبُ، وَالْمُوَالَاةُ، وَالْمَسْحُ، فَلَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ حِينَ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ أَجْزَأَهُ، وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] فَجَعَلَ الِاغْتِسَالَ نِهَايَةَ الْمَنْعِ مِنَ الصَّلَاةِ، فَيَجِبُ إِذَا اغْتَسَلَ أَنْ تَجُوزَ لَهُ الصَّلَاةُ، لَا يُقَالُ: النَّهْيُ هُنَا عَنْ قُرْبَانِ مَوَاضِعِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ يَزُولُ بِالِاغْتِسَالِ، لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ نَهْيٌ عَنِ الصَّلَاةِ، وَعَنْ مَسْجِدِهَا، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَسْجِدِ فَقَطْ، لِأَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى بِهِمْ، وَخَلَطَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَسَبَبُ النُّزُولِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي الْكَلَامِ، وَسُئِلَ جَابِرٌ: أَيَتَوَضَّأُ الْجُنُبُ بَعْدَ الْغُسْلِ؛ قَالَ: لَا، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، رَوَاهُمَا سَعِيدٌ. فَإِنْ نَوَى أَحَدَهُمَا ارْتَفَعَ وَحْدَهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ أَوِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ أَمْرًا لَا يُبَاحُ إِلَّا بِوُضُوءٍ، وَاغْتَسَلَ، ارْتَفَعَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ عَكْسُهُ، كَالثَّانِيَةِ، قَالَ ابْنُ حَامِدٍ:
يَتَوَضَّأَ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ أَوِ الْأَكْلَ أَوِ الْوَطْءَ ثَانِيًا أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ وَيَتَوَضَّأَ.. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْجَنَابَةُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ حَدَثٍ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا، لَا يَجِبُ سِوَى الْغُسْلِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ ": لَوِ اغْتَسَلَ إِلَّا أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ، لَمْ يَجِبِ التَّرْتِيبُ فِيهَا، لِأَنَّ حُكْمَ الْجَنَابَةِ بَاقٍ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْآمِدِيُّ فِيمَنْ غَسَلَ جَمِيعَ بَدَنِهِ إِلَّا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَحْدَثَ، يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ، لِانْفِرَادِهَا فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ دُونَ الرِّجْلَيْنِ لِبَقَاءِ حَدَثِ الْجَنَابَةِ عَلَيْهِمَا، فَيَغْسِلُهُمَا عَنِ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِي بَقِيَّةِ أَعْضَائِهِ. وَإِنْ نَوَتْ مَنِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا بِغُسْلِهَا حَلَّ الْوَطْءِ صَحَّ، وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّهَا إِنَّمَا نَوَتْ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَهُوَ الْوَطْءُ. ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي. 1 - (وَيُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ) وَلَوْ أُنْثَى، وَحَائِضٍ، وَنُفَسَاءَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ (إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ أَوِ الْأَكْلَ) أَوِ الشُّرْبَ أَوْ (الْوَطْءَ ثَانِيًا أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ) لِإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْأَذَى (وَيَتَوَضَّأَ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. أَمَّا كَوْنُهُ يُسْتَحَبُّ بِالنَّوْمِ فَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ، قَالَ: نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ» وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فَرْجَهُ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَفِي كَلَامِ أَحْمَدَ مَا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، وَلَا يَمَسُّ مَاءً» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: هَذَا الْحَدِيثُ وَهْمٌ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ آخَرُونَ فَيُحْمَلُ عَلَى الْجَوَازِ، وَالْأَوَّلَانِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِلْجَمْعِ، وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ فِي الْأَصَحِّ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَأَمَّا كَوْنُهُ يُسْتَحَبُّ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، فَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَعَنْهُ: يَغْسِلُ يَدَيْهِ، وَيَتَمَضْمَضُ. وَأَمَّا كَوْنُهُ يُسْتَحَبُّ لِمُعَاوَدَةِ الْوَطْءِ، فَوِفَاقًا لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعَاوِدَ، فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَزَادَ «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ» وَلَا يُكْرَهُ تَرْكُهُ فِي الْمَنْصُوصِ فِيهِمَا، وَغَسْلُهُ عِنْدَ كُلِّ مَرَّةٍ أَفْضَلُ، وَعَنْهُ: أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالرَّجُلِ، لِأَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْ عَنْهُ بِالْوُضُوءِ، وَلَمْ تَذْكُرْ أَنَّهَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ وَلَا أَمَرَهَا بِهِ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْجَنَابَةِ، وَمَنْ أَحْدَثَ بَعْدَهُ، لَمْ يُعِدْهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، لِتَعْلِيلِهِمْ بِخِفَّةِ الْحَدَثِ أَوْ بِالنَّشَاطِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ شَيْخِنَا يَتَوَضَّأُ لِمَبِيتِهِ عَلَى إِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ. قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". 1 - مَسَائِلُ: الْأُولَى: كَرِهَ أَحْمَدُ بِنَاءَ الْحَمَّامِ، وَبَيْعَهُ، وَإِجَارَتَهُ، وَقَالَ: مَنْ بَنَى حَمَّامًا لِلنِّسَاءِ لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَحَرَّمَهُ الْقَاضِي، وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى غَيْرِ الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ، وَيُكْرَهُ كَسْبُ الْحَمَّامِيِّ، وَفِي " نِهَايَةِ " الْأَزَجِّيِّ: لَا. الثَّانِيَةُ: لَهُ دُخُولُهُ بِشَرْطِ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ، وَيَغُضَّ بَصَرَهُ عَنْ عَوْرَاتِهِمْ، وَلَا يَمَسَّ عَوْرَةَ أَحَدٍ، وَلَا يُمَكِّنَ أَحَدًا مِنْ مَسِّ عَوْرَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْبَقَاءِ: يُكْرَهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْغَنِيَّةِ "، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ أَحْمَدَ لَمْ يَدْخُلْهُ لِخَوْفِ وُقُوعِهِ فِي مُحَرَّمٍ، وَإِنْ عَلِمَهُ حَرُمَ، وَفِي
.. .... .... .... .. ـــــــــــــــــــــــــــــQ" التَّلْخِيصِ " و" الرِّعَايَةِ " لَهُ دُخُولُهُ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ غَالِبًا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَفْضَلُ تَجَنُّبُهَا بِكُلِّ حَالٍ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا، لِأَنَّهَا مِمَّا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنْ رَقِيقِ الْعَيْشِ. الثَّالِثَةُ: لِلْمَرْأَةِ دُخُولُهُ لِعُذْرٍ، وَإِلَّا حَرُمَ، نَصَّ عَلَيْهِ) وَكَرِهَهُ بِدُونِهِ جَمَاعَةٌ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " لَا يَجُوزُ لَهَا دُخُولُهُ إِلَّا مِنْ عِلَّةٍ يُصْلِحُهَا الْحَمَّامُ، وَاعْتَبَرَ الْقَاضِي، وَالْمُؤَلِّفُ مَعَ الْعُذْرِ تَعَذُّرَ غُسْلِهَا فِي بَيْتِهَا لِخَوْفِ ضَرَرٍ، وَنَحْوِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَجَمَاعَةٍ خِلَافُهُ، وَقِيلَ: اعْتِيَادُ دُخُولِهَا عُذْرٌ لِلْمَشَقَّةِ، وَقِيلَ: وَلَا تَتَجَرَّدُ فَتَدْخُلَهُ فِي قَمِيصٍ خَفِيفٍ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ. الرَّابِعَةُ: ثَمَنُ الْمَاءِ عَلَى الزَّوْجِ، أَوْ عَلَيْهَا؛ أَوْ مَاءِ الْجَنَابَةِ عَلَيْهِ فَقَطْ، أَوْ عَكْسُهُ؛ فِيهِ أَوْجُهٌ، وَمَاءُ الْوُضُوءِ كَالْجَنَابَةِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ: يَلْزَمُ السَّيِّدَ شِرَاءُ ذَلِكَ لِرَقِيقِهِ، وَلَا يَتَيَمَّمُ فِي الْأَصَحِّ. الْخَامِسَةُ: تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ فِي الْمَنْصُوصِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: لَا يُعْجِبُنِي لِنَهْيِ عُمَرَ عَنْهُ، رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ خَفَضَ صَوْتَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِيهِ، فَقَالَ: الْقِرَاءَةُ بِكُلِّ مَكَانٍ حَسَنٍ، وَلَيْسَ الْحَمَّامُ بِمَوْضِعِ قِرَاءَةٍ، فَمَنْ قَرَأَ الْآيَاتِ فَلَا بَأْسَ، وَكَذَا السَّلَامُ فِي الْأَشْهَرِ، وَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُهُمْ كَالذِّكْرِ، فَإِنَّهُ حَسَنٌ لِمَا رَوَى النَّخَعِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ دَخَلَ الْحَمَّامَ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَعَنْ سُفْيَانَ قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِمَنْ دَخَلَهُ أَنْ يَقُولَ يَا بَرُّ يَا رَحِيمُ، مُنَّ عَلَيْنَا، وَقِنَا عَذَابَ السُّمُومِ. وَسَطْحُهُ، وَنَحْوُهُ كَبَقِيَّتِهِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ كَصَلَاةٍ. السَّادِسَةُ: إِذَا اغْتَسَلَ بِحَضْرَةِ أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَجَبَ عَلَيْهِ سَتْرُ عَوْرَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَحَدٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَتِرَ بِسَقْفٍ أَوْ حَائِطٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، وَأَنْ لَا يَرْفَعَ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ آكَدُ، فَإِنْ تَجَرَّدَ فِي الْفَضَاءِ وَاغْتَسَلَ، جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ كَمَا لَوِ اسْتَتَرَ بِحَائِطٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي كَرَاهَةِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ لِلِاغْتِسَالِ فِي الْخَلْوَةِ رِوَايَتَيْنِ. السَّابِعَةُ: يُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ فِي مُسْتَحَمٍّ أَوْ مَاءٍ عُرْيَانًا، وَعَنْهُ: لَا، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ
[باب التيمم]
بَابُ التَّيَمُّمِ وَهُوَ بَدَلٌ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: دُخُولُ الْوَقْتِ، فَلَا يَجُوزُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوِفَاقًا، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي، إِنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا، قَالَهُ الْحَسَنُ. رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبُرِيُّ، وَاحْتَجَّ أَبُو الْمَعَالِي لِلتَّحْرِيمِ خَلْوَةً بِهَذَا الْخَبَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [بَابُ التَّيَمُّمِ] [تَعْرِيفُ التيمم] بَابُ التَّيَمُّمِ التَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2] أَيْ: قَاصِدِينَ {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] يُقَالُ يَمَّمْتُ فُلَانًا، وَتَيَمَّمْتُهُ، وَأَمَمْتُهُ: إِذَا قَصَدْتَهُ، قَالَ الشَّاعِرُ الْعُذْرِيُّ: وَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا ... أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي أَأَلْخَيْرُ الَّذِي أَنَا مُبْتَغِيهِ ... أَمِ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ يَبْتَغِينِي وَفِي الشَّرْعِ قِيلَ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَصْدِ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ التُّرَابُ الطَّاهِرُ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ الْعَادِمُ، أَوْ مَنْ يَتَضَرَّرُ بِاسْتِعْمَالِهِ، زَادَ ابْنُ الْمَنْجَا: بِنِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّعِيدِ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] وَحَدِيثُ عَمَّارٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْهُ طَهُورًا لِغَيْرِهَا تَوْسِعَةً عَلَيْهَا وَإِحْسَانًا إِلَيْهَا (وَهُوَ) أَيِ: التَّيَمُّمُ (بَدَلٌ) عَنِ الْمَاءِ، لِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ يَجِبُ فِعْلُهُ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ وُجُودِهِ إِلَّا لِعُذْرٍ، وَهَذَا شَأْنُ الْبَدَلِ. وَهُوَ مَشْرُوعٌ لِكُلِّ مَا يُفْعَلُ بِالْمَاءِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ شَرْعًا، كَمَسِّ الْمُصْحَفِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: إِنِ احْتَاجَهُ، سِوَى جُنُبٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا فِي صُورَةٍ تَقَدَّمَتْ. [شُرُوطُ التَّيَمُّمِ] (لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: الْوَقْتُ، فَلَا يَجُوزُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ) فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ الْقَائِمَ إِلَى الصَّلَاةِ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ تَيَمَّمَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَفْعَلَهُ إِلَّا بَعْدَ قِيَامِهِ إِلَيْهَا، وَإِعْوَازِهِ الْمَاءَ، وَالْوُضُوءُ إِنَّمَا جَازَ قَبْلَ الْوَقْتِ لِكَوْنِهِ رَافِعًا لِلْحَدَثِ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْوَقْتِ، كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ، قَالَ الْقَاضِي: الْقِيَاسُ أَنَّ التَّيَمُّمَ
لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَلَا لِنَفْلٍ فِي وَقْتِ النَّهْيِ عَنْهُ. الثَّانِي: الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِمَنْزِلَةِ الطَّهَارَةِ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ أَوْ يُحْدِثَ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ قَبْلَهُ كَالْمَاءِ، وَيَشْهَدُ لَهُ عُمُومُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ» وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ فَيَتَسَاوَى بِمُبْدَلِهِ إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ، كَالْإِطْعَامِ مَعَ الْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَلَقَدْ أَبْعَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي حِكَايَتِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى مَنْعِ التَّيَمُّمِ قَبْلَ الْوَقْتِ (وَلَا لِنَفْلٍ فِي وَقْتِ النَّهْيِ عَنْهُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لَهَا، فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ وَقْتُ الْمَكْتُوبَةِ دُخُولُ وَقْتِهَا، وَالْفَائِتَةِ كُلُّ وَقْتٍ، وَكَذَلِكَ الْمَنْذُورَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ بِاجْتِمَاعِ النَّاسِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ بِفَرَاغِ طُهْرِهِ، لَكِنْ يُقَالُ: شَخْصٌ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يُيَمِّمَ غَيْرَهُ، وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ بِهِ إِنْ أُجِيزَا فِي وَقْتِ نَهْيٍ، وَإِلَّا فَمُقَيَّدٌ بِخُرُوجِهِ، وَجَمِيعُ التَّطَوُّعَاتِ بِجَوَازِ فِعْلِهَا. (الثَّانِي: الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ) لِأَنَّ غَيْرَ الْعَاجِزِ يَجِدُ الْمَاءَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّهُ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ، (لِعَدَمِهِ) حَضَرًا كَانَ أَوْ سَفَرًا، قَصِيرًا كَانَ أَوْ طَوِيلًا، مُبَاحًا أَوْ غَيْرَهُ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] دَلَّ بِمُطْلَقِهِ عَلَى إِبَاحَتِهِ فِي كُلِّ سَفَرٍ، أَوِ السَّفَرُ الْقَصِيرُ يَكْثُرُ، فَيَكْثُرُ فِيهِ عَدَمُ الْمَاءِ، فَلَوْ لَمْ يُجِزِ التَّيَمُّمَ إِذَنْ لَأَفْضَى إِلَى حَرَجٍ وَمَشَقَّةٍ، وَهُوَ يُنَافِي مَشْرُوعِيَّةَ التَّيَمُّمِ، وَلِأَنَّهُ عَزِيمَةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا بِخِلَافِ الرُّخَصِ، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَهُ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ بَجْدَانَ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ أَبِي قِلَابَةَ، وَقَدْ قِيلَ
لِعَدَمِهِ أَوْ لِضَرَرٍ لِاسْتِعْمَالِهِ مِنْ جُرْحٍ، أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ أَوْ مَرَضٍ يَخْشَى زِيَادَتَهُ أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَحْمَدَ: مَعْرُوفٌ؛ قَالَ: لَا، وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ. فَلَوْ خَرَجَ مِنَ الْمِصْرِ إِلَى أَرْضٍ مِنْ أَعْمَالِهِ لِحَاجَةٍ كَالْحِرَاثَةِ وَالِاحْتِطَابِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا يُمْكِنُهُ حَمْلُ الْمَاءِ مَعَهُ، وَلَا الرُّجُوعُ لِلْوُضُوءِ إِلَّا بِتَفْوِيتِ حَاجَتِهِ، فَلَهُ التَّيَمُّمُ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَقِيلَ: بَلَى، لِأَنَّهُ كَالْمُقِيمِ، وَلَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ الَّتِي يَخْرُجُ إِلَيْهَا مِنْ عَمَلِ قَرْيَةٍ أُخْرَى فَلَا إِعَادَةَ، وَكَذَا إِذَا تَيَمَّمَ، وَصَلَّى فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ يُعِيدُ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ الْمُبَاحِ الطَّوِيلِ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ فِي الْحَضَرِ: لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ أَوْ يُسَافِرَ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، لِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَقْتَضِي جَوَازَهُ بِحَالَةِ عَدَمِ الْمَاءِ فِي السَّفَرِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّقَيُّدِ بِهِ فَائِدَةٌ، وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، لِخَبَرِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِأَنَّهُ عَادِمٌ أَشْبَهَ الْمُسَافِرَ، وَالتَّقْيِيدُ بِالسَّفَرِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، لِأَنَّهُ مَحْمَلُ الْعَدَمِ غَالِبًا، فَعَلَى الْأَصَحِّ لَا إِعَادَةَ، وَلَوْ حَضَرَ، لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ. وَعَنْهُ: يُعِيدُ الْحَاضِرُ، لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ، وَفِيهِ وَجْهٌ إِنْ لَمْ يَطُلِ الْعَدَمُ. 1 - تَنْبِيهٌ: إِذَا عَجَزَ الْمَرِيضُ عَنِ الْحَرَكَةِ أَوْ عَمَّنْ يُوَضِّئُهُ، فَكَالْعَادِمِ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ إِنِ انْتَظَرَ مَنْ يُوَضِّئُهُ، فَالْأَصَحُّ: يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَا إِعَادَةَ. (أَوْ لِضَرَرٍ فِي اسْتِعْمَالِهِ مِنْ جُرْحٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَكَمَا لَوْ خَافَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ عَطَشٍ أَوْ شِبَعٍ، وَهَذَا مَعَ الْخَوْفِ فِي اسْتِعْمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ كَالصَّحِيحِ، وَالْخَوْفُ الْمُبِيحُ: هُوَ زِيَادَةُ الْمَرَضِ أَوْ بُطْؤُهُ، لَا خَوْفُ التَّلَفِ (أَوْ بَرْدٌ شَدِيدٌ) لِلنَّصِّ، وَلِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ، قُلْتُ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] فَضَحِكَ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ أَشْبَهَ الْمَرِيضَ، وَعَنْهُ: لَا يَتَيَمَّمُ لِخَوْفِ الْبَرْدِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى تَسْخِينِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ: مَتَى أَمْكَنَهُ تَسْخِينُ الْمَاءِ أَوِ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهٍ يَأْمَنُ الضَّرَرَ، بِأَنَّهُ كُلَّمَا غَسَلَ عُضْوًا سَتَرَهُ لَزِمَهُ، وَظَاهِرُ الْمَتْنِ أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَالْمَرِيضِ، وَعَنْهُ: بَلَى مُطْلَقًا، وَعَنْهُ: يُعِيدُ الْحَاضِرُ فَقَطْ، لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا خَافَ الْبَرْدَانُ سُقُوطَ أَصَابِعِ قَدَمَيْهِ، فَخَلَعَ خُفَّيْهِ، سَقَطَ الْمَسْحُ، وَكَفَى غَسْلُ غَيْرِهِمَا، وَتَيَمَّمَ لِتَرْكِ مَسْحِ حَائِلِ رِجْلَيْهِ، إِنْ كَانَ مَانِعٌ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى غَسْلِ بَعْضِ عُضْوٍ، تَيَمَّمَ لِلْبَاقِي. فَرْعٌ: إِذَا أَعَادَ الْقَادِرُ أَوِ الْبَرْدَانُ الصَّلَاةَ، فَالْأُولَى فَرْضُهُ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي. وَفِيهِ وَجْهٌ: الثَّانِيَةُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ: فَرْضُهُ إِحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا، وَلَهُ قَوْلٌ: كِلَاهُمَا فَرْضٌ، وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ وَالْفُورَانِيُّ وَصَاحِبُ " الشَّامِلِ " قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: وَهُوَ قَوِيٌّ فَإِنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهِمَا، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " شَرْحِ الْعُمْدَةِ ". 1 - (أَوْ مَرَضٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} [النساء: 43] الْآيَةَ، وَإِذَا جَازَ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ، فَلَأَنْ يَجُوزَ لِلْمَرِيضِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَشَرْطُهُ أَنَّهُ (يَخْشَى
تَطَاوُلَهُ أَوْ عَطَشٍ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ رَقِيقِهِ أَوْ بَهِيمَتِهِ أَوْ خَشْيَةٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQزِيَادَتَهُ أَوْ تَطَاوُلَهُ) لِأَنَّ مَنْ لَا يَخْشَى ذَلِكَ لَا يَخَافُ الضَّرَرَ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إِذَا خَافَ ذَهَابَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ ضَرَرًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ سَبُعٍ وَنَحْوِهِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَلِأَنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَتَرْكَ الصَّوْمِ فِي الْمَرَضِ لَا يَنْحَصِرُ فِي خَوْفِ التَّلَفِ، فَكَذَا هُنَا، وَعَنْهُ: لَا يُبِيحُهُ إِلَّا خَوْفُ التَّلَفِ، كَمَا إِذَا جَبَرَ زَنْدَهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ مُقْتَضَى الْآيَةِ إِبَاحَتُهُ لِكُلِّ مَرِيضٍ تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ فِيمَنْ لَا يَخْشَى، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهَا. (أَوْ عَطَشٍ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ فِي السَّفَرِ فَتُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ، وَمَعَهُ الْمَاءُ الْقَلِيلُ يَخَافُ أَنْ يَعْطَشَ: يَتَيَمَّمُ وَلَا يَغْتَسِلُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّهُ يَخْشَى الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ أَشْبَهَ الْمَرِيضَ بَلْ أَوْلَى. (أَوْ رَقِيقِهِ) الْمُحْتَرَمِ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْآدَمِيِّ تُقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ رَأَى حَرِيقًا عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهَا فَيَتْرُكُهَا، وَيَخْرُجُ لِإِنْقَاذِهِ، فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، قَالَ أَحْمَدُ: عِدَّةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ تَيَمَّمُوا، وَحَبَسُوا الْمَاءَ لِشِفَاهِهِمْ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُزَامِلِ لَهُ، أَوْ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الرَّكْبِ، لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمُرَافَقَةِ، وَدَفْعُهُ إِلَى عَطْشَانَ يُخْشَى تَلَفُهُ وَاجِبٌ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَالْأَصْوَبُ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ: أَنَّهُمَا فِي حَبْسِ الْمَاءِ لِعَطَشِ الْغَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ، وَاخْتَارَ الشَّرِيفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ وُجُوبَهُ، فَإِنْ مَاتَ صَاحِبُهُ، وَرُفْقَتُهُ عِطَاشٌ يَمَّمُوهُ، وَغَرِمُوا لِلْوَرَثَةِ الثَّمَنَ وَقْتَ إِتْلَافِهِ فِي مَكَانِهِ، وَظَاهِرُ مَا فِي " النِّهَايَةِ " إِنْ غَرِمُوهُ فِيهِ فَبِمِثْلِهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْمَيِّتُ أَوْلَى بِهِ، لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَقِيلَ: إِنْ خَافُوا الْمَوْتَ فَهُمْ أَوْلَى، وَإِلَّا
فِي طَلَبِهِ أَوْ تَعَذُّرِهِ إِلَّا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ ثَمَنٍ يَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ، فَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَا، صَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَهَلْ يُؤْثِرُ أَبَوَيْهِ لِغُسْلٍ وَوُضُوءٍ أَوْ تَيَمُّمٍ؛ فِيهِ وَجْهَانِ. (أَوْ بَهِيمَتِهِ) وَكَذَا إِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ، لِأَنَّ للرُّوح حُرْمَةٌ، وَسَقْيَهَا وَاجِبٌ، وَقِصَّةُ الْبَغِيِّ مَشْهُورَةٌ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مُحْتَرَمَةً حَتَّى كَلْبِ صَيْدٍ لَا عَقُورٍ، وَخِنْزِيرٍ. فَرْعٌ: إِذَا وَجَدَ الْعَطْشَانُ مَاءً طَاهِرًا وَنَجِسًا، شَرِبَ الطَّاهِرَ، وَتَيَمَّمَ، وَأَرَاقَ النَّجِسَ إِنِ اسْتَغْنَى عَنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَهُ، وَذَكَرَ الْأَزَجِّيُّ: يَشْرَبُ النَّجِسَ، لِأَنَّ الطَّاهِرَ مُسْتَحِقٌّ لِلطَّهَارَةِ فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ شُرْبَ النَّجِسِ حَرَامٌ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ تَيَمَّمَ وحبس الطاهر، نَصَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " كَمَا لَوِ انْفَرَدَ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَوَضَّأُ بِالطَّاهِرِ، وَيَحْبِسُ النَّجِسَ لِشُرْبِهِ. وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ ثُمَّ يَجْمَعَهُ وَيَشْرَبَهُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَإِطْلَاقُ كَلَامِهِمْ لَا يَلْزَمُهُ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَعَافُهُ، وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ، (أَوْ خَشْيَةٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فِي طَلَبِهِ) كَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ سَبُعٌ أَوْ عَدُوٌّ أَوْ حَرِيقٌ، أَوْ يَخَافُ إِنْ ذَهَبَ إِلَى الْمَاءِ شُرُودَ دَابَّتِهِ أَوْ سَرِقَتَهَا أَوْ فَوْتَ رُفْقَتِهِ، لِأَنَّ فِي طَلَبِهِ ضَرَرًا، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، وَكَذَا إِنْ خَافَتِ امْرَأَةٌ عَلَى نَفْسِهَا فُسَّاقًا لَمْ يَلْزَمْهَا الْمُضِيُّ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ الْمُؤَلِّفَ وَغَيْرُهُ: بَلْ يَحْرُمُ خُرُوجُهَا إِلَيْهِ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " خِلَافَهُ، وَعَنْهُ: الْوَقْفُ، وَكَذَا إِذَا خَافَ غَرِيمًا يُطَالِبُهُ، وَيَعْجِزُ عَنْ وَفَائِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ كَانَ خَوْفُهُ جُبْنًا لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُبَاحُ إِذَا اشْتَدَّ خَوْفُهُ، وَيُعِيدُ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَائِفِ لِسَبَبٍ، فَإِنْ كَانَ خَوْفُهُ لِسَبَبٍ ظَنَّهُ، فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى، فَبَانَ خِلَافُهُ، فَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَجَمَاعَةٍ: أَنَّهُ لَا يُعِيدُ لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى بِهِ. (أَوْ تَعَذُّرِهِ إِلَّا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ) أَقُولُ: مَتَى وَجَدَ مَاءً بِثَمَنِ مِثْلِهِ عَادَةً
كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ جَرِيحًا تَيَمَّمَ لَهُ، وَغَسَلَ الْبَاقِيَ وَإِنْ وَجَدَ مَاءً يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَكَانَهُ غَالِبًا، وَقِيلَ: بَلْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ إِلَى مَكَانِ بَيْعِهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، غَنِيٌّ عَنْهُ، فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ، وَقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَنَفَقَةِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ، لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ شِرَاءُ سَتْرِ عَوْرَتِهِ لِلصَّلَاةِ فَكَذَا هُنَا، فَإِذَا كَثُرَتِ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ فَلَا يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ، لِأَنَّهَا تَجْعَلُ الْمَوْجُودَ حِسًّا كَالْمَعْدُومِ شَرْعًا، وَقَيَّدَهُ فِي " الْمُغْنِي " بِمَا إِذَا أَجْحَفَتْ بِمَالِهِ، لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا، فَلَوْ كَثُرَتْ مِنْ غَيْرِ إِجْحَافٍ بِمَالِهِ، فَوَجْهَانِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ يَسِيرَةً فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ، كَضَرَرٍ يَسِيرٍ فِي بَدَنِهِ مِنْ صُدَاعٍ، أَوْ بَرْدٍ فَهُنَا أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى ثَمَنِ الْعَيْنِ كَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فِي الْمَنْعِ مِنَ الِانْتِقَالِ إِلَى الْبَدَلِ، كَمَا لَوْ بِيعَتْ بِثَمَنِ مِثْلِهَا، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ شِرَاءٌ مَعَ زِيَادَةٍ مُطْلَقًا، لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا بِالزِّيَادَةِ كَمَا لَوْ خَافَ لِصًّا يَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ ذَلِكَ. فَرْعٌ: إِذَا بُذِلَ لَهُ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ فِي بَلَدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْأَصَحِّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ، لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، وَرُبَّمَا تَلِفَ مَالُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ، وَكَالْهَدْيِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ كَالْكَفَّارَةِ فِي شِرَاءِ الرَّقَبَةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفَرْضَ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَقْتِ بِخِلَافِ الْمُكَفِّرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي بَلَدِهِ مَا يُوَفِّيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا (أَوْ ثَمَنٍ يَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ) لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنِ الثَّمَنِ يُبِيحُ الِانْتِقَالَ إِلَى الْبَدَلِ، دَلِيلُهُ الْعَجْزُ عَنْ ثَمَنِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ، فَلَوْ وُهِبَ لَهُ الْمَاءُ لَزِمَهُ قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ لَا ثَمَنُهُ فِي الْأَشْهَرِ، لِأَنَّ فِيهِ مِنَّةً، وَحَبْلٌ وَدَلْوٌ، كَمَاءٍ، وَيَلْزَمُهُ قَبُولُهُمَا عَارِيَةً، وَإِنِ اسْتَغْنَى صَاحِبُ الْمَاءِ عَنْهُ، وَلَمْ يَبْذُلْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ قَهْرًا، لِأَنَّ لَهُ بَدَلًا، وَمَنْ تَرَكَ مَا لَزِمَهُ قَبُولُهُ وَتَحْصِيلُهُ مِنْ مَاءٍ وَغَيْرِهِ، تَيَمَّمَ، وَصَلَّى، فَإِنَّهُ يُعِيدُ. 1 - (فَإِنْ كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ جَرِيحًا) وَتَضَرَّرَ (تَيَمَّمَ لَهُ وَغَسَلَ الْبَاقِيَ) يَعْنِي أَنَّ الْجَرِيحَ يَتَيَمَّمُ لِلْمُحْتَاجِ، وَيَغْسِلُ غَيْرَهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْأَكْثَرُ لِقِصَّةِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهِ، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» ، وَظَاهِرُ الْخَبَرِ يَجْمَعُ
لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي إِنْ كَانَ جُنُبًا وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا، فَهَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ؟ ـــــــــــــــــــــــــــــQبَيْنَ الْمَسْحِ، وَالتَّيَمُّمِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَجِبُ الْجَمْعُ لِهَذَا الْخَبَرِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ بَدَلٍ وَمُبْدَلٍ كَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ بِـ " ثُمَّ " الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرَاخِي، وَلِأَنَّ الْمُكَلَّفَ لَهُ اسْتِطَاعَةٌ عَلَى التَّطْهِيرِ بِالْمَاءِ فِي بَعْضِ الْبَدَنِ، فَلَزِمَهُ، وَالتَّيَمُّمُ لِمَا لَمْ يُصِبْهُ، وَالطَّهَارَةُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، فَالْعَجْزُ عَنْ بَعْضِهَا لَا يُوجِبُ سُقُوطَ جَمِيعِهَا كَالسِّتَارَةِ، فَعَلَى هَذَا يَغْسِلُ مِنَ الصَّحِيحِ مَا لَا ضَرَرَ فِي غَسْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ضَبْطُهُ لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ إِنْ قَدَرَ، وَإِلَّا كَفَاهُ التَّيَمُّمُ، ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَهُ مَسْحُ الْجُرْحِ بِالْمَاءِ لَزِمَهُ مَعَ التَّيَمُّمِ كَمَا سَبَقَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، لِأَنَّ الْغُسْلَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَالْمَسْحُ بَعْضُهُ، فَوَجَبَ، كَمَنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقَدَرَ عَلَى الْإِيمَاءِ، وَعَنْهُ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَيَمُّمٍ، وَعَنْهُ: يَكْفِيهِ التَّيَمُّمُ وَحْدَهُ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، لِأَنَّهُ مَحَلٌّ وَاحِدٌ، فَلَا يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْمَسْحِ، وَالتَّيَمُّمِ كَالْجَبِيرَةِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ يَكُنِ الْجُرْحُ نَجِسًا، فَإِنْ كَانَ نَجِسًا فَقَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": يَتَيَمَّمُ، وَلَا يَمْسَحُ، ثُمَّ إِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ مَعْفُوًّا عَنْهَا أُلْغِيَتْ، وَاكْتُفِيَ بِنِيَّةِ الْحَدَثِ، وَإِلَّا نَوَى الْحَدَثَ وَالنَّجَاسَةَ إِنْ شُرِطَتْ فِيهَا. 1 - وَهَلْ يَكْتَفِي بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ؛ فِيهِ وَجْهَانِ: فَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ عَجَزَ عَنْ مَسْحِهِ تَيَمَّمَ، وَصَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَلَا إِعَادَةَ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَمْسَحُ الْجُرْحَ بِالتُّرَابِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْجُرْحِ عِصَابَةٌ، أَوْ لُصُوقٌ يَضُرُّهُ إِزَالَتُهَا فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يَتَيَمَّمُ، وَفِي الْمَسْحِ مَعَهُ رِوَايَتَانِ، وَالْجُنُبُ الْجَرِيحُ إِنْ شَاءَ بَدَأَ بِالْغَسْلِ أَوْ بِالتَّيَمُّمِ، وَإِنْ كَانَ حَدَثُ الْجَرِيحِ أَصْغَرَ رَاعَى التَّرْتِيبَ وَالْمُوَالَاةَ، وَيُعِيدُ غَسْلَ الصَّحِيحِ عِنْدَ كُلِّ تَيَمُّمٍ فِي وَجْهٍ، وَفِي آخَرَ: لَا تَرْتِيبَ وَلَا مُوَالَاةَ، فَعَلَى هَذَا لَا يُعِيدُ الْغَسْلَ إِلَّا إِذَا أَحْدَثَ (وَإِنْ وَجَدَ مَاءً يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ، لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي إِنْ كَانَ جُنُبًا) لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ
عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ لَزِمَهُ طَلَبُهُ فِي رَحْلِهِ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ، فَإِنْ دُلَّ عَلَيْهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالشَّرْطِ فَلَزِمَهُ، كَالسُّتْرَةِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِيَتَحَقَّقَ الْعَدَمُ الَّذِي هُوَ شَرْطُ التَّيَمُّمِ، وَلِيَتَمَيَّزَ الْمَغْسُولُ عَنْ غَيْرِهِ، لِيَعْلَمَ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ مُطْلَقًا كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، فَعَلَى هَذَا يَتَيَمَّمُ، وَفِي وُجُوبِ إِرَاقَتِهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ رِوَايَتَانِ، قَالَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: فَلَوْ وَجَدَ الْجُنُبُ مَاءً يَكْفِي أَعْضَاءَ الْحَدَثِ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةِ الْفَرْضِ، غَسَلَهَا بِنِيَّةِ الْحَدَثَيْنِ جَمِيعًا، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي، فَتَحْصُلُ لَهُ الصُّغْرَى، وَبَعْضُ الْكُبْرَى كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. (وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا يَلْزَمُهُ كَالْجُنُبِ، وَالثَّانِي: لَا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ، وَقِيلَ: يَسْتَعْمِلُهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا، صَحَّحَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ أَنَّ الْخِلَافَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَصِحُّ كُلُّ عُضْوٍ بِنِيَّةٍ؛ وَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ كَانَ يَكْفِي بَعْضَ عُضْوٍ، فَوَجْهَانِ. (وَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ لَزِمَهُ طَلَبُهُ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَالْمُخْتَارُ لِعَامَّةِ الْأَصْحَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] ، وَلَا يُقَالُ: لَمْ يَجِدْ إِلَّا لِمَنْ طَلَبَ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهِ مَاءً لَا يَعْلَمُهُ، وَلَا يَرِدُ قَوْله تَعَالَى {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا} [الأعراف: 44] ، لِانْتِفَاءِ الطَّلَبِ مِنْهُمْ، وَكَذَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً» لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي جَانِبِ النَّفْيِ لَا الْإِثْبَاتِ فَيُنْتَقَضُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ} [الأعراف: 102] لِاسْتِحَالَةِ الطَّلَبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ يُقَالُ: طَلَبَ مِنْهُمُ الثَّبَاتَ عَلَى الْعَهْدِ، وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ، فَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ مُبْدَلِهِ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ، كَالصِّيَامِ مَعَ الرَّقَبَةِ فِي الْكُفَّارِ، وَمَعَ الْهَدْيِ فِي الْحَجِّ، وَالْقِيَاسِ مَعَ النَّصِّ، وَالْمَيْتَةِ مَعَ الْمُذَكَّى، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلصَّلَاةِ يَخْتَصُّ بِهَا، فَلَزِمَهُ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِهِ عِنْدَ الْإِعْوَازِ كَالْقِبْلَةِ. 1 - ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ الطَّلَبِ فَقَالَ (فِي رَحْلِهِ) أَيْ: فِي مَسْكَنِهِ، وَمَا يَسْتَصْحِبُهُ مِنَ
لَزِمَهُ قَصْدُهُ وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ الطَّلَبُ. وَإِنْ نَسِيَ الْمَاءَ بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَثَاثِ (وَمَا قَرُبَ مِنْهُ) عُرْفًا، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُطْلَبُ فِيهِ الْمَاءُ عَادَةً، وَقِيلَ: قَدْرَ مِيلٍ أَوْ فَرْسَخٍ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَقِيلَ: مَا تَتَرَدَّدُ الْقَوَافِلُ إِلَيْهِ لِلرَّعْيِ وَالِاحْتِطَابِ، وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ، وَقِيلَ: مَدَّ نَظَرِهِ، وَقِيلَ: مَا يُدْرِكُهُ الْغَوْثُ بِشَرْطِ الْأَمْنِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَعَدَمِ فَوْتِ رُفْقَتِهِ، وَيَطْلُبُهُ فِي جِهَاتِهِ الْأَرْبَعِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَمْشِيَ فِي طَلَبِهِ، وَيَعْدِلَ عَنْ طَرِيقِهِ، وَإِنْ ظَنَّهُ فَوْقَ جَبَلٍ عَلَاهُ، وَإِنْ ظَنَّهُ وَرَاءَهُ، فَوَجْهَانِ مَعَ الْأَمْنِ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْمَكَانِ سَأَلَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ رُفْقَةٌ زَادَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": يُدَلُّ عَلَيْهِمْ، طَلَبَ مِنْهُمْ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَلْزَمُهُ فَلَوْ رَأَى خُضْرَةً أَوْ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَصَدَهُ وَاسْتَبْرَأَهُ، وَمَحَلُّ الطَّلَبِ عِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، فَلَوْ طَلَبَ قَبْلَهُ جَدَّدَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ، لِأَنَّهُ طَلَبَ قَبْلَ الْمُخَاطَبَةِ بِهِ، كَالشَّفِيعِ إِذَا طَلَبَهَا قَبْلَ الْبَيْعِ، وَيُعِيدُهُ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَيَمَّمَ عَقِيبَهُ، بَلْ يَجُوزُ بَعْدَهُ من غير تَجْدِيد طَلَبٍ. (فَإِنْ دُلَّ) أَيْ: دَلَّهُ ثِقَةٌ (عَلَيْهِ لَزِمَهُ قَصْدُهُ) لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهَا شَرْطَ الْعِبَادَةِ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ، فَلَزِمَهُ كَغَيْرِهِ مِنَ الشُّرُوطِ مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْوَقْتِ وَعَنْهُ: وَالْبَعِيدُ كَذَلِكَ (وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ الطَّلَبُ) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ» وَلِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ، وَاعْتِمَادًا عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ كَالْفَقِيرِ لَا يَلْزَمُهُ طَلَبُ الرَّقَبَةِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "،
[التيمم لجميع الأحداث]
وَتَيَمَّمَ لَمْ يُجْزِئْهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQو" الْفُرُوعِ " إِذَا احْتَمَلَ وَجُودَهُ، وَلَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا، فَإِنْ قَطَعَ بِعَدَمِهِ لَمْ يَجِبْ، وَمَعَ ظَنِّ وَجُودِهِ يَجِبُ، حَكَاهُ الزَّرْكَشِيُّ إِجْمَاعًا، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ إِنْ ظَنَّ عَدَمَهُ ذَكَرَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ ". 1 - تَنْبِيهٌ: لَوْ مَرَّ بِمَاءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ، أَوْ كَانَ مَعَهُ فَأَرَاقَهُ قَبْلَهُ، وَعَدِمَ الْمَاءَ، تَيَمَّمَ وَصَلَّى من غير إِعَادَة، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَفِي الْإِعَادَةِ أَوْجُهٌ، ثَالِثُهَا: يَجِبُ فِي الْإِرَاقَةِ فَقَطْ، وَإِنْ وَهَبَهُ أَوْ بَاعَهُ فِي الْوَقْتِ حَرُمَ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْأَشْهَرِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْأُضْحِيَّةِ، فَهُوَ عَاجِزٌ عَنِ التَّسْلِيمِ شَرْعًا، وَالثَّانِي: يَصِحُّ، لِأَنَّ تَوَجُّهَ الْفَرْضِ، وَتَعَلُّقَهُ بِهِ، لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ، كَتَصَرُّفِهِ فِيمَا وَجَبَ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَتَصَرُّفِ الْمَدِينِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَيُعِيدُ إِنْ صَلَّى بِهِ مَعَ بَقَائِهِ، وَفِي التَّلَفِ وَجْهَانِ. (وَإِنْ نَسِيَ الْمَاءَ) أَوْ ثَمَنَهُ قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " تَوْجِيهًا (بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَتَيَمَّمَ، لَمْ يُجْزِئْهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ، لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ وَاجِدًا، وَشَرْطُ إِبَاحَةِ التَّيَمُّمِ عَدَمُ الْوِجْدَانِ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تَجِبُ مَعَ الذِّكْرِ فَلَمْ تَسْقُطْ بِالنِّسْيَانِ كَالْحَدَثِ، وَكَمَا لَوْ نَسِيَ الرَّقَبَةَ، وَكَفَّرَ بِالصَّوْمِ، وَكَنِسْيَانِ السُّتْرَةِ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ، لِأَنَّهُ مَعَ النِّسْيَانِ غَيْرُ قَادِرٍ، أَشْبَهَ الْعَادِمَ، وَمِثْلُهُ الْجَاهِلُ بِهِ، فَلَوْ ضَلَّ عَنْ رَحْلِهِ الَّذِي الْمَاءُ فِيهِ، أَوْ كَانَ يَعْرِفُ بِئْرًا فَضَاعَتْ عَنْهُ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَالنَّاسِي، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِدٍ، وَغَيْرُ مُفَرِّطٍ، بِخِلَافِ النَّاسِي، فَإِنْ كَانَ مَعَ عَبْدِهِ، وَنَسِيَهُ حَتَّى صَلَّى سَيِّدُهُ فَقِيلَ: لَا يُعِيدُ، لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: كَالنَّاسِي، لِنِسْيَانِهِ رَقَبَةً مَعَ عَبْدِهِ، لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، فَلَوْ صَلَّى ثُمَّ وَجَدَ بِقُرْبِهِ بِئْرًا، أَوْ غَدِيرًا، أَعَادَ إِنْ كَانَ لَهُ عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ خَفِيَّةً، وَطَلَبَ فَلَا. [التَّيَمُّمُ لِجَمِيعِ الْأَحْدَاثِ] (وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِجَمِيعِ الْأَحْدَاثِ) ، أَمَّا الْأَكْبَرُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43]
وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِجَمِيعِ الْأَحْدَاثِ، وَلِلنَّجَاسَةِ عَلَى جُرْحٍ يَضُرُّهُ إِزَالَتُهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْمُلَامَسَةُ الْجِمَاعُ، وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا، لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ؛ فَقَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْحَائِضُ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا كَالْجُنُبِ، وَأَمَّا الْأَصْغَرُ فَبِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ» . وَلِأَنَّهُ إِذَا جَازَ لِلْجُنُبِ جَازَ لَهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى (وَلِلنَّجَاسَةِ عَلَى جُرْحٍ يَضُرُّهُ إِزَالَتُهَا) أَيْ: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلنَّجَاسَةِ عَلَى بَدَنِهِ إِذَا عَجَزَ عَنْ غَسْلِهَا، لِخَوْفِ الضَّرَرِ، أَوْ عَدَمِ الْمَاءِ فِي الْمَنْصُوصِ، لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ فِي الْبَدَنِ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ، أَشْبَهَتِ الْحَدَثَ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِنَجَاسَةٍ أَصْلًا. اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ، لِأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ يَسْرِي مَنْعُهَا، كَمَا لَوِ اغْتَسَلَ الْجُنُبُ إِلَّا ظُفْرًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا وَرَدَ بِالتَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ، وَغَسْلُ النَّجَاسَةِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، لِأَنَّ الْغَسْلَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ دُونَ غَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ لِنَجَاسَةِ ثَوْبِهِ كَالْمَكَانِ، صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، لِأَنَّ الْبَدَنَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي التَّيَمُّمِ لِأَجْلِ الْحَدَثِ، فَدَخَلَ فِيهِ التَّيَمُّمُ لِأَجْلِ النَّجَسِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ فِيهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ إِنْ جَازَ أَسْفَلَ الْخُفِّ، وَكَذَا لَا يَتَيَمَّمُ لِنَجَاسَةِ اسْتِحَاضَةٍ يَتَعَذَّرُ إِزَالَتُهَا، وَلَا لِنَجَاسَةٍ يُعْفَى عَنْهَا. وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ التَّيَمُّمِ لَهَا كَغَسْلِهَا، وَكَالِاسْتِجْمَارِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يَجِبُ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ بِخِلَافِ غَسْلِ النَّجَاسَةِ، وَإِنِ اجْتَمَعَ مَعَهَا حَدَثٌ، فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى تَيَمُّمَيْنِ؛
[إذا عدم الماء والتراب]
وَإِنْ تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَصَلَّى، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، وَإِنْ تَيَمَّمَ فِي الْحَضَرِ خَوْفًا مِنَ الْبَرْدِ، وَصَلَّى، فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ. وَلَوْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ. وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلَّا ـــــــــــــــــــــــــــــQفِيهِ وَجْهَانِ (وَإِنْ تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ لِعَدَمِ الْمَاءِ، وَصَلَّى، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ طَهَارَةٌ نَابَ عَنْهَا التَّيَمُّمُ، فَلَمْ تَجِبِ الْإِعَادَةُ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ (إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) لِأَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّجَاسَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَيَمَّمَ (وَإِنْ تَيَمَّمَ فِي الْحَضَرِ خَوْفًا مِنَ الْبَرْدِ، وَصَلَّى، فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يَجِبُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بِالْإِعَادَةِ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَأَمَرَهَ، لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ، الثَّانِيَةُ: بَلَى، لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ، فَوَجَبَ مَعَهُ الْإِعَادَةُ كَنِسْيَانِ الطَّهَارَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ. [إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ] (وَلَوْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ) زَادَ بَعْضُهُمْ، وَطِينًا يُجَفِّفُهُ إِنْ أَمْكَنَهُ، وَالْأَصَحُّ فِي الْوَقْتِ (صَلَّى) فَرْضًا فَقَطْ (عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلِأَنَّ الْعَجْزَ عَنِ الشَّرْطِ لَا يُوجِبُ تَرْكَ الْمَشْرُوطِ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنِ السُّتْرَةِ وَالِاسْتِقْبَالِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَزِيدُ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى مَا يُجْزِئُ، وَفِي " شَرْحِ الْعُمْدَةِ ": يَتَوَجَّهُ فِعْلُ مَا شَاءَ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إِنَّمَا يَثْبُتُ مَعَ إِمْكَانِ الطَّهَارَةِ، وَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ فِي ظَاهِرِ قَوْلِهِمْ، حَتَّى لَوْ كَانَ جُنُبًا قَرَأَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْفَاتِحَةِ، فَكَذَا فِيمَا يُسْتَحَبُّ خَارِجَهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَجَزَمَ جَدُّهُ، وَجَمَاعَةٌ بِخِلَافِهِ، وَلَا يَقْرَأُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ جُنُبًا. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ مِنْ طُمَأْنِينَةٍ، وَنَحْوِهَا، وَإِنْ أَحْدَثَ فِيهَا بَطَلَتْ، وَهَلْ تَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَهُوَ فِيهَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ (وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ) أَصَحُّهُمَا: لَا يُعِيدُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِجَالًا فِي طَلَبِهَا، فَوَجَدُوهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ
[لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر]
بِتُرَابٍ طَاهِرٍ لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ فَإِنْ خَالَطَهُ ذُو غُبَارٍ وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالصَّلَاةُ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، فَسَقَطَ عِنْدَ الْعَجْزِ كَسَائِرِ شُرُوطِهَا، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ، وَلَوْ بِتَيَمُّمٍ فِي الْمَنْصُوصِ، لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ لا يشق، فَلَمْ تَسْقُطْ بِهِ الْإِعَادَةُ، فَعَلَيْهَا إِنْ قَدَرَ فِيهَا، خَرَجَ مِنْهَا، وَإِلَّا فَكَمُتَيَمِّمٍ يَجِدُ الْمَاءَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُمَا فَرْضُهُ. [لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِتُرَابٍ طَاهِرٍ] (وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِتُرَابٍ طَاهِرٍ) أَيْ: طَهُورٍ غَيْرِ مُحْتَرِقٍ (لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ) هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] وَمَا لَا غُبَارَ لَهُ كَالصَّخْرِ لَا يُمْسَحُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الصَّعِيدُ تُرَابُ الْحَرْثِ، وَالطَّيِّبُ: الطَّاهِرُ. وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَجُعِلَ لِيَ التُّرَابُ طَهُورًا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، فَخَصَّ تُرَابَهَا بِحُكْمِ الطَّهَارَةِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ، وَقَوْلُ الْخَلِيلِ: إِنَّ الصَّعِيدَ وَجْهُ الْأَرْضِ، وَالزُّجَاجِ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} [الكهف: 40] ، وَقَائِلًا بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ، يُعَارِضُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللُّغَةِ، وَقَوْلَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّفْسِيرِ، وَقَدْ تَأَكَّدَ بِقَوْلِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، وَقَالَ فِي " الْكَشَّافِ ": إِنَّ " مِنْ " لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ، وَلَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَسَحْتُ بِرَأْسِهِ مِنَ الدُّهْنِ، وَمِنَ الْمَاءِ، وَالتُّرَابِ إِلَّا مَعْنَى التَّبْعِيضِ، وَالْإِذْعَانُ لِلْحَقِّ أَحَقُّ مِنَ الْمِرَاءِ. وَالثَّانِيَةُ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: يَجُوزُ بِالرَّمْلِ وَالسَّبْخَةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا»
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَالتُّرَابُ بَعْضُ أَفْرَادِهَا، وَالتَّنْصِيصُ عَلَيْهِ لَا يُخَصِّصُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ بِالْمَفْهُومِ لَا بِذِكْرِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ، وَحَمَلَهُ الْخَلَّالُ عَلَى عَدَمِ التُّرَابِ، وَكَانَ لَهُمَا غُبَارٌ، وَشَرَطَ الْقَاضِي الْغُبَارَ دُونَ الْعَدَمِ. وَفِي ثَالِثَةٍ: يَجُوزُ بِكُلِّ مَا تَصَاعَدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ جِصٍّ وَنَوْرَةٍ، وَنَحْوِهِمَا، وَحَكَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا، وَذَلِكَ عِنْدَ الْعَدَمِ لَا مُطْلَقًا، وَفِي رَابِعَةٍ: يَجُوزُ بِالسَّبْخَةِ فَقَطْ إِذَا كَانَ لَهَا غُبَارٌ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَعَلَيْهِ يُنَزَّلُ كَلَامُ أَحْمَدَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَجُوزُ بِكُلِّ تُرَابٍ عَلَى أَيِّ لَوْنٍ كَانَ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى تُرَابٍ أَوْ لِبَدٍ أَوْ شَجَرَةٍ أَوْ شَعِيرٍ لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ سَحَقَ الطِّينَ، وَتَيَمَّمَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ مَأْكُولًا كَالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الطَّبْخِ، فَلَا يُجْزِئُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِأَنَّ الطَّبْخَ أَخْرَجَهُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ التُّرَابَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ مَقْبَرَةٍ تَكَرَّرَ نَبْشُهَا، وَإِنْ شَكَّ فِيهِ، فَوَجْهَانِ، وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، وَالتُّرَابُ الْمَغْصُوبُ كَالْمَاءِ. قَالَ الْمَجْدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تُرَابَ مَسْجِدٍ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ بِتُرَابِ زَمْزَمَ مَعَ أَنَّهُ مَسْجِدٌ، وَقَالُوا: يُكْرَهُ إِخْرَاجُ حَصَى الْمَسْجِدِ وَتُرَابِهِ لِلتَّبَرُّكِ وَغَيْرِهِ، وَالْكَرَاهَةُ لَا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ بِتُرَابٍ غَيْرِهِ جَازَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ لِلْإِذْنِ فِيهِ عَادَةً وَعُرْفًا، كَالصَّلَاةِ فِي أَرْضِهِ، وَقَالَ عُمَرُ: لَا يَتَيَمَّمُ بِالثَّلْجِ لَكِنْ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَتَعَذَّرَ تَذْوِيبُهُ فَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ: أَنَّهُ يَمْسَحُ بِهِ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ، وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي " لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا بِالْجَرَيَانِ (فَإِنْ خَالَطَهُ ذُو غُبَارٍ، وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ،
[فرائض التيمم]
كَالْجِصِّ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ كَالْمَاءِ إِذَا خَالَطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ. فَصْلٌ وَفَرَائِضُ التَّيَمُّمِ أَرْبَعَةٌ: مَسْحُ جَمِيعِ وَجْهِهِ، وَيَدَيْهِ إِلَى كُوعَيْهِ، وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِمَا يَتَيَمَّمُ لَهُ مِنْ حَدَثٍ أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَالْجِصِّ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ كَالْمَاءِ إِذَا خَالَطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ) هَذِهِ طَرِيقَةُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا، لِأَنَّهُ بَدَلٌ، فَيُقَاسُ عَلَى مُبْدَلِهِ، وَقِيلَ: يُمْنَعُ مُطْلَقًا، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَقْيَسُ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَ بِالْعُضْوِ مِنْهُ شَيْءٌ فَمَنَعَ وُصُولَ التُّرَابِ، وَالْمَائِعُ يُسْتَهْلَكُ فِي الْمَاءِ. تَنْبِيهٌ: مَا يَتَيَمَّمُ بِهِ وَاحِدٌ فَكَمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ كَمَا تَيَمَّمَ مِنْهُ فِي الْأَصَحِّ، وَأَعْجَبَ أَحْمَدَ حَمْلُ تُرَابٍ لِلتَّيَمُّمِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَيُكْرَهُ نَفْخُ الْغُبَارِ عَنْ يَدَيْهِ إِنْ قَلَّ، وَعَنْهُ: أَوْ كَثُرَ، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا إِلَّا أَنْ يَذْهَبَ كُلُّهُ بِالنَّفْخِ. [فَرَائِضُ التَّيَمُّمِ] فَصْلٌ (وَفَرَائِضُ التَّيَمُّمِ أَرْبَعَةٌ: مَسْحُ جَمِيعِ وَجْهِهِ، وَيَدَيْهِ إِلَى كُوعَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] ، وَفِي الْبُخَارِيِّ: «وَضَرَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ» وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ اسْتِيعَابِهِمَا بِهِ، فَالْوَجْهُ يَجِبُ مَسْحُ ظَاهِرِهِ بِمَا لَا يَشُقُّ، فَلَا يَمْسَحُ بَاطِنَ الْفَمِ وَالْأَنْفِ، وَلَا بَاطِنَ الشَّعْرِ الْخَفِيفِ، وَظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ " اسْتِثْنَاءَ بَاطِنِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ فَقَطْ، وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْكُوعَيْنِ، فَإِذَا كَانَ أُقْطِعَ مِنْهُ، وَجَبَ مَسْحُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ فِي الْمَنْصُوصِ، كَمَا لَوْ بَقِيَ مِنَ الْكَفِّ بَقِيَّةٌ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجِبُ بَلْ يُسْتَحَبُّ كَمَا لَوْ قُطِعَ مِنْ فَوْقِ الْكُوعِ عَلَى الْمَنْصُوصِ. (وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ) عُرْفًا (عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُمَا فَرْضٌ فِي الْمُبْدَلِ، فَكَذَا فِي الْبَدَلِ، وَالثَّانِيَةُ، وَحَكَاهَا فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا: لَا يَجِبَانِ، وَإِنْ وَجَبَا فِي الْوُضُوءِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، وَقِيلَ: التَّرْتِيبُ، قَالَ
غَيْرِهِ فَإِنْ نَوَى جَمِيعَهَا، جَازَ، وَإِنْ نَوَى أَحَدَهَا لَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الْآخَرِ، وَإِنْ نَوَى ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَجْدُ: هُوَ قِيَاسٌ، وَلِهَذَا يُجْزِئُهُ مَسْحُ بَاطِنِ أَصَابِعِهِ مَعَ مَسْحِ وَجْهِهِ، وَظَاهِرُهُ يَشْمَلُ الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى، لِأَنَّهَا صِفَةٌ وَاحِدَةٌ بِخِلَافِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ، فَإِنَّ صِفَتَيْهِمَا مُخْتَلِفَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا لَا يَجِبَانِ فِيهَا، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَقِيلَ: بَلَى، وَقِيلَ: مُوَالَاةٌ، وَالتَّسْمِيَةُ هُنَا كَالْوُضُوءِ. (وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِمَا يَتَيَمَّمُ لَهُ مِنْ حَدَثٍ، أَوْ غَيْرِهِ) كَنَجَاسَةٍ عَلَى بَدَنِهِ، فَيَنْوِي اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَالْحَدَثِ إِنْ كَانَا أَوْ أَحَدُهُمَا، أَوْ بَعْضِ بَدَنِهِ، أَوْ كُلِّهِ، وَنَحْوِهِ. أَوْ مَا شَرْطُهُ الطَّهَارَةُ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ، لِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، فَلَمْ تَرْفَعِ الْحَدَثَ، كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ التَّعْيِينِ تَقْوِيَةً لِضَعْفِهِ، فَلَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ التَّيَمُّمِ إِجْمَاعًا، وَلَوْ رَفَعَهُ لَاسْتَوَى الْجَمِيعُ فِي الْوِجْدَانِ، وَنَقَلَ عَنْهُ الْفَضْلُ، وَبَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ يُصَلِّي بِهِ إِلَى حَدَثِهِ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فَيَرْفَعُ الْحَدَثَ كَطَهَارَةِ الْمَاءِ، وَفِيهِ حَدِيثَانِ مُتَعَارِضَانِ، حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا: بِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ إِطْلَاقِ الْحَدَثِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ بِزَوَالِ الْبَرْدِ، أَوْ وُجُودِ الْمَاءِ، يَظْهَرُ حُكْمُ الْحَدَثِ، وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ، فَالْمَانِعُ لَمْ يَزَلْ رَأْسًا، وَفِي الثَّانِي: حُكِمَ بِأَنَّهُ طَهُورٌ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، فَيُسْتَبَاحُ بِهِ مَا يُسْتَبَاحُ بِالْمَاءِ (فَإِنْ نَوَى جَمِيعَهَا جَازَ) لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ فَيَكُونُ مَنْوِيًّا (وَإِنْ نَوَى أَحَدَهَا، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الْآخَرِ) لأنها أَسْبَاب مُخْتَلِفَة، فَلَمْ يُجْزِئْهُ بَعْضٌ عَنْ آخَرَ كَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، وَقِيلَ: بَلَى، لِأَنَّ طَهَارَتَهُمَا وَاحِدَةٌ، فَسَقَطَتْ إِحْدَاهُمَا بِفِعْلِ الْأُخْرَى كَالْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ، وَأَجَابَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " بِأَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ بِدَلِيلِ الْإِجْزَاءِ بِهِ عَنِ الْآخَرِ فِي الْوُضُوءِ، وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ ": أَنَّهُ يُجْزِئُ إِنْ كَانَا غُسْلَيْنِ، فَإِنْ تَيَمَّمَ لِلْأَكْبَرِ
نَفْلًا أَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ لِلصَّلَاةِ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا نَفْلًا وَإِنْ نَوَى فَرْضًا، فَلَهُ فِعْلُهُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَقَضَاءُ الْفَوَائِتِ وَالتَّنَفُّلُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ. وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِخُرُوجِ ـــــــــــــــــــــــــــــQدُونَ الْأَصْغَرِ أُبِيحَ لَهُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْدِثِ فَقَطْ، فَإِنْ أَحْدَثَ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي تَيَمُّمِهِ. وَإِنَّ تَيَمَّمَ لَهُمَا، ثُمَّ أَحْدَثَ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِلْحَدَثِ فَقَطْ، فَلَوْ تَيَمَّمَتْ بَعْدَ طُهْرِهَا مِنَ الْحَيْضِ لَهُ، ثُمَّ أَجْنَبَتْ، فَلَهُ الْوَطْءُ لِبَقَاءِ حُكْمَيْ تَيَمُّمِ الْحَيْضِ (وَإِنْ نَوَى نَفْلًا) لَمْ يَسْتَبِحْ سِوَاهُ، لِأَنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِمَنْوِيٍّ، أَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ لِلصَّلَاةِ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا نَفْلًا) لِأَنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ فِي الْفَرْضِ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَأُبِيحَ لَهُ التَّنَفُّلُ، لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْإِطْلَاقُ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ، وَقِيلَ: مَعَ الْإِطْلَاقِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَاخْتَارَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِهِ نَفْلًا فَوْقَ رَكْعَتَيْنِ بِسَلَامٍ وَاحِدٍ بِلَا نِيَّةٍ (وَإِنْ نَوَى فَرْضًا) سَوَاءٌ كَانَتْ مُعَيَّنَةً أَوْ مُطْلَقَةً (فَلَهُ فِعْلُهُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَقَضَاءُ الْفَوَائِتِ وَالتَّنَفُّلُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ) وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ، صَلَّى بِهِ فُرُوضًا وَنَوَافِلَ. وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَنَذْرًا، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ، مَعَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَحْكِ بِهِ نصا، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ أَحْمَدُ الْقَوْلَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَمَعْنَاهُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ صَحِيحَةٌ، أَبَاحَتْ فَرْضًا فَأَبَاحَتْ مَا هُوَ مِثْلُهُ، كَطَهَارَةِ الْمَاءِ. وَعَنْهُ: لَا يَجْمَعُ بِهِ بَيْنَ فَرْضَيْنِ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَلَيْهَا لَهُ فِعْلُ غَيْرِهِ مِمَّا شَاءَ، وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ، لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، مَعَ أَنَّ حَرْبًا رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: التَّيَمُّمُ بِمَنْزِلَةِ الْوُضُوءِ يُصَلِّي بِهِ الصَّلَوَاتِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَتَنَفَّلُ قَبْلَ الْفَرْضِ، ثُمَّ يُصَلِّيهَا، وَمَا شَاءَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا عَنْ أَيِّ شَيْءٍ تَيَمَّمَ، وَعَنْهُ: لَا يَتَنَفَّلُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ، فَإِنْ خَالَفَ وَصَلَّى، لَمْ يَفْعَلْ بِهِ الْفَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَضَابِطُهُ أَنَّ مَنْ نَوَى شَيْئًا اسْتَبَاحَهُ، وَمِثْلَهُ وَدُونَهُ، فَالنَّذْرُ دُونَ مَا وَجَبَ شَرْعًا. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا فَرْقَ، وَفَرْضُ كِفَايَةٍ دُونَ فَرْضِ عَيْنٍ، وَفَرْضُ جِنَازَةٍ أَعْلَى مِنْ نَافِلَةٍ، وَقِيلَ: يُصَلِّيهَا بِتَيَمُّمِ نَافِلَةٍ، وَيُبَاحُ الطَّوَافُ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ فِي الْأَشْهَرِ، كَمَسِّ الْمُصْحَفِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ كَانَ الطَّوَافُ فَرْضًا، خِلَافًا لِأَبِي الْمَعَالِي، وَلَا تُبَاحُ نَافِلَةٌ بِنِيَّةِ مَسِّ مُصْحَفٍ، وَطَوَافٍ فِي الْأَشْهَرِ. وَإِنْ تَيَمَّمَ
[ما يبطل التيمم]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQجُنُبٌ لِقِرَاءَةٍ أَوْ مَسِّ مُصْحَفٍ فَلَهُ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ الْقَاضِي: وَجَمِيعُ النَّوَافِلِ، لِأَنَّهَا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ تَيَمَّمَ لِمَسِّ مُصْحَفٍ فَلَهُ الْقِرَاءَةُ لَا العكس، وَلَا يَسْتَبِيحُهَا بِنِيَّةِ اللُّبْثِ، وَتُبَاحُ الثَّلَاثَةُ بِنِيَّةِ الطَّوَافِ لَا الْعَكْسِ، وَإِنْ تَيَمَّمَ لِمَسِّ مُصْحَفٍ، فَفِي نَفْلِ طَوَافٍ وَجْهَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي " إِنْ تَيَمَّمَ جُنُبٌ لِقِرَاءَةٍ أَوْ لُبْثٍ أَوْ مَسِّ مُصْحَفٍ، لَمْ يَسْتَبِحْ غَيْرَهُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَفِيهِ بُعْدٌ. [مَا يُبْطِلُ التَّيَمُّمَ] (وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ) وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، لِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ، كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَبْطُلُ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ شَرْطًا كَمَا فِي الْجُمُعَةِ، وَخَرَّجَهُ السَّامِرِيُّ عَلَى وُجُودِ الْمَاءِ فِيهَا، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا تَبْطُلُ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الَّتِي تَلِيهَا قَالَهُ الْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَفَائِدَتُهُ: هَلْ يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ زَوَالِهَا، وَفِي ثَالِثٍ: تَبْطُلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاةِ الَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا، فَيُبَاحُ بِهِ غَيْرُهَا. فَلَوْ كَانَ تَيَمُّمُهُ في غير وَقْتَ صَلَاةٍ، كَالتَّيَمُّمِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بَطَلَ بِزَوَالِهَا، وَلَوْ نَوَى الْجَمْعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فَتَيَمَّمَ فِي وَقْتِ الْأُولَى لَهَا، أَوْ لِفَائِتَةٍ، لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ بِدُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ وَقْتَيْهِمَا قَدْ صَارَا وَقْتًا وَاحِدًا، وَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ مَا إِذَا تَيَمَّمَ لِطَوَافٍ أَوْ جِنَازَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ، وَخَرَجَ الْوَقْتُ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ كَالْفَرِيضَةِ. وَعَنْهُ: إِنْ تَيَمَّمَ لِجِنَازَةٍ، ثُمَّ جِيءَ بِأُخْرَى، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَقْتٌ يُمْكِنُهُ التَّيَمُّمُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهَا حَتَّى يَتَيَمَّمَ لَهَا، وَإِلَّا صَلَّى، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِأَنَّ النَّفْلَ الْمُتَوَاصِلَ
الْوَقْتِ وَوُجُودِ الْمَاءِ، وَمُبْطِلَاتِ الْوُضُوءِ، فَإِنْ تَيَمَّمَ وَعَلَيْهِ مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ثُمَّ خَلَعَهُ، لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَبْطُلُ، وَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، لَمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQهُنَا، كَتَوَاصُلِ الْوَقْتِ لِلْمَكْتُوبَةِ، قَالَ: وَعَلَى قِيَاسِهِ مَا لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ كَمَسِّ مُصْحَفٍ وَطَوَافٍ، فَعَلَى هَذَا النَّوَافِلُ الْمُؤَقَّتَةُ كَالْوِتْرِ، وَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ، وَالْكُسُوفِ، يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ لَهَا بِخُرُوجِ وَقْتِ النَّافِلَةِ، وَالنَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهَا تَوَاصُلُ الْفِعْلِ كَالْجِنَازَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْتَدَّ وَقْتُهَا إِلَى وَقْتِ النَّهْيِ عَنْ تِلْكَ النَّافِلَةِ. (وَوُجُودِ الْمَاءِ) الْمَعْجُوزِ عَنْهُ إِجْمَاعًا، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَشَرْطُهُ: أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى اسْتِعْمَالِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ كَعَطَشٍ، وَمَرَضٍ، وَأَلْحَقَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ مَا إِذَا رَأَى رَكْبًا ظَنَّ مَعَهُ مَاءً أَوْ خُضْرَةً، وَنَحْوَهُ، أَوْ سَرَابًا ظَنَّهُ مَاءً، قُلْنَا: بِوُجُوبِ الطَّلَبِ، وَسَوَاءٌ تَبَيَّنَ لَهُ خِلَافُ ظَنِّهِ أَوْ لَا، فَإِنْ وَجَدَهُ، وَإِلَّا اسْتَأْنَفَ التَّيَمُّمَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَبْطُلَ، لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْمُتَيَقَّنَةَ لَا تَزُولُ بِالشَّكِّ. (وَمُبْطِلَاتُ الْوُضُوءِ) لِأَنَّهُ إِذَا بَطَلَ الْأَصْلُ بَطَلَ بَدَلُهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى، لَكِنْ إِنْ كَانَ تَيَمُّمُهُ عَنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ فَهُوَ كَمَا ذَكَرَهُ، وَإِنْ كَانَ عَنْ جَنَابَةٍ فَيَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ، وَمُوجِبَاتِ الْغُسْلِ، وَإِنْ كَانَ لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ فَلَا يَزُولُ حُكْمُهُ إِلَّا بِحَدَثِهِمَا أَوْ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ. (فَإِنْ تَيَمَّمَ، وَعَلَيْهِ مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) كَعِمَامَةٍ وَخُفٍّ (ثُمَّ خَلَعَهُ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ) فِي اخْتِيَارِ الْمُؤَلِّفِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ لَمْ يَمْسَحْ فِيهَا عَلَيْهِ، فَلَا يَبْطُلُ بِنَزْعِهِ كَالْمَلْبُوسِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْمَلْبُوسُ مِمَّا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْحَائِلُ أَوْ بَعْضُهُ فِي مَحَلِّ التَّيَمُّمِ بَطَلَ بِخَلْعِهِ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ. (وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَبْطُلُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُبْطِلٌ لِلْوُضُوءِ، فَأَبْطَلَ التَّيَمُّمَ كَسَائِرِ الْمُبْطِلَاتِ، وَيُجَابُ: بِأَنَّ مُبْطِلَ الْوُضُوءِ نَزْعُ مَا هُوَ مَمْسُوحٌ عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ هُنَا.
[المتيمم إن وجد الماء بعد الصلاة أو فيها]
تَجِبْ إِعَادَتُهَا، وَإِنْ وَجَدَهُ فِيهَا بَطَلَتْ. وَعَنْهُ: لَا تَبْطُلُ. وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إِلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْمُتَيَمِّمُ إِنْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا] (وَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَمْ تَجِبْ إِعَادَتُهَا) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ، وَقَالَ لِلَّذِي أَعَادَ: لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مُتَّصِلًا، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ عُمَرَ تَيَمَّمَ وَهُوَ يَرَى بُيُوتَ الْمَدِينَةِ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَلَمْ يُعِدْ. وَلِأَنَّهُ أَدَّى صَلَاتَهُ بِطَهَارَةٍ صَحِيحَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدَّاهَا بِالْمَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعٌ فِيمَا إِذَا وَجَدَهُ بَعْدَ الْوَقْتِ، وَعَنْهُ: يُسَنُّ، وَلَا يَلْزَمُ إِعَادَةُ صَلَاةِ جِنَازَةٍ، وَإِنْ لَزِمَ غَسْلُهُ فِي وَجْهٍ. (وَإِنْ، وَجَدَهُ) أَيْ: حَقِيقَةً (فِيهَا) وَفِي طَوَافٍ (بَطَلَتْ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِطَهُورٍ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى وُجُوبِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ عِنْدَ وُجُودِهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، أَشْبَهَ الْخَارِجَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَالْمُسْتَحَاضَةِ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا، فَعَلَيْهَا يَخْرُجُ فَيَتَطَهَّرُ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُهَا، لِأَنَّ مَا مَضَى مِنْهَا انْبَنَى عَلَى طَهَارَةٍ ضَعِيفَةٍ، كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، بِخِلَافِ مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يَبْنِي، وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ كَمَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُهَا، فَهُنَا أَوْلَى. قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ". (وَعَنْهُ: لَا تَبْطُلُ) نَقَلَهَا الْمَيْمُونِيُّ، وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، كَمَا لَوْ وَجَدَ الرَّقَبَةَ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالصِّيَامِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَرُّوذِيَّ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ قَالَ: كُنْتُ أَقُولُ: يَمْضِي، فَإِذَا الْأَحَادِيثُ أَنَّهُ يَخْرُجُ، فَدَلَّ عَلَى رُجُوعِهِ، وَبِأَنَّ الصَّوْمَ هُوَ الْوَاجِبُ نَفْسُهُ، فَنَظِيرُهُ إِذَا
[تأخير التيمم إلى آخر الوقت لمن يرجو وجود الماء]
آخِرِ الْوَقْتِ لِمَنْ يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ وَإِنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَدَرَ عَلَى الْمَاءِ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ، وَلَا خِلَافَ فِي بُطْلَانِهِ، ثُمَّ الْفَرْقُ بِأَنَّ مُدَّةَ الصِّيَامِ تَطُولُ فَيَشُقُّ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ الشَّاقَّيْنِ بِخِلَافِهِ هُنَا، وَعَلَيْهَا يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وَقِيلَ: هُوَ أَفْضَلُ، وَقِيلَ: خُرُوجُهُ أَفْضَلُ، وَهُوَ رَأْيُ أَبِي جَعْفَرٍ، لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، فَإِنْ عَيَّنَ نَفْلًا أَتَمَّهُ، وَإِلَّا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَقَلِّ الصَّلَاةِ، وَمَتَى فَرَغَ مِنْهَا بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَعَلَيْهَا لَوْ وَجَدَهُ فِي صَلَاةٍ عَلَى مَيِّتٍ يُمِّمَ، بَطَلَتْ، وَغُسِّلَ فِي الْأَصَحِّ، وَيَلْزَمُ مَنْ تَيَمَّمَ لِقِرَاءَةٍ، وَوَطْءٍ، وَنَحْوِهِ، التَّرْكُ. فَرْعٌ: لَوِ انْقَلَبَ الْمَاءُ فِيهَا، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إِنْ عَلِمَ بِتَلَفِهِ فِيهَا بَقِيَ تَيَمُّمُهُ، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ، فَلَمَّا فَرَغَ، شَرَعَ فِي طَلَبِهِ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ. [تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ لِمَنْ يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ] (وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ لِمَنْ) يَعْلَمُ أَوْ (يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ) فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، لِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ فِي نَفْسِهَا فَرِيضَةٌ، وَالصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَضِيلَةٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ انْتِظَارَ الْفَرِيضَةِ أَوْلَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَرْجُهُ بَلْ ظَنَّ أَوْ عَلِمَ عَدَمَهُ، فَالتَّقْدِيمُ أَوْلَى، لِئَلَّا يَتْرُكَ الْفَضِيلَةَ الْمُتَيَقَّنَةَ لِأَمْرٍ غَيْرِ مَرْجُوٍّ، وَإِنْ تَرَدَّدَ فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيمُ أَفْضَلُ إِلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ وُجُودُهُ فِي الْوَقْتِ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، و" الْفُرُوعِ " أَنَّ التَّأْخِيرَ أَفْضَلُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ عَنْهُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ لِئَلَّا يَذْهَبَ خُشُوعُهَا وَتَأْخِيرُهَا لِإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ، فَتَأْخِيرُهَا لِإِدْرَاكِ الطَّهَارَةِ أَوْلَى، وَلِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ إِذْ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَجُوزُ إِلَّا عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ. (وَإِنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ) لِحَدِيثِ عَطَاءٍ السَّابِقِ، وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ فِي حَالٍ العذر أَشْبَهَ مَنْ صَلَّى عُرْيَانًا أَوْ جَالِسًا لِمَرَضٍ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى السُّتْرَةِ، وَبَرِئَ فِي الْوَقْتِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ فِيمَا إِذَا وَجَدَهُ بَعْدَ الْوَقْتِ، وَكَذَا إِنْ وَجَدَهُ
[كيفية التيمم]
وَالسُّنَّةُ فِي التَّيَمُّمِ أَنْ يَنْوِيَ وَيُسَمِّيَ وَيَضْرِبَ بِيَدَيْهِ مُفَرَّجَتَيِ الْأَصَابِعِ عَلَى التُّرَابِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً فَيَمْسَحَ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ، وَكَفَّيْهِ بِرَاحَتَيْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: ـــــــــــــــــــــــــــــQفِيهِ عَلَى الْمَجْزُومِ بِهِ، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا وَجَدَ الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ فَأَحَبَّ أَنْ يُعِيدَ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى جَوَازِ الْإِعَادَةِ مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ. [كَيْفِيَّةُ التَّيَمُّمِ] (وَالسُّنَّةُ فِي التَّيَمُّمِ أَنْ يَنْوِيَ) اسْتِبَاحَةَ مَا تَيَمَّمَ لَهُ (وَيُسَمِّيَ) وَكَذَا فِي " الْوَجِيزِ " وَعَبَّرَ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " بِـ " ثُمَّ "، وَهُوَ أَوْلَى (وَيَضْرِبَ بِيَدَيْهِ مُفَرَّجَتَيِ الْأَصَابِعِ) لِيُدْخِلَ الْغُبَارَ بَيْنَهُمَا وَيَنْزِعَ خَاتَمَهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الضَّرْبَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ، بَلِ الْقَصْدُ حُصُولُ التُّرَابِ فِي مَحَلِّهِ، فَلَوْ كَانَ نَاعِمًا فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ أَوْصَلَهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ بِيَدٍ أَوْ بَعْضِهَا جَازَ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَى، وَصَمَدَ لِلرِّيحِ حَتَّى عَمَّتْ مَحَلَّ الْفَرْضِ بِالتُّرَابِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ، كَمَا لَوْ صَمَدَ لِلْمَطَرِ حَتَّى جَرَى عَلَى أَعْضَائِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقَصْدِ الصَّعِيدِ وَالْمَسْحِ بِهِ، وَفِي ثَالِثٍ: يُجْزِئُ إِنْ مَسَحَ بِيَدَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ حَتَّى حَصَلَ فِي الْمَحَلِّ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ بِغَيْرِ مَا عَلَيْهِ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا (عَلَى التُّرَابِ) الطَّهُورِ (ضَرْبَةً وَاحِدَةً) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بِضَرْبَةٍ وَبِضَرْبَتَيْنِ وَأَكْثَرَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِيصَالُ التُّرَابِ إِلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَكَيْفَمَا حَصَلَ جَازَ كَالْوُضُوءِ، وَفِي " الْمُغْنِي " لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا تُسَنُّ الزِّيَادَةُ عَلَى ضَرْبَتَيْنِ إِذَا حَصَلَ الِاسْتِيعَابُ بِهِمَا، وَالْمَنْصُوصُ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْوَاجِبُ بِلَا نِزَاعٍ لِمَا رَوَى عَمَّارٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فِي التَّيَمُّمِ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ مُعَلَّقٌ عَلَى مُطْلَقِ الْيَدِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الذِّرَاعُ، لِأَنَّهَا فِي خطاب الشَّرْعِ إِلَى الْكُوعِ، بِدَلِيلِ السَّرِقَةِ وَالْمَسِّ،
الْمَسْنُونُ ضَرْبَتَانِ، يَمْسَحُ بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ، وَبِالْأُخْرَى يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَيَضَعُ بُطُونَ أَصَابِعِ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى، وَيُمِرُّهَا إِلَى مِرْفَقِهِ، وَيُدِيرُ بَطْنَ كَفِّهِ إِلَى بَطْنِ الذِّرَاعِ، وَيُمِرُّهَا عَلَيْهِ، وَيُمِرُّ إِبْهَامَ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ إِبْهَامِ الْيُمْنَى، وَيَمْسَحُ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى كَذَلِكَ، وَيَمْسَحُ إِحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، وَيُخَلِّلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا يُقَالُ: هِيَ مُطْلَقَةٌ فِيهِ مُقَيَّدَةٌ فِي الْوُضُوءِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الطَّهَارَةِ، لِأَنَّ الْحَمْلَ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، كَالْعِتْقِ فِي الظِّهَارِ عَلَى الْعِتْقِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، وَالتُّرَابُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ، وَهُوَ يُشْرَعُ فِيهِ التَّثْلِيثُ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ فِيهِ، وَالْوَجْهُ يُغْسَلُ مِنْهُ بَاطِنُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ بِخِلَافِهِ هُنَا، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ (فَيَمْسَحَ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ، وَكَفَّيْهِ بِرَاحَتَيْهِ) عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ، فَلَوْ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَمِينِهِ، وَيَمِينَهُ بِيَسَارِهِ أَوْ عَكَسَ، وَخَلَّلَ أَصَابِعَهُ فِيهِمَا، صَحَّ. وَاسْتِيعَابُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ بِالْمَسْحِ وَاجِبٌ سِوَى مَا يَشُقُّ وَصُولُ التُّرَابِ إِلَيْهِ. (وَقَالَ الْقَاضِي) وَالشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ: (الْمَسْنُونُ ضَرْبَتَانِ، يَمْسَحُ بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ، وَبِالْأُخْرَى يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فِي التَّيَمُّمِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الزَّاغُونِيِّ: ابْنُ عُمَرَ تَيَمَّمَ ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةً إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَبِهَذَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يَأْخُذُونَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَنْ قَالَ ضَرْبَتَيْنِ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ زَادَهُ يَعْنِي: لَا يَصِحُّ، وَقَالَ الْخَلَّالُ: الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ ضِعَافٌ جِدًّا، وَلَمْ يَرْوِ مِنْهَا أَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. (فَيَضَعُ بُطُونَ أَصَابِعِ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى، وَيُمِرُّهَا إِلَى مِرْفَقِهِ، وَيُدِيرُ بَطْنَ كَفِّهِ إِلَى بَطْنِ الذِّرَاعِ، وَيُمِرُّهَا عَلَيْهِ، وَيُمِرُّ إِبْهَامَ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ إِبْهَامِ الْيُمْنَى، وَيَمْسَحُ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى كَذَلِكَ) لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا
الْأَصَابِعَ. وَمَنْ حُبِسَ فِي الْمِصْرِ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِ الْمَاءِ التَّيَمُّمُ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، وَلَا الْجِنَازَةِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ لِلْجِنَازَةِ وَإِنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنَ الْخِلَافِ، إِذْ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يُوجِبُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " الْكَافِي " أَنَّ هَذَا مُبَاحٌ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فَإِنْ بَقِيَ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ لَمْ يَصِلْهُ التُّرَابُ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْصِلْ رَاحَتَهُ، فَإِنْ فَصَلَهَا، وَكَانَ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهَا غُبَارٌ، جَازَ أَنْ يَمْسَحَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ احْتَاجَ إِلَى ضَرْبَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنَ الْوَجْهِ مَسَحَهُ، وَأَعَادَ مَسْحَ يَدَيْهِ لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا، وَقُلْنَا بِوُجُوبِ الْمُوَالَاةِ اسْتَأْنَفَ التَّيَمُّمَ (وَيَمْسَحُ إِحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى) لِيُمِرَّ التُّرَابَ بَعْدَ الضَّرْبِ، وَلَا يَجِبُ، لِأَنَّ فَرْضَهُمَا قَدْ سَقَطَ بِإِمْرَارِ كُلِّ وَاحِدة عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ (وَيُخَلِّلُ الْأَصَابِعَ) قِيَاسًا عَلَى مُبْدَلِهِ. 1 - (وَمَنْ حُبِسَ فِي الْمِصْرِ) وَاحِدُ الْأَمْصَارِ أَوْ قَطَعَ عَدُوٌّ مَاءً عَنْ بَلْدَةٍ، وَعَدِمَ (صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ) لِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ أَشْبَهَ الْمُسَافِرَ (وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ بِالْبَدَلِ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ كَالْمُسَافِرِ (وَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِ الْمَاءِ التَّيَمُّمُ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَبَاحَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَهَذَا وَاجِدٌ لَهُ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ، وَخُرُوجُ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِخُرُوجِ الْوَقْتِ قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ (وَلَا الْجِنَازَةِ) هَذَا أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا قُلْنَاهُ (وَعَنْهُ: يَجُوزُ لِلْجِنَازَةِ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَمع، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا بِالْوُضُوءِ، أَشْبَهَ الْعَادِمَ، وَالْمُرَادُ بِهِ فَوْتُهَا مَعَ الْإِمَامِ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ، قَالَ جَمَاعَةٌ: وَإِنْ أَمْكَنَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، فَتَعْظُمُ الْمَشَقَّةُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ لِعِيدٍ، وَنَحْوِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ كَفَوْتِ الْعِيدِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ،
اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمَيِّتٌ وَمَنْ عَلَيْهَا غُسْلُ حَيْضٍ، فَبُذِلَ مَا يَكْفِي أَحَدَهُمْ لِأَوْلَاهُمْ بِهِ، فَهُوَ لِلْمَيِّتِ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ لِلْحَيِّ. وَأَيُّهُمَا يُقَدَّمُ فِيهِ وَجْهَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْجُمُعَةِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنَ الْجِنَازَةِ، لِأَنَّهَا لَا تُعَادُ، وَجَعَلَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَصْلًا لِلْمَنْعِ، قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: وَالسُّجُودُ يُخَرَّجُ عَلَى الْجِنَازَةِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ حَسَنٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ وَصَلَ مُسَافِرٌ إِلَى بِئْرِ مَاءٍ، وَعَلَيْهِ ضَاقَ الْوَقْتُ، أَوْ عَلِمَ أَنَّ النَّوْبَةَ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَهُ أَوْ عَلِمَهُ قَرِيبًا، وَخَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ أَنَّهُ كَقُدْرَتِهِ عَلَى مَاءِ بِئْرٍ بِثَوْبٍ يَبُلُّهُ ثُمَّ يَعْصِرُهُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمَاءِ، وَلَوْ خَافَ الْوَقْتَ، وَقِيلَ: بَلَى، فَيُسْتَثْنَى، اخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ يُمْكِنُهُ الذَّهَابُ إِلَى الْحَمَّامِ، لَكِنْ لَا يُمَكِنُهُ الْخُرُوجُ إِلَّا بِفَوَاتِ الْوَقْتِ، كَالْمَرْأَةِ مَعَهَا أَوْلَادُهَا، وَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَخْرُجَ حَتَّى تُغَسِّلَهُمْ تَتَيَمَّمُ، وَتُصَلِّي خَارِجَ الْحَمَّامِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْوَقْتِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. فَرْعٌ: إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ غُسْلٌ مَسْنُونٌ، كَجُمُعَةٍ، فَهَلْ يُسَنُّ التَّيَمُّمُ عَنْهُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّ الْمَنْصُوصَ: أَنَّهُ يُشْرَعُ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ، وَصَحَّحَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا يُسَنُّ عَنْ غُسْلِ الْإِحْرَامِ، لِأَنَّهُ غُسْلٌ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ التَّيَمُّمُ عِنْدَ عَدَمِهِ كَالْجُمُعَةِ. 1 - (وَإِنِ اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمَيِّتٌ وَمَنْ عَلَيْهَا غُسْلُ حَيْضٍ، فَبُذِلَ مَا يَكْفِي أَحَدَهُمْ لِأَوْلَاهُمْ بِهِ، فَهُوَ لِلْمَيِّتِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " و" الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ تَنْظِيفُهُ، وَلَا يَحْصُلُ بِالتَّيَمُّمِ، وَالْحَيُّ يَقْصِدُ بِغُسْلِهِ إِبَاحَةَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِالتُّرَابِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ لِوَرَثَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا، فَلِلْحَيِّ أَخْذُهُ لِطَهَارَتِهِ بِثَمَنِهِ فِي مَوْضِعِهِ، لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ إِتْلَافَهُ، أَمَّا إِذَا احْتَاجَ الْحَيُّ إِلَيْهِ لِعَطَشٍ، فَهُوَ مُقَدَّمٌ فِي الْأَصَحِّ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ لِلْحَيِّ) اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ مَا لَا يَسْتَفِيدُهُ الْمَيِّتُ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَنَحْوِهَا. (وَأَيُّهُمَا يُقَدَّمُ فِيهِ وَجْهَانِ) .
[باب إزالة النجاسة]
بَابُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ لَا يَجُوزُ إِزَالَتُهَا بِغَيْرِ الْمَاءِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تُزَالُ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ مُزِيلٍ كَالْخَلِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَحَدُهُمَا: تُقَدَّمُ الْحَائِضُ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " لِأَنَّهَا تَقْضِي حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَقَّ زَوْجِهَا فِي إِبَاحَةِ وَطْئِهَا. وَالثَّانِي: يُقَدَّمُ الْجُنُبُ قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لِأَنَّ غُسْلَهُ ثَابِتٌ بِصَرِيحِ الْقُرْآنِ بِخِلَافِ غُسْلِهَا. وَفِي ثَالِثٍ: يُقَدَّمُ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّهُ يَصْلُحُ إِمَامًا لَهَا، وَهُوَ مُفَضَّلٌ عَلَيْهَا. وَفِي رَابِعٍ: يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا أَيْ: إِذَا احْتَمَلَهَا. وَفِي خَامِسٍ: يُقْرَعُ، فَإِنْ كَانَ عَلَى أَحَدِهِمْ نَجَاسَةٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ فَهُوَ أَوْلَى، لِأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ لَهَا بَدَلٌ بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ، وَتُقَدَّمُ نَجَاسَةُ ثَوْبِهِ عَلَى نَجَاسَةِ بَدَنِهِ، وَنَجَاسَةُ بَدَنِهِ عَلَى نَجَاسَةِ السَّبِيلَيْنِ، وَقِيلَ: الْمَيِّتُ أَوْلَى، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَحَفِيدُهُ، وَيُقَدَّمُ جُنُبٌ عَلَى مُحْدِثٍ، وَقِيلَ: سَوَاءٌ، وَقِيلَ: الْمُحْدِثُ إِلَّا أَنْ يَكْفِيَ مَنْ تَطَهَّرَ بِهِ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَفَاهُ فَقَطْ، قُدِّمَ، وَقِيلَ: الْجُنُبُ، فَإِنْ تَطَهَّرَ بِهِ غَيْرُ الْأَوْلَى كَانَ مُسِيئًا مَعَ صِحَّةِ طَهَارَتِهِ ذَكَرَهُ، فِي " الشَّرْحِ " و" الْفُرُوعِ " لِأَنَّ الْآخَرَ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ، وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ فِي الْمَاءِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ. وَإِنْ وُجِدَ الْمَاءُ فِي مَكَانٍ فَهُوَ لِلْأَحْيَاءِ، لِأَنَّهُ لَا وِجْدَانَ لِلْمَيِّتِ. [بَابُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ] [إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ] بَابُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ كَذَا عَبَّرَ فِي " الْوَجِيزِ " وَالْمُرَادُ بِهِ تَطْهِيرُ مَوَارِدِ الْأَنْجَاسِ الْحُكْمِيَّةِ (لَا يَجُوزُ إِزَالَتُهَا بِغَيْرِ الْمَاءِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، لِمَا رَوَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إِحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؛ قَالَ: تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ
[غسل نجاسة الكلب والخنزير]
وَنَحْوِهِ. وَيَجِبُ غَسْلُ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، فَإِنْ جَعَلَ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَرَ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُشْتَرَطَةٌ، أَشْبَهَتْ طَهَارَةَ الْحَدَثِ، فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ طَهُورًا، فَتَكُونُ اللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، فَلَا تُزَالُ بِطَاهِرٍ وَلَا غَيْرِ مُبَاحٍ عَلَى الْأَصَحِّ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا تُزَالُ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ مُزِيلٍ كَالْخَلِّ) اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَطْلَقَ الْغَسْلَ فِي حَدِيثِ الْوُلُوغِ، فَتَقْيِيدُهُ بِالْمَاءِ يَفْتَقِرُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ طَاهِرٌ مُزِيلٌ أَشْبَهَ الْمَاءَ (وَنَحْوِهِ) كَمَاءِ الْوَرْدِ، وَالشَّجَرِ، وَقِيلَ: يُزَالُ بِمَاءٍ طَاهِرٍ لَا بِخَلٍّ، وَنَحْوِهِ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ، أَنَّا إِنْ قُلْنَا: لَا يَنْجُسُ كَثِيرُ خَلٍّ وَمَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِمَا بِدُونِ تَغَيُّرِهِ بِنَجَاسَةٍ لِمَا فِيهِ، جَازَتْ إِزَالَتُهَا بِهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ خَلٍّ وَنَحْوِهِ فِي الْإِزَالَةِ تَخْفِيفًا، وَإِنْ لَمْ يُطَهِّرْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَا لَا يُزِيلُ كَالْمَرَقِ وَاللَّبَنِ أَنَّهَا لَا تُزَالُ بِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا بِطَعَامٍ وَشَرَابٍ لِإِفْسَادِ الْمَالِ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لَهَا النِّيَّةُ، وَقِيلَ: بَلَى، وَقِيلَ: فِي بَدَنٍ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " فِي طَهَارَتِهِ بِصَوْبِ الْغَمَامِ، وَفِعْلِ مَجْنُونٍ وَطِفْلٍ احْتِمَالَانِ، وَلَا يُعْقَلُ لِلنَّجَاسَةِ مَعْنًى ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. [غَسْلُ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ] (وَيَجِبُ غَسْلُ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ) وَمُتَوَلَّدٍ مِنْ أَحَدِهِمَا لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: «فَلْيُرِقْهُ، ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» وَلَهُ أَيْضًا: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» وَلَوْ كَانَ سُؤْرُهُ طَاهِرًا لَمْ يَجُزْ إِرَاقَتُهُ، وَلَا وَجَبَ غَسْلُهُ، وَالْأَصْلُ وُجُوبُهُ عَنْ نَجَاسَةٍ، وَلَمْ يُعْهَدِ التَّعَبُّدُ إِلَّا فِي غُسْلِ الْبَدَنِ، وَالطُّهُورُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي مَحَلِّ الطَّهَارَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَعَبُّدًا لَمَا اخْتَصَّ الْغُسْلَ بِمَوْضِعِ الْوُلُوغِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي الْإِنَاءِ كُلِّهِ، وَعَنْهُ: طَهَارَةُ شَعْرٍ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَعَنْهُ: طَهَارَةُ سُؤْرِهِمَا، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ عَلَى طَهَارَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4] وَلَمْ يَأْمُرْ بِغَسْلِ أَثَرِ فَمِهِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِأَكْلِهِ، وَرَسُولَهُ
مَكَانَهُ أُشْنَانًا أَوْ نَحْوَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَفِي سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ- عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِغَسْلِهِ، فَيُعْمَلُ بِأَمْرِهِمَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ، فَلِأَنَّهُ يَشُقُّ فَعُفِيَ عَنْهُ. (سَبْعًا) تَنْبِيهٌ: إِذَا كَانَتْ عَلَى غَيْرِ الْأَرْضِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَعَنْهُ: يُغْسَلُ ثَمَانِيًا بِتُرَابٍ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلٍ مَرْفُوعًا: «فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ عَدَّ التُّرَابَ ثَامِنَةً لِكَوْنِهِ جِنْسًا آخَرَ، وَعَنْهُ: اخْتِصَاصُ الْعَدَدِ بِالْوُلُوغِ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ الْعَدَدُ فِي غَيْرِ الْآنِيَةِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْكَلْبِ، فَالْخِنْزِيرُ شَرٌّ مِنْهُ، لِنَصِّ الشَّارِعِ عَلَى تحريمه وَحُرْمَةِ اقْتِنَائِهِ، فَثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَنُصَّ الشَّارِعُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْتَادُونَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدُ فِي الْخِنْزِيرِ عَدَدًا، وَعَنْهُ: لَا يُعْتَبَرُ فِيهِمَا عَدَدٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ. (إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) أَيْ: يَجْعَلُهُ فِي أَيِّ غَسْلَةٍ شَاءَ، وَالْأَوْلَى جَعْلُهُ فِي الْأُولَى لِلْخَبَرِ، وَلِيَأْتِيَ الْمَاءُ بَعْدَهُ فَيُنَظِّفَهُ، وَعَنْهُ: فِي الْأَخِيرَةِ، وَعَنْهُ: إِنْ غَسَلَهُ ثَمَانِيًا، وَعَنْهُ: سَوَاءٌ، وَظَاهِرُهُ يَجِبُ التُّرَابُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَفِيهِ وَجْهٌ فِي الْآنِيَةِ فَقَطْ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ طَهُورًا، وَقِيلَ: أَوْ طَاهِرًا، وَلَا يَكْفِي ذَرُّهُ عَلَى الْمَحَلِّ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مَائِعٍ يُوَصِّلُهُ إِلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يَكْفِي، وَيُتْبِعُهُ الْمَاءَ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ (فَإِنْ جَعَلَ مَكَانَهُ أُشْنَانًا أَوْ نَحْوَهُ كَصَابُونٍ وَنُخَالَةٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ غَسَلَهُ غَسْلَةً زَائِدَةً (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَذْهَبُ يُجْزِئُهُ، لِأَنَّ نَصَّهُ عَلَى التُّرَابِ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ فِي التَّنْظِيفِ، وَالثَّانِي: لَا، لِلنَّصِّ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ كَالتَّيَمُّمِ، وَفِي ثَالِثٍ: إِنْ عَدِمَهُ أَوِ انْضَرَّ الْمَغْسُولُ بِهِ أَجْزَأَهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَفِي رَابِعٍ: يُجْزِئُ بِغَيْرِ الْغَسْلَةِ الزَّائِدَةِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتُّرَابِ مَعُونَةٌ لِلْمَاءِ فِي قَطْعِ النَّجَاسَةِ، أَوْ لِلتَّعَبُّدِ، وَلَا يَحْصُلُ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُؤَلِّفِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ ".
إِحْدَاهُنَّ: يَجِبُ غَسْلُهَا سَبْعًا، وَهَلْ يُشْتَرَطُ التُّرَابُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَالثَّانِيَةُ ثَلَاثًا، وَالثَّالِثَةُ: تُكَاثَرُ بِالْمَاءِ مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ كَالنَّجَاسَاتِ كُلِّهَا إِذَا كَانَتْ عَلَى الْأَرْضِ. وَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQتَنْبِيهٌ: إِذَا وَلَغَ فِي الْإِنَاءِ كِلَابٌ، أَوْ أَصَابَ الْمَحَلَّ نَجَاسَاتٌ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْحُكْمِ، فَهِيَ كَنَجَاسَة وَاحِدة، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ لِأَغْلَظِهَا، فَلَوْ وَلَغَ فِيهِ فَغُسِلَ دُونَ السَّبْعِ، ثُمَّ وَلَغَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى غُسِلَ، وَيُغْسَلُ مَا نَجُسَ بِبَعْضِ الْغَسَلَاتِ مَا بَقِيَ بَعْدَ تِلْكَ الْغَسْلَةِ، لِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ كَالْبَلَلِ الْبَاقِي، وَهُوَ يُطَهَّرُ بِبَاقِي الْعَدَدِ، كَذَلِكَ هُنَا، ثُمَّ إِنْ كَانَتِ انْفَصَلَتْ عَنْ مَحَلٍّ غُسِلَ بِالتُّرَابِ غُسِلَ مَحَلُّهَا بِغَيْرِ تُرَابٍ، وَإِلَّا غُسِلَ بِهِ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ أَنَّهُ يُغْسَلُ سَبْعًا بِتُرَابٍ، لِأَنَّهَا نَجَاسَةُ كَلْبٍ، وَيُعْتَبَرُ اسْتِيعَابُ الْمَحَلِّ إِلَّا فِيمَا يَضُرُّ، فَيَكْفِي مُسَمَّاهُ فِي الْأَشْهَرِ. (وَفِي سَائِرِ) أَيْ: بَاقِي (النَّجَاسَاتِ) حَتَّى مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ (ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ، إِحْدَاهُنَّ: يَجِبُ غَسْلُهَا سَبْعًا) نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: أُمِرْنَا أَنْ نَغْسِلَ الْأَنْجَاسَ سَبْعًا فَيَنْصَرِفُ إِلَى أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ أَمَرَ بِهِ فِي نَجَاسَةِ الْكَلْبِ، فَيَلْحَقُ بِهِ سَائِرُ النَّجَاسَاتِ، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا، وَالْحُكْمُ لَا يَخْتَصُّ بِمَوْرِدِ النَّصِّ، بِدَلِيلِ إِلْحَاقِ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ بِهِ، وَالْعَرَقِ وَالْبَوْلِ لِلرِّيقِ (وَهَلْ يُشْتَرَطُ التُّرَابُ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، لِأَنَّهَا مَقِيسَةٌ، وَالْفَرْعُ يَأْخُذُ حُكْمَ الْأَصْلِ، وَالثَّانِي: لَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمَجْدِ قَصْرًا لَهُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلُزُوجَةٍ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي نَجَاسَةِ الْكَلْبِ غَيْرِ الْوَلُوغِ، وَقَدْ قَالُوا بِوُجُوبِ التُّرَابِ فِيهِ. (وَالثَّانِيَةُ ثَلَاثًا) مُنَقِّيَةً، اخْتَارَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَقَدَّمَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ الْقَائِمَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، مُعَلِّلًا بِوَهْمِ النَّجَاسَةِ، وَلَا يُزِيلُ وَهْمَ النَّجَاسَةِ إِلَّا مَا يُزِيلُ يَقِينَهَا، وَلِأَنَّهُ إِذَا اكْتَفَى بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فِي الِاسْتِجْمَارِ، فَالِاجْتِزَاءُ بِثَلَاثِ غَسَلَاتٍ أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ، وَعَلَيْهَا: إِذَا غَسَلَهُ زَائِدًا عَلَى الثَّلَاثَةِ، فَالزَّائِدُ طَهُورٌ فِي الْأَصَحِّ. (وَالثَّالِثَةُ تُكَاثَرُ بِالْمَاءِ) حَتَّى تَزُولَ الْعَيْنُ (مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ) اخْتَارَهَا فِي " الْمُغْنِي "
تَطْهُرُ الْأَرْضُ النَّجِسَةُ بِشَمْسٍ وَلَا رِيحٍ، وَلَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ بِالِاسْتِحَالَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " فِي مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي دَمِ الْحَيْضَةِ: «فَلْتَقْرُصْهُ، ثُمَّ لتَنْضَحْهُ بِالْمَاءِ» ، وَقَالَ فِي آنِيَةِ الْمَجُوسِ: «إِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا بِالْمَاءِ» وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَذَكَرَهُ فِي جَوَابِ السَّائِلِ عَنِ التَّطْهِيرِ، لِأَنَّهُ وَقْتُ حَاجَةٍ، فَعَلَى الْأَشْهَرِ يُغْسَلُ مَحَلُّ الِاسْتِنْجَاءِ سَبْعًا كَغَيْرِهِ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي، وَالشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، لَكِنْ نَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَاخْتَارَهُ فِي " الْمُغْنِي " أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ عَدَدٌ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ، لَا مِنْ قَوْلِهِ، وَلَا مِنْ فِعْلِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تُرَابٌ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُؤَلِّفُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمَا، وَعَنْهُ: لَا عَدَدَ فِي بَدَنٍ، وَعَنْهُ: يَجِبُ فِي السَّبِيلِ مِنْ نَجَاسَةٍ ثَلَاثًا، وَفِي غَيْرِهِ سَبْعًا (كَالنَّجَاسَاتِ كُلِّهَا) سَوَاءٌ كَانَتْ بَوْلًا أَوْ خَمْرًا أَوْ نَجَاسَةَ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ (إِذَا كَانَتْ عَلَى الْأَرْضِ) وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنَ الْحِيطَانِ وَالْأَحْوَاضِ، فَالْوَاجِبُ مُكَاثَرَتُهَا بِالْمَاءِ لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: دَعُوهُ، وَأَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَوْ لَمْ يَطْهُرْ بِذَلِكَ لَكَانَ تَكْثِيرًا لِلنَّجَاسَةِ، وَلِأَنَّ الْأَرْضَ مَصَابُّ الْفَضَلَاتِ، وَمَطَارِحُ الْأَقْذَارِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ عَدَدٌ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُكَاثَرَةِ: صَبُّ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ حَتَّى يَغْمُرَهَا بِحَيْثُ يَذْهَبُ لَوْنُهَا وَرِيحُهَا، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبَا لَمْ يَطْهُرْ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُزَالُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ سَقَطَ، كَالثَّوْبِ ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَكَذَا حُكْمُهَا إِذَا غُمِرَتْ بِمَاءِ الْمَطَرِ وَالسُّيُولِ، لِأَنَّ تَطْهِيرَ النَّجَاسَةِ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ، فَاسْتَوَى مَا صَبَّهُ الْآدَمِيُّ وَغَيْرُهُ. تَذْنِيبٌ: يَجِبُ الْحَتُّ وَالْقَرْصُ، قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ: إِنْ لَمْ يَتَضَرَّرِ الْمَحَلُّ
[كيفية تطهير الأرض النجسة]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQبِهِمَا، وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ، أَوْ هُمَا عَجْزًا فِي الْأَصَحِّ، وَيَطْهُرُ، بَلْ بَقَاءُ طَعْمِهَا فِي الْأَصَحِّ، وَقَالَ الْقَاضِي: بَقَاءُ أَثَرِ النَّجَاسَةِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَيُعْتَبَرُ الْعَصْرُ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ مَعَ إِمْكَانِهِ فِيمَا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ، أَوْ دَقُّهُ، أَوْ تَثْقِيلُهُ وَجَفَافُهُ كَعَصْرِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَغَمْسُهُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ رَاكِدٍ لَمْ يَطْهُرْ حَتَّى يَنْفَصِلَ عَنْهُ، وَيُعَادَ إِلَيْهِ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ، وَقِيلَ: يَكْفِي تَحْرِيكُهُ، وَخَضْخَضَتُهُ فِيهِ، وَفِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " أَنْ تَمُرَّ عَلَيْهِ أَجْزَاءٌ لَمْ تُلَاقِهِ، كَمَا لَوْ مَرَّتْ عَلَيْهِ جَرَيَاتٌ فِي الْمَاءِ الْجَارِي، وَإِنْ عَصَرَ ثَوْبًا نَجِسًا فِي مَاءٍ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ مِنْهُ، فَغَسَلَهُ يَبْنِي عَلَيْهَا، وَيَطْهُرُ، وَإِذَا غَمَسَ ثَوْبًا نَجِسًا فِي مَاءٍ قَلِيلٍ، نَجَّسَ الْمَاءَ وَلَمْ يَطْهُرْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يُعْتَدُّ بِهَا غَسْلَةً، وَإِنْ وَضَعَهُ فِيهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَغَمَرَهُ، ثُمَّ عَصَرَهُ مِرَارًا مُتَعَدِّدَةً طَهُرَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ وَارِدٌ كَصَبِّهِ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْإِنَاءِ. [كَيْفِيَّةُ تَطْهِيرِ الْأَرْضِ النَّجِسَةِ] (وَلَا تَطْهُرُ الْأَرْضُ النَّجِسَةُ بِشَمْسٍ وَلَا رِيحٍ) وَلَا جَفَافٍ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِغَسْلِ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُطَهِّرُ لَاكْتَفَى بِهِ، وَلِأَنَّ الْأَرْضَ مَحَلٌّ نَجِسٌ فَلَمْ تَطْهُرْ بِالْجَفَافِ كَالثِّيَابِ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: يَطْهُرُ إِذَا ذَهَبَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ، وَقِيلَ: وَغَيْرِهَا، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي حَبْلِ غَسِيلٍ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. لَا يُقَالُ: جَفَافُ الْأَرْضِ طَهُورُهَا مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «كَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، لِأَنَّهُ فِي الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا، وَلَيْسَ فِيهِ " تَبُولُ " مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ تَبُولُ ثُمَّ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فَيَكُونُ إِقْبَالُهَا وَإِدْبَارُهَا بَعْدَ بَوْلِهَا. [حُكْمُ النَّجَاسَةِ إِذَا اسْتَحَالَتْ] (وَلَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ بِالِاسْتِحَالَةِ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا» ، لِأَكْلِهَا النَّجَاسَةَ، وَلَوْ طَهُرَ بِالِاسْتِحَالَةِ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا إِذَا وَقَعَ كَلْبٌ فِي مَلَّاحَةٍ فَصَارَ مِلْحًا أَوْ أُحْرِقَ السِّرْجِينُ النَّجِسُ فَصَارَ رَمَادًا فَهُوَ نَجِسٌ، وَعَنْهُ: يَطْهُرُ،
إِلَّا الْخَمْرَةُ إِذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا. وَإِنْ خُلِّلَتْ لَمْ تَطْهُرْ، وَقِيلَ: تَطْهُرُ، وَلَا تَطْهُرُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَذَكَرَهَا فِي " الشَّرْحِ " تَخْرِيجًا قِيَاسًا عَلَى جُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ، فَحَيَوَانٌ مُتَوَلَّدٌ مِنْ نَجَاسَةٍ كَدُودِ الْجُرُوحِ وَالْقُرُوحِ، وَصَرَاصِيرِ الْكَنِيفِ طَاهِرٌ لَا مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَتَيْنِ فِي نَجَاسَةِ وَجْهِ تَنُّورٍ سُجِّرَ بِنَجَاسَةٍ، وَنَقَلَ الْأَكْثَرُ يُغْسَلُ، وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي حَرْبٍ لَا بَأْسَ، وَعَلَيْهِمَا يَخْرُجُ عَمَلُ زَيْتٍ نَجِسٍ صَابُونًا، وَتُرَابِ جَبَلٍ بِرَوْثِ حِمَارٍ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَحِلْ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ فِي رِوَايَةٍ، وَذَكَرَ الْأَزَجِّيُّ أَنَّ نَجَسَ التَّنُّورِ بِذَلِكَ طَهُرَ بِمَسْحِهِ بِيَابِسٍ، وَإِنْ مُسِحَ بِرَطْبٍ تَعَيَّنَ الْغَسْلُ، وَحَمَلَ الْقَاضِي قَوْلَ أَحْمَدَ: يُسَجَّرُ التَّنُّورُ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى ذَلِكَ. فَرْعٌ: الْقُصْرُمُلُّ وَدُخَانُ النَّجَاسَةِ وَغُبَارُهَا نَجِسٌ عَلَى الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي، وَكَذَا مَا تَصَاعَدَ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ النَّجِسِ إِلَى الْجِسْمِ الصَّقِيلِ، ثُمَّ عَادَ فَقَطَرَ، فَإِنَّهُ نَجِسٌ عَلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ نَفْسُ الرُّطُوبَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ، وَإِنَّمَا يَتَصَاعَدُ فِي الْهَوَاءِ كَمَا يَتَصَاعَدُ بُخَارُ الْحَمَّامَاتِ، وَبُخَارُ الْحَمَّامَاتِ طَهُورٌ. (إِلَّا الْخَمْرَةُ) هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ خَمَرَ إِذَا سَتَرَ، وَمِنْهُ خِمَارُ الْمَرْأَةِ، وَكُلُّ شَيْءٍ غَطَّى شَيْئًا فَقَدْ خَمَرَهُ، وَمِنْهُ: «خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ» وَالْخَمْرُ يُخَمِّرُ الْعَقْلَ أَيْ: يُغَطِّيهِ وَيَسْتُرُهُ، وَهِيَ نَجِسَةٌ إِجْمَاعًا، لَكِنْ خَالَفَ فِيهِ اللَّيْثُ، وَرَبِيعَةُ، وَدَاوُدُ، وَحَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْمُزَنِيِّ، فَقَالُوا بِطَهَارَتِهَا، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِلنَّجَاسَةِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ طَاهِرَةً لَفَاتَ الِامْتِنَانُ بِكَوْنِ شَرَابِ الْجَنَّةِ طَهُورًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] أَيْ: طَاهِرًا، وَعَلَّلَهُ فِي " الشَّرْحِ " بِأَنَّهُ يَحْرُمُ تَنَاوُلُهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ أَشْبَهَ الدَّمَ (إِذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا) فَإِنَّهَا تَطْهُرُ فِي الْمَنْصُوصِ، وَفِي " الشَّرْحِ " لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا لِشِدَّتِهَا الْمُسْكِرَةِ، وَقَدْ زَالَتْ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ خَلَّفَتْهَا، فَوَجَبَ أَنْ تَطْهُرَ كَالْمَاءِ، لَا يُقَالُ: حُكْمُ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ كَذَلِكَ أَيْ: تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ، لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا لِعَيْنِهَا، وَالْخَمْرَةُ نَجَاسَتُهَا لِأَمْرٍ زَالَ بِالِانْقِلَابِ، وَالنَّبِيذُ كَذَلِكَ، وَخَالَفَ الْقَاضِي فِيهِ، لِأَنَّ فِيهِ مَاءً نَجِسًا، وَدَنُّهَا مِثْلُهَا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
الْأَدْهَانُ النَّجِسَةُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَطْهُرُ مِنْهَا بِالْغَسْلِ مَا يَتَأَتَّى غَسْلُهُ وَإِذَا خَفِيَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَإِنْ خُلِّلَتْ لَمْ تَطْهُرْ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ «أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا فَقَالَ: أَهْرِقْهَا، قَالَ: أَفَلَا أُخَلِّلُهَا؛ قَالَ: لَا، لَا» . وَلَوْ جَازَ التَّخْلِيلُ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَمْ تُبَحْ إِرَاقَتُهُ، وَعَلَى هَذَا يَحْرُمُ تَخْلِيلُهَا فَلَا تَحِلُّ، فَفِي النَّقْلِ أَوِ التَّفْرِيغِ مِنْ مَحَلٍّ إِلَى آخَرَ، وَإِلْقَاءِ جَامِدٍ فِيهِ وَجْهَانِ (وَقِيلَ: تَطْهُرُ) وَهُوَ رِوَايَةٌ، لِأَنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ زَالَتْ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَعَلَيْهِمَا تَطْهُرُ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " يُكْرَهُ، وَأَنَّ عَلَيْهَا لَا تَطْهُرُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي إِمْسَاكِ خَمْرٍ لِيَصِيرَ خَلًّا بِنَفْسِهِ أَوْجُهٌ، ثَالِثُهَا: يَجُوزُ فِي خَمْرَةِ خَلَّالٍ، وَهُوَ أَظْهَرُ، فَيُتْرَكُ حِينَئِذٍ فَعَلَى هَذَا تَصِيرُ هَذِهِ الْخَمْرَةُ مُحَرَّمَةً، وَعَلَى الْمَنْعِ يَطْهُرُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنِ اتَّخَذَ عَصِيرًا لِلْخَمْرِ فَلَمْ يَتَخَمَّرْ وَتَخَلَّلَ بِنَفْسِهِ، فَفِي حِلِّهِ الْخِلَافُ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْحَشِيشَةَ الْمُسْكِرَةَ طَاهِرَةٌ، وَقِيلَ: نَجِسَةٌ، وَقِيلَ: إِنْ أُمِيعَتْ. فَائِدَةٌ: الْخَلُّ الْمُبَاحُ: أَنْ يُصَبَّ عَلَى الْعِنَبِ أَوِ الْعَصِيرِ خَلٌّ قَبْلَ غَلَيَانِهِ حَتَّى لَا يَغْلِيَ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، قِيلَ لَهُ: صُبَّ عَلَيْهِ خَلٌّ فَغَلَا. قَالَ: يُهْرَاقُ. تَنْبِيهٌ: لَا يَطْهُرُ إِنَاءٌ تَشَرَّبَ نَجَاسَةً بِغَسْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلَى، إِنْ لَمْ يَبْقَ لِلنَّجَاسَةِ أَثَرٌ، وَقِيلَ: بَلْ ظَاهِرُهُ، وَمِثْلُهُ سِكِّينٌ سُقِيَتْ مَاءً نَجِسًا، وَيَطْهُرُ بَاطِنُ حَبٍّ نُقِعُ فِي نَجَاسَةٍ بِغَسْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلَى، كَظَاهِرِهِ فَيُنْقَعُ وَيُجَفَّفُ مِرَارًا كَعَجِينٍ، وَقِيلَ: كُلُّ مَرَّةٍ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ إِقَامَتِهِ فِي الْمَاءِ النَّجِسِ، وَإِنْ طُبِخَ لَحْمٌ بِمَاءٍ نَجِسٍ، طَهُرَ ظَاهِرُهُ بِغَسْلِهِ، وَعَنْهُ: وَبَاطِنُهُ، فَيُغْلَى فِي مَاءٍ طَهُورٍ كَثِيرٍ، وَيُجَفَّفُ مِرَارًا، وَقِيلَ: إِنْ تَشَرَّبَهُ اللَّحْمُ لَمْ يَطْهُرْ بِحَالٍ، وَلَا يَطْهُرْ جِسْمٌ صَقِيلٌ بِمَسْحِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ: تَطْهُرُ سِكِّينٌ مِنْ دَمِ الذَّبِيحَةِ فَقَطْ. (وَلَا تَطْهُرُ الْأَدْهَانُ النَّجِسَةُ) بِغَسْلِهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ وُصُولُ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَلَوْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِرَاقَةِ السَّمْنِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ
[بول الغلام والجارية]
مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا يَتَيَقَّنُ بِهِ إِزَالَتَهَا، وَيُجْزِئُ فِي بَوْلِ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ النَّضْحُ وَإِذَا تَنَجَّسَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوِ الْحِذَاءِ، وَجَبَ غَسْلُهُ، وَعَنْهُ: ـــــــــــــــــــــــــــــQالْفَأْرَةُ، وَاسْتَثْنَى ابْنُ عَقِيلٍ الزِّئْبَقَ، لِأَنَّهُ لِقُوَّتِهِ وَتَمَاسُكِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْجَامِدِ، وَبَعَّدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَطْهُرُ مِنْهَا بِالْغَسْلِ مَا يَتَأَتَّى غَسْلُهُ) كَزَيْتٍ، وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ غَسْلَهُ مُمْكِنٌ لِكَوْنِ الْمَاءِ يَخْتَلِطُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَيَطْهُرُ بِهِ كَالْجَامِدِ، وَالْخَبَرُ السَّابِقُ وَارِدٌ فِي السَّمْنِ، وَهُوَ لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ لِأَنَّهُ يُجْهِدُ، وَطَرِيقُ تَطْهِيرِهِ: أَنْ يُجْعَلَ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ، وَيُحَرَّكَ حَتَّى يُصِيبَ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ، ثُمَّ يُتْرَكَ حَتَّى يَعْلُوَ عَلَى الْمَاءِ فَيُؤْخَذَ، وَإِنْ تَرَكَهُ فِي جَرَّةٍ وَصَبَّ عَلَيْهِ مَاءً، وَحَرَّكَهُ فِيهِ، وَجَعَلَ لَهَا بِزَالًا يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ، جَازَ. فَرْعٌ: إِذَا مَاتَتِ الْفَأْرَةُ وَنَحْوُهَا فِي جَامِدٍ أُلْقِيَتْ وَمَا حَوْلَهَا، وَالْبَاقِي طَاهِرٌ، نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْجَامِدُ: مَا لَا تَسْرِي إِلَيْهِ النَّجَاسَةُ غَالِبًا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: مَا لَوْ فُتِحَ وِعَاؤُهُ لَمْ تَسِلْ أَجْزَاؤُهُ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ، لِأَنَّ سَمْنَ الْحِجَازِ لَا يَكَادُ يَبْلُغُهُ، فَإِنِ اخْتَلَطَ وَلَمْ يَنْضَبِطْ حَرُمَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْهُ حَيَّةٌ فَطَاهِرٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِانْضِمَامِ دُبُرِهِ، وَلَا يُكْرَهُ سُؤْرُهُ فِي اخْتِيَارِ الْأَكْثَرِ (وَإِذَا خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ) فِي بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ بُقْعَةٍ يُمْكِنُ غَسْلُهَا، وَأَرَادَ الصَّلَاةَ (لَزِمَهُ غَسْلُ مَا تَيَقَّنَ بِهِ إِزَالَتَهَا) لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ الطَّاهِرُ بِالنَّجِسِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ اجْتِنَابُ الْجَمِيعِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ بِالْغَسْلِ، كَمَا لَوْ خَفِيَ الْمُذَكَّى بِالْمَيِّتِ، وَلِأَنَّ النَّجَاسَةَ مُتَيَقَّنَةٌ، فَلَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِيَقِينِ الطَّهَارَةِ، فَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ جِهَتُهَا مِنَ الثَّوْبِ غَسَلَهُ كُلَّهُ، وَإِنْ عَلِمَهَا فِي أَحَدِ كُمَّيْهِ غَسَلَهُمَا، وَإِنْ رَآهَا فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ الَّذِي عَلَيْهِ، غَسَلَ مَا يَقَعُ نَظَرُهُ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يَكْفِي الظَّنُّ فِي مَذْيٍ، وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: وَفِي غَيْرِهِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا خَفِيَتْ فِي فَضَاءٍ وَاسِعٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ غَسْلٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ، بَلْ يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ زَادَ بَعْضُهُمْ: بِلَا تَحَرٍّ. [بَوْلُ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ] (وَيُجْزِئُ فِي بَوْلِ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ النَّضْحُ) وَيَطْهُرُ بِهِ، لِمَا «رَوَتْ أُمُّ
[النجاسة في أسفل الخف أو الحذاء]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQقَيْسٍ بِنْتُ مِحْصَنٍ: أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى النَّضْحِ: غَمْرُهُ بِالْمَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَرْسٍ وَعَصْرٍ، وَهُوَ نَجِسٌ، صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَّا: أَنَّهُ طَاهِرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَوَجَبَ غَسْلُهُ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، قُلْنَا: اكْتَفَى فِيهِ بِالرَّشِّ تَيْسِيرًا، وَتَخْفِيفًا، وَقَوْلُهُ: لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ أَيْ: بِشَهْوَةٍ وَاخْتِيَارٍ، لَا عَدَمُ أَكْلِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، لِأَنَّهُ يُسْقَى الْأَدْوِيَةَ وَالسُّكَّرَ وَيُحَنَّكُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ، فَإِنْ أَكَلَهُ بِنَفْسِهِ غُسِلَ، لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِيمَنْ لَمْ يَطْعَمِ الطَّعَامَ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ، وَتَخْصِيصُهُ الْغُلَامَ بِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ مُخْرِجٌ لِلْخُنْثَى وَالْأُنْثَى، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ، وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ» قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا إِذَا لَمْ يَطْعَمَا، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَا جَمِيعًا، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ بَوْلَ الْغُلَامِ يَخْرُجُ بِقُوَّةٍ فَيَنْتَشِرُ، أَوْ أَنَّهُ يَكْثُرُ حَمْلُهُ عَلَى الْأَيْدِي فَتَعْظُمُ الْمَشَقَّةُ بِغَسْلِهِ، أَوْ أَنَّ مِزَاجَهُ حَارٌّ، فَبَوْلُهُ رَقِيقٌ، بِخِلَافِ الْجَارِيَةِ، لَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي فَرْقٌ مِنَ السُّنَّةِ بَيْنَهُمَا، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ الْغُلَامَ أَصْلُهُ مِنَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ، وَالْجَارِيَةَ مِنَ اللَّحْمِ وَالدَّمِ، وَقَدْ أَفَادَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، وَهُوَ غَرِيبٌ. فَرْعٌ: لُعَابُهُمَا طَاهِرٌ، وَقِيلَ: إِنْ نَجُسَ فَمُ أَحَدِهِمَا طَهُرَ بِرِيقِهِ بَعْدَ سَاعَةٍ، وَقِيلَ: لَا، بَلْ يُعْفَى عَنْهُ. [النَّجَاسَةُ فِي أَسْفَلِ الْخُفِّ أَوِ الْحِذَاءِ] (وَإِذَا تَنَجَّسَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوِ الْحِذَاءِ) بِالْمَشْيِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ: أَوْ طَرَفُهُ (وَجَبَ غَسْلُهُ) نَقَلَهُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَكَالثَّوْبِ وَالْبَدَنِ (وَعَنْهُ: يُجْزِئُ دَلْكُهُ بِالْأَرْضِ) حَتَّى تَزُولَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، وَتُبَاحُ الصَّلَاةُ فِيهِ، قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " وَفِي " الشَّرْحِ ": أَنَّهُ الْأَوْلَى لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا وَطِئَ الْأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا
[لا يعفى عن يسير شيء من النجاسات إلا الدم]
يُجْزِئُ دَلْكُهُ بِالْأَرْضِ. وَعَنْهُ: يُغْسَلُ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَيُدْلَكُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ إِلَّا الدَّمُ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنَ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالتُّرَابُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، وَهُوَ ثِقَةٌ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ وَأَصْحَابُهُ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ نَجَاسَةٍ يُصِيبُهَا، فَلَوْلَا أَنَّ دَلْكَهَا يُجْزِئُ لَمَا صَحَّتِ الصَّلَاةُ فِيهَا، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ تَتَكَرَّرُ إِصَابَةُ النَّجَاسَةِ لَهُ، فَأَجْزَأَ فِيهِ الْمَسْحُ كَالسَّبِيلَيْنِ، وَيُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ بِهِ فِي وَجْهٍ، هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ إِلَى خِلَافِهِ. فَرْعٌ: حَكُّهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ، حُكْمُ دَلْكِهِ. 1 - (وَعَنْهُ: يُغْسَلُ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ) لِفُحْشِهِمَا، وَتَغْلِيظِ نَجَاسَتِهِمَا (وَيُدْلَكُ مِنْ غَيْرِهِمَا) لِمَا ذَكَرْنَا، وَقَالَهُ إِسْحَاقُ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِلدَّلْكِ جَفَافُ النَّجَاسَةِ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَشَرَطَهُ الْقَاضِي، وَظَاهِرُهُ أَنَّ النَّجَاسَةَ إِذَا أَصَابَتْ غَيْرَ أَسْفَلِهِمَا أَنَّهُ يُغْسَلُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ إِلَى الرَّجُلِ، وَذَيْلِ الْمَرْأَةِ، وَنَقَلَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ: يَطْهُرُ بِمُرُورِهِ عَلَى طَاهِرٍ يُزِيلُهَا، وَاخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِظَاهِرِ خَبَرِ أُمِّ سَلَمَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ جَهَالَةٌ. [لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ إِلَّا الدَّمُ] (وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] وَالْأَحَادِيثُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ (إِلَّا الدَّمُ) فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فِي الصَّلَاةِ دُونَ الْمَائِعَاتِ وَالْمَطْعُومَاتِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ غَالِبًا لَا يَسْلَمُ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ: مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ، قَالَتْ بِرِيقِهَا، فَمَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْعَفْوِ عَنْهُ، لِأَنَّ الرِّيقَ لَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQيُطَهِّرُ، وَيَتَنَجَّسُ بِهِ ظُفْرُهَا، وَهُوَ إِخْبَارٌ عَنْ دَوَامِ الْفِعْلِ، وَمِثْلُهُ لَا يَخْفَى عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَلَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ أَمْرِهِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ يَدَيْهِ دَمٌ فِي الصَّلَاةِ مِنْ شِقَاقٍ كَانَ بِهِمَا، وَعَصَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا دَمٌ فَمَسَحَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ، وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَعُفِيَ عَنْهُ كَأَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِدَمِ نَفْسِهِ، وَالْيَسِيرُ: الَّذِي لَمْ يَنْقُضِ الْوُضُوءَ، وَالْكَثِيرُ: مَا نَقْضَ الْوُضُوءَ، وَالدَّمُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ: مَا كَانَ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ لَا الْكَلْبِ، وَلَا الْخِنْزِيرِ. بَقِيَ هَاهُنَا صُوَرٌ: مِنْهَا دَمُ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً كَالْبَقِّ، وَالْقَمْلِ، وَالْبَرَاغِيثِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: نَجِسٌ، وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ قَالَ فِي دَمِ الْبَرَاغِيثِ: إِنِّي لَأَفْزَعُ مِنْهُ إِذَا كَثُرَ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِنَجَاسَتِهِ بَلْ هُوَ دَلِيلُ التَّوَقُّفِ. وَمِنْهَا: دَمُ السَّمَكِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَتَوَقَّفَتْ إِبَاحَتُهُ عَلَى إِرَاقَتِهِ بِالذَّبْحِ كَحَيَوَانِ الْبَرِّ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ مَاءً، وَقِيلَ: نَجِسٌ. وَمِنْهَا: دَمُ الشَّهِيدِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ، وَقِيلَ: طَاهِرٌ، وَعَلَيْهِمَا يُسْتَحَبُّ بَقَاؤُهُ، فَيُعَايَا بِهَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَقِيلَ: طَاهِرٌ مَا دَامَ عَلَيْهِ، صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَمِنْهَا: الدَّمُ الَّذِي يَبْقَى فِي اللَّحْمِ وَعُرُوقِهِ طَاهِرٌ، وَلَوْ غَلَبَتْ حُمْرَتُهُ فِي الْقَدْرِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ، فَهُوَ وَارِدٌ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَيُدْفَعُ بِالْعِنَايَةِ. وَمِنْهَا: الْعَلَقَةُ الَّتِي يُخْلَقُ مِنْهَا الْآدَمِيُّ، وَالْحَيَوَانُ الطَّاهِرُ طَاهِرٌ فِي رِوَايَةٍ صَحَّحَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، لِأَنَّهَا بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، وَعَنْهُ: نَجِسَةٌ صَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " كَسَائِرِ الدِّمَاءِ. (وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنَ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ) بَلِ الْعَفْوُ عَنْهُمَا أَوْلَى لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي نَجَاسَتِهِمَا، ولِذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ: وَأَسْهَلُ مِنَ الدَّمِ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فَعَلَى هَذَا يُعْفَى مِنْهُ
وَأَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ وَعَنْهُ: فِي الْمَذْيِ وَالْقَيْءِ، وَرِيقِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ وَعَرَقِهَا، وَبَوْلِ الْخُفَّاشِ وَالنَّبِيذِ وَالْمَنِيِّ: أَنَّهُ كَالدَّمِ، وَعَنْهُ فِي الْمَذْيِ: أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ النَّضْحُ. وَلَا يَنْجُسُ الْآدَمِيُّ بِالْمَوْتِ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، كَالذُّبَابِ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَنْ أَكْثَرِ مِمَّا يُعْفَى عَنْ مِثْلِهِ فِي الدَّمِ، لِأَنَّ هَذَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ نَجَاسَتُهُ لِاسْتِحَالَتِهِ مِنَ الدَّمِ، وَعَنْهُ: طَهَارَةُ قَيْحٍ وَمِدَّةٍ وَصَدِيدٍ. مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: مَاءُ الْقُرُوحِ نَجِسٌ فِي ظَاهِرِ نَقْلِ الْإِمَامِ، وَقَالَ فِي " شَرْحِ الْعُمْدَةِ ": إِنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا فَهُوَ كَالْقَيْحِ، وَإِلَّا فَهُوَ طَاهِرٌ كَالْعَرَقِ. الثَّانِيَةُ: إِذَا تَفَرَّقَ دَمٌ مَسْفُوحٌ فِي غَيْرِ الصَّحْرَاءِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ لَمْ يَكُنْ قَدْرَ مَا يُعْفَى عَنْهُ فَكَثِيرٌ حُكْمًا فِي الْأَشْهَرِ، وَإِنْ نَفَذَ مِنْ جَانِبَيْ جُبَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ صَفِيقٍ، فَكَدَمٍ وَاحِدٍ فِي الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ نَفَذَ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَنْفُذْ، وَلَمْ يَتَّصِلْ بِالْآخَرِ فَهُمَا نَجَاسَتَانِ إِذَا بَلَغَا أَوْ جَمَعَا قَدْرًا لَا يُعْفَى عَنْهُ، لَمْ يُعْفَ عَنْهَا كَجَانِبَيِ الثَّوْبِ (وَأَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ) أَيْ: الِاسْتِجْمَارُ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ، وَاسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَاقْتَضَى ذَلِكَ نَجَاسَتَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّ الْبَاقِيَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، فَعَلَى هَذَا عَرَقُهُ نَجِسٌ، فَيَنْجُسُ الْمَاءُ الْيَسِيرُ بِقُعُودِهِ فِيهِ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ طَهَارَتَهُ. (وَعَنْهُ: فِي الْمَذْيِ وَالْقَيْءِ وَرِيقِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ وَعَرَقِهَا وَبَوْلِ الْخُفَّاشِ، وَالنَّبِيذِ وَالْمَنِيِّ أَنَّهُ كَالدَّمِ، وَعَنْهُ: فِي الْمَذْيِ أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ النَّضْحُ) نَقُولُ: الْمَذْيُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْبَوْلِ، لِكَوْنِهِ لَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْحَيَوَانُ، وَالْمَنِيُّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQلِكَوْنِهِ نَاشِئًا عَنِ الشَّهْوَةِ، وَالْمَذْهَبُ: نَجَاسَتُهُ، وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فِي رِدَائِهِ، جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الشَّبَابِ كَثِيرًا فَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَعَنْهُ: يُكْتَفَى فِيهِ بِالنَّضْحِ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي؛ قَالَ: يَكْفِيكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ ثَوْبَكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ مِنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِنَضْحِهِ، وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ خَارِجٌ مِنَ الذَّكَرِ كَالْبَوْلِ، وَهَلْ يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ أَوْ جَمِيعَ ذَكَرِهِ أَوْ أُنْثَيَيْهِ؛ فِيهِ رِوَايَاتٌ، وَعَنْهُ: طَاهِرٌ كَالْمَنِيِّ اخْتَارَهُ، أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ، لِأَنَّهُ خَارِجٌ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ، وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الْمَنِيِّ فَلَهُ حُكْمُهُ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْوَدْيَ، وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ عَقِيبَ الْبَوْلِ نَجِسٌ، وَأَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ مُطْلَقًا، وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ: هُوَ كَالْمَذْيِ. وَأَمَّا الْقَيْءُ، وَهُوَ طَعَامٌ اسْتَحَالَ فِي الْجَوْفِ إِلَى نَتْنٍ وَفَسَادٍ، فَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ خَارِجٌ نَجِسٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ أَشْبَهَ الدَّمَ، وَالثَّانِيَةُ عَدَمُ الْعَفْوِ عَنْهُ مُطْلَقًا، قَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ " وَهِيَ أَشْهَرُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَفْوِ عَنِ النَّجَاسَةِ إِلَّا فِيمَا خُصَّ، وَقَيَّدَهُ فِي " الْوَجِيزِ " بِالنَّجِسِ احْتِرَازًا عَنْ قَيْئِ الْمَأْكُولِ. وَأَمَّا رِيقُ الْبَغْلِ، وَالْحِمَارِ، وَعَرَقُهُمَا فَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ إِذَا قِيلَ بِالنَّجَاسَةِ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": هُوَ الظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ الْخَلَّالُ: وَعَلَيْهِ مَذْهَبُهُ، قَالَ
[لا ينجس الآدمي بالموت]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQأَحْمَدُ: مَنْ يَسْلَمُ مِنْ هَذَا مِمَّنْ يَرْكَبُ الْحَمِيرَ إِلَّا أَنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَا جَفَّ مِنْهُ أَسْهَلَ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُعْفَى عَنْهُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَرِيقُ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ كَالْأَسَدِ، وَنَحْوِهِ مَا عَدَا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ، وَرِيقُ سِبَاعِ الطَّيْرِ كَالْبَازِيِّ، وَنَحْوِهِ، وَعَرَقُهَا، فَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ لِلِاخْتِلَافِ فِي نَجَاسَتِهَا، وَبَوْلُ الْخُفَّاشِ، وَهُوَ وَاحِدُ الْخَفَافِيشِ، وَهُوَ الَّذِي يَطِيرُ لَيْلًا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فِي رِوَايَةٍ، جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، لِكَوْنِهِ فِي الْمَسَاجِدِ كَثِيرًا، فَلَوْ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ لَمْ يُقَرَّ فِي الْمَسَاجِدِ، وَلَمَا أَمْكَنَ الصَّلَاةُ فِي بَعْضِهَا، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ خِلَافَهَا، وَنَبِيذٌ نَجِسٌ، وَهُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فِي رِوَايَةٍ جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِي نَجَاسَتِهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُعْفَى عَنْهُ مُطْلَقًا، قَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ " وَصَحَّحَهَا فِي " شَرْحِ الْعُمْدَةِ " وَدَلَّ أَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْعُمْدَةِ ": رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْمَنِيُّ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ. مَسَائِلُ مُلْحَقَةٌ بِهِ، مِنْهَا: بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إِذَا قِيلَ بِنَجَاسَتِهِ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فِي قَوْلٍ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. وَمِنْهَا: سُؤْرُ الْجَلَّالَةِ إِذَا حُبِسَتْ، وَأَكَلَتِ الطَّاهِرَاتِ الْمُدَّةَ الْمُعْتَبَرَةَ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَقِيلَ ذَلِكَ فِي الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِهِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا عَرَقُهَا. وَمِنْهَا طِينُ الشَّارِعِ: فَهُوَ طَاهِرٌ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهُ، وَعَنْهُ: نَجِسٌ فَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، وَيَسِيرِ دُخَانِ نَجَاسَةٍ فِي وَجْهٍ، وَأَطْلَقَ أَبُو الْمَعَالِي الْعَفْوَ عَنْهُ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْيَسِيرِ، لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْهُ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": هَذَا مُتَوَجِّهٌ. [لَا يَنْجُسُ الْآدَمِيُّ بِالْمَوْتِ] (وَلَا يَنْجُسُ الْآدَمِيُّ بِالْمَوْتِ) عَلَى الْأَصَحِّ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمُؤْمِنُ لَا
[حكم ما لا نفس له سائلة]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQيَنْجُسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمُسْلِمُ لَيْسَ بِنَجِسٍ حَيًّا، وَلَا مَيِّتًا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِهِمَا، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ: بَلْ مَا عَدَا الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ: أَنَّ زِنْجِيًّا وَقَعَ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ فَمَاتَ فَأَمَرَ بِهَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ تُنْزَحَ، وَلِأَنَّهُ ذُو نَفْسٍ سَائِلَةٍ، فَنَجُسَ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَيَطْهُرُ بِالْغُسْلِ، قُلْنَا: لَوْ نَجُسَ بِالْمَوْتِ لَمْ يَطْهُرْ بِالْغُسْلِ كَالْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تَنْجُسُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ، فَلَمْ يَنْجُسْ بِالْمَوْتِ كَالشَّهِيدِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يَنْجُسُ مَا غَيَّرَهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِـ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْآدَمِيَّةِ حَالَ الْحَيَاةِ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ نَظَرٌ، وَقِيلَ: يَنْجُسُ الْكَافِرُ وَشَعْرُهُ بِمَوْتِهِ، لِأَنَّ الْخَبَرَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْمُسْلِمِ، وَلَا يُقَاسُ الْكَافِرُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا حُرْمَةَ لَهُ كَالْمُسْلِمِ. فَرْعٌ: حُكْمُ أَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ وَأَبْعَاضِهِ حُكْمُ جُمْلَتِهِ، سَوَاءٌ انْفَصَلَتْ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ نَجِسَةٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَتقضِي بِأَنَّ لَهَا حُرْمَةً بِدَلِيلِ أَنَّ كَسْرَ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ وَهُوَ حَيٌّ، وَكَذَا شَعْرُهُ مُطْلَقًا، وَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ لِحُرْمَتِهِ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهُ، وَعَنْهُ: نَجَاسَةُ شَعْرِ كُلِّ آدَمِيٍّ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [حُكْمُ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ] (وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً) الْمُرَادُ بِالنَّفْسِ السَّائِلَةِ الدَّمُ السَّائِلُ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالدَّمَ نَفْسًا، وَمِنْهُ قِيلَ: لِلْمَرْأَةِ نُفَسَاءُ، لِسَيَلَانِ دَمِهَا عِنْدَ الْوِلَادَةِ، وَيُقَالُ: نُفِسَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا حَاضَتْ، وَسُمِّيَ الدَّمُ نَفْسًا لِنَفَاسَتِهِ فِي الْبَدَنِ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النَّفْسُ ذَاتُ الشَّيْءِ وَحَقِيقَتُهُ، يُقَالُ: عِنْدِي كَذَا نَفْسًا، ثُمَّ قِيلَ لِلْقَلْبِ: نَفْسٌ، لِأَنَّ النَّفْسَ بِهِ، كَقَوْلِهِمْ: الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ (كَالذُّبَابِ) هُوَ هُنَا الْمَعْرُوفُ، وَهُوَ مُفْرَدٌ، وَجَمْعُهُ ذِبَّانٌ أَذِبَّةٌ، وَلَا يُقَالُ ذُبَابَةٌ (وَغَيْرِهِ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ أَوِ الْبَحْرِ كَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَالْعَلَقِ وَالسَّرَطَانِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهَا لَا تَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ الْيَسِيرُ بِمَوْتِهَا فِيهِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً، وَفِي الْآخَرِ دَاءً» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَالظَّاهِرُ مَوْتُهُ بِالْغَمْسِ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الطَّعَامُ حَارًّا، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَعِيشُ غَالِبًا، وَلَوْ نَجَّسَ الطَّعَامَ لَأَفْسَدَهُ، فَيَكُونُ أَمْرًا بِإِفْسَادِ الطَّعَامِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ، لِأَنَّهُ قَصَدَ بِغَمْسِهِ إِزَالَةَ ضَرَرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، أَشْبَهَ دُودَ الْخَلِّ إِذَا مَاتَ فِيهِ، وَالثَّانِيَةُ: نَجِسٌ لَا يُؤْكَلُ لَا لِحُرْمَتِهِ، أَشْبَهَ الْحِمَارَ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَعَنْهُ: يَنْجُسُ إِنْ لَمْ يُؤْكَلْ، فَيَنْجُسُ بِهِ الْمَاءُ الْقَلِيلُ فِي الْأَصَحِّ إِنْ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ غَالِبًا، وَقُلْنَا: يَنْجُسُ الْقَلِيلُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ دُونَ تَغَيُّرِهِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنَ النَّجَاسَةِ كَدُودِ الْحُشِّ، وَصَرَاصِرِهِ، فَهُوَ نَجِسٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": إِلَّا إِذَا قُلْنَا إِنَّ النَّجَاسَةَ تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ، وَلَا يَرِدُ هَذَا عَلَى الْمَتْنِ، لِأَنَّ مَوْتَهُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ شَيْئًا، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. تَنْبِيهٌ: مَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ ضَرْبَانِ: نَجِسٌ فِي الْحَيَاةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، إِذْ مَوْتُهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا خُبْثًا، وَطَاهِرٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: آدَمِيٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ، وَمَا تُبَاحُ مَيْتَتُهُ كَسَمَكٍ وَنَحْوِهِ فَلَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّهُ لَوْ نَجُسَ بِهِ لَمْ يُبَحْ أَكْلُهُ، وَعَنْهُ: نَجَاسَةُ الطَّافِي، وَإِنْ مَاتَ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ، وَقُلْنَا: يَحْرُمُ الطَّافِي، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، بِنَاءً عَلَى نَجَاسَةِ دَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ
[بول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه]
وَغَيْرِهِ. وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ وَمَنِيُّهُ طَاهِرٌ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ نَجِسٌ، وَمَنِيُّ الْآدَمِيِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQدَمٌ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمَا لَا تُبَاحُ مَيْتَتُهُ كَحَيَوَانِ الْبَرِّ الْمَأْكُولِ، وَحَيَوَانِ الْبَحْرِ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ كَالضِّفْدَعِ وَالتِّمْسَاحِ وَنَحْوِهِمَا، فَيَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، وَيَنْجُسُ الْمَاءُ الْيَسِيرُ لِمُلَاقَاتِهِ، وَالْكَثِيرُ بِتَغَيُّرِهِ، وَلِلْوَزَغِ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ كَالْحَيَّةِ لَا الْعَقْرَبِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " فِي دُودِ الْقَزِّ وَبَزْرِهِ وَجْهَانِ. [بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ وَمَنِيُّهُ] (وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ وَمَنِيُّهُ طَاهِرٌ) فِي الْمَنْصُورِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الْعُرَنِيِّينَ أَنْ يَلْحَقُوا بِإِبِلِ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا» ، وَالنَّجِسُ لَا يُبَاحُ شُرْبُهُ، وَلَوْ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ لَأَمَرَهُمْ بِغَسْلِ أَثَرِهِ إِذَا أَرَادُوا الصَّلَاةَ، «وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا» ، وَطَافَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَتَنَجَّسَتِ الْحُبُوبُ الَّتِي تَدُوسُهَا الْبَقَرُ، فَإِنَّهَا لَا تَسْلَمُ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَرْوَاثِهَا، وَشَمَلَ كَلَامُهُ بَوْلَ سَمَكٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَنْجُسُ بِمَوْتِهِ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ عَلَى الْمَذْهَبِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ نَجِسٌ) لِأَنَّهُ رَجِيعٌ مِنْ حَيَوَانٍ أَشْبَهَ غَيْرَ الْمَأْكُولِ (وَمَنِيُّ الْآدَمِيِّ طَاهِرٌ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، «لِقَوْلِ عَائِشَةَ: كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَذْهَبُ فَيُصَلِّي فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: امْسَحْهُ عَنْكَ بِإِذْخِرَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ، رَوَاهُ سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا، وَلِأَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ إِذَا جَفَّ، فَلَمْ يَكُنْ نَجِسًا كَالْمُخَاطِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا أَوْجَبَ غُسْلًا أَوْ لَا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " وَهُوَ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ فَكَانَ طَاهِرًا كَالطِّينِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْبَوْلَ، فَعَلَى هَذَا يُسْتَحَبُّ فَرْكُ يَابِسِهِ «لِقَوْلِ عَائِشَةَ: كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كَانَ يَابِسًا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ مِنَ الدَّمِ، أَشْبَهَ الْقَيْحَ، فَعَلَى هَذَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، وَعَنْهُ: كَالْبَوْلِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مُعْتَادٌ مِنَ السَّبِيلِ أَشْبَهَ الْبَوْلَ، فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ، وَظَاهِرُ " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " أَنَّهُ يُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ، وَجَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ كَالْبَوْلِ فِي مَنِيِّ الْخَصِيِّ لِاخْتِلَاطِهِ بِمَجْرَى بَوْلِهِ، وَقِيلَ: وَقْتُ جِمَاعٍ، لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنَ الْمَذْيِ، وَبَعْدَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَفِي " الْمُحَرَّرِ " عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ فِي الرَّجُلِ، وَتَمَسَّكَ بِقَوْلِ أَحْمَدَ، لِأَنَّهُ ثَخِينٌ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ الْفَرْكُ تَخْفِيفًا بِخِلَافِ مَنِيِّ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّهُ رَقِيقٌ، وَلَا يَبْقَى لَهُ جِسْمٌ بَعْدَ جَفَافِهِ، فَلَا يُفِيدُ الْفَرْكُ فِيهِ شَيْئًا، فَإِنْ خَفِيَ مَوْضِعُ الْفَرْكِ فِيهِ فَرَكَهُ كُلَّهُ، لَكِنْ لَوْ أَمْنَى وَعَلَى فَرْجِهِ نَجَاسَةٌ، تَنَجَّسَ مَنِيُّهُ لِإِصَابَتِهِ النَّجَاسَةَ، وَلَمْ يُعْفَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ. فَرْعٌ: حُكْمُ بَقِيَّةِ الْخَارِجِ مِنْ بَدَنِ الْآدَمِيِّ كَالْعَرَقِ، وَالرِّيقِ، وَالْمُخَاطِ، وَنَحْوِهَا طَاهِرٌ، حَتَّى الْبَلْغَمِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الرَّأْسِ أَوِ الصَّدْرِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ نَجِسٌ، وَقِيلَ: بَلْغَمُ الصَّدْرِ جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، لِأَنَّهُ اسْتَحَالَ فِي الْمَعِدَةِ أَشْبَهَ الْقَيْءَ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَنَجَّسَ الْفَمَ، وَنَقَضَ الْوُضُوءَ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ
[سباع البهائم والطير والبغل والحمار الأهلي نجسة]
طَاهِرٌ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ نَجِسٌ، وَيُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ، وَفِي رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ رِوَايَتَانِ، وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ، وَالْبَغْلُ وَالْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ نَجِسَةٌ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQاسْتَحَالَ فِي الْمَعِدَةِ، بَلْ هُوَ مُنْعَقِدٌ مِنَ الْأَبْخِرَةِ كَالْمُخَاطِ، وَمَا سَالَ مِنَ الْفَمِ وَقْتَ النَّوْمِ طَاهِرٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ. (وَفِي رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ) وَهُوَ مَسْلَكُ الذَّكَرِ (رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا نَجِسَةٌ، لِأَنَّهَا بَلَلٌ فِي الْفَرْجِ لَا يُخْلَقُ مِنْهَا الْآدَمِيُّ، أَشْبَهَ الْمَذْيَ، وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ الصَّحِيحَةُ، وَجَزَمَ بِهَا الْأَكْثَرُ: أَنَّهَا طَاهِرَةٌ، لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ جِمَاعٍ، لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَحْتَلِمُونَ، وَهُوَ يُصِيبُ الرُّطُوبَةَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهَا، لَحَكَمْنَا بِنَجَاسَةِ مَنِيِّهَا، لِكَوْنِهِ يُلَاقِي رُطُوبَتَهُ بِخُرُوجِهِ مِنْهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: مَا أَصَابَ مِنْهُ فِي حَالِ الْجِمَاعِ فَهُوَ نَجِسٌ، لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنَ الْمَذْيِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الشَّهْوَةَ إِذَا اشْتَدَّتْ خَرَجَ الْمَنِيُّ وَحْدَهُ كَالِاحْتِلَامِ. [سِبَاعُ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ وَالْبَغْلُ وَالْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ نَجِسَةٌ] (وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ و) سِبَاعُ (الطَّيْرِ، وَالْبَغْلُ) إِذَا كَانَ مِنَ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ (وَالْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ نَجِسَةٌ) نَصَرَهُ فِي " التَّحْقِيقِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْخِرَقِيِّ " و" الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ، مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ فَقَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ يَنْجُسُ إِذَا لَمْ يَبْلُغْهَا. «وَقَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنِ الْحُمُرِ: إِنَّهَا رِجْسٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالرِّجْسُ: النَّجِسُ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ حُرِّمَ أَكْلُهُ لِخُبْثِهِ لَا لِحُرْمَتِهِ، وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَكَانَ نَجِسًا وَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ وَفَضَلَاتِهِ كَذَلِكَ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا
[سؤر الهر والسنور وما دونهما في الخلقة طاهر]
طَاهِرَةٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQطَاهِرَةٌ) نَقَلَهَا عَنْهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، وَقَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": مَا عَدَا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ، وَهُوَ مُرَادٌ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ: أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ؛ قَالَ: نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَبِيبَةَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَعْنَاهُ، وَفِيهِ قَالَ: «لَهَا مَا أَخَذَتْ فِي أَفْوَاهِهَا، وَلَنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ» وَمَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى حَوْضٍ، فَقَالَ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ تَرِدُ عَلَى حَوْضِكَ السِّبَاعُ؛ فَقَالَ عُمَرُ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لَا تُخْبِرْنَا فَإِنَّا نَرِدُ عَلَيْهَا وَتَرِدُ عَلَيْنَا. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ فَكَانَ طَاهِرًا كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَعَنْهُ: طَهَارَةُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَرْكَبُهُمَا، وَرُكِبَا فِي زَمَنِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُمَا لِمُقْتَنِيهِمَا، فَكَانَا طَاهِرَيْنِ كَالسِّنَّوْرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهَا رِجْسٌ أَرَادَ بِهِ التَّحْرِيمَ كَقَوْلِهِ فِي الْأَنْصَابِ وَالْأَزْلَامِ: إِنَّهُ رِجْسٌ، وَقِيلَ: لَحْمُهَا نَجِسٌ، وَعَلَيْهِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْآدَمِيِّ قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ: إِلَّا فِي مَنِيِّهَا، فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ بَوْلِهَا، وَذَكَرَ السَّامَرِّيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّ فِي طَهَارَةِ مَنِيِّهَا، وَلَبَنِهَا، وَبَيْضِهَا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَجْهَيْنِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُمَا مَشْكُوكٌ فِيهِمَا، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ أَمَارَةِ تَنَجُّسِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ كَالْكَلْبِ، وَأَمَارَةِ تَطْهِيرِهِ، لِأَنَّهُ ذُو حَافِرٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ، أَشْبَهَ الْفَرَسَ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُ رَأْسِهِ إِذَا وُجِدَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ، فَعَلَى هَذِهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَ سُؤْرِهِمَا تَوَضَّأَ بِهِ، ثُمَّ تَيَمَّمَ زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " يَنْوِي الْحَدَثَ وَالنَّجَاسَةَ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَتَيَمَّمُ، ثُمَّ يُصَلِّي ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي، وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ دُونَ الْوُضُوءِ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": فِي الْأَقْيَسِ فِيهِمَا. [سُؤْرُ الْهِرِّ وَالسِّنَّوْرِ وَمَا دُونَهُمَا فِي الْخِلْقَةِ طَاهِرٌ] (وَسُؤْرُ) بِضَمِّ السِّينِ مَهْمُوزًا، وَهُوَ بَقِيَّةُ طَعَامِ الْحَيَوَانِ، وَشَرَابِهِ (الْهِرِّ) وَيُسَمَّى
وَسُؤْرُ الْهِرِّ وَالسِّنَّوْرِ وَمَا دُونَهُمَا فِي الْخِلْقَةِ طَاهِرٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQالضَّيْوَنَ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَيَاءٍ وَنُونٍ، وَالسِّنَّوْرُ الْقِطُّ (وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ) كَابْنِ عِرْسٍ، وَالْفَأْرَةِ (طَاهِرٌ) غَيْرُ مَكْرُوهٍ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْهِرِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ فِي الْهِرِّ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» شَبَّهَهَا بِالْخَدَمِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} [النور: 58] وَلِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهَا كَحَشَرَاتِ الْأَرْضِ كَالْحَيَّةِ، قَالَهُ الْقَاضِي، فَطَهَارَتُهَا مِنَ النَّصِّ، وَمَا دُونَهَا مِنَ التَّعْلِيلِ، قَالَ السَّامِرِيُّ: سُؤْرُ مَا دُونَ الْهِرِّ طَاهِرٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ وَجْهٌ وَبُعْدٌ. تَنْبِيهٌ: إِذَا عُلِمَتْ نَجَاسَةُ فَمِ هِرٍّ، فَأَوْجُهٌ، ثَالِثُهَا: إِنْ غَابَ فَطَاهِرٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَرَابِعُهَا إِنِ احْتُمِلَ وُلُوغُهَا فِي مَاءٍ كَثِيرٍ طَهُورٍ فَطَاهِرٌ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ:
[باب الحيض]
بَابُ الْحَيْضِ وَهُوَ دَمُ طَبِيعَةٍ وَجِبِلَّةٍ وَيَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ: فِعْلَ الصَّلَاةِ، وَوُجُوبَهَا، وَفِعْلَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ شَيْخُنَا: يُعْتَبَرُ مُضِيُّ زَمَنٍ بَعْدَ أَكْلِهَا، يَزُولُ فِيهَا أَثَرُ النَّجَاسَةِ بِرِيقِهَا، قَالَ: وَكَذَا أَفْوَاهُ الْأَطْفَالِ وَالْبَهَائِمِ إِذَا تَنَجَّسَتْ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَيَكُونُ الرِّيقُ مُطَهِّرًا لَهَا، وَدَلَّ أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ نَجَاسَةٍ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ. وَلَا عَنْ يَسِيرِ نَجَاسَةٍ فِي طَعَامٍ خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ. وَذَكَرَهُ قَوْلًا فِي الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا حَرَّمَ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ، وَلِفِعْلِ الصَّحَابَةِ، وَلِعُمُومِ الْبَلْوَى بِبَعْرِ الْفَأْرِ وَغَيْرِهِ. [بَابُ الْحَيْضِ] [تَعْرِيفُ الْحَيْضِ] بَابُ الْحَيْضِ. وَهُوَ مَصْدَرُ: حَاضَتِ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ حَيْضًا، وَمَحِيضًا، فَهِيَ حَائِضٌ وَحَائِضَةٌ: إِذَا جَرَى دَمُهَا، فَأَصْلُهُ السَّيَلَانُ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَاضَ الْوَادِي إِذَا سَالَ، وَحَاضَتِ الشَّجَرَةُ: إِذَا سَالَ مِنْهَا شِبْهُ الدَّمِ، وَهُوَ الصَّمْغُ الْأَحْمَرُ، وَاسْتُحِيضَتِ الْمَرْأَةُ: اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَتَحَيَّضَتْ أَيْ: قَعَدَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا عَنِ الصَّلَاةِ، وَيُسَمَّى أَيْضًا الطَّمْثُ، وَالْعِرَاكُ، وَالضَّحِكُ، وَالْإِعْصَارُ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] الْآيَةَ وَالسُّنَّةُ، قَالَ أَحْمَدُ: الْحَيْضُ يَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ: حَدِيثِ فَاطِمَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَحَمْنَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مَكَانَ حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ (وَهُوَ دَمُ طَبِيعَةٍ) سَجِيَّةٍ (وَجِبِلَّةٍ) خِلْقَةٍ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى بَنَاتِ آدَمَ تُرْخِيهِ الرَّحِمُ، إِذَا بَلَغَتْ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ، يَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ الرَّحِمِ، وَلَيْسَ هُوَ بِدَمِ فَسَادٍ، بَلْ خَلَقَهُ اللَّهُ لِحِكْمَةِ غِذَاءِ الْوَلَدِ وَتَرْبِيَتِهِ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِمَا، فَإِذَا حَمَلَتِ، انْصَرَفَ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى غِذَائِهِ، وَلِذَلِكَ لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ، فَإِذَا وَضَعَتْهُ قَلَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِحِكْمَتِهِ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ، وَلِذَلِكَ قَلَّمَا تَحِيضُ الْمُرْضِعُ، فَإِذَا خَلَتْ عَنْهُمَا بَقِيَ الدَّمُ لَا مَصْرِفَ لَهُ فَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَانٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْغَالِبِ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ
[يمنع الحيض عشرة أشياء]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQسَبْعَةً، وَقَدْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَقِلُّ، وَيَطُولُ شَهْرُهَا وَيَقْصُرُ بِحَسَبِ مَا رَكَّبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الطِّبَاعِ، وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِرِّ الْأُمِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَبِبِرِّ الْأَبِ مَرَّةً وَاحِدَةً. [يَمْنَعُ الْحَيْضُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ] (وَيَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ: فِعْلَ الصَّلَاةِ) فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا (و) يَمْنَعُ (وُجُوبَهَا) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إِسْقَاطِ فَرْضِ الصَّلَاةِ عَنْهَا فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا، وَعَلَى أَنَّ قَضَاءَ مَا فَاتَ مِنْهَا فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: «إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ» ، وَلِمَا رَوَتْ مُعَاذَةُ قَالَتْ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؛ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؛ فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ، فَقَالَتْ: كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَمَعْنَى قَوْلِهَا: أَحَرُورِيَّةٌ؛ الْإِنْكَارُ عَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ أَهْلِ حَرُورَاءَ، وَهِيَ مَكَانٌ يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْخَوَارِجُ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ عَلَى الْحَائِضِ قَضَاءَ الصَّلَاةِ كَالصَّوْمِ، وَلِفَرْطِ تَعَمُّقِهِمْ حَتَّى مَرَقُوا مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ لِتَكَرُّرِهِ وَطُولِ مُدَّتِهِ، فَإِنْ أَحَبَّتِ الْقَضَاءَ فَظَاهِرُ نَقْلِ الْأَثْرَمِ الْمَنْعُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: يُكْرَهُ، لَكِنَّهُ بِدْعَةٌ، كَمَا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إِلَّا رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ،
الصِّيَامِ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَمَسَّ الْمُصْحَفِ، وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ، وَالطَّوَافَ وَالْوَطْءَ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَنَّهَا نُسُكٌ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِ، فَيُعَايَا بِهَا، وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ شَيْخُنَا ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الطَّهَارَةِ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمُ اتِّفَاقًا، لِأَنَّهُ حَدَثٌ يُوجِبُ الطَّهَارَةَ، وَاسْتِمْرَارُهُ يَمْنَعُ صِحَّتَهَا كَالْبَوْلِ، وَلَا يَمْنَعُ غَسْلَهَا كَجَنَابَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، بَلْ يُسَنُّ. (وَفِعْلَ الصِّيَامِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تَصُمْ، وَلَمْ تُصَلِّ، قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الصَّوْمِ، وَهُوَ كَذَلِكَ إِجْمَاعًا، لِأَنَّهُ وَاجِبٌ فِي ذِمَّتِهَا، وَكَذَا كُلُّ مَنْ لَزِمَتْهُ عِبَادَةٌ وَجَبَتْ فِي ذِمَّتِهِ، كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، لَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنْهَا، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا، وَتَقْضِيهِ هِيَ، وَكُلُّ مَعْذُورٍ بِالْأَمْرِ السَّابِقِ، لَا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَقْضِيهِ مُسَافِرٌ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ: عَلَى الْأَصَحِّ، وَحَائِضٌ وَنُفَسَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ. (وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تَقْرَأِ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» وَقَدْ سَبَقَ وَنَقَلَ الشَّالَنْجِيُّ كَرَاهَتَهَا لَهَا، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِذَا ظَنَّتْ نِسْيَانَهُ، وَجَبَتْ. (وَمَسَّ الْمُصْحَفِ) لِلنَّصِّ. (وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ، وَلَا جُنُبٍ»
فِي الْفَرْجِ، وَسُنَّةَ الطَّلَاقِ، وَالِاعْتِدَادَ بِالْأَشْهُرِ، وَيُوجِبُ الْغُسْلَ وَالْبُلُوغَ وَالِاعْتِدَادَ ـــــــــــــــــــــــــــــQرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقِيلَ: لَا بِوُضُوءٍ، وَقِيلَ: وَيَمْنَعُ دُخُولَهُ، وَحَكَى رِوَايَةً لِخَوْفِهَا تَلْوِيثَهُ فِي الْأَشْهَرِ، وَنَصُّهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ: تَمُرُّ وَلَا تَقْعُدُ، وَالْمَذْهَبُ حَيْثُ أَمِنَتْ تَلْوِيثَهُ. (وَالطَّوَافَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَائِشَةَ: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ، وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْهَا، وَمِنْ لَوَازِمِهِ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ، وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: بِلَا عُذْرٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ: يَصِحُّ مِنْهَا، وَيَجْبُرُهُ بِدَمٍ. (و) يَمْنَعُ (الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَنْ بِهِ شَبَقٌ بِشَرْطِهِ. (وَسُنَّةَ الطَّلَاقِ) لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQيَقُلِ الْبُخَارِيُّ: " أَوْ حَامِلًا " وَلِأَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا فِيهِ كَانَ مُحَرَّمًا، وَهُوَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ، وَسَيَأْتِي، وَهَذَا مَا لَمْ تَسْأَلْهُ الطَّلَاقَ بِعِوَضٍ أَوِ الْخُلْعَ، وَفِيهِ وَجْهٌ. (وَالِاعْتِدَادَ بِالْأَشْهُرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] فَأَوْجَبَ الْعِدَّةَ بِالْقُرُوءِ، وَشَرْطُهُ فِي الْآيَةِ عَدَمُ الْحَيْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى، {وَاللائِي يَئِسْنَ} [الطلاق: 4] ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا. (وَيُوجِبُ الْغُسْلَ) عِنْدَ انْقِطَاعِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ سَبَقَ فِي الْغُسْلِ الِاخْتِلَافُ فِيهِ، هَلْ يَجِبُ بِالْخُرُوجِ أَوْ الِانْقِطَاعِ؛ (وَالْبُلُوغَ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَرُوِيَ أَيْضًا مُرْسَلًا وَمَوْقُوفًا، فَأَوْجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَتِرَ لِأَجْلِ الْحَيْضِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ حَصَلَ بِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ أَحْكَامَ الْبُلُوغِ تَثْبُتُ بِابْتِدَائِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " و" الْبُلْغَةِ " (و) يُوجِبُ (الِاعْتِدَادَ بِهِ) لِمَا سَبَقَ قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا (وَالنِّفَاسُ مِثْلُهُ) فِيمَا يَجِبُ بِهِ وَيَحْرُمُ، وَمَا يَسْقُطُ عَنْهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ احْتُبِسَ لِأَجْلِ الْوَلَدِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَثَبَتَ حُكْمُهُ، لَكِنْ لَوْ ضَرَبَتِ الْحَامِلُ بَطْنَهَا، أَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً فَأُسْقِطَتْ
بِهِ، وَالنِّفَاسُ مِثْلُهُ إِلَّا فِي الِاعْتِدَادِ، وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ، أُبِيحَ فِعْلُ الصِّيَامِ وَالطَّلَاقُ، وَلَمْ يُبَحْ غَيْرُهُمَا حَتَّى تَغْتَسِلَ؛ فإذا تطهرن فأتوهن. وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا دُونَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَنُفِسَتْ لَمْ تُصَلِّ، وَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَجْهَانِ (إِلَّا فِي الِاعْتِدَادِ) لِأَنَّ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ بِالْقُرُوءِ، وَالنِّفَاسُ لَيْسَ بِقُرْءٍ، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْبُلُوغِ، لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ لِحُصُولِهِ بِالْحَمْلِ قَبْلَهُ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِهِ فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، وَيَقْطَعُ تَتَابُعَ صَوْمِ الظِّهَارِ فِي قَوْلٍ. (وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ) انْقِطَاعًا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهَا (أُبِيحَ) لَهَا (فِعْلُ الصِّيَامِ) لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ لَا يَمْنَعُ فِعْلَهُ، كَالْجُنُبِ (و) أُبِيحَ (الطَّلَاقُ) لأن تحريمه لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ بِالْحَيْضِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ. الثَّانِي: لَا يُبَاحَانِ لِمَفْهُومِ خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ، وَأَلْحَقَ الْقَاضِي بِهِمَا الْقِرَاءَةَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (وَلَمْ يُبَحْ غَيْرُهُمَا حَتَّى تَغْتَسِلَ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ كَالْإِجْمَاعِ، وَحَكَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ إِجْمَاعَ التَّابِعِينَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ لِحِلِّ الْوَطْءِ شَرْطَيْنِ: انْقِطَاعَ الدَّمِ، وَالْغُسْلَ فَقَالَ {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] أَيْ: حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهُنَّ (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) أَيْ: اغْتَسَلْنَ بِالْمَاءِ فَأْتُوهُنَّ كَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِ بِالتَّخْفِيفِ فِي الْأُولَى، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ بِتَشْدِيدِهَا، وَاتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى تَشْدِيدِ الثَّانِيَةِ، وَالتَّطَهُّرُ: تَفَعُّلٌ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَكَلَّفُهُ، وَيَرُومُ تَحْصِيلَهُ، فَيَقْتَضِي اتِّخَاذَ الْفِعْلِ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] وَانْقِطَاعُ الدَّمِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إِلَيْهَا، وَلَا صُنْعَ لَهَا فِيهِ، لَا يُقَالُ: يَنْبَغِي عَلَى قِرَاءَةِ الْأَكْثَرِ أَنَّهُ يَنْتَهِي النَّهْيُ عَنِ الْقُرْبَانِ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ، إِذِ الْغَايَةُ تَدْخُلُ فِي الْمُغَيَّا، لِكَوْنِهَا بِحَرْفِ حَتَّى، لِأَنَّهُ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ النَّهْيُ عَنِ الْقُرْبَانِ مُطْلَقٌ، فَلَا يُبَاحُ بِحَالٍ، وَبَعْدَهُ يَزُولُ التَّحْرِيمُ الْمُطْلَقُ، وَتَصِيرُ إِبَاحَةُ وَطْئِهَا مَوْقُوفًا عَلَى الْغُسْلِ، وَظَهَرَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْأَكْثَرِ أَكْثَرُ فَائِدَةً، وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا بَعْدَ الِانْقِطَاعِ، وَقَالَهُ دَاوُدُ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَكْثَرِهِ، وَهُوَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ،
[الاستمتاع بالحائض بما دون الفرج]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQحَلَّ وَطْؤُهَا، وَإِلَّا لَمْ يُبَحْ حَتَّى تَطْهُرَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ عَدِمَتِ الْمَاءَ تَيَمَّمَتْ وَحَلَّ وَطْؤُهَا، وَإِنْ تَيَمَّمَتْ لَهَا، حَلَّ، لِأَنَّ مَا أَبَاحَ الصَّلَاةَ أَبَاحَ مَا دُونَهَا، وَلَوْ عَبَّرَ بِالطُّهْرِ لَكَانَ أَوْلَى لِشُمُولِهِ مَا ذَكَرْنَا. فَرْعٌ: إِذَا أَرَادَ وَطْأَهَا فَادَّعَتْ حَيْضًا، وَأَمْكَنَ قُبِلَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ فِي الطَّلَاقِ، وَأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَعْمَلَ بِقَرِينَةٍ أَوْ أَمَارَةٍ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: اتَّفَقُوا عَلَى قَبُولِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ تَزُفُّ الْعَرُوسَ إِلَى زَوْجِهَا فَتَقُولُ: هَذِهِ زَوْجَتُكَ، وَعَلَى اسْتِبَاحَةِ وَطْئِهَا بِذَلِكَ، وَعَلَى تَصْدِيقِهَا فِي قَوْلِهَا: أَنَا حَائِضٌ، وَفِي قَوْلِهَا: قَدْ طَهُرْتُ. مَسْأَلَةٌ: تُغَسَّلُ الْمُسْلِمَةُ الْمُمْتَنِعَةُ قَهْرًا، وَلَا نِيَّةَ هُنَا لِلْعُذْرِ، كَالْمُمْتَنِعِ مِنَ الزَّكَاةِ وَإِذَا فَعَلَتْهُ لَمْ تُصَلِّ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُغَسَّلُ الْمَجْنُونَة وَتَنْوِيهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُغَسِّلَهَا لِيَطَأَهَا، وَيَنْوِيَ غُسْلَهَا تَخْرِيجًا عَلَى الْكَافِرَةِ. [الِاسْتِمْتَاعُ بِالْحَائِضِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ] (وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَمْتَعَ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ) مِنَ الْقُبْلَةِ، وَاللَّمْسِ، وَالْوَطْءِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاعْتَزِلُوا نِكَاحَ فُرُوجِهِنَّ، رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَلِأَنَّ الْمَحِيضَ هُوَ اسْمٌ لِمَكَانِ الْحَيْضِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، كَالْمَقِيلِ، وَالْمَبِيتِ، فَيَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بِمَكَانِ الْحَيْضِ، وَهُوَ الْفَرْجُ، وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظٍ " الْجِمَاعَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ مُنِعَ لِلْأَذَى،
الْفَرْجِ، فَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْفَرْجِ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ كَفَّارَةً، وَعَنْهُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا التَّوْبَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَاخْتُصَّ بِمَحَلِّهِ كَالدُّبُرِ، وَقِيلَ: الْمَحِيضُ زَمَنُ الْحَيْضِ قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا، فَالِاعْتِزَالُ عَلَى هَذَا اعْتِزَالُهُنَّ مُطْلَقًا كَاعْتِزَالِ الْمُحْرِمَةِ وَالصَّائِمَةِ، وَيُحْتَمَلُ اعْتِزَالُ مَا يُرَادُ مِنْهُنَّ فِي الْغَالِبِ، وَهُوَ الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا هُوَ الْمُرَادُ، لِأَنَّهُ قَالَ: هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا، فَذَكَرَ الْحُكْمَ بَعْدَ الْوَصْفِ بِالْفَاءِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ هُوَ الْعِلَّةُ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِلْحُكْمِ كَآيَةِ السَّرِقَةِ، وَالْأَمْرُ بِالِاعْتِزَالِ فِي الدَّمِ لِلضَّرَرِ وَالتَّنْجِيسِ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالْفَرْجِ، فَيَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِمَحَلِّ سَبَبِهِ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمَحِيضُ: الْحَيْضُ نَفْسُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ، وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ جَائِزٌ إِجْمَاعًا، فَكَذَا مَا بَيْنَهُمَا، وَعَلَى هَذَا يُسَنُّ سَتْرُ فَرْجِهَا عِنْدَ مُبَاشَرَةِ غَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَجِبُ، وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِمَا بَيْنَهُمَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " النِّهَايَةِ " لِخَوْفِهِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ: «أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا يَحِلُّ لِي مِنَ امْرَأَتِي، وَهِيَ حَائِضٌ؛ قَالَ: لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ حِزَامِ بْنِ حَكِيمٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ. سَلَّمْنَا صِحَّتَهُ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِالْمَفْهُومِ، وَالْمَنْطُوقُ رَاجِحٌ عَلَيْهِ، وَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَتَّزِرَ، فَيُبَاشِرنِي وَأَنَا حَائِضٌ» لِأَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُبَاحِ تَقَذُّرًا كَتَرْكِهِ أَكْلَ الضَّبِّ. (فَإِنْ وَطِئَهَا) مَنْ يُجَامِعُ مِثْلُهُ، وَلَوْ بِلَفِّ خِرْقَةٍ قَبْلَ انْقِطَاعِهِ (فِي الْفَرْجِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ كَفَّارَةً) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَهُوَ رِوَايَةٌ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَعَ عَلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQجَارِيَةٍ لَهُ، فَوَجَدَهَا حَائِضًا، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا حَفْصٍ، تَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ» رَوَاهُ حَرْبٌ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ دِينَارٌ أَوْ نِصْفُهُ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: هَكَذَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ، وَعَنْهُ: نِصْفُهُ، وَعَنْهُ: نِصْفُهُ فِي إِدْبَارِهِ، وَعَنْهُ: بَلْ فِي أَصْفَرَ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ الْمَشْهُورُ، لِأَنَّهُ مَعْنًى تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، فَاسْتَوَى الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ، وَصِفَاتُهُ كَالْإِحْرَامِ، لَا يُقَالُ: كَيْفَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَنِصْفِهِ؛ لِأَنَّهُ كَتَخْيِيرِ الْمُسَافِرِ بَيْنَ الْإِتْمَامِ وَالْقَصْرِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ ذَهَبًا مَضْرُوبًا أَوْ تِبْرًا، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَاعْتَبَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينَ كَوْنَهُ مَضْرُوبًا، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": هُوَ أَظْهَرُ، لِأَنَّ الدِّينَارَ اسْمٌ لَهُ كَمَا فِي الدِّيَةِ، وَذَكَرَ فِي " الرِّعَايَةِ " هَلِ الدِّينَارُ هُنَا عَشَرَةٌ أَوِ اثْنَا عَشَرَ؛ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، وَمُرَادُهُ: إِذَا أَخْرَجَ دَرَاهِمَ كَمْ يُخْرِجُ؛ وَإِلَّا فَلَوْ أَخْرَجَ ذَهَبًا لَمْ تُعْتَبَرْ قِيمَتُهُ بِلَا شَكٍّ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّاسِي، وَالْمُكْرَهِ، وَالْجَاهِلِ بِالْحَيْضِ أَوِ التَّحْرِيمِ أَوْ هُمَا لِلْعُمُومِ، وَعَنْهُ: لَا كَفَّارَةَ، قَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: بِنَاءً عَلَى الصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ، وَبَانَ بِهَذَا أَنَّ مَنْ كَرَّرَ الْوَطْءَ فِي حَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ، أَنَّهُ فِي تَكْرَارِ الْكَفَّارَةِ كَالصَّوْمِ، فَإِنْ وَطِئَهَا طَاهِرًا ثُمَّ حَاضَتْ، فَإِنِ اسْتَدَامَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ نَزَعَ انْبَنَى عَلَى الْخِلَافِ هَلْ هُوَ جِمَاعٌ أَمْ لَا؛ وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا، فَهِيَ وَاجِبَةٌ بِالشَّرْعِ كَالصَّوْمِ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، وَهُوَ وَجْهٌ، لِأَنَّ الْإِيجَابَ بِالشَّرْعِ لَمْ يَرِدْ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةَ كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مُكْرَهَةً أو غير
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQعَالِمَةً لَا شَيْءَ عَلَيْهَا، كَالصَّبِيِّ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ أَنَّهَا تَلْزَمُهُ لِلْعُمُومِ، وَهُمَا فِي الْقِيمَةِ، وَالْكَفَّارَةِ لِلْفُقَرَاءِ، وَتُجْزِئُ إِلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ كَنَذْرٍ مُطْلَقٍ، وَتَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ: تَلْزَمُهُ بِوَطْءِ دُبُرٍ، وَهُوَ غَرِيبٌ. فَرْعٌ: الْوَطْءُ فِي الْحَيْضِ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَإِنَّمَا شُرِعَتِ الْكَفَّارَةُ زَجْرًا عَنْ مُعَاوَدَتِهِ، وَلِهَذَا أَغْنَى وُجُوبُهَا عَنِ التَّعْزِيرِ فِي وَجْهٍ (وَعَنْهُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا التَّوْبَةُ) قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ نُهِيَ عَنْهُ، لِأَجْلِ الْأَذَى أَشْبَهَ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ، وَكَمَا لَوْ وَطِئَ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ قَبْلَ غُسْلِهَا فِي الْمَنْصُوصِ، وَحَدِيثُ الْكَفَّارَةِ مَدَارُهُ عَلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ قِيلَ لِأَحْمَدَ: فِي نَفْسِكَ مِنْهُ شَيْءٌ؛ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَكُنَّا نَرَى عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ. تَذْنِيبٌ: بَدَنُ الْحَائِضِ، وَعَرَقُهَا، وَسُؤْرُهَا طَاهِرٌ، وَلَا يُكْرَهُ طَبْخُهَا وَعَجِينُهَا، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَلَا وَضْعُ يَدَيْهَا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْمَائِعَاتِ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ إِجْمَاعًا، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَا لَمْ يَفْسُدْ مِنَ الْمَائِعَاتِ بِمُلَاقَاةِ بَدَنِهَا، وَإِلَّا تَوَجَّهَ الْمَنْعُ فِيهَا، وَفِي الْمَرْأَةِ الْجُنُبِ قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
[أقل سن تحيض له المرأة وأكثره]
وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِينَ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسُونَ سَنَةً، وَعَنْهُ: سِتُّونَ فِي نِسَاءِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [أَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ وَأَكْثَرُهُ] (وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ) تَمَامُ (تِسْعُ سِنِينَ) فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ، وَرَوَاهُ الْقَاضِي مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، أَيْ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَرْأَةِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَأَيْتُ جَدَّةً لَهَا إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّ نِسَاءَ تِهَامَةَ يَحِضْنَ لِتِسْعِ سِنِينَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا رَأَتِ الدَّمَ لِدُونِ تِسْعِ سِنِينَ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْوُجُودِ وَالْعَادَةِ لِأُنْثَى حَيْضٌ قَبْلَ اسْتِكْمَالِهَا، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْبِلَادِ الْحَارَّةِ وَالْبَارِدَةِ، وَقِيلَ: لَا حَيْضَ قَبْلَ تَمَامِ عَشْرٍ، وَعَنْهُ: اثْنَتَا عَشْرَةَ، لِأَنَّهُ الزَّمَانُ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ بُلُوغُ الْغُلَامِ، وَهُوَ تَقْرِيبٌ، وَقِيلَ: تَحْدِيدٌ، وَلِانْقِطَاعِهِ غَايَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ. (وَأَكْثَرُهُ خَمْسُونَ سَنَةً) قَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" التَّلْخِيصِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْبُلْغَةِ "، وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، قَالَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: إِذَا بَلَغَتِ الْمَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةً، خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ أَيْضًا: لَنْ تَرَى فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ، رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّالَنْجِيُّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِنَّ لِاسْتِوَائِهِنَّ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ. (وَعَنْهُ: سِتُّونَ فِي نِسَاءِ الْعَرَبِ) وَخَمْسُونَ لِغَيْرِهِنَّ، وَقَالَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، لِأَنَّهُنَّ أَقْوَى جِبِلَّةً، وَعَنْهُ: غَايَتُهُ سِتُّونَ سَنَةً، جَزَمَ بِهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي " خِلَافِهِ " الصَّغِيرِ، لِأَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ وُجِدَ فِيهِ حَيْضٌ بِنَقْلِ
الْعَرَبِ، وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ، وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَعَنْهُ: يَوْمٌ، وَأَكْثَرُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQنِسَاءٍ ثِقَاتٍ، وَعَنْهُ: إِنْ تَكَرَّرَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِلَّا فَلَا، صَحَّحَهَا فِي " الْكَافِي " لِوُجُودِهِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، وَعَنْهُ: مَشْكُوكٌ فِيهِ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، فَتَصُومَ، وَتُصَلِّي، لِأَنَّ وُجُوبَهَا مُتَيَقَّنٌ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، وَلَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا إِذَا انْقَطَعَ حَتَّى تَغْتَسِلَ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَالصَّوْمَ تَقْضِيهِ وُجُوبًا عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِيَقِينٍ فَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهَا إِذَا رَأَتْ دَمًا (بَعْدَ السِّتينَ) أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجُرْحِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَهُوَ دَمُ فَسَادٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ لَا غَايَةَ لِانْقِطَاعِهِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ قَدْ وَصَفَ النِّسَاءَ بِالْإِيَاسِ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} [الطلاق: 4] ، وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا لَمْ تَيْأَسْ أَبَدًا، وَلِأَنَّهَا تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ. (وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ) فِي الْمَنْصُوصِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ الْقَاضِي، فَجَعَلَ الْحَيْضَ عَلَمًا عَلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَقِّ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ: «لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» فَجَعَلَ الْحَمْلَ عَلَمًا عَلَى عَدَمِ الْحَيْضِ كَالطُّهْرِ، احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَعَنْهُ: بَلَى، حَكَاهَا أَبُو الْقَاسِمِ التَّمِيمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاخْتَارَهَا قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ، وَذَكَرَ عُبَيْدَةُ بْنُ الطَّيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَ إِسْحَاقَ نَاظَرَ أَحْمَدَ، وَرَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ هَذَا. رَوَاهُ الْحَاكِمُ، لِأَنَّهُ دَمٌ صَادَفَ عَادَةً، فَكَانَ حَيْضًا كَغَيْرِهَا، فَعَلَى الْأُولَى إِذَا رَأَتْ دَمًا فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ لَا تَتْرُكُ لَهُ الْعِبَادَةَ، وَلَا تَمْنَعُ زَوْجَهَا مَنْ وَطْئِهَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَغْتَسِلَ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي وُجُوبِهِ وَجْهَانِ، إِلَّا أَنْ تَرَاهُ قَبْلَ وِلَادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَهُوَ نِفَاسٌ، وَلَا تَنْقُصُ بِهِ مُدَّتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ دَمٌ خَرَجَ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ فَكَانَ نِفَاسًا، وَلَا تَتْرُكُ الْعِبَادَةَ مِنْ غَيْرِ عَلَامَةٍ عَلَى قُرْبِ الْوَضْعِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، فَإِنْ تَرَكَتْهَا لِعَلَامَةٍ فَتَبَيَّنَ بُعْدُهُ عَنْهَا أَعَادَتْ مَا تَرَكَتْهُ مِنَ الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ، لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ وَلَا نِفَاسٍ.
[أقل الحيض وأكثره وأقل الطهر بين الحيضتين]
خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَعَنْهُ: سَبْعَةَ عَشَرَ، وَغَالِبُهُ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [أَقَلُّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرُهُ وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ] (وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. لَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (وَعَنْهُ: يَوْمٌ) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، لِأَنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ عَلَى الْحَيْضِ أَحْكَامًا، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ رَدَّهُ إِلَى الْعُرْفِ، كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مُعْتَادٌ يَوْمًا، وَلَمْ يُوجَدْ أَقَلَّ مِنْهُ. قَالَ عَطَاءٌ: رَأَيْتُ مَنْ تَحِيضُ يَوْمًا، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رَأَيْتُ امْرَأَةً فَقَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَحِيضُ يَوْمًا لَا يَزِيدُ، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ: كَانَ فِي نِسَائِنَا مَنْ تَحِيضُ يَوْمًا، فَمَنْ قَالَ بِهِ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْإِطْلَاقِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ: عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ بُكْرَةً، وَتَطْهُرُ عَشِيَّةً، وَمَنْ قَالَ بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، قَالَ: إِنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ إِطْلَاقِ الْيَوْمِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْقَاضِي: يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَقَلُّهُ يَوْمٌ أَيْ: بِلَيْلَتِهِ، فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْخَلَّالِ، وَلَكِنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى خِلَافِهَا. (وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، قَالَ الْخَلَّالُ: لَا اخْتِلَافَ فِيهِ لِقَوْلِ عَطَاءٍ: رَأَيْتُ مَنْ تَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ: «النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ قِيلَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ؛ قَالَ: تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ شَطْرَ عُمْرِهَا لَا تُصَلِّي» وَذَكَرَ ابْنُ الْمَنْجَا أَنَّهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ خَطَأٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: لَا يَثْبُتُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
الْحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ، وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَعَنْهُ: سَبْعَةَ عَشَرَ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءَ الْمَاجِشُونِ كُنَّ يَحِضْنَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَحَكَاهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ غَيْرِهِنَّ، وَقِيلَ: عَلَيْهِمَا، وَلَيْلَةً. لَا عَشْرَةً بِلَيَالِيهَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ، فَلَوْ رَأَتْ دُفْعَةً وَاحِدَةً كَانَ حَيْضًا، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. (وَغَالِبُهُ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ) «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ لَمَّا سَأَلَتْهُ: تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٍ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَاهُ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ (وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا) هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ، وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ: قُلْ فِيهَا، فَقَالَ شُرَيْحٌ: إِنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: " قَالُونُ " أَيْ: جَيِّدٌ بِالرُّومِيَّةِ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ إِلَّا تَوْقِيفًا، وَهُوَ قَوْلُ صَحَابِيٍّ انْتَشَرَ وَلَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ، وَوُجُودُ ثَلَاثِ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرٌ صَحِيحٌ يَقِينًا، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُخْتَلَفُ أَنَّ الْعِدَّةَ يَصِحُّ أَنْ تَنْقَضِيَ فِي شَهْرٍ إِذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الطُّهْرَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ لَا تَوْقِيتَ فِيهِ وَسَيَأْتِي. (وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ) هَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ حَكَاهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "
[المبتدأة التي رأت دم الحيض ولم تكن حاضت]
فَصْلٌ وَالْمُبْتَدَأَةُ تَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَكْثَرَ فَمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQو" الْفُرُوعِ " وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: «تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ شَطْرَ عُمْرِهَا لَا تُصَلِّي» ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، فَإِنْ قِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَقَلُّ الطُّهْرِ مِثْلُهُ، وَإِنْ قِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ لَا بِنَاءَ، فَأَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ إِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ شَهْرُ الْمَرْأَةِ لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَإِذَا زَادَ تُصُوِّرَ أَنَّ حَيْضَهَا سَبْعَةَ عَشَرَ، وَطُهْرَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَكْثَرُ، وَقِيلَ: يُزَادُ عَلَى كُلِّ عَدَدٍ لَيْلَةٌ، وَعَنْهُ: لَا تَوْقِيتَ فِيهِ، وَهُوَ عَلَى مَا تَعْرِفُهُ مِنْ عَادَتِهَا، اخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَعَنْهُ: إِلَّا فِي الْعِدَّةِ أَيْ: إِذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَهَا فِي شَهْرٍ كُلِّفَتِ الْبَيِّنَةَ، وَإِنْ كَانَ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ صُدِّقَتْ (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) أَيِ: الطُّهْرِ، لِأَنَّ التَّحْدِيدَ مِنَ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ دَلِيلًا، وَلِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مَنْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا، لَكِنَّ غَالِبَهُ بَقِيَّةُ الشَّهْرِ. [الْمُبْتَدَأَةُ الَّتِي رَأَتْ دَمَ الْحَيْضِ وَلَمْ تَكُنْ حَاضَتْ] فَصْلٌ (وَالْمُبْتَدَأَةُ) هِيَ الَّتِي رَأَتْ دَمَ الْحَيْضِ، وَلَمْ تَكُنْ حَاضَتْ فِي زَمَنٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَلْتَفِتُ أَوَّلَ مَرَّةٍ إِلَّا إِلَى الْأَسْوَدِ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فَإِنْ كَانَ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً، فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَجْلِسُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ خِلَافُهُ (تَجْلِسُ) أَيْ: تَدَعُ بِرُؤْيَتِهِ - نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ - الصَّلَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَنَحْوَهُمَا،
دُونُ، اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ وَتَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَإِنْ كَانَ فِي الثَّلَاثِ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ جِبِلَّةٌ وَعَادَةٌ، وَدَمَ الِاسْتِحَاضَةِ لِعَارِضٍ مِنْ مَرَضٍ، وَنَحْوِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (يَوْمًا وَلَيْلَةً) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنَيْهِ، وَالْمَرُّوذِيِّ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ، وَاجِبَةٌ فِي ذِمَّتِهَا بِيَقِينٍ، وَمَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْحَيْضِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا نُسْقِطُهَا بِالشَّكِّ، وَلَوْ لَمْ نُجْلِسْهَا الْأَقَلَّ، لَأَدَّى إِلَى عَدَمِ جُلُوسِهَا أَصْلًا، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ إِلَّا إِذَا قُلْنَا: أَقَلُّهُ يَوْمٌ، قَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: إِنَّ الْمُبْتَدَأَةَ لَا تَجْلِسُ فَوْقَ الْأَقَلِّ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا مَوْضِعُ ذَلِكَ إِذَا اتَّصَلَ الدَّمُ، وَحَصَلَتْ مُسْتَحَاضَةً فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ (ثُمَّ تَغْتَسِلُ) لِأَنَّهُ آخِرُ حَيْضِهَا حُكْمًا، أَشْبَهَ آخِرَهُ حِسًّا (وَتُصَلِّي) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْهَا هُوَ الْحَيْضُ، وَقَدْ حُكِمَ بِانْقِطَاعِهِ، وَعَدَمَ الْغُسْلِ، وَقَدْ وُجِدَ حَقِيقَةً. وَلَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ أَوْ يُجَاوِزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حَيْضٌ، وَإِنَّمَا أَمَرْنَاهَا بِالْعِبَادَةِ احْتِيَاطًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا، فَتَعَيَّنَ تَرْكُ وَطْئِهَا احْتِيَاطًا، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ: يُبَاحُ مَعَ خَوْفِ الْعَنَتِ، فَإِنِ انْقَطَعَ وَاغْتَسَلَتْ أُبِيحَ، لِأَنَّهَا رَأَتِ النَّقَاءَ الْخَالِصَ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ لِاحْتِمَالِ عَوْدِهِ كَالنُّفَسَاءِ، وَعَنْهُ: إِنْ أُمِنَ الْعَنَتُ، وَإِنْ عَادَ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ حُرِّمَ الْوَطْءُ إِلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ. (فَإِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَكْثَرَ فَمَا دُونُ) هُوَ بِضَمِّ النُّونِ لِقَطْعِهِ عَنِ الْإِضَافَةِ (اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ آخِرَ حَيْضِهَا، فَلَا تَكُونُ طَاهِرَةً بِيَقِينٍ إِلَّا بِالْغُسْلِ (وَتَفْعَلُ ذَلِكَ) أَيْ: مِثْلَ جُلُوسِهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَغُسْلِهَا عِنْدَ آخِرِهِمَا، وَعِنْدَ الِانْقِطَاعِ (ثَلَاثًا) لِأَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِهَا فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» هِيَ صِيغَةُ جَمْعٍ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ، وَلِأَنَّ مَا اعْتُبِرَ لَهُ التَّكْرَارُ اعْتُبِرَ فِيهِ الثَّلَاثُ، كَالْأَقْرَاءِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ وَالشُّهُورِ، وَخِيَارِ الْمُصَرَّاةِ، وَمُهْلَةِ الْمُرْتَدِّ، فَعَلَى هَذَا تَجْلِسُ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ، وَقَالَ الْقَاضِي: فِي الثَّالِثِ.
[الاستحاضة]
صَارَ عَادَةً، وَانْتَقَلَتْ إِلَيْهِ، وَأَعَادَتْ مَا صَامَتْهُ مِنَ الْفَرْضِ فِيهِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَصِيرُ عَادَةً مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، فَإِنْ كَانَ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا بَعْضُهُ ثَخِينٌ أَسْوَدُ مُنْتِنٌ، وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ أَحْمَرُ، فَحَيْضُهَا زَمَنَ الدَّمِ الْأَسْوَدِ، وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ (فَإِنْ كَانَ فِي) الْأَشْهُرِ (الثَّلَاثِ عَلَى قَدْرٍ) أَيْ: لِمِقْدَارٍ (وَاحِدٍ صَارَ عَادَةً) لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَوْ تَكَرَّرَ مُخْتَلِفًا كَخَمْسَةٍ مِنَ الْأَوَّلِ، وَسَبْعَةٍ فِي الثَّانِي، وَعَشَرَةٍ فِي الثَّالِثِ، فَالْمُتَكَرِّرُ حَيْضٌ دُونَ غَيْرِهِ (وَانْتَقَلَتْ إِلَيْهِ) أَيْ: لَزِمَهَا جُلُوسُهُ (وَأَعَادَتْ مَا صَامَتْهُ مِنَ الْفَرْضِ فِيهِ) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا فِعْلَهُ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، وَكَذَا حُكْمُ غَيْرِهِ مِنَ اعْتِكَافٍ وَاجِبٍ وَطَوَافٍ، لَكِنْ إِنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا وَلَمْ يَعُدْ، أَوْ أَيِسَتْ قَبْلَ التَّكْرَارِ لَمْ تَقْضِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ) أَيِ: الدَّمُ (يَصِيرُ عَادَةً) بِتَكَرُّرِهِ (مَرَّتَيْنِ) لِأَنَّ الْعَادَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُعَاوَدَةِ، وَقَدْ عَاوَدَهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فَتَجْلِسُ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ. وَقَالَ الْقَاضِي: بَلْ فِي الثَّانِي، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فَإِنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ يَقْتَضِيهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ. [الِاسْتِحَاضَةُ] (فَإِنْ جَاوَزَ) الدَّمُ (أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ الدَّمَ كُلَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا. وَالِاسْتِحَاضَةُ: سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ مِنَ الْعِرْقِ الْعَاذِلِ - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - وَقِيلَ: الْمُهْمَلَةِ حَكَاهُمَا ابْنُ سِيدَهْ، وَالْعَاذِرُ لُغَةٌ فِيهِ: مِنْ أَدْنَى الرَّحِمِ دُونَ قَعْرِهِ، إِذِ الْمَرْأَةُ لَهَا فَرْجَانِ، دَاخِلٌ بِمَنْزِلَةِ الدُّبُرِ، مِنْهُ الْحَيْضُ، وَخَارِجٌ كَالْأَلْيَتَيْنِ، مِنْهُ الِاسْتِحَاضَةُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَكْرَارٍ، صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِظَاهِرِ حَدِيثِ حَمْنَةَ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا قَبْلَ تَكْرَارِهَا ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ عَلَى الْخِلَافِ، ثُمَّ هِيَ لَا تَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَمَيِّزًا أَوْ غَيْرَهُ، فَقَالَ: (فَإِنْ كَانَ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا بَعْضُهُ ثَخِينٌ أَسْوَدُ مُنْتِنٌ، وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ أَحْمَرُ، فَحَيْضُهَا زَمَنَ الدَّمِ الْأَسْوَدِ) مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَلَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَقَلِّهِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَا يَنْقُصُ غَيْرُهُ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQأَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؛ فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظِ النَّسَائِيِّ: «إِذَا كَانَ الْحَيْضُ، فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي، وَصَلِّي، فَإِنَّمَا هُوَ دَمُ عِرْقٍ» وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ الْفَرْجِ يُوجِبُ الْغُسْلَ فَرَجَعَ إِلَى صِفَتِهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ كَالْمَنِيِّ، وَالْمَذْيِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهَا إِذَا عَرَفَتِ التَّمْيِيزَ جَلَسَتْ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يَتَمَيَّزَ أَحَدُ الدَّمَيْنِ عَنِ الْآخَرِ فِي الصِّفَةِ، وَهَذَا يُوجَدُ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَالتَّمْيِيزُ يَحْصُلُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ، وَاعْتَبَرَ أَبُو الْمَعَالِي اللَّوْنَ فَقَطْ، فَالْأَسْوَدُ أَقْوَى، ثُمَّ الْأَحْمَرُ، ثُمَّ الْأَشْقَرُ، وَكَرِيهُ الرَّائِحَةِ أَقْوَى، وَالثَّخِينُ أَقْوَى مِنَ الرَّقِيقِ، فَإِنْ تَعَارَضَتِ الصِّفَاتُ، فَذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِالْكَثْرَةِ، فَإِنِ اسْتَوَتْ، رُجِّحَ بِالسَّبْقِ. (وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ) فَيَصِيرُ حُكْمُهَا حُكْمَ الطَّاهِرَاتِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْأَوَّلِ وَتَصُومُ، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ كَمَا يَأْتِي. 1 - تَنْبِيهٌ: تَقَدَّمَ أَنَّ دَلَالَةَ التَّمْيِيزِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَكْرَارٍ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: تَجْلِسُ الْمُمَيِّزَةُ مِنَ التَّمْيِيزِ مَا تَكَرَّرَ، فَعَلَى هَذَا إِذَا رَأَتْ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً أَحْمَرَ، ثُمَّ خَمْسَةً أَسْوَدَ، ثُمَّ أَحْمَرَ، وَاتَّصَلَ، جَلَسَتْ زَمَانَ الْأَسْوَدِ، وَهَلْ تَجْلِسُهُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ أَوِ الرَّابِعِ؛ يُخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ، وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ لَا تَزِيدَ مُدَّةُ الدَّمَيْنِ عَلَى شَهْرٍ فِي وَجْهٍ، فَلَوْ رَأَتْ عَشَرَةً أَسْوَدَ، ثُمَّ ثَلَاثِينَ أَحْمَرَ، فَحَيْضُهَا زَمَنُ الْأَسْوَدِ، وَفِي آخَرَ: مَتَى زَادَتْ مُدَّتُهُمَا عَلَى شَهْرٍ، بَطَلَتْ دَلَالَةُ التَّمْيِيزِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى الْأَسْوَدِ، فَإِنْ نَقَصَ التَّمْيِيزُ عَنِ الْأَكْثَرِ، فَطُهْرُهَا بَعْدَهُ إِلَى الْأَكْثَرِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، تَفْعَلُ فِيهِ كَالْمُعْتَادِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا. وَهَلْ يُبَاحُ وَطْؤُهَا؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ طُهْرٌ، بِيَقِينٍ فَإِنْ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا، قَعَدَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ غَالِبَ الْحَيْضِ. وَعَنْهُ: أَقَلَّهُ، وَعَنْهُ: أَكْثَرَ، وَعَنْهُ: عَادَةَ نِسَائِهَا، كَأُمِّهَا وَأُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQرَأَتْ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا أَحْمَرَ، ثُمَّ بَاقِيَ الشَّهْرِ أَسْوَدَ، فَحَيْضُهَا زَمَنَ الْأَسْوَدِ فِي الْأَصَحِّ، وَالثَّانِي: تَجْلِسُ مِنَ الْأَحْمَرِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ تَجْلِسُ الْأَسْوَدَ، وَمَتَى بَطَلَتْ دَلَالَةُ التَّمْيِيزِ، فَهَلْ تَجْلِسُ مَا تَجْلِسُهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، وَعَنْهُ: لَا تَسْقُطُ دَلَالَةُ التَّمْيِيزِ، وَإِنْ عَبَرَ الْأَكْثَرَ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجْلِسَ زِيَادَةً عَلَى الْأَكْثَرِ، وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا قَعَدَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ غَالِبَ الْحَيْضِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رُوِيَ أَنَّ حَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً شَدِيدَةً كَبِيرَةً، قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، فَقَالَ: تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، ثُمَّ اغْتَسِلِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، وَعَمَلًا بِالْغَالِبِ، وَلِأَنَّهَا تُرَدُّ إِلَى غَالِبِ الْحَيْضِ وَقْتًا، فَكَذَا قَدْرًا فَعَلَى هَذَا تَجْتَهِدُ فِي السِّتِّ وَالسَّبْعِ، وَقِيلَ: تُخَيَّرُ، وَتُفَارِقُ الْمُبْتَدَأَةُ فِي جُلُوسِهَا الْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا أَوَّلُ مَا تَرَى الدَّمَ تَرْجُو انْكِشَافَ أَمْرِهَا عَنْ قُرْبٍ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهَا دَمٌ فَاسِدٌ، وَإِذَا عُلِمَ اسْتِحَاضَتُهَا فَقَدِ اخْتَلَطَ الْحَيْضُ بِالْفَاسِدِ يَقِينًا، وَلَيْسَ قَرِينَةً، فَلِذَلِكَ رُدَّتْ إِلَى الْغَالِبِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ (وَعَنْهُ: أَقَلَّهُ) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي " التَّذْكِرَةِ "، لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَكَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ (وَعَنْهُ: أَكْثَرَهُ) اخْتَارَهُ فِي " الْمُغْنِي " لِأَنَّهُ زَمَانُ الْحَيْضِ، فَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ فِي جلسَته كَالْمُعْتَادَةِ (وَعَنْهُ: عَادَةَ نِسَائِهَا كَأُمِّهَا، وَأُخْتِهَا، وَعَمَّتِهَا، وَخَالَتِهَا) لِأَنَّ الْغَالِبَ شَبَهُهَا بِهِنَّ، وَقِيَاسًا عَلَى الْمَهْرِ، وَتُقَدَّمُ الْقُرْبَى، فَالْقُرْبَى، فَإِنِ اخْتَلَفَتْ عَادَتُهُنَّ جَلَسَتِ الْأَقَلَّ، وَقِيلَ: الْأَكْثَرَ، وَقِيلَ: تَتَحَرَّى، فَإِنْ عُدِمَ الْأَقَارِبُ اعْتُبِرَ الْغَالِبُ. زَادَ ابْنُ حَمْدَانَ: مِنْ نِسَاءِ بَلَدِهَا (وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ) فِي " هِدَايَتِهِ " وَتَبِعَهُ فِي " الْكَافِي " (فِي
[إن استحيضت المعتادة]
أَوَّلَ مَا تَرَى الدَّمَ الرِّوَايَاتِ الْأَرْبَعَ، وَإِنِ اسْتُحِيضَتِ الْمُعْتَادَةُ رَجَعَتْ إِلَى عَادَتِهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُبْتَدَأَةِ أَوَّلَ مَا تَرَى الدَّمَ الرِّوَايَاتِ الْأَرْبَعَ) الْأُولَى: أَنَّهَا تَجْلِسُ الْأَقَلَّ، لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَالثَّانِيَةُ: تَجْلِسُ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، لِأَنَّهُ الْغَالِبُ، وَالثَّالِثَةُ: تَجْلِسُ عَادَةَ نِسَائِهَا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَبَهُهَا بِهِنَّ، وَالرَّابِعَةُ: تَجْلِسُ مَا تَرَاهُ مِنَ الدَّمِ، مَا لَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ قِيَاسًا عَلَى أَقَلِّهِ، وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ الْمُبْتَدَأَةِ، شَرَعَ فِي أَقْسَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ الْمُعْتَادَةِ، وَلَهَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: [إِنِ اسْتُحِيضَتِ الْمُعْتَادَةُ] (وَإِنِ اسْتُحِيضَتِ الْمُعْتَادَةُ) وَهِيَ الَّتِي تَعْرِفُ شَهْرَهَا وَوَقْتَ حَيْضِهَا مِنْهُ، وَطُهْرِهَا، وَشَهْرُهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَرَى فِيهِ حَيْضًا، وَطُهْرًا، وَأَقَلُّهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَغَالِبُهُ الشَّهْرُ الْمَعْرُوفُ (رَجَعَتْ إِلَى عَادَتِهَا) إِلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَهِيَ مَا إِذَا كَانَتْ ذَاكِرَةً لِعَادَتِهَا، وَهِيَ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ، أَوْ يَكُونُ الدَّمُ الَّذِي يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ يَنْقُصُ عَنْ أَقَلِّهِ، أَوْ يَزِيدُ عَلَى أَكْثَرِهِ، فَهَذِهِ تَجْلِسُ قَدْرَ عَادَتِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ بَعْدَهَا، وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَتُصَلِّي لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَادَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُتَّفِقَةٌ، وَمُخْتَلِفَةٌ، فَالْمُتَّفِقَةُ: أَنْ تَكُونَ أَيَّامًا مُتَسَاوِيَةً، كَسَبْعَةٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ، فَإِذَا اسْتُحِيضَتْ جَلَسَتْهَا فَقَطْ، وَالْمُخْتَلِفَةُ قِسْمَانِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى تَرْتِيبٍ، مِثْلَ أَنْ تَرَى فِي شَهْرٍ ثَلَاثَةً، وَفِي الثَّانِي أَرْبَعَةً، وَفِي الثَّالِثِ خَمْسَةً، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ إِذَا اسْتُحِيضَتْ فِي شَهْرٍ، فَعَرَفَتْ نَوْبَتَهُ عَمِلَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَسِيَتْ نَوْبَتَهُ جَلَسَتِ الْأَوَّلَ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وَتُصَلِّي بَقِيَّةَ الشَّهْرِ، وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَشَكَّتْ هَلْ هُوَ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثُ جَلَسَتْ أَرْبَعَةً، لِأَنَّهَا الْيَقِينُ، ثُمَّ تَجْلِسُ فِي الشَّهْرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً، وَفِي الرَّابِعِ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الثَّلَاثَةِ كَذَلِكَ أَبَدًا، وَيَكْفِيهَا غُسْلٌ وَاحِدٌ، عِنْدَ انقضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي جَلَسَتْهَا كَالنَّاسِيَةِ، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ أَيْضًا عِنْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِ عَادَتِهَا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ
وَإِنْ كَانَتْ، وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَإِنْ نَسِيَتِ الْعَادَةَ، عَمِلَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَرْتِيبٍ، مِثْلَ أَنْ تَحِيضَ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَةً، وَفِي الثَّانِي خَمْسَةً، وَفِي الثَّالِثِ أَرْبَعَةً، فَإِنْ أَمْكَنَ ضَبْطُهُ بِحَيْثُ لَا يَخْتَلِفُ فَهُوَ كَالْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ضَبْطُهُ جَلَسَتِ الْأَقَلَّ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَاغْتَسَلَتْ عَقِيبَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهَا تَجْلِسُ أَكْثَرَ عَادَتِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ كَالنَّاسِيَةِ لِلْعَدَدِ، وَبَعَّدَهُ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إِذْ فِيهِ أَمْرُهَا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَإِسْقَاطِهَا عَنْهَا مَعَ يَقِينِ الْوُجُوبِ، بِخِلَافِ النَّاسِيَةِ لَا نَعْلَمُ عَلَيْهَا صَلَاةً وَاجِبَةً يَقِينًا، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَيْضِ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الثَّانِي، وَهُوَ إِذَا اجْتَمَعَتِ الْعَادَةُ، وَالتَّمْيِيزُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَتْ) أَيْ: تُقَدِّمُ الْعَادَةَ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: «أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الدَّمِ فَقَالَ لَهَا: امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مُسْتَحَاضَةٍ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ أَقْوَى لِكَوْنِهَا لَا تَبْطُلُ دَلَالَتُهَا بِخِلَافِ اللَّوْنِ، فَإِنَّهُ إِذَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ تَبْطُلُ دَلَالَتُهُ. (وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ) عَلَى الْعَادَةِ بِشَرْطِهِ (وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ) وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِفَاطِمَةَ: «فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ» وَلِأَنَّ صِفَةَ الدَّمِ أَمَارَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ، وَالْعَادَةَ بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَرَجَعَ إِلَى صِفَتِهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ كَالْمَنِيِّ، وَغَيْرِهِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنَ الْعَادَةِ أَوْ أَقَلَّ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا فَلَوِ اتَّفَقَتِ الْعَادَةُ، وَالتَّمْيِيزُ عُمِلَ بِهِمَا. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْخِلَافِ مَسَائِلُ: مِنْهَا: إِذَا كَانَ حَيْضُهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ، فَاسْتُحِيضَتْ، وَصَارَتْ تَرَى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسْوَدَ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ، فَمَنْ قَدَّمَ الْعَادَةَ، قَالَ: تَجْلِسُ الْخَمْسَةَ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ، وَمَنْ قَدَّمَ التَّمْيِيزَ قَالَ: تَجْلِسُ الثَّلَاثَةَ الَّتِي فِيهَا الْأَسْوَدُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي. وَمِنْهَا: إِذَا كَانَ حَيْضُهَا سَبْعًا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ فَاسْتُحِيضَتْ، وَصَارَتْ تَرَى سَبْعَةً أَسْوَدَ، ثُمَّ يَصِيرُ أَحْمَرَ، وَيَتَّصِلُ، فَالْأَسْوَدُ حَيْضٌ عَلَيْهِمَا، لِمُوَافَقَتِهِ الْعَادَةَ، وَالتَّمْيِيزَ، وَإِنْ رَأَتْ مَكَانَ الْأَسْوَدِ أَحْمَرَ، ثُمَّ صَارَ أَسْوَدَ، وَعَبَرَ، سَقَطَ حُكْمُ الْأَسْوَدِ لِعُبُورِهِ أَكْثَرَ
بِالتَّمْيِيزِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ، جَلَسَتْ غَالِبَ الْحَيْضِ، وَعَنْهُ: أَقَلَّهُ. وَقِيلَ: فِيهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQالْحَيْضِ، وَحَيْضُهَا الْأَحْمَرُ لِمُوَافَقَتِهِ الْعَادَةَ، وَإِنْ رَأَتْ مَكَانَ الْعَادَةِ أَحْمَرَ، ثُمَّ رَأَتْ خَمْسَةً أَسْوَدَ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ، وَاتَّصَلَ، فَمَنْ قَدَّمَ الْعَادَةَ أَجْلَسَهَا أَيَّامَهَا، وَمَنْ قَدَّمَ التَّمْيِيزَ جَعَلَ الْأَسْوَدَ وَحْدَهُ حَيْضًا. 1 - (وَإِنْ نَسِيَتِ الْعَادَةَ) هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَهِيَ الَّتِي لَهَا تَمْيِيزٌ وَعَادَةٌ، وَقَدْ أُنْسِيَتْهَا (عَمِلَتْ بِالتَّمْيِيزِ) بِشَرْطِهِ لِمَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَمَيِّزُ مُتَّفِقًا مِثْلَ أَنْ تَرَى فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةً أَسْوَدَ، ثُمَّ يَصِيرُ أَحْمَرَ، وَيَعْبُرُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، أَوْ مُخْتَلِفًا، مِثْلَ أَنْ تَرَى فِي الْأَوَّلِ خَمْسَةً أَسْوَدَ، وَفِي الثَّانِي أَرْبَعَةً، وَفِي الثَّالِثِ ثَلَاثَةً، أَوْ بِالزِّيَادَةِ فِيهِمَا، فَالْأَسْوَدُ حَيْضٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَظَاهِرُهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَكْرَارٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَذَكَرَ فِي " الرِّعَايَةِ ": فِيهَا الرِّوَايَاتُ الْأَرْبَعُ. 1 - (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ جَلَسَتْ غَالِبَ الْحَيْضِ) هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَهِيَ النَّاسِيَةُ لِلْعَادَةِ وَلَا تَمْيِيزَ لَهَا، وَلَهَا ثَلَاثُ أَحْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ نَاسِيَةً لِوَقْتِهَا وَعَدَدِهَا، وَهَذِهِ تُسَمَّى الْمُتَحَيِّرَةَ، لِأَنَّهَا قَدْ تَحَيَّرَتْ فِي حَيْضِهَا، وَحُكْمُهَا أَنْ تَجْلِسَ غَالِبَ الْحَيْضِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ لِحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَفْصِلْهَا: هَلْ هِيَ مُبْتَدَأَةٌ أَوْ نَاسِيَةٌ؛ وَلَوِ افْتَرَقَ الْحَالُ لَسَأَلَهَا، وَكَوْنُهَا نَاسِيَةً أَكْثَرُ، فَإِنَّ حَمْنَةَ امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَلَمْ يَسْأَلْهَا عَنْ تَمْيِيزِهَا وَلَا عَادَتِهَا، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ نَاسِيَةً - فَعَلَى هَذَا إِنْ
الرِّوَايَاتُ الْأَرْبَعُ، وَإِنْ عَلِمَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا وَنَسِيَتْ مَوْضِعَهَا، جَلَسَتْهَا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَانَتْ تَعْرِفُ شَهْرَهَا جَلَسَتْ ذَلِكَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ عَادَتُهَا فَتُرَدُّ إِلَيْهَا كَمَا تُرَدُّ الْمُعْتَادَةُ إِلَى عَادَتِهَا، إِلَّا أَنَّهُ مَتَى كَانَ شَهْرُهَا أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا، لَمْ تَجْلِسْ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنَ الْفَاضِلِ عَنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ لِئَلَّا يَنْقُصَ الطُّهْرُ عَنْ أَقَلِّهِ، وَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ شَهْرَهَا جَلَسَتْ مِنَ الشَّهْرِ الْمُعْتَادِ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ غَالِبُ عَادَاتِ النِّسَاءِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَيْضُهَا، وَتَجْتَهِدُ فِي السِّتِّ وَالسَّبْعِ، فَمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا جَلَسَتْهُ، صَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: أَنَّهَا تُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، كَالْوَطْءِ فِيهِ يُتَخَيَّرُ فِي التَّكْفِيرِ بَيْنَ دِينَارٍ وَنِصْفِهِ، لِأَنَّ " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ، وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ لِلِاجْتِهَادِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4] ، و" إِمَّا " كَـ " أَوْ "، وَلَمْ يَعْرِضْ لِوَقْتِ إِجْلَاسِهَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ (وَعَنْهُ: أَقَلَّهُ) لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا تَدَعُ الْعِبَادَةَ لِأَجْلِهِ، وَجَعَلَهُ فِي " الْكَافِي " مُخَرَّجًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ. (وَقِيلَ: فِيهَا الرِّوَايَاتُ الْأَرْبَعُ) لَوِ اقْتَصَرَ فِي حِكَايَةِ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ لَكَانَ أَوْلَى، وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي: يَتَخَرَّجُ فِيهَا الرِّوَايَتَانِ الْأُخْرَيَانِ كَالْمُبْتَدَأَةِ، لِأَنَّ بِنِسْيَانِ الْعَادَةِ صَارَتْ عَادِمَةً لَهَا، فَهِيَ كَمَنْ عَدِمَتِ الْعَادَةَ، وَهِيَ تَجْلِسُ عَادَةَ نِسَائِهَا، وَالْأَكْثَرُ وَالْمَشْهُورُ انْتِفَاؤُهُمَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ اسْتِحَاضَتَهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَكْرَارٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَحَكَى الْقَاضِي وَجْهًا أَنَّهَا لَا تَجْلِسُ شَيْئًا، بَلْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَتُصَلِّي، وَتَصُومُ، وَيُمْنَعُ الزَّوْجُ مِنْ وَطْئِهَا، وَتَقْضِيَ الصَّوْمَ الْوَاجِبَ. (وَإِنْ عَلِمَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا، وَنَسِيَتْ مَوْضِعَهَا) هَذَا هُوَ الْحَالُ الثَّانِي مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِيَةِ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَعْلَمَ الْعَدَدَ، وَلَا تَعْلَمَ الْوَقْتَ أَصْلًا، مِثْلَ أَنْ تَعْلَمَ
شَهْرٍ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ تَجْلِسُهَا بِالتَّحَرِّي، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَوْضِعِ حَيْضِ مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ، وَإِنْ عَلِمَتْ أَيَّامَهَا فِي وَقْتٍ مِنَ الشَّهْرِ، كَنِصْفِهِ الْأَوَّلِ، جَلَسَتْهَا فِيهِ إِمَّا مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ بِالتَّحَرِّي عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنَّ حَيْضَهَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ مَثَلًا مِنَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ (جَلَسَتْهَا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ) هِلَالِيٍّ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَلَمْ يُفَرِّقُوا، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ حَيْضَ حَمْنَةَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، وَالصَّلَاةَ فِي بَقِيَّتِهِ، وَلِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ جِبِلَّةٌ، وَالِاسْتِحَاضَةَ عَارِضَةٌ، فَإِذَا رَأَتْهُ وَجَبَ تَغْلِيبُ دَمِ الْحَيْضِ، وَقِيلَ: تَجْلِسُ فِي تَمْيِيزٍ لَا يُعْتَدُّ بِهِ إِنْ كَانَ، لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِدَمِ الْحَيْضِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ تَمِيمٍ (وَفِي الْآخَرِ: تَجْلِسُهَا بِالتَّحَرِّي) قِيلَ: هُوَ الصَّوَابُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَدَّهَا إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْعَدَدِ فَكَذَا فِي الْوَقْتِ، وَلِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْهِلَالِ فِي أَمْرِ الْحَيْضِ بِوَجْهٍ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: إِنْ ذَكَرَتْ أَوَّلَ الدَّمِ، كَمُعْتَادَةٍ انْقَطَعَ حَيْضُهَا أَشْهُرًا، ثُمَّ جَاءَ الدَّمُ خَامِسَ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ مَثَلًا، وَاسْتَمَرَّ، وَقَدْ أُنْسِيَتِ الْعَادَةَ، فَالْوَجْهَانِ الْأَخِيرَانِ. وَالثَّالِثُ: تَجْلِسُ مَجِيءَ الدَّمِ مِنْ خَامِسِ كُلِّ شَهْرٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ حَمْنَةَ ابْتِدَاءً بِجُلُوسِ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ، ثُمَّ تَصُومُ، وَتُصَلِّي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ، وَقَالَ: «فَافْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ» وَلَيْسَ حَيْضُ النِّسَاءِ عِنْدَ رُءُوسِ الْأَهِلَّةِ غَالِبًا، وَمَتَى تَعَذَّرَ التَّحَرِّي بِأَنْ يَتَسَاوَى عِنْدَهَا الْحَالُ، وَلَمْ تَظُنَّ شَيْئًا، أَوْ تَعَذَّرَ الْأَوَّلِيَّةُ، عَمِلَتْ بِالْآخَرِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي: إِذَا عَلِمَتْ قَدْرَ عَادَتِهَا وَجَهِلَتْ مَوْضِعَهَا بِأَنْ قَالَتْ: حَيْضَتِي أَحَدُ أَعْشَارِ الشَّهْرِ، فَإِنَّهَا لَا تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَلَا الصَّلَاةَ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ كُلَّمَا مَضَى قَدْرُ عَادَتِهَا وَيُمْنَعُ وَطْؤُهَا، وَتَقْضِي مِنَ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ بِقَدْرِهَا، وَكَذَا الطَّوَافُ، وَعَنْهُ: لَا تَجْلِسُ شَيْئًا. (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَوْضِعِ حَيْضِ مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ) يَعْنِي أَنَّ فِيهِمَا الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ تُشَارِكُ مَنْ نَسِيَتْ مَوْضِعَ حَيْضِهَا فِي تَعَذُّرِ الْجُلُوسِ فِي زَمَنٍ مُحَقَّقٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ لَهَا حُكْمُهَا، لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ يُوجِبُ الْمُسَاوَاةَ، وَفِيهَا وَجْهٌ آخَرُ، وَالْمَذْهَبُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهَا تَجْلِسُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ (وَإِنْ عَلِمَتْ أَيَّامَهَا فِي وَقْتٍ مِنَ الشَّهْرِ كَنِصْفِهِ الْأَوَّلِ) هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي، وَهِيَ أَنْ تَعْلَمَ
عَلِمَتْ مَوْضِعَ حَيْضِهَا، وَنَسِيَتْ عَدَدَهُ جَلَسَتْ فِيهِ غَالِبَ الْحَيْضِ أَوْ أَقَلَّهُ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ تَغَيَّرَتِ الْعَادَةُ بِزِيَادَةٍ أَوْ تَقَدُّمٍ أَوْ تَأَخُّرٍ أَوِ انْتِقَالٍ، فَالْمَذْهَبُ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنَّهَا كَانَتْ تَحِيضُ أَيَّامًا مَعْلُومَةً مِنَ الْعَشْرِ الْأُوَلِ (جَلَسَتْهَا) أَيِ: الْأَيَّامَ (فِيهِ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ دُونَ غَيْرِهِ، لِأَنَّ مَا عَدَاهُ طُهْرٌ بِيَقِينٍ (إِمَّا مِنْ أَوَّلِهِ) وَصَحَّحَهُ جَمْعٌ (أَوْ بِالتَّحَرِّي عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ) الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمَا فِيمَنْ نَسِيَتْ مَوْضِعَ حَيْضِهَا. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَدَدُ أَيَّامِهَا، إِمَّا أَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَلَى نِصْفِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ يَكُونَ نِصْفَ الْمُدَّةِ فَأَقَلَّ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّكَ تَضُمُّ الزَّائِدَ إِلَى مِثْلِهِ مِمَّا قَبْلَهُ، فَهُوَ حَيْضٌ بِيَقِينٍ، فَإِذَا قَالَتْ: حَيْضَتِي سَبْعَةُ أَيَّامٍ مِنَ الْعَشْرِ الْأُوَلِ، فَقَدْ زَادَتْ يَوْمَيْنِ عَلَى نِصْفِ الْوَقْتِ، فَتَضُمُّهَا إِلَى مِثْلِهَا، فَيَصِيرُ لَهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ حَيْضًا بِيَقِينٍ، وَهِيَ مِنْ أَوَّلِ الرَّابِعِ إِلَى آخِرِ السَّابِعِ، وَيَبْقَى لَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ تَجْلِسُهَا مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ، أَوْ بِالتَّحَرِّي، فَيَكُونُ ذَلِكَ حَيْضًا مَشْكُوكًا فِيهِ، وَحُكْمُهُ كَالْمُتَيَقَّنِ فِي تَرْكِ الْعِبَادَاتِ، وَيَبْقَى لَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ طُهْرًا مَشْكُوكًا فِيهِ، حُكْمُهُ كَالْمُتَيَقَّنِ فِي وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ، وَسَائِرُ الشَّهْرِ طُهْرٌ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلَيْسَ لَهَا حَيْضٌ بِيَقِينٍ، لِأَنَّهَا مَتَى كَانَتْ تَحِيضُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ الْخَمْسَةَ الْأُولَى، وَأَنْ يَكُونَ الثَّانِيَةَ، وَأَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا مِنَ الْأُولَى، وَبَاقِيهَا مِنَ الثَّانِيَةِ، فَحِينَئِذٍ تَجْلِسُهَا عَلَى الْخِلَافِ، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ فِي النَّاسِيَةِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " لِأَنَّهَا عَرَفَتِ اسْتِحَاضَتَهَا فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّكْرَارِ. 1 - (وَإِنْ عَلِمَتْ مَوْضِعَ حَيْضِهَا، وَنَسِيَتْ عَدَدَهُ) هَذَا هُوَ الْحَالُ الثَّالِثُ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِيَةِ، وَهِيَ النَّاسِيَةُ لِعَدَدِهَا دُونَ وَقْتِهَا (جَلَسَتْ فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ دُونَ غَيْرِهِ، كَمَنْ تَعْلَمُ أَنَّ حَيْضَهَا فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ، فَهِيَ فِي قَدْرِ مَا تَجْلِسُهُ كَالْمُتَحَيِّرَةِ، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ (غَالِبَ الْحَيْضِ أَوْ أَقَلَّهُ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ) الْمَنْصُوصَتَيْنِ، وَالْأَكْثَرَ، وَعَادَةَ نِسَائِهَا عَلَى الْمُخَرَّجَتَيْنِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَجْلِسُ الْغَالِبَ مِنَ الْعَشْرِ، وَهَلْ هُوَ مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ بِالتَّحَرِّي؛ عَلَى الْخِلَافِ، فَإِذَا عَلِمَتِ ابْتِدَاءَهُ بِأَنْ قَالَتْ: حَيْضِي كَانَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ حَيْضٌ يَقِينًا، فَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْأَقَلِّ، لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا
[إن تغيرت العادة بزيادة]
أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إِلَى مَا خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ، حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالْغَالِبِ جَلَسَتْ تَمَامَهُ مِنَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ، فَيَكُونُ حَيْضًا مَشْكُوكًا فِيهِ، وَبَقِيَّةُ النِّصْفِ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ: تَغْتَسِلُ عَقِيبَ الْيَوْمِ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إِلَى الْخَامِسَ عَشَرَ، وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ، وَإِنْ عَلِمَتْ آخِرَهُ، بِأَنْ قَالَتْ: كَانَ آخِرُ حَيْضَتِي مَعَ آخِرِ الشَّهْرِ، وَلَا أَعْلَمُ أَوَّلَهُ، فَالْيَوْمُ الْأَخِيرُ حَيْضٌ بِيَقِينٍ، وَيُكْتَفَى بِهِ عَلَى الْأَقَلِّ، وَعَلَى الْغَالِبِ تُضِيفُ إِلَيْهِ مِنَ النِّصْفِ الْأَخِيرِ تَمَامَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ، فَيَكُونُ حَيْضًا مَشْكُوكًا فِيهِ، وَبَقِيَّةُ النِّصْفِ طُهْرًا مَشْكُوكًا فِيهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: مِنْ أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي إِلَى التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، تَصُومُ، وَتُصَلِّي، وَتَقْضِي الصَّوْمَ، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، وَلَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا، وَإِنْ جَهِلَتْ طَرَفَيْ حَيْضِهَا بِأَنْ قَالَتْ: كُنْتُ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ حَائِضًا لَا أَعْلَمُ هَلْ هُوَ طَرَفُ الْحَيْضَةِ أَوْ وَسَطُهَا، وَلَا أَعْلَمُ هَلْ هُوَ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا، فَالْيَوْمُ الْأَوَّلُ حَيْضٌ يَقِينًا، وَالسَّادِسَ عَشَرَ طُهْرٌ يَقِينًا، وَبَقِيَّةُ النِّصْفِ مَشْكُوكٌ فِيهِ. فَعَلَى الْأَقَلِّ تَجْلِسُهُ فَقَطْ، وَعَلَى الْغَالِبِ تُضِيفُ إِلَيْهِ تَمَامَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ، إِنْ قُلْنَا: تَجْلِسُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ بِالتَّحَرِّي. مَسْأَلَةٌ: إِذَا ذَكَرَتِ النَّاسِيَةُ عَادَتَهَا رُدَّتْ إِلَيْهَا، وَالْمُعْتَادَةُ كَمَا تَقَدَّمَ مَنْ عَلِمَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا، فَإِنْ جَهِلَتْهُمَا، أَوِ الطُّهْرَ وَحْدَهُ رُدَّتْ إِلَى الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ عَمَلًا بِالْغَالِبِ، وَلِأَنَّ تَرْكَهَا لِعَارِضِ النِّسْيَانِ، وَقَدْ زَالَ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا تَرَكَتِ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ عَادَتِهَا لَزِمَهَا إِعَادَتُهَا، وَقَضَاءُ مَا فَعَلَتْهُ مِنَ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ، وَنَحْوِهِ فِي عَادَتِهَا. [إِنْ تَغَيَّرَتِ الْعَادَةُ بِزِيَادَةٍ] (وَإِنْ تَغَيَّرَتِ الْعَادَةُ بِزِيَادَةٍ) مِثْلَ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا خَمْسَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَتَصِيرَ سِتَّةً وَنَحْوَهَا (أَوْ تَقَدُّمٍ) مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عَادَتُهَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ سِتَّةً فَتَصِيرَ يَوْمَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ السَّابِقِ، وَأَرْبَعَةً مِنَ الثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي تَحِيضُ فِيهِ (أَوْ تَأَخُّرٍ) مِثْلَ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا خَمْسَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَتَصِيرُ خَمْسَةً فِي ثَانِيهِ (أَوِ انْتِقَالٍ) مِثْلَ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا الْخَمْسَةَ الْأُوَلَ، فَتَصِيرَ الْخَمْسَةَ الثَّانِيَةَ، لَكِنْ لَمْ يَذَكُرْهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " وَلَا " الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ (فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إِلَى مَا خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اجْلِسِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّ لَهَا عَادَةً، فَتُرَدُّ
الرِّوَايَتَيْنِ، وَعِنْدِي أَنَّهَا تَصِيرُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ، وَإِنْ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQإِلَيْهَا كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَتَصُومُ، وَتُصَلِّي فِي الْخَارِجِ عَنِ الْعَادَةِ، وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا فَيَجِبُ تَرْكُ وَطْئِهَا احْتِيَاطًا، كَمَا وَجَبَتِ الْعِبَادَةُ احْتِيَاطًا، لَكِنَّهَا تَغْتَسِلُ عَقِيبَ الْعَادَةِ، وَعِنْدَ انْقِضَاءِ الدَّمِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا كَمَا قُلْنَاهُ فِي الْمُبْتَدَأَةِ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبِ الْغُسْلُ عَقِيبَ الْخَارِجِ عَنِ الْعَادَةِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": لَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْأَصَحِّ لِمَا زَادَ عَنِ الْعَادَةِ إِنِ اعْتُبِرَ تَكْرَارُهُ، وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَفِي كَرَاهَةِ الْوَطْءِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ إِنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا وَلَمْ يَعُدْ، أَوْ يَئِسَتْ قَبْلَ التَّكْرَارِ لَمْ تَقْضِ (حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَهُوَ الْأَشْهَرُ فَعَلَى هَذَا تَجْلِسُ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ (أَوْ مَرَّتَيْنِ) فَتَنْتَقِلُ مِنَ الشَّهْرِ الثَّالِثِ، وَقِيلَ: الثَّانِي (عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ) نَقَلَهُمَا عَنْهُ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ. فَعَلَيْهَا إِذَا تَكَرَّرَ صَارَ عَادَةً، وَأَعَادَتْ مَا فَعَلَتْهُ مِنَ الصِّيَامِ وَالطَّوَافِ الْوَاجِبِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فِي وُجُوبِ إِعَادَتِهِ قَبْلَ التَّكْرَارِ وَجْهَانِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: الزَّائِدُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكْرَارٍ وَحْدَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: إِلَّا فِي التَّمْيِيزِ. (وَعِنْدِي أَنَّهَا تَصِيرُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ) قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَشْبَهُ، وَحَكَاهُ فِي " الرِّعَايَةِ " قَوْلًا، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " رِوَايَةً، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرَجَةِ فِيهَا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ، فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَمَعْنَاهُ: لَا تَعْجَلْنَ بِالْغُسْلِ، وَمَعْنَى الْقَصَّةِ أَنْ تُدْخَلَ الْقُطْنَةُ فِي فَرْجِهَا فَتَخْرُجَ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَتْبَعُ الْحَيْضَةَ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْعَادَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَعْدُدْنَ مَا يَرَيْنَهُ مِنَ الدَّمِ حَيْضًا مِنْ غَيْرِ افْتِقَادِ عَادَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُنَّ جَرَيْنَ عَلَى الْعُرْفِ فِي اعْتِقَادِ ذَلِكَ حَيْضًا، وَلَمْ يَرِدْ مِنَ الشَّرْعِ تَغْيِيرُهُ، وَذَلِكَ أَنَّنَا أَجْلَسْنَا الْمُبْتَدَأَةَ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ عَادَةٍ، وَرَجَعْنَا فِي أَكْثَرِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ إِلَى الْعُرْفِ.
اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ، فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ فِي الْعَادَةِ، فَهَلْ تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَإِنْ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا اغْتَسَلَتْ، وَصَلَّتْ) وَصَامَتْ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَّا مَا رَأَتِ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الطُّهْرِ وَكَثِيرِهِ، وَنَقَلَهُ فِي " الشَّرْحِ " عَنِ الْأَصْحَابِ، لَكِنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ فِي خِلَالِ الْحَيْضِ سَاعَةٌ، فَلَوْ كَانَ النَّقَاءُ أَقَلَّ مِنْهَا، فَقَالَ فِي " الْكَافِي " و" الشَّرْحِ ": الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِطُهْرٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَقَلُّهُ يَوْمٌ، وَصَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، لِأَنَّ الدَّمَ يَجْرِي تَارَةً، وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، وَفِي إِيجَابِ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ تَطْهُرُ سَاعَةً حَرَجٌ، فَيَكُونُ مَنْفِيًّا، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ: فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ طُهْرٌ، إِلَّا أَنْ تَرَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُهُ فِي آخِرِ عَادَتِهَا، أَوْ تَرَى الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى، وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى، فَإِذَا ذَهَبَ الْأَذَى، وَجَبَ زَوَالُ الْحَيْضِ، وَظَاهِرُهُ إِبَاحَةُ وَطْئِهَا، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَخَرَّجَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ، وَأَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهَا فِيمَا فَعَلَتْهُ فِيهِ مِنْ صَوْمٍ وَاجِبٍ وَنَحْوِهِ إِذَا عَاوَدَهَا فِي الْعَادَةِ عَلَى الْأَصَحِّ (فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ فِي الْعَادَةِ) وَلَمْ يُجَاوِزْهَا (فَهَلْ تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَصَحُّهُمَا أَنَّهَا تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهَا تَجْلِسُهُ، لِأَنَّهُ صَادَفَ زَمَنَ الْعَادَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوِ اسْتَمَرَّ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ حَتَّى يُكَرَّرَ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ الْغَالِبُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، لِأَنَّهُ عَادَ بَعْدَ طُهْرٍ صَحِيحٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ، فَعَلَيْهَا حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ عَادَ بَعْدَهَا، وَعَنْهُ: مَشْكُوكٌ فِيهِ، كَدَمِ نُفَسَاءَ عَادَ، فَعَلَى الْأُولَى إِذَا عَادَ فِي الْعَادَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَأَوْجُهٌ، أَحَدُهَا: الْجَمِيعُ حَيْضٌ، وَالثَّانِي: لَيْسَ بِحَيْضٍ حَتَّى يَتَكَرَّرَ، وَالثَّالِثُ: مَا فِي الْعَادَةِ حَيْضٌ، وَمَا زَادَ لَيْسَ بِحَيْضٍ حَتَّى يَتَكَرَّرَ، فَإِنْ جَاوَزَ أَكْثَرَهُ فَمُسْتَحَاضَةٌ، لِأَنَّ بَعْضَهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، فَيَكُونُ كُلُّهُ اسْتِحَاضَةً لِاتِّصَالِهِ بِهِ، وَانْفِصَالِهِ عَنِ الْحَيْضِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِعَوْدِهِ بَعْدَ الْعَادَةِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ، تَارَةً يَتَعَذَّرُ
[الصفرة والكدرة في أيام الحيض]
وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ مِنَ الْحَيْضِ، وَمَنْ كَانَتْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا ـــــــــــــــــــــــــــــQكَوْنُهُ حَيْضًا، وَهُوَ إِذَا عَبَرَ أَكْثَرَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ الْأَوَّلِ أَقَلُّ الطُّهْرِ، فَيَكُونُ اسْتِحَاضَةً، وَلَوْ تَكَرَّرَ، وَتَارَةً يُمْكِنُ كَوْنُهُ حَيْضًا، وَذَلِكَ فِي حَالَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِضَمِّهِ إِلَى الدَّمِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِذَا تَكَرَّرَ جعلناهما حيضة وَاحِدة يُلَفَّقُ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ، وَيَكُونُ الطُّهْرُ الَّذِي بَيْنَهُمَا طُهْرًا فِي خِلَالِ الْحَيْضَةِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، فَرَأَتْ مِنْهَا خَمْسَةً دَمًا، وَطَهُرَتْ خَمْسَةً، ثُمَّ رَأَتْ خَمْسَةً دَمًا، فَلَوْ رَأَتِ الثَّانِيَ سِتَّةً أَوْ أَكْثَرَ، امْتَنَعَ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ، وَكُلٌّ مِنَ الدَّمَيْنِ يَصْلُحُ حَيْضًا بِمُفْرَدِهِ، كَيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فصاعدا، فَهَذَا إِذَا تَكَرَّرَ يَكُونُ الدَّمَانِ حَيْضَتَيْنِ، وَإِنْ نَقَصَ أَحَدُهُمَا عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ. [الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ] (وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ) وَهِيَ شَيْءٌ كَالصَّدِيدِ يَعْلُوهُ صُفْرَةٌ وَكُدْرَةٌ (فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ) أَيْ: زَمَنِ الْعَادَةِ (مِنَ الْحَيْضِ) لِدُخُولِهِمَا فِي عُمُومِ النَّصِّ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا رَأَتْهُ بَعْدَ الْعَادَةِ، وَالطُّهْرِ، أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ: بَعْدَ الطُّهْرِ، وَعَنْهُ: بَلَى إِنْ تَكَرَّرَ لِقَوْلِ أَسْمَاءَ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَشَرَطَ آخَرُونَ اتِّصَالَهَا بِالْعَادَةِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ التَّلْفِيقِ فَقَالَ: (وَمَنْ كَانَتْ تَرَى يَوْمًا دَمًا، وَيَوْمًا طُهْرًا) وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ زَمَنِ الدَّمِ مِثْلَ زَمَنِ الطُّهْرِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، فَلَوْ رَأَتْ نِصْفَ يَوْمٍ دَمًا، وَنِصْفَهُ طُهْرًا، أَوْ سَاعَةً وَسَاعَةً، فَقَالَ الْأَصْحَابُ: هُوَ كَالْأَيَّامِ فِي الضَّمِّ إِذَا بَلَغَ الْمُجْتَمِعُ أَقَلَّ الْحَيْضِ، وَلِهَذَا فِي " الْفُرُوعِ ": وَمَنْ رَأَتْ دَمًا مُتَفَرِّقًا يَبْلُغُ مَجْمُوعُهُ أَقَلَّ الْحَيْضِ (فَإِنَّهَا تَضُمُّ الدَّمَ إِلَى
[المستحاضة تغسل فرجها وتعصبه وتتوضأ لوقت كل صلاة]
طُهْرًا، فَإِنَّهَا تَضُمُّ الدَّمَ إِلَى الدَّمِ فَيَكُونُ حَيْضًا، وَالْبَاقِي طُهْرًا، إِلَّا أَنْ يُجَاوِزَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَتَكُونُ مُسْتَحَاضَةً. فَصْلٌ وَالْمُسْتَحَاضَةُ تَغْسِلُ فَرْجَهَا وَتَعْصِبُهُ، وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَتُصَلِّي مَا شَاءَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالدَّمِ فَيَكُونُ حَيْضًا) فَتَجْلِسُهُ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَ جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الدَّمِ حَيْضَةً ضَرُورَة أَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَتَعَيَّنَ الضَّمُّ، لِأَنَّهُ دَمٌ فِي زَمَنٍ يَصْلُحُ كَوْنُهُ حَيْضًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا طُهْرٌ (وَالْبَاقِي) أَيِ: النَّقَاءُ (طُهْرًا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الطُّهْرَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ صَحِيحٌ، فَتَغْتَسِلُ فِي زَمَانِهِ، وَتُصَلِّي، لِأَنَّهُ طُهْرٌ حَقِيقَةً، فَيَكُونُ حُكْمًا، وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يُجَاوِزَ مَجْمُوعُهُمَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَعَنْهُ: أَيَّامُ الدَّمِ وَالنَّقَاءِ حَيْضٌ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا تَجْلِسُ مَا يَنْقُصُ عَنِ الْأَقَلِّ إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ مَا يَبْلُغُ الْأَقَلَّ مُتَّصِلًا، وَمَتَى انْقَطَعَ قَبْلَ بُلُوغِ الْأَقَلِّ فَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ إِذَنْ وَجْهَانِ (إِلَّا أَنْ يُجَاوِزَا) أَيْ: يَعْبُرَا (أَكْثَرَ الْحَيْضِ) مِثْلَ أَنْ تَرَى يَوْمًا دَمًا، وَيَوْمًا طُهْرًا إِلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ (فَتَكُونُ مُسْتَحَاضَةً) لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَالَ الْقَاضِي فِيمَنْ لَا عَادَةَ لَهَا: طُهْرُهَا فِي السَّادِسَ عَشَرَ يَمْنَعُ كَوْنَهَا مُسْتَحَاضَةً فِي زَمَنِ الْأَكْثَرِ، فَتَجْلِسُ مَا تَرَاهُ مِنَ الدَّمِ فِيهِ إِذَا تَكَرَّرَ، وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ جَلَسَتْ مَا تَرَاهُ فِي زَمَنِ عَادَتِهَا فِي الْأَصَحِّ، وَالثَّانِي: تَجْلِسُ قَدْرَ الْعَادَةِ أَوْ مَا أَمْكَنَ مِنْهَا فِي زَمَنِ الْأَكْثَرِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَالْوَجْهَانِ فَرْعٌ عَلَى قَوْلِنَا: الطُّهْرُ فِي الْعَادَةِ لَا يَمْنَعُ مَا بَعْدَهَا أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، فَإِنْ قُلْنَا: يَمْنَعُ، لَمْ تَجْلِسْ غَيْرَ الدَّمِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ نَقَصَ عَنْ أَقَلِّهِ، فَقَالَ فِي " الْمُغْنِي ": يُضَمُّ إِلَيْهِ مَا بَعْدَهُ مَا يَبْلُغُ بِهِ الْأَقَلَّ، وَمَنَعَ مِنْهُ آخَرُونَ، وَأَنَّهُ لَا حَيْضَ لَهَا، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَظْهَرُ، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا بِتَلْفِيقٍ، جَلَسَتْ عَلَى حَسَبِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا عَادَةٌ، وَلَهَا تَمْيِيزٌ صَحِيحٌ، جَلَسَتْ زَمَنَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا، فَإِنْ قُلْنَا: تَجْلِسُ الْغَالِبَ، فَهَلْ تُلَفِّقُ ذَلِكَ مِنْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، أَوْ تَجْلِسُ أَيَّامَ الدَّمِ مِنَ السِّتِّ أَوِ السَّبْعِ؛ وَإِنْ قُلْنَا: تَجْلِسُ الْأَقَلَّ جَلَسَتْهُ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ. [الْمُسْتَحَاضَةُ تَغْسِلُ فَرْجَهَا وَتَعْصِبُهُ وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ] فَصْلٌ (وَالْمُسْتَحَاضَةُ) هِيَ الَّتِي تَرَى دَمًا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَلَا نِفَاسًا، حُكْمُهَا
مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَالْمَذْيُ وَالرِّيحُ، وَالْجَرِيحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ دَمُهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQحُكْمُ الطَّاهِرَاتِ فِي وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ وَفِعْلِهَا، لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ، أَشْبَهَتْ سَلَسَ الْبَوْلِ (تَغْسِلُ فَرْجَهَا) لِإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّمِ (وَتَعْصِبُهُ) بِمَا يَمْنَعُ الدَّمَ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ مِنْ حَشْوٍ بِقُطْنٍ، أَوْ شَدٍّ بِخِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَيْنِ، لِقَوْلِ حَمْنَةَ: أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ يَعْنِي: الْقُطْنَ - تَحْتَشِينَ بِهِ الْمَكَانَ قَالَتْ: إِنَّهُ أَكْثَرُ قَالَ: فَتَلَجَّمِي. وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَتْ صَائِمَةً، لَكِنْ يَتَوَجَّهُ أَنْ يُقْصَرَ عَلَى التَّعْصِيبِ فَقَطْ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا غَسْلُ الدَّمِ، وَإِعَادَةُ شَدِّهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَإِنْ خَرَجَ الدَّمُ بَعْدَ الْوُضُوءِ لِتَفْرِيطٍ فِي الشَّدِّ، أَعَادَتِ الْوُضُوءَ، لِأَنَّهُ حَدَثٌ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا. (وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ: «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَفِي لَفْظٍ قَالَ لَهَا: «تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا يُقَالُ: فِيهِ، وَفِي غَالِبِ الرِّوَايَاتِ: «وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِهِ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ عَنْ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ كَالتَّيَمُّمِ، وَظَاهِرُهُ يَجِبُ، وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، لَكِنْ قَالَ فِي " الشَّرْحِ " و" الْفُرُوعِ ": إِنَّهُ لَا يَجِبُ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ، نَصَّ عَلَيْهِ فِيمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَعَلَيْهِ إِذَا تَوَضَّأَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ بَطَلَ بِدُخُولِهِ كَالتَّيَمُّمِ، لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ إِذَنْ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ صِحَّةَ طَهَارَتِهَا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، فَتَنْوِي اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ، لَا رَفْعَ الْحَدَثِ، فَإِنْ نَوَتْهُ فَقَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": لَا أَعْلَمُ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ قَوْلًا، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي، وَلَا تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِلْفَرْضِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ. (وَتُصَلِّي) بِوُضُوئِهَا (مَا شَاءَتْ مِنَ الصَّلَوَاتِ) إِذَا كَانَتْ، أَوْ قَضَاءً أَوْ جَمْعًا أَوْ نَذْرًا،
وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ. وَهَلْ يُبَاحُ وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ الْعَنَتِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQمَا لَمْ يَخْرُجِ الْوَقْتُ، كَمَا يُجْمَعُ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَوَافِلَ اتِّفَاقًا، لِأَنَّهَا مُتَطَهِّرَةٌ، أَشْبَهَتِ الْمُتَيَمِّمَ، وَعَنْهُ: يَبْطُلُ بِدُخُولِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمَجْدِ، وَعَنْهُ: لَا يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ فَرْضَيْنِ أَطْلَقَهَا جَمَاعَةٌ، وَقَيَّدَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " بِوُضُوءٍ لِلْأَمْرِ بِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، قَالَ الْقَاضِي فِي " الْخِلَافِ ": تَجْمَعُ بِالْغُسْلِ لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِيهِ، وَفِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ ": تَجْمَعُ وَقْتَ الثَّانِيَةِ، وَتُصَلِّي عَقِيبَ طُهْرِهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهَا التَّأْخِيرَ، فَإِنْ أَخَّرَتْ لِحَاجَةٍ، وَقِيلَ: لِمَصْلَحَةٍ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": أَوْ تَنَفُّلٍ جَازَ، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ صَلَّتْ بِهِ فِي وَجْهٍ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، كَالْمُتَيَمِّمِ، وَفِي آخَرَ: لَا، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُبِيحَ لَهَا الصَّلَاةُ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ مَعَ وُجُودِ الْحَدَثِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا، وَمَحَلُّ هَذَا مَا إِذَا كَانَ دَمُهَا مُسْتَمِرًّا، فَلَوْ كَانَ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِهِ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلْفِعْلِ، تَعَيَّنَ فِيهِ، فَإِنْ تَوَضَّأَتْ زَمَنَ انْقِطَاعِهِ، ثُمَّ عَادَ بَطَلَ، وَلَوْ عَرَضَ هَذَا الِانْقِطَاعُ لِمَنْ عَادَتُهَا الِاتِّصَالُ، فَفِي بَقَاءِ طَهَارَتِهَا وَجْهَانِ، وَعَنْهُ: لَا عِبْرَةَ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ مَعَ بَقَاءِ الِاسْتِحَاضَةِ بِحَالٍ، لِعَدَمِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ لِلْمَشَقَّةِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ أَوْلَى، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. (وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَالْمَذْيُ وَالرِّيحُ، وَالْجَرِيحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ دَمُهُ، وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ) يَعْنِي: أَنَّ حُكْمَ هَؤُلَاءِ حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ، لِتَسَاوِيهِمْ مَعْنًى، وَهُوَ عَدَمُ التَّحَرُّزِ مِنْ ذَلِكَ، فَوَجَبَ الْمُسَاوَاةُ حُكْمًا، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: كَانَ بِيَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَكَانَ يُدَاوِيهِ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا غَلَبَهُ، صَلَّى وَلَا يُبَالِي مَا أَصَابَ ثَوْبَهُ، وَلَمْ يَرَ أَحْمَدُ حَشْوَ الذَّكَرِ فِي ظَاهِرِ مَا نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَوِ احْتَشَى فَصَلَّى، ثُمَّ أَخْرَجَهُ فَوَجَدَ بَلَلًا، فَلَا بَأْسَ مَا لَمْ يَظْهَرْ خَارِجًا، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ فِيمَنْ بِهِ رُعَافٌ دَائِمٌ: إِنَّهُ يَحْتَشِي، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِي خِلَافَهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ عَصْبُهُ كَالْجُرْحِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ شَدُّهُ، أَوْ مَنْ بِهِ بَاسُورٌ أَوْ نَاصُورٌ، وَلَا يُمْكِنُ عَصْبُهُ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ لِفِعْلِ عُمَرَ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQرَوَاهُ أَحْمَدُ. فَإِنْ قَدَرَ عَلَى حَبْسِهِ حَالَ الْقِيَامِ وَحْدَهُ رَكَعَ وَسَجَدَ، وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَالْمَكَانِ النَّجِسِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُومِئُ، لِأَنَّ فَوَاتَ الشَّرْطِ لَا بَدَلَ لَهُ قَالَ: وَلَوِ امْتَنَعَتِ الْقِرَاءَةُ، أَوْ لِحِقَهُ السَّلَسُ إِنْ صَلَّى قَائِمًا، صَلَّى قَاعِدًا قَالَ: وَلَوْ كَانَ قَامَ وَقَعَدَ لَمْ يَحْبِسْهُ، وَلَوِ اسْتَلْقَى، حَبَسَهُ، صَلَّى قَائِمًا وَقَاعِدًا، لِأَنَّ الْمُسْتَلْقِيَ لَا نَظِيرَ لَهُ اخْتِيَارًا. (وَهَلْ يُبَاحُ، وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ الْعَنَتِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَحْرُمُ إِلَّا لِخَوْفِ الْعَنَتِ، قَدَّمَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَذَكَرَ فِي " الْكَافِي " و" الْفُرُوعِ " أَنَّهُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ قِيلَ: وَبِعَدَمِ الطَّوْلِ لِنِكَاحِ حُرَّةٍ، أَوْ ثَمَنِ أَمَةٍ ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لِقَوْلِ عَائِشَةَ: الْمُسْتَحَاضَةُ لَا يَغْشَاهَا زَوْجُهَا، وَلِأَنَّ بِهَا أَذًى فحرم وطؤها كَالْحَائِضِ، فَإِنْ وَطِئَ أَثِمَ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَالثَّانِيَةُ: يُبَاحُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّ حَمْنَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، وَكَانَ زَوْجُهَا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُجَامِعُهَا، وَأُمَّ حَبِيبَةَ تُسْتَحَاضُ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَغْشَاهَا، رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ، وَلِلْعُمُومِ فِي حِلِّ وَطْءِ الزَّوْجَةِ، وَقَدْ قِيلَ: وَطْءُ الْحَائِضِ يَتَعَدَّى إِلَى الْوَلَدِ فَيَكُونُ مَجْذُومًا، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَظَاهِرُهُ إِذَا خَافَ الْعَنَتَ أَوْ خَافَتْهُ هِيَ، وَطَلَبَتْهُ مِنْهُ أُبِيحَ لَهُ، لِأَنَّ حُكْمَهُ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ الْحَيْضِ، وَمُدَّتُهُ تَطُولُ. فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِشُرْبِ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لِقَطْعِ الْحَيْضِ إِذَا أُمِنَ ضَرَرُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاعْتَبَرَ الْقَاضِي إِذْنَ الزَّوْجِ كَالْعَزْلِ، وَشُرْبُهُ يَجُوزُ لِإِلْقَاءِ نُطْفَةٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَيَجُوزُ لِحُصُولِ الْحَيْضِ، إِلَّا قُرْبَ رَمَضَانَ لِتُفْطِرَ. ذَكَرَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ.
[النفاس]
فَصْلٌ وَأَكْثَرُ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ، أَيْ وَقْتَ رَأَتِ الطُّهْرَ، فَهِيَ طَاهِرٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [النِّفَاسُ] فَصْلٌ (وَأَكْثَرُ النِّفَاسِ) وَهُوَ دَمٌ يُرْخِيهِ الرَّحِمُ لِلْوِلَادَةِ، وَبَعْدَهَا إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وَهُوَ بَقِيَّةُ الدَّمِ الَّذِي احْتُبِسَ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ لِأَجْلِهِ، وَأَصْلُهُ لُغَةً مِنَ التَّنْفِيسِ، وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنَ الْجَوْفِ، أَوْ نَفَّسَ اللَّهُ كُرْبَتَهُ أَيْ: فَرَّجَهَا (أَرْبَعُونَ يَوْمًا) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَالْمُخْتَارُ لِلْأَصْحَابِ، لِمَا رَوَتْ مُسَّةُ الْأَزْدِيَّةُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ عَلَى عَهْدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَكُنَّا نَطْلِي وُجُوهَنَا بِالْوَرْسِ مِنَ الْكَلَفِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُسَّةَ، وَإِسْنَادُهُ إِلَيْهَا حَسَنٌ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَثْنَى الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَمَعْنَاهُ كَانَتْ تُؤْمَرُ أَنْ تَجْلِسَ، وَإِلَّا كَانَ الْخَبَرُ كَذِبًا مَعَ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ سَابِقٌ أَوْ كَالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ حَكَاهُ إِمَامُنَا عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَمْ يَقُلْ بِالسِّتِّينَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا قَالَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: هُوَ السُّنَّةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا، وَعَنْهُ: أَكْثَرُهُ سِتُّونَ اتِّبَاعًا لِلْوُجُودِ. وَأَوَّلُ مُدَّتِهِ مِنَ الْوَضْعِ، إلَّا أَنْ تَرَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَإِنَّهُ نِفَاسٌ، وَلَا يُحْسَبُ مِنَ الْمُدَّةِ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ، فَالدَّمُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ نِفَاسٌ، وَلَا يُحْسَبُ مِنَ الْمُدَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَثْبُتُ حُكْمُهُ بِوَضْعِ شَيْءٍ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ عَلَى الْأَشْهَرِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ إِنْ جَاوَزَ الدَّمُ الْأَكْثَرَ، وَصَادَفَ عَادَةَ حَيْضِهَا، وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ، فَحَيْضٌ، وَإِلَّا فَاسْتِحَاضَةٌ إِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، وَلَا يَدْخُلْ حَيْضٌ، وَاسْتِحَاضَةٌ فِي مُدَّةِ نِفَاسٍ. (وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ تَحْدِيدُهُ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْوُجُودِ، وَقَدْ وُجِدَ قَلِيلًا عَقِبَ سَبَبِهِ، فَكَانَ نِفَاسًا كَالْكَثِيرِ، وَعَنْهُ: أَقَلُّهُ يَوْمٌ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ:
تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا فِي الْفَرْجِ حَتَّى تَتِمَّ الْأَرْبَعِينَ، وَإِذَا انْقَطَعَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَطْرَةٌ، وَقَدَّمَ فِي " التَّلْخِيصِ " لَحْظَةٌ (أَيْ: وَقْتَ رَأَتِ الطُّهْرَ، فَهِيَ طَاهِرٌ) لِانْقِطَاعِ دَمِ النِّفَاسِ، كَمَا لَوِ انْقَطَعَ دَمُ الْحَائِضِ فِي عَادَتِهَا، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: سَأَلَت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَمْ تَجْلِسُ الْمَرْأَةُ إِذَا وَلَدَتْ، قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إِلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إِلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَحَكَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ: أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ بِمَكَّةَ، فَلَمْ تَرَ دَمًا، فَلَقِيَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: أَنْتِ امْرَأَةٌ طَهَّرَكِ اللَّهُ. انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا لَوْ وَلَدَتْ، وَلَمْ تَرَ دَمًا فَهِيَ طَاهِرَةٌ لَا نِفَاسَ لَهَا، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ النِّفَاسَ هُوَ الدَّمُ، وَلَمْ يُوجَدْ. (تَغْتَسِلُ، وَتُصَلِّي) لِقَوْلِ عَلِيٍّ: لَا يَحِلُّ لِلنُّفَسَاءِ إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ إِلَّا أَنْ تُصَلِّيَ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ بِانْقِضَاءِ نِفَاسِهَا، وَذَلِكَ مُعَلَّقٌ عَلَى مُطْلَقِ الطُّهْرِ، لَكِنْ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": إِذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ سَاعَةٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَلْتَفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ، وَتُصَلِّي. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا فِي الْفَرْجِ) بَعْدَ طُهْرِهَا، وَتَطَهُّرِهَا (حَتَّى تَتِمَّ الْأَرْبَعِينَ) قَالَ أَحْمَدُ: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَهَا زَوْجُهَا عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ عَوْدَ الدَّمِ فِي زَمَنِ الْوَطْءِ، فَيَكُونُ وَاطِئًا فِي نِفَاسٍ، وَفِي كَرَاهَتِهِ رِوَايَتَانِ، أَصَحُّهُمَا الْكَرَاهَةُ، لِمَا رَوَى ابْنُ شَاهِينَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي النُّفَسَاءِ: «لَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِلَّا بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ الْعُكْبَرِيُّ: وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ: لَا، لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِطَهَارَتِهَا، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْهُ الدَّمُ، وَلَا دَمَ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، ذَكَرَهَا فِي " الْمُجَرَّدِ " لِظَاهِرِ قَوْلِ الصَّحَابَةِ، وَقِيلَ: مَعَ عَدَمِ الْعَنَتِ، وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَمِ الْمُبْتَدَأَةِ إِذَا انْقَطَعَ بِأَنَّ تَحْرِيمَ النِّفَاسِ آكَدُ، لِأَنَّ أَكْثَرَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، فَجَازَ أَنْ يَلْحَقَهُ التَّغْلِيظُ فِي الِامْتِنَاعِ مِنَ
دَمُهَا فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعِينَ، ثُمَّ عَادَ فِيهَا فَهُوَ نِفَاسٌ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، تَصُومُ وَتُصَلِّي، وَتَقْضِي الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ، وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ، فَأَوَّلُ النِّفَاسِ مِنَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْوَطْءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقْرَبُهَا فِي غَيْرِ الْفَرْجِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَالْحَائِضِ. (وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعِينَ) فَالنَّقَاءُ طُهْرٌ عَلَى الْأَصَحِّ (ثُمَّ عَادَ فِيهَا فَهُوَ) أَيِ: الْعَائِدُ (نِفَاسٌ) قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " و" الْمُحَرَّرِ " وَابْنُ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ فِي مُدَّتِهِ أَشْبَهَ الْأَوَّلَ: (وَعَنْهُ: أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ) قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": هِيَ الْمَشْهُورَةُ نَقَلَهَا عَنْهُ الْأَثْرَمُ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ " وَذَكَرَ أَنَّهُ نَقَلَهَا، وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ، كَمَا لَوْ لَمْ تَرَهُ، ثُمَّ رَأَتْهُ فِي الْمُدَّةِ فِي الْأَصَحِّ (تَصُومُ، وَتُصَلِّي) أَيْ: تَتَعَبَّدُ، لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي ذِمَّتِهَا بِيَقِينٍ، وَسُقُوطُهَا بِهَذَا الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَفِي غُسْلِهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ رِوَايَتَانِ. (وَتَقْضِي الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ) وَنَحْوَهُ احْتِيَاطًا وَلِوُجُوبِهِ يَقِينًا، لَا يُقَالُ: إِنَّهَا لَا تَقْضِي الصَّوْمَ قِيَاسًا عَلَى النَّاسِيَةِ إِذَا صَامَتْ فِي الدَّمِ الزَّائِدِ عَلَى السِّتِّ وَالسَّبْعِ، لِأَنَّ غَالِبَ حَيْضِ النِّسَاءِ كَذَلِكَ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ نَادِرٌ، وَالْغَالِبَ مِنَ النِّفَاسِ، وَمَا نَقَصَ نَادِرٌ، وَالْحَيْضُ يَتَكَرَّرُ، فَيَشُقُّ الْقَضَاءُ بِخِلَافِ النِّفَاسِ، وَعَنْهُ: تَقْضِي الصَّوْمَ مَعَ عَوْدِهِ بِخِلَافِ الطَّوَافِ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا فِيهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: وَعَلَى الْأُولَى فِي وُجُوبِ قَضَاءِ مَا صَامَتْهُ فِيهِ، أَوْ طَافَتْهُ أَوْ سَعَتْهُ، أَوِ اعْتَكَفَتِ الطُّهْرُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَاجِبٍ، رِوَايَتَانِ. فَرْعٌ: حُكْمُ النِّفَاسِ كَالْحَيْضِ، وَفِي وَطْئِهَا مَا فِي وَطْءِ حَائِضٍ، نَقَلَهُ حَرْبٌ، وَقَالَهُ جَمْعٌ، وَقِيلَ: تَقْرَأُ، وَنَقَلَ ابْنُ ثَوَابٍ: تَقْرَأُ إِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ. (وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ) أَيْ: وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ (فَأَوَّلُ النِّفَاسِ مِنَ الْأَوَّلِ، وَآخِرُهُ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْأَوَّلِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ دَمٌ خَرَجَ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ فَكَانَ نِفَاسًا،
الْأَوَّلِ، وَآخِرُهُ مِنْهُ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ مِنَ الْأَخِيرِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. ـــــــــــــــــــــــــــــQكَحَمْلٍ وَاحِدٍ، وَوَضْعِهِ. فَعَلَى هَذَا مَتَى انْقَضَتِ الْأَرْبَعُونَ مِنْ حِينِ وَضْعِ الْأَوَّلِ فَلَا نِفَاسَ لِلثَّانِي، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تَبْدَؤُهُ بِنِفَاسٍ، اخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَالْأَزَجِّيُّ، وَقَالَ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ، وَعَنْهُ: أَوَّلُهُ، وَآخِرُهُ مِنَ الثَّانِي حَسْبُ، ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ، لِأَنَّ مُدَّةَ النِّفَاسِ مُتَعَلِّقٌ بِالْوِلَادَةِ، فَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا وَانْتِهَاؤُهَا مِنَ الثَّانِي كَمُدَّةِ الْعِدَّةِ، فَعَلَى هَذَا مَا تَرَاهُ قَبْلَ وَضْعِ الثَّانِي لَا يَكُونُ نِفَاسًا، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا تَرَاهُ قَبْلَهُ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَهُوَ نِفَاسٌ، وَمَا زَادَ فَفَسَادٌ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ مِنَ الْأَخِيرِ) يَعْنِي أَنَّ أَوَّلَهُ مِنَ الْأَوَّلِ، وَآخِرَهُ مِنَ الْأَخِيرِ، ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " رُءُوسِ الْمَسَائِلِ "، لِأَنَّ الثَّانِيَ وَلَدٌ، فَلَا تَنْقَضِي مُدَّةُ النِّفَاسِ قَبْلَ انْتِهَائِهَا مِنْهُ كَالْمُنْفَرِدِ، فَعَلَى هَذَا مَتَى زَادَتِ الْمُدَّةُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ مِنَ الْأَوَّلِ فَهُمَا نِفَاسَانِ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَاخْتَارَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَعَنْهُ: وَاحِدٌ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ مِنْهُمَا رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِي وَقْتِ الِابْتِدَاءِ هَلْ هُوَ عَقِيبَ انْفِصَالِ الْأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي؛ قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهَذَا ظَاهِرُهُ إِنْكَارٌ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّ آخِرَهُ مِنَ الْأَوَّلِ (وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ) قَالَهُ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّ الْوَلَدَ الثَّانِيَ تَبَعٌ لِلْأَوَّلِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي آخِرِ النِّفَاسِ كَأَوَّلِهِ.
[كتاب الصلاة]
كِتَابُ الصَّلَاةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ بالكتاب عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ إِلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [كِتَابُ الصَّلَاةِ] [تَعْرِيفُ الصَّلَاةِ وَحُكْمُهَا] وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] أَيِ: ادْعُ لَهُمْ، وَإِنَّمَا عُدِّيَ بِـ " عَلَى " لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْإِنْزَالِ، أَيْ: أَنْزِلْ رَحْمَتَكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» . وَقَالَ الشَّاعِرُ: تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتَحَلًا ... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي ... نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا وَفِي الشَّرْعِ: عِبَارَةٌ عَنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ مُفْتَتَحَةٍ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٍ بِالتَّسْلِيمِ، فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْأَخْرَسِ، لِأَنَّ الْأَقْوَالَ فِيهَا مُقَدَّرَةٌ، وَالْمُقَدَّرُ كَالْوُجُودِ، وَسُمِّيَتْ صَلَاةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا ثَانِيَةٌ لِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ، كَالْمُصَلِّي فِي السَّابِقِ مِنَ الْخَيْلِ. وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الصَّلَوَيْنِ، وَاحِدُهُمَا صَلًى كَعَصًا، وَهُمَا عِرْقَانِ مِنْ جَانِبِ الذَّنَبِ، وَقِيلَ: عَظْمَانِ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: مِنْ صَلَّيْتُ الْعُودَ إِذَا لَيَّنْتَهُ، لِأَنَّ الْمَصْلِيَّ يَلِينُ وَيَخْشَعُ، وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ لَامَ الْكَلِمَةِ فِي الصَّلَاةِ وَاوٌ، وَفِي صَلَيْتُ يَاءٌ. وَجَوَابُهُ أَنَّ الْوَاوَ وَقَعَتْ رَابِعَةً فَقُلِبَتْ يَاءً، وَلَعَلَّهُ ظَنَّ أَنَّ مُرَادَهُ صَلَيْتُ الْمُخَفَّفَ فَتَقُولُ: صَلَيْتُ اللَّحْمَ صَلْيًا إِذَا شَوَيْتَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ فَارِسٍ الْمُضَعَّفَ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: صَلَيْتُ الْعَصَى تَصْلِيَةً، أَدَرْتُهُ عَلَى النَّارِ لِتُقَوِّمَهُ. 1 - (وَهِيَ وَاجِبَةٌ) بِالْكِتَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] ،
وَتَجِبُ عَلَى النَّائِمِ، وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسُكْرٍ أَوْ إِغْمَاءٍ أَوْ بِشُرْبِ دَوَاءٍ، وَلَا تَجِبُ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ} [البينة: 5] . وَبِالسُّنَّةِ، مِنْهَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَبِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الْخَمْسِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، قَالَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ لِابْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْقُرْآنِ؛ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَرَأَ {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: 18] وَفُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَهُوَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَقِيلَ: قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، وَقِيلَ: بَعْدَ مَبْعَثِهِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ) أَيْ: مُكَلَّفٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ (إِلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ) فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا لِمَا مَرَّ. (وَتَجِبُ عَلَى النَّائِمِ) أَيْ: يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا إِذَا اسْتَيْقَظَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ حَالَ نَوْمِهِ لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا، كَالْمَجْنُونِ، وَيَلْحَقُ بِهِ السَّاهِي، وَالْجَاهِلُ، فَلَوْ تَرَكَهَا الْجَاهِلُ قَبْلَ بُلُوغِ الشَّرْعِ بِوُجُوبِهَا لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا، وَقِيلَ: لَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرَائِعَ لَا تَلْزَمُ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ، وَأَجْرَى ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي كُلِّ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا قَبْلَ بُلُوغِ الشَّرْعِ مِنْ تَيَمُّمٍ، وَزَكَاةٍ، وَنَحْوِهِمَا (و) تَجِبُ عَلَى (مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسُكْرٍ) لِأَنَّ سُكْرَهُ مَعْصِيَةٌ، فَلَا يُنَاسِبُ إِسْقَاطَ الْوَاجِبِ عَنْهُ وَلِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ بِالنَّوْمِ الْمُبَاحِ، فَبِالْمُحَرَّمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَقِيلَ: يَسْقُطُ إِذَا كَانَ مُكْرَهًا
كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمَا، وَإِذَا صَلَّى الْكَافِرُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَلَا تَجِبُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (أَوْ إِغْمَاءٍ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَمَّارًا غُشِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: هَلْ صَلَّيْتُ؛ قَالُوا: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلَاثٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَصَلَّى تِلْكَ الثَّلَاثَ، وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ نَحْوُهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ لَا تَطُولُ مُدَّتُهُ غَالِبًا، وَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ، وَيَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُسْقِطُ الصَّوْمَ فَكَذَا الصَّلَاةُ، كَالنَّائِمِ، وَقِيلَ: تَسْقُطُ عَنْهُ وَلَا يَقْضِيهَا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَطَاوُسٍ وَغَيْرِهِمَا (أَوْ بِشُرْبِ دَوَاءٍ) وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا أَوْ مُحَرَّمًا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مُبَاحًا فَلَا كَالْحَيَوَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " إِنْ طَالَ زَوَالُهُ بِشُرْبِ الْمُبَاحِ لَمْ يَجِبِ الْقَضَاءُ كَالْجُنُونِ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ وَجَبَ كَالْإِغْمَاءِ. فَرْعٌ: مَا فِيهِ السُّمُومُ مِنَ الْأَدْوِيَةِ إِذَا كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ السَّلَامَةَ، وَفِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " وَيُرْجَى نَفْعُهُ أُبِيحَ شُرْبُهُ فِي الْأَصَحِّ، لِدَفْعِ مَا هُوَ أَخْطَرُ مِنْهُ، كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَدْوِيَةِ، وَالثَّانِي: يَحْرُمُ، لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا لِلْهَلَاكِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُرَدْ بِهِ التَّدَاوِي، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكَ، فَإِنْ قُلْنَا: يَحْرُمُ شُرْبُهُ فَهُوَ كَالْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الْخَمْرِ، وَنَحْوِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِإِبَاحَتِهِ فَهُوَ كَالْمُبَاحَاتِ. (وَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ) أَصْلِيٍّ حَكَاهُ السَّامِرِيُّ، وَغَيْرُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حَالَ كُفْرِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَضَاءِ وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَصَحَّحَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِذَا أَسْلَمَ إِجْمَاعًا، لِأَنَّهُ أَسْلَمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ بَعْدِهِ، فَلَمْ يُؤْمَرْ أَحَدٌ بِقَضَاءٍ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْفِيرِ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَفِي خِطَابِهِ بِالْفُرُوعِ خِلَافٌ، وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَسَيَأْتِي (وَلَا مَجْنُونٍ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ، عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQيَعْقِلَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ أَشْبَهَ الطِّفْلَ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُعِيدُ إِذَا أَفَاقَ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَعَلَى الْأَوْلَى يُسْتَثْنَى مَا لَوْ طَرَأَ الْجُنُونُ عَلَى الرِّدَّةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ أَيَّامِ الْجُنُونِ الْوَاقِعَةِ فِي الرِّدَّةِ، لِأَنَّ إِسْقَاطَ الْقَضَاءِ عَنِ الْمَجْنُونِ رُخْصَةٌ، وَالْمُرْتَدُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ كَالْحَيْضِ (وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمَا) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا النِّيَّةَ، وَهِيَ لَا تَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ، وَلَا تَقَعُ مِنْ مَجْنُونٍ. مَسْأَلَةٌ: لَا تَجِبُ عَلَى الْأَبْلَهِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، كَالْمَجْنُونِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَقْضِي مَعَ قَوْلِهِ فِي الصَّوْمِ: الْأَبْلَهُ كَالْمَجْنُونِ. يُقَالُ: رَجُلٌ أَبْلَهُ بَيِّنُ الْبَلَاهَةِ، وَهُوَ الَّذِي غَلَبَتْ عَلَيْهِ سَلَامَةُ الصَّدْرِ، وَفِي الْحَدِيثِ «أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ» يَعْنِي الْبُلْهَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا لِقِلَّةِ اهْتِمَامِهِمْ بِهَا، وَهُمْ أَكْيَاسٌ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَتَبَالَهَ: أَرَى مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ بِهِ. 1 - (وَإِذَا صَلَّى الْكَافِرُ) عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ (حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، فَلَهُ مَا لَنَا، وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا» لَكِنْ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَوْقُوفًا فِي قَوْلِهِ حِينَ سَأَلَهُ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ فَقَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ،
عَلَى صَبِيٍّ، وَعَنْهُ: تَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَ عَشْرًا، وَيُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ، وَيُضْرَبُ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعِصْمَةَ تَثْبُتُ بِالصَّلَاةِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ بِدُونِ الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ شَرْعَنَا، أَشْبَهَتِ الْأَذَانَ، وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَيُحْكَمُ بِكُفْرِ مَنْ سَجَدَ لِصَنَمٍ، فَكَذَا عَكْسُهُ، وَفَائِدَتُهُ لَوْ مَاتَ عَقِيبَهُ، وَرِثَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِهِمْ، وَلَوْ أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى الْكُفْرِ، فَهُوَ مُرْتَدٌّ، فَلَوِ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُتَلَاعِبًا أَوْ مُسْتَهْزِئًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، ذَكَرَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ "، و" مُنْتَهَى الْغَايَةِ "، وَغَيْرِهِمَا كَالشَّهَادَتَيْنِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوِ الْحَرْبِ جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى، وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ: أَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ إِنْ صَلَّى جَمَاعَةً، وَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ فِي الظَّاهِرِ وَجْهَانِ، فَإِنْ صَحَّتْ لَمْ تَصِحَّ إِمَامَتُهُ فِي الْمَنْصُوصِ، وَفِي حَجِّهِ وَصَوْمِهِ قَاصِدًا رَمَضَانَ، وَزَكَاتِهِ مَالَهُ، وَقِيلَ: وَبَقِيَّةِ الشَّرَائِعِ، وَالْأَقْوَالِ الْمُخْتَصَّةِ بِنَا كَجِنَازَةٍ، وَسَجْدَةِ تِلَاوَةٍ وَجْهَانِ. (وَلَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَالْحَجِّ، وَالطِّفْلُ لَا يَعْقِلُ، وَالْمُدَّةُ الَّتِي يَكْمُلُ فِيهَا عَقْلُهُ وَبِنْيَتُهُ تَخْفَى وَتَخْتَلِفُ، فَنَصَبَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ عَلَامَةً ظَاهِرَةً، وَهِيَ الْبُلُوغُ، فَعَلَى هَذَا تَصِحُّ مِنَ الْمُمَيِّزِ، وَهُوَ مَنْ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ، وَثَوَابُ فِعْلِهِ لَهُ، وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا مَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْبَالِغِ إِلَّا فِي السُّتْرَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَهُوَ شَامِلٌ لُغَةً لِلصَّبِيَّةِ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ (وَعَنْهُ: تَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَ عَشْرًا) لِضَرْبِهِ عَلَيْهَا، وَعَنْهُ: تَجِبُ عَلَى الْمُرَاهِقِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَعَلَيْهِمَا يَلْزَمُهُ إِتْمَامُهَا، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ فِي النَّقْلِ (و) عَلَى الْأَوْلَى (يُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ، وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ
تَرْكِهَا لِعَشْرٍ، فَإِنْ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا أَوْ بَعْدَهَا فِي وَقْتِهَا، لَزِمَه إِعَادَتُهَا، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا، إِلَّا لِمَنْ يَنْوِي الْجَمْعَ، أَوْ لِمُشْتَغِلٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالْمَضَاجِعِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ سَوَّارِ بْنِ دَاوُدَ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَغَيْرُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا اسْتِكْمَالُهُمَا، وَالْأَمْرُ وَالتَّأْدِيبُ فِي حَقِّهِ لِتَمْرِينِهِ عَلَيْهَا حَتَّى يَأْلَفَهَا، وَيَعْتَادَهَا، فَلَا يَتْرُكَهَا عِنْدَ الْبُلُوغِ، فَيَلْزَمُ الْوَلِيَّ أَمْرُهُ بِهَا، وَتَعْلِيمُهُ إِيَّاهَا، وَالطَّهَارَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: يُؤْمَرُ بِهَا أَيْ: مِنْ جِهَةِ الْوَلِيِّ لَا مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ، فَإِنَّ النَّصَّ يَتَضَمَّنُ أَمْرَ الشَّارِعِ لِلْوَلِيِّ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِأَمْرِهِ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى أُجْرَةٍ، فَمِنْ مَالِ الصَّبِيِّ، ثُمَّ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ (فَإِنْ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا) كَمَنْ تَمَّتْ مُدَّةُ بُلُوغِهِ، وَهُوَ فِيهَا، وَسُمِّيَ بُلُوغًا لِبُلُوغِهِ حَدَّ التَّكْلِيفِ (أَوْ بَعْدَهَا فِي وَقْتِهَا لَزِمَهُ إِعَادَتُهَا) لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ فِي حَقِّهِ، فَلَمْ تُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ نَوَاهَا نَفْلًا، وَكَمَا يَلْزَمُهُ إِعَادَةُ الْحَجِّ إِلَّا عَلَى رِوَايَةِ الْوُجُوبِ ذَكَرَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " و" الْبُلْغَةِ "، وَقَدَّمَ جَمَاعَةٌ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ مُطْلَقًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِعَادَةُ الطَّهَارَةِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ غَيْرُهَا، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَكَذَا إِسْلَامٌ، لِأَنَّ أَصْلَ الدِّينِ لَا يَصِحُّ نَفْلًا، فَإِذَا وُجِدَ فَعَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْأَبُ. 1 - (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ تَأْخِيرُهَا) أَوْ بَعْضُهَا (عَنْ وَقْتِهَا) أَيْ: وَقْتِ الْجَوَازِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالذِّكْرِ إِجْمَاعًا، لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، أَنْ نُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ إِيقَاعُهَا فِي الْوَقْتِ، فَإِذَا خَرَجَ وَلَمْ يَأْتِ بِهَا كَانَ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ مُخَالِفًا لِلْأَمْرِ، وَهُوَ عَاصٍ مُسْتَحِقٌّ الْعِقَابَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ عُذِرَ بِالتَّأْخِيرِ لَفَاتَتْ فَائِدَةُ التَّأْقِيتِ، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صُورَتَيْنِ الْأُولَى (إِلَّا لِمَنْ يَنْوِي الْجَمْعَ) لِعُذْرٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُؤَخِّرُ الْأُولَى فِي الْجَمْعِ، وَيُصَلِّيهَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَسَيَأْتِي، وَلِأَنَّ وَقْتَيْهِمَا يَصِيرُ وَقْتًا وَاحِدًا لَهُمَا، وَمُقْتَضَاهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِثْنَائِهِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ لَهَا وَقْتٌ مَعْلُومٌ فَيَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إِلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ (أَوْ لِمُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا) كَذَا فِي
[من جحد وجوب الصلاة]
بِشَرْطِهَا. وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا كَفَرَ، فَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا لَا جُحُودًا، دُعِيَ إِلَى فِعْلِهَا، فَإِنْ أَبَى حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا، وَجَبَ قَتْلُهُ، وَعَنْهُ: لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَتْرُكَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ" الْوَجِيزِ " و" الْحَاوِي "، وَاقْتَصَرَ الْأَكْثَرُ عَلَى الْأَوَّلِ: لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ بِدُونِهِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَشَرْطُهُ: أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَقَيَّدَهُ فِي " الْفُرُوعِ " بِالْقَرِيبِ، لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَإِنَّ الْوَقْتَ يُقَدَّمُ، وَاخْتَارَ تَقْدِيمَ الشَّرْطِ إِنِ انْتَبَهَ قَبْلَ طُلُوعِهَا، وَمَنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَالْحَاقِنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالطَّهَارَةِ إِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ، وَمَنْ أُبِيحَ لَهُ التَّأْخِيرُ فَمَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ، لَمْ يَأْثَمْ فِي الْأَصَحِّ، وَيَسْقُطُ إِذَنْ بِمَوْتِهِ، قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ، فَلَا فَائِدَةَ فِي بَقَائِهَا فِي ذِمَّتِهِ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ لَهُ التَّأْخِيرَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهَا، مَا لَمْ يَظُنَّ مَانِعًا مِنْهَا، كَمَوْتٍ وَقَتْلٍ، وَحَيْضٍ، وَكَذَا مَنْ أُعِيرَ سُتْرَةً أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَمُتَوَضِّئٌ عَدِمَ الْمَاءَ فِي السَّفَرِ، وَطَهَارَتُهُ لَا تَبْقَى إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، وَلَا يَرْجُو وُجُودَهُ، وَمُسْتَحَاضَةٌ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِ دَمِهَا فِي وَقْتٍ يَتَّسِعُ لِفِعْلِهَا فَيَتَعَيَّنُ الْفِعْلُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَيَأْثَمُ مَنْ عَزَمَ عَلَى التَّرْكِ إِجْمَاعًا، وَمَتَى فُعِلَتْ فِي وَقْتِهَا فَهِيَ أَدَاءٌ. [مَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ] (وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا كَفَرَ) إِذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَجْهَلُهُ كَالنَّاشِئِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَمْصَارِ، زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ فَعَلَهَا، لِأَنَّهُ لَا يَجْحَدُهَا إِلَّا تَكْذِيبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَيَصِيرُ مُرْتَدًّا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَإِنِ ادَّعَى الْجَهْلَ كَحَدِيثِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ عُرِّفَ وُجُوبَهَا، وَلَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فَإِنْ قَالَ أُنْسِيتُهَا قِيلَ: لَهُ صَلِّ الْآنَ، وَإِنْ قَالَ: أَعْجَزُ عَنْهَا لِعُذْرٍ، أُعْلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ (فَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا) وَكَسَلًا (لَا جُحُودًا (دُعِيَ إِلَى فِعْلِهَا) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَهَا لِعُذْرٍ يُعْتَدُّ سُقُوطُهُ بِمِثْلِهِ كَالْمَرَضِ، وَنَحْوِهِ، وَالدَّاعِي لَهُ الْإِمَامُ، وَمَنْ فِي حُكْمِهِ، وَيُهَدَّدُ فَيَقُولُ لَهُ: إِنْ صَلَّيْتَ وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ، وَذَلِكَ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ (فَإِنْ أَبَى حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا وَجَبَ قَتْلُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] إِلَى قَوْلِهِ {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] فَمَتَى تَرَكَ الصَّلَاةَ لَمْ يَأْتِ بِشَرْطِ التَّخْلِيَةِ فَيَبْقَى عَلَى إِبَاحَةِ الْقَتْلِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَكْحُولٍ، وَهُوَ مُرْسَلٌ
ثَلَاثًا، وَيَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ، وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِلَّا ـــــــــــــــــــــــــــــQجَيِّدٌ، وَلِأَنَّهَا مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ، فَقُتِلَ تَارِكُهَا كَالشَّهَادَتَيْنِ، وَمُرَادُهُ حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ عَنْهَا، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقِيلَ: عَنْهُمَا، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَعَنْهُ: يَجِبُ قَتْلُهُ بِدُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَضِقْ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَهِيَ أَظْهَرُ لِمَفْهُومِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَّا إِلَّا الْأُولَى مِنَ الْمَجْمُوعَتَيْنِ، لِأَنَّ وَقْتَهُمَا مَعَ الْعُذْرِ وَاحِدٌ، وَحَسَّنَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُدْعَ إِلَيْهَا لَمْ يَكْفُرْ، وَلَمْ يُقْتَلْ بِحَالٍ. (وَعَنْهُ: لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَتْرُكَ ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ (وَيَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ) قَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " لِأَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الثَّلَاثَ لِشُبْهَةٍ، فَإِذَا تَرَكَ الرَّابِعَةَ انْتَفَت الشبهة فَيُقْتَلُ، وَالْأَصَحُّ حَتَّى يَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ عَنْهَا، وَقِيلَ: بَلْ عَنْهُنَّ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " و" الْوَاضِحِ " و" تَبْصِرَةِ الْحُلْوَانِيِّ " رِوَايَةٌ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قُتِلَ وُجُوبًا بِضَرْبِ عُنُقِهِ (وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا فِي الْأَشْهَرِ، وَيُضَيَّقَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يُقْتَلُ لِتَرْكِ وَاجِبٍ، فَتَقَدَّمَتْهُ الِاسْتِتَابَةُ كَالْمُرْتَدِّ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُضْرَبُ، وَيَنْبَغِي الْإِشَاعَةُ عَنْهُ بِتَرْكِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ، وَلَا يَنْبَغِي السَّلَامُ عَلَيْهِ، وَلَا إِجَابَةُ دَعْوَتِهِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (فَإِنْ تَابَ قُبِلَ مِنْهُ) كَغَيْرِهِ وَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِالصَّلَاةِ، نَقَلَ صَالِحٌ: تَوْبَتُهُ أَنْ يُصَلِّيَ، وَصَوَّبَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِأَنَّ كُفْرَهُ بِالِامْتِنَاعِ كَإِبْلِيسَ، وَتَارِكِ الصَّلَاةِ، وَصِحَّتُهَا قَبْلَ الشَّهَادَتَيْنِ، كَمُرْتَدٍّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَتَى رَاجَعَ الْإِسْلَامَ لَمْ يَقْضِ مُدَّةَ امْتِنَاعِهِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ خِلَافَهُ (وَإِلَّا قُتِلَ بِالسَّيْفِ) يُضْرَبُ بِهِ عُنُقُهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيِ: الْهَيْئَةَ مِنَ الْقَتْلِ.
قُتِلَ بِالسَّيْفِ، وَهَلْ يُقْتَلُ حَدًّا أَوْ لِكُفْرِهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَهَلْ يُقْتَلُ حَدًّا أَوْ لِكُفْرِهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ يُقْتَلُ كُفْرًا، وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى بُرَيْدَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى عُبَادَةُ مَرْفُوعًا: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْمِلَّةِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَقَالَ عُمَرُ: لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ. وَلِأَنَّهُ يَدْخُلُ بِفِعْلِهَا فِي الْإِيمَانِ، فَيَخْرُجُ بِتَرْكِهَا مِنْهُ، كَالشَّهَادَتَيْنِ، فَعَلَيْهَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْكُفَّارِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: يُدْفَنُ مُنْفَرِدًا، وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ: مَنْ قُتِلَ مُرْتَدًّا تُرِكَ بِمَكَانِهِ، وَلَا يُدْفَنُ، وَلَا كَرَامَةَ، وَتَبِينُ مِنْهُ زَوْجَتُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَكَذَا بَعْدَهُ إِنْ لَمْ يَتُبْ وَيُصَلِّي فِي الْأَشْهَرِ، وَالثَّانِيَةُ: يُقْتَلُ حَدًّا قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ بَطَّةَ، وَذَكَرَ أَنَّهَا الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهِيَ أَصْوَبُ الْقَوْلَيْنِ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِلْعُمُومَاتِ، مِنْهَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ: «إِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَتِي لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى نَائِلَةٌ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَحْكُمُ بِإِسْلَامِ الْكَافِرِ، فَلَمْ يَكْفُرْ
[باب الأذان والإقامة]
بَابُ الْأَذَانِ وَهُمَا مَشْرُوعَانِ، لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُونَ غَيْرِهَا لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَهُمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQبِتَرْكِهَا، كَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ حَكَاهُ فِي " الشَّرْحِ " وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأُجِيبَ عَمَّا تَقَدَّمَ: عَلَى كُفْرِ النِّعْمَةِ أَوْ عَلَى مَعْنَى قَارَبَ الْكُفْرَ، فَعَلَيْهَا حُكْمُهُ كَأَهْلِ الْكَبَائِرِ، فَتَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ السَّابِقَةُ، لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِذَا دُفِنَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ طُمِسَ قَبْرُهُ، حَتَّى يُنْسَى، وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ لَا يُرْفَعُ قَبْرُهُ، وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ تَحْقِيرًا لَهُ، وَزَجْرًا لِأَمْثَالِهِ، وَهُوَ غَرِيبٌ. فَرْعٌ: الْجُمُعَةُ كَغَيْرِهَا، وَقِيلَ: إِنِ اعْتَقَدَ وَجُوبَهَا، وَصَلَّى ظُهْرًا أَرْبَعًا، وَقُلْنَا: هِيَ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ، لَمْ يَكْفُرْ. تَنْبِيهٌ: إِذَا تَرَكَ شَرْطًا أَوْ رُكْنًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، كَالطَّهَارَةِ فَكَتَرْكِهَا، وَكَذَا مُخْتَلَفًا فِيهِ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَخَالَفَ فِيهِ الْمُؤَلِّفُ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِتَرْكِ غَيْرِهَا مِنْ زَكَاةٍ، وَصَوْمٍ، وَحَجٍّ يَحْرُمُ تَأْخِيرُهُ تَهَاوُنًا، وَكَسَلًا، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَيُقْتَلُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَسَيَأْتِي. [بَابُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ] [تَعْرِيفُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَمَشْرُوعِيَّتُهُمَا] بَابُ الْأَذَانِ. الْأَذَانُ: هُوَ فِي اللُّغَةِ الْإِعْلَامُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 3] أَيْ: إِعْلَامٌ، وَقَوْلِهِ {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج: 27] أَيْ: أَعْلِمْهُمْ يُقَالُ: أَذَّنَ بِالشَّيْءِ يُؤَذِّنُ أَذَانًا وَتَأْذِينًا، وَأَذِينًا عَلَى وَزْنِ رَغِيفٍ: إِذَا أَعْلَمَ بِهِ، وَهُوَ اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْأُذُنِ، وَهُوَ الِاسْتِمَاعُ كَأَنَّهُ يُلْقِي فِي آذَانِ النَّاسِ مَا يُعْلِمُهُمْ بِهِ. وَفِي الشَّرْعِ: الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ قُرْبِهِ بِذِكْرٍ مَخْصُوصٍ، وَالْإِقَامَةُ: هِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ أَقَامَ، وَحَقِيقَتُهُ إِقَامَةُ الْقَاعِدِ، وَفِي الشَّرْعِ: الْإِعْلَامُ بِالْقِيَامِ إِلَيْهَا بِذِكْرٍ مَخْصُوصٍ، كَأَنَّ الْمُؤَذِّنَ أَقَامَ الْقَاعِدِينَ، وَأَزَالَهُمْ عَنْ قُعُودِهِمْ. إِعْلَامُ الْأَذَانِ فِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، وَلِقَوْلِهِ: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQلِلْمُؤَذِّنِينَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، وَلِقَوْلِهِ: «مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِمَامَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَمِنَ الْإِقَامَةِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَعَنْهُ: فَضَّلَهَا، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ عَدَمَ مُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ إِمَّا خَوْفُ تَغْيِيرِ صِيغَتِهِ، أَوْ تَوَهُّمُ سَامِعٍ أَنَّ ثَمَّ غَيْرَهُ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ أَوْ لِضِيقِ الْوَقْتِ عَنْهُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " وَقِيلَ: إِنَّمَا تَرَكَهُ، لِأَنَّهُ لَوْ أَذَّنَ لَزِمَ إِجَابَتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ عَنْ دَعْوَتِهِ، مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذَّنَ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي مَطَرٍ، وَبِلَّةٍ» . خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّهُ أَفْضَلُ (وَهُمَا مَشْرُوعَانِ) بِالْكِتَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 58] ، وَبِالسُّنَّةِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: «لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيَضْرِبَ النَّاسُ بِهِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ، طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؛ فَقَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؛ فَقُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؛ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: تَقُولُ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ فَقَالَ: إِنَّهَا لَرُؤْيَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQحَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ، فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَيَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ بَعْضَهُ، وَصَحَّحَهُ، وَمَدَارُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ عَلَى ابْنِ إِسْحَاقَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ فَذَكَرَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي حَدِيثٌ صَحِيحٌ (لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) وَفِي " الْفُرُوعِ " وَالْجُمُعَةِ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِدُخُولِهَا فِي الْخَمْسِ (دُونَ غَيْرِهَا) مِنْ فَائِتَةٍ وَمَنْذُورَةٍ، وَقِيلَ: بَلَى، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ بَيْنَ الْمَفْرُوضَاتِ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْإِعْلَامُ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا، وَكَذَا عِيدٌ، وَكُسُوفٌ، وَاسْتِسْقَاءٌ بَلْ يُنَادَى لِذَلِكَ، وَأَلْحَقَ الْقَاضِي بِذَلِكَ التَّرَاوِيحَ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يُنَادَى لَهَا كَالْجِنَازَةِ عَلَى الْمَعْرُوفِ. فَرْعٌ: يُسَنُّ أَذَانٌ فِي أُذُنِ مَوْلُودٍ حِينَ يُولَدُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا، وَيُقِيمُ فِي الْيُسْرَى. (لِلرِّجَالِ) بِشَرْطِ الْإِسْلَامِ وَالْعَقْلِ، وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَسَيَأْتِي (دُونَ النِّسَاءِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ» رَوَاهُ النَّجَّادُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَأَنَسٍ، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُ، لِأَنَّ الْأَذَانَ يُشْرَعُ لَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَلَا يُشْرَعُ لَهَا، وَكَذَا الْإِقَامَةُ، لِأَنَّ مَنْ لَا يُشْرَعُ لَهُ الْأَذَانُ لَا تُشْرَعُ لَهُ الْإِقَامَةُ كَالْمَسْبُوقِ، وَعَنْهُ: يُسَنُّ لَهُنَّ، لِفِعْلِ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِّنُ وَتُقِيمُ. رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَنْهُ: مَعَ خَفْضِ الصَّوْتِ، وَالْخُنْثَى كَامْرَأَةٍ.
[حكم الأذان والإقامة]
فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، إِنِ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِمَا قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [حُكْمُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ] (وَهُمَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ) عَلَى الْمَذْهَبِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ لَا يُؤَذِّنُونَ، وَلَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ، إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَلِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، فَكَانَ وَاجِبًا كَالْجِهَادِ، فَعَلَى هَذَا تَجِبُ عَلَى جَمَاعَةِ الرِّجَالِ، وَعَنْهُ: عَلَى كُلِّ رَجُلٍ عَاقِلٍ يُرِيدُ الصَّلَاةَ وَحْدَهُ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " حَضَرًا، وَعَنْهُ: وَسَفَرًا، وَهُوَ أَظْهَرُ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُؤَذَّنُ لَهُ، وَيُقَامُ فِيهِمَا، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُمَا فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ، سُنَّتَانِ عَلَى الْمُسَافِرِينَ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَقَالَ السَّامِرِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمِصْرِ وَالْقُرَى، وَلَا بَيْنَ الْحَاضِرِينَ وَالْمُسَافِرِينَ، وَالْوَاحِدُ وَالْجَمَاعَةُ سَوَاءٌ، قُلْنَا هُمَا وَاجِبَانِ أَوْ مَسْنُونَانِ، وَعَنْهُ: هُمَا سُنَّةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، لِأَنَّهُ دُعَاءٌ إِلَى الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ قَوْلَهُ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " هُوَ فَرْضٌ، وَهِيَ سُنَّةٌ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: وَعَلَى أَنَّهُمَا سُنَّةٌ (إِنِ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِمَا قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ) لِأَنَّهُمَا مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، فَقُوتِلُوا عَلَى التَّرْكِ، كَصَلَاةِ الْعِيدِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِمَامِ الْخَلِيفَةُ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُ كَنَائِبِهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا قَامَ بِهِمَا مَنْ يَحْصُلُ بِهِ الْإِعْلَامُ غَالِبًا، أَجْزَأَ عَنِ الْكُلِّ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِالْبَلَدِ الصَّغِيرِ، أَوِ المحلة الكبيرة إِذَا كَانَ يُسْمِعُهُمْ جَمِيعَهُمْ، لِأَنَّ الْغَرَضَ إِسْمَاعَهُمْ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": مَتَى أَذَّنَ وَاحِدٌ سَقَطَ عَمَّنْ صَلَّى مَعَهُ مُطْلَقًا خَاصَّةً، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ اثْنَانِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ فِي
[أخذ الأجرة على الأذان]
الْأُجْرَةِ عَلَيْهِمَا فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُتَطَوِّعٌ، رَزَقَ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْفَجْرِ فَقَطْ كَبِلَالٍ، وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا، وَقَالَ الْقَاضِي: عَلَى أَرْبَعَةٍ لِفِعْلِ عُثْمَانَ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، وَيُقِيمَ مَنْ أَذَّنَ أَوَّلًا، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلِ الْإِعْلَامُ بِوَاحِدٍ زِيدَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، كُلُّ وَاحِدٍ فِي جَانِبٍ، أَوْ دُفْعَةٌ وَاحِدَةٌ بِمَكَانٍ وَاحِدٍ، وَيُقِيمُ أَحَدُهُمْ، وَالْمُرَادُ بِلَا حَاجَةٍ فَإِنْ تَشَاحُّوا أُقْرِعَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ بِدُونِهِمَا، لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، لَكِنْ يُكْرَهُ ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: إِلَّا بِمَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ، وَنَصُّهُ: أَوِ اقْتَصَرَ مُسَافِرٌ وَمُنْفَرِدٌ عَلَى الْإِقَامَةِ، وَهُمَا أَفْضَلُ لِكُلِّ مُصَلٍّ إِلَّا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَا يُشْرَعُ، بَلْ حَصَلَ لَهُمُ الْفَضِيلَةُ كَقِرَاءَةِ الْإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ. وَهَلْ صَلَاةُ مَنْ أَذَّنَ لِصَلَاتِهِ بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ فَضْلٌ يَخْتَصُّ الصَّلَاةَ أَمْ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا وَصَلَاةَ مَنْ أُذِّنَ لَهُ سَوَاءٌ لِحُصُولِ سُنَّةِ الْأَذَانِ؛ ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَحْمَدَ تَوَقَّفَ نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ. [أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ] (وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِمَا فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: «وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ: وَكَرِهُوا أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا، وَلِأَنَّهُ يَقَعُ قُرْبَةً لِفَاعِلِهِ أَشْبَهَ الْإِمَامَةَ، وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ، لِأَنَّ فِعْلَهُ مَعْلُومٌ يَجُوزُ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، فَجَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَالْأُولَى: أَصَحُّ، وَخَطَّأَ ابْنُ حَامِدٍ مَنْ أَجَازَهُ، لِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَالْإِقَامَةُ كَالْأَذَانِ مَعْنًى وَحُكْمًا (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُتَطَوِّعٌ رَزَقَ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَنْ يَقُومُ بِهِمَا) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " لِأَنَّ
[ما يتحلى به المؤذن من الصفات]
الْمَالِ مَنْ يَقُومُ بِهِمَا. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا أَمِينًا عَالِمًا بِالْأَوْقَاتِ، فَإِنْ تَشَاحَّ فِيهِ اثْنَانِ، قُدِّمَ أَفْضَلُهُمَا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ أَفْضَلُهُمَا فِي دِينِهِ وَعَقْلِهِ، ثُمَّ مَنْ يَخْتَارُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةً إِلَيْهِ، وَنُقِلَ عَنْهُ الْمَنْعُ، لَكِنْ قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": هُوَ ضَعِيفٌ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ يَرْزُقُهُ الْإِمَامُ مِنَ الْفَيْءِ، لِأَنَّهُ الْمُعَدُّ لِلْمَصَالِحِ، فَهُوَ كَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْغُزَاةِ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ مُتَطَوِّعٌ بِهِ لَمْ يُعْطَ غَيْرُهُ مِنْهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ. [مَا يَتَحَلَّى بِهِ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الصِّفَاتِ] (وَيَنْبَغِي) أَيْ: وَيُسْتَحَبُّ (أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا) أَيْ: رَفِيعَ الصَّوْتِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: «قُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» وَاخْتَارَ أَبَا مَحْذُورٍ لِلْأَذَانِ لِكَوْنِهِ صَيِّتًا، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ، زَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ: وَأَنْ يَكُونَ حَسَنَ الصَّوْتِ، لِأَنَّهُ أَرَقُّ لِسَامِعِهِ (أَمِينًا) أَيْ: عَدْلًا لِمَا رَوَى أَبُو مَحْذُورَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُمَنَاءُ النَّاسِ عَلَى صَلَاتِهِمْ وَسُحُورِهِمُ الْمُؤَذِّنُونَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَفِيهِ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَفِيهِ كَلَامٌ، وَلِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، وَغَيْرِهَا، وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَغُرَّهُمْ بِأَذَانِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يُؤَذِّنُ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ، وَلَا يُؤْمَنُ مِنْهُ النَّظَرُ إِلَى الْعَوْرَاتِ (عَالِمًا بِالْأَوْقَاتِ) لِيَتَحَرَّاهَا فَيُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهَا لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ الْخَطَأُ، وَاشْتَرَطَهُ أَبُو الْمَعَالِي كَالذُّكُورِيَّةِ، وَالْعَقْلِ، وَالْإِسْلَامِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يَعْرِفُ الْوَقْتَ، فَرُبَّمَا غَلِطَ، وَكَرِهَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ أَذَانَهُ، وَكَرِهَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِقَامَتَهُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْ يُعَرِّفُهُ الْوَقْتَ لَمْ يُكْرَهْ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَتُسْتَحَبُّ حُرِّيَّتُهُ، حَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ اتِّفَاقًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: لَا فَرْقَ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَيَسْتَأْذِنُ سَيِّدَهُ (فَإِنْ تَشَاحَّ) تَفَاعَلَ مِنَ الشُّحِّ، وَهُوَ النَّحْلُ مَعَ حِرْصٍ (فِيهِ اثْنَانِ)
الْجِيرَانُ، فَإِن اسْتَوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا. وَالْأَذَانُ خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً لَا تَرْجِيعَ فِيهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا يُرِيدَانِ أَنْ يَفُوتَهُمَا (قُدِّمَ أَفْضَلُهُمَا فِي ذَلِكَ) أَيْ: فِي الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدَّمَ بِلَالًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ لِكَوْنِهِ أَنْدَى صَوْتًا مِنْهُ، وَقِسْنَا بَقِيَّةَ الْخِصَالِ عَلَيْهِ، فَإِنِ اسْتَوَوْا فِيهَا فَقَالَ: ثُمَّ أَفْضَلُهُمَا فِي دِينِهِ وَعَقْلِهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ قُرَّاؤُكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَغَيْرُهُ، وَلِأَنَّهُ إِذَا قُدِّمَ بِالْأَفْضَلِيَّةِ فِي الصَّوْتِ فَفِي الْأَفْضَلِيَّةِ فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلِأَنَّ مُرَاعَاتَهُمَا أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الصَّوْتِ، لِأَنَّ الضَّرَرَ بِفَقْدِهِمَا أَشَدُّ (ثُمَّ مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " و" الشَّرْحِ " لِأَنَّ الْأَذَانَ لِإِعْلَامِهِمْ، فَكَانَ لِرِضَاهُمْ أَثَرٌ فِي التَّقْدِيمِ، وَلِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ يَبْلُغُهُمْ صَوْتُهُ، وَمَنْ هُوَ أَعَفُّ مِنَ النَّظَرِ، وَحُكْمُ أَكْثَرِهِمْ كَالْكُلِّ، وَذَكَرَ فِي " الْكَافِي " هَذَا رِوَايَةً (فَإِنِ اسْتَوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَتَشَاحَّ النَّاسُ فِي الْأَذَانِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ، لِأَنَّهَا تُزِيلُ الْإِيهَامَ، وَيُجْعَلُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ كَالْمُسْتَحِقِّ الْمُتَعَيِّنِ. وَعَنْهُ: تُقَدَّمُ الْقُرْعَةُ عَلَى مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْكَافِي " و" التَّلْخِيصِ " و" الْبُلْغَةِ " وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَدْيَنُ الْأَفْضَلُ فِيهِ، ثم القرعة جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ". وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَالسَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُمَا مَعَ الِاسْتِوَاءِ يُقَدَّمُ مَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ فِي عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ أَوِ التَّقَدُّمِ بِالْأَذَانِ فِيهِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يُقَدَّمُ مَنْ لَهُ التَّقْدِيمُ، ثُمَّ الْأَعْقَلُ، ثُمَّ الْأَدْيَنُ، ثُمَّ الْأَفْضَلُ فِيهِ، ثُمَّ الْأَخْبَرُ بِالْوَقْتِ، ثُمَّ الْأَعْمَرُ لِلْمَسْجِدِ الْمُرَاعِي
[عدد كلمات الأذان]
وَالْإِقَامَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً، فَإِنْ رَجَّعَ فِي الْأَذَانِ، أَوْ ثَنَّى الْإِقَامَةَ فَلَا بَأْسَ، وَيَقُولُ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَهُ، ثُمَّ الْأَقْدَمُ تَأْذِينًا فِيهِ، وَقِيلَ: أَوْ أَبُوهُ، ثُمَّ مَنْ قُرِعَ مَعَ التَّسَاوِي، وَعَنْهُ: بَلْ مَنْ رَضِيَهُ الْجِيرَانُ. [عَدَدُ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ] (وَالْأَذَانُ) الْمُخْتَارُ (خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً لَا تَرْجِيعَ فِيهِ، وَالْإِقَامَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ كَذَلِكَ، وَيُقِيمُ حَضَرًا وَسَفَرًا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَنْ مَاتَ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ قِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ بَعْدَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَقَرَّ بِلَالًا عَلَى أَذَانِ عَبْدِ اللَّهِ؛، وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ قَالَ: «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ الْبُخَارِيُّ «إِلَّا الْإِقَامَةَ» ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «إِنَّمَا كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ، وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَصَحَّحَهُ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَيْ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، أَوْ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، أَوْ هُوَ بِمَعْنَى كَبِيرٍ، وَقَوْلُهُ أَشْهَدُ أَيْ: أَعْلَمُ، وَقَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَيْ: أَقْبِلُوا إِلَيْهَا، وَقِيلَ: أَسْرِعُوا، وَالْفَلَاحُ الْفَوْزُ وَالْبَقَاءُ، لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَيَبْقَى فِيهَا وَيَخْلُدُ، وَقِيلَ: هُوَ الرُّشْدُ وَالْخَيْرُ، وَطَالِبُهُمَا مُفْلِحٌ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ إِلَى الْفَلَاحِ، وَمَعْنَاهُ: هَلُمُّوا إِلَى سَبَبِ ذَلِكَ، وَخَتَمَ (بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) لِيَخْتِمَ بِالتَّوْحِيدِ، وَبِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا بَدَأَ بِهِ، وَشُرِعَتِ الْمَرَّةُ إِشَارَةً إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الْمَعْبُودِ سُبْحَانَهُ. (فَإِنْ رَجَّعَ فِي الْأَذَانِ أَوْ ثَنَّى الْإِقَامَةَ فَلَا بَأْسَ) أَيْ: هُوَ جَائِزٌ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فَقَالَ: أَذَانُ أَبِي مَحْذُورَةَ أَعْجَبُ إِلَيَّ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ مَكَّةَ إِلَى الْيَوْمِ، وَهُوَ يُرَجِّعُ فَيُعِيدُ الشَّهَادَتَيْنِ بعد ذكرهما خَفْضًا بِصَوْتٍ أَرْفَعَ مِنَ الصَّوْتِ الْأَوَّلِ. عَنْ أَبِي
[ما يقول في أذان الصبح بعد الحيعلتين]
فِي أَذَانِ الصُّبْحِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَسَّلَ فِي الْأَذَانِ وَيَحْدُرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَحْذُورَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُ الْأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ. وَالْحِكْمَةُ: أَنْ يَأْتِيَ بِهِمَا بِتَدَبُّرٍ وَإِخْلَاصٍ، لِكَوْنِهِمَا الْمُنْجِيَتَيْنِ مِنَ الْكُفْرِ الْمُدْخِلَتَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ رَجَعَ إِلَى الرَّفْعِ بَعْدَ أَنْ تَرَكَهُ، أَوْ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَ ذِكْرِهِمَا، وَالْمُرَادُ بِالْخَفْضِ: أَنْ يُسْمِعَ مَنْ بِقُرْبِهِ أَوْ أَهْلَ الْمَسْجِدِ إِنْ كَانَ وَاقِفًا، وَالْمَسْجِدُ مُتَوَسِّطُ الْخَطِّ، وَالتَّرْجِيعُ: اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ مِنَ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَعَنْهُ: لَا يُعْتَبَرُ التَّرْجِيعُ فِيهِ، وَأَجَابَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّمَا أَمَرَ أَبَا مَحْذُورَةَ بِذِكْرِ الشَّهَادَتَيْنِ سِرًّا لِيَحْصُلَ الْإِخْلَاصُ بِهِمَا، فَإِنَّهُ فِي الْإِسْرَارِ أَبْلَغُ، وَخَصَّ أَبَا مَحْذُورَةَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِهِمَا حِينَئِذٍ، فَإِنَّ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَهْزِئًا يَحْكِي أَذَانَ مُؤَذِّنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَمِعَهُ، فَدَعَاهُ فَأَمَرَهُ بِالْأَذَانِ، وَقَصَدَ نُطْقَهُ بِهِمَا لِيُسَلِّمَ بِذَلِكَ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ بِلَالًا، وَلَا غَيْرَهُ مِمَّنْ هُوَ ثَابِتُ الْإِسْلَامِ، وَيُعَضِّدُهُ أَنَّ خَبَرَ أَبِي مَحْذُورَةَ مَتْرُوكٌ بِالْإِجْمَاعِ، لِعَدَمِ عَمَلِ الشَّافِعِيِّ بِهِ فِي الْإِقَامَةِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْأَذَانِ، وَعَنْهُ: هُمَا سَوَاءٌ، وَقَالَهُ إِسْحَاقُ لِصِحَّةِ الرِّوَايَةِ بِهِمَا، وَأَمَّا تَثْنِيَةُ الْإِقَامَةِ فَهِيَ كَالْأَذَانِ، لِأَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَقَامَ مِثْلَ أَذَانِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَا تُكْرَهُ تَثْنِيَتُهَا. [مَا يَقُولُ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ] (وَيَقُولُ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ) بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ: (الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي مَحْذُورَةَ: «فَإِذَا كَانَ أَذَانُ الْفَجْرِ فَقُلِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّ بِلَالًا جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ نَائِمٌ، قَالَ: فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ
[الترسل في الأذان والحدر في الإقامة]
فِي الْإِقَامَةِ، وَيُؤَذِّنَ قَائِمًا مُتَطَهِّرًا، عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحَيْعَلَةَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ» قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَأُدْخِلَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي التَّأْذِينِ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَقِيلَ: يَجِبُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرَّوْضَةِ " وَيُسَمَّى هَذَا التَّثْوِيبَ لِأَنَّهُ مِنْ ثَابَ بِالْمُثَلَّثَةِ إِذَا رَجَعَ، لِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ دَعَا إِلَى الصَّلَاةِ بِالْحَيْعَلَتَيْنِ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقُولُهُ، وَلَوْ أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَنَّهُ يُكْرَهُ فِي غَيْرِ أَذَانِ الْفَجْرِ، وَبَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِقَوْلِ بِلَالٍ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُثَوِّبَ فِي الْفَجْرِ، وَنَهَانِي أَنْ أُثَوِّبَ فِي الْعِشَاءِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَاخْتُصَّتْ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ وَقْتٌ يَنَامُ النَّاسُ فِيهِ غَالِبًا، فَشُرِعَ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ. [التَّرَسُّلُ فِي الْأَذَانِ وَالْحَدْرُ فِي الْإِقَامَةِ] (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَسَّلَ) أَيْ: يَتَمَهَّلَ، وَيَتَأَنَّى مِنْ قَوْلِهِمْ: جَاءَ فُلَانٌ عَلَى رِسْلِهِ (فِي الْأَذَانِ وَيَحْدُرَ) أَيْ: يُسْرِعَ (الْإِقَامَةِ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلَالٍ: «يَا بِلَالُ إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ صَاحِبِ السِّقَاءِ، وَهُوَ إِسْنَادٌ مَجْهُولٌ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي " مُسْتَدْرَكِهِ " وَعَنْ عُمَرَ مَعْنَاهُ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَلِأَنَّهُ إِعْلَامُ الْغَائِبِينَ، فَالتَّثَبُّتُ فِيهِ أَبْلَغُ، وَالْإِقَامَةَ إِعْلَامُ الْحَاضِرِينَ فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فِيهَا، وَيُسَنُّ أَذَانُهُ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَأَنْ يَقِفَ عَلَى كُلِّ جُمْلَةٍ، قَالَ جَمَاعَةٌ: هُمَا مَجْزُومَانِ، وَحُكِيَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: شَيْئَانِ مَجْزُومَانِ كَانُوا لَا يُعْرِبُونَهُمَا الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ. [الْأَذَانُ قَائِمًا مُتَطَهِّرًا] (وَأَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلَالٍ: «قُمْ فَأَذِّنْ» وَكَانَ مُؤَذِّنُوهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُؤَذِّنُونَ قِيَامًا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ أَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِسْمَاعِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا أَذَّنَ قَاعِدًا أَنَّهُ يَصِحُّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQلَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، كَالْخُطْبَةِ قَاعِدًا، وَعَنْهُ: لَا يُعْجِبُنِي، وَبَعَّدَهُ ابْنُ حَامِدٍ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ جَازَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الِاضْطِجَاعَ، وَيَتَوَجَّهُ الْجَوَازُ، لَكِنْ يُكْرَهُ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَالْمَاشِي كَالرَّاكِبِ، وَظَاهِرُهُ الْكَرَاهَةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ، وَعَنْهُ: لَا، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ حَضَرًا، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ أَذَّنَ قَاعِدًا أَوْ مَشَى فِيهِ كَثِيرًا بَطَلَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الثَّانِيَةِ. وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَتُكْرَهُ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا، وَقَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": يُبَاحَانِ لِلْمُسَافِرِ حَالَ مَشْيِهِ وَرُكُوبِهِ فِي رِوَايَةٍ (مُتَطَهِّرًا) مِنَ الْحَدَثَيْنِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُؤَذِّنُ إِلَّا مُتَوَضِّئٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَقَالَا: هُوَ أَصَحُّ، وَحُكْمُ الْإِقَامَةِ كَذَلِكَ، فَإِنْ أَذَّنَ أَوْ أَقَامَ مُحْدِثًا، فَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ يَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْجَدُّ عَدَمَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ تَمِيمٍ أَنَّهَا تُكْرَهُ الْإِقَامَةُ قَوْلًا وَاحِدًا لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، لِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَدَثَيْنِ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهُ كَالْآخَرِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ لِلصَّلَاةِ أَشْبَهَ الْقِرَاءَةَ، وَعَلَى الصِّحَّةِ: إِنْ أَذَّنَ فِي مَسْجِدٍ مَعَ جَوَازِ لُبْثِهِ فِيهِ صَحَّ، وَمَعَ تَحْرِيمِهِ، فَهُوَ كَالْأَذَانِ فِي مَكَانٍ غُصِبَ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْبُقْعَةِ لَهُ، لَكِنْ مَعَ الْإِثْمِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَعَدَمُهَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ
الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَمْ يَسْتَدِرْ، وَيَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَيَتَوَلَّاهُمَا مَعًا، وَيُقِيمَ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَبْدُوسٍ، فَإِنَّهُ قَطَعَ بِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لَهُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يُسَنُّ أَنْ يُؤَذِّنَ مُتَطَهِّرًا مِنْ نَجَاسَةِ بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ، وَرُبَّمَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ (عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ) أَيْ: مُرْتَفِعٍ كَالْمَنَارَةِ، وَنَحْوِهَا لِحَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ، فَلَوْ خَالَفَ صَحَّ وَكُرِهَ، كَالْخُطْبَةِ (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ مُرْسَلًا أَنَّ الَّذِي رَآهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ اسْتَقْبَلَ، وَأَذَّنَ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، وَلِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ، فَلَوْ خَالَفَ فَكَالَّذِي قَبْلَهُ (فَإِذَا بَلَغَ الْحَيْعَلَةَ) وَهِيَ كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، كَمَا يُقَالُ بَسْمَلَ، وَسَبْحَلَ، وَهَيْلَلَ، وَنَحْوُهَا (الْتَفَتَ) بِرَأْسِهِ وَعُنُقِهِ وَصَدْرِهِ، وَظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ بِصَدْرِهِ (يَمِينًا وَشِمَالًا) فَيَكُونُ يَمِينًا حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ يَسَارًا، ثُمَّ كَذَلِكَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، وَقِيلَ: يَقُولُ يَمِينًا: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَسَارًا: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، ثُمَّ كَذَلِكَ ثَانِيَةً، وَهُوَ سَهْوٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ يَمِينًا: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ، وَيَسَارًا: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ (وَلَمْ يَسْتَدِرْ) أَيْ: لَا يُزِيلُ قَدَمَيْهِ، قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، فَخَرَجَ، وَتَوَضَّأَ، فَأَذَّنَ بِلَالٌ، فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا، وَهَاهُنَا، يَقُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ: «فَلَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، لَوَى عُنُقَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَمْ يَسْتَدِرْ» وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمَنَارَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ الدَّوَرَانُ فِي الْمَنَارَةِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَعَنْهُ: يُزِيلُ قَدَمَيْهِ فِي الْمَنَارَةِ، وَنَحْوِهَا، نَصَرَهُ فِي " الْخِلَافِ "، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرَّوْضَةِ " لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِدُونِ ذَلِكَ، زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: مَعَ كِبَرِ الْبَلَدِ لِلْحَاجَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ فِي الْإِقَامَةِ، وَهُوَ وَجْهٌ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَجَزَمَ بِهِ الْآجُرِّيُّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَغَيْرُهُ، وَالثَّانِي: يَلْتَفِتُ فِيهَا فِي الْحَيْعَلَةِ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ مِقْدَارَ طَاقَتِهِ، وَلَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ لِئَلَّا يَنْضَرَّ مَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِجَمَاعَةٍ حَاضِرِينَ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ، وَعَنْهُ: التَّوَسُّطُ أَفْضَلُ. (وَيَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ) أَيْ: سَبَّابَتَيْهِ (فِي أُذُنَيْهِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ: «أَنَّ بِلَالًا وَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِلَالًا بِذَلِكَ، وَقَالَ: «إِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْهُ: يَضُمُّ أَصَابِعَهُ إِلَى رَاحَتَيْهِ، وَيَجْعَلُهُمَا عَلَى أُذُنَيْهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَابْنِ الْبَنَّا، وَصَاحِبِ " الْبُلْغَةِ "، رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ أَمَرَ مُؤَذِّنًا بِذَلِكَ، رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ، وَعَنْهُ: يَبْسُطُ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً عَلَى أُذُنَيْهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " زَادَ السَّامِرِيُّ عَلَيْهَا دُونَ الْإِبْهَامِ، وَالرَّاحَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ، وَشُهْرَتِهِ، وَعَمَلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ، لِيَجْتَمِعَ الصَّوْتُ وَيَسْتَدِلَّ الْأَصَمُّ عَلَى كَوْنِهِ أَذَانَا، وَأَيُّهُمَا فُعِلَ فَحَسَنٌ، وَيَرْفَعُ وَجْهَهُ إِلَى السَّمَاءِ فِيهِ كُلِّهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " عِنْدَ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَقِيلَ: وَالشَّهَادَتَيْنِ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (وَيَتَوَلَّاهُمَا مَعًا) لِمَا فِي حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ حِينَ أَذَّنَ قَالَ: «فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يُقِيمُ أَخُو صُدَاءٍ، فَإِنَّ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنما نعرفه مِنْ حَدِيثِ الْإِفْرِيقِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُمَا ذِكْرَانِ يَتَقَدَّمَانِ الصَّلَاةَ، فَسُنَّ أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا وَاحِدٌ، كَالْخُطْبَتَيْنِ، وَعَنْهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ، لِقَوْلِهِ
[لا يصح الأذان إلا مرتبا متواليا]
فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ إِلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إِلَّا مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا، فَإِنْ نَكَّسَهُ، أَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ أَوْ كَلَامٍ كَثِيرٍ أَوْ مُحَرَّمٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ إِلَّا بَعْدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ- عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: «أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ، فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ فَأَذَّنَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقِمْ أَنْتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَوَلَّاهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ، وَالْأَوَّلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلَوْ سُبِقَ الْمُؤَذِّنُ بِالْأَذَانِ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَوْ أَعَادَ الْأَذَانَ كَمَا صَنَعَ أَبُو مَحْذُورَةَ، فَإِنْ أَقَامَ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةٍ فَلَا بَأْسَ. (وَيُقِيمَ فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ) لِقَوْلِ بِلَالٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ» لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُقِيمُ فِي الْمَسْجِدِ لَمَا خَافَ أَنْ يَسْبِقَهُ بِهَا، كَذَا اسْتَنْبَطَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: كُنَّا إِذَا سَمِعْنَا الْإِقَامَةَ تَوَضَّأْنَا، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ كَالْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ (إِلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ) مِثْلَ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي مَنَارَةٍ، أَوْ مَكَانٍ بَعِيدٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ يُقِيمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ أَذَانِهِ، لِئَلَّا تَفُوتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ، لِإِمْكَانِ صَلَاتِهِ لَكِنْ لَا يُقِيمُ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، لِفِعْلِ بِلَالٍ. [لَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إِلَّا مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا] (وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إِلَّا مُرَتَّبًا) لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مُتَعَبَّدٌ بِهِ فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِنَظْمِهِ، كَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ (مُتَوَالِيًا) عُرْفًا، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَهُوَ الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ بِغَيْرِ مُوَالَاةٍ، وَشُرِعَ فِي الْأَصْلِ كَذَلِكَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَّمَهُ أَبَا مَحْذُورَةَ مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا (فَإِنْ نَكَّسَهُ) لَمْ يَصِحَّ لِمَا ذَكَرْنَا (أَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ أَوْ كَلَامٍ كَثِيرٍ أَوْ مُحَرَّمٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ) إِذَا طَالَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ جُمَلِهِ، إِمَّا بِالسُّكُوتِ الطَّوِيلِ أَوِ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ الْكَثِيرِ، بَطَلَ، لِإِخْلَالِهِ بِالْمُوَالَاةِ الْمُشْتَرَطَةِ، وَمِثْلُهُ نَوْمٌ كَثِيرٌ أَوْ إِغْمَاءٌ أَوْ جُنُونٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ السُّكُوتَ والكلام الْمُبَاحَ الْيَسِيرَ لَا يُبْطِلَانِهِ، بَلْ هُوَ جَائِزٌ، لِأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ - وَلَهُ
[الأذان بعد دخول الوقت]
دُخُولِ الْوَقْتِ، إِلَّا الْفَجْرُ، فَإِنَّهُ يُؤَذَّنُ لَهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ بَعْدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQصُحْبَةٌ - كَانَ يَأْمُرُ غُلَامَهُ بِالْحَاجَةِ فِي أَذَانِهِ، وَكَرَدِّ السَّلَامِ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَإِنْ كَانَ التَّفْرِيقُ بِالْمُحَرَّمِ كَالسَّبِّ، وَالْقَذْفِ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، لِأَنَّهُ فِعْلٌ يُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْأَذَانِ، كَالرِّدَّةِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " وَعَلَّلَهُ الْمَجْدُ بِأَنَّهُ قَدْ يَظُنُّ سَامِعَهُ مُتَلَاعِبًا، أَشْبَهَ الْمُسْتَهْزِئَ، وَعَلَّلَهُ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِيهِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: كَالرِّدَّةِ، فَدَلَّ أَنَّ كُلَّ مُحَرَّمٍ سَوَاءٌ، وَالثَّانِي: يُعْتَدُّ بِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُخِلَّ بِالْمَقْصُودِ، أَشْبَهَ الْمُبَاحَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا ارْتَدَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّ حُكْمَهَا بَاقٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَبْطُلُ قِيَاسًا عَلَيْهَا، وَحُكْمُ الْإِقَامَةِ كَذَلِكَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ فِي أَذَانِهِ؛ قَالَ: نَعَمْ، قَلْتُ لَهُ: يَتَكَلَّمُ فِي الْإِقَامَةِ، قَالَ: لَا، وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ حَدْرُهَا، وَيُعْتَبَرُ مَعَهمَا النِّيَّةُ، وَاتِّحَادُ الْمُؤَذِّنِ، فَلَوْ أَتَى وَاحِدٌ بِبَعْضِهِ، وَآخَرُ بِبَقِيَّتِهِ لَمْ تَصِحَّ كَالصَّلَاةِ. مَسْأَلَةٌ: لَا تُعْتَبَرُ مُوَالَاةً بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ إِذَا أَقَامَ عِنْدَ إِرَادَةِ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَيَجُوزُ الْكَلَامُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا بَعْدَ الْإِقَامَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. [الْأَذَانُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ] (وَلَا يَجُوزُ) أَيْ: لَا يَصِحُّ (إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ) لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِمَامِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَهُوَ حَثٌّ عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَصِحَّ فِي وَقْتٍ لَا تَصِحُّ فِيهِ كَالْإِقَامَةِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " رِوَايَةٌ بِالْكَرَاهَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِهَا، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، لِفِعْلِ بِلَالٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا مَا دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا، وَالْمَنْعُ مِنْهُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَيَتَوَجَّهُ بِسُقُوطِ مَشْرُوعِيَّتِهِ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ (إِلَّا الْفَجْرُ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ بِلَالًا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQيُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ الْبُخَارِيُّ: «وَكَانَ رجلًا أعمى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ» وَلِأَنَّ وَقْتَهَا يَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ، وَفِيهِمُ الْجُنُبُ وَالنَّائِمُ، فَاسْتُحِبَّ تَقْدِيمُ أَذَانِهِ حَتَّى يَتَهَيَّئُوا لَهَا فَيُدْرِكُوا فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْوَقْتِ كَثِيرًا لِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالَ الْقَاسِمُ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ ذَا، وَيَرْقَى ذَا، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مَجْمُوعُ مَا رُوِيَ فِي تَقْدِيمِ الْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ إِنَّمَا هُوَ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ، وَأَمَّا مَا يُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا مِنَ الْأَذَانِ لِلْفَجْرِ مِنَ الثُّلُثِ الْأَخِيرِ، فَخِلَافُ السُّنَّةِ إِنْ سَلِمَ جَوَازُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ قَبْلَ الْوَقْتِ لَهَا كَغَيْرِهَا، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى وَقْتِ الْجَوَازِ فَقَالَ: (فَإِنَّهُ يُؤَذَّنُ لَهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " لِأَنَّ مُعْظَمَهُ قَدْ ذَهَبَ، وَقَرُبَ الْأَذَانُ، وَبِذَلِكَ يَخْرُجُ وَقْتُ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارُ، وَيَدْخُلُ وَقْتُ الدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، رَوَى الْأَثْرَمُ قَالَ: كَانَ مُؤَذِّنُ دِمَشْقَ يُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي السَّحَرِ بِمِقْدَارِ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ سِتَّةَ أَمْيَالٍ فَلَا يُنْكِرُهُ مكحول، وَقَيَّدَهُ فِي " الْكَافِي " و" الشَّرْحِ " بِأَنْ يَجْعَلَهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي اللَّيَالِي كُلِّهَا فَلَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ لِئَلَّا يَغُرَّ النَّاسَ، وَظَاهِرُهُ الِاعْتِدَادُ بِهِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ رَمَضَانَ، وَغَيْرِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " فِي حَقِّ مَنْ عُرِفَ لَهُ عَادَةٌ بِالْأَذَانِ فِيهِ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، لَكِنْ نَصَّ أَحْمَدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهُ يُكْرَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ فِيهِ لِئَلَّا يَغُرَّ النَّاسَ فَيَتْرُكُوا سُحُورَهُمْ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَذَّنَ قَبْلَهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَنْ يُؤَذِّنُ فِي الْوَقْتِ لِلْخَبَرِ، وَاشْتَرَطَهُ طَائِفَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ، وَأَلْحَقَ الشِّيرَازِيُّ الْجُمُعَةَ بِهِ، فَأَجَازَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ لِيُدْرِكَهَا مَنْ بَعُدَ مَنْزِلُهُ، وَاسْتَثْنَى ابْنُ عَبْدُوسٍ مَعَ الْفَجْرِ الصَّلَاةَ الْمَجْمُوعَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ وَقْتَهُمَا كَالْوَاحِدة (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ
[الأذان لمن جمع بين صلاتين أو قضاء فوائت]
أَذَانِ الْمَغْرِبِ جِلْسَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يُقِيمَ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ، أَوْ قَضَاءِ فَوَائِتَ، أَذَّنَ وَأَقَامَ لِلْأُولَى، ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا، وَهَلْ يُجْزِئُ أَذَانُ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِينَ؛ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَجْلِسَ بَعْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ جِلْسَةً خَفِيفَةً ثُمَّ يُقِيمَ) كَذَا فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى تَمَّامٌ فِي فَوَائِدِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «جُلُوسُ الْمُؤَذِّنِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْمَغْرِبِ سُنَّةٌ» وَقَيَّدَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ بِقَدْرِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: خَفِيفَتَيْنِ، وَقِيلَ: وَالْوُضُوءُ، وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلَالٍ: «اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفرغ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقِيلَ: بِقَدْرِ الْوُضُوءِ وَالسَّعْيِ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ " بِقَدْرِ حَاجَتِهِ، وَوُضُوئِهِ، زاد الحلواني: وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا سُنَّ تَعْجِيلُهَا، وَلِأَنَّ الْأَذَانَ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ، فَيُسَنُّ تَأْخِيرُ الْإِقَامَةِ لِلْإِدْرَاكِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا فِي غَيْرِهَا، وَكَذَا كُلُّ صَلَاةٍ فَيُسَنُّ تَقْدِيمُهَا لِعُمُومِ النَّصِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُسْتَحَبُّ الرَّكْعَتَانِ قَبْلَهَا فِي الظَّاهِرِ عَنْهُ، وَلَا يُكْرَهُ فِعْلُهُمَا قَبْلَهَا فِي الْمَنْصُوصِ، وَعَنْهُ: يُسَنُّ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَعَنْهُ: بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ. [الْأَذَانُ لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ أَوْ قَضَاءِ فَوَائِتَ] (وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ) سَوَاءٌ كَانَ جَمْعَ تَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ (أَوْ قَضَاءِ فَوَائِتَ أَذَّنَ، وَأَقَامَ لِلْأُولَى، ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا) جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيُقِيمُ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَعَنْهُ: إِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ فَلَا بَأْسَ، وَهُوَ الَّذِي فِي " الشَّرْحِ " وَخَصَّهُ بِمَا إِذَا كَانَ الْجَمْعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ الْأُولَى مُفَعُولَةٌ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا فَهِيَ كَالْفَائِتَةِ، وَالثَّانِيَةَ مَسْبُوقَةٌ بِصَلَاةٍ، فَلَمْ يُشْرَعْ لَهَا كَالثَّانِيَةِ مِنَ الْفَوَائِتِ بِخِلَافِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ، لِأَنَّ الْأُولَى مُفَعُولَةٌ فِي وَقْتِهَا،
[أذان المميز]
عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَهَلْ يُعْتَدُّ بِأَذَانِ الْفَاسِقِ وَالْأَذَانِ الْمُلَحَّنِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَيُسْتَحَبُّ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَشْبَهَ مَا لَمْ يَجْمَعْ، وَأَمَّا قَضَاءُ الْفَوَائِتِ فَلِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «أَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ شَغَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ، حَتَّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَقَالَ: لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ إِلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، وَقَيَّدَهُ فِي " الشَّرْحِ " بِمَا إِذَا كَانَ فِي الْجَمَاعَةِ، فَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ كَانَ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ أَدْنَى، لِأَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ لِلْإِعْلَامِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ هُنَا، وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ بِالِاكْتِفَاءِ لَهُنَّ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ إِذَا أَذَّنَ، وَعَنْهُ: يُقِيمُ فِي غَيْرِ أَذَانٍ، وَكَذَا لَوْ قَضَاهَا مُتَفَرِّقَاتٍ مِنْ غَيْرِ مُوَالَاةٍ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ وَاحِدَةً فَيُؤَذِّنُ لَهَا وَيُقِيمُ، وَصَرَّحَ فِي " الْكَافِي " أَنَّهُ يُسَنُّ الْأَذَانُ لِلْفَائِتَةِ، ثُمَّ إِنْ خَافَ مِنْ رَفْعِ صَوْتِهِ بِهِ أَسَرَّ، وَإِلَّا جَهَرَ، فَلَوْ تَرَكَ الْأَذَانَ لَهَا فَلَا بَأْسَ. [أَذَانُ الْمُمَيِّزِ] (وَهَلْ يُجْزِئُ أَذَانُ الْمُمَيِّزِ) وَهُوَ الَّذِي يَفْهَمُ الْخِطَابَ، وَيَرُدُّ الْجَوَابَ، وَلَا يَنْضَبِطُ بِسِنٍّ، بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَفْهَامِ، كَذَا قِيلَ، وَالصَّوَابُ ضَبْطُهُ بِهِ (لِلْبَالِغِينَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أُولَاهُمَا الصِّحَّةُ، نَصَرَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " مَعَ الْكَرَاهَةِ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ عُمُومَتِي يَأْمُرُونَنِي أَنْ أُؤذِّنَ لَهُمْ، وَأَنَا غُلَامٌ لَمْ أَحْتَلِمْ، وَأَنَسٌ شَاهَدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَهَذَا مِمَّا يَظْهَرُ، وَلَا يَخْفَى، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ ذَكَرٌ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، فَصَحَّ أَذَانُهُ كَالْبَالِغِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ، قَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ " وَاخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ، لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، فَلَمْ يَحْصُلِ الْإِعْلَامُ بِأَذَانِهِ، أَوْ بِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَفِعْلُهُ نَفْلٌ، وَهُوَ أَوْلَى، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَتَخَرَّجُ فِيهِ رِوَايَتَانِ كَشَهَادَتِهِ وَوِلَايَتِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَاهِقَ يَصِحُّ أَذَانُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، نَقَلَهُ حَنْبَلٌ. [أَذَانُ الْفَاسِقِ] (وَهَلْ يُعْتَدُّ بِأَذَانِ الْفَاسِقِ) أَيِ: الْعَاصِي، لِأَنَّ الْفِسْقَ لُغَةً: الْعِصْيَانُ، وَالتَّرْكُ لِأَمْرِ اللَّهِ،
[ما يقوله من سمع المؤذن]
لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ، إِلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَيَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْخُرُوجُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَشَرْعًا: مَنْ فَعَلَ كَبِيرَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَالْكَبِيرَةُ: مَا فِيهَا حَدٌّ فِي الدُّنْيَا أَوْ وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَالْأَذَانُ الْمُلَحَّنُ) الَّذِي فِيهِ تَطْرِيبٌ، يُقَالُ: لَحَّنَ فِي قِرَاءَتِهِ إِذَا طَرَّبَ بِهَا، وَغَرَّدَ (عَلَى وَجْهَيْنِ) وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ أَذَانُ الْفَاسِقِ، صَحَّحَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " و" الرِّعَايَةِ " وَقَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَصَفَهُ بِالْأَمَانَةِ، وَالْفَاسِقُ غَيْرُ أَمِينٍ، وَكَامرأَةٍ وَخُنْثَى، وَالثَّانِي: صِحَّتُهُ كَالْإِقَامَةِ، لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِصَلَاتِهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " مَعَ الْكَرَاهَةِ، فَإِنْ كَانَ مَسْتُورَ الْحَالِ، فَيَصِحُّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَيَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ أَذَانُ الْمُلَحِّنِ، وَالْمُلَحِّنُونَ مَعَ بَقَاءِ الْمَعْنَى مَعَ الْكَرَاهَةِ، قَالَ الْقَاضِي: كَقِرَاءَةِ الْأَلْحَانِ، قَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ شَيْءٍ مُحْدَثٍ أَكْرَهُهُ مِثْلَ التَّطْرِيبِ، وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُؤَذِّنٌ يُطَرِّبُ، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إِنَّ الْأَذَانَ سَهْلٌ سَمْحٌ فَإِنْ كَانَ أَذَانُكَ سَهْلًا سَمْحًا، وَإِلَّا فَلَا تُؤَذِّنْ» وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، فَلَوْ أَحَالَ أَحَدَهُمَا مَعْنًى، كَمَا لَوْ نَصَبَ لَامَ " رَسُولُ " لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرًا، أَوْ مَدَّ لَفْظَةَ " أَكْبَرُ "، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ فِيهَا أَلِفًا فَيَصِيرُ جَمْعَ كُبَرٍ، وَهُوَ الطَّبْلُ، أَوْ أَسْقَطَ الْهَاءَ مِنَ اسْمِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ بَطَلَ، وَتُكْرَهُ لُثْغَةٌ فَاحِشَةٌ، وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ، لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يَجْعَلُ الشِّينَ سِينًا، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَالْفَصِيحُ أَحْسَنُ وَأَكْمَلُ. [مَا يَقُولُهُ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ] (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ إِلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQاسْتِحْبَابِهِ لِمَا رَوَى عُمَرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا قَالَ: الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ الْأَثْرَمُ: هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْجِيَادِ، وَلِأَنَّهُ خِطَابٌ فَإِعَادَتُهُ عَبَثٌ، بَلْ سَبِيلُهُ الطَّاعَةُ، وَسُؤَالُ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَتَكُونُ الْإِجَابَةُ عَقِيبَ كُلِّ كَلِمَةٍ أَيْ: لَا تُقَارَنُ، وَلَا تَتَأَخَّرُ، وَقِيلَ: يُوَافِقُهُ فِي الْحَيْعَلَةِ مَعَ قَوْلِ ذَلِكَ، لِيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ، وَغَيْرُهُ: يَقُولُ كَمَا يَقُولُ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُؤَذِّنِ وَالسَّامِعِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَلَا الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ لِلْخَبَرِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ فِي طَوَافٍ وَقِرَاءَةٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَفُوتُ بِخِلَافِهِمَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمُصَلِّي، وَلَوْ نَفْلًا، وَتَبْطُلُ بِالْحَيْعَلَةِ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا دُعَاءٌ إِلَى الصَّلَاةِ، فَرِوَايَتَا سَاهٍ، وَلَكِنْ يُجِيبُهُ إِذَا فَرَغَ، قَالَهُ فِي " الْكَافِي " وَكَذَا الْمُتَخَلِّي، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ لَا يُجِيبُ نَفْسَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَصَرَّحَ آخَرُونَ بِاسْتِحْبَابِهِ كَالسَّامِعِ، وَأَنْ يَقُولَا ذَلِكَ خُفْيَةً، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: تَجِبُ إِجَابَتُهُ لِلْأَمْرِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ يُجِيبُ ثَانِيًا، وَثَالِثًا حَيْثُ سُنَّ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لَكِنْ لَوْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ وَأَجَابَهُ، وَصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ لَا يُجِيبُ الثَّانِيَ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَدْعُوٍّ بِهَذَا الْأَذَانِ، زَادَ الْمُؤَلِّفُ (الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ) وَتَتَبَّعْتُ
الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ.. ـــــــــــــــــــــــــــــQذَلِكَ فَوَجَدْتُهُ فِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ قَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ، وَإِسْنَادُهُ فِيهِ لِينٌ، وَيَقُولُ فِي التَّثْوِيبِ: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، وَفِي الْإِقَامَةِ عِنْدَ لَفْظِهَا: أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا، زَادَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" التَّلْخِيصِ " مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَيَقُولُ ذَلِكَ خُفْيَةً. 1 - فَائِدَةٌ: مَعْنَى لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ: إِظْهَارُ الْفَقْرِ، وَطَلَبُ الْمَعُونَةِ مِنْهُ فِي كُلِّ الْأُمُورِ، وَهُوَ حَقِيقَةُ الْعُبُودِيَّةِ، وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ: أَصْلُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ مِنْ حَالَ الشَّيْءُ، إِذَا تَحَرَّكَ، يَقُولُ: لَا حَرَكَةَ وَلَا اسْتِطَاعَةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَعْنَاهُ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَتِهِ إِلَّا بِمَعُونَتِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا أَحْسَنُ مَا جَاءَ فِيهِ، وَيُقَالُ: لَا حَيْلَ لُغَةٌ، حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَعَبَّرَ عَنْهَا الْأَزْهَرِيُّ بِالْحَوْقَلَةِ، وَتَبِعَهُ فِي " الْوَجِيزِ " عَلَى أَخْذِ الْحَاءِ مِنْ حَوْلَ، وَالْقَافِ مِنْ قُوَّةَ، وَاللَّامِ مِنَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى. 1 - (وَيَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ) كُلٌّ مِنَ الْمُؤَذِّنِ وَسَامِعِهِ (اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي، وَعَدْتَهُ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ مُعَرَّفَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَلَمْ يُثْبِتْ فِيهِ الدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ فِي آخِرِهِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ غَيْرُ ذَلِكَ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَيَدْعُو بِمَا وَرَدَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ حَاجَةً، فَقُولُوا: فِي عَافِيَةٍ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو مَرْفُوعًا «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ
.. .... .... .... .. ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ السَّلَامَ مَعَهُ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ بِدُونِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلنَّصِّ. تَذْنِيبٌ: (اللَّهُمَّ) أَصْلُهُ يَا اللَّهُ، وَالْمِيمُ بَدَلٌ مِنْ يَا، قَالَهُ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَصْلُهُ يَا اللَّهُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ، فَحُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ، وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، إِلَّا فِي الضَّرُورَةِ، وَالدَّعْوَةُ بِفَتْحِ الدَّالِ هِيَ دَعْوَةُ الْأَذَانِ، سُمِّيَتْ تَامَّةً لِكَمَالِهَا، وَعِظَمِ مَوْقِعِهَا، وَسَلَامَتِهَا مِنْ نَقْصٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَصَفَهَا بِالتَّمَامِ، لِأَنَّهَا ذِكْرُ اللَّهِ يُدْعَى بِهَا إِلَى طَاعَتِهِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي تَسْتَحِقُّ صِفَةَ الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ، وَمَا سِوَاهَا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلنَّقْصِ وَالْفَسَادِ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَسْتَدِلُّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، قَالَ: لِأَنَّهُ مَا مِنْ مَخْلُوقٍ إِلَّا وَفِيهِ نَقْصٌ، وَالصَّلَاةُ الْقَائِمَةُ الَّتِي سَتَقُومُ بِصَلَاتِهَا، وَيُفْعَلُ بِصَلَاتِهَا، وَالْوَسِيلَةُ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ الْمَلِكِ، وَهِيَ مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّهُ يَحْمَدُهُ فِيهَا الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، وَالْحِكْمَةُ فِي سُؤَالِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ وَاجِبَ الْوُقُوعِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى إِظْهَارُ كَرَامَتِهِ وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ، وَقَدْ وَقَعَ مُنَكَّرًا فِي الصَّحِيحِ تَأَدُّبًا مَعَ الْقُرْآنِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ «الَّذِي وَعَدْتَهُ» مَنْصُوبًا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ، أَوْ مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ لَمْ يَرْكَعْ حَتَّى يَفْرُغَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ، وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ الْمُرَادَ غَيْرُ أَذَانِ الْجُمُعَةِ، لِأَنَّ سَمَاعَ الْخُطْبَةِ أَهَمُّ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ النَّظْمِ، وَلَا يَقُومُ الْقَاعِدُ حَتَّى يَفْرُغَ، أَوْ يَقْرُبَ فَرَاغُهُ، نَصَّ عَلَى مَعْنَى ذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ. الثَّانِيَةُ: يُعْمَلُ بِالْأَذَانِ فِي دَارِنَا، وَكَذَا دَارُ حَرْبٍ إِنْ عُلِمَ إِسْلَامُهُ. الثَّالِثَةُ: لَا يُؤَذِّنُ غَيْرُ الرَّاتِبِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ فَيُؤَذِّنَ غَيْرُهُ. الرَّابِعَةُ: يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَعِنْدَ الْإِقَامَةِ، فَعَلَهُ أَحْمَدُ، وَرَفَعَ
[باب شروط الصلاة]
بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَهِيَ مَا يَجِبُ لَهَا قَبْلَهَا، وَهِيَ سِتٌّ: أَوَّلُهَا دُخُولُ الْوَقْتِ، وَالثَّانِي: الطَّهَارَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَدَيْهِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَلِلِقَاءِ الزَّحْفِ، وَلِنُزُولِ الْقَطْرِ، وَلِدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَلِلْأَذَانِ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ] [دُخُولُ الْوَقْتِ] بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ. الشُّرُوطُ: جَمْعُ شَرْطٍ، كَفُلُوسٍ جَمْعُ فَلْسٍ، وَالشَّرَائِطُ: جَمْعُ شَرِيطَةٍ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَالْأَشْرَاطُ وَاحِدُ شَرَطٍ بِفَتْحِ الشِّينِ، وَالرَّاءِ، وَسُمِّيَ شَرَطًا، لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} [محمد: 18] . وَفِي الِاصْطِلَاحِ: هُوَ مَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ، كَالْإِحْصَانِ مَعَ الرَّجْمِ، فَالشَّرْطُ مَا لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ مَعَ عَدَمِهِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ عِنْدَ وُجُودِهِ، وَهُوَ عَقْلِيٌّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ، وَلُغَوِيٌّ: كَإِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَشَرْعِيٌّ: كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الشَّيْءِ إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، وَلَا يَكُونُ مِنْهُ، (وَهِيَ مَا يَجِبُ لَهَا قَبْلَهَا) أَيْ: يَتَقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَيَسْبِقُهَا، وَيَجِبُ اسْتِمْرَارُهَا فِيهَا، وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَارَقَتِ الْأَرْكَانَ. (وَهِيَ سِتٌّ) كَذَا بِخَطِّ الْمُؤَلِّفِ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَقِيَاسُهُ سِتَّةٌ بِالْهَاءِ، لِأَنَّ وَاحِدَهَا شَرْطٌ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ يَلْزَمُ الْهَاءُ فِي جَمْعِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} [الحاقة: 7] فَكَأَنَّهُ قَالَ: شَرَائِطُ الصَّلَاةِ، وَهِيَ سِتٌّ كَمَا ذَكَرَهُ فِي " الْهِدَايَةِ " وَالْعُمْدَةِ (أَوَّلُهَا دُخُولُ الْوَقْتِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: دُلُوكُهَا إِذَا فَاءَ الْفَيْءُ، وَيُقَالُ: هُوَ غُرُوبُهَا، وَقِيلَ: طُلُوعُهَا، وَهُوَ غَرِيبٌ، قَالَ عُمَرُ: الصَّلَاةُ لَهَا وَقْتٌ شَرَطَهُ اللَّهُ لَهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا بِهِ، وَحَدِيثُ جِبْرِيلَ حِينَ أَمَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، فَالْوَقْتُ سَبَبُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهَا تُضَافُ إِلَيْهِ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى السَّبَبِيَّةِ، وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ، وَهُوَ سَبَبُ نَفْسِ الْوُجُوبِ، إِذْ سَبَبُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ الْخِطَابُ. [الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ] (وَالثَّانِي: الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ
[الصلوات الخمس وأوقاتها]
مِنَ الْحَدَثِ، وَالصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ خمس: الظُّهْرُ، وَهِيَ الْأُولَى، وَوَقْتُهَا مِنْ زَوَالِ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. [الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَأَوْقَاتُهَا] [وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ] (وَالصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ خَمْسٌ) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ غَيْرَهَا لَا يَجِبُ إِلَّا لِعَارِضٍ كَالنَّذْرِ، وَأَمَّا الْوِتْرُ فَسَيَأْتِي، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَحَادِيثُ مِنْهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ خَمْسِينَ صَلَاةً، فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ، وَأَسْأَلُهُ التَّخْفِيفَ حَتَّى جَعَلَهَا خَمْسًا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ» وَكَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ وَاجِبًا، فَنُسِخَ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ، وَكَذَا فِي حَقِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ الْقَفَّالُ فِي " مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ " فِي الْأَرْبَعِ لَطِيفَةٌ حَسُنَ مَعَهَا عَدَمُ الزِّيَادَةِ فِي الْفَرْضِ عَلَيْهَا، وَهِيَ أَنَّكَ إِذَا ذَكَرْتَ آحَادَهَا فَقُلْتَ وَاحِدٌ، وَاثْنَانِ، وَثَلَاثَةٌ، وَأَرْبَعَةٌ جَمَعْتَ كُلَّ الْأَعْدَادِ، وَجَدْتَهَا عَشَرَةً، وَلَا شَيْءَ مِنَ الْأَعْدَادِ يَخْرُجُ أَصْلُهُ عَنْ عَشَرَةٍ، وَأَرَادَ بِالْمَفْرُوضَاتِ الْعَيْنِيَّةَ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ، لِكَوْنِهَا فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ، نَعَمْ، تَرِدُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، فَإِنَّهَا مَنِ الْمَفْرُوضَاتِ الْعَيْنِيَّةِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي كَلَامِهِ. (الظُّهْرُ) وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الظُّهُورِ، إِذْ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي وَسَطِ النَّهَارِ، وَالظُّهْرُ لُغَةً: الْوَقْتُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَشَرْعًا اسْمٌ لِلصَّلَاةِ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ وَقْتِهِ. فَقَوْلُنَا: صَلَاةُ الظُّهْرِ أَيْ: صَلَاةُ هَذَا الْوَقْتِ، وَبَدَأَ بِهَا الْمُؤَلِّفُ تَبَعًا لِلْخِرَقِيِّ وَمُعْظَمِ الْأَصْحَابِ، لِبَدَاءَةِ جِبْرِيلَ بِهَا لَمَّا صَلَّى بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَدَأَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالشِّيرَازِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ بِالْفَجْرِ لِبَدَاءَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِهَا السَّائِلَ، وَلِأَنَّهَا أَوَّلُ الْيَوْمِ، وَيُعَضِّدُهُ أَنَّ إِيجَابَهَا كَانَ لَيْلًا، وَأَوَّلُ صَلَاةٍ تُحْضَرُ بَعْدَ ذَلِكَ هِيَ الْفَجْرُ، فَلِمَ لَا بَدَأَ بِهَا جِبْرِيلُ. وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ وُجِدَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ أَوَّلَ وُجُوبِ الْخَمْسِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ
الشَّمْسِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، إِلَى أَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْإِتْيَانَ بِهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى بَيَانِهَا، لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ مُجْمَلَةٌ، وَلَمْ تُبَيَّنْ إِلَّا عِنْدَ الظُّهْرِ، وَالْحِكْمَةُ أَنَّهُ بَدَأَ بِهَا إِشَارَةٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ ظَهَرَ أَمْرُهُ، وَسَطَعَ نُورُهُ مِنْ غَيْرِ خَفَاءٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ بَدَأَ بِالْفَجْرِ لَخَتَمَ بِالْعِشَاءِ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَهُوَ وَقْتُ خَفَاءٍ فَلِذَلِكَ خَتَمَ بِالْفَجْرِ، لِأَنَّهُ وَقْتُ ظُهُورٍ، لَكِنْ فِيهِ ضَعْفٌ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ يَضْعُفُ (وَهِيَ الْأُولَى) قَالَ عِيَاضٌ: هُوَ اسْمُهَا الْمَعْرُوفُ، لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - مُعَلِّمًا لَهُ فِي الْيَوْمَيْنِ، وَتُسَمَّى أَيْضًا الْهَجِيرَ لِفِعْلِهَا فِي وَقْتِ الْهَاجِرَةِ. (وَوَقْتُهَا مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهِ فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنَ الْغَدِ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ» إِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْمَوَاقِيتِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَفِيهِ: «فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ» وَهُوَ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ، وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَبِالْكَافِ، وَهُوَ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ، رُفِعَ لِكُلِّ شَاخِصٍ ظِلٌّ طَوِيلٌ فِي جَانِبِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ مَا دَامَتِ الشَّمْسُ تَرْتَفِعُ، فَالظِّلُّ يَنْقُصُ، فَإِذَا انْتَهَتِ الشَّمْسُ إِلَى وَسَطِ السَّمَاءِ، وَهِيَ حَالَةُ الِاسْتِوَاءِ انْتَهَى نُقْصَانُهُ، فَإِذَا زَادَ الظِّلُّ أَدْنَى زِيَادَةٍ فَهُوَ الزَّوَالُ، فَهُوَ إِذًا مَيْلُهَا عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ، وَيَخْتَلِفُ فَيْءُ الزَّوَالِ فَيَطُولُ فِي الشِّتَاءِ، وَيَقْصُرُ فِي الصَّيْفِ، لَكِنْ لَا يَقْصُرُ ظِلُّهُ وَقْتَ الزَّوَالِ فِي بَعْضِ بِلَادِ خُرَاسَانَ لِمَسِيرِ الشَّمْسِ نَاحِيَةً عَنْهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ، وَغَيْرُهُ: أَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْبِلَادِ تَحْتَ وَسَطِ الْفَلَكِ مِثْلَ مَكَّةَ وَصَنْعَاءَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَطْوَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ لَا ظِلَّ، وَلَا فَيْءَ، كَوَقْتِ الزَّوَالِ، بَلْ يُعْرَفُ الزَّوَالُ هُنَاكَ بِأَنْ يَظْهَرَ لِلشَّخْصِ فَيْءٌ
يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَالْأَفْضَلُ تُعْجِيلُهَا، إِلَّا فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ نَحْوِ الْمَشْرِقِ، لِلْعِلْمِ بِكَوْنِهَا قَدْ أَخَذَتْ مُغْرِبَةً، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الشَّهْرِ، وَالْبَلَدِ، فَأَقَلُّ مَا تَزُولُ فِي إِقْلِيمِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ عَلَى مَا نَقَلَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الشِّيحِيُّ عَلَى قَدَمٍ وَثُلُثٍ فِي نِصْفِ حُزَيْرَانَ، وَيَتَزَايَدُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ عَشْرَةَ أَقْدَامٍ وَسُدُسٍ فِي نِصْفِ كَانُونَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَكْثَرُ مَا تَزُولُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، فَإِذَا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ، فَقِفْ عَلَى مُسْتَوٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَعَلِّمِ الْمَوْضِعَ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ ظِلُّكَ، ثُمَّ ضَعْ قَدَمَكَ الْيُمْنَى بَيْنَ يَدَيْ قَدَمِكَ الْيُسْرَى، وَأَلْصِقْ عَقِبَكَ بِإِبْهَامِكَ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِسَاحَةَ هَذَا الْقَدْرِ بَعْدَ انْتِهَاءِ النَّقْصِ فَهُوَ وَقْتُ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَتَجِبُ بِهِ الظُّهْرُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَشَرَطَ ابْنُ بَطَّةَ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى مُضِيَّ زَمَنٍ يَتَّسِعُ لِأَدَائِهَا حِذَارًا مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ بِالْفِعْلِ قَبْلَ الْإِمْكَانِ حَتَّى يُلْزَمَ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ بِفِعْلِهِ إِذَا قَدَرَ، كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَأَمَّا آخِرُهُ فَقَالَ: (إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ سِوَى الزَّوَالِ، نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا سَبَقَ، وَصَلَّاهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى حِينَ سَأَلَهُ السَّائِلُ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَخَّرَهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي: حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ، وَقَالَ: «الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: «وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ، مَا لَمْ تَحْضُرِ الْعَصْرُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَتَى يَكُونُ الظِّلُّ مِثْلَهُ؟ قَالَ: إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَكَانَ الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ مِثْلَهُ، وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يَضْبُطَ مَا زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَنْظُرَ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ، فَإِنْ بَلَغَتْ قَدْرَ الشَّخْصِ فَقَدِ انْتَهَى وَقْتُ الظُّهْرِ، وَطُولُ الْإِنْسَانِ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَثُلُثَانِ بِقَدَمِهِ تَقْرِيبًا، وَعَنْهُ: آخِرُهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ فَبَيْنَهُمَا وَقْتٌ مُشْتَرَكٌ قَدْرَ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، قَالَ أَحْمَدُ: الزَّوَالُ فِي الدُّنْيَا وَاحِدٌ، وَأَنْكَرَ عَلَى الْمُنَجِّمِينَ أَنَّهُ يَتَغَيَّرُ فِي الْبُلْدَانِ، وَمِثْلُهُ لَا يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ. (وَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا) لِمَا رَوَى أَبُو بَرْزَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْهَجِيرَ
شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْغَيْمِ لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً. ثُمَّ الْعَصْرُ وَهِيَ الْوُسْطَى، وَوَقْتُهَا مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالَّتِي تَدْعُونَهَا الْأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ» وَقَالَ جَابِرٌ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ تَعْجِيلًا لِلظُّهْرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَلَا مِنْ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَيَحْصُلُ بِأَنْ يَشْتَغِلَ بِأَسْبَابِ الصَّلَاةِ مِنْ حِينِ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْفُرُوعِ " فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ حِينَئِذٍ مُتَوَانِيًا، وَلَا مُقَصِّرًا، وَذَكَرَ الْأَزَجِّيُّ قَوْلًا: يَتَطَهَّرُ قَبْلَهُ (إِلَّا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْغَيْمِ لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " أَمَّا فِي الْحَرِّ فَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا مُطْلَقًا إِلَى أَنْ يَنْكَسِرَ، وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ: هُوَ أَشْبَهُ بِالِاتِّبَاعِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْكَافِي " وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ "، وَالْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَغَيْرُهُمْ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إِذَا اشْتَدَّ الْحُرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ: «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ» وَفَيْحُ جَهَنَّمَ هُوَ غَلَيَانُهَا، وَانْتِشَارُ لَهِيبِهَا، وَوَهَجُهَا، وَصَرِيحُهُ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَنْ يُصَلِّي فِي جَمَاعَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَطَائِفَةٍ تَعْلِيلًا بِالْمَشَقَّةِ، وَاعْتَبَرَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " مَعَ الْخُرُوجِ إِلَى الْجَمَاعَةِ كَوْنَهُ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ، وَمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ، فَأَمَّا تَأْخِيرُ مَا فِي الْغَيْمِ، فَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَالسَّامِرِيُّ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الظُّهْرَ، وَيُعَجِّلُونَ الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الْمُتَغَيِّمِ، وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ يُخَافُ مِنْهُ الْعَوَارِضُ مِنَ الْمَطَرِ، وَنَحْوِهِ، فَيَشُقُّ الْخُرُوجُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْهُمَا، فَاسْتُحِبَّ تَأْخِيرُ الْأُولَى مِنَ الْمَجْمُوعَتَيْنِ، لِيَقْرُبَ مِنَ الثَّانِيَةِ، لِكَيْ يَخْرُجَ لَهُمَا خُرُوجًا وَاحِدًا طَلَبًا لِلْأَسْهَلِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا، وَعَنْهُ: لَا تُؤَخَّرُ، بَلْ تُعَجَّلُ مَعَ الْغَيْمِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، و" الْكَافِي " و" التَّلْخِيصِ " إِذْ مَطْلُوبِيَّةُ التَّأْخِيرِ فِي عَامَّةِ الْأَحَادِيثِ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْحَرِّ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ لِكُلِّ
[وقت صلاة العصر]
خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ، إِلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، وَعَنْهُ إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQمُصَلٍّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ، وَيُؤَخَّرُ الظُّهْرُ لَا الْمَغْرِبُ، وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَيُسَنُّ تَقْدِيمُهَا مُطْلَقًا، قَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: مَا كُنَّا نُقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: «كُنَّا نَجْمَعُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَتْبَعُ الْفَيْءَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَتَأْخِيرُهَا لِمَنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ إِلَى بَعْدِ صَلَاتِهَا وَلِمَنْ يَرْمِي الْجَمَرَاتِ حَتَّى يَرْمِيَهَا أَفْضَلَ. [وَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ] (ثُمَّ الْعَصْرُ) وَهُوَ الْعَشِيُّ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْعَصْرَانِ الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ مِثْلَهُ تَقُولُ: فُلَانٌ يَأْتِي فُلَانًا الْعَصْرَيْنِ، وَالْبَرْدَيْنِ: إِذَا كَانَ يَأْتِيهِ طَرَفَيِ النَّهَارِ، فَكَأَنَّهَا سُمِّيَتْ بِاسْمِ وَقْتِهَا (وَهِيَ الْوُسْطَى) مُؤَنَّثُ الْأَوْسَطِ، وَهُوَ وَالْوَسَطُ: الْخِيَارُ، وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ مِنْ أَوْسَطِ قَوْمِهِ أَيْ: مِنْ خِيَارِهِمْ، وَلَيْسَتْ بِمَعْنَى مُتَوَسِّطَةٍ، لِكَوْنِ الظُّهْرِ هِيَ الْأُولَى بَلْ بِمَعْنَى الْفُضْلَى، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ» وَلِمُسْلِمٍ «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ» وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى أَنَّهَا الصُّبْحُ، لِأَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي الْعَصْرِ، وَقِيلَ: هِيَ الصُّبْحُ، وَقِيلَ: الظُّهْرُ، وَقِيلَ: الْمَغْرِبُ، لِأَنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، وَلَا تُقْصَرُ، وَقِيلَ: هِيَ الْعِشَاءُ، وَقِيلَ: إِحْدَى الْخَمْسِ مُبْهَمَةٌ، وَقِيلَ: جميعها، وقيل الْجُمُعَةُ. (وَوَقْتُهَا مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ) وَهُوَ إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ بِخُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ» وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ و" التَّلْخِيصِ " أَنَّ بَيْنَهُمَا وَقْتًا فَاصِلًا، فَلَا تَجِبُ إِلَّا بَعْدَ الزِّيَادَةِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ (إِلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ) فِي رِوَايَةٍ نَقَلَهَا
مِثْلَيْهِ، ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُورَةِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ " وَابْنُ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَعَنْهُ: إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ) سِوَى ظِلِّ الزَّوَالِ إِنْ كَانَ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " لِأَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَقَالَ: «الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ» وَفِي " التَّلْخِيصِ " أَنَّ مَا بَيْنَهُمَا وَقْتُ جَوَازٍ، ثُمَّ هُوَ وَقْتُ ضَرُورَةٍ إِلَى غُرُوبِهَا، وَفِي " الْكَافِي " أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ بَقِيَ وَقْتُ الْجَوَازِ إِلَى الْغُرُوبِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَظَاهِرُ " الرَّوْضَةِ " أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ يَخْرُجُ بِالْكُلِّيَّةِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ (ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ) وَهُوَ الَّذِي يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إِلَى آخِرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَجَزَمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " و " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا يَحِلُّ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ إِلَّا لِعُذْرٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِمَا الْكَرَاهَةُ (وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُورَةِ) وَهُوَ الَّذِي تَقَعُ الصَّلَاةُ فِيهِ أَدَاءً، وَيَأْثَمُ فَاعِلُهَا بِالتَّأْخِيرِ إِلَيْهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ (إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ) لِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَحَادِيثِ ذَهَابُ الْوَقْتِ بَعْدَ مَا ذُكِرَ فِيهَا تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ فِي الْإِدْرَاكِ قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ يَبْقَى إِلَى الْغُرُوبِ فِي حَقِّ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ
وَتَعْجِيلُهَا أَفْضَلُ بِكُلِّ حَالٍ. ثُمَّ الْمَغْرِبُ، وَهِيَ الْوِتْرُ، وَوَقْتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّمْسِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ إِلَّا فِي الْإِثْمِ، وَعَدَمِهِ، فَالْمَعْذُورُ لَهُ التَّأْخِيرُ، وَغَيْرُهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَيَأْثَمُ بِهِ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى أَنَّ الْإِدْرَاكَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ لَهُ ضَرُورَةٌ، كَحَائِضٍ طَهُرَتْ، وَصَبِيٍّ بَلَغَ، وَمَجْنُونٍ أَفَاقَ، وَنَائِمٍ اسْتَيْقَظَ، وَذِمِّيٍّ أَسْلَمَ، وَألْحقَ ابن عبدوس بِهِ الْخَبَّازُ، وَالطَّبَّاخُ، وَالطَّبِيبُ إِذَا خَشَوْا تَلَفَ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ لَا يُدْرِكُهَا بِذَلِكَ، بَلْ تَفُوتُ بِفَوَاتِ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ، وَتَقَعُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَضَاءً، وَقَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ أَحَدُ احْتِمَالَيِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَوَجَّهَهُ الزَّرْكَشِيُّ (وَتَعْجِيلُهَا) فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ (أَفْضَلُ بِكُلِّ حَالٍ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ» وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ نَنْحَرُ الْجَزُورَ، ثُمَّ يُقَسَّمُ لَحْمُهَا عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ تُطْبَخُ فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَالْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ تَدُلُّ عَلَى هَذَا، فَمِنْهَا: مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ: «الْوَقْتُ الْأَوَّلُ مِنَ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَالْوَقْتُ الْآخِرُ عَفْوُ اللَّهِ» وَعَنْهُ: مَعَ غَيْمٍ نَقَلَهُ صَالِحٌ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَلَفْظُ رِوَايَتِهِ: يُؤَخَّرُ الْعَصْرُ أَحَبُّ إِلَيَّ، آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ عِنْدِي مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. فَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا. تَنْبِيهٌ: قَدِ اسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ مِنَ الصَّلَوَاتِ مَا لَهُ إِلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ كَالظُّهْرِ، وَالْمَغْرِبِ، وَالْفَجْرِ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَمَالَهُ ثَلَاثَةٌ كَالْعَصْرِ، وَالْعِشَاءِ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَجَوَازٍ وَضَرُورَةٍ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ لَهَا وَقْتَ فَضِيلَةٍ، وَوَقْتَ اخْتِيَارٍ عَلَى الْخِلَافِ، وَوَقْتَ جَوَازٍ عَلَى قَوْلٍ، وَوَقْتَ كَرَاهَةٍ أَيْ: تَأْخِيرُهَا إِلَى الِاصْفِرَارِ، وَوَقْتَ تَحْرِيمِ التَّأْخِيرِ إِلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَبْقَى مَا لَا يَسَعُ الصَّلَاةَ.
[وقت صلاة المغرب]
إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ، وَتَعْجِيلُهَا أَفْضَلُ إِلَّا لَيْلَةَ جَمْعٍ لِمَنْ قَصَدَهَا. ثُمَّ الْعِشَاءُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQفَائِدَةٌ: يُسَنُّ الْجُلُوسُ بَعْدَهَا إِلَى الْغُرُوبِ، وَبَعْدَ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِهَا، وَلَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي بَقِيَّتِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. [وَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ] (ثُمَّ الْمَغْرِبُ) وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ غَرَبَتِ الشَّمْسُ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَضَمِّهَا غُرُوبًا، وَمَغْرِبًا، وَيُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى وَقْتِ الْغُرُوبِ، وَمَكَانِهِ، فَسُمِّيَتْ هَذِهِ بِذَلِكَ لِفِعْلِهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ (وَهِيَ الْوِتْرُ) أَيْ وِتْرُ النَّهَارِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ الْوِتْرَ الْمَشْهُورَ، بَلْ إنَّهَا وِتْرٌ لِكَوْنِهَا ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ (وَوَقْتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّمْسِ) إِجْمَاعًا لِلْأَحَادِيثِ الْمُسْتَفِيضَةِ بِذَلِكَ، وَغَيْبُوبَةُ الشَّمْسِ سُقُوطُ قُرْصِهَا، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ غَيْبُوبَةِ الضَّوْءِ الْمُسْتَعْلِي عَلَيْهَا، قُلْتُ: وَيُعْرَفُ الْغُرُوبُ فِي الْعُمْرَانِ بِزَوَالِ الشُّعَاعِ مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَإِقْبَالِ الظَّلَامِ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا (إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَالصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ غَابَ الشَّفَقُ» ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَقْتٌ لِاسْتِدَامَتِهَا فَكَانَ وَقْتًا لِابْتِدَائِهَا كَأَوَّلِ وَقْتِهَا، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا: لَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ مُضَيَّقٌ مُقَدَّرٌ آخِرُهُ بِالْفَرَاغِ مِنْهَا، وَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ: هُوَ عُقَيْبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِقَدْرِ مَا يَتَطَهَّرُ وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَيُؤَذِّنُ، وَيُقِيمُ، وَيُصَلِّي خَمْسَ رَكَعَاتٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَأَكْلِ لُقَمٍ يَكْسِرُ بِهَا سَوْرَةَ الْجُوعِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَأْكُلُ حَتَّى يَشْبَعَ، لِأَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَوْمَيْنِ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، وَأُجِيبَ بِحَمْلِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَالِاخْتِيَارِ، وَتَأْكِيدِ فِعْلِهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَمَا سَبَقَ عَلَى الْجَوَازِ، مَعَ أَنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ لِزِيَادَةٍ، وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ حَدِيثِ جِبْرِيلَ، لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ فَرْضِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالصَّلَاةِ بِمَكَّةَ، وَأَحَادِيثُنَا بِالْمَدِينَةِ، فَتَكُونُ نَاسِخَةً لِمَا يُخَالِفُهَا عَلَى تَقْدِيرِ التَّعَارُضِ. (الْأَحْمَرِ) كَذَا ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَأَهْلِ اللُّغَةِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالصَّحِيحُ وَقْفُهُ، وَلِأَنَّ الشَّمْسَ أَوَّلُ مَا تَغْرُبُ يَعْقُبُهَا شُعَاعٌ، فَإِذَا بَعُدَتْ عَنِ الْأُفُقِ قَلِيلًا زَالَ الشُّعَاعُ، وَبَقِيَتْ حُمْرَةٌ، ثُمَّ تَرِقُّ الْحُمْرَةُ، وَتَنْقَلِبُ صُفْرَةً، ثُمَّ بَيَاضًا عَلَى حَسَبِ الْبُعْدِ، وَعَنْهُ: الشَّفَقُ الْبَيَاضُ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ لِأَخْبَارٍ لَا حُجَّةَ فِيهَا إِنْ صَحَّتْ، وَعَنْهُ: هُوَ الْحُمْرَةُ فِي السَّفَرِ، وَفِي الْحَضَرِ الْبَيَاضُ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ فِي الْحَضَرِ قَدْ تَنْزِلُ الْحُمْرَةُ فَتُوَارِيهَا الْجُدْرَانُ فَيُظَنُّ أَنَّهَا قَدْ غَابَتْ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ} [الانشقاق: 16] ، وَقَدْ قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وغيره: البياض لَا يَغِيبُ إِلَّا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ (وَتَعْجِيلُهَا) أَوَّلَ وَقْتِهَا (أَفْضَلُ) إِلَّا لِعُذْرٍ إِجْمَاعًا، لِمَا رَوَى جَابِرٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ» وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا، وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ (إِلَّا لَيْلَةَ جَمْعٍ) وَهِيَ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ سُمِّيَتْ جَمْعًا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا، وَهِيَ لَيْلَةُ عِيدِ الْأَضْحَى (لِمَنْ قَصَدَهَا) أَيْ: لِمُحْرِمٍ قَصَدَهَا، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَأْخِيرُهَا لِيُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إِجْمَاعًا، لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي: لَوْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَحَصَلَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَقْتَ الْغُرُوبِ لَمْ يُؤَخِّرْهَا، وَيُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، وَظَاهِرُهُ تَعْجِيلُهَا أَفْضَلُ، وَلَوْ مَعَ غَيْمٍ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ " و" الْكَافِي " و" التَّلْخِيصِ " وَفِي أُخْرَى يُسَنُّ تَأْخِيرُهَا مَعَهُ، وَهُوَ الَّذِي فِي
[وقت صلاة العشاء]
وَوَقْتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، وَعَنْهُ: نِصْفِهِ، ثُمَّ يَذْهَبُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ" الْمُحَرَّرِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَهَلْ ذَلِكَ لِكُلِّ مَصَلٍّ أَوْ لِمَنْ يَخْرُجُ إِلَى الْجَمَاعَةِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ. فَائِدَةٌ: لَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا بِالْعِشَاءِ، وَبِالْمَغْرِبِ أَوْلَى. [وَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ] (ثُمَّ الْعِشَاءُ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْعَشِيُّ وَالْعَشِيَّةُ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعَتَمَةِ، وَالْعِشَاءُ بِالْكَسْرِ، وَالْمَدِّ مِثْلُهُ، وَهُوَ اسْمٌ لِأَوَّلِ الظَّلَامِ، سُمِّيَتِ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ، لِأَنَّهَا تُفْعَلُ فِيهِ، وَيُقَالُ لَهَا: عِشَاءُ الْآخِرَةِ، وَأَنْكَرَهُ الْأَصْمَعِيُّ، وَغَلَّطُوهُ فِي إِنْكَارِهِ (وَوَقْتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّفَقِ) أَيِ: الْمَعْهُودِ، وَهُوَ (الْأَحْمَرُ) إِنْ كَانَ فِي مَكَانٍ يَسْتَتِرُ عَنْهُ الْأُفُقُ بِالْجِبَالِ أَوْ نَحْوِهَا، اسْتَظْهَرَ حَتَّى يَغِيبَ الْبَيَاضُ، فَيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى غَيْبُوبَةِ الْحُمْرَةِ لَا لِنَفْسِهِ، وَيَمْتَدُّ (إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، «لِأَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَعَنْهُ: نِصْفِهِ) أَيْ: يَمْتَدُّ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالشَّيْخَانِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ لِمَا رَوَى أَنَسٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَّرَهَا إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى،
وَقْتُ الِاخْتِيَارِ، وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُورَةِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، وَهُوَ الْبَيَاضُ ـــــــــــــــــــــــــــــQثُمَّ قَالَ: أَلَا صَلَّى النَّاسُ، وَنَامُوا، أَلَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا قَالَ: «وَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي " الْمُغْنِي " و " الشَّرْحِ " أَنَّ الْأَوْلَى أَنَّهَا لَا تُؤَخَّرُ عَنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ، لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الرِّوَايَاتِ، وَالزِّيَادَةُ تَعَارَضَتْ فِيهَا الْأَخْبَارُ، وَصَحَّحَهُ الْحُلْوَانِيُّ، لَكِنْ يُقَالُ: ثَبَتَ تَأْخِيرُهَا إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَوْلًا وَفِعْلًا، وَهُوَ زِيَادَةٌ عَلَى الثُّلُثِ، فَيَكُونُ الْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى، وَفِي " الْوَجِيزِ ": يُسَنُّ تَأْخِيرُهَا إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ إِنْ سَهُلَ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " وَمَا بَيْنَهُمَا وَقْتُ جَوَازٍ. (ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ) عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ (وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُورَةِ) أَيِ: الْإِدْرَاكِ (إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، أَنْ تُؤَخَّرَ صَلَاةٌ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلْوِتْرِ، وَهُوَ مِنْ تَوَابِعِ الْعِشَاءِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ وَقْتًا لَهَا، لِأَنَّ التَّابِعَ إِنَّمَا يُفْعَلُ فِي وَقْتِ الْمَتْبُوعِ كَرَكْعَتِيِ الْفَجْرِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ الضَّرُورَةِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ بِلَا عُذْرٍ، ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ، وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا الْكَرَاهَةَ، وَظَاهِرُ " الرَّوْضَةِ " يَخْرُجُ الْوَقْتُ مُطْلَقًا بِخُرُوجِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي " الْوَجِيزِ " لَهَا وَقْتَ ضَرُورَةٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِهِ فِي
الْمُعْتَرِضُ فِي الْمَشْرِقِ وَلَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ، وَتَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ مَا لَمْ يَشُقَّ. ثُمَّ الْفَجْرُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْعَصْرِ، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ، وَرَوَى سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يسْتَحِبُّ تَأْخِيرهَا مُطْلَقًا، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ إنَّ تَأْخِيرَهَا إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْدِيمِ (وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْمَشْرِقِ، وَلَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ) هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَى الْفَجْرِ الثَّانِي، وَيُسَمَّى الْمُسْتَطِيرَ، لِانْتِشَارِهِ فِي الْأُفُقِ قَالَ تَعَالَى: {وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان: 7] أَيْ: مُنْتَشِرًا فَاشِيًا ظَاهِرًا، وَالْفَجْرُ الْأَوَّلُ: الْكَاذِبُ الْمُسْتَطِيلُ بِلَا اعْتِرَاضٍ أَزْرَقُ لَهُ شُعَاعٌ، ثُمَّ يُظْلِمُ، وَلِدِقَّتِهِ يُسَمَّى ذَنَبَ السِّرْحَانِ، وَهُوَ الذِّئْبُ، لِأَنَّ الضَّوْءَ يَكُونُ فِي الْأَعْلَى دُونَ الْأَسْفَلِ، كَمَا أَنَّ الشَّعْرَ يَكُونُ عَلَى أَعْلَى الذِّئْبِ دُونَ أَسْفَلِهِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَسْنَوَيْهِ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: الْفَجْرُ يَطْلُعُ بِلَيْلٍ، وَلَكِنَّهُ يَسْتُرُهُ أَشْجَارُ جِنَانِ عَدْنٍ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي زَوَالِ الشَّمْسِ، لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهِ لَنَا، وَلَا يَكْفِي وُجُودُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (وَتَأْخِيرُهَا) إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ بِحَيْثُ يَفْعَلُهَا فِيهِ (أَفْضَلُ مَا لَمْ يَشُقَّ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، لِمَا رَوَى أَبُو بَرْزَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَحِبُّ أَنْ تُؤَخَّرَ الْعِشَاءُ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ تُؤَخَّرِ الْمَغْرِبُ لِغَيْمٍ، أَوْ جَمْعٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا شَقَّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، وَالْأَصَحُّ: أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَأْمُرُ بِالتَّخْفِيفِ رِفْقًا بِهِمْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تُؤَخَّرُ، وَلَوْ مَعَ غَيْمٍ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا مَعَهُ، وَهَلْ ذَلِكَ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَوْ لِمَنْ يَخْرُجُ إِلَى الْجَمَاعَةِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، نَعَمْ، وَيَلْتَحِقُ بِمَا ذَكَرَهُ عَادِمُ الْمَاءِ الْعَالِمُ أَوِ الرَّاجِي وُجُودَهُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَنَّ التَّأْخِيرَ أَفْضَلُ، وَكَذَا تَأْخِيرُهَا لِمُصَلِّي
[وقت صلاة الفجر]
وَوَقْتُهَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَتَعْجِيلُهَا أَفْضَلُ، وَعَنْهُ: إِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQكُسُوفٍ إِنْ أَمِنَ فَوْتَهَا، وَلَوْ أَمَرَهُ وَالِدُهُ بِتَأْخِيرِهَا لِيُصَلِّيَ مَعَهُ آخَرُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُقَدِّمَ فِي الْكُلِّ إِذَا ظَنَّ مَانِعًا مِنْهَا. فَائِدَةٌ: لَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا بِالْعَتَمَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ شِدَّةُ الظُّلْمَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ تُسَمَّى الْعِشَاءَ. فَرْعٌ: يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَهَا، لِحَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ: بِلَا مُوقِظٍ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَخَّصَ لِعَلِيٍّ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا فِي الْجُمْلَةِ إِلَّا لِشُغْلٍ وَشَيْءٍ يَسِيرٍ، وَالْأَصَحُّ: وَأَهْلٍ وَعِيَالٍ، وَسَبَبُ الْكَرَاهَةِ أَنَّ نَوْمَهُ يَتَأَخَّرُ فَيُخَافُ مِنْهُ تَفْوِيتُ الصُّبْحِ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ عَنْ أَوَّلِهِ، أَوْ يَفُوتُهُ قِيَامُ اللَّيْلِ مِمَّنْ يَعْتَادُهُ، وَعَلَّلَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا، وَهَذَا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا كَانَ فِي خَيْرٍ كَقِرَاءَةِ حَدِيثٍ، وَمُذَاكَرَةِ فِقْهٍ، وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ، وَإِينَاسِ الضَّيْفِ، لِأَنَّهُ خَيْرٌ نَاجِزٌ، فَلَا يُتْرَكُ لِمَفْسَدَةٍ مُتَوَهَّمَةٍ. [وَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ] (ثُمَّ الْفَجْرُ) سُمِّيَ بِهِ، لِانْفِجَارِ الصُّبْحِ، وَهُوَ ضَوْءُ النَّهَارِ إِذَا انْشَقَّ عَنْهُ اللَّيْلُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ آخِرُ اللَّيْلِ كَالشَّفَقِ فِي أَوَّلِهِ، وَقَدْ أَفْجَرْنَا كَمَا تَقُولُ: قَدْ أَصْبَحْنَا مِنَ الصُّبْحِ، وَهُوَ مُثَلَّثُ الصَّادِ حَكَاهُ ابْنُ مَالِكٍ، وَهُوَ مَا جَمَعَ بَيَاضًا، وَحُمْرَةً، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: وَجْهٌ صَبِيحٌ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَاضٍ وَحُمْرَةٍ، وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا بِصَلَاةِ الْغَدَاةِ فِي الْأَصَحِّ، وَهِيَ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ، نَصَّ عَلَيْهِ (و) أَوَّلُ (وَقْتِهَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) إِجْمَاعًا، وَيُسَمَّى الصَّادِقَ، لِأَنَّهُ صَدَقَكَ عَنِ الصُّبْحِ، وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا الْمُخْتَارُ (إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ) لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ وابن عبدوس: يَذْهَبُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ بِالْإِسْفَارِ، وَيَبْقَى وَقْتُ الْإِدْرَاكِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فَعَلَى
أَسْفَرَ الْمَأْمُومُونَ، فَالْأَفْضَلُ الْإِسْفَارُ. وَمَنْ أَدْرَكَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ مِنْ صَلَاةٍ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQهَذَا يُكْرَهُ التَّأْخِيرُ بَعْدَ الْإِسْفَارِ بِلَا عُذْرٍ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، قَالَ ابْنُ الْبَنَّا: وَبِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بَلَدٍ بِحَسَبِهِ. فَائِدَةٌ: وَقْتُ الْفَجْرِ يَتْبَعُ اللَّيْلَ فَيَكُونُ فِي الشِّتَاءِ أَطْوَلَ مِنَ الصَّيْفِ، وَالْعِشَاءِ عَلَى الْعَكْسِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْفَجْرِ فِي الشِّتَاءِ وَفِي الصَّيْفِ، فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ (وَتَعْجِيلُهَا) أَوَّلَ الْوَقْتِ إِذَا تَيَقَّنَهُ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ (أَفْضَلُ) قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " و" الْمُسْتَوْعِبِ " و" الرِّعَايَةِ " وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ، مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْغَلَسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَلَّسَ بِالصُّبْحِ، ثُمَّ أَسْفَرَ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْفَارِ حَتَّى مَاتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، قَالَ الْحَازِمِيُّ: إِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُغَلِّسُونَ، وَمُحَالٌ أَنْ يَتْرُكُوا الْأَفْضَلَ، وَهُمُ النِّهَايَةُ فِي إِتْيَانِ الْفَضَائِلِ (وَعَنْهُ: إِنْ أَسْفَرَ الْمَأْمُومُونَ فَالْأَفْضَلُ الْإِسْفَارُ) وَهُوَ الَّذِي فِي التَّحْقِيقِ، وَجَزَمَ بِهِ الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " رُءُوسِ الْمَسَائِلِ " قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: الْعَمَلُ عَلَيْهَا، وَصَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، قَالَ الْقَاضِي: نَقَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ، وَالْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْعِشَاءِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْفَجْرِ مِثْلَهُ، وَلَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ فَغَلِّسْ بِالْفَجْرِ، وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ فَأَسْفِرْ، فَإِنَّ اللَّيْلَ قَصِيرٌ، وَالنَّاسُ يَنَامُونَ» رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ فِي " مَغَازِيهِ "، وَالْبَغْوِيُّ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " وَظَاهِرُهُ اعْتِبَارُ حَالِ الْمَأْمُومِينَ كُلِّهِمْ، وَالْمَذْهَبُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشِّيرَازِيُّ وَالْجَدُّ أَوْ أَكْثَرُهُمْ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ، وَعَنْهُ: الْإِسْفَارُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا لِمَا رَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خُزَيْمَةَ عَنِ
[من أدرك تكبيرة الإحرام من صلاة في وقتها]
وَقْتِهَا، فَقَدْ أَدْرَكَهَا وَمَنْ شَكَّ فِي الْوَقْتِ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْقَعْنَبِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: مَا اجْتَمَعَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى شَيْءٍ مَا اجْتَمَعُوا عَلَى التَّنْوِيرِ، وَعَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُمَا كَانَا يُسْفِرَانِ بِهَا. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْحَاجُّ بِمُزْدَلِفَةَ، لَكِنْ حَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ أَنَّ مَعْنَى الْإِسْفَارِ أَنْ يُضِيءَ الْفَجْرُ فَلَا يُشَكُّ فِيهِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ أَيْ: أَضَاءَ يُقَالُ: أَسْفَرَتِ الْمَرْأَةُ عَنْ وَجْهِهَا إِذَا كَشَفَتْهُ، وَأَظْهَرَتْهُ. [مَنْ أَدْرَكَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ مِنْ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا] (وَمَنْ أَدْرَكَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ مِنْ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا فَقَدْ أَدْرَكَهَا) جَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " و" الْفُرُوعِ " وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَوْ مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِلْبُخَارِيِّ: «فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ» ، وَكَإِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ وَالْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُدْرِكُهَا بِإِدْرَاكِ أَيِّ جُزْءٍ كَانَ، قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ كَحَائِضٍ تَطْهُرُ، وَمَجْنُونٍ يُفِيقُ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ كَمَا قَيَّدَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فِيهَا، وَعَنْهُ: لَا يُدْرِكُ بِدُونِ رَكْعَةٍ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وصححها الحلواني لِتَخْصِيصِ الشَّارِعِ الْإِدْرَاكَ بِالرَّكْعَةِ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَالْجُمُعَةِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الصَّلَاةَ كُلَّهَا أَدَاءٌ، إِذَا وَقَعَ بَعْضُهَا خَارِجَ الْوَقْتِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَلَوْ صَلَّى دُونَ رَكْعَةٍ، وَلِهَذَا يَنْوِيهِ، وَقَطَعَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي
[من شك في دخول الوقت]
فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مُخْبِرٌ عَنْ يَقِينٍ، قَبِلَ قَوْلَهُ، وَإِنْ كَانَ عَنْ ظَنٍّ لَمْ يَقْبَلْهُ، وَمَتَى ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي الْمَعْذُورِ اعْتِبَارًا بِالتَّحْرِيمَةِ، وَقِيلَ: قَضَاءٌ، اعْتِبَارًا بِالسَّلَامِ، فَإِنَّهُ وَقْتُ سُقُوطِ الْفَرْضِ، وَقِيلَ: الْخَارِجُ عَنِ الْوَقْتِ، وَلَا تَبْطُلُ بِخُرُوجِ وَقْتِهَا، وَهُوَ فِيهَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْفَجْرِ، لِوُجُوبِهَا كَامِلَةً، فَلَا تُؤَدَّى نَاقِصَةً، وَمِثْلُهُ عَصْرُ أَمْسِهِ تَغْرُبُ، وَهُوَ فِيهَا. [مَنْ شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ] (وَمَنْ شَكَّ فِي) دُخُولِ (الْوَقْتِ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ دُخُولِهِ، فَلَوْ صَلَّى مَعَ الشَّكِّ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ أَصَابَ، كَمَا لَوْ صَلَّى مَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: مَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ مَعَ مَا يُنَافِيهِ، لَا مَعَ مَا يُنَافِي الصَّلَاةَ عَمْدًا، أَوْ جَهْلًا أَوْ سَهْوًا، فَسَدَ فَرْضُهُ وَنَفْلُهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، فَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ كَمَنْ لَهُ صَنْعَةٌ جَرَتْ عَادَتُهُ بِعَمَلِ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ، أَوْ قَارِئٍ جَرَتْ عَادَتُهُ بِقِرَاءَةِ شَيْءٍ فَقَرَأَهُ، جَازَتْ صَلَاتُهُ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ اجْتِهَادِيٌّ، فَاكْتُفِيَ فِيهِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ كَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَبْنُونَ أَمْرَ الْفِطْرِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَلَا يُعِيدُ بِحَالٍ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " إِلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّ صَلَاتَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَأَمَّا إِذَا تَيَقَّنَ كَالْعَالِمِ بِالْمَوَاقِيتِ وَدَقَائِقِ السَّاعَاتِ، وَسَيْرِ الْكَوَاكِبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ، وَلَا مَانِعَ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى، وَقِيلَ: إِنْ قَدَرَ عَلَى الْيَقِينِ لَمْ يَعْمَلْ بِالظَّنِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ (فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ) أَيْ: بِدُخُولِ الْوَقْتِ (مُخْبِرٌ) ثِقَةٌ (عَنْ يَقِينٍ) عِلْمٍ بِأَنْ قَالَ: رَأَيْتُ الْفَجْرَ طَالِعًا، وَالشَّفَقَ غَارِبًا (قَبِلَ قَوْلَهُ) لِأَنَّ خَبَرَهُ مَعَ الثِّقَةِ يُفِيدُ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِهِ، وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ أَشْبَهَ الرِّوَايَةَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْيَقِينُ (وَإِنْ كَانَ عَنْ ظَنٍّ لَمْ يَقْبَلْهُ) لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ، وَتَحْصِيلِ مِثْلِ ظَنِّهِ أَشْبَهَ حَالَ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ، زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ: إِلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فَيَعْمَلَ بِقَوْلِهِ، وَالْأَعْمَى وَالْمَطْمُورُ الْقَادِرَانِ عَلَى التَّوَصُّلِ بِالِاسْتِدْلَالِ كَالْبَصِيرِ الْقَادِرِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي إِمْكَانِ التَّقْدِيرِ بِمُرُورِ الزَّمَانِ، فَإِنْ كَانَ الْأَعْمَى عَاجِزًا عَنْ مَعْرِفَتِهِ بِنَفْسِهِ، قَلَّدَ بَصِيرًا عَالِمًا بِهِ، فَإِنْ عَدِمَ مَنْ يُقَلِّدُهُ فَاجْتَهَدَ، وَصَلَّى أَعَادَ إِنْ أَخْطَأَ، وَإِلَّا فَلَا، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَسَيَأْتِي، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُعِيدُ مُطْلَقًا.
[من أدرك من الوقت قدر تكبيرة]
اجْتَهَدَ وَصَلَّى فَبَانَ أَنَّهُ وَافَقَ الْوَقْتَ، أَوْ مَا بَعْدَهُ، أَجْزَأَهُ، وَإِنْ وَافَقَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ. وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ، ثُمَّ جُنَّ أَوْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ، لَزِمَهُم ـــــــــــــــــــــــــــــQتَذْنِيبٌ: إِذَا سَمِعَ أَذَانَ ثِقَةٍ عَارِفٍ بِالْوَقْتِ فَلَهُ تَقْلِيدُهُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، فَجَرَى مَجْرَى خَبَرِهِ، وَلِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ تَمِيمٍ: لَا يَعْمَلُ بِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى يَعْلَمَ إِسْلَامَهُ، وَفِي كِتَابِ أَبِي الْمَعَالِي، و" الرِّعَايَةِ ": لَا أَذَانَ فِي غَيْمٍ، لِأَنَّهُ عَنِ اجْتِهَادٍ، وَيَجْتَهِدُ هُوَ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْوَقْتَ بِالسَّاعَاتِ، أَوْ تَقْلِيدِ عَارِفٍ عَمِلَ بِهِ، جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَعْمَلُ بِقَوْلِ الْمُؤَذِّنِ مَعَ إِمْكَانِ الْعِلْمِ بِالْوَقْتِ، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ. قُلْتُ: مِنَ الْأَمَارَاتِ صِيَاحُ الدِّيكِ الْمُجَرَّبِ، وَكَثْرَةُ الْمُؤَذِّنِينَ. (وَمَتَى اجْتَهَدَ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الِاجْتِهَادُ بَذْلُ الْوُسْعِ فِي الْمَجْهُودِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " الِاجْتِهَادُ التَّامُّ: أَنْ يَبْذُلَ الْوُسْعَ فِي الطَّلَبِ إِلَى أَنْ يُحِسَّ مِنْ نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ عَنْ مَزِيدِ طَلَبٍ (وَصَلَّى فَبَانَ أَنَّهُ وَافَقَ الْوَقْتَ) أَجْزَأَهُ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَقَعَتِ الْمَوْقِعَ، لِكَوْنِهِ أَدَّى مَا خُوطِبَ بِهِ، وَفُرِضَ عَلَيْهِ (أَوْ مَا بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ) لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَقَعُ بَعْدَ الْوَقْتِ قَضَاءً، وَهُوَ مُسْقِطٌ لِلْفَرْضِ، وَمُجْزِئٌ عَنْهُ (وَإِنْ وَافَقَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئُهُ) لِأَنَّهُ أَدَّاهَا قَبْلَ وَقْتِ الْوُجُوبِ، وَتَكُونُ نَفْلًا، صَرَّحَ بِهِ فِي (" الْوَجِيزِ ") و (" الرِّعَايَةِ ") وَكَذَا إِذَا ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ فَائِتَةً فَأَحْرَمَ بِهَا، فَبَانَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ أَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ عَنْ عِلْمٍ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ أَعَادَ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَا بُدَّ مِنَ الْفَرْقِ فِيمَا إِذَا اجْتَهَدَ فِي الْقِبْلَةِ، وَصَلَّى فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخْطَأَ بِخِلَافِ الِاجْتِهَادِ فِي الْوَقْتِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ المجتهد فِي الْقِبْلَةِ أَدَّى الصَّلَاةَ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، وَفِي الْوَقْتِ أَدَّاهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا، ثُمَّ تَجَدَّدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ تَحْصِيلَ الْيَقِينِ فِي الْوَقْتِ مُمْكِنٌ بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَفِي الْآخَرِ نَظَرٌ. [مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ] (وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْوَقْتِ) وَهُوَ مُكَلَّفٌ (قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ) أَيْ: تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَلَكِنْ أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ، فَلِهَذَا قِيلَ: يُجْزِئُ (ثُمَّ) طَرَأَ مَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ عَنْهُ، كَمَا إِذَا (جُنَّ
الْقَضَاءُ، وَإِنْ بَلَغَ صَبِيٌّ، أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ، أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ، أَوْ طَهُرَتْ حَائِضٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ، لَزِمَهُمُ الصُّبْحُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لَزِمَهُمُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَزِمَهُمُ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQأَوْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ لَزِمَهُمُ الْقَضَاءُ) ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي (" الْوَجِيزِ ") لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ سُقُوطِهَا، وَكَآخِرِ الْوَقْتِ، وَكَالَّتِي أَمْكَنَ أَدَاؤُهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَلَكِنَّ إِدْرَاكَ جُزْءٍ مِنَ الْوَسَطِ كَذَلِكَ، وَعَنْهُ: إِنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُدْرِكَ مِنْهُ مَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعْلِهَا، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ بَطَّةَ، كَمَا لَوْ طَرَأَ الْعُذْرُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ، وَفِي وُجُوبِ الثَّانِيَةِ مِنْ صَلَاتَيِ الْجَمْعِ بِوُجُوبِ الْأُولَى رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: يَجِبُ، وَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ، وَالثَّانِيَةُ لَا، وَهِيَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنْ وَقْتِهَا، وَلَا وَقْتَ تَبِعَهَا، أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا، بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهَا تُفْعَلُ تَبَعًا لِلْأُولَى، فَمُدْرِكُ وَقْتِهَا مُدْرِكٌ لِجُزْءٍ مِنْ وَقْتٍ تَبِعَ الْأُولَى (وَإِنْ) طَرَأَ تَكْلِيفٌ بِأَنْ (بَلَغَ صَبِيٌّ، أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ، أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ، أَوْ طَهُرَتْ حَائِضٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) وَلَوْ (بِقَدْرِ تكبيرة) وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ كَبَعْضِ تَكْبِيرَةٍ، وَفِي (" الْفُرُوعِ ") وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي حِكَايَةُ الْقَوْلِ بِإِمْكَانِ الْأَدَاءِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ حِكَايَةُ الْقَوْلِ بِرَكْعَةٍ، فَتَكُونُ فَائِدَةُ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (لَزِمَهُمُ الصُّبْحُ) أَيْ: صَلَاةُ الصُّبْحِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: «مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنَ الْفَجْرِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» فَقَوْلُهُ: سَجْدَةً أَيْ: مِقْدَارُ سَجْدَةٍ (وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَزِمَهُمُ الظُّهْرُ، وَالْعَصْرُ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، وَالْأَثْرَمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُمَا قَالَا: إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ صَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ صَلَّتِ الْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ، وَرَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَفِي الْإِسْنَادِ ضَعْفٌ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، قَالَ أَحْمَدُ: عَامَّةُ التَّابِعِينَ يَقُولُونَ بِهِ إِلَّا الْحَسَنُ
[من فاتته صلوات بعذر أو غيره]
وَمَنْ فَاتَتْهُ صلوات لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا، عَلَى الْفَوْرِ مُرَتَّبًا، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، فَإِنْ خَشِيَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَحْدَهُ قَالَ: لَا تَجِبُ إِلَّا الصَّلَاةُ الَّتِي طَهُرَتْ فِيهَا، لِأَنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلْأُولَى حَالَ الْعُذْرِ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ الْمَعْذُورُ لَزِمَهُ فَرْضُهَا كَمَا يَلْزَمُهُ فَرْضُ الثَّانِيَةِ، وَلِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ تَجِبُ بِهِ الثَّانِيَةُ فَوَجَبَتْ بِهِ الْأُولَى، كَالرَّكْعَةِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَتَّسِعْ لِفِعْلِهَا، وَقَدْرُ مَا تَجِبُ بِهِ الثَّانِيَةُ، وَلَا يُعْتَبَرُ زَمَنٌ يَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَزِمَهُمُ الْمَغْرِبُ وَالْعَشَاءُ) لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَعَلَّلَ أَبُو الْخَطَّابِ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ عَصْرُ يَوْمِهِ لَزِمَهُ ظُهْرُ يَوْمِهِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَ قَبْلَ الْغُرُوبِ. [مَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ] (وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ) بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا) وِفَاقًا، وَقَالَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ: إِنَّ غَيْرَ الْمَعْذُورِ لَا يَقْضِي، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَحَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ عَنِ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ، وَحِكْمَتُهُ التَّغْلِيظُ عَلَيْهِ (عَلَى الْفَوْرِ) فِي الْمَنْصُوصِ إِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَوَقْتُهَا إِذَا ذَكَرَهَا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ، فَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ الذِّكْرِ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا تَحَوَّلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِأَصْحَابِهِ لَمَّا نَامُوا، وَقَالَ: «إِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ» ، لِأَنَّهُ سُنَّةٌ كَفِعْلِ سُنَّةٍ قَبْلَ الْفَرْضِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ لِفَرْضٍ صَحِيحٍ، كَانْتِظَارِ رُفْقَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ لِلصَّلَاةِ (مُرَتِّبًا) عَلَى الْأَصَحِّ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَصَلَّاهَا بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُعِدِ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَلِأَنَّهَا صلوات مُؤَقَّتَاتٌ، فَوَجَبَ التَّرْتِيبُ فِيهَا كَالْمَجْمُوعَتَيْنِ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ، فَظَاهِرُهُ يَخْتَصُّ بِحَالَةِ الْعُذْرِ. وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ إِذَا وَجَبَتِ الْفَوْرِيَّةُ، وَالتَّرْتِيبُ عَلَى الْمَعْذُورِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالنِّسْيَانِ، لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ، قَالَهُ فِي " الْمُبْهِجِ ": لِأَنَّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQكُلَّ وَاحِدة عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَالْأَدَاءُ إِنَّمَا كَانَ وَاجِبًا فِي الْأَوَّلِ لِضَرُورَةِ الْوَقْتِ كَالصَّوْمِ، وَأَسْقَطَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعِ الْفَوْرِيَّةِ، وَالتَّرْتِيبَ فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: التَّرْتِيبُ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا، فَلَوْ أَخَلَّ بِهِ لَمْ يَصِحَّ كَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ يَجِبُ التَّرْتِيبُ، وَلَا يُعْتَبَرُ لِلصِّحَّةِ. مَسْأَلَةٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَائِتَةَ جَمَاعَةً، وَمَنْ شَكَّ فِيمَا عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِنْ شَكَّ فِي زَمَنِ الْوُجُوبِ قَضَى مَا يَعْلَمُ وُجُوبَهُ، وَإِنْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوُجُوبِ قَضَى مَا يَعْلَمُ بِهِ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ. (قَلَّتِ) الْفَوَائِتُ (أَوْ كَثُرَتْ) لِأَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْكَثْرَةِ، كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، لَكِنْ إِذَا قَلَّتِ الْفَوَائِتُ قَضَاهَا بِسُنَنِهَا، وَإِنْ كَثُرَتْ فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى الْفَرْضِ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَاسْتَثْنَى أَحْمَدُ سُنَّةَ الْفَجْرِ، وَقَالَ: لَا يُهْمِلُهَا، وَقَالَ فِي الْوِتْرِ: إِنْ شَاءَ قَضَاهُ، وَإِنْ شَاءَ فَلَا، وَنَقَلَ مُهَنَّا: يَقْضِي سُنَّةَ الْفَجْرِ لَا الْوِتْرَ؛ لِأَنَّهُ دُونَهَا، وَأَطْلَقَ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ: يَقْضِي السُّنَنَ وَالْوِتْرَ كَمَا يَقْضِي غَيْرَهُ مِنَ الرَّوَاتِبِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ نَفْلٌ مُطْلَقٌ عَلَى الْأَصَحِّ لِتَحْرِيمِهِ، كَأَوْقَاتِ النَّهْيِ، وَكَذَا يَتَخَرَّجُ فِي النَّفْلِ الْمُبْتَدَأِ بَعْدَ الْإِقَامَةِ أَوْ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِ الْمُؤَدَّاةِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، وَتَحْرِيمِهِ. فَائِدَةٌ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنْ عَجَزَ فَمَاتَ بَعْدَ التَّوْبَةِ غُفِرَ لَهُ، قَالَ: وَلَا تَسْقُطُ بِحَجٍّ، وَلَا تَضْعِيفِ صَلَاةٍ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. (فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْحَاضِرَةِ) سَقَطَ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ فِي الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ، لِئَلَّا تَصِيرَا فَائِتَتَيْنِ، وَفِعْلُ الْحَاضِرَةِ آكُدُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِتَرْكِهَا بِخِلَافِ الْفَائِتَةِ، وَلِأَنَّ تَرْكَ التَّرْتِيبِ أَيْسَرُ مِنْ تَرْكِ الْوَقْتِ، وَعَنْهُ: لَا يَسْقُطُ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، لِأَنَّهُ تَرْتِيبٌ فَلَمْ يَسْقُطْ بِضِيقِ الْوَقْتِ كَتَرْتِيبِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِذَا كَثُرَتِ الْفَوَائِتُ بِحَيْثُ لَا يَتَّسِعُ لَهَا وَقْتُ الْحَاضِرَةِ صَلَّى الْحَاضِرَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي
فَوَاتَ الْحَاضِرَةِ، أَوْ نَسِيَ التَّرْتِيبَ، سَقَطَ وُجُوبُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQحَفْصٍ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْإِخْلَالِ بِالتَّرْتِيبِ، فَفَعَلَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِتَحْصُلَ فَضِيلَةُ الْوَقْتِ وَالْجَمَاعَةِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً، فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ مَعْرِفَةُ آخِرِ الْوَقْتِ فِي حَقِّ أَكْثَرِ النَّاسِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: الْمُرَادُ بِفَوَاتِ الْحَاضِرَةِ ضِيقُ وَقْتِهَا حَتَّى لَا يَتَّسِعَ لِفِعْلِهِمَا جَمِيعًا، وَقِيلَ: مَا لَا يَتَّسِعُ لِفِعْلِ الْفَائِتَةِ، وَإِدْرَاكِ الْحَاضِرَةِ، وَهَلْ خُرُوجُ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ كَخُرُوجِ الْوَقْتِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَا يَشْتَغِلُ عَنِ الْحَاضِرَةِ بِالْقَضَاءِ، فَإِنْ خَالَفَ، وَقَضَى صَحَّ، نُصَّ عَلَيْهِ، لَا نَافِلَةَ فِي الْأَصَحِّ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاضِرَةِ أَنْ تَكُونَ جُمْعَةً أَوْ غَيْرَهَا، فَإِنَّ خَوْفَ فَوْتِ الْجُمْعَةِ، كَضِيقِ الْوَقْتِ فِي سُقُوطِ التَّرْتِيبِ، نُصَّ عَلَيْهِ، فَيُصَلِّي الْجُمْعَةَ قَبْلَ الْقَضَاءِ، وَعَنْهُ: لَا يَسْقُطُ. قَالَ جَمَاعَةٌ: لَكِنْ عَلَيْهِ فِعْلُ الْجُمْعَةِ فِي الْأَصَحِّ، ثُمَّ يَقْضِيهَا ظُهْرًا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْفَائِتَةُ الْإِمَامَ فِي الْجُمْعَةِ، وَصَّلَاهَا مَعَ ذِكْرِهِ، فَإِنْ سَقَطَ التَّرْتِيبُ لِضِيقِ الْوَقْتِ صَحَّتِ الْجُمْعَةُ، وَقَضَى مَا عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَسْقُطُ أَعَادَ الْجُمْعَةَ إِنْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا، فَإِنْ ذَكَرَ الْفَائِتَةَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ بِالْجُمْعَةِ اسْتَنَابَ فِيهَا، وَقَضَى الْفَائِتَةَ، فَإِنْ أَدْرَكَ الْجُمْعَةَ مَعَ نَائِبِهِ، وَإِلَّا صَلَّى ظُهْرًا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَصَلَّى بِهِمْ فَعَلَى الْخِلَافِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْضِيَ، ثُمَّ يَأْتِي بِمَا يُدْرِكُ بِهِ الْجُمْعَةَ، وَهُوَ أَشْبَهُ (أَوْ نَسِيَ التَّرْتِيبَ) بَيْنَ فَوَائِتَ حَالَ قَضَائِهَا، أَوْ بَيْنَ حَاضِرَةٍ وَفَائِتَةٍ حَتَّى فُرِغَ مِنْهَا (سَقَطَ وَجُوبُهُ) وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» وَلِأَنَّ الْمَنْسِيَّةَ لَيْسَ عَلَيْهَا أَمَارَةٌ، فَجَازَ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهَا النِّسْيَانُ، كَالصِّيَامِ، وَعَنْهُ: لَا تَسْقُطُ مَعَ النِّسْيَانِ كَالْمَجْمُوعَتَيْنِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِمَا إِذْ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْجَمْعِ، وَهُوَ مُتَعَذَّرٌ مَعَ النِّسْيَانِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ الْفَائِتَةَ، ثُمَّ نَسِيَهَا، أَوْ لَمْ يَسْبِقْ لَهَا ذِكْرٌ، وَأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بِخَشْيَةِ فَوَاتِ الْجَمَاعَةِ فِي الْحَاضِرَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا بِالْجَهْلِ بِوُجُوبِهِ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ نَادِرٌ، وَلِأَنَّهُ اعْتَقَدَ بِجَهْلِهِ خِلَافَ الْأَصْلِ، وَهُوَ التَّرْتِيبُ، فَلَمْ يُعْذَرْ. فَلَوْ صَلَّى الظَّهْرَ، ثُمَّ الْفَجْرَ جَاهِلًا، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا، صَحَّتْ عَصْرُهُ لِاعْتِقَادِهِ لَا صَلَاةَ عَلَيْهِ، كَمَنْ صَلَّاهَا، ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ بِلَا
[باب ستر العورة]
بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَهُوَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ، وَسَتْرُهَا عَنِ النَّظَرِ بِمَا لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ وَاجِبٌ، وَعَوْرَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوُضُوءٍ، أَعَادَ الظُّهْرَ، وَإِنْ نَسِيَ ظُهْرًا وَعَصْرًا مِنْ يَوْمَيْنِ وَجَهِلَ السَّابِقَةَ فَعَنْهُ: يَبْدَأُ بِالظُّهْرِ، ثُمَّ بِالْعَصْرِ اعْتِبَارًا بِالتَّرْتِيبِ الشَّرْعِيَّ، وَعَنْهُ: يَتَحَرَّى فَإِنِ اسْتَوَيَا، فَعَنْهُ بِمَا شَاءَ، وَعَنْهُ: يُصَلِّي ظُهْرَيْنِ بَيْنَهُمَا عَصْرًا، أو بِالْعَكْسِ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ فَرْضِهِ بِيَقِينٍ قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهُوَ الْقِيَاسُ. فَرْعٌ: إِذَا ذَكَرَ فَائِتَةً فِي حَاضِرَةٍ، أَتَمَّهَا غَيْرُ الْإِمَامِ، وَعَنْهُ: نَفْلًا، وَقِيلَ: فَرْضًا، وَعَنْهُ: تَبْطُلُ، وَإِنْ نَسْيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ يَجْهَلُ عَيْنَهَا صَلَّى خَمْسًا، نُصَّ عَلَيْهِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ، وَعَنْهُ: فَجْرًا، ثُمَّ مَغْرِبًا، ثُمَّ رُبَاعِيَّةً، وَإِنْ تَرَكَ عَشْرَ سَجَدَاتٍ مِنْ صَلَاةٍ شَهْرًا، قَضَى صَلَاةَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لِجَوَازِ تَرْكِهِ كُلَّ يَوْمٍ سَجْدَةً، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي. [بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ] [تَعْرِيفُ الْعَوْرَةِ وَحُكْمُ سَتْرِهَا] بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ الْعَوْرَةُ فِي اللُّغَةِ: النُّقْصَانُ، وَالشَّيْءُ الْمُسْتَقْبَحُ، وَمِنْهُ كَلِمَةُ عَوْرَاءَ أَيْ: قَبِيحَةٌ، فَهِيَ سَوْءَةُ الْإِنْسَانِ، وَكُلُّ مَا يُسْتَحْيَى مِنْهُ، وَسُمِّيَتْ عَوْرَةً لِقُبْحِ ظُهُورِهَا، ثُمَّ إِنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى مَا يَجِبُ سَتْرُهَا فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَعَلَى مَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهِ، وَسَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ (وَهُوَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى فَسَادِ صَلَاةِ مَنْ تَرَكَ ثَوْبَهُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الِاسْتِتَارِ بِهِ، أَوْ صَلَّى عُرْيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ بِسَبَبٍ خَاصٍّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَالْمُرَادُ بِالْحَائِضِ الْبَالِغُ، وَلِأَنَّهُ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَى عَنِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا» ، فَالصَّلَاةُ أَوْلَى، لِأَنَّهَا أَعْلَى، وَآكَدُ مِنْهُ. وَالْأَحْسَنُ فِي الِاسْتِدْلَالِ أَنْ يُقَالَ: انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنِ الصَّلَاةِ مَعَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَالنَّهْيُ فِي الْعِبَادَاتِ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ، وَهَذَا مَحَلُّهُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ وَجَبَ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا. (وَسَتْرُهَا) لَا مِنْ أَسْفَلَ، وَالْأَظْهَرُ: بَلَى إِنْ تَيَسَّرَ النَّظَرُ (عَنِ النَّظَرِ بِمَا لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ) أَيْ: السَّوَادُ، وَالْبَيَاضُ (وَاجِبٌ) لِأَنَّ السَّتْرَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ فَدَلَّ [عَلَى] أَنَّهُ إِذَا وَصَفَ بَيَاضَ الْجِلْدِ أَوْ حُمْرَتَهُ فَلَيْسَ بِسَاتِرٍ، وَإِذَا سَتَرَ اللَّوْنَ، وَوَصَفَ الْخِلْقَةَ أَيْ: حَجْمَ الْعُضْوِ، صَحَّتِ الصَّلَاةُ فِيهِ، لِأَنَّ الْبَشَرَةَ مَسْتُورَةٌ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ السَّاتِرُ صَفِيقًا، وَيَكْفِي نَبَاتٌ، وَنَحْوُهُ، وَقِيلَ: لَا يَكْفِي حَشِيشٌ مَعَ وُجُودِ ثَوْبٍ، وَيَكْفِي مُتَّصِلٌ بِهِ كَيَدِهِ، وَلِحْيَتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي لُزُومِ طِينٍ، وَمَاءٍ كَدِرٍ لِعُدْمٍ وَجْهَانِ، لَا بَارِيَةٌ وَحَصِيرٌ، وَنَحْوُهُمَا مِمَّا يَضُرُّ، وَلَا حَفِيرَةٌ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ الطِّينُ لَا الْمَاءُ، وَيَكُونُ مِنْ فَوْقَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ سَتْرُهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَجِبُ سَتْرُهَا مُطْلَقًا حَتَّى خَلْوَةً عَنْ نَظَرِ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ يَحْرُمُ كَشْفُهَا خَلْوَةً بِلَا حَاجَةٍ فَيَحْرُمُ نَظَرُهَا، لِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ لِكَشْفِهَا الْمُحَرَّمِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَمْ أَجِدْ تَصْرِيحًا بِخِلَافِ هَذَا لَا أَنَّهُ يَحْرُمُ نَظَرُ عَوْرَتِهِ حَيْثُ جَازَ كَشْفُهَا فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ هُوَ، وَلَا لَمْسُهَا اتِّفَاقًا، وَقَدْ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إِذَا وَجَبَ سَتْرُهَا فِي الصَّلَاةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنِ الْأَجَانِبِ، فَهَلْ يَجِبُ عَنْ نَفْسِهِ إِذَا خَلَا؛ فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَجِبُ السَّتْرُ عَنِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْجِنِّ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ، وَقَوْلُهُ: وَاجِبٌ مُطْلَقًا إِلَّا لِضَرُورَةٍ كَتَدَاوٍ
[عورة الرجل والأمة]
الرَّجُلِ وَالْأَمَةِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا الْفَرْجَانِ، وَالْحُرَّةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ، إِلَّا ـــــــــــــــــــــــــــــQوَنَحْوِهِ، أَوْ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَلِأَمَتِهِ الْمُبَاحَةِ أَوْ هِيَ لِسَيِّدِهَا. [عَوْرَةُ الرَّجُلِ وَالْأَمَةِ] (وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ، وَالْأَمَةِ: مَا بَيْنَ السُّرَّةِ، وَالرُّكْبَةِ) نَصَّ أَحْمَدُ أَنَّ عَوْرَةَ الرَّجُلِ مَا ذَكَرَهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ» رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ نَكَارَةٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَعَنْ جَرْهَدٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ، وَقَدِ انْكَشَفَتْ فَخِذِي، فَقَالَ: غَطِّ فَخِذَكَ فَإِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَغَيْرُهُمَا، وَفِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرِّ، وَالْعَبْدِ، وَكَذَا مَنْ بَلَغَ عَشْرًا فِي الْأَصَحِّ، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَذَكَرَ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، أَنَّ عَوْرَتَهَا كَالرَّجُلِ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَلَا يَنْظُرْ إِلَى شَيْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ، فَإِنَّ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إِلَى رُكْبَتِهِ عَوْرَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، يُرِيدُ بِهِ الْأَمَةَ، فَإِنَّ الْأَجِيرَ وَالْعَبْدَ لَا يَخْتَلِفُ حَالُهُ بِالتَّزْوِيجِ وَعَدَمِهِ، وَكَانَ عُمَرُ يَنْهَى الْإِمَاءَ عَنِ التَّقَنُّعِ، وَقَالَ: إِنَّمَا الْقِنَاعُ لِلْحَرَائِرِ، وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الرُّكْبَةَ وَالسُّرَّةَ لَيْسَتَا مِنَ الْعَوْرَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَعَنْهُ: وَالرُّكْبَةُ لِخَبَرٍ ضَعِيفٍ، وَعَنْهُ: وَهُمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. (وَعَنْهُ: أَنَّهَا الْفَرْجَانِ) نَقَلَهَا عَنْهُ مُهَنَّا، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ فِي الرَّجُلِ، قَالَ
[عورة الحرة]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي " الْفُرُوعِ ": وَهَذَا أَظْهَرُ لِمَا رَوَى أَنَسٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ خَيْبَرَ حَسَرَ الْإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ، حَتَّى إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ: «فَانْحَسَرَ الْإِزَارُ عَنْ فَخْذِ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ كَاشِفٌ فَخْذَيْهِ لَمْ يُغَطِّهِمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُخَرَّجٍ، فَلَمْ يَكُنْ عَوْرَةً كَالسَّاقِ، وَسَمَّى الشَّارِعُ الْفَخِذَ عَوْرَةً لِتَأَكُّدِ الِاسْتِحْبَابِ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَرْهَدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْفَخِذُ عَوْرَةٌ» وَقَالَ أَنَسٌ: «حَسَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِزَارَ عَنْ فَخْذِهِ» وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَقَدْ جَاءَتْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ فِيهَا: أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ، وَلَمْ يُضَادَّهَا أَثَرٌ صَحِيحٌ، وَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُشَارَكَةُ الْأَمَةِ لِلرَّجُلِ فِيهَا، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: لَمْ أَجِدْ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ تَصْرِيحًا بِأَنَّ عَوْرَةَ الْأَمَةِ الْفَرْجَانِ فِي رِوَايَةٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ أَئِمَّةً مِنَ الْأَثْبَاتِ قَدْ نَقَلُوهَا مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَعَنْهُ: مَا لَا يَظْهَرُ غَالِبًا، اخْتَارَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ، وَالْمَجْدُ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْكَافِي " وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ غَالِبًا، أَشْبَهَ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ، وَقِيلَ: الْبَرْزَةُ كَالرَّجُلِ دُونَ الْخَفْرَةِ، وَقِيلَ: مَا عَدَا رَأْسَهَا عَوْرَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يُسَنُّ سَتْرُ رَأْسِهَا فِي الصَّلَاةِ. فَرْعٌ: إِذَا أُعْتِقَتْ وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ مَكْشُوفَةُ الرَّأْسِ، وَوَجَدَتْ سُتْرَةً كَالْعُرْيَانِ يَجِدُهَا، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِالْعِتْقِ أَوْ عَلِمَتْ بِهِ، وَلَمْ تَعْلَمْ بِوُجُوبِ السَّتْرِ؛ فَصَلَاتُهَا بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ شَرْطَ الصَّلَاةِ لَا يُعْذَرُ فِيهَا بِالْجَهْلِ، وَإِنْ لَمْ تَجِدْ سُتْرَةً أَتَمَّتْ صَلَاتَهَا، وَلَا إِعَادَةَ. [عَوْرَةُ الْحُرَّةِ] (وَالْحُرَّةُ) الْبَالِغَةُ (كُلُّهَا عَوْرَةٌ) حَتَّى ظُفْرُهَا، نُصَّ عَلَيْهِ، ذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،
الْوَجْهَ، وَفِي الْكَفَّيْنِ رِوَايَتَانِ، وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعَتَقِ بَعْضُهَا كَالْأَمَةِ، وَعَنْهُ: كَالْحُرَّةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: «أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا إِزَارٌ؛ قَالَ: إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَ عَبْدُ الْحَقِّ، وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَرَأْسِهَا وَسَاقِهَا فَإِنَّهَا بِالْإِجْمَاعِ (إِلَّا الْوَجْهَ) لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ كَشْفُ وَجْهِهَا فِي الصَّلَاةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَقَدْ أَطْلَقَ أَحْمَدُ الْقَوْلَ بِأَنَّ جَمِيعَهَا عَوْرَةٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا عَدَا الْوَجْهَ، أَوْ عَلَى غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ رِوَايَةَ أَنَّهُ عَوْرَةٌ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عَكْسَهَا إِجْمَاعًا (وَفِي الْكَفَّيْنِ) ظَهْرًا وَبَطْنًا إِلَى الْكُوعَيْنِ (رِوَايَتَانِ) الْأُولَى، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، سَبَقَ حُكْمُهَا، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنَ الْعَوْرَةِ كَالْوَجْهِ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ و" الْوَجِيزِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ: وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ سَتْرُهُمَا فِي الْإِحْرَامِ كَمَا يَحْرُمُ سَتْرُ الْوَجْهِ، وَيَظْهَرَانِ غَالِبًا، وَتَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى كَشْفِهِمَا لِلْبَيْعِ، وَغَيْرِهِ كَالْوَجْهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْقَدَمَيْنِ أَيْضًا. هَذَا كُلُّهُ فِي الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ أَمَّا غَيْرُ الْبَالِغَةِ، كَالْمُرَاهِقَةِ وَالْمُمَيِّزَةِ فَكَالْأَمَةِ، وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْمُؤَلِّفِ يُخَالِفُهُ (وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا كَالْأَمَةِ) قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " و" الْفُرُوعِ " لِأَنَّ الرِّقَّ بَاقٍ فِيهِمَا، وَالْمُقْتَضِي لِلسَّتْرِ بِالْإِجْمَاعِ هُوَ الْحُرِّيَّةُ الْكَامِلَةُ، وَلَمْ تُوجَدْ فَتَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَكَوْنُهُمَا لَا يُنْقَلُ الْمِلْكُ فِيهِمَا لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ حُكْمِ الْإِمَاءِ كَالْمَوْقُوفَةِ، وَانْعِقَادُ سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ لَا يُؤَثِّرُ كَالْمُكَاتَبَةِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُمَا سَتْرُ الرَّأْسِ لِمَا فِيهِمَا مِنْ شَبَهِ الْأَحْرَارِ، وَلِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، وَالْأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ (وَعَنْهُ: كَالْحُرَّةِ) قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا تُبَاعُ، وَلَا يُنْقَلُ الْمِلْكُ فِيهَا، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا فِيهَا حُرِّيَّةٌ تَقْتَضِي السَّتْرَ، فَوَجَبَ كَالْحُرَّةِ، وَقُدِّمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ كَالْأَمَةِ، وَصَحَّحَ فِي الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا أَنَّهَا كَالْحُرَّةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ فِيهَا حُرِّيَّةً يَغْلِبُ حُكْمُهَا احْتِيَاطًا
[صلاة الرجل في ثوبين]
وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ أَجْزَأَهُ إِذَا كَانَ عَلَى عَاتِقِهِ شَيْءٌ مِنَ اللِّبَاسِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي النَّفْلِ دُونَ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِلْعِبَادَةِ، كَمَا وَجَبَ عَلَى الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ سَتْرُ فَرْجَيْهِ احْتِيَاطًا، وَقُدِّمَ فِي " التَّلْخِيصِ " أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ كَحُرَّةٍ، وَفِي الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا رِوَايَتَانِ. فَرْعٌ: الْمُكَاتَبَةُ، وَالْمُدَبَّرَةُ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ كَالْقِنِّ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُنَّ وَعِتْقُهُنَّ، كَالْقِنِّ، وَعَنْهُ: كَحُرَّةٍ، وَعَنْهُ: الْمُدَبَّرَةُ كَأُمِّ الْوَلَدِ. تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِعَوْرَةِ الْخُنْثَى الْمُشْكَلِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَرَجُلٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ السَّتْرِ، فَلَا نُوجِبُهُ بِالشَّكِّ، وَيجِبُ سَتْرُ فَرْجَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: الْعَوْرَةُ الْفَرْجَانِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا فَرْجٌ حَقِيقِيٌّ، وَلَا يَتَحَقَّقُ سَتْرُهُ إِلَّا بِسَتْرِهِمَا، وَعَنْهُ: كَامْرَأَةٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَهُوَ أَوْلَى، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً فَوَجَبَ ذَلِكَ احْتِيَاطًا. [صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي ثَوْبَيْنِ] (وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا (أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ) ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: مَعَ سَتْرِ رَأْسِهِ بِعِمَامَةٍ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ: أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ الْبُخَارِيُّ: ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُصَلِّيَ أَحَدُهُمْ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَوْبَيْنِ، قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ فِي الْإِمَامِ آكَدُ، وَنَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، لِأَنَّهُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُومِينَ، وَتَتَعَلَّقُ صَلَاتُهُمْ بِصَلَاتِهِ، وَصَرَّحَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ إِذَا سَتَرَ عَوْرَتَهُ وَعَاتِقَيْهِ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ فَالْقَمِيصُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ، ثُمَّ الرِّدَاءُ، ثُمَّ الْمِئْزَرُ، وَالسَّرَاوِيلُ (فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى سَتْرِ) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ: مَصْدَرُ سَتَرَ، وَبِكَسْرِهَا: مَا يُسْتَرُ بِهِ (الْعَوْرَةِ أَجْزَأَهُ إِذَا كَانَ عَلَى عَاتِقِهِ) هُوَ مَوْضِعُ الرِّدَاءِ مِنَ الْمَنْكِبِ (شَيْءٌ مِنَ اللِّبَاسِ) يَجِبُ سَتْرُ عَاتِقِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ، ذَكَرَهُ الْجَمَاعَةُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يُصَلِّيَنَّ
[صلاة المرأة في درع وخمار وملحفة]
الْفَرْضِ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُصَلِّيَ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَمِلْحَفَةٍ، فَإِنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQأَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَقَالَ: عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَلِأَحْمَدَ: اللَّفْظَانِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ إِعْرَاءَ الْمَنَاكِبِ فِي الصَّلَاةِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّ مَا اشْتُرِطَ لِلْفَرْضِ اشْتُرِطَ لِلنَّفْلِ كَالطَّهَارَةِ، وَعَنْهُ: سُنَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ أَشْبَهَ بَقِيَّةَ الْبَدَنِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يُجْزِئُهُ سَتْرُ أَحَدِ عَاتِقَيْهِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ سَتْرُهُمَا، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَاقْتَصَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي حِكَايَتِهِ عَنْ أَحْمَدَ. وَفِي وَجْهٍ يُجْزِئُهُ سَتْرُ عَاتِقَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَفِي آخَرَ: يُجْزِئُهُ وَضْعُ خَيْطٍ، وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ فَيَتَنَاوَلُهُ الْخَبَرُ، وَفِي آخَرَ: يُجْزِئُهُ مَا يُسَمَّى لِبَاسًا، وَإِنْ قَلَّ دُونَ حَبْلٍ، وَنَحْوِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " وَمَتَى قُلْنَا بِوُجُوبِهِ فَهُوَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، قَالَ الْقَاضِي: وَعَلَيْهِ أَصْحَابُنَا، لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَعَنْهُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَحَمَلَهَا الْمُؤَلِّفُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ سَتْرُ الْمَنْكِبَيْنِ جَمِيعًا لَا أَنَّهَا تَنْفِي الشَّرْطِيَّةَ (وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ) يَعْنِي إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ دُونَ الْمَنْكِبَيْنِ أَجْزَأَهُ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَلِذَلِكَ يُسَامَحُ فِيهِ بِتَرْكِ الْقِيَامِ وَالِاسْتِقْبَالِ فِي حَالِ سَيْرِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَسُومِحَ فِيهِ بِهَذَا الْقَدْرِ. [صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَمِلْحَفَةٍ] (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ) الْحُرَّةِ (أَنْ تُصَلِّيَ فِي دِرْعٍ) قِيلَ: اسْمٌ لِقَمِيصِهَا، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هُوَ شِبْهُ الْقَمِيصِ لَكِنَّهُ سَابِغٌ يُغَطِّي قَدَمَيْهَا (وَخِمَارٍ) هُوَ مَا تُغَطِّي بِهِ رَأْسَهَا
[انكشاف العورة في الصلاة]
سَتْرِ عَوْرَتِهَا أَجْزَأَهَا. وَإِذَا انْكَشَفَ مِنَ الْعَوْرَةِ يَسِيرٌ لَا يَفْحُشُ فِي النَّظَرِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ فَحُشَ بَطَلَتْ. وَمَنْ صَلَّى فِي ثَوْبِ حَرِيرٍ أَوْ مَغْصُوبٍ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَمِلْحَفَةٍ) هُوَ شَيْءٌ تَلْتَحِفُ بِهِ مِنْ فَوْقِ الدِّرْعِ، رُوِيَ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَعَائِشَةَ، رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: تُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَإِزَارٍ. وَحِكْمَتُهُ الْمُبَالَغَةُ فِي سَتْرِهَا، وَلَا تَبِينُ عَجِيزَتُهَا (فَإِنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهَا أَجْزَأَهَا) لِمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَمَيْمُونَةَ أَنَّهُمَا كَانَتَا تُصَلِّيَانِ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ لَيْسَ عَلَيْهِمَا إِزَارٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ. قَالَ أَحْمَدُ: اتَّفَقَ عَامَّتُهُمْ عَلَى الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ، وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ وَأَسْتَرُ، وَلِأَنَّهَا سَتَرَتْ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ، أَشْبَهَتِ الرَّجُلَ، وَيُكْرَهُ أَنْ تُصَلِّيَ فِي نِقَابٍ وَبُرْقُعٍ، نُصَّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا تَضُمُّ ثِيَابَهَا، زَادَ السَّامِرِيُّ: فِي حَالِ قِيَامِهَا. [انْكِشَافُ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ] (وَإِذَا انْكَشَفَ مِنَ الْعَوْرَةِ يَسِيرٌ لَا يَفْحُشُ فِي النَّظَرِ) عُرْفًا (لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ) نُصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ السَّامِرِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " و " الْمُحَرَّرِ " لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ، قَالَ عَمْرٌو: وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّ ثِيَابَ الْفُقَرَاءِ لَا تَخْلُو مِنْ خَرْقٍ، وَثِيَابَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْ فَتْقٍ، وَالِاحْتِرَازُ مِنْ ذَلِكَ يَشُقُّ فَعُفِيَ عَنْهُ كَيَسِيرِ الدَّمِ، وَعَنْهُ: تَبْطُلُ مُطْلَقًا، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُعَلَّقٌ بِالْعَوْرَةِ، فَاسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَالنَّظَرِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: يَسِيرٌ وَهُوَ مَا لَا يَفْحُشُ كَأَبِي الْخَطَّابِ وَالْمَجْدِ لَكَانَ أَوْلَى (وَإِنْ فَحُشَ بَطَلَتْ) لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْهُ مُمْكِنٌ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ أَشْبَهَ سَائِرَ الْعَوْرَةِ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ إِذَا صَلَّتْ، وَجَمِيعُ رَأْسِهَا مَكْشُوفٌ، أَنَّ عَلَيْهَا الْإِعَادَةَ، وَالْأَصْلُ وُجُوبُ سَتْرِ جَمِيعِهَا،
[الصلاة في ثوب حرير أو مغصوب]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفَعُفِيَ عَنْهُ فِي اليسير غير الْفَاحِشِ لِلنَّصِّ وَلِلْمَشَقَّةِ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَلَا بَيْنَ الْفَرْجَيْنِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ: إِلَّا أَنَّ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ يَفْحُشُ مِنْهَا مَا لَا يَفْحُشُ مِنْ غَيْرِهَا، فَاعْتَبَرَ الْفُحْشَ كُلَّ عُضْوٍ بِحَسَبِهِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ الْمُخَفَّفَةِ دُونَ الْمُغَلَّظَةِ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ قَصُرَ زَمَنُهُ، وَكَشْفُ كَثِيرٍ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ، كَكَشْفِ يَسِيرٍ سَهْوًا فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": إِنْ فَحُشَ أَوْ طَالَ زَمَنُهُ، وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ سَهْوًا، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: أَوْ عَمْدًا فَسَتَرَهَا فِي الْحَالِ عُفِيَ عَنْهُ وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ يَسِيرٌ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ، وَعَنْهُ: لَا، كَمَا لَوْ طَالَ زَمَنُهُ، وَقَالَ التَّمِيمِيُّ: إِنْ بَدَتْ عَوْرَتُهُ وَقْتًا، وَاسْتَتَرَتْ آخَرَ، لَمْ يَعُدْ لِلْخَبَرِ، فَلَمْ يُشْتَرَطِ الْيَسِيرُ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَا بُدَّ مِنِ اشْتِرَاطِهِ، لِأَنَّهُ يَفْحُشُ، وَإِذَا أَطَارَتِ الرِّيحُ سُتْرَتَهُ، وَاحْتَاجَ عَمَلًا كَثِيرًا فِي أَخْذِهَا. فَوَجْهَانِ. [الصَّلَاةُ فِي ثَوْبِ حَرِيرٍ أَوْ مَغْصُوبٍ] (وَمَنْ صَلَّى فِي ثَوْبِ حَرِيرٍ أَوْ مَغْصُوبٍ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ زُفَرَ عَنْ هَاشِمٍ الْأَوْقَصِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَفِيهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً مَا دَامَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَقَالَ: صُمَّتَا إِنْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ» . قَالَ الْبُخَارِيُّ: هَاشِمٌ غَيْرُ ثِقَةٍ، وَبَقِيَّةُ مُدَلِّسٌ، وَلِأَنَّ قِيَامَهُ وَقُعُودَهُ وَلُبْثَهُ فِيهِ مُحَرَّمٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَلَمْ يَقَعْ عِبَادَةٌ كَالصَّلَاةِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، وَكَالنَّجِسِ، وَحُكْمُ الْجُزْءِ الْمُشَاعِ أَوِ الْمُعَيَّنِ كَذَلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَهَذَا إِذَا كَانَ ذَاكِرًا عَالِمًا، وَظَاهِرُهُ يَعُمُّ الرَّجُلَ، وَالْمَرْأَةَ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمَغْصُوبِ، وَأَمَّا الْحَرِيرُ: فَتَصِحُّ صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِيهِ لِإِبَاحَتِهِ لَهَا، وَكَذَا الرَّجُلُ فِي حَالَةِ الْعُذْرِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِمَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ كَمَا فِي " الْوَجِيزِ " لَاسْتَقَامَ، وَظَاهِرُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي الْفَرْضِ فَهُوَ شَرْطٌ لِلنَّفْلِ، وَقَيَّدَهُ فِي " الشَّرْحِ " بِمَا إِذَا كَانَ هُوَ السَّاتِرَ لَهَا، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَعَنْهُ: إِنْ عَلِمَ النَّهْيَ لَمْ يَصِحَّ، وَإِلَّا
[من لم يجد إلا ثوبا نجسا]
وَعَنْهُ: تَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيمِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا ثَوْبًا نَجِسًا صَلَّى فِيهِ، وَأَعَادَ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يُعِيدَ بِنَاءً عَلَى مَنْ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ لَا يُمْكِنُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQصَحَّتْ (وَعَنْهُ: تَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيمِ) اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُ " الْفُنُونِ " لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَعُودُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَكَعِمَامَةٍ مَغْصُوبَةٍ، وَخَاتَمِ ذَهَبٍ، وَخُفٍّ، وَتِكَّةٍ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: بَلْ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَعَنْهُ: الْوَقْفُ فِي التِّكَّةِ، وَعَنْهُ: يَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ، وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ شِعَارًا لَمْ يَصِحَّ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ صَلَّى فِي خَاتَمِ حَدِيدٍ أَوْ صُفْرٍ أَعَادَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ جَهِلَ أَوْ نَسِيَ كَوْنُهُ غَصْبًا أَوْ حَرِيرًا أَوْ حُبِسَ بِغَصْبٍ حَتَّى صَلَّى فِيهِ، صَحَّتْ عَلَى الْأَصَحِّ. تَنْبِيهٌ: إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَ سُتْرَةِ حَرِيرٍ، صَلَّى فِيهَا، وَلَا إِعَادَةَ، وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ وَيُصَلِّي عُرْيَانًا مَعَ مَغْصُوبٍ، فَلَوْ صَلَّى فِيهِ، أَوْ غَصَبَ سِتَارَةَ الْكَعْبَةِ، وَصَلَّى لَمْ تَصِحَّ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَالْحَرِيرُ أَوْلَى مِنَ النَّجَسِ قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَلَا يَصِحُّ نَفْلُ آبِقٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. فَرْعٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِلْخُنْثَى الْمُشْكِلِ فِي الْحَرِيرِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: وَغَيْرُهَا كَرَجُلٍ قَالَهُ الْقَاضِي. [مَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا ثَوْبًا نَجِسًا] (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا ثَوْبًا نَجِسًا صَلَّى فِيهِ) لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ آكَدُ مِنْ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ بِهِ فِي سَتْرِ عَوْرَتِهِ، وَوُجُوبِهِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، فَكَانَ تَقْدِيمُهُ أَوْلَى لِكَوْنِهِ مُتَّفِقًا عَلَى اشْتِرَاطِهِ، فَلَوْ صَلَّى عُرْيَانًا مَعَ وُجُودِهِ أَعَادَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَعَنْهُ: لَا يُصَلِّي فِيهِ حَتَّى يَضِيقَ الْوَقْتُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ كَانَ نَجِسَ الْعَيْنِ كَجِلْدِ مَيْتَةٍ صَلَّى عُرْيَانًا مِنْ غَيْرِ إِعَادَةٍ، ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، فَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ نَجِسَانِ صَلَّى فِي أَقَلِّهِمَا وَأَخَفِّهِمَا نَجَاسَةً (وَأَعَادَ) مَا صَلَّى فِيهِ (عَلَى الْمَنْصُوصِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى مُحْدِثًا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا عَجَزَ عَنْ إِزَالَتِهَا، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَلَا يُعِيدُ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ عَجَزَ عَنْهُ، فَسَقَطَ كَالسُّتْرَةِ ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " (وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يُعِيدَ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ " لِأَنَّ
[من لم يجد إلا ما يستر عورته]
الْخُرُوجُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ سَتَرَهَا، فَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالشَّرْعَ مَنَعَهُ نَزْعَهُ، أَشْبَهَ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ، وَكَالْعَجْزِ عَنِ السُّتْرَةِ (بِنَاءً عَلَى مَنْ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ الشَّرْطِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ، كَمَنَ عَدَمَ الْمَاءَ، فَخَرَّجَ جَمَاعَةٌ فِيهِ رِوَايَةً مِنَ الْإِعَادَةِ فِي الثَّوْبِ، وَخَرَّجُوا فِي الثَّوْبِ مِنَ الْمَكَانِ، وَلَمْ يُخَرِّجْ آخَرُونَ، وَهُوَ أَظْهَرُ لِظُهُورِ الْفرقِ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا ثَوْبًا نَجِسًا لَهُ حَالَتَانِ يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ مَعَهَا مَعَ الْخَلَلِ، لِأَنَّهُ إِذَا صَلَّى عُرْيَانًا لَمْ يَحْمِلِ النَّجَاسَةَ، فَقَدْ فَاتَهُ السُّتْرَةُ وَحْدَهَا، وَإِذَا صَلَّى فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ، فَقَدْ فَاتَتْهُ طَهَارَةُ الثَّوْبِ وَحْدَهُ، فَاخْتِيَارُ إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى يُوجِبُ الْإِعَادَةَ اسْتِدْرَاكًا لِلْخَلَلِ الْحَاصِلِ بِتَرْكِ الشَّرْطِ الَّذِي كَانَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ، بِخِلَافِ الْمَحْبُوسِ فِي الْمَكَانِ النَّجِسِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا حَالَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الصَّلَاةُ. فَالشَّرْطُ لَيْسَ بِمَقْدُورٍ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَخَرَّجَ فِي " التَّعْلِيقِ " رِوَايَةَ عَدَمِ الْإِعَادَةِ فِي الثَّوْبِ مِنْ عَدَمِ الطَّهُورَيْنِ. تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِكَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ النَّجِسِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ: يُومِئُ غَايَةَ مَا يُمْكِنُهُ، وَعَنْهُ: يَسْجُدُ بِالْأَرْضِ، وَمَحَلُّهُ: مَا إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ يَابِسَةً، أَمَّا إِذَا كَانَتْ رَطْبَةً فَإِنَّهُ يُومِئُ وَجْهًا وَاحِدًا، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. [مَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ] (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ سَتَرَهَا) وَتَرَكَ سَتْرَ مَنْكِبَيْهِ، وَصَلَّى قَائِمًا، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ مُتَّفَقٌ عَلَى وُجُوبِهِ فَلَا يُتْرَكُ لِأَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكْفِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَسْتُرُ منكبيه ويصلي جَالِسًا، لِأَنَّ الْجُلُوسَ بَدَلٌ عَنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ لِكَوْنِهِ يَسْتُرُ مُعْظَمَهَا، وَالْمُغَلَّظَ مِنْهَا، وَسَتْرُ الْمَنْكِبِ لَا بُدَّ لَهُ، فَكَانَ مُرَاعَاتُهُ أَوْلَى، وَبَعَّدَ ابْنُ تَمِيمٍ ذَلِكَ، وَحَمَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى سُتْرَةٍ تَتَّسِعُ إِنْ تَرَكَهَا عَلَى كَتِفَيْهِ، وَسَدَلَهَا مِنْ وَرَائِهِ تَسْتُرُ دُبُرَهُ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ مَا يَسْتُرُ مَنْكِبَيْهِ وَعَجُزَهُ
لَمْ يَكْفِ جَمِيعَهَا سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكْفِهَا جَمِيعًا سَتَرَ أَيَّهُمَا شَاءَ، وَالْأَوْلَى سَتْرُ الدُّبُرِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَقِيلَ: الْقُبُلُ أَوْلَى، وَإِنْ بُذِلَتْ لَهُ سُتْرَةٌ لَزِمَهُ قَبُولُهَا، إِنْ كَانَتْ عَارِيَةً. فَإِنْ عَدِمَ بِكُلِّ حَالٍ صَلَّى جَالِسًا يُومِئُ إِيمَاءً، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا ـــــــــــــــــــــــــــــQفَقَطْ، سَتَرَ ذَلِكَ، وَصَلَّى جَالِسًا، نُصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّ سَتْرَ الْمَنْكِبَيْنِ الْحَدِيثُ فِيهِ أَصَحُّ (فَإِنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيعَهَا سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ) لِأَنَّهُمَا أَفْحَشُ، وَهُمَا عَوْرَةٌ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّ غَيْرَهُمَا كَالْحَرِيمِ، وَالتَّابِعِ لَهُمَا، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْهُمَا بِالسَّوْأَتَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} [طه: 121] سُمِّيَا بِذَلِكَ، لِأَنَّ كَشْفَهُمَا يَسُوءُ صَاحِبَهُ (فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمَا جَمِيعًا سَتَرَ أَيَّهُمَا شَاءَ) لِاسْتِوَائِهِمَا (وَالْأَوْلَى سَتْرُ الدُّبُرِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ أَفْحَشُ، وَيَنْفَرِجُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (وَقِيلَ: الْقُبُلُ أَوْلَى) لِأَنَّ بِهِ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَالدُّبُرُ يَسْتَتِرُ بِالْأَلْيَتَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يُعْتَبَرُ أَكْثَرُهُمَا سَتْرًا، وَفِي الْمَذْهَبِ: هَلِ الْقُبُلُ أَوْلَى أَمِ الدُّبُرُ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ يسْترُ عورته ويصلي قَائِمًا، عَلَى الثَّانِي: فَلَا، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى، وَيُتَوَجَّهُ أَنَّهُ يُسْتَرُ آلَةُ الرَّجُلِ إِنْ كَانَ هُنَاكَ امْرَأَةٌ، وَآلَتُهَا إِنْ كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ. (وَإِنْ بُذِلَتْ لَهُ سُتْرَةٌ لَزِمَهُ قَبُولُهَا إِنْ كَانَتْ عَارِيَةً) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الْمِنَّةَ لَا تَكْثُرُ فِيهَا، أَشْبَهَ بِذْلَ الْحَبْلِ وَالدَّلْوِ لِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ كَالْهِبَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ قَبُولُهَا هِبَةً، وَذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ احْتِمَالًا، لِأَنَّ الْعَارَ فِي كَشْفِ عَوْرَتِهِ أَكْثَرُ مِنَ الضَّرَرِ فِيمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْمِنَّةِ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ طَلَبُهَا عَارِيَةً، وَيَلْزَمُهُ تَحْصِيلُهَا بِقِيمَةِ الْمِثْلِ، وَالزِّيَادَةِ كَمَاءِ الْوُضُوءِ. (فَإِنْ عَدَمَ بِكُلِّ حَالٍ صَلَّى) وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ (جَالِسًا) نَدْبًا، وَلَا يَتَرَبَّعُ بَلْ يَنْضَمُّ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَالْمَيْمُونِيُّ، وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ يَتَرَبَّعُ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ، وَقِيلَ: وُجُوبًا (يُومِئُ إِيمَاءً) أَيْ: بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَأَبُو
جَازَ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا وَيَسْجُدُ بِالْأَرْضِ، وَإِنْ وَجَدَ السُّتْرَةَ قَرِيبَةً مِنْهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ سَتَرَ وَبَنَى، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً سَتَرَ وَابْتَدَأَ، وَتُصَلِّي الْعُرَاةُ جَمَاعَةً، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْخَطَّابِ، وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ قَوْمًا انْكَسَرَتْ بِهِمْ مَرْكِبُهُمْ فَخَرَجُوا عُرَاةً، قَالَ: يُصَلُّونَ جُلُوسًا يُومِئُونَ إِيمَاءً بِرُءُوسِهِمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ، وَيُومِئُ بِالسُّجُودِ أَكْثَرَ مِنَ الرُّكُوعِ (وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا) وَسَجَدَ بِالْأَرْضِ (جَازَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» وَظَاهِرُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْجَالِسِ بِالْإِيمَاءِ أَوْلَى مِنْ صَلَاتِهِ قَائِمًا، لِأَنَّ الْجُلُوسَ فِيهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْقِيَامِ، وَلَوْ صَلَّى قَائِمًا لَسَقَطَ السَّتْرُ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ، لِأَنَّ السَّتْرَ آكَدُ مِنَ الْقِيَامِ، لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يَسْقُطُ مَعَ الْقُدْرَةِ بِحَالٍ، وَالْقِيَامُ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ سَقَطَ عَنْهُمْ لِحِفْظِ الْعَوْرَةِ، وَهِيَ فِي حَالِ السُّجُودِ أَفْحَشُ، فَكَانَ سُقُوطُهُ أَوْلَى، لَا يُقَالُ: السَّتْرُ كُلُّهُ لَا يَحْصُلُ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بَعْضُهُ، فَلَا يَفِي ذَلِكَ بِتَرْكِ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ: الْقِيَامُ، وَالرُّكُوعُ، وَالسُّجُودُ، لِأَنَّ الْعَوْرَةَ إِنْ كَانَتِ الْفَرْجَيْنِ فَقَدْ حَصَلَ سَتْرُهُمَا، وَإِلَّا حَصَلَ سَتْرُ أَغْلَظِهَا وَأَفْحَشِهَا، وَعَنْهُ: يُصَلِّي جَالِسًا، وَيَسْجُدُ بِالْأَرْضِ، لِأَنَّ السُّجُودَ آكَدُ مِنَ الْقِيَامِ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، وَلَا يَسْقُطُ فِيمَا يَسْقُطُ فِيهِ الْقِيَامُ، وَهُوَ النَّفْلُ (وَعَنْهُ:) يَلْزَمُهُ (أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا، وَيَسْجُدُ بِالْأَرْضِ) اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ أَوْلَى مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى بَعْضِ شَرْطٍ، وَعَنْهُ: إِنْ قَامَ وَأَوْمَأَ بِالسُّجُودِ صَحَّ، وَقِيلَ: تَقْعُدُ الْجَمَاعَةُ، وَلَا يَقُومُونَ، وَيَسْجُدُونَ بِالْأَرْضِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَأَلْحَقَهُ الدِّينَوَرِيُّ فِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ بِفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ يُعِيدُ عَلَى الْأَقْيَسِ. فَرْعٌ: إِذَا نَسِيَ السُّتْرَةَ وَصَلَّى عُرْيَانًا أَعَادَ لِتَفْرِيطِهِ كَالْمَاءِ. (وَإِنْ وَجَدَ) الْعُرْيَانُ (السُّتْرَةَ قَرِيبَةً مِنْهُ) عُرْفًا، لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ (فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ) وَأَمْكَنَهُ مِنْ غَيْرِ زَمَنٍ طَوِيلٍ وَلَا عَمَلٍ كَثِيرٍ (سَتَرَ، وَبَنَى) عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ، كَأَهْلِ قُبَاءَ لَمَّا عَلِمُوا بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ اسْتَدَارُوا إِلَيْهَا وَأَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ (وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً سَتَرَ، وَابْتَدَأَ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِعْلُهَا إِلَّا بِمَا يُنَافِيهَا مِنَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ، أَوْ بِدُونِ شَرْطِهَا،
وَإِمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا رِجَالًا وَنِسَاءً صَلَّى كُلُّ نَوْعٍ لِأَنْفُسِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي ضِيقٍ صَلَّى الرِّجَالُ وَاسْتَدْبَرَهُمْ، النِّسَاءُ ثُمَّ صَلَّى النِّسَاءُ وَاسْتَدْبَرَهُنَّ الرِّجَالُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQبِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَقِيلَ: يَبْنِي مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يَبْتَدِئُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إِنِ انْتَظَرَ مَنْ يُنَاوِلُهُ لَهَا لَمْ تَبْطُلْ، لِأَنَّهُ انْتِظَارٌ وَاحِدٌ كَانْتِظَارِ الْمَسْبُوقِ. (وَتُصَلِي الْعُرَاةُ جَمَاعَةً) وُجُوبًا لَا فُرَادَى، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ، وَلِأَنَّهُمْ قَدَرُوا عَلَى الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، أَشْبَهَ الْمَسْبُوقِينَ، وَلَا تَسْقُطُ الْجَمَاعَةُ لِفَوَاتِ السُّنَّةِ فِي الْمَوْقِفِ، كَمَا لَوْ كَانُوا فِي ضِيقٍ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُ أَحَدِهِمْ، وَإِذَا شَرَعَتِ الْجَمَاعَةُ حَالَ الْخَوْفِ مَعَ تَعَذُّرِ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ وَالْحَاجَةِ إِلَى مُفَارَقَتِهِ وَفِعْلِ مَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ في غير تِلْكَ الْحَالِ، فَأَوْلَى أَنْ يَشْرَعَ هُنَا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: جُلُوسًا وُجُوبًا، وَإِنَّ فِي مُنْفَرِدٍ رِوَايَتَيْنِ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَالْجَمَاعَةِ، وَيَقُومُونَ صَفًّا وَاحِدًا (وَإِمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ) لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُمْ، فَإِنْ تَقَدَّمَهُمْ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانُوا فِي ظُلْمَةٍ صَلَّوْا جَمَاعَةً، وَتَقَدَّمَهُمْ إِمَامُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسَعْهُمْ صَفٌّ وَاحِدٌ وَقَفُوا صُفُوفًا، وَغَضُّوا أَبْصَارَهُمْ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَإِنْ صَلَّى كُلُّ صَفٍّ جَمَاعَةً فَهُوَ أَحْسَنُ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: فَإِنْ كَانُوا نَوْعًا وَاحِدًا، وَالْمَوْضِعُ ضَيِّقٌ صَلَّوْا جَمَاعَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَثُرَتِ الصُّفُوفُ (وَإِنْ كَانُوا رِجَالًا وَنِسَاءً صَلَّى كُلُّ نَوْعٍ لِأَنْفُسِهِمْ، لِأَنَّهَا إِنْ وَقَفَتْ خَلْفَهُ شَاهَدَتِ الْعَوْرَةَ، وَمَعَهُ خِلَافُ سُنَّةِ الْمَوْقِفِ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إِلَى الْفِتْنَةِ (وَإِنْ كَانُوا فِي ضَيْقٍ) بِفَتْحِ الضَّادِ مُخَفَّفًا مِنْ ضَيِّقٍ، وَيَجُوزُ فِيهِ الْكَسْرُ عَلَى المصدر على حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ ذِي ضِيقٍ (صَلَّى الرِّجَالُ، وَاسْتَدْبَرَهُمُ النِّسَاءُ، ثُمَّ صَلَّى النِّسَاءُ، وَاسْتَدْبَرَهُنَّ الرِّجَالُ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ الْجَمَاعَةِ مَعَ عَدَمِ رُؤْيَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَبِالْعَكْسِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا صَلَّى عُرْيَانًا، وَأَعَارَ سُتْرَتَهُ لَمْ يَصِحَّ، وَيُسْتَحَبُ أَنْ يُعِيرَ إِذَا صَلَّى بها ويصلي
[السدل في الصلاة]
وَيُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ السَّدْلُ، وَهُوَ أَنْ يَطْرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ ثَوْبًا وَلَا يَرُدَّ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى وَيُكْرَهُ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ وَهُوَ أَنْ يَضْطَبِعَ بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَاحِدٌ بَعْدَ آخَرَ، وَهَلْ يَلْزَمُهُمُ انْتِظَارُهَا، وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ أَمْ لَا كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ بَعْدَهُ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنِ اسْتَوَوْا، وَلَمْ يَكُنِ الثَّوْبُ لِوَاحِدٍ أَقْرَعَ، وَالْأَصَحُّ يُقَدَّمُ إِمَامٌ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ، وَتُقَدَّمُ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ عَوْرَتَهَا أَفْحَشُ، وَلَا يَأْثَمُ مُسْتَتِرٌ بِعَارٍ وَيُصَلِّي بِهَا عَارٍ، ثُمَّ يُكَفَّنُ مَيِّت، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ هُوَ، وَقِيلَ: الْحَيُّ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَهُوَ بِعِيدٌ. [السَّدْلُ فِي الصَّلَاةِ] (وَيُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ السَّدْلُ) كَذَا ذَكَرَهُ جَمْعٌ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ السَّدْلَ فِي الصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ ثَوْبٌ، وَعَنْهُ: أَوْ إِزَارٌ، فَعَلَى هَذَا لَا إِعَادَةَ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ اتِّفَاقًا إِنْ لَمْ تَبْدُ عَوْرَتُهُ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ: لَا يُكْرَهُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ حَدِيثًا يَثْبُتُ (وَهُوَ) إِرْخَاءُ الثَّوْبِ لُغَةً، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَاصْطِلَاحًا (أَنْ يَطْرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ ثَوْبًا، وَلَا يَرُدَّ) أَحَدَ (طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى) قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " و" الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " زَادَ: وَلَا يَضُمُّ طَرَفَهُ بِيَدَيْهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا رَدَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى لَا يُكْرَهُ لِزَوَالِ مَعْنَى السَّدْلِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: طَرَحَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَرُدَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ إِسْبَالُ الثَّوْبِ عَلَى الْأَرْضِ، وَقِيلَ: وَضْعُ وَسَطِ الرِّدَاءِ عَلَى رَأْسِهِ، وَإِرْسَالُهُ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَهِيَ لُبْسَةُ الْيَهُودِ، وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ وَضْعُ الرِّدَاءِ عَلَى عُنُقِهِ، وَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَى كَتِفَيْهِ. [اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ] (وَيُكْرَهُ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ) قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى أَبُو
[تغطية الوجه في الصلاة]
يُكْرَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَيُكْرَهُ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ، وَالتَّلَثُّمُ عَلَى الْفَمِ وَالْأَنْفِ، وَلَفُّ ـــــــــــــــــــــــــــــQهُرَيْرَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَهُوَ أَنْ يَضْطَبِعَ بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) وَمَعْنَى الِاضْطِبَاعِ أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ الرِّدَاءِ تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَجَاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «نَهَى عَنْ لُبْسَتَيْنِ، وَهُمَا اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ، وَهُوَ أَنْ يَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُوَ أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، وَالِاحْتِبَاءُ، وَهُوَ أَنْ يَحْتَبِيَ بِهِ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» وَقَالَ السَّامِرِيُّ: هُوَ أَنْ يَلْتَحِفَ بِثَوْبٍ يَرُدُّ طَرَفَيْهِ إِلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ، وَلَا يَبْقَى لِيَدَيْهِ مَوْضِعٌ تَخْرُجُ مِنْهُ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَالْأَوَّلُ: قَوْلُ الْفُقَهَاءِ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِالتَّأْوِيلِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ لَمْ يُكْرَهْ، لِأَنَّهَا لُبْسَةُ الْمُحْرِمِ، وَفَعَلَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ إِلَّا أَنْ تَبْدُوَ عَوْرَتُهُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ: يُعِيدُ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُكْرَهُ فَوْقَ الْإِزَارِ لَا الْقَمِيصِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: الْكَرَاهَةُ قِيلَ: لِكَشْفِ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ، وَقِيلَ: لِظُهُورِ عَوْرَتِهِ، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا، لِإِفْضَائِهِ إِلَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَعَنْهُ: يُكْرَهُ) مُطْلَقًا (وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) لِعُمُومِ النَّهْيِ. فَرْعٌ: إِذَا احْتَبَى، وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، جَازَ، وَإِلَّا حُرِّمَ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. [تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ فِي الصَّلَاةِ] (وَيُكْرَهُ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى كَرَاهَةِ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَغْطِيَةِ الْفَمِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ لَهَا تَحْلِيلٌ وَتَحْرِيمٌ، فَشَرَعَ لَهَا كَشْفَ الْوَجْهِ كَالْإِحْرَامِ (وَالتَّلَثُّمِ
الْكُمِّ، وَشَدُّ الْوَسَطِ بِمَا يُشْبِهُ شَدَّ الزُّنَّارِ، وَإِسْبَالُ شَيْءٍ مِنْ ثِيَابِهِ خُيَلَاءَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى الْفَمِ، وَالْأَنْفِ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ. وَفِي التَّلَثُّمِ عَلَى الْأَنْفِ رِوَايَتَانِ، وَسَهَّلَ أَحْمَدُ فِي تَغْطِيَةِ اللِّحْيَةِ، وَقَالَ لَا بَأْسَ بِتَغْطِيَةِ الْوَجْهِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ (وَلَفُّ الْكُمِّ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَلَا أَكُفُّ شَعْرًا، وَلَا ثَوْبًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " وَتَشْمِيرُهُ، وَفِي " الْوَجِيزِ " وَإِرْسَالُهُ، وَيُسْتَثْنَى عَلَى كَلَامِهِ بِلَا سَبَبٍ (و) يُكْرَهُ (شَدُّ الْوَسَطِ) بِفَتْحِ السِّينِ (بِمَا يُشْبِهُ شَدَّ الزُّنَّارِ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ لُبْسُ الْمِنْطَقَةِ، وَنَقَلَ حَرْبٌ: يُكْرَهُ شَدُّ وَسَطِهِ عَلَى الْقَمِيصِ، لِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْيَهُودِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ عَلَى الْقُبَاءِ، قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ، قَالَ أَحْمَدُ: أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ مُحْتَزِمٌ» زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ إِلَّا أَنْ يَشُدَّهُ لِعَمَلِ الدُّنْيَا فَيُكْرَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا شَدَّهُ بِمِئْزَرٍ أَوْ حَبْلٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَالَهُ أَحْمَدُ، وَذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَرْأَةُ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهَا شَدُّ وَسَطِهَا مُطْلَقًا (و) يُكْرَهُ (إِسْبَالُ شَيْءٍ مِنْ ثِيَابِهِ) كَالْقَمِيصِ وَالْإِزَارِ وَالسَّرَاوِيلِ (خُيَلَاءَ) ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي "
[لبس ما فيه صورة حيوان]
فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فِي غَيْرِ حَرْبٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْبَلَ إِزَارَهُ فِي صَلَاتِهِ خُيَلَاءَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَامٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْمَذْهَبُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و " الشَّرْحِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ حَرَامٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْمُرَادُ فِي غَيْرِ حَرْبٍ بِلَا حَاجَةٍ نَحْوَ كَوْنِهِ حَمْشَ السَّاقَيْنِ، وَلَمْ يُرِدِ التَّدْلِيسَ عَلَى النِّسَاءِ، وَيُكْرَهُ فَوْقَ نِصْفِ سَاقَيْهِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْأَصَحِّ تَحْتَ كَعْبِهِ بِلَا حَاجَةٍ، وَعَنْهُ: مَا تَحْتَهُمَا فَهُوَ فِي النَّارِ، وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ زِيَادَةٌ إِلَى ذِرَاعٍ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: ذَيْلُ نِسَاءِ الْمُدُنِ فِي الْبَيْتِ كَرَجُلٍ، وَيُسَنُّ تَطْوِيلُ كُمِّ الرّجلِ إِلَى رُءُوسِ أَصَابِعِهِ أَوْ أَكْثَرَ يَسِيرًا، وَتَوْسِيعُهَا قَصْدًا، وَقَصْرُ كُمِّهَا، وَاخْتُلِفَ فِي سِعَتِهِ. [لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ] فَصْلٌ (وَلَا يَجُوزُ لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) . اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ السَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " لِمَا رَوَى أَبُو طَلْحَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أَوْ صُورَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ كَلْبٌ مَنْهِيٌّ عَنِ اقْتِنَائِهِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: الصُّورَةُ لَا يَنْبَغِي لُبْسُهَا، وَكَتَعْلِيقِهِ، وَسَتْرِ الْجُدُرِ بِهِ وِفَاقًا، وَظَاهِرُهُ عَامٌّ فِي الْكُلِّ. وَالثَّانِي: يُكْرَهُ، وَلَا يَحْرُمُ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ
[لبس ثياب الحرير وافتراشه للرجال]
ثِيَابِ الْحَرِيرِ وَلَا مَا غَالِبُهُ الْحَرِيرُ، وَلَا افْتِرَاشُهُ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ، فَإِنِ اسْتَوَى هُوَ ـــــــــــــــــــــــــــــQابْنُ تَمِيمٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي آخِرِ الْخَبَرِ: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ» وَكَافْتِرَاشِهِ، وَجَعْلِهِ مِخَدًّا «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اتَّكَأَ عَلَى مِخَدَّةٍ فِيهَا صُورَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَصْوِيرُ الْحَيَوَانِ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ وِفَاقًا، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَلَوْ أُزِيلَ مِنْهَا مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ لَمْ يُكْرَهْ فِي الْمَنْصُوصِ، وَمِثْلُهُ شَجَرٌ، وَنَحْوُهُ، وَكَرِهَ الْآجُرِّيُّ الصَّلَاةَ عَلَى مَا فِيهِ صُورَةٌ، وَكَذَا فِي " الْفُصُولِ "، وَلَوْ عَلَى مَا يُدَاسُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ، وَلَا كَلْبٌ، وَلَا جُنُبٌ» إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. [لُبْسُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ وَافْتِرَاشُهُ لِلرِّجَالِ] (وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ) وَلَا الْخُنْثَى وَلَوْ كَافِرًا (لُبْسُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ) فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا فِي غَيْرِ حَالِ الْعُذْرِ. حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَلْبِسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَتَّى تِكَّةٍ، وَشَرَابَةٍ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ شَرَابَةٌ مُفْرَدَةٌ كَشَرَابَةِ الْبَرِيدِ لَا تَبَعًا فَإِنَّهَا كَزِرِّ، وَعَلَّلَ الْقَاضِي وَالْآمِدِيُّ إِبَاحَةَ كِيسِ الْمُصْحَفِ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ، فَعَلَى هَذَا يُسْتَثْنَى (وَلَا مَا غَالِبُهُ الْحَرِيرُ) لِأَنَّ الْغَالِبَ لَهُ حُكْمُ الْكُلِّ، فَحُرِّمَ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَالْقَلِيلُ مُسْتَهْلَكٌ فِيهِ، أَشْبَهَ الضَّبَّةَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمْعٍ أَنَّ الْمُحَرَّمَ الْحَرِيرُ الصَّافِي الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ غَيْرُهُ، وَسَيَأْتِي، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالظُّهُورِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقِيلَ: بِالْوَزْنِ قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (وَلَا افْتِرَاشُهُ) لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُلْبَسَ الْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ، وَأَنْ يُجْلَسَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ أَحْمَدُ فِي
وَمَا نُسِجَ مَعَهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَيَحْرُمُ لُبْسُ الْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ وَالْمُمَوَّهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQرِوَايَةِ صَالِحٍ وَجَعْفَرٍ: افْتِرَاشُ الْحَرِيرِ كَلُبْسِهِ، وَكَذَا الِاسْتِنَادُ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ) لِأَنَّهَا تُبِيحُ الْمُحَرَّمَ بِدَلِيلِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَظَاهِرُهُ إِبَاحَتُهُ لِلنِّسَاءِ مُطْلَقًا، لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَأَغْرَبَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي " فُنُونِهِ " فَجَوَّزَ لَهُنَّ لُبْسَهُ دُونَ الِاسْتِنَادِ وَالِافْتِرَاشِ. 1 - فَرْعٌ: يَحْرُمُ تَعْلِيقُهُ، وَسَتْرُ الْجُدُرِ بِهِ غَيْرَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ وِفَاقًا، وَحَرَّمَ الْأَكْثَرُ اسْتِعْمَالَهُ مُطْلَقًا فَدَلَّ أَنَّ فِي شُخَانَةٍ، وَخَيْمَةٍ، وَبُقْجَةٍ، وَكَمِرَانٍ، وَنَحْوِهِ الْخِلَافُ (فَإِنِ اسْتَوَى هُوَ، وَمَا نُسِجَ مَعَهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ، أَحَدُهُمَا: يُبَاحُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ قَزٍّ، أَمَّا السَّدي أَوِ الْعَلَمُ فَلَا يَرَى بِهِ بَأْسًا» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَلِأَنَّ الْحَرِيرَ لَيْسَ أَغْلَبَ، أَشْبَهَ الْأَقَلَّ، وَالثَّانِي: يَحْرُمُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ الْأَشْبَهُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ النِّصْفَ كَثِيرٌ، لِأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى مَا نُسِجَ مَعَهُ مِنَ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ، كَتَّانٌ وَلَا قُطْنٌ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي كَثْرَةِ الْحَرِيرِ أَوْ مُسَاوَاتِهِ غَيْرَهُ مَعَ إِبَاحَةِ النِّصْفِ. 1 - تَنْبِيهٌ: أَبَاحَ أَحْمَدُ لُبْسَ الْخَزِّ، وَهُوَ مَا سُدِّيَ بِإِبْرَيْسِمَ، وَأُلْحِمَ بِوَبَرٍ أَوْ صُوفٍ لِلْخَبَرِ، وَلِفِعْلِ الصَّحَابَةِ، وَجَعَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَغَيْرِهِ فِي الثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنَ الْحَرِيرِ، وَغَيْرِهِ. وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَحْمَدُ بِأَنَّ هَذَا لَبِسَهُ الصَّحَابَةُ، وَبِأَنَّهُ لَا سَرَفَ وَلَا خُيَلَاءَ، وَعُلِمَ مِنْهُ إِبَاحَةُ الصَّرْفِ، وَكَذَا الْكَتَّانُ إِجْمَاعًا، وَالنَّهْيُ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ لَا أَصْلَ لَهُ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ، وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةٍ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ مَعَ أَنَّهُ لَبِسَهُ الصَّحَابَةُ وَغَيْرُهُمْ، وَكَالْقُطْنِ. (وَيَحْرُمُ) عَلَى ذَكَرٍ بِلَا حَاجَةٍ (لُبْسُ الْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ، وَالْمُمَوَّهِ بِهِ) أَيِ:
بِهِ، فَإِنِ اسْتَحَالَ لَوْنُهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ لِمَرَضٍ أَوْ حَكَّةٍ، أَوْ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَطْلِيِّ، وَكَذَا عَبَّرَ فِي " الْوَجِيزِ " وَلَا فَرْقَ فِي الذَّهَبِ بَيْنَ خَالِصِهِ وَمَشُوبِهِ، وَالْمُنْفَرِدِ وَالْخَلِيطِ، بِخِلَافِ الْحَرِيرِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي خَبَرِ أَبِي مُوسَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَنْسُوجَ وَالْمُمَوَّهَ بِالْفِضَّةِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ كَالذَّهَبِ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَفِي " الْفُرُوعِ " وَقَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَقِيلَ: أَوْ فِضَّةٍ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، إِلَّا فِي مِغْفَرٍ، وَجَوْشَنٍ، وَخُوذَةٍ، أَوْ فِي سِلَاحِهِ لِضَرُورَةٍ (فَإِنِ اسْتَحَالَ لَوْنُهُ) وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ لِلْخَبَرِ، وَالثَّانِي: يُبَاحُ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِزَوَالِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ مِنَ السَّرَفِ، وَالْخُيَلَاءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وقيل: يكره، وَقَيَّدَ ابْنُ تَمِيمٍ: إِنْ كَانَ بَعْدَ اسْتِحَالَتِهِ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ مُبَاحٌ وَجْهًا وَاحِدًا، وَقِيلَ: الْمَنْسُوجُ بِذَهَبٍ كَحَرِيرٍ. 1 - فَرْعٌ: مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ حَرُمَ تَمَلُّكُهُ، وَتَمْلِيكُهُ كَذَلِكَ، وَعَمَلُ خِيَاطَتِهِ لِمَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نصا. (وَإِنْ لُبِسَ الْحَرِيرُ لِمَرَضٍ أَوْ حِكَّةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَهُوَ الْجَرَبُ أَوْ مِنْ أَجْلِ الْقُمَّلِ جَازَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّ أَنَسًا رَوَى: «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ شَكَيَا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُمَّلَ، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ، فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِيهِ وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لَهُمَا فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ فِي سَفَرٍ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا» وَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ صَحَابِيٍّ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ، وَقِسْنَا عَلَى
الْحَرْبِ، أَوْ أَلْبَسَهُ الصَّبِيَّ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَيُبَاحُ حَشْوُ الْجِبَابِ وَالْفُرُشِ بِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَنْصُوصِ مِمَّا يَنْفَعُ فِيهِ لُبْسُ الْحَرِيرِ، وَوَهَمَ فِي " الشَّرْحِ " فَأَوْرَدَ الرُّخْصَةَ فِي الْقُمَّلِ فَقَطْ، وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَالرُّخْصَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ خَاصَّةً بِهِمَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا بُدَّ وَأَنْ يُؤَثِّرَ فِي زَوَالِهَا (أَوْ فِي الْحَرْبِ) الْمُبَاحِ لِغَيْرِ حَاجَّةٍ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: الْإِبَاحَةُ، وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَعُرْوَةَ، وَكَانَ لَهُ يَلْمَقٌ مِنْ دِيبَاجٍ بِطَانَتُهُ مِنْ سُنْدُسٍ مَحْشُوٌّ قَزًّا يَلْبَسُهُ فِي الْحَرْبِ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ لُبْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخُيَلَاءِ وذلك غَيْرُ مَذْمُومٍ فِي الْحَرْبِ، وَمَحَلُّهُ عِنْدَ مُفَاجَأَةِ الْعَدُوِّ، وَقِيلَ: عِنْدَ الْقِتَالِ، وَقِيلَ: فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَعَنْهُ: مَعَ نِكَايَةِ الْعَدُوِّ. وَالثَّانِيَةُ: التَّحْرِيمُ لِلْعُمُومِ، وَنَصَرَهُ فِي " التَّحْقِيقِ " لَكِنْ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بِطَانَةً لِبَيْضَةٍ أَوْ دِرْعٍ أَوْ نَحْوِهِ أُبِيحَ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الذَّهَبِ كدِرْعٍ مُمَوَّهٍ بِهِ لَا يسْتَغْني عَنْ لُبْسِهِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ. 1 - فَرْعٌ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُبَاحُ الْحَرِيرُ لِحَاجَةِ بَرْدٍ أَوْ حَرٍّ، وَنَحْوِهِ لِعُدْمٍ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ مَنِ احْتَاجَ إِلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ تَحْصِينٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ أُبِيحَ (أَوْ أُلْبِسَهُ الصَّبِيُّ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَحْرُمُ عَلَى وَلِيِّهِ إِلْبَاسُهُ حَرِيرًا أَوْ ذَهَبًا، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَنْزِعُهُ عَنِ الْغِلْمَانِ، وَنَتْرُكُهُ عَلَى الْجَوَارِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَشَقَّقَ عُمَرُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةُ قُمْصَ الْحَرِيرِ على الصبيان، رَوَاهُ الْخَلَّالُ. وَيَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِالْمُكَلَّفِينَ بِتَمْكِينِهِمْ مِنَ الْحَرَامِ كَتَمْكِينِهِمْ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَكَوْنِهِمْ مَحَلًّا لِلزِّينَةِ مَعَ تَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِمْ أَبْلَغُ فِي التَّحْرِيمِ. فَعَلَى هَذَا لَوْ صَلَّى فِيهِ لَمْ تَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالثَّانِيَةُ: يُبَاحُ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ، قَالَ
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْرُمَ، وَيُبَاحُ الْعَلَمُ الْحَرِيرُ فِي الثَّوْبِ إِذَا كَانَ أَرْبَعَ أَصَابِعَ فَمَا دُونَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُبَاحُ، وَإِنْ كَانَ مُذَهَّبًا، وَكَذَلِكَ الرِّقَاعُ، وَلَبِنَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQسَعِيدٌ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنِ الْعَوَّامِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: كَانُوا يُرَخِّصُونَ لِلصَّبِيِّ فِي خَاتَمِ الذَّهَبِ، فَإِذَا بَلَغَ أَلْقَاهُ. (وَيُبَاحُ حَشْوُ الْجِبَابِ وَالْفُرُشِ) بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ فِرَاشٍ، وَقَدْ تُسَكَّنُ (بِهِ) لِأَنَّهُ لَا خُيَلَاءَ فِيهِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحَرَّمَ) وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً كَبِطَانَةٍ، وَلِلْعُمُومِ، وَفِي تَحْرِيمِ كتابة الْمَهْرِ فِيهِ وَجْهَانِ (وَيُبَاحُ الْعَلَمُ) بِفَتْحِ اللَّامِ (الْحَرِيرُ) وَهُوَ طِرَازُ الثَّوْبِ (إِذَا كَانَ أَرْبَعَ أَصَابِعَ) مَضْمُومَةً (فَمَا دُونَ) أَيْ: فَأَقَلَّ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَقَدَّمَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ لِمَا رَوَى عُمَرُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي " الْوَجِيزِ " دُونَهَا، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا: قَدْرَ كَفٍّ عَرْضًا، فَلَوْ لَبِسَ أَثْوَابًا فِي كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرَ مَا يُعْفَى عَنْهُ، وَلَوْ جُمِّعَ صَارَ ثَوْبًا فَقِيلَ: لَا بَأْسَ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُبَاحُ وَإِنْ كَانَ مُذَهَّبًا) وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَحَفِيدُهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ لِمَا رَوَى مُعَاوِيَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَلِأَنَّهُ يَسِيرٌ أَشْبَهَ الْحَرِيرَ وَيَسِيرَ الْفِضَّةِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَحْرُمُ يَسِيرُ ذَهَبٍ تَبَعًا، نُصَّ عَلَيْهِ كَالْمُفْرَدِ. مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ بَيْعُ حَرِيرٍ لِكَافِرٍ، وَلُبْسُهُ لَهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ التَّحْرِيمُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَقَالَ عَنْ خِلَافِهِ: قَدْ يَتَوَهَّمُهُ مُتَوَهِّمٌ، وَهُوَ وَهَمٌ بَاطِلٌ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ أُذِنَ لَهُ فِي لُبْسِهَا. قَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عَلِيٍّ وَأُسَامَةَ كَمَا بَعَثَ إِلَى عُمَرَ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إِبَاحَةُ لُبْسِهِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مُخَاطَبَتِهِمْ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ، وَفَائِدَتِهَا: زِيَادَةُ الْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ (وَكَذَلِكَ) تُبَاحُ (الرِّقَاعُ) وَهُوَ جَمْعُ رُقْعَةٍ، وَهِيَ الْخِرْقَةُ الْمَعْرُوفَةُ (وَلَبِنَةٌ) بِفَتْحِ اللَّامِ، وَكَسْرِ الْبَاءِ (الْجَيْبُ) قَالَ صَاحِبُ " الْمَطَالِعِ " جَيْبُ الْقَمِيصِ طَوْقُهُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الرَّأْسُ، فَعَلَى هَذِهِ لَبِنَتُهُ الزِّيقُ
الْجَيْبِ، وَسِجْفُ الْفِرَاءِ. وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ الْمُزَعْفَرِ وَالْمُعَصْفَرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَسُجُفٌ) جَمْعُ سُجَافٍ بِضَمِّ السِّينِ مَعَ ضَمِّ الْجِيمِ، وَسُكُونِهَا (الْفِرَاءُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ مَمْدُودًا وَاحِدُهُ فَرْوٌ بِغَيْرِ هَاءٍ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَأَثْبَتَهَا ابْنُ فَارِسٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُسَاوٍ لِلْعَلَمِ، وَكَذَا حُكْمُ الْخِيَاطَةِ بِهِ، وَالْأَزْرَارِ. 1 - (وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ الْمُزَعْفَرِ) نَقَلَهُ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى الرِّجَالَ عَنِ الْمُزَعْفَرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْأَزَجِّيُّ، وَالْقَاضِي تَحْرِيمَهُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُعِيدُ مَنْ صَلَّى بِهِ أَوْ بِمُعَصْفَرٍ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَدَّمَ جَمَاعَةٌ: لَا يُكْرَهُ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ (وَالْمُعَصْفَرُ) لِمَا رَوَى عَلِيٌّ: «قَالَ نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَذَا، وَعَنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَهُ أَيْضًا: «إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا» وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ إِلَّا فِي الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُبَاحُ لِلنِّسَاءِ لِتَخْصِيصِ الرَّجُلِ بِالنَّهْيِ، قُلْتُ: وَيَلْتَحِقُ بِمَا ذَكَرَهُ الْأَحْمَرُ الْمُصْمَتُ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَه فِي " الْمُغْنِي " و " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَالْمَذْهَبُ: يُكْرَهُ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ كَرَاهَةً شَدِيدَةً لِغَيْرِ زِينَةٍ، وَكَذَا طَيْلَسَانٌ فِي وَجْهٍ، وَجِلْدٌ مُخْتَلَفٌ فِي نَجَاسَتِهِ وَافْتِرَاشِهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَمَشْيُهُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ بِلَا حَاجَةٍ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يُبَاحُ الْأَبْيَضُ، وَالْأَصْفَرُ، وَالْأَخْضَرُ، وَكَذَا الْأَسْوَدُ، «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ الْأَسْوَدُ لِلْجُنْدِ، وَقِيلَ: فِي
بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ وَهُوَ الشَّرْطُ الرَّابِعُ، فَمَتَى لَاقَى بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةً غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا، أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQغَيْرِ حَرْبٍ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: فِيمَنْ تَرَكَ ثِيَابًا سُودًا يَحْرِقُهَا الْوَصِيُّ، لِأَنَّهَا لِبَاسُ الْجُنْدِ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ وَالظَلَمَةِ. تَذْنِيبٌ: يُسْتَحَبُّ التَّوَاضُعُ فِي اللِّبَاسِ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: «الْبَذَاذَةُ مِنَ الْإِيمَانِ» رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ: وَهُوَ التَّوَاضُعُ فِي اللِّبَاسِ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: يُكْرَهُ الرَّقِيقُ لِلْحَيِّ، وَلَا بَأْسَ بِغَسْلِهِ مِنَ الْعَرَقِ وَالْوَسَخِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُعْجِبُهُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ وَالثِّيَابُ النَّقِيَّةُ، وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: يُبَاحُ الْمُوَرَّدُ وَالْمُمَسَّكُ، وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَلْبَسَ ثِيَابَ الْمَرْأَةِ، وَالْعَكْسُ، نُصَّ عَلَيْهِ، كَالزِّيقِ الْعَرِيضِ لِلرَّجُلِ، وَاخْتُلِفَتْ عَنْهُ فِي كَرَاهَتِهِ لِلنِّسَاءِ. قَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا كَرِهَهُ أَحْمَدُ لِإِفْضَائِهِ إِلَى الشُّهْرَةِ. 1 - فَصْلٌ يُسَنُّ الرِّدَاءُ، وَقِيلَ: يُبَاحُ، كَفَتْلِ طَرَفِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَيُسَنُّ إِرْخَاءُ ذُؤَابَةٍ خَلْفَهُ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَإِطَالَتُهَا كَثِيرًا مِنَ الْإِسْبَالِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَإِنْ أَرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَحَسَنٌ، قَالَهُ الْآجُرِّيُّ، وَتُسَنُّ السَّرَاوِيلُ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " لَا بَأْسَ قَالَ صَاحِبُ " النَّظْمِ " وَفِي مَعْنَاهُ التُّبَّانُ، وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِإِبَاحَتِهِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، قَالَ أَحْمَدُ: السَّرَاوِيلُ أَسْتَرُ مِنَ الْإِزَارِ، وَلِبَاسُ الْقَوْمِ كَانَ الْإِزَارُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُسْتَحَبُّ الْقَمِيصُ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَيُبَاحُ الْقَبَاءُ، قَالَ صَاحِبُ " النَّظْمِ ": وَلَوْ لِلنِّسَاءِ، وَالْمُرَادُ، وَلَا تُشْبِهُ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَدِيدِ وَالْعَتِيقِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ
[باب اجتناب النجاسات]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَنْصَارِيُّ: يَنْبَغِي لِلْفَقِيهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ جَدِيدَةٌ، سَرَاوِيلُهُ، وَمَدَاسُهُ، وَخِرْقَةٌ يُصَلِّي عَلَيْهَا، وَيُجَدِّدُ عِمَامَتَهُ كَيْفَ شَاءَ. فَرْعٌ: مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ حَرُمَ بَيْعُهُ، وَخِيَاطَتُهُ، وَكَذَا أُجْرَتُهَا، نُصَّ عَلَيْهِ. [بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ] [طَهَارَةُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ مِنَ النَّجَاسَاتِ] بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ وَهُوَ الشَّرْطُ الرَّابِعُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَابْنُ زَيْدٍ: أَمَرَ بِتَطْهِيرِ الثِّيَابِ مِنَ النَّجَاسَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يَتَطَهَّرُونَ، وَلَا يُطَهِّرُونَ ثِيَابَهُمْ، وَهَذَا أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِيهَا، وَهُوَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنَ الْمَجَازِ، فَيَكُونُ شَرْطًا بِمَكَّةَ لَكِنْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْهِجْرَةِ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَجَاءَ بِسَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ، وَدَمِهَا، وَفَرْثِهَا فَطَرَحَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، حَتَّى أَزَالَتْهُ فَاطِمَةُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ الْمَجْدُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَتَى بِدَمِهَا، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ، وَلَعَلَّ الْخَمْسَ لَمْ تَكُنْ فُرِضَتْ، وَالْأَمْرُ بِتَجَنُّبِ النَّجَاسَةِ مَدَنِيٌّ مُتَأَخِّرٌ، بِدَلِيلِ خَبَرِ النَّعْلَيْنِ، وَصَاحِبِ الْقَبْرَيْنِ، وَالْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، وَحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الَّذِي آتِي فِيهِ أَهْلِي؛ قَالَ: نَعَمْ، إِلَّا أَنْ تَرَى فِيهِ شَيْئًا فَتَغْسِلَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ، فَثَبَتَ بِهَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاجْتِنَابِهَا، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَعَنْهُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: فَطَهَارَةُ بَدَنِ الْمُصَلِّي، وَسُتْرَتِهِ، وَبُقْعَتِهِ مَحَلُّ بَدَنِهِ، وَالْمَذْهَبُ: وَثِيَابُهُ مِمَّا لَا يُعْفَى عَنْهُ شَرْطٌ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ. فَائِدَةٌ: طَهَارَةُ الْحَدَثِ فُرِضَتْ قَبْلَ التَّيَمُّمِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَجَمَاعَةٌ فِي قِيَاسِ الْوُضُوءِ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي النِّيَّةِ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ قِيلَ: هِيَ آيَةُ الْمَائِدَةِ أَوْ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: لَا نَعْلَمُ أَيَّةَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQآيَةٍ عَنَتْ عَائِشَةُ بِقَوْلِهَا: فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، قَالَ: وَحَدِيثُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا، وَلَا مَفْعُولًا لَهُمْ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْلُومٌ أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ لَمْ يُفْرَضْ قَبْلَ الْوُضُوءِ كَمَا أَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْذُ افْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا بِوُضُوءٍ مِثْلِ وُضُوئِنَا الْيَوْمَ، قَالَ: فَدَلَّ أَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ إِنَّمَا نَزَلَتْ لِيَكُونَ فَرْضُهَا الْمُتَقَدِّمُ مَتْلُوًّا فِي التَّنْزِيلِ، وَفِي قَوْلِهَا: فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، وَلَمْ تَقُلْ آيَةُ الْوُضُوءِ، مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الَّذِي طَرَأَ لَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حُكْمُ التَّيَمُّمِ لَا حُكْمُ الْوُضُوءِ (فَمَتَى لَاقَى بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةً غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا أَوْ حَمَلَهَا) زَادَ فِي " الْمُحَرَّرِ " أَوْ حَمَلَ مَا يُلَاقِيهَا (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) أَقُولُ: مَتَى بَاشَرَهَا بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ لَمْ تَصِحَّ، ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ الْأَظْهَرُ، وَزَادَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِي سُتْرَتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْ ذَاتِهِ إِذَا وَقَعَتْ حَالَ سُجُودِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، فَإِنْ كَانَ ثَوْبُهُ يَمَسُّ شَيْئًا نَجِسًا كَثَوْبِ مَنْ يُصَلِّي إِلَى جَانِبِهِ، وَحَائِطٍ لَا يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ صَحَّتْ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِصَلَاتِهِ، وَلَا مَحْمُولًا فِيهَا وَاخْتَارَ السَّامِرِيُّ، وَالْمَجْدُ، وَجَمَاعَةٌ: أَنَّهَا تَبْطُلُ، لِأَنَّ سُتْرَتَهُ مُلَاقِيَةٌ لِنَجَاسَةٍ أَشْبَهُ مَا لَوْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ، فَلَوِ اسْتَنَدَ إِلَيْهَا حَالَ قِيَامِهِ أَوْ رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ بَطَلَتْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ قَابَلَهَا حَالَ رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " و" الْمُسْتَوْعِبِ " وَفِيهِ وَجْهٌ، كَمَا لَوْ بَاشَرَهَا بِبَعْضِ أَعْضَائِهِ، فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ رِجْلَيْهِ لَمْ يُصِبْهَا، وَالْقِيَاسُ أَنَّهَا كَذَلِكَ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِيهَا الصِّحَّةَ، وَشَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا، لِأَنَّ الْمَعْفُوَّ عَنْهُ لَا أَثَرَ لَهُ، وَأَمَّا إِذَا حَمَلَهَا لَمْ تَصِحَّ كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ فَلَوْ حَمَلَ آجُرَّةً بَاطِنُهَا نَجِسٌ، أَوْ قَارُورَةً مَسْدُودَةَ الرَّأْسِ فِيهَا نَجَاسَةٌ، لَمْ تَصِحَّ، لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا فِي غَيْرِ مَعْدِنِهَا أَشْبَهَ حَملَهَا فِي كُمِّهِ، وَكَذَا حَمْلُ مُسْتَجْمَرٍ، وَالْأَصَحُّ فِيهِ الصِّحَّةُ، وَفِي حَمْلِ بَيْضَةٍ فِيهَا فَرْخٌ مَيِّتٌ وَجْهَانِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا حَمَلَ طَاهِرًا طَائِرًا أَوْ غَيْرَهُ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ النَّجَاسَةَ فِي مَعْدِنِهَا فَهِيَ كَالنَّجَاسَةِ فِي بَدَنِ الْمُصَلِّي.
[إذا بسط على النجاسات شيئا طاهرا]
حَمَلَهَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَإِنْ طَيَّنَ الْأَرْضَ النَّجِسَةِ، أَوْ بَسَطَ عَلَيْهَا شَيْئًا طَاهِرًا، صَحَّتْ صَلَاتُهُ، مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَإِنْ صَلَّى عَلَى مَكَانٍ طَاهِرٍ مِنْ بِسَاطٍ طَرَفُهُ نَجِسٌ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَرْعٌ: إِذَا جَهِلَ كَوْنَهَا فِي الصَّلَاةِ، أَوْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ فَأَزَالَهَا، أَوْ زَالَتْ سَرِيعًا، صَحَّتْ فِي الْأَصَحِّ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ زَمَنٌ يَسِيرٌ فَعُفِيَ عَنْهُ، كَالْيَسِيرِ فِي الْقَدْرِ، وَفِيهِ وَجْهٌ. [إِذَا بَسَطَ عَلَى النَّجَاسَاتِ شَيْئًا طَاهِرًا] (وَإِنْ طَيَّنَ الْأَرْضَ النَّجِسَةَ، أَوْ بَسَطَ عَلَيْهَا شَيْئًا طَاهِرًا، صَحَّتْ صَلَاتُهُ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَامِلٍ لِلنَّجَاسَةِ، وَلَا مُبَاشِرٍ لَهَا، وَكَمَا لَوْ غَسَلَ وَجْهَ آجُرٍّ نَجِسٍ، وَكَسَرِيرٍ تَحْتَهُ نَجِسٌ أَوْ عُلُوٍّ سُفْلُهُ غَصْبٌ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " و" الرِّعَايَةِ " وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ أَوْلَى لِاعْتِمَادِهِ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَعَنْهُ: يُعِيدُ، ذَكَرَهَا الشَّيْخَانِ لِاعْتِمَادِهِ عَلَيْهَا، أَشْبَهَ مُلَاقَاتَهَا، وَعَنْهُ: إِنْ بَسَطَ عَلَى نَجَاسَةٍ رَطْبَةٍ لَمْ تَصِحَّ، وَإِلَّا صَحَّتِ؛ اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى لِلِاتِّصَالِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْحَائِلُ صَفِيقًا فَإِنْ كَانَ خَفِيفًا فَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ، وَحَيَوَانٌ نَجِسٌ كَأَرْضٍ، وَقِيلَ: تَصِحُّ هُنَا صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَكَذَا مَا وُضِعَ عَلَى حَرِيرٍ يَحْرُمُ جُلُوسُهُ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، فَيَتَوَجَّهُ إِنْ صَحَّ جَازَ جُلُوسُهُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ «وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هُوَ غَلَطٌ مِنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، وَالْمَعْرُوفُ صَلَاتُهُ عَلَى الْبَعِيرِ وَالرَّاحِلَةِ لَكِنَّهُ مِنْ فِعْلِ أَنَسٍ. [إِنْ صَلَّى عَلَى مَكَانٍ طَاهِرٍ مِنْ بِسَاطٍ طَرَفُهُ نَجِسٌ] (وَإِنْ صَلَّى عَلَى مَكَانٍ طَاهِرٍ مِنْ بِسَاطٍ) أَوْ حَبْلٍ (طَرَفُهُ نَجِسٌ) لَا يُصِيبُهُ (صَحَّتْ صَلَاتُهُ) ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَامِلٍ لِلنَّجَاسَةِ، وَلَا
إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ بِحَيْثُ يَنْجَرُّ مَعَهُ إِذَا مَشَى، فَلَا تَصِحُّ، وَمَتَى وَجَدَ عَلَيْهِ نَجَاسَةً لَا يَعْلَمُ ـــــــــــــــــــــــــــــQمُصَلٍّ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا اتَّصَلَ مُصَلَّاهُ بِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضٍ طَاهِرَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِأَرْضٍ نَجِسَةٍ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ حَاذَاهَا بِصَدْرِهِ إِذَا سَجَدَ فِي الْأَصَحِّ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، لِأَنَّهَا فِي حَرِيمِ مُصَلَّاهُ، وَالْهَوَاءُ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ، أَشْبَهَ الصَّلَاةَ عَلَى سَقْفِ الْحُشِّ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تَحَرَّكَ النَّجِسُ بِحَرَكَتِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ بِحَيْثُ يَنْجَرُّ مَعَهُ إِذَا مَشَى فَلَا تَصِحُّ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " و" الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِمَا، لِأَنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لَهَا، فَهُوَ كَحَامِلِهَا، فَإِنْ كَانَ بِيَدِهِ أَوْ وَسَطِهِ حَبْلٌ مَشْدُودٌ فِي نَجَسٍ أَوْ سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ فِيهَا نَجَاسَةٌ تَنْجَرُّ مَعَهُ إِذَا مَشَى، لَمْ يَصِحَّ، كَحَمْلِهِ مَا يُلَاقِيهَا، وَإِلَّا صَحَّتْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَتْبِعٍ لَهَا، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْفُصُولِ "، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، كَمَا لَوْ أَمْسَكَ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ عَلَيْهَا نَجَاسَةٌ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ جَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَقَالَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِمَا هُوَ مُلَاقٍ لِلنَّجَاسَةِ، قَالَ الْمَجْدُ: إِنْ كَانَ الشَّدُّ فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ مِمَّا لَا يُمْكِنُ جَرُّهُ مَعَهُ كَفِيلٍ، لَمْ يَصِحَّ كَحَمْلِهِ مَا يُلَاقِيهَا، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِتْبَاعِ الْمُلَاقِي لِلنَّجَاسَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَمْسَكَ سَفِينَةً عَظِيمَةً فِيهَا نَجَاسَةٌ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهَا حَبْلٌ بِيَدِهِ طَرَفُهُ عَلَى نَجَاسَةٍ يَابِسَةٍ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ الصِّحَّةُ، وَكَذَا حُكْمُ مَا لَوْ سَقَطَ طَرَفُ ثَوْبِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. 1 - فَرْعٌ: إِذَا دَاسَ النَّجَاسَةَ عَمْدًا فِي الْأَشْهَرِ بَطَلَتْ، وَإِنْ دَاسَهَا مَرْكُوبَةً فَلَا، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: بَلَى إِنْ أَمْكَنَ رَدُّهُ عَنْهَا وَلَمْ يَرُدَّهَا. تَنْبِيهٌ: إِذَا شَرِبَ خَمْرًا وَلَمْ يَسْكَرْ غَسَلَ فَمَهُ، وَصَلَّى، وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَيْءٌ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلَى يَلْزَمُهُ، وَلِإِمْكَانِ إِزَالَتِهَا، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا» فَالْمُرَادُ نَفْيُ ثَوَابِهَا لَا صِحَّتُهَا، قَالَهُ الْمَجْدُ، وَحُكْمُ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ كَذَلِكَ، لِأَنَّهَا حَصَلَتْ فِي مَعِدَتِهَا (وَمَتَّى وَجَدَ عَلَيْهِ نَجَاسَةً لَا يَعْلَمُ هَلْ
هَلْ كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِيهَا لَكِنَّهُ نَسِيَهَا أَوْ جَهِلَهَا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِذَا جَبَرَ سَاقَهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ، فَجُبِرَ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَلْعُهُ إِذَا خَافَ الضَّرَرَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQكَانَتْ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ كَوْنِهَا فِي الصَّلَاةِ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِهَا بَعْدَهَا، فَلَا نُبْطِلُهَا بِالشَّكِّ (وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِيهَا لَكِنَّهُ نَسِيَهَا أَوْ جَهِلَهَا فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " إِحْدَاهُمَا لَا تَبْطُلُ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمَجْدُ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي خَلْعِ النَّعْلَيْنِ، وَلَوْ بَطَلَتْ لَاسْتَأْنَفَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَالثَّانِيَةُ: تَبْطُلُ، وَهِيَ الْأَشْهُرُ فَعَلَى هَذَا يُعِيدُ، لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُشْتَرَطَةٌ فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْجَهْلِ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ آكَدُ لِكَوْنِهِ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: يُعِيدُ مَعَ النِّسْيَانِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَقَطَعَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَكَذَا قَالَ الْآمِدِيُّ: يُعِيدُ إِذَا كَانَ قَدْ تَوَانَى رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى التَّفْرِيطِ بِخِلَافِ الْجَاهِلِ، وَفِي " الْمُغْنِي ": الصَّحِيحُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ مَا عُذِرَ فِيهِ بِالْجَهْلِ عُذِرَ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ، بَلْ أَوْلَى، لِوُرُودِ النَّصِّ بِالْعَفْوِ عَنْهُ، وَكَذَا الْخِلَافُ إِنْ عَجَزَ عَنْهَا حَتَّى فَرَغَ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: أَوْ زَادَ مَرَضُهُ بِتَحْرِيكِهِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " أَوْ جَهِلَ حُكْمَهَا. 1 - تَنْبِيهٌ: إِذَا عَلِمَ بِالنَّجَاسَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَأَمْكَنَ إِزَالَتُهَا مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ كَثِيرٍ، وَلَا زَمَنٍ طَوِيلٍ، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ عَلِمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَبْطُلُ أَزَالَهَا وَبَنَى، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: تَبْطُلُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِزَالَتُهَا إِلَّا بِعَمَلٍ كَثِيرٍ أَوْ مَضَى زَمَنٌ طَوِيلٌ بَطَلَتْ، وَقِيلَ: لَا بَلْ يُزِيلُهَا، وَيَبْنِي (وَإِذَا جَبَّرَ سَاقَهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ فَجُبِّرَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَلْعُهُ إِذَا خَافَ الضَّرَرَ) قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " و" التَّلْخِيصِ " وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْجَدُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَالْمُرَادُ بِخَوْفِ الضَّرَرِ فَوَاتُ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَرَضٍ، لِأَنَّ حِرَاسَةَ النَّفْسِ وَأَطْرَافِهَا مِنَ الضَّرَرِ وَاجِبٌ، وَهُوَ أَهَمُّ مِنْ رِعَايَةِ شَرْطِ الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ سُتْرَةٍ وَلَا مَاءٍ لِلْوُضُوءِ بِزِيَادَةٍ تُجْحِفُ بِمَالِهِ، فَإِذَا جَازَ تَرْكُ شَرْطٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ لِحِفْظِ
[الأماكن التي لا تصح الصلاة فيها]
وَإِنْ لَمْ يَخَفْ لَزِمَهُ قَلْعُهُ، وَإِنْ سَقَطَتْ سِنُّهُ فَأَعَادَهَا بِحَرَارَتِهَا فَثَبَتَتْ فَهِيَ طَاهِرَةٌ، وَعَنْهُ: إنَّهَا نَجِسَةٌ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْعَظْمِ النَّجِسِ إِذَا جَبَّرَ بِهِ سَاقَهُ، وَلَا تَصِحُّ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَالِهِ، فَتَرْكُ شَرْطٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِأَجْلِ بَدَنِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ إِذَا لَمْ يَخَفِ التَّلَفَ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، لِأَنَّهُ غَيْرُ خَائِفٍ لِلتَّلَفِ، أَشْبَهَ إِذَا لَمْ يَخَفِ الضَّرَرَ، وَالْأَوَّلُ: أَوْلَى، فَإِنْ سَتَرَهُ اللَّحْمُ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَيَمُّمٍ، وَإِلَّا تَيَمَّمَ لَهُ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ، وَكَذَا إِذَا خَاطَ جُرْحَهُ بِشَيْءٍ نَجِسٍ، فَإِنْ خَافَ التَّلَفَ لَمْ يَلْزَمْهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً (وَإِنْ لَمْ يَخَفِ) الضَّرَرَ (لَزِمَهُ قَلْعُهُ) لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِزَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَلَوْ صَلَّى مَعَهُ لَمْ يَصِحَّ، فَإِذَا مَاتَ مَنْ يَلْزَمُهُ قَلْعُهُ، قَلَعَ، وَأَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي، وَغَيْرُهُ: مَا لَمْ يُغَطِّهِ اللَّحْمُ لِلْمُثْلَةِ. (وَإِنْ سَقَطَتْ سِنُّهُ) أَوْ عُضْوُهُ (فَأَعَادَهَا بِحَرَارَتِهَا فَثَبَتَتْ، فَهِيَ طَاهِرَةٌ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ جُمْلَةٍ، فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهَا كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ وَالنَّجِسَةِ (وَعَنْهُ: إِنَّهَا نَجِسَةٌ) اخْتَارَهَا الْقَاضِي، لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا، وَقَدْ أُبِينَتْ مِنْ حَيٍّ فَتَكُونُ نَجِسَةً (حُكْمُهَا حُكْمُ الْعَظْمِ النَّجِسِ إِذَا جَبَّرَ بِهِ سَاقَهُ) لِتَسَاوِيهِمَا حِينَئِذٍ فِي أَصْلِ النَّجَاسَةِ، وَقِيلَ: إِنْ ثَبَتَتِ السِّنُّ وَغَيْرُهَا، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِنْ ثَبَتَتْ وَتَرَيَّحَ أَوْ تَغَيَّرَ فَهُوَ نَجِسٌ يُؤْمَرُ بِقَلْعِهِ، وَيُعِيدُ مَا صَلَّى قَبْلَ زَوَالِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ فَإِنَّهُ يُزِيلُهُ، وَيُعِيدُ مَا صَلَّى بِهِ فِي الْأَصَحِّ، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": أَصْلُهُمَا الرِّوَايَتَانِ فِي نَجَاسَتِهِ. فَرْعٌ: إِذَا جَعَلَ مَوْضِعَ سِنِّهِ سِنَّ شَاةٍ مُذَكَّاةٍ، فَصَلَاتُهُ مَعَهُ مُجْزِئَةٌ ثَبَتَتْ أَوْ لَمْ تَثْبُتْ. وَصِلَةٌ: وَصْلُ الْمَرْأَةِ شَعْرَهَا، زَادَ فِي " الشَّرْحِ " أَوْ شَعْرِ غَيْرِهَا بِشَعْرٍ حَرَامٍ، لِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ مَلْعُونٌ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَلَا بَأْسَ بِوَصْلِهِ بِقَرَامِلَ، وَتَرْكُهَا أَفْضَلُ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ رَجَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَبَعْدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، وَالْأَيِّمُ وَذَاتُ الزَّوْجِ سَوَاءٌ، وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِإِذْنِ زَوْجٍ، لَكِنْ إِنْ كَانَ شَعْرَ أَجْنَبِيَّةٍ فِي حِلِّ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ شَعْرَ بَهِيمَةٍ كُرِهَ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الشَّعْرُ نَجِسًا لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ مَعَهُ فِي الْأَشْهَرِ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا، وَقُلْنَا بِالتَّحْرِيمِ فَفِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ مَعَهُ وَجْهَانِ. [الْأَمَاكِنُ الَّتِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا] (وَلَا تَصِحُّ
الصَّلَاةُ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَالْحَمَّامِ، وَالْحُشِّ، وَأَعْطَانِ الْإِبِلِ، وَهِيَ الَّتِي تُقِيمُ فِيهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQالصَّلَاةُ فِي الْمَقْبَرَةِ) هِيَ بِتَثْلِيثِ الْبَاءِ، لَكِنْ بِفَتْحِهَا هُوَ الْقِيَاسُ، وَبِضَمِّهَا الْمَشْهُورُ، وَبِكَسْرِهَا قَلِيلٌ، وَالشَّيْءُ إِذَا كَثُرَ فِي مَكَانٍ جَازَ أَنْ يُبْنَى مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِهِمْ: أَرْضٌ مَسْبَعَةٌ إِذَا كَثُرَ فِيهَا السِّبَاعُ (وَالْحَمَّامُ) مُشَدَّدٌ وَاحِدُ الْحَمَّامَاتِ الْمَبْنِيَّةِ (وَالْحَشُّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمَّهَا الْبُسْتَانُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَخْرَجِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ فِي الْبَسَاتِينِ، وَهِيَ الْحُشُوشُ، فَسُمِّيَتِ الْأَخْلِيَةُ فِي الْحَضَرِ حُشُوشًا بِذَلِكَ (وَأَعْطَانُ الْإِبِلِ) وَاحِدُهَا عَطَنٌ بِفَتْحِ الطَّاءِ، وَهِيَ الْمَعَاطِنُ الْوَاحِدُ مَعْطِنٌ بِكَسْرِهَا (وَهِيَ الَّتِي تُقِيمُ فِيهَا، وَتَأْوِي إِلَيْهَا) قَالَهُ أَحْمَدُ، وَقِيلَ: مَكَانُ اجْتِمَاعِهَا إِذَا صَدَرَتْ عَنِ الْمَنْهَلِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَمَا تَقِفُ فِيهِ لِتَرِدَ الْمَاءَ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و " الشَّرْحِ ": وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ مَرَاحِ الْغَنَمِ لَا نُزُولِهَا فِي سَيْرِهَا. قَالَ جَمَاعَةٌ: أَوْ لِعَلَفِهَا لِلنَّهْيِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: أَسَانِيدُهُ صَحِيحَةٌ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: خَبَرٌ صَحِيحٌ، وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَمْ نَرَ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صَحِيحٌ، وَالْمَنْعُ مِنْهَا تَعَبُّدٌ، فَيَتَنَاوَلُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَفِي آخَرَ بِأَنَّهَا مَظِنَّةُ النَّجَاسَةِ، فَأُقِيمَتْ مَقَامَهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَا تَصِحُّ فِي الْمَقْبَرَةِ كَغَيْرِهَا، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، ذَكَرَهَا السَّامِرِيُّ، وَفِي ثَالِثَةٍ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ: صِحَّتُهَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، فَعَلَى هَذَا يُسْتَثْنَى، وَلَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الْقَدِيمَةِ
وَتَأْوِي إِلَيْهَا، وَالْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ، وَعَنْهُ: تَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيمِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْجَدِيدَةِ، تَكَرَّرَ نَبْشُهَا أَوْ لَا، وَلَا يَضُرُّ قَبْرَانِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهَا الِاسْمُ، وَقِيلَ: بَلَى، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هَلْ تُسَمَّى مَقْبَرَةً أَمْ لَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْخَشْخَاشَةَ فِيهَا جَمَاعَةُ قَبْرٍ وَاحِدٍ، فَلَا تَمْنَعُ كَمَا لَوْ دُفِنَ بِدَارِهِ مَوْتَى، وَنَصَّ أَحْمَدُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُصَلَّى فِي مسَلخ حَمَّامٍ، وَمِثْلُهُ أَتُونُهُ، وَمَا تَبِعَهُ فِي بِيَعٍ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ الصَّلَاةَ فَوْقَ الْحَمَّامِ، وَالصَّحِيحُ: قَصْرُ النَّهْيِ عَلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ، وَأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ إِنْ كَانَ تَعَبُّدًا لَمْ يُقَسْ عَلَيْهِ، وَإِنْ عُلِّلَ فَإِنَّمَا يُعَلَّلُ بِمَظِنَّةِ النَّجَاسَةِ، وَلَا يُتَخَيَّلُ هَذَا فِي أَسْطِحَتِهَا، لَكِنْ يُصَلَّى فِيهَا لِلْعُذْرِ، وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهَا مَنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ، وَلَوْ فَاتَ الْوَقْتُ، وَالْحَشُّ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِ بِالتَّنْبِيهِ لِكَوْنِهِ مُعَدًّا لِلنَّجَاسَةِ، وَمَقْصُودًا لَهَا؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ مُنِعَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنَ الْكَلَامِ فِيهِ، فَمَنْعُ الصَّلَاةِ فِيهِ أَوْلَى، وَقَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لَا أَعْلَمُ فِيهِ نَصًّا (وَالْمَوْضِعُ الْمَغْصُوبُ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ أَتَى بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَلَمْ تَصِحَّ كَصَلَاةِ الْحَائِضِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْغَصْبِ بَيْنَ دَعْوَى الْمِلْكِ أَوِ الْمَنْفَعَةِ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا إِذَا أَخْرَجَ سَابَاطًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَحِلُّ لَهُ، أَوْ غَصَبَ رَاحِلَةً وَصَلَّى عَلَيْهَا، أَوْ سَفِينَةً أَوْ لَوْحًا فَجَعَلَهُ سَفِينَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ، أَوْ مَسْجِدًا وَغَيَّرَهُ عَنْ هَيْئَتِهِ، أَوْ بَسَطَ طَاهِرًا عَلَى أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ أَوْ مَغْصُوبًا عَلَى أَرْضٍ مُبَاحَةٍ، فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرِ الْمَسْجِدَ عَنْ هَيْئَتِهِ، بَلْ مَنَعَ النَّاسَ الصَّلَاةَ فِيهِ، فَصَلَاتُهُ فِيهِ صَحِيحَةٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يُضَمِّنُهُ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتِ الْأَبْنِيَةُ مَغْصُوبَةً، وَالْبُقْعَةُ حَلَالًا فَرِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: هَذَا إِنِ اسْتَنَدَ إِلَيْهَا، وَإِلَّا كُرِهَتْ وَصَحَّتْ، فَإِنْ صَلَّى فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِلَا إِذْنِهِ، أَوْ صَلَّى عَلَى مُصَلَّاهُ بِلَا إِذْنِهِ، وَلَمْ يَغْصِبْهُ، أَوْ أَقَامَ غَيْرَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَصَلَّى فِيهِ، فَوَجْهَانِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْجُمْعَةُ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ فِي مَوْضِعِ غَصْبٍ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا
حُكْمُ الْمَجْزَرَةِ وَالْمَزْبَلَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَأَسْطِحَتِهَا كَذَلِكَ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ إِلَيْهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQتَخْتَصُّ بِبُقْعَتِهِ، وَفِي طَرِيقِ ضَرُورَةٍ وَحَافَّتَيْهَا، نُصَّ عَلَيْهَا، وَعَلَى رَاحِلَةٍ فِيهَا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ، وَطَرِيقِ أَبْيَاتٍ يَسِيرَةٍ، وَكَذَا عِيدٌ وَجِنَازَةٌ، جَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَقِيلَ: وَكُسُوفٌ، وَاسْتِسْقَاءٌ (وَعَنْهُ: تَصِحُّ) فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيَّمَا رَجُلٌ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ طَاهِرٌ، فَصَحَّتِ الصَّلَاةُ فِيهِ كَالصَّحْرَاءِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ أَمَرُوا بِإِعَادَتِهَا، وَلِأَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى، وَفِي يَدِهِ خَاتَمُ ذَهَبٍ (مَعَ التَّحْرِيمِ) لِلنَّهْيِ، وَعَنْهُ: مَعَ الْكَرَاهَةِ وِفَاقًا، وَعَنْهُ: لَا تَصِحُّ إِنْ عُلِمَ النَّهْيُ لِخَفَاءِ دَلِيلِهِ، وَقِيلَ: إِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ صَحَّتْ. 1 - (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: حُكْمُ الْمَجْزَرَةِ) وَهِيَ مَا أُعِدَّ لِلذَّبْحِ (وَالْمَزْبَلَةِ) أَيْ: مَرْمَى الزُّبَالَةِ، وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً (وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ) أَيْ: الَّتِي تَقْرَعُهَا الْأَقْدَامُ مِثْلِ الْأَسْوَاقِ وَالشَّوَارِعِ، دُونَ مَا عَلَا عَنْ جَادَّةِ الْمَارَّةِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، نُصَّ عَلَيْهِ، وَأَلْحَقَ صَاحِبُ " الرَّوْضَةِ " بِذَلِكَ الْمَدْبَغَةَ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ (وَأَسْطِحَتُهَا كَذَلِكَ) أَيْ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا فِي اخْتِيَارِ الْأَكْثَرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَفِي " الْفُرُوعِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: الْمَزْبَلَةُ، وَالْمَجْزَرَةُ، وَالْمَقْبَرَةُ، وَقَارِعَةُ الطَّرِيقِ، وَفِي الْحَمَّامِ، وَفِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ فِيهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهَا، وَلِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَاسْتَثْنَى فِي بَعْضِهَا
إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحُشَّ فِي قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ، وَلَا تَصِحُّ الْفَرِيضَةُ فِي الْكَعْبَةِ، وَلَا عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ، فَبقي فِيمَا عَدَاهَا عَلَى الْعُمُومِ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ يَرْوِيهِ زَيْدُ بْنُ جُبَيْرَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِمَا مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِمَا، وَفِي لَفْظٍ وَمَحَجَّةِ الطَّرِيقِ بَدَلَ قَارِعَةٍ، وَهِيَ الطَّرِيقُ الْجَادَّةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي السَّفَرِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ كُلَّ طَرِيقٍ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مَوْضِعٌ مِنَ الْمَشْيِ فِيهِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ " الشَّرْحِ " لَا بَأْسَ بِطُرُقِ الْأَبْيَاتِ الْقَلِيلَةِ. 1 - تَنْبِيهٌ: أَسْطِحَةُ مَوَاضِعِ النَّهْيِ كَهِيَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ بِدَلِيلِ الْجُنُبِ يُمْنَعُ مِنَ اللُّبْثِ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ، وَيَحْنَثُ بِدُخُولِ سَطْحِ الدَّارِ إِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ إِلَى الْكُلِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُغْنِي " وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا أَنَّ الْأَسْطِحَةَ لَا يَكُونُ لَهَا حُكْمُ الْقَرَارِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " و " الشَّرْحِ " لِمَا ذَكَرْنَا، قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ: لَا سَطْحَ نَهْرٍ، لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ الصِّحَّةَ، كَالسَّفِينَةِ، قَالَ: وَلَوْ جَمُدَ الْمَاءُ فَكَالطَّرِيقِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمُ الصِّحَّةَ. (وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ إِلَيْهَا) مَعَ الْكَرَاهَةِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَجُزِمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (إِلَّا الْمَقْبَرَةَ) اخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ لِمَا رَوَى أَبُو مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا إِلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَالْحَشُّ فِي قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: وَحَمَّامٌ، وَشَرْطُهُ لَا حَائِلَ، وَلَوْ كَمُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ، وَظَاهِرُهُ لَيْسَ كَسُتْرَةِ صَلَاةٍ، فَيَكْفِي الْخَطُّ، بَلْ كَسُتْرَةِ الْمُتَخَلِّي، وَلَا يَضُرُّ بَعْدَ كَثِيرٍ عُرْفًا، وَعَنْهُ: لَا يَكْفِي حَائِطُ الْمَسْجِدِ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، لِكَرَاهَةِ السَّلَفِ الصَّلَاةَ فِي
ظَهْرِهَا، وَتَصِحُّ النَّافِلَةُ، إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا.. ـــــــــــــــــــــــــــــQمَسْجِدٍ فِي قِبْلَتِهِ حَشٌّ، وَتَأَوَّلَ ابْنُ عَقِيلٍ النَّصَّ عَلَى سَرَايَةِ النَّجَاسَةِ تَحْتَ مَقَامِ الْمُصَلِّي، وَاسْتَحْسَنَهُ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَعَنْهُ: لَا يُصَلَّى إِلَى ذَلِكَ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَإِنْ فَعَلَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِي الْإِعَادَةِ قَوْلَانِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْإِعَادَةَ عَلَى الْجَمِيعِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ خِلَافَهُ، قَالَ الْقَاضِي: يُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ سَائِرُ مَوَاضِعِ النَّهْيِ إِلَّا الْكَعْبَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ النَّهْيَ عِنْدَهُ تَعَبُّدٌ، وَشَرْطُهُ فَهْمُ الْمَعْنَى. تَذْنِيبٌ: مَا زَالَ اسْمُهُ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ زَالَ الْمَنْعُ مِنْهُ فِي الْأَشْهَرِ، وَالْمُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ بُنِيَ فِي مَقْبَرَةٍ، كَالْمُصَلِّي فِيهَا، لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَقْبَرَةً، لَكِنْ إِنْ حَدَثَ حَوْلَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَمْنَعِ الصَّلَاةَ فِيهِ، زَادَ فِي " الشَّرْحِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْ مَا حَدَثَ بَعْدَهُ، وَكَذَا إِنْ حَدَثَ فِي قِبْلَتِهِ فَهُوَ كَالْمُصَلِّي إِلَيْهَا. مَسْأَلَةٌ: تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي أَرْضِ السِّبَاخِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يُكْرَهُ كَأَرْضِ الْخَسْفِ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ، وَلَا تَصِحُّ فِي عَجَلَةٍ سَائِرَةٍ، وَلَا أُرْجُوحَةٍ تُحَرَّكُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِرِّ الْقَدَمَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ، كَمَا لَوْ سَجَدَ عَلَى بَعْضِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، وَتَرَكَ الْبَاقِيَ مُعَلَّقًا، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَقَدَّمَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهَا تَصِحُّ عَلَى الْعَجَلَةِ إِذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَالْمَرْبُوطُ فِي الْهَوَاءِ يُومِئُ. 1 - (وَلَا تَصِحُّ الْفَرِيضَةُ فِي الْكَعْبَةِ، وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] وَلِلْخَبَرِ. وَالْمُصَلِّي فِيهَا أَوْ عَلَيْهَا غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لِجِهَتِهَا، وَلِأَنَّ الْمُصَلِّيَ فِيهَا يَسْتَدْبِرُ مِنْهَا مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قِبْلَةً مَعَ الْقُدْرَةِ، وَذَلِكَ يُبْطِلُ الْفَرْضَ، وَالْمُصَلِّي عَلَيْهَا لَيْسَ مُصَلِّيًا، وَقَدْ
.. .... .... .... .. ـــــــــــــــــــــــــــــQأَمَرَ بِالصَّلَاةِ إِلَيْهَا، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى مُنْتَهَى الْكَعْبَةِ أَوْ يَقِفَ عَلَيْهِ أَوْ لَا، ذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَجَزَمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ عَلَى مُنْتَهَاهَا، بِحَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ مِنْهَا أَوْ قَامَ خَارِجَهَا وَسَجَدَ فِيهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ، لِأَنَّهُ اسْتَقْبَلَهُ، وَلَمْ يَسْتَدْبِرْ مِنْهُ شَيْئًا، كَمَا لَوْ صَلَّى إِلَى أَحَدِ أَرْكَانِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ بِخِلَافِهِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ كَمَنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِيهَا، وَعَنْهُ: مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَعَنْهُ: إِنْ جَهَلَ النَّهْيَ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ (وَتَصِحُّ النَّافِلَةُ) فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَلَيْهَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " و " الشَّرْحِ " لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيْتَ هُوَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لَا يُقَالُ: فَابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ يُصَلِّ فِيهَا، لِأَنَّهُ نَفْيٌ، وَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، خُصُوصًا مِمَّنْ كَانَ حَاضِرَ الْقِصَّةِ، وَلِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّخْفِيفِ وَالْمُسَامَحَةِ، بِدَلِيلِ صِحَّتِهَا قَاعِدًا، أَوْ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَفْلٌ فَوْقَهَا فِي الْأَصَحِّ، وَيَصِحُّ فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَاقْتَصَرَ جَمَاعَةٌ عَلَى الصِّحَّةِ هُنَا، وَشَرْطُهَا (إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا) لِيَكُونَ مُسْتَقْبِلًا بَعْضَهَا، فَعَلَى هَذَا لَوْ صَلَّى إِلَى جِهَةِ الْبَابِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهَا، وَلَا شَاخِصَ مُتَّصِلٌ بِهَا، لَمْ يَصِحَّ، وَذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " عَنِ الْأَصْحَابِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقْبَلٍ بِشَيْءٍ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاخِصًا، فَوَجْهَانِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ شَيْءٍ مِنْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ مَوْضِعِهَا وَهَوَائِهَا دُونَ حِيطَانِهَا، بِدَلِيلِ مَا لَوِ انْهَدَمَتْ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا تَصِحُّ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ فَإِنَّهُ أَعْلَى مِنْهَا، وَقِيلَ: لَا
[باب استقبال القبلة]
بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ الشَّرْطُ الْخَامِسُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ إِلَّا فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْهُ، وَالنَّافِلَةُ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQتَصِحُّ عَلَى ظَهْرِهَا، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ فِيهَا إِنْ نُقِضَ الْبِنَاءُ، وَصَلَّى إِلَى الْمَوْضِعِ، وَالْحِجْرُ مِنْهَا، نُصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَشَيْءٌ فَيَصِحُّ التَّوَجُّهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ: لَا، وَقَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي فِي الْمَكِّيِّ، وَيُسَنُّ النَّفْلُ فِيهِ، وَالْفَرْضُ كَدَاخِلِهَا فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ. مَسْأَلَةٌ: يُسْتَحَبُّ نَفْلُهُ فِيهَا، وَعَنْهُ: لَا، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: يُصَلِّي فِيهَا إِذَا دَخَلَ وَجَاهَةً، كَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ يَقُومُ كَمَا قَامَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَيْنَ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ. [بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ] [حُكْمُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ] بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: الْقِبْلَةُ الْوُجْهَةُ، وَهِيَ الْفِعْلَةُ مِنَ الْمُقَابَلَةِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: مَا لَهُ قِبْلَةٌ وَلَا دُبْرَةٌ، إِذَا لَمْ يَهْتَدِ لِجِهَةِ أَمْرِهِ، وَأَصْلُ الْقِبْلَةِ فِي اللُّغَةِ: الْحَالَةُ الَّتِي يُقَابِلُ الشَّيْءُ غَيْرَهُ عَلَيْهَا، كَالْجِلْسَةِ لِلْحَالِ الَّتِي يُجْلَسُ عَلَيْهَا، إِلَّا أَنَّهَا الْآنَ صَارَتْ كَالْعَلَمِ لِلْجِهَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُهَا الْمُصَلِّي، وَسُمِّيَتْ قِبْلَةً لِإِقْبَالِ النَّاسِ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُقَابِلُهَا، وَهِيَ تُقَابِلُهُ (وَهُوَ الشَّرْطُ الْخَامِسُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] قَالَ عَلِيٌّ: شَطْرَهُ قِبَلَهُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَتْ شِرْعَةُ التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْمَدِينَةِ بِالسُّنَّةِ أَوِ الْقُرْآنِ؛ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعِ، وَعِكْرِمَةَ أَنَّهُ كَانَ بِرَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِصَلَاتِهِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَسُئِلَ عَنْهَا ابْنُ عَقِيلٍ فَقَالَ: الْجَوَابُ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي خَيْثُمَةَ فِي " تَارِيخِهِ " أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ، وَهَلْ يَجُوزُ التَّنَفُّلُ لِلْمَاشِي؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQصَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَصَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْمَدِينَةِ (إِلَّا فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْهُ) كَالْمَرْبُوطِ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَالْمَصْلُوبِ وَنَحْوِهِمَا، لِأَنَّهُ شَرْطٌ عَجَزَ عَنْهُ فَسَقَطَ كَالْقِيَامِ، وَمِنْهُ: إِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ عِنْدَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ، وَيَأْتِي (وَالنَّافِلَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ) هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الْمَسَافَةِ، وَجَمْعُهُ أَسْفَارٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُسْفِرُ عَنْ أَخْلَاقِ الرِّجَالِ، قَالَهُ ثَعْلَبٌ (الطَّوِيلُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِكُلِّ مَنْ سَافَرَ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَلَى دَابَّتِهِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ (وَالْقَصِيرُ) هُوَ مُغْنٍ عَنِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ فِي الْقَصِيرِ جَازَ فِي الطَّوِيلِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] قَالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً، وَلِمَا رَوَى هُوَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلْبُخَارِيِّ إِلَّا الْفَرَائِضَ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ طَوِيلِ السَّفَرِ وَقَصِيرِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ فِي التَّطَوُّعِ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى تَقْلِيلِهِ أَوْ قَطْعِهِ، فَاسْتَوَيَا فِيهِ إِذَا كَانَ مُبَاحًا، زَادَ فِي " التَّلْخِيصِ " وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمَا: إِذَا كَانَ يَقْصِدُ جِهَةً مُعَيَّنَةً لَا مِنْ رَاكِبِ التَّعَاسِيفِ، وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهُوَ أَخْفَضُ مِنْ رُكُوعِهِ، هَذَا إِذَا كَانَ الرَّاكِبُ يَحْفَظُ نَفْسَهُ بِفَخْذَيْهِ وَسَاقَيْهِ كَرَاحِلَةِ الْقَتْبِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي الْهَوْدَجِ وَالْعَمَارِيَّةِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الِاسْتِقْبَالُ في جميعها وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ لَزِمَهُ كراكب السفينة، لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُشِقٍّ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ دُونَهُمَا لَزِمَهُ وَأَوْمَأَ بِهِمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الآمديُّ: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الرُّخْصَةَ الْعَامَّةَ يَسْتَوِي فِيهَا مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ الْمَشَقَّةُ وَغَيْرُهُ، كَالْقَصْرِ وَالْجَمْعِ، وَلَعَلَّهُ موافق لظاهر كَلَامه، وَيُعْتَبَرُ طَهَارَةُ مَحَلِّهِ نَحْوَ سَرْجٍ وَرِكَابٍ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَرْكُوبِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَعِيرًا أَوْ غَيْرَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْحَضَرِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَعَنْهُ: يَجُوزُ لِلسَّائِرِ الرَّاكِبِ خَارِجَ الْمِصْرِ، فَعَلَهُ أَنَسٌ، لِأَنَّهُ رَاكِبٌ أَشْبَهَ الْمُسَافِرَ. (وَهَلْ يَجُوزُ
افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَالْفَرْضُ فِي الْقِبْلَةِ إِصَابَةُ الْعَيْنِ لِمَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالتَّنَفُّلُ لِلْمَاشِي) فِي السَّفَرِ سَائِرًا (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، و" الْوَجِيزِ " لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي الرَّاكِبِ، وَالْمَاشِي بِخِلَافِهِ، لِأَنَّهُ يَأْتِي فِي الصَّلَاةِ بِمَشْيٍ مُتَتَابِعٍ وَعَمَلٍ كَثِيرٍ فَلَمْ يَصِحَّ الْإِلْحَاقُ، وَالثَّانِيَةُ: نَقَلَهَا الْمُثَنَّى بْنُ جَامِعٍ يَجُوزُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَفِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّ الصَّلَاةَ أُبِيحَتْ لِلرَّاكِبِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَنِ الْقَافِلَةِ فِي السَّفَرِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمَاشِي. فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَفْتَتِحَهَا إِلَى الْقِبْلَةِ إِذَا أَمْكَنَهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ بِالْأَرْضِ إِلَيْهِمَا لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ، وَيَفْعَلُ مَا سِوَى ذَلِكَ مَاشِيًا إِلَى جِهَةِ سَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُومِئُ بِهِمَا سَيْره، وَقِيلَ: مَا سِوَى الْقِيَامِ يَفْعَلُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ غَيْرَ مَاشٍ. (وَإِنْ أَمْكَنَهُ) أَيِ: الرَّاكِبَ (افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ) أَيْ: بِالْإِحْرَامِ (إِلَى الْقِبْلَةِ) بِالدَّابَّةِ أَوْ بِنَفْسِهِ كَرَاكِبِ رَاحِلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ تُطِيعُهُ (فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَلْزَمُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَنَقَلَهُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ الْمَذْهَبُ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا سَافَرَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وُجْهَةُ رِكَابِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ فَلَزِمَهُ، وكراكب السفينة، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَرَجَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الصَّلَاةِ أَشْبَهَ سَائِرَهَا، وَيُحْمَلُ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنُهُ اسْتِقْبَالُهَا بِهِ كَرَاكِبِ رَاحِلَةٍ لَا تُطِيعُهُ، أَوْ جَمَلٍ مَقْطُورٍ لَا يُمْكِنُهُ إِدَارَتُهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ، لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهُ، أَشْبَهَ الْخَائِفَ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِذَا أَمْكَنَهُ مِنْ غَيْرِ
قَرُبَ مِنْهَا، وَإِصَابَةُ الْجِهَةِ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهَا، فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِخَبَرٍ ثِقَةٍ عَنْ يَقِينٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَشَقَّةٍ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ كَسَفِينَةٍ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ، فَدَلَّ أَنَّهُ وِفَاقٌ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ، وَذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " رِوَايَةٌ لِلتَّسَاوِي فِي الرُّخَصِ الْعَامَّةِ فَدَلَّ أَنَّ السَّفِينَةَ كَذَلِكَ كَالْمِحَفَّةِ. تَذْنِيبٌ: إِذَا نَذَرَ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا جَازَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي قَوْلًا: لَا، فَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ مَنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ. 1 - فَرْعٌ: إِذَا عُذِرَ مَنْ عَدَلَتْ بِهِ دَابَّتُهُ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ، أَوْ عَدَلَ هُوَ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَطَالَ، بَطَلَتْ، وَقِيلَ: لَا، فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ كَسَاهٍ، وَإِنْ لَمْ يُعْذَرْ بِأَنْ عَدَلَتْ دَابَّتُهُ، وَأَمْكَنَهُ رَدُّهَا، أَوْ عَدَلَ إِلَى غَيْرِهَا مَعَ عِلْمِهِ، بَطَلَتْ، وَكَذَا إِنِ انْحَرَفَ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ فَصَارَ قَفَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ عَمْدًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَا انْحَرَفَ إِلَيْهِ جِهَةَ الْقِبْلَةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَإِنْ وَقَفَتْ دَابَّتُهُ تَعَبًا أَوْ مُنْتَظِرًا رُفْقَةً أَوْ لَمْ يَسِرْ كَسَيْرِهِمْ أَوْ نَوَى النُّزُولَ بِبَلَدٍ دَخَلَهُ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَإِنْ نَزَلَ فِي أَثْنَائِهَا نَزَلَ مُسْتَقْبِلًا وَأَتَمَّهَا، نُصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَامَ فِي أَثْنَائِهَا أَتَمَّ صَلَاةَ مُقِيمٍ، وَإِنْ رَكِبَ مَاشٍ فِيهَا أَتَمَّهَا، وَالْمُقَدَّمُ بُطْلَانُهَا. 1 - (وَالْفَرْضُ فِي الْقِبْلَةِ إِصَابَةُ الْعَيْنِ) أَيْ: عَيْنِ الْكَعْبَةِ (لِمَنْ قَرُبَ مِنْهَا) وَهُوَ مَنْ كَانَ مُعَايِنًا لَهَا، أَوْ نَاشِئًا بِمَكَّةَ، أَوْ كَثُرَ مَقَامُهُ فِيهَا، فَيَلْزَمُهُ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ عَنْهَا، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَى عَيْنِهَا قَطْعًا، فَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنْهُ وَالتَّوَجُّهُ إِلَيْهَا ظَنًّا، فَعَلَى هَذَا لَوْ خَرَجَ بِبَعْضِ بَدَنِهِ عَنْ مَسَامِتِهَا، لَمْ تَصِحَّ، وَقِيلَ: بَلَى فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَائِلٌ أَصْلِيٌّ مِنْ جَبَلٍ وَنَحْوِهِ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ التَّعْيِينُ، اجْتَهَدَ إِلَى عَيْنِهَا، وَعَنْهُ: أَوْ إِلَى جِهَتِهَا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ إِنْ تَعَذَّرَ فَكَبَعِيدٍ، وَلَا يَضُرُّ عُلُوٌّ عَلَيْهَا، وَلَا نُزُولٌ عَنْهَا إِذَا أَخْرَجَهُ ذَلِكَ عَنْ بِنَائِهَا، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَوْضِعِهَا، لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُهَا. تَنْبِيهٌ: حُكْمُ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فِي اسْتِقْبَالِ قِبْلَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُكْمُ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ، لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ، وَقَالَ صَاحِبُ " النَّظْمِ " وَكَذَا مَسْجِدُ الْكُوفَةِ لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، لَكِنْ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فِي قَوْلِ الْأَصْحَابِ نَظَرٌ، فَإِنَّ صَلَاةَ الصَّفِّ الْمُسْتَطِيلِ فِي مَسْجِدِهِ عَلَيْهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالسَّلَامُ صَحِيحَةٌ، مَعَ خُرُوجِ بَعْضِهِمْ عَنِ اسْتِقْبَالِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ، لِكَوْنِ الصَّفِّ أَطْوَلَ مِنْهَا، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ صَحِيحٌ لَكِنْ إِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ، وَقَدْ فَعَلَهُ (وَإِصَابَةُ الْجِهَةِ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهَا) جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " و" الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " و" الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَحَكَاهُ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الِاثْنَيْنِ الْمُتَبَاعِدَيْنِ يَسْتَقْبِلَانِ قِبْلَةً وَاحِدَةً، وَعَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ عَلَى خَطٍّ مُسْتَوٍ. لَا يُقَالُ: مَعَ الْبُعْدِ يَتَّسِعُ الْمُحَاذِي، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَّسِعُ مَعَ التَّقَوُّسِ، أَمَّا مَعَ عَدَمِهِ فَلَا، فَعَلَى هَذَا لَا يَضُرُّ التَّيَامُنُ وَالتَّيَاسُرُ فِي الْجِهَةِ، وَالْبَعِيدُ هُنَا مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمُعَايَنَةِ، وَلَا عَلَى مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ عِلْمٍ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ إِصَابَةُ عَيْنِهَا اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّهُ الْمَشْهُورُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] وَقِيَاسًا عَلَى الْقَرِيبِ، وَالْخَبَرِ الْأَوَّلِ: لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِ الْأَمْكِنَةِ بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِالْمَدِينَةِ وَمَا شَابَهَهَا، فَعَلَى هَذَا إِنْ تَيَامَنَ أَوْ تَيَاسَرَ بَطَلَتْ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " عَلَيْهَا: إِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ فَخَرَجَ بِوَجْهِهِ عَنِ الْقِبْلَةِ مُنِعَ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدُوسَ، وَجَعَلَاهُ فَائِدَةَ الْخِلَافِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ إِنَّمَا يَظْهَرُ فِي صُورَةٍ يَخْرُجُ فِيهَا الْمُصَلِّي عَنِ اسْتِقْبَالِ الْعَيْنِ إِلَى اسْتِقْبَالِ الْجِهَةِ، وَهَذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الْعَيْنِ إِلَى الْجِهَةِ، وَإِنَّمَا خَرَجَ وَجْهُهُ خَاصَّةً (فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ) أَيْ: مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ (بِخَبَرٍ ثِقَةٍ) عَدَلَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَقِيلَ: أَوْ مَسْتُورٌ أَوْ مُمَيَّزٌ (عَنْ يَقِينٍ) أَيْ: عَنْ عِلْمٍ لَزِمَهُ تَقْلِيدُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَيْسَ لَهُ الِاجْتِهَادُ كَالْحَاكِمِ يَقْبَلُ النَّصَّ مِنَ الثِّقَةِ، وَلَا يَجْتَهِدُ، وَقَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": الْقَادِرُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ لَيْسَ لَهُ مُتَابَعَةُ
[من اشتبهت عليه القبلة في السفر]
أَوِ اسْتِدْلَالٍ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ وَجَدَ مَحَارِيبَ لَا يَعْلَمُ: هَلْ هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ لَا؛ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا وَإِنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ، اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُخْبِرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ خَبَرَ فَاسِقٍ، لَكِنْ يَصِحُّ التَّوَجُّهُ إِلَى قِبْلَتِهِ فِي بَيْتِهِ، فَلَوْ شَكَّ فِي حَالِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ شَكَّ فِي إِسْلَامِهِ فَلَا، وَأَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَهُ عَنِ اجْتِهَادٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَقِيلَ: أَوْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ قَلَّدَهُ، وَفِي " التَّمْهِيدِ " يُصَلِّيهَا عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، ثُمَّ يُعِيدُ إِذَا قَدَرَ، فَلَا ضَرُورَةَ إِلَى التَّقْلِيدِ، كَعَادِمِ الطَّهُورَيْنِ يُصَلِّي وَيُعِيدُ، وَيَلْزَمُهُ السُّؤَالُ، فَظَاهِرُهُ يَقْصِدُ الْمَنْزِلَ فِي اللَّيْلِ لِيَسْتَخْبِرَ (أَوِ اسْتِدْلَالٌ بِمَحَارِيبَ) وَاحِدُهَا مِحْرَابٌ، وَهُوَ صَدْرُ الْمَجْلِسِ، وَمِنْهُ مِحْرَابُ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ الْغُرْفَةُ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: لَا يَكُونُ مِحْرَابًا إِلَّا أَنْ يَرْتَقِيَ إِلَيْهِ بِدَرَجٍ (الْمُسْلِمِينَ) عُدُولًا كَانُوا أَوْ فُسَّاقًا (لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ) إِذَا عَلَّمَهَا لَهُمْ، لِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَيْهَا مَعَ تَكَرُّرِ الْأَعْصَارِ إِجْمَاعٌ عَلَيْهَا، وَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا، وَعَنْهُ: يَجْتَهِدُ فَإِنْ أَخْطَأَ فَوَجْهَانِ، وَعَنْهُ: وَلَوْ بِالْمَدِينَةِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَلَا يَنْحَرِفُ لِأَنَّ دَوَامَ التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ كَالْقَطْعِ كَالْحَرَمَيْنِ (وَإِنْ وَجَدَ مَحَارِيبَ) بِبَلَدٍ خَرَابٍ (لَا يَعْلَمُ هَلْ هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ لَا؛ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا) لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهَا، لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا آثَارُ الْإِسْلَامِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْبَانِي مُشْرِكًا عَمِلَهَا لِيَغُرَّ بِهَا الْمُسْلِمِينَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهَا لِلْكُفَّارِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ، لِأَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ، فَمَحَارِيبُهُمْ أَوْلَى، وَفِي " الْمُغْنِي " إِذَا عُلِمَتْ قِبْلَتُهُمْ كَالنَّصَارَى إِذَا رَأَى مَحَارِيبَهُمْ فِي كَنَائِسِهِمْ عَلِمَ أَنَّهَا مُسْتَقْبِلَةً لِلْمَشْرِقِ. [مَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فِي السَّفَرِ] (وَإِنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ) وَلَمْ يُمْكِنْهُ مَعْرِفَتُهَا (اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهَا) لِأَنَّ مَا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ عِنْدَ وُجُودِهِ وَجَبَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ عِنْدَ خَفَائِهِ كَالْحُكْمِ فِي الْحَادِثَةِ، وَالْمُجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ هُوَ الْعَالِمُ بِأَدِلَّتِهَا، لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ أَدِلَّةَ شَيْءٍ كَانَ مُجْتَهِدًا فِيهِ، وَالْجَاهِلُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ أَدِلَّتَهَا وَإِنْ كَانَ فَقِيهًا، وَكَذَا الْأَعْمَى فَهَذَانِ فَرَضَهُمَا التَّقْلِيدُ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ السَّفَرَ تَعَلُّمُ ذَلِكَ، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ، لِأَنَّ جِهَةَ الْقِبْلَةِ مِمَّا يَنْدُرُ الْتِبَاسُهُ، وَالْمُكَلَّفُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ مَا يَعُمُّ لَا مَا يَنْدُرُ (بِالدَّلَائِلِ) جَمْعُ دَلِيلٍ، وَهُوَ أُمُورٌ مِنْهَا: النُّجُومُ قَالَ اللَّهُ
بِالدَّلَائِلِ، وَأَثْبَتَهَا الْقُطْبُ، فَإِذَا جَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ، وَالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَمَنَازِلِهِمَا، وَمَا يَقْتَرِنُ بِهَا، كُلُّهَا تَطْلُعُ مِنَ الشَّرْقِ، وَتَغْرُبُ فِي الْغَرْبِ عَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَعَالَى {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] (وَأَثْبَتُهَا الْقُطْبُ) لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ عَنْ مَكَانِهِ إِلَّا قَلِيلًا، وَيُمْكِنُ كُلَّ أَحَدٍ مَعْرِفَتُهُ، قَالَ جَمَاعَةٌ: وَأَصَحُّهَا وَأَقْوَاهَا الْقُطْبُ بِتَثْلِيثِ الْقَافِ، حَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ، وَهُوَ نَجْمٌ خَفِيٌّ شَمَالِيٌّ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ أَنَّهُ الْجَدْيُ، وَحَوْلَهُ أَنْجُمٌ دَائِرَةٌ كَفَرَاشَةِ الرَّحَى، فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا الْجَدْيُ، وَالْآخَرُ الْفَرْقَدَانِ، وَبَيْنَ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَنْجُمٍ مِنْ فَوْقَ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَسْفَلَ، تَدُورُ هَذِهِ الْفَرَاشَةُ حَوْلَ الْقُطْبِ دَوَرَانَ فَرَاشَةِ الرَّحَى حَوْلَ سَفُّودِهَا، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دَوْرَةً، وَعَلَيْهِ تَدُورُ بَنَاتُ نَعْشٍ، وَهِيَ سَبْعَةُ أَنَجُمٍ مُتَفَرِّقَةٍ مُضِيئَةٍ مِمَّا تَلِي الْفَرْقَدَيْنِ، وَهُوَ خَفِيٌّ جِدًّا يَرَاهُ حَدِيدُ النَّظَرِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْقَمَرُ طَالِعًا (فَإِذَا جَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ) بِالشَّامِ، وَالْعِرَاقِ، وَالْجَزِيرَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ ثِقَاتٌ عَنْ يَقِينٍ، وَقِيلَ: يَنْحَرِفُ فِي الشَّامِ إِلَى الشَّرْقِ قَلِيلًا، وَبِالْعِرَاقِ يَجْعَلُهُ حِذَاءَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى عَلَى عُلُوِّهَا، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ إِذَا جَعَلَ الْقُطْبَ أَوِ الْجَدْيَ أَوِ الْفَرْقَدَيْنِ أَوْ بَنَاتِ نَعْشٍ وَرَاءَهُ فَقَدِ اسْتَقْبَلَهَا فِيمَا ذَكَرْنَا، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يَجْتَهِدُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ. (وَالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَمَنَازِلِهِمَا، وَمَا يَقْتَرِنُ بِهَا، وَيُقَارِبُهَا كُلَّهَا تَطْلُعُ مِنَ الشَّرْقِ، وَتَغْرُبُ فِي الْغَرْبِ عَنْ يَمِينِ الْمُصَلِّي) وَذَلِكَ مَعْلُومٌ، لَكِنَّ الشَّمْسَ تَخْتَلِفُ مَطَالِعُهَا وَمَغَارِبُهَا عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ مَنَازِلِهَا، فَتَطْلُعُ قُرْبَ الْجَنُوبِ شِتَاءً، وَقُرْبَ الصَبَا صَيْفًا، وَهِيَ فِي الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ كَمَا ذَكَرَهُ، وَالْقَمَرُ يَبْدُو أَوَّلَ لَيْلَةٍ هِلَالًا فِي الْمَغْرِبِ عَنْ يَمِينِ الْمُصَلِّي، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ كُلَّ لَيْلَةٍ مَنْزِلًا حَتَّى يَكُونَ فِي السَّابِعِ وَقْتُ الْمَغْرِبِ فِي قِبْلَةٍ يُصَلِّي مَائِلًا عَنْهَا قَلِيلًا إِلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ يطلع لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الْمَشْرِقِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بَدْرًا فَيَكُونُ مُرَادُهُ عِنْدَ التَّكَامُلِ، وَلَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ يَكُونُ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا وَقْتَ الْفَجْرِ، وَلَيْلَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ يَبْدُو عِنْدَ الْفَجْرِ كَالْهِلَالِ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَتَخْتَلِفُ مَطَالِعُهُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ مَنَازِلِهِ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلًا، يَنْزِلُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَاحِدًا مِنْهَا، وَالشَّمْسُ تَنْزِلُ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ مِنْهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ عَوْدُهَا إِلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلٍ كَامِلٍ مِنْ أَحْوَالِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، فَالْمَنَازِلُ مِنْهَا مَا بَيْنَ طُلُوعِهَا إِلَى
يَمِينِ الْمُصَلِّي، وَالرِّيَاحُ الْجَنُوبُ تَهُبُّ، مُسْتَقْبِلَةً لِبَطْنِ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْيُسْرَى مَارَّةً إِلَى يَمِينِهِ، وَالشَّمَالُ مُقَابِلَتُهَا تَهُبُّ إِلَى مَهَبِّ الْجَنُوبِ، وَالدَّبُورُ تَهُبُّ مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنِ، وَالصَبَا مُقَابِلَتُهَا تَهُبُّ إِلَى مَهَبِّهَا فَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ، لَمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQغُرُوبِهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَنْزِلًا، وَمِنْ غُرُوبِهَا إِلَى طُلُوعِهَا كَذَلِكَ، فَوَقْتُ الْفَجْرِ مِنْهَا مَنْزِلَانِ، وَالْمَغْرِبُ مَنْزِلٌ، وَهُوَ نِصْفُ سَوَادِ اللَّيْلِ، وَسَوَادُ اللَّيْلِ اثْنَا عَشَرَ مَنْزِلًا (وَالرِّيَاحُ) وَأُمَّهَاتُهَا أَرْبَعٌ، لَكِنْ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الِاسْتِدْلَالُ بِهَا ضَعِيفٌ (الْجَنُوبُ تَهُبُّ مُسْتَقْبِلَةً لِبَطْنِ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْيُسْرَى مَارَّةً إِلَى يَمِينِهِ) فِي الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْقِبْلَةِ، فَإِذَا اسْتَقْبَلَهَا الْمُصَلِّي كَانَتِ الْقِبْلَةُ بِالْعِرَاقِ عَنْ يَمِينِهِ، وَالْمَشْرِقُ عَلَى يَسَارِهِ، وَفِي الشَّامِ مِنْ مَطْلَعِ سُهَيْلٍ إِلَى مَطْلَعِ الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ (وَالشَّمَالِ مُقَابِلَتُهَا) تَهُبُّ مِنْ ظَهْرِ الْمُصَلِّي، لِأَنَّ مَهَبَّهَا مِنَ الْقُطْبِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ فِي الصَّيْفِ (تَهُبُّ إِلَى مَهَبِّ الْجَنُوبِ) ، فَإِذَا اسْتَقْبَلَهَا يَكُونُ عَلَى يَمِينِهِ، وَالْمَغْرِبُ عَلَى يَسَارِهِ (وَالدَّبُورُ تَهُبُّ مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنَ) مِنَ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْمَغْرِبِ، فَإِذَا اسْتَقْبَلَهَا يَكُونُ الْقُطْبُ عَلَى يَسَارِهِ، وَالْمَشْرِقُ عَلَى يَمِينِهِ (وَالصَّبَا مُقَابِلَتُهَا تَهُبُّ إِلَى مَهَبِّهَا) فَهِيَ تَهُبُّ يَسْرَةَ الْمُتَوَجِّهِ إِلَى قِبْلَةِ الشَّامِ، لِأَنَّ مَهَبَّهَا مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ فِي الصَّيْفِ إِلَى مَطْلَعِ الْعَيُوقِ، فَإِذَا اسْتَقْبَلَهَا كَانَتِ الْقِبْلَةُ بِالْعِرَاقِ عَلَى يَسَارِهِ، وَالْمَغْرِبُ عَلَى يَمِينِهِ، وَتُسَمَّى الْقَبُولَ، لِأَنَّ بَابَ الْكَعْبَةِ، وَعَادَةً أَبْوَابُ الْعَرَبِ إِلَى مَطْلَعِ الشَّمْسِ فَتُقَابِلُهُمْ، وَبَقِيَّةُ الرِّيَاحِ عَنْ جُنُوبِهِمْ، وَشَمَائِلِهِمْ، وَمِنْ وَرَائِهِمْ. 1 - فَوَائِدُ: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُسْتَدَلُّ بِالْأَنْهَارِ الْكِبَارِ غَيْرِ الْمُحَدَّدَةِ، فَكُلُّهَا بِخِلْقَةِ الْأَصْلِ تَجْرِي مِنْ مَهَبِّ الشَّمَالِ مِنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي إِلَى يَسْرَتِهِ عَلَى انْحِرَافٍ قَلِيلٍ إِلَّا نَهْرَيْنِ أَحَدُهُمَا بِخُرَاسَانَ، وَيُسَمَّى الْمَقْلُوبَ، وَالْآخَرُ بِالشَّامِ، وَيُسَمَّى الْعَاصِي، فَإِنَّهُمَا يَجْرِيَانِ عَكْسَ ذَلِكَ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهَذَا لَا يَنْضَبِطُ، لِأَنَّ الْأُرْدُنَّ بِالشَّامِ يَجْرِي نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا يَجْرِي نَحْوَ الْبَحْرِ يَصُبُّ فِيهِ. وَبِالْجِبَالِ، فَإِنَّ غَالِبَ وُجُوهِهَا إِلَى الْقِبْلَةِ خَلْفَهُ يَعْرِفُهُ أَهْلُهُ، وَبِالْمَجَرَّةِ فِي السَّمَاءِ، وَهِيَ أَوَّلُ اللَّيْلِ مُمْتَدَّةٌ عَلَى كَتِفِ الْمُصَلِّي الْأَيْسَرِ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَفِي آخِرِهِ عَلَى الْأَيْمَنِ فِي الصَّيْفِ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَا فِيهِ نَظَرٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهَا الْأَكْثَرُ مِنْهُمُ الْمُؤَلِّفُ. 1 - مَسْأَلَةٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَدِلَّةَ الْقِبْلَةِ وَالْوَقْتِ، وَيَتَوَجَّهُ وُجُوبُهُ، فَإِنْ دَخَلَ الْوَقْتُ،
[إذا اختلف اجتهاد رجلين]
يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَيَتْبَعُ الْجَاهِلُ وَالْأَعْمَى أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ، وَإِذَا صَلَّى الْبَصِيرُ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQوَخَفِيَتْ عَلَيْهِ لَزِمَهُ قَوْلًا وَاحِدًا لِقِصَرِ زَمَنِهِ، وَيُقَلَّدُ لِضِيقِ الْوَقْتِ، لِأَنَّ الْقِبْلَةَ يَجُوزُ تَرْكُهَا لِلضَّرُورَةِ، وَهِيَ شِدَّةُ الْخَوْفِ، وَلَا يُعِيدُ، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ، وَالْأَعْمَى يُقَلِّدُ فِيهِ، وَلَهُ الْعلم بِلَمْسِ مِحْرَابٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ قَلَّدَ غَيْرَهُ، ثُمَّ أَبْصَرَ فِي الصَّلَاةِ، وَفَرْضُهُ قَبُولُ الْخَبَرِ أَتَمَّهَا، وَكَذَا إِنْ كَانَ فَرْضُهُ الِاجْتِهَادَ، وَرَأَى مَا يَدُلُّ عَلَى صَوَابِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرَ شَيْئًا، أَوْ كَانَ قَلَّدَ غَيْرَهُ لِعَمَاهُ بَطَلَتْ فِي الْأَشْهَرِ، وَمَنْ صَلَّى بِاجْتِهَادٍ أَوْ بِيَقِينٍ، ثُمَّ عَمِيَ فِيهَا، بَنَى فَقَطْ. [إِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ] (فَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) لِأَنَّ فَرْضَ كُلِّ وَاحِدٍ مَا يُؤَدِّي إِلَى اجْتِهَادِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ، كَالْعَالِمَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي الْحَادِثَةِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ اخْتِلَافِهِمَا فِي جِهَتَيْنِ أَوْ جِهَةٍ، وَالْأَوَّلُ: الْمَذْهَبُ، وَالثَّانِي: قُوَيْلٌ. وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِظَنِّهِ خَطَأَهُ بِإِجْمَاعٍ، وَذُكِرَ فِي " الْمُغْنِي " أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِي جِهَتَيْنِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صَلَاةِ الْآخَرِ، وَأَنَّ فَرْضَهُ التَّوَجُّهُ إِلَى مَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَمْنَعِ الِاقْتِدَاءَ بِهِ، كَالْمُصَلِّينَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ فَقَطْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَصِحُّ ائْتِمَامُهُ بِهِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ حَالَهُ، فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي جِهَةٍ، فَتَيَامَنَ أَحَدُهُمَا أَوْ تَيَاسَرَ الْآخَرُ، وَفِي صِحَّةِ اقْتِدَاءِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَجْهَانِ، ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْجِهَةِ الْوَاجِبِ اسْتِقْبَالُهَا، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ كَالْحَاكِمِ لَيْسَ لَهُ تَقْلِيدُهُ غَيْرَهُ، وَكَمَا لَوْ كَانَ مُتَّسَعًا، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّلْخِيصِ " وَذَكَرَهُ الْقَاضِي ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، لِأَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ هُوَ فِي مَدِينَةٍ فَتَحَرَّى فَصَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ فِي بَيْتٍ بَعِيدٍ، لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ، وَرَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّ مُقْتَضَاهُ الْمَنْعُ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْمِصْرِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّوَصُّلُ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ عَنْ يَقِينٍ، فَإِنِ اتَّفَقَ اجْتِهَادُهُمَا فَائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، فَمَنْ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ انْحَرَفَ وَأَتَمَّ، وَيَنْوِي الْمَأْمُومُ الْمُفَارَقَةَ لِلْعُذْرِ وَيُتِمُّ، وَيَتْبَعُهُ مَنْ قَلَّدَهُ فِي الْأَصَحِّ. 1 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQتَنْبِيهٌ: إِذَا صَلَّى بِلَا اجْتِهَادٍ، وَلَا تَقْلِيدٍ أَوْ ظَنَّ جِهَةً بِاجْتِهَادِهِ فَخَالَفَهَا أَعَادَ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْأَمْرَانِ لِخَفَاءِ الْأَدِلَّةِ أَوْ عَدَمِ مَنْ يُقَلِّدُهُ لِجَهْلِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِتَحَرٍّ فِي الْأَشْهَرِ، وَإِنْ صَلَّى بِلَا تَحَرٍّ أَعَادَ، وَعَنْهُ: يُعِيدُ إِنْ تَعَذَّرَ التَّحَرِّي، وَقِيلَ: وَيُعِيدُ فِي الْكُلِّ إِنْ أَخْطَأَ، وَإِلَّا فَلَا. 1 - (وَيَتَّبِعُ الْجَاهِلُ وَالْأَعْمَى) وُجُوبًا (أَوْثَقُهُمَا فِي نَفْسِهِ) ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " و" الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَعْلَمُهُمَا عِنْدَهُ، وَأَصْدَقُهُمَا قَوْلًا، وَأَشَدُّهُمَا تَحَرِّيًا لِدِينِهِ، لِأَنَّ الصَّوَابَ إِلَيْهِ أَقْرَبُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا قَلَّدَ الْمَفْضُولَ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ "، وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ يَتْرُكُ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ الصَّوَابُ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْمُجْتَهِدِ ترك اجتهاده، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ. فَعَلَى هَذَا لَهُ تَقْلِيدُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ الْأَوْلَى كَمَا لَوِ اسْتَوَيَا، وَكَعَامِّيٍّ فِي الْفُتْيَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا عِبْرَةَ بِظَنِّهِ، فَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِصَابَةُ الْمَفْضُولِ لَمْ يَمْنَعْهُ من تَقْلِيد الْفَاضِلِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَدْيَنَ، وَالْآخَرُ أَعْلَمَ، فَوَجْهَانِ، فَلَوْ تَسَاوَيَا، فَمَنْ شَاءَ، وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ: إِنِ اخْتَلَفَا فَإِلَى الْجِهَتَيْنِ. تَذْنِيبٌ: إِذَا قَلَّدَ اثْنَيْنِ لَمْ يَرْجِعْ بِرُجُوعِ أَحَدِهِمَا، لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا بِظَاهِرٍ فَلَا يَزُولُ إِلَّا بِمِثْلِهِ، وَالْمُقَلِّدُ إِذَا أُخْبِرَ فِيهَا بِالْخَطَأِ عَنْ يَقِينٍ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ الَّذِي قَلَّدَهُ، فَالْجَاهِلُ وَالْأَعْمَى أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ عَنِ اجْتِهَادٍ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ، لِأَنَّهُ شَرَعَ فِيهَا بِدَلِيلٍ يَقِينًا فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّ الثَّانِيَ إِنْ كَانَ أَوْثَقَ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقُلْنَا: يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُ الْأَفْضَلِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلٍ كَالْمُجْتَهِدِ إِذا تغير اجتهاده فِي أَثْنَائِهَا. 1 -
حَضَرٍ، فَأَخْطَأَ، أَوْ صَلَّى الْأَعْمَى بِلَا دَلِيلٍ، أَعَادَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْأَعْمَى مَنْ يُقَلِّدُهُ صَلَّى، وَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ أَخْطَأَ أَعَادَ، وَإِنْ أَصَابَ فَعَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَإِذَا صَلَّى الْبَصِيرُ فِي حَضَرٍ فَأَخْطَأَ) أَعَادَ، ذَكَرَهُ مُعْظَمُهُمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِتَفْرِيطٍ، لِأَنَّ الْحَضَرَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاجْتِهَادِ، لِقُدْرَةِ مَنْ فِيهِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا فَرْقَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ بِاجْتِهَادٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَعَنْهُ: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِذَا صَلَّى بِاجْتِهَادٍ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ " لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَخَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ كَالْمُصِيبِ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَضِيَّةِ أَهْلِ قُبَاءَ، وَفِي ثَالِثَةٍ: مَا لَمْ يُحِطْ جَزْمًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَكِّيَّ كَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَأَنَّهُ لَا يُعِيدُ مَعَ الْإِصَابَةِ، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا إِلَى الْقِبْلَةِ، وَقَدْ وُحِّدَتْ، وَقِيلَ: يُعِيدُ، لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرْضَهُ، وَهُوَ السُّؤَالُ، فَإِذَا أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ عَدْلٌ فِي الْحَضَرِ بِالْقِبْلَةِ فَصَلَّى إِلَيْهَا، وَبَانَ خَطَؤُهُ أَعَادَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِمَا، لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ خَبَرَهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِ مَا إِذَا كَانَ مَحْبُوسًا فِيهِ، وَلَا يَجِدُ مَنْ يُخْبِرُهُ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالتَّحَرِّي، وَلَا يُعِيدُ، قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، أَشْبَهَ الْمُسَافِرَ (أَوْ صَلَّى الْأَعْمَى بِلَا دَلِيلٍ، أَعَادَا) كَتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ فِي الْحَضَرِ بِمَنْزِلَةِ الْبَصِيرِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَضَرِ، وَلَمْسِ الْمَحَارِيبِ، وَيُعْلَمُ أَيْضًا بِأَنَّ بَابَ الْمَسْجِدِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَغَيْرِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعِيدُ وَلَوْ أَصَابَ، لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرْضَهُ مَعَ أَنَّهُ يَغْلُبُ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ إِصَابَتِهِ، وَفِيهِ وَجْهُ أَنَّهُ يُعِيدُ مَعَ الْخَطَأِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْأَعْمَى) وَالْمُقَلِّدُ فِي السَّفَرِ (مَنْ يُقَلِّدُهُ) تَحَرَّى، فَإِنْ صَلَّى بِدُونِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ قَضَى، وَقِيلَ: إِنْ أَخْطَأَ، فَإِنَّ عَدَمَ التَّحَرِّي (صَلَّى) عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُصَلِّ لَأَدَّى إِلَى خُلُوِّ الْوَقْتِ عَنْ صَلَاةٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، كَعَادِمِ الطَّهُورَيْنِ (وَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ) وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، إِحْدَاهُمَا: يُعِيدُ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، لِأَنَّهُ صَلَّى
وَجْهَيْنِ، وَمَنْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَرَادَ صَلَاةً أُخْرَى، اجْتَهَدَ لَهَا، فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، عَمِلَ بِالثَّانِي، وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQبِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَعَادِمٌ لِلدَّلِيلِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ أَخْطَأَ أَعَادَ) لِفَوَاتِ الشَّرْطِ، وَهُوَ عَدَمُ الْإِصَابَةِ، وَالصَّلَاةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ (وَإِنْ أَصَابَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَا يُعِيدُ، لِأَنَّهُ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فِيهَا، وَهُوَ إِنْ كَانَ فَرْضُهُ السُّؤَالَ فَقَدْ سَقَطَ بِعَدَمِ الْمَسْئُولِ، وَالثَّانِي: بَلَى، لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي الْوَقْتِ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْخَلَلِ اسْتِدْرَاكًا لِمَا حَصَلَ. 1 - (وَمَنْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ) ثُمَّ شَكَّ فِي اجْتِهَادِهِ، لَمْ يَلْتَفِتْ، وَبَنَى، لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا بِظَاهِرٍ، فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وَكَذَا إِنْ زَالَ ظَنُّهُ، وَلَمْ يُبَيَّنْ لَهُ الْخَطَأُ، وَلَا ظَهَرَ لَهُ جِهَةٌ أُخْرَى (ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ؛ فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا عَلَى حِيَالِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَ {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] » رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ عَجَزَ عَنْهُ أَشْبَهَ سَائِرَ الشُّرُوطِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْأَدِلَّةِ ظَاهِرَةً فَاشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ، أَوْ مَسْتُورَةً بِغَيْمٍ أَوْ مَا يَسْتُرُهَا عَنْهُ، وَكَذَا إِذَا قَلَّدَ فَأَخْطَأَ مُقَلِّدُهُ (فَإِنْ أَرَادَ صَلَاةً أُخْرَى اجْتَهَدَ لَهَا) لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ فَتَسْتَدْعِي طَلَبًا جَدِيدًا، كَطَلَبِ الْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ، وَكَالْحَادِثَةِ فِي الْأَصَحِّ فِيهَا كَمُفْتٍ وَمُسْتَفْتٍ، وَأَلْزَمُهُ فِيهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَأَبُو الْوَفَاءِ إِنْ لَمْ يَذْكُرْ طَرِيقَ الِاجْتِهَادِ (فَإِنْ تغير اجتهاده عَمِلَ بِالثَّانِي) أَيْ: بالآخر، لِأَنَّهُ تَرَجَّحَ فِي ظَنِّهِ، وَالْعَمَلُ بِهِ وَاجِبٌ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ فِي صَلَاةٍ فَإِنَّهُ يَبْنِي نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، لِقِصَّةِ أَهْلِ قُبَاءَ، وَالصَّلَاةُ
[باب النية]
بَابُ النِّيَّةِ وَهِيَ الشَّرْطُ السَّادِسُ لِلصَّلَاةِ، عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَيَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ بِعَيْنِهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQتَتَّسِعُ لِاجْتِهَادَيْنِ لِطُولِهَا، بِخِلَافِ حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَعَنْهُ: تَبْطُلُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يَلْزَمُهُ جِهَتُهُ الْأَوَّلِيَّةُ لِئَلَّا يُنْقَضَ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ (وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ) لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ لَكَانَ نَقْضًا لِلِاجْتِهَادِ بِمِثْلِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لِعَدَمِ تَنَاهِيهِ، وَكَالْحَاكِمِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. فَرْعٌ: إِذَا ظَنَّ الْخَطَأَ فِيهَا بَطَلَتْ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إِنْ بَانَ لَهُ صِحَّةُ مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَطُلْ زَمَنُهُ اسْتَمَرَّ، وَصَحَّتْ، وَإِنْ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ فِيهَا بَنَى، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ، أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَرْكُهَا، وَلِأَنَّ مَا مَضَى مِنْهَا كَانَ صَحِيحًا، فَجَازَ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَخْبَرَ فِيهَا بِالْخَطَأِ يَقِينًا لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُهُ، فَكَمَنَ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُ عَلَى مَنْصُوصِهِ فِي الثِّيَابِ الْمُشْتَبِهَةِ وُجُوبَ الصَّلَاةِ إِلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [بَابُ النِّيَّةِ] [تَعْرِيفُ النِّيَّةِ وَحُكْمُهَا] بَابُ النِّيَّةِ. النِّيَّةُ مُشَدَّدَةٌ، وَحُكِيَ فِيهَا التَّخْفِيفُ يُقَالُ نَوَيْتُ نِيَّةً وَنَوَاةً، وَأَنْوَيَتُ كَنَوَيْتُ، قَالَهُ الزُّجَاجُ، وَانْتَوَيْتُ كَذَلِكَ، حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ، وَهُوَ عَزْمُ الْقَلْبِ عَلَى الشَّيْءِ، يُقَالُ: نَوَاكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ أَيْ: قَصَدَكَ بِهِ. وَفِي الشَّرْعِ: الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ، وَالتَّلَفُّظُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، إِذِ الْغَرَضُ جَعْلُ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِالنِّيَّةِ، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَلْفِظَ بِمَا نَوَاهُ، وَإِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلى غير مَا نَوَاهُ لَمْ يَضُرَّ، فَإِنْ تَلَفَّظَ بِمَا نَوَاهُ كَانَ تَأْكِيدًا ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ". (وَهِيَ الشَّرْطُ السَّادِسُ لِلصَّلَاةِ) أَيْ: لَا تَصِحُّ إِلَّا بِهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
إِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، وَإِلَّا أَجْزَأَتْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ. وَهَلْ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ فِي الْفَائِتَةِ، وَنِيَّةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] وَالْإِخْلَاصُ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ بِعَمَلِهِ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَلِأَنَّهَا قِرْبَةٌ مَحْضَةٌ فَاشْتُرِطَتْ لَهَا النِّيَّةُ كَالصَّوْمِ، وَقِيلَ: فَرْضٌ، وَقِيلَ: رُكْنٌ. وَعَدَّهَا فِي " التَّلْخِيصِ " مَعَ الْأَرْكَانِ لِاتِّصَالِهَا بِهَا، وَإِلَّا فَهِيَ بِالشُّرُوطِ أَشْبَهُ، وَقَالَ سَيِّدُنَا الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: هِيَ قَبْلَ الصَّلَاةِ شَرْطٌ، وَفِيهَا رُكْنٌ، قَالَ صَاحِبُ " النَّظْمِ ": فَيَلْزَمُ فِي بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ مِثْلُهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ (عَلَى كُلِّ حَالٍ) أَيْ: لَا تَسْقُطُ بِوَجْهٍ، فَهِيَ شَرْطٌ مَعَ الْعِلْمِ، وَالْجَهْلِ، وَالذِّكْرِ، وَالنِّسْيَانِ، وَغَيْرِهَا. (وَيَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ بِعَيْنِهَا إِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً) فَرْضًا كَانَتْ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَوْ نَفْلًا كَالْوِتْرِ وَالسُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ وَنَحْوِهَا، نُصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، فَيَلْزَمُهُ نِيَّةُ الْفِعْلِ وَالتَّعْيِينِ لِتَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهَا، وَقِيلَ: نِيَّةُ الْفَرْضِ تُغْنِي عَنْ تَعْيِينِهِ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَقِيلَ: إِذَا نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ فِيهِ، أَوْ مَا عَلَيْهِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ جَهِلَهَا صَحَّ وَكَفَى، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقِيلَ: يَكْفِي نِيَّةُ الصَّلَاةِ فِي نَفْلٍ مُعَيَّنٍ، ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ (وَإِلَّا أَجْزَأَتْهُ نِيَّةُ) مُطْلَقِ (الصَّلَاةِ) إِذَا كَانَتْ نَافِلَةً مُطْلَقَةً كَصَلَاةِ اللَّيْلِ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ فِيهَا (وَهَلْ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ فِي الْفَائِتَةِ، وَنِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْفَرْضِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) قِيلَ: هُمَا رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ، جَزَمَ بِهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ، لِأَنَّ التَّعْيِينَ يُغْنِي عَنْهَا، لِكَوْنِ الظُّهْرِ لَا يَقَعُ مِنَ الْمُكَلَّفِ إِلَّا فَرْضًا، كَمَا أَغْنَى عَنْ نِيَّةِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَالثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِيَتَمَيَّزَ عَنْ ظُهْرِ الصَّبِيِّ، وَعَنِ الْمُعَادَةِ. فَعَلَى هَذَا يُحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ الْفِعْلِ، وَالتَّعْيِينِ، وَالْفَرْضِيَّةِ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْأَدَاءِ فِي الْحَاضِرَةِ، وَيَصِحُّ الْقَضَاءُ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ، وَعَكْسُهُ إِذَا بَانَ خِلَافُ ظَنِّهِ، ذَكَرَهُ
[النية تكون عند تكبيرة الإحرام]
الْفَرْضِيَّةِ فِي الْفَرْضِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ وَيَأْتِي بِالنِّيَّةِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ تَقَدَّمَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَصْحَابُ، قَالُوا: وَلَا يَصِحُّ الْقَضَاءُ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ، وَعَكْسِهِ أَيْ: مَعَ الْعِلْمِ. وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إِضَافَةُ الْفِعْلِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمَا، وَكَذَا فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ فِي قَوْلِ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ: الْأَشْبَهُ اشْتِرَاطُهُ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِيمَا يُقْصَدُ لِعَيْنِهِ كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَام دُونَ الطَّهَارَةِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا نَوَى مَنْ عَلَيْهِ ظُهْرَانِ فَائِتَتَانِ ظُهْرًا مِنْهُمَا، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ وَاحِدة مِنْهُمَا حَتَّى يُعَيِّنَ السَّابِقَةَ لِأَجْلِ التَّرْتِيبِ، وَقِيلَ: بَلَى كَصَلَاتَيْ نَذْرٍ، لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ هُنَا فِي التَّرْتِيبِ، وَإِنْ قَصَدَ بِالْفَائِتَةِ أَنَّهَا ظُهْرُ أَمْسِهِ، وَالْحَاضِرَةِ أَنَّهَا ظُهْرُ يَوْمِهِ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى وَصْفِهِمَا بِالْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ، فَإِنْ كَانَتَا عَلَيْهِ وَحَاضِرَةً، فَتَرَكَ شَرْطًا فِي وَاحِدَةٍ لَزِمَهُ إِعَادَةُ وَاحِدَةٍ فِي الْأَشْهَرِ، فَإِذَا ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ فَائِتَةً فَنَوَاهَا فِي وَقْتِ حَاضِرَةٍ مِثْلِهَا، ثُمَّ بَانَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ، لَمْ تُجْزِئْهُ عَنِ الْحَاضِرَةِ فِي الْأَظْهَرِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالثَّانِي: تُجْزِئُهُ كَمَا لَوْ نَوَى ظُهْرَ أَمْسٍ، وَعَلَيْهِ ظُهْرُ يَوْمٍ قَبْلَهُ. [النِّيَّةُ تَكُونُ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ] (وَيَأْتِي بِالنِّيَّةِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) لِأَنَّهُ أَوَّلُ الصَّلَاةِ، لِتَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلْعِبَادَةِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا بِنِيَّةٍ جَازِمَةٍ، فَإِنْ دَخَلَ بِنِيَّةٍ مُتَرَدِّدَةٍ لَمْ يَصِحَّ (فَإِنْ تَقَدَّمَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ) عُرْفًا (جَازَ) هَذَا ظَاهِرُ مَا فِي " التَّلْخِيصِ " و" الْمُحَرَّرِ " وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَالْجدُّ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، فَجَازَ تَقْدِيمُ نِيَّتِهَا عَلَيْهَا كَالصَّوْمِ، وَلِأَنَّ أَوَّلَهَا مِنْ أَجْزَائِهَا، فَكَفَى اسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ فِيهَا كَسَائِرِ أَجْزَائِهَا، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَعَلَيْهِ شَرَحَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ مُعَلِّلًا بِأَنَّهَا رُكْنٌ، فَلَا تُقْبَلُ قَبْلَ الْوَقْتِ كَبَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يَجُوزُ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ كَالصَّوْمِ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَاشْتَرَطَ الْآجُرِّيُّ مُقَارَنَتَهَا لِلتَّكْبِيرِ كَالشَّافِعِيِّ، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَفْسَخْهَا أَيْ:
[استصحاب حكم النية إلى آخر الصلاة]
قَبْلَ ذَلِكَ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، جَازَ، وَيَجِبُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ حُكْمَهَا إِلَى آخِرِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ قَطَعَهَا فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ، وَإِنْ تَرَدَّدْ فِي قَطْعِهَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ، فَإِنْ أَحْرَمَ بفرض ـــــــــــــــــــــــــــــQيَقْطَعْهَا وَبَقَاءُ إِسْلَامِهِ، قَالَ فِي " الْوَسِيلَةِ "، و" التَّعْلِيقِ ": أَوْ يَشْتَغِلُ بِعَمَلٍ وَنَحْوِهِ، كَعَمَلِ مَنْ سَلِمَ عَنْ نَقْصٍ. وَقِيلَ: أَوْ يَتَكَلَّمُ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ. فَرْعٌ: تَصِحُّ النِّيَّةُ لِلْفَرْضِ مِنَ الْقَاعِدِ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " لَا، وَعَلَيْهِ لَا يَنْعَقِدُ نَفْلًا. [اسْتِصْحَابُ حُكْمِ النِّيَّةِ إِلَى آخِرِ الصَّلَاةِ] (وَيَجِبُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ حُكْمَهَا إِلَى آخِرِ الصَّلَاةِ) لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ يُشْتَرَطُ لَهَا النِّيَّةُ، فَيُشْتَرَطُ اسْتِصْحَابُهَا كَالصَّوْمِ، وَمَعْنَى الِاسْتِصْحَابِ: أَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا إِذَا ذَهَلَ عَنْهَا أَوْ عَزُبَتْ عَنْهُ فِي أَثْنَائِهَا أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ (فَإِنْ قَطَعَهَا فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ) نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ في جميعها، وَقَدْ قَطَعَهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّمَ يَنْوِي الْخُرُوجَ مِنْهَا، وَفِي ثَانِيَةٍ: لَا تَبْطُلُ كَالْحَجِّ، وَفَرَّقَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " بِأَنَّ الْحَجَّ لَا يُخْرَجُ مِنْهُ بِمَحْظُورَاتِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ إِنْ أَعَادَهَا قَرِيبًا، وَهُوَ بِعِيدٌ (وَإِنْ تَرَدَّدَ فِي قَطْعِهَا) أَوْ عَزَمَ عَلَى النَّسْخِ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، لِأَنَّهُ دَخَلَ بِنِيَّةٍ مُتَيَقِّنَةٍ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَالثَّانِي: تَبْطُلُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ النِّيَّةِ شَرْطٌ، وَمَعَ التَّرَدُّدِ لَا يَبْقَى مُسْتَدِيمًا، وَكَذَا إِنْ عَلَّقَ قَطْعَهَا عَلَى شَرْطٍ، وَصَحَّحَ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا عَزَمَ عَلَى فِعْلِ مَحْظُورٍ كَالْحَدِيثِ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، وَصَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ. 1 - أَصْلٌ: إِذَا شَكَّ فِيهَا فِي النِّيَّةِ، أَوْ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ اسْتَأْنَفَهَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا، فَإِنْ ذَكَرَ مَا شَكَّ فِيهِ قَبْلَ قَطْعِهَا، فَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ إِنْ أَطَالَ اسْتَأْنَفَهَا، وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إِنْ لَمْ يَكُنْ أَتَى بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بَنَى، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ
فبان قَبْلَ وَقْتِهِ انْقَلَبَ نَفْلًا، وَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ فِي وَقْتِهِ ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا جَازَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ إِلَّا لِعُذْرٍ مِثْلَ أَنْ يُحْرِمَ مُنْفَرِدًا فَيُرِيدُ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، وَإِنِ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضٍ إِلَى فَرْضٍ بَطَلَتِ الصَّلَاتَانِ. وَمِنْ شَرْطِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ ـــــــــــــــــــــــــــــQمُبْطِلٌ لَهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَمِلَ فِيهَا عَمَلًا مَعَ الشَّكِّ بَنَى فِي قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ، وَقَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " لِأَنَّ الشَّكَّ لَا يُزِيلُ حُكْمَ النِّيَّةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: تَبْطُلُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " لِخُلُوِّهِ عَنْ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ، وَقَالَ الْمَجْدُ: إِنْ كَانَ الْعَمَلُ قَوْلًا لَمْ تَبْطُلْ كَتَعَمُّدِ زِيَادَةٍ، وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِعْلًا كَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ بَطَلَتْ لِعَدَمِ جَوَازِهِ، كَتَعَمُّدِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَحَسَّنَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. 1 - (فَإِنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ فَبَانَ قَبْلَ وَقْتِهِ) أَوْ بَانَ عَدَمُهُ أَوْ بِفَائِتَةٍ، فَلَمْ تَكُنِ (انْقَلَبَتْ نَفْلًا) لِأَنَّ نِيَّةَ الْفَرْضِ تَشْمَلُ نِيَّةَ النَّفْلِ، فَإِذَا بَطَلَتْ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ بَقِيَتْ نِيَّةُ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: لَا تَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ لَمْ يُنَوِّهْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ (وَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ فِي وَقْتِهِ، ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا جَازَ) قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ إِكْمَالٌ فِي الْمَعْنَى، كَنَقْضِ الْمَسْجِدِ لِلْإِصْلَاحِ، وَلِأَنَّ نِيَّةَ النَّفْلِ تَضَمَّنَتْهَا نِيَّةُ الْفَرْضِ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ لِكَوْنِهِ أَبْطَلَ عَمَلَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: لَا تَصِحُّ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، كَمَا انْتَقَلَ مِنْ فَرْضٍ إِلَى آخَرَ، وَفِي " الْجَامِعِ " أَنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ، لِأَنَّهُ أَبْطَلَ عَمَلَهُ لِغَيْرِ سَبَبٍ وَلَا فَائِدَةٍ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ إِلَّا لِعُذْرٍ) أَيْ: لِغَرَضٍ صَحِيحٍ (مِثْلَ أَنْ يُحْرِمَ مُنْفَرِدًا فَيُرِيدُ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ) قَدَّمَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى أَفْضَلَ مِنْ حَالِهِ، وَذَلِكَ مَطْلُوبٌ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، وَهَلْ ذَلِكَ أَفْضَلُ أَمْ تَرْكُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، صَرَّحَ فِي " الشَّرْحِ " بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ، حَكَاهَا الْقَاضِي، وَعَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ فَرِيضَةٍ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ حَضَرَ الْإِمَامُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ: يَقْطَعُ صَلَاتَهُ ويدخل مَعَهُمْ. يَتَخَرَّجُ مِنْهُ قَطْعُ النَّافِلَةِ بِحُضُورِ الْجَمَاعَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِنْ دَخَلَ مَعَهُمْ قَبْلَ قَطْعِهِ، فَفِي الْإِجْزَاءِ رِوَايَتَانِ (وَإِنِ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضٍ إِلَى
[من شرط الجماعة أن ينوي الإمام والمأموم حالهما]
وَالْمَأْمُومُ حَالَهُمَا وَإِنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ لَمْ يَصِحَّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQفَرْضٍ بَطَلَتِ الصَّلَاتَانِ) لِأَنَّهُ قَطَعَ نِيَّةَ الْأُولَى، وَلَمْ يَنْوِ لِلثَّانِيَةِ مِنْ أَوَّلِهَا، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ قُلْنَا لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ صَحَّ مَا نَقَلَهُ إِلَيْهِ دُونَ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ، وَفِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ إِذَا نَوَى الثَّانِيَ مِنْ أَوَّلِهِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَفِي نَفْلِهِ الْخِلَافُ، وَكَذَا كُلُّ صَلَاةٍ نَوَاهَا فَرْضًا، وَاعْتَقَدَ جَوَازَهُ بَعْدَ إِتْمَامِهَا فَرْضًا، كَصَلَاةِ الْفَذِّ خَلْفَ الصَّفِّ، وَفِي الْكَعْبَةِ، وَخَلْفَ الصَّبِيِّ، وَالْمُتَنَفِّلِ عَلَى رِوَايَةٍ، وَالْأَقْيَسُ بَقَاؤُهَا نَفْلًا، وَإِنِ اعْتَقَدَ عَدَمَ جَوَازِهِ فَوَجْهَانِ، وَظَاهِرُهُ الْبُطْلَانُ، وَقَوْلُهُ: بَطَلَتِ الصَّلَاتَانِ فِيهِ تَجُّوزٌ، لِأَنَّ الثَّانِيَةَ لَا تُوصَفُ بِهِ. [مِنْ شَرْطِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ حَالَهُمَا] (وَمِنْ شَرْطِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ حَالَهُمَا) أَيْ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ الْإِمَامَةَ عَلَى الْأَصَحِّ، كَالْجُمْعَةِ وِفَاقًا، وَالْمَأْمُومُ لِحَالِهِ، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ، وَسُقُوطِ السَّهْوِ عَنِ الْمَأْمُومِ، وَفَسَادِ صَلَاتِهِ بِصَلَاةِ إِمَامِهِ، وَإِنَّمَا يَتَمَيَّزَانِ بِالنِّيَّةِ، فَكَانَتْ شَرْطًا، رَجُلًا كَانَ الْمَأْمُومُ أَوِ امْرَأَةً، صُرِّحَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ امْرَأَةً لَمْ يَصِحَّ ائْتِمَامُهَا بِهِ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، لِأَنَّ صَلَاتَهُ تَفْسُدُ إِذَا وَقَفَتْ بِجَنْبِهِ، وَنَحْنُ نَمْنَعُهُ وَلَوْ سَلَّمَ، فَالْمَأْمُومُ مِثْلُهُ، وَلَا يَنْوِي كَوْنَهَا مَعَهُ فِي الْجَمَاعَةِ فَلَا عِبْرَةَ بِالْفَرْقِ. وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ فِي الْفَرْضِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا نَوَى أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ إِنَّمَا تَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، فَاعْتُبِرَتْ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَأَنَّهُ إِذَا اعْتَقَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ إِمَامُ الْآخَرِ، أَوْ مَأْمُومُهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ بِإِمَامٍ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّ مَنْ لَمْ يَأْتَمَّ بِهِ فِي الْأُولَى، وَقِيلَ: تَصِحُّ فُرَادَى، جُزِمَ بِهِ فِي " الْفُصُولِ "، وَإِنْ لَمْ يَعْتَبِرْ نِيَّةَ الْإِمَامَةِ صَحَّتْ فِي الْأُولَى فَرْضًا فُرَادَى، وَكَذَا إِذَا نَوَى إِمَامَةَ مَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُ كَامْرَأَةٍ تَؤُمُّ رَجُلًا، وَإِنْ شَكَّ فِي كَوْنِهِ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا، لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ، وَفِي " الْمُجَرَّدِ ": وَلَوْ بعد الفراغ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ فِي الْأَشْهَرِ. 1 -
[إن أحرم منفردا ثم نوى الائتمام]
وَإِنْ نَوَى الْإِمَامَةَ، صَحَّ فِي النَّفْلِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْفَرْضِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَصِحَّ وَهُوَ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَسَائِلُ: الْأُولَى: لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْإِمَامِ، وَقِيلَ: بَلَى، فَعَلَى الْأُولَى لَوْ عَيَّنَهُ فَبَانَ غَيْرُهُ بَطَلَتْ، وَفِيهِ وَجْهٌ يُتِمُّهَا مُنْفَرِدًا. الثَّانِيَةُ: لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمَأْمُومِ، وَقِيلَ: بَلَى، فَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ عَيَّنَ مَأْمُومًا وَأَخْطَأَ، فَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ. الثَّالِثَةُ: إِذَا جَهِلَ مَا قَرَأَ بِهِ إِمَامُهُ لَمْ يَضُرَّ فِي الْأَشْهَرِ. الرَّابِعَةُ: إِذَا أَحْرَمَ بِجَمَاعَةٍ، فَانْفَضُّوا قَبْلَ رُكُوعِهِمْ بَطَلَتْ، وَقِيلَ: يُتِمُّهَا وَحْدَهُ، وَكَذَا إِنْ أَحْرَمَ ظَنًّا أَنَّهُ يَأْتِيهِ مَأْمُومٌ، ثُمَّ لَمْ يَأْتِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَهُوَ لَا يَرْجُو مَجِيءَ أَحَدٍ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ نَوَى زِيدٌ الِاقْتِدَاءَ بِعَمْرٍو، وَلَمْ يَنْوِ عَمْرٌو الْإِمَامَةَ صَحَّتْ صَلَاةُ عَمْرٍو وَحْدَهُ. [إِنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ] (وَإِنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ لَمْ تَصِحَّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " و" الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الِائْتِمَامَ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُ نَقَلَ نَفْسَهُ مُؤْتَمًّا، فَلَمْ يَجُزْ كَنِيَّةِ إِمَامَتِهِ فَرْضًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ وَحْدَهُ رَكْعَةً أَوْ لَا، وَفارق نَقْلُهُ إِلَى الْإِمَامَةِ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ كَمَا لَوْ نَوَى الْإِمَامَةَ، وَلِأَنَّهُ نَقَلَ نَفْسَهُ إِلَى الْجَمَاعَةِ، فَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ، وَعَنْهُ: لَا، وَمَتَى فَرَغَ قَبْلَ إِمَامِهِ، فَارَقَهُ وَسَلَّمَ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَإِنِ انْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ جَازَ (وَإِنْ) أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ (نَوَى الْإِمَامَةَ صَحَّ فِي النَّفْلِ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ يَتَهَجَّدُ وَحْدَهُ، فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَحْرَمَ مَعَهُ، فَصَلَّى بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْفَرْضِ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَحْرَمَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ وَكَمَالِ الْعَدَدِ، ثُمَّ انْفَضُّوا، فَأَحْرَمَ بِالظُّهْرِ، ثُمَّ تَكَامَلَ الْعَدَدُ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَنَوَى الْجُمْعَةَ، وَعَنْهُ: لَا تَصِحُّ فِي فَرْضٍ، وَلَا
أَصَحُّ عِنْدِي. فَإِنْ أَحْرَمَ مَأْمُومًا، ثُمَّ نَوَى الِانْفِرَادَ لِعُذْرٍ جَازَ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ نَوَى الْإِمَامَةَ لِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ إِذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ ـــــــــــــــــــــــــــــQنَفْلٍ، قَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَقَطَعَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَفِي " الْفُرُوعِ " اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ فِي ابْتِدَائِهَا أَشْبَهَ مَا لَوِ ائْتَمَّ بِمَأْمُومٍ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَصِحَّ) فِيهِمَا (وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْهُ، وَاخْتَارَهَا المؤلف والشيخ تَقِيُّ الدِّينِ، «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَحْرَمَ وَحْدَهُ فَجَاءَ جَابِرٌ وَجَبَّارٌ فَصَلَّى بِهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " قُلْتُ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ مُسَاوَاةُ الْفَرْضِ لِلنَّفْلِ فِي النِّيَّةِ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ، فَصَحَّ كَحَالَةِ الِاسْتِخْلَافِ. (فَإِنْ أَحْرَمَ مَأْمُومًا، ثُمَّ نَوَى الِانْفِرَادَ لِعُذْرٍ) كَمَرَضٍ، وَغَلَبَةِ نُعَاسٍ، وَتَطْوِيلِ إِمَامٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (جَازَ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «صَلَّى مُعَاذٌ بِقَوْمِهِ، فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَتَأَخَّرَ رَجُلٌ فَصَلَّى وَحْدَهُ فَقِيلَ لَهُ: فَقَالَ: لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؛ مَرَّتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ، وَكَالطَّائِفَةِ الْأُولَى فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، فَلَوْ زَالَ عُذْرُهُ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَهُ الدُّخُولُ مَعَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ، وَكَمَسْبُوقٍ مُسْتَخْلَفٍ أَتَمَّ مَنْ خَلْفَهُ صَلَاتَهُمْ، فَعَلَى هَذَا إِنْ فَارَقَهُ فِي ثَانِيَةِ الْجُمْعَةِ لِعُذْرٍ، أَتَمَّهَا جُمْعَةً كَمَسْبُوقٍ، وَإِنْ فَارَقَهُ فِي الْأُولَى فَكَمَزْحُومٍ فِيهَا حَتَّى تَفُوتَهُ الرَّكْعَتَانِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَصِحُّ الظُّهْرُ قَبْلَ الْجُمْعَةِ أَتَمَّ نَفْلًا، وَإِنْ فَارَقَهُ فِي قِيَامٍ أَتَى بِبَقِيَّةِ الْقِرَاءَةِ، وَبِعْدَهَا لَهُ الرُّكُوعُ فِي الْحَالِ، وَإِنْ ظَنَّ فِي صَلَاةِ سِرٍّ أَنَّ الْإِمَامَ قَرَأَ، لَمْ يَقْرَأْ، وَعَنْهُ: بَلَى، لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ الرُّكُوعَ. 1 - فَرْعٌ: لَوْ سَلَّمَ مَنْ لَهُ عُذْرٌ، ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يَجُوزُ، فَيُحْمَلُ فِعْلَ مَنْ فَارَقَ مُعَاذًا عَلَى ظَنِّ الْجَوَازِ، لَكِنْ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ، وَذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وَهِيَ الْأَصَحُّ، كَمَا لَوْ تَرَكَ مُتَابَعَةَ إِمَامِهِ بِغَيْرِ نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ، وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ، وَلَا تَبْطُلُ، كَمَا إِذَا نَوَى الْمُنْفَرِدُ الْإِمَامَةَ بَلْ هَاهُنَا أَوْلَى، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ قَدْ يَصِيرُ مُنْفَرِدًا بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَهُوَ الْمَسْبُوقُ إِذَا سَلَّمَ
صَحَّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ فَائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQإِمَامُهُ، وَالْمُنْفَرِدُ لَا يَصِيرُ مَأْمُومًا بِغَيْرِ نِيَّةٍ بِحَالٍ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَالْإِمَامُ كَالْمَأْمُومِ فِي ذَلِكَ. 1 - فَرْعٌ: تَبْطُلُ صَلَاةُ مَأْمُومٍ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إِمَامِهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لَا عَكْسَهُ فِي الْأَظْهَرِ، وَيُتِمُّهَا مُنْفَرِدًا، وَعَنْهُ: لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَأْمُومٍ، وَيُتِمُّونَهَا فُرَادَى، وَالْأَشْهَرُ: أَوْ جَمَاعَةً، اخْتَارَهُ جَمْعٌ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": إِنْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ بِتَرْكِ رُكْنٍ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ بِفِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ كَالْحَدَثِ والكلام، فَرِوَايَتَانِ، وَاسْتَثْنَى فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " إِذَا صَلَّى بِهِمْ مُحْدِثًا، وَلَمْ يَذْكُرْ حَتَّى سَلَّمَ، فَإِنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، اسْتِحْسَانًا (وَإِنْ) أَحْرَمَ مَأْمُومًا، ثُمَّ (نَوَى الْإِمَامَةَ لِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ إِذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ صَحَّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَهُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ لِمَّا طُعِنَ، أَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ، فَأَتَمَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَمَا عَابَهُ عَائِبٌ، وَلَا أَنْكَرَهُ مُنْكِرٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِفِعْلِ عَلِيٍّ رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ قُلْنَا بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَو لَا، وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيهَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ كَتَعَمُّدِهِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلِيُعِدِ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ، وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ ابْتَدَأَ، وَمِنْ غَيْرِهِمَا يَبْنِي، لِأَنَّ نَجَاسَتَهُمَا أَغْلَظُ، وَعَنْهُ: يَبْنِي مُطْلَقًا اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ لِخَبَرٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلَسٌ أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لْيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ» . فَعَلَى هَذَا إِذَا احْتَاجَ إِلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْبِنَاءُ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ،
[إن سبق اثنان ببعض الصلاة فائتم أحدهما بصاحبه]
قَضَاءِ مَا فَاتَهُمَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَصِحَّ. وَإِنْ أَحْرَمَ إِمَامًا لِغَيْبَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهُوَ حِجَازِيٌّ، وَرِوَايَتُهُ عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ. وَإِنْ سَبْقَ الْإِمَامَ الْحَدَثُ فَجَهِلَ هُوَ وَالْمَأْمُومُ حَتَّى فَرَغُوا مِنَ الصَّلَاةِ، فَصَلَاةُ الْمَأْمُومِ صَحِيحَةٌ. تَنْبِيهٌ: إِذَا لَمْ يَسْتَخْلِفِ الْإِمَامُ، فَاسْتَخْلَفَ الْجَمَاعَةُ أَحَدَهُمْ، أَوْ مَسْبُوقًا مِنْهُمْ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، أَوِ اسْتَخْلَفَ كُلُّ طَائِفَةٍ رَجُلًا، أَوْ صَلَّى بَعْضُهُمْ فُرَادَى، أَوْ كُلُّهُمْ، أَوْ تَطَهَّرَ الْإِمَامُ وَأَتَمَّ بِهِمْ قَرِيبًا وَبَنَى، صَحَّ الْكُلُّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ لِحُدُوثِ مَرَضٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ حَصْرٍ عَنْ قِرَاءَةٍ وَاجِبَةٍ أَوْ قَصْرٍ، وَنَحْوِهِ، وَظَاهِرُهُ، وَجُنُونٍ، وَإِغْمَاءٍ، وَاحْتِلَامٍ، وَلَوْ مَسْبُوقًا، نُصَّ عَلَيْهِ، وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ، وَلَهُ اسْتِخْلَافُ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ نَصًّا، وَيَبْنِي عَلَى تَرْتِيبِ الْأَوَّلِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنِ اسْتَخْلَفَ فِي الرُّكُوعِ لَغَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةَ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنِ اسْتَخْلَفَهُ فِيهِ أَوْ بَعْدَهُ، قَرَأَ لِنَفْسِهِ، وَانْتَظَرَهُ الْمَأْمُومُ، ثُمَّ رَكَعَ وَلَحِقَ الْمَأْمُومَ، وَإِنِ اسْتَخْلَفَ امْرَأَةً وَفِيهِمْ رَجُلٌ، أَوْ أُمِّيًّا وَفِيهِمْ قَارِئٌ، صَحَّتْ صَلَاةُ الثَّانِي بِالنِّسَاءِ وَالْأُمِّيِّينَ فَقَطْ، وَقَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَمَنِ اسْتَخْلَفَ فِيمَا لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ، لَمْ يَمْنَعِ اعْتِدَادَ الْمَأْمُومِ بِهِ. [إِنْ سَبَقَ اثْنَانِ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ فَائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ] (وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ) أَوْ أَكْثَرَ (بِبَعْضِ الصَّلَاةِ فَائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ فِي قَضَاءِ مَا فَاتَهُمَا) أَوِ ائْتَمَّ مُقِيمٌ بِمِثْلِهِ إِذَا سَلَّمَ إِمَامٌ مُسَافِرٌ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ جَمَاعَةٍ إِلَى جَمَاعَةٍ لِعُذْرٍ، فَجَازَ كَالِاسْتِخْلَافِ، وَاسْتَدَلَّ فِي " الشَّرْحِ " بِقَضِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ تَأَخَّرَ، وَتَقَدُّمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ بِسَلَامِ إِمَامِهِ، فَصَارَ كَالْمُنْفَرِدِ ابْتِدَاءً، وَبَنَاهُ فِي " الشَّرْحِ " عَلَى عَدَمِ الِاسْتِخْلَافِ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ هُنَا، وَإِنْ صَحَّ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْجُمْعَةِ كَمَا جَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي، لِأَنَّهَا إِذَا أُقِيمَتْ بِمَسْجِدٍ مَرَّةً لَمْ تُقَمْ فِيهِ ثَانِيَةً (وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرِ) السَّبْقِ (لَمْ يَصِحَّ) كَاسْتِخْلَافِ إِمَامٍ بِلَا عُذْرٍ، لِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَنْعُهُ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ جَوَازُهُ فِي مَحَلِّ الْعُذْرِ، لِقَضِيَّةِ عُمَرَ، فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي
[إن أحرم إماما لغيبة إمام الحي]
إِمَامِ الْحَيِّ، ثُمَّ حَضَرَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَأَحْرَمَ بِهِمْ، وَبَنَى عَلَى صَلَاةِ خَلِيفَتِهِ، وَصَارَ الْإِمَامُ مَأْمُومًا، فَهَلْ تَصِحُّ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ. بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يُسَوِّي ـــــــــــــــــــــــــــــQ" الْكَافِي " و" الشَّرْحِ " أَنَّ هَذَا رَاجِعٌ إِلَى الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " أَنَّ فِي جَوَازِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ رِوَايَتَيْنِ. [إِنْ أَحْرَمَ إِمَامًا لِغَيْبَةِ إِمَامِ الْحَيِّ] (وَإِنْ أَحْرَمَ إِمَامًا لِغَيْبَةِ إِمَامِ الْحَيِّ، ثُمَّ حَضَرَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، فَأَحْرَمَ بِهِمْ، وَبَنَى عَلَى صَلَاةِ خَلِيفَتِهِ، وَصَارَ الْإِمَامُ مَأْمُومًا فَهَلْ تَصِحُّ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَجُوزُ، لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، وَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ فَصَلَّى بِهِمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: لَا صَحَّحَهُ فِي " الْوَسِيلَةِ " وَذَكَرَ أَنَّهُ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَفِعْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا لَهُ، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُسَاوِيهِ فِي الْفَضْلِ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ: يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فَقَطْ. [بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ] [الْخُرُوجُ إِلَى الصَّلَاةِ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ] بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ. يُسَنُّ الْخُرُوجُ إِلَيْهَا بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ، لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَيُقَارِبُ خُطَاهُ، وَيَقُولُ مَا وَرَدَ فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا، وَلَا بَطَرًا، وَلَا رِيَاءً، وَلَا سُمْعَةً،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQخَرَجْتُ اتِّقَاءَ سُخْطِكَ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِي مِنَ النَّارِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، أَقْبَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ بِوَجْهِهِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ» . فَإِذَا وَصَلَ الْمَسْجِدَ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى فِي الدُّخُولِ، وَالْيُسْرَى فِي عَكْسِهِ، وَيَقُولُ مَا وَرَدَ، وَلَا يُشَبِّكُ أَصَابِعَهُ، وَلَا يَخُوضُ فِي حَدِيثِ الدُّنْيَا، وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ سَمِعَ الْإِقَامَةِ لَمْ يَسْعَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ خَارِجَهُ، وَنَصُّهُ: لَا بَأْسَ بِهِ يَسِيرًا إِنْ طَمَعَ أَنَّهُ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأَوْلَى، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ. 1 - (السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) كَذَا فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي أَوْفَى، وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ إِلَى الصَّلَاةِ فَاسْتُحِبَّ الْمُبَادَرَةُ إِلَيْهَا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ، وَهَذَا إِنْ رَأَى الْإِمَامَ، وَإِلَّا قَامَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْإِمَامُ غَائِبًا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: أَوْ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَقُومُوا حَتَّى يَرُوهُ، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ قَامُوا قَبْلَ رُؤْيَتِهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْهُ: يَنْبَغِي أَنْ تُقَامَ الصُّفُوفُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْأولَى أَنْ يَقُومَ إِمَامٌ، ثُمَّ مَأْمُومٌ، وَلَا يُحْرِمِ الْإِمَامُ حَتَّى تَفْرَغَ الْإِقَامَةُ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ جُلِّ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ، وَعُلِمَ مِنْهُ جَوَازُ إِقَامَةِ الْمُقِيمِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ إِلَيْهَا هُوَ التَّوَجُّهُ إِلَيْهَا لِيَشْمَلَ الْعَاجِزَ عَنْهُ (ثُمَّ يُسَوِّي الْإِمَامُ الصُّفُوفَ) بِالْمَنَاكِبِ وَالْأَكْعُبِ اسْتِحْبَابًا، فَيَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ: اسْتَوُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ، وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَقُولُ عَنْ يَسَارِهِ: اعْتَدِلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ، وَيُكْمِلُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَيَتَرَاصُّونَ قَالَ أَنَسٌ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ فَيَقُولُ: تَرَاصُّوا، وَاعْتَدِلُوا»
[تكبيرة الإحرام]
الْإِمَامُ الصُّفُوفَ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا لَزِمَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ الْبُخَارِيُّ «فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ: يَجِبُ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ شَيْخِنَا، «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرَهُ فَقَالَ: لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» وَمَنْ ذَكَرَ الْإِجْمَاعَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فَمُرَادُهُ ثُبُوتُ اسْتِحْبَابِهِ لَا نَفْيَ وُجُوبِهِ. فَائِدَةٌ: يَمِينِهِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا يَقْطَعُهُ الْمِنْبَرُ، وَعَنْهُ: مَا يَلِيهِ لِلرِّجَالِ أَفْضَلُ، وَلَوْ ثَوَابُهُ، وَثَوَابُ مَنْ وَرَاءَهُ مَا اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ، فَكُلَّمَا قَرُبَ مِنْهُ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَظَاهِرُ مَا حَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّ بِقُرْبِهِ أَفْضَلَ، وَمُرَادُهُمْ أَنَّ بَعْدَ يَمِينِهِ لَيْسَ أَفْضَلَ مِنْ قُرْبِ يَسَارِهِ، وَلِلْأَفْضَلِ تَأْخِيرُ الْمَفْضُولِ، وَالصَّلَاةُ مَكَانَهُ فَتُسْتَثْنَى، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا، وَفِي كَرَاهَةِ تَرْكِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ لِقَادِرٍ وَجْهَانِ، وَالصَّفُّ الْأَخِيرُ لِلنِّسَاءِ أَفْضَلُ. [تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ] (ثُمَّ يَقُولُ) قَائِمًا فِي فَرْضٍ مَعَ الْقُدْرَةِ (اللَّهُ أَكْبَرُ) إِلَّا بِهَا نُطْقًا وَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَأَنَّ الدُّخُولَ فِيهَا يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ. فَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُمْ مَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ (لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا) نُصَّ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَيَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ: «إِذَا قُمْتَ فَكَبِّرْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَنْقُلْ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَفْتِحُهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا تَنْعَقِدُ بِقَوْلِ: اللَّهُ أَكْبَرُ أَوِ الْكَبِيرُ أَوِ
تَعَلُّمُهَا، فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ، كَبَّرَ بِلُغَتِهِ، وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالتَّكْبِيرِ كُلِّهِ، وَيُسِرُّ غَيْرُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْجَلِيلُ، وَلَا: اللَّهُ أَقْبَرُ بِالْقَافِ، وَلَا: اللَّهُ فَقَطْ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَتَصِحُّ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا نَكَّسَهُ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا مَدَّ هَمْزَةَ اللَّهِ، لَمْ تَنْعَقِدْ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمَعْنَى، فَصَارَ اسْتِفْهَامًا، وَكَذَا إِنْ قَالَ: أَكْبَارُ، لِأَنَّهُ يَعْنِي جَمْعَ كَبَرٍ، وَهُوَ الطَّبْلُ، وَإِنْ مَطَّطَهُ كُرِهَ مَعَ بَقَاءِ الْمَعْنَى وَصَحَّتْ. 1 - فَرْعٌ: إِذَا تَمَّمَهُ رَاكِعًا، أَوْ أَتَى بِهِ فِيهِ، أَوْ كَبَّرَ قَاعِدًا، أَوْ أَتَمَّهُ قَائِمًا، انْعَقَدَتْ فِي الْأَصَحِّ نَفْلًا، كَسُقُوطِ الْقِيَامِ فِيهِ، وَيُدْرِكُ الرَّكْعَةَ إِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي نَفْلٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا لَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا) لِأَنَّهَا رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا كَالْفَاتِحَةِ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " فِي مَكَانِهِ أَوْ فِيمَا قَرُبَ مِنْهُ، وَقَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": إِنْ كَانَ فِي الْبَادِيَةِ لَزِمَهُ قَصْدُ الْبَلَدِ لِتَعَلُّمِهِ، وَلَا تَكْفِيهِ التَّرْجَمَةُ بَدَلًا، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ (فَإِنْ) عَجَزَ أَوْ (خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ كَبَّرَ بِلُغَتِهِ) ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنِ اللَّفْظِ فَلَزِمَهُ الإتيان بمعناه كَلَفْظَةِ النِّكَاحِ، وَعَنْهُ: لَا يُكَبِّرُ إِلَّا بِالْعَرَبِيَّةِ، اخْتَارَهُ الشَّرِيفُ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ تَعَيَّنَتْ صِيغَتُهُ، فَلَمْ يُتَرْجِمْ عَنْهُ، كَالْقِرَاءَةِ، وَكَالْقَادِرِ فَيُحْرِمُ بِقَلْبِهِ، وَقِيلَ: يَجِبُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْبَعْضِ قَالَهُ، وَحُكْمُ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ كَالتَّكْبِيرِ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمُسِنُّونَ، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِهِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، نُصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ تُرْجِمَ عَنْهُ بَطَلَتْ. 1 - فَرْعَانِ: الْأَوَّلُ: إِذَا عَرَفَ لِسَانًا فَارِسِيًّا، وَسُرْيَانِيًّا فَثَالِثُهَا يُخَيَّرُ، وَيُقَدَّمَانِ عَلَى التُّرْكِيِّ، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ كَمَا يُخَيَّرُ بَيْنَ التُّرْكِيِّ وَالْهِنْدِيِّ. الثَّانِي: يَلْزَمُ الْأَخْرَسَ، وَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ النُّطْقِ، تَحْرِيكُ لِسَانِهِ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَنَحْوِهَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرُهُمَا، لِأَنَّ الصَّحِيحَ يَلْزَمُهُ النُّطْقُ بِتَحْرِيكِ لِسَانِهِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ الْآخَرُ، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ، وَرَجَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لَا، كَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْقِيَامُ سَقَطَ عَنْهُ النُّهُوضُ إِلَيْهِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ
بِهِ وَبِالْقِرَاءَةِ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مِنِ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ مَمْدُودَةَ الْأَصَابِعِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQعَبَثٌ، وَلَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِهِ كَالْعَبَثِ بِسَائِرِ جَوَارِحِهِ، وَإِنَّمَا لَزِمَ الْقَادِرَ ضَرُورَةً. (و) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَجْهَرَ الْإِمَامُ بِالتَّكْبِيرِ كُلِّهِ) بِحَيْثُ يُسْمِعُ مَنْ خَلْفَهُ، وَأَدْنَاهُ سَمَاعُ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ مَطْلُوبٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مُتَابَعَةِ الْمَأْمُومِينَ لِإِمَامِهِمْ، وَكَذَا جَهْرُهُ بِتَسْمِيعٍ وَسَلَامٍ، وَقِرَاءَةٍ فِي جَهْرِيَّةٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إِسْمَاعُهُمْ، جَهَرَ بِهِ بَعْضُهُمْ لِيُسْمِعَهُمْ، لِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ، فَإِذَا كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُنَا» وَكَذَا حُكْمُ جَهْرِهِ بِتَحْمِيدٍ، وَسَلَامٍ لِحَاجَةٍ فَيُسَنُّ (وَيُسَرُّ غَيْرُهُ بِهِ) أَيْ: بِالتَّكْبِيرِ (وَبِالْقِرَاءَةِ) لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَرُبَّمَا لُبِسَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، وَإِنَّمَا سُنَّ لَهُ الْإِسْرَارُ بِهَا فِي حَالِ إِخْفَاءِ الْإِمَامِ لَا فِي حَالِ جَهْرِهِ، لِأَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ الْإِنْصَاتُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ مَسْنُونَيَّةِ الْإِسْرَارِ وَالْإِنْصَاتِ مُتَنَاقِضٌ (بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يَجْهَرَ بِكُلِّ قَوْلٍ وَاجِبٍ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ كَلَامًا بِدُونِ الصَّوْتِ، وَهُوَ مَا يَتَأَتَّى سَمَاعُهُ، وَأَقْرَبُ السَّامِعِينَ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، وَهَذَا لَيْسَ يُفِيدُ فِي مَسْنُونِيَّةِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَوْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ مَنْ يَلِيهِ فَقَطْ لَكَانَ مُسِرًّا آتِيًا بِالْمَقْصُودِ، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ مِنْ سَمَاعِ نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ، فَبِحَيْثُ يَحْصُلُ السَّمَاعُ مَعَ عَدَمِهِ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) نُدِبَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ عِنْدَ افْتِتَاحِهَا، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ اتِّفَاقًا، وَيُقَالُ لِتَارِكِهِ: تَارِكُ السُّنَّةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا بَأْسَ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مُبْتَدِعٌ; فَإِنْ عَجَزَ عَنْ رَفْعِ إِحْدَى يَدَيْهِ رَفَعَ الْأُخْرَى; فَإِنْ كَانَتَا فِي كُمَّيْهِ رَفْعَهُمَا لِخَبَرِ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ (مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ) أَيْ: يَكُونُ ابْتِدَاءُ الرَّفْعِ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ، وَانْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حَجَرٍ: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» وَلِأَنَّ الرَّفْعَ لِلتَّكْبِيرِ فَكَانَ مَعَهُ، وَعَنْهُ: يَرْفَعُهُمَا قَبْلَ التَّكْبِيرِ، ثُمَّ يَحُطُّهُمَا بَعْدَهُ، لِأَنَّهُ يَنْفِي الْكِبْرِيَاءَ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، وَبِالتَّكْبِيرِ يُثْبِتُهَا لِلَّهِ،
مَضْمُومَةً بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، إِلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ، أَوْ إِلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ يَضَعُ كَفَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالنَّفْيُ مُقَدَّمٌ كَكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، فَإِنْ تَرَكَ الرَّفْعَ حَتَّى فَرَغَ مِنَ التَّكْبِيرِ لَمْ يَرْفَعْ، لِأَنَّهَا سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا (مَمْدُودَةَ الْأَصَابِعِ) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَدًّا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (مَضْمُومًا بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّ الْأَصَابِعَ إِذَا ضُمَّتْ تَمْتَدُّ، وَعَنْهُ: مُفَرَّقَةٌ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كَبَّرَ نَشَرَ أَصَابِعَهُ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: إِنَّهُ خَطَأٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ كَانَ مَعْنَاهُ الْمَدَّ، لِأَنَّ النَّشْرَ لَا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ كَنَشْرِ الثَّوْبِ، وَيَكُونُ مُسْتَقْبَلًا بِبُطُونِهِمَا الْقِبْلَةَ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، و" الْمُبْهِجُ " و" الْفُرُوعُ " وَلَمْ يَذْكُرْهُ آخَرُونَ مِنْهُمُ الْمُؤَلِّفُ، وَقِيلَ: قَائِمَةٌ حَالَ الرَّفْعِ وَالْحَطِّ (إِلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ أَوْ إِلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ) ذَكَرَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَشْهَرُ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثْ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ إِلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَظَاهِرُهُ التَّخْيِيرُ لِصِحَّةِ الرِّوَايَةِ بِهِمَا، وَعَنْهُ: «يَرْفَعُهُمَا إِلَى مَنْكِبَيْهِ» اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذُكِرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّ مَيْلَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِلَى هَذَا أَكْثَرُ لِكَثْرَةِ رُوَاتِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقُرْبِهِمْ، وَعَنْهُ: إِلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ، وَعَنْهُ: إِلَى صَدْرِهِ، وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: يُجَاوِزُ بِهِمَا أُذُنَيْهِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَعَلَهُ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: يَجْعَلُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِبْهَامَيْهِ عِنْدَ شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَقَالَهُ فِي التَّعْلِيقِ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرَّفْعِ الْمَسْنُونِ حَسَبَ إِمْكَانِهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ رَفْعُهُمَا إِلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى أُذُنَيْهِ رَفَعَهُمَا، لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالسُّنَّةِ وَزِيَادَةٍ، وَيَسْقُطُ بِفَرَاغِ التَّكْبِيرِ كُلِّهِ.
[وضع اليمنى على اليسرى تحت السرة]
يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ الْيُسْرَى، وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ، وَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكُ، ثُمَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَائِدَةٌ: كَشَفَ يَدَيْهِ هُنَا، وَفِي الدُّعَاءِ أَفْضَلُ، وَرَفَعُهُمَا إِشَارَةٌ إِلَى الْحِجَابِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، كَمَا أَنَّ السَّبَّابَةَ إِشَارَةٌ إِلَى الْوَحْدَانِيَّةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ. [وَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى تَحْتَ السُّرَّةِ] (ثُمَّ يَضَعُ كَفَّ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ الْيُسْرَى) نُصَّ عَلَيْهِ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: «ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَالرُّسْغِ، وَالسَّاعِدِ» وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: بَعْضُهَا عَلَى الْكَفِّ، وَبَعْضُهَا عَلَى الذِّرَاعِ، لَا بَطْنُهَا عَلَى ظَاهِرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَجَزَمَ بِمِثْلِهِ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ "، وَمَعْنَاهُ: ذُلٌّ بَيْنَ يَدَيْ عِزٍّ، نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الرَّقِّيُّ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ، وَعَنْهُ: يُرْسِلُهُمَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَعَنْهُ: فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ (وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ) فِي أَشْهَرَ الرِّوَايَاتِ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَغَيْرُهُ لِقَوْلِ عَلِيٍّ: مِنَ السُّنَّةِ وَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَذُكِرَ فِي " التَّحْقِيقِ " أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قِيلَ لِلْقَاضِي: هُوَ عَوْرَةٌ فَلَا يَضَعُهُمَا عَلَيْهِ كَالْعَانَةِ، وَالْفَخِذِ؛ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْعَوْرَةَ أَوْلَى، وَأَبْلَغُ بِالْوَضْعِ عَلَيْهِ لِحِفْظِهِ، وَعَنْهُ: تَحْتَ صَدْرِهِ، وَفَوْقَ سُرَّتِهِ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ، اخْتَارَهُ فِي " الْإِرْشَادِ " لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَأْثُورٌ، وَظَاهِرُهُ يُكْرَهُ وَضْعُهُمَا عَلَى صَدْرِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ رَوَاهُ. [النَّظَرُ إِلَى مَوْضِعِ السُّجُودِ] (وَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَنَزَلَتِ {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ» وَرَوَاهُ سَعِيدٌ ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ثَنَا أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَزَادَ فِيهِ، قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ بَصَرُهُ مُصَلَّاهُ، وَلِأَنَّهُ أَخْشَعُ، وَأَكَفُّ لِنَظَرِهِ إِلَّا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَحَالِ إِشَارَتِهِ فِي التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى سَبَّابَتِهِ لِخَبَرِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَصَلَاتُهُ تُجَاهَ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَفِي " الْغُنْيَةِ " يُكْرَهُ إِلْصَاقُ الْحَنَكِ بِالصَّدْرِ عَلَى الثَّوْبِ، وَأَنَّهُ يُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَرِهَتْهُ. [دُعَاءُ الِاسْتِفْتَاحِ] (ثُمَّ يَقُولُ) سِرًّا (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ
[قراءة بسم الله الرحمن الرحيم]
يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQغَيْرُكَ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَنُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ لَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ الرِّفَاعِيِّ، وَقَدْ وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ، وَصَحَّحَ أَحْمَدُ قَوْلَ عُمَرَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدَةَ عَنْ عُمَرَ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ، وَبِأَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ لَيْسَتْ بِذَاكَ، وَلَيْسَتْ (وَجَّهْتُ وَجْهِي) وَالْآيَةُ بَعْدَهَا أَفْضَلَ لِخَبَرِ عَلِيٍّ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ قَوْلَ مَا فِي خَبَرِ عَلِيٍّ كُلِّهِ، وَاخْتَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ جَمْعَهُمَا أَفْضَلُ، وَيَجُوزُ بِمَا وَرَدَ، نُصَّ عَلَيْهِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ نَوْعٍ أَحْيَانًا، وَكَذَا صَلَاةُ الْخَوْفِ، وَلَا يَجْهَرُ بِهِ إِمَامٌ، وَإِنَّمَا جهَر بِهِ لِيُعلمَ النَّاسَ (ثُمَّ يَقُولَ) سِرًّا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، نُصَّ عَلَيْهِ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل: 98] أَيْ: إِذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَعَنْهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَقَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَرْفُوعِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَشْهَرُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ، وَالْأَخْذُ بِهَا أَوْلَى، لَكِن ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَعَنْهُ: بَعْدَ كَمَالِهَا: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، اخْتَارَهَا فِي " التَّنْبِيهِ "، وَالْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَابْنُ عَقِيلٍ وَالسَّامِرِيُّ جَمَعَا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَكَيْفَمَا تَعَوَّذَ فَحَسُنٌ، وَهَذَا كُلُّهُ وَاسِعٌ. مَسْأَلَةٌ: الِاسْتِفْتَاحُ، وَالتَّعَوُّذُ سُنَّتَانِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: وَاجِبَانِ، اخْتَارَهُ ابْنُ بَطَّةَ، وَعَنْهُ: التَّعَوُّذُ، وَيَسْقُطَانِ بِفَوَاتِ مَحَلِّهِمَا كَالْبَسْمَلَةِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ التَّعَوُّذَ أَوَّلَ كُلِّ قُرْبَةٍ. [قِرَاءَةُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] (ثُمَّ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَأَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ فِي قَوْلِ
وَلَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ. وَلَا يُجْهَرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، وَفِيهَا إِحْدَى عَشْرَةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَكْثَرِهِمْ، لِمَا رَوَى نُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ قَالَ: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ حَتَّى بَلَغَ {وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ خُزَيْمَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسِرُّ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ» وَزَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: فِي الصَّلَاةِ (وَلَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ) جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ،، وَابْنُ تَمِيمٍ وَالْجَدُّ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي إِجْمَاعًا سَابِقًا، وَكَغَيْرِهَا؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَوْ كَانَتْ آيَةً لَعَدَّهَا، وَبَدَأَ بِهَا، وَلَمَا تَحَقَّقَ التَّنْصِيفُ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ ثَنَاءٌ وَتَمْجِيدٌ أَرْبَعُ آيَاتٍ وَنِصْفٌ، وَمَا هُوَ لِلْآدَمِيِّ اثْنَانِ وَنِصْفٌ، لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ إِجْمَاعًا، لَكِنْ حَكَى الرَّازِيُّ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهَا ثَمَانِ آيَاتٍ، «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1] إِنَّهَا ثَلَاثُونَ آيَةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْعَادُّونَ أَنَّهَا ثَلَاثُونَ آيَةً بِدُونِ الْبَسْمَلَةِ، وَهِيَ قُرْآنٌ عَلَى الْأَصَحِّ آيَةٌ مِنْهُ، وَكَانَتْ تَنْزِلُ فَصْلًا بَيْنَ السُّورِ غَيْرَ (بَرَاءَةَ) وَعَنْهُ: لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا فِي (النَّمْلِ) فَإِنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ فِيهَا إِجْمَاعًا، فَلِهَذَا نَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: لَا تُكْتَبُ أَمَامَ الشِّعْرِ، وَلَا مَعَهُ، وَذَكَرَ الشَّعْبِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَهُ، قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ يَشُوبُهُ الْكَذِبُ وَالْهُجْرُ غَالِبًا (وَعَنْهُ: أَنَّهَا مِنْهَا) اخْتَارَهَا ابْنُ بَطَّةَ، وَأَبُو حَفْصٍ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ شِهَابٍ لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُنْزِلَ عَلَيَّ سُورَةٌ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1] رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقِرَاءَتِهَا مَعَ الْفَاتِحَةِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى كِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ. 1 - ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْبَسْمَلَةِ عَظِيمَةٌ صَنَّفَ فِيهَا الْأَئِمَّةُ، مِنْهُمُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ الْأُصُولِيُّونَ: وَقُوَّةُ الشُّبْهَةِ فِي (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) مَنَعَتِ التَّكْفِيرَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ. فَائِدَةٌ: تُكْتَبُ أَوَائِلَ الْكُتُبِ، كَمَا كَتَبَهَا سليمان والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَإِلَى قَيْصَرَ وَغَيْرِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ، فَتُذْكَرُ فِي ابْتِدَاءِ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَنْزِلِ، وَالْخُرُوجِ مِنْهُ لِلتَّبَرُّكِ، وَهِيَ تَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ إِذَا ابْتَدَأَ فِعْلًا تَبَعًا لِغَيْرِهَا لَا مُسْتَقِلَّةَ، فَلَمْ تُجْعَلْ كَالْحَمْدَلَةِ، وَنَحْوِهَا. 1 - (وَلَا يُجْهَرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) قَدْ مَضَى شَرْحُهُ، وَالْآنَ لَا يُجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ، وَإِنْ قُلْنَا هِيَ مِنَ الْفَاتِحَةِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا خِلَافَ عَنْهُ فِيهِ، وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ: لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: «لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ، وَلَا فِي آخِرِهَا» وَعَنْهُ: يَجْهَرُ لِأَخْبَارٍ مِنْهَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَمَّ النَّاسَ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إِسْنَادُهُمْ كُلِّهِمْ ثِقَاتٌ، وَعَنْهُ: بِالْمَدِينَةِ لِيَتَبَيَّنَ أَنَّهَا سُنَّةٌ، لِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يُنْكِرُونَهَا، كَمَا جَهَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ
[قراءة الفاتحة]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَعَنْهُ: يُجْهَرُ فِي نَفْلٍ، وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: هِيَ مِنَ الْفَاتِحَةِ جَهَرَ بِهَا، وَاخْتَارَ تَقِيُّ الدِّينِ: يُجْهَرُ بِهَا وَبِالتَّعَوُّذِ، وَبِالْفَاتِحَةِ بِالْجِنَازَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ أَحْيَانًا، فَإِنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ تَعْلِيمًا لِلسُّنَّةِ، وَلِلتَّأْلِيفِ، وَيُخَيَّرُ فِي غَيْرِ صَلَاةِ في الْجَهْرِ بِهَا، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَكَالْقِرَاءَةِ وَالتَّعَوُّذِ، وَعَنْهُ: يَجْهَرُ، وَعَنْهُ: لَا. [قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ] (ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ) وَهِيَ رُكْنٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِمَا رَوَى عُبَادَةُ مَرْفُوعًا: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ يَقُولُهُ ثَلَاثًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْخِدَاجُ: النُّقْصَانُ فِي الذَّاتِ نَقْصَ فَسَادٍ وَبُطْلَانٍ. تَقُولُ الْعَرَبُ: أَخْدَجَتِ النَّاقَةُ وَلَدَهَا أَيْ: أَلْقَتْهُ، وَهُوَ دَمٌ لَمْ يَتِمَّ خَلْقُهُ. فَإِنْ نَسِيَهَا فِي رَكْعَةٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِيمَا بَعْدَهَا مَرَّتَيْنِ، وَيَعْتَدُّ بِهَا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَعَنْهُ: فِي الْأُولَيَيْنِ، وَعَنْهُ: يَكْفِي آيَةٌ مِنْ غَيْرِهَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَصُرَتْ، وَلَوْ كَانَتْ كَلِمَةً، وَعَنْهُ: سَبْعٌ، وَعَنْهُ: مَا تَيَسَّرَ، وَعَنْهُ: لَا تَجِبُ قِرَاءَةٌ فِي غَيْرِ الْأُولَيَيْنِ، وَالْفَجْرِ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْفَاتِحَةَ تَتَعَيَّنُ فِي رَكْعَةٍ، وَيَأْتِي حُكْمُ الْمَأْمُومِ فِي قِرَاءَتِهَا. 1 - بَدِيعَةٌ: سُمِّيَتْ بِالْفَاتِحَةِ، لِأَنَّهُ يُفْتَتَحُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَبِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَتُسَمَّى الْحَمْدَ، وَالسَّبْعَ الْمَثَانِيَ، وَأُمَّ الْكِتَابِ، وَالْوَاقِيَةَ، وَالشَّافِيَةَ، وَالْأَسَاسَ، وَالصَّلَاةَ،
تَشْدِيدَةً، فَإِنْ تَرَكَ تَرْتِيبَهَا، أَوْ تَشْدِيدَةً مِنْهَا، أَوْ قَطَعَهَا بِذِكْرٍ كَثِيرٍ، أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا، فَإِذَا قَالَ: {وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] قَالَ: آمِينَ يَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَأُمَّ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ تَقْرِيرُ أُمُورِ الْإِلَهِيَّاتِ، وَالْمَعَادِ، وَالنُّبُوَّاتِ، وَإِثْبَاتِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ لِلَّهِ تَعَالَى فَالْحَمْدُ لِلَّهِ) إِلَى (الرَّحِيمِ) يَدُلُّ عَلَى الْإِلَهِيَّاتِ، و {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] يَدُلُّ عَلَى الْمَعَادِ و {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ، وَعَلَى إِثْبَاتِ أَنَّ الْكُلَّ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، و {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] إِلَى آخِرِهَا يَدُلُّ عَلَى الثَّوَابِ، وَتُسَمَّى الشِّفَاءَ، وَالشَّافِيَةَ، وَالسُّؤَالَ، وَالدُّعَاءَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: أَوْدَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا مَعَانِيَ الْقُرْآنِ كَمَا أَوْدَعَ فِيها مَعْنَى الْكُتُبِ السَّابِقَةِ، وَهِيَ أَفْضَلُ سُورَةٍ، قَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ، وَغَيْرُهُ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَدَنِيَّةٌ، وَخُطِّئَ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ فَهِيَ مَكِّيَّةٌ مَدَنِيَّةٌ (وَفِيهَا إِحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً) بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَهَذَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ مِنْهَا، فَيَصِيرُ فِيهَا أَرْبَعَةَ عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً، لِأَنَّ فِيهَا ثَلَاثَةً، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِقِرَاءَتِهَا مُرَتَّبَةً مُشَدَّدَةً غَيْرَ مَلْحُونٍ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى، مِثْلَ كَسْرِ كَافِ (إِيَّاكَ) أَوْ ضَمِّ تَاءِ (أَنْعَمْتَ) أَوْ فَتْحِ هَمْزَةَ الْوَصْلِ فِي (اهْدِنَا) 1 - (فَإِنْ تَرَكَ تَرْتِيبَهَا أَوْ تَشْدِيدَةً مِنْهَا أَوْ قَطَعَهَا بِذِكْرٍ كَثِيرٍ أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا) وَفِيهِ مَسَائِلُ. الْأُولَى: إِذَا تَرَكَ تَرْتِيبَ الْفَاتِحَةِ ابْتَدَأَهَا، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَؤُهَا مُرَتَّبَةً مُتَوَالِيَةً، وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَلِأَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ، وَالْإِعْجَازُ يَتَعَلَّقُ بِالنَّظْمِ وَالتَّرْتِيبِ، وَهِيَ رُكْنٌ، فَلَمْ يَجُزْ تَنْكِيسُهَا كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. الثَّانِيَةُ: إِذَا تَرَكَ شَدَّةً مِنْهَا لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا، لِأَنَّ الشَّدَةَ أُقِيمَتْ مَقَامَ حَرْفٍ، وَمَنْ تَرَكَ حَرْفًا مِنْهَا فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهَا، لِأَنَّ الْمُرَكَّبَ يَنْعَدِمُ بِعَدَمِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ " أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ شَدَّةٍ لأنها غير ثَابِتَةٍ فِي خَطِّ الْمُصْحَفِ، وَإِنَّمَا هِيَ صِفَةٌ لِلْحَرْفِ، وَيُسَمَّى تَارِكُهَا قَارِئًا لِلْفَاتِحَةِ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا لَيَّنَهَا، وَلَمْ يُحَقِّقْهَا عَلَى الْكَمَالِ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ فِي " الْجَامِعِ " هَذَا الْمَعْنَى فَيَكُونُ قَوْلُهُ مُتَّفِقًا، وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَالْمَأْمُومُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْفَاتِحَةَ، أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلَّمَهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQالثَّالِثَةُ: إِذَا أَطَالَ قَطَعَهَا بِذِكْرٍ كَثِيرٍ أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ غير مأموم لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا، لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُعْرِضًا عَنِ الْفَاتِحَةِ بِذَلِكَ، وَهُوَ عَلَى أَضْرُبٍ. أَحَدُهَا: قَطْعٌ بِذِكْرٍ أَوْ سُكُوتٍ مَشْرُوعٍ كَالتَّأْمِينِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَالتَّسْبِيحِ بِالتَّنْبِيهِ، وَاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ، وَإِنْ طَالَ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَكَذَا إِذَا سَمِعَ آيَةَ رَحْمَةٍ فَسَأَلَ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُعْرِضًا، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ إِذَا كَثُرَ اسْتَأْنَفَهَا. الثَّانِي: قَطْعٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، كَالتَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ ذَلِكَ مُبْطِلٌ لَهَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْكَثِيرَ مُبْطِلٌ، لِأَنَّهُ أُحِلَّ بِالْمُوَالَاةِ، بِخِلَافِ الْيَسِيرِ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ. الثَّالِثُ: قَطْعٌ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ فَهَذَا مُبْطِلٌ لَهَا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْجَمَاعَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِاخْتِيَارٍ أَوْ مَانِعٍ مِنْ عَقْلِهِ، أَوْ أُرْتِجَ عَلَيْهِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ يَسِيرًا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ لَمْ يَقْطَعْ قِرَاءَتَهَا، سَوَاءٌ نَوَى قَطْعَهَا أَوْ لَا، لِأَنَّهُ يَسِيرٌ فَعُفِيَ عَنْهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَكُونُ قَطْعُهَا مَعَ النِّيَّةِ لِتَحَقُّقِ الْإِعْرَاضِ، وَلَوْ نَوَى قَطْعَ الْقِرَاءَةِ لَمْ يَقْطَعْ، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِاللِّسَانِ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ بِخِلَافِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: إِنْ سَكَتَ مَعَ ذَلِكَ يَسِيرًا انْقَطَعَتْ. الرَّابِعُ: قَطْعٌ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ مَشْرُوعٍ، كَالْمَأْمُومِ يَشْرَعُ فِي الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ فَيُنْصِتُ، ثُمَّ يُتِمُّهَا بَعْدَ فَرَاغِ إِمَامِهِ، فَهَذَا لَا يُؤَثِّرُ، لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ كَالذِّكْرِ. مَسْأَلَةٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَؤُهَا مُرَتَّلَةً مُعْرَبَةً، يَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ لِقِرَاءَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَيُكْرَهُ الْإِفْرَاطُ فِي التَّشْدِيدِ، وَالْمَدِّ، وَالتَّرْجِيعِ، وَإِنْ أَحَالَ مِنْهَا مَعْنًى بِلَحْنٍ يَقْدِرُ عَلَى إِصْلَاحِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحُلْ صَحَّ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، فَإِنْ قَرَأَ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] بِظَاءٍ قَائِمَةٍ فَأَوْجُهٌ، ثَالِثُهَا: إِنْ عَرَفَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بَطَلَتْ، وَإِلَّا فَلَا. (فَإِذَا قَالَ: وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ: آمِينَ) بَعْدَ سَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا هِيَ طَابَعُ الدُّعَاءِ، وَمَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ، وَقِيلَ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى، وَيَحْرُمُ تَشْدِيدُ الْمِيمِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَعْنَى قَاصِدِينَ، وَيُخَيَّرُ فِي مَدِّ هَمْزَتِهِ وَقَصْرِهَا، وَالْمَدُّ أَوْلَى، ذَكَرَهُ الْقَاضِي (يَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ
قَرَأَ قَدْرَهَا فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ، وَقِيلَ: فِي عَدَدِ الْآيَاتِ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إِلَّا آيَةً وَاحِدَةً كَرَّرَهَا بِقَدْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتَرْجَمَ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَى أَبُو وَائِلٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ آمِينَ يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُؤَمِّنُ، وَيُؤَمِّنُونَ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلُجَّةً. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَعَنْ أَحْمَدَ: تَرْكُ الْجَهْرِ، وَعَلَى الْأُولَى، وَهِيَ الْأَصَحُّ يَقُولُهَا الْمَأْمُومُ بَعْدَ الْإِمَامِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مَعًا، وَإِنْ تَرَكَهُ إِمَامٌ أَوْ أَسَرَّهُ، جَهَرَ بِهِ مَأْمُومٌ لِيُذَكِّرَ النَّاسَ، فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى قَرَأَ غَيْرَهُ لَمْ يَقُلْهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِذِكْرِ الْمُنْفَرِدِ، وَحُكْمُهُ الْجَهْرُ بِهَا قِيَاسًا عَلَيْهِمَا. 1 - فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي التَّكْبِيرِ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا لَا يُسْتَحَبُّ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْفَاتِحَةَ) لَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا، لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَزِمَهُ تَحْصِيلُهَا إِذَا أَمْكَنَهُ كَشُرُوطِهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ إِمَّا لِبُعْد حفظه (أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِهَا) سَقَطَ. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: إِذَا طَالَ زَمَنُهُ (قَرَأَ) لِمَا رَوَى رِفَاعَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قِرَاءَةٌ فَاقْرَأْ، وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللَّهَ، وَهَلِّلْهُ، وَكَبِّرْ، ثُمَّ ارْكَعْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى الذِّكْرِ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْقِرَاءَةِ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ (قَدْرَهَا فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ) هَذَا قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ الثَّوَابَ مُقَدَّرٌ بِالْحَرْفِ فَكَفَى اعْتِبَارُهُ (وَقِيلَ فِي عَدَدِ الْآيَاتِ) دُونَ عَدَدِ الْحُرُوفِ (مِنْ غَيْرِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر: 87] وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَدَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعًا، وَلِأَنَّ مَنْ فَاتَهُ صَوْمٌ طَوِيلٌ لَمْ يَعْتَبِرْ فِي الْقَضَاءِ مِثْلَهُ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ بِعَدَدِ الْآيِ، وَالْحُرُوفِ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ، لِأَنَّ الْحَرْفَ مَقْصُودٌ بِدَلِيلِ تَقْدِيرِ الْحَسَنَاتِ بِهِ، كَالْآيِ، وَلِيَكُونَ الْبَدَلُ كَالْمُبْدَلِ حَسَبَ الْإِمْكَانِ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ قِرَاءَةُ آيَةٍ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إِلَّا آيَةً كَرَّرَهَا بِقَدْرِهَا) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "
عَنْهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى، وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إِلَّا بَعْضَ ذَلِكَ، كَرَّرَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQو" الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ بِمَثَابَةِ مَنْ قَرَأَهَا لِكَوْنِهَا مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ، وَظَاهِرُهُ لَوْ أَحْسَنَ آيَةً مِنْهَا فَقَطْ كَرَّرَهَا فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الْآيَةَ مِنْهَا أَقْرَبُ شَبَهًا إِلَى بَقِيَّةِ الْفَاتِحَةِ مِنْ غَيْرِهَا، وَالثَّانِي: يَقْرَؤُهَا مَرَّةً، وَيَعْدِلُ إِلَى الذِّكْرِ بِقَدْرِ بَقِيَّتِهَا، لِأَنَّهُ إِذَا قَرَأَهَا مَرَّةً فَقَدْ أَسْقَطَ فَرْضَهَا، فَيَجِبُ أَنْ لَا يُعِيدَهَا، كَمَنْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ لِغُسْلِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْبَدَلِ فِي الْبَاقِي، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يُحْسِنُ آخِرَهَا أَتَى قَبْلَهُ بِالذِّكْرِ كَبَدَلٍ، ثُمَّ أَتَى بِمَا يُحْسِنُ مِنْهَا، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ تَكْرَارُ آيَةٍ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقِيلَ: يَقْرَأُ الْآيَةَ، وَشَيْئًا مِنْ غَيْرِهَا، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ إِذَا أَحْسَنَ بَعْضَ آيَةٍ لَا يُكَرِّرُهَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، بَلْ يَعْدِلُ إِلَى غَيْرِهِ، وَقِيلَ: هِيَ كَآيَةٍ، وَالْآيَةُ الطَّوِيلَةُ كَآيَةِ الدَّيْنِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَكْرَارٍ بِخِلَافِ الْقَصِيرَةِ. (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتَرْجَمَ عَنْهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى) فِي الْمَنْصُوصِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: 2] وَ {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ} [الشعراء: 195] قَالَ أَحْمَدُ: الْقُرْآنُ مُعْجِزٌ بِنَفْسِهِ أَيْ: فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، قَالَ الْأَصْحَابُ: تَرْجَمَتُهُ بِالْفَارِسِيَّةِ لَا تُسَمَّى قُرْآنًا، فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ، وَلَا يَحْنَثُ بِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ، وَقِيلَ: يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19] وَإِنَّمَا يُنْذَرُ كُلُّ قَوْمٍ بِلِسَانِهِمْ، وَجَوَابُهُ مَا سَبَقَ (وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي، فَعَلَّمَهُ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ،
بِقَدْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ الذِّكْرِ، وَقَفَ بِقَدْرِ الْقِرَاءَةِ. ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَزَادَ: فِي صَلَاتِي بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ قَارِئٍ، زَادَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَوْقَلَةِ: الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، وَلِأَنَّ هَذَا بَدَل من غير الْجِنْسِ أَشْبَهَ التَّيَمُّمَ، وَعَنْهُ: يُكَرِّرُهُ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ، وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالْمَذْهَبُ إِسْقَاطُ الْحَوْقَلَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَعَنْهُ: يَزِيدُ عَلَى الْخَمْسِ جُمْلَتَيْنِ لِتَصِيرَ سَبْعَ جُمَلٍ بَدَلَ آيَاتِ الْفَاتِحَةِ مِنْ أَيِّ ذِكْرٍ شَاءَ، فذكر الحلواني: وَيَحْمَدُ، وَيُكَبِّرُ، وَذَكَرَ ابْنُهُ فِي " التَّبْصِرَةِ " يُسَبِّحُ، وَنَقَلَهُ صَالِحٌ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: وَيُكَبِّرُ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: وَيُهَلِّلُ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: يَحْمَدُ، وَيُكَبِّرُ، وَيُهَلِّلُ، وَاحْتَجَّ بِخَبَرِ رِفَاعَةَ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْكُلُّ، وَلَا شَيْءٌ مُعَيَّنٌ. فَرْعٌ: إِذَا صَلَّى وَتَلَقَّفَ الْقِرَاءَةَ مِنْ غَيْرِهِ صَحَّتْ، ذَكَرَهُ فِي " النَّوَادِرِ " وَفِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ عَلَى الْأَشْهَرِ يَلْزَمُ غَيْرَ حَافِظٍ يَقْرَأُ مِنْ مُصْحَفٍ. (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إِلَّا بَعْضَ ذَلِكَ كَرَّرَهُ بِقَدْرِهِ) كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ يُحْسِنُ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ الذِّكْرِ) زَادَ بَعْضُهُمْ: وَعَجَزَ عَنْ قَارِئِ يَوْمِهِ (وَقَفَ بِقَدْرِ الْقِرَاءَةِ) أَيْ: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " لِأَنَّ الْقِيَامَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ فَمَعَ الْقُدْرَةِ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ وَالْقِيَامُ بِقَدْرِهَا، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ الْآخَرُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . مَسْأَلَةٌ: يُسْتَحَبُّ سُكُوتُ الْإِمَامِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ لِيَقْرَأَ مَنْ خَلْفَهُ لِئَلَّا يُنَازعَ فِيهَا، كَنَصِّهِ عَلَى السُّكُوتِ قَبْلَهَا، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: يَسْكُتُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَبَعْدَهَا. وَقِيلَ: ظَاهِرُ
[قراءة سورة بعد الفاتحة]
سُورَةً تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طُوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ، وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْأُولَيَيْنِ فِي الْمَغْرِبِ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ السَّكْتَةَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ كُلِّهَا، لِئَلَّا يَصِلَ الْقِرَاءَةَ بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ، وَلَا يُسَنُّ السُّكُوتُ لِيَقْرَأَ الْمَأْمُومُ. [قِرَاءَةُ سُورَةٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ] (ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً) كَامِلَةً نَدْبًا يَبْتَدِئُهَا بِالْبَسْمَلَةِ، نُصَّ عَلَيْهِ سِرًّا، وَفِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَهْرِ هُنَا كَالْخِلَافِ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ (تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طُوَالِ الْمُفَصَّلِ) وَهُوَ مِنْ (قَافٍ) وَفِي الْفُنُونِ مِنْ (الْحُجُرَاتِ) وَقِيلَ: مِنَ (الْقِتَالِ) وَقِيلَ: مِنَ (وَالضُّحَى) وَهُوَ غَرِيبٌ (وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ) لِمَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ فُلَانٍ، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَصَلَّيْتُ خَلْفَهُ فَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْغَدَاةِ بِطُوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِهِ، وَفِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَإِنْ قَرَأَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَاضِحِ " فِي الْمَغْرِبِ، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ لَمْ يُكْرَهْ بِأَقْصَرَ مِنْ ذَلِكَ كَمَرَضٍ، وَسَفَرٍ، وَنَحْوِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ كُرِهَ بِقِصَارِهِ فِي فَجْرٍ، لَا بِطُوَالِهِ فِي مَغْرِبٍ، نُصَّ عَلَيْهِمَا، وَعَنْهُ: يَجِبُ بَعْدَهَا قِرَاءَةُ شَيْءٍ، فَظَاهِرُهُ، وَلَوْ بَعْضُ آية لظاهر الْخَبَرِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ: تُكْرَهُ الْفَاتِحَةُ فَقَطْ، وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ، وَإِنْ قَصُرَتْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِهَا. قَالَ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ: تَجُوزُ آيَةٌ إِلَّا أَنَّ أَحْمَدَ اسْتَحَبَّ كَوْنَهَا طَوِيلَةً كَآيَةِ الدَّيْنِ، وَالْكُرْسِيِّ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ تَفْرِيقِ السُّورَةِ فِي رَكْعَتَيْنِ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَإِنْ قَرَأَ السُّورَةَ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ لَمْ تَقَعْ مَوْقِعَهَا. فَائِدَةٌ: ذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ أَقَلَّ مِنَ الْأُولَى، وَفِي الظُّهْرِ أَكْثَرَ مِنَ الْعَصْرِ، وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالسَّامِرِيُّ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى مِنَ الظُّهْرِ بِنَحْوِ ثَلَاثِينَ آيَةً، وَفِي الْأُولَى مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَنُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ ".
[الصلوات التي يجهر الإمام فيها بالقراءة]
وَالْعِشَاءِ، وَإِنْ قَرَأَ بِقِرَاءَةٍ تَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَعَنْهُ: تَصِحُّ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الصَّلَوَاتُ الَّتِي يَجْهَرُ الْإِمَامُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ] (وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْأُولَيَيْنِ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنِ السَّلَفِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لِلْمَأْمُومِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ، وَصَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِالْكَرَاهَةِ، وَقِيلَ: يُجْهَرُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ بِالْحَمْدِ. وَلَا لِلْمُنْفَرِدِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ، لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ سَمَاعُ غَيْرِهِ، أَشْبَهَ الْمَأْمُومَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ الْإِمَامِ، وَعَنْهُ: يُسَنُّ لَهُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالْإِنْصَاتِ، أَشْبَهَ الْإِمَامَ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: تَرْكُهُ أَفْضَلُ، وَقِيلَ: يَجْهَرُ فِي غَيْرِ بَدَلِ الْجُمْعَةِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهَا أَجْنَبِيٌّ فَقِيلَ: تَجْهَرُ كَالرَّجُلِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا، قَالَ الْقَاضِي: أَطْلَقَ الْمَنْعَ. فَرْعٌ: يخير القائم لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ بَيْنَ جَهْرٍ وَإِخْفَاتٍ، وَيُسِرُّ فِي قَضَاءِ صَلَاةِ جَهْرٍ نَهَارًا مُطْلَقًا، وَيَجْهَرُ بِهَا لَيْلًا فِي جَمَاعَةٍ. مَسْأَلَةٌ: يُكْرَهُ جَهْرُ إِمَامٍ أَوْ مُنْفَرِدٍ نَهَارًا فِي نَفْلٍ، زَادَ بَعْضُهُمْ: لَا يُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ، وَقِيلَ: لَا، وَيُخَيَّرُ لَيْلًا، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ إِذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ، وَفِعْلُهُ إِذَا كَانَ فِيهِ نَفْعٌ. (وَإِنْ قَرَأَ بِقِرَاءَةٍ تَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ) كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ) (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنَجَّا أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ ثَبَتَ بِطَرِيقٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَهُوَ التَّوَاتُرُ، وَلَا تَوَاتُرَ فِيهَا، بَلْ أَجْمَعَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ (وَعَنْهُ: تَصِحُّ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَفِي " الْفُرُوعِ " مَعَ الْكَرَاهِيَةِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهَا أَنَصُّهُمَا لِصَلَاةِ الصَّحَابَةِ بَعْضُهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ،
[الركوع وصفته]
ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَرْكَعُ مُكَبِّرًا، فَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ مُسْتَوِيًا، وَيَجْعَلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلْيَقْرَأْ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِي ابْنِ الْمُنَجَّا: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَقَالَ أَئِمَّةٌ مِنَ السَّلَفِ: مُصْحَفُ عُثْمَانَ أَحَدُ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ، وَشَرْطُهُ اتِّصَالُ سَنَدِهِ، وَفِي تَعْلِيقِ الْأَحْكَامِ بِهِ الرِّوَايَتَانِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ تَمِيمٍ أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمَا، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ، وَلَا تُجْزِئُ عَنْ رُكْنِ الْقِرَاءَةِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهَا تَصِحُّ بِمَا وَافَقَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ، زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَصَحَّ سَنَدُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قُرَّاءِ الْعَشْرَةِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَفِي تَعْلِيقِ الْأَحْكَامِ بِهِ رِوَايَتَانِ، وَاخْتَارَ أَحْمَدُ قِرَاءَةَ نَافِعٍ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، وَعَنْهُ: قِرَاءَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كُلُّهَا سَوَاءٌ، ثُمَّ قِرَاءَةُ عَاصِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، ثُمَّ قِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ، وَأَثْنَى أَحْمَدُ عَلَى قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو غَيْرَ أَنَّهُ كَرِهَ إِدْغَامَهُ الْكَبِيرَ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، وَعَنْهُ: تُكْرَهُ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ لِمَا فِيهِمَا مِنَ الْكَسْرِ، وَالْإِدْغَامِ الشَّدِيدَيْنِ، وَزِيَادَةِ الْمَدِّ. فَعَلَى هَذَا إِنْ أَظْهَرَ وَلَمْ يُدْغِمْ، وَفَتَحَ وَلَمْ يُمِلْ، فَلَا كَرَاهَةَ، وَالصَّلَاةُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ صَحِيحَةٌ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّ أَحْمَدَ لَمْ يَكْرَهْ قِرَاءَةَ أَحَدٍ مِنَ الْعَشْرَةِ إِلَّا مَا ذُكِرَ عَنْ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ، وَإِنْ كَانَ فِي الْقِرَاءَةِ زِيَادَةُ حَرْفٍ، فَهِيَ أَوْلَى، لِأَجْلِ الْعَشْرِ حَسَنَاتٍ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ الْحَرْفَ الْكَلِمَةُ، وَفِي الْمَذْهَبِ: يُكْرَهُ بِمَا خَالَفَ عُرْفَ الْبَلَدِ. [الرُّكُوعُ وَصِفَتُهُ] (ثُمَّ) إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ ثَبَتَ قَائِمًا، وَسَكَتَ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيْهِ نَفْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ، وَلَا يَصِلُ قِرَاءَتَهُ بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، لِحَدِيثِ سَمُرَةَ، «فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ سَكَتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (يَرْفَعُ يَدَيْهِ) مَعَ ابْتِدَاءِ الرُّكُوعِ، وَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ فِي قَوْلِ خَلَائِقَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، وَبَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأَسَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
رَأْسَهُ حِيَالَ ظَهْرِهِ، وَلَا يَرْفَعُهُ وَلَا يُخَفِّضُهُ، وَيُجَافِي مَرْفِقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَقَدْرُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى رَجُلًا لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَصَبَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْفَعَ، وَمَضَى عَمَلُ السَّلَفِ عَلَى هَذَا (وَيَرْكَعُ مُكَبِّرًا) وَهُوَ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ خَفْضٍ، وَرَفْعٍ فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَيَضَعُ يَدَيْهِ) مُفَرَّجَتَيِ الْأَصَابِعِ (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) اسْتِحْبَابًا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى التَّطْبِيقِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْمُصَلِّي إِحْدَى كَفَّيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، ثُمَّ يَجْعَلَهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِذَا رَكَعَ، وَهَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ، وَقَدْ فَعَلَهُ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ فَنَهَاهُ أَبُوهُ، وَقَالَ: «كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِكَ، فَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَإِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْمَذْهَبُ أَنْ يُفَرِّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَرَّجَ أَصَابِعَهُ مِنْ وَرَاءِ رُكْبَتَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَفِي " الْكَافِي " أَنَّهُ يَكُونُ قَابِضًا لِرُكْبَتَيْهِ (وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ مُسْتَوِيًا، وَيَجْعَلُ رَأْسَهُ حِيَالَ ظَهْرِهِ) اتِّفَاقًا (وَلَا يَرْفَعُهُ، وَلَا يخفِضُهُ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا رَكَعَ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ إِذَا رَكَعَ، لَوْ كَانَ قَدَحُ مَاءٍ عَلَى ظَهْرِهِ مَا تَحَرَّكَ، لِاسْتِوَاءِ ظَهْرِهِ ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " وَالْمَحْفُوظُ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ
الْإِجْزَاءِ الِانْحِنَاءُ بِحَيْثُ يُمْكِنُ مَسُّ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثًا، وَهُوَ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ سَوَّى ظَهْرَهُ حَتَّى لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لَاسْتَقَرَّ» (وَيُجَافِي مَرْفِقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ) لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا، وَوَتَرَ يَدَيْهِ فَنَحَّاهُمَا عَنْ جَنْبَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ (وَقَدْرُ الْإِجْزَاءِ) فِي رُكُوعٍ (الِانْحِنَاءُ بِحَيْثُ يَمَسُّ رُكْبَتَيْهِ) بِيَدَيْهِ كَذَا ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، وَجَمَاعَةٌ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رَاكِعًا بِدُونِهِ، وَلَا يُخْرَجُ عَنْ حَدِّ الْقِيَامِ إِلَى الرُّكُوعِ إِلَّا بِهِ، وَالِاعْتِبَارُ بِمُتَوَسِّطِي النَّاسِ لَا بِالطَّوِيلِ الْيَدَيْنِ، وَلَا بِقَصِيرِهِمَا، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِي " الْفُرُوعِ " أَوْ قَدْرُهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: فِي أَقَلَّ مِنْهُ احْتِمَالَانِ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ: أَدْنَاهُ الِانْحِنَاءُ بِحَيْثُ تَنَالُ كَفَّاهُ رُكْبَتَيْهِ، وَفِي " الْوَسِيلَةِ " نُصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذَا مَشْرُوعٌ، وَقَالَ الْمَجْدُ: وَضَابِطُ الْإِجْزَاءِ الَّذِي لَا يُخْتَلَفُ أَنْ يَكُونَ انْحِنَاؤُهُ إِلَى الرُّكُوعِ الْمُعْتَدِلِ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى الْقِيَامِ الْمُعْتَدِلِ، فَإِنْ كَانَتَا عَلِيلَتَيْنِ لَا يُمْكِنُهُ وَضْعُهُمَا انْحَنَى وَلَمْ يَضَعْهُمَا، فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَلِيلَةً، وَضَعَ الْأُخْرَى ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي ". 1 - فَرْعٌ: إِذَا سَقَطَ مِنْ قِيَامٍ أَوْ رُكُوعٍ، وَلَمْ يَطْمَئِنَّ، عَادَ إِلَى الرُّكُوعِ فَاطْمَأَنَّ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُومَ، ثم يركع، وَإِنِ اطْمَأَنَّ فِي رُكُوعِهِ ثُمَّ سَقَطَ انْتَصَبَ قَائِمًا، ثُمَّ سَجَدَ وَلَا يُعِيدُ الرُّكُوعَ، لِأَنَّ فَرْضَهُ قَدْ سَقَطَ، وَالِاعْتِدَالَ عَنْهُ قَدْ سَقَطَ بِقِيَامِهِ، وَإِنْ رَكَعَ، ثُمَّ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ سَجَدَ عَنِ الرُّكُوعِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ قَبْلَ سُجُودِهِ عَادَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَوْدُ إِلَى الْقِيَامِ، لِأَنَّ السُّجُودَ قَدْ صَحَّ، وَأَجْزَأَ، فَسَقَطَ مَا قَبْلُهُ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فَإِنْ قَامَ مِنْ سُجُودِهِ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بَطَلَتْ، لِأَنَّهُ زَادَ فِعْلًا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا، وَيَعُودُ إِلَى جِلْسَةِ الْفَصْلِ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. 1 - (وَيَقُولُ) فِي رُكُوعِهِ (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ) لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ
[الرفع من الركوع وصفته]
أَدْنَى الْكَمَالِ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلًا: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ. فَإِذَا قَامَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْعَظِيمِ، وَفِي سُجُودِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ، وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74] قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] قَالَ: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَعَنْهُ: الْأَفْضَلُ وَيَحْمَدُهُ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، قَالَ أَحْمَدُ: جَاءَ هَذَا وَهَذَا، وَالْوَاجِبُ مَرَّةً (ثَلَاثًا) وَهُوَ أَدْنَى (الْكَمَالِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ، وَإِذَا سَجَدَ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ» هَذَا مُرْسَلٌ، لِأَنَّ عَوْنًا لَمْ يَلْقَ ابْنَ مَسْعُودٍ. فَالْكَمَالُ لِلْمُنْفَرِدِ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَخَفْ سَهْوًا، وَقِيلَ: بِقَدْرِ قِيَامِهِ، وَقِيلَ: سَبْعٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَقِيلَ: عَشْرٌ، وَالْإِمَامُ إِلَى عَشْرٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ مَا لَمْ يُؤَثِّرْ مَأْمُومٌ، وَقِيلَ: مَا لم يشق، وَظَاهِرُ الْوَاضِحِ قَدْرَ قِرَاءَتِهِ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ خَمْسًا لِيُدْرِكَ الْمَأْمُومُ ثَلَاثًا، وَأَمَّا الْوَسَطُ فَقَالَ أَحْمَدُ جَاءَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ التَّسْبِيحُ التَّامُّ سَبْعٌ، وَالْوَسَطُ خَمْسٌ، وَأَدْنَاهُ ثَلَاثٌ. [الرَّفْعُ مِنَ الرُّكُوعِ وَصِفَتُهُ] (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلًا: سَمِعَ اللَّهُ لمن حمده) إِنْ كَانَ إِمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبُرَيْدَةَ: «يَا بُرَيْدَةُ إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَقُلْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» وَظَاهِرُهُ أَنَّ تَرْتِيبَ هَذَا الذِّكْرِ وَاجِبٌ، فَلَوْ قَالَ: مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَ لَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ لِتَغَيُّرِ الْمَعْنَى، فَإِنَّ الْأَوَّلَ صِيغَةٌ تَصْلُحُ لِلدُّعَاءِ، مَعْنَى سَمِعَ أَجَابَ، وَالثَّانِي صِيغَةُ شَرْطٍ وَجَزَاءٍ، فَافْتَرَقَا، أَشْبَهَ مَا
قَالَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQلَوْ نَكَّسَ التَّكْبِيرَ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، رَفَعَهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَيَرْفَعُهُمَا مَعَ رَفْعِ رَأْسِهِ فِي رِوَايَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ، وَعَنْهُ: بَعْدَ اعْتِدَالِهِ، نَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ رَأَى أَحْمَدَ يَفْعَلُهُ، وَقِيلَ: يَرْفَعُهُمَا الْمَأْمُومُ مَعَ رَأْسِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَقِّهِ ذِكْرٌ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ، وَالرَّفْعُ إِنَّمَا جُعِلَ هَيْئَةً لِلذِّكْرِ، وَكَذَا الْمُنْفَرِدُ، إِنْ قُلْنَا: لَا يَقُولُ بَعْدَ الرَّفْعِ شَيْئًا (فَإِذَا قَامَ) أَيِ: اعْتَدَلَ قَائِمًا (قَالَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) هَذَا مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ كُلِّ مُصَلٍّ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ إِثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا، وَبِهَا أُفَضِّلُ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَيَكُونُ أَكْثَرَ حُرُوفًا، وَيَتَضَمَّنُ الْحَمْدَ مُقَدَّرًا أَوْ مُظْهَرًا، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ: رَبَّنَا حَمِدْنَاكَ، وَلَكَ الْحَمْدُ، لِأَنَّ الْوَاوَ لَمَّا كَانَتْ لِلْعَطْفِ، وَلَا شَيْءَ هَا هُنَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ ظَاهِرًا، دَلَّ أَنَّ فِي الْكَلَامِ مُقَدَّرًا، وَهُوَ قَوْلُ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَبِلَا (وَاوٍ) أَفْضَلُ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَكْثَرُ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» ، وَعَنْهُ: يَقُولُ: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» ، وَلَا يَتَخَيَّرُ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": وَكَيْفَمَا قَالَ جَازَ، وَكَانَ حَسَنًا، لِأَنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ بِهِ. فَرْعٌ: إِذَا عَطَسَ حَالَ رَفْعِهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ لَهُمَا لَا يُجْزِئُهُ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُخَلِّصْهُ لِلرَّفْعِ، وَصَحَّحَ الْمُؤَلِّفُ الْإِجْزَاءَ كَمَا لَوْ قَالَهُ ذَاهِلًا، وَإِنْ نَوَى أَحَدَهُمَا تَعَيَّنَ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الْآخَرِ.
فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا لَمْ يَزِدْ عَلَى: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ «مِلْءَ السَّمَاءِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» أَيْ: حَمْدًا لَوْ كَانَ أَجْسَامًا لَمَلَأَ ذَلِكَ، وَلِمُسْلِمٍ، وَغَيْرِهِ: «وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا» وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ فِي الْأَخْبَارِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ، وَالْأَصْحَابُ، لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالْمَعْرُوفُ فِي الْأَخْبَارِ (السَّمَاوَات) لِمَا رَوَى عَلِيٌّ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " كَـ " الْمُقْنِعِ "، وَهَذَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَصْحَابِ، إِذِ الْأَصْلُ التَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا سِيَّمَا وَقَدْ عَضَّدَهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَعَنْهُ: يَقْتَصِرُ الْمُنْفَرِدُ عَلَى التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ فَقَطْ حَطًّا لَهُ عَنْ رُتْبَةِ الْإِمَامِ، وَرَفْعًا لَهُ عَنْ رُتْبَةِ الْمَأْمُومِ، لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْهُ لِعَدَمِ تَبَعِيَّتِهِ، وَعَنْهُ: يُسَمِّعُ فَقَطْ، وَعَنْهُ: عَكْسُهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ، وَخَصَّهَا فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " بِالْفَرِيضَةِ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ عَامٌّ، وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو الْحَارِثِ: إِنْ شَاءَ قَالَ: أَهْل الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، قَالَ أَحْمَدُ: وَأَنَا أَقُولُهُ، فَظَاهِرُهُ يُسْتَحَبُّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ". (فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا لَمْ يَزِدْ عَلَى: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ
[السجود وصفته]
وَيَخِرُّ سَاجِدًا، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ، وَيَكُونُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْحَمْدُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاقْتِصَارُهُ عَلَى أَمْرِهِمْ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ فِي حَقِّهِمْ سِوَاهُ، وَيَأْتِي بِهِ حِينَ يَرْفَعُ، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ فِي الرَّفْعِ عَقِيبَ تَسْمِيعِ الْإِمَامِ فَيَحْمَدُ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ فَيَقُولَانِ ذَلِكَ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ مِنَ الرُّكُوعِ، لِأَنَّهُمَا فِي حَالِ الرَّفْعِ يَشْرَعَانِ فِي التَّسْمِيعِ (إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) فَإِنَّهُ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ: مِلْءَ السَّمَاءِ إِلَى آخِرِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ، وَاخْتَارَهَا صَاحِبُ " النَّصِيحَةِ "، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ بَقِيَّةَ الْأَذْكَارِ، وَظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ الزِّيَادَةِ عِنْدَهُ بِمَا بَعْدَ التَّحْمِيدِ، وَفِي " الْمُغْنِي " لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْمُؤْتَمَّ لَا يسمعُ، لِأَنَّهُ أُمِرَ بِالتَّحْمِيدِ عَقِيبَ تَسْمِيعِ إِمَامِهِ، وَعَنْهُ: وَيسمعُ، وَحَكَاهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " قَوْلًا كَالْإِمَامِ، وَالْمُنْفَرِدِ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ لَهُمَا، فَشُرِعَ لِلْمَأْمُومِ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ، وَجَوَابُنَا بِأَنَّ حَدِيثَنَا خَاصٌّ بِالْمَأْمُومِ، وَحَدِيثَ بُرَيْدَةَ عَامٌّ، وَتَقْدِيمُ الصَّحِيحِ الْخَاصِّ أَوْلَى، مَعَ أَنَّ إِسْنَادَ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ شِمْرٍ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ. مَسْأَلَةٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِهَيْئَةِ الْيَدَيْنِ بَعْدَ الرَّفْعِ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ: إِنْ شَاءَ أَرْسَلَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ وَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَفِي الْمَذْهَبِ، و" التَّلْخِيصِ " يُرْسِلُهُمَا. [السُّجُودُ وَصِفَتُهُ] (ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَخِرُّ سَاجِدًا) لِلنُّصُوصِ (وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَعَنْهُ: فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي حُمَيْدٍ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ، وَحَيْثُ اسْتَحَبَّ رَفَعَهُمَا فَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ، مَنْ رَفَعَ أَتَمُّ صَلَاةً، وَعَنْهُ: لَا أَدْرِي، قَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا تَوَقَّفَ عَلَى نَحْوِ مَا يَقُولُهُ ابْنُ سِيرِينَ أَنَّ الرَّفْعَ مِنْ تَمَامِ صِحَّتِهَا، لِأَنَّهُ قَدْ حُكِيَ عَنْهُ: أَنَّ مَنْ تَرَكَهُ يُعِيدُ، وَلَمْ يَتَوَقَّفْ أَحْمَدُ عَنِ التَّمَامِ الَّذِي هُوَ تَمَامُ فَضِيلَةٍ وَسُنَّةٍ، وَمَنْ تَرَكَهُ فَقَدْ تَرَكَ السُّنَّةَ (فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَدَيْهِ) عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ
عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، وَالسُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَاجِبٌ، إِلَّا الْأَنْفَ عَلَى إِحْدَى ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُ عَامَّتِهِمْ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ شَرِيكٍ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ شَرِيكٍ، وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالْمُصَلِّي، وَأَحْسَنُ فِي الشَّكْلِ، وَرَأْيُ الْعَيْنِ، وَعَنْهُ: عَكْسُهُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ، وَلَا يَبْرُكْ بُرُوكَ الْبَعِيرِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، لَكِنْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: حَدِيثُ وَائِلٍ أَصَحُّ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: هُوَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَتَقْدِيرُ مُسَاوَاتِهِ فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِمَا رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ، فَأُمِرْنَا بِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ» لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ وَالْبُخَارِيُّ، وَالْمُرَادُ بِالْيَدَيْنِ هَا هُنَا الْكَفَّانِ (ثُمَّ جَبْهَتُهُ، وَأَنْفُهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا سَجَدَ أَمْكَنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنَ الْأَرْضِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ (وَيَكُونُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ) أَيْ: أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ، وَيَثْنِيهِمَا إِلَى الْقِبْلَةِ ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» ذَكَرَ مِنْهَا أَطْرَافَ الْقَدَمَيْنِ، وَفِي الصَّحِيحِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ، وَلَا قَابِضِهُمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «وَفَتَخَ أَصَابِعَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQرِجْلَيْهِ» وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " أَنَّهُ يُقِيمُ قَدَمَهُ، وَيَجْعَلُ بُطُونَ أَصَابِعِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ، وَقَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": يَجِبُ جَعْلُ بَاطِنِ أَطْرَافِهَا إِلَى الْقِبْلَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا نِعَالٌ أَوْ خُفٌّ، وَقِيلَ: يَجِبُ فَتْحُهَا إِنْ أَمْكَنَ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَيُكْرَهُ أَنْ يُلْصِقَ كَعْبَيْهِ فِي سُجُودِهِ قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ". 1 - فَرْعٌ: إِذَا سَقَطَ عَلَى جَنْبِهِ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ انْقَلَبَ سَاجِدًا لَمْ يُجْزِئْهُ سُجُودُهُ حَتَّى يَنْوِيَهُ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَهَيْئَتِهَا، وَإِنْ سَقَطَ مِنْهُ سَاجِدًا أَجْزَأَهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، لِأَنَّهُ عَلَى هَيْئَتِهَا فَلَوْ قَطَعَ النِّيَّةَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِئْهُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. 1 - (وَالسُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَاجِبٌ) أَيْ: رُكْنٌ مَعَ الْقُدْرَةِ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قَوْلًا وَاحِدًا، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْجَبْهَةِ، ذَكَرَهَا الْآمِدِيُّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «سَجَدَ وَجْهِي» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْوَجْهِ، وَبِهِ يُسَمَّى سَاجِدًا لَا بِوَضْعِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْضَاءِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ السُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لَوَجَبَ كَشْفُهَا كَالْجَبْهَةِ، قَالَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ ": هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَدْ نُصَّ فِي الْمَرِيضِ يَرْفَعُ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ قَدْ أَخَلَّ بِالسُّجُودِ عَلَى يَدَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " فَعَلَى هَذِهِ فَيَكُونُ السُّجُودُ عَلَى الْبَقِيَّةِ سُنَّةً، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرَابٍ: وَجْهُهُ، وَكَفَّاهُ، وَرُكْبَتَاهُ، وَقَدَمَاهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَجَابَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " بِأَنَّ سُجُودَ الْوَجْهِ لَا يَنْفِي سُجُودَ مَا عَدَاهُ، وَسُقُوطَ الْكَشْفِ لَا
الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلَّى بِشَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا الْجَبْهَةَ عَلَى إِحْدَى ـــــــــــــــــــــــــــــQيَمْنَعُ وُجُوبَ السُّجُودِ، فَإِنَّا نَمْنَعُ فِي الْجَبْهَةِ عَلَى رِوَايَةٍ، وَلَوْ سَلِمَ فَالْجَبْهَةُ هِيَ الْأَصْلُ فِي السُّجُودِ، وَهِيَ تُكْشَفُ عَادَةً بِخِلَافِ غَيْرِهَا (إِلَّا الْأَنْفَ) فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ السُّجُودُ عَلَيْهِ (عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) اخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ، وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهَا الْقَاضِي قَالَهُ فِي الْوَسِيلَةِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَذْكُرِ الْأَنْفَ مِنْهَا، وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ بِأَعْلَى جَبْهَتِهِ عَلَى قُصَاصِ الشَّعْرِ» رَوَاهُ تَمَّامُ فِي " فَوَائِدِهِ " وَإِذَا سَجَدَ بِأَعْلَى الْجَبْهَةِ لَمْ يَسْجُدْ عَلَى الْأَنْفِ، وَالثَّانِيَةُ: " رُكْنٌ " ذَكرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهَا الْمَشْهُورَةُ، وَقَدَّمَهَا ابْنُ تَمِيمٍ وَالْجَدُّ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ الْمُنَجَّا وَغَيْرُهُ لِمَا تَقَدَّمَ، فَمَتَى أَخَلَّ بِالسُّجُودِ عَلَى عُضْوٍ مِنْ هَذِهِ لَمْ تَصِحَّ. تَنْبِيهٌ: إِذَا عَجَزَ عَنِ السُّجُودِ بِغَيْرِ الْجَبْهَةِ سَجَدَ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَا أَمْكَنَهُ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْهُبُوطُ، وَلَا يَحْصُلُ بِالرَّفْعِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْجَبْهَةِ لِعَارِضٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ سَقَطَ عَنْهُ السُّجُودُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَرِيضِ يَرْفَعُ إِلَى جَبْهَتِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ: إِنَّهُ يُجْزِئُهُ، حَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: لَا يَسْقُطُ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ " لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَضْعُهُ بِدُونِ بَعْضِهَا، وَيُمْكِنُ رَفْعُهُ بِدُونِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَيُجْزِئُهُ بَعْضُ كُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا، وَذَكَرَ فِي " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ يَجِبُ سُجُودُهُ بِبَاطِنِ كَفِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَقِيلَ: وَأَصَابِعُهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، وَلَا يُجْزِئُ سُجُودُهُ عَلَى أنفه عَنْ جَبْهَتِهِ وِفَاقًا، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْإِجْزَاءَ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَهُ إِلَى هَذَا، قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْجَبْهَةَ وَالْأَنْفَ عُضْوٌ وَاحِدٌ، لِإِشَارَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَيْهِ، وَالْعُضْوُ الْوَاحِدُ يُجْزِئُ السُّجُودُ عَلَى بَعْضِهِ. (وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلَّى بِشَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، وَهُوَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQإِجْمَاعٌ فِي الْقَدَمَيْنِ، لِصِحَّةِ صَلَاةِ لَابِسِ الْخُفَّيْنِ، وَفِي الرُّكْبَتَيْنِ لِاتِّصَالِهِمَا بِالْعَوْرَةِ أَوْ مِنْهَا، عِنْدَ بَعْضٍ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ فِي الْيَدَيْنِ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: «جَاءَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا يَدَيْهِ فِي ثَوْبِهِ إِذَا سَجَدَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ (إِلَّا الْجَبْهَةَ) فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلَّى بِهَا (عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ لِقَوْلِ خَبَّابٍ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا، فَلَمْ يُشْكِنَا» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَلَيْسَ فِيهِ جِبَاهُنَا وَأَكُفُّنَا، وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَحْسِرِ الْعِمَامَةَ عَنْ جَبْهَتِهِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ السُّجُودَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةَ، وَلِأَنَّهُ سَجَدَ عَلَى مَا هُوَ حَائِلٌ لَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَجَدَ عَلَى يَدَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ، وَهِيَ الْأَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصَرَهَا فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الْقَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ، وَيَدَاهُ فِي كُمِّهِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْجُدُونَ، وَأَيْدِيهِمْ فِي ثِيَابِهِمْ، وَعَلَى عَمَائِمِهِمْ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ أَوْ كُمِّهِ أَوْ ذَيْلِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ خَبَّابٍ أَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ مَا
الرِّوَايَتَيْنِ، وَيُجَافِي عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَبَطْنَهُ عَنْ فَخْذَيْهِ، وَيَضَعُ يَدَيْهِ، حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQيُزِيلُ عَنْهُمْ ضَرَرَ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ أَوْ تَسْقِيفِ الْمَسْجِدِ أَوْ نَحْوِهِ، لَا أَنَّهُمْ طَلَبُوا الرُّخْصَةَ فِي السُّجُودِ عَلَى الْعَمَائِمِ، وَالْأَكْمَامِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا طَلَبَهُ الْفُقَرَاءُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَمَائِمُ، وَلَا أَكْمَامٌ طِوَالٌ يَتَّقُونَ بِهَا الرَّمْضَاءَ، وَعَلَى الصِّحَّةِ فَفِي كَرَاهَةِ حَائِلٍ مُتَّصِلٍ حَتَّى طِينٍ كَثِيرٍ رِوَايَتَانِ، وَلَا يُكْرَهُ لِعُذْرٍ، نَقَلَهُ صَالِحٌ، وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ أَنَّ ظَاهِرَ مَا نَقَلَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَا فَرْقَ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، بَلْ قَالَ جَمَاعَةٌ: يُكْرَهُ بِمَكَانٍ شَدِيدِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لِتَرْكِ الْخُشُوعِ، كَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ. 1 - مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: إِذَا سَجَدَ عَلَى يَدَيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ السُّجُودَ عليهَا يُفْضِي إِلَى تَدَاخُلِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ: لَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ نَصًّا فِيهَا، وَيُجْزِئُهُ إِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ السُّجُودُ عَلَى غَيْرِ الْجَبْهَةِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ، فَلَا، لِئَلَّا يَتَدَاخَلَ مَحَلُّ السُّجُودِ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ. الثَّانِيَةُ: إِذَا عَلَا مَوْضِعُ رَأْسِهِ عَلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ فَلَمْ تَسْتَعْلِ الْأَسَافِلُ بِلَا حَاجَةٍ جَازَ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ، وَقِيلَ: إِنْ كَثُرَ، وَقَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": التَّنْكِيسُ فِي السُّجُودِ، وَهُوَ اسْتِعْلَاءُ الْأَسَافِلِ وَاجِبٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْيَسِيرَ لَا بَأْسَ بِهِ دُونَ الْكَثِيرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ التَّنْكِيسَ فِي الْوَاجِبَاتِ، وَالسُّنَنِ. 1 - (و) يُسَنُّ أَنْ (يُجَافِيَ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَبَطْنِهِ عَنْ فَخْذَيْهِ) وَفَخْذَيْهِ عَنْ سَاقَيْهِ، لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا سَجَدَ يَجْنَحُ حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبِطَيْهِ» وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا سَجَدَ أَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ، وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي " رِسَالَتِهِ ": جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَجَدَ لَوْ مَرَّتْ بَهِيمَةٌ لَنَفِدَتْ، وَذَلِكَ لِشَدَّةِ رَفْعِ مَرْفِقَيْهِ، وَعَضُدَيْهِ، وَهَذَا مَا لَمْ يُؤْذِ جَارَهُ» (وَيَضَعُ يَدَيْهِ) يَعْنِي رَاحَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ مَبْسُوطَتَيْنِ مَضْمُومَتَيِ الْأَصَابِعِ مُسْتَقْبِلًا بِهِمَا الْقِبْلَةَ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا سَجَدَ ضَمَّ
وَيُفَرِّقُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رُبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا، وَيَجْلِسُ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَصَابِعَهُ» رَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ (حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: حِذَاءَ أُذُنَيْهِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: قَرِيبَةً مِنْ أُذُنَيْهِ (وَيُفَرِّقُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ) وَرِجْلَيْهِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخْذَيْهِ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ عَقِبَيْهِ، وَيُكَرَهُ افْتِرَاشُ الذِّرَاعِ فِي السُّجُودِ لِلنَّهْيِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. مَسْأَلَةٌ: لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ بِمَرْفِقَيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ إِنْ طَالَ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ جَمَاعَةٌ، لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ الصَّحَابَةَ شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَشَقَّةَ السُّجُودِ عَلَيْهِمْ، قَالَ: اسْتَعِينُوا بِالرُّكَبِ» قَالَ ابْنُ عَجْلَانَ: هُوَ أَنْ يَضَعَ مَرْفِقَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ إِذَا طَالَ السُّجُودُ، وَقِيلَ: فِي نَفْلٍ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَظَاهِرُ الْمَسْأَلَةِ لَوْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ بِالْأَرْضِ، وَلَمْ يَعْتَمِدْ عَلَيْهَا يُجْزِئُهُ، وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِتَمْكِينِ الْجَبْهَةِ مِنَ الْأَرْضِ، وَبِفِعْلِهِ، وَوُجُوبِ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، فَهَذَانِ وَجْهَانِ، وَقَدْ ذَكَرُوا لَوْ سَجَدَ عَلَى حَشِيشٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ ثَلْجٍ، وَبَرَدٍ، وَلَمْ يَجِدْ حَجْمَهُ، لَمْ يَصِحَّ، لِعَدَمِ الْمَكَانِ الْمُسْتَقِرِّ عَلَيْهِ (وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا) كَالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ عَلَى مَا مَرَّ، وَفِي " الْمُغْنِي " أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بِمَا وَرَدَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَأَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَمَعْنَاهُ: حَقِيقٌ، وَجَدِيرٌ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ فِي الْفَرْضِ، وَفِي النَّفْلِ رِوَايَتَانِ، وَرَدَّهُ
[الرفع من السجود وصفته]
مُفْتَرِشًا يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ثَلَاثًا، ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا وَيَقُومُ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُؤَلِّفُ بِمَا صَحَّ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَسُنَّتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ. [الرَّفْعُ مِنَ السُّجُودِ وَصِفَتُهُ] (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) إِذَا قَضَى سُجُودَهُ (مُكَبِّرًا) وَيَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ مَعَ ابْتِدَائِهِ، وَانْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ (وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى) وَيَفْتَحُ أَصَابِعَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ عَلَيْهَا، وَاعْتَدَلَ حَتَّى رَجَعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ» وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: «وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْجَدُّ: وَيَبْسُطُ يَدَيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ مَضْمُومَةَ الْأَصَابِعِ، زَادَ فِي " التَّلْخِيصِ " وَيَضُمُّ الْإِبْهَامَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ آخَرُونَ (ثُمَّ يَقُولُ) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (رَبِّ اغْفِرْ لِي ثَلَاثًا) ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " و" الْفُرُوعِ " وَغَيْرُهُمْ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي رَبِّ اغْفِرْ لِي» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ لِلْخَبَرِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي أَوْ لَنَا ثَلَاثًا، وَفِي " الشَّرْحِ " إِنْ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لَنَا فَلَا بَأْسَ، وَلَمْ يُعَيِّنْ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ ثَلَاثًا، بَلْ قَالَ: يَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، قَالَ حَرْبٌ: وَمَذْهَبُهُ إِنْ قَالَ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ جَازَ، وَالْأَمْرُ عِنْدَهُ وَاسِعٌ، وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ، وَلَا يُكْرَهُ فِي الْأَصَحِّ مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ فِي نَفْلٍ، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ: وَفَرَضَ.
صُدُورِ قَدَمَيْهِ مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ إِلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، فَيَعْتَمِدُ بِالْأَرْضِ، وَعَنْهُ: يَجْلِسُ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ عَلَى قَدَمَيْهِ وَأَلْيَتَيْهِ، ثُمَّ يَنْهَضُ، ثُمَّ يُصَلِّي الثَّانِيَةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى) مِنَ التَّكْبِيرِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالْهَيْئَةِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ رَفْعٍ، وَخَفْضٍ (وَيَقُومُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ) نُصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ أَشَقُّ فَكَانَ أَفْضَلَ كَالتَّجَافِي، قَالَ الْقَاضِي: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ إِنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْأَرْضِ، سَوَاءٌ قُلْنَا يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ أَوْ لَا (إِلَّا أن يشق عَلَيْهِ فَيَعْتَمِدُ بِالْأَرْضِ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ «عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ إِذَا نَهَضَ أَنْ لَا يَعْتَمِدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ» ، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ إِذَا شَقَّ عَلَيْهِ واعْتَمَدَ عَلَى الْأَرْضِ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يَجْلِسُ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْهَضُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى هَذَا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: تِلْكَ السُّنَّةُ، وَفِي " الْغُنْيَةِ " يُكْرَهُ أَنْ يُقَدِّمَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ، وَأَنَّهُ قِيلَ: يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَكَذَا فِي رِسَالَةِ أَحْمَدَ يُكْرَهُ (وَعَنْهُ: يَجْلِسُ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَشَيْخُهُ الْخَلَّالُ، وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ عَنِ الْأُولَى، لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ ضَعِيفًا، قَالَ
كَالْأُولَى إِلَّا فِي تكبيرة الْإِحْرَامِ وَالِاسْتِفْتَاحِ، وَفِي الِاسْتِعَاذَةِ رِوَايَتَانِ، ثُمَّ يَجْلِسُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُؤَلِّفَ: وَفِي هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَإِلَّا فَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَمَنْ سَمَّيْنَا، فَيَجْلِسُ (عَلَى قَدَمَيْهِ، وَأَلْيَتَيْهِ) نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ لَوْ جَلَسَ مُفْتَرِشًا لَمْ يَأْمَنِ السَّهْوَ، وَلْيُفَارِقِ الْجِلْسَةَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ: هُوَ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَنَّ أَصْحَابَنَا لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا كَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، قَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ " و" الْفُرُوعِ " وَذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْمُغْنِي " احْتِمَالًا، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، وَقَالَ: هُوَ صَحِيحٌ صَرِيحٌ لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ، وَقَالَ الْخَلَّالُ: رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا لَا أُحْصِيهِ كَثْرَةً أَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى أَلْيَتَيْهِ، وَهَلْ هِيَ فَصْلٌ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ مِنَ الثَّانِيَةِ، فِيهِ وَجْهَانِ (ثُمَّ يَنْهَضُ) بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ، لِأَنَّهُ انْتَهَى تَكْبِيرُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ جُلُوسِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَنْهَضُ مُكَبِّرًا، وَرَدَّهُ فِي " الْمُغْنِي " بِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ فِي رُكْنٍ وَاحِدٍ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِجَمْعِهِمَا فِيهِ. بُشْرَى: رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا قَامَ الْعَبْدُ يُصَلِّي، أُتِيَ بِذُنُوبِهِ فَوُضِعَتْ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ عَاتِقِهِ، فَكُلَّمَا رَكَعَ أَوْ سَجَدَ تَسَاقَطَتْ عَنْهُ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. (ثُمَّ يُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ لَمَّا وَصَفَ لَهُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى: «ثُمَّ افْعَلْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» وَفُهِمَ مِنْهُ مُسَاوَاةُ قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ لِلْأُولَى، وَسَيَأْتِي (إِلَّا فِي تكبيرة الْإِحْرَامِ) لِأَنَّهَا وضعت لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ (وَالِاسْتِفْتَاحِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا نَهَضَ إِلَى
[التشهد الأول وصفته]
مُفْتَرِشًا، وَيَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى، يَقْبِضُ مِنْهَا الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصَرَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وَلَمْ يَسْكُتْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَاسْتَثْنَى أَبُو الْخَطَّابِ، و" الْمُغْنِي " و" الْوَجِيزُ " و" الْفُرُوعُ " تَجْدِيدَ النِّيَّةِ لِاسْتِصْحَابِهَا حُكْمًا، وَلِأَنَّهَا تُرَادُ لِلْعَقْدِ، وَقَدِ انْعَقَدَتْ، قَالَ الْمَجْدُ: وَتَرْكُ اسْتِثْنَائِهَا أَوْلَى، لِأَنَّهَا شَرْطٌ لَا رُكْنٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الصَّلَاةَ اكْتِفَاءً بِالدَّوَامِ الْحُكْمِيِّ (وَفِي الِاسْتِعَاذَةِ رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي " الْمُغْنِي " إِحْدَاهُمَا: لَا يَتَعَوَّذُ مَنْ تَعَوَّذَ فِي الْأُولَى، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالثَّوْرِيِّ لِظَاهِرِ خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا أَتَى بِالِاسْتِعَاذَةِ فِي أَوَّلِهَا كَفَى، فَلَوْ تَرَكَهَا فِي الْأُولَى أَتَى بِهَا فِي الثَّانِيَةِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يُرَادُ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، وَهِيَ لِلْقِرَاءَةِ، وَقِيلَ: يَفْتَتِحُ إِنْ وَجَبَ، وَالثَّانِيَةُ: يَسْتَعِيذُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] وَلِحُصُولِ الْفَصْلِ، كَالصَّلَاتَيْنِ، فَعَلَى هَذِهِ يَسْتَعِيذُ الْمَسْبُوقُ، وَعَلَى الْأُولَى كَالِاسْتِفْتَاحِ، فَإِذَا قَامَ لِلْقَضَاءِ اسْتَفْتَحَ، وَاسْتَعَاذَ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مَا يُدْرِكُهُ الْمَأْمُومُ مَعَ الْإِمَامِ آخِرِ صَلَاتِهِ. [التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ وَصِفَتُهُ] (ثُمَّ يَجْلِسُ) لِلتَّشَهُّدِ إِجْمَاعًا (مُفْتَرِشًا) كَجُلُوسِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْهُ: إِنْ تَوَرَّكَ فِي أَثْنَائِهِ جَازَ، وَلَا فَضْلَ فِيهِ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْلِسُ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ، وَفِي آخِرِهَا مُتَوَرِّكًا» وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي حُمَيْدٍ مُقَدَّمٌ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَإِنَّ أَبَا حُمَيْدٍ ذَكَرَهُ فِي عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَصَدَّقُوهُ، وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَالْأَخْذُ بِهِ مُتَعَيِّنٌ (وَيَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى) وَكَذَا الْيُسْرَى، لِأَنَّهُ أَشْهَرُ فِي الْأَخْبَارِ لَا يُلْقِمُهُمَا رُكْبَتَيْهِ،
وَيُحَلِّقُ الْإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى، وَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ فِي تَشَهُّدِهِ مِرَارًا، وَيَبْسُطُ الْيُسْرَى ـــــــــــــــــــــــــــــQوَفِي " الْكَافِي " وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ " النَّظْمِ " التَّخْيِيرُ، كَذَا فِي الْأَخْبَارِ: يَدَيْهِ، وَفِيهَا: كَفَّيْهِ، وَفِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: ذِرَاعَيْهِ (يَقْبِضُ مِنْهَا الْخِنْصَرَ، وَالْبِنْصَرَ، وَيُحَلِّقُ الْإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى) كَذَا ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَقَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " و" الْفُرُوعِ " لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَعَ مِرْفَقَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ عَقَدَ مِنْ أَصَابِعِهِ، الْخِنْصَرَ وَالَّتِي تَلِيهَا، وَحَلَّقَ حَلْقَةً بِأُصْبُعِهِ الْوُسْطَى عَلَى الْإِبْهَامِ، وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ يُشِيرُ بِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَعَنْهُ: يَبْسُطُهُمَا، وَيُحَلِّقُ الْإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى، وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَعَنْهُ: يَقْبِضُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ، وَيَعْقِدُ إِبْهَامَهُ كَخَمْسِينَ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ " لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْهُ: هِيَ كَيُسْرَاهُ، فَيَضَعُ أَصَابِعَهَا مَضْمُومَةً مُسْتَقْبِلًا بِهَا الْقِبْلَةَ لَا مُفَرَّجَةً (وَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ) سُمِّيَتْ بِهِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُشِيرُونَ بِهَا إِلَى السَّبِّ، وَسَبَّاحَةٌ، لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا لِلتَّوْحِيدِ، وَالْمُرَادُ سَبَّابَةُ الْيُمْنَى لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَظَاهِرُهُ لَا بِغَيْرِهَا، وَلَوْ عَدِمَتْ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ، لِأَنَّ عَلَيْهِ التَّنْبِيهَ عَلَى التَّوْحِيدِ (فِي تَشَهُّدِهِ مِرَارًا) وَكَذَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُشِيرُ بِهَا فِي كُلِّ تَشَهُّدِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّ مَوْضِعَ الْإِشَارَةِ بِهَا عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ لِتُنَبِّهَ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ، زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَذِكْرِ رَسُولِهِ، وَقَدَّمَ فِي " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ يَرْفَعُهُمَا فِي تَشَهُّدِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يُشِيرُ بِهَا، وَلَمْ يَقُولُوا مِرَارًا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مَرَّةً، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْأَخْبَارِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يُحَرِّكُهَا فِي الْأَصَحِّ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، قَالَ فِي " الْغُنْيَةِ ": وَيُدِيمُ نَظَرَهُ إِلَيْهَا فِي كُلِّ تَشَهُّدِهِ لِخَبَرِ ابْنِ الزُّبَيْرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ. فَائِدَةٌ: يُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ إِذَا دَعَا فِي صَلَاتِهِ أَوْ غَيْرِهَا، نُصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ وَائِلٍ، قَالَ: «فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
عَلَى فَخْذِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ فَيَقُولُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، هَذَا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَيَبْسُطُ الْيُسْرَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُسْرَى) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ أُصْبُعَهُ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ فَدَعَا بِهَا، وَيَدُهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ بَاسِطُهَا عَلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَوْلُهُ: عَلَى فَخْذِهِ الْيُسْرَى أَيْ: لَا يَخْرُجُ بِهَا عَنْهَا، بَلْ يَجْعَلُ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ مُسَامِتَةً لِرُكْبَتَيْهِ، زَادَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ: مَضْمُومَةَ الْأَصَابِعِ، زَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ: مُسْتَقْبِلًا بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهَا الْقِبْلَةَ، قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": قَرِيبًا مِنَ الرُّكْبَةِ، وَفِي " الْكَافِي " أَوْ يُلْقِمُهُمَا رُكْبَتَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إِنْ قَبَضَ بِهَا عَلَى رُكْبَتِهِ فَلَا بَأْسَ (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ سِرًّا لِخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا (فَيَقُولُ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» وَلَفْظُهُ: «كُنَّا إِذَا جَلَسْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ، قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَسَمِعنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إِلَى آخِرِهِ، قَالَ: ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُ» ، وَفِي لَفْظٍ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّشَهُّدَ، كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ، كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي التَّشَهُّدِ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَلَيْسَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ حَدِيثٌ غَيْرُهُ، وَرَوَاهُ أَيْضًا ابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةُ، وَيَتَرَجَّحُ بِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَهُ بِأَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلَيْسَ تَشَهُّدُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَفْضَلَ، وَهُوَ التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ إِلَى آخِرِهِ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQ «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» وَلَا تَشَهُّدَ عُمَرَ، وَهُوَ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ إِلَى آخِرِهِ، فَإِنْ تَشَهَّدَ بِأَحَدِهَا أَجَزَأَهُ، حَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ اتِّفَاقًا، لَكِنْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّلْخِيصِ " إِنَّهُ لَا يُجْزِئُ غَيْرُ تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَعَلَى هَذَا لَوْ تَرَكَ مِنْهُ حَرْفًا لَمْ يُجْزِئْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ، وَصَحَّحَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ مَتَى أَخَلَّ بِلَفْظَةٍ سَاقِطَةٍ فِي بَعْضِ التَّشَهُّدَاتِ فَلَا بَأْسَ، وَقَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، كَمَا إِذَا أَسْقَطَ لَفْظًا لَا يَسْقُطُ الْمَعْنَى بِهِ، فَعَلَى هَذَا الْوَاجِبُ خَمْسُ كَلِمَاتٍ، وَهِيَ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَوْ (رَسُولُ اللَّهِ) ، لِأَنَّ هَذَا يَأْتِي عَلَى مَعْنَى الْجَمِيعِ، وَهُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَاتِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسَمِّي فِي أَوَّلِهِ، وَصَرَّحَ الْقَاضِي بِالْكَرَاهَةِ، وَأَنَّهُ يُرَتِّبُ الْجُمَلَ، وَهُوَ وَجْهٌ، لِأَنَّ إِذَا لَمْ يُرَتِّبْ فَقَدْ أَخَلَّ بِهِ فِي ذِكْرٍ مَشْرُوعٍ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْأَذَانِ. 1 - فَائِدَةٌ: إِذَا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ يَنْوِي بِهِ النَّسَاءَ وَمَنْ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي صَلَاتِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» . مُهِمَّاتٌ: التَّحِيَّاتُ جَمْعُ تَحِيَّةٍ، وَهِيَ الْعَظَمَةُ، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: الْمُلْكُ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: السَّلَامُ، وَقِيلَ: الْبَقَاءُ، وَالصَّلَوَاتُ: هِيَ الْخَمْسُ، وَقِيلَ: الرَّحْمَةُ، وَقِيلَ: الْأَدْعِيَةُ، وَقِيلَ: الْعِبَادَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ هِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الطَّيِّبَاتُ مِنَ الْكَلَامِ، وَمِنْ خَوَاصِّ الْهَيْلَلَةِ أَنَّ حُرُوفَهَا كُلَّهَا مُهْمَلَةٌ تَنْبِيهًا عَلَى التَّجَرُّدِ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَجَوْفِيَّةٌ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الشَّفَوِيَّةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا تَخْرُجُ مِنَ الْقَلْبِ. (هَذَا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ) وَظَاهِرُهُ تَخْفِيفُهُ، وَأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، وَنَصُّهُ فِيهَا: أَسَاءَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ، وَاخْتَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: تُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَزَادَ: وَعَلَى آلِهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: لَا بَأْسَ بِزِيَادَةِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ،
[الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول والأخير]
يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَإِنْ شَاءَ قَالَ: كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَمَا بَارَكَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقِيلَ: قَوْلُهَا أَوْلَى، وَيُكَرِّرُهُ مَسْبُوقٌ، نُصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ تَمَامِهِ قَامَ وَلَمْ يُتِمَّهُ. [الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ] (ثُمَّ يَقُولُ) فِي التَّشَهُّدِ الَّذِي يَعْقُبُهُ السَّلَامُ (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْنَا: قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؛ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ جَدِّي فِي " الِانْتِصَارِ " إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ: وَآلِ مُحَمَّدٍ بِإِسْقَاطِ عَلَى، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ: وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ بِإِثْبَاتِهَا (وَإِنْ شَاءَ قَالَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ إِبْرَاهِيمَ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ كَعْبٍ، وَقَالَ فِيهِ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» . قُلْتُ: وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ لِوُرُودِ الرِّوَايَةِ بِهِمَا، وَعَنْهُ: يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَخِيرِ فَقَطْ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّهَا وَرَدَتْ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَ مِنْهَا مَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ، وَهُوَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَسَبَ مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالشَّيْخَانِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَالْجَدُّ فِي " فُرُوعِهِ "، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: يَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى مَا فِي خَبَرِ كَعْبٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " و" الْمَذْهَبِ " لِظَاهِرِ الْأَمْرِ بِهِ. 1 - مَسَائِلُ: الْأُولَى أَنَّ الْمُشَبَّهَ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ، فَكَيْفَ تَطْلُبُ صَلَاةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتُشَبَّهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ. وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ أَصْلُ الصَّلَاةِ بِأَصْلِهَا لَا الْقَدْرُ بِالْقَدْرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ} [البقرة: 183] الْآيَةَ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ التَّشْبِيهَ وَقَعَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ لَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكُونُ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ مُتَّصِلًا بِمَا بَعْدَهُ، وَيُقَدَّرُ لَهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَالْأَوَّلُ مَقْطُوعٌ عَنِ التَّشْبِيهِ، وَفِيهِمَا نَظَرٌ، وَيُحْتَمَلُ - وَهُوَ أَحْسَنُهَا - أَنَّ الْمُشَبَّهَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ بِالصَّلَاةِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ، فَتَقَابَلَتِ الْجُمْلَتَانِ، وَتَعَذَّرَ أَنْ يَكُونَ لِآلِ الرَّسُولِ مَا لِآلِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِينَ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، فَكَانَ مَا يُوَفِّرُ مِنْ ذَلِكَ حَاصِلًا لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالَّذِي يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ هو آثار الرَّحْمَة وَالرِّضْوَان، وَمَنْ كَانَتْ فِي حَقِّهِ أَكْثَرَ كَانَ أَفْضَلَ. الثَّانِيَةُ: السُّنَّةُ تَقْدِيمُ التَّشَهُّدِ عَلَى الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرِ الْمَعْنَى وَالْإِخْلَالِ بِشَيْءٍ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، فَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ، وَكَذَا لَوْ أَبْدَلَ آلَ بِأَهْلٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ. الثَّالِثَةُ: كَانَ يَلْزَمُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يَقُولَ فِي تَشَهُّدِهِ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ إِلَى آخِرِهِ، وَالشَّهَادَتَيْنِ فِي الْأَذَانِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ ذَكَرَهُ ابْنُ حَمْدَانَ. الرَّابِعَةُ: لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: بَلَى، اخْتَارَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيُّ، وَاللَّخْمِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، وَالْقَائِلُونَ بِهِ قِيلَ: يَجِبُ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَقِيلَ: كُلَّمَا ذُكِرَ، وَدَلِيلُهُ ظَاهِرٌ، وَلَهُ الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِهِ
[التعوذ بالله من أشياء قبل السلام]
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذَ فَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَإِنْ دَعَا بِمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ فَلَا بَأْسَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQمُنْفَرِدًا، نُصَّ عَلَيْهِ، وَكَرِهَهَا جَمَاعَةٌ، وَحَرَّمَهَا آخَرُونَ، وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مَعَ الشِّعَارِ. الْخَامِسَةُ: آلُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى (آلِ فِرْعَوْنَ) يَعْنِي أَتْبَاعَهُ عَلَى دِينِهِ، وَقِيلَ: كُلُّ تَقِيٍّ لِلْخَبَرِ، رَوَاهُ تَمَّامٌ فِي " فَوَائِدِهِ " وَقِيلَ: أَزْوَاجُهُ، وَمَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ عَشِيرَتِهِ، وَقِيلَ: هُمْ بَنُو هَاشِمٍ الْمُؤْمِنُونَ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ، فَمِنْهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَفِي بَنِي الْمُطَّلِبِ رِوَايَتَا زَكَاةٍ، وَأَفْضَلُ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي مَوْضِعٍ أَنَّ حَمْزَةَ أَفْضَلُ مِنْ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ. [التَّعَوُّذُ بِاللَّهِ مِنْ أَشْيَاءَ قَبْلَ السَّلَامِ] (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذَ فَيَقُولَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ وَذَكَرَهُنَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو بِذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَابْنُ تَمِيمٍ تَكْرَارَ أَعُوذُ بِاللَّهِ فِي كُلِّ جُمْلَةٍ، وَحَكَى الْقَاضِي وُجُوبَ ذَلِكَ، وَذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " رِوَايَةً لِظَاهِرِ الْأَمْرِ بِهِ (وَإِنْ دَعَا بِمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ) أَيْ: أَخْبَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَارِ أَصْحَابِهِ زَادَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " وَأَخْبَارِ السَّلَفِ، وَبِأَمْرِ الْآخِرَةِ، وَلَوْ لَمْ يُشْبِهْ مَا وَرَدَ (فَلَا بَأْسَ) وَكَذَا ذَكَرَ الْخِرَقِيُّ، وَالسَّامِرِيُّ لِقَوْلِهِ: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُ»
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ يَدْعُو بِمَا وَرَدَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " و" الْفُرُوعِ " لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَلِيٍّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ، وَالتَّسْلِيمِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَعَنْ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُوصِيكَ بِكَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنِ السُّجُودِ لِغَيْرِكَ، فَصُنْ وَجْهِي عَنِ الْمَسْأَلَةِ لِغَيْرِكَ. قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُولُهُ، وَقَالَ: سَمِعْتُ الثَّوْرِيَّ يَقُولُهُ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى مَأْمُومٍ، أَوْ يَخَفْ سَهْوًا إِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَدْعُو بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ بِجَمِيعِ حَوَائِجِ دُنْيَاهُ، وَآخِرَتِهِ، اخْتَارَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِظَوَاهِرِ الْأَخْبَارِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ جَوَازُ الدُّعَاءِ بِمَا كَانَ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ، وَقَطَعَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، فَأَمَّا مَا يَقْصِدُ بِهِ مَلَاذَ الدُّنْيَا، وَشَهَوَاتِهَا، كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ، وَحُلَّةً خَضْرَاءَ، لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ
[السلام في الصلاة وصفته]
ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَقُلْ: ـــــــــــــــــــــــــــــQالْآدَمِيِّينَ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ لِقَوْلِهِ: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ» إِلَى آخِرِهِ، وَأُجِيبَ بِحَمْلِهِ عَلَى الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ. فَرْعٌ: يَجُوزُ الدُّعَاءُ لِمُعَيَّنٍ عَلَى الْأَصَحِّ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَقِيلَ: فِي نَفْلٍ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ كَافِ الْخِطَابِ، ذكَره جَمَاعَةٌ، وَإِلَّا بَطَلَتْ لِخَبَرِ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِإِبْلِيسَ: «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ» قَبْلَ التَّحْرِيمِ أَوْ مُؤَوَّلٍ، وَلَا تَبْطُلُ بِقَوْلِهِ: لَعَنَهُ اللَّهُ عِنْدَ اسْمِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا مَنْ عَوَّذَ نَفْسَهُ بِقُرْآنٍ لِحُمَّى وَنَحْوِهَا، وَلَا مَنْ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَلَا بِالْحَوْقَلَةِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا. [السَّلَامُ في الصلاة وَصِفَتُهُ] (ثُمَّ يُسَلِّمُ) وَهُوَ جَالِسٌ بِلَا نِزَاعٍ، وَأَنَّهُ تَحْلِيلُهَا، وَهُوَ مِنْهَا لِقَوْلِهِ: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَلَيْسَ لَهَا تَحْلِيلٌ سِوَاهُ (عَنْ يَمِينِهِ) فَيَقُولُ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ أَحَدُ طَرَفَيْهَا، فَاشْتُرِطَ لَهُ كَالْأَوَّلِ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَمَّارٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهَا تَسْلِيمَتَانِ، فَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: «كُنْتُ أَرَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَيُسَنُّ الْتِفَاتُهُ فِيهِمَا، قَالَ أَحْمَدُ: ثَبَتَ عِنْدَنَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، وَيَكُونُ الْتِفَاتُهُ فِي الثَّانِيَةِ أَكْثَرَ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، رَوَاهُ ابْنُ صَاعِدٍ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالسَّامِرِيُّ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِقَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ إِلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ فِي قَوْلِهِ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَيَجْهَرُ بِالْأُولَى، وَيُسِرُّ الثَّانِيَةَ،
وَرَحْمَةُ اللَّهِ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ جَازَ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: ـــــــــــــــــــــــــــــQنُصَّ عَلَيْهِ، لِتَقَدُّمِهَا أَوْ لِحُصُولِ التَّحَلُّلِ بِهَا، وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " خِلَافَهَا، لِئَلَّا يُسَابِقَهُ الْمَأْمُومُ فِي السَّلَامِ، أَوْ فِي الْقِيَامِ لِلْقَضَاءِ إِنْ كَانَ مَسْبُوقًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ يَجْهَرُ، وَبِالْأُولَى أَكْثَرُ، وَقِيلَ: يُسِرُّهُمَا كَمَأْمُومٍ، قَالَ فِي " الْمَذْهَبِ ": وَمُنْفَرِدٌ، وَيُسْتَحَبُّ حَذْفُهُ، وَيَجْزِمُهُ، وَلَا يُعْرِبُهُ. 1 - فَرْعٌ: إِذَا نَكَّسَ السَّلَامَ مُطْلَقًا لَمْ يُجْزِئْهُ، وَقِيلَ: بَلَى، وَبَعَّدَهُ الْمُؤَلِّفُ فَإِنْ نَكَّرَهُ، فَأَوْجُهٌ ثَالِثُهَا: يُجْزِئُ مَعَ التَّنْوِينِ لِإِقَامَتِهِ مَقَامَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَقِيلَ: تَنْكِيرُهُ أَفْضَلُ، وَفِيهِ ضَعْفٌ (فَإِنْ لَمْ يَقُلْ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ لَمْ يُجْزِئْهُ) اخْتَارَهُ أَبُو طَالِبٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَحَّحَهُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" الرِّعَايَةِ " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقُولُهُ، وَهُوَ سَلَامٌ فِي صَلَاةٍ فَيَرِدُ مَقْرُونًا بِالرَّحْمَةِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ بِدُونِهَا، كَالسَّلَامِ فِي التَّشَهُّدِ، فَعَلَى هَذَا هِيَ رُكْنٌ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمَذْهَبِ (وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ) قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ لِقَوْلِهِ: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَهُوَ حَاصِلٌ بِدُونِ ذِكْرِ الرَّحْمَةِ، وَجَعَلَهُ فِي شَرْحِ " الْمُحَرَّرِ " دَلِيلًا لِلْأَوَّلِ، وَحَمَلَهُ عَلَى السَّلَامِ الْمَعْهُودِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمُ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ " وَلِأَنَّ ذِكْرَ الرَّحْمَةِ تَكْرِيرٌ لِلثَّنَاءِ، فَعَلَى هَذَا هِيَ سُنَّةٌ (وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ) مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ، وَاقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى السَّلَامِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الرَّحْمَةِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ ظَاهِرٌ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " و" الْمُحَرَّرِ " فِي وُجُوبِهَا رِوَايَتَانِ. 1 - تَتِمَّةٌ: إِذَا زَادَ: وَبَرَكَاتُهُ فَلَا بَأْسَ لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ، وَتَرْكُهَا أَفْضَلُ (وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ) هَذَا الْأَوْلَى لِتَكُونَ النِّيَّةُ شَامِلَةً
تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي مَغْرِبٍ أَوْ رُبَاعِيَّةٍ نَهَضَ مُبَكِّرًا إِذَا فَرَغَ مِنَ التَّشَهُّدِ. وَصَلَّى الثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ مِثْلَ الثَّانِيَةِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ، وَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِطَرَفَيِ الصَّلَاةِ (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ جَازَ) نُصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَالْجَدُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ قَدْ شَمِلَتْ جَمِيعَهَا، وَالسَّلَامُ مِنْ جُمْلَتِهَا، فَاكْتفى فِيهِ بِالنِّيَّةِ الْمُسْتَصْحَبِ حُكْمُهَا، وَكَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَمْ تَجِبِ النِّيَّةُ لِلْخُرُوجِ مِنْهَا كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ) هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ، لِأَنَّهُ أَحَدُ طَرَفَيِ الصَّلَاةِ، فَوَجَبَتْ فِيهِ النِّيَّةُ كَالطَّرَفِ الْأَوَّلِ، فَعَلَى هَذَا هِيَ رُكْنٌ، وَقِيلَ: إِنْ سَهَا عَنْهَا سَجَدَ لِلسَّهْوِ، فَإِنْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْهَا مَعَ الْحَفَظَةِ وَالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ جَازَ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ لِلتَّشْرِيكِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: السُّنَّةُ أَنْ يَنْوِيَ بِالْأُولَى الْخُرُوجَ، وَبِالثَّانِيَةِ عَلَى الْحَفَظَةِ وَمَنْ مَعَهُ إِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ، وَإِنْ نَوَى بِسَلَامِهِ الْحَاضِرِينَ، وَلَمْ يَنْوِ الْخُرُوجَ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: تَبْطُلُ وَجْهًا وَاحِدًا لِتَمَحُّضِهِ خِطَابَ آدَمِيٍّ، وَالْأَشْهَرُ يَجُوزُ، وَعَنْهُ: لَا يَتْرُكُ السَّلَامَ عَلَى إِمَامِهِ، وَإِنْ وَجَبَتِ الثَّانِيَةُ اعْتَبَرَ الْخُرُوجَ مِنْهَا (وَإِنْ كَانَ فِي مَغْرِبٍ أَوْ رُبَاعِيَّةٍ نَهَضَ مُكَبِّرًا إِذَا فَرَغَ مِنَ التَّشَهُّدِ) كَنُهُوضِهِ مِنَ السُّجُودِ قَائِمًا عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ وِفَاقًا، وَعَنْهُ: بَلَى، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَحَفِيدُهُ، وَهِيَ أَظْهَرُ، وَقَدْ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ (وَصَلَّى الثَّالِثَةَ، وَالرَّابِعَةَ مِثْلَ الثَّانِيَةِ) لِقَوْلِهِ: «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» وَاقْتَضَى كَلَامُهُ مُسَاوَاةَ الثَّالِثَةِ لِلرَّابِعَةِ فِي عَدَمِ التَّطْوِيلِ، لِأَنَّهَا مِثْلُهَا (إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ) فِيهِمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (وَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ ابْنُ
[التشهد الثاني وصفته]
يَجْلِسُ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي مُتَوَرِّكًا يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، وَيُخْرِجُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَيَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، إِلَّا ـــــــــــــــــــــــــــــQسِيرِينَ: لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ: «أَنَّهُ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ» وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى شُرَيْحٍ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ، وَيُسْتَثْنَى الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إِذَا قُلْنَا: يَنْتَظِرُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ فَيَقْرَأُ سُورَةً مَعَهَا، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ، وَالنَّفْلِ. [التَّشَهُّدُ الثَّانِي وَصِفَتُهُ] (ثُمَّ يَجْلِسُ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي مُتَوَرِّكًا) لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، فَإِنَّهُ وَصَفَ جُلُوسَهُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ مُفْتَرِشًا، وَالثَّانِي مُتَوَرِّكًا، وَهَذَا بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَزِيَادَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا، وَالْمَصِيرُ إِلَيْهَا، وَحِينَئِذٍ لَا يُسَنُّ التَّوَرُّكُ إِلَّا فِي صَلَاةٍ فِيهَا تَشَهُّدَانِ أَصْلِيَّانِ فِي الْأَخِيرِ مِنْهُمَا، وَعَنْهُ: لَا تَوَرُّكَ فِي الْمَغْرِبِ، وَالْأَوَّلُ: الْمَذْهَبُ، وَصِفَتُهُ كَمَا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنِ الْإِمَامِ (يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، وَيُخْرِجُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ، فَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الْأَرْضِ، وَأَخْرَجَ قَدَمَهُ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي لَفْظٍ: جَلَسَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ، وَنَصَبَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى، وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، وَالسَّامِرِيُّ أَنَّهُ يَجْعَلُ بَاطِنَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى تَحْتَ فَخْذِهِ الْيُمْنَى، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَنْهُ: يُخْرِجُ قَدَمَهُ الْأَيْسَرَ مِنْ تَحْتِ سَاقِهِ الْأَيْمَنِ لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ أَيْضًا، وَأَيُّهَا فَعَلَ جَازَ. 1 - فَرْعٌ: سُئِلَ أَحْمَدُ: هَلْ يُتَوَرَّكُ فِي تَشَهُّدِ سُجُودِ السَّهْوِ؛ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ مِنْ بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَحَمَلَهُ فِي " الشَّرْحِ " عَلَى مَا إِذَا كَانَ السَّهْوُ فِي صَلَاةٍ فِيهَا تَشَهُّدَانِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ
أَنَّهَا تَجْمَعُ نَفْسَهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً أَوْ تُسْدِلُ رِجْلَيْهَا فَتَجْعَلُهُمَا فِي جَانِبِ يَمِينِهَا، وَهَلْ يُسَنُّ لَهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَيُكْرَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَشَهُّدَهَا يُتَوَرَّكُ فِيهِ، وَهَذَا تَابِعٌ لَهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ يَتَوَرَّكُ فِي كُلِّ تَشَهُّدٍ كَسُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ، وَغَيْرِهَا، وَقَالَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ تَشَهُّدٌ ثَانٍ فِي الصَّلَاةِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى الْفَرْقِ (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ) لِشُمُولِ الْخِطَابِ لَهُمَا لِقَوْلِهِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (إِلَّا أَنَّهَا تَجْمَعُ نَفْسَهَا فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ) أَيْ: لَا يُسَنُّ لَهَا التَّجَافِي، لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى امْرَأَتَيْنِ تُصَلِّيَانِ فَقَالَ: إِذَا سَجَدْتُمَا فَضُمَّا بَعْضَ اللَّحْمِ إِلَى بَعْضٍ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي " مَرَاسِيلِهِ " وَلِأَنَّهَا عَوْرَةٌ فَكَانَ الْأَلْيَقُ بِهَا الِانْضِمَامَ، وَذُكِرَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ أَنَّهَا تَجْمَعُ نَفْسَهَا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً) لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ أَنْ يَتَرَبَّعْنَ فِي الصَّلَاةِ (أَوْ تُسْدِلَ رِجْلَيْهَا فَتَجْعَلَهُمَا فِي جَانِبِ يَمِينِهَا) وَكَذَا فِي " الْخِرَقِيِّ "، و" الْمُحَرَّرِ " و" الْمَذْهَبِ " وَنُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ غَالِبُ فِعْلِ عَائِشَةَ، وَأَشْبَهُ بِجِلْسَةِ الرَّجُلِ، وَأَبْلَغُ فِي الِانْكِمَاشِ، وَالضَّمِّ، وَأَسْهَلُ عَلَيْهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ الْجُلُوسِ مُتَرَبِّعَةً لِاسْتِوَائِهِمَا، وَلَكِنَّ السَّدْلَ أَفْضَلُ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ " وَلَا تَجْهَرُ بِقِرَاءَةٍ إِنْ سَمِعَهَا أَجْنَبِيٌّ، وَإِلَّا جَهَرَتْ كَذِكْرٍ (وَهَلْ يُسَنُّ لَهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يُسَنُّ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَالْجَدُّ، وَهُوَ عُمُومُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَرْفَعُ يَدَيْهَا، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، وَرَوَاهُ الْخَلَّالُ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، وَقِيَاسًا عَلَى الرَّجُلِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُسَنُّ، جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " قَالَ القاضي: وتبعه فِي " الشَّرْحِ ": لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّجَافِي، فَعَلَى هَذَا هَلْ يُكْرَهُ أَوْ يَجُوزُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَالثَّالِثَةُ: تَرْفَعُ دُونَهُ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ أَوْسَطُ الْأَقْوَالِ، قَالَهُ الْمَجْدُ.
[الذكر والاستغفار ثلاثا عقيب الصلاة]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفَائِدَةٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِذِكْرِ الْخُنْثَى الْمُشْكَلِ، وَحُكْمُهُ كَامْرَأَةٍ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمَا. [الذِّكْرُ وَالِاسْتِغْفَارُ ثَلَاثًا عَقِيبَ الصَّلَاةِ] 1 فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ الذِّكْرُ، وَالِاسْتِغْفَارُ ثَلَاثًا كَمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" الرِّعَايَةِ ": وَيَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، وَكَذَا الْمُعَوِّذَتَيْنِ زَادَ بَعْضُهُمْ: وَ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُ، وَيُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدُ كَذَلِكَ، وَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ لِلْخَبَرِ ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَالْمَذْهَبِ، وَغَيْرِهِمَا، قَالُوا: وَيَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، كَذَا قَالُوا، وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى، وَيَفْرَغُ مِنْ عَدَدِ ذَلِكَ مَعًا قَالَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ لِلنَّصِّ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِفْرَادِ كُلِّ جُمْلَةٍ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي الْإِفْرَادَ، وَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِذَلِكَ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّةَ عَنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ خِلَافَهُ، وَكَلَامُ أَصْحَابِنَا مُخْتَلِفٌ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ يَجْهَرُ لِقَصْدِ التَّعْلِيمِ فَقَطْ، ثُمَّ يَتْرُكُهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْعَدَدِ أَنْ لَا يَنْقُصَ مِنْهُ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا تَضُرُّ شَيْئًا لَا سِيَّمَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، لِأَنَّ الذِّكْرَ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ، فَهُوَ يُشْبِهُ الْمُقَدَّرَ فِي الزَّكَاةِ إِذَا زَادَ عَلَيْهِ، وَيُشْرَعُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَدْعُوَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ لِحُضُورِ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمَا فَيُؤَمِّنُونَ عَلَى الدُّعَاءِ، وَالْأَصَحُّ: وَغَيْرُهَا، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَيَسْتَقْبِلُ الْمَأْمُومَ، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، وَلَا يَخُصُّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ، وَإِنْ فَعَلَ فَلَا بَأْسَ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَيُشِيرُ إِلَى السَّمَاءِ فِي دُعَائِهِ بِأُصْبُعِهِ، وَيَسْمَعُهُ الْمَأْمُومُ، وَقِيلَ: إِنْ قَصَدَ تَعْلِيمَهُ، وَإِلَّا خَفَضَ صَوْتَهُ كَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ الْجَهْرُ مُطْلَقًا، وَلَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ قَبْلَ إِمَامِهِ إِلَّا أَنْ يُطِيلَ الْجُلُوسَ، فَإِنْ كَانَ رِجَالٌ أَوْ نِسَاءٌ اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُمْنَ عَقِيبَ سَلَامِهِ، وَيَثْبُتُ الرِّجَالُ قَلِيلًا، وَيَنْصَرِفُ كَيْفَ شَاءَ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ،
[مكروهات الصلاة]
الِالْتِفَاتُ فِي الصَّلَاةِ، وَرَفْعُ بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَافْتِرَاشُ الذِّرَاعَيْنِ فِي السُّجُودِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقِيلَ: أَوْ عَنْ يَسَارِهِ إِنْ سَهُلَ، قَالَ الْقَاضِي: يَمِينُهُ أَوْلَى إِلَّا أَنْ تَكُونَ جِهَةُ انْصِرَافِهِ غَيْرَهَا. وَمِنْ أَدَبِ الدُّعَاءِ بَسْطُ يَدَيْهِ، وَرَفْعُهُمَا إِلَى صَدْرِهِ، وَكَشْفُهُمَا أَوْلَى، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الدُّعَاءَ لِلرَّهْبَةِ بِظَهْرِ الْكَفِّ لِدُعَائِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَالْبُدَاءَةِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَخَتْمُهُ بِهِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلُهُ، وَآخِرُهُ قَالَ الْآجُرِّيُّ: وَوَسَطُهُ، وَسُؤَالُهُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ بِدُعَاءٍ جَامِعٍ مَأْثُورٍ، وَيَكُونُ مُتَطَهِّرًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَيُلِحُّ، وَيُكَرِّرُهُ ثَلَاثًا، وَلَا يَسْأَمُ مِنْ تَكْرَارِهِ فِي أَوْقَاتٍ، وَلَا يُعَجِّلُ، وَيَنْتَظِرُ الْفَرَجَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَجْتَنِبُ السَّجْعَ، وَسُئِلَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الْقُرْآنِ سَجْعٌ؛ فَأَجَابَ بِالْجَوَازِ، قَالَ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ: لَوْ سَكَتَ عَنْ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ، وَلَا يُعْتَدُّ فِيهِ، وَيَبْدَأُ بِنَفْسِهِ، وَيَعُمُّ، وَيُؤَمِّنُ الْمُسْتَمِعُ، وَتَأْمِينُهُ فِي أَثْنَاءِ دُعَائِهِ، وَخَتْمِهِ بِهِ مُتَّجِهٌ، وَيُكْرَهُ رَفْعُ بَصَرِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ خِلَافُهُ، وَشَرْطُهُ الْإِخْلَاصُ، قَالَ الْآجُرِّيُّ: وَاجْتِنَابُ الْحَرَامِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مِنَ الْأَدَبِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَبْعُدُ إِجَابَتُهُ إِلَّا مُضْطَرًّا أَوْ مَظْلُومًا، «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ قَالَ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. [مَكْرُوهَاتُ الصَّلَاةِ] فَصْلٌ (وَيُكْرَهُ الِالْتِفَاتُ فِي الصَّلَاةِ) ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمَا، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِيَّاكَ وَالِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ هَلَكَةٌ» ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ لَا الْفَرِيضَةِ، وَلِأَنَّهُ يَكُونُ بِهِ خَارِجًا وَجْهُهُ عَنْ جِهَةِ الْكَعْبَةِ، وَأَقَلُّ مَا فِيهِ الْكَرَاهَةُ، وَيُسْتَثْنَى
وَالْإِقْعَاءُ فِي الْجُلُوسِ، وَهُوَ أَنْ يَفْرِشَ قَدَمَيْهِ، وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ سُنَّةٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْهُ مَا إِذَا كَانَ لِحَاجَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى، وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَفِيهِ: «وَكَانَ أَرْسَلَ فَارِسًا إِلَيْهِ يَحْرُسُ» ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ إِلَّا أَنْ يَسْتَدبرَ عَنِ الْقِبْلَةِ بِجُمْلَتِهِ، أَوْ يَسْتَدْبِرَهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكَعْبَةِ أَوْ يختلف اجتهاده فِيهَا، أَوْ فِي شِدَّةِ خَوْفٍ، فَإِنِ اسْتَدَارَ بِصَدْرِهِ مَعَ وَجْهِهِ لَمْ تَبْطُلْ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْمُؤَلِّفُ خِلَافًا لِابْنِ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِ (وَرَفْعُ بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ) وِفَاقًا لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُنَّ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَكَذَا يُكْرَهُ تَغْمِيضُهُ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ فِعْلُ الْيَهُودِ، وَلِأَنَّهُ يُغَيِّرُ هَيْئَةَ الْمُصَلِّي، وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِلنَّوْمِ، فَأَمَّا مَعَ الْحَاجَةِ فَلَا، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: إِنْ نَظَرَ أَمَتَهُ عُرْيَانَةً غَمَّضَ عَيْنَيْهِ (وَافْتِرَاشِ الذِّرَاعَيْنِ فِي السُّجُودِ) أَيْ: يَمُدُّهُمَا عَلَى الْأَرْضِ مُلْصِقًا لَهُمَا بِهَا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَخْتَارُونَهُ (وَالْإِقْعَاءُ فِي الْجُلُوسِ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ الْأَوْلَى، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، وَيَقْعُدُ عَلَى مَقْعَدَتِهِ»
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَانِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرِ الدِّيكِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ الِافْتِرَاشِ الْمَسْنُونِ فِعْلًا، وَقَوْلًا، فَكَانَ مَكْرُوهًا، وَحِينَئِذٍ لَا تَبْطُلُ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي فِي " شَرْحِهِ الصَّغِيرِ ": تَبْطُلُ بِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ الْإِقْعَاءُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَعَنْهُ: هُوَ جَائِزٌ، رَوَى مُهَنًّا عَنْهُ: لَا أَفْعَلُهُ، وَلَا أَعِيبُ عَلَى مَنْ يَفْعَلُهُ، الْعَبَادِلَةُ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ (وَهُوَ أَنْ يَفْرِشَ قَدَمَيْهِ، وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ) كَذَا فَسَّرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الْفُرُوعِ " قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَأَمَّا عِنْدَ الْعَرَبِ: فَهُوَ جُلُوسُ الرَّجُلِ عَلَى أَلْيَتَيْهِ نَاصِبًا فَخْذَيْهِ مِثْلَ إِقْعَاءِ الْكَلْبِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِاسْتِحْبَابِ الْإِقْعَاءِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ لَا يَمُدَّ ظَهْرَيْ قَدَمَيْهِ، وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ أَوْ بَيْنَهُمَا عَلَى أَلْيَتَيْهِ أَوْ يَنْصِبَ قَدَمَيْهِ، وَيَجْلِسَ بَيْنَهُمَا، أَوْ عَلَيْهِمَا، أَوْ يَفْرِشُهُمَا، وَيَجْلِسُ عَلَيْهِمَا، أَوْ يَجْلِسُ عَلَى وَرِكَيْهِ، وَأَلْيَتَيْهِ مَعَ نَصْبِ رُكْبَتَيْهِ أَوْ فَخْذَيْهِ، وَذَكَرَ فِي " الرِّعَايَةِ " رِوَايَةَ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ يُسَنُّ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ سُنَّةٌ) لِقَوْلِ طَاوُسٍ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ قَالَ: قُلْنَا إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً، فَقَالَ: هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ مُسْلِمٌ. 1 - مَسْأَلَةٌ: يُكْرَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا، وَهُوَ جَالِسٌ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى الْجِدَارِ، وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهُ يُزِيلُ مَشَقَّةَ الْقِيَامِ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ، «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا أَسَنَّ، وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ، اتَّخَذَ عَمُودًا فِي مُصَلَّاهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، فَإِنْ كَانَ يَسْقُطُ لَوْ أُزِيلَ لَمْ يَصِحَّ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: لَا بَأْسَ بِالِاسْتِنَادِ إِلَيْهِ، وَحُمِلَ عَلَى الْحَاجَةِ. 1 -
وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ تَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَيْهِ وَيُكْرَهُ الْعَبَثُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ، وَهُوَ حَاقِنٌ) أَيْ: بَوْلَهُ سَوَاءٌ خَافَ الْجَمَاعَةَ أَوْ لَا، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِهَا مَعَ الْمُدَافَعَةِ، وَلِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنْ خُشُوعِ الصَّلَاةِ، وَحُضُورِ قَلْبِهِ فِيهَا، فَإِنْ فَعَلَ صَحَّتْ عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا لَوْ صَلَّى وَقَلْبُهُ مَشْغُولٌ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَعَنْهُ: يُعِيدُ، وَعَنْهُ: إِنْ أَزْعَجَهُ، وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ إِذَا خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي مَعَهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَفِي مَعْنَاهُ الْحَاقِبُ، وَهُوَ الَّذِي احْتَبَسَ غَائِطُهُ، وَعِبَارَتُهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَشْمَلُ، قَالَ ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ: وَفِي مَعْنَاهُمَا مَنْ بِهِ رِيحٌ مُحْتَبِسَةٌ، فَتَجِيءُ الرِّوَايَاتُ، وَحُكْمُ الْجُوعِ، وَالْعَطَشِ الْمُفْرِطِ كَذَلِكَ، قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنَّمَا جَمَعَ بَيْنهمَا الشَّارِعُ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَكَذَا قَالَ: يُكْرَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ إِتْمَامِ الصَّلَاةِ بِخُشُوعِهَا كَحَرٍّ، وَبَرْدٍ، لِأَنَّهُ يُقْلِقُهُ (أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ تَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَيْهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَشْبَهُ بِالِاتِّبَاعِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَابْنِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلِلْبُخَارِيِّ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرَغَ، وَإِنَّهُ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ. وَهَذَا مَا لَمْ يَضِقِ الْوَقْتُ، فَإِنْ ضَاقَ فَلَا يُكْرَهُ بَلْ يَجِبُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَتُقْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يُكْرَهُ ابْتِدَاؤُهَا تَائِقًا لِطَعَامٍ، وَالْمَعْنَى يَقْتَضِيهِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ بِحَضْرَتِهِ أَوْ لَا، لِقَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ، حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ، وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ، وَعَلَى هَذَا إِنْ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ صَحَّتْ إِجْمَاعًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، لِأَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالطَّعَامِ رُخْصَةٌ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْهَا صَحَّتْ كَسَائِرِ الرُّخَصِ. (وَيُكْرَهُ الْعَبَثُ) «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ: لَوْ خَشَعَ
وَالتَّخَصُّرُ وَالتَّرَوُّحُ وَفَرْقَعَةُ الْأَصَابِعِ وَتَشْكِيلُهَا. وَلَهُ رَدُّ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَدُّ الْآيِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَلْبُ هَذَا لَخَضَعَتْ جَوَارِحُهُ» قَالَ فِي " الْهِدَايَةِ " لِلْحَنَفِيَّةِ، لِأَنَّ الْعَبَثَ حَرَامٌ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَمَا ظَنُّكَ بِهِ فِيهَا، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ (وَالتَّخَصُّرُ) هُوَ وَضْعُ يَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْخُضُوعَ وَالْخُشُوعَ، وَيَمْنَعُ مِنْ وَضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ، وَتُكْرَهُ صَلَاةُ الْحَازِقِ مِنْ ضِيقِ الْخُفِّ، وَمَنْ لَا يَعْقِلُ غَالِبًا، كَخَوْفٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ إِزْعَاجٍ، وَتَخْبِيطٍ، وَنَحْوِهِ (وَالتَّرَوُّحِ) بِمِرْوَحَةٍ، وَنَحْوِهَا، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَطَاءٌ، لِأَنَّهُ مِنَ الْعَبَثِ، زَادَ فِي " الشَّرْحِ " و" الْفُرُوعِ " إِلَّا لِحَاجَةٍ كَغَمٍّ شَدِيدٍ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَمُرَاوَحَتُهُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ مُسْتَحَبَّةٌ، وَتُكْرَهُ كَثْرَتُهُ، لِأَنَّهُ فِعْلُ الْيَهُودِ (وَفَرْقَعَةُ الْأَصَابِعِ) لِمَا رَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَا تُفقِّعْ أَصَابِعَكَ، وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَتَشْبِيكُهَا) لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا قَدْ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي الَّذِي يُصَلِّي، وَهُوَ مُشَبِّكٌ أَصَابِعَهُ: تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. 1 - مَسَائِلُ: يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ مَا يُلْهِيهِ، أَوْ يَنْظُرُ فِي كِتَابٍ، وَأَنْ يَلُفَّ شَعْرَهُ أَوْ ثَوْبَهُ أَوْ يُصَلِّيَ وَهُوَ مَعْقُوصُ الشَّعْرِ، وَلَوْ فَعَلَهُمَا لِعَمَلٍ قَبْلَ صَلَاتِهِ، أَوْ مَكْتُوفَ
[ما يستحب في الصلاة]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالْيَدَيْنِ، وَمَسَّ لِحْيَتَهُ، وَأَنْ يَمْسَحَ أَثَرَ السُّجُودِ، وَفِي " الْمُغْنِي " إِكْثَارُهُ مِنْهُ، وَلَوْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، وَعَنْهُ: وَبَعْدَ الصَّلَاةِ، وَأَنْ يَنْفُخَ فِيهَا، وَيُحَرِّكَ الْحَصَى، وَأَنْ يَخُصَّ مَوْضِعَ جَبْهَتِهِ بِمَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِ الرَّافِضَةِ، وَأَنْ يُعَلِّقَ فِي قِبْلَتِهِ شَيْئًا مِنْ مُصْحَفٍ وَغَيْرِهِ، وَلَا بَأْسَ بِكَوْنِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَنْ يَكْتُبَ فِي الْقِبْلَةِ، وَأَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ نَجَاسَةٌ، أَوْ بَابٌ مَفْتُوحٌ، أَوْ إِلَى نَارٍ فِي قِنْدِيلٍ، وَشَمْعَةٍ، وَالرَّمْزُ بِالْعَيْنِ، وَالْإِشَارَةُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَإِخْرَاجُ لِسَانِهِ، وَفَتْحُ فَمِهِ، وَوَضْعُهُ فِيهِ شَيْئًا لَا بِيَدِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَسْتَصْحِبَ مَا فِيهِ صُورَةٌ مِنْ فَصٍّ أَوْ ثَوْبٍ، وَصَلَاتُهُ إِلَى مُتَحَدِّثٍ أَوْ نَائِمٍ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ النَّفْلُ، وَإِلَى كَافِرٍ، وَصُورَةٍ مَنْصُوبَةٍ، نُصَّ عَلَيْهِمَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تَبْدُو لِلنَّاظِرِ إِلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا يُكَرَهُ إِلَى غَيْرِ مَنْصُوبَةٍ، وَلَا سُجُودُهُ عَلَى صُورَةٍ، وَلَا صُورَةٍ خَلْفَهُ فِي الْبَيْتِ، وَلَا فَوْقَ رَأْسِهِ فِي سَقْفٍ، أَوْ عَنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ، وَإِلَى وَجْهٍ آدَمِيٍّ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " أَوْ حَيَوَانِ غَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ وَيُصَلِّي إِلَيْهَا، وَإِلَى امْرَأَةٍ تُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَإِنْ غَلَبَهُ تَثَاؤُبٌ فِي صَلَاتِهِ كَظَمَ، فَإِنْ أَبَى اسْتُحِبَّ وَضْعُ يَدِهِ عَلَى فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ لِلْخَبَرِ، وَلَا يُقَالُ تَثَاوَبَ بَلْ تَثَاءَبَ. [مَا يُسْتَحَبُّ فِي الصَّلَاةِ] [رَدُّ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَي المصلي] (و) يُسْتَحَبُّ (لَهُ رَدُّ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " و" الْفُرُوعِ " وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَدَعَنَّ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْهُ: يَجِبُ رَدُّهُ آدَمِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لِلْفَرْضِ وَالنَّفْلِ فِي ظَاهِرِ كلامهم لظَاهِرِ الْأَخْبَارِ، وَعَنْهُ: يَخْتَصُّ بِالْفَرْضِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ فَمَرَّ دُونَهَا، أَوْ لَمْ تَكُنْ، فَمَرَّ قَرِيبًا مِنْهُ، وَقِيلَ: قَدْرَ خُطْوَتَيْنِ بِحَيْثُ لَوْ مَشَى وَرَدَّهُ لَمْ تَبْطُلْ، وَصُرِّحَ بِهِ فِي " الْكَافِي " لِأَنَّهُ مَوْضِعُ سُجُودِهِ، أَشْبَهَ مَنْ نَصَبَ سُتْرَةً وَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِنَصْبِهَا الْإِعْلَامُ بِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي الدَّفْعِ إِعْلَامٌ صَرِيحٌ، وَقِيلَ: هُوَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ إِذَا مَرَّ دُونَهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا، وَالنَّصُّ شَاهِدٌ لَهُ، وَهَذَا مَا لَمْ يَغْلِبْهُ، أَوْ يَكُنْ مُحْتَاجًا، بِأَنْ كَانَ الطَّرِيقُ ضَيِّقًا، وَيَتَعَيَّنُ طَرِيقًا. وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ هُنَاكَ ذَكَرَهُ فِي " الْمَذْهَبِ " وَلَا يَحْرُمُ، أَوْ فِي مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فِي رِوَايَةٍ، قَدَّمَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، لِأَنَّهُ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى بِمَكَّةَ، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، وَأَلْحَقَ فِي " الْمُغْنِي " الْحَرَمَ بِمَكَّةَ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَكَّةَ، وَغَيْرِهَا، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَأَطْلَقَ فِي " الْفُرُوعِ " الْخِلَافَ، فَإِنْ تَرَكَهُ يمر نَقَصَتْ صَلَاتُهُ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي إِنْ تَرَكَهُ قَادِرًا، فَإِنْ أَبَى دَفَعَهُ، فَإِنْ أَصَرَّ فَلَهُ قِتَالُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ مَشَى فَإِنْ خَافَ فَسَادَهَا لَمْ يُكَرِّرْ دَفْعَهُ، وَيُضَمِّنُهُ عَلَى الْأَصَحِّ فِيمَا، وَالْمَذْهَبُ يَحَرِّمُ مُرُورَهُ بَيْنَ مُصَلٍّ وَسُتْرَتِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعُدَ مِنْهَا، لِمَا رَوَى أَبُو جُهَيْمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» ، قَالَ أَبُو النَّضْرِ أَحَدُ رُوَاتِهِ: لَا أَدْرِي أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ
وَالتَّسْبِيحِ، وَقَتْلُ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْقَمْلَةِ، وَلُبْسُ الثَّوْبِ وَالْعِمَامَةِ، مَا لَمْ يُطِلْ، فَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQسَنَةً؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَذَا يَحْرُمُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ سُتْرَةٌ فِي الْأَصَحِّ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ، وَقِيلَ: الْعُرْفُ لَا مَوْضِعَ سُجُودِهِ، وَفِي " الْفُصُولِ " و" التَّرْغِيبِ " يُكْرَهُ، وَقِيلَ: النَّهْيُ مُخْتَصٌّ بِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ، وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى إِثْمِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. 1 - فَرْعٌ: لِلْمُصَلِّي دَفْعُ الْعَدُوِّ مِنْ سَيْلٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ سُقُوطِ جِدَارٍ، وَنَحْوِهِ، وَإِنْ كَثُرَ لَمْ تَبْطُلْ فِي الْأَشْهَرِ (و) لَهُ (عَدُّ الْآيِ) زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ وَالْجَدُّ: بِأَصَابِعِهِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْقِدُ الْآيَ بِأَصَابِعِهِ» رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ، وَكَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ (وَالتَّسْبِيحِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى عَدِّ الْآيِ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وقدمه السَّامِرِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ يُكْرَهُ، لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنِ السَّلَفِ عَدُّ الْآيِ دُونَ التَّسْبِيحِ، لِأَنَّهُ يَتَوَالَى لِقَصْرِهِ فَتَتَوَالَى حَسَنَاتُهُ، فَيَكْثُرُ الْعَمَلُ، بِخِلَافِ عَدِّ الْآيِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالْجَدُّ الْخِلَافَ (وَقَتْلُ الْحَيَّةِ، وَالْعَقْرَبِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى (وَالْقَمْلَةِ) لِأَنَّ عُمَرَ، وَأَنَسًا، وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، وَلِأَنَّ فِي تَرْكِهَا أَذًى لَهُ إِنْ تَرَكَهَا عَلَى جَسَدِهِ، وَلِغَيْرِهِ إِنْ أَلْقَاهَا، وَهُوَ عَمَلٌ يَسِيرٌ، فَلَمْ يُكْرَهْ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَقَالَ الْقَاضِي التَّغَافُلُ عَنْهَا أَوْلَى، وَفِي جَوَازِ دَفْنِهَا فِي مَسْجِدٍ وَجْهَانِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ قَتْلُهَا فِيهِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ،
طَالَ الْفِعْلُ فِي الصَّلَاةِ، أَبْطَلَهَا عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا، إِلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ مُتَفَرِّقًا. وَيُكْرَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَهَا أَوْ يَدْفِنَهَا قِيلَ لِلْقَاضِي: يُكْرَهُ قَتْلُهَا، وَدَفْنُهَا فِيهِ كَالنُّخَامَةِ فَقَالَ دَفْنُ النُّخَامَةِ؛ كَفَّارَةٌ لَهَا، وَإِذَا دَفَنَهَا كَأَنَّهُ لَمْ يَتَنَخَّمْ، فَكَذَا الْقَمْلَةُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ أَعْمَاقَهُ تَجِبُ صِيَانَتُهُ عَنِ النَّجَاسَةِ كَظَاهِرِهِ بِخِلَافِهَا، وَفِي مَعْنَاهُ الْبُرْغُوثُ، نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَتْلِ الْقَمْلَةِ، وَالْبُرْغُوثِ فِي الْمَسْجِدِ؛ فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. 1 - فَائِدَةٌ: لَهُ حَكُّ جَسَدِهِ يَسِيرًا، وَقِيلَ: ضَرُورَةً، وَيَجِبُ رَدُّ كَافِرٍ عَصَمَ دَمَهُ عَنْ بِئْرٍ فِي الْأَصَحِّ، كَمُسْلِمٍ، فَيَقْطَعُ، وَقِيلَ: يُتِمُّ، وَكَذَا إِنْ فَرَّ مِنْهُ غَرِيمُهُ يَخْرُجُ فِي طَلَبِهِ، كَإِنْقَاذِ غَرِيقٍ (وَلُبْسُ الثَّوْبِ) (و) لَفُّ (الْعِمَامَةِ) لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْتَحَفَ بِإِزَارِهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ» ، وَكَذَا إِنْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ فَلَهُ رَفْعُهُ وَلِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ أَشْبَهَ حَمْلَ أُمَامَةَ، وَفَتْحَ الْبَابِ لِعَائِشَةَ (مَا لَمْ يَطُلْ) رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: وَلَهُ رَدُّ الْمَارّ إِلَى آخِرِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْهُ جَوَازُ أَكْثَرِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ (فَإِنْ طَالَ) أَيْ: كَثُرَ (الْفِعْلُ) عُرْفًا بِلَا ضَرُورَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثًا، وَقِيلَ: مَا ظَنَّ فَاعِلُهُ لَا فِي صَلَاةٍ (فِي الصَّلَاةِ) مُتَوَالِيًا (أَبْطَلَهَا) إِجْمَاعًا (عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا) إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ، وَيَمْنَعُ مُتَابَعَةَ الْأَذْكَارِ، وَيُذْهِبُ الْخُشُوعَ فِيهَا، وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ مُنَافٍ لَهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَهَا، فَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ لَمْ يَقْطَعْهَا، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْخَائِفِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ لِوُجُودِ الْمُبْطِلِ، وَعَنْهُ: لَا تَبْطُلُ بِالسَّهْوِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَحْتَاجُ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، لِأَنَّهُ إِذَا تَكَلَّمَ سَاهِيًا فِيهِ الْخِلَافُ، بِخِلَافِ الْفِعْلِ إِذِ الْقَوْلُ أَخَفُّ مِنَ الْفِعْلِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِتَكْرَارِ السُّجُودِ دُونَ تَكْرَارِ الْفَاتِحَةِ، إِلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ مُتَفَرِّقًا فَلَا تَبْطُلُ بِهِ، وَلَوْ طَالَ الْمَجْمُوعُ لَا كُلُّ عَمَلٍ مِنْهَا، «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَّ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَ إِذَا قَامَ حَمَلَ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ، وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ وَصَلَّى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى الْمِنْبَرِ، وَتَكَرُّرُهُ صُعُودُهُ، وَنُزُولُهُ عَنْهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَخْذُ
[تكرار الفاتحة والجمع بين سور في الفرض]
تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ سُوَرٍ فِي الْفَرْضِ، وَلَا يُكْرَهُ فِي النَّفْلِ، وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى الْإِمَامِ إِذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ، وَإِذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنُ فِي كُلِّ الرَّكَعَاتِ مُتَفَرِّقًا، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. فَرْعٌ: إِشَارَةُ أَخْرَسَ مَفْهُومَةٌ أَوْ لَا، كَفِعْلٍ، وَلَا تَبْطُلُ بِعَمَلِ الْقَلْبِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَلَا بِإِطَالَةِ نَظَرٍ فِي كِتَابٍ فِي الْأَصَحِّ. [تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ سُوَرٍ فِي الْفَرْضِ] (وَيُكْرَهُ تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ) لِعَدَمِ فِعْلِ ذَلِكَ، وَهِيَ رُكْنٌ، وَاخْتُلِفَ فِي تَكْرَارِهَا، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ (وَالْجَمْعُ بَيْنَ سُوَرٍ فِي الْفَرْضِ) فِي رِوَايَةٍ، لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ الْمَأْثُورَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُكْرَهُ، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ، لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ، فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ، سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَكْتُوبَةِ بِالسُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ رَوَاهُ مَالِكٌ، وَكَتَكْرَارِ سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ، وَتَفْرِيقِ سُورَةٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، نُصَّ عَلَيْهِمَا، لَكِنْ لَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَعَنْهُ: تُكْرَهُ الْمُدَاوَمَةُ (وَلَا يُكْرَهُ) أَيِ: الْجَمْعُ بَيْنَ سُوَرٍ (فِي النَّفْلِ) قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَرَأَ فِي رَكْعَةٍ سُورَةَ (الْبَقَرَةِ) و (آلِ عِمْرَانَ) و (النِّسَاءِ) وَكَانَ عُثْمَانُ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ خَتَمْتُ فِيهِمَا الْقُرْآنَ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَهُوَ بِعِيدٌ (وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ، وَأَوْسَاطِهَا) وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] وَلِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ: أُمِرْنَا أَنْ نَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ، وَمَا تَيَسَّرَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ آخِرَ (آلِ عِمْرَانَ) وَآخِرَ (الْفُرْقَانِ) . رَوَاهُ الْخَلَّالُ. قَالَ الْحَسَنُ: غَزَوْتُ مَعَ ثَلَاثِمَائَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَقْرَأُ إِذَا أَمَّ أَصْحَابَهُ بِخَاتِمَةِ (الْبَقَرَةِ) وَبِخَاتِمَةِ (الْفُرْقَانِ) وَبِخَاتِمَةِ (الْحَشْرِ) وَكَانَ لَا يُنْكِرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ (وَعَنْهُ: يُكْرَهُ) فِي الْفَرْضِ، نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ، وَقَالَ: سُورَةٌ أَعْجَبُ إِلَيَّ، قَالَ الْمَرْوَزِيُّ: كَانَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَرَابَةٌ يُصَلِّي بِهِ، فَكَانَ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ مِنَ الْفَجْرِ بِآخِرِ السُّورَةِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: تَقَدَّمْ أَنْتَ فَصَلِّ، فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا يُصَلِّي بِكُمْ مُنْذُ كَمْ، قَالَ: دَعْنَا مِنْهُ، يَجِيءُ بِآخِرِ السُّورَةِ، وَكَرِهَهُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَلَعَلَّ أَحْمَدَ إِنَّمَا أَحَبَّ اتِّبَاعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ قِرَاءَةُ السُّورَةِ أَوْ بَعْضِهَا مِنْ أَوَّلِهَا، وَعَنْهُ: تُكْرَهُ الْمُدَاوَمَةُ، وَعَنْهُ: قِرَاءَةُ الْأَوْسَاطِ لَا الْأَوَاخِرِ لِعَدَمِ نَقْلِهِ، وَظَاهِرُهُ جَوَازُ قِرَاءَةِ أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَتُكْرَهُ قِرَاءَةُ كُلِّ الْقُرْآنِ فِي فَرْضٍ، وَعَنْهُ: لَا كَفَرَائِضَ. تَذْنِيبٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ كَمَا فِي الْمُصْحَفِ، وَيُكْرَهُ تَنْكِيسُ السُّوَرِ فِي رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ كَالْآيَاتِ، وَعَنْهُ: لَا، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَغَيْرُهُ لِلْأَخْبَارِ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَكَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى التَّسْوِيَةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَرْتِيبُ الْآيَاتِ وَاجِبٌ، لِأَنَّ تَرْتِيبَهَا بِالنَّصِّ، وَتَرْتِيبُ السُّوَرِ بِالِاجْتِهَادِ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ، فَتَجُوزُ قِرَاءَةُ هَذِهِ قَبْلَ هَذِهِ، وَكَذَا فِي الْكِتَابَةِ، وَلِهَذَا تَنَوَّعَتْ مَصَاحِفُ الصَّحَابَةِ فِي كِتَابَتِهَا، لَكِنْ لَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى الْمُصْحَفِ زَمَنَ عُثْمَانَ صَارَ هَذَا مِمَّا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَعَلَّلَ الْمَجْدُ كَرَاهَةَ تَنْكِيسِ الْآيَاتِ بِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَغَيُّرِ الْمَعْنَى، بِخِلَافِ السُّوَرِ إِلَّا مَا ارْتَبَطَتْ، وَتَعَلَّقَتْ بِالْأُولَى كَسُورَةِ قُرَيْشٍ مَعَ الْفِيلِ عَلَى رَأْيٍ. فَحِينَئِذٍ يُكْرَهُ، وَلَا يَبْعُدُ تَحْرِيمُهُ عَمْدًا، لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِمَوْضِعِ السُّورَةِ، فَإِنْ نَكَّسَ الْكَلِمَاتِ حَرُمَ، وَبَطَلَتْ. 1 - (وَ) يُشْرَعُ (لَهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى إِمَامِهِ إِذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ) قَالَهُ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ فِي الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَعَنْهُ: إِنْ طَالَ، وَعَنْهُ: فِي نَفْلٍ، وَقِيلَ: إِنْ سَكَتَ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي الْفَرْضِ فِي الْحَمْدِ، وَفِي النَّفْلِ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ: تَبْطُلُ بِهِ لِقَوْلِهِ
نَابَهُ شَيْءٌ مِثْلُ سَهْوِ إِمَامِهِ، أَوِ اسْتِئْذَانِ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ، سَبَّحَ إِنْ كَانَ رَجُلًا، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً صَفَّحَتْ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى، وَإِنْ بَدَرَهُ الْبُصَاقُ بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ- عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يَا عَلِيُّ لَا تَفْتَحْ عَلَى الْإِمَامِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: فِيهِ الْحَارِثُ، وَكَانَ كَذَّابًا، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِتَجَرُّدِهِ لِلتَّفْهِيمِ، وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ لِمَا «رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةً فَلُبِّسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأَبِي: أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؛ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَمَا مَنَعَكَ؛» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلِأَنَّهُ تَنْبِيهٌ فِيهَا بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ، أَشْبَهَ التَّسْبِيحَ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ فِي الْفَاتِحَةِ، كَمَا لَوْ نَسِيَ سَجْدَةً، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ فِيهَا كَغَيْرِهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، وَلَوْ فَتَحَ بَعْدَ أَخْذِهِ فِي قِرَاءَةِ غَيْرِهَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إِتْمَامِ مَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَسْقُطُ، وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَصَلَاةُ الْأُمِّيِّ خَلْفَهُ دُونَ الْقَارِئِ، فَإِنَّهُ يُفَارِقُهُ، وَيُتِمُّ لِنَفْسِهِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ، ثُمَّ إِنِ اسْتَخْلَفَ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ، وَصَلَّى مَعَهُ جَازَ، وَإِلَّا تَعَلَّمَ مَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى، صَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: وَهُوَ أَظْهَرُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَفْتَحُ عَلَى غَيْرِ إِمَامِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ تَبْطُلْ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَكَمَا لَوْ فَتَحَ غَيْرُ الْمُصَلِّي عَلَيْهِ. 1 - تَنْبِيهٌ: إِذَا عَطَسَ، أَوْ بُشِّرَ بِمَا يَسُرُّهُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِمَا يَغُمُّهُ فَقَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، أَوْ خَاطَبَ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ تَبْطُلْ عَلَى الْأَصَحِّ لِلْأَخْبَارِ، لَكِنْ يُكْرَهُ لِعَاطِسٍ الْحَمْدُ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ يَحْمَدُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ، فَلَوْ عَطَسَ حَالَ شُرُوعِهِ فِي الْحَمْدِ فَنَوَى الْقِرَاءَةَ لَمَّا عَطَسَ، فَهَلْ يُجْزِئُ عَنْ فَرْضٍ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا قَصَدَ بِالْحَمْدِ الذِّكْرَ أَوِ الْقُرْآنَ لَمْ تَبْطُلْ، فَإِنْ قَصَدَ خِطَابَ آدَمِيٍّ بَطَلَتْ، وَإِنْ قَصَدَهُمَا فَوَجْهَانِ (وَإِذَا نَابَهُ شَيْءٌ) أَيْ: أَمْرٌ (مِثْلُ سَهْوِ إِمَامِهِ) كَمَا لَوْ أَتَى بِفِعْلٍ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لَزِمَ الْمَأْمُومَ تَنْبِيهُهُ. (أَوِ اسْتِئْذَانِ إِنْسَانٍ) دَاخِلٍ (عَلَيْهِ سَبَّحَ إِنْ كَانَ رَجُلًا) وَلَوْ كَثُرَ، وَيَجُوزُ بِقِرَاءَةٍ، وَتَكْبِيرٍ، وَتَهْلِيلٍ فِي الْأَظْهَرِ (وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً صَفَّحَتْ)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَفِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " صَفَّقَتْ، وَهُمَا سَوَاءٌ مَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ، وَقِيلَ: التَّصْفِيحُ الضَّرْبُ بِظَاهِرِ إِحْدَاهُمَا عَلَى بَاطِنِ الْأُخْرَى، وَقِيلَ: بِأُصْبُعَيْنِ مِنْ إِحْدَاهُمَا عَلَى صَفْحَةِ الْأُخْرَى، وَالتَّصْفِيقُ الضَّرْبُ بِجَمِيعِ إِحْدَى الصَّفْحَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ (بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي خَبَرِ سَهْلٍ: «إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلِيُصَفِّق النِّسَاءُ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تُسَبِّحُ بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ، نُصَّ عَلَيْهِ كَتَصْفِيقِهِ، وَتَطْبِيقٍ، وَصَفِيرٍ، وَيُكْرَهُ بِنَحْنَحَةٍ فِي الْأَصَحِّ، وَشَرْطُ التَّصْفِيقِ مَا لَمْ يُطِلْ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ مُرَادٌ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ: لَا تَبْطُلُ بِتَصْفِيقِهَا عَلَى جِهَةِ اللَّعِبِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَتَبْطُلُ بِهِ لِمُنَافَاتِهِ الصَّلَاةَ، وَالْخُنْثَى كَامْرَأَةٍ. فَرْعٌ: إِجَابَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ وَاجِبَةً فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا، نُصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَرَأَ آيَةً فِيهَا اسْمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَفْلٍ – نصا -، وَأَطْلَقَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَا يُجِيبُ الْوَالِدُ فِي نَفْلٍ إِنْ لَزِمَ بِالشُّرُوعِ، وَسَأَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْهَا، فَقَالَ: يُرْوَى عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ: إِذَا دَعَتْكَ أُمُّكَ فِيهَا فَأَجِبْهُ، وَأَبُوكَ لَا تُجِبْهُ، وَكَذَا الصَّوْمُ (وَإِنْ بَدْرَهُ الْبُصَاقُ) وَيُقَالُ بِالسِّينِ، وَالزَّايِ أَيْضًا، وَالْمُخَاطُ أَوِ النُّخَامَةُ (بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ) وَحَكَّ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ إِذْهَابًا لِصُورَتِهِ إِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَبْزُقَنَّ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ
[سترة المصلي]
وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، جَازَ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى سُتْرَةٍ مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خَطَّ خَطًّا، فَإِذَا مَرَّ مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ الْمَسْجِدِ عَنِ الْبُصَاقِ فِيهِ، قَالَ أَحْمَدُ: الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهُ دَفْنُهُ لِلْخَبَرِ، قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ: لِأَنَّ بِدَفْنِهِ تَزُولُ الْقَذَارَةُ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: يَجُوزُ فِي بُقْعَةٍ يَنْدَفِنُ فِيهَا يَخْلُقُ مَوْضِعُهَا اسْتِحْبَابًا، وَيَلْزَمُ غَيْرَهُ إِزَالَتُهَا إِنْ لَمْ يُزِلْهَا فَاعِلُهَا، لِخَبَرِ أَبِي ذَرٍّ (وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ بَصَقَ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى) قَالَهُ جَمَاعَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لِيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى» ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَبْصُقَ أَمَامَهُ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، «وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا، «مَنْ تَفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفْلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» ، وَفِي " الْوَجِيزِ " وَيَبْصُقُ فِي الصَّلَاةِ أَوِ الْمَسْجِدِ فِي ثَوْبِهِ، وَفِي غَيْرِهِمَا يَسْرَةً، وَفِيهِ نَظَرٌ. [سُتْرَةُ الْمُصَلِّي] (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى سُتْرَةٍ) مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَضَرِ، وَالسَّفَرِ، وَلَمْ يَخْشَ مَارًّا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ، وَلْيَدْنُ مِنْهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَفِي " الْوَاضِحِ " يَجِبُ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالسُّتْرَةُ: مَا يُسْتَتَرُ بِهِ، وَلَوْ بِخَيْطٍ مُطْلَقًا (مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ، فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُبَالِ مَنْ يَمُرُّ وَرَاءَ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، «وَصَلَّى فِي الْكَعْبَةِ، وَبَيْنَهُ،
وَرَائِهَا شَيْءٌ لَمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ له سُتْرَةٌ فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَبَيْنَ الْجِدَارِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ، وَنَحْوِهِ قَرُبَ مِنَ الْجِدَارِ، أَوْ فَضَاءٍ فَإِلَى شَيْءٍ شَاخِصٍ مِنْ شَجَرَةٍ أَوْ بَعِيرٍ أَوْ ظَهْرِ إِنْسَانٍ أَوْ عَصَا، «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى إِلَى حَرْبَةٍ، وَإِلَى بَعِيرٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَيُلْقِي الْعَصَا بَيْنَ يَدَيْهِ عَرْضًا، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْخَطِّ، وَيُسْتَحَبُّ انْحِرَافُهُ عَنْهَا قَلِيلًا لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ، قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِقَوِيٍّ، لَكِنْ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَيَكُونُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَهَا ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَكُلَّمَا دَنَا فَهُوَ أَفْضَلُ لِلنَّصِّ، وَلِأَنَّهُ أَصْوَنُ لِصَلَاتِهِ، وَطُولُهَا ذِرَاعٌ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: مِثْلَ عَظْمِ الذِّرَاعِ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدَّرَهَا بِمُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ، وَهُوَ عُودٌ فِي مُؤَخَّرِهِ ضِدَّ قَادِمَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ رَحْلُ الْبَعِيرِ، وَهُوَ أَصْغَرُ مِنَ الْقَتَبِ، وَالْمُؤَخِّرَةُ تَخْتَلِفُ فَتَارَةً تَكُونُ ذِرَاعًا، وَتَارَةً أَقَلَّ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يُجْزِئُ الِاسْتِتَارُ بِهَا، وَعَرْضُهَا لَا حَدَّ لَهُ، لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ غَلِيظَةً كَالْحَائِطِ، وَدَقِيقَةً كَالسَّهْمِ، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: مَا كَانَ أَعْرَضَ هُوَ أَعْجَبُ إِلَيَّ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خَطَّ خَطًّا) نُصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلِيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصَا فَلْيَخُطَّ خَطًّا، وَلَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ فِيهِ رَجُلًا مَجْهُولًا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَصِفَتُهُ كَالْهِلَالِ لَا طُولًا، لَكِنْ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَكَيْفَمَا خَطَّ أَجَزْأَهُ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ الْخَطُّ (فَإِذَا مَرَّ مِنْ وَرَائِهَا شَيْءٌ لَمْ يُكْرَهْ) لِلْأَخْبَارِ
بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَفِي الْمَرْأَةِ وَالْحِمَارِ رِوَايَتَانِ. وَيَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ، وَإِذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQالسَّابِقَةِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سُتْرَةٌ فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) قَرِيبًا، وَمُرَادُهُمْ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ، فَأَقَلُّ مِنْ قَدَمِهِ، أَوْ كَانَتْ تَمُرُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا (الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فَصَلَّى فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ الَّذِي لَا لَوْنَ فِيهِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَعَنْهُ: أَوْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ بَيَاضٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَلَيْسَ بِبَهِيمٍ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَخُصُّ الْبَهِيمُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ، لِأَنَّهُ شَيْطَانٌ. 1 - مَسْأَلَةٌ: يُبَاحُ قَتْلُ الْبَهِيمِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَغَيْرُهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ (وَفِي الْمَرْأَةِ، وَالْحِمَارِ) الْأَهْلِيِّ (رِوَايَتَانِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: لَا تَبْطُلُ، نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ، وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لِمَا رُوِيَ «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارِ أَتَانٍ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِمِنَى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ، وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ أَحَدٌ» ، وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَالثَّانِيَةُ: تُبْطِلُ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQقَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَرَجَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِلنَّصِّ السَّابِقِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ لَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ حُكْمَ الْوُقُوفِ يُخَالِفُ حُكْمَ الْمُرُورِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَنَّهُ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، وَسُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهَا غَيْرُ مَا ذُكِرَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَنْهُ: يَقْطَعُهَا شَيْطَانٌ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ: وَسِنَّوْرٌ أَسْوَدُ، وَفِي الصَّغِيرَةِ وَجْهٌ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ، وَعَنْهُ: لَا يَبْطُلُ النَّفْلُ، وَعَنْهُ: وَالْجِنَازَةُ. فَرْعٌ: وَسُتْرَةٌ مَغْصُوبَةٌ، وَنَجِسَةٌ كَغَيْرِهَا قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَفِيهِ وَجْهٌ، فَالصَّلَاةُ إِلَيْهَا كَالْقَبْرِ، قَالَ صَاحِبُ " النَّظْمِ ": وَعَلَى قِيَاسِهِ سُتْرَةُ الذَّهَبِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مِنْهَا لَوْ وَضَعَ الْمَارَّةُ سُتْرَةً أَوْ تَسَتَّرَ بِدَابَّةٍ جَازَ. 1 - تَذْنِيبٌ: سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ لِلْأَخْبَارِ، وَلَا عَكْسَ، فَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَأْمُومٍ سُتْرَةٌ، وَلَيْسَتْ سُتْرَةً لَهُ، وَمَعْنَاهُ إِذَا مَرَّ مَا يُبْطِلُهَا، فَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا فِيمَا يُبْطِلُهَا خَاصَّةً، وَأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي نَهْيِ الْآدَمِيِّ عَنِ الْمُرُورِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَكَذَا الْمُصَلِّي لَا يَدْعُ شَيْئًا بَيْنَ يَدَيْهِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُصَلِّي إِلَى سُتْرَةٍ دُونَ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ صَاحِبُ " النَّظْمِ ": لَمْ أَرَ أَحَدًا تَعَرَّضَ لِجَوَازِ مُرُورِ الْإِنْسَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُومِينَ، فَيُحْتَمَلُ جَوَازُهُ اعْتِبَارًا بِسُتْرَةِ الْإِمَامِ لَهُ حُكْمًا، وَيُحْتَمَلُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِعَدَمِ الْإِبْطَالِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْجَمِيعِ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَلَفُوا هَلْ سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ أَمْ هِيَ سُتْرَةٌ لَهُ خَاصَّةً، وَهُوَ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى سُتْرَةٍ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ» أَيْ: يَمْنَعُ مِنْ نَقْصِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ، لَا أَنَّهُ يَجُوزُ الْمُرُورُ قُدَّامَ الْمَأْمُومِ.
[النظر في المصحف والقراءة منه في الصلاة]
مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ أَنْ يَسْأَلَهَا، أَوْ آيَةُ عَذَابٍ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْهَا، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ فِي الْفَرْضِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ وَالْقِرَاءَةُ مِنْهُ في الصلاة] (وَيَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ) وَالْقِرَاءَةُ مِنْهُ فِيهَا، جَزَمَ بِهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ: أَنَّ عَائِشَةَ كَانَ يَؤُمُّهَا عَبْدٌ لَهَا فِي الْمُصْحَفِ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ خِيَارُنَا يَقْرَءُونَ فِي الْمَصَاحِفِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ، وَالْفَرْضُ وَالنَّفْلُ سَوَاءٌ، قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ فِي النَّفْلِ، وَحُمِلَ فِي " الشَّرْحِ " كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لِغَيْرِ الْحَافِظِ، وَعَنْهُ: يَبْطُلُ فَرْضٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَهَانَا أَنْ نَؤُمَّ مِنَ الْمَصَاحِفِ. رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، وَقِيلَ: وَنَفْلٌ أَيْضًا، لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ فِي فَرْضِ الْقِرَاءَةِ عَلَى غَيْرِهِ كَاعْتِمَادِهِ بِحَبْلٍ فِي قِيَامِهِ (وَإِذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ أَنْ يَسْأَلَهَا) أَيْ: يَسْأَلَ الرَّحْمَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَآيَةُ عَذَابٍ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ (الْبَقَرَةَ) فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى إِلَى أَنْ قَالَ: إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ» مُخْتَصَرٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ، وَخَيْرٌ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ، وَظَاهِرُهُ لِكُلِّ مُصَلٍّ، وَسَبَقَ إِذَا تَلَى آيَةً فِيهَا ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَعَنْهُ: يُكْرَهُ فِي الْفَرْضِ) لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي النَّفْلِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يَفْعَلُهُ إِنْ صَلَّى وَحْدَهُ، وَنَقَلَ الْفَضْلُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَهُ مَأْمُومٌ، وَيَخْفِضَ صَوْتَهُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الدِّينَوَرِيُّ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: مَعْنَى ذَلِكَ تَكْرَارُ الْآيَةِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا قَرَأَ {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] فِي صَلَاةٍ، وَغَيْرِهَا قَالَ: سُبْحَانَكَ قِيلَ: فِي فَرْضٍ وَنَفْلٍ، وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِيهِمَا. فَائِدَةٌ: سُئِلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ الْقِرَاءَةِ بِمَا فِيهِ دُعَاءٌ هَلْ يَحْصُلَانِ لَهُ؛ فَتَوَقَّفَ، وَيَتَوَجَّهُ الْحُصُولُ، لِخَبَرِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَتَمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ بِآيَتَيْنِ أَعْطَانِيهِمَا مِنْ كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَعَلَّمُوهُنَّ، وَعَلِّمُوهُنَّ نِسَاءَكُمْ، فَإِنَّهَا صَلَاةٌ، وَقُرْآنٌ، وَدُعَاءٌ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ.
[أركان الصلاة]
فَصْلٌ أَرْكَانُ الصَّلَاةِ اثْنَا عَشَرَ: الْقِيَامُ، وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، وَالرُّكُوعُ، وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ، وَالسُّجُودُ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالطُّمَأْنِينَةُ فِي هَذِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [أَرْكَانُ الصَّلَاةِ] فَصْلٌ (أَرْكَانُ الصَّلَاةِ) : جَمْعُ رُكْنٍ، وَهُوَ جَانِبُ الشَّيْءِ الْأَقْوَى، وَهُوَ مَا كَانَ فِيهَا، وَلَا يَسْقُطُ عَمْدًا، وَلَا سَهْوًا، وَسَمَّاهَا بَعْضُهُمْ فُرُوضًا، وَهُوَ لَفْظِيٌّ (اثْنَا عَشَرَ) كَذَا فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ، وَجَعَلَهَا فِي " الْبُلْغَةِ " عَشْرَةً، وَعَدَّ مِنْهَا النِّيَّةَ، لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ فِيهَا قِسْمَانِ: وَاجِبٌ، وَمَسْنُونٌ، وَالْأَوَّلُ: قِسْمَانِ: مَا لَا يَسْقُطُ مُطْلَقًا، وَهِيَ الْأَرْكَانُ (الْقِيَامُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] وَلِحَدِيثِ عِمْرَانَ: «صَلِّ قَائِمًا» وَمَحَلُّهُ فِي الْفَرْضِ لِقَادِرٍ، وَهُوَ قَدْرُ التَّحْرِيمَةِ، لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ يُدْرِكُ بِهِ فَرْضَ الْقِيَامِ، ذَكَرَهُ فِي " الْخِلَافِ " وَغَيْرِهِ، ولَا يضره مَيل رَأْسه قَالَ أَبُو الْمَعَالِي، وَغَيْرُهُ، وَحْدَهُ مَا لَمْ يُصِرَّ رَاكِعًا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْعُرْيَانُ، وَالْخَائِفُ، وَلِمُدَاوَاةٍ، وَقِصَرِ سَقْفٍ لِعَاجِزٍ عَنِ الْخُرُوجِ، وَمَأْمُومٍ خَلْفَ إِمَامِ الْحَيِّ الْعَاجِزِ عَنْهُ بِشَرْطِهِ، فَإِنْ قَامَ عَلَى رِجْلٍ لَمْ يُجْزِئْهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يُخَالِفُهُ، وَنَقَلَ خطاب بْنُ بِشْرٍ: لَا أَدْرِي (وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» (وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ) أَيْ: فِي حَقِّ الْإِمَامِ، وَالْمُنْفَرِدِ، وَيَتَحَمَّلُهَا إِمَامٌ عَنْ مَأْمُومٍ، وَكَذَا بَدَلُهَا (وَالرُّكُوعُ) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا} [الحج: 77] ، وَحَدِيثُ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، وَلِمُسْلِمٍ، وَعَزَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ إِلَى الْبُخَارِيِّ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُسَمَّاةَ فِي الْحَدِيثِ لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ، فَإِنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ لَسَقَطَتْ عَنِ الْأَعْرَابِيِّ لِجَهْلِهِ بِهَا (وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَاوَمَ عَلَى فِعْلِهِ، وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فَلَوْ طَوَّلَهُ لَمْ تَبْطُلْ،
الْأَفْعَالِ، وَالتَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ وَالْجُلُوسُ لَهُ، وَالتَّسْلِيمَةُ الْأُولَى، وَالتَّرْتِيبُ، وَمَنْ تَرَكَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْمَاطِيُّ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُطِيلُ الِاعْتِدَالَ وَالْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَالسُّجُودُ) إِجْمَاعًا (وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَالطُّمَأْنِينَةُ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ) لِمَا سَبَقَ، وَلِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مُتَّ، مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا رُكْنٌ وَاحِدٌ فِي الْكُلِّ، لِأَنَّهُ يَعُمُّ الْقِيَامَ، وَهِيَ السُّكُونُ، وَإِنْ قَلَّ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَالْجَدُّ فِي فُرُوعِهِ، وَقِيلَ: بِقَدْرِ الْوَاجِبِ، وَحَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ: بِقَدْرِ ظَنِّهِ أَنَّ مَأْمُومَهُ الضَّعِيفُ، وَثَقِيلُ اللِّسَانِ أَتَى بِمَا يَلْزَمُهُ (وَالتَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ، وَالْجُلُوسُ لَهُ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْبَدْرِيِّ لِقَوْلِهِ: «إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» الْخَبَرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَقُولُوا هَكَذَا، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» . . . . ذَكَرَهُ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ عُمَرُ: لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ إِلَّا بِتَشَهُّدٍ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَالرُّكْنُ مِنْهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ مَعَ مَا يُجْزِئُ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ: وَعَنْهُ: وَاجِبٌ يَسْقُطُ بِالسَّهْوِ، وَهُوَ غَرِيبٌ، وَعَنْهُ: سُنَّةٌ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ: إِنَّ الْجُلُوسَ فَرْضٌ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الذِّكْرِ فِيهِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا حَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ
[واجبات الصلاة]
شَيْئًا مِنْهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَوَاجِبَاتُهَا تِسْعَةٌ: الْإِحْرَامُ، وَالتَّسْمِيعُ، وَالتَّحْمِيدُ فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَالتَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، مَرَّةً مَرَّةً، وَسُؤَالُ الْمَغْفِرَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مَرَّةً، وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، وَالْجُلُوسُ لَهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَالتَّسْلِيمَةُ الْأُولَى) لِقَوْلِهِ: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْتِمُ صَلَاتَهُ بِالتَّسْلِيمِ» ، وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَلِأَنَّهَا نُطْقٌ مَشْرُوعٌ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا، فَكَانَ رُكْنًا كَالطَّرَفِ الْآخَرِ (وَالتَّرْتِيبُ) أَيْ: بَيْنَ الْأَرْكَانِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُصَلِّيهَا مُرَتَّبَةً، وَعَلَّمَهَا لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ مُرَتَّبًا بِثُمَّ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَبْطُلُ بِالْحَدَثِ، فَكَانَ التَّرْتِيبُ رُكْنًا فِيهَا كَغَيْرِهَا. (وَمَنْ تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَفَى الصَّلَاةَ مَعَ الْجَهْلِ، وَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ عُذْرًا، وَإِذَا انْتَفَى مَعَ الْجَهْلِ، فَمَعَ الْعَمْدِ أَوْلَى، وَتَرْكُهُ سَهْوًا يَأْتِي. [وَاجِبَاتُ الصَّلَاةِ] (وَوَاجِبَاتُهَا تِسْعَةٌ) هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَسَمَّى أَبُو الْفَرَجِ الْوَاجِبَ سُنَّةً اصْطِلَاحًا، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَمَا سَمَّى الْمَبِيتَ، وَرَمْيَ الْجِمَارِ، وَطَوَافَ الصَّدْرِ سُنَّةً، وَهُوَ وَاجِبُ (التَّكْبِيرِ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُكَبِّرُ، وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، وَعَنْهُ: رُكْنٌ لَا يَسْقُطُ بِالسَّهْوِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَعَنْهُ: يَسْقُطُ فِي حَقِّ مَأْمُومٍ فَقَطْ، وَعَنْهُ: سُنَّةٌ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُعَلِّمِ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، قُلْنَا: وَلَمْ يُعَلِّمْهُ التَّشَهُّدَ، وَلَا السَّلَامَ، وَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى تَعْلِيمِهِ مَا أَسَاءَ فِيهِ (وَالتَّسْمِيعُ) وَهُوَ قَوْلُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فِي حَقِّ إِمَامٍ، وَمُنْفَرِدٍ (وَالتَّحْمِيدُ) وَهُوَ قَوْلُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فِي حَقِّ الْكُلِّ (فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ لِمَا سَبَقَ مِنَ النُّصُوصِ فِعْلًا لَهُ، وَأَمْرًا بِهِ (وَالتَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ مَرَّةً مَرَّةً) عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالزَّائِدُ عَلَى الْمَرَّةِ سُنَّةٌ (وَسُؤَالُ الْمَغْفِرَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مَرَّةً) عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَمْ يُنْقَلْ تَرْكُهُ، وَعَنْهُ: سُنَّةٌ،
النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَوْضِعِهَا، وَالتَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ فِي رِوَايَةِ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا عَمْدًا بَطَلَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّمْهُ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ (وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ وَالْجُلُوسُ لَهُ) اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَعَلَهُ، وَدَاوَمَ عَلَى فِعْلِهِ، وَأَمَرَ بِهِ، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ حِينَ نَسِيَهُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ لِسُقُوطِهَا بِالسَّهْوِ، وَانْجِبَارِهَا بِالسُّجُودِ كَوَاجِبَاتِ الْحَجِّ، وَيُسْتَثْنَى منه غير مَأْمُوم قَامَ إِمَامُهُ عَنْهُ سَهْوًا فَيُتَابِعُهُ (وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَصَحَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ " وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا} [الأحزاب: 56] ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَلَا مَوْضِعَ تَجِبُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَوْلَى مِنَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَعَنْهُ: رُكْنٌ، قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " وَصَحَّحَهَا فِي " الْمَذْهَبِ " و" الْوَسِيلَةِ " وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهَا الْمَشْهُورَةُ، وَأَنَّهَا اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِ لِحَدِيثِ كَعْبٍ، وَعَنْهُ: سُنَّةٌ، قَالَ الْمَرْوَزِيُّ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ ابْنَ رَاهَوَيْهِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَقَالَ: مَا أَجْتَرِئُ أَنْ أَقُولَ مِثْلَ هَذَا، وَفِي رِوَايَةٍ: هَذَا شُذُوذٌ. لِقَوْلِهِ: «إِذَا فَعَلْتَ هَذَا فَقَدَ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ» ، وَكَخَارِجِ الصَّلَاةِ (فِي مَوْضِعِهَا) أَيْ: فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ (وَالتَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ فِي رِوَايَةٍ) قَالَ الْقَاضِي: وَهِيَ أَصَحُّ جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُسَلِّمُهُمَا، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ شُرِعَ لَهَا تَحْلِيلَانِ، فَكَانَتْ وَاجِبَةً كَالْأُولَى، وَعَنْهُ: أَنَّهَا رُكْنٌ كَالْأُولَى، صَحَّحَهُ فِي " الْمَذْهَبِ " وَقَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَهِيَ ظَاهِرُ " الْهِدَايَةِ " و" الْمُحَرَّرِ " لِعُمُومِ قَوْلِهِ: وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ، فَعَلَى هَذَا هُمَا مِنَ الصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: سُنَّةٌ، اخْتَارَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَصَحَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ " وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "
صَلَاتُهُ، وَمَنْ تَرَكَهُ سَهْوًا سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَعَنْهُ: إِنَّ هَذِهِ سُنَنٌ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعُ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ، وَعَنْهُ: فِي النَّفْلِ، وَعَنْهُ: هُمَا وَاجَبَتَانِ، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهَا الْمَشْهُورَةُ، وَصَحَّحَهَا فِي " الْوَسِيلَةِ " قَالَ الْقَاضِي: الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ فِي الْجِنَازَةِ وَالنَّافِلَةِ رِوَايَةً وَاحِدَةً (مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ أَشْبَهَتِ الْأَرْكَانَ (وَمَنْ تَرَكَهُ سَهْوًا) أَوْ جَهْلًا، نُصَّ عَلَيْهِ (سَجَدَ لِلسَّهْوِ) «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ سَجَدَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ، وَلَوْلَا أَنَّهُ وَاجِبٌ لَمَا سَجَدَ لِجَبْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ فِي الصَّلَاةِ زيادة محرمة لِجَبْرِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَغَيْرُ التَّشَهُّدِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ مَقِيسٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِلْعِبَادَةِ وَاجِبٌ يُجْبَرُ إِذَا تَرَكَهُ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِهَا كَالْحَجِّ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ سَهْوًا، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ (وَعَنْهُ: أَنَّ هَذِهِ سُنَنٌ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا) لِعَدَمِ تَعْلِيمِهَا لِلْمُسِيءِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا تَرَكَ شَيْئًا، وَلَمْ يَدْرِ أَفَرْضٌ أَمْ سُنَّةٌ، لَمْ يَسْقُطْ فَرْضُهُ لِلشَّكِّ فِي صِحَّتِهِ، وَإِذَا اعْتَقَدَ الْفَرْضَ سُنَّةً، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَصَلَّاهَا عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ بَنَاهَا عَلَى اعْتِقَادٍ فَاسِدٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ خِلَافُهُ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَعْرِفَ الرُّكْنَ مِنَ الشَّرْطِ، وَالْفَرْضَ مِنَ السُّنَّةِ، وَرَدَّ الْمَجْدُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَحِّحِ الِائْتِمَامَ بِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْفَاتِحَةَ نَفْلٌ بِفِعْلِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مَعَ شِدَّةِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ الْفَرْضُ، وَالسُّنَّةُ، وَلِأَنَّ اعْتِقَادَ الْفَرْضِيَّةِ، وَالنَّفْلِيَّةِ يُؤَثِّرُ فِي جُمْلَةِ الصَّلَاةِ لَا تَفَاصِيلِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ صَلَّى يَعْتَقِدُ الصَّلَاةَ فَرِيضَةً، فَأَتَى بِأَفْعَالٍ تَصِحُّ مَعَهَا الصَّلَاةُ، بَعْضُهَا فَرْضٌ، وَبَعْضُهَا نَفْلٌ، وَهُوَ يَجْهَلُ الْفَرْضَ مِنَ السُّنَّةِ، أَوْ يَعْتَقِدُ الْجَمِيعَ فَرْضًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ إِجْمَاعًا. فَرْعٌ: الْخُشُوعُ - وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَلْبِ سُنَّةٌ - ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَجَمْعٌ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ
[سنن الصلاة]
بِتَرْكِهَا. وَسُنَنُ الْأَقْوَالِ اثْنَا عَشَرَ: الِاسْتِفْتَاحُ، وَالتَّعَوُّذُ، وَقِرَاءَةُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَقَوْلُ آمِينَ، وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ، وَالْجَهْرُ، وَالْإِخْفَاتُ، وَقَوْلُ: مِلْءَ السَّمَاءِ بَعْدَ التَّحْمِيدِ، وَمَا زَادَ عَلَى التَّسْبِيحَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَعَلَى الْمَرَّةِ فِي سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ، وَالتَّعَوُّذُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَالْقُنُوتُ فِي الْوَتْرِ. فَهَذِهِ لَا تَبْطُلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَجِيهُ الدِّينِ أَنَّهُ وَاجِبٌ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": مُرَادُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي بَعْضِهَا، وَإِنْ أَرَادَ فِي كُلِّهَا، فَإِنْ لَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ فَخِلَافُ قَاعِدَةِ تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَإِنْ أَبْطَلَ بِهِ فَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَكِلَاهُمَا خِلَافُ الْأَخْبَارِ. فَائِدَةٌ: مَنْ عَلِمَ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ، وَمَضَى فِيهَا أُدِّبَ لِاسْتِهْزَائِهِ بِهَا، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، وَلَا يَكْفُرُ إِذَا صَلَّى مُحْدِثًا بِلَا عُذْرٍ مُتَعَمِّدًا فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ، لِأَنَّ الْكُفْرَ بِالِاعْتِقَادِ، وَهَذَا اعْتِقَادٌ صَحِيحٌ. [سُنَنُ الصَّلَاةِ] (وَسُنَنُ الْأَقْوَالِ) هَذَا بَيَانُ الْقِسْمِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ (اثْنَا عَشَرَ) كَذَا فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ (الِاسْتِفْتَاحُ، وَالتَّعَوُّذُ، وَقِرَاءَةُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَقَوْلُ آمِينَ، وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ) وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهَا (وَالْجَهْرُ وَالْإِخْفَاتُ) حَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ اتِّفَاقًا، وَقِيلَ: وَاجِبَانِ، وَقِيلَ: الْإِخْفَاتُ فَقَطْ، وَإِنْ نَسِيَ فَجَهَرَ فِيمَا يُسَرُّ فِيهِ بَنَى عَلَى قِرَاءَتِهِ سِرًّا، وَإِنْ أَسَرَّ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ بَنَى عَلَى قِرَاءَتِهِ سِرًّا، وَعَنْهُ: يَسْتَأْنِفُهَا جَهْرًا، وَإِنْ كَانَ فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجَهْرَ زِيَادَةٌ حَصَلَ بِهَا الْمَقْصُودُ وَزِيَادَةٌ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِعَادَتِهِ، وَالْإِسْرَارُ نَقْصٌ فَاتَتْ بِهِ سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ، وَهُوَ إِسْمَاعُ الْمَأْمُومِ الْقِرَاءَةَ، وَقَدْ أَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِهَا (وَقَوْلُ: مِلْءَ السَّمَاءِ بَعْدَ التَّحْمِيدِ) لِغَيْرِ مَأْمُومٍ (وَمَا زَادَ عَلَى التَّسْبِيحَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَعَلَى الْمَرَّةِ فِي سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ، وَالتَّعَوُّذُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَالْقُنُوتُ فِي الْوَتْرِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي مَوَاضِعِهِ، وَعَنْهُ: وَاجِبَةٌ، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَكَذَا يُسَنُّ الدُّعَاءُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَغَيْرُ التَّعَوُّذِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي " هِدَايَتِهِ "، وَعُدَّ مِنْ سُنَنِ الْأَقْوَالِ السُّجُودُ عَلَى أنفه، وَجِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ، وَالتَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ فِي رِوَايَةٍ. وَمِنْ سُنَنِ الْأَفْعَالِ الْجَهْرُ، وَالْإِخْفَاتُ بِالْقِرَاءَةِ، وَبِآمِينَ، وَهُوَ بَعِيدٌ (فَهَذِهِ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا) لِأَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَلَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهَا كَمَسْنُونَاتِ الْحَجِّ (وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ
الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا، وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لَهَا، وَهَلْ يُشْرَعُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَمَا سِوَى هَذَا مِنْ سُنَنِ الْأَفْعَالِ، لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا، وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لَهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَهَا) لِأَنَّ فِعْلَهَا غَيْرُ وَاجِبٍ، فَجَبْرُهَا أَوْلَى، لَكِنْ يُكْرَهُ تَرْكُهَا (وَهَلْ يُشْرَعُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يُشْرَعُ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ سَالِمٍ الْعَنْسِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ» وَإِسْمَاعِيلُ رِوَايَتُهُ عَنِ الشَّامِيِّينَ حُجَّةٌ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ فَذَكَرَهُ، وَلِأَنَّ السُّجُودَ جُبْرَانٌ، فَشُرِعَ لِيَجْبُرَ مَا فَاتَ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُشْرَعُ، وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ تَرْكَهَا عَمْدًا لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، فَلَمْ يُشْرَعْ لِسَهْوِهَا سُجُودٌ كَسُنَنِ الْأَفْعَالِ، وَلِأَنَّ السُّجُودَ زِيَادَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَجُزْ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ (وَمَا سِوَى هَذَا مِنْ سُنَنِ الْأَفْعَالِ) وَتُسَمَّى هَيْئَاتُهَا كَرَفْعِ يَدَيْهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَالرُّكُوعِ، وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَوَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَالنَّظَرِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَوَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ فِي الرُّكُوعِ، وَالتَّجَافِي فِيهِ، وَفِي السُّجُودِ، وَمَدِّ الظَّهْرِ مُعْتَدِلًا، وَجَعْلِهِ حِيَالَ رَأْسِهِ، وَالْبَدَاءَةِ بِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ فِي السُّجُودِ، وَعَكْسُهُ فِي الْقِيَامِ مِنْهُ، وَفِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ فِي السُّجُودِ، وَوَضْعِ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ مَضْمُومَةً مُسْتَقْبِلًا بِهِمَا الْقِبْلَةَ، وَنَصْبِ قَدَمَيْهِ، وَفَتْحِ أَصَابِعِهِمَا فِي السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ، وَالِافْتِرَاشِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَفِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَالتَّوَرُّكِ فِي الثَّانِي، وَوَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْفَخِذِ الْيُمْنَى مَقْبُوضَةً مُحَلَّقَةً، وَالْإِشَارَةِ بِالسَّبَّابَةِ، وَوَضْعِ الْيُسْرَى عَلَى الْفَخِذِ الْيُسْرَى مَبْسُوطَةً، وَالِالْتِفَاتِ فِي السَّلَامِ عَنْ يَمِينِهِ، وَيَسَارِهِ، وَالسُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ، وَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، وَنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا فِي سَلَامِهِ عَلَى مَا سَبَقَ (لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا) لِأَنَّهَا سُنَّةٌ (وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لَهَا) نَصَرَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْ تَرْكِهَا لِكَثْرَتِهَا، فَلَوْ شُرِعَ السُّجُودُ لَمْ تَخْلُ صَلَاةٌ مِنْ سُجُودٍ فِي الْغَالِبِ، وَبِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سُنَنِ الْأَقْوَالِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِمَا، فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ،
[باب سجود السهو]
بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ وَلَا يُشْرَعُ فِي الْعَمْدِ، وَيُشْرَعُ لِلسَّهْوِ فِي زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ وَشَكٍّ، لِلنَّافِلَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ أَنَّهُ يُشْرَعُ كَالْأَوَّلِ، فَإِذَا قُلْنَا لَا يَسْجُدُ فَسَجَدَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، نُصَّ عَلَيْهِ. [بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ] [تَعْرِيفُ السَّهْوِ وَحُكْمُهُ] بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ. قَالَ صَاحِبُ " الْمَشَارِقِ " السَّهْوُ فِي الصَّلَاةِ: النِّسْيَانُ فِيهَا، وَقِيلَ: هُوَ الْغَفْلَةُ، وَقِيلَ: النِّسْيَانُ عَدَمُ ذِكْرِ مَا قَدْ كَانَ مَذْكُورًا، وَالسَّهْوُ: ذُهُولٌ وَغَفْلَةٌ عَمَّا كَانَ مَذْكُورًا، وَعَمَّا لَمْ يَكُنْ. فَعَلَى هَذَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ النِّسْيَانِ، وَلَا مِرْيَةَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ سُجُودِ السَّهْوِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يُحْفَظُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: سَلَّمَ مِنِ اثْنَتَيْنِ فَسَجَدَ، وَسَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ فَسَجَدَ، وَفِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ. قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ، وَلَمْ يَتَشَهَّدْ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْخَمْسَةُ يَعْنِي حَدِيثَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ بُحَيْنَةَ. (وَلَا يُشْرَعُ فِي الْعَمْدِ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ» فَعَلَّقَ السُّجُودَ عَلَى السَّهْوِ لِأَنَّهُ شُرِعَ جُبْرَانًا، وَالْعَامِدُ لَا يُعْذَرُ، وَلَا يَنْجَبِرُ خَلَلُ صَلَاتِهِ بِسُجُودِهِ، بِخِلَافِ السَّاهِي، وَلِذَلِكَ أُضِيفَ السُّجُودُ إِلَى السَّهْوِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَسْجُدُ لِتَرْكِ الْقُنُوتِ، وَالتَّشَهُّدِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ، لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ
وَالْفَرْضِ، فَأَمَّا الزِّيَادَةُ، فمَتَى زَادَ فِعْلًا مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ قِيَامًا أَوْ قُعُودًا أَوْ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا عَمْدًا بَطَلَتِ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا سَجَدَ لَهُ، وَإِنْ زَادَ رَكْعَةً، فَلَمْ يَعْلَمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْجَبْرُ بِسَهْوِهِ تَعَلَّقَ بِعَمْدِهِ كَجُبْرَانِ الْحَجِّ، وَجَوَابُهِ بِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِزِيَادَةِ رُكْنٍ. (وَيُشْرَعُ لِلسَّهْوِ فِي زِيَادَةٍ، وَنَقْصٍ، وَشَكٍّ) لِأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا وَرَدَ بِهِ فِي ذَلِكَ، فَدَلَّ أَنَّ حَدِيثَ النَّفْسِ لَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ، لِعَدَمِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ، وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. (لِلنَّافِلَةِ، وَالْفَرْضِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، فَشُرِعَ لَهَا السُّجُودُ كَالْفَرِيضَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، لِأَنَّهُ لَا سُجُودَ فِي صُلْبِهَا، فَفِي جَبْرِهَا أَوْلَى، وَلَا فِي سَجْدَةِ تِلَاوَةٍ، لِأَنَّهُ لَوْ شُرِعَ كَانَ الْجَبْرُ زَائِدًا عَلَى الْأَصْلِ أَوْ شُكْرًا، وَنَظَرَ إِلَى شَيْءٍ يُلْهِي، وَعَنْهُ: يَسْجُدُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: اسْتِحْبَابًا، وَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوٍ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ حَكَاهُ إِسْحَاقُ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى التَّسَلْسُلِ، وَكَذَا إِنْ سَهَا بَعْدَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ، وَكَثْرَةِ سَهْوٍ، حَتَّى يَصِيرَ كَوَسْوَاسٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. 1 - (فَأَمَّا الزِّيَادَةُ) هَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ تَفْصِيلِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَحُكْمِهَا، ثُمَّ هِيَ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: زِيَادَةُ أَقْوَالٍ، وَزِيَادَةُ أَفْعَالٍ، وَزِيَادَةُ الْأَفْعَالِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ (فَمَتَى زَادَ فِعْلًا مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ قِيَامًا) أَيْ: يَقُومُ فِي مَوْضِعِ جُلُوسٍ (أَوْ قُعُودًا) أَيْ: يَقْعُدُ فِي مَوْضِعِ قِيَامٍ (أَوْ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا عَمْدًا بَطَلَتِ الصَّلَاةُ) إِجْمَاعًا، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّهُ بِهَا يُخِلُّ بِنُظُمِ الصَّلَاةِ، وَيُغَيِّرُ هَيْئَتهَا، فَلَمْ تَكُنْ صَلَاةً، وَلَا فَاعِلُهَا مُصَلِّيًا (وَإِنْ كَانَ سَهْوًا سُجِدَ لَهُ) قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «فَإِذَا زَادَ الرَّجُلَ أَوْ نَقَصَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ سَهْوٌ، فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ: سَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَجَدَ، بَلْ هِيَ نَقْصٌ فِي الْمَعْنَى، فَشُرِعَ لَهَا السُّجُودُ لِيَنْجَبِرَ النَّقْصُ، لَكِنْ مَتَى ذَكَرَ عَادَ إِلَى تَرْتِيبِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ، قَالَ جَمَاعَةٌ: إِنْ زَادَ
حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، سَجَدَ لَهَا، وَإِنْ عَلِمَ فِيهَا جَلَسَ فِي الْحَالِ، وَتَشَهَّدَ إِنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ، وَسَجَدَ وَسَلَّمَ، وَإِنْ سَبَّحَ بِهِ اثْنَانِ، لَزِمَهُ الرُّجُوعُ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ بَطَلَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَقِيبَ رَكْعَةٍ جُلُوسًا يَسِيرًا، زَادَ جَمْعٌ: بِقَدْرِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، فَهَلْ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، وَيَبْطُلُ عَمْدُهُ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " إِنْ جَلَسَ عَنْ قِيَامٍ، وَلَمْ يَتَشَهَّدْ، ثُمَّ ذَكَرَ، وَلَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ، قَالَ الْقَاضِي: سَوَاءٌ كَانَ بِقَدْرِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ أَوْ أَطْوَلَ، لِأَنَّ صِفَتَهَا تُخَالِفُ صِفَةَ الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَسِيرًا لَا يَسْجُدُ، لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ، وَلَا وَجْهَ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، إِلَّا إِذَا قُلْنَا تُجْبَرُ الْهَيْئَاتُ بِالسُّجُودِ، وَلِهَذَا عُلِّلَ بِتَغَايُرِ الْقَعُودَيْنِ فِي الْكَيْفِيَّةِ، وَقِيلَ: إِنْ قَامَ إِلَى خَامِسَةٍ فِي رُبَاعِيَّةٍ، عَادَ، فَسَلَّمَ، وَبَطَلَ فَرْضُهُ، وَتَصِيرُ نَفْلًا، وَفِيهِ نَظَرٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَكَانَ مَوْضِعُ جُلُوسِهِ لِلْفَصْلِ، أَوِ التَّشَهُّدِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَتَى بِذَلِكَ، وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ، وَلَوْ جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَبْلَ السُّجُودِ، سَجَدَ كَذَلِكَ، وَإِنْ جَلَسَ لِلْفَصْلِ فَظَنَّهُ التَّشَهُّدَ، وَطَوَّلَهُ، لَمْ يَجِبِ السُّجُودُ، وَلَوْ نَوَى الْقَصْرَ فَأَتَمَّ سَهْوًا فَفَرْضُهُ الرَّكْعَتَانِ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ قَامَ أَوْ سَجَدَ فِيهَا إِكْرَامًا لِإِنْسَانٍ بَطَلَتْ. (وَإِنْ زَادَ رَكْعَةً) لِخَامِسَةٍ فِي الرُّبَاعِيَّةِ أَوْ رَابِعَةٍ فِي الْمَغْرِبِ أَوْ ثَالِثَةٍ فِي الْفَجْرِ (فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا سَجَدَ لَهَا) لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى خَمْسًا، فَلَمَّا انْفَتَلَ، قَالُوا: إِنَّكَ صَلَّيْتَ خَمْسًا فَانْفَتَلَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتِيِ السَّهْوِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَإِنْ عَلِمَ) بِالزِّيَادَةِ (فِيهَا) أَيْ: فِي الرَّكْعَةِ (جَلَسَ فِي الْحَالِ) بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجْلِسْ لَزَادَ فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا، وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لَهَا (وَتَشَهَّدَ إِنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ) لِأَنَّهُ رُكْنٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ (وَسَجَدَ) لِلسَّهْوِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» (وَسَلَّمَ) لِتَكْمُلَ صَلَاتُهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ قَدْ تَشَهَّدَ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَيُسَلِّمُ، وَفِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ إِنْ كَانَ تَشَهَّدَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ. 1 - تَنْبِيهٌ: إِذَا قَامَ إِلَى ثَالِثَةٍ نَهَارًا، وَقَدْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا، رَجَعَ إِنْ شَاءَ، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَلَهُ أَنْ يُتِمَّهَا أَرْبَعًا، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَلَا يَسْجُدُ، وَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ لَيْلًا، وَكَمَا لَوْ قَامَ إِلَى ثَالِثَةٍ فِي الْفَجْرِ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَتْ رَكْعَتَيْنِ أَشْبَهَتِ الْفَجْرَ (وَإِنْ سُبِّحَ بِهِ) وَفِي " الْفُرُوعِ " نُبِّهَ، وَهُوَ أَوْلَى لِشُمُولِهِ (اثْنَانِ) ثِقَتَانِ فَأَكْثَرَ، وَيَلْزَمُهُمْ تَنْبِيُهُهُ، وَذَكَرَ صَاحِبُ " النَّظْمِ " احْتِمَالًا فِي الْفَاسِقِ كَأَذَانِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَفِي الْمُمَيِّزِ خِلَافٌ (لَزِمَهُ الرُّجُوعُ) إِلَيْهِمَا، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ سَبَّحَا بِهِ إِلَى زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا يَعْمَلُ بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ غُلِبَ عَلَى ظَنِّهِ صَوَابُهُمَا أَوْ خَطَؤُهُمَا، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَجَعَ إِلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِتَذْكِيرِهِ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، ذَكَرَهَا الْقَاضِي، وَعَلَيْهَا يَعْمَلُ بِيَقِينِهِ أَوِ الْتحَرِي لَا أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَى ثِقَةٍ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَرْجِعْ إِلَى قَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ وَحْدَهُ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي زِيَادَةٍ، لَا مُطْلَقًا، وَاخْتَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: يَرْجِعُ إِلَى وَاحِدٍ يَظُنُّ صِدْقَهُ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ: إِنْ ظَنَّ صِدْقَهُ عَمِلَ بِظَنِّهِ، لَا بِتَسْبِيحِهِ، لَكِنْ أَطْلَقَ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ كَالرَّجُلِ فِي هَذَا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِي تَنْبِيهِهَا فَائِدَةٌ، وَلَمَا كُرِهَ تَنْبِيهُهَا بِالتَّسْبِيحِ، وَنَحْوِهِ، وظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِمَا، وَلَوْ تَيَقَّنَ صَوَابَ نَفْسِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ رِوَايَةً، كَالْحَاكِمِ يحكم بِالشَّاهِدَيْنِ، وَيَتْرُكُ يَقِينَ نَفْسِهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِمَا
صَلَاتُهُ، وَصَلَاةُ مَنِ اتَّبَعَهُ عَالِمًا، فَإِنْ فَارَقَ أَوْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ. وَالْعَمَلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQحِينَئِذٍ، لِأَنَّ قَوْلَهُمَا إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ، وَالْيَقِينُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَأَجَابَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " بِأَنَّهُ عَلِمَ خَطَأَهُمَا فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمَا فِيهِ، وَكَذَا يَقُولُ فِي الشَّاهِدَيْنِ، مَتَّى عَلِمَ الْحَاكِمُ كَذِبَهُمَا أَوْ غَلَطَهُمَا لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَا أَظُنُّ أَبَا الْخَطَّابِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَمُرَادُهُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي: يَتْرُكُ الْإِمَامُ الْيَقِينَ، وَمُرَادُهُ الْأَصْلُ، قَالَ: كَالْحَاكِمِ يَرْجِعُ إِلَى الشُّهُودِ، وَيَتْرُكُ الْأَصْلَ وَالْيَقِينَ، وَهُوَ بَرَاءَةُ الذِّمَمِ، وَكَذَا شَهَادَتُهُمَا بِرُؤْيَةٍ لِهِلَالٍ يَرْجِعُ إِلَيْهِمَا، وَيَتْرُكُ الْأَصْلَ وَالْيَقِينَ، وَهُوَ بَقَاءُ الشَّهْرِ. فَرْعٌ: إِذَا اخْتَلَفَ الْجَمَاعَةُ عَلَيْهِ سَقَطَ قَوْلُهُمْ، كَالْبَيِّنَتَيْنِ إِذَا تَعَارَضَتَا، وَيَعْمَلُ بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ، وَفِي وَجْهٍ - وَذَكَرَ فِي " الْوَسِيلَةِ " أَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ - أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى مَنْ وَافَقَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ الْخَطَأَ، وَيَرْجِعُ مُنْفَرِدًا إِلَى يَقِينٍ، وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّ مَنْ فِي الصَّلَاةِ أَشَدُّ تَحَفُّظًا قَالَ الْقَاضِي: وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ فِي الطَّوَافِ. (فَإِنْ لَمْ يَرْجِعِ) الْإِمَامُ فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) نُصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا (وَصَلَاةُ مَنِ اتَّبَعَهُ عَالِمًا) عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا، لِأَنَّهُ اقْتَدَى بِمَنْ يَعْلَمُ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ، كَمَا لَوِ اقْتَدَى بِمَنْ يَعْلَمُ حَدَثَهُ (فَإِنْ فَارَقَ) وَسَلَّمَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُ فَارَقَهُ لِعُذْرٍ، أَشْبَهَ مَنْ فَارَقَ إِمَامَهُ إِذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ، وَعَنْهُ: يَنْتَظِرُهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ وُجُوبًا، وَعَنْهُ: اسْتِحْبَابًا، وَعَنْهُ: يَجِبُ مُتَابَعَتُهُ فِيهَا، وَعَنْهُ: يُخْبَرُ الْمَأْمُومُ فِي انْتِظَارِهِ أَوِ اتِّبَاعِهِ، وَعَنْهُ: تَبْطُلُ فِي الْكُلِّ، وَمَعْنَى الْإِبْطَالِ أَنَّهَا تَخْرُجُ أَنْ تَكُونَ فَرْضًا بَلْ يُسَلِّمُ عَقِبَ الرَّابِعَةِ، وَتَكُونَ لَهُمْ نَفْلًا، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " عَنِ الْأَصْحَابِ (أَوْ كَانَ) مُتَّبِعُهُ (جَاهِلًا) وَسَاهِيًا (لَمْ تَبْطُلْ) عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ
[العمل المستكثر في العادة من غير جنس الصلاة]
الْمُسْتَكْثَرُ فِي الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ يُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ، وَلَا تَبْطُلُ بِالْيَسِيرِ وَلَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ، وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالصَّحَابَةَ تَابَعُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَامِسَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُمْ، وَتَابَعُوهُ أَيْضًا فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا أَدْرَكَهُ مَسْبُوقٌ فِيهَا انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ، وَاعْتُدَّ بِهَا، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَهُ الْقَاضِي، بِنَاءً عَلَى اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهَا، لِأَنَّهَا سَهْوٌ وَغَلَطٌ، وَعَنْهُ: الْوَقْفُ، نَقَلَهَا أَبُو الْحَارِثِ، وَالْأَوَّلُ نَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهَا زَائِدَةٌ، فَإِنْ عَلِمَ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ مُفْتَرِضٌ، وَكَذَا لَا يَدْخُلُ مَعَهُ فِي سُجُودِ سَهْوٍ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى الْأَصَحِّ. [الْعَمَلُ الْمُسْتَكْثَرُ فِي الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ] (وَالْعَمَلُ الْمُسْتَكْثَرُ فِي الْعَادَةِ) هَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ الْقِسْمِ الثَّانِي فِي زِيَادَةِ الْأَفْعَالِ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ) لِغَيْرِ حَاجَةٍ كَالْمَشْيِ، وَالتَّرَوُّحِ، وَنَحْوِهِمَا (يُبْطِلُهَا عَمْدُهُ، وَسَهْوُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الْأَرْكَانِ مَا لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةً (وَلَا تَبْطُلُ بِالْيَسِيرِ) لِحَمْلٍ أُمَامَةَ، وَفَتْحِ الْبَابِ لِعَائِشَةَ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِمَا إِلَى الْعُرْفِ، وَذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" الشَّرْحِ " (وَلَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ) لِعَدَمِ سُجُودِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَهُ (وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ) لِأَنَّهُ عَمَلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ، فَاسْتَوَى كَثِيرُهُ وَقَلِيلُهُ كَالْجِمَاعِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ، وَهُوَ إِجْمَاعُ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ فِي الْفَرْضِ، لِأَنَّهُمَا يُنَافِيَانِ الصَّلَاةَ إِلَّا مَا حَكَاهُ فِي " الرِّعَايَةِ " قَوْلًا: إنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِيَسِيرِ شُرْبٍ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَكَذَا النَّفْلُ، قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ، لِأَنَّ مَا أَبْطَلَ الْفَرْضَ أَبْطَلَ النَّفْلَ كَسَائِرِ الْمُبْطِلَاتِ، وَعَنْهُ: لَا، إِذَا كَانَ يَسِيرًا كَغَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ: لَا تَبْطُلُ بِالشُّرْبِ فَقَطْ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ شَرِبَا فِي التَّطَوُّعِ. قَالَ الْخَلَّالُ: سَهْلٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي
[إن أتى بقول مشروع في غير موضعه]
كَانَ سَهْوًا. لَمْ تَبْطُلْ إِذَا كَانَ يَسِيرًا وَإِنْ أَتَى بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQذَلِكَ، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنْهُ، لِأَنَّ مَدَّ النَّفْلِ، وَإِطَالَتَهُ مُسْتَحَبَّةٌ مَطْلُوبَةٌ، فَيَحْتَاجُ مَعَهُ كَثِيرًا إِلَى جُرْعَةِ مَاءٍ لِدَفْعِ الْعَطَشِ، كَمَا سُومِحَ بِهِ جَالِسًا، وَعَلَى الرَّاحِلَةِ (وَإِنْ كَانَ) الْأَكْلُ أَوِ الشُّرْبُ (سَهْوًا) أَوْ جَهْلًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ جَمَاعَةٌ (لَمْ تَبْطُلْ إِذَا كَانَ يَسِيرًا) كَذَا ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّ تَرْكَهُمَا عِمَادُ الصَّوْمِ، وَرُكْنُهُ الْأَصْلِيُّ، وَفَوَاتَهُ اقْتِضَاءً لِإِبْطَالِهِ مِنْ إِبْطَالِهِ الصَّلَاةَ، فَإِذَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ حَالَةُ السَّهْوِ فَالصَّلَاةُ أَوْلَى، وَكَالسَّلَامِ، قَالَ فِي " الْكَافِي ": فَعَلَى هَذَا يَسْجُدُ، لِأَنَّهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِعَمْدِهِ، وَعُفِيَ عَنْ سَهْوِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كجِنْسِ الصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: تَبْطُلُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " لِأَنَّهُ من غير جِنْس الصَّلَاةِ، فَاسْتَوَى سَهْوُهُ وَعَمْدُهُ، كَالْكَثِيرِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِالْأَكْلِ فَقَطْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِهِ إِذَا كَانَ كَثِيرًا بِغَيْرِ خِلَافٍ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّ غَيْرَهُمَا يُبْطِلُهَا إِذَا كَثُرَ فَهُمَا أَوْلَى، وَقِيلَ: الْفَرْضُ وَحْدَهُ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَالْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِيَسِيرِ شُرْبٍ عُرْفًا فِي نَفْلٍ، وَلَوْ عَمْدًا، وَظَاهِرُ مَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" التَّلْخِيصِ " أَنَّ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ لَا يَبْطُلُ بِكَثِيرِ ذَلِكَ سَهْوًا. تَنْبِيهٌ: إِذَا تَرَكَ بِفِيهِ سُكَّرًا وَنَحْوَهُ، وَبَلَعَ مَا ذَابَ فَهُوَ كَالْأَكْلِ، وَكَمَا لَوْ فَتَحَ فَاهُ فَنَزَلَ فِيهِ مَاءُ الْمَطَرِ فَابْتَلَعَهُ، وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ فِيهِمَا، وَإِنْ بَقِيَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ بَقِيَّةُ طَعَامٍ يَجْرِي بِهِ رِيقُهُ فَبَلَعَهُ، أَوِ ازْدَرَدَهُ بِلَا مَضْغٍ، أَوْ تَرَكَ بِفَمِهِ لُقْمَةً لَمْ يَمْضُغْهَا، وَلَمْ يَبْتَلِعْهَا، لَمْ تَبْطُلْ لِلْمَشَقَّةِ، وَلِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ، ذكرهُ جَمْعٌ، لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنْ خُشُوعِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَاكَهَا فَهُوَ كَالْعَمَلِ إِنْ كَثُرَ تَبْطُلُ، وَإِلَّا فَلَا، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " و" الرِّعَايَةِ " وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: مَا أَمْكَنَ إِزَالَتُهُ بَطَلَتْ بِابْتِلَاعِهِ. [إِنْ أَتَى بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ] (وَإِنْ أَتَى) شَرع فِي بَيَانِ زِيَادَةِ الْأَقْوَالِ، وَهِيَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ كَالسَّلَامِ، وَكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، وَسَيَأْتِي، وَالثَّانِي: مَا لَا يُبْطِلُهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ)
كَالْقِرَاءَةِ فِي السُّجُودِ وَالْقُعُودِ وَالتَّشَهُّدِ فِي الْقِيَامِ، وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لَمْ تَبْطُلْ بِهِ، وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ، وَهَلْ يَشْرَعُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ إِتْمَامِ صَلَاتِهِ عَمْدًا أَبْطَلَهَا، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا، ثُمَّ ذَكَرَ قَرِيبًا أَتَمَّهَا وَسَجَدَ، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQعَمْدًا سِوَى السَّلَامِ، قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ " و" الْفُرُوعِ " وَهُوَ المُرَادُ من أَطْلَقَ (كَالْقِرَاءَةِ فِي السُّجُودِ، وَالْقُعُودِ، وَالتَّشَهُّدِ فِي الْقِيَامِ، وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، لَمْ تَبْطُلْ بِهِ) نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " مَسْبُوكِهِ "، وَقَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَأَبُو الْفَرَجِ فِي قِرَاءَتِهِ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ (و) عَلَى الْأَوَّلِ: (لَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ) كَسَائِرِ مَا لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ (وَهَلْ يُشْرَعُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يُشْرَعُ، صَحَّحَهُ فِي " الْوَسِيلَةِ "، و" الرِّعَايَةِ " و" الْفُرُوعِ " وَنَصَرَهُ جَمَاعَةٌ، فَعَلَى هَذَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» وَالثَّانِيَةُ: لَا يُشْرَعُ قَدَّمَهَا فِي " الْمُغْنِي " لِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِعَمْدِهِ، فَلَمْ يُشْرَعِ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ، كَتَرْكِ سُنَنِ الْأَفْعَالِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا أَتَى بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ مُتَعَمِّدًا لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِهِ فِيهَا، كَقَوْلِ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَفِي التَّكْبِيرِ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " لِأَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالسُّجُودِ» وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَفِيهِ بُعْدٌ (وَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ إِتْمَامِ صَلَاتِهِ عَمْدًا أَبْطَلَهَا) لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهَا، وَالْبَاقِي مِنْهَا إِمَّا رُكْنٌ أَوْ وَاجِبٌ، وَكِلَاهُمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا (وَإِنْ كَانَ) السَّلَامُ (سَهْوًا) لَمْ تَبْطُلْ بِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَعَلُوهُ، وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ، لِأَنَّ جِنْسَهُ مَشْرُوعٌ فِيهَا، أَشْبَهَ الزِّيَادَةَ فِيهَا مِنْ جِنْسِهَا (ثُمَّ ذَكَرَ قَرِيبًا أَتَمَّهَا) زَادَ غَيْرُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَاحِدٍ، وَإِنِ انْحَرَفَ عَنِ الْقِبْلَةِ، أَوْ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، نُصَّ عَلَيْهِ (وَسَجَدَ) لِمَا رَوَى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: قَدْ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَخَرَجَتِ السُّرْعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدِهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ أَمْ قُصِرَتِ الصَّلَاةُ؛ فَقَالَ: لَمْ أَنَسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ، فَقَالَ: كمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؛ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ: بِمَ سَلَّمَ؛ فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. لَكِنْ إِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى قَامَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْلِسَ لِيَنْهَضَ إِلَى الْإِتْيَانِ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ جُلُوسٍ، لِأَنَّ هَذَا الْقِيَامَ وَاجِبٌ لِلصَّلَاةِ، فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ مَعَ النِّيَّةِ، وَشَرْطُ الْإِتْمَامِ اسْتِمْرَارُ الطَّهَارَةِ، فَلَوْ أَحْدَثَ اسْتَأْنَفَهَا (فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ) بَطَلَتْ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ بِنَاءُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ، وَلِتَعَذُّرِ الْبِنَاءِ مَعَهُ، وَيَرْجِعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": وَالْمُقَارَبَةُ لِمِثْلِ حَالِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ إِذْ لَمْ يَرِدْ بِتَحْدِيدِهِ نَصٌّ، وَقِيلَ: قَدْرُ رَكْعَةٍ طَوِيلَةٍ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ "، وَقِيلَ: قَدْرُ الصَّلَاةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَقِيلَ: مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ، لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلصَّلَاةِ. 1 - تَنْبِيهٌ: إِذَا لَمْ يَذْكُرِ الْمَتْرُوكَ حَتَّى شَرَعَ فِي صَلَاةِ غَيْرِهَا، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بَطَلَتْ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ عَادَ إِلَى الْأُولَى وَأَتَمَّهَا، وَعَنْهُ: يَسْتَأْنِفُهَا، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْكَافِي " لِتَضَمُّنِ عَمَلِهِ قَطْعَ نِيَّتِهَا، وَعَنْهُ: يَسْتَأْنِفُهَا إِنْ كَانَ مَا شَرَعَ فِيهِ نَفْلًا، وَذَكَرَ فِي " الْمُبْهِجِ " يُكْمِلُ الْأُولَى مِنَ الثَّانِيَةِ نَفْلًا كَانَتْ أَوْ فَرْضًا، لِأَنَّهُ سَهْوٌ مَعْذُورٌ فِيهِ، وَفِي " الْفُصُولِ " فِيمَا
أَوْ تَكَلَّمَ لِغَيْرِ مصْلحَةِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ، وَإِنْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا، فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إِحْدَاهُنَّ تَبْطُلُ. وَالثَّانِيَةُ: لَا تَبْطُلُ، وَالثَّالِثَةُ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ دُونَ الْإِمَامِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQإِذَا كَانَتَا صَلَاتَيْ جَمْعٍ أَتَمَّهَا، ثُمَّ سَجَدَ عَقِيبَهَا لِلسَّهْوِ عَنِ الْأُولَى، لِأَنَّهُمَا كَصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَالْأَوَّلُ: الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ سَهْوًا فَلَمْ تَبْطُلْ، كَمَا لَوْ زَادَ رَكْعَةً، وَأَمَّا إِتْمَامُ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْأُولَى بِالسَّلَامِ، وَنِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَلَمْ يَنْوِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَنِيَّةُ غَيْرِهَا لَا تُجْزِئُ عَنْ نِيَّتِهَا كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ (أَوْ تَكَلَّمَ) فِي هَذِهِ الْحَالِ أَيْ: إِذَا سَلَّمَ يَظُنُّ أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ (لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ) كَقَوْلِهِ: يَا غُلَامُ اسْقِنِي مَاءً، وَنَحْوِهِ (بَطَلَتْ) نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِمَا رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: " لَا يَحِلُّ مَكَانٌ لَا يَصْلُحُ "، وَعَنْهُ: لَا تَفْسُدُ بِالْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ النِّسْيَانِ، أَشْبَهَ الْمُتَكَلِّمَ جَاهِلًا، وَأَطْلَقَ جَمْعٌ الْخِلَافَ. (وَإِنْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ، إِحْدَاهُنَّ تَبْطُلُ) مُطْلَقًا اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الرِّعَايَةِ " وَصَحَّحَهَا جَمَاعَةٌ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ قَالَ: «كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ مِنَّا صَاحِبَهُ، وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ، حَتَّى نَزَلَتْ {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ فِيهِ: «كُنَّا نَتَكَلَّمُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ» . وَزَيْدٌ مَدَنِيٌّ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَسْخَ الْكَلَامِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ (وَالثَّانِيَةُ: لَا تَبْطُلُ) مُطْلَقًا، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَقَدَّمَهُ
اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ. وإِنْ تَكَلَّمَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ، وَعَنْهُ: لَا تَبْطُلُ إِذَا كَانَ ـــــــــــــــــــــــــــــQابْنُ تَمِيمٍ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ الْأَوْلَى، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَذَا الْيَدَيْنِ تَكَلَّمُوا، وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِصْلَاحُ الصَّلَاةِ بِإِشَارَةٍ، وَنَحْوِهَا، فَتَكَلَّمَ، فَذَكَرَ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ، أَنَّهَا تَبْطُلُ، وَعَنْهُ: إِنْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ، وَإِلَّا بَطَلَتْ، قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي، لِأَنَّ النَّهْيَ عَامٌّ، وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي حَالِ السَّهْوِ فَيَخْتَصُّ بِهِ، وَيَبْقَى فِي غَيْرِهِ عَلَى الْأَصْلِ (وَالثَّالِثَةُ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّأَسِّي بِالْخَلِيفَتَيْنِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا مُجِيبَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِجَابَتُهُ وَاجِبَةٌ بِالنَّصِّ، وَلَا بِذِي الْيَدَيْنِ، لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ سَائِلًا عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِ، فَعُذِرَ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ (دُونَ الْإِمَامِ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ) لِأَنَّ لَهُ أُسْوَةً بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ كَانَ إِمَامًا، وَتَكَلَّمَ، وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ، فَعَلَى هَذِهِ: الْمُنْفَرِدُ كَالْمَأْمُومِ ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ بِمَنْ ظَنَّ تَمَامَ صَلَاتِهِ، فسلم ثُمَّ تَكَلَّمَ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ: هُوَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا قَدْ يَكُونُ أَشَدَّ، كَإِمَامٍ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ، وَنَحْوَهَا، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ إِعْلَامِ الْمَأْمُومِ، وَالْكَلَامُ غَيْرُ الْمُبْطِلِ مَا كَانَ يَسِيرًا، فَإِنْ كَثُرَ وَطَالَ أَبْطَلَ، اخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ، وَالْقَاضِي زَاعِمًا أَنَّهُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَانِعَةَ مِنَ الْكَلَامِ عَامَّةٌ تُرِكَتْ فِي الْيَسِيرِ، لِلْأَخْبَارِ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ، وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ "، لِأَنَّ مَا عُفِيَ عَنْهُ بِالنِّسْيَانِ اسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، كَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ. 1 - مَسْأَلَةٌ: لَا بَأْسَ بِالسَّلَامِ عَلَى الْمُصَلِّي، نُصَّ عَلَيْهِ، وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور: 61] أَيْ: عَلَى أَهْلِ دِينِكُمْ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " وَقَالَهُ الشَّعْبِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَأَبُو مِجْلَزٍ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا غَلِطَ فَرْدٌ بِالْكَلَامِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ فِي فَرْضٍ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ إِنْ عُرِفَ كَيْفِيَّةُ الرَّدِّ، وَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ عُرْفًا بِلَا ضَرُورَةٍ، وَإِنْ رَدَّهُ لَفْظًا بَطَلَتْ، لِأَنَّهُ كَلَامٌ آدَمِيٌّ أَشْبَهَ تَشْمِيتَ
[الكلام في الصلاة]
سَاهِيًا، أَوْ جَاهِلًا، وَيَسْجُدُ لَهُ وَإِنْ قَهْقَهَ أَوْ نَفَخَ، أَوِ انْتَحَبَ، فَبَانَ حَرْفَانِ، فَهُوَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْعَاطِسِ، وَيَرُدُّهُ إِشَارَةٌ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَلَا يَجِبُ فِي الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَعَنْهُ: فِي فَرْضٍ، وَلَا يَرُدُّهُ فِي نَفْسِهِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ بَعْدَهَا لِرَدِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ بَعْدَ السَّلَامِ، وَلَوْ صَافَحَ إِنْسَانًا يُرِيدُ السَّلَامَ عَلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ. [الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ] (وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ) اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا يَنْقَسِمُ إِلَى أَقْسَامٍ:. أَحَدُهَا: أَنْ يَتَكَلَّمَ عَمْدًا عَالِمًا أَنَّهُ فِيهَا، مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، وَلَا لِأَمْرٍ يُوجِبُ ذَلِكَ، بَطَلَتْ إِجْمَاعًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُدَ قَالَ: «فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِيهَا» وَأَبْعَدَ فِي " الرِّعَايَةِ " فَحَكَى قَوْلًا أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِكَلَامٍ يَسِيرٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَتَكَلَّمَ سَاهِيًا، وَهُوَ مُبْطِلٌ لَهَا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ لِلْعُمُومِ (وَعَنْهُ: لَا تَبْطُلُ إِذَا كَانَ سَاهِيًا) قَدَّمَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَنَصَرَهُ فِي " التَّحْقِيقِ "، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَكَلَّمَ سَاهِيًا أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ أَوْ يَظُنَّ أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ، فَيُسَلِّمُ، وَيَتَكَلَّمُ (أَوْ جَاهِلًا) ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَأْمُرْ مُعَاوِيَةَ حِينَ شَمَّتَ الْعَاطِسَ جَهْلًا بِتَحْرِيمِهِ بِالْإِعَادَةِ، وَالسَّاهِي مِثْلُهُ، لِأَنَّ مَا عُذِرَ فِيهِ بِالْجَهْلِ عُذِرَ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَاهِلِ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ أَوِ الْإِبْطَالِ بِهِ، قَالَ الْقَاضِي فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQ" الْجَامِعِ ": لَا أَعْرِفُ عَنْ أَحْمَدَ نَصًّا فِي الْجَاهِلِ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ، وَأَلْحَقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْحَدِيثَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ بِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا تَبْطُلُ بِحَالٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " احْتِمَالًا؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا» فَلَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْإِعَادَةِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُخَرَّجَ هَذَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي النَّاسِي، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِمِثْلِهِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَتَكَلَّمَ جَاهِلًا، وَقَدْ ذُكِرَ. (وَيَسْجُدُ لَهُ) لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّ عَمْدَهُ يُبْطِلُهَا، فَوَجَبَ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ كَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ. لَا يُقَالُ: لَمْ يَأْمُرْ مُعَاوِيَةَ بِالسُّجُودِ فَكَيْفَ يَسْجُدُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُومًا، وَالْإِمَامُ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ سَهْوَهُ. الرَّابِعُ: أَنْ يَتَكَلَّمَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ. أَحَدُهَا: أَنْ تَخْرُجَ الْحُرُوفُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، كَمَا لَوْ غَلَبَهُ سُعَالٌ أَوْ عُطَاسٌ أَوْ تَثَاؤُبٌ، فَبَانَ حَرْفَانِ، أَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ حَالَ قِرَاءَتِهِ إِلَى كَلِمَةٍ غَيْرِ الْقُرْآنِ لَمْ تَبْطُلْ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَقِيلَ: هُوَ كَالنَّاسِي. الثَّانِي: أَنْ يَنَامَ فَيَتَكَلَّمَ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنِ الْجَوَابِ عَنْهُ، وَالْأَوْلَى أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِهِ، لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ، وَلِعَدَمِ صِحَّةِ إِقْرَارِهِ، وَعِتْقِهِ. الثَّالِثُ: أَنْ يُكْرَهَ عَلَى الْكَلَامِ فَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " الْإِبْطَالَ بِهِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى زِيَادَةِ رُكْنٍ أَوْ رَكْعَةٍ، وَذَكَرَ فِي " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ كَالنَّاسِي لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» قَالَ الْقَاضِي: هُوَ
[القهقهة والنفخ والانتحاب في الصلاة]
كَالْكَلَامِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي النَّحْنَحَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQأَوْلَى مِنْهُ بِالْعَفْوِ، وَصِحَّةِ الصَّلَاةِ، نَصَرَهُ فِي " التَّحْقِيقِ "، لِأَنَّ الفعل غير مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى إِتْلَافِ مَال لَمْ يَضْمَنْهُ، وَالنَّاسِي يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ النِّسْيَانَ يَكْثُرُ بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ وَاجِبٍ، مِثْلَ أَنْ يَخْشَى عَلَى ضَرِيرٍ أَوْ صَبِيٍّ الْوُقُوعَ فِي هَلَكَةٍ، أَوْ يَرَى حَيَّةً تَقْصِدُ غَافِلًا، أَوْ نَارًا يَخَافُ أَنْ تَشْتَعِلَ فِي شَيْءٍ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّنْبِيهُ بِالتَّسْبِيحِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: تَبْطُلُ بِهِ لِمَا سَبَقَ، وَقِيلَ: لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَقِيلَ: هُوَ كَالنَّاسِي، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ اسْتِغْنَاؤُهُ بِإِشَارَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَلَا يَتَكَلَّمَ بِزِيَادَةٍ عَلَى حَاجَتِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُبْطِلَ مِنْهُ مَا كَانَ عَلَى حَرْفَيْنِ كَقَوْلِهِ أَبٌ، وَدَمٌ أَيْ: ظَاهِرًا، لِأَنَّهُ لَا تَنْتَظِمُ كَلِمَةٌ مِنْ أَقَلَّ مِنْهُمَا، فَلَوْ قَالَ: لَا، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهَا لَامٌ وَأَلِفٌ. [الْقَهْقَهَةُ وَالنَّفْخُ وَالِانْتِحَابُ فِي الصَّلَاةِ] (وَإِنْ قَهْقَهَ أَوْ نَفَخَ أَوِ انْتَحَبَ، فَبَانَ حَرْفَانِ، فَهُوَ كَالْكَلَامِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى) وَفِيهِ مَسَائِلُ. الْأُولَى: إِذَا قَهْقَهَ، وَهِيَ ضِحْكَةٌ مَعْرُوفَةٌ، فَإِنْ قَالَ: قَهْ قَهْ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُبِنْ حَرْفَانِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَقَدَّمَهُ الْأَكْثَرُ، كَالْمَتْنِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا، لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْقَهْقَهَةُ تَنْقُضُ الصَّلَاةَ، وَلَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَلِأَنَّهُ تَعَمَّدَ فِيهَا بِمَا يُنَافِيهَا أَشْبَهَ خطاب الْآدَمِيَّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ بِالتَّبَسُّمِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. الثَّانِيَةُ: إِذَا نَفَخَ فِيهَا فَهُوَ كَالْكَلَامِ إِذَا بَانَ حَرْفَانِ ذَكَرَهُ فِي الْمَذْهَبِ، والمحرر و " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ نَفَخَ فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQصَلَاتِهِ فَقَدْ تَكَلَّمَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ عَنْهُمَا، وَعَنْهُ: تَبْطُلُ مُطْلَقًا لِظَاهِرِ مَا ذَكَرْنَا، وَعَنْهُ: عَكْسُهَا، رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَقِيلَ لِقُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: نَتَأَذَّى بِرِيشِ الْحَمَامِ إِذَا سَجَدْنَا، فَقَالَ: انْفُخُوا. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَقُدَامَةُ صَحَابِيٌّ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَخَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَكَالْحَرْفِ الْوَاحِدِ، وَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَنْتَظِمْ حَرْفَانِ فَإِنِ انْتَظَمَ بَطَلَتْ. الثَّالِثَةُ: إِذَا انْتَحَبَ بِأَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ مِنْ غَيْرِ خَشْيَةٍ، كَالْكَلَامِ إِذَا بَانَ حَرْفَانِ، لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا غَلَبَ صَاحِبَهُ، وَمَا لَمْ يَغْلِبْهُ، لَكِنْ قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و" النِّهَايَةِ ": إِنَّهُ إِذَا غَلَبَ صَاحِبَهُ لَمْ يَضُرَّهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي وُسْعِهِ، وَلَمْ يَحْكِيَا فِيهِ خِلَافًا. قَوْلُهُ: فَهُوَ كَالْكَلَامِ أَيْ: يَبْطُلُ إِنْ كَانَ عَمْدًا، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ. الرَّابِعَةُ: إِذَا انْتَحَبَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَضُرُّ، لِمَا رَوَى مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي، وَلِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ عُمَرُ يَبْكِي حَتَّى يُسْمَعَ لَهُ نَشِيجٌ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ، وَهُوَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ، وَظَاهِرُهُ، وَإِنْ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَرَاهَا مُبْطِلَةً لِلصَّلَاةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَمْ يَكُنْ عَنْ غَلَبَةٍ، وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ الْبَاكِينَ فَقَالَ {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58] {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ} [الإسراء: 109] ، وَهُوَ عَامٌّ فِيمَا تَضَمَّنَ حَرْفًا أَوْ حُرُوفًا، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ، وَلِهَذَا مَدَحَ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114] ، وَفِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي: تَبْطُلُ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ الْأَشْبَهُ بِأُصُولِ أَحْمَدَ، لِعُمُومِ النُّصُوصِ، وَالْمَدْحُ عَلَى الْبُكَاءِ لَا يُخَصِّصُهُ، كَرَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ خَشْيَةٍ، لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْهِجَاءِ، وَيَدُلُّ بِنَفْسِهِ عَلَى الْمَعْنَى كَالْكَلَامِ، وَإِنِ اسْتَدْعَى الْبُكَاءَ كُرِهَ، كَالضَّحِكِ، وَإِلَّا فَلَا. فَرْعٌ: إِذَا تَأَوَّهَ أَوْ أَنَّ، فَبَانَ حَرْفَانِ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ، لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْكَلَامِ، فَدَلَّ أَنَّهُمَا إِذَا ظَهَرَا مِنْ بُكَاءٍ أَوْ بُصَاقٍ أَوْ تَثَاؤُبٍ أَوْ سُعَالٍ لَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهَا تَبْطُلُ قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْكَلَامَ نَاسِيًا لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ، فَمَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ غَالِبًا لَا تَبْطُلُ بِهِ، وَإِنْ بَانَ حَرْفَانِ (وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي النَّحْنَحَةِ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ: هِيَ كَالنَّفْخِ، وَالْقَهْقَهَةِ، إِنْ بَانَ حَرْفَانِ فَسَدَتْ، لِأَنَّهُ إِذَا أَبَانَهُمَا كَانَ مُتَكَلِّمًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَنَّ (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي الصَّلَاةِ) نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ، وَمُهَنًّا. (وَلَا يَرَاهَا مُبْطِلَةً لِلصَّلَاةِ) اخْتَارَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَيُعَضِّدُهُ مَا رَوَى أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ
[النقص في الصلاة]
فَصْلٌ وَأَمَّا النَّقْصُ فَمَتَى تَرَكَ رُكْنًا، فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ: «كَانَ لِي مَدْخَلَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ فَإِذَا دَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُصَلِّي يَتَنَحْنَحُ لِي» ، وَلِلنَّسَائِيِّ مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّها صَوْتٌ لَا يَدُلُّ بِنَفْسِهِ، وَلَا مَعَ لَفْظِ غَيْرِهِ عَلَى مَعْنًى، لِكَوْنِهَا حُرُوفًا غَيْرَ مُحَقَّقَةٍ، كَصَوْتٍ أُعْقِلَ، وَلَا يُسَمَّى فَاعِلُهَا مُتَكَلِّمًا، بِخِلَافِ النَّفْخِ، وَالتَّأَوُّهِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ " الرِّوَايَتَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ تَنَحْنَحَ لِضَرُورَةٍ أَوْ حاجة فبان حَرْفَانِ فَوَجْهَانِ، وَحَمَلَ الْأَصْحَابُ مَا رُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِحَرْفَيْنِ، وَرَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهَا. [النَّقْصُ فِي الصَّلَاةِ] فَصْلٌ (وَأَمَّا النَّقْصُ، فَمَتَّى تَرَكَ رُكْنًا) نَاسِيًا أَوْ سَاهِيًا غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، أَوِ النِّيَّةِ إِذَا قُلْنَا بِرُكْنِيَّتِهَا (فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى بَطَلَتِ) الرَّكْعَةُ (الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا) فَقَطْ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا، وَلَمْ يُمْكِنِ اسْتِدْرَاكُهُ لِتَلَبُّسِهِ بِالرَّكْعَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، فَلَغَتْ رَكْعَتَهُ، وَصَارَتِ الَّتِي تَشْرَعُ فِيهَا عِوَضًا عَنْهَا، وَلَا يُعِيدُ الِاسْتِفْتَاحَ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ ذَكَرَ الرُّكْنَ الْمَتْرُوكَ قَبْلَ السُّجُودِ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ يَعُودُ إِلَى السَّجْدَةِ الْأُولَى، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ سُجُودِهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَعَتْ عَنِ الْأُولَى، لِأَنَّ الرَّكْعَةَ قَدْ صَحَّتْ، وَمَا فَعَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ سَهْوًا لَا يَبْطُلُ كَمَا لَوْ ذَكَرَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَذَكَرَ أَحْمَدُ هَذَا الْقَوْلَ فَقَرَّبه، إِلَّا أَنَّهُ اخْتَارَ الْأَوَّلَ، وَذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ وَجْهًا، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، لِأَنَّ الْمَزْحُومَ فِي الْجُمْعَةِ إِذَا زَالَ الزِّحَامُ، وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ، وَيَسْجُدُ مَعَهُ، وَيَكُونُ السُّجُودُ مِنَ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى. فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ التَّرْكُ مِنَ
بَطَلَتِ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهُ وَإِنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، عَادَ فَأَتَى بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَهُوَ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ وَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأُولَى صَارَتِ الثَّانِيَةُ أَوَّلِيَّتَهُ، وَالثَّالِثَةُ ثَانِيَتَهُ، وَالرَّابِعَةُ ثَالِثَتَهُ، وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الثَّانِيَةِ، وَالثَّالِثَةِ، وَالرَّابِعَةِ، فَإِنْ رَجَعَ عَمْدًا مَعَ عِلْمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَمْدًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ مَا مَضَى مِنَ الرَّكَعَاتِ قَبْلَ الْمَتْرُوكِ رُكْنُهَا، وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: بَلَى، وَبَعْدَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ (وَإِنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ الْقِرَاءَةِ (عَادَ) لُزُومًا (فَأَتَى بِهِ) أَيْ: بِالْمَتْرُوكِ، نُصَّ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الْقِيَامِ غَيْرَ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ قَدْرُ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ، وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ؛ وَلِأَنَّهُ أَيْضًا ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعِهِ، كَمَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ، فَذَكَرَهَا قَبْلَ السَّلَامِ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي الْحَالِ، وَقَالَ فِي " الْمُبْهِجِ ": مَنْ تَرَكَ رُكْنًا نَاسِيًا فَلَمْ يَذْكُرْ حَتَّى شَرَعَ فِي رُكْنٍ آخَرَ بَطَلَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً، فَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ لَمْ يُعِدْ مَعَ عِلْمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا لَمْ تَبْطُلْ، لِأَنَّهُ فعل غير مُتَعَمِّدٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَضَى قَبْلَ ذِكْرِ الْمَتْرُوكِ، وَتَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِذَا لَمْ يُعِدْهُ لَا يُعْتَدُّ بِمَا يَفْعَلُهُ بَعْدُ الْمَتْرُوكِ، فَإِنْ ذَكَرَ الرُّكُوعَ، وَقَدْ جَلَسَ أَتَى بِهِ، وَبِمَا بَعْدَهُ، فَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ أَنْ قَامَ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، وَكَانَ جَلَسَ لِلْفَصْلِ، أَتَى بِالسَّجْدَةِ فَقَطْ، وَلَمْ يَجْلِسْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهُ، وَقِيلَ: بَلَى، ثُمَّ يَسْجُدُ، وَإِلَّا جَلَسَ لِلْفَصْلِ، ثُمَّ يَسْجُدُ (و) يَأْتِي مَعَهُ (بِمَا بَعْدَهُ) لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ (وَإِنْ كَانَ بَعْدَ السَّلَامِ فَهُوَ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ) كَذَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الَّتِي لَغَتْ بِتَرْكِ رُكْنِهَا غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا، فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، فَإِذَا سَلَّمَ قَبْلَ ذِكْرِهَا فَقَدْ سَلَّمَ مِنْ نَقْصٍ، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ أَوْ أَحْدَثَ بَطَلَتْ لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ، كَمَا لَوْ ذَكَرَهُ فِي يَوْمٍ آخَرَ، وَإِنْ لَمْ يُطِلْ، بَلْ كَانَ عَنْ قُرْبٍ عُرْفًا لَمْ تَبْطُلْ، وَأَتَى بِرَكْعَةٍ، وَظَاهِرُهُ لَوِ انْحَرَفَ عَنِ الْقِبْلَةِ أَوْ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَيَسْجُدُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ نَقَلَهُ حَرْبٌ بِخِلَافِ تَرْكِ الرَّكْعَةِ بِتَمَامِهَا، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ "، و" التَّلْخِيصِ " تَبْطُلُ، وَنَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنَ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِدْرَاكُهُ، لِكَوْنِهِ خَرَجَ مِنْهَا
رَكَعَاتٍ، وَذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ سَجْدَةً، فَصَحَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ، وَيَأْتِي بِثَلَاثٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالسَّلَامِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَتْرُوكُ رَكْعَةً، فَإِنَّهُ إِجْمَاعٌ لَخَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ، لَكِنْ ذُكِرَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " إِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ سَلَامًا أَتَى بِهِ فَحَسْبُ، وَإِنْ كَانَ تَشَهُّدًا أَتَى بِهِ وَبِالسَّلَامِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا أَتَى بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَقِيلَ: يَأْتِي بِالرُّكْنِ، وَبِمَا بَعْدَهُ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَحْسَنُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى شَرَعَ فِي صَلَاةٍ فَقَدْ سَبَقَ. 1 - تَنْبِيهٌ: إِذَا تَرَكَ رُكْنًا لَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ، أَوْ جَهِلَ عَيْنَ الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ، بَنَى عَلَى الْأَحْوَطِ، لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنَ الصَّلَاةِ وَهُوَ شَاكٌّ فِيهَا، فَيَكُونُ مَغْرُرًا بِهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ، وَلَا تَسْلِيمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ تَفْسِيرِهِ، أَمَّا أَنَا فَأَرَى أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا إِلَّا عَلَى يَقِينٍ أَنَّهَا قَدْ تَمَّتْ، فَعَلَى هَذَا إِذَا تَرَكَ سَجْدَةً لَا يَعْلَمُ مِنَ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةِ، جَعَلَهَا مِنَ الْأُولَى، وَأَتَى بِرَكْعَةٍ، وَإِنْ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ لَا يَعْلَمُ مِنْ رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ، سَجَدَ سَجْدَةً، وَحَصَلَتْ لَهُ رَكْعَةٌ، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الثَّالِثَةِ لَغَتِ الْأُولَيَانِ، فَإِنْ تَرَكَ رُكْنًا لَا يَعْلَمُ هَلْ هُوَ رُكُوعٌ أَوْ سُجُودٌ جَعَلَهُ رُكُوعًا، وَإِنْ شَكَّ فِي الْقِرَاءَةِ، وَالرُّكُوعِ جَعَلَهُ قِرَاءَةً، وَإِنْ تَرَكَ اثْنَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ مِنَ الْفَاتِحَةِ جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَوَالِيَهُمَا جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ. 1 - (وَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وَذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ سَجْدَةً، فَصَحَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ، وَيَأْتِي بِثَلَاثٍ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَصَحَّحَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ قَدْ بَطَلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الثَّلَاثِ بِشُرُوعِهِ فِي الَّتِي بَعْدَهَا، وَبَقِيَتِ الرَّابِعَةُ
وَعَنْهُ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، وَنَهَضَ، لَزِمَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِمًا، وَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا لَمْ يَرْجِعْ، وَإِنْ رَجَعَ جَازَ، وَإِنْ شَرَعَ ـــــــــــــــــــــــــــــQنَاقِصَةً فَيُتِمُّهَا بِسَجْدَةٍ فَتَصِحُّ، وَتَصِيرُ أُولَاهُ، وَيَأْتِي بِالثَّلَاثِ الْبَاقِيَةِ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَيُسَلِّمُ، وَعَنْهُ: تَصِحُّ لَهُ رَكْعَتَانِ، وَيَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحَ، لِأَنَّ أَحْمَدَ حَكَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ: هُوَ أَشْبَهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ لَهُ سِوَى تكبيرة الْإِحْرَامِ فَيَبْنِي عَلَيْهَا (وَعَنْهُ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ) وَقَالَهُ إِسْحَاقُ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى التَّلَاعُبِ فِي الصَّلَاةِ، وَيُفْضِي إِلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ غَيْرِ مُعْتَدٍّ بِهِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ التَّحْرِيمَةِ وَالرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ، وَبَنَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ " الشَّرْحِ " عَلَى الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى سَلَّمَ بَطَلَتْ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ فِي الْمَذْهَبِ، و" التَّلْخِيصِ " رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ بَطَلَتْ بِسَلَامِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: كَمَا لَوْ لَمْ يُسَلِّمْ، وَإِنْ ذَكَرَ، وَقَدْ قَرَأَ فِي الْخَامِسَةِ فَهِيَ أُولَاهُ، وَلَغَا مَا قَبْلَهَا، ذَكَرَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ، وَلَا يُعِيدُ الِافْتِتَاحَ، وَتَشَهُّدُهُ قَبْلَ سَجْدَتَيِ الْأَخِيرَةِ زِيَادَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وَقَبْلَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ زِيَادَةٌ قَوْلِيَّةٌ (وَإِنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَنَهَضَ، لَزِمَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِمًا) كَذَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ "، و" الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، وَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا فَلَا يَجْلِسُ، وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ» رَوَاهُ أحمد وأبو دَاوُدُ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ، وَذَكَرَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي رُكْنٍ، فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ تُفَارِقْ أَلْيَتَاهُ الْأَرْضَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، سَوَاءٌ فَارَقَتْ أَلْيَتَاهُ الْأَرْضَ، أَوْ كَانَ إِلَى الْقِيَامِ أَقَرَبُ، وَيَجِبُ عَلَى مَأْمُومٍ اعْتَدَلَ مُتَابَعَتُهُ (وَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا) وَلَمْ يَقْرَأْ (لَمْ يَرْجِعْ، وَإِنْ رَجَعَ جَازَ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْمَذْهَبِ " و" التَّلْخِيصِ " و" الْكَافِي "
فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ، وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِذَلِكَ كُلِّهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ كَمَا لَوْ ذَكَرَهُ قَبْلَ الِاعْتِدَالِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِرُكْنٍ مَقْصُودٍ، لِأَنَّ الْقِيَامَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ، وَلِهَذَا جَازَ تَرْكُهُ عِنْدَ الْعَجْزِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَرْكَانِ، وَالْأَشْهَرُ يُكْرَهُ رُجُوعُهُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَعَنْهُ: يَمْضِي وُجُوبًا، صَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ، فَلَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ كَالْقِرَاءَةِ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، وَقَالَهُ النُّخَعِيُّ، وَيَتْبَعُهُ الْمَأْمُومُ (وَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، وَلِأَنَّهُ شَرَعَ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الرُّكُوعِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ إِذَا رَجَعَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، وَكَذَا حَالُ الْمَأْمُومِينَ إِنْ تَبِعُوهُ، وَإِنْ سَبَّحُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْتَدِلَ فَلَمْ يَرْجِعْ تَشَهَّدُوا لِأَنْفُسِهِمْ، وَتَبِعُوهُ، وَقِيلَ: بَلْ يُفَارِقُونَهُ، وَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ (وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِذَلِكَ كُلِّهِ) جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» وَعَنْهُ: إِنْ كَثُرَ نُهُوضُهُ، وَإِنْ قَلَّ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " إِنْ بَلَغَ حَدَّ الرُّكُوعِ سَجَدَ، لِأَنَّهُ زَادَ مَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: إِذَا لَمْ يَعْتَدِلْ قَائِمًا فَلَا سُجُودَ، وَحَكَاهُ فِي " شَرْحِ الْمَذْهَبِ " عَنْ شَيْخِهِ لِخَبَرٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. مَسْأَلَةٌ: حُكْمُ تَرْكِ الذِّكْرِ فِيهِ كَتَرْكِهِمَا، فَلَوْ نَسِيَ تَسْبِيحَ رُكُوعٍ، فَذَكَرَهُ بَعْدَ زَوَالِهِ عَنْ حَدِّ الرُّكُوعِ حَتَّى انْتَصَبَ قَائِمًا، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَرْجِعُ جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " لِأَنَّهُ يَزِيدُ رُكُوعًا، وَيَأْتِي بِالتَّسْبِيحِ فِي رُكُوعٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ. فَعَلَى هَذَا إِنْ رَجَعَ بَطَلَتْ لَا سَهْوًا، بَلْ يَسْجُدُ لَهُ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ مَسْبُوقٌ فِي هَذَا الرُّكُوعِ لَمْ يُدْرِكْهَا، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَذَكَرَهُ الْقَاضِي قِيَاسًا عَلَى
[الشك في عدد الركعات]
فَصْلٌ وَأَمَّا الشَّكُّ، فَمَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، وَعَنْهُ: ـــــــــــــــــــــــــــــQالْقِيَامِ مِنْ تَرْكِ التَّشَهُّدِ، وَلَيْسَ مِثْلَهُ، لِأَنَّ التَّشَهُّدَ وَاجِبٌ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِغَيْرِهِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْوَاجِبَاتِ، لِأَنَّهَا تَجِبُ فِي غَيْرِهَا، كَالتَّسْبِيحِ مَعَ أَنَّ الْأَوْلَى فِي التَّشَهُّدِ لَا يَرْجِعُ إِمَّا جَزْمًا كَمَا فِي " الْمُغْنِي " أَوِ اسْتِحْبَابًا كَالْمَشْهُورِ، وَقِيَاسُ بَقِيَّةِ الْوَاجِبَاتِ مِثْلُهُ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ. [الشَّكُّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ] فَصْلٌ (وَأَمَّا الشَّكُّ:) هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِمَّا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ (فَمَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَكَطَهَارَةٍ، وَطَوَافٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا شُكَّ فِيهِ، وَكَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ، وَسَوَاءٌ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ لَا، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ (وَعَنْهُ: يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ) نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ، وَذَكَرَ الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلْبُخَارِيِّ: بَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ» ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُهَا مَنْ يَعْرِضُ لَهُ أَوَّلًا، وَقَالَ: عَلَى هَذَا عَامَّةُ أُمُورِ الشَّرْعِ، وَأَنَّ مِثْلَهُ يُقَالُ فِي طَوَافٍ، وَسَعْيٍ، وَرَمْيِ جِمَارٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَالْإِمَامَ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " و" الْوَجِيزِ "
يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَالْإِمَامَ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، وَمَنْ شَكَّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ فَهُوَ كَتَرْكِهِ، وَإِنْ شَكَّ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ فَهَلْ يَلْزَمُهُ السُّجُودُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَأَنَّهُ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ مَنْ يُنَبِّهُهُ، وَيُذَكِّرُهُ إِذَا أَخْطَأَ الصَّوَابَ، بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ، وَمُرَادُهُمْ مَا لَمْ يَكُنِ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا، فَإِنْ كَانَ، فَبِالْيَقِينِ، لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ بِدَلِيلِ الْمَأْمُومِ الْوَاحِدِ لَا يَرْجِعُ إِلَى فِعْلِ إِمَامِهِ، وَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَيُعَايَا بِهَا، وَذَكَرَ فِي " الْمَذْهَبِ " أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَكَذَا الْإِمَامُ فِي الْأَصَحِّ (فَإِنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) وَهُوَ الْأَقَلُّ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْإِمَامِ، وَالْمُنْفَرِدِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيَتْبَعُ إِمَامَهُ مَعَ عَدَمِ الْجَزْمِ بِخَطَئِهِ، وَإِنْ جَزَمَ بِخَطَئِهِ لَمْ يَتْبَعْهُ، وَلَمْ يُسَلِّمْ قَبْلَهُ، وَإِنْ تَيَقَّنَ الْإِمَامُ أَنَّهُ مُصِيبٌ فِيمَا فَعَلَهُ لَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ فِي الْأَشْهَرِ، وَسَوَاءٌ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ أَوْ غَلَبَةِ الظَّنِّ (وَمَنْ شَكَّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ فَهُوَ كَتَرْكِهِ) وَيَعْمَلُ بِالْيَقِينِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَقِيلَ: هُوَ كَرَكْعَةٍ قِيَاسًا، قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: التَّحَرِّي سَائِغٌ فِي الْأَقْوَالِ، وَالْأَفْعَالِ، وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَالنِّيَّةُ عَلَى مَا مَرَّ (وَإِنْ شَكَّ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ فَهَلْ يَلْزَمُهُ السُّجُودُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَكَذَا فِي " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ السُّجُودُ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَالثَّانِي: لَا قَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" الرِّعَايَةِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَذَكَرَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِهِ، فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ (وَإِنْ شَكَّ فِي زِيَادَةٍ لَمْ يَسْجُدْ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا، وَعَنْهُ: يَسْجُدُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، كَشَكِّهِ فِيهَا وَقْتَ فِعْلِهَا. فَلَوْ بَانَ صَوَابُهُ أَوْ سَجَدَ، ثُمَّ بَانَ لَمْ يَسْهُ أَوْ سَهَا بَعْدَهُ قَبْلَ سَلَامِهِ فِي سُجُودِهِ قَبْلَ السَّلَامِ، فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ فِي النَّقْصِ لَا الزِّيَادَةِ، وَقَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، فَإِنْ
[ليس على المأموم سجود سهو]
وَإِنْ شَكَّ فِي زِيَادَةٍ لَمْ يَسْجُدْ. وَلَيْسَ عَلَى الْمَأْمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ إِلَّا أَنْ يَسْهُوَ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَانَ شَكُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَتَى بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، وَقِيلَ: بَلَى مَعَ قِصَرِ الزَّمَنِ فَإِنْ طَالَ فَلَا، وَجْهًا وَاحِدًا. فَرْعٌ: إِذَا شَكَّ هَلْ سَهْوُهُ مِمَّا يُسْجَدُ لَهُ أَوْ لَا؛ أَوْ ظَنَّ أَنَّ لَهُ سَهْوًا فَسَجَدَ لَهُ، فَبَانَ سُجُودُهُ لَهُ سَهْوًا، فَهَلْ يَسْجُدُ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ كَثُرَ السَّهْوُ حَتَّى صَارَ وَسْوَاسًا لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ. [لَيْسَ عَلَى الْمَأْمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ] (وَلَيْسَ عَلَى الْمَأْمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ) فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ سَهْوٌ، فَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ فَعَلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ أَتَى بِمَا تَرَكَهُ بَعْدَ السَّلَامِ، لَكِنْ إِنْ سَهَا فَسَلَّمَ مَعَهُ، أَوْ سَهَا مَعَهُ أَوْ فِيمَا انْفَرَدَ سَجَدَ، وَكَذَا إِنْ سَهَا بَعْدَ مُفَارَقَةِ إِمَامِهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً (إِلَّا أَنْ يَسْهُوَ إِمَامُهُ فَيَسْجُدَ مَعَهُ) وَحَكَاهُ إِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» وَسَوَاءٌ كَانَ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ مَسْبُوقٌ مَعَ إِمَامِهِ إِنْ سَهَا إِمَامُهُ فِيمَا أَدْرَكَهُ، وَكَذَا فِيمَا لَمْ يُدْرِكْهُ، وَعَنْهُ: لَا يَلْحَقُهُ حُكْمُهُ فَلَا يَسْجُدُ مَعَهُ، بَلْ يَقْضِي، ثُمَّ يَسْجُدُ إِنْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِنْ سَجَدَ قَبْلَهُ تَبِعَهُ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ بَيْنَ مُتَابَعَةِ إِمَامِهِ، وَتَأْخِيرِ السُّجُودِ إِلَى آخِرِ صَلَاتِهِ، وَإِذَا تَبِعَ الْمَسْبُوقُ إِمَامَهُ، ثُمَّ قَضَى هَلْ يُعِيدُ السُّجُودَ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: يُعِيدُ، لِأَنَّ مَحَلَّهُ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَإِنَّمَا سَجَدَ مَعَ إِمَامِهِ تَبَعًا، وَالثَّانِيَةُ: لَا، لِأَنَّهُ قَدْ سَجَدَ، وَانْجَبَرَتْ صَلَاتُهُ فَإِذَا لَمْ يَسْجُدْ مَعَهُ سَجَدَ وَجْهًا وَاحِدًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ مَعَ إِمَامِهِ، وَلَوْ لَمْ يُكْمِلِ التَّشَهُّدَ، ثُمَّ يُتِمُّهُ، وَقِيلَ: ثُمَّ يُعِيدُ السُّجُودَ إِذَا سَلَّمَ. تَنْبِيهٌ: إِذَا قَامَ مَأْمُومٌ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ، فَسَجَدَ إِمَامُهُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَقُلْنَا: يَجِبُ عَلَيْهِ مُتَابَعَةُ إِمَامِهِ فَهُوَ كَالْقَائِمِ عَنِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَعُودُ أَوْ لَا أَوْ يُخَيَّرُ؛ فِيهِ رِوَايَاتٌ، فَإِنْ كَانَ قَرَأَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمَذْهَبِ. فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي إِحْدَى سَجْدَتَيِ السَّهْوِ سَجَدَ مَعَهُ، فَإِذَا سَلَّمَ أَتَى بِالثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَضَى صَلَاتَهُ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَأْتِي بِهَا، بَلْ يَقْضِي صَلَاتَهُ بَعْدَ سَلَامِ إِمَامِهِ، ثُمَّ يَسْجُدُ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ، وَقَبْلَ السَّلَامِ
[محل سجود السهو]
إِمَامُهُ، فَيَسْجُدَ مَعَهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الْإِمَامُ، فَهَلْ يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. فَصْلٌ وَسُجُودُ السَّهْوِ لِمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ وَاجِبٌ، وَمَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ إِلَّا فِي السَّلَامِ قَبْلَ إِتْمَامِ صَلَاتِهِ، وَفِيمَا إِذَا بَنَى الْإِمَامُ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْجَمِيعَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَعَنْهُ: مَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ فَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ، كَانَ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَمْ يَسْجُدْ، قَالَهُ فِي الْمَذْهَبِ (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الْإِمَامُ فَهَلْ يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَسْجُدُ، اخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهَا نَقَصَتْ بِسَهْوِ إِمَامِهِ فَلَزِمَهُ جَبْرُهَا، وَكَمَا لَوِ انْفَرَدَ لِعُذْرٍ، وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ، «فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ» ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْجُدُ تَبَعًا، وَلَمْ يُوجَدْ. قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَأَصْلُهُمَا هَلْ سُجُودُ الْمَأْمُومِ تَبَعًا أَوْ لِسَهْوِ إِمَامِهِ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَهَذَا فِيمَا إِذَا تَرَكَهُمَا الْإِمَامُ سَهْوًا، فَإِنْ تَرَكَ سُجُودَ السَّهْوِ الْوَاجِبِ قَبْلَ السَّلَامِ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ، وَفِي صَلَاتِهِمْ رِوَايَتَانِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَأْمُومِ غَيْرُ الْمَسْبُوقِ بِبَعْضِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَسْجُدُ كَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ. [مَحَلُّ سُجُودِ السَّهْوِ] فَصْلٌ (وَسُجُودُ السَّهْوِ لِمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ وَاجِبٌ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا، حَكَاهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ: سُنَّةٌ، وَتَأَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ، وَالْأَوَّلُ: هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، سِوَى نَفْسِ سُجُودِ سَهْوٍ قَبْلَ سَلَامٍ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ مَعَ سَهْوِهِ، وَيَبْطُلُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا، وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لَهُ (وَمَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ، إِلَّا فِي السَّلَامِ قَبْلَ إِتْمَامِ صَلَاتِهِ، وَفِيمَا إِذَا بَنَى الْإِمَامُ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَذِي الْيَدَيْنِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِهَا، فَكَانَ قَبْلَ السَّلَامِ كَسُجُودِ صُلْبِهَا، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ عَنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ أَوْ أَقَلَّ، وَقَالَ فِي الْخِلَافِ، و" الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِمَا: عَنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ، وَإِلَّا قَبْلَهُ، نُصَّ عَلَيْهِ (وَعَنْهُ: أَنَّ الْجَمِيعَ قَبْلَ السَّلَامِ) اخْتَارَهُ أَبُو
قَبْلَهُ، وَإِنْ نَسِيَهُ قَبْلَ السَّلَامِ، قَضَاهُ مَا لَمْ يُطِلِ الْفَصْلَ، أَوْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQمُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَابْنُهُ أَبُو الْفَرَجِ قَالَ فِي " الْخِلَافِ ": وَهُوَ الْقِيَاسُ لِحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ وَغَيْرِهِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَعَنْهُ: عَكْسُهُ، لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنِ الشَّامِيِّينَ (وَعَنْهُ: مَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ فَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ كَانَ قَبْلَهُ) وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَجَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَكَانَ مِنْ نَقْصٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ سُجُودٍ سَجَدَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ السَّلَامِ فَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَسَائِرُ السُّجُودِ قَبْلَهُ، وَعَنْهُ: عَكْسُهُ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي مَحَلِّ وُجُوبِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ " و" التَّلْخِيصِ " وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَحْمَدَ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ فِي مَحَلِّ الْفَضْلِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ الْقَاضِي: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلِ، فَلَا مَعْنَى لِادِّعَاءِ النَّسْخِ (وَإِنْ نَسِيَهُ قَبْلَ السَّلَامِ قَضَاهُ مَا لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ) عُرْفًا (أَوْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ) ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" التَّلْخِيصِ " و" الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِمْ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ والكلام» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ فَلَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ كَرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا، وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَحَلُّ الصَّلَاةِ، فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ الْمُدَّةُ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا طَالَ أَوْ خَرَجَ أَوْ أَحْدَثَ لَمْ يَسْجُدْ، وَصَحَّتْ، وَأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ، وَلَوْ تَكَلَّمَ صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِلْخَبَرِ، وَعَنْهُ: مَتَّى تَكَلَّمَ امْتَنَعَ مِنَ السُّجُودِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: إِنْ تَكَلَّمَ لَا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَمْ يَسْجُدْ، وَقِيلَ: إِنْ طَالَ الْفَصْلُ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يُمْنَعْ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، لِأَنَّ حُكْمَ الْمَسْجِدِ حُكْمُ الْبُقْعَةِ الْوَاحِدَةِ، فَكَأَنَّهُ بَاقٍ فِي مُصَلَّاهُ بِدَلِيلِ الِاقْتِدَاءِ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ، وَإِنْ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ مَا لَمْ يَطُلِ
[يكفي لجميع السهو سجدتان]
وَيَكْفِيهِ لِجَمِيعِ السَّهْوِ سَجْدَتَانِ، إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ مَحَلُّهُمَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَمَتَى سَجَدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْفَصْلُ، صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَجَعَ إِلَى الْمَسْجِدِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ لِإِتْمَامِ الصَّلَاةِ، فَالسُّجُودُ أَوْلَى، وَعَنْهُ: يَسْجُدُ، وَإِنْ خَرَجَ، وَطَالَ الْفَصْلُ كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ، وَعَنْهُ: لَا يَسْجُدُ مُطْلَقًا، وَفِيهِ وَجْهٌ: إِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ صَلَاتِهِ، وَتَوَضَّأَ أَنَّهُ يَسْجُدُ. تَنْبِيهٌ: إِذَا ذَكَرَهُ، وَهُوَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، سَجَدَ إِذَا سَلَّمَ، وَقِيلَ: إِنْ قَرُبَ الزَّمَنُ، وَلَا يُجِبُ بِتَرْكِ سُجُودِ السَّهْوِ سَاهِيًا سُجُودٌ آخَرُ، وَلَا يَبْطُلُ بِهِ، لِأَنَّهُ جَابِرٌ لِلْعِبَادَةِ كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ مَتَى تَعَذَّرَ السُّجُودُ الْوَاجِبُ بَطَلَتْ. [يَكْفِي لِجَمِيعِ السَّهْوِ سَجْدَتَانِ] (وَيَكْفِيهِ لِجَمِيعِ السَّهْوِ سَجْدَتَانِ) إِذَا لَمْ يَخْتَلِفْ مَحَلُّهُمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ (إِلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ مَحَلُّهمَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا يَكْفِيهِ سَجْدَتَانِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَقَوْلُ الْأَكْثَرِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَهَا فَسَلَّمَ، وَتَكَلَّمَ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَسَجَدَ لَهُمَا سُجُودًا وَاحِدًا، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْجَبْرِ فَكَفَى فِيهِ سُجُودٌ وَاحِدٌ، كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا أُخِّرَ لِيَجْمَعَ السَّهْوَ كُلَّهُ، وَالثَّانِي: يَتَعَدَّدُ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِعُمُومِ حَدِيثِ ثَوْبَانَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ السَّلَامِ» ، وَلِأَنَّ كُلَّ سَهْوٍ يَقْتَضِي سُجُودًا، وَإِنَّمَا يَتَدَاخَلَانِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ السَّهْوَ اسْمُ جِنْسٍ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لِكُلِّ صَلَاةٍ فِيهَا سَهْوٌ سَجْدَتَانِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: بَعْدَ السَّلَامِ، وَلَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ السَّلَامِ سُجُودَانِ الْجِنْسَانِ مَا كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَبَعْدَهُ، وَقِيلَ: مَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَإِذَا قِيلَ بِالتَّدَاخُلِ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَقِيلَ: بَعْدَهُ، وَقِيلَ: الْحُكْمُ لِلْأَسْبَقِ. فَرْعٌ: إِذَا شَكَّ فِي مَحَلِّ سُجُودِهِ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَمَنْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ لِسَهْوِهِ أَوْ لَا؛ سَجَدَ مَرَّةً فِي الْأَشْهَرِ، فَلَوْ فَارَقَ إِمَامَهُ لِعُذْرٍ، وَقَدْ سَهَا الْإِمَامُ، ثُمَّ سَهَا الْمَأْمُومُ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَيَكْفِيهِ فِي الْأَصَحِّ سُجُودٌ لِسَهْوَيْنِ، أَحَدُهُمَا جَمَاعَةً، وَالْآخَرُ مُنْفَرِدًا.
بَعْدَ السَّلَامِ، جَلَسَ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ وَمَنْ تَرَكَ السُّجُودَ الْوَاجِبَ قَبْل السَّلَامِ عَمْدًا، بَطَلَتِ الصَّلَاةُ، وَإِنْ تَرَكَ الْمَشْرُوعَ بَعْدَ السَّلَامِ لَمْ تَبْطُلْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَمَتَى سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ) زَادَ الْمُؤَلِّفُ، وَغَيْرُهُ، سَوَاءٌ كَانَ مَحَلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ، أَوْ قَبْلَهُ فَنَسِيَهُ إِلَى مَا بَعْدَهُ (جَلَسَ فَتَشَهَّدَ) أَيِ: التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ وُجُوبًا (ثُمَّ سَلَّمَ) وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، لِمَا رَوَى عِمْرَانُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ يُسَلِّمُ لَهُ، فَكَانَ مَعَهُ تَشَهُّدٌ يَعْقُبُهُ سَلَامٌ، كَسُجُودِ الصُّلْبِ، وَفِي تَوَرُّكِهِ فِي شَأْنِهِ وَجْهَانِ، وَيُكَبِّرُ لِلسُّجُودِ، وَالرَّفْعِ مِنْهُ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقِيلَ: إِنْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ كَبَّرَ وَاحِدَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصِفَتُهُ، وَمَا يَقُولُ فِيهِ، وَبَعْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ كَسُجُودِ الصُّلْبِ، وَقِيلَ: لَا يَتَشَهَّدُ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، كَسُجُودِهِ قَبْلَ السَّلَامِ، ذَكَرَهُ فِي الْخِلَافِ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ مُفْرَدٌ أَشْبَهَ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ. (وَمَنْ تَرَكَ السُّجُودَ الْوَاجِبَ قَبْلَ السَّلَامِ عَمْدًا؛ بَطَلَتِ الصَّلَاةُ) بِمَا قَبْلَ السَّلَامِ، لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا، وَعَنْهُ: لَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " قَوْلًا مَعَ قَطْعِهِ بِوُجُوبِهِ كَوَاجِبَاتِ الْحَجِّ (وَإِنْ تَرَكَ الْمَشْرُوعَ بَعْدَ السَّلَامِ لَمْ تَبْطُلْ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ جَبَرٌ لِلْعِبَادَةِ خَارِجٌ مِنْهَا، فَلَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهَا، كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ، وَسَوَاءٌ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَعَنْهُ: تَبْطُلُ قِيَاسًا عَلَى الْمَشْرُوعِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ فِي الصَّلَاةِ وَالْوَاجِبِ لَهَا، لِأَنَّ الْأَذَانَ وَالْجَمَاعَةَ وَاجِبٌ لَهَا، وَلَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ عَلَيْهِمَا الرِّوَايَتَانِ.
[باب صلاة التطوع]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وهي أفضل تطوع البدن. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ] [آكَدُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ] التَّطَوُّعُ فِي الْأَصْلِ: فِعْلُ الطَّاعَةِ، وَشَرْعًا وَعُرْفًا: طَاعَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ. وَالنَّفْلُ وَالنَّافِلَةُ: الزِّيَادَةُ، وَالتَّنَفُّلُ: التَّطَوُّعُ (وَهِيَ أَفْضَلُ تَطَوُّعِ الْبَدَنِ) لِمَا رَوَى سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ إِلَى سَالِمٍ. قَالَ أَحْمَدُ: سَالِمٌ لَمْ يَلْقَ ثَوْبَانَ، بَيْنَهُمَا مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ صِحَاحًا، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنِهِ "، وَابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ "، وَمَالِكٌ فِي " مَوَطَّئِهِ " بَلَاغًا، وَلَهُ طُرُقٌ فِيهَا ضَعْفٌ؛ وَلِأَنَّ فَرْضَهَا آكَدُ الْفُرُوضِ، فَتَطَوُّعُهَا آكَدُ التَّطَوُّعَاتِ، وَلِأَنَّهَا تَجْمَعُ أَنْوَاعًا مِنَ الْعِبَادَةِ: الْإِخْلَاصَ، وَالْقِرَاءَةَ، وَالرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ، وَمُنَاجَاةَ الرَّبِّ، وَالتَّوَجُّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَالتَّسْبِيحَ، وَالتَّكْبِيرَ، وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَكِنْ أَطْلَقَ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْمُتَطَوَّعِ بِهَا. قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ. وَذَكَرَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: ثُمَّ الْعِلْمُ، ثُمَّ الصَّلَاةُ. وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْمُتَطَوَّعِ بِهَا، وَالصَّلَاةُ أَفْضَلُ تَطَوُّعٍ بَدَنِيٍّ مَحْضٍ. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّ النَّفَقَةَ فِيهِ أَفْضَلُ، وَجَزَمَ بِهِ آخَرُونَ، بِأَنَّ الرِّبَاطَ أَفْضَلُ مِنَ الْجِهَادِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ:
وَآكَدُهَا صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ ثُمَّ الْوَتْرُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَوَقْتُهُ مَا بَيْنَ ـــــــــــــــــــــــــــــQاسْتِيعَابُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِالْعِبَادَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا أَفْضَلُ مِنْ جِهَادٍ لَمْ تَذْهَبْ فِيهِ نَفْسُهُ وَمَالُهُ. وَنَقَلَ مُهَنَّا: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ. قِيلَ: فَأَيُّ شَيْءٍ تَصْحِيحُ النِّيَّةِ؟ قَالَ: يَنْوِي: يَتَوَاضَعُ فِيهِ، وَيَنْفِي عَنْهُ الْجَهْلَ. وَقِيلَ: بَلِ الصَّوْمُ؛ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَبِي أُمَامَةَ: " عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَفِيهِ لِينٌ. وَقِيلَ: مَا تَعَدَّى نَفْعُهُ؛ كَعِيَادَةِ مَرِيضٍ، وَاتِّبَاعِ جِنَازَةٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَهُ عَنِ الْجُمْهُورِ. وَقِيلَ: الْحَجُّ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ جِهَادٌ؛ فَإِنَّ فِيهِ مَشْهَدًا لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُهُ؛ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَإِنْ مَاتَ بِهِ، فَقَدْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ. وَنَقَلَ عَنْهُ مُهَنَّا: أَفْضَلِيَّةَ الذِّكْرِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ أَنَّ عَمَلَ الْقَلْبِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْجَوَارِحِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَفْضَلَهَا جِهَادٌ ثُمَّ تَوَابِعُهُ، ثُمَّ عِلْمٌ: تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ، ثُمَّ صَلَاةٌ. وَنَصَّ: أَنَّ طَوَافَ الْغَرِيبِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِيهِ، وَالْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الصَّحِيحِ، ثُمَّ مَا تَعَدَّى نَفْعُهُ، فَصَدَقَةٌ عَلَى قَرِيبٍ مُحْتَاجٍ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقٍ، وَعِتْقٌ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةٍ عَلَى أَجْنَبِيٍّ، إِلَّا زَمَنَ حَاجَةٍ، ثُمَّ حَجٌّ، ثُمَّ عِتْقٌ، ثُمَّ صَوْمٌ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ الذِّكْرَ بِقَلْبٍ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِلَا قَلْبٍ؛ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: (وَآكَدُهَا صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ) لِأَنَّهُ يُشْرَعُ لَهَا الْجَمَاعَةُ مُطْلَقًا، أَشْبَهَا الْفَرَائِضَ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ صلاة الْكُسُوفَ آكَدُ مِنْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَتْرُكْهَا عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهَا، بِخِلَافِ الِاسْتِسْقَاءِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَسْتَسْقِي تَارَةً، وَيَتْرُكُ أُخْرَى، وَيُلْحَقُ بِهِمَا فِي الْآكَدِيَّةِ مَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ كَالتَّرَاوِيحِ.
[الوتر]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQذَكَرَهُ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "؛ وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي " الْفُرُوعِ ". [الْوَتْرُ] [حُكْمُ الْوَتْرِ] (ثُمَّ الْوَتْرُ) قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ. وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا أَنَّهُ آكَدُ مِمَّا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَقَالَ الْقَاضِي: رَكْعَتَا الْفَجْرِ آكَدُ مِنْهُ؛ لِاخْتِصَاصِهَا بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ. وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ: أَنَّ السُّنَنَ الرَّاتِبَةَ آكَدُ مِنَ التَّرَاوِيحِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَيْسَ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ (وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ؛ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ سَأَلَهُ عَمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ: خَمْسَ صَلَوَاتٍ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَكَذَّبَ عُبَادَةُ رَجُلًا يَقُولُ: الْوَتْرُ وَاجِبٌ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» الْخَبَرَ. وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْوَتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَلَكِنَّهُ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، أَشْبَهَ السُّنَنَ، وَعَنْهُ: هُوَ وَاجِبٌ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ ضَعْفٌ. وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْوَتْرُ حَقٌّ؛ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ،
[وقت الوتر]
صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ: الْمَوْقُوفُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ. وَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُوَاظِبُ عَلَيْهِ حَضَرًا وَسَفَرًا، وَقَالَ أَحْمَدُ: مَنْ تَرَكَ الْوَتْرَ عَمْدًا فَهُوَ رَجُلُ سُوءٍ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ لَهُ شَهَادَةٌ، وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ. [وَقْتُ الْوَتْرِ] (وَوَقْتُهُ: مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَطُلُوعِ الْفَجْرِ) الثَّانِي، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ: «لَقَدْ أَمَدَّكُمُ اللَّهُ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ النِّعَمِ؛ وَهِيَ الْوَتْرُ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ ضَعْفٌ. وَعَنْ مُعَاذٍ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا، رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْهُ: إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. وَعَنْ أَبِي بَصْرَةَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ. وَيُحْمَلُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ؛ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، ويدخل فِي كَلَامِهِ مَا لَوْ جَمَعَ الْعِشَاءَ جَمْعَ تَقْدِيمٍ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا أَوْتَرَ قَبْلَ الْعِشَاءِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَأَنَّهُ إِذَا أَخَّرَهُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ يَكُونُ قَضَاءً، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " احْتِمَالًا: أَنَّهُ يَكُونُ أَدَاءً، لِحَدِيثِ أَبِي بَصْرَةَ. وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ آخِرَ اللَّيْلِ لِمَنْ وَثِقَ، لَا مُطْلَقًا.
[أقل الوتر]
رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ وَإِنْ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ سَرَدَ ثَمَانِيًا وَجَلَسَ، فَتَشَهَّدَ وَلَمْ يُسَلِّمْ، ثُمَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ الْقَاضِي: وَقْتُهُ الْمُخْتَارُ كَوَقْتِ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارِ. وَقِيلَ: كُلُّ اللَّيْلِ سَوَاءٌ، وَمَنْ لَهُ تَهَجُّدٌ جَعَلَهُ بَعْدَهُ، فَإِنْ أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ لَمْ يُكْرَهْ، نَصَّ عَلَيْهِ. [أَقَلُّ الْوَتْرِ] (وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ) لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ؛ وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، (وَأَكْثَرُهُ) وَفِي " الْوَجِيزِ "، وَأَفْضَلُهُ: (إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى؛ فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرَغَ الْعِشَاءُ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ بِوَاحِدَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا صَلَاةٌ، حَتَّى فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ، وَعَنْهُ: يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُوتِرُ. قَالَ أَحْمَدُ: الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَتْ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أَنَّهُ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ كَانَ قَبْلَهَا صَلَاةٌ مُتَقَدِّمَةٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا بَأْسَ بِالْوَتَرِ بِرَكْعَةٍ، لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ نَحْوِهِ.
[الوتر بأكثر من ثلاث ركعات]
صَلَّى التَّاسِعَةَ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ. وَكَذَلِكَ السَّبْعُ، وَإِنْ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ، لَمْ يَجْلِسْ إِلَّا فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقِيلَ: لَهُ سَرْدُ عَشَرَةٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَيَتَشَهَّدُ، ثُمَّ يُوتِرُ بِالْأَخِيرَةِ، وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَهُ سَرْدُ إِحْدَى عَشْرَةَ بِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ وَسَلَامٍ. وَقِيلَ: أَكْثَرُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ، فَلَمَّا كَبُرَ وَضَعُفَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ» . وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ كَانَ يُصَلِّيهِمَا جَالِسًا بَعْدَ الْوَتْرِ، أَوْ رَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَفِيهِ بُعْدٌ. وَاسْتَحَبَّ أَحْمَدُ أَنْ تَكُونَ الرَّكْعَةُ عَقِيبَ الشَّفْعِ، وَلَا يُؤَخِّرُهَا عَنْهُ، وَلَيْسَ كَالْمَغْرِبِ حَتْمًا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا أَنَّهُ رَكْعَةٌ قَبْلَهُ شَفْعٌ لَا حَدَّ لَهُ خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَتَمَسُّكًا بِأَخْبَارٍ فِيهَا ضَعْفٌ عَلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهَا. [الْوَتْرُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ] (وَإِنْ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ؛ سَرَدَ ثَمَانِيًا، وَجَلَسَ فَتَشَهَّدَ، وَلَمْ يُسَلِّمْ، ثُمَّ صَلَّى التَّاسِعَةَ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقِيلَ: كَإِحْدَى عَشْرَةَ: يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ. قَالَ فِي " الْخِلَافِ " عَنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: قَصَدَ بَيَانَ الْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ غَيْرَهُ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ هَذَا. (وَكَذَلِكَ السَّبْعُ) أَيْ: يَسْرُدُ سِتًّا، وَيَجْلِسُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يُصَلِّي السَّابِعَةَ، وَيَتَشَهَّدُ،
آخِرِهِنَّ، وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ. يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ: ـــــــــــــــــــــــــــــQوَيُسَلِّمُ. نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَالْأَشْهُرُ فِي الْمَذْهَبِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ: أَنَّ السَّبْعَ كَالْخَمْسِ؛ لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. (وَإِنْ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ؛ لَمْ يَجْلِسْ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ) هَذَا الْمَذْهَبُ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ. وَالثَّانِي: يُصَلِّي الْجَمِيعَ بِسَلَامٍ، فَيَجْلِسُ عَقِبَ الشَّفْعِ، وَيَتَشَهَّدُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ. (وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ) ذَكَرَهُ الْجَمَاعَةُ؛ مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «افْصِلْ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِسَنَدِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ وَهُوَ قَوْلُ
[القراءة في الوتر]
" سَبِّحْ "، وَفِي الثَّانِيَةِ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ "، وَفِي الثَّالِثَةِ: " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " وَيَقْنُتُ فِيهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلِأَنَّ الْوَاحِدَةَ الْمُفْرَدَةَ اخْتُلِفَ فِي كَرَاهَتِهَا، وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يَتَقَدَّمَهَا شَفْعٌ، فَلِذَلِكَ كَانَتِ الثَّلَاثُ أَدْنَى لِلْكَمَالِ، لَكِنْ إِنْ سَرَدَهُنَّ بِسَلَامٍ جَازَ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا صَلَّى الثَّلَاثَ بِسَلَامٍ، وَلَمْ يَكُنْ جَلَسَ عَقِيبَ الثَّانِيَةِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ جَلَسَ؛ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا يَكُونُ وَتْرًا. [الْقِرَاءَةُ فِي الْوَتْرِ] (يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: " سَبِّحْ "، وَفِي الثَّانِيَةِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَةِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. زَادَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ: «فَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: " سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ " ثَلَاثًا» ، وَلَهُمَا فِي رِوَايَةٍ: «وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالْآخِرَةِ» ، وَعَنْهُ: يُضِيفُ مَعَ الْإِخْلَاصِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقْرَأُ بِذَلِكَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، لَكِنْ فِيهِ ضَعْفٌ. وَذَكَرَ فِي " التَّحْقِيقِ " أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ زِيَادَتَهُمَا. [الْقُنُوتُ فِي الْوَتْرِ] (وَيَقْنُتُ فِيهَا) أَيْ: فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقُولُ فِي وَتْرِهِ أَشْيَاءَ تَأْتِي، وَ (كَانَ) لِلدَّوَامِ، وَلِأَنَّ مَا شُرِعَ فِي رَمَضَانَ شُرِعَ فِي غَيْرِهِ كَعَدَدِهِ، وَعَنْهُ: لَا يَقْنُتُ إِلَّا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، اخْتَارَهُ الْأَثْرَمُ؛
بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَهْدِيكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ، وَنَتُوبُ إِلَيْكَ وَنُؤْمِنُ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَنَّ أُبَيًّا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، ثُمَّ هُوَ رَأْيُ أُبَيٍّ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهَا، وَخَيَّرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، وَأَنَّهُ إِنْ صَلَّى بِهِمْ قِيَامَ رَمَضَانَ، فَإِنْ قَنَتَ جَمِيعَ الشَّهْرِ، أَوْ نِصْفَهُ الْأَخِيرَ، أَوْ لَمْ يَقْنُتْ بِحَالٍ، فَحَسَنٌ. (بَعْدَ الرُّكُوعِ) نَصَّ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يُسَنُّ قَبْلَهُ، لَكِنْ يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَقْنُتُ، نَصَّ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. قَالَ الْخَطِيبُ: الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَ فِيهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ كُلُّهَا مَعْلُولَةٌ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ، وَيَبْسُطُ بُطُونَهُمَا نَحْوَ السَّمَاءِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ. (فَيَقُولُ) الْإِمَامُ جَهْرًا، وَكَذَا مُنْفَرِدًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: وَمَأْمُومًا. وَكَانَ أَحْمَدُ: يُسِرُّ. وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: أَنَّ الْجَهْرَ مُخْتَصٌّ بِالْإِمَامِ فَقَطْ. قَالَ فِي " الْخِلَافِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ. (اللَّهُمَّ) أَصْلُهُ: يَا اللَّهُ؛ فَحُذِفَتْ يَاءٌ مِنْ أَوَّلِهِ، وَعُوِّضَ عَنْهَا الْمِيمُ فِي آخِرِهِ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَجْتَمِعَانِ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ؛ لِئَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ، وَلَخَّصُوا فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى تَبَرُّكًا وَتَعْظِيمًا أَوْ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ بِتَصْيِيرِ اللَّفْظَيْنِ لَفْظًا وَاحِدًا. (إِنَّا نَسْتَعِينُكَ، وَنَسْتَهْدِيكَ، وَنَسْتَغْفِرُكَ) أَيْ: نَطْلُبُ مِنْكَ الْمَعُونَةَ، وَالْهِدَايَةَ، وَالْمَغْفِرَةَ. (وَنَتُوبُ إِلَيْكَ) التَّوْبَةُ: الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ، وَفِي الشَّرْعِ: النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الذَّنْبِ، وَالْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ، وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ تَعْظِيمًا لِلَّهِ
بِكَ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ، وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، نَشْكُرُكَ وَلَا نَكْفُرُكَ، اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَعَالَى، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِآدَمِيٍّ فَلَا بُدَّ أَنْ يُحَلِّلَهُ، (وَنُؤْمِنُ بِكَ) أَيْ: نُصَدِّقُ بِوَحْدَانِيَّتِكَ (وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: التَّوَكُّلُ إِظْهَارُ الْعَجْزِ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْغَيْرِ، وَالِاسْمُ التُّكْلَانُ. وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: هُوَ تَرْكُ تَدْبِيرِ النَّفْسِ، وَالِانْخِلَاعُ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: هُوَ الِاسْتِرْسَالُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يُرِيدُ (وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ) أَيْ: نَمْدَحُكَ، وَنَصِفُكَ بِالْخَيْرِ، وَالثَّنَاءُ فِي الْخَيْرِ خَاصَّةً، وَبِتَقْدِيمِ النُّونِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْمُعَافِرِيُّ: أَثْنَيْتُ عَلَى الرَّجُلِ: وَصَفْتُهُ بِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ (نَشْكُرُكَ وَلَا نَكْفُرُكَ) أَصْلُ الْكُفْرِ: الْجُحُودُ وَالشَّرُّ. قَالَ فِي " الْمَطَالِعِ ": وَالْمُرَادُ هُنَا كُفْرُ النِّعْمَةِ، لِاقْتِرَانِهِ بِالشُّكْرِ. (اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: مَعْنَى الْعِبَادَةِ الطَّاعَةُ، وَالْخُضُوعُ، وَالتَّذَلُّلُ، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْفَخْرُ إِسْمَاعِيلُ، وَأَبُو الْبَقَاءِ: الْعِبَادَةُ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ اطِّرَادٍ عُرْفِيٍّ، وَلَا اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ، وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ، وَانْقِيَادِهِ لِمَوْلَاهُ. (وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ) لَا لِغَيْرِكَ، (وَإِلَيْكَ نَسْعَى) . يُقَالُ: سَعَى يَسْعَى سَعْيًا: إِذَا عَدَا، وَقِيلَ: إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْجَرْيِ عُدِّيَ بِإِلَى، وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْعَمَلِ فَبِاللَّامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} [الإسراء: 19] . (وَنَحْفِدُ) بِفَتْحِ النُّونِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، يُقَالُ: حَفَدَ بِمَعْنَى أَسْرَعَ، وَأَحْفَدَ لُغَةٌ فِيهِ بِمَعْنَى يَحْفِدُ يُسْرِعُ، أَيْ: يُبَادِرُ الْعَمَلَ، وَالْخِدْمَةَ (نَرْجُو رَحْمَتَكَ) يُقَالُ: رَجَوْتُهُ، أَيْ أَمَّلْتُهُ، وَالرَّحْمَةُ: سَعَةُ الْعَطَاءِ، وَ (نَخْشَى عَذَابَكَ) : أَيْ نَخَافُ عُقُوبَتَكَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر: 49] {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ} [الحجر: 50] (إِنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ) بِكَسْرِ الْجِيمِ: الْحَقَّ، لَا اللَّعِبَ. (بِالْكَفَّارِ مُلْحِقٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ، أَيْ لَاحِقٌ بِهِمْ، وَمَنْ فَتَحَهَا أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ يُلْحِقُهُ إِيَّاهُ، وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ هِيَ الْأُولَى. قَالَ الْخَلَّالُ: سَأَلْتُ ثَعْلَبًا عَنْ مُلْحِقٍ، وَمُلْحَقٍ؛ فَقَالَ: الْعَرَبُ تَقُولُهُمَا جَمِيعًا. هَذَا الدُّعَاءُ قَنَتَ بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَفِي أَوَّلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَفِي
بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ. اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يُذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ ـــــــــــــــــــــــــــــQآخِرِهِ: اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَهَاتَانِ سُورَتَانِ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَتَبَهُمَا أُبَيٌّ فِي مُصْحَفِهِ إِلَى قَوْلِهِ: مُلْحِقٌ، زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ: وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُكَ. (اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ) أَصْلُ الْهُدَى: الرَّشَادُ وَالْبَيَانُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] فَهِيَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، وَالْإِرْشَادُ، وَطَلَبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُهْتَدِينَ بِمَعْنَى طَلَبِ التَّثَبُّتِ عَلَيْهَا، أَوْ بِمَعْنَى الْمَزِيدِ مِنْهَا. (وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ) الْمُرَادُ بِهَا: الْعَافِيَةُ مِنَ الْأَسْقَامِ، وَالْبَلَايَا، وَالْمُعَافَاةُ: أَنْ يُعَافِيَكَ اللَّهُ مِنَ النَّاسِ، وَيُعَافِيَهُمْ مِنْكَ، وَ (بَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ) الْبَرَكَةُ: الزِّيَادَةُ، وَقِيلَ: هِيَ حُلُولُ الْخَيْرِ الْإِلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ، وَالْعَطِيَّةُ: الْهِبَةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا: مَا أَنْعَمَ بِهِ، (وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ) الْوَلِيُّ: ضِدُّ الْعَدُوِّ؛ وَهُوَ فَعِيلٌ مِنْ تَلَيْتُ الشَّيْءَ إِذَا عَنَيْتَ بِهِ، وَنَظَرْتَ فِيهِ؛ كَمَا يَنْظُرُ الْوَلِيُّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى يَنْظُرُ فِي أَمْرِ وَلِيِّهِ بِالْعِنَايَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلَيْتُ الشَّيْءَ: إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ؛ بِمَعْنَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَقْطَعُ الْوَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَصِيرَ فِي مَقَامِ الْمُرَاقَبَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ؛ وَهُوَ مَقَامُ الْإِحْسَانِ، (وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ) سُبْحَانَهُ لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ «إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: «عَلَّمَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوَتْرِ: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي) إِلَى (وَتَعَالَيْتَ) وَلَيْسَ فِيهِ: (وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ) » ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَأَثْبَتَهَا فِيهِ، وَتَبِعَهُ الْمُؤَلِّفُ. وَالرِّوَايَةُ إِفْرَادُ الضَّمِيرِ، وَجَمَعَهَا الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُشَارِكَ الْمَأْمُومَ فِي الدُّعَاءِ.
مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ، لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQوَفِي " الرِّعَايَةِ " لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْتَ، نَسْتَغْفِرُكَ اللَّهُمَّ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ، لَا لَجَأَ، وَلَا مَلْجَأَ، وَلَا مُلْتَجَأَ، وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ ". (اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ) . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي هَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُجِيرَهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطِهِ، وَهُمَا ضِدَّانِ، وَمُتَقَابِلَانِ، وَكَذَلِكَ الْمُعَافَاةُ، وَالْمُؤَاخَذَةُ بِالْعُقُوبَةِ، لَجَأَ إِلَى مَا لَا ضِدَّ لَهُ؛ وَهُوَ اللَّهُ، أَظْهَرَ الْعَجْزَ وَالِانْقِطَاعَ، وَفَزِعَ مِنْهُ إِلَيْهِ، فَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ: أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ؛ إِذْ حَاصِلُهُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ اللَّهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ إِذْ هُوَ ثَابِتٌ فِي الْخَبَرِ (لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ) أَيْ: لَا نُطِيقُهُ، وَلَا نَبْلُغُهُ، وَلَا تَنْتَهِي غَايَتُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} [المزمل: 20] أَيْ: تُطِيقُوهُ. (أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنْ تَفْصِيلِ الثَّنَاءِ، وَرَدٌّ إِلَى الْمُحِيطِ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، فَكَمَا أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ، لَا نِهَايَةَ لِثَنَاءٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمُثْنَى عَلَيْهِ. رُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وَتْرِهِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيَقُولُ فِي قُنُوتِ الْوَتْرِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ؛ وَهُوَ مَعْنَى مَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ: يَدْعُو بِمَا شَاءَ، وَاقْتَصَرَ جَمَاعَةٌ عَلَى دُعَاءِ: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَاخْتَارَهُ أَحْمَدُ. وَنَقَلَ الْمَرْوَزِيُّ: يُسْتَحَبُّ بِالسُّورَتَيْنِ، وَأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ، ويصلي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: مِنْ أَوَّلِهِ وَوَسَطِهِ وَآخِرِهِ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ ": وَعَلَى آلِهِ، وقَوْله تَعَالَى {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} [الإسراء: 111] الْآيَةَ.
[مسح الوجه بعد الفراغ من دعاء القنوت]
أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ. وَهَلْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَلَا يَقْنُتُ فِي غَيْرِ الْوَتْرِ إِلَّا أَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ قَوْلُهَا قُبَيْلَ الْأَذَانِ، وَفِي " نِهَايَةِ أَبِي الْمَعَالِي ": يُكْرَهُ. فَرْعٌ: الْمُنْفَرِدُ يُفْرِدُ الضَّمِيرَ، وَيَجْهَرُ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ: وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ يَجْمَعُهُ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ. وَيُؤَمِّنُ مَأْمُومٌ عَلَى الْأَصَحِّ إِنْ سَمِعَ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَقْنُتُ مَعَهُ، وَيَجْهَرُ بِهِ، وَعَنْهُ: يُتَابِعُهُ فِي الثَّنَاءِ، وَيُؤَمِّنُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ دُعَاءً، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ رِوَايَةً فِيمَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ أَنَّهُ يَسْكُتُ، وَلَا يُتَابِعُهُ. [مَسْحُ الْوَجْهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ دُعَاءِ الْقُنُوتِ] وَ (هَلْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ) إِذَا فَرَغَ؟ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَشْهَرُهُمَا: أَنَّهُ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، نَقَلَهُ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِمَا رَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا دَعَا رَفَعَ يَدَيْهِ، وَمَسْحَ بِهِمَا وَجْهَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَكَخَارِجِ الصَّلَاةِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا، نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ، وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ لِضَعْفِ الْخَبَرِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، صَحَّحَهَا فِي الْوَسِيلَةِ، وَعَنْهُ: يُمِرُّهُمَا عَلَى صَدْرِهِ، وَإِذَا سَجَدَ رَفَعَ يَدَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي الْقِيَامِ، فَهُوَ كَالْقِرَاءَةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: لَا، وَهُوَ أَظْهَرُ. [الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ] (وَلَا يَقْنُتُ فِي غَيْرِ الْوَتْرِ) رُوِيَتْ كَرَاهَتُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَصَرَّحَ ابْنُ تَمِيمٍ بِأَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَعَنْ أَحْمَدَ: الرُّخْصَةُ فِيهِ فِي الْفَجْرِ، وَرَوَاهُ الْخَطِيبُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ،. قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ
تَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ، فَلِلْإِمَامِ خَاصَّةً الْقُنُوتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ. ثُمَّ السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ، وَهِيَ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنَسٍ قَالَ: «مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» . رَوَاهُ الْخَطِيبُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، وَاسْمُهُ عِيسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، وَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ وَضَعَّفَهُ آخَرُونَ، وَلِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَقْنُتُ فِيهَا بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، بَلْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْنُتُ فِيهَا، وَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ» وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَخَلْفَ عَلِيٍّ هَاهُنَا بِالْكُوفَةِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ: أَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؟ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَيْسَ فِيهِ " فِي الْفَجْرِ "، وَيُجَابُ عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ السَّابِقِ أَنَّهُ أَرَادَ طُولَ الْقِيَامِ؛ فَإِنَّهُ يُسَمَّى قُنُوتًا، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ إِذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِمْ، لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ، إِلَّا إِذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِمْ» وَعَنْ فِعْلِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ فِي أَوْقَاتِ النَّوَازِلِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ بِدْعَةٌ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ، فَلَمْ يُسَنَّ فِيهَا كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ (إِلَّا أَنْ تَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ) : هِيَ الشَّدِيدَةُ مِنْ شَدَائِدِ الدَّهْرِ، (فَلِلْإِمَامِ) أَيْ: يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ الَّذِي قَنَتَ، فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ إِلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَعَنْهُ: وَنَائِبُهُ، وَعَنْهُ: بِإِذْنِهِ، وَعَنْهُ: وَإِمَامُ جَمَاعَةٍ، وَعَنْهُ: كُلُّ مُصَلٍّ (خَاصَّةً الْقُنُوتَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ
[السنن الراتبة]
عَشْرُ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَعَنْهُ: وَالْمَغْرِبُ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَنَتَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقِيلَ: وَالْعِشَاءُ. وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَقْنُتُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، " وَ " الْفُرُوعِ " "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ، إِلَّا فِي الْوَتْرِ وَالْفَجْرِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْجُمُعَةُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْنُتُ فِيهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَقِيلَ: بَلَى، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي صَلَاةٍ جَهْرِيَّةٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ مُطْلَقًا. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ لَا يَقْنُتُ لِرَفْعِ الْوَبَاءِ فِي الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ الْقُنُوتُ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ شَهَادَةٌ لِلْأَخْبَارِ فَلَا يُسْأَلُ رَفْعُهُ. [السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ] (ثُمَّ السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ) الَّتِي تُفْعَلُ مَعَ الْفَرَائِضِ؛ (وَهِيَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ) كَذَا ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ
بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَهُمَا آكَدُهَا. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQبَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ، كَانَتْ سَاعَةً لَا يُدْخَلُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا» حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، وَطَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَذَا أَخْبَرَتْ عَائِشَةُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (وَهُمَا آكَدُهَا) أَيْ: أَفْضَلُهَا، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلُّوا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَلَوْ طَرَدَتْكُمُ الْخَيْلُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقِيلَ: سُنَّةُ الْمَغْرِبِ، وَيُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُ سُنَّةِ الْفَجْرِ، وَقِرَاءَةُ مَا وَرَدَ لَا الْفَاتِحَةَ فَقَطْ. وَتَجُوزُ رَاكِبًا. وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ نَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا مَا أَجْتَرِئُ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ الِاضْطِجَاعُ بَعْدَهُمَا عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ قَبْلَ فَرْضِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ» ، وَفِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQرِوَايَةٍ: فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّا اضْطَجَعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَذَهَبَ الظَّاهِرِيَّةُ إِلَى وُجُوبِهِ. وَعَنْ أَحْمَدَ: يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَنْكَرَهُ. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يُكْرَهُ الْكَلَامُ بَعْدَهُمَا إِنَّمَا هِيَ سَاعَةُ تَسْبِيحٍ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ فِي غَيْرِ الْعِلْمِ، وَلِقَوْلِ الْمَيْمُونِيِّ: كُنَّا نَتَنَاظَرُ أَنَا وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمَسَائِلِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَغَيْرِ الْكَلَامِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ، وَيَتَوَجَّهُ: لَا يُكْرَهُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ) اخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ أَحْمَدُ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُؤْمِنِينَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَيُحْمَلُ هَذَا عَلَى التَّرْغِيبِ، وَلَيْسَتْ مِنَ الرَّوَاتِبِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَحْفَظْهَا، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، لِمَا رَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً سِوَى الْمَكْتُوبَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ (أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ) وَأَخْبَرَتْ بِهِ عَائِشَةُ عَنْ صَلَاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. تَذْنِيبٌ: فِعْلُ جَمِيعِ الرَّوَاتِبِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَعَنْهُ: سُنَّةُ الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ، زَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَالْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَالْبَاقِي فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ ابْنَ
وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ السُّنَنِ سُنَّ لَهُ قَضَاؤُهُ. ثُمَّ التَّرَاوِيحُ، وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً، يَقُومُ ـــــــــــــــــــــــــــــQعُمَرَ أَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهُنَّ فِي بَيْتِهِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: التَّسْوِيَةُ، وَكُلُّ سُنَّةٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَوَقْتُهَا مِنْ دُخُولِ وَقْتِهَا إِلَى فِعْلِهَا، وَبَعْدَهَا إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا، وَيُسْتَحَبُّ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِكَلَامٍ أَوْ قِيَامٍ لِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ: أُمِرْنَا بِذَلِكَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَتُجْزِئُ سُنَّةٌ عَنْ تَحِيَّةِ مَسْجِدٍ عَكْسٌ، فَإِنْ فَاتَتْهُ سُنَّةُ الظُّهْرِ قَبْلَهَا قَضَاهَا بَعْدَهَا وَبَدَأَ بِهَا، وَهِيَ وَسُنَّةُ الْفَجْرِ بَعْدَهُمَا فِي الْوَقْتِ قَضَاءٌ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَقِيلَ: أَدَاءٌ. (وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ السُّنَنِ سُنَّ لَهُ قَضَاؤُهُ) قَدَّمَهُ، وَنَصَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّهِمَا بَعْدَمَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ؛ وَهُوَ ثِقَةٌ. وَعَنْ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا لَمْ يُصَلِّ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ صَلَّاهُنَّ بَعْدَهَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. وَعَنْهُ: تُقْضَى سُنَّةُ الْفَجْرِ إِلَى الضُّحَى، وَقِيلَ: لَا تُقْضَى، إِلَّا هِيَ إِلَى وَقْتِ الضُّحَى، وَرَكَعَتَا الظُّهْرِ. 1
[التراويح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQمَسْأَلَةٌ: يُكْرَهُ تَرْكُ الرَّوَاتِبِ، فَإِنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا، رُدَّ قَوْلُهُ، وَأَثِمَ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَالْمَشْهُورُ لَا. لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ تَرَكَ الْوَتْرَ فَهُوَ رَجُلُ سُوءٍ. فَصْلٌ: تُسَنُّ الْمُحَافَظَةُ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا، وَأَرْبَعٍ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: سِتٍّ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَ العِشَاءِ غَيْرِ السُّنَنِ. قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": التَّنَفُّلُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ مُرَغَّبٌ فِيهِ؛ وَهُوَ التَّهَجُّدُ، وَيَجُوزُ فِعْلُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوَتْرِ جَالِسًا، وَلَا يُسْتَحَبُّ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَعَدَّهَا الْآمِدِيُّ مِنَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ. قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَهُوَ غَرِيبٌ [التَّرَاوِيحُ] [عَدَدُ رَكَعَاتِ التَّرَاوِيحِ] (ثُمَّ التَّرَاوِيحُ) : سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْلِسُونَ بَيْنَ كُلِّ أَرْبَعٍ يَسْتَرِيحُونَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْمُرَاوَحَةِ؛ وَهِيَ التَّكْرَارُ فِي الْفِعْلِ؛ وَهِيَ سُنَّةٌ سَنَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَيْسَتْ مُحْدَثَةً لِعُمَرَ؛ وَهِيَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَجِبُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا بِأَصْحَابِهِ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَرَكَهَا خَشْيَةَ أَنْ تُفْتَرَضَ» .
بِهَا فِي رَمَضَانَ فِي جَمَاعَةٍ، وَيُوتِرُ بَعْدَهَا فِي الْجَمَاعَةِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ جَعَلَ الْوَتْرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً) : فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي رَمَضَانَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً، وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ الرَّاتِبَةَ عَشْرٌ، فَضُوعِفَتْ فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ جِدٍّ وَتَشْمِيرٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: سِتٌّ وَثَلَاثُونَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ الْأَمْرُ الْقَدِيمُ، وَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُمْ أَنَّهَا إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ رَكْعَةً، وَاخْتَارَهُ إِسْحَاقُ. وَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: أَمَرَ عُمَرُ أُبَيًّا، وَتَمِيمًا أَنْ يَقُومَا بِالنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً. رَوَاهُ مَالِكٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ: رُوِيَ فِي هَذَا أَلْوَانٌ، وَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْتُ أَبِي يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ مَا لَا أُحْصِي. وَقَالَ أَيْضًا: لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى عِشْرِينَ رَكْعَةً، وَحَكَاهُ فِي " الرِّعَايَةِ " قَوْلًا (يَقُومُ بِهَا فِي رَمَضَانَ) بَعْدَ سُنَّةِ الْعِشَاءِ، وَقَبْلَ الْوَتْرِ، وَعَنْهُ: أَوْ بَعْدَ الْعِشَاءِ، جَزَمَ بِهِ فِي (الْعُمْدَةِ) لَا قَبْلَهَا، وَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا لِأَنَّهَا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَشَنَّعَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَيْهِ، وَنَسَبَهُ إِلَى الْبِدْعَةِ، وَلَا تَكْفِيهَا نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْأَصَحِّ. (وَفِي جَمَاعَةٍ وَيُوتِرُ بَعْدَهَا فِي الْجَمَاعَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ عَلِيٌّ، وَجَابِرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ يُصَلُّونَهَا فِي الْجَمَاعَةِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ لِلرِّجَالِ إِمَامًا، وَلِلنِّسَاءِ إِمَامًا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
بَعْدَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ، فَأَوْتَرَ مَعَهُ قَامَ إِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ فَشَفَعَهَا بِأُخْرَى. ـــــــــــــــــــــــــــــQجَمَعَ أَهْلَهُ، وَأَصْحَابَهُ، وَقَالَ: إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفُهِمَ مِنْهُ: أَنَّ وَقْتَهَا مُمْتَدٌّ إِلَى الْفَجْرِ الثَّانِي، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِ أَنَّ السُّنَّةَ الْمَأْثُورَةَ فِعْلُهَا جَمَاعَةً فِي الْمَسَاجِدِ، وَفِعْلُهَا أَوَّلَ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَى أَحْمَدَ. لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَأْخِيرِهَا بِمَكَّةَ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا إِذَا كَانَ أَوَّلَهُ غَيْمٌ وَقُلْنَا بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهَا تُفْعَلُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَالسَّامِرِيُّ، وَاخْتَارَ أَبُو حَفْصٍ لَا؛ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ ". أَنْوَاعٌ: يُسَنُّ أَنْ يُجْهَرَ فِيهَا، وَفِي الْوَتْرِ بِالْقِرَاءَةِ، وَاسْتَحَبَّ أَحْمَدُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِيهَا بِسُورَةِ (الْقَلَمِ) ثُمَّ يَسْجُدُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ مِنَ (الْبَقَرَةِ) وَلَا يَزِيدُ فِيهِ عَلَى خَتْمَةٍ إِلَّا أَنْ يُوتِرُوا، وَلَا يَنْقُصَ عَنْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَعْتَبِرُ حَالَهُمْ، وَيَدْعُو لِخَتْمِهِ قَبْلَ رُكُوعِ آخِرِ رَكْعَةٍ مِنْهَا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيُطِيلُ الْأُولَى وَيَعِظُ بَعْدَهَا، نَصَّ عَلَى الْكُلِّ، وَقِيلَ: يَخْتِمُ فِي الْوَتْرِ، وَيَدْعُو، وَقِيلَ: يَدْعُو بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعٍ كَبَعْدِهَا. وَكَرِهَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَ: هُوَ بِدْعَةٌ، وَيَسْتَرِيحُ بَيْنَ كُلِّ أَرْبَعٍ. فَعَلَهُ السَّلَفُ، وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِهِ، وَقِرَاءَةُ (الْأَنْعَامِ) فِي رَكْعَةٍ بِدَعَةٌ. (فَإِنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ جَعَلَ الْوَتْرَ بَعْدَهُ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وَتْرًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الْأَفْضَلِيَّةِ (وَإِنْ أَحَبَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ فَأَوْتَرَ مَعَهُ قَامَ إِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ فَشَفَعَهَا بِأُخْرَى) نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَشْيَاخُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -:
[التطوع بين التراويح]
وَيُكْرَهُ التَّطَوُّعُ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ، وَفِي التَّعْقِيبِ رِوَايَتَانِ، وَهُوَ أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ «لَا وَتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ، وَقَيْسٌ فِيهِ لِينٌ. قَالَ السَّامِرِيُّ: وَيَنْوِي بِالرَّكْعَةِ فَسْخَ الْوَتْرِ، وَعَنْهُ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُوتِرَ مَعَهُ. اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ لَمْ يُوتِرْ مَعَهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي وَتْرِهِ؛ لِئَلَّا يَزِيدَ عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ تَحْرِيمَةُ الْإِمَامِ، فَلَوْ أَوْتَرَ ثُمَّ صَلَّى لَمْ يُنْقَضْ وَتْرُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، ثُمَّ لَا يُوتِرُ، وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ يُوتِرُ، وَعَنْهُ: يَنْقُضُهُ، وَعَنْهُ: بِرَكْعَةٍ، ثُمَّ يُصَلِّي مَثْنَى مَثْنَى، ثُمَّ يُوتِرُ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ فِي نَقْضِهِ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالتَّرَاوِيحِ مَرَّتَيْنِ فِي مَسْجِدٍ أَوْ مَسْجِدَيْنِ جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى. [التَّطَوُّعُ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ] (وَيُكْرَهُ التَّطَوُّعُ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ) نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ: رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّطْوِيلِ، وَلِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِمْ بِمُتَابَعَةِ إِمَامِهِمْ، وَلَا يُكْرَهُ الطَّوَافُ، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: مَعَ إِمَامِهِ. (وَفِي التَّعْقِيبِ رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ "؛ إِحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ، جَزَمَ بِهِ فِي (الْمُذْهَبِ) وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " التَّلْخِيصِ " لِمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، زَادَ أَبُو بَكْرٍ وَالْمَجْدُ: مَا لَمْ يَنْتَصِفِ اللَّيْلُ. رِوَايَةً وَاحِدَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. وَالثَّانِيَةُ: وَنَقَلَهَا عَنْهُ لِجَمَاعَةٍ، وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ ": أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ لِقَوْلِ أَنَسٍ: لَا يَرْجِعُونَ إِلَّا لِخَيْرٍ يَرْجُونَهُ أَوْ لِشَرٍّ يَحْذَرُونَهُ. قِيلَ: وَالْكَرَاهَةُ قَوْلٌ قَدِيمٌ،
[صلاة الليل أفضل من النهار]
وَالْوَتْرِ فِي جَمَاعَةٍ. وَصَلَاةُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنَ النَّهَارِ، وَأَفْضَلُهَا وَسَطُ اللَّيْلِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQنَقَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ (وَهُوَ أَنْ يَتَطَوَّعَ) أَيْ: يُصَلِّي مُطْلَقًا. (بَعْدَ التَّرَاوِيحِ وَ) بَعْدَ (الْوَتْرِ فِي جَمَاعَةٍ) . نَصَّ عَلَيْهِ، هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَى التَّعْقِيبِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا تَطَوَّعَ بَعْدَهُمَا وَحْدَهُ لَا يُكْرَهُ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَذَكَرَهُ مَنْصُوصًا، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي " التَّرْغِيبِ " جَمَاعَةً، وَاخْتَارَهُ فِي (النِّهَايَةِ) وَمَحَلُّهُ عِنْدَ الْقَاضِي: إِذَا لَمْ يَكُنْ رَقَدَ، وَقِيلَ: أَوْ أَكَلَ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى لِمَنْ فَسَخَ وَتْرَهُ [صَلَاةُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنَ النَّهَارِ] (وَصَلَاةُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنَ النَّهَارِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: رَكْعَةٌ بِاللَّيْلِ خَيْرٌ مِنْ عَشْرِ رَكَعَاتٍ بِالنَّهَارِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَلِأَنَّهَا أَبْلَغُ فِي الْإِسْرَارِ، وَأَقْرَبُ إِلَى الْإِخْلَاصِ؛ فَالتَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ أَفْضَلُهُ صَلَاةُ اللَّيْلِ. قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَهَلْ هِيَ أَفْضَلُ مِنَ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ؛ فِيهِ خِلَافٌ. (وَأَفْضَلُهَا وَسَطُ اللَّيْلِ) : ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي " الْوَجِيزِ ". قَالَ آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ: حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ الرَّاسِبِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ مَرْفُوعًا: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ» وَفِي الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُدَ؛ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ» وَيُرْوَى أَنَّ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: يَا رَبِّ، أَيُّ وَقْتٍ أَقْوَمُ لَكَ، قَالَ: لَا تَقُمْ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَلَا آخِرَهُ، وَلَكِنْ
وَالنِّصْفُ الْأَخِيرُ أَفْضَلُ مِنَ الْأَوَّلِ. وَصَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَإِنْ تَطَوَّعَ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQوَسَطَ اللَّيْلِ، حَتَّى تَخْلُوَ بِي، وَأَخْلُوَ بِكَ، وَلَمْ يَذْكُرِ " الْكَافِي " وَ " الْمُذْهَبُ " أَنَّ الْأَوْسَطَ أَفْضَلُ، وَفِي (الرِّعَايَةِ) : آخِرُهُ خَيْرٌ، ثُمَّ وَسَطُهُ. (وَالنِّصْفُ الْأَخِيرُ أَفْضَلُ مِنَ الْأَوَّلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18] وَوَرَدَ أَنَّ الْعَرْشَ يَهْتَزُّ وَقْتَ السَّحَرِ، وَفِي الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ؛ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؛ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؛ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؛» وَمِنَ الثُّلُثِ الْأَوْسَطِ، وَالثُّلُثُ بَعْدَ النِّصْفِ أَفْضَلُ مُطْلَقًا. نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: الِاسْتِغْفَارُ فِي السَّحَرِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَلَا يَقُومُهُ كُلَّهُ إِلَّا لَيْلَةَ عِيدٍ، وَقِيَامُهُ كُلُّهُ عَمَلُ الْأَقْوِيَاءِ حَتَّى وَلَا لَيَالِيَ الْعَشْرِ. قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا نَامَ بَعْدَ تَهَجُّدِهِ لَمْ يُبْنَ عَلَيْهِ السَّهَرُ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالنَّاشِئَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ رَقْدَةٍ، وَتُكْرَهُ مُدَاوَمَةُ قِيَامِ اللَّيْلِ؛ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَصَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛
النَّهَارِ بِأَرْبَعٍ، فَلَا بَأْسَ. وَالْأَفْضَلُ مَثْنَى. وَصَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَاخْتَارَ ابْنُ شِهَابٍ وَالْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ قَامَ فِي التَّرَاوِيحِ إِلَى ثَالِثَةٍ: يَرْجِعُ وَإِنْ قَرَأَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا، وَلَا بُدَّ، لِلْخَبَرِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ؛ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْعَدَدَ، أَوْ نَسِيَهُ. قَوْلُهُ: مَثْنَى، هُوَ مَعْدُولٌ عَنِ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ؛ وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْمُكَرَّرِ، فَلَا يَجُوزُ تَكْرِيرُهُ، وَإِنَّمَا كَرَّرَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلَّفْظِ لَا لِلْمَعْنَى، وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُنِعَتِ الصَّرْفَ لِلْعَدْلَيْنِ عَدْلِهَا عَنْ صِيغَتِهَا، وَعَدْلِهَا عَنْ تَكْرَارِهَا. (وَإِنْ تَطَوَّعَ فِي النَّهَارِ بِأَرْبَعٍ) كَالظُّهْرِ (فَلَا بَأْسَ) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ، وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا: «مَنْ تَطَوَّعَ قَبْلَ الظُّهْرِ [أَرْبَعًا] لَا يُسَلِّمُ فِيهِنَّ تُفْتَحُ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ، وَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ؛ فَقَدْ تَرَكَ الْأَوْلَى، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً؛ فَإِنْ زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ نَهَارًا كُرِهَ. رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَفِي الصِّحَّةِ رِوَايَتَانِ. قَالَهُ فِي " الْمُذْهَبِ " وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " الصِّحَّةَ. (وَالْأَفْضَلُ مَثْنَى) لِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ،
[صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم]
الْقَائِمِ، وَيَكُونُ فِي حَالِ الْقِيَامِ مُتَرَبِّعًا وَأَدْنَى صَلَاةِ الضُّحَى رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا ثَمَانٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ أَحْمَدُ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ السَّهْوِ، وَأَشْبَهُ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ إِلَّا مَثْنَى. ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَخَبِ. زِيَادَةٌ: كَثْرَةُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ أَفْضَلُ مِنْ طُولِ قِيَامٍ، وَقِيلَ: نَهَارًا. وَعَنْهُ: طُولُ الْقِيَامِ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَعَنْهُ: التَّسَاوِي. اخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَحَفِيدُهُ. وَبِالْجُمْلَةِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَخْفِيفُهُ أَوْ تَطْوِيلُهُ، فَالْأَفْضَلُ اتِّبَاعُهُ فِيهِ، وَكَانَ أَحْمَدُ يُعْجِبُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ رَكَعَاتٌ مَعْلُومَةٌ. [صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ] (وَصَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ) فِي الْأَجْرِ (مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ: «مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ. وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " إِلَّا الْمُتَرَبِّعَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ شَاذَانَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ مَوْلَاهُ السَّائِبِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ؛ وَمُرَادُهُمْ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَأَمَّا مَعَ الْعَجْزِ فَهُمَا سَوَاءٌ، وَيَتَوَجَّهُ فَرْضًا وَنَفْلًا، مَا يَأْتِي فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي تَكْمِيلِ الْأَجْرِ. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَكُونُ فِي حَالِ الْقِيَامِ مُتَرَبِّعًا) : رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَعَنْهُ:
[صلاة الضحى]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQيَفْتَرِشُ، وَقَالَهُ زُفَرُ، وَالْفَتْوَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: يَحْتَبِي، وَفِي (الْوَسِيلَةِ) إِنْ كَثُرَ رُكُوعُهُ وَسُجُودُهُ لَمْ يَتَرَبَّعْ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَثْنِي رِجْلَيْهِ فِي سُجُودِهِ، وَكَذَا فِي حَالِ رُكُوعِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَعَنْهُ: لَا؛ وَهِيَ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّ هَيْئَةَ الرَّاكِعِ فِي رِجْلَيْهِ هَيْئَةُ الْقَائِمِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى هَيْئَتِهِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهَذَا أَصَحُّ فِي النَّظَرِ، إِلَّا أَنَّ أَحْمَدَ ذَهَبَ إِلَى فِعْلِ أَنَسٍ، وَأَخَذَ بِهِ. فَرْعٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِلتَّطَوُّعِ مُضْطَجِعًا؛ وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ صِحَّتَهُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْحَسَنِ، وَهَلْ يُومِئُ أَمْ يَسْجُدُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَهُ الْقِيَامُ عَنْ جُلُوسٍ، وَكَذَا عَكْسُهُ، وَخَالَفَ فِيهَا أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ كَالنَّذْرِ. [صَلَاةُ الضُّحَى] (وَأَدْنَى) أَيْ: أَقَلُّ (صَلَاةِ الضُّحَى رَكْعَتَانِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» . وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ نَحْوَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ: «وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى كُلَّ يَوْمٍ» ، وَيُكْرَهُ مُدَاوَمَتُهَا، بَلْ تُفْعَلُ غِبًّا. نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ
[التطوع بركعة]
وَوَقْتُهَا إِذَا عَلَتِ الشَّمْسُ. وَهَلْ يَصِحُّ التَّطَوُّعُ بِرَكْعَةٍ، عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى قَطُّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالْفَرَائِضِ. وَقَالَ الْآجُرِّيُ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: يُسْتَحَبُّ مُدَاوَمَتُهَا، وَنَقَلَهُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِمَنْ لَمْ يَقُمْ فِي لَيْلِهِ. (وَأَكْثَرُهَا ثَمَانٍ) قَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ فِي (الْهَدْيِ) أَنَّهَا صَلَاةٌ بِسَبَبِ الْفَتْحِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ الْأُمَرَاءَ كَانُوا يُصَلُّونَهَا إِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ. وَعَنْ أَحْمَدَ: أَكْثَرُهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ وَهِيَ فِي " الشَّرْحِ " احْتِمَالٌ لِقَوْلِ أَنَسٍ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ مِنْ ذَهَبٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ. (وَوَقْتُهَا إِذَا عَلَتِ الشَّمْسُ " وَتَبِعَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَمَعْنَاهُ: أَنَّ وَقْتَهَا مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ النَّهْيِ إِلَى أَنْ تَتَعَالَى الشَّمْسُ، وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهَا عِنْدَ اشْتِدَادِ حَرِّهَا؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ تَحْمَى الرَّمْضَاءُ؛ وَهِيَ الرَّمْلُ، فَتَبْرِكَ الْفِصَالُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ؛ وَمِنْهُ سُمِّيَ رَمَضَانُ، وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا إِلَى قُبَيْلِ الزَّوَالِ. [التَّطَوُّعُ بِرَكْعَةٍ] (وَهَلْ يَصِحُّ التَّطَوُّعُ بِرَكْعَةٍ) : أَيْ: بِفَرْدٍ؛ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي (الْهِدَايَةِ) إِحْدَاهُمَا:
[فصل صلاة الاستخارة]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQتَصِحُّ، قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ "، وَنَصَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ؛ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ قَابُوسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ، وَلِأَنَّ الْوَتْرَ مَشْرُوعٌ؛ وَهُوَ رَكْعَةٌ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَقَوَّاهَا فِي " الْمُغْنِي "؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» وَلِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْفَرْضِ، فَكَذَا فِي النَّفْلِ كَالسَّجْدَةِ، وَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُ فُعِلَ فِي غَيْرِ الْوَتْرِ. فَرْعٌ: يَجُوزُ التَّطَوُّعُ جَمَاعَةً، وَقِيلَ: مَا لَمْ يُتَّخَذْ عَادَةً، وَقِيلَ: يُكْرَهُ. قَالَ أَحْمَدُ: مَا سَمِعْتُهُ. [فَصْلُ صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ] 1 فَصْلٌ. تُسَنُّ صَلَاةُ الِاسْتِخَارَةِ، أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ وَالْأَصْحَابُ. فَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فِي حَجٍّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَيُسْتَحَبُّ صَلَاةُ الْحَاجَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى آدَمِيٍّ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنَى آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ لْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لْيُثْنِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، [لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ] سُبْحَانَ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ، [وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ] وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ،
[صلاة التسبيح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ: غَرِيبٌ، [وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ؛ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْوَرْقَاءِ؛ وَهُوَ مُضَعَّفٌ فِي الْحَدِيثِ] . وَصَلَاةُ التَّوْبَةِ؛ لِمَا رَوَى عَلِيٌّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ} [آل عمران: 135] إِلَى آخِرِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ، وَعَقِبَ الْوُضُوءِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ. قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَإِنْ كَانَ بَعْدَ عَصْرٍ احْتَسَبَ بِانْتِظَارِهِ بِالْوُضُوءِ الصَّلَاةَ، فَيُكْتَبُ لَهُ ثَوَابُ مُصَلٍّ، وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ؛ فَإِنْ جَلَسَ قَبْلَ الصَّلَاةِ سُنَّ لَهُ أَنْ يَقُومَ فَيُصَلِّيَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ رَجُلًا بِذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَيْلَةَ الْعِيدَيْنِ فِي رِوَايَةٍ، وَقَالَ: جَمْعٌ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ قَامَ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ مُحْتَسِبًا لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَفِيهِ بَقِيَّةُ، رِوَايَتُهُ عَنْ أَهْلِ بَلَدِهِ جَيِّدَةٌ؛ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. [صَلَاةُ التَّسْبِيحِ] 1 وَصَلَاةُ التَّسْبِيحِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ، وَنَصُّهُ: لَا، وَضَعَّفَ الْخَبَرَ الْمَرْوِيَّ فِي ذَلِكَ؛ وَهُوَ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهَا لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ: «أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ؛ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، ثُمَّ يُسَبِّحُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، وَيُكَبِّرُ خَمْسَ عَشْرَة مَرَّةً، ثُمَّ يَقُولُهَا فِي رُكُوعِهِ، ثُمَّ فِي رَفْعِهِ مِنْهُ، ثُمَّ فِي سُجُودِهِ، ثُمَّ فِي رَفْعِهِ مِنْهُ، ثُمَّ فِي سُجُودِهِ، ثُمَّ فِي رَفْعِهِ مِنْهُ، عَشْرًا
[سجود التلاوة]
وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ صَلَاةٌ. وَهُوَ سُنَّةٌ لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ دُونَ السَّامِعِ وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَشْرًا، ثُمَّ كَذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّةً، فِي كُلِّ يَوْمٍ، ثُمَّ فِي الْجُمُعَةِ، ثُمَّ فِي الشَّهْرِ، ثُمَّ فِي الْعُمُرِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: لَا يَصِحُّ. وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْآجُرِّيُّ، وَصَحَّحُوهُ، وَادَّعَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ كَذِبٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَا بَأْسَ بِهَا؛ فَإِنَّ الْفَضَائِلَ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا صِحَّةُ الْخَبَرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ عَدَمَ قَوْلِ أَحْمَدَ بِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَى الْعَمَلَ بِالْخَبَرِ الضَّعِيفِ فِي الْفَضَائِلِ، وَيُسْتَحَبُّ إِحْيَاءُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ لِلْخَبَرِ. قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَيْلَةِ عَاشُورَاءَ، وَلَيْلَةِ أَوَّلِ رَجَبٍ، وَلَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": وَلَيْلَةِ نِصْفِ رَجَبٍ، وَفِي (الْغَنِيَّةِ) : وَبَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَلَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ آخَرُونَ؛ وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقِيلَ: وَصَلَاةُ الرَّغَائِبِ، وَاخْتَلَفَ الْخَبَرُ فِي صِفَتِهَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تُفْعَلُ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَأَبُو بَكْرٍ الطَّرَسُوسِيُّ: هِيَ مَوْضُوعَةٌ. [سُجُودُ التِّلَاوَةِ] [حُكْمُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ] (وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ صَلَاةٌ) لِأَنَّهُ سُجُودٌ لِلَّهِ تَعَالَى يُقْصَدُ بِهِ التَّقَرُّبُ إِلَيْهِ، لَهُ تَحْرِيمٌ وَتَحْلِيلٌ، فَكَانَ صَلَاةً كَسُجُودِ الصَّلَاةِ، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ السُّجُودُ، وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ أَشْبَهَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ؛ وَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ فَلَا يُقْضَى؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِسَبَبٍ؛ فَإِذَا فَاتَ، لَمْ يَسْجُدْ، وَقِيلَ: إِنْ طَالَ الْفَصْلُ؛ وَهُوَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQظَاهِرُ مَا فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَطُلْ لَمْ يَبْعُدْ سَبَبُهَا، وَعَنْهُ: وَإِنْ سَمِعَهُ غَيْرُ الْمُتَطَهِّرِ تَطَهَّرَ وَسَجَدَ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ، لِخَوْفِهِ فَوْتَهُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَقَدْ حَكَى النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لَهُ، وَلِلشُّكْرِ. (وَهُوَ سُنَّةٌ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَالنَّجْمِ) فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلَفْظُهُ: فَلَمْ يَسْجُدْ مِنَّا أَحَدٌ، وَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْنَا السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَلَيْهَا: يَسْجُدُ فِي الْأَصَحِّ فِي طَوَافٍ مَعَ قَصْرٍ. فَصْلٌ وَيَتَيَمَّمُ مُحْدِثٌ، وَيَسْجُدُ مَعَ قَصْرِهِ، وَإِذَا نَسِيَ سَجْدَةً لَمْ يُعِدْهَا لِأَجْلِهِ، وَلَا يَسْجُدُ لِهَذَا السَّهْوِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ وُجُوبَهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَعَنْهُ: مُطْلَقًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 21] وَلَا يُذَمُّ إِلَّا عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ، وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ يُفْعَلُ فِي الصَّلَاةِ أَشْبَهَ سُجُودَ صُلْبِهَا، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ يَنْتَقِضُ عِنْدَهُمْ بِسُجُودِ السَّهْوِ. (لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ) فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ عَلَيْنَا السَّجْدَةَ فَيَسْجُدُ، وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى مَا
[شروط السجود في سجود التلاوة]
الْقَارِئُ يَصْلُحُ إِمَامًا لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الْقَارِئُ لَمْ يَسْجُدْ. وَهُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً ـــــــــــــــــــــــــــــQيَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِجَبْهَتِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ: فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ بَدَلُ الْإِضَافَةِ؛ أَيْ: وَمُسْتَمِعُهُ، وَبِهِ عَبَّرَ فِي " الْمُحَرَّرِ " (وَ " الْوَجِيزِ " (وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ كَتَالٍ، وَكَذَا يُشَارِكُهُ فِي الْأَجْرِ، فَدَلَّ عَلَى المُسَاوَاةِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَفِيهِ نَظَرٌ. وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَقَالٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنِ اسْتَمَعَ آيَةً كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ، وَمَنْ تَلَاهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، لَكِنْ لَا يَسْجُدُ فِي صَلَاةٍ لِقِرَاءَةِ غَيْرِ إِمَامِهِ فِي الْأَصَحِّ؛ كَمَا لَا يَسْجُدُ مَأْمُومٌ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ فِي وَجْهٍ، وَعَنْهُ: يَسْجُدُ، وَعَنْهُ: فِي نَفْلٍ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ إِذَا فَرَغَ (دُونَ السَّامِعِ) جَزَمَ بِهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ مَرَّ بِقَاصٍّ، فَقَرَأَ سَجْدَةً لِيَسْجُدَ مَعَهُ عُثْمَانُ فَلَمْ يَسْجُدْ. وَقَالَ: إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُشَارِكُ الْقَارِئَ فِي الْأَجْرِ، فَلَمْ يُشَارِكْهُ فِي السُّجُودِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يَسْجُدُ كَالْمُسْتَمِعِ. [شُرُوطُ السُّجُودِ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ] (وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ يَصْلُحُ إِمَامًا لَهُ) أَيْ: يَجُوزُ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، لِمَا رَوَى عَطَاءٌ «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ قَرَأَ سَجْدَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: (إِنَّكَ كُنْتَ إِمَامَنَا، وَلَوْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا مَعَكَ) » . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا، وَفِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى، وَفِيهِ كَلَامٌ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِتَمِيمِ بْنِ خَذْلَمٍ، وَهُوَ غُلَامٌ يَقْرَأُ عَلَيْهِ سَجْدَةً، فَقَالَ: اسْجُدْ
[مواضع سجود التلاوة في القرآن]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفَإِنَّكَ إِمَامُنَا فِيهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، فَلَا يَسْجُدُ قُدَّامَ إِمَامِهِ، وَلَا عَنْ يَسَارِهِ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ، وَلَا رَجُلٌ لِتِلَاوَةِ امْرَأَةٍ وَخُنْثَى، وَقِيلَ: بَلَى فِي الْكُلِّ كَمَا يَسْجُدُ لِتِلَاوَةِ أُمِّيٍّ وَزَمِنٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْجُدُ رَجُلٌ لِتِلَاوَةِ صَبِيٍّ فِي وَجْهٍ (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الْقَارِئُ لَمْ يَسْجُدْ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ: «وَلَوْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا مَعَكَ» ، وَقَدَّمَ فِي الْوَسِيلَةِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ التَّالِي فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَلَمْ يَسْجُدْ، سَجَدَ مُسْتَمِعُهُ. قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا تَرَكَ الْإِمَامُ السُّجُودَ فَإِنْ شَاءَ أَتَى بِهِ. تَنْبِيهٌ: لَا يُجْزِئُ رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ عَنْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ مَشْرُوعٌ، أَشْبَهُ سُجُودَ الصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَعَنْهُ: يُجْزِئُ رُكُوعُ الصَّلَاةِ وَحْدَهُ. ذَكَرَهَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَهِيَ قَوْلُ الْقَاضِي؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24] وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ السُّجُودُ؛ لِقَوْلِهِ (وَخَرَّ) . وَذَكَرَ فِي " الْمُذْهَبِ " أَنَّهُ إِنْ جَعَلَ مَكَانَ السُّجُودِ رُكُوعًا لَمْ يُجْزِئْهُ، وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ. فَائِدَةٌ: ذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّ السَّجْدَةَ إِذَا كَانَتْ آخِرَ السُّورَةِ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ شَيْئًا، ثُمَّ رَكَعَ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ، وَإِنْ شَاءَ رَكَعَ فِي آخِرِهَا؛ لِأَنَّ السُّجُودَ يُؤْتَى بِهِ عَقِيبَ الرُّكُوعِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ. [مَوَاضِعُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ فِي الْقُرْآنِ] (وَهُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَالصَّحِيحُ مِنَ " الْمَذْهَبِ "، وَعَنْهُ:
فِي الْحَجِّ مِنْهَا اثْنَتَانِ وَيُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ، وَيَجْلِسُ وَيُسَلِّمُ، وَلَا يَتَشَهَّدُ. فَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQخَمْسَ عَشْرَةَ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ «عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً» فَعَلَى هَذَا سَجْدَةُ (ص) مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، بَلْ سَجْدَةُ شُكْرٍ. لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (ص) لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيهَا» ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. فَعَلَى هَذَا يَسْجُدُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، فَإِنْ سَجَدَ فِيهَا عَالِمًا بَطَلَتْ، ذَكَرَهُ الْجَمَاعَةُ، وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ؛ وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِذَا سَقَطَ مِنْهَا بَقِيَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَجَدَ فِي النَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسُجُودُ الْفَرِيقَيْنِ مَعَهُ؛ لِكَوْنِهَا أَوَّلَ سَجْدَةٍ لَا لِغَيْرِهِ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي (الِانْشِقَاقِ) وَفِي (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) » رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (فِي الْحَجِّ مِنْهَا اثْنَتَانِ) هَذَا قَوْلُ عَمْرٍو، وَابْنِهِ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي مُوسَى، وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (فِي الْحَجِّ سَجْدَتَانِ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنَيْنٍ عَنْ عَمْرٍو،
[صفة سجود التلاوة]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ الْحَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ، وَقَوْلُهُ: (مَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَعَنْهُ: الْأُولَى فَقَطْ، وَعَنْهُ: عَكْسُهُ. تَنْبِيهٌ: إِذَا قَرَأَ سَجْدَةً، ثُمَّ أَعَادَهَا، فَفِي تَكْرَارِهَا وَجْهَانِ، وَقِيلَ: يُوَحِّدُهَا الرَّاكِبُ فِي صَلَاةٍ، وَيُكَرِّرُهَا غَيْرُهُ، وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ تَحِيَّةَ مَسْجِدٍ إِنْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ، وَيَأْتِي فِيمَنْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ مَكَّةَ. فَائِدَةٌ: مَوْضِعُ سَجْدَةِ (ص) عِنْدَ (وَأَنَابَ) وَ (حم) عِنْدَ " يَسْأَمُونَ "؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ، وَقِيلَ: " يَعْبُدُونَ "، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالسُّجُودِ فِيهَا، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ. [صِفَةُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ] (وَيُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ وَ) يُكَبِّرُ (إِذَا رَفَعَ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو، وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ مُفْرَدٌ أَشْبَهَ السُّجُودَ بَعْدَ السَّلَامِ لِلسَّهْوِ، وَقِيلَ: لَا يُكَبِّرُ لِلرَّفْعِ مِنْهُ، بَلْ يُسَلِّمُ إِذَا رَفَعَ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ (الْخِرَقِيِّ) وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ وَالسُّجُودِ، وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "؛ كَمَا لَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (وَيَجْلِسُ) كَذَا قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ يُشْتَرَطُ لَهَا التَّكْبِيرُ، فَاشْتُرِطَ لَهَا ذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ آخَرُونَ، وَالْمُرَادُ النَّدْبُ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرُوا جُلُوسَهُ فِي الصَّلَاةِ لِذَلِكَ، (وَيُسَلِّمُ) وَهُوَ رُكْنٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَيُجْزِئُ وَاحِدَةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا اثْنَتَانِ. ذَكَرَهَا الْقَاضِي فِي (الْمُجَرَّدِ) وَعَنْهُ: لَا سَلَامَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، (وَلَا يَتَشَهَّدُ) لِأَنَّهُ صَلَاةٌ لَا رُكُوعَ فِيهِ، فَلَمْ يُشْرَعِ التَّشَهُّدُ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، بَلْ لَا تُسَنُّ. نَصَّ عَلَيْهِ.
[سجود التلاوة في الصلاة]
سَجَدَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَرْفَعُهُمَا، وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ السُّجُودُ فِي صَلَاةٍ لَا يُجْهَرُ فِيهَا. فَإِنْ فَعَلَ، فَالْمَأْمُومُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ اتِّبَاعِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَتَشَهَّدُ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ، وَفِيهِ بُعْدٌ، وَالْأَفْضَلُ سُجُودُهُ عَنِ الْقِيَامِ، فَإِنْ سَجَدَ عَنْ جُلُوسٍ فَحَسَنٌ. قَالَهُ أَحْمَدُ. مَسْأَلَةٌ: يَقُولُ فِيهِ وَفِي سُجُودِ الشُّكْرِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، وُجُوبًا، وَإِنْ زَادَ مَا وَرَدَ فَحَسَنٌ، وَذَكَرَ فِي " الرِّعَايَةِ ": أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ التَّسْبِيحِ، وَبَيْنَ مَا وَرَدَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فِيهِ مَا يَلِيقُ بِالْآيَةِ. [سُجُودُ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ] (فَإِنْ سَجَدَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ) قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ رَفْعٍ، وَخَفْضٍ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرِ» . وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَرْفَعُهُمَا) وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ لَا يَفْعَلُ فِي السُّجُودِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَخَصُّ مِنْهُ، وَأَطْلَقَ فِي " الْفُرُوعِ " الْخِلَافَ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَرْفَعُهُمَا إِنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فِي الْأَصَحِّ. أَصْلٌ: يُكْرَهُ اخْتِصَارُ السُّجُودِ؛ وَهُوَ جَمْعُ آيَاتِهِ وَقِرَاءَتُهَا فِي وَقْتٍ لِيَسْجُدَ فِيهَا، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَحْذِفَ فِي قِرَاءَتِهِ آيَاتِ السُّجُودِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَكِلَاهُمَا مُحْدَثٌ، وَفِيهِ إِخْلَالٌ بِالتَّرْتِيبِ. (وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ السُّجُودُ فِي صَلَاةٍ لَا يُجْهَرُ فِيهَا) وَلَا قِرَاءَةَ السَّجْدَةِ فِيهَا، بَلْ
[سجود الشكر]
وَتَرْكِهِ. وَيُسْتَحَبُّ سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ وَانْدِفَاعِ النِّقَمِ، وَلَا يُسْجَدُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQيُكْرَهَانِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْفُرُوعِ " لِأَنَّ فِيهِ إِبْهَامًا عَلَى الْمَأْمُومِينَ وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ فِي الظُّهْرِ ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ، فَرَأَى أَصْحَابُهُ أَنَّهُ قَرَأَ (تَنْزِيلَ، السَّجْدَةَ) » . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " اتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى؛ (فَإِنْ فَعَلَ، فَالْمَأْمُومُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ اتِّبَاعِهِ وَتَرْكِهِ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْنُونٍ لِلْإِمَامِ، وَلَمْ يُوجَدِ الِاسْتِمَاعُ الْمُقْتَضِي لِلسُّجُودِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ مُتَابَعَتُهُ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ؛ لِقَوْلِهِ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» وَمَا ذَكَرُوهُ يُنْتَقَضُ بِالْأَطْرَشِ وَالْبَعِيدِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مُتَابَعَتُهُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَأَنَّهُ لَا تُكْرَهُ قِرَاءَتُهَا فِيهَا، وَكَذَا يُخَرَّجُ فِي وُجُوبِ مُتَابَعَتِهِ فِي سُجُودِ سَهْوٍ مَسْنُونٍ، وَتَشَهُّدٍ أَوَّلٍ إِنْ قُلْنَا: هُوَ سُنَّةٌ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. [سُجُودُ الشُّكْرِ] (وَيُسْتَحَبُّ سُجُودُ الشُّكْرِ) خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ فِي كَرَاهَتِهِ، وَفِي ابْنِ تَمِيمٍ لِأَمِيرِ النَّاسِ؛ وَهُوَ غَرِيبٌ (عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ وَانْدِفَاعِ النِّقَمِ) كَذَا قَالَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا؛ لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ أَوْ يُسَرُّ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، «وَسَجَدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَقُولُ اللَّهُ: (مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ» رَوَاهُ
[فصل في أوقات النهي]
فَصْلٌ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَهِيَ خَمْسَةٌ: بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَعِنْدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَحْمَدُ. «وَسَجَدَ حِينَ شُفِّعَ فِي أُمَّتِهِ فَأُجِيبَ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَسَجَدَ الصِّدِّيقُ حِينَ جَاءَهُ قَتْلُ مُسَيْلِمَةَ، رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَسَجَدَ عَلِيٌّ حِينَ رَأَى ذَا الثُّدَيَّةِ فِي الْخَوَارِجِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَسَجَدَ كَعْبٌ حِينَ بُشِّرَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَقِصَّتُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ النِّعَمِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ، وَقَيَّدَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ بِالظَّاهِرَةِ؛ لِأَنَّ الْعُقَلَاءَ يُهَنَّئُونَ بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْعَارِضِ، وَلَا يَفْعَلُونَهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِأَمْرٍ يَخُصُّهُ؛ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَيُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ (وَلَا يُسْجَدُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ) لِأَنَّ سَبَبَهُ لَيْسَ مِنْهَا، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: فِيهِ رِوَايَتَانِ: مَنْ حَمِدَ لِنِعْمَةٍ أَوِ اسْتَرْجَعَ لِمُصِيبَةٍ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِيهَا كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ. وَفَرَّقَ الْقَاضِي بِأَنَّ سَبَبَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ عَارِضٌ فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا رَأَى مُبْتَلًى فِي دِينِهِ سَجَدَ بِحُضُورِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَدَنِهِ كَتَمَهُ عَنْهُ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِحَضْرَةِ الْمُبْتَلَى، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. [فَصْلٌ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ] [الْأَوْقَاتُ الْمَنْهِيُّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا خَمْسَةٌ] فَصْلٌ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ (وَهِيَ خَمْسَةٌ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَظَاهِرُ (الْخِرَقِيِّ) أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ: بَعْدَ
طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ قَيْدَ رُمْحٍ، وَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَإِذَا تَضَيَّفَتْ لِلْغُرُوبِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ؛ وَهُوَ يَشْمَلُ وَقْتَيْنِ، وَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى أَحَادِيثِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ (بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ، إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا: (بَعْدَ الْفَجْرِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ) وَيَتَعَلَّقُ النَّهْيُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَفِي لَفْظٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ» . وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ نَحْوُهُ مُرْسَلًا، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَعَنْهُ: مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ رِزْقُ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ، وَذَكَرَ فِي (التَّحْقِيقِ) أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، وَفِي الْعَصْرِ: يَفْعَلُهَا إِلَّا بِالْوَقْتِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ جَمْعًا، وَتُفْعَلُ سُنَّةُ الظُّهْرِ بَعْدَهَا، وَلَوْ فِي جَمْعِ تَأْخِيرٍ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْفَرَاغِ مِنْهَا لَا بِالشُّرُوعِ، قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ (وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ قَيْدَ رُمْحٍ) هُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ: قَدْرَ رُمْحٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الرُّمْحُ الْمَعْرُوفُ،
[ما يجوز من الصلاة في أوقات النهي]
حَتَّى تَغْرُبَ وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْفَرَائِضِ فِيهَا، وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": حَتَّى تَبْيَضَّ (وَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُولَ) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا نَهْيَ فِيهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ يَحْضُرِ الْجَامِعَ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْإِبَاحَةِ إِلَى أَنْ يَعْلَمَ (وَإِذَا تَضَيَّفَتْ لِلْغُرُوبِ) أَيْ: مَالَتْ لَهُ، وَعَنْهُ: إِذَا اصْفَرَّتْ (حَتَّى تَغْرُبَ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ مَعْنَاهُ بِأَطْوَلَ مِنْهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَفِيهِ: (فَإِنَّهَا تَطْلُعُ، وَتَغِيبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ) وَالْمُرَادُ بِهِ حِزْبُهُ، وَأَتْبَاعُهُ، وَقِيلَ: قُوَّتُهُ وَغَلَبَتُهُ، وَقِيلَ: هُمَا جَانِبَا الرَّأْسِ؛ وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُدْنِي رَأْسَهُ إِلَى الشَّمْسِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ؛ لِيَكُونَ السَّاجِدُونَ لَهَا مِنَ الْكُفَّارِ، كَالسَّاجِدِينَ لَهُ فِي الصُّورَةِ، فَيَكُونَ لَهُ وَلِشِيعَتِهِ تَسَلُّطٌ ظَاهِرٌ مِنْ أَنْ يُلَبِّسُوا عَلَى الْمُصَلِّينَ صَلَاتَهُمْ؛ كَمَا مُنِعَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي هِيَ مَأْوَى الشَّيْطَانِ، وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبسَةَ: «ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ» فَهُوَ مُعَلِّلٌ حِينَئِذٍ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَكَّةَ، وَغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ، وَعَنْهُ: لَا نَهْيَ بِمَكَّةَ، وَيَتَوَجَّهُ إِنْ قُلْنَا: الْحَرَمُ كَمَكَّةَ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي إنَّ هُنَا مِثْلُهُ، وَكَلَامُهُ فِي (الْخِلَافِ) أَنَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ اتِّفَاقًا، وَعَنْهُ: وَلَا نَهْيَ بَعْدَ عَصْرٍ، وَعَنْهُ: مَا لَمْ تَصْفَرَّ، وَلَا بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. [مَا يَجُوزُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ] (وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْفَرَائِضِ فِيهَا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ، أَوْ نَسِيَهَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ» وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ، لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّطَوُّعِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَكَذَا الْخِلَافُ عِنْدَنَا فِي النَّذْرِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا أَوْ مُعَيَّنًا، فَلَوْ نَذَرَهَا وَقْتَ نَهْيٍ، انْعَقَدَتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَمَعَ التَّحْرِيمِ لَا تَنْعَقِدْ، وَقِيلَ: لَا تَنْعَقِدُ وَقْتَ نَهْيٍ مُطْلَقًا. (وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ) بَعْدَ الْفَجْرِ، وَالْعَصْرِ إِجْمَاعًا لِطُولِهِمَا، فَإِنَّ الِانْتِظَارَ فِيهِمَا يَضُرُّ بِالْمَيِّتِ، زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَحَكَاهُ فِي " الرِّعَايَةِ " قَوْلًا: الْفَرْضُ مِنْهَا، وَعَنْهُ: لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَى قَبْرٍ وَغَائِبٍ وَقْتَ نَهْيٍ، وَقِيلَ: نَفْلًا، وَصَحَّحَ فِي الْمَذْهَبِ: يَجُوزُ عَلَى قَبْرٍ فِي الْوَقْتَيْنِ الطَّوِيلَيْنِ، لِطُولِ زَمَانِهِمَا، وَحُكِيَ مُطْلَقًا، وَفِي (" الْفُصُولِ ") : لَا يَجُوزُ بَعْدَ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي جَوَازِهِ عَلَى الْجِنَازَةِ خَوْفُ الِانْفِجَارِ، وَقَدْ أُمِنَ فِي الْقَبْرِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَصَلَّى قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بَعْدَ الْعَصْرِ بِفَتْوَى بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَلَعَلَّهُ قَاسَ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَحُكِيَ لِي عَنْهُ: أَنَّهُ عَلَّلَ بِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ، وَهَذَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ. فَرْعٌ: تُقَدَّمُ الْجِنَازَةُ عَلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، وَتُؤَخَّرُ عَنِ الْبَاقِي، وَذَكَرَ فِي " الْمُذْهَبِ " أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْجِنَازَةِ مَعَ سِعَةِ الْوَقْتِ، وَمَعَ ضِيقِهِ بِالْفَرْضِ قَوْلًا وَاحِدًا. (وَ) تَجُوزُ (رَكَعَتَا الطَّوَافِ) فِيهِمَا؛ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، لِمَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَصَلَّى فِيهِ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَلِأَنَّهُمَا تَابِعَتَانِ لِلطَّوَافِ،
وَإِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ إِذَا أُقِيمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ. وَهَلْ تَجُوزُ فِي الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ بِغَيْرِهَا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَيَجُوزُ فَرْضُهُ وَنَفْلُهُ وَقْتَ النَّهْيِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَنَا لَا تَخْصِيصَ فِيهِ. (وَ) يَجُوزُ (إِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ إِذَا أُقِيمَتْ؛ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ) لِمَا رَوَى يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؛ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: (لَا تَفْعَلَا إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ؛ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ) » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَهَذَا نَصٌّ فِي الْفَجْرِ، وَالْعَصْرُ مِثْلُهُ؛ وَلِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَعُدْ، لَحِقَهُ تُهْمَةٌ فِي حَقِّهِ، وَتُهْمَةٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ، فَصَرِيحُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَعَبَّرَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُصَلِّي جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ لِعُمُومِ النَّهْيِ؛ وَجَوَابُهُ وَاضِحٌ، وَشَرَطَ الْقَاضِي لِجَوَازِهِ أَنْ تَكُونَ إِعَادَتُهَا مَعَ إِمَامِ الْحَيِّ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " التَّلْخِيصِ " وَفِي " الْوَجِيزِ " كَـ " الْمُقْنِعِ ". إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: إِلَّا الْمَغْرِبَ بِمَسْجِدٍ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ هُوَ فِيهِ. قَالَ جَمَاعَةٌ: أَوْ دَخَلَ، وَهُمْ يُصَلُّونَ بَعْدَهُمَا. لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: لَا يُسْتَحَبُّ الدُّخُولُ. (وَهَلْ تَجُوزُ فِي الثَّلَاثَةِ البَاقِيَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) : إِحْدَاهُمَا: لَا تَجُوزُ عَلَى الْجِنَازَةِ فِيهَا، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الرِّعَايَةِ " وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، لِحَدِيثِ عُقْبَةَ، وَذِكْرُهُ الصَّلَاةَ مَعَ الدَّفْنِ ظَاهِرٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَكَالنَّوَافِلِ، وَلِأَنَّهَا أَوْقَاتٌ خَفِيفَةٌ لَا يُخَافُ عَلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَيِّتِ فِيهَا، وَالثَّانِيَةُ تَجُوزُ لِلْعُمُومِ، وَلِأَنَّهَا أُبِيحَتْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَتُبَاحُ فِي الْبَاقِي كَالْفَرَائِضِ، وَحَكَاهُمَا فِي " الْمُذْهَبِ " فِي الْكَرَاهَةِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يُصَلَّى عَلَيْهَا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ إِلَّا حَالَ الْغُرُوبِ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَالزَّوَالِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ خِيفَ، صُلِّيَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَفِي الطَّوَافِ: يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا. قَالَهُ فِي " الْمُذْهَبِ " وَ " التَّلْخِيصِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ؛ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ، وَيَجُوزُ فِيهَا إِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ؛ لِتَأْكِيدِ ذَلِكَ، لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ، وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ، لِحَدِيثِ عُقْبَةَ. (وَلَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ بِغَيْرِهَا) أَيْ: يَحْرُمُ ابْتِدَاءُ التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ (فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ، وَيَنْهَى عَنْهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، «قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْهُمَا - عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ - ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا، وَقَالَ: يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لَا نَفْعَلُهُ، وَلَا نَعِيبُ عَلَى مَنْ يَفْعَلُهُ، وَعَنْهُ: الرُّخْصَةُ بَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رَخَّصَتْ فِيهِ طَائِفَةٌ بَعْدَ الْعَصْرِ مُطْلَقًا؛ مِنْهُمْ عَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَابْنُهُ، وَتَمِيمٌ الدَّارِيُّ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَأَيُّوبُ، وَعَائِشَةُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَوْ خَالَفَ وَأَحْرَمَ بِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَذَكَرَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَغَيْرُهُ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَفِي جَاهِلٍ: رِوَايَتَانِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ أَنَّ إِتْمَامَ النَّفْلِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا يَقْطَعُهُ
إِلَّا مَا لَهُ سَبَبٌ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَقَضَاءِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ، فَإِنَّهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQبَلْ يُخَفِّفُهُ (إِلَّا مَا لَهُ سَبَبٌ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَقَضَاءِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ؛ فَإِنَّهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ) : إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ الْكُلُّ فِيهَا، اخْتَارَهَا صَاحِبُ (" الْفُصُولِ ") (وَالْمُذْهَبِ) (وَالْمُسْتَوْعِبِ) وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَلْحَقَ بِهِ الِاسْتِخَارَةَ فِيمَا يَنُوبُ، وَعَقِبَ الْوُضُوءِ؛ لِقَوْلِهِ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» وَقَوْلِهِ: «مَنْ نَامَ عَنْ وَتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ» وَقَوْلِهِ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ؛ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا» هَذَا، وَإِنْ كَانَ عَامًّا مِنْ وَجْهٍ؛ فَهُوَ خَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَيَتَرَجَّحُ عَلَى أَحَادِيثِ النَّهْيِ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ حَالَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا جَوَابٌ صَحِيحٌ، وَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّ الْمَنْعَ هُنَا اخْتَصَّ الصَّلَاةَ، فَهُوَ آكَدُ، وَهَذَا عَلَى العَكْسِ أَظْهَرُ. قَالَ: مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ الْمَنْعُ، تَرَكْنَاهُ لِخَبَرِ سُلَيْكٍ، وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ مُسْتَحَبٌّ مَأْمُورٌ بِهِ، وَالثَّانِيَةُ الْمَنْعُ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَهُ الشَّرِيفُ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي، وَصَاحِبُ (الْوَسِيلَةِ) وَهُوَ أَشْهَرُ لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَإِنَّمَا تَرَجَّحَ عُمُومُهَا عَلَى أَحَادِيثِ التَّحِيَّةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّهَا حَاظِرَةٌ، وَتِلْكَ مُبِيحَةٌ، أَوْ نَادِبَةٌ، وَالصَّلَاةُ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ خَصَائِصِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَعَلَى هَذَا لَا يَسْجُدُ لِتِلَاوَةٍ فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ، وَعَنْهُ: يَقْضِي وِرْدَهُ وَوَتْرَهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَعَنْهُ: يَقْضِي وَتْرَهُ، وَالسُّنَنَ مُطْلَقًا إِنْ خَافَ إِهْمَالَهَا أَوْ نِسْيَانَهَا، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ: يَقْضِي سُنَّةَ الْفَجْرِ بَعْدَهَا، وَيَقْضِي غَيْرَهَا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ
[باب صلاة الجماعة]
بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى الرِّجَالِ، لَا شَرْطَ. وَلَهُ فِعْلُهَا فِي بَيْتِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهَا لَا تُفْعَلُ وَقْتَ نَهْيٍ بِلَا خِلَافٍ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ رِوَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَ السَّامِرِيُّ الْجَوَازَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ] [حُكْمُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ] بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ شُرِعَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِبَرَكَةِ نَبِيِّهَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِاجْتِمَاعُ لِلْعِبَادَةِ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ، فَمِنْهَا مَا هُوَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ لِلْمَكْتُوبَاتِ؛ وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي الْأُسْبُوعِ؛ وَهُوَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ؛ وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي السَّنَةِ مُتَكَرِّرًا؛ وَهُوَ صَلَاتَا الْعِيدَيْنِ لِجَمَاعَةِ كُلِّ بَلَدٍ؛ وَمِنْهَا مَا هُوَ عَامٌّ فِي السَّنَةِ؛ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لِأَجْلِ التَّوَاصُلِ وَالتَّوَادُدِ وَعَدَمِ التَّقَاطُعِ. (وَهِيَ وَاجِبَةٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى الرِّجَالِ لَا شَرْطَ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَقَالَهُ عَطَاءٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء: 102] فَأَمْرُ الْجَمَاعَةِ فِي حَالِ الْخَوْفِ؛ فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى، يُؤَكِّدُهُ قَوْله تَعَالَى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامُ، ثُمَّ آمُرُ رَجُلًا فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقُ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: شَرْطٌ. ذَكَرَهَا فِي " الْوَاضِحِ " وَالْإِقْنَاعِ)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَصَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ قِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي حَيَّةَ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَصَحَّحَ عَبْدُ الْحَقِّ: أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. لَكِنْ قَالَ الشَّرِيفُ: لَا يَصِحُّ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي كَوْنِهَا شَرْطًا، وَعَنْهُ: سُنَّةٌ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهُ نَشَأَ مِنْ ضَرْبِ خَمْسَةٍ فِي مِثْلِهَا، وَيُزَادُ عَلَى ذَلِكَ الْوَحْدَةُ وَالِاجْتِمَاعُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَمُقَاتَلَةُ تَارِكِهَا كَالْأَذَانِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَنْعَقِدُ بِاثْنَيْنِ فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ، وَلَوْ أُنْثَى وَعَبْدٍ، لَا بِصَبِيٍّ فِي فَرْضٍ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِمْ أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا، وَلَوْ سَفَرًا فِي شِدَّةِ خَوْفٍ، فَلَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا مُطْلَقًا صَحَّتْ، وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ مَعَ الْعُذْرِ، وَبِدُونِهِ فِي صَلَاتِهِ فَضْلٌ، خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ، وَغَيْرِهِ فِي الْأُولَى، وَلِنَقْلِهِ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي الثَّانِيَةِ، وَكَذَا قِيلَ لِلْقَاضِي: عِنْدَكُمْ لَا فَضْلَ فِي صَلَاةِ الْفَذِّ؛ فَقَالَ: قَدْ تَحْصُلُ الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وَلَا خَيْرَ فِي أَحَدِهِمَا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ النِّيَّةِ بَيْنَهُمَا بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ ثُبُوتُ الْأَجْرِ فِيهِمَا، وَإِلَّا فَلَا نِسْبَةَ وَلَا تَقْدِيرَ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَأَبِي الْخَطَّابِ فِيمَنْ عَادَتُهُ الِانْفِرَادُ مَعَ الْعُذْرِ، وَإِلَّا تَمَّ أَجْرُهُ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ مَنْ صَلَّى قَاعِدًا لِعُذْرٍ، لَهُ أَجْرُ الْقَائِمِ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ تَسَاوِيهِمَا فِي أَصْلِ الْأَجْرِ؛
[صلاة الجماعة في البيت]
فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَيُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ الثَّغْرِ الِاجْتِمَاعُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، وَالْأَفْضَلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهُوَ الْجَزَاءُ أَوِ الْفَضْلُ بِالْمُضَاعَفَةِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ بَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ، وَعَنْهُ: لَا، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَمَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ إِلَى وُجُوبِهَا إِذَا اجْتَمَعَتْ، وَلَا الصِّبْيَانِ إِلَّا عَلَى رِوَايَةِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ، قَالَهُ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَفِي وُجُوبِهَا لِفَائِتَةٍ وَالْمَنْذُورَةِ وَجْهَانِ. فَرْعٌ: لِلنِّسَاءِ حُضُورُ جَمَاعَةِ الرِّجَالِ، وَعَنْهُ: الْفَرْضُ، وَكَرِهَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ لِلشَّابَّةِ؛ وَهُوَ أَشْهَرُ، وَالْمُرَادُ الْمُسْتَحْسَنَةُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ فِي الْجُمُعَةِ، وَغَيْرُهَا مِثْلُهَا؛ فَمَجَالِسُ الْوَعْظِ كَذَلِكَ أَوْلَى. [صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْبَيْتِ] (وَلَهُ فِعْلُهَا فِي بَيْتِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) كَذَا قَالَهُ جَمْعٌ، وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا، وَطَهُورًا؛ فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ هُوَ السُّنَّةُ، وَالثَّانِيَةُ: يَجِبُ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ، زَادَ فِي " الشَّرْحِ " وَ " الرِّعَايَةِ " قَرِيبٍ مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ» وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ، وَزَادَ: (جَارُ الْمَسْجِدِ مَنْ أَسْمَعَهُ الْمُنَادِي) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " إِنَّ فِعْلَهَا فِي الْمَسْجِدِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَعَنْهُ: فَرْضُ عَيْنٍ لِإِرَادَةِ التَّحْرِيقِ. [صَلَاةُ أَهْلِ الثَّغْرِ الْجَمَاعَةَ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ] (وَيُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ الثَّغْرِ) هُوَ مَوْضِعُ الْمَخَافَةِ مِنْ فُرُوجِ الْبُلْدَانِ (الِاجْتِمَاعُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّهُ أَعْلَى لِلْكَلِمَةِ، وَأَوْقَعُ لِلْهَيْبَةِ، فَإِذَا جَاءَهُمْ خَبَرٌ عَنْ عَدُوِّهِمْ سَمِعَهُ جَمِيعُهُمْ، وَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِمْ، وَإِنْ جَاءَ عَيْنٌ لِلْكُفَّارِ رَأَى كَثْرَتَهُمْ بِهَا. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ إِلَيَّ، لَسَمَّرْتُ أَبْوَابَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي لِلثُّغُورِ؛ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ.
لِغَيْرِهِمُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ إِلَّا بِحُضُورِهِ. ثُمَّ مَا كَانَ أَكْثَرَ جَمَاعَةً، ثُمَّ فِي الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ، وَهَلِ الْأَوْلَى قَصْدُ الْأَبْعَدِ أَوِ الْأَقْرَبِ، عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَالْأَفْضَلُ لِغَيْرِهِمُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ إِلَّا بِحُضُورِهِ) لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ ثَوَابُ عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ، وَتَحْصِيلٌ لِلْجَمَاعَةِ لِمَنْ يُصَلِّي فِيهِ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، زَادَ فِي " الشَّرْحِ " وَابْنُ تَمِيمٍ: وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ تُقَامُ فِيهِ مَعَ غَيْبَتِهِ، إِلَّا أَنَّ قَصَدَ غَيْره كَسْرَ قَلْبِ جَمَاعَةٍ، فَجَبْرُ قُلُوبِهِمْ أَوْلَى. (ثُمَّ مَا كَانَ أَكْثَرَ جَمَاعَةً) ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ الْأَوْلَى، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ لِمَا رَوَى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ رَجُلٍ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا هُوَ أَكْثَرُ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، (ثُمَّ) إِنِ اسْتَوَيَا فَيَكُونُ الْأَفْضَلُ فِعْلَهَا (فِي الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ) لِأَنَّ الطَّاعَةَ فِيهِ أَسْبَقُ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَكْثَرِ جَمَاعَةً، وَقِيلَ: إِنِ اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ. قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَفِي " الْوَجِيزِ ": الْعَتِيقُ أَفْضَلُ، ثُمَّ الْأَبْعَدُ، ثُمَّ مَا تَمَّتْ جَمَاعَتُهُ. (وَهَلِ الْأَوْلَى قَصْدُ الْأَبْعَدِ أَوِ الْأَقْرَبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: قَصْدُ الْأَبْعَدِ أَفْضَلُ. جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى مَرْفُوعًا: «إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ أَجْرًا أَبْعَدُهُمْ مَمْشًى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِكَثْرَةِ حَسَنَاتِهِ بِكَثْرَةِ خُطَاهُ، وَالثَّانِيَةُ: قَصْدُ الْأَقْرَبِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ لَهُ جِوَارًا فَكَانَ أَحَقَّ بِصَلَاتِهِ؛ كَمَا أَنَّ الْجَارَ أَحَقُّ بِمَعْرُوفِ جَارِهِ، وَكَمَا لَوْ تَعَلَّقَتِ الْجَمَاعَةُ بِحُضُورِهِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمَانِ عَلَى الْأَكْثَرِ جَمْعًا.
[لا يؤم الإمام الراتب في مسجده إلا بإذنه]
رِوَايَتَيْنِ وَلَا يُؤَمُّ فِي مَسْجِدٍ قَبْلَ إِمَامِهِ الرَّاتِبِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. إِلَّا أَنْ يَتَأَخَّرَ لِعُذْرٍ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عُذْرُهُ انْتُظِرَ وَرُوسِلَ مَا لَمْ يُخْشَ خُرُوجُ الْوَقْتِ. فَإِنْ صَلَّى ثُمَّ أُقِيمَتِ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَسْأَلَةٌ: تُقَدَّمُ الْجَمَاعَةُ مُطْلَقًا عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ، ذَكَرُوهُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ، وَهَلْ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ أَمِ انْتِظَارُ كَثْرَةِ الْجَمْعِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ. [لَا يُؤَمُّ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ فِي مَسْجِدِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ] (وَلَا يُؤَمُّ فِي مَسْجِدٍ قَبْلَ إِمَامِهِ الرَّاتِبِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَصَرَّحَ فِي " الْكَافِي "، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " بِأَنَّهَا تَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْبَيْتِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» ؛ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وَتَبْطُلُ فَائِدَةُ اخْتِصَاصِهِ بِالتَّقَدُّمِ، وَمَعَ الْإِذْنِ هُوَ نَائِبٌ عَنْهُ، وَحَيْثُ قُلْنَا بِأَنَّهُ يَحْرُمُ؛ فَظَاهِرُهُ: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا كَانَ سُلْطَانًا؛ فَإِنَّهُ أَحَقُّ مِنْ إِمَامِ الْمَسْجِدِ (إِلَّا أَنْ يَتَأَخَّرَ لِعُذْرٍ) «لِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ بِالنَّاسِ حِينَ غَابَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، «وَفَعَلَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مَرَّةً فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَحْسَنْتُمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي " الْكَافِي ": يَجُوزُ مَعَ غَيْبَةِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ، وَالْأَشْهَرُ لَا، إِلَّا مَعَ تَأَخُّرِهِ وَضِيقِ الْوَقْتِ. (فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عُذْرُهُ انْتُظِرَ وَرُوسِلَ) لِأَنَّ الِائْتِمَامَ بِهِ سُنَّةٌ وَفَضِيلَةٌ؛ فَلَا يُتْرَكُ مَعَ الْإِمْكَانِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الِافْتِيَاتِ بِنَصْبِ غَيْرِهِ، وَقَيَّدَهُ فِي " الْفُرُوعِ " تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِمَا إِذَا كَانَ قَرِيبًا، وَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ مَشَقَّةٌ، وَتَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ (مَا لَمْ يُخْشَ خُرُوجُ الْوَقْتِ) فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ غَيْرُهُ؛ لِئَلَّا يَفُوتَ الْوَقْتُ، وَتَصِيرَ الصَّلَاةُ قَضَاءً، وَكَذَا إِنْ كَانَ بَعِيدًا، أَوْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ حُضُورُهُ، أَوْ غَلَبَ وَلَا يَكْرَهُ ذَلِكَ صَلَّوْا. قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْجَدُّ فِي فُرُوعِهِ. [صَلَّى مُنْفَرِدًا ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ أَعَادَهَا] (فَإِنْ صَلَّى) فَرِيضَةً، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فِي جَمَاعَةٍ (ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) فِي جَمَاعَةٍ (وَهُوَ
الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ اسْتُحِبَّ لَهُ إِعَادَتُهَا، إِلَّا الْمَغْرِبَ. وَعَنْهُ: يُعِيدُهَا وَيَشْفَعُهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي الْمَسْجِدِ) أَوْ جَاءَهُ غَيْرُ وَقْتِ نَهْيٍ، وَلَمْ يَقْصِدِ الْإِعَادَةَ، أَوْ دَخَلَ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ يُصَلُّونَ. قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " (اسْتُحِبَّ لَهُ إِعَادَتُهَا) ذَكَرَهُ جَمْعٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رَغْبَتُهُ عَنْهُ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ فِي إِعَادَتِهَا مَعَ إِمَامِ الْحَيِّ أَوْ غَيْرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ مَعَ إِمَامِ الْحَيِّ، وَقَدْ سَبَقَ. وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ، وَعَنْهُ: بَلَى مَعَ إِمَامِ الْحَيِّ بِشَرْطِهِ (إِلَّا الْمَغْرِبَ) قَدَّمَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يَكُونُ بِرَكْعَةٍ، وَلَوْ كَانَ صَلَّى وَحْدَهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، (وَعَنْهُ يُعِيدُهَا) صَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ حِمْدَانَ لِلْعُمُومِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ أَعَادَ الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَكَانَ قَدْ صَلَّاهُنَّ فِي جَمَاعَةٍ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. (وَيَشْفَعُهُمَا بِرَابِعَةٍ) فِي الْمَنْصُوصِ: يَقْرَأُ فِيهَا بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ كَالتَّطَوُّعِ، نَقَلَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يَشْفَعُهَا؛ وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى صِحَّةِ التَّطَوُّعِ بِفَرْدٍ، وَإِنْ لَمْ يَشْفَعْهَا صَحَّتْ، وَالْأَوْلَى فَرْضُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فَرِيضَةً، فَأَسْقَطَتِ الْفَرْضَ، وَكَإِعَادَتِهَا مُنْفَرِدًا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَلِهَذَا يَنْوِي الْمُعَادَةَ نَفْلًا. وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ: هَلْ يَنْوِي فَرْضًا أَوْ نَفْلًا أَوْ إِكْمَالَ الْفَضِيلَةِ، أَوْ يُفَوِّضُ الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: يَنْوِي الْفَرْضَ، وَلَوْ كَانَتِ الْأُولَى فَرْضَهُ.
[لا تكره إعادة الجماعة في غير المساجد الثلاثة]
بِرَابِعَةٍ وَلَا تُكْرَهُ إِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَإِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَنْوِي ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا، وَلَا يَتَعَرَّضُ لِلْفَرْضِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ: كِلَاهُمَا فَرْضٌ كَفَرْضِ الْكِفَايَةِ إِذَا فَعَلَهُ طَائِفَةٌ ثُمَّ فَعَلَهُ طَائِفَةٌ أُخْرَى. فَرْعٌ: الْمَسْبُوقُ فِي ذَلِكَ يُتِمُّهُ بِرَكْعَتَيْنِ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» ، وَقِيلَ: يُسَلِّمُ مَعَهُ. [لَا تُكْرَهُ إِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ] (وَلَا تُكْرَهُ إِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ) أَيْ: إِذَا صَلَّى إِمَامُ الْحَيِّ ثُمَّ حَضَرَ جَمَاعَةٌ أُخْرَى، اسْتُحِبَّ لَهُمْ أَنَّ يُصَلُّوا جَمَاعَةً، هَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً وَاحِدَةً لِعُمُومِ قَوْلِهِ: «تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» ، وَقَوْلِهِ: «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَلْيُصَلِّ مَعَهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَصَلَّى مَعَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُكْرَهُ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى اخْتِلَافِ الْقُلُوبِ، وَلِأَنَّهُ مَسْجِدٌ لَهُ إِمَامٌ رَاتِبٌ، فَكُرِهَ فِيهِ إِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ؛ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَقِيلَ: فِي غَيْرِ مَسَاجِدِ الْأَسْوَاقِ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقِيلَ: الْمَسَاجِدُ الْعِظَامُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ، فَاسْتُحِبَّ لَهُ كَالْمَسْجِدِ الَّذِي فِي مَمَرِّ النَّاسِ، وَحِينَئِذٍ يُؤَذِّنُ لَهَا وَيُقِيمُ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَيُكْرَهُ قَصْدُهَا لِلْإِعَادَةِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَوْ كَانَ صَلَّى فَرْضَهُ وَحْدَهُ، وَلِأَجْلِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِفَوْتِهَا لَهُ، لَا لِقَصْدِ الْجَمَاعَةِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَفَضِيلَةُ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِشُهُودِ تَحْرِيمِ الْإِمَامِ (فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ) فَإِنَّهُ يُكْرَهُ إِعَادَتُهَا فِيهَا، رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا؛ لِئَلَّا يَتَوَانَى النَّاسُ فِي حُضُورِ الْجَمَاعَةِ مَعَ الْإِمَامِ
[إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة]
صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ، وَإِنْ أُقِيمَتْ وَهُوَ فِي نَافِلَةٍ أَتَمَّهَا إِلَّا أَنْ يَخْشَى فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ، فَيَقْطَعَهَا، وَعَنْهُ: يُتِمُّهَا وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ، وَمَنْ أَدْرَكَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالرَّاتِبِ فِيهَا، وَتَعْظِيمًا لَهَا، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ؛ وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ أَرْغَبُ فِي تَوْقِيرِ الْجَمَاعَةِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ فِي مَسَاجِدِ الْحِلِّ وَغَيْرِهَا مَعَ كَثْرَةِ الْجَمْعِ إِلَّا مَعَ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ أَوْ أَقَلَّ. قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَفِيهِ بُعْدٌ. مَسْأَلَةٌ: لَيْسَ لِلْإِمَامِ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ، وَجَعْلُ الثَّانِيَةِ عَنْ فَائِتَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَالْأُمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ؛ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. [إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ] «وَإِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَكَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ عَلَى صَلَاةٍ بَعْدَ الْإِقَامَةِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ فِعْلِ نَافِلَةٍ بَعْدَ إِقَامَةِ الْفَرِيضَةِ مَعَ أَنَّ (صَلَاةَ) نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ، لَكِنْ بَعْدَ الْفَائِتَةِ تَجُوزُ بِشَرْطِهِ (وَإِنْ أُقِيمَتْ وَهُوَ فِي نَافِلَةٍ أَتَمَّهَا) خَفِيفَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ خَارِجَ مَسْجِدٍ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: لَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ شَرَعَ فِي الثَّالِثَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ سَلَّمَ عَنْهَا جَازَ (إِلَّا أَنْ يَخْشَى فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ، فَيَقْطَعُهَا) عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَهَمُّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَرَادَ فَوَاتَ جَمِيعِهَا، وَخَصَّ صَاحِبُ النِّهَايَةِ بِفَوَاتِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى. قَالَ ابْنُ مَنْجَا: وَكُلٌّ مُتَّجِهٌ، لَكِنْ فِي حَمْلِ كَلَامِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ نَظَرٌ (وَعَنْهُ: يُتِمُّهَا) لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. [بِأَيِّ شَيْءٍ تُدْرَكُ بِهِ الْجَمَاعَةُ] (وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ) هَذَا هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ فِي
الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَأَجْزَأَتْهُ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْأَفْضَلُ اثْنَتَانِ. وَمَا أَدْرَكَ مَعَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً، وَكَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَنْوِيَ الصِّفَةَ الَّتِي عَلَيْهَا؛ وَهُوَ كَوْنُهُ مَأْمُومًا؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يُدْرِكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ، وَشَرْطُهُ جُلُوسُهُ مَعَ الْإِمَامِ فِي التَّشَهُّدِ، وَقِيلَ: أَوْ قَبْلَ سَلَامِ الثَّانِيَةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لَهَا إِلَّا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ مَعَهُ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رِوَايَةً، وَاخْتَارَهَا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَعَدُّوهَا شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ مِنَ الْأَرْكَانِ غَيْرُ الْقِيَامِ؛ وَهُوَ يَأْتِي بِهِ مَعَ التَّكْبِيرَةِ، ثُمَّ يُدْرِكُ مَعَ الْإِمَامِ بَقِيَّةَ الرَّكْعَةِ، وَشَرْطُ حُصُولِهَا إِذَا اجْتَمَعَ مَعَ الْإِمَامِ فِيهِ بِحَيْثُ يَنْتَهِي إِلَى قَدْرِ الْإِجْزَاءِ فِي الرُّكُوعِ، وَإِنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ، وَقِيلَ: إِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ الطُّمَأْنِينَةَ. حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ: وَفِي " التَّلْخِيصِ " وَجْهٌ: يُدْرِكُهَا وَلَوْ شَكَّ فِي إِدْرَاكِهِ رَاكِعًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرُّكُوعِ؛ فَإِنْ كَبَّرَ وَالْإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ، ثُمَّ لَمْ يَسْتَطِعْ حَتَّى رَفَعَ إِمَامُهُ، لَمْ يُدْرِكْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ رَفْعِهِ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَلَوْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْمَأْمُومِينَ (وَأَجْزَأَتْهُ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ) وَهِيَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، وَتَسْقُطُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ فِعْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِي مَحَلٍّ، فَأَجْزَأَ الرُّكْنُ
[ما أدرك المسبوق مع الإمام فهو آخر صلاته]
الْإِمَامِ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ أَوَّلُهَا، يَسْتَفْتِحُ وَيَتَعَوَّذُ، وَيَقْرَأُ السُّورَةَ. وَلَا تَجِبُ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَنِ الْوَاجِبِ؛ كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالْوَدَاعِ. قِيلَ لِلْقَاضِي: لَوْ كَانَتْ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ وَاجِبَةً، لَمْ تَسْقُطْ؛ فَأَجَابَ: بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ أَوْجَبَ الْقِرَاءَةَ وَأَسْقَطَهَا إِذَا أَدْرَكَهُ رَاكِعًا، وَعَنْهُ: يَجِبُ مَعَهَا تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ، صَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لِوُجُوبِهَا، وَيَتَوَجَّهُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قِيَامٍ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ؛ فَإِنْ نَوَاهُمَا بِتَكْبِيرَةٍ، لَمْ تَنْعَقِدْ. ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَرَّكَ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ فِي النِّيَّةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَطَسَ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ، فَقَالَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ عَنْهُمَا، وَعَنْهُ: بَلَى، اخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ، وَرَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الرُّكُوعِ لَا تُنَافِي نِيَّةَ الِافْتِتَاحِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَةِ، وَإِنْ نَوَى بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامَ رُكْنٌ، وَلَمْ يَأْتِ بِهَا (وَالْأَفْضَلُ اثْنَتَانِ) خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: يُكَبِّرُ مَرَّتَيْنِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: إِنْ كَبَّرَ تَكْبِيرَتَيْنِ لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ. فَرْعٌ: إِذَا أَدْرَكَهُ فِي غَيْرِ رُكُوعٍ، سُنَّ دُخُولُهُ مَعَهُ نَدْبًا، لِلْخَبَرِ، وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا، وَيَنْحَطُّ مَعَهُ عَنْ قِيَامٍ بِلَا تَكْبِيرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ، وَقَدْ فَاتَهُ مَحَلُّ التَّكْبِيرِ، وَيَقُومُ مَسْبُوقُ تَكْبِيرٍ نَصًّا، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ثَانِيَتَهُ، وَإِنْ قَامَ قَبْلَ سَلَامِ الثَّانِيَةِ، وَلَمْ يَرْجِعِ، انْقَلَبَتْ نَفْلًا فِي الْأَصَحِّ. [مَا أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ مَعَ الْإِمَامِ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ] (وَمَا أَدْرَكَ) الْمَسْبُوقُ (مَعَ الْإِمَامِ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ أَوَّلُهَا) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَصَحَّحَهُ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفَاقْضُوا» ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ كَذَلِكَ، قَالَ مُسْلِمٌ: أَخْطَأَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ: فَاقْضُوا، وَلَا أَعْلَمُ رَوَاهَا عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَقَدْ رَوَاهَا أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّحْقِيقِ، وَالْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ» ، وَالْمَقْضِيُّ: هُوَ الْفَائِتُ؛ فَيَكُونُ عَلَى صِفَتِهِ (يَسْتَفْتِحُ وَيَتَعَوَّذُ وَيَقْرَأُ السُّورَةَ) مَعَ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَدْرَكَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ مَغْرِبٍ رَكْعَةً تَشَهَّدَ عَقِبَ قَضَاءِ رَكْعَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ كَالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَعَنْهُ: فِي الْمَغْرِبِ فَقَطْ، وَعَنْهُ: يَتَشَهَّدُ عَقِبَ رَكْعَتَيْنِ، قَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، وَهَذِهِ صِفَةُ أَوَّلِهَا. قَالَ فِي " الْكَافِي "، وَ " الشَّرْحِ ": لِأَنَّهُمَا رَكْعَتَانِ يَقْرَأُ فِيهِمَا الْفَاتِحَةَ، وَالسُّورَةَ، وَهُمَا مُتَوَالِيَتَانِ، كَغَيْرِ الْمَسْبُوقِ، وَعَنْهُ: مَا يُدْرِكُهُ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ آخِرُهَا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى: فَأَتِمُّوا قَضَاءً لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَعَلَيْهَا يَتَشَهَّدُ عَقِيبَ رَكْعَةٍ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ: إِنْ تَشَهَّدَ عَقِيبَ رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ جَازَ؛ لِأَنَّ مَسْرُوقًا، وَجُنْدُبًا ذَكَرَا ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَصَوَّبَ فِعْلَ مَسْرُوقٍ، وَلَمْ يُنْكِرْ فِعْلَ جُنْدُبٍ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ، وَيَسْتَفْتِحُ، وَيَسْتَعِيذُ، وَيَقْرَأُ السُّورَةَ فِيمَا يُدْرِكُهُ فَقَطْ، وَقِيلَ: يَقْرَأُ السُّورَةَ مُطْلَقًا، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، لَكِنْ بَنَى ابْنُ هُبَيْرَةَ وَجَمَاعَةٌ
[عدم وجوب قراءة الفاتحة على المأموم]
الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ، وَمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ، أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقِرَاءَتَهَا عَلَى الْخِلَافِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَيُخَرَّجُ عَلَيْهِ الْجَهْرُ، وَالْقُنُوتُ، وَتَكْبِيرُ الْعِيدِ، وَكَذَا التَّوَرُّكُ، وَالِافْتِرَاشُ. وَقَالَ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ ": لَا يُحْتَسَبُ لَهُ تَشَهُّدُ الْإِمَامِ الْأَخِيرُ إِجْمَاعًا مِنْ أَوَّلِ صَلَاتِهِ، وَلَا مِنْ آخِرِهَا، وَيَأْتِي بِالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَيُكَرِّرُهُ حَتَّى يُسَلِّمَ إِمَامُهُ، وَيَتَوَجَّهُ فِيمَنْ قَنَتَ مَعَ إِمَامِهِ لَا يَقْنُتُ ثَانِيًا، كَمَنْ سَجَدَ مَعَهُ لِلسَّهْوِ لَا يُعِيدُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَلْزَمُهُ الْقِرَاءَةُ فِيمَا يَقْضِيهِ. قَالَ الْمَجْدُ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. [عَدَمُ وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ] (وَلَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ) أَيْ: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ (عَلَى الْمَأْمُومِ) ؛ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ؛ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَتُهُ لَهُ قِرَاءَةٌ» . قَالَ فِي الشَّرْحِ: هَذَا إِسْنَادُهُ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ، وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ لَيْثَ بْنَ أَبِي سَلَيْمٍ، وَجَابِرًا الْجُعْفِيَّ. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ مُرْسَلًا. قَالَ فِي الْأَحْكَامِ: هُوَ الصَّحِيحُ، وَصَوَّبَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ؛ وَالْمُرَادُ بِأَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَى مَأْمُومٍ: أَيْ يَحْمِلُهَا الْإِمَامُ عَنْهُ، وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ. نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقَاضِي؛ كَمَا يَحْمِلُ عَنْهُ سُجُودَ سَهْوٍ وَسُتْرَةً، وَكَذَا تَشَهُّدٌ أَوَّلُ إِذَا سَبَقَهُ بِرَكْعَةِ، وَسَجْدَةِ تِلَاوَةٍ، وَدُعَاءِ قُنُوتٍ. قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ: تَجِبُ. ذَكَرَهَا التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ. وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: لَا بُدَّ لِلْمَأْمُومِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا: «إِنِّي أَرَاكُمْ تَقْرَؤُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ، لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ مُدَلِّسٌ، وَقِيلَ: فِي صَلَاةِ السِّرِّ.
لَا يَسْمَعُهُ لِبُعْدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لِطَرَشٍ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَهَلْ يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَعِيذُ ـــــــــــــــــــــــــــــQذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] . قَالَ أَحْمَدُ: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا أَعْلَمُ فِي السُّنَّةِ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قِرَاءَتُهُ تَكْفِيكَ. وَقَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ عَلَى الْفِطْرَةِ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَدِدْتُ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ أَنْ أَمْلَأَ فَاهُ تُرَابًا. رَوَى ذَلِكَ سَعِيدٌ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ) الْفَاتِحَةَ (فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ) وَلَوْ لِتَنَفُّسٍ؛ نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ، وَلَا يَضُرُّ تَفْرِيقُهَا، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ لِلْإِمَامِ سَكَتَاتٍ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَفَرَاغِ الْفَاتِحَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ قَدْرَهَا، وَفَرَاغَ الْقِرَاءَةِ. وَقَالَ الْمَجْدُ: هُمَا سَكْتَتَانِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ؛ إِحْدَاهُمَا: تَخْتَصُّ بِأَوَّلِ رَكْعَةٍ لِلِاسْتِفْتَاحِ، وَالثَّانِيَةُ: عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ كُلِّهَا؛ لِيَرُدَّ إِلَيْهِ نَفَسَهُ. (وَمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ) لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مَشْرُوعَةٌ فِيهَا؛ وَإِنَّمَا تُرِكَ لِأَجْلِ التَّشْوِيشِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ هُنَا، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، وَسُورَةً. وَفِي " الشَّرْحِ ": يَقْرَأُ فِي الْجَهْرِ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ بِالْفَاتِحَةِ، وَفِي السِّرِّ يَقْرَأُ بِهَا، وَسُورَةٍ كَالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَلِ الْأَفْضَلُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهَا أَمْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَمَعَهُمَا. وَمُقْتَضَى نَصِّ أَحْمَدَ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ الثَّانِي، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَلَوْ قَرَأَ حَالَ جَهْرِ إِمَامِهِ كُرِهَ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ بِالْفَاتِحَةِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَرُوِيَ عَنْ تِسْعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (أَوْ لَا يَسْمَعُهُ لِبُعْدِهِ) أَيْ: يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ. نَصَّ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ سَمِعَ قِرَاءَتَهُ؛ فَالْمَذْهَبُ يُكْرَهُ، وَقِيلَ: يُعِيدُ. أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ؛ فَإِنْ سَمِعَ هَمْهَمَةَ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَفْهَمْ قِرَاءَتَهُ، لَمْ يَقْرَأْ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ
فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَمَنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ إِمَامِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْجَمَاعَةِ، وَعَنْهُ: بَلَى. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ وَهِيَ أَظْهَرُ. (فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لِطَرَشٍ فَعَلَى وَجْهَيْنِ "، وَكَذَا فِي " الْفُرُوعِ ". وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنِ الْأُطْرُوشِ، هَلْ يَقْرَأُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. فَظَاهِرُهُ التَّوَقُّفُ، لَكِنْ إِنْ كَانَ بَعِيدًا قَرَأَ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا؛ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمَتْنِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْمَعُ، فَلَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِالْإِنْصَاتِ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَشْغَلْ غَيْرَهُ عَنِ الِاسْتِمَاعِ، وَيُخَلِّطْ عَلَى مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُ. قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، وَالثَّانِي: يُكْرَهُ. جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشْوِيشِ عَلَى الْمُصَلِّينَ. (وَهَلْ يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَعِيذُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يُسْتَحَبُّ. قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ سَمَاعَهُ لِقِرَاءَةِ إِمَامِهِ قَامَتْ مَقَامَ قِرَاءَتِهِ، بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَةَ إِمَامِهِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، وَالثَّانِيَةُ: يُكْرَهَانِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنَجَّا أَنَّهَا هِيَ الصَّحِيحَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنِ الْقِرَاءَةِ؛ وَهِيَ أَهَمُّ. وَعَنْهُ: يُكْرَهُ التَّعَوُّذُ فَقَطْ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ التَّعَوُّذَ إِنَّمَا شُرِعَ مِنْ أَجْلِ الْقِرَاءَةِ، فَإِذَا سَقَطَتْ سَقَطَ التَّبَعُ، بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ عَنِ الْإِنْصَاتِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُمَا يُسَنَّانِ فِي صَلَاةِ السِّرِّ. نَصَّ عَلَيْهِ.
[حكم الركوع والسجود قبل الإمام]
يَرْفَعَ لِيَأْتِيَ بِهِ بَعْدَهُ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا إِلَّا الْقَاضِي، ـــــــــــــــــــــــــــــQفَرْعٌ: إِذَا جَهِلَ مَا قَرَأَ بِهِ إِمَامُهُ لَمْ يَضُرَّ، وَقِيلَ: يُتِمُّهَا وَحْدَهُ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ. نَقَلَ ابْنُ أَصْرَمَ: يُعِيدُ. فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَدْرِ هَلْ قَرَأَ الْحَمْدَ أَمْ لَا، وَلَا مَانِعَ مِنَ السَّمَاعِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: بَلْ لِتَرْكِهِ الْإِنْصَاتَ الْوَاجِبَ. [حُكْمُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ قَبْلَ الْإِمَامِ] (وَمَنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ إِمَامِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ لِيَأْتِيَ بِهِ بَعْدَهُ) الْأَوْلَى أَنْ يَشْرَعَ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بَعْدَ شُرُوعِ الْإِمَامِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» . وَقَالَ الْبَرَاءُ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. فَإِنْ كَبَّرَ مَعَهُ لِلْإِحْرَامِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ سَلَّمَ مَعَهُ كُرِهَ وَصَحَّ، وَقِيلَ: لَا، كَسَلَامِهِ قَبْلَهُ بِلَا عُذْرٍ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، يُعِيدُهُ بَعْدَهُ، وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَإِنْ فَعَلَ الْبَاقِيَ مَعَهُ، كُرِهَ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الرُّكْنِ. ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ وَجَمَاعَةٌ. وَقَالَ فِي (الْمُبْهِجِ) : تَبْطُلُ، وَبَعَّدَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَقِيلَ: إِنْ سَارَقَهُ بِالرُّكُوعِ بَطَلَتْ، لَا بِغَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْبِقَهُ، جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَمَا
فَإِنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ إِمَامِهِ عَالِمًا عَمْدًا فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا لَمْ تَبْطُلْ، وَهَلْ تَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، فَإِنْ رَكَعَ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَنَقَلَ مُهَنَّا: تَبْطُلُ، وَفِي " الْكَافِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ. فَعَلَى هَذَا، مَتَى سَبَقَهُ بِالرُّكُوعِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لِيَرْكَعَ مَعَهُ؛ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لِيَأْتِيَ بِهِ بَعْدَهُ. (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَمْدًا) أَيْ: لَمْ يَعُدْ حَتَّى لَحِقَ الْإِمَامَ فِيهِ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا) حَكَاهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " قَوْلًا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا. (إِلَّا الْقَاضِيَ) فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلْ عِنْدَهُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَذَكَرَ فِي " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّهُ سَبْقٌ يَسِيرٌ، وَقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الرُّكْنِ الْمَقْصُودِ، وَعَلَى هَذَا إِنْ عَادَ بَطَلَتْ فِي وَجْهٍ، وَبَعَّدَهُ ابْنُ حِمْدَانَ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا أَنَّهَا تَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ (فَإِنْ) سَبَقَهُ بِرَكْنٍ مِثْلَ إِنْ (رَكَعَ، وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ إِمَامِهِ عَالِمًا عَمْدًا فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ وَجَمَاعَةٌ أَنَّهُمَا رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: تَبْطُلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ كَامِلٍ؛ وَهُوَ مُعْظَمُ الرَّكْعَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَبَقَهُ بِالسَّلَامِ، وَلِلنَّهْيِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَبْطُلُ. ذَكَرَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ وَاحِدٍ، أَشْبَهَ الَّتِي قَبْلَهَا، فَعَلَى هَذِهِ: لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِتَلْكَ الرَّكْعَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَهُ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الرُّكُوعَ رُكْنٌ، وَعَنْهُ: كَاثْنَيْنِ (وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا لَمْ تَبْطُلْ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» . (وَهَلْ تَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ) إِذَا فَاتَهُ ذَلِكَ مَعَ إِمَامِهِ؟ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) :
[استحباب تخفيف الصلاة للإمام مع إتمامها]
وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ، ثُمَّ سَجَدَ قَبْلَ رَفْعِهِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إِلَّا الْجَاهِلَ وَالنَّاسِيَ تَصِحُّ صَلَاتُهُمَا، وَتَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ مَعَ إِتْمَامِهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تَبْطُلُ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِمَا فَاتَهُ مَعَ إِمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي الرُّكُوعِ، أَشْبَهَ مَا لَمْ يُدْرِكْهُ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تُلْغَى، بَلْ يَعْتَدُّ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِجَهْلِهِ أَوْ نِسْيَانِهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَكَمَا لَوْ كَانَ عَامِدًا، وَقُلْنَا بِصِحَّةِ صَلَاتِهِ بِالسَّبْقِ بِرُكْنٍ غَيْرِ الرُّكُوعِ. قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَخَرَّجَ مِنْهَا الْأَصْحَابُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ مَعَ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلَ عَامِدٌ، وَالْجَهْلُ بِالْحَظْرِ لَا يُبِيحُ الْمَحْظُورَ؛ فَإِنْ سَبَقَهُ بِرَكْعَتَيْنِ بِأَنْ (رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ، ثُمَّ سَجَدَ قَبْلَ رَفْعِهِ) عَمْدًا (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي أَكْثَرِ الرَّكْعَةِ (إِلَّا الْجَاهِلَ وَالنَّاسِيَ تَصِحُّ صَلَاتُهُمَا) لِأَنَّ التَّحْرِيمَ بِالصَّلَاةِ صَحِيحٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِلُهُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي يُعْذَرَانِ فِيهِ لِلْخَبَرِ. (وَتَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِيهَا، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ إِمَامِهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حِمْدَانَ وَالْجَدُّ: وَأَمَّا السَّبْقُ بِالْأَقْوَالِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَالسَّلَامِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": إِذَا سَبَقَ إِمَامَهُ فِي جَمِيعِ الْأَقْوَالِ لَمْ يَضُرَّهُ إِلَّا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ؛ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بَعْدَهُ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَأَخَّرَ بِمَا عَدَاهَا، وَحُكْمُ التَّخَلُّفِ عَنِ الْإِمَامِ بِرُكْنٍ أَوْ أَكْثَرَ يَأْتِي فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. فَرْعٌ: إِذَا تُرِكَتْ مُتَابَعَةُ إِمَامِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ؛ فَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِرَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ لِعُذْرٍ تَابَعَهُ، وَقَضَى كَمَسْبُوقٍ. [اسْتِحْبَابُ تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ للْإِمَامِ مَعَ إِتْمَامِهَا] (وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ مَعَ إِتْمَامِهَا) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ،
وَتَطْوِيلُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَكْثَرَ مِنَ الثَّانِيَةِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ انْتِظَارُ دَاخِلٍ فِي الرُّكُوعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَّةِ» ، وَلِحَدِيثِ مُعَاذٍ؛ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَدْنَى الْكَمَالِ مِنَ التَّسْبِيحِ وَسَائِرِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ إِلَّا أَنْ يُؤْثِرَ الْمَأْمُومُ التَّطْوِيلَ، وَعَدَدُهُمْ مُنْحَصِرٌ؛ وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ، مَعَ أَنَّهُ سَبَقَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْفَجْرِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَيُكْرَهُ سُرْعَةٌ تَمْنَعُ الْمَأْمُومَ فِعْلَ مَا يُسَنُّ. قَالَهُ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» (وَتَطْوِيلُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى) مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ (أَكْثَرَ مِنَ الثَّانِيَةِ) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِمَّا يُطَوِّلُهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِيَلْحَقَهُ الْقَاصِدُ إِلَيْهَا؛ لِئَلَّا يَفُوتَهُ مِنَ الْجَمَاعَةِ شَيْءٌ؛ فَإِنْ طَوَّلَ الثَّانِيَةَ عَنْهَا، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا (كَالْغَاشِيَةِ) مَعَ (سَبِّحْ) فَلَا أَثَرَ لَهُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَنْ طَوَّلَ قِرَاءَةَ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى: يُجْزِئُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْعَلَ،
[كراهة منع المرأة من الذهاب للمسجد]
فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَإِذَا اسْتَأْذَنَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَسْجِدِ، كُرِهَ مَنْعُهَا. وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQفَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةِ خَوْفٍ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، كَانَتِ الثَّانِيَةُ أَطْوَلَ (وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ انْتِظَارُ دَاخِلٍ فِي الرُّكُوعِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) بَلْ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ انْتِظَارَهُ تَشْرِيكٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَلَمْ يُشْرَعْ كَالرِّيَاءِ، وَيَتَخَرَّجُ بُطْلَانُهَا فِي تَشْرِيكِهِ فِي نِيَّةِ خُرُوجِهِ مِنْهَا. وَالثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ. قَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ انْتِظَارٌ يَنْفَعُ وَلَا يَشُقُّ، فَشُرِعَ كَتَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ، وَكَالِانْتِظَارِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى مُتَابِعِيهِ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ. زَادَ الشَّيْخَانِ: أَوْ يَكْثُرُ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ، زَادَ جَمَاعَةٌ: أَوْ طَالَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِالصَّلَاةِ مَعَهُ، لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَجَمْعٌ: وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ دَاخِلٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ جَائِزٌ، وَلَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُ مَنْ كَانَ ذَا حُرْمَةٍ كَأَهْلِ الْعِلْمِ، وَنُظَرَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ، فَلَوْ أَحَسَّ بِدَاخِلٍ حَالَ الْقِيَامِ فَكَالرُّكُوعِ. ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، وَفِي حَالِ تَشَهُّدِهِ وَجْهَانِ: وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ " مُطْلَقًا، وَفِي " الْخِلَافِ ": لَا فِي السُّجُودِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَعْتَدُّ بِهِ. [كَرَاهَةُ مَنْعِ الْمَرْأَةِ مِنَ الذَّهَابِ لِلْمَسْجِدِ] (وَإِذَا اسْتَأْذَنَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَسْجِدِ كُرِهَ مَنْعُهَا) صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ، وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. وَتَخْرُجُ غَيْرَ مُتَطَيِّبَةٍ، لِهَذَا الْخَبَرِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQنِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَمَتُهُ كَامْرَأَتِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ لَهَا حُضُورَ صَلَاةِ الرِّجَالِ جَمَاعَةً لِلْخَبَرِ، وَعَنْهُ: الْفَرْضُ، وَكَرِهَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ لِلشَّابَّةِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ اتِّفَاقًا، وَالْمُرَادُ لِلْمُسْتَحْسَنَةِ خَوْفَ الْفِتْنَةِ بِهَا. قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى الْكَرَاهَةِ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ، لِظُهُورِ الْفَسَادِ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ فِي الْجُمُعَةِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ فِي غَيْرِهَا مِثْلُهَا، وَإِنَّ مَجَالِسَ الْوَعْظِ كَذَلِكَ وَأَوْلَى، (وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا) أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ؛ وَهُوَ مُرَادٌ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ لِلْأَخْبَارِ الْخَاصَّةِ فِي النِّسَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَسْجِدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَرَوَى أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَارُونُ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ «أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي، قَالَتْ: فَأَمَرَتْ فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى بَيْتٍ مِنْ بَيْتِهَا، وَأَتَتْهُ، فَكَانَتْ تُصْلِي فِيهِ حَتَّى لَقِيَتِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ» وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَطْلَقَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الرِّعَايَةِ " أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَبِالْمَدِينَةِ بِخَمْسِينَ أَلْفًا، وَبِالْأَقْصَى نِصْفُهُ؛ لِخَبَرِ أَنَسٍ. فَيَكُونُ الْمُرَادُ غَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا، فَلَا تَعَارُضَ، وَكَذَا مُضَاعَفَةُ النَّفْلِ عَلَى غَيْرِهَا، لَكِنَّ كَلَامَ الْأَصْحَابِ أَنَّ النَّافِلَةَ بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ لِلْأَخْبَارِ، وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ مُرَادٌ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ، وَهَذَا أَظْهَرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُمُ التَّفْضِيلُ الْمَذْكُورُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، أَوْ إِلَى غَيْرِ الْبُيُوتِ، فَلَمْ تَدْخُلِ الْبُيُوتُ، فَلَا تَعَارُضَ. 1 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQمَسَائِلُ: الْجِنُّ مُكَلَّفُونَ فِي الْجُمْلَةِ؛ يَدْخُلُ كَافِرُهُمُ النَّارَ، وَمُؤْمِنُهُمُ الْجَنَّةَ، لَا أَنَّهُ تَصِيرُ تُرَابًا كَالْبَهَائِمِ، وَثَوَابُهُ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ، وَهُمْ فِي الْجَنَّةِ كَغَيْرِهِمْ بِقَدْرِ ثَوَابِهِمْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَا يَأْكُلُونَ، وَلَا يَشْرَبُونَ فِيهَا، أَوْ أَنَّهُمْ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَلَمْ يُبْعَثْ إِلَيْهِمْ نَبِيٌّ قَبْلَ نَبِيِّنَا، وَلَيْسَ مِنْهُمْ رَسُولٌ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: بَلَى؛ وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: هُمْ كَالْإِنْسِ فِي التَّكْلِيفِ، وَالْعِبَادَاتِ، وَفِي النَّوَادِرِ تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ بِالْمَلَائِكَةِ، وَبِمُسْلِمِي الْجِنِّ؛ وَهُوَ مَوْجُودٌ زَمَنَ النُّبُوَّةِ، وَالْمُرَادُ فِي الْجُمُعَةِ مَنْ لَزِمَتْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حَامِدٍ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ لَا يَنْعَقِدُ بِآدَمِيٍّ لَا تَلْزَمُهُ، كَمُسَافِرٍ وَصَبِيٍّ. فَهُنَا أَوْلَى. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُمْ كَالْإِنْسِ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ، فَلَا يَكُونُ تَكْلِيفُهُمْ مُسَاوِيًا لِمَا عَلَى الْإِنْسِ، لَكِنْ يُشَارِكُونَهُمْ فِي جِنْسِ التَّكْلِيفِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، بِلَا نِزَاعٍ؛ فَقَدْ يَدُلُّ عَلَى مُنَاكَحَتِهِمْ، وَغَيْرِهَا، وَيَقْتَضِيهِ إِطْلَاقُ الْأَصْحَابِ، وَفِي " الْمُغْنِي ": لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِجِنِّيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ كَالْهِبَةِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ مِنِ انْتِفَاءِ التَّمْلِيكِ مِنَّا مَنْعُ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ، وَإِذَا صَحَّ نِكَاحُ جِنِّيَّةٍ، فَهِيَ فِي الْحُقُوقِ كَآدَمِيَّةٍ، لِظَاهِرِ الشَّرْعِ، إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ ذَلِكَ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُمْ: إِنَّ مَا بِيَدِهِمْ مِلْكُهُمْ مَعَ إِسْلَامِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ كَالْحَرْبِيِّ، وَيَجْرِي التَّوَارُثُ الشَّرْعِيُّ، وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِمْ مَا يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْآدَمِيِّ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ: أَنَّهُمْ فِي الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ كَذَلِكَ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ ظُلْمُ الْإِنْسِ، وَظُلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَيَسْقُطُ فَرْضُ غُسْلِ مَيِّتٍ بِغُسْلِهِمْ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مِثْلَهُ كُلُّ فَرْضِ كِفَايَةٍ إِلَّا الْأَذَانَ، وَكَذَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ
[فصل في الإمامة من هو أحق بها]
فَصْلٌ فِي الْإِمَامَةِ السُّنَّةُ أَنْ يَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ. ثُمَّ أَفْقَهُهُمْ، ثُمَّ أَسَنُّهُمْ، ثُمَّ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، ثُمَّ أَشْرَفُهُمْ، ـــــــــــــــــــــــــــــQلِوُجُودِ الْمُقْتَضِي، وَعَدَمِ الْمَانِعِ، وَلِعَدَمِ اعْتِبَارِ التَّكْلِيفِ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. خَصَّ الْأُذُنَ لِأَنَّهَا حَاسَّةُ الِانْتِبَاهِ. قِيلَ: ظَهَرَ عَلَيْهِ وَسَخِرَ مِنْهُ، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَقَيْئِهِ، فَيَكُونُ بَوْلُهُ وَقَيْؤُهُ طَاهِرًا؛ وَهُوَ غَرِيبٌ. [فَصْلٌ فِي الْإِمَامَةِ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا] فَصْلٌ فِي الْإِمَامَةِ (السُّنَّةُ أَنَّ يَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ) هَذَا ظَاهِرُ " الْمَذْهَبِ "، وَجَزَمَ بِهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا» ، وَفِي لَفْظٍ: سلما: «وَلَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يُقْعَدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: لَمَّا اسْتَخْلَفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ» ، صَحَّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَقْرَؤُهُمْ وَأَعْلَمُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَتَعَلَّمُونَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَعَانِيَهُ، وَمَا يُرَادُ بِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إِذَا عَلِمَ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يَتَجَاوَزْهُنَّ حَتَّى يَعْلَمَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQمَعَانِيَهُنَّ، وَالْعَمَلَ بِهِنَّ. لَكِنْ أَجَابَ أَحْمَدُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ فِي تَقْدِيمِهِ مَعَ تَقَدُّمِ قَوْلِهِ: «أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ» أَرَادَ بِهِ الْخِلَافَةَ، وَمُرَادُهُ بِالْأَقْرَأِ: أَجْوَدُهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ، فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ قَرَأَ وَلَحَنَ فِيهِ فَلَهُ بِكُلِّ حِرَفٍ حَسَنَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّهُ أَعْظَمُ فِي الْأَجْرِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَكْثَرُ قُرْآنًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» ، وَعَلَيْهِمَا إِذَا عَرَفَ وَاجِبَ الصَّلَاةِ، وَمَا يَحْتَاجُهُ فِيهَا، وَقِيلَ: وَسُجُودُ السَّهْوِ، وَقِيلَ: وَجَاهِلٌ يَأْتِي بِهَا عَادَةً، وَالْمَنْصُوصُ خِلَافُهُ، وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الْأَفْقَهُ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، إِذَا كَانَ يَقْرَأُ مَا يَكْفِي فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنُوبُهُ فِي الصَّلَاةِ مَا لَا يَدْرِي مَا يَفْعَلُ فِيهِ إِلَّا بِالْفِقْهِ، فَقُدِّمَ كَالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى وَالْحُكْمِ، (ثُمَّ أَفْقَهُهُمْ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، فَإِنِ اجْتَمَعَ فَقِيهَانِ قَارِئَانِ، وَأَحَدُهُمَا أَفْقَهُ أَوْ أَقْرَأُ قُدِّمَ، فَإِنْ كَانَا قَارِئَيْنِ، قُدِّمَ أَجْوَدُهُمَا قِرَاءَةً، وَأَكْثَرُهُمَا، وَيُقَدَّمُ قَارِئٌ لَا يَعْرِفُ أَحْكَامَ صَلَاتِهِ عَلَى فَقِيهٍ أُمِّيٍّ، فَإِنِ اجْتَمَعَ فَقِيهَانِ أَحَدُهُمَا أَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ قُدِّمَ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ يُؤَثِّرُ فِي تَكْمِيلِ الصَّلَاةِ (ثُمَّ أَسَنُّهُمُ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَفِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ أَشْهَرَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْخُشُوعِ وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ (ثُمَّ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً) لِلْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَسْبَقَ هِجْرَةً مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، قِيلَ: بِنَفْسِهِ، وَقِيلَ: بِآبَائِهِ، وَقِيلَ: بِكُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ فَقُدِّمَ بِهِ، وَسَبْقُ الْإِسْلَامِ كَالْهِجْرَةِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْفُرُوعِ " (ثُمَّ أَشْرَفُهُمْ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ
ثُمَّ الْأَتْقَى، ثُمَّ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقَرْعَةُ، وَصَاحِبُ الْبَيْتِ، وَإِمَامُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ ـــــــــــــــــــــــــــــQالسَّلَامُ «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» ، وَقَالَ: «قَدِّمُوا قُرَيْشًا، وَلَا تُقَدِّمُوهَا» ، وَالنَّسَبُ يَكُونُ بِعُلُوِّ النَّسَبِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " فَعَلَيْهِ تُقَدَّمُ بَنُو هَاشِمٍ ثُمَّ قُرَيْشٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: يُقَدَّمُ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً ثُمَّ الْأَسَنُّ ثُمَّ الْأَشْرَفُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ ". وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يُقَدَّمُ الْأَسَنُّ ثُمَّ الْأَشْرَفُ ثُمَّ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْأَشْرَفُ ثُمَّ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً ثُمَّ الْأَسَنُّ، عَكْسُ مَا فِي الْمَتْنِ (ثُمَّ الْأَتْقَى) وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِجَابَةِ، وَقَدْ وَرَدَ: إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، لَمْ يَزَالُوا فِي سَفَالٍ. ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِسَالَتِهِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: ثُمَّ الْأَتْقَى، وَالْأَوْرَعُ، وَقِيلَ: يُقَدَّمَانِ عَلَى الْأَشْرَفِ، وَذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " احْتِمَالًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] وَلِأَنَّ شَرَفَ الدِّينِ خَيْرٌ مِنْ شَرَفِ الدُّنْيَا (ثُمَّ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقَرْعَةُ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَقْرَعَ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْأَذَانِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ، فَالْإِمَامَةُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، ثُمَّ اخْتِيَارُ الْجَمَاعَةِ فِي رِوَايَةٍ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْفُصُولِ "، فَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْجَمَاعَةُ عُمِلَ بِالْأَكْثَرِ، فَإِنِ اسْتَوَوْا، قِيلَ: يُقْرَعُ، وَقِيلَ: يَخْتَارُ السُّلْطَانُ الْأَوْلَى، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ، وِفَاقًا
بِالْإِمَامَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ ذَا سُلْطَانٍ. وَالْحُرُّ أَوْلَى مِنَ الْعَبْدِ، وَالْحَاضِرُ أَوْلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَقِيلَ: وَالْخِلْقَةُ وِفَاقًا لِمَالِكٍ، وَزَادَ: بِحُسْنِ اللِّبَاسِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ. (وَصَاحِبُ الْبَيْتِ) بِشَرْطِهِ (وَإِمَامُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ) مِنَ الْكُلِّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَى أَرْضًا لَهُ عِنْدَهَا مَسْجِدٌ يُصَلِّي فِيهِ مَوْلًى لَهُ، فَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ مَعَهُمْ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ فَأَبَى، وَقَالَ: صَاحِبُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ، وَلِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ غَيْرِهِ افْتِئَاتًا، وَكَسْرًا لِقَلْبِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنَّمَا يَكُونُ أَوْلَى مَعَ التَّسَاوِي، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهُمَا لِلْأَفْضَلِ مِنْهُمَا، وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْأَوْلَى أَنَّ السَّيِّدَ يُقَدَّمُ عَلَى عَبْدِهِ فِي بَيْتِ الْعَبْدِ، لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ، رَوَاهُ صَالِحٌ، وَلِعُمُومِ وِلَايَتِهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ ذَا سُلْطَانٍ) فَهُوَ أَوْلَى فِي الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَمَّ عُتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، وَأَنَسًا فِي بُيُوتِهِمَا» ، وَلِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَامَّةً، وَكَذَا الْوَالِي مِنْ قِبَلِهِ، زَادَ فِي " الْكَافِي ": وَنَائِبُهُمَا، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ مُقَدَّمٌ عَلَى خَلِيفَتِهِ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا أَنَّهُمَا يُقَدَّمَانِ عَلَيْهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ» ، وَلِأَنَّ وِلَايَةَ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ خَاصَّةٌ، وَإِمَامَةُ السُّلْطَانِ عَامَّةٌ، وَلِذَلِكَ لَا يَتَصَرَّفُ السُّلْطَانُ إِلَّا بِالْغِبْطَةِ، كَالْوَكِيلِ، بِخِلَافِ الْمَالِكِ فَافْتَرَقَا. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: صَاحِبُ الْبَيْتِ وَحْدَهُ أَحَقُّ بِهَا؛ وَهُوَ أَوْلَى. فَرْعٌ: مُعِيرٌ وَمُسْتَأْجِرٌ أَوْلَى فِي الْأَصَحِّ مِنْ مُسْتَعِيرٍ، وَمُؤَجِّرٍ، وَفِي " الْوَجِيزِ ": وَسَاكِنُ الْبَيْتِ أَحَقُّ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَالِكِ، وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى الْمَذْهَبِ
مِنَ الْمُسَافِرِ. وَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنَ الْأَعْمَى فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَهَلْ تَصِحُّ إِمَامَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَالْحُرُّ أَوْلَى مِنَ الْعَبْدِ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ فِي أَحْكَامِهِ، وَأَشْرَفُ، وَيَصْلُحُ إِمَامًا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ، وَلَوْ تَبَعَّضَ، وَعَنْهُ: الْعَبْدُ أَوْلَى إِنْ كَانَ أَفْضَلَ أَوْ أَدْيَنَ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ صِحَّةَ إِمَامَتِهِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَ يَؤُمُّهَا غُلَامٌ لَهَا، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَلِعُمُومِ «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ» وَصَلَّى ابْنُ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةُ، وَأَبُو ذَرٍّ وَرَاءَ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ وَهُوَ عَبْدٌ، رَوَاهُ صَالِحٌ فِي مَسَائِلِهِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْأَذَانِ، فَصَحَّ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا كَالْحُرِّ، فَعَلَى هَذَا لَا يُكْرَهُ، جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ (وَالْحَاضِرُ أَوْلَى مِنَ الْمُسَافِرِ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَمَّ حَصَلَ جَمِيعُ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ بِخِلَافِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَ إِمَامًا فَهُوَ أَحَقُّ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ عَامَ الْفَتْحِ، وَيَقُولُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ: صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا سَفَرٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، فَعَلَى هَذَا يُتِمُّهَا الْمُقِيمُ بَعْدَ السَّلَامِ كَمَسْبُوقٍ، فَإِنْ أَتَمَّ الْمُسَافِرُ فَرِوَايَتَا مُتَنَفِّلٍ بِمُفْتَرِضٍ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَلَيْسَ بِمُتَنَفِّلٍ، وَصَحَّحَ فِي " الشَّرْحِ " الصِّحَّةَ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا نَوَى الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ، فَيَصِيرُ الْمَجْمُوعُ فَرْضًا، فَعَلَى هَذَا لَا تُكْرَهُ إِمَامَتُهُ بِمُسَافِرٍ، كَعَكْسِهِ، وَفِي " الْفُصُولِ ": إِنْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْقَصْرَ احْتَمَلَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّ الِائْتِمَامَ لَزِمَهُ حُكْمًا (وَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنَ الْأَعْمَى فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى تَوَقِّي النَّجَاسَاتِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِاجْتِهَادِهِ، وَالثَّانِي: يُقَدَّمُ الْأَعْمَى؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَخْشَعُ لِكَوْنِهِ لَا يَشْتَغِلُ فِي الصَّلَاةِ بِمَا يُلْهِيهِ، وَعَنْهُ: هُمَا سَوَاءٌ، وَقَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْخُشُوعَ مَعَ تَوَقِّي النَّجَاسَةِ يَتَقَابَلَانِ، فَيَتَسَاوَيَانِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَصِيرَ لَوْ غَمَّضَ عَيْنَيْهِ كُرِهَ لَهُ
[حكم إمامة الفاسق والأقلف وأقطع اليدين]
الْفَاسِقِ وَالْأَقْلَفِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَفِي إِمَامَةِ أَقْطَعِ الْيَدَيْنِ وَجْهَانِ وَلَا تَصِحُّ ـــــــــــــــــــــــــــــQذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ فَضِيلَةً لَكَانَ مُسْتَحَبًّا؛ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ بِتَغْمِيضِهِ مَا يُحَصِّلُهُ الْأَعْمَى، فَإِنْ كَانَ الْأَعْمَى أَصَمَّ، فَفِي صِحَّةِ إِمَامَتِهِ وَجْهَانِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهَا تُكْرَهُ إِمَامَتُهُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ يُصَلِّي بِهِمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِإِمَامَةِ الْبَدَوِيِّ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تُكْرَهُ إِمَامَتُهُ، وَيُقَدَّمُ الْحَضَرِيُّ، وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ مَنْ يُصْرَعُ، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ جَمَاعَةٌ: وَمَنْ تُضْحِكُ صُورَتُهُ أَوْ رُؤْيَتُهُ، وَقِيلَ: وَالْأَمْرَدُ، وَفِي " الْمُذْهَبِ " وَغَيْرِهِ: وَإِمَامَةُ مَنِ اخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ إِمَامَتِهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيُؤْخَذُ مِنْهُ: تُكْرَهُ إِمَامَةُ الْمُوَسْوَسِ؛ وَهُوَ مُتَّجَهٌ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ عَامِّيٌّ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا. قَالَ فِي " الْمُذْهَبِ ": وَالْمُتَوَضِّئُ أَوْلَى مِنَ الْمُتَيَمِّمِ. [حُكْمُ إِمَامَةِ الْفَاسِقِ وَالْأَقْلَفِ وَأَقْطَعِ الْيَدَيْنِ] (وَهَلْ تَصِحُّ إِمَامَةُ الْفَاسِقِ وَالْأَقْلَفِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْفَاسِقِ مُطْلَقًا، قَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ وَصَاحِبُ " الْفُرُوعِ "، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهَا الْأَشْهَرُ، قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: وَهِيَ اخْتِيَارُ الْمَشَايِخِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] وَلِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا يَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ سُلْطَانٌ يَخَافُ سَوْطَهُ وَسَيْفَهُ» وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اجْعَلُوا أَئِمَّتَكُمْ خِيَارَكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِخْبَارُهُ لِمَعْنًى فِي دِينِهِ، أَشْبَهَ الْكَافِرَ، وَلَا يُؤْمَنُ عَلَى شَرَائِطِ الصَّلَاةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِسْقُهُ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْأَفْعَالِ، فَمَتَى كَانَ يُعْلِنُ بِبِدْعَتِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِهَا، وَيُنَاظِرُ عَلَيْهَا، لَمْ يَصِحَّ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُصَلَّى خَلْفَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إِذَا كَانَ دَاعِيَةً، أَيْ: يُظْهِرُهَا، وَيَدْعُو إِلَيْهَا، وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْمُؤَلِّفُ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ، وَمَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُعْلِنُ بِبِدْعَتِهِ أَوْ بِسُكْرٍ أَعَادَ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِمَا اخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ أَنَّ الْبُطْلَانَ مُخْتَصٌّ بِظَاهِرِ الْفِسْقِ دُونَ خَفِيِّهِ. قَالَ فِي " الْوَجِيزِ ": لَا يَصِحُّ خَلْفَ الْفَاسِقِ الْمَشْهُورِ فِسْقُهُ، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ؛ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ - مُطْلَقًا. فَعَلَى هَذَا تَصِحُّ خَلْفَ عَدْلٍ اسْتَنَابَهُ، وَلَا إِعَادَةَ فِي الْمَنْصُوصِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمُسْتَنِيبُ وَحْدَهُ عَدْلًا فَوَجْهَانِ، صَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَخَالَفَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يَؤُمُّ فَاسِقٌ فَاسِقًا، وَقَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، بِخِلَافِ الْأُمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ رَفْعُ مَا عَلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ، وَالْفِسْقُ يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ، وَيُعِيدُ فِي الْمَنْصُوصِ إِذَا عَلِمَ فِسْقَهُ، وَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ الْجُمُعَةُ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَهُ لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ، فَالْمَنْعُ مِنْهَا خَلْفَهُ يُؤَدِّي إِلَى تَفْوِيتِهَا دُونَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، نَعَمْ لَوْ أُقِيمَتْ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا عَدْلٌ فَعَلَهَا وَرَاءَهُ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْإِعَادَةَ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ كَغَيْرِهَا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: وَعَنْهُ: لَا إِعَادَةَ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": هِيَ الْأَشْهَرُ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَأْمُورٌ بِهَا كَغَيْرِهَا، وَكَذَا إِنْ خَافَ فِتْنَةً أَوْ أَذًى صَلَّى خَلْفَهُ وَأَعَادَ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَوَى الِانْفِرَادَ وَوَافَقَهُ فِي أَفْعَالِهَا، لَمْ يُعِدْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَلْحَقَ الْمُؤَلِّفُ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " الْعِيدَ بِالْجُمُعَةِ، وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، ذَكَرَ الشَّرِيفُ أَنَّهَا قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، وَوَاثِلَةُ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَعَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: مَكْحُولٌ لَمْ يَلْقَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَمَنْ دُونَهُ ثِقَاتٌ، وَضَعَّفَ فِي " التَّحْقِيقِ " إِسْنَادَهُ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَكَمَا تَصِحُّ مَعَ فِسْقِ الْمَأْمُومِ، وَعَنْهُ: فِي نَفْلٍ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا إِمَامَةُ الْأَقْلَفِ فَعَنْهُ: تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَهُ غَسْلُ النَّجَاسَةِ غَسَلَهَا، وَإِلَّا عُفِيَ عَنْ إِزَالَتِهَا لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لنَجَاسَةٍ ظَاهِرَةٍ يُمْكِنُهُ إِزَالَتُهَا، وَهَلْ ذَلِكَ لِتَرْكِ الْخِتَانِ الْوَاجِبِ أَوْ لِعَجْزِهِ عَنْ غَسْلِ النَّجَاسَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: إِنْ كَثُرَتْ إِمَامَتُهُ لَمْ تَصِحَّ، وَعَلَى الْمَنْعِ تَصِحُّ إِمَامَتُهُ بِمِثْلِهِ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ، زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ: إِنْ لَمْ يَجِبِ الْخِتَانُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي التَّرَاوِيحِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَارِئٌ غَيْرَهُ. فَرَوْعٌ: الْأَوَّلُ: تَصِحُّ خَلْفَ مَنْ خَالَفَ فِي فَرْعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، مَعَ شِدَّةِ الْخِلَافِ، مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُمْ تَرَكُوا رُكْنًا أَوْ شَرْطًا، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ شَارِبِ نَبِيذٍ مُعْتَقِدًا حِلَّهُ رِوَايَتَيْنِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقُولُ: الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ أَوْ يُجِيزُ رِبَا الْفَضْلِ. الثَّانِي: إِذَا تَرَكَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا عِنْدَ الْمَأْمُومِ، فَعَنْهُ يُعِيدُ الْمَأْمُومُ، اخْتَارَهُ جَمْعٌ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، لِاعْتِقَادِهِ فَسَادَ صَلَاةِ إِمَامِهِ، كَمَا لَوِ اعْتَقَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فَبَانَ خِلَافُهُ، وَعَنْهُ: لَا يُعِيدُ، اخْتَارَهُ المُؤَلِّفُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَالْإِمَامِ، وَكَعِلْمِ الْمَأْمُومِ لَمَّا سَلَّمَ فِي الْأَصَحِّ. الثَّالِثُ: إِذَا تَرَكَ الْإِمَامُ عَمْدًا مَا يَعْتَقِدُهُ وَحْدَهُ وَاجِبًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُمَا، وَقَالَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالسَّامِرِيُّ: تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ إِنْ عَلِمَ فِي الصَّلَاةِ بِحَالِ الْإِمَامِ. الرَّابِعُ: إِذَا تَرَكَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا أَوْ وَاجِبًا مُخْتَلَفًا فِيهِ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَقْلِيدٍ، أَعَادَ، ذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ إِجْمَاعًا لِتَرْكِهِ فَرْضَهُ، وَلِهَذَا أَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الَّذِي تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ بِالْإِعَادَةِ، وَعَنْهُ: لَا، لِخَفَاءِ الطُّرُقِ، وَعَنْهُ: إِنْ طَالَ. الْخَامِسُ: إِذَا فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَإِنْ دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ فَسَقَ، وَإِنْ لَمْ يُدَاوِمْ، فَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ أَنَّهُ يَفْسُقُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَوْ شَرِبَ النَّبِيذَ عَامِّيٌّ بِلَا تَقْلِيدٍ لِعَالِمٍ فَسَقَ؛ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي بِنَاءً عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى فِعْلٍ لَا يَعْلَمُ جَوَازَهُ، وَيَفْسُقُ إِنْ كَانَ مِمَّا يَفْسُقُ بِهِ. (وَفِي إِمَامَةِ أَقْطَعِ الْيَدَيْنِ) أَوْ أَحَدِهِمَا (وَجْهَانِ) وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ، حَكَاهُمَا الْآمِدِيُّ، إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِرُكْنٍ فِي الصَّلَاةِ، كَقَطْعِ الْأَنْفِ، وَالثَّانِي: لَا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ لِإِخْلَالِهِ بِالسُّجُودِ عَلَى عُضْوٍ، وَقِيلَ: إِنْ كَثُرَتْ إِمَامَتُهُ، وَحُكْمُ أَقْطَعِ الرِّجْلَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا كَذَلِكَ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِمَامَتُهُ بِمِثْلِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي "، وَجَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ
[من لا تصح الصلاة خلفهم]
الصَّلَاةُ خَلْفَ كَافِرٍ. وَلَا أَخْرَسَ، وَلَا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَلَا عَاجِزٍ عَنِ الرُّكُوعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِأَنَّهَا تُكْرَهُ إِمَامَةُ مَنْ قُطِعَ أَنْفُهُ [مَنْ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ] (وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ كَافِرٍ) وِفَاقًا؛ لِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ وَالْوُضُوءِ، وَهُمَا لَا يَصِحَّانِ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ مَا لَوِ ائْتَمَّ بِمَجْنُونٍ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِكُفْرِهِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يَخْفَى غَالِبًا، فَالْجَاهِلُ بِهِ مُفَرِّطٌ، وَقِيلَ: يَصِحُّ إِنْ كَانَ يُسِرُّهُ، وَعَلَى هَذَا لَا إِعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، كَمَا لَوِ ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ الْمُحْدِثَ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَعْلَمَ حَدَثَ نَفْسِهِ، وَالْكَافِرُ يَعْلَمُ حَالَ نَفْسِهِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا عَلِمَهُ مُسْلِمًا فَصَلَّى خَلْفَهُ فَقَالَ بَعْدَ الصَّلَاةِ: هُوَ كَافِرٌ لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهَا؛ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ قَالَ بَعْدَ سَلَامِهِ هُوَ كَافِرٌ تَهَزُّؤًا، فَنَصُّهُ: يُعِيدُ الْمَأْمُومُ، كَمَنْ ظَنَّ كُفْرَهُ أَوْ حَدَثَهُ فَبَانَ خِلَافُهُ، وَقِيلَ: لَا، كَمَنْ جَهِلَ حَالَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الْمُصَلِّينَ الْإِسْلَامُ، سِيَّمَا إِذَا كَانَ إِمَامًا، وَإِنْ عُلِمَ لَهُ حَالَانِ أَوْ إِفَاقَةٌ وَجُنُونٌ لَمْ يُدْرَ فِي أَيِّهِمَا ائْتَمَّ، وَأَمَّ فِيهِمَا، فَفِي الْإِعَادَةِ أَوْجُهٌ، ثَالِثُهَا: إِنْ عَلِمَ قَبْلَ الصَّلَاةِ إِسْلَامَهُ، وَشَكَّ فِي رِدَّتِهِ لَمْ يُعِدْ، وَإِلَّا أَعَادَ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَلَا أَخْرَسَ) لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِفَرْضٍ الصَّلَاةِ، كَالْمُضْطَجِعِ يَؤُمُّ الْقَائِمَ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ وَلَوْ بِمِثْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْ نُطْقِهِ، وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ "، وَ " الْكَافِي " أَنَّهَا تَصِحُّ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ قِيَاسًا عَلَى الْأُمِّيِّ وَالْعَاجِزِ عَنِ الْقِيَامِ يَؤُمُّ مِثْلَهُ (وَلَا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ) لِأَنَّ فِي صَلَاتِهِ خَلَلًا غَيْرَ مَجْبُورٍ بِبَدَلٍ؛ لِكَوْنِهِ يُصَلِّي مَعَ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْحَدَثُ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوِ ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ يَعْلَمُ بِحَدَثِهِ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِمَنْ حَدَثُهُ مُسْتَمِرٌّ كَـ " الْوَجِيزِ "،
وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ. وَلَا تَصْلُحُ خَلْفَ عَاجِزٍ عَنِ الْقِيَامِ، إِلَّا إِمَامَ الْحَيِّ الْمَرْجُوَّ زَوَالُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَ " الْفُرُوعِ " لَكَانَ أَوْلَى، وَتَصِحُّ إِمَامَتُهُ بِمِثْلِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَفِي " الْفُرُوعِ "، وَجْهَانِ. مَسْأَلَةٌ: لَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ الْمُتَطَهِّرِ بِعَادِمِ الطَّهُورَيْنِ، وَلَا الْقَادِرِ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ بِالْعَاجِزِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِشَرْطٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمَأْمُومُ، أَشْبَهَ ائْتِمَامَ الْمُعَافَى بِمَنْ حَدَثُهُ مُسْتَمِرٌّ (وَلَا عَاجِزٍ عَنِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالْقُعُودِ) أَيْ: لَا تَصِحُّ إِمَامَةُ عَاجِزٍ عَنْ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ بِالْقَادِرِ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِرُكْنٍ لَا يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ، وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، كَالْقَاعِدِ يَؤُمُّ الْقَائِمَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ إِمَامِ الْحَيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَاسَ أَبُو الْخَطَّابِ الْمَنْعَ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْمَرْبُوطِ، وَأَمَّا الْقِيَامُ فَهُوَ أَخَفُّ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ فِي النَّافِلَةِ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُصَلِّينَ خَلْفَ الْجَالِسِ بِالْجُلُوسِ» ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ خَلْفَ الْمُضْطَجِعِ لَا يَضْطَجِعُ، وَتَصِحُّ إِمَامَتُهُمْ بِمِثْلِهِمْ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ "، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْمَطَرِ بِالْإِيمَاءِ» . (وَلَا تَصِحُّ خَلْفَ عَاجِزٍ عَنِ الْقِيَامِ) لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، كَالْعَاجِزِ عَنِ الْقِرَاءَةِ (إِلَّا إِمَامَ الْحَيِّ) وَهُوَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ فِي الْمَسْجِدِ، لِمَا فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ،
عِلَّتِهِ، وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ جُلُوسًا. فَإِنْ صَلَّوْا قِيَامًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQفَصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، إِلَى قَوْلِهِ: وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ، وَلِأَنَّ إِمَامَ الْحَيِّ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيمِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَالْقِيَامُ أَخَفُّ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ فِي النَّفْلِ (الْمَرْجُوَّ زَوَالُ عِلَّتِهِ) لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى تَرْكِ الْقِيَامِ عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ مُخَالَفَةِ الْخَبَرِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ فِعْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَكَانَ يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ مَعَ غَيْرِ إِمَامِ الْحَيِّ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ زَوَالُهُ (وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ جُلُوسًا) لِمَا تَقَدَّمَ، قَالَ فِي الْخِلَافِ: هَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلَّى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَاعِدًا، وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأَجَابَ أَحْمَدُ عَنْهُ، بِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ابْتَدَأَ بِهِمْ قَائِمًا فَيُتِمُّهَا كَذَلِكَ، وَالْجَمْعُ أَوْلَى مِنَ النَّسْخِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ هُوَ الْإِمَامُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي مَرَضِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي ثَوْبٍ مُتَوَشِّحًا» وَرَوَاهُ أَنَسٌ أَيْضًا، وَصَحَّحَهُمَا التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: وَلَا نَعْرِفُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ مَالِكٌ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، لَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ هُوَ الْإِمَامُ، لَكَانَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّهُ كَانَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ خَلْفَهُ صَفٌّ، وَفَعَلَ مِثْلَ قَوْلِنَا أُسَيْدُ بْنُ حَضِيرٍ، وَجَابِرٌ، وَقَيْسُ بْنُ فِهْرٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي صِحَّةِ إِمَامَتِهِ، مَعَ أَنَّ صَلَاةَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ، وَكَمَالُهَا مَطْلُوبٌ (فَإِنْ صَلَّوْا قِيَامًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هَذَا هُوَ
[إمامة المرأة والخنثى للرجال]
وَإِنِ ابْتَدَأَ بِهِمُ الصَّلَاةَ قَائِمًا، ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ، أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا. وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى لِلرِّجَالِ وَلَا لِلْخَنَاثَى. وَلَا إِمَامَةُ الصَّبِيِّ لِبَالِغٍ إِلَّا فِي النَّفْلِ عَلَى إِحْدَى ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَشْهُورُ، وَصَحَّحَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ صَلَّى وَرَاءَهُ الْقَوْمُ قِيَامًا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ» ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ، وَقَدْ أَتَوْا بِهِ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ مَعَ عِلْمِ وُجُوبِ الْجُلُوسِ دُونَ جَهْلِهِ، كَالرَّاكِعِ دُونَ الصَّفِّ. فَرْعٌ: إِذَا قَدَرَ الْمُقْتَدِي وَالْمَرِيضُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الْأَرْكَانِ فَلَا بَأْسَ بِإِمَامَتِهِمَا (وَإِنِ ابْتَدَأَ بِهِمُ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ اعْتَلَّ) أَيْ: حَصَلَ لَهُ عِلَّةٌ (فَجَلَسَ أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا) لِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ، فَإِذَا بَدَأَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَزِمَهُ فِي جَمِيعِهَا إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، كَمَنَ أَحْرَمَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ: وَلَمْ يَكُنْ إِمَامَ الْحَيِّ [إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى لِلرِّجَالِ] (وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ، وَالْخُنْثَى لِلرِّجَالِ، وَلَا لِلْخَنَاثَى) لَا يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ؛ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّتِهِمْ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَعَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ وَالتَّابِعُونَ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا» ، وَلِأَنَّهَا لَا تُؤَذِّنُ لِلرِّجَالِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَؤُمَّهُمْ كَالْمَجْنُونِ، وَكَذَا لَا تَصِحُّ إِمَامَتُهَا بِالْخُنْثَى لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَنَّهُ لَوْ صَلَّى خَلْفَهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ لَا تَصِحُّ، وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ: تَصِحُّ فِي النَّفْلِ، وَعَنْهُ: فِي التَّرَاوِيحِ، قَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَخَصَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْجَوَازَ بِذِي الرَّحِمِ، وَبَعْضُهُمْ بِكَوْنِهَا عَجُوزًا، وَبَعْضُهُمْ بِأَنْ تَكُونَ أَقْرَأَ مِنَ الرَّجُلِ، وَعَلَى الصِّحَّةِ تَقِفُ خَلْفَهُمْ، وَيَقْتَدُونَ بِهَا فِي جَمِيعِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ «أُمَّ وَرَقَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنِّي أَحْفَظُ الْقُرْآنَ، وَإِنَّ أَهْلَ
[إمامة الصبي لبالغ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQبَيْتِي لَا يَحْفَظُونَهُ، فَقَالَ: قَدِّمِي الرِّجَالَ أَمَامَكِ، وَقُومِي فَصَلِّي مِنْ وَرَائِهِمْ» ذَكَرَهُ صَاحِبُ " النِّهَايَةِ "، وَلِأَنَّهُ أَسْتَرُ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَهُمْ أَحَدُهُمْ، وَفِيهِ بُعْدٌ، وَعَنْهُ: يَقْتَدُونَ بِهَا فِي الْقِرَاءَةِ، وَيُقْتَدَى بِهِمْ فِي غَيْرِهَا، فَيَنْوِي الْإِمَامَةَ أَحَدُهُمْ، وَاخْتَارَ الْأَكْثَرُ الصِّحَّةَ فِي الْجُمْلَةِ لِخَبَرِ أُمِّ وَرَقَةَ الْعَامِّ؛ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا، وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا» فَظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ مُطْلَقًا، وَالْخَاصِّ؛ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ «أَنَّهُ أَذِنَ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ نِسَاءَ أَهْلِ دَارِهَا» . قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": هَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا، لَكِنْ إِنْ صَحَّ فَيُحْمَلُ عَلَى النَّفْلِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّهْيِ، وَأَمَّا الْخُنْثَى فَلَا تَصِحُّ إِمَامَتُهُ لِلرَّجُلِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَلَا بِخُنْثَى مِثْلِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ امْرَأَةً وَالْمَأْمُومُ رَجُلًا، وَقِيلَ: اقْتِدَاءُ خُنْثَى بِمِثْلِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَؤُمُّ خُنْثَى نِسَاءً، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَظَاهِرُهُ صِحَّةُ إِمَامَةِ الْمَرْأَةِ بِالنِّسَاءِ، وَسَيَأْتِي، وَكَذَا إِمَامَةُ الخُنْثَى بِهِنَّ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَإِمَامَتُهَا بِهِنَّ صَحِيحَةٌ، وَإِذَا أَمَّهَا وَقَفَتْ خَلْفَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِذَا أَمَّ الْخُنْثَى قَامَ وَسَطَهُنَّ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي جَمَاعَةٍ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْبَرْمَكِيِّ [إِمَامَةُ الصَّبِيِّ لِبَالِغٍ] (وَلَا إِمَامَةُ الصَّبِيِّ لِبَالِغٍ) فِي فَرْضٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ» ، وَلِأَنَّهَا حَالُ كَمَالٍ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، أَشْبَهَ الْمَرْأَةَ بَلْ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ يَمْنَعُ التَّكْلِيفَ وَصِحَّةَ الْإِقْرَارِ، وَالْإِمَامُ ضَامِنٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الضُّمَّانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ الْإِخْلَالُ بِشَرْطِ الْقِرَاءَةِ حَالَةَ السِّرِّ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ فِيهِ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ تَخْرِيجًا، وَبَنَاهُ جَمَاعَةٌ عَلَى اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي صِحَّةَ إِمَامَتِهِ إِنْ لَزِمَتْهُ؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ؛ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ؛ وَهُوَ ابْنُ
[إمامة المحدث]
الرِّوَايَتَيْنِ. وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ مُحْدِثٍ، وَلَا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَإِنْ جَهِلَ هُوَ وَالْمَأْمُومُ حَتَّى قَضَوُا الصَّلَاةَ، صَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ وَحْدَهُ. وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْأُمِّيِّ، وَهُوَ مَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQسِتِّ سِنِينَ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ فِيهِ: وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَبْلُغِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانَ أَحْمَدُ يُضَعِّفُ أَمْرَ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ، وَقَالَ مَرَّةً: دَعْهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: لَا أَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ هَذَا؛ وَعَلَى الصِّحَّةِ يُقَدَّمُ الْعَبْدُ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَنْ يَعْقِلُهَا، لِقَوْلِهِمْ: وَتَصِحُّ مِنْهُ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ. فَدَلَّ أَنَّ مَا دُونَهَا لَا يَصِحُّ، نَعَمْ تَصِحُّ بِمِثْلِهِ، وَجَزَمَ فِي " الْمُنْتَخَبِ " بِخِلَافِهِ (إِلَّا فِي النَّفْلِ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَنَصَرَهُ الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُتَنَفِّلِينَ؛ وَهِيَ أَخَفُّ، إِذِ الْجَمَاعَةُ تَنْعَقِدُ بِهِ فِيهَا إِذَا كَانَ مَأْمُومًا، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. [إِمَامَةُ الْمُحْدِثِ] (وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ مُحْدِثٍ، وَلَا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ) هَذَا هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ عِنْدَ الْمُعْظَمِ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ، أَشْبَهَ الْمُتَلَاعِبَ، لِكَوْنِهِ لَا صَلَاةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ سَوَاءٌ جَهِلَ الْحَدَثَ أَوْ عَلِمَهُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُذْهَبِ " وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِلْإِشَارَةِ، وَبَنَاهُ فِي الْخِلَافِ عَلَى إِمَامَةِ الْفَاسِقِ لِفِسْقِهِ بِذَلِكَ، وَقِيلَ لِلْقَاضِي: هُوَ أَمِينٌ عَلَى طَهَارَتِهِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَإِذَا عَلِمْنَا بِقَوْلِهِ لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَزُوِّجَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ؛ قَالَ: فَتَجِبُ لِهَذَا الْمَعْنَى أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَى أَنَّ دُخُولَهَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ اعْتِرَافٌ بِصِحَّتِهِ، فَلَمْ تُصَدَّقْ، وَهَذَا مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، فَقِيلَ: كَقَبْلِ الصَّلَاةِ، وَعَلَّلَهُ فِي " الْفُصُولِ " بِأَنَّهُ فَاسِقٌ، وَإِمَامَتُهُ عِنْدَنَا لَا تَصِحُّ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ وَاضِحٌ بِأَنَّ الْفَاسِقَ مُتَطَهِّرٌ، وَإِنَّمَا تَخَلَّفَتِ الصِّحَّةُ لِمَانِعٍ، بِخِلَافِهِ هُنَا (فَإِنْ جَهِلَ هُوَ وَالْمَأْمُومُ حَتَّى قَضَوُا الصَّلَاةَ صَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ وَحْدَهُ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْمُؤَلِّفُ، وَفِي " الْمُحَرِّرِ "، وَ " التَّلْخِيصِ " لِمَا رَوَى
[إمامة الأمي]
لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، أَوْ يُدْغِمُ حَرْفًا لَا يُدْغَمُ، أَوْ يُبَدِّلُ حَرْفًا، أَوْ يَلْحَنُ فِيهَا لَحْنًا ـــــــــــــــــــــــــــــQالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالْقَوْمِ أَعَادَ صَلَاتَهُ، وَتَمَّتْ لِلْقَوْمِ صَلَاتُهُمْ» رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَرَّانِيُّ؛ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ وَهُوَ مَحَلُّ الشُّهْرَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّ الْحَدَثَ مِمَّا يَخْفَى، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، فَكَانَ الْمَأْمُومُ مَعْذُورًا، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ إِذَا كَانَ بِالْإِمَامِ أَرْبَعِينَ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ مُحْدِثًا فِيهَا، وَعَنْهُ: يُعِيدُ كَالْإِمَامِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَلَمْ يَثْبُتْ، وَلِأَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ مُحْدِثًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَ، وَحُكْمُ النَّجَاسَةِ كَالْحَدَثِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طَهَارَةٌ لَهَا، وَالْمَجْزُومُ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِالْحَدَثِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ أَخَفُّ، وَخَفَاؤُهَا أَكْثَرُ، فَلِذَلِكَ صَحَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ مَعَ نِسْيَانِهَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ هُوَ وَالْمَأْمُومُ فِيهَا، اسْتَأْنَفَ الْمَأْمُومُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ صَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ، أَشْبَهَ مَا لَوِ ائْتَمَّ بِامْرَأَةٍ، وَعَنْهُ: يَبْنِي، ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمْ صَحِيحٌ، فَكَانَ لَهُمُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى، فَإِنْ عَلِمَ مَعَهُ وَاحِدٌ أَعَادَ الْكُلُّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ: يُعِيدُ مَنْ عَلِمَ، وَإِنْ عَلِمَهُ اثْنَانِ، فَأَنْكَرَهُ هُوَ، أَعَادُوا، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، وَاحْتَجَّ بِخَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَقِيلَ: بَلْ هُمَا فَقَطْ. فَائِدَةٌ: إِذَا عَلِمَ أَنَّ عَلَى إِمَامِهِ فَائِتَةً، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي وَجْهٍ، فَفِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِ وَجْهَانِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِيهَا سَهْوًا، أَوْ شَكَّ فِي إِخْلَالِ إِمَامِهِ بِشَرْطٍ أَوْ رُكْنٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مَعَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَ السِّتَارَةَ أَوِ الِاسْتِقْبَالَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى غَالِبًا. [إِمَامَةُ الْأُمِّيِّ] (وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْأُمِّيِّ) مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ، وَقِيلَ: أُمَّةِ الْعَرَبِ (وَهُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ) أَيْ: لَا يَحْفَظُهَا، أَيْ: لَا تَصِحُّ إِمَامَتُهُ بِمَنْ يُحْسِنُهَا، مَضَتِ السُّنَّةُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَهُ الزُّهْرِيُّ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ شَرْطٌ مَقْصُودٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْقَادِرِ عَلَيْهِ بِالْعَاجِزِ
يُحِيلُ الْمَعْنَى إِلَّا بِمِثْلِهِ. وَإِنْ قَدَرَ عَلَى إِصْلَاحِ ذَلِكَ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَتُكْرَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَنْهُ، كَالطَّهَارَةِ وَالسُّتْرَةِ؛ وَهُوَ يَتَحَمَّلُهَا عَنِ الْمَأْمُومِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّحَمُّلِ (أَوْ يُدْغِمُ) فِي الْفَاتِحَةِ (حَرْفًا لَا يُدْغَمُ) أَيْ: فِي غَيْرِ مِثْلِهِ، وَغَيْرِ مَا يُقَارِبُهُ فِي الْمَخْرَجِ؛ وَهُوَ الْأَرَتُّ، وَفِي " الْمُذْهَبِ ": هُوَ الَّذِي فِي لِسَانِهِ عَجَلَةٌ تُسْقِطُ بَعْضَ الْحُرُوفِ (أَوْ يُبَدِّلُ حَرْفًا) بِغَيْرِهِ؛ وَهُوَ الْأَلْثَغُ، كَمَنْ يُبَدِّلُ الرَّاءَ غَيْنًا (أَوْ يَلْحَنُ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى) كَكَسْرِ كَافِ (إِيَّاكَ) وَضَمِّ تَاءِ (أَنْعَمْتَ) وَفَتْحِ هَمْزَةِ (اهْدِنَا) فِي الْأَصَحِّ فِيهَا. وَظَاهِرُهُ: إِذَا لَمْ يُحِلِ الْمَعْنَى كَفَتْحِ دَالِ (نَعْبُدُ) وَنُونِ (نَسْتَعِينُ) لَا يَكُونُ أُمِّيًّا، وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ حَاصِلٌ، وَعَنْهُ: تَصِحُّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، حَكَاهَا الْآمِدِيُّ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَكْثُرْ، وَقِيلَ: فِي نَفْلٍ، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ، سَوَاءٌ عَلِمَ الْمَأْمُومُونَ بِحَالِهِ أَوْ جَهِلُوهُ، فَإِنْ عَلِمُوا كَوْنَهُ أُمِّيًّا لَمَّا سَلَّمَ، فَوَجْهَانِ، وَإِنْ بَطَلَتْ صَلَاةُ قَارِئٍ خَلْفَ أُمِّيٍّ بَطَلَ فَرْضُ الْقَارِئِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ. ثُمَّ هَلْ تَبْقَى نَفْلًا فَتَصِحُّ صَلَاةُ الْكُلِّ، أَوْ لَا تَبْقَى فَتَبْطُلُ، أَوِ الْإِمَامُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ (إِلَّا بِمِثْلِهِ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ يُسَاوِيهِ، فَصَحَّتْ إِمَامَتُهُ كَالْعَاجِزِ عَنِ الْقِيَامِ. تَنْبِيهٌ: لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ عَاجِزٍ عَنْ نِصْفِ الْفَاتِحَةِ الْأَوَّلِ بِعَاجِزٍ عَنْ نِصْفِهَا الْأَخِيرِ، وَلَا عَكْسُهُ، وَلَا اقْتِدَاءُ قَادِرٍ عَلَى الْأَقْوَالِ الْوَاجِبَةِ بِالْعَاجِزِ عَنْهَا، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا وَأَحْسَنَ بِقَدْرِهَا مِنَ الْقُرْآنِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْتَمَّ بِمَنْ لَا يُحْسِنُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَجَوَّزَهُ الْمُؤَلِّفُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَإِنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُحْسِنُ دُونَ السَّبْعِ فَوَجْهَانِ. فَائِدَةٌ: إِذَا شَكَّ قَارِئٌ فِي صَلَاةِ سِرٍّ هَلْ إِمَامُهُ أُمِّيٌّ صَحَّتْ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، فَإِنْ أَسَرَّ فِي صَلَاةِ جَهْرٍ فَوَجْهَانِ، فَإِنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَرَأَ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُ، وَتُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ".
[من تكره إمامته]
إِمَامَةُ اللَّحَّانِ وَالْفَأْفَاءِ الَّذِي يُكَرِّرُ الْفَاءَ، وَالتِّمْتَامِ الَّذِي يُكَرِّرُ التَّاءَ، وَمَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ، وَأَنْ يَؤُمَّ نِسَاءً أَجَانِبَ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ، أَوْ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ لَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَإِنْ قَدَرَ عَلَى إِصْلَاحِ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) وَلَا صَلَاةُ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ، أَشْبَهَ تَارِكَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. [مَنْ تُكْرَهُ إِمَامَتُهُ] (وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ اللَّحَّانِ) وَهُوَ كَثِيرُ اللَّحْنِ، وَتَصِحُّ، نَصَّ عَلَيْهِ، إِنْ كَانَ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى، فَإِنْ أَحَالَهُ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ إِمَامَتِهِ إِلَّا أَنْ يَتَعَمَّدَهُ، وَذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ مُسْتَهْزِئٌ وَمُتَعَمِّدٌ. وَنَقَلَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ (وَالْفَأْفَاءُ الَّذِي يُكَرِّرُ الْفَاءَ، وَالتِّمْتَامِ الَّذِي يُكَرِّرُ التَّاءَ) لِأَنَّ فِي قِرَاءَتِهِمْ نَقْصًا عَنْ حَالِ الْكَمَالِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُمْ يَأْتُونَ بِالْحَرْفِ الْوَاجِبِ، وَإِنَّمَا يَزِيدُونَ حَرَكَةً أَوْ فَاءً أَوْ تَاءً، وَذَلِكَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ كَتَكْرِيرِ الْآيَةِ (وَ) تُكْرَهُ إِمَامَةُ (مَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ) كَالْقَافِ وَالضَّادِ فِي حَقِّ الْبَدَوِيِّ وَغَيْرِهِ لِلنَّقْصِ، وَظَاهِرُهُ: صِحَّةُ إِمَامَتِهِ أَعْجَمِيًّا كَانَ أَوْ عَرَبِيًّا، وَقِيلَ: مَنْ قَرَأَ (وَلَا الضَّالِّينَ) بِظَاءٍ قَائِمَةٍ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يُحِيلُ الْمَعْنَى، يُقَالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذَا إِذَا فَعَلَهُ نَهَارًا، وَقَدْ سَبَقَ (وَأَنْ يَؤُمَّ نِسَاءً أَجَانِبَ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ) كَذَا ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَى أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَطَةِ الْوَسْوَاسِ، وَحُكْمُ الْوَاحِدَةِ كَالْجَمْعِ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أَمَّ مَحَارِمَهُ أَوْ أَجْنَبِيَّاتٍ مَعَهُنَّ رَجُلٌ فَلَا كَرَاهَةَ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ، قِيلَ: نَسِيبًا لِإِحْدَاهُنَّ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقِيلَ: مَحْرَمًا، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ فِي الْجَهْرِ مُطْلَقًا.
[إمامة ولد الزنا والجندي]
كَارِهُونَ. وَلَا بَأْسَ بِإِمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَا وَالْجُنْدِيِّ إِذَا سَلِمَ دِينُهُمَا. وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا وَجْهَ لِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ نَسِيبًا، وَفِي " الْفُصُولِ " يُكْرَهُ لِلشَّوَابِّ، وَذَوَاتِ الْهَيْئَةِ الْخُرُوجُ، وَيُصَلِّينَ فِي بُيُوتِهِنَّ، فَإِنْ صَلَّى بِهِمْ رَجُلٌ مَحْرَمٌ جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَصَحَّتِ الصَّلَاةُ (أَوْ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ؛ وَهُوَ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ لِينٌ، وَأَخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تُقْبَلُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ الْإِفْرِيقِيِّ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ: دِيَانَةً، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَرِهَهُ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ لَا يُكْرَهُ، وَقَالَ أَحْمَدُ: حَتَّى يَكْرَهَهُ أَكْثَرُهُمْ، قَالَ الْقَاضِي: الْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَؤُمَّهُمْ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ، فَإِنِ اسْتَوَى الْفَرِيقَانِ فَوَجْهَانِ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَؤُمَّهُمْ إِزَالَةً لِذَلِكَ الِاخْتِلَافِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ ذَا دِينٍ وَسُنَّةٍ فَكَرِهُوهُ لِذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ، بَلْ يُكْرَهُ إِنْ كَانَ لِخَلَلٍ فِي دِينِهِ أَوْ فَضْلِهِ، قَالَهُ الْأَكْثَرُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ مُعَادَاةٌ مِنْ جِنْسِ مُعَادَاةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَوِ الْمَذْهَبِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَؤُمَّهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالصَّلَاةِ جَمَاعَةً إِنَّمَا يَتِمُّ بِالِائْتِلَافِ، وَقَالَ جَدُّهُ: أَوْ لِدُنْيَا؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَقِيلَ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِخَبَرِ أَبِي أُمَامَةَ السَّابِقِ. [إِمَامَةُ وَلَدِ الزِّنَا وَالْجُنْدِيِّ] (وَلَا بَأْسَ بِإِمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَا، وَالْجُنْدِيِّ إِذَا سَلِمَ دَيْنُهُمَا) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ» ، وَصَلَّى التَّابِعُونَ خَلْفَ ابْنِ زِيَادٍ؛ وَهُوَ مِمَّنْ فِي نَسَبِهِ نَظَرٌ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ أَبَوَيْهِ شَيْءٌ، قَالَ تَعَالَى {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15]
[ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها]
يُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِمَنْ يَقْضِيهَا وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ. وَمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حُرٌّ مَرْضِيٌّ فِي دِينِهِ، فَصَلُحَ لَهَا كَغَيْرِهِ، وَكَذَا حُكْمُ الْخَصِيِّ وَاللَّقِيطِ، وَالْمَنْفِيِّ بِلِعَانٍ، وَالْأَعْرَابِيِّ إِذَا سَلِمَ دَيْنُهُمْ، وَصَلَحُوا لَهَا، وَقِيلَ: يُكْرَهُ اتِّخَاذُ وَلَدِ الزِّنَا إِمَامًا رَاتِبًا، وَعَنْهُ: أُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْجُنْدِيِّ، وَعَنْهُ: لَا يُعْجِبُنِي إِمَامَةُ الْأَعْرَابِيِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمُ الْجَهْلُ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَالْمُهَاجِرُ أَوْلَى. مَسْأَلَةٌ: لَا يُكْرَهُ عَلَى الْأَصَحِّ إِمَامَةُ ابْنٍ بِأَبِيهِ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: لَا يَتَقَدَّمُهُ فِي غَيْرِ الْفَرْضِ، وَإِنْ أَذِنَ الْأَفْضَلُ لِلْمَفْضُولِ لَمْ يُكْرَهْ فِي الْمَنْصُوصِ، وَبِدُونِ إِذْنِهِ يُكْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِلَّا خَوْفَ أَذًى، وَالْمُرَادُ: سِوَى إِمَامِ الْمَسْجِدِ، وَصَاحِبِ الْبَيْتِ، كَمَا أَنَّهُ يَحْرُمُ كَمَا سَبَقَ. [ائْتِمَامُ مَنْ يُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِمَنْ يَقْضِيهَا] (وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِمَنْ يَقْضِيهَا) رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ الْخَلَّالُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْوَقْتُ، وَكَذَا عَكْسُهُ، لِمَا قُلْنَاهُ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا لِاخْتِلَافِ النِّيَّةِ، وَفِي " الْمُذْهَبِ " إِذَا قَضَى الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يُؤَدِّيهَا صَحَّ وَجْهًا وَاحِدًا، وَفِي العَكْسِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ قَضَى ظُهْرَ يَوْمٍ خَلْفَ ظُهْرِ يَوْمٍ آخَرَ، فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ قَوْلًا وَاحِدًا، هَذَا فِيمَا إِذَا اتَّحَدَتِ الصَّلَاةُ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ فَسَيَأْتِي. [ائْتِمَامُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ] (وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ) فِي رِوَايَةٍ نَقَلَهَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَاخْتَارَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَصَاحِبُ " النَّصِيحَةِ " " وَالتَّبْصِرَةِ " وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشَاءَ الْآخِرَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَزَادَ «وَهِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ، وَهِيَ لَهُمْ مَكْتُوبَةٌ، وَصَلَّى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ
[ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر]
بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى لَا تَصِحُّ فِيهِمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ اتَّفَقَتَا فِي الْأَفْعَالِ، أَشْبَهَ الْمُتَنَفِّلَ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا لِحَاجَةٍ نَحْوَ كَوْنِهِ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ، نَقَلَهَا حَنْبَلٌ، وَأَبُو الْحَارِثِ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَنَصَرَهَا جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ " لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْإِمَامِ، أَشْبَهَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ؛ وَهُوَ يَنْتَقِضُ بِالْمَسْبُوقِ فِي الْجُمُعَةِ إِذَا أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْوِي الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّيهَا. [ائْتِمَامُ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ] (وَمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وَمِثْلُهُ صَلَاةُ كُلِّ مُفْتَرِضٍ خَلْفَ مُفْتَرَضٍ بِفَرْضٍ غَيْرِهِ وَقْتًا وَاسْمًا، وَسَيَأْتِي (وَالْأُخْرَى لَا تَصِحُّ فِيهِمَا) وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الصِّفَةِ كَالِاخْتِلَافِ فِي الْوُضُوءِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الصِّحَّةُ وَعَدَمُهَا كَمَا تَقَدَّمَ. مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا صَلَّى فَرْضًا رُبَاعِيَّةً خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَقِيلَ: أَوِ الْمَغْرِبَ، فَإِذَا تَمَّ فَرْضُهُ قَبْلَ إِمَامِهِ، هَلْ يَنْتَظِرُهُ أَوْ يُسَلِّمُ قَبْلَهُ، أَوْ يُخَيَّرُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا تُخَالِفُ الْأُخْرَى كَصَلَاةِ كُسُوفٍ، وَاسْتِسْقَاءٍ، وَجِنَازَةٍ، وَعِيدٍ، مُنِعَ فَرْضًا، وَقِيلَ: نَفْلًا؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الْمُخَالَفَةِ فِي الْأَفْعَالِ. الثَّانِيَةُ: إِذَا صَلَّى ظُهْرًا تَامَّةً خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: إِنْ صَحَّ بِنَاءُ الظُّهْرِ عَلَى نِيَّةِ الْجُمُعَةِ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: إِنْ أَدْرَكَ مَا يُعْتَدُّ بِهِ صَحَّ، وَإِنْ كَمُلَتِ الْجُمُعَةُ، كَمَنْ هُوَ فِي ظُهْرٍ، كَمَا لَوْ سَبَقَ الْإِمَامَ الْحَدَثُ فِي التَّشَهُّدِ، وَقَدْ أَدْرَكَهُ إِنْسَانٌ فِيهِ، فَالْخِلَافُ. الثَّالِثَةُ: إِذَا صَلَّى مَرِيضٌ بِمِثْلِهِ ظُهْرًا قَبْلَ إِحْرَامِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَقُلْنَا: يَصِحُّ، ثُمَّ حَضَرَ الْإِمَامَ الْجُمُعَةُ، لَمْ يَنْقَلِبْ ظُهْرُهُ نَفْلًا فِي الْأَصَحِّ.
[فصل في كيفية وقوف المأمومين خلف الإمام]
فَصْلٌ فِي الْوَقْفِ، السُّنَّةُ: أَنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ. فَإِنْ وَقَفُوا قُدَّامَهُ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ وَقَفُوا ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ وُقُوفِ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَ الْإِمَامِ] فَصْلٌ فِي الْمَوْقِفِ (السُّنَّةُ: أَنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُونَ) رِجَالًا كَانُوا أَوْ نِسَاءً (خَلْفَ الْإِمَامِ) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَامَ أَصْحَابُهُ خَلْفَهُ» ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ جَابِرًا وَجَبَّارًا وَقَفَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِأَيْدِيهِمَا حَتَّى أَقَامَهُمَا خَلْفَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَا يَنْقُلُهُمَا إِلَّا إِلَى الْأَكْمَلِ، وَعَنْ سَمُرَةَ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كُنَّا ثَلَاثَةً أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدُنَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَرَى أَنْ يَقِفَ الِاثْنَانِ عَنْ جَانِبَيِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى بَيْنَ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِيهِ هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ، وَقَدْ وَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ، وَأَجَابَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ ضَيِّقًا. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ أَنَّ إِمَامَ الْعُرَاةِ يَقِفُ وَسَطًا وُجُوبًا، وَالْمَرْأَةُ إِذَا صَلَّتْ بِالنِّسَاءِ، (فَإِنْ وَقَفُوا قُدَّامَهُ لَمْ يَصِحَّ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» ، وَالْمُخَالَفَةُ فِي الْأَفْعَالِ مُبْطِلَةٌ، لِكَوْنِهِ يَحْتَاجُ فِي الِاقْتِدَاءِ إِلَى الِالْتِفَاتِ خَلْفَهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْقُولِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ؛ وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ، وَلَوْ بِإِحْرَامٍ فَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْقِفًا بِحَالٍ، وَالِاعْتِبَارُ بِمُؤَخَّرِ الْقَدَمِ، وَإِلَّا لَمْ يَضُرَّ كَطُولِ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ بِرَأْسِهِ فِي السُّجُودِ.
عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ جَانِبَيْهِ صَحَّ. وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ، وَإِنْ وَقَفَ خَلْفَهُ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَمَّ امْرَأَةً وَقَفَتْ خَلْفَهُ. وَإِنِ اجْتَمَعَ أَنْوَاعٌ، تَقَدَّمَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ الْعُرْفُ، فَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَالِاعْتِبَارُ بِمَحَلِّ الْقُعُودِ؛ وَهُوَ الْأَلْيَةُ، حَتَّى لَوْ مَدَّ رِجْلَيْهِ وَقَدَّمَهَا عَلَى الْإِمَامِ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ كَانَ مُضْطَجِعًا فَبِالْجَنْبِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا: يُكْرَهُ، وَيَصِحُّ، وَالْمُرَادُ: وَأَمْكَنَ الِاقْتِدَاءُ؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ، أَشْبَهَ مَنْ خَلْفَهُ. وَقِيلَ: تَصِحُّ جُمْعَةٌ، وَعِيدٌ، وَجِنَازَةٌ لِعُذْرٍ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: مَنْ تَأَخَّرَ بِلَا عُذْرٍ، فَلَمَّا أُذِّنَ جَاءَ فَصَلَّى قُدَّامَهُ؛ عُزِّرَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِي صَلَاةِ الْإِمَامِ وَجْهَانِ، هَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ صَفٌّ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَرْأَةُ إِذَا أَمَّتْ رِجَالًا فِي تَرَاوِيحَ، وَدَاخِلَ الْكَعْبَةِ إِذَا تَقَابَلَا، أَوْ جَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى ظَهْرِ إِمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ خَطَأَهُ، فَإِنْ جَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى وَجْهِهِ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ وَقَفُوا حَوْلَ الْكَعْبَةِ مُسْتَدِيرِينَ صَحَّتْ، فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ أَقْرَبَ مِنْ جِهَتِهِ مِنَ الْإِمَامِ فِي جِهَتِهِ جَازَ، فَإِنْ كَانَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ بَطَلَتْ، وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " لَا يَضُرُّ، وَفِي شِدَّةِ الْخَوْفِ إِذَا أَمْكَنَ الْمُتَابَعَةُ (وَإِنْ وَقَفُوا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ جَانِبَيْهِ صَحَّ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ: إِنْ وَقَفَ بَيْنَهُمَا، فَفِي الْكَرَاهَةِ احْتِمَالَانِ (وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ) «لِإِدَارَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَابِرًا إِلَى يَمِينِهِ لَمَّا وَقَفَا عَنْ يَسَارِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَيُنْدَبُ تَخَلُّفُهُ قَلِيلًا خَوْفًا مِنَ التَّقَدُّمِ، وَمُرَاعَاةً لِلْمَرْتَبَةِ. فَإِنْ عُدِمَ صِحَّةُ مُصَافَّتِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَالْمُرَادُ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ أَحَدٌ، فَيَجِيءُ الْوَجْهُ: تَصِحُّ مُنْفَرِدًا، وَكَصَلَاتِهِمْ قُدَّامَهُ، فَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ (وَإِنْ وَقَفَ خَلْفَهُ) لِأَنَّهُ صَارَ فَذًّا (أَوْ عَنْ يَسَارِهِ لَمْ يَصِحَّ) كَذَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَالْمُرَادُ: إِذَا صَلَّى رَكْعَةً فَأَكْثَرَ، نَصَّ عَلَيْهِ، مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، وَالْمُؤَلِّفُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ، وَفِي " الشَّرْحِ " هِيَ الْقِيَاسُ، كَمَا لَوْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَوْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَابِرًا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ، بِدَلِيلِ رَدِّ جَابِرٍ وَجَبَّارٍ إِلَى وَرَائِهِ مَعَ صِحَّةِ صَلَاتِهِمَا عَنْ جَانِبَيْهِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ إِنْ كَانَ خَلْفَهُ صَفٌّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلَّى وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ» ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ الْإِمَامُ، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَحُكْمُ الْجَمَاعَةِ كَالْوَاحِدِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا كَبَّرَ عَنْ يَسَارِهِ أَدَارَهُ مِنْ وَرَائَهُ إِلَى يَمِينِهِ، فَإِنْ كَبَّرَ الْآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ أَخْذَهُمَا بِيَدِهِ إِلَى وَرَائِهِ، فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ، أَوْ تَعَذَّرَ، تَقَدَّمَ الْإِمَامُ فَصَلَّى بَيْنَهُمَا، أَوْ عَنْ يَسَارِهِمَا، وَلَوْ تَأَخَّرَ الْأَيْمَنُ قَبْلَ إِحْرَامِ الدَّاخِلِ لِيُصَلِّيَا خَلْفَهُ، جَازَ، وَفِي النِّهَايَةِ وَ " الرِّعَايَةِ " بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَلَوْ أَدْرَكَهُمَا الدَّاخِلُ جَالِسَيْنِ كَبَّرَ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ صَاحِبِهِ، أَوْ يَسَارِ الْإِمَامِ، وَلَا تَأَخَّرَ إِذَنْ لِلْمَشَقَّةِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الزَّمْنَى لَا يَتَقَدَّمُونَ وَلَا يَتَأَخَّرُونَ لِلْعِلَّةِ. (وَإِنْ أَمَّ امْرَأَةً وَقَفَتْ خَلْفَهُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَعَهُ رَجُلٌ أَوْ رِجَالٌ، وَلَا يَصِحُّ وُقُوفُ امْرَأَةٍ فَذًّا، فَإِنْ وَقَفَتْ وَحْدَهَا فَهِيَ فَذٌّ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْكَافِي "، وَإِنْ وَقَفَتْ مَعَ رَجُلٍ، فَكَذَا فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ، وَنَقَلَهُ الْمَجْدُ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ: لَا، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْوَفَاءِ، فَإِنْ كَانَ فِي صَفِّ الرِّجَالِ كُرِهَ، وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا وَخَلْفَهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، كَمَا لَوْ وَقَفَتْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيمَنْ يَلِيهَا رِوَايَةً: تَبْطُلُ، وَفِي " الْفُصُولِ " أَنَّهُ الْأَشْبَهُ، وَأَنَّ أَحْمَدَ
الرِّجَالُ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ الْخَنَاثَى. ثُمَّ النِّسَاءُ، وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ فِي تَقْدِيمِهِمْ إِلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQتَوَقَّفَ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ، وَقِيلَ: وَمَنْ خَلْفَهَا، وَقِيلَ: وَأَمَامَهَا، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهَا، وَذَهَبَ الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْوَفَاءِ إِلَى خِلَافِهِ، لِلنَّهْيِ عَنْ وُقُوفِهَا، وَالْوُقُوفِ مَعَهَا، فَهُمَا سَوَاءٌ، فَإِنْ وَقَفَتْ عَنْ يَمِينِهِ، فَظَاهِرُهُ يَصِحُّ، وَعَنْ يَسَارِهِ إِنْ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهَا، وَلَا مَنْ يَلِيهَا، فَكَرَجُلٍ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَفِي " التَّعْلِيقِ " إِذَا كَانَ الْإِمَامُ رَجُلًا، وَهُوَ عُرْيَانٌ، فَإِنَّهَا تَقِفُ عَنْ يَمِينِهِ. (وَإِنِ اجْتَمَعَ أَنْوَاعٌ تَقَدَّمَ الرِّجَالُ) أَحْرَارًا كَانُوا أَوْ عَبِيدًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ (ثُمَّ الصِّبْيَانُ) «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى، فَصَفَّ الرِّجَالَ، ثُمَّ صَفَّ خَلْفَهُمُ الْغِلْمَانَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ بِمَعْنَاهُ، وَزَادَ: «وَالنِّسَاءُ خَلْفَ الْغِلْمَانِ» وَفِيهِ لِينٌ وَضَعْفٌ، وَفِي " الْمُذْهَبِ ": رِوَايَةُ تَأْخِيرِهِمْ عَنِ الْكُلِّ (ثُمَّ الْخَنَاثَى) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا رِجَالًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى صِحَّةِ وُقُوفِ الْخَنَاثَى صَفًّا. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ وُقُوفَ الْمَرْأَةِ إِلَى جَانِبِ الرَّجُلِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَعَلَى أَنَّ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ إِذَا وَقَفَ مَعَ امْرَأَةٍ لَا يَكُونُ فَذًّا، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ صَفُّهُمْ، وَإِنْ أَمَّ رَجُلٌ خُنْثَى، صَحَّ فِي الْأَصَحِّ، فَيَقِفُ عَنْ يَمِينِهِ، صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَقِيلَ: خَلْفَهُ، وَإِنْ أَمَّ رَجُلًا وَخُنْثَى وَقَفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ، وَالْخُنْثَى خَلْفَهُمَا، وَفِي " الشَّرْحِ " يَقِفُ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ أَوْ يَمِينِ الرَّجُلِ، وَلَا يَقِفَانِ خَلْفَهُ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً إِلَّا عِنْدَ مَنْ أَجَازَ لِلرَّجُلِ مُصَافَّتَهَا، فَإِنْ أَمَّ امْرَأَةً وَخُنْثَى، فَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ:
الْأَمَامِ إِذَا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُهُمْ، وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إِلَّا كَافِرٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ مُحْدِثٌ يَعْلَمُ حَدَثَهُ، فَهُوَ فَذٌّ. وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ، إِلَّا فِي النَّافِلَةِ، وَمَنْ جَاءَ فَوَجَدَ فُرْجَةً ـــــــــــــــــــــــــــــQيَقِفَانِ خَلْفَهُ مُتَبَاعِدَيْنِ (ثُمَّ النِّسَاءُ) فَلَوِ انْفَرَدَتْ عَنْ صَفِّ النِّسَاءِ أَوْ صَلَتْ بِامْرَأَةٍ مِثْلِهَا، فَوَقَفَتْ خَلْفَهَا، لَمْ يَصِحَّ، وَفِي " الْكَافِي " عَكْسُهُ، لِأَنَّهَا يَجُوزُ وُقُوفُهَا مُنْفَرِدَةً بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَنَسٍ (وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ فِي تَقْدِيمِهِمْ إِلَى الْأَمَامِ) وَإِلَى الْقِبْلَةِ فِي قَبْرٍ لِضَرُورَةٍ (إِذَا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُهُمْ) وَسَيَأْتِي (وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إِلَّا كَافِرٌ) اتِّفَاقًا (أَوِ امْرَأَةٌ) أَوْ خُنْثَى فَهُوَ فَذٌّ، قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَفِي " الْكَافِي "، وَ " التَّلْخِيصِ " لِأَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلُ الْوُقُوفِ مَعَهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " عَنِ الْقَاضِي، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهُ وَقَفَ مَعَهُ مُفْتَرِضٌ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، أَشْبَهَ الرَّجُلَ (أَوْ مُحْدِثٌ يَعْلَمُ حَدَثَهُ فَهُوَ فَذٌّ) أَيْ: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّ وَجُودَهُ كَعَدَمِهِ، وَكَذَا إِذَا وَقَفَ مَعَهُ سَائِرُ مَنْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " فَدَلَّ أَنَّ صِحَّةَ صَلَاتِهِ صِحَّةُ مُصَافَّتِهِ، فَلَوْ جَهِلَ الْحَدَثَ حَتَّى سَلَّمَا، صَحَّتْ، وَلَمْ يَكُنْ فَذًّا، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ الْقَاضِي: كَجَهْلِ مَأْمُومٍ حَدَثَ إِمَامِهِ، وَفِي " الْفُصُولِ " إِنْ بَانَ مُبْتَدِعًا أَعَادَ، وَلِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ لَا يَؤُمُّ، بِخِلَافِ الْمُحْدِثِ، فَإِنَّ الْمُتَيَمِّمَ يَؤُمُّ. (وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ) إِذَا وُقِفَ مَعَهُ فِي فَرْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ إِمَامَتُهُ بِهِمْ، فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يُصَافَّهُمْ كَالْمَرْأَةِ، لَكِنْ رَوَى الْأَثْرَمُ أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ وُقُوفِ الصَّبِيِّ مَعَ الْفَرْضِ فَتَوَقَّفَ، وَقَالَ: مَا أَدْرِي، فَذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ أَنَسٍ فَقَالَ: ذَاكَ فِي التَّطَوُّعِ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهُ فَذٌّ، وَانْعِقَادُ الْجَمَاعَةِ بِهِ وَمُصَافَّتُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ إِمَامَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَفَرْضُهُ نَفْلٌ، وَقِيلَ: تَصِحُّ مُصَافَّتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ إِمَامَتُهُ، لِأَنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ لَهَا صِحَّةُ الْإِمَامَةِ كَالْفَاسِقِ وَالْعَبْدِ، وَالْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ الْمُنَجَّا فِي الْخُلَاصَةِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَلِأَنَّهُ لَوِ اشْتَرَطَ فِي صِحَّتِهَا صِحَّةُ الْإِمَامَةِ، لَمَا
وَقَفَ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ، فَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً فَذًّا لَمْ يَصِحَّ. وَإِنْ رَكَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ، أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQصَحَّتْ مُصَافَّةُ الْأَخْرَسِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ صِحَّةُ إِمَامَتِهِ فِي الْجُمْلَةِ دُونَ مُصَافَّتِهِ، حَيْثُ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا فِي النَّفْلِ، وَعَلَى الصِّحَّةِ فَيَقِفُ رَجُلٌ وَصَبِيٌّ خَلْفَهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: عَنْ يَمِينِهِ أَوْ مِنْ جَانِبَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا فِي النَّافِلَةِ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ، وَعَنْهُ: لَا كَالْفَرْضِ. فَرْعٌ: إِذَا وَقَفَ اثْنَانِ خَلْفَ الصَّفِّ، فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ دَخَلَ الْآخَرُ فِي الصَّفِّ، أَوْ وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، أَوْ نَبَّهَ مَنْ يَخْرُجُ فَيَقِفُ مَعَهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ نَوَى مُفَارَقَتَهُ وَأَتَمَّ مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَبَقَ إِمَامَهُ الْحَدَثُ (وَمَنْ جَاءَ فَوَجَدَ فُرْجَةً) بِضَمِّ الْفَاءِ: هِيَ الْخَلَلُ فِي الصَّفِّ (وَقَفَ فِيهَا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ» . قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَإِنْ كَانَتْ بِحِذَائِهِ كُرِهَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَيْهَا عَرْضًا، وَإِنْ كَانَ الصَّفُّ غَيْرَ مَرْصُوصٍ دَخَلَ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ) لِأَنَّهُ مَوْقِفُ الْوَاحِدِ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ) بِنَحْنَحَةٍ أَوْ كَلَامٍ، وَجْهًا وَاحِدًا، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حُصُولِ مَنْ يَقِفُ مَعَهُ وَيَتْبَعُهُ، وَظَاهِرُهُ: يُكْرَهُ جَذْبُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَوْ كَانَ عَبْدَهُ أَوِ ابْنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ حَالَ الْعِبَادَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: جَوَّزَ أَصْحَابُنَا جَذْبَ رَجُلٍ يَقُومُ مَعَهُ صَفًّا، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " لِلْحَاجَةِ، فَجَازِ كَالسُّجُودِ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ، أَوْ قَدَمِهِ حَالَ الزِّحَامِ، وَفِي الْمُغْنِي، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْخُرُوجِ مَعَهُ، لَمْ يَكْرَهْهُ، وَصَلَّى وَحْدَهُ، أَوِ انْتَظَرَ جَمَاعَةً
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQأُخْرَى (فَإِنْ صَلَّى فَذًّا رَكْعَةً لَمْ يَصِحَّ) وَقَالَهُ النَّخَعِيُّ وَإِسْحَاقُ؛ لِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ شَيْبَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَّتَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلِأَنَّهُ خَالَفَ الْوُقُوفَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَ قُدَّامَ الْإِمَامِ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالْعَالِمِ وَضِدِّهِمَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ فَذًّا أَنَّهَا تَصِحُّ، وَعَنْهُ: عَكْسُهَا، اخْتَارَهُ فِي " الرَّوْضَةِ "، وَعَنْهُ: إِنْ عَلِمَ النَّهْيَ، وَعَنْهُ: تَصِحُّ، حَكَاهَا الدَّيْنَوَرِيُّ؛ «لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ - وَاسْمُهُ نُفَيْعٌ - رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ. وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَاهُ عَنِ الْعَوْدِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَعَذَرَهُ فِيمَا فَعَلَهُ بِالْجَهْلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: فِي النَّفْلِ، وَبَنَاهُ فِي " الْفُصُولِ " عَلَى مَنْ صَلَّى بَعْضَ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ، وَفِي " النَّوَادِرِ " رِوَايَةٌ: يَصِحُّ لِخَوْفِهِ تَضْيِيقًا؛ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِعُذْرٍ، وَحَيْثُ صَحَّتْ، فَالْمُرَادُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ إِلَّا لِعُذْرٍ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ شَيْخِنَا، وَقِيلَ: تَصِحُّ فَذًّا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، قَالَهُ فِي التَّعْلِيقِ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ أَفْضَلُ إِنْ تَعَيَّنَ صَفًّا، وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، فَكَانُوا سِتَّةً، فَجَعَلَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ ثَلَاثَةً، وَالثَّانِيَ اثْنَيْنِ، وَالثَّالِثَ وَاحِدًا» .
[حكم صلاة الفذ مع الإمام]
وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ رَفَعَ، وَلَمْ يَسْجُدْ، صَحَّتْ، وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ النَّهْيَ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لَمْ يَصِحَّ. وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ فِي " الْفُصُولِ ": وَيُعَايَا بِهَا، وَرَدَّهُ فِي " الْمُغْنِي " لِعَدَمِ صِحَّةِ الْخَبَرِ فِيهِ. قَالَ: لِأَنَّ أَحْمَدَ لَوْ عَلِمَ فِيهِ حَدِيثًا لَمْ يُعَدِّهُ إِلَى غَيْرِهِ. [حُكْمُ صَلَاةِ الْفَذِّ مَعَ الْإِمَامِ] (وَإِنْ رَكَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ، أَوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ فِي الصَّفِّ مَا يُدْرِكُ بِهِ الرَّكْعَةَ (وَإِنْ رَفَعَ) الْإِمَامُ مِنَ الرُّكُوعِ (وَلَمْ يَسْجُدْ صَحَّتْ) قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ وَالشَّيْخَانِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ فَعَلَهُ، وَفَعَلَهُ أَيْضًا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مَعَهُ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ فِي الصَّفِّ مَا يُدْرِكُ بِهِ رَكْعَةً، أَشْبَهَ مَنْ صَلَّى رَكْعَةً فَذًّا، وَجَعَلَهَا فِي الْمُنْتَخَبِ، وَ " الْوَجِيزِ " فِيمَا إِذَا سَجَدَ الْإِمَامُ (وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ النَّهْيَ لَمْ يَصِحَّ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَأْمُرْ أَبَا بَكْرَةَ بِالْإِعَادَةِ، وَنَهَاهُ عَنِ الْعَوْدِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ دَخَلَ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؛ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ (وَإِنْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ) وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي " الْفُرُوعِ " لِغَيْرِ غَرَضٍ، وَفِي " الْكَافِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَلَا خَشِيَ الْفَوَاتَ (لَمْ يَصِحَّ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَفِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي الْمَعْذُورِ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ، قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " لِأَنَّ الْمَوْقِفَ لَا يَخْتَلِفُ بِخِيفَةِ الْفَوَاتِ وَعَدَمِهِ.
[أحكام الاقتداء]
يَرَى مَنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ إِذَا اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ، وَإِنْ لَمْ يَرَ مَنْ وَرَاءَهُ لَمْ تَصِحَّ. وَعَنْهُ: تَصِحُّ إِذَا كَانَا فِي الْمَسْجِدِ. وَلَا يَكُونُ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنَ الْمَأْمُومِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [أَحْكَامُ الِاقْتِدَاءِ] (وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ يَرَى) الْإِمَامَ أَوْ (مَنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ إِذَا اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ) جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي "، وَ " نِهَايَةِ " أَبِي الْعَالِي؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الِاقْتِدَاءُ بِإِمَامِهِ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ، لِانْتِفَاءِ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ وَعَدَمِ الِاتِّصَالِ الْمُفْسِدَيْنِ لَهَا، وَكَمَا لَوْ صَلَّى فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ، وَفِي " التَّلْخِيصِ "، وَ " الرِّعَايَةِ " أَوْ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ، لِظَاهِرِ الْأَمْرِ بِالدُّنُوِّ مِنَ الْإِمَامِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَفَسَّرَهُ فِي " الْمُغْنِي " بِبُعْدٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، وَلَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ، وَمَعْنَاهُ فِي " الشَّرْحِ " " وَالْمُذْهَبِ " عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي أَقْصَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ مَا يَمْنَعُ الِاسْتِطْرَاقَ وَالْمُشَاهَدَةَ أَنَّهُ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلِ الصُّفُوفُ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ لِلْجَمَاعَةِ، فَكُلُّ مَنْ حَصَلَ فِي مَحَلِّ الْجَمَاعَةِ، بِخِلَافِ خَارِجِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلِاجْتِمَاعِ فِيهِ، فَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ الِاتِّصَالَ فِيهِ (وَإِنْ لَمْ يَرَ مَنْ وَرَاءَهُ لَمْ تَصِحَّ) قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ لِنِسَاءٍ كُنْ يُصَلِّينَ فِي حُجْرَتِهَا: لَا تُصَلِّينَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، فَإِنَّكُنَّ دُونَهُ فِي حِجَابٍ. فَعَلَّلَتِ النَّهْيَ بِالْحِجَابِ؛ وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ فِي الْغَالِبِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَسْمَعِ التَّكْبِيرَ (وَعَنْهُ: تَصِحُّ إِذَا كَانَا فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ: إِذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ بِسَمَاعِ التَّكْبِيرِ فِيهِ، وَلَمْ يَرَ إِمَامَهُ، وَلَا بَعْضَ مَنْ مَعَهُ، صَحَّ، صَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَفِي " الْكَافِي "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُمْ فِي مَوْضِعِ الْجَمَاعَةِ، وَيُمْكِنُهُمُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ بِسَمَاعِ التَّكْبِيرِ، أَشْبَهَ الْمُشَاهَدَةَ، وَعَنْهُ: فِي النَّفْلِ، وَعَنْهُ: وَالْفَرْضِ مُطْلَقًا لِظُلْمَةٍ وَضَرَرٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْجُمُعَةُ. وَقِيلَ: تَصِحُّ فِيهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQتَتِمَّاتٌ: إِذَا اقْتَدَى بِهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَرَاهُ، أَوْ مَنْ خَلْفَهُ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ صَحَّ، جَزَمَ بِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ الصَّحِيحَ فِي " الْمَذْهَبِ "، وَلَوْ جَاوَزَ ثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ، أَوْ كَانَتْ جُمُعَةً فِي دَارٍ وَدُكَّانٍ، وَاعْتَبَرَ جَمَاعَةٌ اتِّصَالَ الصُّفُوفِ عُرْفًا، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ أَوْ طَرِيقٌ، وَلَمْ تَتَّصِلِ الصُّفُوفُ، إِنْ صَحَّتِ الصَّلَاةُ فِيهِ، لَمْ يَمْنَعِ الِاقْتِدَاءَ فِي رِوَايَةٍ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَغَيْرُهُ، لِعَدَمِ النَّصِّ فِي ذَلِكَ وَالْإِجْمَاعِ. وَقَالَ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ ": هُوَ الْقِيَاسُ تُرِكَ لِلْآثَارِ. قَالَ فِي " الْكَافِي ": إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَرِيضًا يَمْنَعُ الِاتِّصَالَ، وَعَنْهُ: يَمْنَعُ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِلْآثَارِ، وَمِثْلُهُ: إِذَا كَانَ بِسَفِينَةٍ، وَإِمَامُهُ فِي أُخْرَى؛ لِأَنَّ الْمَاءَ طَرِيقٌ، وَلَيْسَتِ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً، وَالْمُرَادُ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْخَوْفِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَأَلْحَقَ الْآمِدِيُّ بِالنَّهْيِ النَّارَ وَالْبِئْرَ، وَقِيلَ: وَالسَّبُعَ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ، لَكِنْ يَسْمَعُ التَّكْبِيرَ، فَالْخِلَافُ. (وَلَا يَكُونُ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنَ الْمَأْمُومِ) وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُومَنَّ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِهِمْ» وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ،. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِحُذَيْفَةَ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: بَلَى، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ثِقَاتٍ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ تَعْلِيمَهُمْ أَمْ لَا، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ، وَعَنْهُ: إِنْ أَرَادَ التَّعْلِيمَ لِحَدِيثِ سَهْلٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ، وَسَجَدَ مَعَهُ النَّاسُ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا، وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ عُلُوٌّ يَسِيرٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى،
[صلاة الإمام في طاق القبلة]
فَإِنْ فَعَلَ، وَكَانَ كَثِيرًا، فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي طَاقِ الْقِبْلَةِ أَوْ يَتَطَوَّعُ فِي مَوْضِعِ الْمَكْتُوبَةِ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ وَيُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِينَ الْوُقُوفُ ـــــــــــــــــــــــــــــQجَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَبَقَ، وَقِيلَ: يَجُوزُ لَهُ خَاصَّةً (فَإِنْ فَعَلَ وَكَانَ كَثِيرًا) وَهُوَ ذِرَاعٌ عِنْدَ الْقَاضِي، وَقَدَّرَهُ أَبُو الْمَعَالِي مِقْدَارَ قَامَةِ الْمَأْمُومِ، لِحَاجَتِهِ إِلَى رَفْعِ رَأْسِهِ إِلَيْهِ؛ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ (فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟) أَيِ: الْإِمَامِ (عَلَى وَجْهَيْنِ) الْمَذْهَبُ صِحَّتُهَا، لِفِعْلِ حُذَيْفَةَ وَعَمَّارٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالثَّانِي: لَا تَصِحُّ، قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ لِلنَّهْيِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ سَاوَاهُ بَعْضُهُمْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ فِي الْأَصَحِّ، زَادَ بَعْضُهُمْ: بِلَا كَرَاهَةٍ، وَفِي النَّازِلِينَ إِذَنِ الْخِلَافُ، وَلَا بَأْسَ بِعُلُوِّ الْمَأْمُومِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يُعِيدُ الْجُمُعَةَ مَنْ يُصَلِّيهَا فَوْقَ سَطْحِ الْمَسْجِدِ، رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ أَنَسٍ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، أَشْبَهَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ، وَقَيَّدَهَا فِي " الْكَافِي " إِذَا اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ. [صَلَاةُ الْإِمَامِ فِي طَاقِ الْقِبْلَةِ] (وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي طَاقِ الْقِبْلَةِ) أَيِ: الْمِحْرَابِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَتِرُ عَنْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ، وَحِينَئِذٍ فَيَقِفُ عَنْ يَمِينِ الْمِحْرَابِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ حَاجَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ كَضِيقِ الْمَسْجِدِ وَكَثْرَةِ الْجَمْعِ لَمْ يُكْرَهْ، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا كَسُجُودِه فِيهِ، وَكَمَا لَوْ شَاهَدَهُ الْمَأْمُومُ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى. فَائِدَةٌ: اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ فِيهِ مُبَاحٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ، لِيَسْتَدِلَّ بِهِ الْجَاهِلُ، لَكِنْ قَالَ الْحَسَنُ: الطَّاقُ فِي الْمَسْجِدِ أَحْدَثَهُ النَّاسُ، وَكَانَ يُكْرَهُ كُلُّ مُحْدَثٍ، وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ: لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَتَّخِذُوا فِي مَسَاجِدِهِمْ مَذَابِحَ كَمَذَابِحِ
[تطوع الإمام في موضع المكتوبة]
بَيْنَ السَّوَارِي إِذَا قُطِعَتْ صُفُوفُهُمْ وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ إِطَالَةُ الْقُعُودِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالنَّصَارَى، وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّ بِمَسْجِدٍ يُشْرِفُ قَالَ: هَذِهِ بَيْعَةٌ، احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَظَاهِرُهُ الْكَرَاهَةُ. [تَطَوُّعُ الْإِمَامِ فِي مَوْضِعِ الْمَكْتُوبَةِ] (أَوْ يَطَّوَّعُ فِي مَوْضِعِ الْمَكْتُوبَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «لَا يُصَلِّيَنَّ الْإِمَامُ فِي مَقَامِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ حَتَّى يَتَنَحَّى عَنْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ فِي تَحْوِيلِهِ مِنْ مَكَانِهِ إِعْلَامًا لِمَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ أَنَّهُ صَلَّى فَلَا يَنْتَظِرُهُ، وَيَطْلُبُ جَمَاعَةً أُخْرَى، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يُكْرَهُ، لَكِنَّ تَرْكَهُ أَفْضَلُ كَالْمَأْمُومِ (إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ) فِيهِمَا، وَالْحَاجَّةُ هَنَا أَنْ لَا يَجِدَ مَوْضِعًا يَتَحَوَّلُ إِلَيْهِ [وُقُوفُ الْمَأْمُومِينَ بَيْنَ السَّوَارِي] (وَيُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِينَ الْوُقُوفُ بَيْنَ السَّوَارِي إِذَا قُطِعَتْ صُفُوفُهُمْ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا نُنْهَى أَنْ نَصُفَّ بَيْنَ السَّوَارِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَنُطْرَدُ عَنْهَا طَرْدًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ لِينٌ، وَقَالَ أَنَسٌ: «كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، قَالَ أَحْمَدُ: لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّفَّ. قَالَ بَعْضُهُمْ: فَتَكُونُ سَارِيَةٌ عَرْضُهَا مَقَامَ ثَلَاثَةٍ بِلَا حَاجَةٍ، وَيَتَوَجَّهُ: أَكْثَرُ أَوِ الْعُرْفُ، فَلَوْ كَانَ الصَّفُّ قَدْرَ مَا بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ لَمْ يُكْرَهْ؛ لِأَنَّ الصَّفَّ لَا يَنْقَطِعُ بِذَلِكَ،
[إطالة قعود الإمام بعد الصلاة مستقبل القبلة]
مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ. فَإِنْ كَانَ مَعَهُ نِسَاءٌ لَبِثَ قَلِيلًا لِيَنْصَرِفَ النِّسَاءُ وَإِذَا صَلَّتِ امْرَأَةٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ كَالْإِمَامِ، وَكَقَطْعِ الْمِنْبَرِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا دَخَلَ الْكَعْبَةَ صَلَّى بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ» . 1 مَسْأَلَةٌ: يُكْرَهُ اتِّخَاذُ غَيْرِ إِمَامٍ مَكَانًا بِالْمَسْجِدِ لَا يُصَلِّي فَرْضَهُ إِلَّا فِيهِ، وَيُبَاحُ فِي النَّفْلِ جَمْعًا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يُكْرَهُ مُدَاوَمَتُهُ بِمَوْضِعٍ مِنْهُ، وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: كَانَ أَحْمَدُ لَا يُوَطِّنُ الْأَمَاكِنَ، وَيَكْرَهُ إِيطَانَهَا، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَتْ فَاضِلَةً، وَيَتَوَجَّهُ: لَا يُكْرَهُ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا سَبَقَ مِنْ تَحَرِّي نَقْرَةِ الْإِمَامِ، وَأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَلَوْ لِحَاجَةٍ كَإِسْمَاعِ حَدِيثٍ وَتَقْدِيسٍ وَإِفْتَاءٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ. [إِطَالَةُ قُعُودِ الْإِمَامِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ] (وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ إِطَالَةُ الْقُعُودِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ إِذَا بَقِيَ عَلَى حَالِهِ رُبَّمَا سَهَا فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ، أَوْ ظَنَّ غَيْرُهُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقُومَ أَوْ يَنْحَرِفَ عَنْ قِبْلَتِهِ؛ لِقَوْلِ سَمُرَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُطِيلَ الْإِمَامُ جُلُوسَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. وَظَاهِرُهُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ مُسْتَقْبِلَ الْمَأْمُومِينَ، وَأَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهَا فِيهِ، ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ عَلَى حَالِهِمَا. قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَيَأْتِيَانِ بِالذِّكْرِ، وَهُمَا مُسْتَقْبِلَانِ الْقِبْلَةَ مُثْنِيٌ رِجْلُهُمَا (فَإِنْ كَانَ مَعَهُ نِسَاءٌ لَبِثَ) الْإِمَامُ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الرِّجَالِ (قَلِيلًا لِيَنْصَرِفَ النِّسَاءُ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَصْحَابُهُ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَتَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ
[موقف المرأة عند إمامة النساء]
بِالنِّسَاءِ قَامَتْ وَسَطَهُنَّ فِي الصَّفِّ. وَيُعْذَرُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ الْمَرِيضُ، وَمَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ. وَلِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِذَلِكَ يُفْضِي إِلَى اخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ الْمَأْمُومُ قَبْلَ إِمَامِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا تَسْبِقُونِي بِالِانْصِرَافِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِئَلَّا يَذْكُرَ سَهْوًا فَيَسْجُدَ لَهُ، زَادَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِلَّا أَنْ يُخَالِفَ الْإِمَامُ السُّنَّةَ فِي إِطَالَةِ الْجُلُوسِ أَوْ يَنْحَرِفَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. [مَوْقِفُ الْمَرْأَةِ عِنْدَ إِمَامَةِ النِّسَاءِ] (وَإِذَا صَلَّتِ امْرَأَةٌ بِالنِّسَاءِ قَامَتْ وَسَطَهُنَّ فِي الصَّفِّ) رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا التَّسَتُّرُ، وَهَذَا أَسْتَرُ لَهَا، أَشْبَهَ إِمَامَ الْعُرَاةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النِّسَاءَ يُصَلِّينَ جَمَاعَةً، وَصَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ. فَإِنْ تَقَدَّمَتْهُنَّ صَحَّ لِكَوْنِهِ مَوْقِفًا فِي الْجُمْلَةِ لِلرَّجُلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا خَالَفَتْ مَوْقِفَهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ خَالَفَ الرَّجُلُ مَوْقِفَهُ، وَإِنْ أَمَّتْ وَاحِدَةً وَقَفَتْ عَنْ يَمِينِهَا كَالْمَأْمُومِ مِنَ الرِّجَالِ، فَإِنْ وَقَفَتْ خَلْفَهَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَوْقِفٌ لَهَا؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ. ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " تَبَعًا " لِلْكَافِي "، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ. غَرِيبَةٌ: قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: مِنَ الْأَدَبِ أَنْ يَضَعَ الْإِمَامُ نَعْلَهُ عَنْ يَسَارِهِ، وَالْمَأْمُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِئَلَّا يُؤْذِيَ غَيْرَهُ. [الْأَعْذَارُ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ] فَصْلٌ (وَيُعْذَرُ فِي) تَرْكِ (الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ الْمَرِيضُ) «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا مَرِضَ
يُدَافِعُ أَحَدَ الْأَخْبَثَيْنِ، أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، وَالْخَائِفُ مِنْ ضَيَاعِ مَالِهِ أَوْ فَوَاتِهِ، أَوْ ضَرَرٍ فِيهِ. أَوْ مَوْتِ قَرِيبِهِ، أَوْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ضَرَرٍ، أَوْ سُلْطَانٍ، أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَخَلَّفَ عَنِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ خَافَ طُولَ الْمَرَضِ أَوْ كَثْرَتَهُ، وَكَذَا خَوْفُ حُدُوثِهِ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَّرَ الْعُذْرَ بِالْخَوْفِ وَالْمَرَضِ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِإِتْيَانِهَا رَاكِبًا وَمَحْمُولًا، أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ أَحَدٌ، أَوْ بِأَنْ يَقُودَ أَعْمَى لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ، وَقِيلَ: لَا، كَالْجَمَاعَةِ. نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: فِي الْجُمُعَةِ يَكْتَرِي وَيَرْكَبُ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى ضَعْفٍ عَقِبَ الْمَرَضِ، فَأَمَّا مَعَ الْمَرَضِ فَلَا يَلْزَمُهُ لِبَقَاءِ الْعُذْرِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا كَانَ فِي الْجَامِعِ، فَتَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ (وَمَنْ يُدَافِعُ أَحَدَ الْأَخْبَثَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ) وَيَأْكُلُ حَتَّى يَشْبَعَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِخَبَرِ أَنَسٍ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَعَنْهُ: مَا يَكْسِرُ بِهِ نَفْسَهُ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ ضَرَرًا، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ فِي الْجُمُعَةِ. وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ بَدَأَ بِالطَّعَامِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، ابْتَدَرَ إِلَى الصَّلَاةِ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَقَامَ وَصَلَّى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَالْخَائِفُ مِنْ ضَيَاعِ مَالِهِ أَوْ فَوَاتِهِ أَوْ ضَرَرٍ فِيهِ) كَمَنْ يَخَافُ عَلَى مَالِهِ مِنْ لِصٍّ أَوْ سُلْطَانٍ، أَوْ يَخَافُ عَلَى بَهِيمَةٍ مِنْ سَبْعٍ أَوْ شُرُودٍ، وَكَمَنْ لَهُ خُبْزٌ فِي تَنُّورٍ، أَوْ طَعَامٌ عَلَى نَارٍ، أَوْ مَاءٌ فِي زَرْعٍ، أَوْ يَخَافُ ضَيَاعَ مَالِهِ، أَوْ إِبَاقَ عَبْدِهِ، أَوْ يَرْجُو وِجْدَانَهُمَا فِي تِلْكَ الْحَالِ، أَوْ يَكُونُ
مُلَازَمَةِ غَرِيمٍ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، أَوْ فَوَاتِ رُفْقَتِهِ، أَوْ غَلَبَةِ النُّعَاسِ. أَوِ الْأَذَى بِالْمَطَرِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQمُسْتَأْجَرًا عَلَى حِفْظِ مَالٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ اللَّاحِقَةَ بِذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ بَلِّ الثِّيَابِ بِالْمَطَرِ الَّذِي هُوَ عُذْرٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: خَوْفُ فَوْتِ الْمَالِ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ إِذَا لَمْ يُتَعَمَّدْ سَبَبُهُ، بَلْ حَصَلَ اتِّفَاقًا (أَوْ مَوْتِ قَرِيبِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، أَوْ تَمْرِيضِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَخْدِمُهُ، وَأَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْجُمُعَةَ، وَكَذَا إِنْ خَافَ عَلَى أَهْلِهِ أَوْ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتُصْرِخَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ؛ وَهُوَ يَتَجَمَّرُ لِلْجُمُعَةِ، فَأَتَاهُ بِالْعَقِيقِ، وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. (أَوْ) يَخَافُ (عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ضَرَرٍ) كَسَبْعٍ أَوْ سَيْلٍ، وَنَحْوِهِمَا (أَوْ سُلْطَانٍ) يَأْخُذُهُ (أَوْ مُلَازَمَةِ غَرِيمٍ، وَلَا شَيْءَ مَعَهُ) يُعْطِيهِ؛ لِأَنَّ حَبْسَ الْمُعْسِرِ ظُلْمٌ، وَكَذَا إِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، وَخَشِيَ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ قَبْلَ مَحَلِّهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا قَدَرَ عَلَى أَدَاءِ دَيْنِهِ، فَلَا عُذْرَ، لِلنَّصِّ، فَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِآدَمِيٍّ، أَوْ قِصَاصٌ، فَمِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ وَفَاؤُهُ، لَكِنْ فِي الْقِصَاصِ إِذَا رَجَا الْعَفْوَ عَلَى مَالٍ، وَجْهَانِ، أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ عُذْرٌ حَتَّى يُصَالِحَ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ لَا تَدْخُلُهَا الْمُصَالَحَةُ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ (أَوْ) أَرَادَ سَفَرًا مُبَاحًا إِنْشَاءً أَوِ اسْتِدَامَةً، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حِمْدَانَ، يَخَافُ (فَوْتِ رُفْقَتِهِ) لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا (أَوْ غَلَبَةِ النُّعَاسِ) لِأَنَّ «رَجُلًا صَلَّى مَعَ مُعَاذٍ، ثُمَّ انْفَرَدَ فَصَلَّى وَحْدَهُ عِنْدَ تَطْوِيلِ مُعَاذٍ، وَخَوْفِ النُّعَاسِ وَالْمَشَقَّةِ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَخْبَرَهُ» ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْذَرُ بِغَلَبَتِهِ، سَوَاءٌ خَافَ فَوْتَهَا فِي الْوَقْتِ أَوْ مَعَ الْإِمَامِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ " الشَّرْحِ "، وَفِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ أَشْهَرُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ يُعْذَرُ إِذَا خَافَ
وَالْوَحَلِ، وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ الْمُظْلِمَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفَوْتَهَا مَعَ الْإِمَامِ فَقَطْ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ: يُعْذَرُ فِي الْجَمَاعَةِ لَا الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: لَا فِيهِمَا؛ وَهُوَ ظَاهِرُ " الْكَافِي "، وَفِي " الْمُذْهَبِ " وَ " الْوَجِيزِ " يُعْذَرُ فِيهِمَا بِخَوْفِهِ نَقْضَ الْوُضُوءِ بِانْتِظَارِهِ (أَوِ الْأَذَى بِالْمَطَرِ وَالْوَحَلِ) لِأَخْبَارٍ، مِنْهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ، زَادَ مُسْلِمٌ: فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ: إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، فَعَلَ ذَلِكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ، فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ» . وَثَلْجٌ، وَجَلِيدٌ، وَبَرَدٌ كَذَلِكَ، وَعَنْهُ: سَفَرًا. فَائِدَةٌ: الْوَحَلُ بِتَحْرِيكِ الْحَاءِ، وَالتَّسْكِينُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ. (وَالرِّيحُ الشَّدِيدَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْبَارِدَةِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَادِي مُنَادِيهُ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَلَمْ يَقُلْ: فِي السَّفَرِ. وَفِي " الْفُرُوعِ " بِرِيحٍ بَارِدَةٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُهُمْ: مُظْلِمَةً، وَعَنْهُ: أَعْذَارٌ فِي السَّفَرِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: الْأَعْذَارُ كَالْمَطَرِ، وَالْوَحَلِ، وَالرِّيحِ، أَعْذَارٌ فِي السَّفَرِ، وَفِي الْحَضَرِ، رِوَايَتَانِ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّ كُلَّ مَا أَذْهَبَ الْخُشُوعَ كَالْحَرِّ الْمُزْعِجِ عُذْرٌ، وَلِهَذَا جَعَلَهُ الْأَصْحَابُ كَالْبَرْدِ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْحُكْمِ وَالْإِفْتَاءِ. مَسَائِلُ: يُلْحَقُ بِمَا تَقَدَّمَ إِذَا خَافَ تَطْوِيلَ الْإِمَامِ كَثِيرًا، وَلَيْسَ رُؤْيَةُ الْبَلَّةِ فِي طَرِيقِهِ عُذْرًا، نَصَّ عَلَيْهِ. الثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ حُضُورُ الْمَسْجِدِ مَنْ أَكَلَ بَصَلًا أَوْ فِجْلًا، أَوْ نَحْوَهُ، حَتَّى يَذْهَبَ
[باب صلاة أهل الأعذار]
بَابُ صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ وَيُصَلِّي الْمَرِيضُ: كَمَا «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» . فَإِنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِهِ وَرِجْلَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، صَحَّتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQرِيحُهُ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ خَلَا الْمَسْجِدُ مِنْ آدَمِيٍّ لِتَأَذِّي الْمَلَائِكَةِ، وَالْمُرَادُ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِمَسْجِدٍ، وَلَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِخِلَافِهِ، لَكِنْ إِنْ حَرُمَ دُخُولُهُ وَجَبَ إِخْرَاجُهُ، وَإِلَّا اسْتُحِبَّ. فَائِدَةٌ: يَقْطَعُ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ مَضْغُ السَّذَابِ أَوِ السَّعْدِ، قَالَهُ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ. الثَّالِثَةُ: إِذَا طَرَأَ بَعْضُ الْأَعْذَارِ فِي الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا حَقِيقَةً إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا خَرَجَ مِنْهَا، وَالْمَأْمُومُ يُفَارِقُ إِمَامَهُ وَيُتِمُّهَا أَوْ يَخْرُجُ مِنْهَا، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [بَابُ صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ] [صَلَاةُ الْمَرِيضِ] بَابُ صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ الْأَعْذَارُ: جَمْعُ عُذْرٍ، كَأَقْفَالٍ جَمْعُ قُفْلٍ، (وَيُصَلِّي الْمَرِيضُ كَمَا «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» خ) كَذَا وُجِدَ بِخَطِّ الْمُؤَلِّفِ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ، وَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ، زَادَ النَّسَائِيُّ: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا» ، وَعَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى قَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْجُدَ أَوْمَأَ، وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا، رِجْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ لَزِمَهُ إِجْمَاعًا
صَلَاتُهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَوْ مُعْتَمِدًا إِلَى حَائِطٍ أَوْ نَحْوَهُ أَوْ عَلَى إِحْدَى رِجْلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَلْزَمُهُ اكْتِرَاءُ مَنْ يُقِيمُهُ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ، أَوْ يَلْحَقُهُ بِالْقِيَامِ ضَرَرٌ مِنْ زِيَادَةِ مَرَضٍ أَوْ ضَعْفٍ أَوْ تَأَخُّرِ بُرْءٍ، صَلَّى قَاعِدًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] مُتَرَبِّعًا نَدْبًا. وَقِيلَ: وُجُوبًا، وَيَثْنِي رِجْلَيْهِ فِي رُكُوعٍ وَسُجُودٍ كَمُتَنَفِّلٍ، وَفِي " النِّهَايَةِ " وَ " الرِّعَايَةِ " إِنْ قَدَرَ أَنْ يَرْتَفِعَ إِلَى حَدِّ الرُّكُوعِ لَزِمَهُ، وَإِلَّا رَكَعَ جَالِسًا، وَعَنْهُ: إِنْ أَطَالَ الْقِرَاءَةَ تَرَبَّعَ، وَإِلَّا افْتَرَشَ، وَلَا يَفْتَرِشُ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ: لَا يَقْعُدُ إِلَّا إِنْ عَجَزَ عَنْ قِيَامِهِ لِدُنْيَاهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَأَسْقَطَهُ الْقَاضِي بِضَرَرٍ مُتَوَهَّمٍ، وَأَنَّهُ لَوْ تَحَمَّلَ الصِّيَامَ وَالْقِيَامَ حَتَّى ازْدَادَ مَرَضُهُ أَثِمَ، ثُمَّ إِنَّ الْإِمَامَ وَالْأَصْحَابَ اعْتَبَرُوا الْخَوْفَ؛ وَهُوَ ضِدُّ الْأَمْنِ فَقَالُوا: يُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ إِذَا لَمْ يُؤْمَنْ هُجُومُ الْعَدُوِّ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُصَلِّي كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ كَانَ بِتَعَدِّيهِ بِضَرْبِ سَاقِهِ، كَتَعَدِّيهَا بِضَرْبِ بَطْنِهَا فَنَفِسَتْ، فَإِنْ عَجَزَ فَعَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ أَفْضَلُ، فَإِنْ صَلَّى عَلَى الْأَيْسَرِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ جَوَازُهُ، لِظَاهِرِ خَبَرِ عِمْرَانَ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ؛ وَهُوَ حَاصِلٌ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يُكْرَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْأَيْمَنِ (فَإِنْ) تَرَكَهُ قَادِرٌ، وَ (صَلَّى عَلَى ظَهْرِهِ، وَرِجْلَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ذَكَرَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْمُذْهَبِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " مَعَ الْكَرَاهَةِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ اسْتِقْبَالٍ، وَلِهَذَا يُوَجَّهُ الْمَيِّتُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، لِأَنَّهُ نَقَلَهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الصَلَاةِ عَلَى جَنْبٍ، فَدَلَّ
مِنْ رُكُوعِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ، وَإِنْ قَدَرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ ولِأَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ بِوَجْهِهِ وَجُمْلَتِهِ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: يُصَلِّي كَيْفَ شَاءَ، كِلَاهُمَا جَائِزٌ، فَظَاهِرُهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا، أَمَّا إِذَا عَجَزَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى جَنْبٍ، تَعَيَّنَ أَنْ يُصَلِّيَ مُسْتَلْقِيًا وَجْهًا وَاحِدًا. (وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَاعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ مَا أَمْكَنَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَأَقَلُّ رُكُوعِهِ مُقَابَلَةُ وَجْهِهِ مَا وَرَاءَ رُكْبَتَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ أَدْنَى مُقَابَلَةٍ، وَتَتِمَّتُهَا الْكَمَالُ (وَيَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ) لِلْخَبَرِ، وَلِيَتَمَيَّزَ أحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، وَإِنْ سَجَدَ مَا أَمْكَنَهُ عَلَى شَيْءٍ رَفَعَهُ، كُرِهَ، وَأَجْزَأَهُ، نَصَّ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُمَكِّنُهُ مِنَ الِانْحِطَاطِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْمَأَ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً بِالْمَنْعِ كَيَدِهِ، وَلَا بَأْسَ بِسُجُودِهِ عَلَى وِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا، وَعَنْهُ: هُوَ أَوْلَى مِنَ الْإِيمَاءِ، وَاحْتَجَّ بِفِعْلِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِهِمَا، قَالَ: وَنَهَى عَنْهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ (فَإِنْ عَجَزَ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ فِي الْمَاضِي وَكَسْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي الْأَشْهَرِ (عَنْ ذَلِكَ أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ) أَيْ: بِعَيْنِهِ، لِمَا رَوَى زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ» وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: لَا يَلْزَمُهُ، وَصَوَّبَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " يُومِئُ بِطَرْفِهِ أَوْ قَلْبِهِ، وَفِي " الْفُرُوعِ " يُومِئُ بِطَرْفِهِ نَاوِيًا مُسْتَحْضِرَ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ، إِنْ عَجَزَ عَنْهُ بِقَلْبِهِ، كَأَسِيرٍ عَاجِزٍ لِخَوْفِهِ، وَفِي
عَلَى الْقِيَامِ أَوِ الْقُعُودِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ وَأَتَمَّهَا، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَعَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ قَائِمًا. وَبِالسُّجُودِ قَاعِدًا، وَإِذَا قَالَ ثِقَاتٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQ" الْخِلَافِ " زِيَادَةٌ عَلَيْهِمَا: أَوْ حَاجِبَيْهِ، وَقَاسَهُ عَلَى الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْإِيمَاءُ بِيَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَلْزَمَهُ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: يُصَلِّي مُضْطَجِعًا وَيُومِئُ، فَأَطْلَقَ وُجُوبَ الْإِيمَاءِ، وَلَمْ يَخُصَّهُ بِبَعْضِ الْأَعْضَاءِ. (وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ) مَا دَامَ عَقْلُهُ ثَابِتًا، ذَكَرَهُ وَنَصَرَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ، أَشْبَهَ الْقَادِرَ عَلَى الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ، وَعَنْهُ: تَسْقُطُ، اخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِظَاهِرِ خَبَرِ عِمْرَانَ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ (وَإِنْ) صَلَّى قَاعِدًا ثُمَّ (قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ أَوْ) صَلَّى عَلَى جَنْبٍ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى (الْقُعُودِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، انْتَقَلَ إِلَيْهِ وَأَتَمَّهَا) لِأَنَّ الْمُبِيحَ الْعَجْزُ، وَقَدْ زَالَ، وَلِأَنَّ مَا صَلَّى كَانَ الْعُذْرُ مَوْجُودًا، وَمَا بَقِيَ قَدْ أَتَى بِالْوَاجِبِ فِيهِ، وَلَا يَقْرَأُ حَالَ نُهُوضِهِ إِلَى الْقِيَامِ، لَكِنْ إِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بَعْدَ قِيَامِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، قَامَ فَرَكَعَ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ، وَعَكْسُهُ لَوْ مَرِضَ فِي أَثْنَائِهَا جَلَسَ، وَلَهُ الْقِرَاءَةُ فِي هُوِيِّهِ، وَيَأْتِي بِهَا عَلَى حَسَبِ حَالِهِ (وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ) لَزِمَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] وَلِخَبَرِ عِمْرَانَ، وَلِأَنَّهُ رُكْنٌ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعَجْزِ عَنْ غَيْرِهِ كَالْقِرَاءَةِ (وَعَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ قَائِمًا) لِأَنَّ الرَّاكِعَ كَالْقَائِمِ فِي نَصْبِ رِجْلِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُومِئَ بِهِ فِي قِيَامِهِ. (وَ) أَوْمَأَ (بِالسُّجُودِ قَاعِدًا) لِأَنَّ السَّاجِدَ كَالْجَالِسِ فِي جَمْعِ رِجْلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُومِئَ فِي جُلُوسِهِ لِيَحْصُلَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِيمَاءَيْنِ. مَسَائِلُ: مِنْهَا إِذَا كَانَ فِي بَيْتٍ سَقْفُهُ قَصِيرٌ يَتَعَذَّرُ خُرُوجُهُ مِنْهُ، أَوْ فِي سَفِينَةٍ يَعْجِزُ عَنِ الْقِيَامِ فِيهَا وَالْخُرُوجِ مِنْهَا، صَلَّى جَالِسًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلْ يَقُومُ مَا أَمْكَنَهُ كَالْأَحْدَبِ. وَمِنْهَا: إِذَا قَدَرَ قَائِمًا مُنْفَرِدًا، وَجَالِسًا جَمَاعَةً، خُيِّرَ بَيْنَهُمَا، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لِأَنَّهُ يَفْعَلُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَاجِبًا، وَيَتْرُكُ وَاجِبًا، وَقِيلَ: جَمَاعَةً
[الصلاة في السفينة قاعدا]
مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالطِّبِّ لِلْمَرِيضِ: إِنْ صَلَّيْتَ مُسْتَلْقِيًا أَمْكَنَ مُدَاوَاتُكَ فَلَهُ ذَلِكَ. وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا لِقَادِرٍ عَلَى الْقِيَامِ. وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْفَرْضِ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQأَوْلَى، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ قَائِمًا مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ بِخِلَافِ الْجَمَاعَةِ. وَمِنْهَا لَوْ تَقَوَّسَ ظَهْرُهُ فَصَارَ كَالرَّاكِعِ، فَمَتَى رَكَعَ زَادَ فِي انْحِنَائِهِ قَلِيلًا لِيَقَعَ الْفَرْقُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَحْنِيَ ظَهْرَهُ حَنَى رَقَبَتَهُ، وَإِذَا سَجَدَ قَرَّبَ وَجْهَهُ مِنَ الْأَرْضِ مَا أَمْكَنَهُ، وَإِنْ قَدَرَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى صَدْغَيْهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ. (وَإِذَا قَالَ ثِقَاتٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالطِّبِّ) وَمَعْنَاهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " (لِلْمَرِيضِ) أَوْ لِمَنْ بِهِ رَمَدٌ وَنَحْوُهُ (إِنْ صَلَّيْتَ مُسْتَلْقِيًا أَمْكَنَ مُدَاوَاتُكَ فَلَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلَّى جَالِسًا حِينَ جُحِشَ شِقُّهُ» ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ، بَلْ فَعَلَهُ، إِمَّا لِلْمَشَقَّةِ، أَوْ خَوْفِ الضَّرَرِ، أَشْبَهَ الْمَرَضَ، وَذَلِكَ وَسِيلَةٌ إِلَى عَافِيَتِهِ؛ وَهِيَ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا، وَيُشْتَرَطُ إِسْلَامُهُمْ وَثِقَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ، فَاشْتُرِطَ لَهُ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَلَيْسَ بِمُرَادٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الِاثْنَيْنِ كَافٍ، صَرَّحَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَحَكَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا. وَقِيلَ: عَنْ يَقِينٍ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ يُفْطِرُ بِقَوْلِ وَاحِدٍ: إِنَّ الصَّوْمَ مِمَّا يُمَكِّنُ الْعِلَّةَ. [الصَّلَاةُ فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا] (وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا لِقَادِرٍ عَلَى الْقِيَامِ) لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى رُكْنِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا، وَظَاهِرُهُ الْجَوَازُ إِذَا عَجَزَ، وَقَدْ سَبَقَ، فَلَوْ قَدَرَ فِيهَا عَلَى انْتِصَابٍ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ حَدِّ الرَّاكِعِ فَظَاهِرُهُ اللُّزُومُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا صَلَّى حَسَبَ حَالِهِ فِيهَا، وَأَتَى بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّيَامُنِ وَغَيْرِهِ، وَكُلَّمَا دَارَتِ انْحَرَفَ إِلَى الْقِبْلَةِ فِي الْفَرْضِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ كَالنَّفْلِ فِي الْأَصَحِّ فِيهِ، فَإِنْ كَانَتْ ضَيِّقَةً لَا يُمْكِنُ كُلُّ مَنْ فِيهَا الصَّلَاةَ قَائِمًا فِي حَالَةٍ، صَلَّوْا فُرَادَى مَا لَمْ يَضِقِ الْوَقْتُ، وَإِنْ أَمْكَنَ الْإِتْيَانُ فِيهَا بِجَمِيعِ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْخُرُوجُ، حَاضِرًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا، وَاقِفَةً كَانَتْ أَوْ مُسَافِرَةً، فَرْضًا كَانَتِ الصَّلَاةُ أَوْ نَفْلًا، قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " كَالصَّلَاةِ عَلَى الْأَرْضِ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حَالَ اسْتِقْرَارٍ.
[صلاة الفرض على الراحلة]
الرَّاحِلَةِ خَشْيَةَ التَّأَذِّي بِالْوَحَلِ. وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ جَمَاعَةٌ: مَتَى كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى أَصْحَابِهِ، لَمْ يَجِبْ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ النَّفْلَ فِيهَا يَصِحُّ مُطْلَقًا. مَسْأَلَةٌ: تُقَامُ الْجَمَاعَةُ فِي السَّفِينَةِ، وَعَنْهُ: إِذَا صَلَّوْا جُلُوسًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَصَلَّى جَمَاعَةٌ فِيهَا قِيَامًا جَمَاعَةً، وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى الْخُرُوجِ، مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ. رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْبَيْهَقِيُّ. [صَلَاةُ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ] (وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ) وَاقِفَةً وَسَائِرَةً، وَعَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ، وَمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ (خَشْيَةَ التَّأَذِّي بِالْوَحَلِ) نَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِمَا رَوَى يَعْلَى بْنُ مُرَّةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى إِلَى مَضِيقٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ؛ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَالْبَلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَذَّنَ، وَأَقَامَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَصَلَّى بِهِمْ يُومِئُ إِيمَاءً، يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: العَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَفَعَلَهُ أَنَسٌ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ. فَإِنْ قَدَرَ عَلَى النُّزُولِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَالْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ كَغَيْرِ حَالَةِ الْمَطَرِ، وَيُومِئُ بِالسُّجُودِ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ «لِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ: أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصَرَفَ، وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ الْقِيَامَ وَالسُّجُودَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَطَرِ كَبَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْجَمْعَ، فَأَثَّرَ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْيَسِيرِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي مَسْجِدِهِ فِي الْمَدِينَةِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ الَّذِي يُلَوِّثُ الثِّيَابَ وَالْبَدَنَ (وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمَرِيضِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ، قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ مَشَقَّةَ النُّزُولِ فِي
[فصل في قصر الصلاة]
فَصْلٌ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ وَمَنْ سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا، يَبْلُغُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، فَلَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ خَاصَّةً إِلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَرَضِ أَكْثَرُ مِنْ مَشَقَّةِ النُّزُولِ بِالْمَطَرِ، لَكِنْ قَيَّدَهَا فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ النُّزُولَ، وَلَمْ يُصَرِّحْ أَحْمَدُ بِخِلَافِهِ، وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُنْزِلُ مَرْضَاهُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْأَرْضِ أَسْكَنُ لَهُ، وَأَمْكَنُ، بِخِلَافِ صَاحِبِ الطِّينِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ النُّزُولُ مَعَ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ أَوْ زِيَادَةِ ضَرَرٍ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: أَنَّ فِيهِ الرِّوَايَتَيْنِ. أَمَّا إِذَا خَافَ انْقِطَاعًا عَنِ الرُّفْقَةِ، أَوِ الْعَجْزَ عَنِ الرُّكُوبِ، فَيُصَلِّي كَخَائِفٍ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ عَدُوٍّ. فَرْعٌ: مَنْ أَتَى بِكُلِّ فَرْضٍ أَوْ شَرْطٍ لِلصَّلَاةِ، وَصَلَّى عَلَيْهَا بِلَا عُذْرٍ، أَوْ فِي سَفِينَةٍ وَنَحْوِهَا - مَنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ وَاقِفَةً، أَوْ سَائِرَةً، صَحَّتْ. وَمَنْ كَانَ فِي مَاءٍ وَطِينٍ أَوْمَأَ، كَمَصْلُوبٍ وَمَرْبُوطٍ، وَالْغَرِيقُ يَسْجُدُ عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ. [فَصْلٌ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ] [السَّفَرُ الْمُبِيحُ لِلْقَصْرِ وَالْجَمْعِ وَالْإِفْطَارِ] فَصْلٌ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ أَجْمَعُوا عَلَى قَصْرِهَا بِشَرْطِهِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101] عَلَّقَ الْقَصْرَ بِالْخَوْفِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى غَالِبِ أَسْفَارِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَأَكْثَرُهَا لَمْ يَخْلُ مِنْ عَدُوٍّ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ الْقَصْرَ قِسْمَانِ: مُطْلَقٌ؛ وَهُوَ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ قَصْرُ الْأَفْعَالِ، وَالْعُذْرُ، كَصَلَاةِ الْخَوْفِ حَيْثُ كَانَ مُسَافِرًا، فَإِنَّهُ يَرْتَكِبُ فِيهَا مَا لَا يَجُوزُ فِي صَلَاةِ الْأَمْنِ، وَالْآيَةُ وَرَدَتْ عَلَى هَذَا. وَمُقَيَّدٌ؛ وَهُوَ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ قَصْرُ الْعَدَدِ فَقَطْ كَالْمُسَافِرِ، أَوْ قَصْرُ الْعَمَلِ فَقَطْ، كَالْخَائِفِ؛ وَهُوَ حَسَنٌ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ «قَوْلُ يَعْلَى لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: مَا لَنَا نَقْصُرُ وَقَدْ أَمِنَّا؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفَظَاهِرُ مَا فَهِمْنَاهُ تَقْيِيدُ قَصْرِ الْعَدَدِ بِالْخَوْفِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّهُمَا عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: قَوْلُهُ (إِنْ خِفْتُمْ) كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ مَعْنَاهُ: وَإِنْ خِفْتُمْ. «وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ كَذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَمَنْ سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا) ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَحَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَتَرَخَّصُ فِي الْعَوْدِ مِنَ السَّفَرِ؛ وَهُوَ مُبَاحٌ، وَكَالْغَزْوِ، وَفِي " الْوَجِيزِ " سَفَرًا جَائِزًا؛ وَهُوَ أَعَمُّ، وَالْمُرَادُ مَنِ ابْتَدَأَ سَفَرًا مُبَاحًا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ "، وَالْأَصَحُّ: أَوْ هُوَ أَكْثَرُ قَصْدِهِ، وَعَنْهُ: لَا يَتَرَخَّصُ فِي سَفَرِ النُّزْهَةِ وَالتَّفَرُّجِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا شُرِعَ إِعَانَةً عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا مَصْلَحَةَ فِي هَذَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حَامِدٍ اخْتِصَاصُهُ بِسَفَرِ الطَّاعَةِ. وَقَالَ فِي " الْمُبْهِجِ ": إِذَا سَافَرَ لِتِجَارَةٍ مُكَاثِرًا فِي الدُّنْيَا فَهُوَ سَفَرُ مَعْصِيَةٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ وَهُوَ شَامِلٌ إِذَا غَرَبَتِ الْمَرْأَةُ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ، فَلَهُ التَّرَخَّصُ، وَكَذَا الزَّانِي، وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ، وَفِيهِمَا وَجْهٌ، وَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ فِي سَفَرٍ وَاجِبٍ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ، وَلَا قَصْرَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَأَبَاحَ فِي " التَّلْخِيصِ " تَنَاوُلَ الْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَوْ عَصَى فِي سَفَرِهِ الْمُبَاحِ لَمْ يُمْنَعِ التَّرَخُّصَ، كَارْتِكَابِهَا فِي الْحَضَرِ لَا يَمْنَعُهُ، وَمَنْ نَقَلَ سَفَرَهُ الْمُبَاحَ إِلَى مَعْصِيَةٍ لَمْ يَتَرَخَّصْ فِي الْأَصَحِّ لِزَوَالِ سَبَبِهِ، وَإِنْ نَقَلَ سَفَرَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى مُبَاحٍ، وَقَدْ بَقِيَ مَسَافَةُ قَصْرٍ، قَصَرَ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّ وُجُودَ مَا مَضَى مِنْ سَفَرِهِ كَعَدَمِهِ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا سَافَرَ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَالْمَشَاهِدِ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": لَا يُبَاحُ لَهُ التَّرَخُّصُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالسَّلَامُ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا لِثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: الصَّحِيحُ جَوَازُهُ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: السَّفَرُ الْمَكْرُوهُ كَزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَالْمَشَاهِدِ مُلْحَقٌ بِالسَّفَرِ الْمُحَرَّمِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَاخْتَلَفَ كَلَامُ الْحُلْوَانِيِّ هَلِ السَّفَرُ لِزِيَارَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَاجِبٌ، أَوْ طَاعَةٌ كَزِيَارَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. لَكِنْ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: يَحْرُمُ الشَّدُّ إِلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجِبُ السَّفَرُ الْمَنْذُورُ إِلَى الْمَشَاهِدِ. (يَبْلُغُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا) الْفَرْسَخُ وَاحِدُ الْفَرَاسِخِ؛ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ هَاشِمِيَّةٍ، وَبِأَمْيَالِ بَنِي أُمَيَّةَ مِيلَانِ وَنِصْفٌ، وَالْمِيلُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قَدَمٍ، سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ، وَالذِّرَاعُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا مُعْتَرِضَةً مُعْتَدِلَةً، كُلُّ أُصْبُعٍ سِتُّ حَبَّاتِ شَعِيرٍ، بُطُونُ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، عَرْضُ كُلِّ شُعَيْرَةٍ سِتُّ شَعَرَاتِ بِرْذَوْنٍ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَقْصُرُوا فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عَسَفَانَ» ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى، مَعَ أَنَّ أَحْمَدَ احْتَجَّ بِهِ مَعَ تَضْعِيفِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ هَذَا تَقْرِيبٌ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: تَحْدِيدٌ، وَالْبَرُّ وَالْبَحْرُ سَوَاءٌ، فَلَوْ قَطَعَهُ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ فِي الْبَحْرِ قَصَرَ، كَمَا لَوْ قَطَعَهَا فِي الْبَرِّ فِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمَيْنِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمَسَالِكِ أَنَّ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى الْقَطِيفَةِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ مِيلًا، وَمِنْ دِمَشْقَ إِلَى الْكُسْوَةِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا، وَعَنِ ابْنِ
رَكْعَتَيْنِ، إِذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ أَوْ خِيَامَ قَوْمِهِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِتْمَامِ، وَإِنْ أَتَمَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ: يَقْصُرُ فِي يَوْمٍ، وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ دَحْيَةَ أَفْطَرَ فِي ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَأَفْطَرَ مَعَهُ أُنَاسٌ كَثِيرُونَ، وَقِيلَ: تُقْصَرُ فِي طَوِيلِ السَّفَرِ وَقَصِيرِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ مَسَافَةٌ تَجْمَعُ مَشَقَّةَ السَّفَرِ مِنَ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، فَجَازَ الْقَصْرُ فِيهِ كَغَيْرِهِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ أَبَاحَ الْقَصْرَ لِكُلِّ مُسَافِرٍ إِلَّا أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى خِلَافِهِ. (فَلَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ خَاصَّةً إِلَى رَكْعَتَيْنِ) وَلَا قَصْرَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ إِجْمَاعًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ الْفَجْرَ لَوْ قُصِرَتْ صَارَتْ رَكْعَةً، وَلَا نَظِيرَ لِذَلِكَ فِي الْفَرْضِ، وَالْمَغْرِبُ وَتْرُ النَّهَارِ، فَلَوْ قَصَرَ مِنْهَا رَكْعَةً لَمْ يَبْقَ وَتْرًا، وَرَكْعَتَانِ كَانَ إِجْحَافًا بِهَا، وَإِسْقَاطًا لِأَكْثَرِهَا، وَلَا نَظِيرَ لَهَا فِي الْفَرْضِ (إِذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ أَوْ خِيَامَ قَوْمِهِ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَوَّزَ الْقَصْرَ لِمَنْ ضَرَبَ فِي الْأَرْضِ، وَقَبْلَ مُفَارَقَةِ مَا ذُكِرَ لَا يَكُونُ ضَارِبًا وَلَا مُسَافِرًا، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَحَدُ طَرَفَيِ السَّفَرِ، أَشْبَهَ حَالَةَ الِانْتِهَاءِ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كَانَ يَقْصُرُ إِذَا ارْتَحَلَ» ، فَعَلَى هَذَا يَقْصُرُ إِذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ الْعَامِرَةِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرْجِعَ، أَوْ لَا يَنْوِيَ الرُّجُوعَ قَرِيبًا، فَإِنْ فَعَلَ، لَمْ يَتَرَخَّصْ حَتَّى يَرْجِعَ وَيُفَارِقَهُ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الرُّجُوعَ، لَكِنْ بَدَا لَهُ لِحَاجَةٍ، لَمْ يَتَرَخَّصْ بَعْدَ نِيَّةِ عَوْدِهِ حَتَّى يُفَارِقَهُ ثَانِيًا، وَقِيلَ: وَالْخَرَابُ، كَمَا لَوْ وَلِيَهُ عَامِرٌ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: أَوْ جَعَلَ مَزَارِعَ، وَبَسَاتِينَ يَسْكُنُهُ أَهْلُهُ، وَلَوْ فِي فَصْلِ النُّزْهَةِ، وَقِيلَ: يَقْصُرُ بِمُفَارَقَةِ سُورِ بَلَدِهِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوِ اتَّصَلَ بِهِ بَلَدٌ، وَاعْتَبَرَ أَبُو الْمَعَالِي انْفِصَالَهُ وَلَوْ بِذِرَاعٍ، وَيُعْتَبَرُ فِي سَاكِنِ الْقُصُورِ وَالْبَسَاتِينِ مُفَارَقَةُ مَا نُسِبُوا إِلَيْهِ عُرْفًا (وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِتْمَامِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَاوَمَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ الْإِتْمَامُ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَرَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ» وَفِيهِ وَجْهُ أَنَّ الْإِتْمَامَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَعَدَدًا؛ وَهُوَ الْأَصْلُ، أَشْبَهَ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ (وَإِنْ أَتَمَّ جَازَ) فِي الْمَشْهُورِ لِلْآيَةِ، وَلِحَدِيثِ يَعْلَى،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَتْ عَائِشَةُ: «أَتَمَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَصَرَ» قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَبَيَّنَ سَلْمَانُ أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ بِمَحْضَرِ اثْنَيْ عَشَرَ صَحَابِيًّا، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، «وَلَمَّا أَتَمَّتْ عَائِشَةُ قَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَحْسَنْتِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وَقِيلَ: يَجِبُ الْقَصْرُ؛ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ، وَعَنْهُ: الْوَقْفُ، وَقَالَ مَرَّةً: لَا يُعْجِبُنِي الْإِتْمَامُ، وَكَرِهَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ. 1 - مَسَائِلُ: الْأُولَى: يُعْتَبَرُ تَحْقِيقُ الْمَسَافَةِ، فَلَوْ شَكَّ فِي قَدْرِ السَّفَرِ لَمْ يَقْصُرْ، وَإِنْ بَانَ بَعْدَهُ أَنَّهُ طَوِيلٌ، كَمَا لَوْ صَلَّى شَاكًّا فِي دُخُولِ الْوَقْتِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ عَقِيلٍ: مَتَى بَلَغَ الْمَسَافَةَ قَصَرَ، وَعَنْهُ: إِنْ بَلَغَ عِشْرِينَ فَرْسَخًا. الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ جِهَةً مُعَيَّنَةً، فَلَوْ سَافَرَ وَلَمْ يَقْصِدْهَا لَمْ يَقْصُرْ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْجَزْمِ بِبُلُوغِ الْمَسَافَةِ، فَلَوْ عَلِمَ صَاحِبَهُ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ، وَنَوَى إِنْ وَجَدَهُ قَبْلَهُ لَمْ يَقْصُرْ، وَقِيلَ: إِنْ بَلَغَ مَسَافَةَ قَصْرٍ قَصَرَ، وَكَذَا سَائِحٌ وَتَائِهٌ. الثَّالِثَةُ: إِذَا سَافَرَ لِيَتَرَخَّصَ، فَقَدْ ذَكَرُوا لَوْ سَافَرَ لِيُفْطِرَ حَرُمَ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَمِثْلُهُ مَنْ لَا خُفَّ فِي رِجْلِهِ، فَلَبِسَهُ لِغَرَضِ الْمَسْحِ خَاصَّةً، لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ، كَمَا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِنْشَاءُ السَّفَرِ لِغَرَضِ التَّرَخُّصِ، وَيَأْتِي مَنْ سَافَرَ يَقْصِدُ حَلَّ يَمِينِهِ. الرَّابِعَةُ: يَقْصُرُ، وَيَتَرَخَّصُ مُسَافِرٌ مُكْرَهًا، كَأَسِيرٍ عَلَى الْأَصَحِّ، كَامْرَأَةٍ وَعَبْدٍ تَبَعًا لِزَوْجٍ وَسَيِّدٍ فِي نِيَّتِهِ وَسَفَرِهِ، وَفِيهِمَا وَجْهٌ: لَا قَصْرَ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَالْجَيْشُ مَعَ الْأَمِيرِ، وَالْجُنْدِيُّ مَعَ أَمِيرِهِ إِنْ كَانَ رِزْقُهُمْ فِي مَالِ
[هل يحتاج الجمع والقصر إلى نية]
جَازَ. فَإِنْ أَحْرَمَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، وَفِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ، أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ فِي سَفَرٍ، أَوْ صَلَاةَ سَفَرٍ فِي حَضَرٍ، أَوِ ائْتَمَّ مُسَافِرٌ بِمُقِيمٍ. أَوْ بِمَنْ يَشُكُّ فِيهِ، أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنْفُسِهِمْ، فَفِي أَيِّهِمَا يَعْتَبِرُ نِيَّتَهُ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِلَّا فَكَالْأَجِيرِ وَالْعَبْدِ لِشَرِيكَيْنِ تُرَجَّحُ نِيَّةُ إِقَامَةِ أَحَدِهِمَا، وَالْأَسِيرُ إِذَا صَارَ بِبَلَدِهِمْ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ فِي الْمَنْصُوصِ، تَبَعًا لِإِقَامَتِهِمْ، كَسَفَرِهِمْ. الْخَامِسَةُ: يُوتِرُ، وَيَرْكَعُ سُنَّةَ الْفَجْرِ فِي السَّفَرِ، وَيُخَيَّرُ فِي غَيْرِهِمَا، وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: يُسَنُّ تَرْكُ غَيْرِهِمَا، وَأَطْلَقَ أَبُو الْمَعَالِي التَّخْيِيرَ فِي النَّوَافِلِ وَالسُّنَنِ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِي: يَتَطَوَّعُ أَفْضَلُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْفُصُولِ "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي غَيْرِ الرَّوَاتِبِ، وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا. [هَلْ يَحْتَاجُ الْجَمْعُ وَالْقَصْرُ إِلَى نِيَّةٍ] (فَإِنْ أَحْرَمَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، وَفِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ) أَتَمَّ، نَصَّ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ اجْتَمَعَ لَهَا حُكْمُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَغَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ كَالْمَسْحِ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَجْهٌ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ أَدَائِهَا، كَصَلَاةِ صِحَّةٍ فِي مَرَضٍ، وَالْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فِي رَاكِبِ السَّفِينَةِ، فَلَوْ سَافَرَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، لَمْ يَجُزِ الْقَصْرُ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ فِعْلُهَا أَرْبَعًا، فَلَمْ يَجُزِ النُّقْصَانُ مِنْهَا، كَالْمَنْذُورَةِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهَا مُؤَدَّاةٌ فِي السَّفَرِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ وَقْتُهَا فِيهِ، وَقِيلَ: إِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، لَمْ يَقْصُرْ وَجْهًا وَاحِدًا (أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ فِي سَفَرٍ) أَتَمَّهَا إِجْمَاعًا، حَكَاهَا أَحْمَدُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: اخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الْحَسَنِ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ مُعْتَبَرٌ بِالْأَدَاءِ؛ وَهُوَ أَرْبَعٌ (أَوْ) ذَكَرَ (صَلَاةَ سَفَرٍ فِي حَضَرٍ) أَتَمَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ؛ لِأَنَّ الْقَصْرَ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ، فَبَطَلَ بِزَوَالِهِ كَالْمَسْحِ ثَلَاثًا، وَكَذَا لَوْ أَخَّرَهَا مُسَافِرٌ عَمْدًا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا، أَوْ ضَاقَ عَنْهَا، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهَا تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ كَالدَّيْنِ، وَالْأَصْلُ الْإِتْمَامُ، وَقِيلَ: يَقْصُرُ فِيهِمَا، إِذَا ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ فِي سَفَرٍ (أَوِ ائْتَمَّ مُسَافِرٌ بِمُقِيمٍ) أَتَمَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تِلْكَ السُّنَّةُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَرْدُودَةٌ مِنْ أَرْبَعٍ، فَلَا يُصَلِّيهَا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْأَرْبَعَ كَالْجُمُعَةِ، وَسَوَاءٌ أَدْرَكَ مَعَهُ جَمِيعَ الصَّلَاةِ، أَوْ بَعْضَهَا،
أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ يَلْزَمُهُ إِتْمَامُهَا، فَفَسَدَتْ وَأَعَادَهَا، أَوْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ، لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَحْتَاجُ الْجَمْعُ وَالْقَصْرُ إِلَى نِيَّةٍ. وَمَنْ لَهُ طَرِيقَانِ بَعِيدٌ وَقَرِيبٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــQاعْتَقَدَهُ مُسَافِرًا أَوْ لَا، وَعَنْهُ: فِي رَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ تَشَهُّدَ الْجُمُعَةِ؛ أَتَمَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يَقْصُرُ، وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ مِنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ: يَقْصُرُ مُسَافِرٌ مُطْلَقًا، كَمَا خَرَّجَ بَعْضُهُمْ إِيقَاعًا مَرَّتَيْنِ عَلَى صِحَّةِ مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ، وَشَمِلَ مَا إِذَا أَحْرَمَ الْمُسَافِرُونَ خَلْفَ مُسَافِرٍ، فَأَحْدَثَ، وَاسْتَخْلَفَ مُقِيمًا، فَيَلْزَمُهُمُ الْإِتْمَامُ دُونَ إِمَامِهِمُ الْمُحْدِثِ (أَوْ بِمَنْ يَشُكُّ فِيهِ) أَيْ: فِي إِقَامَتِهِ وَسَفَرِهِ، لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ، وَإِنْ بَانَ أَنَّ الْإِمَامَ مُسَافِرٌ لِعَدَمِ نِيَّتِهِ، لَكِنْ إِذَا عَلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْإِمَامَ مُسَافِرٌ بِأَمَارَةٍ وَعَلَامَةٍ، كَهَيْئَةِ لِبَاسٍ إِلَّا أَنَّ إِمَامَهُ نَوَى الْقَصْرَ، فَلَهُ أَنْ يَنْوِيَهُ عَمَلًا بِالظَّنِّ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ قَصَرَ قَصَرْتُ، وَإِنْ أَتَمَّ أَتْمَمْتُ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ سَبَقَ إِمَامَهُ الْحَدَثُ، فَخَرَجَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ، فَلَهُ الْقَصْرُ، عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (أَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ، يَلْزَمُهُ إِتْمَامُهَا) كَمَا لَوِ اقْتَدَى بِمُقِيمٍ، أَوْ نَوَى الْإِتْمَامَ (فَفَسَدَتْ) بِالْحَدَثِ، وَنَحْوِهِ (وَأَعَادَهَا) أَتَمَّ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ، بِتَلَبُّسِهِ بِهَا، وَقِيلَ: إِنْ بَانَ أَنَّ الْإِمَامَ مُحْدِثٌ قَبْلَ السَّلَامِ، فَفِي وُجُوبِ الْإِتْمَامِ وَجْهَانِ (أَوْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ) عِنْدَ الْإِحْرَامِ (لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَإِطْلَاقُ النِّيَّةِ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ، كَمَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ مُطْلَقًا، انْصَرَفَ إِلَى الِانْفِرَادِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ، فَعَلَى هَذَا، إِنْ شَكَّ فِي النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ أَتَمَّ، فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ نَوَى الْقَصْرَ لَمْ يَقْصُرْ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ فَلَمْ يَزُلْ. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) وَجَمَاعَةٌ: (لَا يَحْتَاجُ الْجَمْعُ، وَالْقَصْرُ إِلَى نِيَّةٍ) لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ فَكَذَا بَعْدَهُ، وَالْقَصْرُ هُوَ الْأَصْلُ، لِخَبَرِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ، وَلِأَنَّ السَّفَرَ حَالٌ يُبِيحُ الْقَصْرَ، فَإِذَا تَلَبَّسَ الْمُسَافِرُ بِهَا فِيهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، جَازَ لَهُ الْقَصْرُ، لِقِيَامِ السَّفَرِ مَقَامَ نِيَّتِهِ، كَالْإِتْمَامِ فِي الْحَضَرِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ نَوَى الْإِتْمَامَ، ثُمَّ أَرَادَ الْقَصْرَ قَصَرَ؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّ مَا يُوجِبُ الْأَرْبَعَ قَدْ وُجِدَ. 1 -
[له طريقان بعيد وقريب فسلك البعيد هل له القصر]
فَسَلَكَ الْبَعِيدَ، أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ فِي آخَرَ، فَلَهُ الْقَصْرُ وَإِذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَسَائِلُ: مِنْهَا إِذَا صَلَّى مُسَافِرٌ وَمُقِيمٌ خَلْفَ مُسَافِرٌ، أَتَمَّ الْمُقِيمُ إِذَا سَلَّمَ إِمَامُهُ إِجْمَاعًا. وَمِنْهَا: إِذَا أَمَّ مُسَافِرٌ مُقِيمِينَ فَأَتَمَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ، صَحَّ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ بِنِيَّةٍ، وَعَنْهُ: تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمُقِيمِينَ. قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ نَفْلٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ، فَلَا يُؤَمُّ بِهِمَا مُفْتَرِضٌ. وَمِنْهَا: إِذَا انْتَقَلَ مُسَافِرٌ مِنَ الْقَصْرِ إِلَى الْإِتْمَامِ جَازَ، وَفَرْضُهُ الْأُولَيَانِ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ فَعَلَهُ عَمْدًا مَعَ بَقَاءِ نِيَّةِ الْقَصْرِ، فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ نِيَّةُ الْقَصْرِ، وَصَلَّى أَرْبَعًا، سَجَدَ لِلسَّهْوِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْأَشْهَرِ، فَإِنْ كَانَ إِمَامًا، وَعَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الْإِتْمَامَ سَبَّحُوا بِهِ، وَلَمْ يُتَابِعُوهُ؛ لِأَنَّهُ سَهْوٌ، فَإِنْ تَابَعُوهُ، فَوَجْهَانِ. وَمِنْهَا: إِذَا شَكَّ هَلْ نَوَى إِمَامُهُ الْإِتْمَامَ، أَوْ قَامَ سَهْوًا، لَزِمَ مُتَابَعَتُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ قَامَ إِلَى ثَالِثَةٍ عَمْدًا أَتَمَّ، فَإِنْ سَلَّمَ مِنْهَا عَمْدًا بَطَلَتْ، وَإِنْ قَامَ سَهْوًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِتْمَامُ، فَإِنْ شَاءَ سَجَدَ، وَجَلَسَ، وَإِنْ شَاءَ أَتَمَّ. وَمِنْهَا: إِذَا نَوَى مُسَافِرٌ الْقَصْرَ خَلْفَ مُقِيمٍ عَالِمًا بِذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ، وَقِيلَ: بَلَى، وَيُتِمُّهَا، وَقِيلَ: وَيَقْصُرُهَا، وَفِي وُجُوبِ نِيَّةِ سَفَرِ الْقَصْرِ فِي أَوَّلِهِ وَجْهَانِ. وَإِذَا نَوَى الظُّهْرَ تَامَّةً مُسَافِرٌ أَوْ عَبْدٌ خَلْفَ إِمَامِ جُمُعَةٍ، لَمْ يَصِحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ. [لَهُ طَرِيقَانِ بَعِيدٌ وَقَرِيبٌ فَسَلَكَ الْبَعِيدَ هَلْ لَهُ الْقَصْرُ] (وَمَنْ لَهُ طَرِيقَانِ بَعِيدٌ وَقَرِيبٌ، فَسَلَكَ الْبَعِيدَ) قَصَرَ، كَذَا فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَسَافَةَ بَعِيدَةٌ، أَشْبَهَ الْمُنْفَرِدَ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْآخَرُ مَخُوفًا أَوْ مُشِقًّا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ سَلَكَهُ لِرَفْعِ أَذِيَّةٍ، وَاجْتِلَابِ نَفْعٍ، قَصَرَ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ لَا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي سَفَرِ النُّزْهَةِ.
[نوى الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة]
أَكْثَرَ مِنْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً، أَتَمَّ، وَإِلَّا قَصَرَ. وَإِنْ أَقَامَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ. أَوْ حُبِسَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَمِثْلُهُ بَقِيَّةُ رُخَصِ السَّفَرِ (أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ فِي) سَفَرٍ (آخَرَ، فَلَهُ الْقَصْرُ) لِأَنَّ وُجُوبَهَا وَفِعْلَهَا وُجِدَا فِي السَّفَرِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدَّاهَا، وَقِيلَ: يُتِمُّهَا لِذِكْرِهِ لَهَا فِي إِقَامَةٍ مُتَخَلِّلَةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا ذَكَرَهَا فِيهِ أَنَّهُ يَقْصُرُ وِفَاقًا، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُتِمُّهَا؛ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْأَدَاءِ كَالْجُمُعَةِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: وَقَضَاءُ بَعْضِ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ كَقَضَاءِ جَمِيعِهَا. [نَوَى الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً] (وَإِذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً) أَيِ: اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ صَلَاةً (أَتَمَّ، وَإِلَّا قَصَرَ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَفِي " الْكَافِي " أَنَّهُ " الْمَذْهَبُ " وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَالْأَكْثَرُ، لِمَا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَمَعْنَاهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ مَكَّةَ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَقَامَ بِهَا الرَّابِعَ، وَالْخَامِسَ، وَالسَّادِسَ، وَالسَّابِعَ، وَصَلَّى الصُّبْحَ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مِنًى، وَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَتِهَا» . وَقَالَ أَنَسٌ: «أَقَمْنَا بِمَكَّةَ عَشْرًا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَذْكُرُ حَدِيثَ أَنَسٍ، وَيَقُولُ: هُوَ كَلَامٌ لَيْسَ يَفْقَهُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ حَسَبَ مُقَامَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ وَمِنًى، وَلَيْسَ لَهُ وَجْهٌ غَيْرُ هَذَا، وَعَنْهُ: إِنْ نَوَى إِقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَتَمَّ، وَإِلَّا قَصَرَ، قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الَّذِي تَحَقَّقَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَوَاهُ إِقَامَةُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حَاجًّا، وَالْحَاجُّ لَا يَخْرُجُ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ،
[أقام لقضاء حاجة أو حبس ظلما أو لم ينو الإقامة]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَنْهُ: إِنْ نَوَى إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَتَمَّ، وَإِلَّا قَصَرَ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا» وَبِأَنَّ عُمَرَ أَجْلَى الْيَهُودَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَضَرَبَ لَهُمْ أَجَلًا ثَلَاثًا، وَفِي " النَّصِيحَةِ " فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، بَلْ فِي رُسْتَاقٍ يَنْتَقِلُ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَقَصْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِمَكَّةَ وَمِنًى وَعَرَفَةَ عَشْرًا، وَيُحْتَسَبُ يَوْمُ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمُدَّةِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَلَدُ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ لِغَيْرِهِمْ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " إِنَّ إِقَامَةَ الْجَيْشِ لِلْغَزْوِ لَا يَمْنَعُ التَّرَخُّصَ، وَإِنْ طَالَ، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا نَوَى الْإِقَامَةَ بِمَوْضِعٍ يَتَعَذَّرُ فِيهِ الْإِقَامَةُ كَالْبَرِّيَّةِ لَا يَقْصُرُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْإِقَامَةَ، وَالْمَذْهَبُ بَلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَفَاءُ بِهَذِهِ النِّيَّةِ، فَلَغَتْ، وَبَقِيَ حُكْمُ السَّفَرِ الْأَوَّلِ مُسْتَدَامًا، فَلَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ إِقَامَةً مُطْلَقَةً، وَقِيلَ: بِمَوْضِعٍ تُقَامُ فِيهِ: إِنَّهُ يُتْمٌ، وَمَنْ نَوَى إِقَامَةً تَمْنَعُ الْقَصْرَ، ثُمَّ نَوَى السَّفَرَ قَبْلَ فَرَاغِهَا، فَقِيلَ: تَقْصُرُ، وَقِيلَ: إِذَا سَافَرَ. [أَقَامَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ أَوْ حُبِسَ ظُلْمًا أَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ] (وَإِنْ أَقَامَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ) قَصَرَ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» إِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ مَعْمَرٌ بِرِوَايَتِهِ مُسْنَدًا، وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ مُرْسَلًا، «وَلَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ أَقَامَ فِيهَا تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ أَنَسٌ: أَقَامَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَامَهُرْمُزَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا أَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْصُرُ مَا لَمْ يَجْمَعْ إِقَامَةً وَلَوْ أَتَى عَلَيْهِ
[الملاح الذي معه أهله وليس له نية الإقامة ببلد]
ظُلْمًا، أَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ، قَصَرَ أَبَدًا. وَالْمَلَّاحُ الَّذِي مَعَهُ أَهْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ بِبَلَدٍ، لَيْسَ لَهُ التَّرَخُّصُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQسُنُونَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ كَثْرَةُ ذَلِكَ أَوْ قِلَّتُهُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْكَافِي "، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: إِنْ ظَنَّ قَضَاءَ حَاجَتِهِ مِنِ اسْتِوَاءِ رِيحٍ أَوْ خُرُوجِ قَافِلَةٍ لَمْ يَقْصُرْ، كَمَا لَوْ عَلِمَ (أَوْ حُبِسَ ظُلْمًا) قَصَرَ، لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَقَدْ حَالَ الثَّلْجُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّخُولِ، وَفِي مَعْنَاهُ إِذَا حَبَسَهُ مَرَضٌ أَوْ مَطَرٌ، فَإِنْ حُبِسَ بِحَقٍّ لَمْ يَقْصُرْ (أَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ، قَصَرَ أَبَدًا) لِمَا تَقَدَّمَ، وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: يَقْصُرُ الَّذِي يَقُولُ: أَخْرُجُ الْيَوْمَ، أَخْرُجُ غَدًا، شَهْرًا، وَعَنْ سَعْدٍ أَنَّهُ أَقَامَ فِي بَعْضِ قُرَى الشَّامِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. رَوَاهُمَا سَعِيدٌ، وَلَا فَرْقَ إِذَا لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ، أَوْ نَوَاهَا مُدَّةً لَا تَمْنَعُ الْقَصْرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَلَدُ مُنْتَهَى قَصْدِهِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ، عَلَى الْمَنْصُوصِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامٍ الْخِرَقِيِّ، وَالْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «قَصَرَ فِي حَجِّهِ مُدَّةَ مَقَامِهِ بِمَكَّةَ» ، وَكَانَ مُنْتَهَى قَصْدِهِ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِذَا كَانَ مُنْتَهَى قَصْدِهِ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ لِانْتِهَاءِ سَفَرِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ زَوْجُهُ، أَوْ تَزَوَّجَ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ عَلَى الْأَشْهُرِ، وَعَنْهُ: أَوْ أَهْلٌ أَوْ مَاشِيَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: أَوْ مَالٌ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بِهِ وَلَدٌ أَوْ وَالِدٌ أَوْ دَارٌ، قَصَرَ، وَفِي أَهْلٍ غَيْرِهِمَا وَمَالٍ وَجْهَانِ. 1 - فَرْعَانِ: الْأَوَّلُ إِذَا مَرَّ الْمُسَافِرُ بِوَطَنِهِ، أَتَمَّ، وَعَنْهُ: لَا، وَلَا حَاجَةَ فِيهِ، وَإِلَّا قَصَرَ. الثَّانِي: إِذَا نَسِيَ حَاجَةً فِي بَلَدِهِ فَرَجَعَ لِأَخْذِهَا عَنْ قُرْبٍ، قَصَرَ فِي رُجُوعِهِ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَفِي وَجْهٍ: لَا، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَحَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ، وَفِي رُجُوعِهِ إِلَى غَيْرِ وَطَنِهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ نَوَى أَنْ يُقِيمَ بِهِ مَا يَمْنَعُ الْقَصْرَ، لَمْ يَقْصُرْ فِي رُجُوعِهِ، وَقِيلَ: إِنْ قَصَدَ بَلَدًا بِعَيْنِهِ، وَنَوَى الرُّجُوعَ قَرِيبًا، قَصَرَ فِي رُجُوعِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا سَافَرَ مَنْ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ سَفَرًا طَوِيلًا، ثُمَّ كُلِّفَ بِالصَّلَاةِ فِي أَثْنَائِهِ، فَلَهُ الْقَصْرُ مُطْلَقًا فِيمَا بَقِيَ. [الْمَلَّاحُ الَّذِي مَعَهُ أَهْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ بِبَلَدٍ] (وَالْمَلَّاحُ) صَاحِبُ السَّفِينَةِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ (الَّذِي مَعَهُ أَهْلُهُ، وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ بِبَلَدٍ، لَيْسَ لَهُ التَّرَخُّصُ) أَيْ: يُعْتَبَرُ لِلسَّفَرِ الْمُبِيحِ كَوْنُهُ مُنْقَطِعًا، فَإِنْ كَانَ
[فصل في الجمع]
فَصْلٌ فِي الْجَمْعِ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءَيْنِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: السَّفَرِ الطَّوِيلِ، وَالْمَرَضِ الَّذِي يَلْحَقُهُ بِتَرْكِ الْجَمْعِ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَضَعْفٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــQدَائِمًا كَمَا مَثَّلَهُ، لَمْ يَتَرَخَّصْ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ، لِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاعِنٍ عَنْ وَطَنِهِ وَأَهْلِهِ، أَشْبَهَ الْمُقِيمَ. فَعَلَى هَذَا لَا يَتَرَخَّصُ بِفِطْرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِيهِ فِي السَّفَرِ، وَكَمَا تَعْتَدُّ امْرَأَتُهُ مَكَانَهَا كَمُقِيمٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنِ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ، فَلَوِ انْتَفَى أَحَدُهُمَا لَمْ يُمْنَعِ التَّرَخُّصُ، وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْقَاضِي فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ أَهْلُهُ؛ وَهُوَ خِلَافُ نُصُوصِهِ؛ لِأَنَّ الشَّبَهَ لَا يَحْصُلُ حَقِيقَةً إِلَّا بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ، وَمِثْلُهُ مُكَارٍ، وَسَاعٍ، وَبَرِيدٌ، وَرَاعٍ، وَنَحْوُهُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ عَنْهُ: يَتَرَخَّصُ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ أَهْلُهُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ أَشَقُّ. [فَصْلٌ فِي الْجَمْعِ] [سَبَبُ الْجَمْعِ وَكَيْفِيَّتُهُ] فَصْلٌ فِي الْجَمْعِ (يَجُوزُ الْجَمْعُ) وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ، وَعَنْهُ: فَعَلَهُ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ وَغَيْرُهُ، كَجَمْعَيْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ، وَعَنْهُ: التَّوَقُّفُ (بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءَيْنِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا) فَهَذِهِ الْأَرْبَعُ هِيَ الَّتِي تُجْمَعُ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا، الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ، وَالْمَغْرِبُ، وَالْعَشَاءُ (لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: السَّفَرِ الطَّوِيلِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِمَا رَوَى مُعَاذٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ؛ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إِلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالْعَصْرِ يُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ رَفْعِ الشَّمْسِ، صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سَارَ، وَكَانَ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَعَنْ أَنَسٍ مَعْنَاهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَازِلًا أَوْ سَائِرًا فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ أَوِ التَّأْخِيرِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ إِلَّا لِسَائِرٍ، وَعَنْهُ: لِسَائِرٍ وَقْتَ الْأُولَى فَيُؤَخِّرُ إِلَى الثَّانِيَةِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ لِمَا «رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَشَاءِ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: الْأَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ صِفَةَ الْجَمْعِ فِعْلُ الْأُولَى آخِرَ وَقْتِهَا، وَالثَّانِيَةِ أَوَّلَ وَقْتِهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْقَصْرِ عَلَى " الْمَذْهَبِ "، وَفِيهِ وَجْهٌ. (وَالْمَرَضِ الَّذِي يَلْحَقُهُ بِتَرْكِ الْجَمْعِ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَضَعْفٌ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَغَيْرِهِ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا مَطَرٍ» وَفِي رِوَايَةٍ: «مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَلَا عُذْرَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا الْمَرَضُ، وَقَدْ ثَبَتَ جَوَازُ الْجَمْعِ لِلْمُسْتَحَاضَةِ؛ وَهِيَ نَوْعُ مَرَضٍ، وَفِي " الْوَجِيزِ " يَجُوزُ بِكُلِّ عُذْرٍ يُبِيحُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، عَدَا النُّعَاسِ وَنَحْوِهِ، انْتَهَى، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ الْمَرَضَ أَشَدُّ مِنَ السَّفَرِ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ: إِنْ جَازَ لَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بَعْدَ الْغُرُوبِ، ثُمَّ تَعَشَّى، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ، لِمَا سَبَقَ.
وَالْمَطَرِ الَّذِي يَبُلُّ الثِّيَابَ. إِلَّا أَنَّ جَمْعَ الْمَطَرِ يَخْتَصُّ الْعِشَاءَيْنِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَهَلْ يَجُوزُ لِأَجْلِ الْوَحَلِ أَوِ الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ الْبَارِدَةِ، أَوْ لِمَنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، أَوْ فِي مَسْجِدِ طَرِيقِهِ تَحْتَ سَابَاطٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَيَفْعَلُ الْأَرْفَقَ بِهِ مِنْ تَأْخِيرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَنْبِيهٌ: يَجُوزُ لِمُرْضِعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِلْمَشَقَّةِ بِكَثْرَةِ النَّجَاسَةِ، وَفِي " الْوَسِيلَةِ " رِوَايَةٌ: لَا. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: كَمَرِيضٍ، وَكَمَنْ لَهُ سَلَسُ الْبَوْلِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَلِكُلِّ مَنْ يَعْجِزُ عَنِ الطَّهَارَةِ وَالتَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَعَنْ مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ، كَأَعْمَى وَنَحْوِهِ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَمَنْ لَهُ شَغْلٌ أَوْ عُذْرٌ يُبِيحُ تَرْكَ جُمُعَةٍ وَجَمَاعَةٍ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُ (وَالْمَطَرِ الَّذِي يَبُلُّ الثِّيَابَ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ، رَوَاهُ مَالِكٌ. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا كَانَ يَوْمُ مَطَرٍ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَرَوَى النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ، وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ» وَحُكْمُ الثَّلْجِ كَذَلِكَ فِي الْمَنْصُوصِ، وَفِيهِمَا وَجْهٌ: لَا يَجُوزُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِطَلٍّ، وَلَا لِمَطَرٍ خَفِيفٍ لَا يَبُلُّ الثِّيَابَ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ. (إِلَّا أَنَّ جَمْعَ الْمَطَرِ يَخْتَصُّ الْعِشَاءَيْنِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ الْأَشْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ إِلَّا فِي الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ، وَمَشَقَّتُهُمَا أَكْثَرُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمَا يُفْعَلَانِ فِي الظُّلْمَةِ، وَمَشَقَّةُ السَّفَرِ لِأَجْلِ السَّيْرِ وَفَوَاتِ الرُّفْقَةِ؛ وَهُوَ مَعْدُومٌ هُنَا، وَالثَّانِي: يَجُوزُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ كَالْعِشَاءَيْنِ؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُذْهَبِ "؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى أَبَاحَ الْجَمْعَ، فَأَبَاحَهُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ كَالسَّفَرِ (وَهَلْ يَجُوزُ لِأَجَلِ الْوَحَلِ، أَوِ الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ، أَوْ لِمَنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، أَوْ فِي مَسْجِدِ طَرِيقِهِ تَحْتَ سَابَاطٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: يَجُوزُ الْجَمْعُ لِأَجْلِ الْوَحَلِ فِي الْأَصَحِّ.
الْأُولَى إِلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ، أَوْ تَقْدِيمِ الثَّانِيَةِ إِلَيْهَا. وَلِلْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى ثَلَاثَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ الْقَاضِي: قَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ عُذْرٌ يُبِيحُ الْجَمْعَ بِمُجَرَّدِهِ، وَيَلْحَقُ بِهِ الْمَشَقَّةُ كَالْمَطَرِ، وَالثَّانِي: لَا يُبِيحُهُ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ مَشَقَّتَهُ دُونَ مَشَقَّةِ الْمَطَرِ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَأَذَّى بِهِ فِي نَفْسِهِ وَثِيَابِهِ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنَ الْبَلَلِ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقَيَّدَهُ الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " رُءُوسِ الْمَسَائِلِ " بِاللَّيْلِ، وَظَاهِرُ كَلَامٍ ابْنِ أَبِي مُوسَى اعْتِبَارُ الظُّلْمَةِ لَيْلًا. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ فِي الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ صَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالْآمِدِيُّ، وَابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ أَحْمَدُ: فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَجْمَعُ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ، زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ: لَيْلًا، وَزَادَ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " مَعَ ظُلْمَةٍ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، وَقَدْ عُلِمَا. الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ لِمَنْ يُصَلِّي وَحْدَهُ، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ فِي بَيْتِهِ، أَوْ مَسْجِدِ طَرِيقِهِ تَحْتَ سَابَاطٍ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ خُطُوَاتٌ يَسِيرَةٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، قَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ الْعَامَّةَ يَسْتَوِي فِيهَا حَالُ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ وَعَدَمِهَا، كَالسَّفَرِ، وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمَذْهَبِ " لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ يُصَلِّي الثَّانِيَةَ جَمَاعَةً فِي وَقْتِهَا لَمْ يَجْمَعْ، وَإِلَّا جَمَعَ (وَيَفْعَلُ الْأَرْفَقَ بِهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْأُولَى إِلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ، أَوْ تَقْدِيمِ الثَّانِيَةِ إِلَيْهَا) كَذَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَمِنْهُمْ صَاحِبُ " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِحَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ، تَفَرَّدَ بِهِ قُتَيْبَةُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: قُلْتُ لَهُ: مَعَ مَنْ كَتَبْتَ هَذَا عَنِ اللَّيْثِ؛ قَالَ: مَعَ خَالِدٍ الْمَدَائِنِيِّ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَخَالِدٌ هَذَا كَانَ يُدْخِلُ الْأَحَادِيثَ عَلَى الشُّيُوخِ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، «وَأَخَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ يَوْمًا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثُمَّ خَرَجَ
[شروط الجمع]
شُرُوطٍ: نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ إِحْرَامِهَا، وَيُحْتَمَلُ تَجْزِئَةُ النِّيَّةُ قَبْلَ سَلَامِهَا، وَأَنْ لَا ـــــــــــــــــــــــــــــQفَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا» رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ مُعَاذٍ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتُ الْإِسْنَادِ، وَلِأَنَّ الْجَمْعَ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِحَالِهِ كَسَائِرِ رُخَصِهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِحَالَةِ السَّيْرِ فِي رِوَايَةٍ، وَحُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ: أَنَّ الْجَمْعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ أَفْضَلُ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَفِيهِ خُرُوجٌ مِنَ الْخِلَافِ، وَعَمَلٌ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا، وَقِيلَ: فِي جَمْعِ السَّفَرِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيمُ، وَجَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي جَمْعِ الْمَطَرِ، وَنَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَأَنَّ فِي جَمْعِ السَّفَرِ تُؤَخَّرُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا هُوَ قَوْلٌ فِي " الْمَذْهَبِ " وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَهُ ظَاهِرَ مَذْهَبِ أَحْمَدَ الْمَنْصُوصِ عَنْهُ؛ وَهُوَ يَعُمُّ أَقْسَامَهُ. لَكِنْ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْأُولَى عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا شَيْئًا. قَالَ أَحْمَدُ: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إِذَا اخْتَلَطَ الظَّلَامُ أَوْ غَابَ الشَّفَقُ، فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ. [شُرُوطُ الْجَمْعِ] (وَلِلْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ) : الْأَوَّلُ: (نِيَّةُ الْجَمْعِ) فِي الْأَشْهَرِ، قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: هُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ عُمِلَ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (عِنْدَ إِحْرَامِهَا) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ اشْتُرِطَتْ فِيهَا النِّيَّةُ اعْتُبِرَتْ فِي أَوَّلِهَا، كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ. (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُجْزِئَهُ النِّيَّةُ قَبْلَ سَلَامِهَا) هَذَا قَوْلٌ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْجَمْعِ مِنَ الْأُولَى إِلَى الشُّرُوعِ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِذَا لَمْ تَتَأَخَّرِ النِّيَّةُ عَنْهُ أَجْزَأَهُ، وَقِيلَ: تُجْزِئُهُ بَعْدَ سَلَامِ الْأُولَى قَبْلَ إِحْرَامِ الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ: مَحَلُّ النِّيَّةِ عِنْدَ إِحْرَامِ الثَّانِيَةِ لَا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ، وَعَلَى الْأُولَى: لَا تَجِبُ فِي الثَّانِيَةِ؛ وَهُوَ الْأَشْهَرُ.
يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ. فَإِنْ صَلَّى السُّنَّةَ بَيْنَهُمَا، بَطَلَ الْجَمْعُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَأَنْ يَكُونَ الْعُذْرُ مَوْجُودًا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاتَيْنِ، وَسَلَامِ الْأُولَى. ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَ) الثَّانِي: الْمُوَالَاةُ؛ وَهُوَ (أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا) فُرْقَةً طَوِيلَةً؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ الْمُتَابِعَةُ وَالْمُقَارِنَةُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ التَّفْرِيقِ الطَّوِيلِ، وَظَاهِرُهُ اشْتِرَاطُ تَقْدِيمِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ؛ وَهُوَ كَذَلِكَ لِتَكُونَ الثَّانِيَةُ تَابِعَةً؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ وَقْتُهَا، وَسَوَاءٌ جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ؛ لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا هُنَا تَبَعٌ لِاسْتِقْرَارِهَا، كَالْفَوَائِتِ (إِلَّا بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ؛ وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَهُمَا مِنْ مَصَالِحِ الصَّلَاةِ، وَظَاهِرُهُ تَقْدِيرُ الْيَسِيرِ بِذَلِكَ، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّ مَرْجِعَهُ إِلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْوُضُوءُ أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا، فَإِنْ طَالَ، بَطَلَ الْجَمْعُ، وَاسْتَثْنَى مَعَهُمَا جَمَاعَةَ الذِّكْرِ الْيَسِيرِ، كَتَكْبِيرِ عِيدٍ. فَإِنْ صَلَّى السُّنَّةَ بَيْنَهُمَا، بَطَلَ الْجَمْعُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ وَهُوَ ظَاهِرُ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ، فَبَطَلَ، كَمَا لَوْ قَضَى فَائِتَةً، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَبْطُلُ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلصَّلَاةِ، فَلَمْ يَقَعِ الْفَصْلُ بِأَجْنَبِيٍّ، كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " يَجُوزُ تَنَفُّلُهُ بَيْنَهُمَا، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَطَّوَّعَ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُطِلِ الصَّلَاةَ، فَإِنْ أَطَالَهَا، بَطَلَ الجَمْعُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ، جَازَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْجَمْعَ يَبْطُلُ بِالتَّفْرِيقِ الْيَسِيرِ، وَاعْتَبَرَ فِي " الْفُصُولِ " الْمُوَالَاةَ. قَالَ: وَمَعْنَاهَا أَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ وَلَا كَلَامٍ، لِئَلَّا يَزُولَ مَعْنَى الِاسْمِ؛ وَهُوَ الْجَمْعُ. وَقَالَ: إِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الثَّانِيَةِ، وَقُلْنَا: تَبْطُلُ بِهِ فَتَوَضَّأَ، أَوِ اغْتَسَلَ وَلَمْ يَطُلْ، فَفِي بُطْلَانِ جَمْعِهِ احْتِمَالَانِ. (وَ) الثَّالِثُ (أَنْ يَكُونَ) الْمُبِيحُ (مَوْجُودًا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاتَيْنِ، وَسَلَامِ الْأُولَى)
وَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، كَفَاهُ نِيَّةُ الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى، مَا لَمْ يَضِقْ عَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَذَا ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ، مِنْهُمْ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ افْتِتَاحَ الْأُولَى مَوْضِعُ النِّيَّةِ وَفَرَاغُهَا، وَافْتِتَاحُ الثَّانِيَةِ مَوْضِعُ الْجَمْعِ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ عِنْدَ سَلَامِ الْأُولَى، وَأَنَّهُ مَتَى انْقَطَعَ ثُمَّ عَادَ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ صَحَّ الْجَمْعُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: سَوَاءٌ قُلْنَا بِاعْتِبَارِ نِيَّةِ الْجَمْعِ أَوْ لَا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ دَوَامُهُ فِي الْأُولَى، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا انْقَطَعَ الْمَطَرُ فِي الْأُولَى وَلَمْ يَعُدْ، أَنَّهُ يَبْطُلُ الْجَمْعُ، لَكِنْ إِنْ حَصَلَ وَحَلٌ وَقُلْنَا بِجَوَازِهِ لَهُ، لَمْ يَبْطُلْ، وَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُ الْعُذْرِ إِلَى فَرَاغِ الثَّانِيَةِ فِي جَمْعِ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَإِنِ انْقَطَعَ السَّفَرُ فِي الْأُولَى، بَطَلَ الْجَمْعُ مُطْلَقًا، وَيَصِحُّ وَيُتِمُّهَا، وَإِنِ انْقَطَعَ فِي الثَّانِيَةِ كَمَنْ نَوَى الْإِقَامَةَ فِيهَا، أَوْ دَخَلَتِ السَّفِينَةُ الْبَلَدَ، بَطَلَ الْجَمْعُ، كَمَا لَوْ كَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا كَالْقَصْرِ وَالْمَسْحِ. فَعَلَى هَذَا تَنْقَلِبُ نَفْلًا، وَقِيلَ: تَبْطُلُ، وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ الْجَمْعُ كَانْقِطَاعِ الْمَطَرِ فِي الْأَشْهَرِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ انْقِطَاعُ الْمَطَرِ، لِاحْتِمَالِ عَوْدِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَيَخْلُفُهُ الْوَحَلُ؛ وَهُوَ عُذْرٌ مُبِيحٌ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَمَرِيضٌ كَمُسَافِرٍ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ إِذَا قَدِمَ الْمُسَافِرُ، أَوْ أَقَامَ، أَوْ عُوفِيَ الْمَرِيضُ بَعْدَ الثَّانِيَةِ، صَحَّ الْجَمْعُ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا، كَمَا لَوْ قَدِمَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ. (وَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ كَفَاهُ) أَيْ: أَجْزَأَهُ (نِيَّةُ الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأَوْلَى) لِأَنَّهُ مَتَى أَخَّرَهَا عَنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، صَارَتْ قَضَاءً لَا جَمْعًا (مَا لَمْ يَضِقْ عَنْ فِعْلِهَا) كَذَا جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا عَنِ الْقَدْرِ الَّذِي يَضِيقُ عَنْ فِعْلِهَا حَرَامٌ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: أَنْ يَنْوِيَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْقَى مِنْ وَقْتِ الْأُولَى بِقَدْرِهَا، لِفَوْتِ فَائِدَةِ الْجَمْعِ؛ وَهِيَ التَّخْفِيفُ بِالْمُقَارَنَةِ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: أَوْ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ أَوْ رَكْعَةٍ، وَذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " احْتِمَالًا؛ لِأَنَّهُ يُدْرِكُهَا بِهِ، وَحَمَلَ الْأَوَّلَ عَلَى أَنَّهُ الْأَوْلَى، وَقِيلَ: يَنْوِيهِ مِنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ (وَ) يُشْتَرَطُ (اسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إِلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ) لِأَنَّ الْمُجَوِّزَ لِلْجَمْعِ الْعُذْرُ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَمِرَّ، وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ، لِزَوَالِ الْمُقْتَضِي، كَالْمَرِيضِ يَبْرَأُ، وَالْمُسَافِرِ يَقْدِمُ، وَالْمَطَرِ يَنْقَطِعُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْعُذْرِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّهُمَا صَارَتَا وَاجِبَتَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ
فِعْلِهَا، وَاسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إِلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ. وَلَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ ذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفِعْلِهِمَا، وَيُشْتَرَطُ التَّرْتِيبُ فِي الْجَمْعَيْنِ، لَكِنْ إِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُمَا، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": أَوْ ضَاقَ وَقْتُ الْأُولَى عَنْ إِحْدَاهُمَا، فَفِي سُقُوطِ التَّرْتِيبِ لِضِيقِهِ وَجْهَانِ (وَلَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ ذَلِكَ) أَيْ: مِمَّا تَقَدَّمَ اشْتِرَاطُهُ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ مِنْ نِيَّةِ الْجَمْعِ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ، وَوُجُودِ الْعُذْرِ عِنْدَ إِحْرَامِهِمَا، وَسَلَامِ الْأُولَى، وَالْمُوَالَاةِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مَفْعُولَةٌ فِي وَقْتِهَا، فَهِيَ أَدَاءٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَالْأُولَى مَعَهَا كَصَلَاةٍ فَائِتَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ، وَلَا يَحْصُلُ مَعَ التَّفْرِيقِ، فَعَلَى هَذَا: إِنْ تَرَكَ الْمُوَالَاةَ أَثِمَ، وَصَحَّتْ، كَمَا لَوْ صَلَّى الْأُولَى مَعَ وَقْتِهَا مَعَ نِيَّةِ الْجَمْعِ ثُمَّ تَرَكَهُ. وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ بَيْنَهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ صَلَّى الْأُولَى وَحْدَهُ، ثُمَّ الثَّانِيَةَ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا، أَوْ صَلَّى إِمَامٌ الْأُولَى، وَإِمَامٌ الثَّانِيَةَ، أَوْ صَلَّى مَعَهُ مَأْمُومٌ الْأُولَى، وَأُخِّرَ الثَّانِيَةَ، أَوْ نَوَى الْجَمْعَ خَلْفَ مَنْ لَا يَجْمَعُ، أَوْ بِمَنْ لَا يَجْمَعُ، صَحَّ. مَسَائِلُ: الْأُولَى إِذَا بَانَ فَسَادُ أُولَاهُمَا بَعْدَ الْجَمْعِ بِنِسْيَانِ رُكْنٍ أَوْ غَيْرِهِ بَطَلَتْ، وَكَذَا الثَّانِيَةُ، فَلَا جَمْعَ، وَلَا تَبْطُلُ الْأَوْلَى بِبُطْلَانِ الثَّانِيَةِ، وَلَا الْجَمْعُ إِنْ صَلَّاهَا قَرِيبًا، وَإِنْ تَرَكَ رُكْنًا، وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيِّهِمَا تَرَكَهُ، أَعَادَهُمَا إِنْ بَقِيَ الْوَقْتُ، وَإِلَّا قَضَاهُمَا. الثَّانِيَةُ: السُّنَّةُ تَتْبَعُ الْفَرْضَ تَقَدُّمًا وَتَأَخُّرًا، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ فِعْلُ سُنَّةِ الظُّهْرِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ جَمْعًا، وَقِيلَ: إِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ، لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا جَازَ، لِبَقَاءِ الْوَقْتِ إِذَنْ. الثَّالِثَةُ: صَلَاةُ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ كَغَيْرِهِمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْجَمْعَ وَالْقَصْرَ مُطْلَقًا، وَالْأَشْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ: الْجَمْعُ فَقَطْ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ. وَلِامْتِنَاعِ الْقَصْرِ لِلْمَكِّيِّ. قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُوَلَّى أَحَدٌ مِنْهُمُ الْمَوْسِمَ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْدِمُ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مِنَ الْمَدِينَةِ» ، وَقَالَ عَطَاءٌ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُوَلَّى أَحَدٌ مِنْهُمْ.
[فصل في صلاة الخوف]
فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ أَوْ سِتَّةٍ، كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْ فَعَلَهُ، فَمِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، صَفَّ الْإِمَامُ الْمُسْلِمِينَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَصَلَّى بِهِمْ جَمِيعًا إِلَى أَنْ يَسْجُدَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ] [أَنْوَاعُ صَلَاةِ الْخَوْفِ] فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ} [النساء: 102] الْآيَةَ، وَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثَبَتَ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ، وَتَخْصِيصُهُ بِالْخِطَابِ لَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِالْحُكْمِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] وَبِالسُّنَّةِ، وَقَدْ ثَبَتَ وَصَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّاهَا، وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى فِعْلِهَا، وَصَلَّاهَا عَلِيٌّ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَحُذَيْفَةُ. فَإِنْ قُلْتَ: فَالنَّبِيُّ لَمْ يُصَلِّهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ؟ وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِهَا. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَسِيَهَا يَوْمَئِذٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ قِتَالٌ يَمْنَعُهُ مِنْهَا. (قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ: (صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةُ الْخَوْفِ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ، أَوْ سِتَّةٍ) وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: سِتَّةِ أَوْجُهٍ أَوْ سَبْعَةٍ (كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْ فَعَلَهُ) قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: تَقُولُ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا أَوْ تَخْتَارُ وَاحِدًا مِنْهَا؟ قَالَ: أَنَا أَقُولُ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهَا كُلِّهَا فَحَسَنٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلٍ فَأَنَا أَخْتَارُهُ. وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ مُبَاحَ الْقِتَالِ، سَفَرًا كَانَ أَوْ حَضَرًا، مَعَ خَوْفِ هُجُومِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ لِقَوْلِهِ {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] (فَمِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ، صَفَّ الْإِمَامُ الْمُسْلِمِينَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ) قَالَ جَمَاعَةٌ: أَوْ أَكْثَرَ (فَصَلَّى بِهِمْ جَمِيعًا) مِنَ الْإِحْرَامِ، وَالْقِيَامِ، وَالرُّكُوعِ، وَالرَّفْعِ مِنْهُ (إِلَى أَنْ يَسْجُدَ فَيَسْجُدَ
فَيَسْجُدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَيَحْرُسُ الْآخَرُ حَتَّى يَقُومَ الْإِمَامُ إِلَى الثَّانِيَةِ، فَيَسْجُدَ وَيَلْحَقَهُ، فَإِذَا سَجَدَ فِي الثَّانِيَةِ، سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِي حَرَسَ، وَحَرَسَ الْآخَرُ حَتَّى يَجْلِسَ الْإِمَامُ فِي التَّشَهُّدِ، فَيَسْجُدَ وَيَلْحَقَهُ، فَيَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ بِهِمْ. ـــــــــــــــــــــــــــــQمَعَهُ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَيَحْرُسُ الْآخَرُ حَتَّى يَقُومَ الْإِمَامُ إِلَى الثَّانِيَةِ فَيَسْجُدَ وَيَلْحَقَهُ، فَإِذَا سَجَدَ فِي الثَّانِيَةِ سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِي حَرَسَ، وَحَرَسَ الْآخَرُ حَتَّى يَجْلِسَ فِي التَّشَهُّدِ فَيَسْجُدَ، وَيَلْحَقَهُ فَيَتَشَهَّدَ، وَيُسَلِّمَ بِهِمْ) جَمِيعًا. هَذِهِ الصِّفَةُ رَوَاهَا جَابِرٌ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْخَوْفِ فَصَفَّنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، وَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، وَقَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ، وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ، وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ، وَالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ، وَرَوَى هَذِهِ الصِّفَةَ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَّقِيِّ، قَالَ: «فَصَلَّاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِعَسَفَانَ، وَمَرَّةً بِأَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ» ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ هُنَا تَأَخُّرَ الْمُتَقَدِّمِ، وَتَقَدُّمَ الْمُؤَخَّرِ؛ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْخَبَرِ كَمَا تَرَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " فَقِيلَ: هُوَ أَوْلَى لِلتَّسَاوِي فِي فَضِيلَةِ الْمَوْقِفِ، وَلِقُرْبِ مُوَاجَهَةِ الْعَدُوِّ، وَقِيلَ: تَجُوزُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ يَحْرُسُ السَّاجِدُ مَعَهُ أَوَّلًا، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " أَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ لَا يَسْجُدُونَ مَعَ الْإِمَامِ، بَلْ يَقِفُونَ حَرَسًا؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَإِنْ حَرَسَ بَعْضُ الصَّفِّ، أَوْ جَعَلَهُمْ صَفًّا وَاحِدًا، جَازَ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَفِعْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْلَى، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَخْفَى بَعْضُهُمْ
الْوَجْهُ الثَّانِي: إِذَا كَانَ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، جَعَلَ طَائِفَةً حِذَاءَ الْعَدُوِّ، وَطَائِفَةً تُصَلِّي مَعَهُ رَكْعَةً، فَإِذَا قَامُوا إِلَى الثَّانِيَةِ، ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا أُخْرَى. وَسَلَّمَتْ وَمَضَتْ إِلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الْأُخْرَى، فَصَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ، أَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا أُخْرَى، وَتَشَهَّدَتْ، وَسَلَّمَ بِهِمْ. فَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ لَا يَخَافُوا كَمِينًا. زَادَ أَبُو الْخَطَّابِ وَتَبِعَهُ فِي " التَّلْخِيصِ ": أَوْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمْ كَثْرَةٌ بِأَنْ يَحْرُسَ بَعْضُهُمْ، وَيُصَلِّيَ بَعْضٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ. (الْوَجْهُ الثَّانِي: إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةَ الْقِبْلَةِ، جَعَلَ طَائِفَةً حَذْوَ الْعَدُوِّ، وَطَائِفَةً تُصَلِّي مَعَهُ رَكْعَةً، فَإِذَا قَامُوا إِلَى الثَّانِيَةِ، ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا أُخْرَى، وَسَلَّمَتْ، وَمَضَتْ إِلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الْأُخْرَى فَصَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ أَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا أُخْرَى، وَتَشَهَّدَتْ، وَسَلَّمَ بِهِمْ) وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ خَوَاتِ بْنِ جُبَيْرٍ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ: «أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةً وُجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، وَصَفُّوا وُجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» وَصَحَّ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَاتٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مَرْفُوعًا، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ أَنَكَى لِلْعَدُوِّ، وَأَقَلُّ فِي الْأَفْعَالِ؛ وَهُوَ أَشْبَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَحْوَطُ لِلصَّلَاةِ وَالْحَرْبِ، وَإِنْ صَلَّى كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ؛ وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ، جَازَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِهَذِهِ الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَاتِ الرِّقَاعِ كَانَتْ كَذَلِكَ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهَا تُفْعَلُ، وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَالَ شَيْخُنَا: نَصُّ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ تُمْكِنْ صَلَاةُ عَسَفَانَ، لِانْتِشَارِ الْعَدُوِّ، وَقَوْلُ الْقَاضِي مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا أَمْكَنَتْ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: (جَعَلَ طَائِفَةً حَذْوَ الْعَدُوِّ) ، شَرَطَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " التَّلْخِيصِ " أَنْ يَكُونَ الْمُصَلُّونَ يُمْكِنُ تَفْرِيقُهُمْ طَائِفَتَيْنِ، كُلُّ طَائِفَةٍ ثَلَاثَةٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا سَجَدُوا} [النساء: 102] وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، وَذَهَبَ الْمُؤَلِّفُ وَجَمْعٌ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ يَصِحُّ بِهِ الْجَمَاعَةُ، فَجَازَ أَنْ تَكُونَ طَائِفَةٌ كَالثَّلَاثَةِ، بَلْ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْوَاحِدُ. قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَإِنْ كَانَ كُلُّ طَائِفَةٍ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، كُرِهَ، وَصَحَّ، وَظَاهِرُهُ لَا يَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ الَّتِي بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِكِفَايَتِهَا، وَحِرَاسَتِهَا، زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: بِحَيْثُ يَحْرُمُ فِرَارُهَا، فَإِنْ فَرَّطَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ أَثِمَ؛ وَهُوَ صَغِيرَةٌ، الْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَخْتَصُّ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: يَفْسُقُ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، كَالْمُوَدِّعِ، وَمَتَى خَشِيَ اخْتِلَالَ حَالِهِمْ، وَاحْتِيجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَنْهَزَ إِلَيْهِمْ بِمَنْ مَعَهُ، وَثَبَتُوا عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمْ، فَإِنْ أَتَى الطَّائِفَةَ الَّتِي بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ مَدَدٌ، اسْتَغْنَتْ بِهِ عَنِ الْحِرَاسَةِ، فَهَلْ تَتْرُكُ الْحِرَاسَةَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ وَتُصَلِّي؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَعَلَيْهِمَا مَتَى صَلَّتْ، فَصَلَاتُهَا صَحِيحَةٌ. قَوْلُهُ: (وَطَائِفَةٌ تُصَلِّي مَعَهُ رَكْعَةً) ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَفِّفَ لَهُمُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَهَا عَلَى التَّخْفِيفِ، وَكَذَا الطَّائِفَةُ الَّتِي تُفَارِقُهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى يَسْتَقِلَّ قَائِمًا؛ لِأَنَّ النُّهُوضَ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ جَمْعًا، فَلَا حَاجَةَ إِلَى مُفَارَقَتِهِمْ لَهُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا جَازَتْ لِلْعُذْرِ، وَتَنْوِي الْمُفَارَقَةَ؛ لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ الْمُتَابَعَةَ، وَلَمْ يَنْوِ الْمُفَارَقَةَ، بَطَلَتْ، وَتَسْجُدُ لِسَهْوِ إِمَامِهَا قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ عِنْدَ فَرَاغِهَا؛ وَهِيَ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ مُنْفَرِدَةٌ، وَقِيلَ: مَنْوِيَّةٌ، وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ مَنْوِيَّةٌ فِي كُلِّ صَلَاتِهِ، يَسْجُدُونَ لِسَهْوِهِ لَا لِسَهْوِهِمْ.
مَغْرِبًا صَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً. وَإِنْ كَانَتْ رُبَاعِيَّةً غَيْرَ مَقْصُورَةٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: (ثَبَتَ قَائِمًا) أَيْ: يَقْرَأُ حَالَ انْتِظَارِهِ وَيُطِيلُهَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ حَالُ سُكُوتٍ، وَالْقِيَامُ مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِهَا كَمَا فِي التَّشَهُّدِ إِذَا انْتَظَرَهُمْ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا قَرَأَ فِي انْتِظَارِهِمْ، قَرَأَ بَعْدَ مَجِيئِهِمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَةٍ خَفِيفَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي انْتِظَارِهِمْ قَرَأَ إِذَا جَاءُوا بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ، فَلَوْ قَرَأَ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، ثُمَّ رَكَعَ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ، أَوْ قَبْلَهُ، فَأَدْرَكُوهُ رَاكِعًا، رَكَعُوا مَعَهُ، وَصَحَّتْ لَهُمُ الرَّكْعَةُ مَعَ تَرْكِ السُّنَّةِ. قَوْلُهُ: فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ، أَيْ: يَتَشَهَّدُ وَيُطِيلُهُ، وَيُطِيلُ الدُّعَاءَ فِيهِ حَتَّى يُدْرِكَهُ فَيَتَشَهَّدُوا، وَيُسَلِّمَ بِهِمْ، وَقِيلَ: لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ قَبْلَهُمْ بَعْدَ أَنْ صَلَّوْا مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلُّوا وَحْدَهُمْ رَكْعَةً أُخْرَى وَيُسَلِّمُوا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِمُوَافَقَةِ الْخَبَرِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء: 102] فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُمْ كُلَّهَا مَعَهُ، وَلِتَحْصُلَ الْمُعَادَلَةُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْأُولَى أَدْرَكَتْ مَعَهُ فَضِيلَةَ الْإِحْرَامِ، وَالثَّانِيَةَ السَّلَامَ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ وَالَّتِي قَبْلَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ، كَصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَالرُّبَاعِيَّةِ الْمَقْصُورَةِ لِلْمُسَافِرِ، فَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَتُصَلَّى فِي الْخَوْفِ حَضَرًا بِشَرْطِ كَوْنِ الطَّائِفَةِ أَنْ تُعِينَ، فَيُصَلِّي بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً بَعْدَ حُضُورِهَا الْخُطْبَةَ، فَإِنْ أَحْرَمْ بِالَّتِي لَمْ يَحْضُرْهَا، لَمْ يَصِحَّ، وَتَقْضِي كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً بِلَا جَهْرٍ، وَتُصَلِّي الِاسْتِسْقَاءَ ضَرُورَةً كَالْمَكْتُوبَةِ، وَالْكُسُوفُ وَالْعِيدُ آكَدُ مِنْهُ. (فَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا صَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ التَّفْضِيلِ، فَالْأُولَى أَحَقُّ بِهِ، وَمَا فَاتَ الثَّانِيَةَ يَنْجَبِرُ بِإِدْرَاكِهَا السَّلَامَ مَعَ الْإِمَامِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ عُكِسَ، صَحَّتْ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ لِأَنَّ الْأُولَى أَدْرَكَتْ مَعَهُ فَضِيلَةَ الْإِحْرَامِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ الثَّانِيَةَ فِي الرَّكَعَاتِ لِيَحْصُلَ الْجَبْرُ بِهِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَكَيْفَ فَعَلَ جَازَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا تُصَلِّي جَمِيعَ صَلَاتِهَا فِي حُكْمِ الْإِتْمَامِ، وَالْأُولَى تَفْعَلُ صَلَاتَهَا فِي حِكَمِ الِانْفِرَادِ.
صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَأَتَمَّتِ الْأُولَى بِـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَالْأُخْرَى تُتِمُّ بِـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) وَسُورَةٍ، وَهَلْ تُفَارِقُهُ الْأُولَى فِي التَّشَهُّدِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ فَرَّقَهُمْ أَرْبَعًا، فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُولَيَيْنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَخَرَّجُ: يَفْسَدُ مِنْ فَسَادِهَا بِتَفْرِيقِهِمْ أَرْبَعَ طَوَائِفَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِذَا صَلَّى بِالثَّانِيَةِ الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ، وَجَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامَتْ، وَلَا تَتَشَهَّدُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِتَشَهُّدِهَا، بِخِلَافِ الرُّبَاعِيَّةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: تَتَشَهَّدُ مَعَهُ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهَا تَقْضِي رَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ بِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ (وَإِنْ كَانَتْ رُبَاعِيَّةً غَيْرَ مَقْصُورَةٍ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَأَتَمَّتِ الْأُولَى) بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ (بِالْحَمْدُ لِلَّهِ) وَحْدَهَا (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتِهَا (وَ) تَقُومُ (الْأُخْرَى) إِذَا تَشَهَّدَتْ مَعَهُ الْأَوَّلَ (تُتِمُّ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُورَةٍ) لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاتِهَا، وَتَسْتَفْتِحُ إِذَا قَامَتْ لِلْقَضَاءِ، وَيُسَلِّمُ بِهِمْ، وَإِنْ قُلْنَا: مَا يَقْضِيهِ الْمَسْبُوقُ آخِرَ صَلَاتِهِ، فَلَا اسْتِفْتَاحَ، وَلَا يَقْرَأُ السُّورَةَ (وَهَلْ تُفَارِقُهُ الْأُولَى فِي التَّشَهُّدِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، عَلَى وَجْهَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: تُفَارِقُهُ إِذَا فَرَغَ مِنَ التَّشَهُّدِ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَغَيْرِهِ، وَيَنْتَظِرُ الثَّانِيَةَ جَالِسًا يُكَرِّرُهُ، فَإِذَا أَتَتْ، قَامَ لِيُدْرِكَ جَمِيعَ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، وَلِأَنَّ الْجُلُوسَ أَخَفُّ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى انْتَظَرَهُمْ قَائِمًا احْتَاجَ إِلَى قِرَاءَةِ السُّورَةِ، وَفِي الثَّالِثَةِ خِلَافُ السُّنَّةِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: تُحْرِمُ مَعَهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ بِهِمْ، وَالثَّانِي: يُفَارِقُونَهُ حِينَ قِيَامِهِ إِلَى الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى التَّطْوِيلِ مِنْ أَجْلِ الِانْتِظَارِ، وَالتَّشَهُّدُ يُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُهُ، وَلِأَنَّ ثَوَابَ الْقَائِمِ أَكْثَرُ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ، وَيَصِحُّ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، وَبِأُخْرَى ثَلَاثًا، وَيَكُونُ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. (وَإِنْ فَرَّقَهُمْ أَرْبَعًا فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً) أَوْ فَرَّقَهُمْ ثَلَاثَ فِرَقٍ، فَصَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَبِالْبَاقِيَتَيْنِ رَكْعَةً رَكْعَةً، أَوْ صَلَّى بِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً فِي الْمَغْرِبِ (صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُولَيَيْنِ) فَقَطْ، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "
وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْأُخْرَيَيْنِ إِنْ عَلِمَتَا بُطْلَانَ صَلَاتِهِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، ثُمَّ تَمْضِي إِلَى الْعَدُوِّ، وَتَأْتِي الْأُخْرَى، فَيُصَلِّي بِهَا رَكْعَةً وَيُسَلِّمُ وَحْدَهُ، وَتَمْضِي هِيَ إِلَى الْعَدُوِّ، ثُمَّ تَأْتِي الْأُولَى فَتُتِمُّ صَلَاتَهَا، ثُمَّ تَأْتِي ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَنَّهُمَا ائْتَمَّا بِمَنْ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَلِمُفَارَقَتِهَا قَبْلَ الِانْتِظَارِ الثَّالِثِ؛ وَهُوَ الْمُبْطِلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ (وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ) لِأَنَّهُ زَادَ انْتِظَارًا ثَالِثًا لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِهِ، فَوَجَبَ بُطْلَانُهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا التَّفْرِيقُ لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُمْ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ (وَالْأُخْرَيَيْنِ إِنْ عَلِمَتَا بُطْلَانَ صَلَاتِهِ) لِأَنَّهُمَا ائْتَمَّا بِمَنْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ بَاطِلَةً مِنْ أَوَّلِهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا إِذَا جَهِلَتَا بُطْلَانَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، أَنَّهَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى، وَكَمَا لَوِ ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ لَا يَعْلَمُ حَدَثَهُ، وَيَجُوزُ خَفَاؤُهُ عَلَى الْإِمَامِ أَيْضًا، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَفِيهِ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ يَعْلَمَانِ وُجُودَ الْمُبْطِلِ، وَإِنَّمَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْبُطْلَانَ، كَمَا لَوْ عُلِمَ حَدَثُ الْإِمَامِ، وَلَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهُ مُبْطِلًا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ صَحَّتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَقْيَسُ، فَعَلَى هَذَا تُفَارِقُهُ الْأُولَتَانِ بَعْدَ الْقِيَامِ، وَتُفَارِقُهُ الثَّالِثَةُ، وَتَقُومُ الرَّابِعَةُ عَقِبَ رَفْعِهِ مِنَ السُّجُودِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُولَى فَقَطْ، وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَبَاقِي الطَّوَائِفِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْكُلِّ لِنِيَّتِهِ صَلَاةً مُحَرَّمَةً ابْتِدَاءً، وَقِيلَ: تَصِحُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ فَقَطْ، جَزَمَ بِهِ فِي الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ إِنَّمَا فَسَدَتْ لِانْصِرَافِهِمْ فِي غَيْرِ وَقْتِ الِانْصِرَافِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ لِانْصِرَافِهِمَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ. (الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ تَمْضِيَ إِلَى الْعَدُوِّ، وَتَأْتِيَ الْأُخْرَى فَيُصَلِّيَ بِهَا رَكْعَةً وَيُسَلِّمَ وَحْدَهُ، وَتَمْضِيَ هِيَ إِلَى الْعَدُوِّ، ثُمَّ تَأْتِيَ الْأُولَى فَتُتِمَّ صَلَاتَهَا، ثُمَّ تَأْتِيَ الْأُخْرَى فَتُتِمَّ صَلَاتَهَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجَهَةُ الْعَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، وَقَامُوا فِي مَقَامِ
الْأُخْرَى فَتُتِمُّ صَلَاتَهَا. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً وَيُسَلِّمَ بِهَا. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُصَلِّيَ الرُّبَاعِيَّةَ الْمَقْصُورَةَ تَامَّةً، وَتُصَلِّيَ مَعَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَلَا تَقْضِي شَيْئًا، فَتَكُونَ لَهُ تَامَّةً، وَلَهُمْ مَقْصُورَةً. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْمِلَ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ الْقِرَاءَةُ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي تَقْضِيهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا قِرَاءَةَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا مُؤْتَمَّةٌ بِهِ حُكْمًا، فَلَا يَقْرَأُ فِيمَا يَقْضِيهِ، كَمَنْ زُحِمَ أَوْ نَامَ حَتَّى سَلَّمَ إِمَامُهُ، وَالْمَنْصُوصُ خِلَافُهُ، وَإِذَا قَضَتِ الثَّانِيَةُ رَكْعَتَهَا حِينَ تُفَارِقُ الْإِمَامَ ثُمَّ تَمْضِي، وَتَأْتِي الْأُولَى فَتُتِمُّ صَلَاتَهَا، جَازَ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ. (الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً، وَيُسَلِّمَ بِهَا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي بَكَرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ حَسَنَةٌ قَلِيلَةُ الْكُلْفَةِ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ، وَلَا إِلَى تَعْرِيفِ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَبَنَاهُ الْقَاضِي عَلَى اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُنْتَفِلِ، وَنَصُّهُ التَّفْرِقَةُ. (الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُصَلِّيَ الرُّبَاعِيَّةَ الْمَقْصُورَةَ تَامَّةً، وَتُصَلِّيَ مَعَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَلَا تَقْضِي شَيْئًا، فَتَكُونَ لَهُ تَامَّةً، وَلَهُمْ مَقْصُورَةً) لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يُثْقِلُهُ، كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى بِهِمْ كَصَلَاةِ الْحَضَرِ، وَأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ قَضَتْ رَكْعَتَيْنِ؛ وَهُوَ تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ لِمُخَالَفَةِ صِفَةِ الرِّوَايَةِ، وَقَوْلِ أَحْمَدَ، وَمَنَعَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِاحْتِمَالِ سَلَامِهِ، فَتَكُونُ الصِّفَةُ قَبْلَهَا. تَتْمِيمٌ: وَهُوَ الْوَجْهُ السَّادِسُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا؛ وَهُوَ لَوْ قَصَرَهَا، وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً بِلَا قَضَاءٍ، كَصَلَاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، صَحَّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَ " مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ "، وَغَيْرِهِمْ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": الَّذِينَ قَالُوا: رَكْعَةً، إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ شِدَّةِ الْقِتَالِ، وَالَّذِينَ رَوَيْنَا عَنْهُمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرُهُمْ لَمْ يَنْقُصُوا مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لِصِغَرِ سِنِّهِ، فَالْأَخْذُ بِرِوَايَةِ مَنْ حَضَرَهَا وَصَلَّاهَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى. زِيَادَةٌ: إِذَا صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ نَجْدٍ، عَلَى مَا خَرَّجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ وَهِيَ أَنْ تَقُومَ مَعَهُ طَائِفَةٌ، وَأُخْرَى تُجَاهَ الْعَدُوِّ، وَظَهْرُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يُحْرِمُ وَيُحْرِمُ مَعَهُ الطَّائِفَتَانِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً هُوَ وَالَّتِي مَعَهُ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى الثَّانِيَةِ وَيَذْهَبُ الَّذِينَ مَعَهُ إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَتَأْتِي الْأُخْرَى فَتَرْكَعُ وَتَسْجُدُ، ثُمَّ يُصَلِّي بِالثَّانِيَةِ وَيَجْلِسُ، وَتَأْتِي الَّتِي تُجَاهَ الْعَدُوِّ فَتَرْكَعُ وَتَسْجُدُ وَيُسَلِّمُ بِالْجَمِيعِ، جَازَ. (وَيُسْتَحِبُّ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يُثْقِلُهُ، كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] وَقَوْلِهِ {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} [النساء: 102] فَدَلَّ عَلَى الْجُنَاحِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَكَانَ شَرْطًا كَالسُّتْرَةِ. وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا: وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ حَمْلَهُ يُرَادُ لِحِرَاسَةٍ أَوْ قِتَالٍ، وَالْمُصَلِّي لَا يَتَّصِفُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَالْأَمْرُ بِهِ لِلرِّفْقِ بِهِمْ وَالصِّيَانَةِ لَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْإِيجَابِ، كَمَا أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْوِصَالِ لَمَّا كَانَ لِلرِّفْقِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّحْرِيمِ، وَذَكَرَهُ الشَّرِيفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ بِأَنَّ حَمْلَهُ
[فصل في الصلاة عند اشتداد الخوف]
فَصْلٌ وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، صَلَّوْا رِجَالًا وَرُكْبَانًا إِلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا، وَيُومِئُونَ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي غَيْرِ الصَّلَاةِ مَحْظُورٌ، فَالْأَمْرُ بِهِ هُنَا أَمْرٌ بَعْدَ حَظْرٍ؛ وَهُوَ لِلْإِبَاحَةِ مَعَ قَوْلِهِمْ: يُسْتَحَبُّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ حَمْلُ مَا يُثْقِلُهُ كَالْجَوْشَنِ وَمَا يَمْنَعُ مِنْ إِكْمَالِهَا كَالْمِغْفَرِ، وَمَا يَضُرُّ غَيْرَهُ كَالرُّمْحِ، هَذَا إِذَا كَانَ مُتَوَسِّطًا، فَإِنْ كَانَ فِي حَاشِيَةٍ لَمْ يُكْرَهْ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ) أَيْ: حَمْلُ الْخِفِّ مِنْ سِلَاحٍ يَقِيهِ، وَاخْتَارَهُ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَالَهُ دَاوُدُ، وَفِي " الشَّرْحِ "؛ وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ وِفَاقًا. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ، لَكِنْ إِنْ كَانَ بِهِمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ مَرَضٍ، فَلَا يَجِبُ بِغَيْرِ خِلَافٍ. فَرْعٌ: يَجُوزُ حَمْلُ سِلَاحٍ نَجِسٍ فِي هَذِهِ الْحَالِ لِلْحَاجَةِ بِلَا إِعَادَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ. [فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْخَوْفِ] فَصْلٌ (وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ) الْمُرَادُ بِهِ حَالَ الْمُسَايَفَةِ؛ وَهُوَ أَنْ يَتَوَاصَلَ الطَّعْنُ وَالْكَرُّ وَالْفَرُّ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَفْرِيقُ الْقَوْمِ، وَلَا صَلَاتُهُمْ عَلَى مَا سَبَقَ (صَلَّوْا) أَيْ: يَلْزَمُهُمْ فِعْلُ الصَّلَاةِ (رِجَالًا وَرُكْبَانًا إِلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَرُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ الْبُخَارِيُّ قَالَ نَافِعٌ: لَا أَرَى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا،
إِيمَاءً عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ. فَإِنْ أَمْكَنَهُمُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَمَنْ هَرَبَ مِنْ عَدُوٍّ هَرَبًا مُبَاحًا أَوْ مِنْ سَيْلٍ أَوْ سَبُعٍ وَنَحْوِهِ، فَلَهُ أَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمَشْيِ إِلَى وُجَاهِ الْعَدُوِّ، وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَعُودُونَ لِقَضَاءِ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ؛ وَهُوَ مَشْيٌ كَثِيرٌ، وَعَمَلٌ طَوِيلٌ، وَاسْتِدْبَارُ الْقِبْلَةِ، فَمَعَ شِدَّتِهِ أَوْلَى. (وَيُومِئُونَ إِيمَاءً عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ) لِأَنَّهُمْ لَوْ تَمَّمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ لَكَانُوا هَدَفًا لِأَسْلِحَةِ الْكُفَّارِ، مُعَرِّضِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِالْهَلَاكِ، وَيُومِئُ بِالسُّجُودِ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ، وَلَهُ الْكَرُّ وَالْفَرُّ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُبْطِلًا لَجَازَ إِخْلَاءُ الْوَقْتِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ تَصِحُّ طَهَارَتُهُمْ، كَالْمَرِيضِ، بِخِلَافِ الصِّيَاحِ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَيْهِ، وَلَا يَزُولُ الْخَوْفُ إِلَّا بِانْهِزَامِ الْكُلِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُمْ فِعْلَ ذَلِكَ، سَوَاءٌ وُجِدَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا، وَتَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ حِينَئِذٍ، نَصَّ عَلَيْهِ لِلنُّصُوصِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَجِبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا احْتَجُّوا بِهِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ، وَعِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ، وَالْمُؤَلِّفِ: لَا يَنْعَقِدُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يُعْفَى عَنْ تَقْدِيمِ الْإِمَامِ، كَعَمَلٍ كَثِيرٍ، لَكِنْ يُعْتَبَرُ إِمْكَانُ الْمُتَابَعَةِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُؤَخَّرُ عَنْ وَقْتِهَا؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا حَالَ شِدَّةِ الْحَرْبِ وَالْتِحَامِ الْقِتَالِ وَالْمُطَارَدَةِ، ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَلَا يَجِبُ. وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْهَا، قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَتَأْخِيرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمْ. (فَإِنْ أَمْكَنَهُمُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) " الْمَذْهَبُ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " لَا يَلْزَمُهُ كَبَقِيَّةِ أَجْزَائِهَا، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى؛ وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ فِي رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ، وَظَاهِرُهُ: لَا تَجِبُ مَعَ الْعَجْزِ، حَكَاهُ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ ذَكَرَ
يُصَلِّيَ كَذَلِكَ. وَهَلْ لِطَالِبِ الْعَدُوِّ الْخَائِفِ فَوَاتَهُ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَمَنْ أَمِنَ فِي الصَّلَاةِ أَتَمَّ صَلَاةَ آمِنٍ، وَمَنِ ابْتَدَأَهَا آمِنًا فَخَافَ، أَتَمَّ صَلَاةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَبُو بَكْرٍ فِي " الشَّافِي "، وَابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ يَجِبُ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَمَعَ الْعَجْزِ رِوَايَتَانِ. (وَمَنْ هَرَبَ مِنْ عَدُوٍّ هَرَبًا مُبَاحًا) كَخَوْفِ قَتْلٍ مُحَرَّمٍ أَوْ أَسْرٍ (أَوْ مِنْ سَيْلٍ أَوْ سَبُعٍ) وَهُوَ الْحَيَوَانُ الْمَعْرُوفُ - بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِهَا -، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ مُفْتَرِسٍ (أَوْ نَحْوِهِ) كَنَارٍ (فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ كَذَلِكَ) أَيْ: كَمَا تَقَدَّمَ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، سَوَاءٌ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ ذَبَّهُ عَنْهُ، وَعَلَى الْأَصَحِّ: أَوْ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ صَلَاةُ أَمْنٍ كَدُخُولِهِ حِصْنًا، أَوْ صُعُودِهِ رَبْوَةً، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ لِذَلِكَ، وَفِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ لِمُحْرِمٍ خَوْفَ فَوْتِ الْحَجِّ خِلَافٌ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعَاصِيَ بِهَرَبِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ لِأَنَّهَا رُخْصَةٌ، فَلَا تَثْبُتُ بِالْمَعْصِيَةِ كَرُخَصِ السَّفَرِ (وَهَلْ لِطَالِبِ الْعَدُوِّ الْخَائِفِ فَوَاتَهُ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا، وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ: أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، رُوِيَ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ، وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ؛ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ «بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ، فَرَأَيْتُهُ وَقَدْ حَضَرَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَقُلْتُ: إِنِّي لَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا أُصَلِّي أُومِئُ إِيمَاءً نَحْوَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ كَانَ قَدْ عَلِمَ جَوَازَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ مُخْطِئًا، وَلِأَنَّ فَوَاتَ الْكُفَّارِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ، فَأُبِيحَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ عِنْدَ فَوْتِهِ، كَالْحَالَةِ الْأُخْرَى، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُصَلِّي إِلَّا صَلَاةَ أَمْنٍ، صَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهَا مَشْرُوطَةٌ بِالْخَوْفِ؛ وَهُوَ مَعْدُومٌ هُنَا، وَكَذَا التَّيَمُّمُ لَهُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِنْ خَافَ الطَّالِبُ رُجُوعَ الْعَدُوِّ صَلَّى صَلَاةَ خَائِفٍ؛ وَهُوَ الَّذِي فِي " الشَّرْحِ ". (وَمَنْ أَمِنَ فِي الصَّلَاةِ أَتَمَّ صَلَاةَ آمِنٍ، وَإِنِ ابْتَدَأَهَا آمِنًا فَخَافَ، أَتَمَّ صَلَاةَ خَائِفٍ) عَلَى حَسَبِ حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى صَلَاةٍ صَحِيحَةٍ، وَكَمَا لَوْ صَلَّى قَائِمًا ثُمَّ عَجَزَ، أَوْ
[باب صلاة الجمعة]
خَائِفٍ، وَمَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ لِسَوَادٍ ظَنَّهُ عَدُوًّا، فَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوٍّ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَا يَمْنَعُهُ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ ذَكَرٍ حُرٍّ مُسْتَوْطِنٍ بِبِنَاءٍ. لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَاجِزًا ثُمَّ قَدَرَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوِ انْتَهَى السَّيْلُ أَوِ الْحَرِيقُ إِلَيْهِ؛ وَهُوَ يُصَلِّي أَنَّهُ يُصَلِّي صَلَاةَ خَائِفٍ، وَكَذَا مَنْ خَافَ كَمِينًا أَوْ مَكِيدَةً أَوْ مَكْرُوهًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَدُوُّ بِإِزَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمْ عَلَى الْأَشْهَرِ (وَمَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ لِسَوَادٍ ظَنَّهُ عَدُوًّا، فَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوٍّ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَا يَمْنَعُهُ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ) كَذَا ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ الْمُبِيحُ، أَشْبَهَ مَنْ ظَنَّ الطَّهَارَةَ، ثُمَّ عَلِمَ بِحَدَثِهِ. وَسَوَاءٌ اسْتَنَدَ ظَنُّهُ إِلَى خَبَرِ ثِقَةٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا إِعَادَةَ، وَذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ رِوَايَةً، وَكَذَا إِنْ كَانَ، وَثَمَّ مَانِعٌ، وَقِيلَ: إِنْ خَفِيَ الْمَانِعُ، وَإِلَّا أَعَادَ، فَإِنْ بَانَ عَدُوًّا يَقْصِدُ غَيْرَهُ، لَمْ يُعِدْ فِي الْأَصَحِّ، لِوُجُودِ سَبَبِ الْخَوْفِ بِوُجُودِ عَدُوٍّ يَخَافُ هَجْمَهُ، كَمَا لَا يُعِيدُ مَنْ خَافَ عَدُوًّا فِي تَخَلُّفِهِ عَنْ رُفْقَتِهِ فَصَلَّاهَا، ثُمَّ بَانَ أَمْنُ الطَّرِيقِ. وَقَالَ فِي " التَّبْصِرَةِ ": إِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ خَنْدَقٌ أَوْ سُورٌ، فَخَافُوا طَمَّهُ أَوْ هَدْمَهُ إِنِ اشْتَغَلُوا، صَلَّوْا صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَقَالَ الْقَاضِي: فَإِنْ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، صَلَّوْا صَلَاةَ آمِنٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] [حُكْمُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَهِيَ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ، حَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ، وَالْأَصْلُ الضَّمُّ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ، وَقِيلَ: لِجَمْعِهَا الْجَمَاعَاتِ، وَقِيلَ: لِجَمْعِ طِينِ آدَمَ فِيهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّ آدَمَ جُمِعَ فِيهَا خَلْقُهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ جُمِعَ مَعَ حَوَّاءَ فِي الْأَرْضِ فِيهَا، وَفِيهِ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ، وَقِيلَ: لِمَا جُمِعَ فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ. قِيلَ: أَوَّلُ مَنْ سَمَّاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ، وَاسْمُهُ الْقَدِيمُ يَوْمُ الْعُرُوبَةِ؛ وَهُوَ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ. (وَهِيَ وَاجِبَةٌ) بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] وَالسَّعْيُ الْوَاجِبُ لَا يَجِبُ إِلَّا إِلَى وَاجِبٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الذَّهَابُ إِلَيْهَا لَا الْإِسْرَاعُ، وَبِالسُّنَّةِ: فَمِنْهَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقُ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ» ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ؛ وَهِيَ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا، لِعَدَمِ انْعِقَادِهَا بِنِيَّةِ الظُّهْرِ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَلِجَوَازِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ لَا أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ وَغَيْرُهُ: وَلَا تُجْمَعُ فِي مَحَلٍّ يُبِيحُ الْجَمْعَ، وَعَنْهُ: ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ، وَفِي " الِانْتِصَارِ "، " وَالْوَاضِحِ " هِيَ الْأَصْلُ، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ، زَادَ بَعْضُهُمْ: رُخْصَةٌ فِي حَقِّ مَنْ فَاتَتْهُ؛ وَهِيَ أَفْضَلُ مِنَ الظُّهْرِ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ) لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْعَقْلَ شَرْطَانِ لِلتَّكْلِيفِ وَصِحَّةِ الْعِبَادَةِ، فَلَا تَجِبُ عَلَى مَجْنُونٍ إِجْمَاعًا، وَلَا عَلَى صَبِيٍّ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَى طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ مَرْفُوعًا: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ. رَوَاهُ» أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: طَارِقٌ قَدْ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَلِأَنَّ الْبُلُوغَ مِنْ شَرَائِطِ التَّكْلِيفِ بِالْفُرُوعِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ عَلَى مُمَيِّزٍ، ذَكَرَهَا فِي " الْمُذْهَبِ "، وَ " الشَّرْحِ "، وَزَادَ: بِنَاءً عَلَى تَكْلِيفِهِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ: إِنْ لَزِمَتِ الْمَكْتُوبَةُ صَبِيًّا لَزِمَتْهُ، وَقِيلَ: لَا، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَقَالَ: هُوَ كَالْإِجْمَاعِ لِلْخَبَرِ (ذَكَرٍ) ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْحُضُورِ فِي مَجَامِعِ الرِّجَالِ، وَفِي " نِهَايَةِ " الْأَزَجِّيِّ
مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ تَقْرِيبًا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ. وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQرِوَايَةٌ أَنَّهَا تَلْزَمُهَا (حُرٍّ) هُوَ الْمَشْهُورُ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ مَمْلُوكُ الْمَنْفَعَةِ مَحْبُوسٌ عَلَى سَيِّدِهِ، أَشْبَهَ الْمَحْبُوسَ بِالدَّيْنِ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَقِيَاسًا عَلَى الظُّهْرِ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ سَيِّدَهُ، وَيَحْرُمُ مَنْعُهُ وَمُخَالَفَتُهُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَا يَذْهَبُ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُمْ بِإِذْنِ سَيِّدٍ، وَمُقْتَضَاهُ: لَا تَجِبُ عَلَى الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ فِي نَوْبَتِهِ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، كَالْقِنِّ، لِبَقَاءِ الرِّقِّ، وَتَعَلُّقِ حَقِّ السَّيِّدِ (مُسْتَوْطِنٍ بِبِنَاءٍ) مُعْتَادٍ، وَلَوْ كَانَ فَرَاسِخَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ. مِنْ حَجَرٍ أَوْ قَصَبٍ وَنَحْوِهِ، مُتَّصِلًا أَوْ مُتَفَرِّقًا، يَشْمَلُهُ اسْمٌ وَاحِدٌ، لَا يَرْتَحِلُ عَنْهُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ) إِذَا كَانَ خَارِجًا عَنِ الْمِصْرِ (أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ) نَصَّ عَلَيْهِ (تَقْرِيبًا) عَنْ مَكَانِ الْجُمُعَةِ، وَعَنْهُ: عَنْ أَطْرَافِ الْبَلَدِ، وَعَنْهُ: الِاعْتِبَارُ بِسَمَاعِ النِّدَاءِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: إِنَّمَا أَسْنَدَهُ قَبِيصَةُ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هُوَ مِنَ الثِّقَاتِ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": الْأَشْبَهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلَفْظُهُ: «إِنَّمَا الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» ، وَالْعِبْرَةُ بِسَمَاعِهِ مِنَ الْمَنَارَةِ لَا بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ، نَصَّ عَلَيْهِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: غَالِبًا مِنْ مَكَانِهَا، أَوْ مِنْ أَطْرَافِ الْبَلَدِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ عَلَى مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الذَّهَابِ إِلَيْهَا، وَالْعَوْدِ إِلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمِهِ، رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ، يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ كَالْمِصْرِ، وَاعْتِبَارُ سَمَاعِ النِّدَاءِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِيهِمُ الْأَصَمُّ، وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ، فَيَخْتَصُّ بِسَمَاعِهِ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، فَاعْتُبِرَ بِمَظِنَّتِهِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَسْمَعُ فِيهِ النِّدَاءَ غَالِبًا إِذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا، وَالرِّيَاحُ سَاكِنَةً، وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةً، وَالْعَوَارِضُ مُنْتَفِيَةً، هُوَ فَرْسَخٌ، فَلَوْ سَمِعَتْهُ قَرْيَةٌ مِنْ فَوْقِ فَرْسَخٍ لِعُلُوِّ مَكَانِهَا، أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَنْ دُونَهُ لِجَبَلٍ حَائِلٍ أَوِ انْخِفَاضِهَا، فَعَلَى الْخِلَافِ، وَحَيْثُ لَزِمَهُمْ، لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِمْ لِئَلَّا يَصِيرَ التَّابِعُ أَصْلًا، وَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ إِلَيْهَا، قَرُبَ أَوْ بَعُدَ، سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ؛
[من لا تجب عليه صلاة الجمعة]
وَلَا عَبْدٍ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا خُنْثَى، وَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ أَجْزَأَتْهُ، وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا. وَعَنْهُ فِي العَبْدِ: أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ. وَمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ لِعُذْرٍ إِذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَنَّ الْبَلَدَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ (إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ) مِنْ مَرَضٍ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ. [مَنْ لَا تُجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ] (وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرِ) لَهُ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُسَافِرُونَ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ، فَلَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ مِنْهُمُ الْجُمُعَةَ فِيهِ مَعَ اجْتِمَاعِ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ، وَكَمَا لَا يَلْزَمُهُ بِنَفْسِهِ لَا يَلْزَمُهُ بِغَيْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ لَزِمَتْهُ. وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ: إِنْ حَضَرَ مَكَانَهَا، فَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ لَا بِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَقَامَ مَا يَمْنَعُ الْقَصْرَ، وَلَمْ يَنْوِ اسْتِيطَانًا، لَزِمَتْهُ فِي الْأَشْهَرِ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ لِعَدَمِ الِاسْتِيطَانِ، وَفِي صِحَّةِ إِمَامَتِهِ فِيهَا وَجْهَانِ، وَعَنْهُ: لَا تَلْزَمُهُ، جَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ "؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا، وَفِي " الْكَافِي "؛ لِأَنَّ الِاسْتِيطَانَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يُقِيمُونَ بِالرَّيِّ السَّنَةَ وَأَكْثَرَ، وَبِسِجِسْتَانَ، لَا يَجْمَعُونَ وَلَا يُشَرِّقُونَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ. فَرْعٌ: لَا جُمُعَةَ بِمِنًى كَعَرَفَةَ، نَصَّ عَلَيْهِ، نَقَلَ يَعْقُوبُ: لَيْسَ بَيْنَهُمَا جُمُعَةٌ، إِنَّمَا يُصَلِّي الظُّهْرَ وَلَا يَجْهَرُ، وَقِيلَ: وَلَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ (وَلَا عَبْدٍ، وَلَا امْرَأَةٍ) لِمَا ذَكَرْنَاهُ (وَلَا خُنْثَى) لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ رَجُلًا، لَكِنْ يُشْكَلُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إِذَا قِيلَ: إِنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ، وَالظَّهْرُ بَدَلٌ عَنْهَا (وَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ هَؤُلَاءِ (أَجْزَأَتْهُ) لِأَنَّ إِسْقَاطَ الْجُمُعَةِ عَنْهُمْ تَخْفِيفًا، فَإِذَا حَضَرَهَا أَجْزَأَتْ، كَالْمَرِيضِ (وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ مِنْهُمُ الْجُمُعَةُ تَبَعًا لِمَنِ انْعَقَدَتْ بِهِ، فَلَوِ انْعَقَدَتْ بِهِمْ لَانْعَقَدَتْ بِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ كَالْأَحْرَارِ الْمُقِيمِينَ (وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا) لِئَلَّا يَصِيرَ التَّابِعُ مَتْبُوعًا؛ وَهُوَ فِي الْمَرْأَةِ اتِّفَاقٌ، وَكَذَا مُسَافِرٌ لَهُ الْقَصْرُ، وَقِيلَ: تَلْزَمُهُ تَبَعًا لِلْمُقِيمِينَ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً: تَلْزَمْهُ بِحُضُورِهَا فِي وَقْتِهَا مَا لَمْ يَنْضَرَّ بِالِانْتِظَارِ، وَتَنْعَقِدُ بِهِ، وَيَؤُمُّ فِيهَا كَمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ تَخْفِيفًا لِعُذْرِ مَرَضٍ وَخَوْفٍ وَنَحْوِهِمَا لِزَوَالِ ضَرَرِهِ، فَهُوَ كَمُسَافِرٍ يَقْدِمُ، وَإِنْ قُلْنَا: تَلْزَمُ عَبْدًا وَصَبِيًّا صَحَّتْ إِمَامَتُهُمَا، وَانْعَقَدَتْ بِهِمَا، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " فِي
حَضَرَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ، وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ مِمَّنْ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ أَلَّا يُصَلِّيَ الظُّهْرَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ. وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ السَّفَرُ فِي يَوْمِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْعَبْدِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ ": لَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الصَّبِيِّ فِيهَا، وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ (وَعَنْهُ: فِي الْعَبْدِ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَقِيَاسًا عَلَى الظُّهْرِ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ سَيِّدَهُ، وَيَحْرُمُ مَنْعُهُ وَمُخَالَفَتُهُ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَا يَذْهَبُ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، وَعَنْهُ: تَلْزَمُ بِإِذْنِ سَيِّدٍ. تَنْبِيهٌ: مَنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوِ اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهَا كَعَبْدٍ، فَهِيَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَلِلْمَرْأَةِ حُضُورُهَا، وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِلشَّابَّةِ فَقَطْ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. (وَمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ لِعُذْرٍ) كَمَرَضٍ، وَخَوْفٍ (إِذَا حَضَرَهَا، وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ) وَأَمَّ فِيهَا؛ لِأَنَّ سُقُوطَهَا لِمَشَقَّةِ السَّعْيِ، فَإِذَا تَحَمَّلَ، وَحَضَرَهَا انْتَفَتِ الْمَشَقَّةُ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ كَالصَّحِيحِ (وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ مِمَّنْ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ) أَيْ: مِمَّنْ تَلْزَمُهُ (قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى مَا لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ، وَتَرَكَ مَا خُوطِبَ بِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ، كَمَا لَوْ صَلَّى الْعَصْرَ مَكَانَ الظُّهْرِ، وَكَشَكِّهِ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ، لِأَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ، فَعَلَى هَذَا يُعِيدُهَا ظُهْرًا إِذَا تَعَذَّرَتِ الْجُمُعَةُ، ثُمَّ إِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ سَعَى إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا الْمَفْرُوضَةُ فِي حَقِّهِ، وَإِلَّا انْتَظَرَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ صَلَّى، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ، وَقِيلَ: إِنْ أَمْكَنَهُ إِدْرَاكُهَا، وَإِلَّا صَحَّتْ ظُهْرُهُ. وَحَكَى أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا وَجْهًا: أَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ الظُّهْرُ، فَتَصِحُّ مُطْلَقًا، وَلَا تَبْطُلُ بِالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَكَذَا إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ شَاكًّا هَلْ صَلَّى الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ، أَوْ صَلَّى الظُّهْرَ أَهْلُ بَلَدٍ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَشْهَرِ، وَيُعِيدُونَهَا إِذَا فَاتَتِ الْجُمُعَةُ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى عَلَى الْأَوَّلِ مَا لَوْ أَخَّرَ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ تَأْخِيرًا مُنْكَرًا، فَلِلْغَيْرِ أَنْ يُصَلِّيَ ظُهْرًا، وَيُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضِهِ، جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ، وَجَعَلَهُ ظَاهِرَ كَلَامِهِ، لِخَبَرِ تَأْخِيرِ الْأُمَرَاءِ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا. (وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ) كَالْمُسَافِرِ، وَالْمَرِيضِ (أَنْ لَا يُصَلِّيَ الظُّهْرَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا زَالَ عُذْرُهُ فَلَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ،
[السفر في يوم الجمعة]
وَيَجُوزُ قَبْلَهُ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ. . وَعَنْهُ: يَجُوزُ فِي الْجِهَادِ خَاصَّةً. فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ دَامَ عُذْرَهُ كَامْرَأَةٍ وَخُنْثَى، فَالتَّقْدِيمُ فِي حَقِّهِمَا أَفْضَلُ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ إِذَا صَلَّوْا قَبْلَ الْإِمَامِ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّتِهِمْ، لِأَنَّهُمْ أَدَّوْا فَرْضَ الْوَقْتِ، وَلَوْ زَالَ عُذْرُهُ لَمْ تَلْزَمْهُ الْجُمُعَةُ، كَالْمَعْضُوبِ إِذَا حُجَّ عَنْهُ، ثُمَّ بَرِئَ، وَقِيلَ: بَلَى؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي " التَّرْغِيبِ " كَصَبِيٍّ بَلَغَ فِي الْأَشْهَرِ، وَقِيلَ: إِنْ زَالَ عُذْرُهُ، وَالْإِمَامُ فِي الْجُمُعَةِ، لَزِمَتْهُ، وَقِيلَ: إِنْ عُوفِيَ الْمَرِيضُ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ أَعَادَهَا، وَفِي زَوَالِ عُذْرِ غَيْرِهِ وَجْهَانِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ قَبْلَ الْإِمَامِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، كَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْأُولَى: لَوْ صَلَّاهَا ثُمَّ حَضَرَ الْجُمُعَةَ كَانَتْ لَهُ نَفْلًا؛ لَأَنَّ الْأُولَى أَسْقَطَتِ الْفَرْضَ، وَقِيلَ: بَلْ فَرْضًا. مَسْأَلَةٌ: لَا يُكْرَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا الصَّلَاةُ جَمَاعَةً فِي الْمِصْرِ، لِحَدِيثِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَفَعَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. زَادَ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ: عَلَى الْأَوَّلِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَفِي كَرَاهَتِهَا فِي مَكَانِهَا وَجْهَانِ، وَمَنْ خَافَ فِتْنَةً أَوْ ضَرَرًا صَلَّى حَيْثُ يَأْمَنُ ذَلِكَ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: لَا يُصَلِّي فَوْقَ ثَلَاثَةٍ جَمَاعَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ تَبَعًا لِشَيْخِهِ، وَمَنْ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ فَتَرَكَهَا بِلَا عُذْرٍ تَصَدَّقَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ لِلْخَبَرِ، وَلَا يَجِبُ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". [السَّفَرُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ] (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ السَّفَرُ فِي يَوْمِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ) أَيْ: بَعْدَ اللُّزُومِ قَبْلَ فِعْلِهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِتَرْكِهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ، كَمَا لَوْ تَرَكَهَا لِتِجَارَةٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى اسْتِقْرَارِهَا بِأَوَّلِهِ، فَلِهَذَا خَرَجَ الْجَوَازُ مَعَ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ يَحْرُمْ بِهَا لِعَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ، وَيَجُوزُ إِذَا خَافَ فَوْتَ رُفْقَةِ سَفَرٍ مُبَاحٍ، وَقِيلَ: مَنْدُوبٌ (وَيَجُوزُ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الزَّوَالِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ قَالَ: لَا تَحْبِسُ الْجُمُعَةُ عَنْ سَفَرٍ. وَكَمَا لَوْ سَافَرَ مِنَ اللَّيْلِ (وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ) قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهَا
[فصل شروط لصحة الجمعة]
الْجُمُعَةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: الْوَقْتُ، وَأَوَّلُهُ أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ. . . وَقَالَ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَ: «مَنْ سَافَرَ مِنْ دَارِ إِقَامَةٍ يَوْمَ جُمُعَةٍ دَعَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ أَنْ لَا يُصْحَبَ فِي سَفَرِهِ، وَأَنْ لَا يُعَانَ عَلَى حَاجَتِهِ» وَلِأَنَّ هَذَا وَقْتٌ يَلْزَمُ مَنْ كَانَ عَلَى فَرْسَخٍ السَّعْيُ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَجُزْ لِمَنْ فِي الْبَلَدِ السَّفَرُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَبِدَلِيلِ الِاعْتِدَادِ بِالْغُسْلِ، وَإِنَّهُ يُسَنُّ التَّبْكِيرُ إِلَيْهَا، فَمَنَعَ مِنَ السَّبَبِ إِلَى تَفْوِيتِهَا. قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ سَافَرَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، قَلَّ مَنْ يَفْعَلُهُ إِلَّا رَأَى مَا يَكْرَهُ. وَعَلَيْهَا لَهُ السَّفَرُ إِنْ أَتَى بِهَا فِي طَرِيقِهِ، وَإِلَّا كُرِهَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً (وَعَنْهُ: يَجُوزُ لِلْجِهَادِ خَاصَّةً) وَأَنَّهُ أَفْضَلُ، نَقْلَهَا أَبُو طَالِبٍ؛ «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ جَهَّزَ جَيْشَ مُؤْتَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَوَى أَحْمَدُ أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ جَهَّزَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَعَلِيًّا، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، فَتَخَلَّفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَرَاحَ مُنْطَلِقًا» وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الرِّوَايَاتِ: إِنْ دَخَلَ وَقْتُهَا، وَإِلَّا جَازَ، وَعَلَى الْمَنْعِ لَهُ السَّفَرُ إِنْ أَتَى بِهَا فِي قَرْيَةٍ بِطَرِيقِهِ، وَإِلَّا كُرِهَ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا يُكْرَهُ. [فَصْلُ شُرُوطٍ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ] [الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: الْوَقْتُ] فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: الْوَقْتُ لِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ، فَاشْتُرِطَ لَهَا كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، فَلَا تَصِحُّ قَبْلَ الْوَقْتِ وَلَا بَعْدَهُ إِجْمَاعًا (وَأَوَّلُهُ أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ) نَصَّ عَلَيْهِ، قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَقَالَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ: شَهِدْتُ الْجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُمَرَ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ: قَدِ انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُثْمَانَ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ: زَالَ النَّهَارُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَهُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ،
الْخِرَقِيُّ: يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ، وَآخِرُهُ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ. . . فَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا قَبْلَ فِعْلِهَا، صَلَّوْا ظُهْرًا، وَإِنْ خَرَجَ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، أَتَمُّوهَا جُمُعَةً، وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَجَابِرٍ، وَسَعِيدٍ، وَمُعَاوِيَةَ أَنَّهُمْ صَلَّوْا قَبْلَ الزَّوَالِ، وَلَمْ يُنْكِرْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ عِيدٍ أَشْبَهَتِ الْعِيدَيْنِ، فَعَلَى هَذَا: هَلْ هُوَ وَقْتٌ لِوُجُوبِهَا، كَمَا اخْتَارَهُ أَبُو حَفْصِ بْنُ بَدْرَانَ وَغَيْرُهُ، أَوْ وَقْتُ جَوَازِهَا، نَقَلَهُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْمَذْهَبَ فِيهِ رِوَايَتَانِ. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ) حَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ شَاقْلَا، وَالْمُؤَلِّفُ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى جِمَالِنَا فَنُزِيحُهَا حِينَ تَزُولَ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي نُسْخَةٍ " لِلْخِرَقِيِّ " الْخَامِسَةُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَغْرَبَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ: أَنَّ مَذْهَبَ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي وَقْتِ الْفَجْرِ، وَعَنْهُ: تَلْزَمُ بِالزَّوَالِ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِمَا «رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْجُمُعَةَ مَعَ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِعْلُهَا بَعْدَهُ أَفْضَلُ، وَأَنَّهَا لَا تُفْعَلُ أَوَّلَ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ التَّوْقِيتَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلِلْخُرُوجِ مِنِ الْخِلَافِ. وَتَعْجِيلُهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَفْضَلُ صَيْفًا وَشِتَاءً؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ لِاجْتِمَاعِهِمْ أَوَّلَهُ بِخِلَافِ الظُّهْرِ (وَآخِرُهُ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْهَا، أَوْ وَاقِعَةٌ مَوْقِعُهَا، فَوَجَبَ الْإِلْحَاقُ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُشَابَهَةِ (فَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا قَبْلَ فِعْلِهَا، صَلَّوْا ظُهْرًا) لِفَوَاتِ الشَّرْطِ.
[الشرط الثاني أن يكون بقرية يستوطنها أربعون من أهل وجوبها]
خَرَجَ قَبْلَ رَكْعَةٍ، فَهَلْ يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا أَوْ يَسْتَأْنِفُونَهَا؛ عَلَى وَجْهَيْنِ. . . . الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِقَرْيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا، فَلَا تَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (وَإِنْ خَرَجَ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، أَتَمُّوهَا جُمُعَةً) نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ إِذَا فَاتَ لَمْ يُمْكِنِ اسْتِدْرَاكُهُ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ فِي الِاسْتِدَامَةِ لِلْعُذْرِ، وَكَالْجَمَاعَةِ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ. وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ فِي جَمِيعِهَا إِلَّا السَّلَامَ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ شَرْطٌ فَيُعْتَبَرُ فِي جَمِيعِهَا كَالطَّهَارَةِ (وَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ) فَعَلَ (رَكْعَةٍ، فَهَلْ يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا أَوْ يَسْتَأْنِفُونَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ ". أَحَدُهُمَا: يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا لِأَنَّهُمَا صَلَاتَا وَقْتٍ، فَجَازَ بِنَاءُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، كَصَلَاةِ السَّفَرِ مَعَ الْحَضَرِ، وَالثَّانِي: يَسْتَأْنِفُونَهَا ظُهْرًا، لِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَلَمْ تُبْنَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى كَالظُّهْرِ وَالصُّبْحِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَا يُتِمُّونَهَا جُمُعَةً؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ. قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ خَصَّ إِدْرَاكَهَا بِالرَّكْعَةِ، وَقِيلَ: يُتِمُّونَهَا جُمُعَةً، حَكَاهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ الصَّحِيحُ مِنَ " الْمُذْهَبِ "، وَذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " نَصًّا، وَقِيَاسًا عَلَى بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَرَدَ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَبِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ ثَابِتٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، فَيُمْتَنَعُ الْقِيَاسُ، فَلَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَهُمْ فِيهَا، فَقِيلَ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ لِأَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ لَيْسَ وَقْتًا لَهَا، وَوَقْتَ الْعَصْرِ، وَوَقْتَ الظُّهْرِ الَّتِي الْجُمُعَةُ بَدَلُهَا. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرُ الْخُطْبَةِ وَالتَّحْرِيمَةِ، لَزِمَهُمْ فِعْلُهَا، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا يَلْزَمُهُمْ إِنْ شَكُّوا فِي خُرُوجِهِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ. [الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ بِقَرْيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا] (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِقَرْيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا، فَلَا تَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ) «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَتَبَ إِلَى قُرَى عُرَيْنَةَ أَنْ يُصَلُّوا الْجُمُعَةَ» ، وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ
وَتَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي الْأَبْنِيَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ إِذَا شَمِلَهَا اسْمٌ وَاحِدٌ. . . . وَفِيمَا قَارَبَ الْبُنْيَانُ مِنَ ـــــــــــــــــــــــــــــQجَمَّعَ بِهِمْ بِهَزْمِ النَّبِيتِ، وَلِأَنَّ الْقَرْيَةَ الْمَبْنِيَّةَ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ يَسْتَوْطِنُهَا الْعَدَدُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ الْخِيَامِ وَبُيُوتِ الشِّعْرِ وَالْحَرَكَاوَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُقْصَدْ لِلِاسْتِيطَانِ غَالِبًا، وَلِذَلِكَ كَانَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ حَوْلَهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهَا، زَادَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: وَلَوِ اتَّخَذُوهَا أَوْطَانًا؛ لِأَنَّ اسْتِيطَانَهُمْ فِي غَيْرِ بُنْيَانٍ، وَقَدَّمَ الْأَزَجِيُّ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: صِحَّتُهَا وَوُجُوبُهَا عَلَى الْمُسْتَوْطِنِينَ بِعَمُودٍ أَوْ خِيَامٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ مُتَّجِهٌ. نَقَلَ أَبُو النَّصْرِ الْعِجْلِيُّ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ جُمُعَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَنَقَّلُونَ، وَفِي تَصْرِيحِ الْمُؤَلِّفِ بِالْقَرْيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ لِصِحَّتِهَا الْمِصْرُ، وَتُشْتَرَطُ الْإِقَامَةُ فِيهَا، فَلَوْ رَحَلَ عَنْهَا أَهْلُهَا فِي بَعْضِ السَّنَةِ لَمْ يَصِحَّ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَكَذَا لَوْ دَخَلَ قَوْمٌ بَلَدًا لَا سَاكِنَ بِهِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ بِهِ سَنَةً فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ أَقَامَ بِبَلَدٍ مَا يُمْنَعُ الْقَصْرُ، وَأَهْلُهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَلَا جُمُعَةَ ـ أَيْضًا ـ فَلَوْ خَرِبَتِ الْقَرْيَةُ وَعَزَمَ أَهْلُهَا عَلَى عِمَارَتِهَا وَالْإِقَامَةِ بِهَا فَعَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ عَزَمُوا عَلَى النَّقْلَةِ فَلَا (وَتَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي الْأَبْنِيَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ إِذَا شَمِلَهَا اسْمٌ وَاحِدٌ) قِيَاسًا عَلَى الْقَرْيَةِ الْمُتَّصِلَةِ، وَاعْتَبَرَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ اجْتِمَاعَ الْمَنَازِلِ فِي الْقَرْيَةِ، قَالَهُ الْقَاضِي. وَقَالَ ـ أَيْضًا ـ: مَعْنَاهُ: مُتَقَارِبَةُ الِاجْتِمَاعِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ التَّفْرِيقَ إِذَا لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ لَمْ تَصِحَّ فِيهَا الْجُمُعَةُ، زَادَ فِي " الشَّرْحِ ": إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ مِنْهَا مَا يَسْكُنُهُ أَرْبَعُونَ، فَتَجِبُ بِهِمُ الْجُمُعَةُ وَيَتْبَعُهُمُ الْبَاقُونَ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَالْجَدُّ فِي " فُرُوعِهِ ": وَرَبَضُ الْبَلَدِ لَهُ حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ. تَنْبِيهٌ: إِذَا تَقَارَبَ قَرْيَتَانِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ، لَمْ يَصِحَّ فِعْلُ الْجُمُعَةِ فِي وَاحِدَةٍ بِتَكْمِيلِ الْأُخْرَى، فَإِنْ كَمُلَ فِي أَحَدِهِمَا لَزِمَهُمْ فِعْلُهَا، وَإِنْ كَمُلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَالْأَوْلَى جَمْعُ كَلِّ قَرْيَةٍ فِي مَوْضِعِهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: الْقَرْيَةُ إِذَا كَانَتْ فِي الْمِصْرِ عَلَى فَرْسَخٍ فَمَا دُونُ، لَزِمَهُمْ قَصْدُهُ، وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ إِلَى جَنْبِ قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَلَوْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ أَرْبَعُونَ، وَإِلَى جَنْبِهَا مِصْرٌ فِيهِ دُونَهُ، لَزِمَ أَهْلَهُ قَصْدُ الْقَرْيَةِ (وَ) تَجُوزُ إِقَامَتُهَا (فِيمَا قَارَبَ الْبُنْيَانُ مِنَ
[الشرط الثالث: حضور أربعين من أهل القرية]
الصَّحْرَاءِ. الثَّالِثُ: حُضُورُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. . . . وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالصَّحْرَاءِ) وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا الْبُنْيَانُ لِقَوْلِ كَعْبِ [بْنِ مَالِكٍ] : إِنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ فِي نَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الْخَضَمَاتِ قَالَ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ رَجُلًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: حَسَنُ الْإِسْنَادِ صَحِيحٌ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: حَرَّةُ بَنِي بَيَاضَةَ عَلَى مِيلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ. وَقِيَاسًا عَلَى الْجَامِعِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ. وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ فِيهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ إِلَّا فِي جَامِعٍ إِلَّا لِعُذْرٍ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِذَا صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ اسْتَخْلَفَ مَنْ يُصَلِّي بِالضَّعَفَةِ. [الشَّرْطُ الثَّالِثُ: حُضُورُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ] (الثَّالِثُ: حُضُورُ أَرْبَعِينَ) رَجُلًا (مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ كَعْبٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: بَعَثَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ جَمَّعَ بِهِمْ، وَكَانُوا أَرْبَعِينَ، وَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ جَابِرٌ: «مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَمَا فَوْقُ جُمُعَةً وَأَضْحًى وَفِطَرًا» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِيهِ ضَعْفٌ (وَعَنْهُ: تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ) اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] وَهَذَا جَمْعٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ، وَعَنْهُ: فِي الْقُرَى خَاصَّةً؛ لِقِلَّتِهِمْ، وَعَنْهُ: بِخَمْسِينَ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «لَمَّا بَلَغَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ
فَإِنْ نَقَصُوا قَبْلَ إِتْمَامِهَا اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا. . . . وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ إِنْ نَقَصُوا قَبْلَ رَكْعَةٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQخَمْسِينَ جَمَّعَ بِهِمْ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، وَعَنْهُ: بِسَبْعَةٍ، وَعَنْهُ: بِخَمْسَةٍ، وَعَنْهُ: بِأَرْبَعَةٍ، وَعَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا: لَا يُعْتَبَرُ كَوْنُ الْإِمَامِ زَائِدًا عَلَى الْعَدَدِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ: بِلَى، فَعَلَيْهَا لَوْ بَانَ مُحْدِثًا نَاسِيًا لَمْ يُجْزِئْهُمْ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا بِدُونِهِ الْعَدَدَ الْمُعْتَبَرَ، وَيَتَخَرَّجُ: لَا مُطْلَقًا، قَالَ الْمَجْدُ: بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ أَنَّ صَلَاةَ الْمُؤْتَمِّ بِنَاسٍ حَدَثَهُ تَفْسُدُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَرَأَ خَلْفَهُ. فَرْعٌ: إِذَا رَأَى الْإِمَامُ وَحْدَهُ الْعَدَدَ، فَنَقَصَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّهُمْ، وَلَزِمَهُ اسْتِخْلَافُ أَحَدِهِمْ، وَبِالْعَكْسِ لَا يَلْزَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَلَوْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إِلَّا بِأَرْبَعِينَ، لَمْ يَجُزْ بِأَقَلَّ، وَلَا أَنْ يَسْتَخْلِفَ لِقِصَرِ وِلَايَتِهِ، بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ الزَّائِدِ، وَبِالْعَكْسِ الْوِلَايَةُ بَاطِلَةٌ لِتَعَذُّرِهَا مِنْ جِهَتِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ لَهَا أَحَدَهُمْ (فَإِنْ نَقَصُوا قَبْلَ إِتْمَامِهَا) لَمْ يُتِمُّوهَا جُمُعَةً؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ، فَاعْتُبِرَ فِي جَمِيعِهَا كَالطَّهَارَةِ، وَ (اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ السَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَقِيلَ: يُتِمُّونَ ظُهْرًا، وَقِيلَ: جُمُعَةً، وَلَوْ بَقِيَ وَحْدَهُ وَلَوْ لَمْ يَسْجُدْ فِي الْأُولَى، وَقِيلَ: جُمُعَةً إِنْ بَقِيَ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا؛ لِأَنَّهُ الْعَدَدُ الْبَاقِي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَانُوا فِي الصَّلَاةِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْمُرَادُ فِي انْتِظَارِهَا كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي الْخُطْبَةِ، وَلِلْدَارَقُطْنِيِّ: بَقِيَ مَعَهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، تَفَرَّدَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، وَإِنَّمَا انْفَضُّوا لِظَنِّهِمْ جَوَازَ الِانْصِرَافِ، وَلِأَبِي دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ: أَنَّ خُطْبَتَهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ هَذِهِ كَانَتْ بَعْدَ صَلَاتِهِ الْجُمُعَةَ، فَظَنُّوا لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِي الِانْصِرَافِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيُتَوَجَّهُ أَنَّهُمُ انْفَضُّوا لِقُدُومِ التِّجَارَةِ لِشِدَّةِ الْمَجَاعَةِ، أَوْ ظُنُّ وُجُوبُ خِطْبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ فَرَغَتْ.
أَتَمُّوا ظُهْرًا، وَإِنْ نَقَصُوا بَعْدَ رَكْعَةٍ أَتَمُّوا جُمُعَةً، وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً، وَمَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَتَمَّهَا ظُهْرًا. . . . إِذَا كَانَ قَدْ نَوَى الظُّهْرَ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ عَادُوا فَحَضَرُوا الْقَدْرَ الْوَاجِبَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ (وَيُحْتَمَلُ) هَذَا وَجْهٌ (أَنَّهُمْ إِنْ نَقَصُوا قَبْلَ رَكْعَةٍ أَتَمُّوا ظُهْرًا، وَإِنْ نَقَصُوا بَعْدَ رَكْعَةٍ أَتَمُّوا جُمُعَةً) وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَذِكْرُهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ عِنْدِي كَالْمَسْبُوقِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّ الْمَسْبُوقَ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ جُمُعَةٍ تَمَّتْ شَرَائِطُهَا وَصَحَّتْ، فَجَازَ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ هَذِهِ، وَإِنْ بَقِيَ الْعَدَدُ، أَتَمَّ جُمُعَةً. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: سَوَاءً سَمِعُوا الْخُطْبَةَ أَوْ لَحِقُوهُمْ قَبْلَ نَقَصِهِمْ بِلَا خِلَافٍ، كَبَقَائِهِ مِنَ السَّامِعِينَ. (وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً) أَيْ: بِسَجْدَتَيْهَا، وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِيمَا لَوْ زُحِمَ عَنِ السُّجُودِ (أَتَمَّهَا جُمُعَةً) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلَفْظُهُ «فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى» قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: هَذَا خَطَأٌ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَا يَصِحُّ. (وَمَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَتَمَّهَا ظُهْرًا) لِمَفْهُومِ مَا سَبَقَ. وَعَنْهُ: يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» ، وَكَالظُّهْرِ، وَكَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِدْرَاكُهُ إِدْرَاكُ إِلْزَامٍ، وَهَذَا إِدْرَاكُ إِسْقَاطٍ لِلْعَدَدِ، وَبِأَنَّ الظُّهْرَ لَيْسَ مَنْ شَرْطِهَا الْجَمَاعَةُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ
قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا: يَنْوِي جُمُعَةً وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا، وَمَنْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ، ثُمَّ زُحِمَ عَنِ السُّجُودِ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ أَوْ رِجْلِهِ. . فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ سَجَدَ إِذَا زَالَ الزِّحَامُ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الثَّانِيَةِ، فَيُتَابِعَ إِمَامَهُ وَتَصِيرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُؤَلِّفِ صِحَّةُ دُخُولِهِ مَعَهُ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ، بِشَرْطِ أَنْ يَنْوِيَهَا بِإِحْرَامِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: (إِذَا كَانَ قَدْ نَوَى الظُّهْرَ فِي قَوْلِ " الْخِرَقِيِّ ") صَحَّحَهُ الْحُلْوَانِيُّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ قَصْدٌ يَتْبَعُ الْعِلْمَ، وَيُوَافِقُ الْفِعْلَ، فَالْمُصَلِّي ظُهْرًا لَا يَنْوِي جُمُعَةً؛ لِأَنَّهُ يَنْوِي غَيْرَ مَا يَفْعَلُهُ، وَلِأَنَّ الظُّهْرَ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ ابْتِدَاءً فَكَذَا اسْتَدَامَتُهُ، كَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ، وَهَذَا فِيمَا إِذَا دَخَلَ وَقْتُهَا، وَإِلَّا كَانَتْ نَفْلًا (وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا: يَنْوِي جُمُعَةً) تَبَعًا لِإِمَامِهِ (وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا) وَذَكَرَ الْقَاضِي الْمَذْهَبَ، كَصَلَاةِ الْمُسَافِرِ مَعَ الْمُقِيمِ، وَضَعَّفَهُ الْمَجْدُ بِأَنْ قَالَ: فَرَّ مِنَ اخْتِلَافِ النِّيَّةِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ فِي الْبِنَاءِ، وَالْوَاجِبُ الْعَكْسُ أَوِ التَّسْوِيَةُ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالْبِنَاءِ مَعَ اخْتِلَافٍ يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ، وَقِيلَ: الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ هَلْ هِيَ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ أَمْ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَتْ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ لَمْ يَصِحَّ دُخُولُ مَنْ فَاتَهُ مَعَهُ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، فَإِنْ دَخَلَ انْعَقَدَتْ نَفْلًا، وَالثَّانِي: يَصِحُّ دُخُولُهُ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ يَبْنِي عَلَيْهَا ظُهْرًا، وَيَجِبُ أَنْ يُصَادِفَ ظُهْرُهُ زَوَالَ الشَّمْسِ. (وَمَنْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ زُحِمَ عَلَى السُّجُودِ) بِالْأَرْضِ (سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ أَوْ رِجْلِهِ) أَيْ: قَدَمِهِ وُجُوبًا إِنْ أَمْكَنَ، ذَكَرَهُ مُعْظَمُهُمْ، لِقَوْلِ عُمَرَ: إِذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ فَلْيَسْجُدْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَسَعِيدٌ وَهَذَا قَالَهُ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ، وَلَا يَأْتِي بِمَا يُمْكِنُهُ حَالَ الْعَجْزِ، فَوَجَبَ، وَصَحَّ كَالْمَرِيضِ يُومِئُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ عَلَى ظَهْرِ أَحَدٍ، وَيُومِئُ غَايَةَ الْإِمْكَانِ، فَأَمَّا إِنِ احْتَاجَ إِلَى وَضْعِ يَدَيْهِ أَوْ رُكْبَتَيْهِ، وَقُلْنَا: يَجُوزُ فِي الْجَبْهَةِ، فَوَجْهَانِ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) انْتَظَرَ، وَ (سَجَدَ إِذَا زَالَ الزِّحَامُ) وَتَبِعَ إِمَامَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ فِي صَلَاةِ عُسْفَانَ لِلْعُذْرِ؛ وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا، وَالْمُفَارَقَةُ وَقَعَتْ صُورَةً لَا حُكْمًا، فَلَمْ تُؤَثِّرْ (إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الثَّانِيَةِ فَيُتَابِعَ
أُولَاهُ، وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً، وَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ فَسَجَدَ، ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ، أَتَى بِرَكْعَةٍ أُخْرَى بَعْدَ سَلَامِهِ وَصَحَّتْ جُمُعَتُهُ. . . وَعَنْهُ: يُتِمُّهَا ظُهْرًا. الرَّابِعُ: أَنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ، وَمِنْ شَرْطِ ـــــــــــــــــــــــــــــQإِمَامَهُ، وَتَصِيرَ أُولَاهُ، وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً) ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» ، وَلِأَنَّهُ مَأْمُومٌ خَافَ فَوْتَ الثَّانِيَةِ فَلَزِمَتْهُ الْمُتَابَعَةُ كَالْمَسْبُوقِ، وَعَنْهُ: لَا يُتَابِعُهُ بَلْ يَشْتَغِلُ بِسُجُودِ الْأُولَى، وَكَمَا لَوْ زَالَ الزِّحَامُ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ، فَإِنْ لَمْ يَزُلِ الزِّحَامُ حَتَّى سَجَدَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ تَابَعَهُ، وَهَلْ تَحْصُلُ لَهُ رَكْعَةٌ يُتِمُّهَا جُمُعَةً أَوْ يُصَلِّي ظُهْرًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ (فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِتَرْكِهِ مُتَابَعَةَ إِمَامِهِ عَمْدًا، وَمُتَابَعَتُهُ وَاجِبَةٌ؛ لِقَوْلِهِ: فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، وَتَرْكُ الْوَاجِبِ عَمْدًا يُبْطِلُهَا وِفَاقًا (وَإِنْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ فَسَجَدَ) أَيْ: إِذَا جَهِلَ تَحْرِيمَ مُتَابَعَةِ إِمَامِهِ فِي الثَّانِيَةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَلَمْ يُعْتَدَّ بِسُجُودِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ فِي مَوْضِعِ الرُّكُوعِ جَهْلًا، فَهُوَ كَالسَّاهِي. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُعْتَدُّ بِهِ (ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ، أَتَى بِرَكْعَةٍ أُخْرَى بَعْدَ سَلَامِهِ) لِأَنَّهُ أَتَى بِسُجُودٍ مُعْتَدٍّ بِهِ (وَ) إِذَا اعْتَدَّ لَهُ بِذَلِكَ (صَحَّتْ جُمُعَتُهُ) لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً، وَالْجُمُعَةُ تُدْرَكُ بِهَا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَخَالَفَ فِيهِ الْمُؤَلِّفَ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمَأْمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ (وَعَنْهُ: يُتِمُّهَا ظُهْرًا) لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا؛ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يُتَابِعْ إِمَامَهُ فِيهِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ عَلَى وَجْهِ التَّدَارُكِ، فَلَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ. 1 - مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا أَدْرَكَ الرُّكُوعَ، وَزُحِمَ عَنِ السُّجُودِ، أَوْ أَدْرَكَ الْقِيَامَ، وَزُحِمَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَتَّى سَلَّمَ إِمَامُهُ، أَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ، فَفَاتَهُ ذَلِكَ بِالْوُضُوءِ، وَقُلْنَا: يَبْنِي، اسْتَأْنَفَ ظُهْرًا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِاخْتِلَافِهِمَا فِي فَرْضٍ وَشَرْطٍ كَظُهْرٍ وَعَصْرٍ، وَلِافْتِقَارِ كُلٍّ
[الشرط الرابع أن يتقدمها خطبتان]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْهُمَا إِلَى النِّيَّةِ، وَعَنْهُ: يُتِمُّهَا ظُهْرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً كَامِلَةً، أَشْبَهَ الْمَسْبُوقَ بِرُكُوعِ الثَّانِيَةِ، وَعَنْهُ: يُتِمُّهَا جُمُعَةً، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، كَمُدْرِكِ رَكْعَةٍ، وَعَنْهُ: يُتِمُّ جُمُعَةً مَنْ زُحِمَ عَنْ سُجُودٍ أَوْ نَسِيَهُ، لِإِدْرَاكِهِ الرُّكُوعَ كَمَنْ أَتَى بِالسُّجُودِ قَبْلَ سَلَامِ إِمَامِهِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ فِي جَمَاعَةٍ، وَالْإِدْرَاكُ الْحُكْمِيِّ كَالْحَقِيقِيِّ، كَحَمْلِ الْإِمَامِ السَّهْوَ عَنْهُ. الثَّانِيَةُ: إِذَا فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ بِنَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ وَنَحْوِهِ، لَغَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ فَاتَهُ الرُّكُوعُ فَقَطْ فِي رِوَايَةٍ، فَإِنْ فَاتَهُ رَكْعَةٌ فَأَكْثَرُ، لَمْ يَقْضِ قَبْلَ سَلَامِ إِمَامِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجُمُعَةِ، بَلْ يُتَابِعُهُ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَضَى مَا فَاتَهُ كَالْمَسْبُوقِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ فَاتَهُ رُكْنٌ، أَتَى بِهِ ثُمَّ لَحِقَ إِمَامَهُ، وَإِنْ كَانَ رُكُوعًا فِي الْأَشْهَرِ، وَإِنْ كَانَ رُكْنَيْنِ لَغَتْ رَكْعَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَأْتِي بِهِمَا كَنَصِّهِ فِي الْمَزْحُومِ، فَإِنْ زُحِمَ عَنِ الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ، أَتَى بِهِ قَائِمًا، وَأَجْزَأَهُ، قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْأَوْلَى انْتِظَارُ زَوَالِ الزِّحَامِ. الثَّالِثَةُ: إِذَا أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ فَزُحِمَ، وَأُخْرِجَ مِنَ الصَّفِّ فَصَلَّى فَذًّا، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أُخْرِجَ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنْ نَوَى مُفَارَقَتَهُ أَتَمَّهَا جُمُعَةً فِي قِيَاسِ " الْمُذْهَبِ "، وَإِلَّا، فَرِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يُتِمُّهَا جُمُعَةً كَمَسْبُوقٍ، وَالثَّانِيَةُ: يُعِيدُ؛ لِأَنَّهُ فَذَّ فِي رَكْعَةٍ. [الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ] [شُرُوطُ صِحَّةِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ] (الرَّابِعُ: أَنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] وَالذِّكْرُ: هُوَ الْخُطْبَةُ، فَأَمَرَ بِالسَّعْيِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ وَاجِبًا، وَلِمُوَاظَبَتِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ عَلَيْهَا، مَعَ قَوْلِهِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَعَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ مِنْ أَجْلِ الْخُطْبَةِ، وَيُشْتَرَطُ اثْنَتَانِ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ؛ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُمَا أُقِيمَا مَقَامَ الرَّكْعَتَيْنِ،
صِحَّتِهِمَا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ. . . . . وَقِرَاءَةُ آيَةٍ، ثم نظر {مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 64] ، وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَالْإِخْلَالُ بِإِحْدَاهُمَا إِخْلَالٌ بِإِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ، وَعَنْهُ: تُجْزِئُهُ وَاحِدَةٌ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُمَا بَدَلٌ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَيُشْتَرَطُ تَقْدِيمُهُمَا عَلَى الصَّلَاةِ، لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ وَأَصْحَابِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا، لِأَنَّهُمَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ، وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ، أَوْ لِاشْتِغَالِ النَّاسِ بِمَعَايِشِهِمْ، فَقُدِّمَا لِأَجْلِ التَّدَارُكِ، وَأَنْ يَكُونَا فِي وَقْتٍ تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ مِنْ مُكَلَّفٍ مَسْتُورِ الْعَوْرَةِ، قَالَهُ الْقَاضِي. (وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِمَا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مُرْسَلًا، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ إِذَا تَشَهَّدَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ» وَيَتَعَيَّنُ هَذَا اللَّفْظُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ (وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ) مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ افْتَقَرَتْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى افْتَقَرَتْ إِلَى ذِكْرِ رَسُولِهِ، كَالْأَذَانِ، وَيَتَعَيَّنُ لَفْظُ الصَّلَاةِ، أَوْ يَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَوْجَبَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ إِيمَانٌ بِهِ، وَالصَّلَاةُ دُعَاءٌ لَهُ، وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي خُطْبَتِهِ، وَعَمَلًا بِالْأَصْلِ (وَقِرَاءَةُ آيَةٍ) كَامِلَةٍ لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَقْرَأُ آيَاتٍ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُمَا أُقِيمَا مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْخُطْبَةُ فَرْضٌ فَوَجَبَتْ فِيهَا الْقِرَاءَةُ، كَالصَّلَاةِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ. قَالَ أَحْمَدُ: يَقْرَأُ مَا شَاءَ، وَأَنَّهُ
تَعَالَى. . . . وَحُضُورُ الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَهُمَا الطَّهَارَةُ، وَأَنْ يَتَوَلَّاهُمَا مَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا يُجْزِئُ بَعْضُ آيَةٍ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا دُونَهَا بِدَلِيلِ مَنْعِ الْجُنُبِ مِنْهَا، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَوْ قَرَأَ آيَةً لَا تَسْتَقِلُّ بِمَعْنًى أَوْ حُكْمٍ كَقَوْلِهِ {ثُمَّ نَظَرَ} [المدثر: 21] أَوْ {مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 64] لَمْ يَكْفِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي إِحْدَاهُمَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مِنْ قَرَاءَةِ آيَةٍ، وَلَوْ كَانَ جُنُبًا مَعَ تَحْرِيمِهَا. وَعَنْهُ: لَا يُشْتَرَطُ قِرَاءَةُ آيَةٍ فِيهَا، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، فَلَوْ قَرَأَ مَا تَضَمَّنَ الْحَمْدَ وَالْمَوْعِظَةَ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أَجْزَأَ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِقَوْلِ أَحْمَدَ: لَا بُدَّ مِنْ خُطْبَةٍ، وَكَمَا لَا يُجْزِئُ عَنْهَا قِرَاءَةُ (فَاطِرٍ) أَوِ (الْحَجِّ) نَصَّ عَلَيْهِ. 1 - (وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى) لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَقِيلَ: فِي الثَّانِيَةِ، وَالْمَذْهَبُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَا يَكْفِي ذِكْرُ الْمَوْتِ وَذَمُّ الدُّنْيَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يُحَرِّكَ الْقُلُوبَ، وَيَبْعَثَ بِهَا إِلَى الْخَيْرِ، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى أَطِيعُوا اللَّهَ، وَاجْتَنِبُوا مَعَاصِيَهُ، فَالْأَظْهَرُ لَا يَكْفِي، وَإِنْ كَانَ فِيهِ وَصِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ اسْمِ الْخُطْبَةِ عُرْفًا، وَتُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَجْزَائِهِمَا، وَالصَّلَاةُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُمَا مَعَ الصَّلَاةِ كَالْمَجْمُوعَتَيْنِ، فَلَوْ قَرَأَ سَجْدَةً فَنَزَلَ فَسَجَدَ لَمْ يُكْرَهْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَ " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ لَا يَضُرُّ تَفْرِيقُ كَثِيرٍ بِدُعَاءٍ لِسُلْطَانٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ كَالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ هَلْ يَجِبُ إِبْدَالُ عَاجِزٍ عَنْ قِرَاءَةٍ بِذِكْرٍ أَمْ لَا لِحُصُولِ مَعْنَاهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَيَبْدَأُ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ، ثُمَّ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ بِالْمَوْعِظَةِ، ثُمَّ الْقِرَاءَةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ جَمَاعَةٍ. (وَ) يُشْتَرَطُ (حُضُورُ الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ) لِسَمَاعِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ اشْتُرِطَ لِلصَّلَاةِ، فَاشْتُرِطَ لَهُ الْعَدَدُ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، فَإِنِ انْفَضُّوا وَعَادُوا قَبْلَ فَوْتِ رُكْنٍ مِنْهَا بَنَوْا، وَإِنْ كَثُرَ التَّفْرِيقُ، أَوْ فَاتَ مِنْهَا رُكْنٌ، أَوْ أَحْدَثَ فَتَطَهَّرَ، فَفِي الْبِنَاءِ وَالِاسْتِئْنَافِ مَعَ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ وَجْهَانِ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهِمَا بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ إِذَا لَمْ يَعْرِضْ مَانِعٌ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا لِخَفْضِ صَوْتِهِ أَوْ بُعْدٍ لَمْ يَصِحَّ، وَكَذَا إِنْ كَانُوا صُمًّا، خِلَافًا لِلْمَجْدِ، فَإِنْ قَرُبَ الْأَصَمُّ وَبَعُدَ مَنْ
يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. . . . . وَمِنْ سُنَنِهِمَا أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ، أَوْ مَوْضِعٍ عَالٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQيَسْمَعُ، فَقِيلَ: لَا يَصِحُّ لِفَوْتِ الْمَقْصُودِ، وَقِيلَ: بَلَى، كَمَا لَوْ كَانَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ طُرْشًا أَوْ عُجْمًا؛ وَهُوَ عَرَبِيٌّ، وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ خُرْسًا صَلَّوْا ظُهْرًا فِي الْأَصَحِّ، وَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُنُونِ "، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ، وَلَوْ يَسِيرًا (وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَهُمَا الطَّهَارَةُ، وَأَنْ يَتَوَلَّاهُمَا مَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ، قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لَمْ يَكُنْ يَفْصِلُ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ بِطَهَارَةٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا، وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ شَرْطًا فِي الْجُمُعَةِ أَشْبَهَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصَّلَاةَ، أَشْبَهَ الْأَذَانَ، وَعَنْهُ: تُشْتَرَطُ الْكُبْرَى، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَنَصُّهُ: تُجْزِئُ خُطْبَةُ الْجُنُبِ، جَزَمَ بِهِ الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ لُبْثِهِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِوَاجِبِ الْعِبَادَةِ، كَمَنْ صَلَّى وَمَعَهُ دِرْهَمٌ غَصْبٌ، لَكِنْ قَيَّدَهُ الْقَاضِي فِي " جَامِعِهِ "، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالسَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " فِيهِ، بِأَنْ يَكُونَ الْمِنْبَرُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ لُبْثَهُ فِيهِ مَعْصِيَةٌ تُنَافِي الْعِبَادَةَ، وَقِيلَ: إِنْ جَازَ لِلْجُنُبِ قِرَاءَةُ آيَةٍ أَوْ لَمْ تَجِبِ الْقِرَاءَةُ فِي الْخُطْبَةِ، فَوَجْهَانِ كَالْأَذَانِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ كَطَهَارَةٍ صُغْرَى. الثَّانِيَةُ: إِحْدَاهُمَا لَا تُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ، بَلْ تُسْتَحَبُّ، قَدَّمَهُ الْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَذُكِرَ فِي " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَا الصَّلَاتَيْنِ، لَكِنْ فِي فِعْلِ اثْنَيْنِ لِلْخُطْبَتَيْنِ وَجْهَانِ، وَالثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ أُقِيمَتْ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ، وَعَنْهُ: لَا يُشْتَرَطُ مَعَ الْعُذْرِ كَالْحَدَثِ، ذُكِرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ الِاسْتِخْلَافُ فِي الصَّلَاةِ لِلْعُذْرِ فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَعَلَى الْجَوَازِ لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ النَّائِبِ الْخُطْبَةَ، كَالْمَأْمُومِ، لِتَعَيُّنِهَا عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ جُمُعَةُ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا إِلَّا تَبَعًا، كَمُسَافِرٍ. وَإِنْ أَحْدَثَ وَاسْتَخْلَفَ مَنْ لَمْ يَحْضُرِ الْخُطْبَةَ، صَحَّ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى مَعَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ مَنَعْنَا الِاسْتِخْلَافَ، أَتَمُّوا فُرَادَى جُمُعَةً بِرَكْعَةٍ
[سنن الخطبة]
وَيُسَلِّمَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ. . وَيَجْلِسَ إِلَى فَرَاغِ الْأَذَانِ، وَيَجْلِسَ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَمَسْبُوقٍ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا لِبَقَاءِ حُكْمِ الْجَمَاعَةِ، كَمَنْعِ الِاسْتِخْلَافِ، وَقِيلَ: ظُهْرًا، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ، كَمَا لَوِ اخْتَلَّ الْعَدَدُ، وَإِنْ جَازَ الِاسْتِخْلَافُ فَأَتَمُّوا فُرَادَى لَمْ تَصِحَّ جُمُعَتُهُمْ، وَلَوْ كَانَ فِي الثَّانِيَةِ كَمَا لَوْ أُنْقِصَ الْعَدَدُ وَأَوْلَى. مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: إِذَا قُلْنَا: يُعْتَدُّ بِأَذَانِ الْمُمَيِّزِ وَالْفَاسِقِ، فَفِي خُطْبَتِهِ وَجْهَانِ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ ": إِنْ صَحَّ أَنْ يَؤُمَّ غَيْرُ مَنْ خَطَبَ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ إِمَامَةُ الْعَبْدِ، فَفِي صِحَّةِ خُطْبَتِهِ وَجْهَانِ. الثَّانِيَةُ: لِمَنْ لَا يُحْسِنُ الْخُطْبَةَ قِرَاءَتُهَا مِنْ صَحِيفَةٍ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: كَالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ لِمَنْ لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ فِي الْمُصْحَفِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْمُصْحَفِ كَالْقِرَاءَةِ مِنَ الْحِفْظِ، فَهَذَا مِثْلُهُ. [سُنَنُ الْخُطْبَةِ] (وَمِنْ سُنَنِهِمَا أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ) لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أَرْسَلَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلُ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهَا إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّهُ عُمِلَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ، فَكَانَ يَرْتَقِي عَلَيْهِ، وَاتِّخَاذُهُ كَانَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ، وَكَانَ ثَلَاثَ دَرَجٍ، وَيُسَمَّى مِنْبَرًا لِارْتِفَاعِهِ، مِنَ النَّبْرِ؛ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ، وَاتِّخَاذُهُ سُنَّةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، قَالَهُ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ "، وَيَكُونُ صُعُودُهُ فِيهِ عَلَى تُؤَدَةٍ إِلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَلِي السَّطْحَ، قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " (أَوْ مَوْضِعٍ عَالٍ) إِنْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُبَالَغَةِ فِي الْإِعْلَامِ، وَيَكُونَانِ عَنْ يَمِينِ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إِنْ وَقَفَ بِالْأَرْضِ، وَقَفَ عَلَى يَسَارِ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ بِخِلَافِ الْمِنْبَرِ (وَيُسَلِّمَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ سَلَّمَ» وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَابْنِ
بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَيَخْطُبَ قَائِمًا. . . وَيَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصًا، وَيَقْصِدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَسْعُودٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَرَوَاهُ [أَبُو بَكْرٍ] النَّجَّادُ عَنْ عُثْمَانَ، وَكَسَلَامِهِ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ فِي خُرُوجِهِ، قَالَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ: لِأَنَّهُ اسْتِقْبَالٌ بَعْدَ اسْتِدْبَارٍ، أَشْبَهَ مَنْ فَارَقَ قَوْمًا ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ، وَعَكْسُهُ الْمُؤَذِّنُ، قَالَهُ الْمَجْدُ، وَظَاهِرُهُ اسْتِحْبَابُ اسْتِقْبَالِ الْخَطِيبِ النَّاسَ؛ وَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ رَدَّ السَّلَامِ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَكَذَا كُلُّ سَلَامٍ مَشْرُوعٍ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ لَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَقِيلَ: سُنَّةٌ كَابْتِدَائِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ غَرِيبٌ وَاجِبٌ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. (وَيَجْلِسَ إِلَى فَرَاغِ الْأَذَانِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرَغَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ» . مُخْتَصَرٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَرِيحُ بِذَلِكَ مِنْ تَعَبِ الصُّعُودِ، وَيَتَمَكَّنُ مِنَ الْكَلَامِ التَّمَكُّنَ التَّامَّ، وَهَذَا النِّدَاءُ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ السَّعْيِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَعَنْهُ: بِالْأَوَّلِ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ، وَلِأَنَّ عُثْمَانَ سَنَّهُ، وَعَمِلَتْ بِهِ الْأُمَّةُ، وَمَنْ بَعُدَ مَنْزِلُهُ، سَعَى فِي وَقْتٍ يُدْرِكُهَا كُلَّهَا إِذَا عَلِمَ حُضُورَ الْعَدَدِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا قَبْلَهُ. (وَيَجْلِسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ؛ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَجِلْسَتِهِ الْأُولَى، وَيُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُهَا، قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ الْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا، اخْتَارَهُ النَّجَّادُ لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ عَلِيٌّ، سَرَدُوا الْخُطْبَةَ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، فَلَمْ يَجِبْ كَالْأُولَى (وَيَخْطُبَ قَائِمًا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الِاسْتِقْبَالُ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ الْقِيَامُ كَالْأَذَانِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ مَعَ الْقُدْرَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " النَّصِيحَةِ "، وَبِالْجُلُوسِ
تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، وَيُقَصِّرَ الْخُطْبَةَ، وَيَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ. وَلَا يُشْتَرَطُ إِذَنُ الْإِمَامِ، وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ. فَصْلٌ: وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ ـــــــــــــــــــــــــــــQبَيْنَهُمَا، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ (وَيَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصًا) لِمَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ حَزَنٍ قَالَ: «وَفَدْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فَشَهِدْنَا مَعَهُ الْجُمُعَةَ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى سَيْفٍ، أَوْ قَوْسٍ، أَوْ عَصًا» . مُخْتَصَرٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ لَهُ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ فُتِحَ بِهِ، وَيَكُونُ اعْتِمَادُهُ عَلَى ذَلِكَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ بِالْيُسْرَى، وَالْأُخْرَى بِحَرْفِ الْمِنْبَرِ، فَإِنْ لَمْ يَعْتَمِدْ أَمْسَكَ يَمِينَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ أَرْسَلَهُمَا (وَيَقْصِدَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَلِأَنَّ فِي الْتِفَاتِهِ إِلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ إِعْرَاضًا عَنِ الْآخَرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا الْتَفَتَ أَوِ اسْتَدْبَرَ النَّاسَ أَنَّهُ يُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، صَرَّحُوا بِهِ فِي الِاسْتِدْبَارِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يُجْزِئُ لِتَرْكِهِ الْجِهَةَ الْمَشْرُوعَةَ، وَيَنْحَرِفُ إِلَيْهِ الْمَأْمُومُونَ إِذَا خَطَبَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ. (وَيُقَصِّرَ الْخُطْبَةَ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَمَّارٍ مَرْفُوعًا «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَأَقْصِرُوا الْخُطْبَةَ» وَفِي " التَّعْلِيقِ ". وَالثَّانِيَةُ أَقْصَرُ، جَعَلَهُ أَصْلًا لِإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ، وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ صَوْتِهِ حَسَبَ الْإِمْكَانِ (وَيَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ الدُّعَاءَ لَهُمْ مَسْنُونٌ فِي غَيْرِ الْخُطْبَةِ، فَفِيهَا أَوْلَى، وَلَا يَجِبُ فِي الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ: وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْفُصُولِ "، وَاحْتَجَّ بِالْعُمُومِ، وَقِيلَ: لَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQيُسْتَحَبُّ، قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ بِدْعَةٌ وِفَاقًا لِلْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الدُّعَاءَ لَا يُسَنُّ لِلْمُسْلِمَاتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ جَمْعَ الْمُذَكَّرِ يَشْمَلُهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ الدُّعَاءَ لِلسُّلْطَانِ فِيهَا، وَلَا لِمُعَيَّنٍ؛ وَهُوَ جَائِزٌ، بَلْ قِيلَ: يُسْتَحَبُّ لِلسُّلْطَانِ، حَتَّى قَالَ أَحْمَدُ أَوْ غَيْرُهُ: لَوْ كَانَ لَنَا دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ لَدَعَوْنَا بِهَا لِإِمَامٍ عَادِلٍ، وَلِأَنَّ فِي صَلَاحِهِ صَلَاحَ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ يَدْعُو فِي خُطْبَتِهِ لِعُمَرَ، وَرَوَى الْبَزَّارُ: أَرْفَعُ النَّاسِ دَرَجَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ عَادِلٌ. قَالَ أَحْمَدُ: إِنِّي لَأَدْعُو لَهُ بِالتَّسْدِيدِ وَالتَّوْفِيقِ. فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا نَزَلَ عِنْدَ لَفْظَةِ الْإِقَامَةِ فِي وَجْهٍ، قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَفِي الْآخَرِ إِذَا فَرَغَ مِنْهَا، وَيَنْزِلُ مُسْرِعًا. (وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الْإِمَامِ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا صَلَّى بِالنَّاسِ، وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ، وَصَوَّبَهُ عُثْمَانُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ، وَلِأَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ، أَشْبَهَتِ الظُّهْرَ. قَالَ أَحْمَدُ: وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِالشَّامِ تِسْعَ سِنِينَ، فَكَانُوا يُجَمِّعُونَ (وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ) لِأَنَّهُ لَا يُقِيمُهَا فِي كُلِّ عَصْرٍ إِلَّا الْأَئِمَّةُ؛ وَهِيَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، أَشْبَهَتِ الْجِهَادَ، وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ، وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا لَا لِجَوَازِهَا، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِمَوْتِهِ إِلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَاشْتُرِطَ إِذْنُهُ، فَعَنْهُ: لَا إِعَادَةَ لِلْمَشَقَّةِ، وَعَنْهُ: بَلَى، لِبَيَانِ الشَّرْطِ. فَرْعٌ: إِذَا غَلَبَ الْخَوَارِجُ عَلَى بَلَدٍ، فَأَقَامُوا فِيهِ الْجُمُعَةَ، جَازَ اتِّبَاعُهُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ قُلْنَا: مِنْ شَرْطِهَا إِمَامٌ عَادِلٌ، إِذَا كَانَ خُرُوجُهُمْ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يُصَلِّي مَعَهُمُ الْجُمُعَةَ، وَيُعِيدُهَا ظُهْرًا.
[فصل ما يستحب أن يقرأه في صلاة الجمعة]
يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأَوْلَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْمُنَافِقِينَ. وَتَجُوزُ إِقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ الْبَلَدِ لِلْحَاجَةِ، وَلَا تَجُوزُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلُ مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَهُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] فَصْلٌ وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ إِجْمَاعًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ عُمَرُ: صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى. رَوَاهُ أَحْمَدُ (يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) قَالَهُ الْأَئِمَّةُ، لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَنَقَلَهُ الْخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ إِلَّا الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ» (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْمُنَافِقِينَ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي (الْمُغْنِي) وَ (الشَّرْحِ) : إِنْ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ فَحَسَنٌ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَعَنْهُ: يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ بِـ (سَبِّحْ) . قَالَ مَالِكٌ: أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ، وَالَّذِي جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ الْغَاشِيَةَ مَعَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِـ (سَبِّحْ) ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ
[جواز إقامة الجمعة في مسجدين أو أكثر للحاجة]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: وَسُورَةٌ. قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِسُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَقَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَمَهْمَا قَرَأَ بِهِ فَحَسَنٌ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لَكِنَّ الْأَوْلَى الِاقْتِدَاءُ بِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ؛ لِأَنَّ سُورَةَ الْجُمُعَةِ تَلِيقُ بِهَا، لِمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِهَا، وَالْأَمْرِ بِهَا، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا. تَذْنِيبٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي فَجْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ {الم - تَنْزِيلُ} [السجدة: 1 - 2] السَّجْدَةَ وَ {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ} [الإنسان: 1] ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَاسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِتَضَمُّنِهِمَا ابْتِدَاءَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَخَلْقِ الْإِنْسَانِ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ، وَتُكْرَهُ مُدَاوَمَتُهُ عَلَيْهِمَا فِي الْمَنْصُوصِ، وَصُحِّحَ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهَا مُفَضَّلَةٌ بِسَجْدَةٍ، أَوْ لِظَنِّ الْوُجُوبِ، فَإِنْ سَهَا عَنِ السَّجْدَةِ، فَعَنْ أَحْمَدَ: يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. قَالَ الْقَاضِي: كَدُعَاءِ الْقُنُوتِ، قَالَ: وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا تَغْيِيرُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَثَّ وَالتَّرْغِيبَ وُجِدَ فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ أَكْثَرَ، وَالسُّنَّةُ إِكْمَالُهَا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيُكْرَهُ تَحَرِّيهِ قِرَاءَةَ سَجْدَةٍ غَيْرِهَا. [جَوَازُ إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي مَسْجِدَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لِلْحَاجَةِ] (وَتَجُوزُ إِقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ) فَأَكْثَرَ (مِنَ الْبَلَدِ لِلْحَاجَةِ) كَسِعَةِ الْبَلَدِ، وَتَبَاعُدِ
مَعَ عَدَمِهَا، فَإِنْ فَعَلُوا، فَجُمُعَةُ الْإِمَامِ هِيَ الصَّحِيحَةُ. فَإِنِ اسْتَوَتَا، فَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ، فَإِنْ وَقَعَتَا مَعًا، أَوْ جُهِلَتِ الْأُولَى، بَطَلَتَا مَعًا. وَإِذَا وَقَعَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَقْطَارِهِ، أَوْ بُعْدِ الْجَامِعِ أَوْ ضِيقِهِ أَوْ خَوْفِ فِتْنَةٍ، وَلِأَنَّهَا تُفْعَلُ فِي الْأَمْصَارِ الْعَظِيمَةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إِجْمَاعًا. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَأَصْحَابَهُ لَمْ يُقِيمُوهَا فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَالْجَوَابُ لِعَدَمِ حَاجَتِهِمْ إِلَى أَكْثَرَ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُؤَثَّرُونَ بِسَمَاعِ خُطْبَتِهِ وَشُهُودِ جُمُعَتِهِ، وَإِنْ بَعُدَتْ مَنَازِلُهُمْ، وَظَاهِرُهُ إِذَا اسْتَغْنَى بِجُمُعَتَيْنِ لَمْ تَجُزِ الثَّالِثَةُ (وَلَا تَجُوزُ مَعَ عَدَمِهَا) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إِلَّا عَنْ عَطَاءٍ (فَإِنْ فَعَلُوا) أَيْ: فَعَلُوهَا فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ (فَجُمُعَةُ الْإِمَامِ هِيَ الصَّحِيحَةُ) لِأَنَّ فِي تَصْحِيحِ غَيْرِهَا افْتِئَاتًا عَلَيْهِ، وَتَفْوِيتًا لَجُمُعَتِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تَأَخَّرَتْ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَذَكَرَ ابْنُ حَمْدَانَ أَنَّهُ أَوْلَى، وَسَوَاءٌ قُلْنَا: إِذْنُهُ شَرْطٌ أَوْ لَا، وَقِيلَ: السَّابِقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ، لِأَنَّهَا لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَا يُفْسِدُهَا (فَإِنِ اسْتَوَتَا) فِي الْإِذْنِ وَعَدَمِهِ (فَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ حَصَلَ بِالْأُولَى، فَأُنِيطَ الْحُكْمُ بِهَا لِكَوْنِهَا سَابِقَةً، وَيُعْتَبَرُ السَّبْقُ بِالْإِحْرَامِ، وَقِيلَ: بِالشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ، وَقِيلَ: بِالسَّلَامِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ أَوْ قَصَبَةِ الْبَلَدِ فِي وَجْهٍ، وَفِي الْآخَرِ: تَصِحُّ الْوَاقِعَةُ فِيهِمَا، وَلَوْ كَانَتِ الثَّانِيَةَ، وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ لِهَذِهِ الْمَعَانِي مَزِيَّةً، فَقُدِّمَ بِهَا كَجُمُعَةِ الْإِمَامِ (فَإِنْ وَقَعَتَا مَعًا) وَلَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا، بَطَلَتَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُمَا، وَلَا تَعْيِينُ إِحْدَاهُمَا بِالصِّحَّةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ،
[إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد]
فَاجْتَزَى بِالْعِيدِ وَصَلَّى ظُهْرًا جَازَ إِلَّا لِلْإِمَامِ. وَأَقَلُّ السُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ. وَأَكْثَرُهَا سِتُّ رَكَعَاتٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَتَلْزَمُهُمُ الْجُمُعَةُ إِنْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّهُ مِصْرٌ لَمْ يُصَلَّ فِيهِ جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ، فَإِنْ سَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا وَعُلِمَتْ، بَطَلَتِ الثَّانِيَةُ، وَلَزِمَ أَهْلَهَا الظُّهْرُ، فَإِنْ عَلِمُوا بِذَلِكَ فِي أَثْنَائِهَا اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا، صَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ جَائِزًا بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ، وَجَزَمَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ ": يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا (أَوْ جُهِلَتِ الْأُولَى بَطَلَتَا مَعًا) لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَذَا إِذَا جُهِلَ الْحَالُ هَلْ وَقَعَتَا مَعًا أَوْ فِي وَقْتَيْنِ، فَهَلْ يُصَلُّونَ ظُهْرًا، كَمَا ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ الْأَوْلَى، وَقَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِلشَّكِّ فِي شَرْطِ إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ، أَوْ جُمُعَةٍ، لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّتِهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: الْأَشْبَهُ أَنَّهُمْ يُعِيدُونَ جُمُعَةً. أَيْ: بِشَرْطِهَا. [إِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ] (وَإِذَا وَقَعَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاجْتَزَى بِالْعِيدِ، وَصَلَّى ظُهْرًا، جَازَ) «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ صَلَّى الْعِيدَ، وَقَالَ: مَنْ شَاءَ أَنْ يُجَمِّعَ فَلْيُجَمِّعْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَحِينَئِذٍ تَسْقُطُ الْجُمُعَةُ إِسْقَاطَ حُضُورٍ لَا وُجُوبٍ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَمَرِيضٍ، لَا كَمُسَافِرٍ وَنَحْوِهِ، عَمَّنْ حَضَرَ الْعِيدَ مَعَ الْإِمَامِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ كَصَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ، وَعَنْهُ: لَا تَسْقُطُ الْجُمُعَةُ لِلْعُمُومِ، كَالْإِمَامِ (إِلَّا لِلْإِمَامِ) هَذَا الْمَذْهَبُ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَ: «قَدِ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ؛ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ بَقِيَّةَ وَقَدْ قَالَ: حَدَّثَنَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَامْتَنَعَ فِعْلُهَا فِي حَقِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَمَنْ يُرِيدُهَا مِمَّنْ سَقَطَتْ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا إِنِ اجْتَمَعَ مَعَهُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ أَقَامَهَا، وَإِلَّا صَلَّوْا ظُهْرًا.
[السنة بعد الجمعة]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَنْهُ: تَسْقُطُ عَنْهُ كَهُمْ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَحَكَاهُ السَّامِرِيُّ عَنِ الْأَصْحَابِ، وَاحْتَجَّ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمْ يُصَلِّهَا، وَكَانَ إِمَامًا، وَلِأَنَّهَا إِذَا سَقَطَتْ عَنِ الْمَأْمُومِ سَقَطَتْ عَنِ الْإِمَامِ كَحَالَةِ السَّفَرِ، وَجَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ بِأَنَّ لَهُ الِاسْتِنَابَةَ، وَقَالَ: الْجُمُعَةُ تَسْقُطُ بِأَدْنَى عُذْرٍ، كَمَنَ لَهُ عَرُوسٌ تُجَلَّى، فَكَذَا الْمَسَرَّةُ بِالْعِيدِ، وَرَدَّهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَعَنْهُ: لَا تَسْقُطُ عَنِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ، فَتَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ. فَرْعٌ: يَسْقُطُ الْعِيدُ بِالْجُمُعَةِ، سَوَاءٌ فُعِلَتْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، لِفِعْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَصَابَ السُّنَّةَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إِلَى الْعَصْرِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إِنْ فُعِلَتْ بَعْدَ الزَّوَالِ اعْتُبِرَ الْعَزْمُ عَلَى الْجُمُعَةِ لِتَرْكِ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُؤَلِّفُ، وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " السُّقُوطَ بِفِعْلِ الْجُمُعَةِ وَقْتَ الْعِيدِ، وَفِي " مُفْرَدَاتِ ابْنِ عَقِيلٍ " احْتِمَالٌ يُسْقِطُ الْجَمْعَ، وَتُصَلَّى فُرَادَى. [السُّنَّةُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ] (وَأَقَلُّ السُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (وَأَكْثَرُهَا سِتُّ رَكَعَاتٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَفْعَلُهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي " أَرْبَعًا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَأَمْرِهِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي
[فصل استحباب الاغتسال والتطيب يوم الجمعة]
فَصْلٌ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْجُمُعَةِ فِي يَوْمِهَا، وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ عِنْدَ مُضِيِّهِ إِلَيْهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQهُرَيْرَةَ، وَقِيلَ: إِنْ شَاءَ صَلَّى بِسَلَامٍ أَوْ سَلَامَيْنِ مَكَانَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ، وَقِيلَ: لَا سُنَّةَ لَهَا، وَيُسَنُّ أَنْ يَفْصِلَ بِكَلَامٍ أَوِ انْتِقَالٍ مِنْ مَوْضِعِهِ لِلْخَبَرِ، وَظَاهِرُهُ: لَا سُنَّةَ لَهَا قَبْلَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَئِمَّةِ، لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ ظُهْرًا مَقْصُورَةً، فَتُفَارِقُهَا فِي أَحْكَامٍ، وَعَنْهُ: رَكْعَتَانِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَعَنْهُ: أَرْبَعٌ، وَقَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْتُ أَبِي يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ رَكَعَاتٍ. [فَصْلُ اسْتِحْبَابِ الِاغْتِسَالِ وَالتَّطَيُّبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] فَصْلٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْجُمُعَةِ فِي يَوْمِهَا، وَلَا يَجِبُ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا، وَفِيهِ نَظَرٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْعَمَلُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فِي خَبَرِ عَائِشَةَ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا» وَظَاهِرُهُ حُصُولُ الْفَضِيلَةِ بِهِ، وَلَوْ أَحْدَثَ بَعْدَهُ، وَلَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الرَّوَاحُ (وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ عِنْدَ مُضِيِّهِ إِلَيْهَا) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَقْصُودِ، وَفِيهِ خُرُوجٌ مِنَ الْخِلَافِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُجَامِعَ ثُمَّ يَغْتَسِلَ، نَصَّ عَلَيْهِ،
[استحباب الاشتغال بالدعاء والصلاة على النبي يوم الجمعة]
وَيَتَنَظَّفَ، وَيَتَطَيَّبَ، وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا مَاشِيًا، وَيَدْنُوَ مِنَ الْإِمَامِ وَيَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَيَقْرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِهَا. وَيُكْثِرَ الدُّعَاءَ وَالصَّلَاةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِلْخَبَرِ (وَيَتَنَظَّفَ وَيَتَطَيَّبَ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ بِدُهْنٍ، وَيَمَسُّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. قَوْلُهُ: «وَيَمَسُّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ» يَعْنِي مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ، وَخَفِيَ رِيحُهُ لِتَأَكُّدِ الطِّيبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ خِلَافُهُ (وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ) لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ، وَأَفْضَلُهَا الْبَيَاضُ، وَيَعْتَمَّ، وَيَرْتَدِيَ (وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا) وَلَوْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالصَّلَاةِ فِي مَنْزِلِهِ (مَاشِيًا) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «وَمَشَى، وَلَمْ يَرْكَبْ» ، وَيَكُونُ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، وَقِيلَ: بَعْدَ صَلَاتِهِ، لَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا بَعْدَ الزَّوَالِ، فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ فَلَا بَأْسَ بِالرُّكُوبِ كَالْعَوْدِ (وَيَدْنُوَ مِنَ الْإِمَامِ) مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ: «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا أَجْرُ سَنَةٍ، عَمَلُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. [اسْتِحْبَابُ الِاشْتِغَالِ بِالدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (وَيَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ) وَالْقِرَاءَةَ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ الْأَجْرِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ سَامِعٍ لِلْخُطْبَةِ بِأَنْ يَحْضُرَ قَبْلَهَا، أَوْ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ (وَيَقْرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِهَا) لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ مَوْقُوفًا، وَقَالَ: مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ. زَادَ أَبُو الْمَعَالِي وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ «أَوْ لَيْلَتَهَا» ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَتِهِ وُقِيَ فِتْنَةَ الدَّجَّالِ» (وَيُكْثِرَ الدُّعَاءَ) رَجَاءَ أَنْ يُصَادِفَ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «إِنَّ فِي
[حكم تخطي رقاب الناس يوم الجمعة]
عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَامًا، أَوْ يَرَى فُرْجَةً ـــــــــــــــــــــــــــــQالْجُمُعَةِ سَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا. فَقَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ الْحَدِيثِ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تُرْجَى فِيهَا الْإِجَابَةُ أَنَّهَا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَتُرْجَى بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَفِي " الدَّعَوَاتِ " لِلْمُسْتَغْفِرِينَ: عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَوَقَفَ فِي الْبَابِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ، وَصَلَّيْتُ فَرِيضَتَكَ، وَانْتَشَرْتُ لِمَا أَمَرْتَنِي، فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (وَ) يُكْثِرُ (الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَيْلَتَهَا؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَقَدْ رُوِيَ الْحَثُّ عَلَيْهَا مُطْلَقًا، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَ: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. فَائِدَةٌ: رَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قَرَأَ إِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَثْنِيَ رِجْلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ سَبْعًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» . [حُكْمُ تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (وَلَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَأَى رَجُلًا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» وَلِمَا فِيهِ مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ
فَيَتَخَطَّى إِلَيْهَا، وَعَنْهُ يُكْرَهُ. وَلَا يُقِيمُ غَيْرَهُ فَيَجْلِسُ مَكَانَهُ، إِلَّا مَنْ قَدَّمَ صَاحِبًا لَهُ فَجَلَسَ فِي مَوْضِعٍ يَحْفَظُهُ لَهُ. وَإِذَا وَجَدَ مُصَلًّى مَفْرُوشًا فَهَلْ لَهُ رَفْعُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْأَذَى، وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِتَحْرِيمِهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَامًا) فَلَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ لِتَعْيِينِ مَكَانِهِ، وَأُلْحِقَ بِهِ فِي " الْغُنْيَةِ " الْمُؤَذِّنُ (أَوْ يَرَى) الْمُصَلِّي (فُرْجَةً فَيَتَخَطَّى إِلَيْهَا) لِأَنَّهُمْ أَسْقَطُوا حَقَّ أَنْفُسِهِمْ بِتَأَخُّرِهِمْ، وَعَنْهُ: إِنْ وَصَلَهَا بِدُونِهِ كُرِهَ، وَإِلَّا فَلَا، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ تَخَطِّيهِ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْفُرْجَةُ أَمَامَهُ، (وَعَنْهُ: يُكْرَهُ) مُطْلَقًا؛ لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا «مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اتَّخَذَ جِسْرًا إِلَى جَهَنَّمَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (وَلَا يُقِيمُ غَيْرَهُ فَيَجْلِسُ مَكَانَهُ) وَذَلِكَ حَرَامٌ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ نَهَى أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَقْعَدِهِ، وَيَجْلِسَ فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا، قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا يُقِيمُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ يُخَالِفُ إِلَى مَقْعَدِهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلِ: افْسَحُوا» ، وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ اللَّهِ، وَالنَّاسَ فِيهِ سَوَاءٌ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ عَبْدَهُ أَوْ وَلَدَهُ إِلَّا الصَّغِيرَ، وَسَوَاءً كَانَ رَاتِبًا لَهُ يَجْلِسُ فِيهِ أَوْ لَا، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يُكْرَهُ (إِلَّا مَنْ قَدَّمَ صَاحِبًا لَهُ، فَجَلَسَ فِي مَوْضِعٍ يَحْفَظُهُ لَهُ) لِأَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَعَدَ فِيهِ لِحِفْظِهِ لَهُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إِلَّا بِإِقَامَتِهِ، وَعَلَّلَهُ فِي " الشَّرْحِ " بِأَنَّ النَّائِبَ يَقُومُ بِاخْتِيَارِهِ، وَفِي " الْفُرُوعِ ".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ أَصْحَابُنَا: إِلَّا مَنْ جَلَسَ بِمَكَانٍ يَحْفَظُهُ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ أَوْ دُونَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ: " أَوْ دُونَهُ "؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ فِي اخْتِصَاصٍ مُبَاحٍ، كَتَوْكِيلِهِ فِي تَمْلِيكِ الْمُبَاحِ وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ، لَكِنْ إِنْ جَلَسَ فِي مَكَانِ الْإِمَامِ، أَوْ طَرِيقِ الْمَارَّةِ، أَوِ اسْتَقْبَلَ الْمُصَلِّينَ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ أُقِيمَ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي. مَسْأَلَةٌ: إِذَا آثَرَ بِمَكَانِهِ الْأَفْضَلَ، فَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ: لَا، كَمَا لَوْ جَلَسَ، وَقِيلَ: إِنْ آثَرَ عَالِمًا أَوْ دَيِّنًا جَازَ، وَلَا يُكْرَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَصَحِّ، وَفِي " الْفُصُولِ " لَا يَجُوزُ الْإِيثَارُ، وَكَذَا الْخِلَافُ إِنْ آثَرَ بِمَكَانِهِ فَسَبَقَ إِلَيْهِ آخَرُ، وَصَحَّحَ فِي " الشَّرْحِ " وَابْنُ حَمْدَانَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا، ثُمَّ آثَرَ بِهِ غَيْرَهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ وَسَّعَ لِرَجُلٍ فِي طَرِيقٍ فَمَرَّ غَيْرُهُ، لِأَنَّهَا جُعِلَتْ لِلْمُرُورِ فِيهَا، وَالْمَسْجِدُ جُعِلَ لِلْإِقَامَةِ فِيهِ. (وَإِذَا وَجَدَ مُصَلًّى مَفْرُوشًا فَهَلْ لَهُ رَفْعُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّهُ كَالنَّائِبِ، وَعَنْهُ: وَلِمَا فِيهِ مِنَ الِافْتِئَاتِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَالْإِفْضَاءِ إِلَى الْخُصُومَةِ، وَقَاسَهُ فِي " الشَّرْحِ " عَلَى السَّابِقِ إِلَى رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ، وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ. فَعَلَى هَذَا لَهُ رَفْعُهُ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، قَالَهُ فِي الْفَائِقِ، وَالثَّانِي: لَهُ رَفْعُهُ، وَالصَّلَاةُ مَكَانَهُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ بِنَفْسِهِ، وَالْفَضِيلَةُ بِالسَّبْقِ بِالْبَدَنِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ صَاحِبُهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ إِلَّا بِتَخَطِّي النَّاسِ رَفَعَهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " يُكْرَهُ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ بِتَحْرِيمِهِ، وَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ إِنْ حَرُمَ رَفْعُهُ فَلَهُ فَرْشُهُ، وَإِلَّا كُرِهَ، وَأَطْلَقَ شَيْخُنَا: لَيْسَ لَهُ
[دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين]
وَمَنْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ لِعَارِضٍ لَحِقَهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَمَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، يُوجِزُ فِيهِمَا. وَلَا يَجُوزُ الْكَلَامُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفَرْشُهُ. (وَمَنْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ لِعَارِضٍ لَحِقَهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا «مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إِذَا عَادَ قَرِيبًا، وَأَطْلَقَهُ الْأَكْثَرُ، مِنْهُمُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَيَّدَهُ فِي " الْوَجِيزِ " بِمَا إِذَا عَادَ، وَلَمْ يَتَشَاغَلْ بِغَيْرِهِ، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " وَتَبِعَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، إِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ إِلَّا بِالتَّخَطِّي، فَكَمَنَ رَأَى فُرْجَةً، وَجَوَّزَهُ أَبُو الْمَعَالِي. [دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ] (وَمَنْ دَخَلَ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ يُوجِزُ فِيهِمَا) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ مُسْلِمٌ «وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» ، وَكَذَا قَالَهُ أَحْمَدُ وَالْأَكْثَرُ، وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِمَا، هَذَا إِذَا كَانَتْ تُقَامُ فِي مَسْجِدٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، لَمْ يُصَلِّ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ " إِنْ لَمْ تَفُتْهُ مَعَهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ جَلَسَ قَامَ فَأَتَى بِهِمَا، أَطْلَقَهُ أَصْحَابُنَا؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» . قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: مَا لَمْ يُطِلِ الْفَصْلَ، فَإِنْ ذَكَرَ فَائِتَةً، أَوْ قُلْنَا لَهُ سُنَّةً، صَلَّاهَا، وَكَفَتْ إِنْ كَانَتِ الْفَائِتَةُ رَكْعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّ تَحِيَّةً لَا تَحْصُلُ بِغَيْرِهِمَا، وَلَوْ نَوَى التَّحِيَّةَ وَالْفَرْضَ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ حُصُولُهُمَا لَهُ كَنَظَائِرِهِمَا. 1 مَسَائِلُ: مِنْهَا إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ انْقَطَعَ التَّنَفُّلُ مُطْلَقًا، وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ بِخُرُوجِهِ؛ وَهُوَ أَشْهَرُ فِي الْأَخْبَارِ، وَلَوْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْخُطْبَةِ، وَجَوَّزَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ
[الكلام أثناء الخطبة وقبلها وبعدها]
إِلَّا لَهُ، أَوْ لِمَنْ كَلَّمَهُ، وَيَجُوزُ الْكَلَامُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَبَعْدَهَا، وَعَنْهُ: يَجُوزُ فِيهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْجَوْزِيِّ لِمَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا تَحْرِيمَ إِنْ لَمْ يَحْرُمِ الْكَلَامُ فِيهَا؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَيُخَفِّفُهُ مَنْ هُوَ فِيهِ، وَمَنْ نَوَى أَرْبَعًا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وَمِنْهَا: إِذَا نَعَسَ اسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي مَجْلِسِهِ فَلْيَتَحَوَّلْ إِلَى غَيْرِهِ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الِاحْتِبَاءُ وَقْتَ الْخُطْبَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَرِهَهُ الشَّيْخَانُ، لِنَهْيِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ عَنْهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ مُتَهَيِّئًا لِلنَّوْمِ وَالسُّقُوطِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَحْمَدَ جَالِسًا إِلَّا الْقُرْفُصَاءَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَلَاةٍ؛ وَهِيَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ رَافِعًا رُكْبَتَيْهُ إِلَى صَدْرِهِ، وَمُفْضِيًا بِأَخْمَصِ قَدَمَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَرُبَّمَا احْتَبَى بِيَدِهِ، وَلَا جِلْسَةَ أَخْشَعُ مِنْهَا. [الْكَلَامُ أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ وَقَبْلَهَا وَبَعْدَهَا] (وَلَا يَجُوزُ الْكَلَامُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَصَحَّحَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] وَلِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «مَنْ قَالَ: صَهٍ، فَقَدْ لَغَا، وَمَنْ لَغَا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَالَّذِي يَقُولُ: أَنْصِتْ لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ، وَلِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ «إِذَا سَمِعْتَ إِمَامَكَ يَتَكَلَّمُ فَأَنْصِتْ حَتَّى يَفْرُغَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، سَمِعَ الْخُطْبَةَ أَوْ لَا، وَقِيلَ: وَحَالَةُ الدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ عَلَى سَامِعٍ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَمْعٌ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQمُطْلَقًا، وَعَنْهُ: يَجُوزُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يُبَاحُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، كَتَحْذِيرِ ضَرِيرٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ، وَتَشْمِيتِ عَاطِسٍ، وَرَدِّ السَّلَامِ نُطْقًا كَإِشَارَتِهِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، أَشْبَهَ الضَّرِيرَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ، وَالثَّانِي: يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ نُطْقًا؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ إِذَا ذُكِرَ كَالدُّعَاءِ اتِّفَاقًا، وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَا يَسْمَعُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِذِكْرِ اللَّهِ خُفْيَةً، وَقِيلَ: بَلْ سُكُوتُهُ أَفْضَلُ، فَيَسْجُدُ لِتِلَاوَةٍ، وَفِي " الْفُصُولِ " إِنْ بَعُدَ، وَلَمْ يَسْمَعْ هَمْهَمَةَ الْإِمَامِ جَازَ أَنْ يَقْرَأَ، وَأَنْ يُذَاكِرَ فِي الْفِقْهِ، وَلِمَنْ يَسْمَعُ تَسْكِيتُ الْمُتَكَلِّمِ إِشَارَةً، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِشَارَةُ أَخْرَسَ مُفْهِمَةٌ كَكَلَامِهِ (إِلَّا لَهُ أَوْ لِمَنْ كَلَّمَهُ) كَذَا أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَيَّدَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " لِمَصْلَحَةٍ؛ «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَلَّمَ سُلَيْكًا، وَكَلَّمَهُ هُوَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَأَلَ عُمَرُ عُثْمَانَ فَأَجَابَهُ، «وَسَأَلَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ الِاسْتِسْقَاءَ» ، وَعَنْهُ: يُكْرَهَانِ، وَلَا مَنْعَ، كَأَمْرِ إِمَامٍ بِمَعْرُوفٍ (وَيَجُوزُ الْكَلَامُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَبَعْدَهَا) مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، لِمَا رَوَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَعُمَرُ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ عُمَرُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، حَتَّى يَقْضِيَ الْخُطْبَتَيْنِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ، (وَعَنْهُ: يَجُوزُ فِيهَا) ، فَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْإِمَامِ، وَعَلَى مَنْ كَلَّمَهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِلْكَلَامِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَفِيهِ أَوْجُهٌ: الْجَوَازُ وَالْكَرَاهَةُ وَالتَّحْرِيمُ، وَجَعَلَ الشَّيْخَانِ أَصْلَ التَّحْرِيمِ سُكُوتَهُ لِتَنَفُّسٍ. 1 - مَسَائِلُ: الْأُولَى: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى سَائِلٍ وَقْتَ الْخُطْبَةِ، وَلَا يُنَاوِلَهُ إِذْنٌ لِلْإِعَانَةِ عَلَى مُحَرَّمٍ، وَإِلَّا جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يُكْرَهُ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ قَبْلَهَا ثُمَّ جَلَسَ لَهَا جَازَ، كَالصَّدَقَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْأَلْ، أَوْ سَأَلَ الْإِمَامَ الصَّدَقَةَ لِإِنْسَانٍ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ السُّؤَالُ وَالتَّصَدُّقُ فِي الْمَسْجِدِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْفُصُولِ "، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ بَطَّةَ: يَحْرُمُ السُّؤَالُ، وَقَالَهُ فِي إِنْشَادِ الضَّالَّةِ، وَهَذَا مِثْلُهُ، وَأَوْلَى.
[باب صلاة العيدين]
بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِنِ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهَا قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ، وَأَوَّلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ الْعَبَثُ وَالشُّرْبُ حَالَ الْخُطْبَةِ [إِنْ سَمِعَهَا] وَإِلَّا جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ إِذَا اشْتَدَّ عَطَشُهُ، وَجَزَمَ أَبُو الْمَعَالِي بِأَنَّهُ إِذَنْ أَوْلَى، وَقَالَ فِي " الْفُصُولِ ": وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ شُرْبَهُ بَعْدَ الْأَذَانِ بِقَطْعِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَكَذَا شُرْبُهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ، وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ لِلْحَاجَةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَتَحْصِيلًا لِاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ. الثَّالِثَةُ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ أَنْ يَنْتَظِرَ صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَيُصَلِّيهَا فِي مَوْضِعِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُ، وَيُسْتَحَبُّ انْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «إِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا» وَذَكَرَ الشَّيْخَانُ وَجَمَاعَةٌ جُلُوسَهُ بَعْدَ فَجْرٍ وَعَصْرٍ إِلَى طُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا، لَا فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَجْرِ، لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ. [بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] [حُكْمُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ وَيَتَكَرَّرُ لِأَوْقَاتِهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَعُودُ بِالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِهِ تَفَاؤُلًا، لِيَعُودَ ثَانِيَةً كَالْقَافِلَةِ، وَجُمِعَ بِالْيَاءِ، وَأَصْلُهُ الْوَاوُ لِلُزُومِهَا فِي الْوَاحِدِ، وَقِيلَ: لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْوَادِ الْخَشَبِ. (وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] هِيَ صَلَاةُ الْعِيدِ فِي قَوْلِ عِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي التَّفْسِيرِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ يُدَاوِمُونَ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهَا مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، فَكَانَتْ وَاجِبَةً كَالْجِهَادِ بِدَلِيلِ قَتْلِ تَارِكِهَا، وَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْأَعْيَانِ، لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَهَا
[وقت صلاة العيدين]
وَقْتِهَا إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ، وَآخِرُهُ إِذَا زَالَتْ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعِيدِ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، خَرَجَ مِنَ الْغَدِ، فَصَلَّى بِهِمْ وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ الْأَضْحَى، وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ، وَالْأَكْلُ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQأَذَانٌ، أَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَعَنْهُ: فَرْضُ عَيْنٍ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَعَنْهُ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، جَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ " فَلَا يُقَاتَلُ تَارِكُهَا كَالتَّرَاوِيحِ، وَعَلَى الْوُجُوبِ (إِنِ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهَا قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ) كَالْأَذَانِ. [وَقْتُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] (وَأَوَّلُ وَقْتِهَا إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ) لِأَحَادِيثِ النَّهْيِ، وَكَمَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَمَنْ بَعْدَهُ لَمْ يُصَلُّوهَا إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى فِعْلِهَا ذَلِكَ الْوَقْتَ، وَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ إِلَّا الْأَفْضَلَ، وَرَوَى الْحَسَنُ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ يَغْدُو إِلَى الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ فَيَتِمُّ طُلُوعُهَا، وَكَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ إِذَا حَضَرَ» (وَآخِرُهُ إِذَا زَالَتْ) لِأَنَّهَا شَارَكَتِ الضُّحَى فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، فَكَذَا يَجِبُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي آخِرِهِ (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعِيدِ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، خَرَجَ مِنَ الْغَدِ فَصَلَّى بِهِمْ) لِمَا رَوَى أَبُو عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: «غُمَّ عَلَيْنَا هِلَالُ شَوَّالٍ، فَأَصْبَحْنَا صِيَامًا، فَجَاءَ رَكْبٌ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأُوا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ النَّاسَ أَنْ يَفْطُرُوا مِنْ يَوْمِهِمْ، وَأَنْ يَخْرُجُوا غَدًا لِعِيدِهِمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُصَلَّى فِي غَيْرِ يَوْمِ الْعِيدِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ: سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أَوْلَى أَنْ تُتَّبَعَ، وَحَدِيثُ أَبِي عُمَيْرٍ صَحِيحٌ، فَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ وَاجِبٌ كَالْفَرَائِضِ، وَكَذَا لَوْ مَضَى أَيَّامٌ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْخِلَافِ ": لَا تُصَلَّى إِذًا.
[سنن العيدين]
الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَالْإِمْسَاكُ فِي الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ، وَالْغُسْلُ وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا بَعْدَ الصُّبْحِ مَاشِيًا عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ، إِلَّا الْمُعْتَكِفَ يَخْرُجُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ، أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [سُنَنُ الْعِيدَيْنِ] (وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ الْأَضْحَى وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ) لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنْ عَجِّلِ الْأَضْحَى، وَأَخِّرِ الْفِطْرَ، وَذَكِّرِ النَّاسُ» وَلِأَنَّهُ يَتَّسِعُ بِذَلِكَ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ، وَوَقْتُ إِخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَيَكُونُ تَعْجِيلُ الْأُضْحِيَّةِ بِحَيْثُ يُوَافِقُ مَنْ بِمِنًى فِي ذَبْحِهِمْ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَالْأَكْلُ فِي الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ) لِقَوْلِ بُرَيْدَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ مُنْقَطِعَةٍ «وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا» وَفِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ " أَنَّ الْأَكْلَ فِيهِ آكَدُ مِنَ الْإِمْسَاكِ فِي الْأَضْحَى، وَالتَّوْسِعَةُ عَلَى الْأَهْلِ وَالصَّدَقَةُ (وَالْإِمْسَاكُ فِي الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ) لِمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أُضْحِيَّةٌ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ كَبِدِهَا؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ تَنَاوُلًا وَهَضْمًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنْ شَاءَ أَكْلَ قَبْلَ خُرُوجِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَالْغُسْلُ) وَقَدْ سَبَقَ (وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا) لِلْمَأْمُومِ، لِيَحْصُلَ لَهُ الدُّنُوُّ مِنَ الْإِمَامِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ فَيَكْثُرُ ثَوَابُهُ (بَعْدَ الصُّبْحِ) أَيْ: بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَذَهَبَ آخَرُونَ أَنَّهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَعَلَهُ رَافِعٌ، وَيَنْوِيهِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ (مَاشِيًا) لِمَا رَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إِنْ كَانَ الْبَلَدُ ثَغْرًا اسْتُحِبَّ الرُّكُوبُ وَإِظْهَارُ السِّلَاحِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِ مَنْ لَهُ ضَرُورَةٌ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ رَاكِبًا كَالْعَوْدِ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ:
إِمَامًا يَتَأَخَّرُ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ. وَإِذَا غَدَا مِنْ طَرِيقٍ، رَجَعَ فِي أُخْرَى، وَهَلْ مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQثُمَّ تَرْكَبُ إِذَا رَجَعْتَ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ يَعْتَمُّ، وَيَلْبَسُ بُرْدَهُ الْأَحْمَرَ فِي الْعِيدَيْنِ، وَالْجُمُعَةِ» رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ فِي الْعِيدَيْنِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَيَكُونُ مُظْهِرًا لِلتَّكْبِيرِ، وَعَنْهُ: يُظْهَرُ فِي الْفِطْرِ فَقَطْ لَا عَكْسِهِ (إِلَّا الْمُعْتَكِفَ) فِي الْعَشْرِ الْأُخَرِ أَوْ عَشْرِ ذِيِ الْحِجَّةِ (يَخْرُجُ مِنْ) مُعْتَكَفِهِ إِلَى الْمُصَلَّى (فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوْبَانِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ " لَجُمُعَتِهِ وَعِيدِهِ إِلَّا الْمُعْتَكِفَ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ» وَاسْتَحَبَّهُ السَّلَفُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلِأَنَّهُ أَثَرُ الْعِبَادَةِ، فَاسْتُحِبَّ بَقَاؤُهُ كَالْخَلُوقِ، وَعَنْهُ: ثِيَابٌ جَيِّدَةٌ وَرَثَّةٌ سَوَاءٌ لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: مُعْتَكِفٌ كَغَيْرِهِ فِي زِينَةٍ وَطِيبٍ وَنَحْوِهِمَا (أَوْ إِمَامًا يَتَأَخَّرُ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يَنْتَظِرُ وَلَا يُنْتَظَرُ، لَابِسًا أَجْمَلَ ثِيَابِهِ؛ لِأَنَّهُ مَنْظُورٌ إِلَيْهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ النَّاسِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ مُعْتَكِفًا فَظَاهِرُ كَلَامِهِ خُرُوجُهُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: يُسَنُّ لِلْإِمَامِ التَّجَمُّلُ وَالتَّنَظُّفُ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَكِفًا. فَرْعٌ: لَا بَأْسَ بِخُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْعِيدِ لَكِنْ لَا يَتَطَيَّبْنَ، وَلَا يَلْبَسْنَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَوْ زِينَةٍ، وَلَا يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» وَعَنْهُ:
شَرْطِهَا الِاسْتِيطَانُ، وَإِذْنُ الْإِمَامِ، وَالْعَدَدُ الْمُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَتُسَنُّ ـــــــــــــــــــــــــــــQيُسْتَحَبُّ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْمَجْدُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ فِي غَيْرِ ذَوِي الْهَيْئَاتِ وَالْمُسْتَحْسَنَاتِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَعَنْهُ: لِلشَّابَّةِ، وَعَنْهُ: لَا يُعْجِبُنِي خُرُوجُهُنَّ فِي وَقْتِنَا، لِقَوْلِ عَائِشَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. . (وَإِذَا غَدَا مِنْ طَرِيقٍ رَجَعَ فِي أُخْرَى) لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى الْعِيدِ خَالَفَ الطَّرِيقَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعِلَّتُهُ: لِتَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ، أَوْ لِمُسَاوَاتِهِ لَهُمَا فِي التَّبَرُّكِ بِمُرُورِهِ بِهِمْ، وَسُرُورِهِمْ بِرُؤْيَتِهِ، أَوْ لِيَتَبَرَّكَ الطَّرِيقَانِ بِوَطْئِهِ عَلَيْهِمَا، أَوْ لِزِيَادَةِ الْأَجْرِ بِالسَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الطَّرِيقِ الْآخَرِ، أَوْ لِتَحْصُلَ الصَّدَقَةُ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنْ أَهْلِ الطَّرِيقَيْنِ، فَيَنْبَغِي طَرْدُهُ فِي غَيْرِهَا، قُلْنَا: وَيَلْزَمُهُ فِي الْجُمُعَةِ، نَقَلَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَفِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ " أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِيهِ شُرِعَتْ لِمَعْنًى خَاصٍّ، فَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ غَيْرُهُ، وَظَاهِرُهُ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: الْأَوْلَى سُلُوكُ الْأَبْعَدِ فِي الْخُرُوجِ، وَالْأَقْرَبِ فِي الْعَوْدِ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ (وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا) أَيْ: صِحَّتِهَا إِذًا (الِاسْتِيطَانُ، وَإِذْنُ الْإِمَامِ، وَالْعَدَدُ الْمُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَأُسْقِطَ الْإِذْنُ " كَالْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، فَلَا تُقَامُ إِلَّا حَيْثُ تُقَامُ الْجُمُعَةُ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَهَا خُطْبَةٌ رَاتِبَةٌ، أَشْبَهَتِ الْجُمُعَةَ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَافَقَ الْعِيدَ فِي حَجَّتِهِ، وَلَمْ يُصَلِّ، لَكِنْ إِنْ فَاتَتْ قُضِيَتْ تَطَوُّعًا مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، قَدَّمَهُ وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " فَيَفْعَلُهَا الْمُسَافِرُ، وَالْعَبْدُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْمُنْفَرِدُ؛ لِأَنَّ أَنَسًا كَانَ إِذَا لَمْ يَشْهَدِ الْعِيدَ مَعَ الْإِمَامِ جَمَعَ أَهْلَهُ، وَمَوَالِيَهُمْ، وَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ مَوْلَاهُ فَصَلَّى بِهِمْ
فِي الصَّحْرَاءِ. وَتُكْرَهُ فِي الْجَامِعِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ. وَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQرَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقِمْهَا النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لِاشْتِغَالِهِ عَنْهَا بِالْمَنَاسِكِ، لِأَنَّهَا أَهَمُّ، لِكَوْنِهِمَا فَرْضَ عَيْنٍ، وَصَلَاةُ الْعِيدِ سُنَّةٌ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ، وَعَلَى الْأَوْلَى يَفْعَلُونَهَا تَبَعًا. قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ: إِنْ صَلَّوْا بَعْدَ خُطْبَةِ الْإِمَامِ صَلَّوْا بِغَيْرِ خُطْبَةٍ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى تَفْرِيقِ الْكَلِمَةِ، وَصَحَّحَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الِاسْتِيطَانُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً وَاحِدَةً قَالَ: وَيُكْتَفَى بِاسْتِيطَانِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ إِذَا لَمْ يُعْتَبَرِ الْعَدَدُ، وَإِنْ قُلْنَا بِاعْتِبَارِهِ، وَكَانَ فِي الْقَرْيَةِ أَقَلُّ مِنْهُمْ، وَإِلَى جَنْبِهِمْ مِصْرٌ أَوْ قَرْيَةٌ تُقَامُ فِيهِ الْعِيدُ لَزِمَهُمُ السَّعْيُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْعِيدَ لَا يَتَكَرَّرُ، فَلَا يَشُقُّ إِتْيَانُهُ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الْإِمَامِ كَالْجُمُعَةِ. (وَتُسَنُّ فِي الصَّحْرَاءِ) الْقَرْيَةِ عُرْفًا، نَقَلَ حَنْبَلٌ: الْخُرُوجُ إِلَى الْمُصَلَّى أَفْضَلُ إِلَّا ضَعِيفًا أَوْ مَرِيضًا؛ لِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَخْرُجُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وَلِأَنَّهُ أَوْقَعُ لِهَيْبَةِ الْإِسْلَامِ، وَأَظْهَرُ لِشِعَارِ الدِّينِ، وَلَا مَشَقَّةَ فِي ذَلِكَ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهَا، بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا فِي مُعْظَمِ الْأَمْصَارِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ كَانَ الْجَامِعُ وَاسِعًا فَهُوَ أَفْضَلُ، كَأَهْلِ مَكَّةَ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُمْ يُحَصِّلُونَ بِذَلِكَ مُعَايَنَةَ الْكَعْبَةِ، وَذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ شِعَارِ الدِّينِ (وَتُكْرَهُ فِي الْجَامِعِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ) وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، لِمُخَالَفَةِ فِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَمَعَ الْعُذْرِ لَا يُكْرَهُ، رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَصَابَنَا مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فِي الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ لِينٌ، وَلِلْمَعْنَى: وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِ عَلِيٍّ، وَيَخْطُبُ لَهُمْ، لِتَكْمِيلِ حُصُولِ مَقْصُودِهِمْ، وَإِنْ تَرَكُوا فَلَا بَأْسَ،
[صفة صلاة العيدين]
يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الِاسْتِفْتَاحِ وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ سِتًّا، وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنَ السُّجُودِ خَمْسًا. وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَيَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَلَهُمْ فِعْلُهَا قَبْلَ الْإِمَامِ وَبَعْدَهُ، وَأَيُّهُمَا سَبَقَ سَقَطَ الْفَرْضُ وَجَازَتِ التَّضْحِيَةُ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: الْأَوْلَى أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ صَلَاةَ الْإِمَامِ. وَالْمُسْتَخْلَفُ، هَلْ يُصَلِّي أَرْبَعًا أَوْ رَكْعَتَيْنِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَلَا يَؤُمُّ فِيهَا عَبْدٌ كَالْجُمُعَةِ فِي الْأَشْهَرِ [صِفَةُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] (وَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ) قَبْلَ الْخُطْبَةِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَلَوْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ عَلَيْهَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَكَمَا لَوْ خَطَبَ فِي الْجُمُعَةِ بَعْدَهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَنِي أُمَيَّةَ تَقْدِيمُ الخُطْبَةِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْ عُثْمَانَ، وَفِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ " أَنَّهُ قَدَّمَهَا فِي أَوَاخِرِ خِلَافَتِهِ (فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) إِجْمَاعًا، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» ، وَلِقَوْلِ عُمَرَ: «صَلَاةُ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرَ قَصْرٍ، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ، وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى» . رَوَاهُ أَحْمَدُ (يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى بَعْدَ) تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَ (الِاسْتِفْتَاحِ، وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ سِتًّا) زَوَائِدَ (وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنَ السُّجُودِ خَمْسًا) زَوَائِدَ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعَهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَبَّرَ فِي عِيدٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ» إِسْنَادٌ حَسَنٌ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ أَبِي: أَنَا أَذْهَبُ إِلَى هَذَا، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَ: التَّكْبِيرُ سَبْعٌ فِي الْأُولَى،
كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا، وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ. ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى بِسَبِّحْ، وَفِي ـــــــــــــــــــــــــــــQوَخَمْسٌ فِي الْآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بِعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَعَنْهُ: سَبْعٌ زَوَائِدُ فِي الْأُولَى، رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ، وَعَنْهُ: خَمْسٌ فِي الْأُولَى، وَأَرْبَعٌ فِي الثَّانِيَةِ، وَاحْتَجَّ بِفِعْلِ أَنَسٍ، وَعَنْهُ: يُصَلِّي أَهْلُ الْقُرَى بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ. قَالَ أَحْمَدُ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فِي التَّكْبِيرِ، وَكُلٌّ جَائِزٌ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَيْسَ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فِي التَّكْبِيرِ وَفِي الْعِيدَيْنِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الْأُولَى بَعْدَ الِاسْتِفْتَاحِ، وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ؛ وَهُوَ السُّنَّةُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفْتَاحَ لِأَوَّلِ الصَّلَاةِ، وَالِاسْتِعَاذَةَ لِلْقِرَاءَةِ، وَعَنْهُ: الِاسْتِفْتَاحُ بَعْدَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ تَلِي الِاسْتِفْتَاحَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، فَكَذَا هُنَا، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَ الِاسْتِعَاذَةِ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» . قَالَ أَحْمَدُ: فَأَرَى أن يَدْخُلُ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ، وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فِي الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ، وَعَنْ زَيْدٍ كَذَلِكَ، رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ، (وَيَقُولُ) بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ وَعَقِبَ الْآخِرَةِ مِنْهَا فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ "، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأَخِيرَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ (اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا) لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَمَّا يَقُولُهُ بَعْدَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ؟ قَالَ: يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عليه، ويصلي عَلَى النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَحَرْبٌ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ حَالَ الْقِيَامِ، فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا ذِكْرٌ، كَتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ (وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْغَرَضَ الذِّكْرُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، لَا ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ لِعَدَمِ وُرُودِهِ، فَلِهَذَا
الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، وَيَكُونُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَعَنْهُ: يُوَالِي ـــــــــــــــــــــــــــــQنَقَلَ حَرْبٌ أَنَّ الذِّكْرَ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ، يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ: يَحْمَدُ وَيُكَبِّرُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْهُ: وَيَدْعُو، وَعَنْهُ: وَيُسَبِّحُ وَيُهَلِّلُ، وَظَاهِرُهُ: قَوْلُ شَيْءٍ لَا وُقُوفٌ مُجَرَّدٌ. فُرُوعٌ: الْأَوَّلُ: إِذَا شَكَّ فِي عَدَدِ التَّكْبِيرِ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ. الثَّانِي: إِذَا نَسِيَ التَّكْبِيرَ حَتَّى رَكَعَ، سَقَطَ، أَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهُ، وَكَذَا إِنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ فِي الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ نَسِيَ الِاسْتِفْتَاحَ، أَوِ لتَّعَوَّذَ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطُ، فَعَلَى هَذَا يَأْتِي بِهِ، وَإِنْ كَانَ فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ لَمْ يُعِدْهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهَا، أَتَى بِهِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَهَا لِتَسْلَمَ مِنْ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا غَيْرُهَا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمَنْسِيُّ يَسِيرًا لَمْ يَسْتَأْنِفِ الْقِرَاءَةَ. الثَّالِثُ: إِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا أَحْرَمَ ثُمَّ رَكَعَ، وَلَا يَشْتَغِلُ بِقَضَاءِ التَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ كَالِاسْتِفْتَاحِ، وَكَمَا لَوْ نَسِيَهُ الْإِمَامُ حَتَّى رَكَعَ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ قَائِمًا بَعْدَ فَرَاغِهِ من التكبير الزائد، لَمْ يَقْضِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَأْتِي بِهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: إِنْ لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ، اخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، فَإِنْ سَبَقَهُ بِبَعْضِ التَّكْبِيرِ، فَعَلَى الْخِلَافِ. (ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى بِسَبِّحِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَى سَمُرَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ بِـ " {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] "، وَ " {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية: 1] » رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مِثْلُهُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَلِأَنَّهُ فِيهِ حَثٌّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15] هَكَذَا فَسَّرَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَنْهُ: الْأُولَى (ق) وَالثَّانِيَةُ (اقْتَرَبَتِ) اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْهُ: (لَا تَوْقِيتَ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ (وَيَجْهَرُ
[خطبة العيدين]
بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ فَإِذَا سَلَّمَ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَسْتَفْتِحُ الْأُولَى بِتِسْعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالْقِرَاءَةِ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَجْهَرُ بالْقِرَاءَةِ فِي الْعِيدَيْنِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ» وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إِلَّا مَا رَوَاهُ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ مَنْ يَلِيهِ، وَلَمْ يَجْهَرْ ذَلِكَ الْجَهْرَ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَحْمَدَ (وَيَكُونُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَهُ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ تَكْبِيرٌ فِي إِحْدَى رَكْعَتَيِ الْعِيدِ، فَكَانَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ كَالْأُولَى (وَعَنْهُ: يُوَالِي بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ فِي قِيَامِ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ، فَكَانَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ كَدُعَاءِ الْقُنُوتِ. [خُطْبَةُ الْعِيدَيْنِ] (فَإِذَا سَلَّمَ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ السَّلَامَ مِنَ الصَّلَاةِ؛ وَهُوَ أَظْهَرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ السَّلَامُ الْمَعْرُوفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي النَّصِيحَةِ فَقَالَ: إِذَا اسْتَقْبَلَهُمْ سَلَّمَ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ (خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ) بَعْدَ الصَّلَاةِ، كَخُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ، فَلَوْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَهُمَا كَالْجُمْعَةِ فِي أَحْكَامِهَا عَلَى الْأَصَحِّ، حَتَّى فِي الْكَلَامِ، نَصَّ عَلَيْهِ، إِلَّا التَّكْبِيرَ مَعَ الْخَاطِبِ، وَاسْتَثْنَى جَمَاعَةٌ الطَّهَارَةَ، وَاتِّحَادَ الْإِمَامِ، وَالْقِيَامَ، وَالْجِلْسَةَ، وَالْعَدَدَ؛ لِكَوْنِهِمَا سُنَّةً لَا شَرْطًا لِلصَّلَاةِ فِي الْأَصَحِّ، فَأَشْبَهَا الذِّكْرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ (يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا) لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، فَخَطَبَ قَائِمًا، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قَامَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْبَصْرِيِّ؛ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ فِي الْعِيدَيْنِ خُطْبَتَيْنِ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ
تَكْبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ. يَحُثُّهُمْ فِي خُطْبَةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يُخْرِجُونَ، وَيُرَغِّبُهُمْ فِي الْأُضْحِيَّةِ فِي الْأَضْحَى، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ حُكْمَ الْأُضْحِيَّةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQرِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى، وَفِيهِ كَلَامٌ، وَهَلْ يَجْلِسُ عَقِيبَ صُعُودِهِ إِلَى الْمِنْبَرِ لِيَسْتَرِيحَ، كَمَا هُوَ الْأَظْهَرُ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ فِي " الْأُمِّ " أَوْ لَا؟ لِأَنَّ الْجُلُوسَ فِي الْجُمُعَةِ لِمَوْضِعِ الْأَذَانِ، فِيهِ وَجْهَانِ، وَيُسَنُّ أَنْ (يَسْتَفْتِحَ الْأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: يُكَبِّرُ الْإِمَامُ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ: سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَالتَّكْبِيرُ فِي الْأُولَى نَسَقًا وِفَاقًا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ جَالِسًا، وَقِيلَ: قَائِمًا كَسَائِرِ أَذْكَارِ الْخُطْبَةِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ فِي الثَّانِيَةِ كَالْأُولَى، وَعَنْهُ: بَعْدَ فَرَاغِهَا، اخْتَارَهُ الْقَاضِي. قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عبد الله بن عُتْبَةَ: إِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، وَقِيلَ: التَّكْبِيرَاتُ شَرْطٌ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يَفْتَتِحُهَا بِالْحَمْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ افْتَتَحَ خُطْبَةً بِغَيْرِهِ (يَحُثُّهُمْ فِي خُطْبَةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «اغْنُوهُمْ عَنِ السُّؤَالِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» (وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يُخْرِجُونَ) أَيْ مِنْ جِنْسِهَا، وَقَدْرِهَا، وَوُجُوبِهَا، وَوَقْتِهَا (وَيُرَغِّبُهُمْ فِي الْأُضْحِيَّةِ في الأضحى) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لِفَاطِمَةَ: «قُومِي إِلَى أُضْحِيَّتِكِ فَاشْهَدِيهَا، فَإِنَّ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا أَنْ يَغْفِرَ لَكِ مَا قَدْ سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكِ» وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الْأَضَاحِي؟ قَالَ: سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ قَالُوا: فَمَا لَنَا؟ قَالَ: بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ، قَالُوا: وَالصُّوفُ؟ قَالَ: بِكُلِّ شَعْرَةِ حَسَنَةٌ» قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ (وَيُبَيَّنُ لَهُمْ حُكْمَ الْأُضْحِيَّةِ) لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ
[كراهة التنفل قبل صلاة العيد وبعدها]
وَالتَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ، وَالذِّكْرَ بَيْنَهُمَا، وَالْخُطْبَتَانِ سُنَّةٌ. وَلَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِها وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ، صَلَّى مَا فَاتَهُ عَلَى صِفَتِهِ، وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالنَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ ذَكَرَ فِي خُطْبَةِ الْأَضْحَى كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِهَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ، وَالْبَرَاءِ، وَجَابِرٍ، وَغَيْرِهِمْ (وَالتَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدَ وَالذِّكْرَ بَيْنَهُمَا) سُنَّةٌ فِي الْأَشْهَرِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ بَيْنَ التَّحْرِيمَةِ وَالْقِرَاءَةِ، أَشْبَهَ الِاسْتِفْتَاحَ، فَعَلَى هَذَا إِنْ نَسِيَهُ فَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ فِي الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ: شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " إِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدَ أَتَمَّ، وَلَمْ تَبْطُلْ، وَسَاهِيًا لَا يَلْزَمُهُ سُجُودٌ، لِأَنَّهَا هَيْئَةٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ. (وَالْخُطْبَتَانِ سُنَّةٌ) لِمَا رَوَى عَطَاءٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ الْعِيدَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: إِنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَا: مُرْسَلٌ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَوَجَبَ حُضُورُهَا وَاسْتِمَاعُهَا كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُمَا شَرْطٌ. فَائِدَةٌ: السُّنَّةُ لِمَنْ حَضَرَ الْعِيدَ مِنَ النِّسَاءِ حُضُورُ الْخُطْبَةِ، وَأَنْ يَنْفَرِدْنَ بِمَوْعِظَةٍ إِذَا لَمْ يَسْمَعْنَ خُطْبَةَ الرِّجَالِ، وَفِي " نِهَايَةِ " أَبِي الْمَعَالِي: إِذَا فَرَغَ فَرَأَى قَوْمًا لَمْ يَسْمَعُوهَا اسْتُحِبَّ إِعَادَةُ مَقَاصِدِهَا لَهُمْ لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ فَدَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَالْمُرَادُ مَعَ عَدَمِ خَوْفِ فِتْنَةٍ. [كَرَاهَةُ التَّنَفُّلِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا] (وَلَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِهِمَا) وَهُوَ مَكْرُوهٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «خَرَجَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَوْمَ عِيدٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَرَى الصَّلَاةَ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: لَا يُسَنُّ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " لَا سُنَّةَ لَهَا قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقِيلَ: يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْفَرَجِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْغُنْيَةِ "؛ وَهُوَ أَظْهَرُ، وَظَاهِرُهُ جَوَازُ فِعْلِ الصَّلَاةِ بَعْدَهَا فِي غَيْرِ
[قضاء صلاة العيد]
فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْضِيَهَا عَلَى صِفَتِهَا، وَعَنْهُ: أَرْبَعًا، وَعَنْهُ: أَنَّهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَوْضِعِهما، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَرَوَى حَرْبٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْعِيدِ إِذَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَاحْتَجَّ بِهِ إِسْحَاقُ، فَلَوْ فَارَقَ مَوْضِعَهُمَا، ثُمَّ عَادَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، لَمْ يُكْرَهِ التَّنَفُّلُ، نَصَّ عَلَيْهِ. فَرْعٌ: يُكْرَهُ قَضَاءُ فَائِتَةٍ مَوْضِعَ الْعِيدِ قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ. [قَضَاءُ صَلَاةِ الْعِيدِ] (وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ إِمَامِهِ صَلَّى مَا فَاتَهُ عَلَى صِفَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَلِأَنَّهَا أَصْلٌ بِنَفْسِهَا، فَتُدْرَكُ بِإِدْرَاكِ التَّشَهُّدِ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُصَلِّي أَرْبَعًا كَالْجُمُعَةِ، وَإِذَا أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً قَضَى أُخْرَى، وَكَبَّرَ فِيهَا سِتًّا زَوَائِدَ أَوْ خَمْسًا، عَلَى الْخِلَافِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَسْبُوقَ فِي الْقَضَاءِ يُرَاعِي مَذْهَبَهُ فِي التَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَرِدِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالسَّهْوِ، فَكَذَا فِي التَّكْبِيرِ، وَعَنْهُ: بِمَذْهَبِ إِمَامِهِ؛ لِئَلَّا يُكَبِّرَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ عَدَدًا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ فِي الْأَصْلِ، وَكَمَأْمُومٍ، وَكَذَا إِنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ أَوْ رَكْعَتَانِ بِنَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ. (وَإِنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ، اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْضِيَهَا عَلَى صِفَتِهَا) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِفِعْلِ أَنَسٍ، وَلِأَنَّهُ قَضَاءُ صَلَاةٍ، فَكَانَ عَلَى صِفَتِهَا، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَظَاهِرُهُ: مَتَى شَاءَ، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: قَبْلَ الزَّوَالِ، وَإِلَّا مِنَ الْغَدِ، وَعَنْهُ: إِنْ قَضَى جَمَاعَةً كَبَّرَ، وَلَا يُكَبِّرُ الْمُنْفَرِدُ. وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّاءِ: إِذَا قَضَى رَكْعَتَيْنِ فَهَلْ يُكَبِّرُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (وَعَنْهُ: أَرْبَعًا) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ، فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَالْأَثْرَمُ، وَرَوَيَا
[التكبير في ليلتي العيدين وبعد الصلاة]
مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعٍ. وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ فِي لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْأَضْحَى يُكَبِّرُ عَقِيبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ فِي جَمَاعَةٍ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُكَبِّرُ وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنَّ عَلِيًّا أَمَّرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِضَعْفَةِ النَّاسِ أَرْبَعًا، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَكَقَضَاءِ الْجُمُعَةِ بِلَا تَكْبِيرٍ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُصَلِّي تَطَوُّعًا، فَكَانَ عَلَى صِفَتِهِ بِسَلَامٍ كَالظُّهْرِ، وَعَنْهُ: أَوْ بِسَلَامَيْنِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعٍ) لِأَنَّهُ تَطَوَّعٌ بِالنَّهَارِ، فَكَانَ مُخَيَّرًا فِيهِ كَالْمُطْلَقِ، وَلِأَنَّ كُلًّا قَدْ جَاءَ الْأَثَرُ بِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُرَجِّحَ، فَكَانَ لَهُ فِعْلُ مَا شَاءَ، فَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا فَكَالسُّنَنِ فِي الْقَضَاءِ. مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ اسْتِخْلَافُهُ لِلضَّعْفَةِ، وَفِي صِفَةِ صَلَاةِ الْخَلِيفَةِ الْخِلَافُ، وَأَيُّهُمَا سَبَقَ، سَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ، وَضَحَّى، وَتَنْوِيهُ الْمَسْبُوقَةِ نَفْلًا. [التَّكْبِيرُ فِي لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ] (وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ فِي لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ) خُصُوصًا فِي الْفِطْرِ؛ وَهُوَ آكَدُ مِنَ الْأَضْحَى، نَصَّ عَلَيْهِ، مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] . قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ جَمِيعًا، وَيَجْهَرُ بِهِ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى فِيهِمَا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ؛ وَهُوَ مُمْتَدٌّ إِلَى فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ خُطْبَتِهِ؛ لِأَنَّ شِعَارَ الْعِيدِ لَمْ يَنْقَضِ، فَسُنَّ كَمَا فِي حَالِ الْخُرُوجِ، وَعَنْهُ: إِلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ إِلَى الصَّلَاةِ، لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَعَنْهُ: إِلَى وُصُولِهِ الْمُصَلَّى؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الْخُرُوجِ هُوَ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْآثَارُ، وَمَا بَعْدَهُ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ وَلَا إِجْمَاعٌ (وَفِي الْأَضْحَى) يُسَنُّ فِيهِ الْمُطْلَقُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَرَ بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَالْمُرَادُ لِغَيْرِ أُنْثَى، وَأَيَّامُ الْعَشْرِ: الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ: الْمَعْدُودَاتُ (يُكَبِّرُ عَقِيبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ فِي جَمَاعَةٍ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يُكَبِّرُ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ.
يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. إِلَّا الْمُحْرِمَ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ. فَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ، قَضَاهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ، أَوْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّمَا التَّكْبِيرُ عَلَى مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ. رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مُخْتَصٌّ بِوَقْتِ الْعِيدِ، فَاخْتُصَّ بِالْجَمَاعَةِ كَالْخُطْبَةِ، فَيُكَبِّرُ الْإِمَامُ إِلَى الْقِبْلَةِ كَغَيْرِهِ، وَالْأَشْهَرُ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يُكَبِّرُ، لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْمُحَافَظَةِ، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُكَبِّرُ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ) قَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَغَيْرِهِ، لِلْعُمُومِ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ لِلْمَسْبُوقِ، أَشْبَهَ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ (مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى) بَعْدِ صَلَاةِ (الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَمَدَّ التَّكْبِيرَ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ الْجَعْفِيِّ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: بِأَيِّ حَدِيثٍ تَذْهَبُ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: بِالْإِجْمَاعِ: عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالذِّكْرِ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ؛ وَهِيَ أَيَّامٌ يُرْمَى فِيهَا، أَشْبَهَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، وَعَنْهُ: يُكَبَّرُ مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَنْهُ: مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، رَوَاهُ سَعِيدٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الْأَمْصَارِ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يُكَبَّرُ فِي الْفِطْرِ عَقِبَ الْفَرَائِضِ، لِعَدَمِ نَقْلِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَلَا عَقِبَ نَافِلَةٍ، وَلَوْ صُلِّيَتْ جَمَاعَةً (إِلَّا الْمُحْرِمَ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ) إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَشْغُولٌ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالْجَهْرُ بِهِ مَسْنُونٌ إِلَّا فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَيَأْتِي بِهِ كَالذِّكْرِ عَقِبَ الصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: يُكَبِّرُ تَبَعًا لِلرِّجَالِ فَقَطْ، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ كَالْأَذَانِ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الْجَهْرِ، وَالْمُسَافِرُ كَالْمُقِيمِ، وَلَوْ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ، وَالْمُمَيِّزُ كَالْبَالِغِ فَرْعٌ: إِذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَقَضَاهَا فِيهَا مِنْ عَامِهِ، فَكَبَّرَ، لِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ فِيهِ، وَوَقْتُ التَّكْبِيرِ بَاقٍ، وَإِنْ قَضَاهَا فِي غَيْرِهَا، لَمْ يُكَبِّرْ كَالتَّلْبِيَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: بِلَى
وَفِي التَّكْبِيرِ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَجْهَانِ. وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ شَفْعًا: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQكَالدُّعَاءِ، وَإِنْ فَاتَتْهُ مِنْ غَيْرِهَا، فَقَضَاهَا فِيهَا، كَبَّرَ فِي رِوَايَةٍ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَعَنْهُ: لَا يُكَبِّرُ لِبُعْدِ أَيَّامِهَا؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ وَقْتُهَا. فَائِدَةٌ: سُمِّيَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ مِنْ تَشْرِيقِ اللَّحْمِ؛ وَهُوَ تَقْدِيدُهُ، وَقِيلَ: مِنْ قَوْلِهِمْ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْهَدْيَ لَا يُنْحَرُ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وَقِيلَ: هُوَ التَّكْبِيرُ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ، وَأَنْكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ (فَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ، قَضَاهُ) مَكَانَهُ وَيَعُودُ، فَيَجْلِسُ مَنْ قَامَ أَوْ ذَهَبَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ جَالِسًا فِي مُصَلَّاهُ سُنَّةٌ، فَلَا تُتْرَكُ مَعَ إِمْكَانِهَا، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إِنْ كَبَّرَ مَاشِيًا فَلَا بَأْسَ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَقْيَسُ، كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ، وَلَوْ طَالَ الْفَصْلُ، وَالْمَذْهَبُ يُكْرَهُ (مَا لَمْ يُحْدِثْ) لِأَنَّهُ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ، وَالذِّكْرُ تَابِعٌ لَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (أَوْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ) لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا، وَقِيلَ: أَوْ يَتَكَلَّمْ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ عَقِيبَهَا، فَنَافَاهُ مَا يُنَافِيهَا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَأْتِي بِهِ كَالتَّلْبِيَةِ وَالدُّعَاءِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " (فَإِنْ نَسِيَهُ الْإِمَامُ كَبَّرَ الْمَأْمُومُ لِيُحْرِزَ الْفَضِيلَةَ، بِخِلَافِ سُجُودِ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الصَّلَاةِ، فَفِي الِانْفِرَادِ بِهِ تَرْكُ الْمُتَابَعَةِ، وَإِذَا سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ، أَتَى بِهِ، ثُمَّ كَبَّرَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ. تَنْبِيهٌ: فَإِنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ تَلْبِيَةٌ وَتَكْبِيرٌ، فَإِنْ لَمْ يَرْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ النَّحْرِ، كَبَّرَ، ثُمَّ لَبَّى، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ مَشْرُوعٌ مِثْلَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَكَانَ أَشْبَهَ بِهَا، وَالْمَسْبُوقُ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ يَقْضِي مَا فَاتَهُ ثُمَّ يُكَبِّرُ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ. (وَفِي التَّكْبِيرِ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا: لَا يُكَبِّرُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَقَالَ: فِي الْفِطْرِ إِنْ قِيلَ فِيهِ مُقَيَّدٌ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ إِنَّمَا جَاءَ فِي الْمَكْتُوبَاتِ، وَالثَّانِي: يُكَبِّرُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو الْوَفَاءِ،
[باب صلاة الكسوف]
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَإِذَا كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوِ الْقَمَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى بِإِذْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ: هُوَ الْأَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ مُؤَقَّتَةٌ تُسَنُّ لَهَا الْجَمَاعَةُ، كَالْمَكْتُوبَةِ، وَخَصَّهُ فِي " الْكَافِي " بِعِيدِ الْفِطْرِ (وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ شَفْعًا: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ) لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَانَ يَقُولُ كَذَلِكَ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَهُ عَلِيٌّ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ. قَالَ أَحْمَدُ: اخْتِيَارِي تَكْبِيرَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يُكَبِّرُونَ كَذَلِكَ. رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، وَلِأَنَّهُ تَكْبِيرٌ خَارِجُ الصَّلَاةِ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَا، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْحَاجِّ، فَكَانَ شَفْعًا كَالْأَذَانِ، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ هُبَيْرَةَ تَثْلِيثَ التَّكْبِيرِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَأَمَّا تَكْبِيرُهُ ثَلَاثًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِهِمْ، وَلَعَلَّهُ يُقَاسُ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ بعد الفراغ مِنَ الصَّلَاةِ، وَعَلَى قَوْلِ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ بَعْدَ الْوِتْرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ. تَتِمَّاتٌ: لَا بَأْسَ قَوْلُهُ لِغَيْرِهِ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ كَالْجَوَابِ، وَقَالَ: لَا أَبْتَدِئُ بِهِ، وَعَنْهُ: الْكُلُّ حَسَنٌ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْأَمْصَارِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ وَذِكْرٌ، قِيلَ: تَفْعَلُهُ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا، وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، ذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَمَنْ تَوَلَّى صَلَاةَ الْعِيدِ أَقَامَهَا كُلَّ عَامٍ، لِأَنَّهَا رَاتِبَةٌ، مَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْهَا، بِخِلَافِ كُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. [بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ] [سَبَبُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَحُكْمُهَا] بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ يُقَالُ: كَسَفَتْ بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا، وَمِثْلُهُ خَسَفَتْ، وَقِيلَ: الْكُسُوفُ لِلشَّمْسِ، وَالْخُسُوفُ لِلْقَمَرِ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ؛ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة: 8]
الْإِمَامِ وَغَيْرِ إِذْنِهِ، وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةَ جَامِعَةً يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقِيلَ: الْكُسُوفُ فِي أَوَّلِهِ، وَالْخُسُوفُ فِي آخِرِهِ، وَقِيلَ: الْكُسُوفُ الذَّهَابُ كُلُّهُ. وَفِعْلُهَا ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ، وَاسْتَنْبَطَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} [فصلت: 37] . (وَإِذَا كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوِ الْقَمَرُ) اسْتَعْمَلَهُ فِيهِمَا (فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ) هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، حَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَالنَّوَوِيُّ إِجْمَاعًا، وَقُدِّمَ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ لَهُمَا أَمْرًا وَاحِدًا، وَرَوَى أَحْمَدُ مَعْنَاهُ، وَلَفْظُهُ «فَافْزَعُوا إِلَى الْمَسَاجِدِ» وَرَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى: «إِنَّ الْقَمَرَ خَسَفَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ أَمِيرٌ عَلَى الْبَصْرَةِ، فَخَرَجَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَكْعَتَانِ، وَقَالَ: إِنَّمَا صَلَّيْتُ كَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يُصَلِّي» ؛ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَإِنْ حَضَرَهَا ذَوِي الْهَيْئَاتِ مَعَ الرِّجَالِ فَحَسَنٌ، وَكَذَا لِلصِّبْيَانِ حُضُورُهَا، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ حَامِدٍ لَهُمْ، وَلِلْعَجَائِزِ كَجُمُعَةٍ وَعِيدٍ (جَمَاعَةً) فِي جَامِعٍ أَفْضَلَ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ وَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسَ وَرَاءَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْمُبَادَرَةِ بِهَا، لِخَوْفِ فَوْتِهَا بِالتَّجَلِّي، وَعَنْهُ: بِالْمُصَلَّى أَفْضَلُ (وَفُرَادَى) لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الِاسْتِيطَانُ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهَا الجَمَاعَةٌ كَالنَّوَافِلِ (بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَغَيْرِ إِذْنِهِ) لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ، وَإِذْنُهُ لَيْسَ شَرْطًا فِيهَا، وَكَصَلَاتِهَا مُنْفَرِدًا، وَعَنْهُ: بِلَى كَالْعِيدِ (وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ بَعَثَ مُنَادِيًا فَنَادَى: الصَّلَاةَ جَامِعَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ
[صفة صلاة الكسوف]
بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُسَمِّعُ وَيُحَمِّدُ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، وَيُطِيلُ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَالثَّانِي عَلَى الْحَالِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " بِرَفْعِهَما وَنَصْبِهَما، وَوَقْتُهُمَا مِنْ حِينِ الْكُسُوفِ إِلَى الِانْجِلَاءِ، وَلَا تُقْضَى كَاسْتِسْقَاءٍ، وَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ [صِفَةُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ] (فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً) مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَقْرَأُ قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، أَوْ هِيَ (وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ) عَلَى الْأَصَحِّ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ (ثُمَّ يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا) مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ: إِنَّهُ بِقَدْرِ مِائَةِ آيَةٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: بِقَدْرِ مُعْظَمِ الْقِرَاءَةِ، وَقِيلَ: نَصِفُهَا. (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُسَمِّعُ وَيُحَمِّدُ) كَغَيْرِهَا (ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، وَيُطِيلُ؛ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ) قِيلَ: كَمُعْظَمِهَا (ثم يركع فَيُطِيلُ؛ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ) نِسْبَتُهُ إِلَى الْقِرَاءَةِ كَنِسْبَةِ الْأَوَّلِ مِنْهَا (ثُمَّ يَرْفَعُ) وَظَاهِرُهُ مِنْ غَيْرِ إِطَالَةٍ (ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ) فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يُطِيلُهُ كَالرُّكُوعِ، وَقِيلَ: وَكَذَا الْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُطِيلُهُ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْأَكْثَرُ كَمَا لَا يُطِيلُ الْقِيَامَ عَنْ رُكُوعٍ يَسْجُدُ بَعْدَهُ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ إِجْمَاعًا لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الرِّوَايَاتِ، وَانْفَرَدَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا بِإِطَالَتِهِ، فَيَكُونُ فَعَلَهُ مَرَّةً لِيَتَبَيَّنَ الْجَوَازُ، أَوْ أَطَالَهُ قَلِيلًا لِيَأْتِيَ بِالذِّكْرِ الْوَارِدِ فِيهِ، وَالْأَصْلُ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَامَ فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ، فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَمَّعَ وَحَمَّدَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ
ثُمَّ يَقُومُ إِلَى الثَّانِيَةِ، فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، فَإِنْ تَجَلَّى الْكُسُوفُ فِيهَا، أَتَمَّهَا خَفِيفَةً. وَإِنْ تَجَلَّى قَبْلَهَا، أَوْ غَابَتْ كَاسِفَةً، أَوْ طَلَعَتْ وَالْقَمَرُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْبَقَرَةِ» ، وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ «ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ» ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «إنَّهُ جَهَرَ بِقِرَاءَتِهِ» . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا أَصَحُّ مَا فِي الْبَابِ، وَبَاقِي الرِّوَايَاتِ مُعَلَّلَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ: أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ. (ثُمَّ يَقُومُ إِلَى الثَّانِيَةِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ) لَكِنْ يَكُونُ دُونَ الْأُولَى فِي كُلِّ مَا يَفْعَلُ فِيهَا، قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: الْقِرَاءَةُ فِي كُلِّ قِيَامٍ أَقْصَرُ مِمَّا قَبْلَهُ، وَكَذَا التَّسْبِيحُ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: قِرَاءَةُ الْقِيَامِ الثَّالِثِ أَطْوَلُ مِنَ الثَّانِي (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ، وَيُسَلِّمُ) لِمَا رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ» ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَهَا خُطْبَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ أَمَرَ بِهَا دُونَ الْخُطْبَةِ» ، وَعَنْهُ: لَهَا خُطْبَتَانِ، تَجَلَّى الْكُسُوفُ أَوْ لَا، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالسَّامِرِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي نَصًّا بِعْدَمهُمَا، إِنَّمَا أَخَذُوهُ مِنْ نَصِّهِ: لَا خُطْبَةَ لِلِاسْتِسْقَاءِ (فَإِنْ تَجَلَّى الْكُسُوفُ فِيهَا أَتَمَّهَا خَفِيفَةً) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ «فَصَلُّوا، وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّجَلِّي، وَقَدْ حَصَلَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهَا لِكَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَشُرِعَ تَخْفِيفُهَا لِزَوَالِ السَّبَبِ.
خَاسِفٌ، لَمْ يُصَلِّ، وَإِنْ أَتَى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ أَوْ أَرْبَعٍ، فَلَا بَأْسَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَ بَعْدَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ أَتَمَّهَا صَلَاةَ كُسُوفٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَوْ قَبْلَهُ أَتَمَّهَا بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ (وَإِنْ تَجَلَّى قَبْلَهَا) لَمْ يُصَلِّ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى تَنْجَلِيَ» فَجَعَلَهُ غَايَةً لِلصَّلَاةِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا زَوَالُ الْعَارِضِ، وَإِعَادَةُ النِّعْمَةِ بِنُورِهِمَا، وَقَدْ حَصَلَ، فَإِنْ خَفَّ قَبْلَهَا شَرَعَ فِيهَا وَأَوْجَزَ (أَوْ غَابَتِ) الشَّمْسُ (كَاسِفَةً، أَوْ طَلَعَتْ وَالْقَمَرُ خَاسِفٌ، لَمْ يُصَلِّ) لِأَنَّهُ ذَهَبَ وَقْتُ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا، وَقِيلَ: إِنْ طَلَعَتْ وَالْقَمَرُ خَاسِفٌ، صَلَّى، وَيُعْمُل بِالْأَصْلِ فِي بَقَائِهِ، فَلَوْ شَكَّ فِي التَّجَلِّي لِغَيْمٍ، أَتَمَّهَا مِنْ غَيْرِ تَخْفِيفٍ، وَلَوِ انْكَشَفَ الْغَيْمُ عَنْ بَعْضِ الْقَمَرِ، وَلَا كُسُوفَ عَلَيْهِ، أَتَمَّهَا؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ لَا يُعْلَمُ حَالُهُ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَالْأَشْهَرُ يُصَلِّي إِذَا غَابَ الْقَمَرُ خَاسِفًا لَيْلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ وَقْتَ الِانْتِفَاعِ بِنُورِهِ، وَالثَّانِي: لَا، لِغَيْبُوبَتِهِ كَالشَّمْسِ، وَفِي مَنْعِ الصَّلَاةِ لَهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ وَجْهَانِ إِنْ فُعِلَتْ وَقْتَ نَهْيٍ. فَرْعٌ: إِذَا فَرَغَ مِنْهَا، وَلَمْ يَذْهَبِ الْكُسُوفُ لَمْ يُعِدْهَا، بَلْ يَذْكُرُ وَيَدْعُو، وَيَعْمَلُ بِالْأَصْلِ فِي بَقَائِهِ وَذَهَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَنْجَلِيَ، لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ. (وَإِنْ أَتَى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ أَوْ أَرْبَعٍ، فَلَا بَأْسَ) وَفِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " جَازَ كَصَلَاةِ الْخَوْفِ، رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» ، وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسُ رُكُوعَاتٍ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ.
[لا يصلى لشيء من سائر الآيات]
وَلَا يُصَلِّي لِشَيْءٍ مِنْ سَائِرِ الْآيَاتِ إِلَّا لِلزَّلْزَلَةِ الدَّائِمَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَا يَزِيدُ عَلَى أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَفِي السُّنَنِ كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ، وَعَنْهُ: أَرْبَعُ رُكُوعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَفْضَلُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَبِكُلِّ نَوْعٍ قَالَ بِهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالِ الْكُسُوفِ، فَفِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ تَأَخَّرَ الِانْجِلَاءُ، فَزَادَ فِي عَدَدِ الرُّكُوعِ، وَفِي بَعْضِهَا أَسْرَعَ، فَاقْتَصَرَ، وَفِي بَعْضِهَا تَوَسَّطَ فَتَوَسَّطَ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ: بِأَنَّ تَأَخُّرَ الِانْجِلَاءِ لَا يُعْلَمُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَدِ اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ عَدَدَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ سَوَاءٌ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ في جميعها. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا أَقْوَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي السُّجُودِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ. فَرْعٌ: الرُّكُوعُ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَتُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ فِي وَجْهٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْوَفَاءِ، إِنْ صَلَّاهَا الْإِمَامُ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ لِإِدْرَاكِهِ مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ. [لَا يُصَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ سَائِرِ الْآيَاتِ] (وَلَا يُصَلِّي لِشَيْءٍ مِنْ سَائِرِ الْآيَاتِ) لِعَدَمِ نَقْلِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ، مَعَ أَنَّهُ وُجِدَ فِي زَمَانِهِمِ انْشِقَاقُ الْقَمَرِ، وَهُبُوبُ الرِّيَاحِ، وَالصَّوَاعِقُ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ شَدِيدَةً، اصْفَرَّ لَوْنُهُ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا، وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا» لِأَنَّ الرِّيَاحَ نِعْمَةٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} [الروم: 46] (إِلَّا لِلزَّلْزَلَةِ) هِيَ وَجْفَةُ الْأَرْضِ وَاضْطِرَابُهَا وَعَدَمُ سُكُونِهَا (الدَّائِمَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ: لَوْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ لَقُلْنَا بِهِ. وَعَنْ أَحْمَدَ: يُصَلِّي لِكُلِّ آيَةٍ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ عَلَّلَ الْكُسُوفَ بِأَنَّهُ آيَةٌ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَهْبَةٍ، كَمَا أَنَّ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ صَلَاةُ رَغْبَةٍ وَرَجَاءٍ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ أَنْ يَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا، وَفِي " النَّصِيحَةِ ": يُصَلُّونَ لِكُلِّ آيَةٍ مَا أَحَبُّوا رَكْعَتَيْنِ، أَمْ أَكْثَرَ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَأَنَّهُ يَخْطُبُ. تَنْبِيهٌ: تُقَدَّمُ الْجِنَازَةُ عَلَى الْكُسُوفِ، وَيُقَدَّمُ هُوَ عَلَى الْجُمُعَةِ إِنْ أَمِنَ فَوْتَهَا أَوْ لَمْ يَشْرَعْ فِي خُطْبَتِهَا، وَكَذَا عَلَى الْعِيدِ وَالْمَكْتُوبَةِ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ خَافَ بَدَأَ بِالْفَرْضِ، وَفِي تَقْدِيمِ الْوِتْرِ إِنْ خَافَ فَوْتَهُ، وَالتَّرَاوِيحِ عَلَيْهِ، وَجْهَانِ، وَقِيلَ: إِنْ صُلِّيَتِ التَّرَاوِيحُ جَمَاعَةً قُدِّمَتْ لِمَشَقَّةِ الِانْتِظَارِ، وَإِنْ كَسَفَتْ بِعَرَفَةَ صَلَّى ثُمَّ دَفَعَ، وَإِنْ مُنِعَتْ وَقْتَ نَهْيٍ ذَكَرَ وَدَعَا، وَقِيلَ: لَا يُتَصَوَّرُ كُسُوفٌ إِلَّا فِي ثَامِنٍ أَوْ تَاسِعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَا خُسُوفَ إِلَّا فِي إِبْدَارِ الْقَمَرِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَرَدَّهُ فِي " الْفُرُوعِ " بِمَا ذَكَرَهُ أَبُو شَامَةَ فِي تَارِيخِهِ: أَنَّ الْقَمَرَ خُسِفَ لَيْلَةَ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي غَدِهِ، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. قال: وَاتَّضَحَ بِذَلِكَ مَا صَوَّرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنَ اجْتِمَاعِ الْكُسُوفِ وَالْعِيدِ، وَاسْتَبْعَدَهُ أَهْلُ النَّجَّامَةِ، وَكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ عَاشِرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَيُسْتَحَبُّ الْعِتْقُ فِي كُسُوفِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَمْرِهِ بِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ. قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: لِقَادِرٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
[باب صلاة الاستسقاء]
بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَإِذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ وَقَحَطَ الْمَطَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ وَصَفَتُهَا فِي مَوْضِعِهَا وَأَحْكَامِهَا صِفَةُ صَلَاةِ الْعِيدِ. وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ الْخُرُوجَ لَهَا وَعَظَ النَّاسَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ] [حُكْمُ صلاة الاستسقاء] ِ هُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ السُّقْيَا. قَالَ الْقَاضِي عياض: الِاسْتِسْقَاءُ بِالدُّعَاءِ بِطَلَبِ السُّقْيَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَابُ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ طَلَبِ السُّقْيَا عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ. (وَإِذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ) أَيْ: أَصَابَهَا الْجَدْبُ؛ وَهُوَ نَقِيضُ الْخِصْبِ (وَقَحَطَ الْمَطَرُ) أَيِ: احْتَبَسَ (فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ) وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ: يُسَنُّ حَضَرًا وَسَفَرًا، جَمَاعَةً وَفُرَادَى، وَالْأَفْضَلُ جَمَاعَةٌ حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْقَحْطُ فِي غَيْرِ أَرْضِهِمْ، وَظَاهِرُهُ: اخْتِصَاصُهَا بِالْجَدْبِ، فَلَوْ غَارَ مَاءُ عَيْنٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ نَقُصَ وَضَرَّ فَرِوَايَتَانِ، وَلَا اسْتِسْقَاءَ لِانْقِطَاعِ مَطَرٍ عَنْ أَرْضٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ، وَلَا مَسْلُوكَةٍ لِعَدَمِ الضَّرَرِ. [صِفَةُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ] (وَصِفَتُهَا فِي مَوْضِعِهَا وَأَحْكَامِهَا صِفَةُ صَلَاةِ الْعِيدِ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سُنَّةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةُ الْعِيدَيْنِ، فَعَلَى هَذَا تُسَنُّ فِي الصَّحْرَاءِ، وَأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعًا، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ؛ لِأَنَّهُ
وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَتَرْكِ ـــــــــــــــــــــــــــــQـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لَمْ يُقِمْهَا إِلَّا فِي الصَّحْرَاءِ؛ وَهِيَ أَوْسَعُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «صَلَّى النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَعَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ «أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ، يُكَبِّرُونَ فِيهَا سَبْعًا، وَخَمْسًا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى؛ وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: «وَقَرَأَ " سَبِّحْ "، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَعَنْهُ: رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ؛ وَهِيَ ظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ "؛ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: «اسْتَسْقَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا مُطْلَقَةٌ، وَرِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ مُقَيَّدَةٌ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهَا تُفْعَلُ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَقِيلَ: بَعْدَ الزَّوَالِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ. (وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ الْخُرُوجَ لَهَا وَعَظَ النَّاسَ) أَيْ: يُخَوِّفُهُمْ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِالْخَيْرِ فِيمَا يَرِقُّ بِهِ قُلُوبُهُمْ، وَيَنْصَحُهُمْ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِالْعَوَاقِبِ (وَأَمْرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ) وَذَلِكَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ سَبَبُ الْقَحْطِ، وَالتَّقْوَى سَبَبٌ لِلْبَرَكَاتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف: 96] الْآيَةَ (وَالصِّيَامِ) لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى نُزُولِ الْغَيْثِ، وَقَدْ رُوِيَ «دَعْوَةُ الصَّائِمِ لَا تُرَدُّ» ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ الشَّهْوَةِ وَحُضُورِ الْقَلْبِ، وَالتَّذَلُّلِ لِلرَّبِّ، زَادَ جَمَاعَةٌ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ صَائِمًا، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرُوهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الصَّوْمَ بِأَمْرِهِ، مَعَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِوُجُوبِ طَاعَتِهِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ الْمُرَادَ فِي السِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْأُمُورِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا، لَا مُطْلَقًا، وَلِهَذَا جَزَمَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ فِي الطَّاعَةِ، وَيُسَنُّ فِي الْمَسْنُونِ، وَيُكْرَهُ فِي
التَّشَاحُنِ. وَيَعِدُهُمْ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، وَيَتَنَظَّفُ لَهَا، وَلَا يَتَطَيَّبُ، وَيَخْرُجُ مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا مُتَذَلِّلًا مُتَضَرِّعًا، وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالشُّيُوخُ، وَيَجُوزُ خُرُوجُ الصِّبْيَانِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُسْتَحَبُّ، وَإِنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوا وَلَمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَكْرُوهِ (وَالصَّدَقَةِ) لِأَنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ لِلرَّحْمَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى رَحْمَتِهِمْ بِنُزُولِ الْغَيْثِ (وَتَرْكِ التَّشَاحُنِ) وَهُوَ تَفَاعُلٌ مِنَ الشَّحْنَاءِ؛ وَهِيَ الْعَدَاوَةُ؛ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَالْبَهْتِ، وَتَمْنَعُ نُزُولَ الْخَيْرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «خَرَجْتُ لِأُخْبِرُكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ» (وَيَعِدُهُمْ يَوْمًا) أَيْ: يُعَيِّنُهُ لَهُمْ (يَخْرُجُونَ فِيهِ) لِيَتَهَيَّئُوا لِلْخُرُوجِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَسْنُونَةِ (وَيَتَنَظَّفُ لَهَا) مِنْ إِزَالَةِ الرَّائِحَةِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَنَحْوِهِمَا، لِئَلَّا يُؤْذِيَ النَّاسَ؛ وَهُوَ يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ لَهُ أَشْبَهَ الْجُمُعَةَ (وَلَا يَتَطَيَّبُ) وِفَاقًا؛ لِأَنَّهُ يَوْمَ اسْتِكَانَةٍ وَخُضُوعٍ (وَيَخْرُجُ مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا مُتَذَلِّلًا مُتَضَرِّعًا) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لِلِاسْتِسْقَاءِ مُتَذَلِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالشُّيُوخُ) لِأَنَّهُ أَسْرَعُ إِلَى إِجَابَتِهِمْ، وَظَاهِرُهُ: تَخْرُجُ الْعَجَائِزُ، وَمَنْ لَا هَيْئَةَ لَهَا، وَالْأَشْهَرُ: لَا يُسْتَحَبُّ. بَلْ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ خُرُوجُهُمْ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَلَا تَخْرُجُ ذَاتُ هَيْئَة؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي خُرُوجِهِنَّ أَكْثَرُ. (وَيَجُوزُ خروج الصبيان) كَالْبَهَائِمِ؛ لِأَنَّ الرِّزْقَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْكُلِّ، لَكِنَّ الْمُمَيِّزَ يُسْتَحَبُّ خُرُوجُهُ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُسْتَحَبُّ) لِمَا رَوَى الْبَزَّارُ مَرْفُوعًا «لَوْلَا أَطْفَالٌ
يَخْتَلِطُوا بِالْمُسْلِمِينَ، فَيُصَلِّي بِهِمْ. ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً. يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQرُضَّعٌ، وَعِبَادٌ رُكَّعٌ، وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ، لِصُبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ صَبًّا» ، وَلِأَنَّهُمْ لَا ذُنُوبَ لَهُمْ، فَيَكُونُ دُعَاؤُهُمْ مُسْتَجَابًا كَالْمَشَايِخِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَإِلَّا لَزِمَ اسْتِحْبَابُ خُرُوجِ الْبَهَائِمِ. وَفِي " الْفُصُولِ " نَحْنُ لِخُرُوجِ الشُّيُوخِ وَالصِّبْيَانِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا، قَالَ: وَيُؤْمَرُ سَادَةُ الْعَبِيدِ بِإِخْرَاجِ عَبِيدِهِمْ وَإِمَائِهِمْ، وَلَا يَجِبُ، وَالْمُرَادُ: مَعَ عَدَمِ الْفِتْنَةِ (وَإِنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوا) لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، وَاللَّهُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ كَمَا ضَمِنَ أَرْزَاقَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَذْهَبُ يَكْرَهُ، لِأَنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ، فَهُمْ بَعِيدُونَ مِنَ الْإِجَابَةِ، وَإِذَا غِيثَ الْمُسْلِمُونَ فَرُبَّمَا ظَنُّوهُ بِدُعَائِهِمْ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ (وَلَمْ يَخْتَلِطُوا بِالْمُسْلِمِينَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25] وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ فَيَعُمَّ مَنْ حَضَرَ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُمْ لَا يُفْرَدُونَ بِيَوْمٍ؛ لِئَلَّا يَتَّفِقَ نُزُولُ غَيْثٍ يَوْمَ خُرُوجِهِمْ وَحْدَهُمْ، فَيَكُونُ أَعْظَمُ لِفِتْنَتِهِمْ، وَرُبَّمَا افْتَتَنَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالسَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": إِفْرَادُهُمْ بِيَوْمٍ أَوْلَى؛ لِئَلَّا يَظُنُّوا إِنَّمَا حَصَلَ مِنَ السُّقْيَا بِدُعَائِهِمْ، وَفِي خُرُوجِ عَجَائِزِهِمُ الْخِلَافُ، وَلَا تَخْرُجُ مِنْهُمْ شَابَّةٌ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ "، وَجَعَلَ أَهْلَ الذِّمَّةِ مَنْ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ فِي الْجُمْلَةِ. فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ الِاسْتِسْقَاءُ بِمَنْ ظَهَرَ صَلَاحُهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِجَابَةِ، وَقَدِ اسْتَسْقَى عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ، وَمُعَاوِيَةُ بِيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَاسْتَسْقَى بِهِ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ مَرَّةً أُخْرَى، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. وَقَالَ السَّامِرِيُّ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": لَا بَأْسَ بِالتَّوَسُّلِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِالشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَّقِينَ. وَقَالَ فِي " الْمُذْهَبِ ": وَيَجُوزُ أَنْ يُستَشَفَّعَ إِلَى اللَّهِ بِرَجُلٍ صَالِحٍ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ.
[خطبة الاستسقاء]
كَخُطْبَةِ الْعِيدِ، وَيُكْثِرُ فِيهَا الِاسْتِغْفَارَ وَقِرَاءَةَ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِهِ، وَيَرْفَعُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ أَحْمَدُ فِي " مَنْسَكِهِ " الَّذِي كَتَبَهُ لِلْمَرُّوذِيِّ: إِنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دُعَائِهِ، وَجَزَمَ به فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ (فَيُصَلِّي بِهِمْ) رَكْعَتَيْنِ كَالْعِيدِ، وَعَنْهُ: بِلَا تَكْبِيرٍ زَائِدٍ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَفِي " النَّصِيحَةِ " يَقْرَأُ فِي الْأُولَى {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا} [نوح: 1] وَفِي الثَّانِيَةِ مَا أَحَبَّ [خُطْبَةُ الِاسْتِسْقَاءِ] (ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ خَطَبَ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، وَعَنْهُ: خُطْبَتَيْنِ كَالْعِيدِ؛ وَهِيَ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ ثُمَّ خَطَبَنَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَكَالْعِيدِ، وَعَنْهُ: قَبْلَهَا، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ كَالْجُمُعَةِ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَعَنْهُ: لَا خُطْبَةَ لَهَا، صَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَنَصَرَهَا فِي " الْخِلَافِ " فَعَلَيْهَا يَدْعُو بَعْدَهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرٍ، وَيَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ، ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ كَالْعِيدِ فِي الْأَحْكَامِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ (يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ كَخُطْبَةِ الْعِيدِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فِي الِاسْتِسْقَاءِ كَمَا صَنَعَ فِي الْعِيدِ» ، وَعَنْهُ: يَفْتَتِحُهَا بِالْحَمْدِ كَالْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: بِالِاسْتِغْفَارِ؛ لِأَنَّهُ مُنَاسِبٌ.
يَدَيْهِ فَيَدْعُو بِدُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا، سَحًّا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ: فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ ": وَيَكْثُرُ فِيهَا الدُّعَاءُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعُونَةٌ عَلَى الْإِجَابَةِ، وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: الدُّعَاءُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (وَيُكْثِرُ فِيهَا الِاسْتِغْفَارَ) لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِنُزُولِ الْغَيْثِ، رَوَى سَعِيدٌ: أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي فَلَمْ يَزِدْ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَاكَ اسْتَسْقَيْتَ، فَقَالَ: لَقَدْ طَلَبْتُ الْغَيْثَ بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِ الْمَطَرُ، ثُمَّ قَرَأَ {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] . {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 11] وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ (وَقِرَاءَةُ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 3] (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) فِي الدُّعَاءِ؛ وَهُوَ سُنَّةٌ لِقَوْلِ أَنَسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَكَانَ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبِطِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ جَمَاعَةٌ: وَظُهُورُهُمَا نَحْوَ السَّمَاءِ، لِحَدِيثٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (فَيَدْعُو بِدُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ إِذَا اسْتَسْقَى قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ» ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، مَرِيئًا مَرِيعًا، طَبَقًا غَدَقًا عَاجِلًا غَيْرَ رَائِثٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. قَوْلُهُ: " غَيْرَ رَائِثٍ " أَيْ: غَيْرَ بَطِيءٍ وَلَا مُتَأَخِّرٍ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الدُّعَاءَ مُخْتَصٌّ بِهِ، وَأَنَّ النَّاسَ يُؤْمِنُونَ.
عَامًّا طَبَقًا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ ولَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ وَلَا غَرَقٍ، اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْبِلَادِ وَالْعِبَادِ مِنَ اللَّأْوَاءِ وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لَا نَشْكُوهُ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ. وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجُوعَ وَالْجَهْدَ وَالْعُرْيَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا. وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي أَثْنَاءِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ الْخِرَقِيُّ: بَلْ يَدْعُونَ (اللَّهُمَّ) أَيْ: يَا اللَّهُ (اسْقِنَا) بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَقَطْعِهَا (غَيْثًا) هُوَ مَصْدَرٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَطَرُ، وَيُسَمَّى الْكَلَأُ غَيْثًا (مُغِيثًا) هُوَ الْمُنْقِذُ مِنَ الشِّدَّةِ يُقَالُ: غَاثَهُ وَأَغَاثَهُ، وَغِيثَتِ الْأَرْضُ فَهِيَ مَغِيثَةٌ وَمَغْيُوثَةٌ (هَنِيئًا) هُوَ مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ؛ وَهُوَ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ (مَرِيئًا) السَّهْلُ النَّافِعُ؛ وَهُوَ مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ: الْمَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ (غَدَقًا) بِفَتْحِ الدَّالِّ وَكَسْرِهَا، وَالْمُغْدِقُ الْكَثِيرُ الْمَاءِ وَالْخَيْرِ (مُجَلِّلًا) السَّحَابُ الَّذِي يَعُمُّ الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ نَفْعُهُ (سَحًّا) الصَّبُّ، يُقَالُ: سَحَّ الْمَاءُ يَسِحُّ إِذَا سَالَ مِنْ فَوْقٍ إِلَى أَسْفَلَ، وَسَاحَ يَسِيحُ: إِذَا جَرَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (عَامًّا) شَامِلًا (طَبَقًا) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْبَاءِ: الَّذِي طَبَّقَ الْبِلَادَ مَطَرُهُ (دَائِمًا) أَيْ: مُتَّصِلًا إِلَى أَنْ يَحْصُلَ الْخِصْبُ (اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ) الْقَانِطُ: الْيَائِسُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: 53] أَيْ: لَا تَيْئَسُوا (اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ وَلَا سُقْيَا عَذَابٍ وَلَا بَلَاءٍ وَلَا هَدْمٍ وَلَا غَرَقٍ، اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْبِلَادِ وَالْعِبَادِ مِنَ اللَّأْوَاءِ) أَيِ: الشِّدَّةِ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: شِدَّةُ الْمَجَاعَةِ (وَالْجَهْدِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ: الْمَشَقَّةُ، وَبِضَمِّهَا: الطَّاقَةُ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَقَالَ ابْنُ مَنْجَا: هُمَا الْمَشَقَّةُ، وَرَدَّ بِمَا سَبَقَ (وَالضَّنْكِ) الضِّيقِ (مَا لَا نَشْكُوهُ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ) . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الضَّرْعُ لِكُلِّ ذَاتِ ظِلْفٍ أَوْ خُفٍّ (وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجُوعَ وَالْجَهْدَ وَالْعُرْيَ، وَاكْشِفْ عنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا) الْمِدْرَارُ: الدَّائِمُ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ، هَذَا الدُّعَاءُ بِكَمَالِهِ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ غَيْرَ أَنَّ
الْخُطْبَةِ، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ، فَيَجْعَلُ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلَهُ: «اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ وَلَا سُقْيَا عَذَابٍ وَلَا بَلَاءٍ وَلَا هَدْمٍ وَلَا غَرَقٍ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ؛ وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ إِذَا اسْتَسْقَى قَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيِّتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. (وَ) يُسَنُّ لِلْإِمَامِ أَنْ (يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ) «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَسْتَقْبِلُ بَعْدَ الْخُطْبَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ ". قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ اسْتِقْبَالِهَا لِلدُّعَاءِ، وَيَلْحَقُ بِهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ وَالْقِرَاءَةُ وَسَائِرُ الطَّاعَاتِ إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ كالخطبة (وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ) بَعْدَ اسْتِقْبَالِها لما في حديث عبد الله أنه حول رداءه حين استقبل القبلة. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (فَيَجْعَلُ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ خَطَبَ، وَدَعَا اللَّهَ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ، ثُمَّ قَلَبَ رِدَاءَهُ، فَجَعَلَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ» وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِهَذَا ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ اسْتَسْقَى، وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ
وَيَفْعَلُ النَّاسُ كَذَلِكَ، وَيَتْرُكُونَهُ حَتَّى يَنْزِعُوهُ مَعَ ثِيَابِهِمْ، وَيَدْعُو سِرًّا حَالَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ، وَوَعَدْتَنَا إِجَابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتَنَا، فَإِنْ سُقُوا وَإِلَّا عَادُوا ثَانِيًا وَثَالِثًا. ـــــــــــــــــــــــــــــQسَوْدَاءُ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ أَسْفَلَهَا أَعْلَاهَا فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ، فَقَلَبَهَا الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا، فَهِيَ ظَنٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَقَدْ نَقَلَ التَّحْوِيلَ جَمَاعَةٌ، لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ جَعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وَيَبْعُدُ أَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ تَرَكَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ لِثِقَلِ الرِّدَاءِ (وَيَفْعَلُ النَّاسُ كَذَلِكَ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ، كَيْفَ وَقَدْ عُقِلَ الْمَعْنَى؛ وَهُوَ التَّفَاؤُلُ بِقَلْبِ الرِّدَاءِ لِيُقْلَبَ مَا بِهِمْ مِنَ الْجَدْبِ إِلَى الْخِصْبِ، مَعَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ حَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (وَيَتْرُكُونَهُ حَتَّى يَنْزِعُوهُ مَعَ ثِيَابِهِمْ) لِعَدَمِ نَقْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي "، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّ لَا تَحْوِيلَ فِي كُسُوفٍ، وَلَا حَالَةَ الْأَمْطَارِ وَالزَّلْزَلَةِ، وصَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ (وَيَدْعُو سِرًّا حَالَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِخْلَاصِ، وَأَبْلَغُ فِي الْخُشُوعِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] وَيُسَنُّ الْجَهْرُ بِبَعْضِهِ حَتَّى يَحْصُلَ التَّأْمِينُ (فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ، وَوَعَدْتَنَا إِجَابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتَنَا) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِنْجَازًا لِمَا وَعَدَ مِنْ فَضْلِهِ حَيْثُ قَالَ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] فَإِنْ دَعَا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ اسْتَقْبَلَهُمْ بِوَجْهِهِ ثُمَّ حَثَّهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْبِرِّ والخير، ويصلي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِلْمُؤْمِنَاتِ، وَيَقْرَأُ آيَةً، وَيَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ فَرَغَ مِنْهَا، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ (فَإِنْ سُقُوا) فَذَلِكَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ (وَإِلَّا عَادُوا ثَانِيًا وَثَالِثًا) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّضَرُّعِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي
وَإِنْ سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ، شَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى وَسَأَلُوهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ. وَيُنَادَى ـــــــــــــــــــــــــــــQالدُّعَاءِ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ، فَاسْتُحِبَّ كَالْأَوَّلِ. وَقَالَ أَصْبَغُ: اسْتُسْقِيَ لِلنِّيلِ بِمِصْرَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ مَرَّةً مُتَوَالِيَةً، وَحَضَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَجَمْعٌ. (وَإِنْ) تَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ وَ (سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ شَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَسَأَلُوهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ) لِأَنَّهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ زَادَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ، لِأَنَّهَا تُرَادُ لِنُزُولِ الْغَيْثِ، وَقَدْ وُجِدَ. وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْجَدُّ فِي " فُرُوعِهِ " وَجَمْعٌ: إِنَّهُ يُسْتَحَبُّ خُرُوجُهُمْ بَعْدَ التَّأَهُّبِ، وَيُصَلُّونَ شُكْرًا لِلَّهِ، وَيَسْأَلُونَ الْمَزِيدَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ شُرِعَتْ لِإِزَالَةِ الْعَارِضِ مِنَ الْجَدْبِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ النُّزُولِ، وَقِيلَ: يَخْرُجُونَ، وَلَا يُصَلُّونَ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَذَكَرَ ابْنُ مَنْجَا أَنَّ التَّشَاغُلَ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ بِالدُّعَاءِ مُسْتَحَبٌّ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «يُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ عِنْدَ ثَلَاثٍ: الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَنُزُولِ الْغَيْثِ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ. فَلَوْ سُقُوا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ صَلَّوْا، وَجْهًا وَاحِدًا، فَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا، وَفِي الْخُطْبَةِ رِوَايَتَانِ.
لَهَا: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا إِذْنُ الْإِمَامُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ، وَيُخْرِجَ رَحْلَهُ وَثِيَابَهُ لِيُصِيبَهَا. وَإِنْ زَادَتِ الْمِيَاهُ، فَخِيفَ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَسْأَلَةٌ: ذَكَرَ الْقَاضِي وَجَمْعٌ أَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: مَا وَصَفْنَا؛ وَهُوَ أَكْمَلُهَا، الثَّانِي: اسْتِسْقَاءُ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي خُطْبَتِهَا كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَالثَّالِثُ: يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى عَقِيبَ صَلَوَاتِهِمْ، وَفِي خَلَوَاتِهِمْ. (وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةَ جَامِعَةً) كَالْكُسُوفِ (وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا إِذْنُ الْإِمَامِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ "؛ وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ أَشْبَهَتِ النَّوَافِلَ، فَعَلَيْهَا يَفْعَلُهَا الْمُسَافِرُ، وَأَهْلُ الْقُرَى، وَيَخْطُبُ بِهِمْ أَحَدُهُمْ، وَالثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ، لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ بِأَصْحَابِهِ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَالْعِيدِ، فَعَلَيْهَا إِنْ خَرَجُوا بِغَيْرِ إِذْنِهِ دَعُوا وَانْصَرَفُوا بِلَا صَلَاةٍ، وَفِي ثَالِثَةٍ: يُعْتَبَرُ إِذْنُهُ لِلصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ دُونَ الْخُرُوجِ لَهَا وَالدُّعَاءِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ خَرَجُوا بِغَيْرِ إِذْنٍ صَلَّوْا وَدَعَوْا مِنْ غَيْرِ خُطْبَةٍ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ وَيُخْرِجَ رَحْلَهُ) هُوَ مَسْكَنُ الرَّجُلِ، وَمَا يَسْتَصْحِبُهُ مِنَ الْأَثَاثِ (وَثِيَابَهُ لِيُصِيبَهَا) لِقَوْلِ أَنَسٍ: «أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ مَطَرٌ، فَحَسَرَ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، فَقُلْنَا: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؛ قَالَ: لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَنْزِعُ ثِيَابَهُ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ إِلَّا الْإِزَارَ يَتَّزِرُ بِهِ» ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ اسْتِحْبَابَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مِنْهُ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ، وَاقْتَصَرَ فِي " الشَّرْحِ " عَلَى الْوُضُوءِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَانَ يَقُولُ إِذَا سَالَ الْوَادِي: اخْرُجُوا بِنَا إِلَى الَّذِي جَعَلَهُ الله طُهْرًا فَنَتَطَهَّرُ بِهِ» . قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَيَقْرَأُ عِنْدَ فَرَاغِهِ {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا} [يونس: 89] تَفَاؤُلًا بِالْإِجَابَةِ. فَائِدَةٌ: إِذَا سَمِعَ الرعد ورأى الْبَرْقَ سَبَّحَ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
مِنْهَا، اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الظَّرَابِ وَالْآكَامِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ. وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، واعف عنا ـــــــــــــــــــــــــــــQالزُّبَيْرِ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ: سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ، وَلَا يَتْبَعُ الْبَصَرُ الْبَرْقَ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. (وَإِنْ زَادَتِ الْمِيَاهُ فَخِيفَ مِنْهَا اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا) إِلَى آخِرِهِ، وَاقْتَصَرَ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَ " الْفُرُوعِ " عَلَى ذَلِكَ لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ مَا عَدَا الْآيَةَ؛ وَهِيَ اللَّائِقَةُ بِالْحَالِ، فَاسْتُحِبَّ قَوْلُهَا كَسَائِرِ الْأَقْوَالِ اللَّائِقَةِ بِمَحَالِّهَا. وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ ماء العُيُونَ إِذَا زَادَتْ كَذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يُصَلِّي بَلْ يَدْعُو، لِأَنَّهُ أَحَدُ الضَّرَرَيْنِ، فَاسْتُحِبَّ الدُّعَاءُ لِانْقِطَاعِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَا يُشْرَعُ لَهُ الِاجْتِمَاعُ فِي الصَّحْرَاءِ. وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْآمِدِيَّ قَالَ: يُصَلَّى لِكَثْرَةِ الْمَطَرِ. قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا أَيْ: أَنْزِلْهُ حَوَالَيِ الْمَدِينَةِ مَوَاضِعَ النَّبَاتِ، وَلَا عَلَيْنَا فِي الْمَدِينَةِ، وَلَا فِي غَيْرِهَا مِنَ الْمَبَانِي (اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ) جَمْعُ ظَرِبٍ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ: وَاحِدُ الظُّرَابِ؛ وَهِيَ الرَّوَابِي الصِّغَارُ (وَالْآكَامُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ يَلِيهَا مَدَّةٌ عَلَى وَزْنِ آصَالٍ، وَتُكْسَرُ الْهَمْزَةُ بِغَيْرِ مَدٍّ عَلَى وَزْنِ جِبَالٍ، فَالْأَوَّلُ جَمْعُ أُكُمٍ كَكُتُبٍ، وَأُكُمٌ جَمْعُ إِكَامٍ كَجِبَالٍ، وآكام جمع أكم كجبل، وَأُكُمٌ وَاحِدُهُ أَكَمَةٌ، فَهُوَ مُفْرَدٌ جُمِعَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. قَالَ عِيَاضٌ: هُوَ مَا غَلُظَ مِنَ الْأَرْضِ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَكُونَ جَبَلًا، وَكَانَ أَكْثَرَ ارْتِفَاعًا مِمَّا حَوْلَهُ كَالتِّلُولِ وَنَحْوِهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: هِيَ الْجِبَالُ الصِّغَارُ. قَالَ الْخَلِيلُ: هِيَ حَجَرٌ وَاحِدٌ (وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ) هِيَ الْأَمْكِنَةُ الْمُنْخَفِضَةُ (وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) أَيْ أُصُولِهَا؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لَهَا {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] أَيْ: لَا تُكَلِّفُنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُ، وَقِيلَ: هُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ وَالْوَسْوَسَةِ، وَعَنْ مَكْحُولٍ: هُوَ الْغُلْمَةُ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ: هِيَ الْحُبُّ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ: هُوَ الْعِشْقُ، وَقِيلَ: هُوَ شَمَاتَةُ
وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَعْدَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ الْفُرْقَةُ وَالْقَطِيعَةُ، نُعَوُذُ بِاللَّهِ مِنْهَا (واعف عنا) أَيْ: تَجَاوَزْ وَامْحُ عَنَّا ذُنُوبَنَا (وَاغْفِرْ لَنَا) أَيِ: اسْتُرْ عَلَيْنَا ذُنُوبَنَا، وَلَا تَفْضَحْنَا (وَارْحَمْنَا) فَإِنَّا لَا نَنَالُ الْعَمَلَ بِطَاعَتِكَ، وَلَا تَرْكَ مَعَاصِيكَ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ (أَنْتَ مَوْلَانَا) نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا {فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286] . يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، وَيَحْرُمُ بِنَوْءِ كَذَا، لِخَبَرِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ؛ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَإِضَافَةُ الْمَطَرِ إِلَى النَّوْءِ دُونَ اللَّهِ كُفْرٌ إِجْمَاعًا، وَلَا يُكْرَهُ فِي نَوْءِ كَذَا، خِلَافًا لِلْآمِدِيِّ إِلَّا أَنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
[كتاب الجنائز]
كِتَابُ الْجَنَائِزِ فصل تُسْتَحَبُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ. وَتَذْكِيرُهُ التَّوْبَةَ وَالْوَصِيَّةَ. فَإِذَا نَزَلَ بِهِ، تَعَاهَدَ بَلَّ حَلْقِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [كِتَابُ الْجَنَائِزِ] [عِيَادَةُ الْمَرِيضِ] ِ الْجَنَائِزُ: بِفَتْحِ الْجِيمِ لا غير جَمْعُ جِنَازَةٍ بِالْكَسْرِ، وَالْفَتْحُ لُغَةٌ، وَيُقَالُ: بِالْفَتْحِ لِلْمَيِّتِ، وَبِالْكَسْرِ لِلنَّعْشِ عَلَيْهِ مَيِّتٌ، وَيُقَالُ عَكْسُهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَيِّتٌ فَلَا يُقَالُ: نَعْشٌ وَلَا جِنَازَةٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ سَرِيرٌ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ جَنَزَ إِذَا سَتَرَ، وَالْمُضَارِعُ بِكَسْرِ النُّونِ، وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُذْكَرَ بَيْنَ الْوَصَايَا وَالْفَرَائِضِ، لَكِنْ ذُكِرَ هُنَا؛ لِأَنَّ أَهَمَّ مَا يُفْعَلُ بِالْمَيِّتِ الصَّلَاةُ، فَذُكِرَ فِي الْعِبَادَاتِ. 1 - فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ، وَالِاسْتِعْدَادِ. لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَيُكْرَهُ الْأَنِينُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَا تَمَنِّي الْمَوْتِ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدَائِدِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، وَمُرَادُ الْأَصْحَابِ غَيْرُ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحِ «مَنْ تَمَنَّى الشَّهَادَةَ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ» ، وَلَا يُكْرَهُ لِضَرَرِ بَدَنِهِ، وَقِيلَ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQيُسْتَحَبُّ، وَفِي كَرَاهَةِ مَوْتِ الْفَجْأَةِ رِوَايَتَانِ، وَفِيهِ خَبَرَانِ مُتَعَارِضَانِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَعَلَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، وَكَذَا هُمَا فِي حُقْنَةٍ لِحَاجَةٍ، وَقَطْعِ الْعُرُوقِ وَفَصْدِهَا. مَسْأَلَةٌ: التَّدَاوِي مُبَاحٌ، وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ فِعْلَهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ، زَادَ بَعْضُهُمْ: إِنْ ظُنَّ نَفْعُهُ، وَيَحْرُمُ بِمُحَرَّمٍ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ مِنْ صَوْتِ مَلْهَاةٍ وَغَيْرِهِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ فِي أَلْبَانِ الْأُتُنِ وَاحْتُجَّ بِتَحْرِيمِهَا، وَفِي التِّرْيَاقِ وَالْخَمْرِ، وَنَقَلَهُ الْمَرْوَذِيُّ فِي مُدَاوَاةِ الدُّبُرِ بِالْخَمْرِ، وَيَجُوزُ بِبَوْلِ إِبِلٍ فَقَطْ، وَنَقَلَ الْفَضْلُ فِي حَشِيشَةٍ تُسْكِرُ تُسْحَقُ، وَتُطْرَحُ مَعَ دَوَاءٍ: لَا بَأْسَ، أَمَّا مَعَ الْمَاءِ فَلَا، وَشَدَّدَ فِيهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الدَّوَاءَ الْمَسْمُومَ إِنْ غَلَبَ مِنْهُ السَّلَامَةُ، وَرُجِيَ نَفْعُهُ أُبِيحَ شُرْبُهُ لِدَفْعِ مَا هُوَ أَخْطَرُ مِنْهُ، كَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا لِلتَّلَفِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَطِبَّ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَأَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ دَوَاءً لَمْ يُبَيِّنْ مُفْرَدَاتِهِ الْمُبَاحَةَ، وَصَرَّحَ فِي الْمَذْهَبِ بِجَوَازِهِ. (تُسْتَحَبُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ) وَالسُّؤَالُ عَنْ حَالِهِ لِأَخْبَارٍ، وَقِيلَ: بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَنَسٍ، وَأَوْجَبَ الشِّيرَازِيُّ وَجَمَاعَةٌ عيادته لظاهر الْأَمْرَ بِهِ، وَالْمُرَادُ مَرَّةٌ، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ،. وَفِي " الرِّعَايَةِ " فَرْضُ كِفَايَةٍ كَوَجْهٍ فِي ابْتِدَاءِ السَّلَامِ، وَيَغُبُّ بِهَا، وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ جَمَاعَةٍ خِلَافُهُ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ اخْتِلَافُهُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، وَالْعَمَلِ بِالْقَرَائِنِ بُكْرَةً
[ما يسن فعله إذا نزل به الموت]
بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَنَدَّى شَفَتَيْهِ بِقُطْنَةٍ، وَلَقَّنَهُ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَرَّةً، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَشِيًّا، وَيُكْرَهُ وَسَطَ النَّهَارِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي رَمَضَانَ لَيْلًا، لَا مُبْتَدَعَ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَيَأْخُذُ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ: لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَيُخْبِرُ بِمَا يَجِدُ بِلَا شَكْوَى، وَكَانَ أَحْمَدُ يَحْمَدُ اللَّهَ أَوَّلًا لِخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ، إِذَا كَانَ الشُّكْرُ قَبْلَ الشَّكْوَى فَلَيْسَ بِشَاكٍّ، وَيُنَفَّسُ لَهُ فِي أَجَلِهِ لِخَبَرٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَيَدْعُو لَهُ، وَيُسْتَحَبُّ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ عبد مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ يَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسَالُ اللَّهَ العظيم رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّا عُوفِيَ» لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُكْرَهُ أَنْ يَعُوَدَ امْرَأَةً غَيْرَ مُحْرِمَةٍ، أَوْ تَعُودُهُ، وَتَعُودُ امْرَأَةٌ امْرَأَةً مِنْ أَقَارِبِهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً فَهَلْ يُكْرَهُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَ غَيْرُهُ عِيَادَتَهَا (وَتَذْكِيرُهُ) إِذَا خِيفَ مَوْتُهُ، قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ " (التَّوْبَةَ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ وَهُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» يَعْنِي: مَا لَمْ تَبْلُغْ رُوحُهُ إِلَى حَلْقِهِ (وَالْوَصِيَّةَ) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي بِهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. [مَا يُسَنُّ فِعْلُهُ إِذَا نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ] (فَإِذَا نَزَلَ بِهِ) أَيْ: نَزَلَ الْمَلَكُ بِهِ لَقَبْضِ رُوحِهِ (تَعَاهَدَ) أَرْفَقُ أَهْلِهِ وَأَتْقَاهُمْ لِرَبِّهِ (بَلَّ حَلْقَهُ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَنَدَّى شَفَتَيْهِ
ثَلَاثٍ إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهُ، فَيُعِيدَ تَلْقِينَهُ بِلُطْفٍ وَمُدَارَاةٍ، وَيَقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَةَ يس، وَتَوْجِيهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ. فَإِذَا مَاتَ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، وَشَدَّ لِحْيَيْهِ، وَلَيَّنَ مَفَاصِلَهُ، وَخَلَعَ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِقُطْنَةٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُطْفِئُ مَا نَزَلَ بِهِ مِنَ الشِّدَّةِ، وَيُسَهِّلُ عَلَيْهِ النُّطْقَ بِالشَّهَادَةِ (وَلَقِّنْهُ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْمُحْتَضِرِ مَيِّتًا بِاعْتِبَارِ مَا هُوَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، وَعَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ بِهَا إِقْرَارٌ بِالْأُخْرَى، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَفِي " الْفُرُوعِ " احْتِمَالٌ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُلَقَّنُ الشَّهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ تَبَعٌ، فَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي الْخَبَرِ عَلَى الْأُولَى. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَيُكْرَهُ مِنَ الْوَرَثَةِ بِلَا عُذْرٍ (مَرَّةً) نَقَلَهُ مُهَنَّا وَأَبُو طَالِبٍ (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ) لِئَلَّا يُضْجِرَهُ، وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَجَعَلَ رَجُلٌ يُلَقِّنُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَأَكْثَرَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِذَا قُلْتَ مَرَّةً فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مَا لَمْ أَتَكَلَّمْ (إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهُ فَيُعِيدَ تَلْقِينَهُ بِلُطْفٍ وَمُدَارَاةٍ) ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّ اللُّطْفَ مَطْلُوبٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، فَهُنَا أَوْلَى (وَيَقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَةَ يس) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ لِينٌ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، وَلِأَنَّهُ يُسَهِّلُ خُرُوجَ الرُّوحِ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَقْرَأُ عِنْدَهُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وَقِيلَ: وَتَبَارَكَ. (وَ) يُسْتَحَبُّ (تَوْجِيهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ «قِبْلَتُكُمْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQأَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِقَوْلِ حُذَيْفَةَ: وَجِّهُونِي. وَعَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، إِنْ كَانَ الْمَكَانُ وَاسِعًا، وَعَنْهُ: مُسْتَلْقِيًا، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَعَنْهُ: سَوَاءٌ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَلِيلًا لِيَصِيرَ وَجْهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ. ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ تَطْهِيرُ ثِيَابِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "؛ «لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فلبسها ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَقُولُ: الْمَيِّتُ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِثِيَابِهِ عَمَلُهُ (فَإِذَا مَاتَ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ) «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ أَغْمَضَ أَبَا سَلَمَةَ، وَقَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ شَدَّادٍ مَرْفُوعًا «إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَغْمِضُوا الْبَصَرَ، فَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ، وَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّهُ يُؤَمَّنُ عَلَى مَا قَالَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِئَلَّا يُقَبَّحَ مَنْظَرُهُ، وَيُسَاءُ بِهِ الظَّنُّ، وَيَقُولُ مَنْ يُغْمِضُهُ: بِاسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ نَصَّ عَلَيْهِ. فَرْعٌ: يُغْمِضُ الرَّجُلُ ذَاتَ مَحْرَمٍ وَتُغْمِضُهُ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَنْ تُغْمِضَهُ حَائِضٌ أَوْ جُنُبٌ أَوْ يَقْرَبَاهُ، وَتُغْمِضُ الْأُنْثَى مِثْلُهَا أَوْ صَبِيٌّ، وَفِي الْخُنْثَى وَجْهَانِ. (وَشَدَّ لِحْيَيْهِ) لِئَلَّا يَدْخُلَهُ الْهَوَامُّ أَوِ الْمَاءُ فِي وَقْتِ غُسْلِهِ (وَلَيَّنَ مَفَاصِلَهُ)
ثِيَابَهُ، وَسَجَاهُ بِثَوْبٍ يَسْتُرُهُ، وَجَعَلَ عَلَى بَطْنِهِ مِرْآةً أَوْ نَحْوَهَا، وَوَضَعَهُ عَلَى سَرِيرِ غُسْلِهِ، مُتَوَجِّهًا مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْهِ، وَيُسَارِعُ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ، وَتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلِتَبْقَى أَعْضَاؤُهُ سَهْلَةً عَلَى الْغَاسِلِ لَيِّنَةً، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَرُدُّ ذِرَاعَيْهِ إِلَى عَضُدَيْهِ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى جَنْبَيْهِ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا وَيَرُدُّ سَاقَيْهِ إِلَى فَخْذَيْهِ، وَهُمَا إِلَى بَطْنِهِ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَقِبَ مَوْتِهِ قَبْلَ قَسْوَتِهَا، فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ تَرَكَهُ (وَخَلَعَ ثِيَابَهُ) لِئَلَّا يَحْمَى جَسَدُهُ فَيُسْرِعَ إِلَيْهِ الْفَسَادُ وَيَتَغَيَّرَ، وَرُبَّمَا خَرَجَتْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ فَلَوَّثَتْهَا (وَسَجَّاهُ) أَيْ: غَطَّاهُ (بِثَوْبٍ يَسْتُرُهُ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ أَعْظَمُ فِي كَرَامَتِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْطِفَ فَاضِلَ الثَّوَابِ عِنْدَ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ لِئَلَّا يَرْتَفِعَ بِالرِّيحِ (وَجَعَلَ عَلَى بَطْنِهِ مِرْآةً) بِكَسْرِ الْمِيمِ، الَّتِي يَنْظُرُ فِيهَا (أَوْ نَحْوَهَا) مِنْ حَدِيدٍ أَوْ طِينٍ لِقَوْلِ أَنَسٍ: ضَعُوا عَلَى بَطْنِهِ شَيْئًا مِنْ حَدِيدٍ. وَلِئَلَّا يَنْتَفِخَ بَطْنُهُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا وَهُوَ عَلَى ظَهْرِهِ (وَوَضَعَهُ عَلَى سَرِيرِ غُسْلِهِ) لِأَنَّهُ يَبْعُدُ عَنِ الْهَوَامِّ، وَيَرْتَفِعُ عَنْ نَدَاوَةِ الْأَرْضِ (مُتَوَجِّهًا) إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، وَقِيلَ: عَلَى ظَهْرِهِ (مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْهِ) أَيْ: يَكُونُ رَأْسُهُ أَعْلَى مِنْ رِجْلَيْهِ، لِيَنْصَبَّ عَنْهُ مَاءُ الْغُسْلِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ. (وَ) يَجِبُ أَنْ (يُسَارِعَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ) لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ دَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " قَبْلَ غُسْلِهِ.
وَتَجْهِيزُهُ إِذَا تَيَقَّنَ مَوْتَهُ بِانْفِصَالِ كَفَّيْهِ، وَمَيْلِ أَنْفِهِ، وَانْخِسَافِ صُدْغَيْهِ، وَاسْتِرْخَاءِ رِجْلَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ السَّامِرِيُّ: قَبْلَ دَفْنِهِ بِوَفَائِهِ أَوْ بِرَهْنٍ أَوْ ضَمِينٍ عَنْهُ إِنْ تَعَذَّرَ وَفَاؤُهُ عَاجِلًا، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِبْرَاءِ الذِّمَّةِ. (وَ) يُسَنُّ (تَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْجِيلِ الْأَجْرِ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ تَقْدِيمَ الدَّيْنِ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ» وَذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ إِلَى عكسه لظاهر النَّصِّ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمَّا أَشْبَهَتِ الْمِيرَاثَ فِي كَوْنِهَا بِلَا عَرَضٍ، فَكَانَ فِي إِخْرَاجِهَا مَشَقَّةٌ عَلَى الْوَارِثِ، فَقُدِّمَتْ حَثًّا عَلَى إِخْرَاجِهَا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلِذَلِكَ جِيءَ بِكَلِمَةِ (أَوِ) الَّتِي لِلتَّسْوِيَةِ أَيْ: فَيَسْتَوِيَانِ فِي الِاهْتِمَامِ وَعَدَمِ التَّضْيِيعِ، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَيْهَا (وَتَجْهِيزُهُ) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ أَهْلِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ أَصْوَنُ لَهُ، وَأَحْفَظُ مِنَ التَّغْيِيرِ، لَكِنْ لَا بَأْسَ أَنْ يَنْتَظِرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنْ وَلِيِّهِ وَغَيْرِهِ إِنْ كَانَ قَرِيبًا، وَلَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ أَوْ يُشَقَّ عَلَى الْحَاضِرِينَ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ مَاتَ فَجْأَةً أَوْ شُكَّ فِي مَوْتِهِ انْتَظَرَ بِهِ حَتَّى يعلم مَوْتِهِ. قَالَ أَحْمَدُ: مِنْ غُدْوَةٍ إِلَى اللَّيْلِ. وَقَالَ الْقَاضِي: تُرِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً مَا لَمْ يَخَفْ فَسَادَهُ (إِذَا تَيَقَّنَ مَوْتَهُ بِانْفِصَالِ كَفَّيْهِ، وَمَيْلِ أنفه، وَانْخِسَافِ صُدْغَيْهِ، وَاسْتِرْخَاءِ رِجْلَيْهِ) لِأَنَّ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ دَالَّةٌ عَلَى الْمَوْتِ يَقِينًا، زَادَ فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَامْتِدَادُ جِلْدَةِ وَجْهِهِ، وَظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْمُسَارَعَةِ فِي تَجْهِيزِهِ، وَكَلَامُ ابْنِ تَمِيمٍ دَالٌّ عَلَى أَنَّه رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: وَلَيَّنَ مَفَاصِلَهُ وَمَا بَعْدَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ مُنَجَّا أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ وَمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ لَا وَلَاءَ بِهِ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمَا إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالتَّجْهِيزُ قَبْلَ تَيَقُّنِ الْمَوْتِ تَفْرِيطٌ.
[فصل في غسل الميت]
فَصْلٌ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ غُسْلُ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَسْأَلَةٌ: لَا يُسْتَحَبُّ النَّعْيُ؛ وَهُوَ النِّدَاءُ بِمَوْتِهِ، بَلْ يُكْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَنَقَلَ صَالِحٌ: لَا يُعْجِبُنِي، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ إِعْلَامُ غَيْرِ صَدِيقٍ أَوْ قَرِيبٍ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: أَوْ جَارٍ، وَعَنْهُ: أَوْ أَهْلِ دَيْنٍ، وَيَتَوَجَّهُ. يُسْتَحَبُّ «لِإِعْلَامِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ أَصْحَابَهُ بِالنَّجَاشِيِّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ كَثْرَةُ الْمُصَلِّينَ، فَيَحْصُلُ لَهُمْ ثَوَابٌ وَنَفْعٌ لِلْمَيِّتِ، وَلَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِهِ، وَالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَلَوْ بَعْدَ تَكْفِينِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ] [حُكْمُ غسل الميت وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ] فَصْلٌ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ (غُسْلُ الْمَيِّتِ) الْمُسْلِمِ (وَتَكْفِينُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ، فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ «اغْسِلُوه بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَضَعَّفَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ طُرُقَهُ كُلَّهَا، وَالسُّتْرَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلِأَنَّ فِي تَرْكِهِ أَذًى لِلنَّاسِ، وَهَتْكًا لِحُرْمَتِهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " أَنَّ حَمْلَهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَصَرَّحَ فِي الْمَذْهَبِ بِالِاسْتِحْبَابِ، وَأَمَّا اتِّبَاعُهُ فَسُنَّةٌ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَابْنُ تَمِيمٍ لِحَدِيثِ
وَصِيُّهُ، ثُمَّ أَبُوهُ، ثُمَّ جَدُّهُ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ، ثُمَّ ذَوُو أَرْحَامِهِ إِلَّا ـــــــــــــــــــــــــــــQالْبَرَاءِ، فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِرَجُلٍ أَوْ خُنْثَى أَوِ امْرَأَةٍ. وَيُسَنُّ لَهَا الْجَمَاعَةُ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيُشْتَرَطُ لِغُسْلِهِ مَاءٌ طَهُورٌ، وَإِسْلَامُ غَاسِلٍ، وَعَقْلُهُ، وَلَوْ جُنُبًا وَحَائِضًا، وَفِي مُمَيِّزٍ رِوَايَتَانِ كَأَذَانِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " يَكْفِي إِنْ عُلِمَ. تَذْنِيبٌ: كَرِهَ أَحْمَدُ لِلْغَاسِلِ وَالْحَفَّارِ أَخْذَ أُجْرَةٍ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا، فَيُعْطَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ أُعْطِيَ بِقَدْرِ عَمَلِهِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَا لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ. لَكِنْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ " أَنَّهُ إِذَا أُعْطِيَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَأَحْسَنُهُ كَلَامُهُ فِي الْخِصَالِ إِذَا اخْتَصَّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ إِذَا فَعَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ عَادَ نَفْعُهُ إِلَى غَيْرِهِ كَالْجِهَادِ، وَالْقَضَاءِ، وَالْإِمَامَةِ، جَازَ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ نَفْعُهُ إِلَى غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَخْتَصَّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ كَالْبِنَاءِ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ فَقَطْ. (وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ وَصِيُّهُ) الْعَدْلُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى أَنْ تُغَسِّلَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ، وَأَوْصَى أَنَسٌ أَنْ يُغَسِّلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ يُقَدَّمُ فِيهِ وَصِيُّهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَقِيلَ: أَوْ فَاسِقٌ، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: بِالصَّلَاةِ فَقَطْ مَعَ وُجُودِ عَصَبَتِهِ الصَّالِحِ لِلْإِمَامَةِ (ثُمَّ أَبَوْهُ) لِاخْتِصَاصِهِ بِالْحُنُوِّ وَالشَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الِابْنِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ، فَكَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ (ثُمَّ جَدُّهُ) وَإِنْ عَلَا، فَلِمُشَارَكَةِ الْأَبِ فِي الْمَعْنَى، وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الِابْنُ عَلَى الْجَدِّ لَا عَلَى الْأَبِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ فِي نِكَاحٍ (ثُمَّ الأقرب فَالْأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ)
الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْأَمِيرَ أَحَقُّ بِهَا بَعْدَ وَصِيِّهِ، وَغُسْلُ الْمَرْأَةِ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ نِسَائِهَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ غُسْلُ صَاحِبِهِ فِي أَصَحِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَيُقَدَّمُ الِابْنُ، ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ، ثُمَّ الْأَخُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ الْأَبُ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ، وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ أَخٌ وَابْنُهُ عَلَى جَدٍّ، وَعَنْهُ: سَوَاءٌ (ثُمَّ ذَوُو أَرْحَامِهِ) كَالْمِيرَاثِ، ثُمَّ الْأَجَانِبُ، وَهُمْ أَوْلَى مِنْ زَوْجِهِ، وَأَجْنَبِيَّةٌ أَوْلَى مَنْ زَوْجٍ وَسَيِّدٍ، وَزَوْجٌ أَوْلَى مِنْ سَيِّدٍ، وَزَوْجَةٌ أَوْلَى مِنْ أُمِّ وَلَدٍ، ثُمَّ صَدِيقُهُ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ تَقْدِيمُ الْجَارِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ (إِلَّا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْأَمِيرَ) وَهُوَ الْإِمَامُ أَوِ الْحَاكِمُ مِنْ قَبْلِهِ (أَحَقُّ بِهَا بَعْدَ وَصِيِّهِ) لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَأْذِنُ أَحَدًا مِنَ الْعَصَبَاتِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَمِيرِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عُمَرُ، قَالَهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ: أَوْصَى عُمَرُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ، وَأَوْصَتْ أَمُّ سَلَمَةَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرَةَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَإِنْ قَدَّمَ الْوَصِيُّ غَيْرَهُ، فَوَجْهَانِ، فَإِنْ وَصَّى إِلَى اثْنَيْنِ قِيلَ: يُصَلِّيَانِ مَعًا، وَقِيلَ: مُنْفَرِدَيْنِ، وَوَصَّيْتُهُ إِلَى فَاسِقٍ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ إِمَامَتِهِ. (وَغُسْلُ الْمَرْأَةِ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ) وَصِيَّتُهَا، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " زَادَ فِي " الْوَجِيزِ ": وَغَيْرُ الْفَاسِقَةِ، وَالْمُؤَلِّفُ تَرَكَ ذِكْرَهَا اسْتِغْنَاءً بِمَا سَبَقَ (الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ نِسَائِهَا) فَتُقَدَّمُ أُمُّهَا وَإِنْ عَلَتْ، ثُمَّ بِنْتُهَا وَإِنْ نَزَلَتْ، ثُمَّ الْقُرْبَى كَالْمِيرَاثِ، وَعَمَّتُهَا وَخَالَتُهَا سَوَاءٌ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقُرْب وَالْمَحْرَمِيَّةُ، وَكَذَا بِنْتُ أَخِيهَا وَبِنْتُ أُخْتِهَا، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بِنْتُ الْأَخِ ثُمَّ أَقْرَبُ نِسَاءِ مَحَارِمِهَا ثُمَّ الْأَجْنَبِيَّاتُ. فَرْعٌ: تُسَنُّ الْبَدَاءَةُ بِمَنْ يَخَافُ عَلَيْهِ، ثُمَّ بِأَقْرَبَ، ثُمَّ بِأَفْضَلَ ثُمَّ بِأَسَنَّ، ثُمَّ بِقُرْعَةٍ (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ غُسْلُ صَاحِبِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِقَوْلِ
الرِّوَايَتَيْنِ. وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ مَعَ سُرِّيَّتِهِ. وَلِلْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ غُسْلُ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالنَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لِعَائِشَةَ: «مَا ضَرُّكِ لَوْ مُتِّ قَبْلِي فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ ثُمَّ صَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ عَلِيًّا غَسَّلَ فَاطِمَةَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَوِ اسْتَقْبَلْنَا مِنْ أَمْرِنَا مَا اسْتَدْبَرْنَا مَا غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا نِسَاؤُهُ. وَقَدْ وَقَعَ وَلَمْ يُنْكِرْ، وَلِأَنَّ آثَارَ النِّكَاحِ مِنْ عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَالْإِرْثِ بَاقِيَةٌ، فَكَذَا الْغُسْلُ، وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ تُبَاحُ بِهَا أُخْتُهَا، وَأَرْبَعٌ سِوَاهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَحْرُمَ النَّظَرُ وَاللَّمْسُ كَالْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ حَصَلَتْ بِالْمَوْتِ، وَمَا زَالَتْ عِصْمَةُ النِّكَاحِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ لِعَدَمِ غَيْرِهِ، فَيَحْرُمُ نَظَرُ عَوْرَةٍ، وَحُكِيَ عَنْهُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا كَالْمَذْهَبِ فِيمَنْ أَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ لَهَا دُونَهُ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْفَرْقُ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ رُخْصَةً فِي النَّظَرِ لِلْأَجْنَبِيِّ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ، إِذْ مَحْذُورُ الشَّهْوَةِ فِيهَا أَخَفُّ، وَقَدْ نَفَاهُ الْمُؤَلِّفُ، وَحَمَلَ كَلَامَهُ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ ظَاهِرُ رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَعَلَى الْأُولَى يَشْمَلُ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَنَّهَا تُغَسِّلُهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي عِدَّةٍ، كَمَا لَوْ وَلَدَتْ عَقِبَ مَوْتِهِ، وَالْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ إِنْ أُبِيحَتْ، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ بِنَاءً عَلَى تَحْرِيمِهَا (وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ مَعَ سُرِّيَّتِهِ) لِأَنَّهَا فِرَاشٌ لَهُ وَمَمْلُوكَةٌ، وَحُكْمُ الْمَلْكِ فِي إِبَاحَةِ اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ حُكْمُ الزَّوْجَةِ فِي الْحَيَاةِ، بَلْ بَقَاءُ الْمَلْكِ أَوْلَى لِبَقَاءِ وُجُوبِ تَكْفِينِهَا، وَمُؤْنَةُ دَفْنِهَا كَالْحَيَاةِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ، وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الْمَلْكَ يَنْتَقِلُ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهِ، وَعَلَى الْأُولَى: لَا يُغَسِّلُ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ وَالْمُعْتَدَّةَ مِنْ زَوْجٍ، فَإِنْ كَانَتْ فِي اسْتِبْرَاءٍ فَوَجْهَانِ، وَلَا الْمُعَتَقَ بَعْضُهَا، وَحُكْمُ أُمِّ الْوَلَدِ كَالْأَمَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، لِأَنَّهَا عُتِقَتْ بِمَوْتِهِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَقَةٌ مِنْ مِيرَاثٍ وَنَحْوِهِ. فَائِدَةٌ: السُّرِّيَّةُ: هِيَ الْأَمَةُ الَّتِي بَوَّأَهَا بَيْتًا مَنْسُوبَةٌ إِلَى السِّرِّ؛ وَهُوَ الْجِمَاعُ، وَضَمُّوا السِّينَ؛ لِأَنَّ الْحَرَكَاتِ قَدْ تُغَيَّرُ فِي الْأَبْنِيَةِ خَاصَّةً، كَمَا قَالُوا فِي النِّسْبَةِ إِلَى الدَّهْرِ دُهْرِيٌّ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ السِّرِّ؛ لِأَنَّهُ يُسِرُّ بِهَا.
[حكم الرجل إذا مات بين نسوة والعكس]
وَفِي ابْنِ السَّبْعِ وَجْهَانِ وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسْوَةٍ، أَوِ امْرَأَةٌ بَيْنَ رِجَالٍ، أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٌ، يُمِّمَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَفِي الْأُخْرَى يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَلِلْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ غُسْلُ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا عَوْرَةَ لَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ غَسَّلَهُ النِّسَاءُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُغَسِّلُ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ، فَتُغَسِّلُهُ مُجَرَّدًا بِغَيْرِ سُتْرَةٍ، وَتَمَسُّ عَوْرَتَهُ، والنْظُرُ إِلَيْهَا، وَعَنْهُ: الْوَقْفُ فِي الرَّجُلِ لِلْجَارِيَةِ، وَقِيلَ: بِمَنْعِهِ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ عَوْرَتَهَا أَفْحَشُ، وَعَنْهُ: يُغَسِّلُ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ دُونَ السَّبْعِ إِلَى ثَلَاثٍ (وَفِي ابْنِ السَّبْعِ وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ؛ لِأَنَّهُ فَاقِدُ أَهْلِيَّةِ فَهْمِ الْخِطَابِ، وَلَيْسَ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ، أَشْبَهَ الطِّفْلَ. لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: يُسْتَرُ إِذَا بَلَغَ السَّبْعَ، وَالثَّانِي: لَا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ سِنًّا يَحْصُلُ فِيهِ التَّمْيِيزُ، أَشْبَهَ مَنْ فَوْقَهَا، وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ، وَقِيلَ: تُحَدُّ الْجَارِيَةُ بِتِسْعٍ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا زَادَ عَلَى السَّبْعِ لَا يُغَسِّلُهُ غَيْرُ نَوْعِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " النِّهَايَةِ " وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ، وَيَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَى عَوْرَتِهِ الْمُغَلَّظَةِ كَالْبَالِغِ، وَعَنْهُ: إِلَى عَشْرٍ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، أَمْكَنَ الْوَطْءَ أَوْ لَا. [حُكْمُ الرَّجُلِ إِذَا مَاتَ بَيْنَ نِسْوَةٍ وَالْعَكْسُ] (وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسْوَةٍ، أَوِ امْرَأَةٌ بَيْنَ رِجَالٍ، أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ يُمِّمَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا هُوَ الْمَنْصُورُ فِي الْمَذْهَبِ لِمَا رَوَى تَمَّامٌ فِي " فَوَائِدِهِ " عَنْ وَاثِلَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَ: «إِذَا مَاتَتِ الْمَرْأَةُ مَعَ الرِّجَالِ لَيْسَ بينها وبَيْنَهُمْ مَحْرَمٌ تتُيَمَّمُ كَمَا يُتيَمَّمُ الرِّجَالُ» وَلِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِالْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ تَنْظِيفٌ، وَلَا إِزَالَةُ نَجَاسَةٍ، بَلْ رُبَّمَا
[لا يغسل المسلم الكافر]
الْقَمِيصِ، وَلَا يُمَسُّ وَلَا يُغَسِّلُ مُسْلِمٌ كَافِرًا وَلَا يَدْفِنُهُ. إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُوَارِيهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَثُرَتْ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً لِئَلَّا يَمَسَّهُ، وَقِيلَ: لَا يَجِبْ إِنْ كَانَ ذَا رَحِمِ مَحْرَمٍ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلرِّجَالِ فِي غُسْلِ الْأَقَارِبِ مِنَ النِّسَاءِ، وَلَا بِالْعَكْسِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ لِتَحْرِيمِهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَبَنَاهُ ابْنُ تَمِيمٍ عَلَى تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى مَا لَا يَظْهَرُ غَالِبًا، وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ بِغُسْلِ ذَاتِ مَحْرَمٍ مِنْ فَوْقِ قَمِيصٍ عِنْدَ الضَّرُورَةِ (وفي الأخرى: يصب عليه الماء من فوق القميص) لأنه أمكن غسله مَعَ سَتْرِ مَا حُرِّمَ النَّظَرُ إِلَيْهِ (وَلَا يَمَسُّ) وَتُغَطَّى وُجُوهُهُمْ، وَقِيلَ: بَلْ يَمَسُّ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ، وَعَنْهُ: هُوَ وَالتَّيَمُّمُ سَوَاءٌ، وَالرِّجَالُ أَوْلَى بِالْخُنْثَى، وَقِيلَ: النِّسَاءُ. [لَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ] (وَلَا يُغَسِّلُ مُسْلِمٌ كَافِرًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [الممتحنة: 13] وَفِي غُسْلِهِ تَوَلٍّ لَهُمْ، وَلِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَالْأَجْنَبِيِّ (وَلَا يَدْفِنُهُ) وَلَا يَحْمِلُهُ، وَلَا يُكَفِّنُهُ، وَلَا يَتَّبِعُ جَنَازَتَهُ لِلنَّهْيِ عَنِ الْمُوَالَاةِ؛ وَهُوَ عَامٌّ، وَلِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ وَتَطْهِيرٌ لَهُ، أَشْبَهَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، وَفَارَقَ غُسْلَهُ فِي حَيَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالزَّوْجَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ: يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَأَبُو حَفْصٍ قَالَ: رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ دُونَ غُسْلِهِ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ. قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَنْهُ: دَفْنُهُ خَاصَّةً كَالْعَدَمِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا أُخْبِرَ بِمَوْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِعَلِيٍّ: اذْهَبْ فَوَارِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. وَإِذَا غُسِّلَ، فَكَثَوْبٍ نَجِسٍ، فَلَا وُضُوءَ وَلَا نِيَّةَ لِلْغُسْلِ، وَيُلْقَى فِي حُفْرَةٍ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ، رَكِبَ وَسَارَ أَمَامَهُ (إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُوَارِيهِ غَيْرَهُ) فَإِنَّهُ يَلْزَمُنَا دَفْنُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ قَتْلَى بَدْرٍ أُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ، وَلِأَنَّهُ يُتَضَرَّرُ بِتَرْكِهِ، وَيَتَغَيَّرُ بِبَقَائِهِ. زَادَ بَعْضُهُمْ: وَكَذَا حَمْلُهُ وَتَغْسِيلُهُ. وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُغَسِّلُ
[صفة غسل الميت]
غَيْرَهُ. وَإِذَا أَخَذَ فِي غُسْلِهِ، سَتَرَ عَوْرَتَهُ، وَجَرَّدَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُغَسِّلُهُ فِي قَمِيصٍ خَفِيفٍ وَاسِعِ الْكُمَّيْنِ. وَيُسْتَرُ الْمَيِّتُ عَنِ الْعُيُونِ، وَلَا يَحْضُرُ إِلَّا مَنْ يُعَيَّنُ ـــــــــــــــــــــــــــــQمُسْلِمًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يَجُوزُ إِنْ لَمْ تَجِبْ نِيَّةُ غُسْلِهِ، وَيُغَسِّلُ حَلَالٌ مُحْرِمًا، وَبِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ وَغُسْلُهُ. (وَإِذَا أَخَذَ فِي غُسْلِهِ سَتَرَ عَوْرَتَهُ) وَهُوَ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ حَذَارًا مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهَا؛ «لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لِعَلِيٍّ: لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» (وَجَرَّدَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ فِي تَغْسِيلِهِ، وَأَبْلَغُ فِي تَطْهِيرِهِ، وَأَشْبَهُ بِغُسْلِ الْحَيِّ، وَأَصُونُ لَهُ مِنَ التَّنْجِيسِ، إِذْ يُحْتَمَلُ خُرُوجُهَا مِنْهُ، وَلِفِعْلِ الصَّحَابَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ أَمَرَهُمْ بِهِ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ (وَقَالَ الْقَاضِي:) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي حِكَايَتِهَا عَنْهُ فَقَطْ، وَاخْتَارَهَا الشَّرِيفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهَا السَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " (يُغَسِّلُهُ فِي قَمِيصٍ خَفِيفٍ وَاسِعِ الْكُمَّيْنِ) «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ غُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ» رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ. قَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُغَسَّلَ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ، يُدْخِلُ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ، وَلِأَنَّهُ أَسْتُرُ لِلْمَيِّتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاسِعَ الْكُمَّيْنِ تَوَجَّهَ أَنْ يَفْتُقَ رُؤوسَ الدَّخَارِيصِ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْهَا، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَغُسْلُهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ فِي قَمِيصٍ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَاحْتِمَالُ الْمَفْسَدَةِ مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ طَيِّبٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، وظاهره أنه لَا يُغَطِّي وَجْهَهُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِيهِ لَا أَصْلَ لَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ يُسَنُّ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَغَيَّرَ لِدَمٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَيُظَنُّ السُّوءُ. [صِفَةُ غُسْلِ الميت] (وَيُسْتَرُ الْمَيِّتُ عَنِ الْعُيُونِ) تَحْتَ سِتْرٍ أَوْ سَقْفٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ بِهِ عَيْبٌ يَسْتُرُهُ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ تَظْهَرُ عَوْرَتُهُ، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ مُظْلِمًا، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَغْسِيلُهُ تَحْتَ السَّمَاءِ لِئَلَّا يَسْتَقْبِلَهَا بِعَوْرَتِهِ،
فِي غُسْلِهِ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بِرِفْقٍ إِلَى قَرِيبٍ مِنَ الْجُلُوسِ، وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ عَصْرًا رَفِيقًا، وَيُكْثِرُ صَبَّ الْمَاءِ حِينَئِذٍ، ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً فَيُنْجِيهِ. وَلَا يَحِلُّ مَسُّ عَوْرَتِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَمَسَّ سَائِرَ بَدَنِهِ إِلَّا بِخِرْقَةٍ، ثُمَّ يَنْوِي غُسْلَهُ وَيُسَمِّي، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلِلْخَبَرِ، وَلَا يَنْظُرُ الْغَاسِلُ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ (وَلَا يَحْضُرُهُ إِلَّا مَنْ يُعَيَّنُ فِي غُسْلِهِ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَدَثَ أَمْرٌ يَكْرَهُ الْحَيُّ أَنْ يُطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى مِثْلِهِ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ فِيهِ شَيْءٌ؛ وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُنْكَرٌ، فَيُتَحَدَّثُ بِهِ، فَيَكُونُ فَضِيحَةً، وَالْحَاجَةُ غَيْرُ دَاعِيَةٍ إِلَى حُضُورِهِ، بِخِلَافِ مَنْ يُعِينُ الْغَاسِلَ بِصَبٍّ وَنَحْوِهِ، وَاسْتَثْنَى الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّ لِوَلِيِّهِ الدُّخُولَ عَلَيْهِ كَيْفَ شَاءَ (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بِرِفْقٍ إِلَى قَرِيبٍ مِنَ الْجُلُوسِ، وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ) لِيَخُرِجَ مَا فِي جَوْفِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ (عَصْرًا رَفِيقًا) لِأَنَّ الْمَيِّتَ فِي مَحَلِّ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَعَنْهُ: يَفْعَلُهُ فِي الثَّانِيَةِ، وَعَنْهُ: بَلْ فِي الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِينُ حَتَّى يُصِيبَهُ الْمَاءُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْحَامِلُ، فَإِنَّهُ لَا يُعْصَرُ بَطْنُهَا لِخَبَرٍ رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُجْلِسُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَذِيَّةً لَهُ، وَيَكُونُ ثَمَّ بُخُورٌ لِئَلَّا يَظْهَرَ مِنْهُ رِيحٌ (وَيُكْثِرُ صَبَّ الْمَاءِ حِينَئِذٍ) لِيُذْهِبَ مَا خَرَجَ، وَلَا يَظْهَرُ رَائِحَتُهُ (ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً فَيُنْجِيهِ) وِفَاقًا؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ، وَطَهَارَةً لِلْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّي النَّجَاسَةِ إِلَى الْغَاسِلِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي مَسْحُهَا، وَلَا وُصُولُ الْمَاءِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُنَجَّى، وَيَكْفِيهِ خِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ، قَالَهُ فِي الْمُجَرَّدِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ لَا بُدَّ لِكُلِّ فَرْجٍ مِنْ خِرْقَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ خِرْقَةٍ خَرَجَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَةِ لَا يُعْتَدُّ بِهَا إِلَّا أَنْ تُغْسَلَ (وَلَا يَحِلُّ مَسُّ عَوْرَته) لِأَنَّ النَّظَرَ إِلَيْهَا حَرَامٌ، فَمَسُّهَا أَوْلَى (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَمَسَّ سَائِرَ بَدَنِهِ إِلَّا بِخِرْقَةٍ) لِفِعْلِ عَلِيٍّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِيُزِيلَ مَا عَلَى بَدَنِهِ مِنَ النَّجَاسَةِ، وَيَأْمَنَ مَسَّ الْعَوْرَةِ الْمُحَرَّمِ مَسُّهَا. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: بَدَنُهُ عَوْرَةٌ إِكْرَامًا لَهُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ سَتْرُ جَمِيعِهِ، فَيَحْرُمُ نظره، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْضُرَهُ إِلَّا مَنْ يُعَيَّنُ فِي أَمْرِهِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ، فَحِينَئِذٍ يُعِدُّ الْغَاسِلُ خِرْقَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا لِلسَّبِيلَيْنِ، وَالْأُخْرَى لِبَقِيَّةِ بَدَنِهِ (ثُمَّ يَنْوِي غُسْلَهُ) وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى
وَيُدْخِلُ إِصْبَعَيْهِ مَبْلُولَتَيْنِ بِالْمَاءِ بَيْنَ شَفَتَيْهِ، فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ، وَفِي مِنْخَرَيْهِ فَيُنَظِّفُهُمَا، وَيُوَضِّئُهُ. وَلَا يُدْخِلُ الْمَاءَ فِي فِيهِ وَلَا أَنْفِهِ، وَيَضْرِبُ السِّدْرَ، فَيَغْسِلُ بِرَغْوَتِهِ رَأْسَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْغَاسِلِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تَعَبُّدِيَّةٌ، أَشْبَهَتْ غُسْلَ الْجَنَابَةِ. وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ عَقِيلٍ فِي " التَّذْكِرَةِ ": لَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّنْظِيفُ، أَشْبَهَ غُسْلَ النَّجَاسَةِ، وَالْأُولَى أَوْلَى، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ غَسْلُ مُتَنَظِّفٍ، وَلَجَازَ غُسْلُهُ بِمَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْفِعْلُ، وَهُوَ وَجْهٌ، فَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ تَحْتَ مِيزَابٍ، فَنَوَى غُسْلَهُ إِنْسَانٌ، وَمَضَى زَمَنٌ بَعْدَ النِّيَّةِ أَجْزَأَ، وَيَجِبُ فِي آخَرَ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، فَعَلَى هَذَا لَا يُجْزِئُ، فَلَوْ حُمِلَ وَوُضِعَ تَحْتَ مِيزَابٍ بِنِيَّةِ غُسْلِهِ أَجْزَأَ وَجْهًا وَاحِدًا، وَكَذَا حُكْمُ الْغَرِيقِ (وَيُسَمِّي) وَفِيهَا الرِّوَايَاتُ السَّابِقَةُ (ويدخل أُصْبُعَيْهِ) وَهُمَا السَّبَّابَةُ وَالْإِبْهَامُ بَعْدَ غَسْلِ كَفَّيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (مَبْلُولَتَيْنِ بِالْمَاءِ بَيْنَ شَفَتَيْهِ، فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ، وَفِي مِنْخَرَيْهِ فَيُنَظِّفُهُمَا) لِإِزَالَةِ مَا عَلَى تِلْكَ الْأَعْضَاءِ مِنَ الْأَذَى، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِخِرْقَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، صِيَانَةً لِلْيَدِ، وَإِكْرَامًا لِلْمَيِّتِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى فِيهِ وَأَنْفِهِ، وَلَا يُدْخِلُهُ فِيهِمَا (وَيُوَضِّئُهُ) كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَ لِأُمِّ عَطِيَّةَ فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ. قَالَ أَحْمَدُ: يُوَضَّأُ الْمَيِّتُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْغَسْلَةِ الْأُولَى إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَيُعَادُ؛ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِقِيَامِ مُوجِبِهِ؛ وَهُوَ زَوَالُ عَقْلِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ أَنَّهُ وَاجِبٌ (وَلَا يُدْخِلُ الْمَاءَ فِي فِيهِ، وَلَا أنفه) لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ وُصُولُهُ إِلَى جَوْفِهِ، فَيُفْضِي إِلَى الْمُثْلَةِ، وَرُبَّمَا حَصَلَ مِنَه الِانْفِجَارِ، وَبِهَذَا عَلَّلَ أَحْمَدُ (وَيَضْرِبُ السِّدْرَ فَيَغْسِلُ بِرَغْوَتِهِ) هُوَ مُثَلَّثُ الرَّاءِ (رَأْسَهُ، وَلِحْيَتَهُ، وَسَائِرَ بَدَنِهِ) «لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ فِي الْمُحْرِمِ:
وَلِحْيَتَهُ وَسَائِرَ بَدَنِهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ، ثُمَّ الْأَيْسَرَ. ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جَمِيعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» ، «وَقَوْلُهُ لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» وَلِأَنَّ الرَّغْوَةَ تُزِيلُ الدَّرَنَ، وَلَا تَعْلُقُ بِالشَّعْرِ، وَتَزُولُ بِمُجَرَّدِ مُرُورِ الْمَاءِ، وَصَرِيحُهُ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ يَكُونُ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَفِي " الْكَافِي "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ يَكُونُ فِي الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَقَطْ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ يَسِيرًا خِلَافًا لِابْنِ حَامِدٍ. وَقَالَ: إِنَّهُ الَّذِي وُجِدَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا؛ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَلِ بِالْخَبَرِ، وَيَكُونُ الْمَاءُ بَاقِيًا عَلَى إِطْلَاقِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: يُغَسَّلُ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، ثُمَّ يُغَسَّلُ عَقِبَ ذَلِكَ بِالْمَاءِ الْقِرَاحِ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ غَسْلَةً وَاحِدَةً، وَالِاعْتِدَادُ بِالْآخَرِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ شَبَّهَ غُسْلَهُ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّ السِّدْرَ إِنْ كَثُرَ سَلَبَ الطَّهُورِيَّةَ، وَالْيَسِيرُ لَا يُؤَثِّرُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَاءَ تَزُولُ طَهُورِيَّتُهُ بِتَغَيُّرِهِ بِالطَّهَارَاتِ، وَالْمُؤَلِّفُ لَا يَرَاهُ، لَكِنْ إِنْ غَلَبَ عَلَى أَجْزَائِهِ سَلَبَهُ الطَّهُورِيَّةَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَكُونُ فِي كُلِّ الْغَسَلَاتِ (ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ ثُمَّ الْأَيْسَرَ) «لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا» وَلِأَنَّهُ مَسْنُونٌ فِي غُسْلِ الْحَيِّ فَكَذَا الْمَيِّتُ (ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ) لِيَعُمَّهُ بِالْغُسْلِ، وَصِفَتُهُ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ أَوَّلًا، ثُمَّ يَدَهُ الْيُمْنَى مِنْ مَنْكِبِهِ إِلَى كَتِفِهِ، وَصَفْحَةَ عُنُقِهِ الْيُمْنَى، وَشِقَّ صَدْرِهِ وَفَخْذَهُ وَسَاقَهُ، فَيَغْسِلُ الظَّاهِرَ مِنْهُ؛ وَهُوَ مُسْتَلْقٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، وَلَا يَكُبُّهُ لِوَجْهِهِ، فَيَغْسِلُ الظَّهْرَ وَمَا هُنَاكَ مِنْ وِرْكِهِ وَفَخْذِهِ وَسَاقِهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّةَ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ، فَيَفْرُغُ مِنْ غَسْلِهِ مَرَّةً فِي أَرْبَعِ دُفْعَاتٍ، وَظَاهِرُ
بَدَنِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا، يُمِرُّ يَدَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَ بِالثَّلَاثِ، أَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَّلَهُ إِلَى خَمْسٍ، فَإِنْ زَادَ فَإِلَى سَبْعٍ. وَيَجْعَلُ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ كَافُورًا، وَالْمَاءَ الْحَارَّ، وَالْخِلَالَ، وَالْأُشْنَانُ يُسْتَعْمَلُ إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ، وَيَقُصُّ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَلَامِ أَحْمَدَ، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَقَالَهُ الْمَجْدُ: يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي دُفْعَتَيْنِ، فَيُحَرِّفُهُ أَوَّلًا عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ، فَيَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ مِنْ جِهَةِ ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَيَغْسِلُ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ فِي التَّنْظِيفِ، وَكَيْفَمَا فَعَلَ أَجْزَأَهُ (فَيَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا) لِمَا تَقَدَّمَ إِلَّا الْوُضُوءَ، فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَقِيلَ: يُعَادُ، وَحُكِيَ رِوَايَةً. وَالتَّثْلِيثُ مُسْتَحَبٌّ، وَيُجْزِئُ مَرَّةً كَالْجَنَابَةِ، لَكِنْ يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ (يمر يَدَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) عَلَى بَطْنِهِ بِرِفْقٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِخْرَاجًا لِمَا تَخَلَّفَ، وَأَمْنًا مِنْ فَسَادِ الْغُسْلِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ بَعْدُ (فَإِنْ لَمْ يَنْقَ بِالثَّلَاثِ أَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَّلَهُ إِلَى خَمْسٍ، فَإِنْ زَادَ فَإِلَى سَبْعٍ) لِمَا سَبَقَ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ نَجَاسَةٌ بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَنَّهُ لَا يُعَادُ غُسْلُهُ، بَلْ يغُسِلَ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ وَيُوَضَّأُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَيِّ كَذَلِكَ، فَالْمَيِّتُ مِثْلُهُ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا كَرَّرَ الْأَمْرَ بِغَسْلِهَا مِنْ أَجْلِ تَوَقُّعِ النَّجَاسَةِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْخَارِجَ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ: فِي الدَّمِ هُوَ أَسْهَلُ، فَعَلَيْهَا فِي الْإِعَادَةِ احْتِمَالَانِ. فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ خَضْبُ لِحْيَةِ الرَّجُلِ وَرَأْسِ الْمَرْأَةِ بِالْحِنَّاءِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَيَجْعَلُ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ كَافُورًا) «لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ يُصْلِبُ الْجِسْمَ، وَيُبْرِدُهُ، وَيُطَيِّبُهُ، وَيَطْرُدُ عَنْهُ الْهَوَامَّ بِرِيحِهِ، قِيلَ: مَعَ السِّدْرِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ، وَقِيلَ: وَحْدَهُ فِي مَاءٍ قَرَاحٍ، وَقِيلَ: يُجْعَلُ فِي الْكُلِّ (وَالْمَاءُ الْحَارُّ وَالْخِلَالُ) هُوَ الْعُودُ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِهِ (وَالْأُشْنَانُ يُسْتَعْمَلُ إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ) كَشِدَّةِ بَرْدٍ أَوْ إِزَالَةِ وَسَخٍ؛ لِأَنَّ إِزَالَتَهُ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الْخِلَالُ مِنْ شَجَرَةٍ لَيِّنَةٍ تُنَقِّي مِنْ غَيْرِ جَرْحٍ، كَالصَّفْصَافِ وَنَحْوِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ لَا
شَارِبَهُ، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ. وَلَا يُسَرِّحُ شَعْرَهُ وَلَا لِحْيَتَهُ، وَيُضَفَّرُ شَعْرُ الْمَرْأَةِ ثَلَاثَةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَسْتَعْمِلُهُ، وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِالْكَرَاهَةِ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ، بِلَا حَاجَةٍ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَمْ تَرِدْ بِهِ، وَالْمُسَخِّنُ يُرْخِيهِ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِي مَا لَا يُنْقِي الْبَارِدُ. (وَيَقُصُّ شَارِبَهُ، وَيُقَلِّمُ أَظَافِرَهُ) أَيْ: إِنْ طَالَا لِقَوْلِ أَنَسٍ: اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ مَا تَصْنَعُونَ بِعَرَائِسِكُمْ. وَلِأَنَّ تَرْكَهُ يُقَبِّحُ مَنْظَرَهُ، فَشَرَعَ إِزَالَتَهُ، كَقُبْحِ عَيْنَيْهِ، وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ مَسْنُونٌ فِي الْحَيَاةِ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ، أَشْبَهَ الْغُسْلَ، وَعَنْهُ: لَا يُقَلِّمُ أَظَافِرَهُ، بَلْ يُنَقِّي وَسَخَهَا لِكَوْنِهَا لَا تَظْهَرُ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، فَيَخْرُجُ فِي نَتْفِ الْإِبِطِ وَجْهَانِ، وَيَأْخُذُ شَعْرَ إِبِطِهِ فِي الْمَنْصُوصِ، وَكَذَا عَانَتُهُ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَتُزَالُ بِالْمُوسَى أَوِ الْمِقْرَاضِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. وَقَالَ الْقَاضِي: بِنَوْرَةٍ، لِأَنَّهَا أَسْهَلُ، وَلَا يَمَسَّهَا بِيَدِهِ، بَلْ بِحَائِلٍ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ لِمَا فِيهِ مِنْ لَمْسِ الْعَوْرَةِ، وَرُبَّمَا احْتَاجَ إِلَى نَظْرِهَا؛ وَهُوَ مُحَرَّمٌ، فَلَا تُفْعَلُ لِأَجْلِ مَنْدُوبٍ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَحْرَمِ، وَيُدْفَنُ مَعَهُ مَا أُخِذَ مِنْهُ كَعُضْوٍ سَاقِطٍ، وَيُعَادُ غَسْلُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ كَعُضْوٍ، وَالْمُرَادُ: يُسْتَحَبُّ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يُكْرَهُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ فِي الْحَيَاةِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الزِّينَةُ أَوِ النُّسُكُ، وَهُمَا لَا يُطْلَبَانِ هُنَا، وَكَذَا لَا يُخْتَنُ؛ لِأَنَّهُ إِبَانَةُ جُزْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ. مَسْأَلَةٌ: يُزَالُ عَظْمٌ نَجِسٌ جُبِرَ بِهِ كَسْرٌ إِذَا أَمْكَنَ مِنْ غَيْرِ مُثْلَةٍ كَالْحَيَاةِ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ جَبِيرَةٌ قُلِعَتْ لِلْغُسْلِ الْوَاجِبِ، وَإِنْ سَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ بَقِيَتْ وَمُسِحَ عَلَيْهَا، وَلَا يَبْقَى خَاتَمٌ وَنَحْوُهُ، وَلَوْ بِبُرْدَةٍ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ إِتْلَافٌ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قَالَ أَحْمَدُ: يَرْبُطُ أَسْنَانَهُ بِذَهَبٍ إِنْ خِيفَ سُقُوطُهَا، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ سَقَطَتْ لَمْ تُرْبَطْ بِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَيُؤْخَذُ إِنْ لَمْ تَسْقُطْ (وَلَا يُسَرِّحُ شَعْرَهُ، وَلَا لِحْيَتَهُ) نَصَّ
قُرُونٍ، وَيُسْدَلُ مِنْ وَرَائِهَا. ثُمَّ يُنَشِّفُهُ بِثَوْبٍ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ السَّبْعِ حَشَاهُ بِالْقُطْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ فَبِالطِّينِ الْحُرِّ، ثُمَّ يُغْسَلُ الْمَحَلُّ وَيُوَضَّأُ، وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَيْهِ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: عَلَامَ تَقُصُّونَ مَيِّتَكُمْ؟ ! أَيْ: لَا تُسَرِّحُوا رَأْسَهُ بِالْمُشْطِ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الشَّعْرَ وَيَنْتِفُهُ. وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: يُكْرَهُ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ حَامِدٍ إِذَا كَانَ خَفِيفًا، وَحَكَى ابْنُ الْمُنَجَّا عَنْهُ، وَعَنْ أَبِي الْخَطَّابِ اسْتِحْبَابَ تَسْرِيحِ الشَّعْرِ مُطْلَقًا (وَيُضَفَّرُ شَعْرُ الْمَرْأَةِ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَيُسْدَلُ مِنْ وَرَائِهَا) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ: فَضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهُ مِنْ خَلْفِهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ: فَضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، قَرْنَيْهَا وَنَاصِيَتَهَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَامَهَا؛ لِأَنَّهُ يُضَفَّرُ عَلَى صَدْرِهَا، قِيلَ لِأَحْمَدَ: الْعَرُوسُ تَمُوتُ فَتُجْلَى، فَأَنْكَرَهُ شَدِيدًا (ثُمَّ يُنَشِّفُهُ بِثَوْبٍ) هَكَذَا فُعِلَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِئَلَّا يَنْبَلَّ كَفَنُهُ فَيَفْسُدَ بِهِ، وَفِي " الْوَاضِحِ " لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فِي الْحَيِّ، فِي رِوَايَةٍ، وَلَا يَتَنَجَّسُ مَا نُشِّفَ بِهِ فِي الْمَنْصُوصِ (وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ السَّبْعِ حَشَاهُ) أَيْ: مَحَلَّ الْخَارِجِ (بِالْقُطْنِ) لِيمَنْعِ الْخَارِجِ، وَكَالْمُسْتَحَاضَةِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ " النِّهَايَةِ ": إِنَّهُ يُلْجِمُ الْمَحَلَّ بِالْقُطْنِ، فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ حَشَاهُ بِهِ، إِذَ الْحَشْوُ يُوَسِّعُ الْمَحَلَّ، فَلَا يُفْعَلُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكِ) الْخَارِجُ بِالْقُطْنِ (فَبِالطِّينِ الْحُرِّ) أَيِ: الْخَالِصِ؛ لِأَنَّهُ لَهُ قُوَّةٌ تَمْنَعُ الْخَارِجَ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وِفَاقًا لِمَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُعَادُ غُسْلُهُ بَعْدَ السَّبْعِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا.
[ويغسل المحرم بماء وسدر]
خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي أَكْفَانِهِ لَمْ يَعُدْ إِلَى الْغُسْلِ وَيُغَسَّلُ الْمُحْرِمُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَلَا يَلْبَسُ الْمَخِيطَ، وَلَا يُخَمَّرُ رَأْسُهُ، وَلَا يَقْرُبُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ جَمَاعَةٌ: إِنَّهُ يُعَادُ غُسْلُهُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ لِأَجْلِ الْإِنْقَاءِ، فَكَذَا مَا بَعْدَ السَّبْعِ (ثُمَّ يَغْسِلُ الْمَحَلَّ) أَيْ: مَحَلَّ النَّجَاسَةِ (وَيُوَضَّأُ) وُجُوبًا كَالْجُنُبِ إِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ غُسْلِهِ لِتَكُونَ طَهَارَتُهُ كَامِلَةً، وَعَنْهُ: لَا؛ وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ لِلْمَشَقَّةِ وَالْخَوْفِ عَلَيْهِ (وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي أَكْفَانِهِ لَمْ يَعُدْ إِلَى الْغُسْلِ) بَلْ يُحْمَلُ عَلَى حَالِهِ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِخْرَاجِهِ وَإِعَادَةِ غُسْلِهِ وَتَطْهِيرِ أَكْفَانِهِ وَتَجْفِيفِهَا أَوْ إِبْدَالِهَا فَيَتَأَخَّرُ دَفْنُهُ؛ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، ثُمَّ لَا يُؤْمَنُ مِثْلُ هَذَا بَعْدَهُ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَارِجِ أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَعَنْهُ: يُعَادُ غُسْلُهُ وَيُطَهَّرُ كَفَنُهُ، وَعَنْهُ: مِنَ الْكَثِيرِ، لَكِنْ إِنْ وُضِعَ عَلَى الْكَفَنِ وَلَمْ يُلَفَّ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أُعِيدَ غُسْلُهُ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. [وَيُغَسَّلُ الْمُحْرِمُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ] (وَيُغَسَّلُ الْمُحْرِمُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَلَا يُلْبَسُ الْمَخِيطَ، وَلَا يُخَمَّرُ رَأْسُهُ، وَلَا يَقْرُبُ طِيبًا) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَ فِي مُحْرِمٍ مَاتَ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» وَلِلنَّسَائِيِّ: «وَلَا تَمَسُّوهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا» ، وَحِينَئِذٍ يُجَنَّبُ مَا يُجَنَّبُ الْحَيُّ لِبَقَاءِ إِحْرَامِهِ، وَقِيلَ: وَيَفْدِي الْفَاعِلُ، وَلَا يُوقَفُ بِعَرَفَةَ، وَلَا يُطَافُ بِهِ، بِدَلِيلِ الْمُحْرِمِ الَّذِي مَاتَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِأَنَّهُ لَا يُحِسُّ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ جُنَّ، وَعَنْهُ: وَيُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ صَبًّا، وَلَا يُفْعَلُ بِهِ كَالْحَلَالِ، لِئَلَّا يَنْقَطِعَ شَعْرُهُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَجِبُ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ وَكَذَا رِجْلَيْهِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يَجِبُ كَشْفُهُمَا، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " قَالَ الْخَلَّالُ: هِيَ وَهُمٌ مِنْ حَنْبَلٍ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالرِّجْلَيْنِ. لَكِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: كَلَامُ الْخِرَقِيِّ خَرَجَ عَلَى الْمُعْتَادِ، إِذْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْهِ: الرِّدَاءِ وَالْإِزَارِ، وَالْعَادَةُ عَدَمُ تَغْطِيَتِهِمَا لِلرِّجْلَيْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْهِ لَا يُزَادُ، أَيْ: يُسْتَحَبُّ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ
[الشهيد لا يغسل]
طِيبًا وَالشَّهِيدُ لَا يُغَسَّلُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جُنُبًا، بَلْ يُنْزَعُ عَنْهُ السِّلَاحُ والجلود، ـــــــــــــــــــــــــــــQبَعْدَهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنَ الطِّيبِ وَلُبْسِ الْمَخِيطِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حِلٌّ بِهَا، هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ رَجُلًا، فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً فَحُكْمُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ حُكْمُهَا فِي الْحَيَاةِ، لَا تُمْنَعُ مِنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ، وَيُغَطَّى رَأْسُهَا لَا وَجْهُهَا. فَرْعٌ: لَا تُمْنَعُ الْمُعْتَدَّةُ لِلْوَفَاةِ مِنَ الطِّيبِ فِي الْأَصَحِّ. [الشَّهِيدُ لَا يُغَسَّلُ] (وَالشَّهِيدُ) وَهُوَ مَنْ قُتِلَ بِأَيْدِي الْكُفَّارِ فِي مَعْرَكَتِهِمْ (لَا يُغَسَّلُ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أَمَرَ بِدَفْنِ قَتْلَى أُحُدٍ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَحْمَدَ مَعْنَاهُ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ أَبُو الْمَعَالِي بِتَحْرِيمِهِ، وَحُكِيَ رِوَايَةً؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ الشَّهَادَةِ وَالْعِبَادَةِ وَهُوَ حَيٌّ. (إِلَّا أَنْ يَكُونَ جُنُبًا) فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ لَتُغَسِّلَهُ الْمَلَائِكَةُ، يَعْنِي حَنْظَلَةَ، قَالُوا لِأَهْلِهِ: مَا شَأْنُهُ؟ فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ حِينَ سَمِعَ الْهَائِعَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ» وَفِي " الْكَافِي " أَنَّهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَلِأَنَّهُ غُسْلٌ وَاجِبٌ لِغَيْرِ الْمَوْتِ، فَلَمْ يَسْقُطْ كَغُسْلِ النَّجَاسَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ لِلْعُمُومِ، وَمِثْلُهُ حَائِضٌ وَنُفَسَاءُ طَهُرَتَا أَوَّ لًا، وَعَلَى الْوُجُوبِ: لَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَدَثٌ أَصْغَرُ، فَهَلْ يَوَضَّأُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ ثُمَّ اسْتُشْهِدَ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ لِلْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ أَصْرَمَ بْنَ عَبْدِ الْأَشْهَلَ أَسْلَمَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ قُتِلَ فَلَمْ يَأْمُرْ بِغُسْلِهِ، وَقِيلَ: يَجِبُ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِهِ: وَلَا يُغَسَّلُ شَهِيدٌ إِلَّا لِمُوجِبِهِ (بَلْ يُنْزَعُ عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الشَّهِيدِ لَأْمَةُ الْحَرْبِ مِنْ (السِّلَاحِ وَالْجُلُودِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أَمَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بِالشُّهَدَاءِ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَقَالَ: ادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وثيابهم» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَكَذَا يُنْزَعُ عَنْهُ خُفٌّ وَفَرْوٌ، نَصَّ
وَيُزَمَّلُ فِي ثِيَابِهِ. وَإِنْ أَحَبَّ كَفَّنَهُ بِغَيْرِهَا، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَإِنْ سَقَطَ مِنْ دَابَّتِهِ أَوْ وُجِدَ مَيِّتًا، وَلَا أَثَرَ بِهِ أَوْ حُمِلَ، فَأَكَلَ أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَيْهِ، وَتُغْسَلُ نَجَاسَةٌ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ بَقَاءُ دَمٍ لَا تُخَالِطُهُ نَجَاسَةٌ، فَإِنْ خَالَطَتْهُ، غُسِلَا فِي الْأَصَحِّ (وَيُزَمَّلُ) أَيْ: يُلَفُّ (فِي ثِيَابِهِ) وَيُدْفَنُ فِيهَا، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ» وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ: أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ الْعِبَادَةِ، فَعَلَيْهِ لَا يُزَادُ وَلَا يُنْقَصُ بِحَسَبِ الْمَسْنُونِ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ لَابِسًا الْحَرِيرَ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي تَخْرِيجِهِ: لَا بَأْسَ بِهِمَا (وَإِنْ أَحَبَّ كَفَّنَهُ) الْوَلِي (بِغَيْرِهَا) تَبِعَ الْقَاضِيَ فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَحَكَاهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " قَوْلًا، وَنَسَبَهُ الزَّرْكَشِيُّ إِلَى الشُّذُوذِ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ صَفِيَّةَ أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ ثَوْبَيْنِ لِيُكَفِّنَ فِيهِمَا حَمْزَةَ، فَكَفَّنَهُ فِي أَحَدِهِمَا، وَكَفَّنَ فِي الْآخَرِ رَجُلًا آخَرَ» رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ، وَقَالَ: هُوَ صَالِحُ الْإِسْنَادِ، وَأَجَابَ فِي " الْخِلَافِ " بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ ثِيَابَهُ سُلِبَتْ، أَوْ أَنَّهُمَا ضُمَّا إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَقَدْ رَوَي فِي الْمُعْتَمَدِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ (وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِلْأَخْبَارِ، وَهَلْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ أَحْيَاءً عِنْدَ رَبِّهِمْ، أَوْ لِغِنَاهُمْ عَنِ الشَّفَاعَةِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ، وَالثَّانِيَةُ: يُصَلَّى عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَأَبُو بَكْرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ «لِصَلَاتِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِشُهَدَاءِ أُحُدٍ بِدَلِيلِ «أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. تَوْدِيعًا لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، وَالثَّالِثَةُ: يُخَيَّرُ لِتَعَارُضِ الْأَخْبَارِ، فَيُخَيَّرُ، كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ إِلَى الْأُذُنَيْنِ أَوْ إِلَى الْمِنْكَبَيْنِ، وَحُكِيَ عَنْهُ التَّحْرِيمُ. (وَإِنْ سَقَطَ مِنْ دَابَّتِهِ أَوْ وُجِدَ مَيِّتًا وَلَا أَثَرَ بِهِ، أَوْ حُمِلَ) بَعْدَ جُرْحِهِ (فَأَكَلَ، أَوْ طَالَ بَقَاؤُهُ، غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) وَفِيهِ أُمُورٌ.
طَالَ بَقَاؤُهُ، غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَهَلْ يُلْحَقُ بِالشَّهِيدِ؟ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQأَحَدُهَا: أَنَّهُ إِذَا سَقَطَ فِي الْمَعْرَكَةِ مِنْ دَابَّةٍ أَوْ شَاهِقٍ أَوْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَمَاتَ فِيهَا أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ بِغَيْرِ قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ فِعْلِ الْعَدُوِّ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ بِفِعْلِهِمْ فَلَا. الثَّانِي: إِذَا وُجِدَ مَيِّتًا، وَلَا أَثَرَ به، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ، فَلَا يَسْقُطُ بِالِاحْتِمَالِ، وَعَنْهُ: لَا؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْقِتَالِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِهِ أَثَرٌ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ، زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: لَا دَمَ مِنْ أَنْفِهِ أَوْ دُبُرِهِ أَوْ ذَكَرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ. قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: اعْتَبَرْنَا الْأَثَرَ هُنَا احْتِيَاطًا لِلْغُسْلِ، وَلَمْ نَعْتَبِرْهُ فِي الْقَسَامَةِ احْتِيَاطًا، لِوُجُوبِ الدَّمِ، فَإِنْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ غُسِّلَ، كَمَنْ رُدَّ عَلَيْهِ سَهْمُهُ فَقَتَلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَصَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ كَقَتْلِ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّ عَامِرَ بْنَ الْأَكْوَعِ بَارَزَ رَجُلًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَعَادَ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ، فَلَمْ يُفْرَدْ عَنِ الشُّهَدَاءِ بِحُكْمٍ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا حُمِلَ بَعْدَ جُرْحِهِ فَأَكَلَ، أَنَّهُ يُغَسَّلُ «لِتَغْسِيلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ» ، وَلِأَنَّ الْأَكْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ ذِي حَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ، وَظَاهِرُهُ: إِذَا شَرِبَ أَوْ تَكَلَّمَ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، صَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَابْنُ تَمِيمٍ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لَمْ يُغَسِّلْ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ، وَأَصْرَمَ بْنَ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَقَدْ تَكَلَّمَا وَمَاتَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ، وَلَكِنْ قَدَّمَ السَّامِرِيُّ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمَجْدُ وَالْجَدُّ أَنَّ مَنْ شَرِبَ أَوْ نَامَ أَوْ بَالَ كَمَنْ أَكَلَ، زَادَ جَمَاعَةٌ: أَوْ عَطَسَ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ إِذَا طَالَ بَقَاؤُهُ عُرْفًا لَا وَقْتَ صَلَاةٍ، أَوْ يَوْمًا وَلَيْلَةً؛ وَهُوَ يَعْقِلُ، لِأَنَّهَا تَقْتَضِي حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، وَظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ " أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِغُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ طُولُ الْفَصْلِ، بَلْ لَوْ مَاتَ عَقِبَ الْحَمْلِ وَفِيهِ رَمَقٌ، فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَأَوْرَدَهُ الْمَجْدُ مَذْهَبًا، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: إِنَّمَا يُتْرَكُ غُسْلُ مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ. (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَهَلْ يُلْحَقُ بِالشَّهِيدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يُلْحَقُ بِهِ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " فَعَلَيْهَا لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى
[السقط هل يغسل]
رِوَايَتَيْنِ. وَإِذَا وُلِدَ السَّقْطُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. وَمَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَيْهِ، كَشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَالْحُسَيْنَ قُتِلُوا ظُلْمًا، وَغُسِّلُوا، وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ، أَشْبَهَ الْمَبْطُونَ، وَعَلَى الْأُولَى: مَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ لَا يُغَسَّلُ، وَفِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ كُلَّ شَهِيدٍ غُسِّلَ، صُلِّيَ عَلَيْهِ وُجُوبًا، وَمَنْ لَا يُغَسَّلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. تَذْنِيبٌ: يُغَسَّلُ الْبَاغِي وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَالْقَاضِي، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُلْحَقُ بِشَهِيدِ أَهْلِ الْعَدْلِ، لِلْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ غُسْلُ أَهْلِ الْجَمَلِ وَصَفِّينَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: مَنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ أَوِ الْكُفَّارُ خَطَأً غُسِّلَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَكَذَا النُّفَسَاءُ تُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهَا كَالشَّهِيدِ بِغَيْرِ قَتْلٍ، كَحَرِيقٍ وَغَرَقٍ وَهَدْمٍ، وَهُمْ بِضْعَةَ عَشْرَ، وَمِنْ أَغْرَبِهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَوْتُ الْغَرِيبِ شَهَادَةٌ» ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ الْمُنَجَّا، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْعَاشِقَ مِنْهَا، وَأَشَارُوا إِلَى الْخَبَرِ الْمَرْفُوعِ «مَنْ عَشِقَ وَعَفَّ وَكَتَمَ، فَمَاتَ مَاتَ شَهِيدًا» . وَهَذَا الْخَبَرُ مَذْكُورٌ فِي تَرْجَمَةِ سُوِيدِ بْنِ سَعِيدٍ فِيمَا أُنْكِرَ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالْبَيْهَقِيُّ. مَسْأَلَةٌ: قَاطِعُ الطَّرِيقِ يُقْتَلُ أَوَّلًا وَيُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصْلَبُ، وَقِيلَ: يُؤَخَّرَانِ عَنِ الصَّلْبِ، قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ ". [السَّقْطُ هَلْ يُغَسَّلُ] (وَإِذَا وُلِدَ السَّقْطُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَصَالِحٍ؛ «لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ وَالسَّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى
تَعَذَّرَ غُسْلَهُ يُمِّمَ. وَعَلَى الْغَاسِلِ سَتْرُ مَا رَآهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا. ـــــــــــــــــــــــــــــQلِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَلَفْظُهُمَا: «وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ نَسَمَةٌ نُفِخَ فِيهَا الرُّوحُ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ، وَأَنَّهُ قَبْلَ اسْتِكْمَالِهَا لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ، وَقَدَّمَ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إِذَا بَانَ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا. فَائِدَةٌ: تُسْتَحَبُّ تَسْمِيَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْعَثُ قَبْلَهَا، وَاخْتَارَ فِي " الْمُعْتَمَدِ " أَنَّهُ يُبْعَثُ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: فَإِنْ جَهِلَ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى، سُمِّيَ بِصَالِحٍ لَهُمَا، كَطَلْحَةَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الكَافِرَيْنِ، فَإِنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فَمُسْلِمٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ. تَتْمِيمٌ: إِذَا مَاتَ بِدَارِنَا مَجْهُولُ الْإِسْلَامِ غُسِّلَ، وَصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِنَا، وَلَوْ كَانَ أَقْلَفَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ وُجِدَ بِدَارِ حَرْبٍ وَعَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ إِذَا وُجِدَ الطفل فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مَيِّتًا يَجِبُ غُسْلُهُ وَدَفْنُهُ فِي مَقَابِرِنَا، وَإِنْ مَاتَ فِي سَفِينَةٍ غُسِّلَ، وَصَلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ تَكْفِينِهِ، وَأُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ سَلًا، كَإِدْخَالِهِ الْقَبْرَ مَعَ خَوْفِ فَسَادِهِ أَوْ حَاجَةٍ، وَيُثْقَلُ بِشَيْءٍ، وَذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " عَنْ أَصْحَابِنَا. قَالَ: وَلَا مَوْضِعَ لَنَا، الْمَاءُ فِيهِ بَدَلٌ عَنِ التُّرَابِ، إِلَّا هُنَا، وَمَنْ مَاتَ بِبِئْرٍ أُخْرِجَ مِنْهَا إِذَا أَمْكَنَ بِأُجْرَةٍ مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إخراجه إِلَّا بِمِثْلِهِ طُمَّتْ، وَجُعِلَتْ قَبْرَهُ، وَمَعَ حَاجَةِ الْأَحْيَاءِ يَخْرُجُ، وَقِيلَ: لَا مَعَ مُثْلَةٍ.
[من تعذر غسله]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQ [مَنْ تَعَذَّرَ غُسْلَهُ] (وَمَنْ تَعَذَّرَ غُسْلَهُ) لِعَدَمِ الْمَاءِ أَوْ عُذْرٍ غَيْرِهِ، كَالْحَرْقِ، وَالْجُذَامِ، وَالتَّبْضِيعِ (يُمِّمَ) لِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ طَهَارَةٌ عَلَى الْبَدَنِ، فَقَامَ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ مَقَامَهُ كَالْجَنَابَةِ، وَهَلْ يَلُفُّ مَنْ يُيَمِّمُهُ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً؟ سَبَقَ، وَإِنْ تَعَذَّرَ غُسْلُ بَعْضِهِ، غُسِّلَ بَعْضُهُ، مَا أَمْكَنَ، وَيُيَمَّمُ لِلْبَاقِي فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَعَنْهُ: يُكَفَّنُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ بِلَا غُسْلٍ، وَلَا تَيَمُّمٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بالغسل التَّنْظِيفِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: الْمُحْتَرِقُ، وَالْمَجْذُومُ، وَالْمِبْضَعُ، يُصَبُّ الماء عَلَيْهِ صَبًّا، ثُمَّ يُكَفَّنُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ يُمِّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ ثُمَّ صُلِّيَ عَلَيْهِ ثُمَّ وُجِدَ الْمَاءُ قَبْلَ دَفْنِهِ غُسِّلَ، وَكَذَا إِنْ وَجَدَهُ فِيهَا، فَلَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ دَفْنِهِ لَمْ يُنْبَشْ، وَإِنْ بَذَلَهُ أَجْنَبِيٌّ لَزِمَ الْوَارِثَ قَبُولُهُ، بِخِلَافِ ثَمَنِهِ، فَإِنْ عُدِمَا صُلِّيَ عَلَيْهِ بِدُونِهِمَا وَدُفِنَ، فَإِنْ وُجِدَا أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ دَفْنِهِ لَمْ يُنْبَشْ، وَيَجُوزُ إِنْ أُمِنَ تَفَسُّخُهُ، وَإِنْ وُجِدَ الْمَاءُ قَبْلَ دَفْنِهِ غُسِّلَ، وَإِنْ وُجِدَ التُّرَابُ وَحْدَهُ، فَفِي إِنْشَاءِ التَّيَمُّمِ وَإِعَادَةِ الصَّلَاةِ احْتِمَالَانِ. [عَلَى الْغَاسِلِ سَتْرُ مَا رَآهُ] (وَعَلَى الْغَاسِلِ سَتْرُ مَا رَآهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ أَمِينًا لِيَسْتُرَ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَفِي الْخَبَرِ مَرْفُوعًا «لَيُغَسِّلَ مَوْتَاكُمُ الْمَأْمُونُونَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا وَأَدَّى فِيهِ الْأَمَانَةَ، وَلَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ. عَارِفًا بِالْغُسِلِ دَيِّنًا فَاضِلًا، وَظَاهِرُهُ: يَلْزَمُهُ سَتْرُ الشَّرِّ، لَا إِظْهَارُ الْخَيْرِ، لِيُتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ. قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَا بُدَّ أَنْ يُلْحَظَ فِي السَّتْرِ اخْتِصَاصُهُ بِأَهْلِ السُّنَّةِ، فَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ، أَوْ مَعْرُوفٌ بِفُجُورٍ، فَيُسَنُّ إِظْهَارُ شَرِّهِ، وَسَتْرُ خَيْرِهِ، وَنَرْجُو لِلْمُحْسِنِ، وَنَخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ، وَلَا نَشْهَدُ إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَوِ اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى الثَّنَاءِ أَوِ الْإِسَاءَةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُرَادُ الْأَكْثَرِ.
[فصل في الكفن]
فَصْلٌ فِي الْكَفَنِ يَجِبُ كَفَنُ الْمَيِّتِ فِي مَالِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي الْكَفَنِ] [الْكَفَنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّيْنِ] فَصْلٌ فِي الْكَفَنِ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ أَتْبَعَهُ الْكَفَنَ فَقَالَ: (يَجِبُ كَفَنُ الْمَيِّتِ) وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ لِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْمَيِّتِ (فِي مَالِهِ) «لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ فِي الْمُحْرِمِ: كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» وَلِأَنَّ حَاجَةَ الْمَيِّتِ مُقَدَّمَةٌ فِي مَالِهِ عَلَى وَرَثَتِهِ بِدَلِيلِ قَضَاءِ دَيْنِهِ (مُقَدَّمًا عَلَى الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ) لِأَنَّ الْمُفْلِسَ يُقَدَّمُ بِالْكُسْوَةِ عَلَى الدَّيْنِ فَكَذَا الْمَيِّتُ، وَلِأَنَّهُ إِذَا قُدِّمَ عَلَى الدَّيْنِ فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ دَيْنُ الرَّهْنِ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: الْوَاجِبُ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ أَوْ أَكْثَرُ، لِأَمْرِ الشَّارِعِ بِتَحْسِينِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، فَيَجِبُ مَلْبُوسُ مِثْلِهِ، جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مَا لَمْ يُوصَ بِدُونِهِ، وَفِي " الْفُصُولِ " إِنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ حَالِهِ كَنَفَقَتِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَنُوطُ وَالطِّيبُ لِعَدَمِ وُجُوبِهِمَا فِي الْحَيَاةِ، وَقِيلَ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ، وَلَا بَأْسَ بِالْمِسْكِ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ أَخْذَ ذَلِكَ مِنَ السَّبِيلِ لَمْ يُجَابُوا، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ لَمْ يَلْزَمْ بَقِيَّةَ الْوَرَثَةِ قَبُولُهُ، لَكِنْ لَيْسَ لِلْبَقِيَّةِ نَقْلُهُ، وَسَلْبُهُ مِنْ كَفَنِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ، بِخِلَافِ مُبَادَرَتِهِ إِلَى دَفْنِهِ فِي مِلْكِ الْمَيِّتِ لِانْتِقَالِهِ إِلَيْهِمْ، لَكِنْ يُكَرَهُ لَهُمْ، وَلَا يُسْتَرُ بِحَشِيشٍ، وَيُقْضَى دَيْنُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ. فَرْعٌ: الْجَدِيدُ أَفْضَلُ فِي الْمَنْصُوصِ، زَادَ فِي " الشَّرْحِ " إِلَّا أَنْ يُوصِيَ لِغَيْرِهِ،
فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، إِلَّا الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ كَفَنُ امْرَأَتِهِ. وَيُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ الرَّجُلِ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQفَيَتَمَثَّلُ لِقَضِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْعَتِيقُ غَيْرُ الْبَالِي أَفْضَلُ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ حَالَ الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِقَدْرِ إِرْثِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَنْفَرِدُ بِهِ الْأَبُ، فَإِنْ عُدِمَ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ الْعَالِمِينَ بِحَالِهِ. قَالَ فِي الْفُنُونِ: قَالَ حَنْبَلٌ: بِثَمَنِهِ كَالْمُضْطَرِّ، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يَقُومُ بِهِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا جِبي لَهُ ثَمَنُ كَفَنٍ، فَفَضُلَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ كَفَّنَهُ وَرَثَتُهُ، صُرِفَ فِي كَفَنٍ آخَرَ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، تُصُدِّقَ بِهِ، وَلَا يَأْخُذُهُ وَرَثَتُهُ فِي الْأَصَحِّ (إِلَّا الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ كَفَنُ امْرَأَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَالْكُسْوَةَ وَجَبَا بِالزَّوْجِيَّةِ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ، وَقَدِ انْقَطَعَ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَانَتْ فِي الْحَيَاةِ، أَشْبَهَتِ الْأَجْنَبِيَّةَ، وَدَلِيلُ الِانْقِطَاعِ إباحته أُخْتُهَا وَأَرْبَعٌ سِوَاهَا، وَقِيلَ: بَلَى، وَحُكِيَ رِوَايَةً؛ وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَرِكَةٌ فَعَلَيْهِ كَفَنُهَا، وَقِيلَ: يُكَفِّنُ الزَّوْجَةَ الذِّمِّيَّةَ أَقَارِبُهَا، فَإِنْ عُدِمُوا أَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَالْأَصَحُّ لَا، وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَكَفَنُهُ عَلَى مَالِكِهِ. مَسَائِلُ: الْأُولَى: يُدْفَنُ فِي مَقْبَرَةٍ مُسْبَلَةٍ بِقَوْلِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِنَّةَ، وَعَكْسُهُ، الْكَفَنُ وَالْمُؤْنَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ. الثَّانِيَةُ: مَاتَ إِنْسَانٌ مَعَ جَمَاعَةٍ فِي سَفَرٍ، كَفَّنُوهُ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَفَّنُوهُ وَرَجَعُوا، فَإِنْ أَبَى الْحَاكِمُ الْإِذْنَ أَوْ تَعَذَّرَ إِذْنُهُ، أَوْ أَمْكَنَ وَلَمْ يَسْتَأْذِنُوهُ، أَوْ لَمْ يَنْوُوا الرُّجُوعَ، فَوَجْهَانِ.
[كفن الرجل]
ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ. يُبْسَطُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ بَعْدَ تَجْمِيرِهَا، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَيْهَا مُسْتَلْقِيًا، وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ فِيمَا بَيْنَهَا، وَيُجْعَلُ مِنْهُ فِي قُطْنٍ يُجْعَلُ مِنْهُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالثَّالِثَةُ: إِذَا سُرِقَ كَفَنُهُ، كُفِّنَ مِنْ تَرِكَتِهِ ثَانِيًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ قُسِّمَتْ، فَإِنْ كَانَتْ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ أَوْ وَصِيَّته لَمْ يُسْتَرْجَعْ مِنْهَا كَفَنٌ آخَرُ، فَإِنْ أَكَلَهُ سَبُعٌ، فَكَفَنُهُ تَرِكَةٌ. [كَفَنُ الرَّجُلِ] (وَيُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ الرَّجُلِ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «الْبَسُوا الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَلِأَنَّ حَالَ الْإِحْرَامِ أَكْمَلُ أَحْوَالِ الْحَيِّ؛ وَهُوَ لَا يَلْبَسُ الْمَخِيطَ فَكَذَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَظَاهِرُهُ: يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْبَيَاضِ مِنْ مُزَعْفَرٍ وَمُعَصْفَرٍ، لِأَمْرِهِ بِالْبَيَاضِ، وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " خِلَافُهُ، وأَنَّهُ يُكْرَهُ بِمَا زَادَ كَالْخَمْسَةِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الشَّرْحِ "، وَغَيْرِهِمَا، وَصَحَّحَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، بَلْ فِي سَبْعَةِ أَثْوَابِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُعَمَّمُ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَيَكُفنُ فِي وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ فِي ثَلَاثَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ " يُسْتَحَبُّ أَيْضًا، وَيَكُونُ مِنْ قُطْنٍ، وَقِيلَ: وَكَتَّانٍ (يَبْسُطُ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ) أَوْسَعُهَا وَأَحْسَنُهَا أَعْلَاهَا، ثُمَّ الَّتِي تَلِيهَا دُونَهَا؛ لِأَنَّ عَادَةَ الْحَيِّ جَعْلُ الظَّاهِرِ أَفْخَرَ ثِيَابِهِ (بَعْدَ تَجْمِيرِهَا) أَيْ: تَبْخِيرِهَا، زَادَ جَمَاعَةٌ: ثَلَاثًا، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَ: إِذَا جَهَّزْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا» ، وَلِأَنَّ هَذَا عَادَةُ الْحَيِّ عِنْدَ غُسْلِهِ وَتَجْدِيدِ ثِيَابِهِ، فَكَذَا الْمَيِّتُ، بَعْدَ رَشِّهَا بِمَاءِ وَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ لِيَعْلُقَ (ثُمَّ يُوضَعُ عَلَيْهَا مُسْتَلْقِيًا) لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِإِدْرَاجِهِ فِيهَا (وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ)
وَيُشَدُّ فَوْقَهُ خِرْقَةٌ مَشْقُوقَةُ الطَّرَفِ كَالتُّبَّانِ تَجْمَعُ أَلْيَتَيْهِ وَمَثَانَتَهُ، وَيُجْعَلُ الْبَاقِي عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ وَمَوَاضِعِ سُجُودِهِ، وَإِنْ طَيَّبَ جَمِيعَ بَدَنِهِ كَانَ حَسَنًا، ثُمَّ يُرَدُّ طَرَفُ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيُرَدُّ طَرَفُهَا الْآخَرُ فَوْقَهُ، ثُمَّ يُفْعَلُ بِالثَّانِيَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهُوَ أَخْلَاطٌ مِنْ طِيبٍ مُعَدٍّ لِلْمَيِّتِ خَاصَّةً (فِيمَا بَيْنَهَا) لِأَنَّهُ مَشْرُوعُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُجْعَلُ فَوْقَ الْعُلْيَا لِكَرَاهَةِ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ذَلِكَ، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ يَجْعَلُ فَوْقَ الْأُولَى حَنُوطًا فَقَطْ، وَقِيلَ: بَيْنَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ طِيبٌ وَكَافُورٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَذَرُ عَلَى اللَّفَائِفِ شَيْئًا، كَمَا لَا يُوضَعُ عَلَى الثَّوْبِ الَّذِي يَسْتُرُ النَّعْشَ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَيُجْعَلُ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْحَنُوطِ (فِي قُطْنٍ يُجْعَلُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ) بِرِفْقٍ، وَيُكْثِرُ ذَلِكَ لِيَرُدَّ مَا يَخْرُجُ عِنْدَ تَحْرِيكِهِ، (وَيَشُدُّ فَوْقَهُ خِرْقَةً مَشْقُوقَةَ الطَّرَفِ كَالتُّبَّانِ) وَهُوَ السَّرَاوِيلُ بِلَا أَكْمَامٍ (تَجْمَعُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ وَمَثَانَتِهِ) بِشَدِّ الْخِرْقَةِ (وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ) فِي الْقُطْنِ (عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ) وَهِيَ عَيْنَاهُ، وَمَنْخِرَاهُ، وَأُذُنَاهُ، وَفَمُهُ؛ لِأَنَّ فِي جَعْلِهَا عَلَى الْمَنَافِذِ مَنْعًا مِنْ دُخُولِ الْهَوَامِّ، وَلِأَنَّهَا تَمْنَعُ سُرْعَةَ الْفَسَادِ إِذَا حَدَثَ حَدَثٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُحْشَى بِالْقُطْنِ. وِفِي " الْغُنْيَةِ " إِنْ خَافَ حَشَاهُ بِقُطْنٍ وَكَافُورٍ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " إِنْ خَافَ لَا بَأْسَ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَمَوَاضِعِ سُجُودِهِ) وَهِيَ رُكْبَتَاهُ وَيَدَاهُ وَجَبْهَتُهُ، وَأَطْرَافُ قَدَمِهِ تَشْرِيفًا لَهَا، لِكَوْنِهَا مُخْتَصَّةً بِالسُّجُودِ، وَيُطَيِّبُهَا مَعَ مَغَابِنِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنْ طَيَّبَ جَمِيعَ بَدَنِهِ كَانَ حَسَنًا) لِأَنَّ أَنَسًا طُلِيَ بَدَنُهُ بِالْمِسْكِ، وَطُلِيَ ابْنُ عُمَرَ مَيِّتًا بِالْمِسْكِ، وَذَكَرَ السَّامُرِّيُّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَطْيِيبُ جَمِيعِ بَدَنِهِ بِالصَّنْدَلِ وَالْكَافُورِ لِدَفْعِ الْهَوَامِّ، وَالْمَنْصُوصُ: يُكْرَهُ دَاخِلَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ يُفْسِدُهَا، وَيُكْرَهُ خَلْطُ زَعْفَرَانٍ وَوَرْسٍ بِحَنُوطٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ظَهَرَ لَوْنُهُ عَلَى الْكَفَنِ؛ ولِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ غِذَاءً وَزِينَةً، وَلَا يُعْتَادُ التَّطَيُّبُ بِهِ، وَيُكْرَهُ طَلْيُهُ بِصَبْرٍ لِيُمْسِكَهُ وَبِغَيْرِهِ لِعَدَمِ نَقْلِهِ (ثُمَّ يَرُدُّ طَرَفَ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا) مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ (عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيَرُدُّ طَرَفَهَا الْآخَرَ) أَيْ: مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ (فَوْقَهُ) أَيْ: فَوْقَ الطَّرَفِ الْآخَرِ؛ وَهُوَ الْأَيْمَنُ؛ لِئَلَّا يَسْقُطَ عَنْهُ الطَّرَفُ الْأَيْسَرُ إِذَا وُضِعَ عَلَى يَمِينِهِ فِي الْقَبْرِ، وَعَكَسَ صَاحِبُ " الْفُصُولِ "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ ".
[كفن المرأة]
وَالثَّالِثَةِ كَذَلِكَ، وَيُجْعَلُ مَا عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يَعْقِدُهَا، وَتُحَلُّ الْعُقَدُ فِي الْقَبْرِ. وَتُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ بِخَمْسَةِ أَثْوَابٍ، إِزَارٍ وَخِمَارٍ وَقَمِيصٍ وَلِفَافَتَيْنِ. وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ جَمِيعَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ: لِأَنَّهُ عَادَةُ لُبْسِ الْحَيِّ مِنْ قَبَاءٍ وَرِدَاءٍ وَنَحْوِهِمَا، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ. (ثُمَّ يَفْعَلُ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ كَذَلِكَ) أَيْ كَالْأُولَى، لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَاهِمَا (وَيَجْعَلُ مَا عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ رِجْلَيْهِ) كَالْحَيِّ لِشَرَفِهِ، وَلِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالسَّتْرِ مِنْ رِجْلَيْهِ، وَيُعِيدُ الْفَاضِلَ عَلَى وَجْهِهِ وَرِجْلَيْهِ بَعْدَ جَمْعِهِ، لِيَصِيرَ الْكَفَنُ كَالْكِيسِ فَلَا يَنْتَشِرَ (ثُمَّ يَعْقِدُهَا) إِنْ خَافَ انْتِشَارَهَا (وَتُحَلُّ الْعُقَدُ فِي الْقَبْرِ) «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لَمَّا أَدْخَلَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الْقَبْرَ نَزَعَ الْأَخِلَّةَ بِفِيهِ» ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَمُرَةَ نَحْوُهُ، وَلِأَنَّ الْخَوْفَ قَدْ زَالَ، زَادَ أَبُو الْمَعَالِي، وَغَيْرُهُ: وَلَوْ نَسِيَ بَعْدَ تَسْوِيَةِ التُّرَابِ عَلَيْهِ قَرِيبًا؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ، لَكِنْ لَا يَحِلُّ الْإِزَارَ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا يَخْرِقُ الْكَفَنَ) لِمَا فِيهِ مِنْ إِفْسَادِهِ، وَتَقْبِيحِ الْكَفَنِ الْمَأْمُورِ بِتَحْسِينِهِ، وَكَرِهَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: بِأَنَّهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَجَوَّزَهُ أَبُو الْمَعَالِي مع خَوْفَ نَبْشِهِ. قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ: وَلَوْ خِيفَ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ (وَإِنْ كُفِّنَ فِي قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ، وَلِفَافَةٍ، جَازَ) «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ لَمَّا مَاتَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّ الْمَيِّتَ يُؤْزَرُ، وَيُقَمَّصُ، وَيُلَفُّ بِالثَّالِثَةِ، وَهَذَا عَادَةُ الْحَيِّ. وَصَرَّحَ فِي " الشَّرْحِ "؛ وَهُوَ ظَاهِرُ " الْهِدَايَةِ " أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَالْمَنْصُوصُ أَنْ يَكُونَ الْقَمِيصُ بِكُمَّيْنِ، وَدَخَارِيصَ لَا يُزَرُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَنُّ لِلْحَيِّ زَرُّهُ فَوْقَ إِزَارٍ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ لِلْحَيِّ؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ فِي الْعُرْفِ، فَيُؤْزَرُ بِالْمِئْزَرِ، ثُمَّ يُلْبَسُ الْقَمِيصَ، ثُمَّ يُلَفُّ بِاللِّفَافَةِ، وَقِيلَ: بِزِرِّهِ؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ " الْوَجِيزِ "، وَيُجْزِئُ، وَفِيهَا شَيْءٌ. [كَفَنُ الْمَرْأَةِ] (وَتُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، إِزَارٍ، وَخِمَارٍ، وَقَمِيصٍ، وَلِفَافَتَيْنِ) اسْتِحْبَابًا، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ ضَعْفٌ «عَنْ لَيْلَى الثَّقَفِيَّةِ قَالَتْ: كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا الْحِقْيَ، ثُمَّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالدرع، ثم الْخِمَارَ، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ» . قَالَ أَحْمَدُ: الْحِقْيُ: الْإِزَارُ، وَالدِّرْعُ: الْقَمِيصُ، فَعَلَى هَذَا تُؤْزَرُ بِالْمِئْزَرِ، ثُمَّ تَلْبَسُ الْقَمِيصَ، ثُمَّ تُخَمَّرُ بِمُقَنَّعَةٍ، ثُمَّ تُلَفُّ بِاللِّفَافَتَيْنِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّ الْخَامِسَةَ تَشُدُّ بِهَا فَخِذَيْهَا تَحْتَ الْمِئْزَرِ، وَصَرَحَّ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تُنَقَّبُ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَتُكَفَّنُ فِي قَمِيصٍ وَلِفَافَتَيْنِ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهَا إِلَى خِمَارٍ فِي حَيَاتِهَا، فَكَذَا فِي مَوْتِهَا، وَكَذَا بِنْتُ تِسْعٍ، وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ كَالْبَالِغَةِ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ. فَرْعٌ: الْخُنْثَى كَامْرَأَةٍ (وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ جَمِيعَهُ) لِأَنَّ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ يُجْزِئُ فِي سَتْرِهَا ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَكَفَنُ الْمَيِّتِ أَوْلَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ ثَلَاثَةٌ، احْتَجَّ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ بِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَجِبْ لَمْ يَجُزْ مَعَ وَارِثٍ صَغِيرٍ، وَرَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ بِالْكَفَنِ الْحَسَنِ، وَقِيلَ: بِقَدْرِ الثَّلَاثَةِ عَلَى غَيْرِ الدَّيْنِ مِنَ الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي. قَالَ: وَإِنْ كُفِّنَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَثَوْبٌ، وَفِي الزَّائِدِ لِلْكَمَالِ وَجْهَانِ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ لَا يَصِفَ الْبَشْرَةَ، وَيُكْرَهْ رِقَّةٌ تَحْكِي هَيْئَةَ الْبَدَنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَشَعْرٌ وَصُوفٌ، وَكَذَا مَنْقُوشٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَيَحْرُمُ بِجِلُودٍ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَكَذَا تَكْفِينُهَا بِحَرِيرٍ لِصَبِيٍّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ: لَا، وَمِثْلُهُ الْمَذْهَبُ، وَيَجُوزُ لِعَدَمِ تَكْفِينِهِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ حَرِيرٍ لِلضَّرُورَةِ لَا مُطْلَقًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا بَعْضَ ثَوْبٍ سَتَرَ الْعَوْرَةَ كَحَالِ الْحَيَاةِ، وَذَكَرَ السَّامُرِّيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ يَسْتُرُ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ بَاقِيهِ، وَالْبَاقِيَ بِحَشِيشٍ أَوْ وَرَقٍ. مَسَائِلُ: الْأُولَى: يَحْرُمُ دَفْنُ حُلِيٍّ وَثِيَابٍ غَيْرِ الْكَفَنِ؛ لِأَنَّهُ إِضَاعَةُ مَالٍ، وَكَرِهَهُ أَبُو حَفْصٍ، زَادَ فِي " الشَّرْحِ ": لِغَيْرِ حَاجَةٍ.
[فصل في الصلاة على الميت]
فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ، وَوَسَطِ الْمَرْأَةِ، وَيُقَدَّمُ إِلَى الْإمَامِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالثَّانِيَةُ: إِذَا أَوْصَى بِدُونِ مَا يَسْتُرُ بَدَنَهُ لَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِتَكْفِينِهِ فِي ثِيَابٍ ثَمِينَةٍ لَا يَلِيقُ بِهِ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَإِنْ وَصَّى فِي ثَوْبٍ، أَوْ دُونَ مَلْبُوسٍ مِثْلِهِ، جَازَ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ إِجْمَاعًا، وَإِنْ وَصَّى بِثَوْبٍ، وَقُلْنَا: يَجِبُ أَكْثَرُ، فَفِي صِحَّةِ وَصِيَّتِهِ وَجْهَانِ. الثَّالِثَةُ: إِذَا مَاتَ جَمَاعَةٌ، وَلَمْ يُوجَدْ سِوَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ، جُمِعَ فِيهِ مَا أَمْكَنَ، لِخَبَرِ أَنَسٍ فِي قَتْلَى أُحُدٍ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَالَ شَيْخُنَا: يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ، وَيَسْتُرُ عَوْرَةَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَلَا يُجْمَعُونَ فِيهِ. الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ كَفَنٌ، وَثَمَّ حَيٌّ يَحْتَاجُهُ لِدَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، فَالْأَصَحُّ لَهُ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ، زَادَ الْمَجْدُ: إِنْ خَشِيَ التَّلَفَ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُصَلَّى عَلَيْهِ عَادِم فِي أَحَدِ لِفَافَتَيْهِ، وَالْأَشْهُرُ: عُرْيَانًا كَلِفَافَةٍ وَاحِدَةٍ يُقَدَّمُ الْمَيِّتُ بِهَا. [فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ] [مَوْقِفُ الْإِمَامِ مِنَ الْجِنَازَةِ] فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِمَا قَبْلَهُ (السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ، وَوَسَطِ الْمَرْأَةِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى رَجُلٍ فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ فَقَامَ وَسَطَهَا، فَقَالَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَقُومُ؟ قَالَ: نَعَمْ» ، وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ عَلَى امْرَأَةٍ، فَقَامَ وَسَطَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، وَعَنْهُ: يَقُومُ عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ، جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ، وَعَنْهُ: عِنْدَ صَدْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَالْخُنْثَى بَيْنَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِلْمَقَامِ مِنَ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ، وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " أَنَّهُمَا كَمَا سَبَقَ، فَلَوْ خَالَفَ الْمَوْضِعَ صَحَّتْ وَلَمْ يُصِبِ السُّنَّةَ، وَيُسَنُّ لَهَا الْجَمَاعَةُ، وَلَمْ يُصَلُّوهَا عَلَى النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ بِإِمَامٍ إِجْمَاعًا احْتِرَامًا لَهُ وَتَعْظِيمًا، وَيَسْقُطُ الْفَرْضُ بِرَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ كَغُسْلِهِ، وَفِي سُقُوطِهِ بِفِعْلِ خُنْثَيَيْنِ وَجْهَانِ (وَيُقَدَّمُ إِلَى الْإمَامِ) إِذَا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزَهُمَا (أَفْضَلُهُمْ) لِأَنَّ الْفَضِيلَةَ يُسْتَحَقُّ بِهَا التَّقْدِيرُ فِي الْإِمَامَةِ، فَكَذَا هُنَا، يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ كَانَ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ يُقَدِّمُ فِي الْقَبْرِ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ قُرْآنًا، وَقِيلَ: الْأَدْيَنُ، وَقِيلَ: الْأَكْبَرُ، نَصَّ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ". وَقَالَ الْقَاضِي: يُقَدَّمُ السَّابِقُ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا إِلَّا الْمَرْأَةَ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي، كَمَا لَا يُؤَخَّرُ الْمَفْضُولُ فِي صَفِّ الْمَكْتُوبَةِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَقُرْبِ الْإِمَامِ، فَإِنْ تَسَاوُوا قَدَّمَ الْإِمَامُ مَنْ شَاءَ، فَإِنْ تَشَاحُّوا أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ مَعَ التَّشَاحِّ فَهَلْ يُقَدَّمُ مَنْ أَحَقُّ بِهَا أَوْ مَنْ مَيِّتُهُ سَبَقَ الْحُضُورَ أَوِ الْمَوْتَ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، وَيُحْتَمَلُ مَنْ سَبَقَ مَيِّتُهُ التَّطْهِيرَ، فَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْحُرِّ، ثُمَّ الْعَبْدِ الْمُكَلَّفِ، ثُمَّ الصَّبِيِّ، ثم الخنثى، ثُمَّ الْمَرْأَةِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، كَالْمَكْتُوبَةِ، وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الصَّبِيُّ عَلَى الْعَبْدِ، وَعَنْهُ: عَبْدٌ عَلَى حَرٍّ دُونَهُ، وَعَنْهُ: الْمَرْأَةُ عَلَى الصَّبِيِّ، كَمَا قَدَّمَهَا الصَّحَابَةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو الْوَفَاءِ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي، وَلِحَاجَتِهَا إِلَى الشَّفَاعَةِ، وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ أَمَامَهَا فِي الْمَسِيرِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَيُقَدَّمُ فِي أَوْلِيَاءِ مَوْلًى أَوْلَاهُمْ بِالْإِمَامَةِ، ثُمَّ قُرْعَةً، وَلِوَلِيِّ كُلِّ مَيِّتٍ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
[صفة صلاة الجنازة]
أَفْضَلُهُمْ. وَيُجْعَلَ وَسَطُ الْمَرْأَةِ حِذَاءَ رَأْسِ الرَّجُلِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُسَوِّي بَيْنَ رُؤوسِهِمْ. فصل وَيُكَبِّرُ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى الْفَاتِحَةَ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQمَسْأَلَةٌ: جَمْعُ الْمَوْتَى فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ أَوْ شُقَّ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ بِالتَّسْوِيَةِ (وَيَجْعَلُ وَسَطَ الْمَرْأَةِ حِذَاءَ رَأْسِ الرَّجُلِ) اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَابْنُ حَمْدَانَ، لِيَقِفَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْقِفَهُ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ يُجْعَلُ وَسَطُهَا حِذَاءَ صَدْرِ الرَّجُلِ، وَخُنْثَى بَيْنَهُمَا (وَقَالَ الْقَاضِي: يُسَوِّي بَيْنَ رُؤوسِهِمْ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ وَابْنَهَا زَيْدًا تُوُفِّيَا جَمِيعًا، فَصَلَّى عَلَيْهِمَا أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، فَسَوَّى بَيْنَ رُؤوسِهِمَا. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ عَنْ عُمَرَ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَابِعٌ لَا حُكْمَ لَهَا، وَعَلَيْهِ: يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الرَّجُلِ. اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ فِي رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ، يَجْعَلُونَ دَرَجًا، رَأْسُ هَذَا عِنْدَ رِجْلِ هَذَا، وَإِنَّ هَذَا وَالتَّسْوِيَةَ سَوَاءٌ، قَالَ الْخَلَّالُ: وَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ قَوْلُهُ. فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ تَسْوِيَةُ صُفُوفِ الْجِنَازَةِ، وَأَنْ لَا يُنْقِصُهُمْ عَنْ ثَلَاثَةِ صُفُوفٍ، لِخَبَرِ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ إِلَّا غُفِرَ لَهُ» ، وَسَبَقَ حُكْمُ الْفَذِّ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَلَّى أَنْ لَا يَبْرَحَ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى تَرْتَفِعَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٍ. [صِفَةُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ] (وَيُكَبِّرُ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) «لِتَكْبِيرِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ عَلَى النَّجَاشِيِّ أَرْبَعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاشْتَهَرَتِ الرِّوَايَاتُ بِهِ (يَقْرَأُ فِي الْأَوْلَى الْفَاتِحَةُ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ فِيهِ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ
الثَّانِيَةِ. وَيَدْعُو فِي الثَّالِثَةِ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQأُمِّ شَرِيكٍ الْأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أَنْ نَقْرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ، وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَرَأَ بِالْفَاتِحَةِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى» ، وَكَالْمَكْتُوبَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَفْتِحُ؛ وَهُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّخْفِيفِ، وَعَنْهُ: بِلَى، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ " ثُمَّ يَتَعَوَّذُ لِلْآيَةِ، وَعَنْهُ: لَا، وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَكَانَ أَحْمَدُ يَفْعَلُهُ، وَنَقَلَ الْفَضْلُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُمَا، وَيَبْتَدِئُ الْحَمْدَ بِالْبَسْمَلَةِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِهَا، قَالَ فِي " الْفُصُولِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي مَذْهَبِنَا، وَجَزَمَ فِي " التَّبْصِرَةِ " بِقِرَاءَةِ سُورَةٍ مَعَهَا. قَالَ أَحْمَدُ: يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ سِرًّا، وَلَوْ لَيْلًا، لَا يُقَالُ: ابْنُ عَبَّاسٍ جَهَرَ بِهَا. وَقَالَ: سُنَّةٌ وَحَقٌّ، لِأَجْلِ تَعْلِيمِهِمْ (وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الثَّانِيَةِ) سِرًّا، لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ: أَنَا مُطْرَفُ بْنُ مَازِنَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ «أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ، ثُمَّ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى سِرًّا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيُخْلِصُ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ» وَيَكُونُ كَمَا فِي التَّشَهُّدِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَاسْتَحَبَّ الْقَاضِي بَعْدَهَا " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مَلَائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنْبِيَائِكَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَأَهْلِ طَاعَتِكَ أَجْمَعِينَ " وَفِي " الْكَافِي " لَا يَتَعَيَّنُ صَلَاةٌ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مُطْلَقُ الصَّلَاةِ (وَيَدْعُو) لِنَفْسِهِ، وَلِوَالِدَيْهِ، وَالْمَيِّتِ، وَالْمُسْلِمِينَ (فِي الثَّالِثَةِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ «إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا له
وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، إِنَّكَ تَعْلَمُ مُتَقَلَّبَنَا وَمَثْوَانَا، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ فَتَوَفِّهُ عَلَيْهِمَا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ. وَافْسَحْ لَهُ قَبْرَهُ، وَنَوِّرْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالدُّعَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَلَا تَوْقِيتَ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ (فَيَقُولَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، إِنَّكَ تَعْلَمُ مُتَقَلَّبَنَا وَمَثْوَانَا، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفِّهِ عَلَيْهَمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ زَادَ ابْنُ مَاجَهْ «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ» وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ الْحَاكِمُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، لَكِنْ زَادَ فِيهِ الْمُؤَلِّفُ: وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَلَفْظُ " السُّنَّةِ " «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَقُولُ عَلَى جِنَازَةٍ حَتَّى تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَيِّتَ، وَفِيهِ: «وَأَبْدِلْهُ أَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ» ، وَزَادَ الْمُؤَلِّفُ لَفْظَ مِنَ الذُّنُوبِ «وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْمَحَلِّ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً أَنَّثَ الضمير، وَإِنْ كَانَ خُنْثَى قَالَ: هَذَا الْمَيِّتُ وَنَحْوَهُ. تَذْنِيبٌ: " نُزُلَهُ " بِضَمِّ الزَّايِ، وَقَدْ يُسَكَّنُ، " وَمَدْخَلَهُ " بِفَتْحِ الْمِيمِ: مَوْضِعُ الدُّخُولِ، وَبِضَمِّهَا: الْإِدْخَالُ، وَالزَّوْجُ بِغَيْرِ هَاءٍ: لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، وَقَدْ يُقَالُ لِامْرَأَةِ الرَّجُلِ: زَوْجَةٌ، حَكَاهَا الْخَلِيلُ وَالْجَوْهَرِيُّ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ عَبْدُكَ،
لَهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ، وَفَرَطًا وَأَجْرًا وَشَفِيعًا مُجَابًا، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا، وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الْجَحِيمِ، وَيَقِفُ بَعْدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَزَلَ بِكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَجَازِهِ بِإِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، اللَّهُمَّ إِنَّا جِئْنَا شُفَعَاءَ لَهُ فَشَفِّعْنَا فِيهِ، وَلَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ، إِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ شَرًّا مِنَ الْمَيِّتِ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، لِلْخَبَرِ، وَلَا بَأْسَ بِالْإِشَارَةِ بِالْإِصْبَعِ حَالَ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا) وَعِبَارَةُ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ وَهُوَ أَوْلَى (قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ، وَفَرَطَا، وَأَجْرًا، وَشَفِيعًا مُجَابًا، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا، وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الْجَحِيمِ) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «وَالسَّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الدُّعَاءِ لَائِقٌ بِحَالِهِ مُنَاسِبٌ لِمَا مَرَّ فِيهِ، فَشُرِعَ كَالِاسْتِغْفَارِ لِلْبَالِغِ، زَادَ جَمَاعَةٌ: سُؤَالَ الْمَغْفِرَةِ لَهُ، وَالْأَشْهَرُ عَدَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَإِنَّمَا يَدْعُو لِوَالِدَيْهِ، هَذَا هُوَ السُّنَّةُ. فَرْعٌ: إِذَا لَمْ يُعْرَفُ إِسْلَامُ وَالِدَيْهِ دَعَا لِمُوَالِيهِ، وَفِي " الْفُرُوعِ "، وَمُرَادُهُمْ فِيمَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا ومَاتَ أَنَّهُ كَصَغِيرٍ (وَيَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَلِيلًا) لِمَا رَوَى الْجُرْجَانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَقِفُ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَكُنْتُ أَحْسَبُ هَذِهِ الْوَقْفَةَ لِيُكَبِّرَ آخِرُ الصُّفُوفِ» وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ بَعْدَهَا دُعَاءٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ
الرَّابِعَةِ قَلِيلًا. وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْخِرَقِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُهُمُ الْوُقُوفَ. وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: يَدْعُو فِيهَا كَالثَّالِثَةِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْآجُرِّيُّ، وَالْمَجْدُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ "؛ لِأَنَّ ابْنَ أَبِي أَوْفَى فَعَلَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فَعَلَهُ. قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ أَصْلَحُ مَا رُوِيَ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا يُخَالِفُهُ، وَلِأَنَّهُ قِيَامٌ فِي جِنَازَةٍ، أَشْبَهَ الَّذِي قَبْلَهُ، فَيَقُولُ: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ، وَحَكَاهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ عَنِ الْأَكْثَرِ، وَصَحَّ أَنَّ أَنَسًا كَانَ لَا يَدْعُو بِدُعَاءٍ إِلَّا خَتَمَهُ بِهَذَا، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْمَحَلِّ، وَفِي " الْوَسِيلَةِ " رِوَايَةُ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَقَدْ نَصَّ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ يَدْعُو لِلْمَيِّتِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، وَلِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ؛ وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَتَشَهَّدُ وَلَا يُسَبِّحُ مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ حَرْبٌ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ (وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَنْ سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ رَوَى عَطَاءُ بْنُ السائب «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَّمَ عَلَى الْجِنَازَةٍ تَسْلِيمَةً» رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهَا تَسْلِيمَتَيْنِ فَهُوَ جَاهِلٌ، وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَةَ عَنْ يَمِينِهِ أَكْثَرُ مَا رُوِيَ فِيهِ وَهُوَ أَشْبَهُ، وَإِنْ سَلَّمَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَتَجُوزُ ثَانِيَةٌ، وَاسْتَحَبَّهَا الْقَاضِي، وَذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ رِوَايَةً، وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى تَسْلِيمَتَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: يَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ، وَقِيلَ: يُسِرُّ وَيُتَابِعُ إِمَامًا فِي الثَّانِيَةِ كَالْقُنُوتِ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
[واجبات صلاة الجنازة]
وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ الْقِيَامُ وَالتَّكْبِيرَاتُ وَالْفَاتِحَةُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَدْنَى دُعَاءٍ لِلْمَيِّتِ وَالسَّلَامُ. صلوا كما رأيتموني أصلي، وَإِنْ كَبَّرَ الْإِمَامُ خَمْسًا، كُبِّرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQرَوَاهُ سَعِيدٌ، وَعُمَرُ عَمُّ زِيدِ بْنِ ثَابِتٍ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَّصِلُ طَرَفُهَا بِسُجُودٍ وَلَا قُعُودٍ، فَسُنَّ فِيهَا الرَّفْعُ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَحَكَى فِي " الشَّرْحِ " الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ يَرْفَعُ فِي الْأُولَى، وَصِفَةُ الرَّفْعِ وَانْتِهَاؤُهُ كَمَا سَبَقَ [وَاجِبَاتُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ] (والْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ التَّكْبِيرَاتُ) الْأَرْبَعُ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٌ «أَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَبَّرَ أَرْبَعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَلَوْ نَقَصَ تَكْبِيرَةً عَمْدًا بَطَلَتْ، وَسَهْوًا يُكْرَهُ مَا لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ، وَقِيلَ: يُعِيدُهَا لِفِعْلِ أَنَسٍ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَسْتَأْنِفُهَا إِلَّا إِذَا أَطَالَ، أَوْ وَجَدَ مُنَافٍ مِنْ كَلَامٍ أَوْ نَحْوِهِ (والْفَاتِحَةُ) وَلَمْ يُوجِبِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قِرَاءَةً، بَلِ اسْتَحَبَّهَا؛ وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ أَبِي طَالِبٍ (وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِقَوْلِهِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ» . وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَجِبُ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَجِبْ هُنَا (وَأَدْنَى دُعَاءٍ لِلْمَيِّتِ) لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ، فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ (وَالسَّلَامُ) لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَى الْجَنَائِزِ، وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَالْمُرَادُ بِهِ وَاحِدَةٌ، وَعَنْهُ: ثِنْتَانِ، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْكَافِي " وهنا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْقِرَاءَةُ فِي الْأُولَى، وَالصَّلَاةُ فِي الثَّانِيَةِ، وَالدُّعَاءُ فِي الثَّالِثَةِ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " خِلَافَهُ، وَيُشْتَرَطُ لَهَا النِّيَّةُ، فَيَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ، وَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِالذَّكَرِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ جَهِلَهُ، نَوَى مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ، وَإِنْ نَوَى أَحَدَ الْمَوْتَى اعْتُبِرَ تَعْيِينُهُ، فَإِنْ نَوَى عَلَى رَجُلٍ فَبَانَ امْرَأَةً أَوْ عَكْسَهُ فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُجْزِئُهُ لِقُوَّةِ التَّعْيِينِ عَلَى الصِّفَةِ، وَالْقِيَامُ فِي فَرْضِهَا، لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَيَجِبُ فِيهَا الْقِيَامُ كَالْمَكْتُوبَةِ، فَلَا تَصِحُّ مِنْ قَاعِدٍ، وَلَا عَلَى رَاحِلَةٍ بِلَا عُذْرٍ،
بِتَكْبِيرِهِ، وَعَنْهُ: لَا يُتَابَعُ فِي زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ، وَعَنْهُ: يُتَابَعُ إِلَى سَبْعٍ. وَإِنْ فَاتَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَظَاهِرُهُ: وَلَوْ تَكَرَّرَتْ إِنْ قِيلَ: الثانية فَرْضٌ. وَالْمُؤَلِّفُ تَرَكَ ذِكْرَهُمَا لِظُهُورِهِمَا، وَإِسْلَامُ الْمَيِّتِ وَالطَّهَارَةُ مِنْ حَدَثٍ وَنَجَسٍ، وَالِاسْتِقْبَالُ وَالسُّتْرَةُ كَمَكْتُوبَةٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ تَطْهِيرُ الْمَيِّتِ صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَحُضُورُ الْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، وَلَا تَصِحُّ عَلَى جِنَازَةٍ مَحْمُولَةٍ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ فِي الْمَسْبُوقِ، لِأَنَّهَا كَإِمَامٍ، وَلِهَذَا لَا صَلَاةَ بِدُونِ الْمَيِّتِ، وَقَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: قُرْبُهَا مِنَ الْإِمَامِ مَفْصُولَةٌ كَقُرْبِ الْمَأْمُومِ مِنَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يُسَنُّ الدُّنُوُّ مِنْهَا، وَلَوْ صَلَّى؛ وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ لَمْ يَصِحَّ. (وَإِنْ كَبَّرَ الْإِمَامُ خَمْسًا كُبِّرَ بِتَكْبِيرِهِ) نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ «عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ خَمْسًا، وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يُكَبِّرُهَا» ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ نَحْوُهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَعَنْهُ لَا يُتَابَعُ فِي زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ) نَقَلَهَا حَرْبٌ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي، لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ، فَلَمْ يَتْبَعْهُ كَالْقُنُوتِ فِي الْأُولَى، وَكَمَا لَوْ زَادَ عَلَى عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَكَمَا لَوْ عَلِمَ، أَوْ ظَنَّ بِدْعَةً، وَأَجَابَ الثَّوْرِيُّ عَمَّا سَبَقَ بِالنَّسْخِ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ (وَعَنْهُ: يُتَابَعُ إِلَى سَبْعٍ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَاخْتَارَهَا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَبَّرَ عَلَى حَمْزَةَ سَبْعًا، رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ، وَعَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: كَانُوا يُكَبِّرُونَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ خَمْسًا، وَسِتًّا، وَسَبْعًا رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّ الْمَأْمُومَ يُتَابِعُ إِمَامَهُ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، فَكَذَا هُنَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُتَابِعُهُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا. قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ أَكْثَرُ مَا جَاءَ فِيهِ، وَلَا تَبْطُلُ مُجَاوَزَةُ سَبْعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَبِّحَ بَعْدَهَا لَا قَبْلَهَا، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ وَجْهًا: تَبْطُلُ مُجَاوَزَةُ أَرْبَعٍ عَمْدًا،
[وإن فاته شيء من التكبير في الجنازة]
شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَقْضِيهِ مُتَتَابِعًا، فَإِنْ سَلَّمَ وَلَمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَبِكُلِّ تَكْبِيرَةٍ لَا يُتَابَعُ فِيهَا، وَفِي " الْخِلَافِ " قَوْلُ أَحْمَدَ فِي رِسَالَةِ مُسَدَّدٍ: خَالَفَنِي الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا فَقَالَ: إِذَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ تُعَادُ الصَّلَاةُ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّجَاشِيِّ، قَالَ أَحْمَدُ: وَالْحُجَّةُ لَهُ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى أَرْبَعٍ تَدُلُّ عَلَى الْفَضِيلَةِ، وَغَيْرَهَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، فَتَتَعَيَّنُ الْمُتَابَعَةُ، وَإِذَا لَمْ يُتَابَعْ فِي الزِّيَادَةِ فَلَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ السَّلَامُ قَبْلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَجْهًا: يَنْوِي مُفَارَقَتَهُ وَيُسَلِّمُ، كَمَا لَوْ قَامَ إِلَى خَامِسَةٍ، وَعَجِبَ أَحْمَدُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ مَا وَرَدَ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَبِّرْ مَا كَبَّرَ إِمَامُكَ. تَنْبِيهٌ: الْمُنْفَرِدُ كَإِمَامٍ فِي زِيَادَةٍ، وَلَوْ كَبَّرَ فَجِيءَ بِثَانِيَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَكَبَّرَ الْإِمَامُ، وَنَوَاهُمَا، جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، إِذَا بَقِيَ مِنْ تَكْبِيرِهِ أَرْبَعٌ، فَيَقْرَأُ فِي الْخَامِسَةِ، وَيُصَلِّي [عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] فِي السَّادِسَةِ، وَيَدْعُو فِي السَّابِعَةِ، وَلَوْ جِيءَ بِخَامِسَةٍ لَمْ يُكَبِّرْ عَلَيْهَا الْخَامِسَةَ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى زِيَادَةِ التَّكْبِيرِ عَلَى سَبْعٍ، أَوْ نُقْصَانِ الْخَامِسَةِ مِنْ أَرْبَعٍ، وَكِلَاهُمَا مَمْنُوعٌ، فَإِنْ أَرَادَ أَهْلُ الْجِنَازَةِ الْأُولَى رَفَعَهَا قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَسْبُوقِ إِذَا حَضَرَ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ أَنْ يُحْرِمَ وَيَدْخُلَ مَعَهُ كَالصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: يَنْتَظِرُ تَكْبِيرَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ كَرَكْعَةٍ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِقَضَائِهَا، وَرَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ اشْتِغَالًا بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ، وَإِنَّمَا يُصَلِّي مَعَهُ مَا أَدْرَكَهُ، وَخَيَّرَهُ فِي " الْفُصُولِ " كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ فَمَسْأَلَتُهَا: إِنْ شَرَعَ بَعْدَ ذِكْرٍ كَبَّرَ وَتَبِعَهُ [وَإِنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ فِي الْجِنَازَةِ] (وَإِنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ، قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ) قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مَحَلُّ الْأَدَاءِ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَالْمَقْضِيُّ أَوَّلُ صَلَاتِهِ يَأْتِي فِيهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ هُنَا، فَيَأْتِي بِالْقِرَاءَةِ فِيمَا أَدْرَكَهُ مَعَ الْإِمَامِ، وَهَذَا ظَاهِرُ " التَّلْخِيصِ " لَكِنْ إِذَا خَشِيَ رَفْعَهَا تَابَعَ، رُفِعَتْ أَمْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَقْضِيهِ مُتَتَابِعًا) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ،
[فاته الصلاة على الجنازة صلى على القبر إلى شهر]
يَقْضِهِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ، صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إِلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَحَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: لَا يَقْضِي، فَإِنْ كَبَّرَ سَابِعًا فَلَا بَأْسَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ: إِنْ رُفِعَتْ قَبْلَ إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ قَضَاهُ سَابِعًا لِعَدَمِ مَنْ يُدْعَى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُرْفَعْ قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ (فَإِنَّ سَلَّمَ) مَعَ الْإِمَامِ (وَلَمْ يَقْضِهِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ، اخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لِعَائِشَةَ «مَا فَاتَكِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْكِ» وَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ حَالَ الْقِيَامِ، فَلَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا، كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْآجُرِّيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَحَكَاهُ عَنْ شَيْخِهِ لِقَوْلِهِ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» . أَصْلٌ: إِذَا صَلَّى لَمْ يُصَلِّ ثَانِيًا، كَمَا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ رَدُّ السَّلَامِ ثَانِيًا، ذَكْرَهُ جَمَاعَةٌ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُنْتَخَبِ " نصا كَالْغُسْلِ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ: يُصَلِّي، اخْتَارَهُ فِي " الْفُنُونِ " وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ وَالْمَجْدُ: يُصَلِّي تَبَعًا، وَإِلَّا فَلَا إِجْمَاعًا كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ بَلْ يُسْتَحَبُّ، كَصَلَاتِهِمْ عَلَى النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَمَا لَوْ صَلَّى عَلَيْهِ بِلَا إِذْنِ وَالٍ حَاضِرٍ أَوْ وَلِيٍّ بَعْدَهُ حَاضِرٍ، وَإِنَّمَا تُعَادُ تَبَعًا، وَمَتَّى رُفِعَتْ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَمْ تُوضَعْ لِأَحَدٍ، وَيُبَادَرُ إِلَى دَفْنِهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: إِلَّا أَنْ يُرْجَى مَجِيءُ الْوَلِيِّ فَيُؤَخَّرَ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ تَغَيُّرَهُ. [فَاتَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إِلَى شَهْرٍ] (وَمَنْ فَاتَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إِلَى شَهْرٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ» ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ «أَنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَائِبٌ، فَلَمَّا
[الصلاة على الغائب]
شَهْرٍ. وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ بِالنِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْبَلَدِ، لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَدِمَ صَلَّى عَلَيْهَا، وَقَدْ مَضَى لِذَلِكَ شَهْرٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. قَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ مَا سَمِعْتُ هَذَا، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ أَكْثَرَ مِنْهُ فَيُقَيِّدُ بِهِ، قِيلَ: مِنْ دَفْنِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقِيلَ: مِنْ مَوْتِهِ، وَيَحْرُمُ بَعْدَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي " الْخِلَافِ ": أَجَابَ أَبُو بَكْرٍ فِيمَا سَأَلَهُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ قَوْلِ الرَّاوِي: بَعْدَ شَهْرٍ، يُرِيدُ شَهْرًا، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ، أَرَادَ الْحِينَ، لَكِنْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفِ وَابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ زِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ شَهْرٍ» قَالَ الْقَاضِي: كَالْيَوْمَيْنِ، وَقِيلَ: إِلَى سَنَةٍ مَا لَمْ يَبْلَ، فَإِنْ شَكَّ فِي بَقَائِهِ فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: يُصَلِّي عَلَيْهِ أَبَدًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا يَوْمَ مَوْتِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ عَلَى قَبْرِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لِئَلَّا يُتَّخَذَ مَسْجِدًا، وَمَنْ شَكَّ فِي الْمُدَّةِ صَلَّى حَتَّى يُعْلَمَ فَرَاغُهَا، وَحُكْمُ الْغَرِيقِ كَذَلِكَ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُدْفَنْ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ مَضَى أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ شِهَابٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " بِالشَّهْرِ. [الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ] (وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ بِالنِّيَّةِ) كَالصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِمَامِ، وَغَيْرِهِ، وَلَا مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَغَيْرِهَا، فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرِهَا. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ حُضُورَ الْجِنَازَةِ شَرْطٌ كَمَا لَوْ كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ ـ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ فَصَفَّ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لَا يُقَالُ: لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَذْهَبِكُمْ، فَإِنَّكُمْ تَمْنَعُونَ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَرِيقِ وَالْأَسِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ يَبْعُدُ مَا ذَكَرْتُمْ، فَإِنَّ النَّجَاشِيَّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، فَيَبْعُدُ أَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَمُدَّتُهُ كَمُدَّةِ
[لا يصلي الإمام على الغال]
بِالنِّيَّةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَلَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى الْغَالِّ من الغنيمة، وَلَا على مَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالصَلَاةِ على الْقَبْرِ، وَيُعْتَبَرُ انْفِصَالُ مَكَانِهِ عَنِ الْبَلَدِ بِمَا يُعَدُّ الذِّهَابُ إِلَيْهِ نَوْعُ سَفَرٍ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَكْفِي خَمْسُونَ خُطْوَةً. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَأَقْرَبُ الْحُدُودِ مَا تَجِبُ فِيهِ الْجُمُعَةُ؛ لِأَنَّهُ إِذْنٌ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ فِي الْبَلَدِ، فَلَا يُعَدُّ غَائِبًا عَنْهَا، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَقْتِ نَهْيٍ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْبَلَدِ، لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حُضُورُهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، كَالْعِيدِ وَلِلْمَشَقَّةِ. مَسَائِلُ: مِنْهَا: إِذَا صَلَّي عَلَى غَائِبٍ، ثُمَّ حُضِرَ بِهِ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُصَلّى عَلَيْهِ ثَانِيًا، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، فَيُعَايَا بِهَا. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُصَلَّى كُلَّ يَوْمٍ عَلَى كُلِّ غَائِبٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَمِنْهَا: الصَّلَاةُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ بِإِحْرَاقٍ، وَأَكِيلِ سَبُعٍ وَنَحْوِهِ، وَجْهَانِ. قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": الْأَظْهَرُ الْمَنْعُ، لِاسْتِحَالَتِهِ، بِخِلَافِ الْغَرِيقِ فِي اللُّجَّةِ. قَالَ فِي " الْفُصُولِ ": فَأَمَّا إِنْ حَصَلَ فِي بَطْنِ سَبُعٍ، لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ مَعَ مُشَاهَدَةِ السَّبُعِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ فِي تَابُوتٍ مُغَطَّى، وَقِيلَ: إِنْ أَمْكَنَ كَشْفُهُ عَادَةً، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَصِحُّ كَالْمُكِبَّةِ. [لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى الْغَالِّ] (وَلَا يُصَلِّي الْإِمَامُ) أَيِ: الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَاخْتَارَهُ " الْخَلَّالُ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَقِيلَ: أَوْ نَائِبُهُ، وَإِمَامُ قَرْيَةٍ، وَهُوَ وَالِيهَا فِي الْقَضَاءِ، نَقَلَهُ حَرْبٌ (عَلَى الْغَالِّ مِنَ الْغَنِيمَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ـ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ امْتَنَعَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الْقَوْمِ، فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادِ حسن مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ
[وإن وجد بعض الميت غسل وكفن]
قَتَلَ نَفْسَهُ. وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ، غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا يُصَلَّى عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQخَالِدٍ؛ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ (وَلَا عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ) عَمْدًا فِي الْأَصَحِّ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ «قَالَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: أَمَّا أَنَا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ» وَهُوَ سَهْمٌ لَهُ نَصْلٌ عَرِيضٌ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَحُكِيَ رِوَايَةً. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ فِي هَجْرِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْفُسَّاقِ، فيجيء الخلاف، فلا يصلي أهل الفضل على الفساق؛ لِأَنَّ فِي امْتِنَاعِ الْإِمَامِ رَدْعًا وَزَجْرًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِمَا غَيْرُ الْإِمَامِ، قَالَهُ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَيُصَلِّي عَلَى كُلِّ عَاصٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: مَا نَعْلَمُ أَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى الْغَالِّ وَقَاتِلِ نَفْسِهِ، وَيَلْحَقُ بِهِمَا صَاحِبُ بِدْعَةٍ مُكَفِّرَةٍ، وَعَنْهُ: وَلَا يُصَلِّي عَلَى أَهْلِ الْكَبَائِرِ، جَزَمَ به فِي " التَّرْغِيبِ "، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي كُلِّ مَنْ مَاتَ عَنْ مَعْصِيَةٍ ظَاهِرَةٍ بِلَا تَوْبَةٍ؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَعَنْهُ، وَلَا عَلَى مَنْ قُتِلَ فِي حَدٍّ، وَلَا عَلَى مَدِينٍ، وَعَنْهُ: يُصَلّى عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، كَمَا يُصَلِّي غَيْرُهُ حَتَّى عَلَى بَاغٍ وَمُحَارِبٍ. [وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ غُسِّلَ وَكُفِّنَ] (وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ) تَحْقِيقًا، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ أَبَا أَيُّوبَ صَلَّى عَلَى رِجْلٍ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَصَلَّى عُمَرُ عَلَى عِظَامٍ بِالشَّامِ، وَصَلَّى أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى رُءُوسٍ بَعْدَ تَغْسِيلِهَا وَتَكْفِينِهَا، رَوَاهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَلْقَى طَائِرٌ يَدًا بِمَكَّةَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ عُرِفَتْ بِالْخَاتَمِ، وَكَانَتْ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا أَهْلُ مَكَّةَ، وَالْمُرَادُ بِالْبَعْضِ غَيْرُ شَعْرٍ وَظُفْرٍ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ، وَكَذَا سَنَّ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ: يُلَفُّ فِي
[الصلاة على الميت في المسجد]
الْجَوَارِحِ، وَإِنِ اخْتَلَطَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِمَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، صَلَّى عَلَى الْجَمِيعِ، يَنْوِي مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ ـــــــــــــــــــــــــــــQشَيْءٍ بَعْدَ تَطْهِيرِهِ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وُجُوبًا إِنْ لَمْ يَكُنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا كَغُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ فِي الْأَصَحِّ، فَقِيلَ: يَنْوِي الْجُمْلَةَ إِذَا صَلَّى، ثُمَّ وَجَدَ الْأَكْثَرَ، فَفِي الْوُجُوبِ احْتِمَالَانِ، وَإِنْ تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ جَعَلَا لِلْأَكْثَرِ كَالْكُلِّ (وَعَنْهُ: لَا يُصَلَّى عَلَى الْجَوَارِحِ) الَّتِي يَكْتَسِبُ بِهَا، كَمَا لَوْ بَانَ فِي حَيٍّ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلِئَلَّا تَتَكَرَّرَ الصَّلَاةُ، فَمَتَى وُجِدَ الْأَكْثَرُ صَلَّى عَلَيْهِ، وَهَلْ يُنْبَشُ لِيُدْفَنَ مَعَهُ، أَمْ بِجَنْبِهِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ. فَرْعٌ: إِذَا بَانَ مِنْ حَيٍّ كَيَدِ سَارِقٍ انْفَصَلَ فِي وَقْتٍ لَوْ وُجِدَتْ فِيهِ الْجُمْلَةُ، لَمْ يَغُسَّلْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَيْهِمَا إِنِ احْتَمَلَ مَوْتَهُ (وَإِنِ اخْتَلَطَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ) كَمُسْلِمٍ (وَمَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) كَكَافِرٍ (صَلَّى عَلَى الْجَمِيعِ) لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِ وَاجِبَةٌ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنِ الْعُهْدَةِ إِلَّا بِذَلِكَ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ الْجَمِيعُ، وَيُكَفَّنُونَ، سَوَاءً كَانَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ أَكْثَرَ أَمْ لَا، وَسَوَاءً فِي ذَلِكَ دَارُ الْحَرْبِ وَغَيْرُهَا، وَعَنْهُ: إِذَا اشْتَبَهُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا. (يَنْوِي مَنْ يُصَلّى عَلَيْهِ) أَيْ: يَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْكَافِرِ لَا تَجُوزُ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَ عَزْلُهُمْ، وَإِلَّا دُفِنُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَهُ أَحْمَدُ. مَسْأَلَةٌ: يُصَلَّى عَلَى الْمُسْلِمَةِ الْحَامِلَةِ دُونَ حَمْلِهَا قَبْلَ مُضِيِّ تَصْوِيرِهِ، وَعَلَيْهِمَا مَعًا بَعْدَهُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّ لَهُمْ حُكْمَ آبَائِهِمْ إِلَّا مَنْ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ مِنْهُمْ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ. [الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ] (وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ) قَالَ الْآجُرِّيُّ: السُّنَّةُ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا فِيهِ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ «صَلَّى النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ»
وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُ النِّسَاءِ صَلَّيْنَ عَلَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQرَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَصُلِّيَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِيهِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ، فَلَمْ تُكْرَهْ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَقِيلَ: هُوَ أَفْضَلُ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَخَيَّرَهُ أَحْمَدُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَإِنْ لَمْ يُؤْمَنْ تَلْوِيثُهُ، لَمْ يَجُزْ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الْكَرَاهَةِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ ثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ» وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ انْفِجَارُهُ فِيهِ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ صَالِحًا فِيهِ ضَعْفٌ، وَبِأَنَّ احْتِمَالَ انْفِجَارِهِ نَادِرٌ، ثُمَّ هُوَ عَادَةٌ بِعَلَامَةٍ، فَمَتَى ظَهَرَتْ كُرِهَ إِدْخَالُهُ الْمَسْجِدَ (وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُ النِّسَاءِ صَلَّيْنَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْ أَنْ يُؤْتَى بِأُمِّ سَعْدٍ، وَكَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُنَّ يُصَلِّينَ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الرِّجَالِ وُجُوبًا ضَرُورَةَ الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْفَرْضِ وَيَسْقُطُ بِهِنَّ، وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي مَا يُشْعِرُ بِخِلَافِهِ. وَتُسَنُّ لَهُنَّ جَمَاعَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَتَقِفُ إِمَامَتُهُنَّ وَسَطًا لِمَكْتُوبَةٍ، وَيَقْدُمُ مِنْهُنَّ مَنْ يَقْدُمُ مِنَ الرِّجَالِ حَتَّى قَاضِيهِ وَوَالِيِّهِ، وَكَرِهَ ابْنُ عَقِيلٍ لِسُرْعَانِ الِاجْتِهَادِ، وَقِيلَ: فُرَادَى أَفْضَلُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، كَصَلَاتِهِنَّ بَعْدَ رِجَالٍ فِي وَجْهٍ. فَائِدَةٌ: يَحْصُلُ لَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا قِيرَاطٌ؛ وَهُوَ أَمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ قِيرَاطٌ بِنِسْبَتِهِ مِنْ أَجْرِ صَاحِبِ الْمُصِيبَةِ، وَلَهُ بِتَمَامِ دَفْنِهَا آخَرُ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَجْهًا أَنَّ الثَّانِيَ بِوَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ، وَقِيلَ: إِذَا سُتِرَ بِاللَّبِنِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ لِلثَّانِي أَنْ لَا يُفَارِقَهَا مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى تُدْفَنَ، أَمْ يَكْفِيَ حُضُورُ دَفْنِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَا تُحْمَلُ الْجِنَازَةُ إِلَى مَكَانِهِ وَمَحَلِّهِ لِيُصَلَّى عَلَيْهَا، فَهِيَ كَالْإِمَامِ يُقْصَدُ وَلَا يَقْصِدُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
[فصل في حمل الميت]
فَصْلٌ فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ يُسْتَحَبُّ التَّرْبِيعُ فِي حَمْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يَضَعَ قَائِمَةَ السَّرِيرِ الْيُسْرَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُؤَخَّرَةِ، ثُمَّ يضع قائمة الْيُمْنَى الْمُقَدَّمَةِ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُؤَخَّرَةِ، وَإِنْ حَمَلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَحَسَنٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ] [كَيْفِيَّةُ حَمْلِ الْمَيِّتِ] فَصْلٌ فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَا يَخْتَصُّ كَوْنُ فَاعِلِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، فَيَسْقُطُ بِكَافِرٍ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا تَلْقِينُهُ وَدَفْنُهُ وِفَاقًا لِعَدَمِ اعْتِبَارِ النِّيَّةِ (يُسْتَحَبُّ) أَنْ يَحْمِلَهُ أَرْبَعَةٌ، لِأَنَّهُ يُسَنُّ (التَّرْبِيعُ فِي حَمْلِهِ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَنِ اتَّبَعَ جِنَازَةً فَلْيَحْمِلْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ كُلِّهَا، فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ فَلْيَتَطَوَّعْ، وَإِنْ شَاءَ فَلْيَدَعْ. إِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. إِلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، لَكِنْ كَرِهَهُ الْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُ إِذَا ازْدَحَمُوا عَلَيْهَا (وَهُوَ أَنْ يَضَعَ قَائِمَةَ السَّرِيرِ الْيُسْرَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُؤَخَّرَةِ، ثُمَّ يَضَعُ قَائِمَةَ الْيُمْنَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُؤَخَّرَةِ) هَذَا صِفَةُ التَّرْبِيعِ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ، فَبُدِئَ فِيهِ بِالْمُقَدَّمَةِ، وَعَنْهُ: يَنْتَقِلُ مِنْ رِجْلِ السَّرِيرِ الْيُمْنَى إِلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَخْتِمُ بِرَأْسِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ أَخَفُّ (وَإِنْ حَمَلَ) كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى عَاتِقِهِ (بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَحَسَنٌ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ حَمَلَ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، وَرُوِيَ عَنْ سَعْدٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمْ
[الإسراع بالجنازة]
وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِهَا، وَيَكُونُ الْمُشَاةُ أَمَامَهَا، وَالرُّكْبَانُ خَلْفَهَا. وَلَا يَجْلِسُ من ـــــــــــــــــــــــــــــQفَعَلُوا ذَلِكَ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، حَكَاهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُهَا، وَلَيْسَ بِأَفْضَلَ مِنَ التَّرْبِيعِ، وَعَنْهُ: هُمَا سَوَاءٌ، وَالْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ حَمْلِهَا عَلَى مَا ذُكِرَ حُمِلَتْ بِالتَّابُوتِ، وَالرِّجَالِ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ طِفْلًا فَلَا بَأْسَ بِحَمْلِهِ عَلَى الْأَيْدِي. صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى نَعْشٍ كَمَا قَدَّمْنَا، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً اسْتُحِبَّ سَتْرُ نَعْشِهَا بِمَكَبَّةٍ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، وَرُوِيَ أَنَّ فَاطِمَةَ صُنِعَ لَهَا ذَلِكَ بِأَمْرِهَا، وَمَا نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنِ اتُّخِذَ ذَلِكَ لَهُ زَيْنَبُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ وَفَاتَهَا كَانَتْ سَنَةَ عِشْرِينَ. قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَيُجْعَلُ فَوْقَ الْمَكَبَّةِ ثَوْبٌ، وَكَذَا إِنْ كَانَ بِهِ حَدَبٌ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّهُ يُشْهَرُ بِالْمُثْلَةِ، وَلَا بَأْسَ بِحَمْلِهِ عَلَى دَابَّةٍ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَبُعْدِ قَبْرِهِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يَحْرُمُ حَمْلُهَا عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَةٍ أَوْ هَيْئَةٍ يَخَافُ مَعَهَا سُقُوطُهَا. [الْإِسْرَاعُ بِالْجِنَازَةِ] (وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِهَا) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ دُونَ الْخَبَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، زَادَ فِي " الْمُذْهَبِ ": وَفَوْقَ السَّعْيِ، وَفِي " الْكَافِي " لَا يُفْرِطُ فِي الْإِسْرَاعِ فَيَمْخَضُهَا وَيُؤْذِي مُتَّبِعَهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنِ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ، وَلَكِنْ يُرَاعِي الْحَاجَةَ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ أَسْرَعَ (وَيَكُونُ الْمُشَاةُ أَمَامَهَا) نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ [كَانُوا] يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ، وَرَوَاهُ أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ، وَالشَّفِيعُ يَتَقَدَّمُ الْمَشْفُوعَ لَهُ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ حَيْثُ شَاءَ، وَفِي " الْكَافِي " حَيْثُ مَشَى قَرِيبًا مِنْهَا فَحَسَنٌ.
تَّبِعُهَا حَتَّى تُوضَعَ، وَإِنْ جَاءَتْ وَهُوَ جَالِسٌ لَمْ يَقُمْ لَهَا وَيَدْخُلُ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: خَلْفَهَا أَفْضَلُ لِأَنَّهَا مَتْبُوعَةً (وَالرُّكْبَانُ خَلْفَهَا) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّ سَيْرَهُ أَمَامَهَا يُؤْذِي مُتَّبِعَهَا، وَقَالَ الْمَجْدُ: يُكْرَهُ أَمَامَهَا، وَفِي رَاكِبِ سَفِينَةٍ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ كَرَاكِبٍ أَوْ كَمَاشٍ، وَأنَّ عَلَيْهِمَا يَنْبَنِي دَوَرَانُهُ فِي الصَّلَاةِ. وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ اتِّبَاعُهَا، وَحَرَّمَهُ الْآجُرِّيُّ فِي الشَّابَّةِ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُمْنَعْنَ مِنَ اتِّبَاعِهَا؛ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَأَبَاحَهُ قَوْمٌ لِقَرَابَةٍ. وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: هُوَ بِدْعَةٌ، وَيَجِبُ طَرْدُهُنَّ، فَإِنْ رَجَعْنَ، وَإِلَّا رَجَعَ الرِّجَالُ بَعْدَ أَنْ يُحْثُوا فِي وُجُوهِهِنَّ التُّرَابَ، وَكَذَا يُكْرَهُ لِمُتَّبِعِهَا الضَّحِكُ وَالتَّبَسُّمُ وَالتَّحَدُّثُ بِأَمْرِ الدُّنْيَا، وَأَنْ تُوضَعَ عَلَيْهَا الْأَيْدِي، وَأَنْ يُقَالَ حَالَ الْمَشْيِ مَعَهَا: اللَّهُمَّ سَلِّمْ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَاسْتَغْفِرُوا لَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَسْكُتُوا، أَوْ يَذْكُرُوا اللَّهَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: خُفْيَةً. فَرْعٌ: يُكْرَهُ الرُّكُوبُ لِمَنْ تَبِعَهَا إِلَّا لِحَاجَةٍ وَكَعَوْدِهِ، وَتَقَدُّمُهَا إِلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ لَا إِلَى الْمَقْبَرَةِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا كَانَ مَعَهَا مُنْكَرٌ وَقَدَرَ عَلَى إِزَالَتِهِ تَبِعَهَا وَأَزَالَهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتْبَعَهَا، وَعَنْهُ: بَلْ وَيُنْكِرُهُ بِحَسَبِهِ، وَمَنْ كَانَ حُضُورُهُ يُزِيلُ الْمُنْكَرَ، لَزِمَهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، كَحُصُولِ الْمَقْصُودِ، فَيُعَايَا بِهَا. (وَلَا يَجْلِسُ مَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُوضَعَ) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ: «مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَا يَجْلِسُ
[صفة دفن الميت]
رِجْلِ الْقَبْرِ. إِنْ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ. وَلَا يُسْجَى الْقَبْرُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِامْرَأَةٍ، وَيُلْحَدُ ـــــــــــــــــــــــــــــQحَتَّى تُوضَعَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا وَضْعُهَا عَلَى الْأَرْضِ لِلدَّفْنِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَعَنْهُ: لِلصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: فِي اللَّحْدِ، لِاخْتِلَافِ الْخَبَرِ، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ الْجُلُوسُ قَبْلَ وَضْعِهَا كَمَنْ بَعُدَ (وَإِنْ جَاءَتْ وَهُوَ جَالِسٌ لَمْ يَقُمْ لَهَا) لِقَوْلِ عَلِيٍّ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ ثُمَّ قَعَدَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ عَلِيٌّ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أَمَرَ بِالْقِيَامِ، ثُمَّ جَلَسَ، وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَكَذَا إِذَا مَرَّتْ بِهِ، وَعَنْهُ: الْقِيَامُ وَتَرْكَهُ سَوَاءٌ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِأَمْرِهِ بِذَلِكَ، وَعَنْهُ: حَتَّى تَغِيبَ أَوْ تُوضَعُ، فَيَقُومُ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَيْهِ حِينَ رُؤْيَتِهَا، لِلْخَبَرِ، وَظَاهِرُهُ: لَوْ كَانَتْ جِنَازَةُ كَافِرٍ، لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْأَصَحُّ الْكَرَاهَةُ، إِذْ دَلِيلُهُ نَاسِخٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ [صِفَةُ دَفْنِ الْمَيِّتِ] (وَيَدْخُلُ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ) أَيْ: مِنْ شَرْقِهِ ثُمَّ يُسِلُّهُ سَلًّا، لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ سَلًّا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ أَدْخَلَ الْحَارِثَ قَبْرَهُ مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْقَبْرِ، وقال: هَذَا مِنَ السُّنَّةِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ مُوَجِّهٍ بَلْ دُخُولٍ، وَدُخُولُ الرَّأْسِ أَوْلَى، كَعَادَةِ الْحَيِّ، لِكَوْنِهِ يَجْمَعُ الْأَعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ، وَلِهَذَا يَقِفُ عِنْدَ رَأْسِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَيَبْدَأُ بِهِ فِي حَمْلِهِ (إِنْ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ) كَذَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْمَجْدُ؛ لِأَنَّ فِي ضِدِّهَا ضَرَرًا وَمَشَقَّةً؛ وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَظَاهِرُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQكَلَامِهِ أَنَّهُ يُدْخِلُهُ مُعْتَرِضًا مِنْ قِبْلَتِهِ إِذَا لَمْ يَسْهُلْ مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ، وَخَرَجَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقِيلَ: يَبْدَأُ بِإِدْخَالِ رِجْلِهِ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِيمَنْ يَدْخُلُهُ، بِحَسَبِ الْحَاجَةِ كَسَائِرِ أُمُورِهِ، وَقِيلَ: الْوِتْرُ أَفْضَلُ، وَأَنَّهُ لَا حَدَّ لِعُمْقِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ «احْفُرُوا، وَأَعْمِقُوا، وَأَحْسِنُوا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. قَالَ أَحْمَدُ: يُعَمَّقُ إِلَى الصَّدْرِ، وَقَدَّرَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا بِقَامَةٍ وَبَسْطَةٍ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ نَصًّا، وَالْبَسْطَةُ: الْبَاعُ، وَجَعَلَهُمَا فِي " الْوَسِيلَةِ " أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَنِصْفًا نَصًّا، وَبِالْجُمْلَةِ يَكْفِي مَا يَمْنَعُ الرَّائِحَةَ وَالسِّبَاعَ، وَلَا يَجُوزُ جَعْلُهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَمَوْضِعُ فَوْقَهُ خَشَبًا لَا فِي تُرَابٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، كَمَا لَا يَجُوزُ سَتْرُهُ إِلَّا بِالثِّيَابِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. تَنْبِيهٌ: الْأَحَقُّ بِالتَّلْقِينِ وَالدَّفْنِ أَحَقُّهُمْ بِالْغُسْلِ. وَذَكَرَ الْمَجْدُ وَابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَلَّى دَفْنَ الْمَيِّتِ غَاسِلُهُ، فَيُقَدَّمُ الْوَصِيُّ، ثُمَّ الأقرب فَالْأَقْرَبُ، ثُمَّ الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ، ثُمَّ النِّسَاءُ الْمَحَارِمُ، ثُمَّ الْأَجْنَبِيَّاتُ، وَالْمَرْأَةُ مَحَارِمُهَا الرِّجَالُ أَوْلَى مِنَ الْأَجَانِبِ، وَمِنْ مَحَارِمِهَا النِّسَاءُ بِدَفْنِهَا، وَهَلْ يُقَدَّمُ الزَّوْجُ عَلَى مَحَارِمِهَا الرِّجَالِ أَمْ لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ عُدِمَا، فَالرِّجَالُ الْأَجَانِبُ أَوْلَى فِي الْمَشْهُورِ، وَعَنْهُ: نِسَاءُ مَحَارِمِهَا، قَدَّمَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَوْلَى، وَشَرْطُهُ عَدَمُ مَحْذُورٍ مِنْ تَكَشُّفِهِنَّ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ أَوْ غَيْرِهِ. قَالَ الْمَجْدُ: أَوِ اتِّبَاعِهِنَّ الْجِنَازَةَ، وَيُقَدَّمُ مِنَ الرِّجَالِ خَصِّيٌّ، ثُمَّ شَيْخٌ، ثُمَّ أَفْضَلُ دِينًا وَمَعْرِفَةً، وَمِنْ بَعْدِ عَهْدِهِ بِجَمَاعَةٍ أَوْلَى مِمَّنْ قَرُبَ. فَرْعٌ: لَا يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ دَفْنُ امْرَأَةٍ مَعَ حُضُورِ مَحْرَمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يَحْمِلُهَا مِنَ الْمُغْتَسَلِ إِلَى النَّعْشِ، وَيُسَلِّمُهَا إِلَى مَنْ فِي الْقَبْرِ، وَيَحِلُّ عُقَدَ الْكَفَنِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ "، وَمَتَى كَانَ الْأَوْلَى بِغُسْلِهِ
لَهُ لَحْدًا. وَيُنْصَبُ اللَّبِنُ عَلَيْهِ نَصْبًا، وَلَا يُدْخِلُهُ خَشَبًا، وَلَا شَيْئًا مَسَّهُ النَّارُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَوْلَى بِدَفْنِهِ تَوَلَّاهُمَا بِنَفْسِهِ، ثُمَّ نَائِبُهُ إِنْ شَاءَ (وَلَا يُسْجَى الْقَبْرُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ امْرَأَةٍ) فَإِنَّهُ يُسَنُّ تَغْطِيَةُ قَبْرِهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نُعَلِّمُهُ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَرَاهُ الْحَاضِرُونَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ " الْوَجِيزِ " وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً، وَيُكْرَهُ سَتْرُ قَبْرِ الرَّجُلِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ وَتَقَدَّمَ بِقَوْمٍ دَفَنُوا مَيِّتًا وَبَسَطُوا عَلَى قَبْرِهِ الثَّوْبَ، فَجَذَبَهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا يُصْنَعُ هَذَا بِالنِّسَاءِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّ كَشْفَهُ أَمْكَنُ وَأَبْعَدُ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ مِنْ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُكْرَهْ (وَيُلْحِدُ لَهُ لَحْدًا) لِقَوْلِ سَعْدٍ: الْحِدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا اللَّبِنَ عَلَيَّ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وَاللَّحْدُ إِذَا بَلَغَ الْحَافِرُ قَرَارَ الْقَبْرِ حَفَرَ فِيهِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ مَكَانًا يُوضَعُ فِيهِ الْمَيِّتُ؛ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الشَّقِّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ أَنْ يَحْفِرُوا أَرْضَ الْقَبْرِ شَقًّا يَضَعُ فِيهِ الْمَيِّتَ وَيُسْقَفُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَيُكْرَهُ الشَّقُّ بِلَا عُذْرٍ، فَلَوْ تَعَذَّرَ اللَّحْدُ لِكَوْنِ التُّرَابِ يَنْهَارُ يَبْنِيهِ بِلَبِنٍ وَحِجَارَةٍ إِنْ أَمِنَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَشُقُّ إِذَنْ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا أُحِبُّ الشَّقَّ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ (وَيَنْصِبُ اللَّبِنَ عَلَيْهِ نَصْبًا) لِحَدِيثِ سَعْدٍ، وَإِنْ جَعَلَ عَلَيْهِ طِنَّ قَصَبٍ جَازَ، لِقَوْلِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ: رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّبِنَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ مَنْ جِنْسِ الْأَرْضِ، وَأَبْعَدُ مِنْ أَبْنِيَةِ الدُّنْيَا، وَعَنْهُ: الْقَصَبُ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ، وَابْنُ عَقِيلٍ؛ «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ خَرَّجَ عَلَى قَبْرِهِ طُنٌّ مِنْ قَصَبٍ» ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " هُمَا سَوَاءٌ، وَيُسَدُّ الْخَلَلُ بِمَا يَمْنَعُ التُّرَابَ مِنْ طِينٍ وَغَيْرِهِ.
وَيَقُولُ الَّذِي يُدْخِلُهُ الْقَبْرَ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَيَضَعُهُ فِي لَحْدِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَيَحْثِي التُّرَابَ فِي الْقَبْرِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ يُهَالُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ أَحْمَدُ: وَيَسُدُّ الْفُرْجَةَ بِحَجَرٍ، فَدَلَّ أَنَّ الْبَلَاطَ كَاللَّبِنِ، وَإِنْ كَانَ اللَّبِنُ أَفْضَلَ (وَلَا يَدْخُلُهُ خَشَبًا) بِلَا ضَرُورَةٍ (وَلَا شَيْئًا مَسَّهُ النَّارُ) لِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ اللَّبِنَ وَيَكْرَهُونَ الْخَشَبَ وَالْآجُرَّ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِأَهْلِ الدُّنْيَا، وَتَفَاؤُلًا أَنْ لَا تَمَسَّهُ النَّارُ، وَيُكْرَهُ دَفْنُهُ فِي تَابُوتٍ وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً، أَوْ فِي حَجَرٍ مَنْقُوشٍ. قَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ يُجْعَلُ فِيهِ حَدِيدٌ، وَلَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ رَخْوَةً أَوْ نَدِيَّةً (وَيَقُولُ الَّذِي يُدْخِلُهُ الْقَبْرَ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ إِذَا وَضَعَ الْمَيِّتَ قَالَ ذَلِكَ» ، وَفِي لَفْظٍ: وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رَوَى ذَلِكَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَعَنْهُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي الْقَبْرِ وَصَاحِبِهِ» ، وَإِنْ قَرَأَ {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} [طه: 55] الْآيَةَ، وَأَتَى بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ لَائِقٍ عِنْدَ وَضْعِهِ وَإِلْحَادِهِ، فَلَا بَأْسَ لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ (وَيَضَعُهُ فِي لَحْدِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ هَكَذَا دُفِنَ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ وَالْمُؤَلِّفِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " يَجِبُ دَفْنُهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَعِنْدَ صَاحِبِ " الْخُلَاصَةِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَجَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ تَحْتَ رَأْسِهِ شَيْئًا لِقَوْلِ عُمَرَ: إِذَا جَعَلْتُمُونِي فِي اللَّحْدِ فَأَفْضُوا بِخَدِّي إِلَى الْأَرْضِ. وَاسْتَحَبَّ عَامَّتُهُمْ أَنْ يَجْعَلَ تَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةً كَالْمِخَدَّةِ لِلْحَيِّ، وَيَجْعَلُ قُدَّامَهُ وَخَلْفَهُ مَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ عَلَى قَفَاهُ أَوْ وَجْهِهِ، وَفِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْفُرُوعِ " يُدْنِيهِ مِنْ قِبْلَةِ اللَّحْدِ، وَيُسْنَدُ خَلْفَهُ، وَيُكْرَهُ الْمُرَقَّعَةُ وَالْمُضَرَّبَةُ،
عَلَيْهِ التُّرَابُ. وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ عَنِ الْأَرْضِ مُسَنَّمًا، وَيُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ. وَلَا بَأْسَ بِتَطْيِينِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQنَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا قَطِيفَةٌ تَحْتَهُ لِكَرَاهَةِ الصَّحَابَةِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَنَصَّ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا مِنْ عِلَّةٍ فِي الْأَرْضِ، وَعَنْهُ: مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ شُقْرَانَ وَضَعَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَطِيفَةً حَمْرَاءَ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ اتِّفَاقٍ مِنْهُمْ (وَيُحْثِي التُّرَابَ فِي الْقَبْرِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ) اسْتِحْبَابًا، لِمَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ حَثَى عَلَى الْمَيِّتِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالْيَدِ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ وَهُوَ شَامِلٌ لِحَاضِرٍ بِهِ، زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ: مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقِيلَ: مَنْ دَنَا مِنْهُ، وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ ابْنُ مُنَجَّا: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ إِذَا حَثَى الْأُولَى {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} [طه: 55] وَفِي الثَّانِيَةِ {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} [طه: 55] وَفِي الثَّالِثَةِ {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55] (ثُمَّ يُهَالُ) أَيْ: يُصَبُّ (عَلَيْهِ التُّرَابُ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: مَا عَلِمْنَا بِدَفْنِ رَسُولِ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَاحِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَتْ فَاطِمَةُ لِأَنَسٍ: كَيْفَ طَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ التُّرَابَ؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَيُكْرَهُ أَنْ يُزَادَ فِي الْقَبْرِ مِنْ غَيْرِ تُرَابِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِنَهْيِ عُقْبَةَ عَنْهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ. قَالَ فِي " الْفُصُولِ ": إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ، وَلَا بَأْسَ بِتَعْلِيمِهِ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ وَنَحْوِهِمَا عِنْدَ رَأْسِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ تَرَكَ عِنْدَ قَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ
[أحكام خاصة بالقبر]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQصَخْرَةً» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَنَصَّ على استحبابه، واختلف عنه في اللوح، والأشبه أنه لا بأس به بلا كتابة، قاله ابْنُ تَمِيمٍ [أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ بِالْقَبْرِ] (وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ عَنِ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ) لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ رُفِعَ قَبْرُهُ عَنِ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ، رَوَاهُ السَّاجِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَلِأَنَّهُ يُعْلَمُ أنه قبر فَيُتَّوَقَّى وَيُتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، وَيُكْرَهُ فَوْقَ شِبْرٍ؛ لِأَنَّ «فَضَالَةَ أَمَرَ بِقَبْرٍ فَسُوِّيَ، وَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَأْمُرُ بِذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَحَمَلَهُ الْمَجْدُ عَلَى تَقْرِيبِهِ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْمَنْعِ عَنْ عُلُوِّهَا الْفَاحِشِ (مُسَنَّمًا) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ مُسَنَّمًا، وَلِأَنَّ التَّسْطِيحَ يُشْبِهُ أَبْنِيَةَ أَهْلِ الدُّنْيَا؛ وَهُوَ شِعَارُ أَهْلِ الْبِدَعِ، فَكَانَ مَكْرُوهًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّسْطِيحُ أَفْضَلُ، وَخَالَفَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَ: وَبَلَغَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ» ؛ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَطَّحَ جَوَانِبَهَا وَسَنَّمَ سَطْحَهَا، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهَا إِذَا دُفِنَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ تَعَذُّرِ نَقْلِهِ، فَالْأَوْلَى تَسْوِيَتُهُ بِالْأَرْضِ وَإِخْفَاؤُهُ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ (وَيُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ) «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ رَشَّ عَلَى قَبْرِ سَعِيدٍ مَاءً» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ، وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُ رَشَّ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ الْمَاءَ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ يُلَبِّدُهُ، وَهُوَ آثَارُ الرَّحْمَةِ، وَيُوضَعُ عَلَيْهِ حَصًى صِغَارٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ يَعُمُّهُ بِهَا لِيَحْفَظَ تُرَابَهُ، وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رَشَّ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ مَاءً، وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصًى» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (وَلَا بَأْسَ بِتَطْيِينِهِ) قَالَهُ
وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ، وَالْبِنَاءُ وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ. وَالْجُلُوسُ، وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ، وَالِاتِّكَاءُ إِلَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQأَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ طُيِّنَ قَبْرُهُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ صِيَانَةً عَنِ الدَّرْسِ، وَكَرِهَهُ أَبُو حَفْصٍ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، وَالنَّهْيُ الْوَارِدُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى طِينٍ فِيهِ تَحْسِينٌ لِلْقَبْرِ وَزِينَةٌ (وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ) وَتَزْوِيقُهُ وَتَحْلِيقُهُ؛ وَهُوَ بِدْعَةٌ (وَالْبِنَاءُ) عَلَيْهِ، أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ. لَاصِقَةً أَوْ لَا، لِقَوْلِ جَابِرٍ «نَهَى النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْقُبَّةِ وَالْبَيْتِ وَالْحَظِيرَةِ فِي مِلْكِهِ. قَالَ الْمَجْدُ: وَيُكْرَهُ فِي صَحْرَاءٍ لِلضِّيقِ وَالتَّشَبُّهِ بِأَبْنِيَةِ الدُّنْيَا، وَكَرِهَ فِي " الْوَسِيلَةِ " الْبِنَاءَ الْفَاخِرَ كَالْقُبَّةِ، وَظَاهِرُهُ لَا بَأْسَ بِبِنَاءٍ مُلَاصِقٍ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِتَعْلِيمِهِ وَحِفْظِهِ دَائِمًا، فَهُوَ كَالْحَصْبَاءِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْمُعْتَادِ، أَوْ يَخُصُّ مِنْهُ، وَعَنْهُ: مَنْعُ الْبِنَاءِ فِي وَقْفٍ عَامٍّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رَأَيْتُ الْأَئِمَّةَ بِمَكَّةَ يَأْمُرُونَ بِهَدْمِ مَا تَبَقَّى، وَالْمَنْقُولُ هُنَا الْمَنْعُ خِلَافُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ تَمِيمٍ، يُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ عَمَّنِ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَقْبَرَةِ لِغَيْرِهِ، قَالَ: لَا يُدْفَنُ فِيهَا، وَالْمُرَادُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ لِغَيْرِهِ، وَجَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: بِأَنَّهُ يَحْرُمُ حفر قَبْرٌ فِي مُسْبَلَةٍ قَبْلَ الْحَاجَةِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَتُكْرَهُ الْخَيْمَةُ وَالْفُسْطَاطُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَمْرِ ابْنِ عُمَرَ بِإِزَالَتِهِ. وَقَالَ: إِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّ الصَّحْرَاءَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَانَ يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ بِالْبَقِيعِ؛ وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَسَاكِنِ الْآخِرَةِ، وَأَكْثَرُ لِلدُّعَاءِ لَهُ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ، سِوَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَاخْتَارَ صَاحِبَاهُ الدَّفْنَ عِنْدَهُ تَشَرُّفًا وَتَبَرُّكًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْخَرْقَ يُتَّبَعُ، وَالْمَكَانُ ضَيِّقٌ، وَجَاءَتْ أَخْبَارٌ تَدُلُّ عَلَى دَفْنِهِمْ كَمَا وَقَعَ، ذَكَرَهَا الْمَجْدُ. (وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «نَهَى أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوطَأَ» (وَالْجُلُوسُ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لِأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ من أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» .
فصل وَلَا يُدْفَنُ فِيهِ اثْنَانِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ إِلَى الْقِبْلَةِ. وَيُجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالْخَلَّالُ مَرْفُوعًا «لِأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ أَوْ سَيْفٍ أَحَبُّ إِلَيَّ [مِنْ] أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ» ، وَفِي " الْكَافِي " إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى قَبْرِ مَنْ يَزُورُهُ إِلَّا بِالْوَطْءِ جَازَ لِلْحَاجَةِ (وَالِاتِّكَاءُ إِلَيْهِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رَأَى عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ مُتَّكِئًا عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ: لَا تُؤْذِهِ» . مَسْأَلَةٌ: لَا يَجُوزُ الْإِسْرَاجُ عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا، وَلَا بَيْنَهَا. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيَتَعَيَّنُ إِزَالَتُهَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. فَلَوْ وُضِعَ الْمَسْجِدُ وَالْقَبْرُ مَعًا لَمْ يَجُزْ، وَلَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ وَلَا الصَّلَاةُ، قَالَهُ فِي " الْهَدْيِ " وَفِي " الْوَسِيلَةِ ": يُكْرَهُ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عِنْدَهَا، وَيُكْرَهُ الْحَدِيثُ عِنْدَهَا، وَالْمَشْيُ بِالنَّعْلِ فِيهَا، وَيُسَنُّ خَلْعُهُ إِلَّا خَوْفَ نَجَاسَةٍ أَوْ شَوْكٍ، نَصَّ عَلَيْهِ. 1 - فَصْلٌ يَسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لَهُ عِنْدَ الْقَبْرِ بَعْدَ دَفْنِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَعَلَهُ أَحْمَدُ جَالِسًا، وَاسْتَحَبَّ الْأَصْحَابُ وُقُوفَهُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ وَالْأَحْنَفُ. وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: هُوَ بِدْعَةٌ، وَاسْتَحَبَّ الْأَكْثَرُ تَلْقِينَهُ بَعْدَ دَفْنِهِ، لِقَوْلِ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، وَضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، وَحَكِيمِ بْنِ عُمَيْرٍ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ قَبْرِهِ: يَا فُلَانُ قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَا فُلَانُ قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِيَ الْإِسْلَامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ. رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ وَالطَّبَرَانِيُّ. فَيَجْلِسُ الْمُلَقِّنُ عِنْدَ رَأْسِهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَفْعَلُهُ إِلَّا أَهْلُ الشَّامِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَلْقِينُهُ مُبَاحٌ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَلَا يُكْرَهُ. وَفِي
اثْنَيْنِ حَاجِزٌ مِنَ التُّرَابِ. وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ، نُبِشَ وَأُخِذَ. وَإِنْ كُفِّنَ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَلْقِينِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ، وَسُؤَالِهِ، وَانْتِخَابُهُ النَّقِيَّ قَوْلُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْإِثْبَاتُ قَوْلُ أَبِي حَكِيمٍ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدُوسَ عَنِ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. (وَلَا يُدْفَنُ فِيهِ اثْنَانِ) أَيْ: يَحْرُمُ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَانَ يَدْفِنُ كُلَّ مَيِّتٍ فِي قَبْرٍ، وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّ فِعْلُ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عقيل والشيخ تَقِيِّ الدِّينِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي الْمَحَارِمِ، وَقِيلَ: فِيمَنْ لَا حُكْمَ لِعَوْرَتِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُدْفَنَا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يُبْلَ لَمْ يَجُزْ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَلِيَ جَازَ فِي الْأَصَحِّ، وَيُعْمَلُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِتِلْكَ الْأَرْضِ، وَإِنْ حَفَرَ فَوَجَدَ عِظَامَ الْمَيِّتِ دَفَنَهَا، وَحَفَرَ فِي مَكَانٍ آخَرَ، نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا لِضَرُورَةٍ) وَكَكَثْرَةِ الْمَوْتَى، وَقِلَّةِ مَنْ يَدْفِنُهُمْ، وَخَوْفِ الْفَسَادِ عَلَيْهِمْ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ يَوْمَ أُحُدٍ: «ادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ إِلَى الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» حِينَ سَأَلُوهُ مَنْ يُقَدَّمُ فِيهِ؛ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَكَمَا يُقَدَّمُ إِلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ (وَيُجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزٌ مِنَ التُّرَابِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِيَصِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ فِي قَبْرٍ مُنْفَرِدٍ. وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: إِنْ كَانَ فِيهِمْ نِسَاءٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَا بَأْسَ بِالذَّهَابِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ أَهْلِ الْمَيِّتِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQتَذْنِيبٌ: كَرِهَ أَحْمَدُ الدَّفْنَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وَقِيَامِهَا، وَفِي " الْمُغْنِي " لَا يَجُوزُ، وَيَجُوزُ لَيْلًا، ذَكَرَهُ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، حَكَاه ابْنُ هُبَيْرَةَ اتِّفَاقَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ حَكَى فِي " الْإِفْصَاحِ " الْإِجْمَاعَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَأَنَّهُ بِالنَّهَارِ أَمْكَنُ، وَعَنْهُ: لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ. مَسْأَلَةٌ: يُسْتَحَبُّ جَمْعُ الْأَقَارِبِ فِي بُقْعَةٍ لِتَسْهُلَ زِيَارَتُهُمْ، قَرِيبًا مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، لِيَنْتَفِعَ بِمُجَاوَرَتِهِمْ مِنَ الْبِقَاعِ الشَّرِيفَةِ، فَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ فِي مِلْكِهِ دُفِنَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَهُ أَحْمَدُ، كَمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ، وَحَمَلَ الْمَجْدُ الْأَوَّلَ عَلَى مَا إِذَا نَقَصَهَا نَقْصًا لَا يَحْتَمِلُهُ الثُّلُثُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ مُتَّجِهٌ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِشِرَاءِ مَوْضِعِ قَبْرِهِ، وَيُوصِي بِدَفْنِهِ فِيهِ، فَعَلَهُ عُثْمَانُ وَعَائِشَةُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: بِشَرْطِ خُرُوجِهِ مِنَ الثُّلُثِ، وَيَصِحُّ بَيْعُ مَا دُفِنَ فِيهِ مِنْ مِلْكِهِ مَا لَمْ يُجْعَلْ أَوْ يَصِرْ مَقْبَرَةً، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَوْضِعِ الْقَبْرِ مَعَ بَقَاءِ رِمَّتِهِ، وَإِنْ ثَقُلَتْ وَجَبَ رَدُّهَا لِتَعْيِينِهِ لَهَا. قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَهُ حَرْثُهَا إِذَا بَلِيَ الْعَظْمُ، وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مُسْبَلَةٍ، قُدِّمَ ثُمَّ يُقْرَعُ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ مَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ نَحْوَ كَوْنِهِ عِنْدَ أَهْلِهِ. (وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ) عَادَةً وَعُرْفًا وَإِنْ قَلَّ خَطَرُهُ، قَالَهُ أَصْحَابُنَا، أَوْ رَمَاهُ رَبُّهُ فِيهِ (نُبِشَ وَأُخِذَ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي مِسْحَاةِ الْحَفَّارِ، دَلِيلُهُ مَا رُوِيَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّهُ وَضَعَ خَاتَمَهُ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فَقَالَ: خَاتَمِي، فَدَخَلَ وَأَخَذَهُ. وَلِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِعَيْنِهِ، وَلَا
[كفن بثوب غصب]
بِثَوْبِ غَصْبٍ، أَوْ بَلْعِ مَالِ غَيْرِهِ، غُرِّمَ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَقِيلَ: يُنْبَشُ وَيُؤْخَذُ ـــــــــــــــــــــــــــــQضَرَرَ فِي أَخْذِهِ، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ، إِنْ بُذِلَ لَهُ عِوَضُهُ، فَدَلَّ عَلَى رِوَايَةٍ تَمْنَعُ نَبْشَهُ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَفِي النَّبْشِ ضَرَرٌ. مِنْهَا: مَنْ أَمْكَنَ غُسْلَهُ، وَدُفِنَ قَبْلَهُ، فَإِنَّهُ يُنْبَشُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ يُتْرَكُ إِنْ خُشِيَ تَفَسُّخُهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ نَقْلُهُ مُطْلَقًا، فَيُصَلَّى عَلَيْهِ لِعَدَمِ مَاءٍ وَتُرَابٍ. وَمِنْهَا: إِذَا دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يُنْبَشُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِيُوجَدَ شَرْطُ الصَّلَاةِ؛ وَهُوَ عَدَمُ الْحَائِلِ، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ. وَمِنْهَا: إِذَا دُفِنَ قَبْلَ تَكْفِينِهِ فَإِنَّهُ يُنْبَشُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " كَالْغُسْلِ، وَقِيلَ: لَا، لِسَتْرِهِ بِالتُّرَابِ. وَمِنْهَا: إِبْدَالُ كَفَنِهِ بِأَحْسَنَ مِنْهُ وَخَيْرٍ مِنْ بُقْعَتِهِ وَدَفْنُهُ لِعُذْرٍ بِلَا غُسْلٍ، وَلَا حَنُوطٍ، كَإِفْرَادِهِ، نَصَّ عَلَى الْكُلِّ. وَمِنْهَا: إِذَا دُفِنَ غَيْرَ مُوَجَّهٍ لِلْقِبْلَةِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ نَبْشُهُ، وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ: يُسْتَحَبُّ. وَمِنْهَا: إِذَا دُفِنَ فِي مَسْجِدٍ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى نَبْشِهِ. وَمِنْهَا: إِذَا دُفِنَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلِلْمَالِكِ نَقْلُهُ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ، وَكَرِهَهُ أَبُو الْمَعَالِي لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ. وَمِنْهَا: إِذَا كُفِّنَ الرَّجُلُ فِي حَرِيرٍ لِغَيْرِ حَاجَةٍ نُبِشَ وَأُخِذَ فِي وَجْهٍ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ لَمْ يُنْبَشْ بِحَالٍ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ أَجَزْنَا نَبْشَهُ، فَالْأَفْضَلُ تَرْكُهُ. [كُفِّنَ بِثَوْبِ غَصْبٍ] (وَإِنْ كُفِّنَ بِثَوْبِ غَصْبٍ) لَمْ يُنْبَشْ لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ مَعَ إِمْكَانِهِ دَفْعَ الضَّرَرِ بِدُونِهَا، فَعَلَى هَذَا تَجِبُ قِيمَتُهُ فِي تَرِكَتِهِ. وَقَالَ الْمَجْدُ: يَضْمَنُهُ مَنْ كَفَّنَهُ بِهِ، لِمُبَاشَرَتِهِ الْإِتْلَافَ عَالِمًا، وَإِنْ جَهِلَ، فَالْقَرَارُ
[ماتت حامل هل يشق بطنها]
الْكَفَنُ، وَيُشَقُّ جَوْفُهُ فَيَخْرُجُ. وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ، لَمْ يُشَقَّ بَطْنُهَا، وَتَسْطُو عَلَيْهِ الْقَوَابِلَ فَيُخْرِجْنَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَقَّ بَطْنُهَا إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَحْيَا. وَإِنْ مَاتَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى الْغَاصِبِ، وَلَوْ أَنَّهُ الْمَيِّتُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ نُبِشَ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدَّفْنِ أُخِذَ لِتَعْلِقِ حَقِّهِ بِعَيْنِهِ (أَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ) بِغَيْرِ إِذْنِهِ (غَرِمَ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ) بِطَلَبِ رَبِّهِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْعَيْنِ يَسْقُطُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرُّجُوعِ، وَيَنْتَقِلُ إِلَى الْقِيمَةِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ شَيْئًا فِي حَيَاتِهِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَبْقَى مَالِيَّتُهُ كَخَاتَمٍ أَوْ غَيْرِهِ، يَسِيرًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَغْرَمُ الْكَثِيرَ مِنْ تَرِكَتِهِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِطْلَاقُ غَيْرِهِمْ بِخِلَافِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَتِ الْقِيمَةُ، وَلَمْ يَعْدِلْهَا وَارِثٌ، شُقَّ جَوْفُهُ فِي الْأَصَحِّ، فَلَوْ بَلَعَهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، وَيُؤْخَذُ إِذَا بَلِيَ، وَلَا تَعَرُّضَ لَهُ قَبْلَهُ بِحَالٍ، وَلَا يَضْمَنُهُ، وَكَذَا إِذَا بَلَعَ مَالَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مِلْكَهُ حَيًّا، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: بَلْ يُشَقُّ وَيُؤْخَذُ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " تُحْسَبُ مِنْ ثُلُثِهِ (وَقِيلَ: يُنْبَشُ، وَيُؤْخَذُ الْكَفَنُ، وَيُشَقُّ جَوْفُهُ فَيَخْرُجُ) قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، وَ " الرِّعَايَةِ " لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْلِيصِ الْمَيِّتِ مِنْ الْإِثْمِ، وَرَدِّ الْمَالِ إِلَى مَالِكِهِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْوَرَثَةِ بِحِفْظِ التَّرِكَةِ لَهُمْ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ ظَنُّهُ أَنَّهُ مَلَكَهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا اتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ، وَمَاتَ، لَمْ يُقْلَعْ عَنْهُ، وَيَأْخُذُ الْبَائِعُ ثَمَنَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، أَخَذَهُ إِذَا بَلِيَ، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ فِي الْحَالِ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لِلرُّجُوعِ حَيَاةُ الْمُفْلِسِ فِي قَوْلٍ، مَعَ أَنَّ فِيهِ هُنَا مُثْلَةٌ. [مَاتَتْ حَامِلٌ هَلْ يُشَقُّ بَطْنُهَا] (وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ لَمْ يُشَقَّ بَطْنُهَا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ وَنَصَرَهُ الْأَكْثَرُ، لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةٍ مُتَيَقِّنَةٍ لِإِبْقَاءِ حَيَاةٍ مَوْهُومَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُ لَوْ خَرَجَ حَيًّا، فَالْغَالِبُ الْمُعْتَادُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ، وَقَدِ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (وَتَسْطُو عَلَيْهِ) النِّسَاءُ (الْقَوَابِلُ) فَيُدْخِلْنَ أَيْدِيَهُنَّ فِي رَحِمِ الْمَيِّتِ (فَيُخْرِجْنَهُ) إِذَا طَمِعْنَ فِي حَيَاتِهِ بِأَنْ قَرُبَتِ الْحَرَكَةُ، وَانْفَتَحَتِ الْمَخَارِجُ، قَالَهُ فِي " الْخِلَافِ " وَابْنُ
[القراءة على القبر]
ذِمِّيَّةٌ حَامِلٌ مِنْ مُسْلِمٍ دُفِنَتْ وَحْدَهَا، وَيُجْعَلُ ظَهْرُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ وَلَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا، وَجَعَلَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ نَفَعَهُ ذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُنَجَّا فِي " شَرْحِهِ "، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ إِذَا احْتُمِلَتْ حَيَاتُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِبْقَاءً لِلْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ مُثْلَةٍ بَائِنَةٍ، فَإِنْ عَجَزْنَ أَوْ عُدِمْنَ، وَاخْتَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهُ يُشَقُّ بَطْنُهَا، وَالْمَذْهَبُ: لَا، وَعَنْهُ: يَفْعَلُ ذَلِكَ الرِّجَالُ، وَالْمَحَارِمُ أَوْلَى، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْمَجْدُ، كَمُدَاوَاةِ الْحَيِّ، وَالْأَشْهَرُ لَا. فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ لَمْ تُدْفَنْ مَا دَامَ حَيًّا، وَلَا يُوضَعْ عَلَيْهَا مَا يُمَوِّتُهُ، فَلَوْ خَرَجَ بَعْضُهُ حَيًّا شُقَّ حَتَّى يَخْرُجَ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِهِ أُخْرِجَ إِنْ أَمْكَنَ، وَغُسِّلَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ غُسِّلَ مَا خَرَجَ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَيَمُّمٍ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ فِي الْأَشْهَرِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مَعَهَا بِشَرْطِهِ وَإِلَّا عَلَيْهِ دُونَهُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَقَّ بَطْنُهَا إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَحْيَا) لِأَنَّهُ تَعَارَضَ حَقَّاهُمَا، فَقُدِّمَ حَقُّ الْحَيِّ لِكَوْنِ حُرْمَتِهِ أَوْلَى (وَإِنْ مَاتَتْ ذِمِّيَّةٌ حَامِلٌ مِنْ مُسْلِمٍ، دُفِنَتْ وَحْدَهَا) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ، وَدَفْنُ الْمَيِّتِ عِنْدَ مَنْ يُبَايِنُهُ فِي دِينِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ: يُدْفَنُ بِجَنْبِ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُدْفَنَ مَعَنَا، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، لِمَا فِي بَطْنِهَا، وَعِبَارَةُ " الْمُحَرَّرِ " حَامِلٌ بِمُسْلِمٍ؛ وَهِيَ أَوْلَى لِشُمُولِهَا صُوَرًا (وَيُجْعَلُ ظَهْرُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ) عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ لِيَكُونَ وَجْهُ الْجَنِينِ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، لِأَنَّ وَجْهَ الْجَنِينِ إِلَى ظَهْرِهَا، وَيَتَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ دَفَنَهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْلُودًا وَلَا سَقْطًا، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ إِنْ مَضَى زَمَنُ تَصْوِيرِهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ مُرَادَهُ إِذَا انْفَصَلَ؛ وَهُوَ الظَّاهِرُ. [الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ] (وَلَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ) وَفِي الْمَقْبَرَةِ (فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، رَوَى أَنَسٌ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ فِيهَا (يس) خُفِّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِقَدْرِهِمْ حَسَنَاتٌ» وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَوْصَى إِذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ
[ما ينفع الميت بعد موته]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَخَاتِمَتِهَا، وَلِهَذَا رَجَعَ أَحْمَدُ عَنِ الْكَرَاهَةِ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَصْلُهَا أَنَّهُ مَرَّ عَلَى ضَرِيرٍ يَقْرَأُ عِنْدَ قَبْرٍ، فَنَهَاهُ عَنْهَا، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي مُبَشِّرِ الْحَلَبِيِّ؛ قَالَ: ثِقَةٌ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي مُبَشِّرٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَوْصَى إِذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، وَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ أَوْصَى بِذَلِكَ. فَقَالَ أَحْمَدُ عِنْدَ ذَلِكَ: ارْجِعْ فَقُلْ لِلرَّجُلِ يَقْرَأُ. فَلِهَذَا قَالَ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ: الْمَذْهَبُ رِوَايَةً وَاحِدَةً أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ. لَكِنْ قَالَ السَّامِرِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَعِنْدَ رِجْلِهِ بِخَاتِمَتِهَا. وَالثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ، اخْتَارَهَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الورَّاقُ، وَأَبُو حَفْصٍ؛ وَهِيَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ لَا يُقْرَأُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ بَيْتٍ يُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» وَعَلَّلَهُ أَبُو الْوَفَاءِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهَا مَدْفَنُ النَّجَاسَةِ كَالْحَشِّ. قَالَ بَعْضُهُمْ: شَدَّدَ أَحْمَدُ حَتَّى قَالَ: لَا تَقْرَأُ فِيهَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَنَقَلَ الْمَرْوَذِيُّ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ قَبْرِ أَبِيهِ: يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا يَقْرَأُ، واخْتَارَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ يَقْرَأُ إِلَّا عِنْدَ الْقَبْرِ، وَعَنْهُ: إِنَّهَا بِدْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَلَا فِعْلِ أَصْحَابِهِ [مَا يَنْفَعُ الْمَيِّتَ بَعْدَ مَوْتِهِ] (وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا) مِنْ دُعَاءٍ، وَاسْتِغْفَارٍ، وَصَلَاةٍ، وَصَوْمٍ، وَحَجٍّ، وَقِرَاءَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَجَعَلَ ثَوَابَ ذَلِكَ لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ، نَفَعَهُ ذَلِكَ) . قَالَ أَحْمَدُ: الْمَيِّتُ يَصِلُ إِلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَجْتَمِعُونَ فِي كُلِّ مِصْرَ، وَيَقْرَءُونَ، وَيَهْدُونَ لِمَوْتَاهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَكَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، حَتَّى لَوْ أَهْدَاهَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَازَ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ الثَّوَابُ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ. وَقَالَ الْأَكْثَرُ: لَا يَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ، وَإِنَّ ذَلِكَ لِفَاعِلِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] وَ {لَهَا مَا كَسَبَتْ} [البقرة: 286] وَبِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ» وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ ذَلِكَ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى.
[إصلاح الطعام لأهل الميت وإرساله لهم]
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْلَحَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ يُبْعَثُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُصْلِحُونَ هُمْ طَعَامًا لِلنَّاسِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ عِكْرِمَةُ: هَذَا فِي حَقِّهِمْ خَاصَّةً، بِخِلَافِ شَرْعِنَا، بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ، أَوْ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ} [الطور: 21] أَوْ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْكَافِرِ، أَيْ: لَيْسَ لَهُ مِنَ الْجَزَاءِ إِلَّا جَزَاءُ سَعْيِهِ، تَوَفَّاهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ، أَوْ أَنَّ مَعْنَاهُ: لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى عَدْلًا، وَلَهُ مَا سَعَى غَيْرُهُ فَضْلًا، أَوْ أَنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى عَلَى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} [الرعد: 25] وَعَنِ الثَّانِيَةِ: بِأَنَّهَا بَدَلُ الْمَفْهُومِ، وَمَنْطُوقُ السُّنَّةِ بِخِلَافِهِ، وَعَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي عَمَلِ غَيْرِهِ لَا عَمَلِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَفْتَقِرُ أَنْ يَنْوِيَهُ حَالَ الْقِرَاءَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَثَبْتَنِي عَلَى هَذَا، فَاجْعَلْهُ أَوْ مَا يُشَابِهُ لِفُلَانٍ، وَقِيلَ: يَسِيرُ الثَّوَابِ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ لَهُ، وَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ. وَبَالَغَ الْقَاضِي فَقَالَ: إِذَا صَلَّى فَرْضًا، وَأَهْدَى ثَوَابَهُ صَحَّتِ الْهَدِيَّةُ، وَأَجْزَأَ فَاعِلَهُ، وَفِيهِ بُعْدٌ، فَلَوْ أَهْدَى بَعْضَ الْقُرْبَةِ، فَنَقَلَ الْكَحَّالُ فِي الرَّجُلِ يَعْمَلُ شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ مِنَ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، وَيَجْعَلُ نِصْفَهُ لِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ قَالَ: أَرْجُو، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ وَكَلَامِ صَاحِبِ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهُ إِذَا جَعَلَ ثَوَابَ قُرْبَةٍ لِحَيٍّ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الْحَيَّ كَالْمَيِّتِ فِي ذَلِكَ. قَالَ الْقَاضِي: لَا يُعْرَفُ رِوَايَةٌ بِالْفَرْقِ، بَلْ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ يَعُمُّ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إِنَّمَا ذَكَرَ الْمَيِّتَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَدِلَّةِ فِيهِ، وَحَاجَتُهُ إِلَى الثَّوَابِ أَكْثَرُ، وَأَنَّهُ إِذَا جَعَلَهَا لِغَيْرِ مُسْلِمٍ لَا يَنْفَعُهُ؛ وَهُوَ صَحِيحٌ لِنَصٍّ وَرَدَ فِيهِ. [إِصْلَاحُ الطَّعَامِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ وَإِرْسَالِهِ لَهُمْ] (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْلِحَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا يُبْعَثُ إِلَيْهِمْ) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَلِأَنَّ فِيهِ جَبْرًا، وَالْمَذْهَبُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ (وَلَا يُصْلِحُونَ هُمْ طَعَامًا لِلنَّاسِ) فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، لِمَا
[فصل: زيارة القبور]
فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ. وَهَلْ تُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQرَوَى أَحْمَدُ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كُنَّا نُعِدُّ الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَصَنْعَةُ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنَ النِّيَاحَةِ. وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. زَادَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِلَّا لِحَاجَةٍ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ. قَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي، وَنَقَلَ الْمَرْوَذِيُّ: هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنْكَرَهُ شَدِيدًا. فَرْعٌ: يُكْرَهُ الذَّبْحُ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَالْأَكْلُ مِنْهُ لِخَبَرِ أَنَسٍ: «لَا عُقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَفِي مَعْنَاهُ الصَّدَقَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ، فَإِنَّهُ مُحْدِثٌ، وَفِيهِ رِيَاءٌ. [فَصْلٌ: زِيَارَةُ الْقُبُورِ] فَصْلٌ (يُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ إِجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ: «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ» وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «زَارَ رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، وَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْمَوْتَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَالَهُ الْخِرَقِيُّ،
يَقُولَ إِذَا زَارَهَا أَوْ مَرَّ بِهَا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَغَيْرُهُ، وَأَخَذَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ الْإِبَاحَةَ؛ لِأَنَّهُ الغالب فِي الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَرَنَهُ بِمَا هُوَ مُبَاحٌ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يُكْرَهُ الْإِكْثَارُ مِنْهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ. فَوَائِدُ: يُسْتَحَبُّ لِلزَّائِرِ أَنْ يَقِفَ أَمَامَ الْقَبْرِ، وَعَنْهُ: حَيْثُ شَاءَ، وَعَنْهُ: قُعُودُهُ كَقِيَامِهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَيَنْبَغِي قُرْبُهُ، كَزِيَارَتِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَيَجُوزُ لَمْسُ الْقَبْرِ بِالْيَدِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، لِأَنَّ الْقُرْبَ تُتَلَقَّى مِنَ التَّوْقِيفِ، وَلَمْ تَرِدْ بِهِ سُنَّةٌ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، صَحَّحَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ مُصَافَحَةَ الْحَيِّ، وَلَا سِيَّمَا مِمَّنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ، وَاجْتِمَاعُ النَّاسِ لِلزِّيَارَةِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ بِدْعَةٌ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ، وَيَجُوزُ زِيَارَةُ قَبْرِ الْمُشْرِكِ وَالْوُقُوفُ لِزِيَارَتِهِ لِمَا سَبَقَ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ، وَجَوَّزَهُ حَفِيدُهُ لِلِاعْتِبَارِ. قَالَ: وَلَا يُمْنَعُ الْكَافِرُ زِيَارَةَ قَبْرِ أَبِيهِ الْمُسْلِمِ (وَهَلْ يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا؛ وَهِيَ الْمَذْهَبُ: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَلِيلَةُ الصَّبْرِ، فَلَا يُؤْمَنُ تَهْيِيجُ حُزْنِهَا بِرُؤْيَةِ الْأَحِبَّةِ، فَيَحْمِلُهَا عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ، وَالثَّانِيَةُ: يُبَاحُ؛ لِأَنَّ «عَائِشَةَ زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَقَالَ لَهَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَلَيْسَ كَانَ نُهِيَ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، ثُمَّ أُمِرَ بِزِيَارَتِهَا» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَكَمَا لَوْ عَلِمَتْ أَنَّهَا تَقَعُ فِي مُحَرَّمٍ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ مَعَ تَأْثِيمِهِ بِظَنِّ وُقُوعِ النَّوْحِ، وَلَا فَرْقَ، وَلَمْ يُحَرِّمْ هُوَ وَغَيْرُهُ دُخُولَ الْحَمَّامِ إِلَّا مَعَ الْعِلْمِ الْمُحَرَّمِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ ـ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. (وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَقُولَ إِذَا زَارَهَا أَوْ مَرَّ بِهَا: «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ» كَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَالسَّلَامُ فِيهِ
[تعزية أهل الميت]
لَلَاحِقُونَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ، وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ ـــــــــــــــــــــــــــــQمُعَرَّفٌ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَالتَّنْكِيرُ مِنْ طَرِيقٍ لِأَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ تَنْكِيرَهُ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَخَيَّرَهُ الْمَجْدُ، وَبَعْضُهُمْ حَكَاهُ نَصًّا، وَكَذَا السَّلَامُ عَلَى الْأَحْيَاءِ، وَعَنْهُ: تَعْرِيفُهُ أَفْضَلُ كَالرَّدِّ، وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا: سَلَامُ التَّحِيَّةِ مُنَكَّرٌ، وَسَلَامُ الْوَدَاعِ مُعَرَّفٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ لِلتَّبَرُّكِ. قَالَهُ الْعُلَمَاءُ، وَفِي الْبَغَوِيِّ: أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى اللُّحُوقِ لَا إِلَى الْمَوْتِ، وَفِي الشَّافِي: أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْبِقَاعِ (وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ) رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (فَنَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُمُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الدَّارِ يَقَعُ عَلَى الْمَقَابِرِ، وَإِطْلَاقُ الْأَهْلِ عَلَى سَاكِنِ الْمَكَانِ مِنْ حَيٍّ وَمَيِّتٍ (اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ) رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ) لِأَنَّهُ رُوِيَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، وَقَدْ وَرَدَ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ دَعَا لِأَهْلِ الْغَرْقَدِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ» سُمِّيَ بِهِ لِغَرْقَدٍ كَانَ بِهِ؛ وَهُوَ مَا عَظُمَ مِنَ الْعَوْسَجِ، وَقِيلَ: كُلُّ شَجَرٍ لَهُ شَوْكٌ. فَائِدَةٌ: يَسْمَعُ الْمَيِّتُ الْكَلَامَ، وَيَعْرِفُ زَائِرَهُ، قَالَهُ أَحْمَدُ. يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَفِي " الْغُنْيَةِ " يَعْرِفُهُ كُلَّ وَقْتٍ، وَهَذَا الْوَقْتُ آكَدُ، وَيُكْرَهُ مَشْيُهُ بَيْنَ الْقُبُورِ بِنَعْلَيْنِ إِلَّا خَوْفَ نَجَاسَةٍ أَوْ شَوْكٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِخَبَرِ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ كَالْخُفِّ لِلْمَشَقَّةِ، وَفِي التمشك وَنَحْوِهِ وَجْهَانِ [تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ] (وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إِلَّا كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
الْمَيِّتِ. وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا وَيَقُولُ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ: أَعْظَمَ اللَّهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ عَزَّى أَخَاهُ مُصِيبَتَهُ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي سَنَدِهِ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ وَهِيَ التَّسْلِيَةُ وَالْحَثُّ عَلَى الصَّبْرِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ وَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ وَالْمُصَابِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعِينَ بِالصَّبْرِ، وَالصَّلَاةِ، وَيَسْتَرْجِعَ، وَلَا يَقُولَ إِلَّا خَيْرًا، وَيَسْأَلَ اللَّهَ أَجْرَ الصَّابِرِينَ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الدَّفْنِ أَوْ بَعْدَهُ، وَيَعُمُّ بِهَا أَهْلَ الْمَيِّتِ حَتَّى الصَّغِيرَ، لَكِنْ يُكْرَهُ لِامْرَأَةٍ شَابَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، وَلَوْ شَقَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِزَوَالِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الشَّقُّ، وَاسْتِدَامَةُ لُبْسِهِ مَكْرُوهٌ، وَيَبْدَأُ بِخِيَارِهِمْ؛ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِ يَدِ مَنْ يُعَزِّيهِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا حَدَّ لِآخِرِ وَقْتِ التَّعْزِيَةِ، فَدَلَّ أَنَّهَا تُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ، وَحَدُّهُا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ وَالْآمِدِيُّ وَأَبُو الْفَرَجِ يُكْرَهُ بَعْدَهَا لِتَهْيِيجِ الْحُزْنِ، وَاسْتَثْنَى أَبُو الْمَعَالِي إِذَا كَانَ غَائِبًا فَلَا بَأْسَ بِهَا إِذَا حَضَرَ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ النَّظْمِ، وَزَادَ: مَا لَمْ يَنْسَ. فَرْعٌ: إِذَا جَاءَتْهُ التَّعْزِيَةُ فِي كِتَابٍ رَدَّهَا عَلَى الرَّسُولِ لَفْظًا، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَيُكْرَهُ تَكْرَارَهَا، فَلَا يُعَزِّي مَنْ عَزَّى (وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَهْيِيجِ الْحُزْنِ، وَعَنْهُ: الرُّخْصَةُ فِيهِ.
أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ. وَفِي تَعْزِيَتِهِ عَنْ كَافِرٍ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَفِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِمُسْلِمٍ: أَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ، وَفِي تَعْزِيَتِهِ عَنِ كَافِرِ: خْلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَلَا نَقَصَ عَدَدَكَ وَيَجُوزُ الْبُكَاءُ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ الْخَلَّالُ: سَهَّلَ أَحْمَدُ فِي الْجُلُوسِ إِلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعٍ. قَالَ: وَنُقِلَ عَنْهُ الْمَنْعُ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا بَأْسَ فِيهِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ عِنْدَهُمْ إِذَا خِيفَ عَلَيْهِمْ شِدَّةُ الْجَزَعِ، وَأَمَّا الْمَبِيتُ عِنْدَهُمْ فَأَكْرَهُهُ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ الْجُلُوسُ بِقُرْبِ دَارِ الْمَيِّتِ لِيَتْبَعَ الْجِنَازَةَ، أَوْ يَخْرُجَ وَلِيُّهُ فَيُعَزِّيَهُ، فَعَلَهُ السَّلَفُ (وَيَقُولُ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ) . قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَا أَعْلَمُ فِي التَّعْزِيَةِ شَيْئًا مَحْدُودًا، إِلَّا أَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ عَزَّى رَجُلًا، فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ وَآجَرَكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، «وَعَزَّى رَجُلًا فَقَالَ: (آجَرَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ فِي هَذَا الرَّجُلِ» وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «أَعْظَمَ اللَّهُ أَجَرَكُمْ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكُمْ» وَيَقُولُ الْمُعَزَّى: اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَكَ، وَرَحِمَنَا وَإِيَّاكَ، نَقَلَهُ أَحْمَدُ. فَرْعٌ: إِذَا قَالَ لِآخَرَ: عَزِّ عَنِّي فُلَانًا تَوَجَّهَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: فُلَانٌ يُعَزِّيكَ (وَفِي تَعْزِيَتِهِ عَنْ كَافِرٍ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجَرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَفِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِمُسْلِمٍ: أَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَكَ وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَائِقٌ بِحَالِ الْمَيِّتِ وَالْمُصَابِ، وَيَحْرُمُ تَعْزِيَةُ كَافِرٍ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ، فَيَقُولُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَدْعُو لِكَافِرٍ حَيٍّ بِالْأَجْرِ، وَلَا لِكَافِرٍ مَيِّتٍ بِالْمَغْفِرَةِ (وَفِي تَعْزِيَتِهِ) أَيِ الْكَافِرِ (عَنْ كَافِرٍ: أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَلَا نَقُصَ عَدَدَكَ) فَيَدْعُو لَهُ بِمَا يَرْجِعُ إِلَى طُولِ الْحَيَاةِ، وَكَثْرَةِ الْمَالِ، وَالْوَلَدِ، لِأَجْلِ الْحُرْمَةِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّةَ: يَقُولُ: أَعْطَاكَ اللَّهُ عَلَى مُصِيبَتِكَ أَفْضَلَ مَا أَعْطَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دِينِكَ، يُقَالُ لِمَنْ ذَهَبَ لَهُ شَيْءٌ يُتَوَقَّعُ مِثْلُهُ: أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ، أَيْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ مِثْلَهُ،
[جواز البكاء على الميت]
الْمَيِّتِ، وَأَنْ يَجْعَلَ الْمُصَابُ عَلَى رَأْسِهِ ثَوْبًا يُعْرَفُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ النَّدْبُ وَلَا النِّيَاحَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَإِنْ لَمْ يُتَوَقَّعْ حُصُولُ مِثْلِهِ: خَلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ: أَيْ كَانَ اللَّهُ خَلِيفَةً مِنْهُ عَلَيْكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ، وَالْجَوْهَرِيُّ. [جَوَازُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ] (وَيَجُوزُ الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ) مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ، أَوْ يَرْحَمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، «وَدَخَلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ؛ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ بَعْدَ الدَّفْنِ، وَأَخْبَارُ النَّهْيِ كَقَوْلِهِ: " فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةً "، مَحْمُولَةٌ عَلَى بُكَاءٍ مَعَهُ نَدْبٌ أَوْ نِيَاحَةٌ. قَالَ الْمَجْدُ: أَوْ أَنَّهُ كَرِهَ كَثْرَةَ الْبُكَاءِ، وَالدَّوَامِ عَلَيْهِ أَيَّامًا، ذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ رَحْمَةً لِلْمَيِّتِ، وَأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنَ الْفَرَحِ، لِفَرَحِ الْفُضَيْلِ لَمَّا مَاتَ ابْنُهُ عَلِيٌّ. وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (وَ) يَجُوزُ (أَنْ يَجْعَلَ الْمُصَابَ عَلَى رَأْسِهِ ثَوْبًا يُعْرَفُ بِهِ) وَالْمُرَادُ بِهِ عَلَامَةٌ لِيُعْرَفَ بِهَا فَيُعَزَّى؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ، وَهُوَ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ سُنَّةً بَقِيَ الْجَوَازُ.
[عدم جواز الندب والنياحة وشق الثياب]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُكْرَهُ لُبْسَهُ خِلَافَ زِيِّهِ الْمُعْتَادِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ تَغَيُّرُ حَالِهِ مِنْ خَلْعِ رِدَائِهِ وَنَعْلِهِ، وَغَلْقِ حَانُوتِهِ، وَتَعْطِيلِ مَعَاشِهِ، وَسُئِلَ أَحْمَدُ يَوْمَ مَاتَ بِشْرٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا يَوْمَ جَوَابٍ، هَذَا يَوْمُ حُزْنٍ. فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، قَالَ جَمَاعَةٌ: لَا بَأْسَ بِهَجْرِ الْمُصَابِ لِلزِّينَةِ وَحُسْنِ الثِّيَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ [عَدَمُ جَوَازِ النَّدْبِ وَالنِّيَاحَةِ وَشَقِّ الثِّيَابِ] (وَلَا يَجُوزُ النَّدْبُ) وَهُوَ تَعْدَادُ الْمَحَاسِنِ نَحْوُ: وَارَجُلَاهْ (وَلَا النِّيَاحَةُ) نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَذَكَرَهُ فِي " الْمَذْهَبِ "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: تَحْرُمُ النِّيَاحَةُ إِجْمَاعًا لِقَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: «وَلَكِنْ نُهِيتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، وَخَمْشِ وَجْهٍ» . حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: «أَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الممتحنة: 12] : هُوَ النَّوْحُ، وَقَدَّمَ فِي " الْكَافِي " وَهُوَ ظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ: " الْكَرَاهَةَ؛ لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ: «إِلَّا آلَ فُلَانٍ فَإِنَّهُمْ أَسْعَدُوني فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أُسْعِدَهُمْ، فَقَالَ: إِلَّا آلَ فُلَانٍ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ وَهُوَ خَاصٌّ بِهَا، لِخَبَرِ أَنَسٍ: " «لَا إِسْعَادَ فِي الْإِسْلَامِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعَنْهُ: يُكَرَهُ النَّدْبُ وَالنِّيَاحَةُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِلَّا تَعْدَادُ الْمَحَاسِنِ بِصِدْقٍ، وَعَنْهُ: إِبَاحَتُهُمَا، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحَبُهُ؛ لِأَنَّ وَاثِلَةَ وَأَبَا وَائِلٍ كَانَا يَسْمَعَانِ النَّوْحَ وَيَبْكِيَانِ، رَوَاهُ حَرْبٌ.
، وَلَا شَقُّ الثِّيَابِ وَلَطْمُ الْخُدُودِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ التَّحْرِيمُ، وَجَزَمَ الْمَجْدُ وَابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِيَسِيرِ النَّدْبِ إِذَا كَانَ صِدْقًا، وَلَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ النَّوْحِ، وَلَا قُصِدَ نَظْمُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَفَاطِمَةَ، " وَلَا شَقُّ الثِّيَابِ وَلَطْمُ الْخُدُودِ " لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - " «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ (وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) كَتَخْمِيشِ الْوَجْهِ، وَنَتْفِ الشَّعْرِ، وَإِظِهَارِ الْجَزَعِ.
[كتاب الزكاة]
كِتَابُ الزَّكَاةُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ مِنَ الْمَالِ. السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [كِتَابُ الزَّكَاةِ] [تَعْرِيفُ الزَّكَاةِ] ِ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ، يُقَالُ: زَكَا الزَّرْعُ إِذَا نَمَا وَزَادَ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَدْحِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: 32] وَعَلَى التَّطْهِيرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9] أَيْ: طَهَّرَهَا عَنِ الْأَدْنَاسِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الصَّلَاحِ يُقَالُ: رَجُلٌ زَكِيٌّ أَيْ: زَائِدُ الْخَيْرِ مِنْ قَوْمٍ أَزْكِيَاءَ، وَزَكَّى الْقَاضِي الشُّهُودَ: إِذَا بَيَّنَ زِيَادَتَهُمْ فِي الْخَيْرِ، فَسُمِّيَ الْمَالُ الْمُخْرَجُ زَكَاةً؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ فِي الْمُخْرَجِ مِنْهُ، وَيَقِيهِ الْآفَاتِ. وَفِي الشَّرْعِ: حَقٌّ يُجْبَ فِي مَالٍ خَاصٍّ، لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، وَتُسَمَّى صَدَقَةً؛ لِأَنَّهَا دَلِيلٌ لِصِحَّةِ إِيمَانِ مُؤَدِّيهَا وَتَصْدِيقِهِ؛ وَهِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] وَالْأَحَادِيثُ الْمُسْتَفِيضَةُ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ أَمْ فِي الْمَدِينَةِ؛ وَفِي ذَلِكَ آيَاتٌ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَ " الْمُحَرَّرِ " وَحَفِيدُهُ أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ الْمُرَادَ طَلَبُهَا، وَبَعْثُ السُّعَاةِ لِقَبْضِهَا، فَهَذَا بِالْمَدِينَةِ. [الْأَصْنَافُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ] (تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ) وَاحِدُهَا صَنْفٌ، وَفَتْحُ الصَّادِ فِيهِ لُغَةٌ، حَكَاهُ
وَالْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْأَثْمَانِ، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَلَا تَجِبُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَجِبُ فِي الْمُتَوَلِّدِ مِنَ الْوَحْشِ وَالْأَهْلِ، وَفِي بَقْرِ الْوَحْشِ رَاوِيَتَانِ. وَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQالْجَوْهَرِيُّ (مِنَ الْمَالِ) هُوَ اسْمٌ لِجَمِيعِ مَا مَلَكَهُ الْإِنْسَانُ، وَعَنْ ثَعْلَبٍ: أَقَلُّ الْمَالِ عِنْدَ الْعَرَبِ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الْعَرَبُ لَا تُوقِعُ الْمَالَ مُطْلَقًا إِلَّا عَلَى الْإِبِلِ، وَرُبَّمَا أَوْقَعُوهُ عَلَى الْمَوَاشِي (السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَالْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْأَثْمَانِ، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ) ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ (وَلَا تَجِبُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَلَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَفَرَسِهِ صَدَقَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَبِي دَاوُدَ: «لَيْسَ فِي الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ زَكَاةٌ إِلَّا زَكَاةَ الْفِطْرِ» " لِأَنَّهُ لَا يُطْلَبُ دَرُّهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْغَالِبِ إِلَّا لِلزِّينَةِ وَالِاسْتِعْمَالِ، وَلَا فِي الْعَقَارِ وَالثِّيَابِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَدًّا لِلتِّجَارَةِ، وَلَا فِي الظِّبَاءِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: بَلَى، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْغَنَمَ (وَقَالَ أَصْحَابُنَا) أَيْ: أَكْثَرُهُمْ (يَجِبُ فِي الْمُتَوَلِّدِ مِنَ الْوَحْشِ وَالْأَهْلِ) تَغْلِيبًا لِلْوُجُوبِ، وَاحْتِيَاطًا لِتَحْرِيمِ قَتْلِهِ، وَإِيجَابِ الْجَزَاءِ، وَالنُّصُوصُ تَتَنَاوَلُهُ، وَاخْتِيَارُ الْمُؤَلِّفِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَاتِ لَا تَثْبُتُ احْتِيَاطًا؛ وَلِأَنَّهُ يَنْفَرِدُ بِاسْمِهِ وَخِفَّتَهُ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ، وَلَا يُجْزِئُ فِي هَدْيٍ وَلَا أُضْحِيَةٍ، وَلَا يَدْخُلُ فِي وَكَالَةٍ (وَفِي بَقَرِ الْوَحْشٍ) وَغَنَمِهِ بِشَرْطِهِ (رِوَايَتَانِ) أَصَحُّهُمَا الْوُجُوبُ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمُعَاذٍ: «خُذْ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعًا»
[شروط وجوب الزكاة]
تَجِبُ إِلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: الْإِسْلَامِ، وَالْحُرِّيَّةِ، فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ، وَلَا عَبْدٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَيُسَمَّى بَقَرًا حَقِيقَةً، فَيَدْخُلُ تَحْتَ الظَّاهِرِ، وَفِي نِدَائِهَا فِي حَرَمٍ وَإِحْرَامٍ، وَجَوَازِ هَدْيٍ وَأُضْحِيَّةٍ وَجْهَانِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ، اخْتَارَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَصَحَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّهَا تُفَارِقُ الْبَقَرَ الْأَهْلِيَّةَ صُورَةً وَحُكْمًا، وَالْإِيجَابُ مِنَ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ لِوُجُودِ الْفَارِقِ، وَكَغَنَمِ الْوَحْشِ. [شُرُوطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ] [الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ] (وَلَا تَجِبُ إِلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ، فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ) ؛ " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ الْإِسْلَامَ شَرَطًا لِوُجُوبِهَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَلِأَنَّهَا قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ، وَالْكُفْرُ يُضَادُّ ذَلِكَ، وَطُهْرَةٌ، وَالْكَافِرُ لَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ؛ وَهُوَ يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، فَلَمْ تَجِبْ كَالصَّوْمِ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِيِّ وَالْمُرْتَدِّ، أَمَّا الْأَصْلِيُّ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " عَلَى الْأَشْهَرِ، وَلَا يَقْضِيهَا إِذَا أَسْلَمَ إِجْمَاعًا، وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَالْمَذْهَبُ عَدَمُ الْوُجُوبِ، فَقِيلَ: مَأْخَذُهُ كَوْنُهَا عِبَادَةً، وَقِيلَ: لِمَنْعِهِ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَزُولُ مِلْكُهُ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ: تَجِبُ، نَصَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَصَحَّحَهُ الْأَزَجِيُّ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ مَالِيٌّ أَشْبَهَ الدَّيْنَ، وَالرِّدَّةُ لَا تُنَافِي الْوُجُوبَ وَلَا اسْتِمْرَارَهُ، لَكِنَّهَا تُنَافِي الْأَدَاءَ، فَيَأْخُذُهَا الْإِمَامُ مِنْهُ، وَيَنْوِي عَنْهُ لِلتَّعَذُّرِ، وَكَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْبَةً كَالْحُدُودِ تُسْتَوْفَى رَدْعًا وَزَجْرًا مَعَ وجود التَّوْبَةِ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فَإِنْ أَخَذَهَا الْإِمَامُ بَعْدَ رِدَّتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ أَجْزَأَتْ فِي الظَّاهِرِ، وَكَذَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فِي وَجْهٍ، فَلَوِ ارْتَدَّ بَعْدَ الْوُجُوبِ أُخِذَتْ مِنْ مَالِهِ مُطْلَقًا، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَظَاهِرُهُ إِيجَابُهَا عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِلْعُمُومِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ، وَهُمَا مِنْ أَهْلِهَا كَالْمَرْأَةِ، (وَلَا عَبْدٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ مُعَتَقًا بَعْضُهُ فَبِقَدْرِهِ؛ لِأَنَّهُ
وَلَا مُكَاتَبٍ، وَإِنْ مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ مَالًا، وَقُلْنَا: إِنَّهُ يُمَلِّكُهُ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُمَلِّكُهُ، فَزَكَاتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ. الثَّالِثُ: مِلْكُ نِصَابٍ، فَإِنْ نَقَصَ عَنْهُ فَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQيَمْلِكُ مِلْكًا تَامًّا، أَشْبَهَ الْحُرَّ، (وَلَا مُكَاتَبٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ، وملكه غير تَامٌّ، يُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: «لَا زَكَاةَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ» ، وَقَالَهُ ابْنُ عُمَرَ وَجَابِرٌ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّ مِلْكَهُ مُتَزَلْزِلٌ؛ لِأَنَّهُ بِعَرَضِيَةِ أَنْ يَعْجَزَ وَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، لِنَقْصِ مِلْكِهِ، وَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ؛ وَهُوَ مَشْغُولٌ بِوَفَاءِ نُجُومِهِ، بِخِلَافِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، لِنَقْصِ تَصَرُّفِهِ، وَالْمَرْهُونِ، فَإِنَّهُ مُنِعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِعَقْدِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَنْهُ: هُوَ كَالْقِنِّ، وَعَنْهُ: يُزَكِّي بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا عُشْرَ فِي زَرْعِهِ، فَإِنْ عَتَقَ أَوْ عَجَزَ أَوْ قَبَضَ مِنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ وَفِي يَدِهِ نِصَابٌ، اسْتَقْبَلَ بِهِ حَوْلًا، وَمَا دُونَ نِصَابٍ فَكَمُسْتَفَادٍ (وَإِنْ مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ مَالًا، وَقُلْنَا: إِنَّهُ يَمْلِكُهُ) عَلَى رِوَايَةٍ (فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ لَا يَمْلِكُهُ، وَمِلْكُ الْعَبْدِ ضَعِيفٌ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ أَقَارِبُهُ إِذَا مَلَكَهُمْ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ قَرِيبِهِ، وَالزَّكَاةُ إِنَّمَا تَجِبُ بِطَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا فِطْرَةَ إِذَنْ فِي الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ: يُزَكِّيهِ الْعَبْدُ، وَعَنْهُ: بِإِذْنِ السَّيِّدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُزَكِّيهِ السَّيِّدُ، وَعَنْهُ: الْوَقْفُ (وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ) عَلَى رِوَايَةٍ؛ وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ (فَزَكَاتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهُ. أَصْلٌ: أُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبَّرُ كَالْقِنِّ. فَرْعٌ: هَلْ تَجِبُ فِي الْمَالِ الْمَنْسُوبِ إِلَى الْجَنِينِ إِذَا انْفَصَلَ حَيًّا، اخْتَارَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، لِحُكْمِنَا لَهُ بِالْمِلْكِ ظَاهِرًا، حَتَّى مَنَعْنَا بَاقِي الْوَرَثَةِ أَمْ لَا، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، فَإِنَّهُ لَا مَالَ لَهُ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
[ملك النصاب]
زَكَاةَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصًا يَسِيرًا كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ، وَتَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِالْحِسَابِ، إِلَّا السَّائِمَةَ. الرَّابِعُ: تَمَامُ الْمِلْكِ، فَلَا زَكَاةَ فِي دَيْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [مِلْكُ النِّصَابِ] (الثَّالِثُ: مِلْكُ نِصَابٍ) لِلنُّصُوصِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يَرِدُ الرِّكَازُ؛ لِأَنَّ شَبَهَهُ بِالْغَنِيمَةِ أَكْثَرُ مِنَ الزَّكَاةِ، وَلِهَذَا وَجَبَ فِيهِ الْخُمُسُ (فَإِنْ نَقَصَ عَنْهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) فِي رِوَايَةٍ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ". قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْدَلَ عَنْهُ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصًا يَسِيرًا كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ) فَإِنَّهَا تَجِبُ كَذَلِكَ، قَالَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ غَالِبًا، فَهُوَ كَنَقْصِ الْحَوْلِ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ؛ وَهُوَ لَا يُخِلُّ بِالْمُوَاسَاةِ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ لَا حُكْمَ لَهُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، كَالْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ، وَانْكِشَافِ الْعَوْرَةِ، وَالْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ، فَكَذَا هُنَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ نَقْصًا بَيِّنًا كَالدَّانِقِ وَالدَّانِقَيْنِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي رِوَايَةٍ، وَصَحَّحَهَا فِي " الْمَذْهَبِ "، وَذَكَرَهَا فِي " الشَّرْحِ " عَنِ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ: إِنْ جَازَتْ جَوَازَ الْوَازِنَةِ وَجَبَتْ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ الْمَضْرُوبَةُ؛ وَهُوَ الظَّاهِرُ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ وَلِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الْوَازِنَةِ. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: إِذَا نَقَصَ النِّصَابُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ ثُلُثَ مِثْقَالٍ فَلَا زَكَاةَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقِيلَ: الدَّانَقُ وَالدَّانَقَانِ لَا يُمْنَعُ فِي الْفِضَّةِ بِخِلَافِ الذَّهَبِ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَهَذَا أَوْجَهُ، وَقِيلَ: النَّقْصُ الْيَسِيرُ لَا يُؤَثِّرُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ، بَلْ فِي أَوَّلِهِ وَوَسَطِهِ، وَظَاهِره أَنَّ نِصَابَ الْبَاقِي تَحْدِيدٌ؛ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَكَذَا فِي الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ كَمَا سَيَأْتِي (وَتَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِالْحِسَابِ) أَمَّا زِيَادَةُ الْحَبِّ فَيَجِبُ فِيهَا بِالْحِسَابِ اتِّفَاقًا، وَكَذَا زِيَادَةُ النَّقْدَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «هَاتُوا رُبْعَ الْعُشُورِ، مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ حَتَّى تَتِمَّ مِائَتَيْنِ فَتَجِبُ فِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّهُ مَالٌ مِنَ الْأَرْضِ يَتَجَزَّأُ وَيَتَبَعَّضُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، أَشْبَهَ الْأَرْبَعِينَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ، وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ نَقْدَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ (إِلَّا السَّائِمَةَ)
[تمام الملك]
الْكِتَابَةِ، وَلَا فِي السَّائِمَةِ الْمَوْقُوفَةِ، وَلَا فِي حِصَّةِ الْمُضَارِبِ، وَمِنَ الرِّبْحِ قَبْلَ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَا زَكَاةَ فِي وَقْصِهَا، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِهِ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ فِي الْأَوْقَاصِ صَدَقَةٌ» ، وَقَالَ: الْوَقْصُ: مَا بَيْنَ النِّصَابَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: «أُمِرْتَ فِي الْأَوْقَاصِ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: لَا، وَسَأَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرٍ، وَعَدَمِ التَّشْقِيصِ، وَقِيلَ: يَجِبُ، اخْتَارَهُ الشِّيرَازِيُّ، فَعَلَيْهِ لَوْ تَلِفَ بَعِيرٌ مِنْ تِسْعٍ، أَوْ مَلَكَهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ إِنِ اعْتَبَرْنَاهُ، سَقَطَ تُسْعُ شَاةٍ، وَلَوْ تَلِفَ مِنْهَا سِتَّةٌ، زَكَّى الْبَاقِيَ ثُلُثَ شَاةٍ، وَلَوْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً، فَأَخَذَ مِنْهَا بَعِيرًا بَعْدَ الْحَوْلِ، زَكَّاهُ بِتُسْعِ شَاةٍ. [تَمَامُ الْمِلْكِ] (الرَّابِعُ: تَمَامُ الْمِلْكِ) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ النَّاقِصَ لَيْسَ نِعْمَةً كَامِلَةً؛ وَهِيَ إِنَّمَا تَجِبُ فِي مُقَابَلَتِهَا؛ إِذِ الْمِلْكُ التَّامُّ عِبَارَةٌ عَمَّا كَانَ بِيَدِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ فِيهِ حق غَيْرُهُ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ، وَفَوَائِدُهُ حَاصِلَةٌ لَهُ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي (فَلَا زَكَاةَ فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ) وِفَاقًا، لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ تَعْجِيزَ نَفْسِهِ، وَيَمْتَنِعُ مِنَ الْأَدَاءِ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ ضَمَانُهَا، وَفِيهِ رِوَايَةٌ، فَدَلَّ عَلَى الْخِلَافِ هُنَا (وَلَا فِي السَّائِمَةِ الْمَوْقُوفَةِ) عَلَى مُعَيَّنٍ. قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": الْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " لِنَقْصِهِ. وَالثَّانِي: يَجِبُ؛ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلْعُمُومِ، وَكَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، وَبَنَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْخِلَافَ عَلَى الْمِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْوُجُوبِ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ، وَأَمَّا الْوُقُفُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا. تَنْبِيهٌ: إِذَا وُقِفَ عَلَى مُعْتِقٍ أَرْضًا أَوْ شَجَرًا فَحَصَلَ لَهُ مِنْ غَلَّتِهِ نِصَابٌ وَجَبَتِ
الْقِسْمَةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا، وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيءٍ مِنْ صَدَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ، زَكَّاهُ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى، وَفِي الدَّيْنِ عَلَى غَيْرِ الْمَلِيءِ وَالْمُؤَجَّلِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالزَّكَاةُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ وَالثمْرَ لَيْسَ وَقْفًا، بِدَلِيلِ بَيْعِهِ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ: لَا عُشْرَ فِيهَا إِنْ كَانَ فَقِيرًا، وَجَزَمَ بِهِ الْحُلْوَانِيُّ، وَإِنْ حَصَلَ لِأَهْلِ الْوَقْفِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَأَثُّرِ الْخُلْطَةِ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ (وَلَا فِي حِصَّةِ الْمُضَارِبِ، وَمِنَ الرِّبْحِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هذا ظاهر المذهب، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ، إِمَّا لِعَدَمِ الْمِلْكِ أَوْ لِنُقْصَانِهِ؛ لِأَنَّهُ وِقَايَةٌ كَرَأْسِ الْمَالِ، وَلَا يَنْعَقِدُ الْحَوْلُ إِلَّا بِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: الْوُجُوبُ، وَيَنْعَقِدُ حَوْلَهُ بِظُهُورِ الرِّبْحِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، فَيَجِبُ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ الْمُضَارَبَةِ بِدُونِ إِذْنِ رَبِّ الْمَالِ فِي الْأَصَحِّ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ حُكْمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَإِخْرَاجِهَا مِنَ الْمَالِ، وَعَلَى قَوْلِنَا: لَا يَمْلِكُ الْعَامِلُ الرِّبْحَ بِظُهُورِهِ، فَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ زَكَاةُ حِصَّةِ الْعَامِلِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ حَقُّ الْعَامِلِ دُونَ نِصَابٍ، انْبَنَى عَلَى الْخُلْطَةِ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ، وَظَاهِرُهُ وُجُوبُهَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ، فَيُزَكِّي حَقَّهُ مِنَ الرِّبْحِ مَعَ الْأَصْلِ عِنْدَ حَوْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، أَمَانَةً أَوْ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ حَقَّهُ مِنَ الرِّبْحِ بِظُهُورِهِ فِي الْأَظْهَرِ، فَإِنْ أَخْرَجَ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ جُعِلَ مِنَ الرِّبْحِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لِأَنَّهُ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ، وَفِي " الْكَافِي " يُجْعَلُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ كَدِيَتِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْعَلُ مِنْهُمَا بِالْحِصَصِ، فَيَنْقُصُ رُبْعُ عُشْرِ رَأْسِ الْمَالِ، وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: الزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ، فَمِنْهُمَا، وَإِنْ قُلْنَا: فِي الْعَيْنِ، فَمِنَ الرِّبْحِ (فِيهِمَا) أَيْ: فِي الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ (وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيءٍ) بَاذِلٍ أَوْ غَيْرِهِ (مِنْ صَدَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ، زَكَّاهُ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى قَبْضِهِ
وَالْمَجْحُودِ وَالْمَغْصُوبِ وَالضَّائِعِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: كَالدَّيْنِ عَلَى الْمَلِيءِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ. قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَاللُّقَطَةُ إِذَا جَاءَ رَبُّهَا، زَكَّاهَا لِلْحَوْلِ الَّذِي ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالِانْتِفَاعِ بِهِ، أَشْبَهَ سَائِرَ مَالِهِ، وَلِلْعُمُومِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمُوَاسَاةِ إِخْرَاجُ زَكَاةِ مَالٍ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ بِبَقَائِهِ عَلَيْهِ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ أَمْ لَا، وَعَنْهُ: يَجِبُ إِخْرَاجُهَا فِي الْحَالِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَالْوَدِيعَةِ، وَعَنْهُ: لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا إِمْكَانُ الْأَدَاءِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا مَضَى، وَعَنْهُ: لَا زَكَاةَ فِي دَيْنٍ بِحَالٍ، رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، لِأَنَّهُ غَيْرُ نَامٍ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ: لَا زَكَاةَ فِي الدَّيْنِ حَتَّى يُقْبَضَ. ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ. فَرْعٌ: لَوْ قَبَضَ دُونَ نِصَابٍ، زَكَّاهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ، وَكَذَا لَوْ كَانَ بِيَدِهِ دُونَ نِصَابٍ، وَبَاقِيه دَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ ضَالٍّ، وَالْحَوَالَةُ بِهِ، وَالْإِبْرَاءُ كَالْقَبْضِ (وَفِي الدَّيْنِ عَلَى غَيْرِ الْمَلِيءِ) وَهُوَ: الْمُعْسِرُ (وَالْمُؤَجَّلِ وَالْمَجْحُودِ) الَّذِي لَا بَيِّنَةَ بِهِ (وَالْمَغْصُوبِ، وَالضَّائِعِ) إِذَا عَادَ إِلَيْهِ (رِوَايَتَانِ) وَكَذَا أَطْلَقَهَما فِي " الْمُحَرَّرِ " (إِحْدَاهُمَا) هُوَ (كَالدَّيْنِ عَلَى الْمَلِيءِ) اخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِهِ وَالْإِبْرَاءِ، فَيُزَكِّي ذَلِكَ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى مِنَ السِّنِينِ، رَوَاهُ أَبُو عَبِيدٍ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ لِلْعُمُومِ، وَكَسَائِرِ مَالِهِ. وَقَالَ الشِّيرَازِيُّ: إِذَا قُلْنَا يَجِبُ فِي الدَّيْنِ وَقَبَضَهُ، فَهَلْ يُزَكِّيهِ لِمَا مَضَى؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَيَتَوَجَّهُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ، وَقَيَّدَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " الْمَجْحُودَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: ظَاهِرًا، وَقَالَ غَيْرُهُمَا: ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا، أَوْ هُمَا، وَإِنْ كَانَ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَوَجْهَانِ. فَرْعٌ: حُكْمُ مَسْرُوقٍ وَمَدْفُونٍ وَمَنْسِيٍّ وَمَوْرُوثٍ جَهِلَهُ، أَوْ جُهِلَ عِنْدَ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ. (وَالثَّانِيَةُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ) صَحَّحَهَا فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ، وَرَجَّحَهَا جَمَاعَةٌ وَاخْتَارَهَا ابْنُ شِهَابٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ، لِأَنَّهُ غَيْرُ نَامٍ؛
كَانَ الْمُلْتَقِطُ مَمْنُوعًا مِنْهَا، وَلَا زَكَاةَ فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُنْقِصُ النِّصَابَ إِلَّا فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهُوَ خَارِجٌ عَنْ يَدِهِ وَتَصَرُّفِهِ، أَشْبَهَ الْحُلِيَّ وَدَيْنِ الْكِتَابَةِ؛ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِي مُقَابَلَةِ الِانْتِفَاعِ بِالنَّمَاءِ حَقِيقَةً أَوْ مَظِنَّةً؛ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا، وَفِي ثَالِثَةٍ: إِنْ كَانَ لَا يُؤَمَّلُ رجوعه كَالْمَسْرُوقِ وَالْمَغْصُوبِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَمَا يُؤَمَّلُ رجوعه، كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُفْلِسِ، وَالْغَائِبِ الْمُنْقَطِعِ خَبَرُهُ، فِيهِ الزَّكَاةُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهَذَا أَقْرَبُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي رَابِعَةٍ: إِنْ كَانَ الذي عَلَيْهِ الدَّيْنُ يُؤَدِّي زَكَاتَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَى رَبِّهِ، وَإِلَّا وَجَبَتْ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَجْحُودِ حَذَارًا مِنْ وُجُوبِ زَكَاتَيْنِ فِي مَالٍ وَاحِدٍ (قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَاللُّقَطَةُ إِذَا جَاءَ رَبُّهَا، زَكَّاهَا لِلْحَوْلِ الَّذِي كَانَ الْمُلْتَقِطُ مَمْنُوعًا مِنْهَا) هَذَا مِنْ صُوَرِ الْمَالِ الضَّائِعِ، ذَكَرَهَا لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ؛ وَهُوَ " الْمَذْهَبُ "، وَلِذَلِكَ ذَكَرَهَا بِغَيْرِ وَاوٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ يَمْلِكُهَا بَعْدَ حَوْلِ التَّعْرِيفِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَمْلِكْهَا لَوَجَبَ عَلَى مَالِكِهَا زَكَاتُهَا لِجَمِيعِ الْأَحْوَالِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَحِينَئِذٍ إِذَا مَلَكَهَا الْمُلْتَقِطِ اسْتَقْبَلَ بِهَا حَوْلًا وَزَكَّى، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا مِلْكًا تَامًّا، فَوَجَبَتْ كَسَائِرِ مَالِهِ، وَكَوْنُ الْمَالِكِ لَهُ انْتِزَاعُهَا إِذَا عَرَفَهَا، كَمَالٍ وَهَبَهُ لِابْنِهِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مَدِينٌ بِهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا زَكَاةَ عَلَى رَبِّهَا إِذَا زَكَّاهَا الْمُلْتَقِطُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ أَخْرَجَ الْمُلْتَقِطُ زَكَاتَهَا عَلَيْهِ مِنْهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا رَبُّهَا رَجَعَ عليه بِمَا أَخْرَجَ فِي الْأَشْهَرِ. 1 - مَسَائِلُ: يُجْزِئُ الصَّدَاقُ وَعِوَضُ الْخُلْعِ، وَالْأُجْرَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ الْمَنْفَعَةَ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ جَمِيعَهُ مُسْتَقِرٌّ، وَتَعْرِيضُهُ لِلزَّوَالِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ: حَتَّى يُقْبَضَ ذَلِكَ، وَعَنْهُ: لَا زَكَاةَ فِي صَدَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ حَتَّى يُقْبَضَ، فَيَثْبُتُ الِانْعِقَادُ وَالْوُجُوبُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَحَكَاهُ الْمَجْدُ إِجْمَاعًا مَعَ احْتِمَالِ الِانْفِسَاخِ، وَعَنْهُ: يَمْلِكُ نِصْفَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَكَذَا في الْخِلَافُ فِي اعْتِبَارِ الْقَبْضِ فِي كُلِّ دَيْنٍ، لَا فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ أَوْ مَالٍ غَيْرِ زَكَوِيٍّ عِنْدَ الْكُلِّ، كَمُوصًى بِهِ وَمَوْرُوثٍ، وَعَنْ مَسْكَنٍ، وَعَنْهُ: لَا حَوْلَ لِأُجْرَةٍ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَالْمَعْدِنِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأُجْرَةِ الْعَقَارِ، وَإِنْ سَقَطَ قَبْلَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالْقَبْضِ لِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ مِنْ جِهَتِهَا، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهَا فِي الْأَشْهَرِ، وَإِنْ زَكَّتْ صَدَاقَهَا، ثُمَّ تَنَصَّفَ بِطَلَاقِهِ، رَجَعَ الزَّوْجُ فِيمَا بَقِيَ بِجَمِيعِ حَقِّهِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وإِنْ لَمْ تَكُنْ زَكَّتْهُ قَبْلَ الطَّلَاقِ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُخْرِجَ بَعْدَهُ، فَإِنْ فَعَلَتْ لَمْ يُجْزِئْهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُشْتَرِكًا، وَإِنْ زَكَّتْهُ مِنْ غَيْرِهِ رَجَعَ بِنِصْفِهِ كَامِلًا، وَلَا زَكَاةَ فِي الْفَيْءِ وَالْخُمُسِ، وَلَوْ عَزَلَهَا الْإِمَامُ مِنْهَما، وَلَا فِي الْغَنِيمَةِ وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، وَلَا فِي الذِّمَّةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَيَجِبُ فِي مَبِيعٍ قَبْلَ الْقَبْضِ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، فَيُزَكِّيهِ الْمُشْتَرِي مُطْلَقًا، وَكَذَا مَبِيعٌ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، أَوْ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، فَيُزَكِّيهِ مَنْ حُكِمَ لَهُ بِمِلْكِهِ، وَلَوْ فُسِخَ الْعَقْدُ، وَدَيْنُ السَّلَمِ إِنْ كَانَ لِلتِّجَارَةِ وَلَمْ يَكُنْ أَثْمَانًا، وَعَنِ الْمَبِيعِ، وَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ قَبْلَ عِوَضِهِمَا وَلَوِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، وَيَجِبُ فِي مَالِ الِابْنِ، وَإِنْ كَانَ مُعَرَّضًا لِتَمَلُّكِ الْأَبِ وَرُجُوعِهِ، وَيَجِبُ فِي وَدِيعَةٍ وَمَرْهُونٍ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَجِبُ فِي مَالٍ حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي لِلْغُرَمَاءِ، كَالْمَغْصُوبِ تَشْبِيهًا لِلْمَنْعِ الشَّرْعِيِّ بِالْمَنْعِ الْحِسِّيِّ، فَإِنْ حُجِرَ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُوبِهَا، لَمْ يَسْقُطْ، وَقِيلَ: بَلْ إِنْ كَانَ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنَ الْإِخْرَاجِ، وَلَهُ إِخْرَاجُهَا مِنْهُ فِي وَجْهٍ، وَلَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِهَا، وَعَنْهُ: بَلْ كَمَا لَوْ صَدَّقَهُ الْغَرِيمُ (وَلَا زَكَاةَ فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُنْقِصُ النِّصَابَ) ؛ أَيْ: يَمْنَعُ الدَّيْنُ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ - وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي قَدْرِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنِةِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ لِقَوْلِ عُثْمَانَ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَقْضِهِ، وَلْيُزَكِّ مَا بَقِيَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَأَبُو عَبِيدٍ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَالْأَمْوَالُ الْبَاطِنِةُ هِيَ الْأَثْمَانُ، وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ، وَالسَّامِرِيُّ، وَفِي الْمَعْدِنِ وَجْهَانِ، وَجَزَمَ الشِّيرَازِيُّ بِأَنَّهَا الْأَثْمَانُ فَقَطْ، وَعَنْهُ: لَا يُمْنَعُ لِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ. قَالَ: وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا، وَجَزَمَ فِي " الْإِرْشَادِ " وَغَيْرُهُ بِأَنَّ مَانِعَهَا الدَّيْنُ الْحَالُّ خَاصَّةً؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِ إِلَّا دَيْنًا بِسَبَبِ ضَمَانٍ أَوْ مَئُونَةِ حَصَادٍ وَدِيَاسٍ، وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ خُمُسَ الرِّكَازِ وَيَمْنَعُ الْخَرَاجَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا دَيْنُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ لَا الضَّامِنِ، خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، كَنِصَابٍ غَصْبِ مَنْ غَاصَبَهُ وَأَتْلَفَهُ، فَإِنَّ
الْمَوَاشِي وَالْحُبُوبِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْكَفَّارَةِ كَالدَّيْنِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَنْعَ يَخْتَصُّ بِالثَّانِي، مَعَ أَنَّ لِلْمَالِكِ طَلَبَ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَوِ اسْتَأْجَرَ لِرَعْيِ غَنَمِهِ بِشَاةٍ مَوْصُوفَةٍ، صَحَّ؛ وَهِيَ كَالدَّيْنِ فِي مَنْعِهَا الزَّكَاةَ. 1 - فَرْعٌ: إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَهُ دَيْنٌ مِثْلُهُ، جَعَلَ الدَّيْنَ فِي مُقَابَلَةِ مَا فِي يَدِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ فِي مُقَابَلَةِ دَيْنِهِ إِنْ كَانَ عَلَى مَلِيءٍ (إِلَّا فِي الْمَوَاشِي وَالْحُبُوبِ) وَالثِّمَارِ، وَتُسَمَّى الْأَمْوَالَ الظَّاهِرَةَ (فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَبْعَثُ سُعَاتَهُ فَيَأْخُذُونَ الزَّكَاةَ مِمَّا وَجَدُوا مِنَ الْمَالِ الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ عَنْ دَيْنِ صَاحِبِهِ، بِخِلَافِ الْبَاطِنَةِ» ، وَكَذَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ؛ وَلِأَنَّ تَعَلُّقَ الْأَطْمَاعِ مِنَ الْفُقَرَاءِ بِهَا أَكْثَرُ، وَالْحَاجَةَ إِلَى حِفْظِهَا أَوْفَرُ بِخِلَافِ الْبَاطِنَةِ، وَالثَّانِيَةُ: يَمْنَعُ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَجَمْعٌ؛ وَهِيَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ تَوَجُّهَ الْمُطَالَبَةِ أَظْهَرُ وَإِلْزَامَ الْحَاكِمِ بِالْأَدَاءِ مِنْهَا آكَدُ وَأَشَدُّ، وَفِي مَالِهِ يَمْنَعُ مَا اسْتَدَانَهُ لِلنَّفَقَةِ عَلَى ذَلِكَ دُونَ مَا اسْتَدَانَهُ لِلنَّفَقَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ مِنْ مَصَالِحِ الزَّرْعِ، فَهُوَ كَالْخَرَاجِ، بِخِلَافِ الثَّانِي، وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ، لِكَوْنِهَا لَا تَخْرُجُ عَنِ الْأُولَتَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ مِنْ مَصَالِحِ الزَّرْعِ فَلَهُ إِخْرَاجُهُ مِنْهُ عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِذَا لَمْ يُخْرِجْهُ أَوَّلًا أَخْرَجْنَاهُ ثَانِيَةً؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِيمَا بَقِيَ بعده، وَفِي رَابِعَةٍ: يَمْنَعُ مَا اسْتَدَانَهُ لِلنَّفَقَةِ عَلَى زَرْعِهِ وَثَمَرِهِ، أَوْ كَانَ مِنْ ثَمَنِهِ خَاصَّةً خَلَا الْمَاشِيَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ. قَالَ أَحْمَدُ: اخْتَلَفَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يُخْرِجُ مَا اسْتَدَانَهُ وَأَنْفَقَ عَلَى ثَمَرَتِهِ وَأَهْلِهِ، ويزكي ما بقي. وَقَالَ ابْنَ عَبَّاسٍ: يُخْرِجُ مَا اسْتَدَانَهُ عَلَى ثَمَرَتِهِ، وَيُزَكِّي مَا بَقِيَ، وَإِلَيْهِ أَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الْمُصَدِّقَ إِذَا جَاءَ فَوَجَدَ إِبِلًا أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا لَمْ يَسْأَلْ أَيَّ شَيْءٍ عَلَى صَاحِبِهَا؛ وَلَيْسَ الْمَالُ هَكَذَا (وَالْكَفَّارَةُ كَالدَّيْنِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وَهَذَا رِوَايَةٌ، وَصَحَّحَهَا صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْبَنَّا فِي " خِلَافِهِ " فِي الْكَفَّارَةِ وَالْخَرَاجِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ قَضَاؤُهُ، أَشْبَهَ دَيْنَ الْآدَمِيِّ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» ، وَكَذَا حُكْمُ نَذْرٍ مُطْلَقٍ،
[مضي الحول]
الْخَامِسُ: مُضِيُّ الْحَوْلِ شَرْطٌ إِلَّا فِي الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ، فَإِذَا اسْتَفَادَ مَالًا، فَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQوَزَكَاةٍ، وَدَيْنِ حَجٍّ، وَغَيْرِهِ. وَالثَّانِي: لَا يَمْنَعُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ. وَفِي " الْمُحَرَّرِ " الْخَرَاجُ مِنْ دَيْنِ اللَّهِ، لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُسَاهَلَةِ، ولَا مُطَالِبَ بِهَا مُعَيَّنٌ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمُطَالِبَ بِهِ الْإِمَامُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ وَلَا مُمَاطَلَتُهُ، فَهُوَ أَشَدُّ مِنْ دَيْنِ غَيْرِهِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالٍ بِعَيْنِهِ، فَحَالَ الْحَوْلُ، فَلَا زَكَاةَ لِزَوَالِ مِلْكِهِ أَوْ نَقْصِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: تَجِبُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " إِذَا نَذَرَ التَّضْحِيَةَ بِنِصَابٍ مُعَيَّنٍ فَلَا زَكَاةَ، وَيُحْتَمَلُ وُجُوبُهَا إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ قَبْلَهَا، وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ الصَّدَقَةُ بِهَذَا النِّصَابِ إِذَا حَالَ الْحَوْلُ، فَقِيلَ: لَا زَكَاةَ، وَقِيلَ: بَلَى، فَتُجْزِئُهُ الزَّكَاةُ مِنْهُ فِي الْأَصَحِّ، وَيَبْرَأُ بِقَدْرِهَا مِنَ الزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ إِنْ نَوَاهُمَا مَعًا، لِكَوْنِ الزَّكَاةِ صَدَقَةٌ، وَكَذَا لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِبَعْضِ النِّصَابِ هَلْ يُخْرِجُهُمَا، أَوْ يُدْخِلُ النَّذْرَ فِي الزَّكَاةِ وَيَنْوِيهِمَا؛ ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". [مُضِيُّ الْحَوْلِ] (الْخَامِسُ: مُضِيُّ الْحَوْلِ شَرْطٌ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة حَارِثَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: مَتْرُوكٌ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَرَادَ بِهِ الْمَالَ النَّامِيَ كَالْمَوَاشِي وَالنُّقُودِ؛ لِأَنَّ نَمَاءَهَا لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِمُضِيِّ الْحَوْلِ عَلَيْهَا، وَإِذَا ثَبَتَ فِيهِمَا ثَبَتَ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي قِيمَتِهَا؛ وَلِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا فِي مِلْكٍ تَامٍّ، فَاعْتُبِرَ لَهُ الْحَوْلُ رِفْقًا بِالْمَالِكِ، وَلِيَتَكَامَلَ النَّمَاءُ فَيَتَسَاوَى فِيهِ، وَظَاهِرُهُ لَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ الْحَوْلِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ سَاعَتَيْنِ، وَكَذَا نِصْفُ يَوْمٍ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ: لَا يُؤَثِّرُ نَقْصُهُ دُونَ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضْبَطُ غَالِبًا، وَلَا يُسَمَّى فِي
زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ الْحَوْلُ إِلَّا نِتَاجَ السَّائِمَةِ، وَرِبْحَ التِّجَارَةِ، فَإِنَّ حَوْلَهُمَا حَوْلُ أَصْلِهِمَا إِنْ كَانَ نِصَابًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا، فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ كَمُلَ النِّصَابُ، وَإِنْ مَلَكَ نِصَابًا صِغَارًا، انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حِينَ مَلَكَ. وعنه: لَا ـــــــــــــــــــــــــــــQالْعُرْفِ نَقْصًا، وَلَا يُعْتَبَرُ طَرَفَا الْحَوْلِ خَاصَّةً، وَلَنَا وَجْهٌ (إِلَّا فِي الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] ، وَذَلِكَ يَنْفِي اعْتِبَارَهُ فِي الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ، وَأَمَّا الْمَعْدِنُ وَالرِّكَازُ، فَبِالْقِيَاسِ عَلَيْهِمَا (فَإِذَا اسْتَفَادَ مَالًا) بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهَا (فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ الْحَوْلُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَيْسَ فِي الْمُسْتَفَادِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ؛ وَهُوَ أَصَحُّ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَلَكَهُ بِسَبَبٍ مُنْفَرِدٍ، فَاعْتُبِرَ لَهُ الْحَوْلُ، أَشْبَهَ مَا لَوِ اسْتَفَادَهُ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا عِنْدَهُ كَمَنِ اسْتَفَادَ إِبِلًا وَعِنْدَهُ إِبِلٌ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ (إِلَّا نِتَاجَ السَّائِمَةِ، وَرِبْحَ التِّجَارَةِ، فَإِنَّ حَوْلَهُمَا حَوْلُ أَصْلِهِمَا) أَيْ: يَجِبُ ضَمُّهُمَا إِلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ أَصْلِهِ (إِنْ كَانَ نِصَابًا) فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَلِقَوْلِ عُمَرَ: اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ، وَلَا تَأْخُذْهَا مِنْهُمْ. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ: عُدَّ عَلَيْهِمُ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّ السَّائِمَةَ يَخْتَلِفُ وَقْتُ وِلَادَتِهَا، فَإِفْرَادُ كُلِّ وَاحِدَةٍ يَشُقُّ، فَجُعِلَتْ تَبَعًا لِأُمَّاتِهَا؛ وَلِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا فِي الْمِلْكِ، فَيَتْبَعُهَا فِي الْحَوْلِ، فَلَوْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنَ الْأُمَّاتِ، فَنَتَجَتْ سَخْلَةٌ، انْقَطَعَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَتَجَتْ ثُمَّ مَاتَتْ، وَرِبْحُ التِّجَارَةِ كَذَلِكَ مَعْنَى، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ حُكْمًا (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْأَصْلُ (نِصَابًا، فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ كَمُلَ النِّصَابُ) ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَتَحَقَّقُ فِيهِ التَّبَعِيَّةُ، كَمَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَا تَجِبُّ فِيهِ الزَّكَاةُ، لِنُقْصَانِهِ عَنِ النِّصَابِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: حَوْلُ الْكُلِّ مُنْذُ مِلْكِ الْأُمَّاتِ لِنَمَاءِ النِّصَابِ، وَفِيهِ شَيْءٌ. 1 - تَنْبِيهٌ: إِذَا نَضَّ الرِّبْحُ قَبْلَ الْحَوْلِ، لَمْ يَسْتَأْنِفْ لَهُ حَوْلًا، وَلَا يَبْنِي الْوَارِثُ عَلَى حَوْلِ الْمَوْرُوثِ، نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ عَنْ أَحْمَدَ، وَيَضُمُّ الْمُسْتَفَادَ إِلَى نِصَابٍ بِيَدِهِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ، وَيُزَكِّي كُلَّ وَاحِدٍ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ النِّصَابُ فِي مُسْتَفَادٍ (وَإِنْ مَلَكَ نِصَابًا صِغَارًا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حِينَ مَلَكَ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» ؛ لِأَنَّهَا تَقَعُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَلِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا
يَنْعَقِدُ حَتَّى يَبْلُغَ سِنًّا يُجْزِئُ مِثْلُهُ فِي الزَّكَاةِ، وَمَتَى نَقَصَ النِّصَابُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ أَوْ بَاعَهُ، أَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، انْقَطَعَ الْحَوْلُ، إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. وَهِيَ لَا تَجِبُ فِي الْكِبَارِ، لَكِنْ لَوْ تَغَذَّتْ بِاللَّبَنِ فَقَطْ فَقِيلَ: يَجِبُ لِوُجُوبِهَا فِيهَا تبعا لِلْأُمَّاتِ، كَمَا يَتْبَعُهَا فِي الْحَوْلِ، وَقِيلَ: لَا، لِعَدَمِ السَّوْمِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ (وَعَنْهُ: لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَبْلُغَ سِنًّا يُجْزِئُ مِثْلُهُ فِي الزَّكَاةِ) لِقَوْلِ مُصَدِّقِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَرَنِي أَنْ لَا آخُذُ مِنْ رَاضِعٍ شَيْئًا، إِنَّمَا حَقُّنَا فِي الثَّنِيَّةِ وَالْجَذَعَةِ» ، وَعَلَيْهَا إِذَا مَاتَتِ الْأُمَّاتُ كُلُّهَا إِلَّا وَاحِدَةً لَمْ يَنْقَطِعِ الْحَوْلُ، بِخِلَافٍ مَا إِذَا مَاتَتْ كُلُّهَا، قَالَهُ فِي: " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " شَرْحِهِ الصَّغِيرِ " أَنَّهَا تَجِبُ فِي الْحِقَاقِ، وَفِي بَنَاتِ الْمَخَاضِ وَاللَّبُونِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى السِّخَالِ (وَمَتَّى نَقَصَ النِّصَابُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ) انْقَطَعَ؛ لِأَنَّ وُجُودَ النِّصَابِ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْعَفْوِ عَنْهُ مُطْلَقًا، لَكِنَّ الْيَسِيرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ، وَلَا فِي النَّقْصِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي وَسَطِ الْحَوْلِ أَوْ طَرَفِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ أَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ وَسَطِ الْحَوْلِ مُؤَثِّرٌ، وَظَاهِرُ الْخَبَرِ يَقْتَضِي التَّأْثِيرَ مُطْلَقًا. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ أَوْلَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (أَوْ بَاعَهُ) وَلَوْ بِيعَ خِيَارٌ عَلَى الْمَذْهَبِ (أَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) كَمَنَ أَبْدَلَ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ بِعِشْرِينَ دِينَارًا، أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ بِثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ (انْقَطَعَ الْحَوْلُ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَيَسْتَأْنِفُ حَوْلًا، لَكِنْ لَا يَنْقَطِعُ بِمَوْتِ الْأُمَّاتِ، وَالنِّصَابُ تَامُّ النِّتَاجِ، وَلَا بَيْعٍ فَاسِدٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ إِذَا أَبْدَلَ ذَهَبًا بِفِضَّةٍ، وَبِالْعَكْسِ؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ مِنْ عَدَمِ الضَّمِّ وَإِخْرَاجِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ، وَالْمَذْهَبُ: لَا يَنْقَطِعُ، لِأَنَّهُمَا كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ، أَخْرَجَ مِمَّا مَعَهُ عِنْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهُ يُخْرِجُ مِمَّا مَلَكَهُ أَكْثَرَ الْحَوْلِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مِثْلِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَالشَّيْخَانِ: إِذَا اشْتَرَى عَرَضًا لِتِجَارَةٍ بِنَقْدٍ، أَوْ بَاعَهَا بِهِ، أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى حَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي
مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ قُرْبِ وُجُوبِهَا فَلَا تَسْقُطُ. وَإِنْ أَبْدَلَهُ بِنِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ، بَنَى عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQأَثْمَانِ الْعُرُوضُ؛ وَهِيَ مِنْ جِنْسِ النَّقْدِ وِفَاقًا، وَفِي عَطْفِهِ الْإِبْدَالَ عَلَى الْبَيْعِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا غَيْرَانِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الْمُبَادَلَةُ هَلْ هِيَ بَيْعٌ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَصَّهُ بِجَوَازِ إِبْدَالِ الْمُصْحَفِ لَا بَيْعِهِ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ: الْمُعَاطَاةُ بَيْعٌ، وَالْمُبَادَلَةُ مُعَاطَاةٌ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا عَبَّرَ بِالْبَيْعِ، وَبَعْضٌ بِالْإِبْدَالِ، وَدَلِيلُهُمْ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ. فَرْعٌ: لَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ فِي أَمْوَالِ الصَّيَارِفَةِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى سُقُوطِهَا فِيمَا يَنْمُو، وَوُجُوبِهَا فِي غَيْرِهِ، وَالْأُخْرَى يَقْتَضِي الْعَكْسَ (إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ قُرْبِ وُجُوبِهَا فَلَا تَسْقُطُ) وَيَحْرُمُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [القلم: 17] ، فَعَاقَبَهُمْ تَعَالَى بِذَلِكَ لِفِرَارِهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ إِسْقَاطَ حَقِّ غَيْرِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ، كَالْمُطَلِّقِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَشَرَطَ الْمُؤَلِّفُ وَجَمَاعَةٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ قُرْبِ وُجُوبِهَا؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ قَصْدِ الْفِرَارِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ، أَوْ وَسَطِهِ؛ لِأَنَّهَا بَعِيدَةٌ أَوْ مُنْتَفِيَةٌ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمَيْنِ، وَقِيلَ: أَوْ بِشَهْرَيْنِ لَا أَزْيَدَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِرَارًا مِنْهَا أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ مُطْلَقًا، أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ، وَحُكْمُ الْإِتْلَافِ كَذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ يُزَكِّي مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ لِذَلِكَ الْحَوْلِ، وَفِي " مُفْرَدَاتِ " أَبِي يَعْلَى الصَّغِيرِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: يَسْقُطُ بِالتَّحَيُّلِ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ كَمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ التَّحَيُّلِ فِيهِ. فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى عَدَمَ الْفِرَارِ، وَثَمَّ قَرِينَةٌ، عُمِلَ بِهَا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْأَشْهَرِ (وَإِنْ أَبْدَلَهُ بِنِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَالِكًا لِنِصَابٍ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ، فَوَجَبَتِ الزَّكَاةُ لِوُجُودِ شَرْطِهَا، وَإِنْ زَادَ بِالِاسْتِبْدَالِ يَتْبَعُ الْأَصْلَ فِي الْحَوْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَنِتَاجٍ، فَلَوْ أَبْدَلَ مِائَةَ شَاةٍ بِمِائَتَيْنِ، لَزِمَهُ شَاتَانِ إِذَا حَالَ حَوْلُ الْمِائَةِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يَسْتَأْنِفُ لِزَائِدٍ حَوْلًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذا أَبْدَلَهُ بِدُونِ
حَوْلِهِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَنْقَطِعَ، وَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ الْمَالِ، وَعَنْهُ: تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا إِمْكَانُ الْأَدَاءِ. وَلَا تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَالِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQنِصَابٍ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ؛ وَهُوَ كَذَلِكَ (وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَنْقَطِعَ) ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَكَالْحَقَّيْنِ، وَكَرُجُوعِهِ إِلَيْهِ بِعَيْبٍ أَوْ فَسْخٍ. 1 (وَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ الْمَالِ) نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْوَارِدَةِ بِلَفْظِ " فِي " الْمُقْتَضِيَةِ لِلظَّرْفِيَّةِ، وَإِنَّمَا جَازَ الْإِخْرَاجُ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ (وَعَنْهُ: يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ) اخْتَارَهُ " الْخِرَقِيُّ " وَأَبُو الْخَطَّابِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا مِنْ غَيْرِ النِّصَابِ، أَشْبَهَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، وَلَوْ وَجَبَتْ فِيهِ لَامْتَنَعَ تَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْفَقِيرِ وَلِتَمَكُّنِهِ مِنْ أَدَائِهَا مِنْ غَيْرِ الْمَالِ، وَلَسَقَطَتْ بِتَلَفِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ لِسُقُوطِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِتَلَفِ الْجَانِي (وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا إِمْكَانُ الْأَدَاءِ) كَخَبَرِ اشْتِرَاطِ الْحَوْلِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ بَعْدَ الْحَوْلِ مُطْلَقًا؛ وَلِأَنَّهَا حَقُّ الْفَقِيرِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا إِمْكَانُ الْأَدَاءِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَطَ لَمْ يَنْعَقِدِ الْحَوْلُ الثَّانِي حَتَّى يُمَكَّنَ مِنَ الْأَدَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَنْعَقِدُ عَقِبَ الْأَوَّلِ إِجْمَاعًا، وَاحْتَجَّ الْقَاضِي بِأَنَّ لِلسَّاعِي الْمُطَالَبَةَ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا لَحِقٍّ سَبَقَ وَجُوبُهُ، كَالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ الْمَرِيضُ، بِخِلَافِ الْإِطْعَامِ عَنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ فِي الْكَفَّارَةِ وَالْفِدْيَةِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ، وَعَنْهُ: وَيُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، فَاشْتَرَطَ لِوُجُوبِهَا إِمْكَانُ الْأَدَاءِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ الْمَالِ الظَّاهِرِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْقَلِبُ، فَيُقَالُ: عِبَادَةٌ، فَلا يشْتُرِطَ لِوُجُوبِهَا إِمْكَانُ الْأَدَاءِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ يَجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْحَائِضِ وَالْعَاجِزِ عَنْ أَدَائِهِ، وَعَلَيْهِ لَوْ أَتْلَفَ النِّصَابَ بَعْدَ الْحَوْلِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْأَدَاءِ ضَمِنَهَا، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا، وَجَزَمَ فِي
وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَسْقُطُ إِذَا لَمْ يُفَرِّطُ. وَإِذَا مَضَى حَوْلَانِ عَلَى نِصَابٍ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُمَا، فَعَلَيْهِ زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الْعَيْنِ، وَزَكَاتَانِ إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، إِلَّا ـــــــــــــــــــــــــــــQ" الْكَافِي "، وَ " نِهَايَةِ " أَبِي الْمَعَالِي بِالضَّمَانِ (وَلَا يَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّهَا عَيْنُ يلزمه مؤنة تَسْلِيمِهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، يَضْمَنُهَا بِتَلَفِهَا فِي يَدِهِ كَعَارِيَةٍ وَغَصْبٍ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فَرَّطَ؛ لِأَنَّهَا حَقُّ آدَمِيٍّ، أَوْ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِ، فَلَا تَسْقُطُ بَعْدَ وُجُوبِهَا لِدَيْنِ آدَمِيٍّ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ: الْمُعَشَّرَاتُ إِذَا تَلِفَتْ بِآفَةٍ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " قَبْلَ قَطْعِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ بِدَلِيلِ الْجَائِحَةِ؛ إِذِ اسْتِقْرَارُهُ مَنُوطٌ بِالْوَضْعِ فِي الْجَرِينِ، وَزَكَاةُ الدَّيْنِ بِعَدَمِ تَلَفِهِ بِيَدِهِ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَسْقُطُ إِذَا لَمْ يُفَرِّطْ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى وَجْهٍ يَجِبُ أَدَاؤُهَا مَعَ عَدَمِ الْمَالِ، وَفَقْرِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهَا حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، فَيَسْقُطُ بِتَلَفِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ كَالْوَدِيعَةِ، وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ: إِنْ عَلِقَتْ بِالذِّمَّةِ، لَمْ يَسْقُطْ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ. وَقَالَ الْمَجْدُ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: يَسْقُطُ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الْبَاطِنَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبُرِيُّ: رَوَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَاشِيَةِ وَالْمَالِ، وَالْعَمَلِ عَلَى مَا رَوَى الْجَمَاعَةُ أَنَّهَا كَالْمَالِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. (وَإِذَا مَضَى حَوْلَانِ عَلَى نِصَابٍ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُمَا، فَعَلَيْهِ زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الْعَيْنِ) وَلَوْ تَعَدَّى بِالتَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَصِيرُ نَاقِصًا لِتَعْلِقِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ بِجُزْءٍ مِنْهُ، فَلَا تَجِبُ فِيهِ لِلْحَوْلِ الثَّانِي لِنُقْصَانِهِ، وَتَصِيرُ زَكَاةُ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ بَاقِيَةً (وَزَكَاتَانِ إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ) أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ وَبَعْضُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ نِصَابٌ كَامِلٌ مِنْ كُلِّ حَوْلٍ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي تَنْقِيصِ النِّصَابِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَوْ قُلْنَا: إِنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ، لَمْ يَسْقُطْ هُنَا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُسْقِطُ نَفْسَهُ، وَقَدْ يُسْقِطُ غَيْرَهُ، وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ " إِنْ
مَا كَانَتْ زَكَاتُهُ الْغَنَمَ مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ لِكُلِّ حَوْلٍ زَكَاةً، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ جَمِيعِهِ لِكُلِّ حَوْلٍ إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الْعَيْنِ، نَقَصَ مِنْ زَكَاتِهِ فِي كُلِّ حَوْلٍ بِقَدْرِ نَقْصِهِ بِهَا، وَإِذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQسَقَطَتِ الزَّكَاةُ بِدَيْنِ اللَّهِ، وَلَيْسَ لَهُ سِوَى النِّصَابِ، فَلَا زَكَاةَ لِلْحَوْلِ الثَّانِي، لِأَجْلِ الدَّيْنِ، لَا لِلتَّعَلُّقِ بِالْعَيْنِ، زَادَ صَاحِبُ " الْمُسْتَوْعِبِ " مَتَى قُلْنَا: يَمْنَعُ الدَّيْنُ، فَلَا زَكَاةَ لِلْعَامِ الثَّانِي تَعَلَّقَتْ بِالْعَيْنِ أَوِ الذِّمَّةِ، وَإِنَّ أَحْمَدَ حَيْثُ لَمْ يُوجِبْ زَكَاةَ الْحَوْلِ الثَّانِي فَإِنَّهُ بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ مَنْعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ الْعَامِ الْأَوَّلِ صَارَتْ دَيْنًا عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ مِنَ الْغَنَمِ خَمْسٌ: ثَلَاثٌ لِلْأَوَّلِ، وَاثْنَتَانِ لِلثَّانِي، وَعَلَى الثَّانِي: سِتٌّ لِحَوْلَيْنِ (إِلَّا مَا كَانَتْ زَكَاتُهُ الْغَنَمَ مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ لِكُلِّ حَوْلٍ زَكَاةً) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ مِنَ الذِّمَّةِ، وَإِنَّ الزَّكَاةَ تَتَكَرَّرُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، أَيْ: لَيْسَ بِجُزْءٍ مِنَ النِّصَابِ، وَبِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ مِنَ الْجِنْسِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ، وَاخْتَارَهُ السَّامِرِيُّ، وَ " الْمُحَرَّرُ " أَنَّهُ كَالْوَاجِبِ مِنَ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ كَتَعَلُّقِ الْأَرْشِ بِالْجَانِي. فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ، لَوْ لَمْ يَكُنْ سِوَى خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ فَفِي امْتِنَاعِ زَكَاةِ الْحَوْلِ الثَّانِي؛ لِكَوْنِهَا دَيْنًا، مَا سَبَقَ مِنَ الْخِلَافِ (وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ جَمِيعِهِ لِكُلِّ حَوْلٍ إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ) ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَمَّا وَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ، لَمْ تَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَالِ، فَوَجَبَ إِخْرَاجُهَا لِكُلِّ حَوْلٍ مَا لَمْ تُفْنِ الزَّكَاةُ الْمَالَ (وَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الْعَيْنِ يَسْقُطُ مِنْ زَكَاةِ كُلِّ حَوْلٍ بِقَدْرِ نَقْصِهِ بِهَا) ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا وَجَبَتْ فِي الْعَيْنِ، نَقُصَ مِنَ الْمَالِ مِقْدَارَ الزَّكَاةِ لِتَعَلُّقِهَا بِهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَجِبَ فِيهِ زَكَاةٌ، لِكَوْنِهِ مُسْتَحَقًّا لِلْفُقَرَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْقُصَ مِنَ الْجَمِيعِ مِقْدَارَ زَكَاةِ النَّقْصِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الزَّكَاةُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَجَبَ فِيهَا لِحَوْلَيْنِ عِشْرُونَ، وَعَلَى الثَّانِي: تِسْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَنِصْفُ دِرْهَمٍ وَرُبْعُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ قَدْرَ الْوَاجِبِ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ بِالْمَالِ مِنَ الْحَوْلِ الثَّانِي، فَيَنْقُصُ عَشَرَةً، فَيَبْقَى ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا، وَقَوْلُهُ: " سَقَطَ مِنْ زَكَاةِ كُلِّ حَوْلٍ " لَا يَشْمَلُ الْحَوْلَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ بِلَا حَوْلٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ وَجَبَ حَتَّى يَنْقِصَ بِقَدْرِهِ عَلَى التَّعْلِقِ بِالْعَيْنِ (وَإِذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ
[باب زكاة بهيمة الأنعام]
الزَّكَاةُ، أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ اقْتَسَمُوا بِالْحِصَصِ. بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَلَا تَجِبُ إِلَّا فِي السَّائِمَةِ مِنْهَا، وَهِيَ الَّتِي تَرْعَى فِي أَكْثَرِ الْحَوْلِ. وَهِيَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالزَّكَاةُ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ يُوصَ بِهَا كَالْعُشْرِ، وَنَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ هَانِئٍ فِي حَجٍّ لَمْ يُوصَ بِهِ، وَزَكَاةٍ، وَكَفَّارَةٍ مِنَ الثُّلُثِ، وَنُقِلَ عَنْهُ - أَيْضًا - مِنْ رَأْسِ الْمَالِ سِوَى النَّصِّ السَّابِقِ (فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ) وَلَمْ يَفِ بِالْكُلِّ (اقْتَسَمُوا بِالْحِصَصِ) نَصَّ عَلَيْهِ، كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ إِذَا ضَاقَ عَنْهَا الْمَالُ، وَعَنْهُ: يَبْدَأُ بِالدَّيْنِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ قَوْلًا لِتَقْدِيمِهِ بِالرَّهِينَةِ؛ وَلِأَنَّ حَقَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ، بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ، وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنَجَّا بِأَنَّهَا حَقٌّ آدَمِيٌّ، أَوْ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى حَقِّهِ، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الزَّكَاةَ إِنْ عَلِقَتْ بِالْعَيْنِ، اخْتَارَهُ فِي الْمُجَرَّدِ وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " قَالَ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ ": لِبَقَاءِ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ، فَجَعَلَهُ أَصْلًا، وَلَوْ عُلِّقَتْ بِالذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَهَا بِالْعَيْنِ قَهْرِيٌّ، فَيُقَدَّمُ عَلَى مُرْتَهِنٍ، وَغَرِيمٍ مُفْلِسٍ، كَأَرْشِ جِنَايَةٍ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالذِّمَّةِ، فَهَذَا التَّعَلُّقُ بِسَبَبِ الْمَالِ، فَيَزْدَادُ وَيَنْقُصُ، وَيَخْتَلِفُ بِحَسَبِهِ، وَعَنْهُ: تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ عَلَى الْحَجِّ؛ لِأَنَّ قَدْرَ الْوَاجِبِ مِنْهَا مُسْتَقِرٌّ، وَيُقَدَّمُ النَّذْرَ بِمُعَيَّنٍ عَلَيْهَا، وَعَلَى الدَّيْنِ. [بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ] [زَكَاةُ الْإِبِلِ] بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ بَدَأَ بِهِ اقتداء بِكِتَابِ الصِّدِّيقِ الَّذِي كَتَبَهُ لِأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِطُولِهِ مُفَرَّقًا. سُمِّيَتْ بَهِيمَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ، وَالْأَنْعَامُ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: النَّعَمُ: هِيَ الْإِبِلُ خَاصَّةً، فَإِذَا قِيلَ: الْأَنْعَامُ، دَخَلَ فِيهِ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ (وَلَا تَجِبُ إِلَّا فِي السَّائِمَةِ مِنْهَا) السَّائِمَةُ: الرَّاعِيَةُ، وَقَدْ سَامَتْ تَسُومُ سَوْمًا إِذَا رَعَتْ، وَأَسَمْتُهَا: إِذَا رَعَيْتُهَا؛ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10] ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ
ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: الْإِبِلُ، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا، فَتَجِبُ فِيهَا شَاةٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQالسَّلَامُ -: «فِي الْإِبِلِ السَّائِمَةِ، فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً، شَاةٌ» ، فَذِكْرُهُ السَّوْمَ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلنَّسْلِ وَالدَّرِّ بِخِلَافِ الْمِعْلُوفَةِ وَالْعَوَامِلِ، وَقِيلَ: يَجِبُ فِي الْعَوَامِلِ كَالْإِبِلِ الَّتِي تُكْرَى. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَقِيلَ: وَتَجِبُ فِي مَعْلُوفَةٍ كَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ سَائِمَةٍ وَمَعْلُوفَةٍ (وَهِيَ الَّتِي تَرْعَى) الْمُبَاحَ، فَلَوِ اشْتَرَى لَهَا مَا تَرْعَاهُ، أَوْ جَمَعَ لها مَا تَأْكُلُ، فَلَا زَكَاةَ، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ هَلِ السَّوْمُ شَرْطٌ أَوْ عَدَمُهُ مَانِعٌ، فَلَا يَصِحُّ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي (أَكْثَرِ الْحَوْلِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوِ اعْتُبِرَ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ لَامْتَنَعَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ أَصْلًا، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ كُلُّهُ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَا أَثَرَ لِعَلَفِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَلَا يُعْتَبَرُ لِلسَّوْمِ، وَالْعَلَفُ نِيَّةٌ فِي وَجْهٍ، فَلَوْ سَامَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ أَسَامَهَا غَاصِبٌ، وَجَبَتْ كَغَصْبِهِ حَبًّا، وَزَرْعِهِ فِي أَرْضِ مَالِكِهِ، فِيهِ الْعُشْرُ عَلَى رَبِّهِ كَنَبَاتِهِ بِلَا زَرْعٍ، وَإِنِ اعْتَلَفَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ عَلَفَهَا غَاصِبٌ فَلَا زَكَاةَ؛ لِفِقْدَانِ الشَّرْطِ، وَفِي آخَرٍ يُعْتَبَرُ فَتَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ، وَقِيلَ: تَجِبُ إِذَا عَلَفَهَا غَاصِبٌ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، فَقِيلَ: لِتَحْرِيمِ فِعْلِهِ، وَقِيلَ: لِانْتِفَاءِ الْمُؤْنَةِ عَنْ رَبِّهَا، وَقِيلَ: يَجِبُ إِنْ أَسَامَهَا لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ، كَمَا لَوْ كَمُلَ النِّصَابُ بِيَدِ الْغَاصِبِ (وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا الْإِبِلُ) بَدَأَ بِهَا لَبُدَاءَةِ الشَّارِعِ حِينَ فَرَضَ زكاة الْأَنْعَامَ؛ وَلِأَنَّهَا أَهَمُّ؛ لِكَوْنِهَا أَعْظَمَ النِّعَمِ قِيمَةً وَأَجْسَامًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ (وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا) وَهِيَ أَقَلُّ نِصَابِهَا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الْإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» (فَتَجِبُ فِيهَا شَاةٌ) إِجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا، فَفِيهَا شَاةٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَإِنْ أَخْرَجَ بَعِيرًا لَمْ يُجْزِئْهُ، وَفِي الْعَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشَرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي الْعِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، وَهِيَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُجْزِئُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ شَاةِ الْجُبْرَانِ، وَجَعَلَهُ فِي الشَّرْحَيْنِ إِذَا عَدِمَ الشَّاةَ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: لَا يُجْزِئُهُ مَعَ وُجُودِ الشَّاةِ فِي مِلْكِهِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَتُعْتَبَرُ الشَّاةُ بِصِفَةِ الْإِبِلِ، فَفِي كِرَامٍ سَمِينَةٍ كَرِيمَةٌ سَمِينَةٌ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، وَإِنْ كَانَتْ بَدِيلَ مَعِيبَةٍ. فَقِيلَ: الشَّاةُ كَشَاةِ الصِّحَاحِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَشَاةِ الْفِدْيَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَقِيلَ: بَلْ صِحَّتُهَا بِقَدْرِ الْمَالِ، يَنْقُصُ قِيمَتُهَا بِقَدْرِ نَقْصِ الْإِبِلِ، كَشَاةِ الْغَنَمِ، وَقِيلَ: شَاةٌ تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْقِيمَةِ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَبِكُلِّ حَالٍ لَا يُخْرِجُ مَرِيضَةً، وَكَذَا شَاةُ الْجُبْرَانِ، وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهَا مِنْ جِنْسِ غَنَمِهِ، وَلَا جِنْسِ غَنَمِ الْبَلَدِ، وَلَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ، وَقِيلَ: بَلَى لِإِطْلَاقِهَا (فَإِنْ أَخْرَجَ بَعِيرًا لَمْ يُجْزِئْهُ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَلَمْ تُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ بَقَرَةً، وَكَنِصْفَيْ شَاتَيْنِ فِي الْأَصَحِّ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ أَوَّ لًا، وَإِنَّمَا أَجْزَأَتْ بِنْتُ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ؛ لِأَنَّهُ مُخْرِجٌ لِلْوَاجِبِ، وَزِيَادَةٍ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ، بِخِلَافِ الْبَعِيرِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ إِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ شَاةٍ وَسَطٍ فَأَكْثَرَ، بِنَاءً عَلَى إِخْرَاجِ الْقِيمَةِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ إِنْ أَجْزَأَ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ (وَفِي الْعَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشَرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي الْعِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ) هَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَثَابِتٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ: «فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا، فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ» (فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إِلَّا مَا يُحْكَى عَنْ عَلِيٍّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ» (وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَةٌ) وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أُمَّهَا قَدْ حَمَلَتْ غَالِبًا، وَالْمَاخِضُ: الْحَائِلُ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ تَعْرِيفًا بِغَالِبِ حَالِهَا، كَتَعْرِيفِهِ الرَّبِيبَةَ
الَّتِي لَهَا سَنَةٌ، فَإِنْ عَدِمَهَا أَجْزَاهُ ابْنُ لَبُونٍ، وَهُوَ الَّذِي لَهُ سَنَتَانِ، فَإِنْ عَدِمَهُ أَيْضًا لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وَهِيَ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالْحِجْرِ (فَإِنْ عَدِمَهَا) فِي مَالِهِ، أَوْ كَانَتْ مَعِيبَةً (أَجْزَأَهُ ابْنُ لَبُونٍ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» . " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي لَفْظٍ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ» عَلَى وَجْهِهَا؛ لِأَنَّ وُجُودَهَا كَالْعَدَمِ فِي الِانْتِقَالِ إِلَى الْبَدَلِ، وَالْأَشْهَرُ: أَوْ خُنْثَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُجْزِئُ، وَلَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَيُجْزِئُ حِقٌّ أَوْ جَذَعٌ أَوْ ثَنِيٌّ، وَأَوْلَى لِزِيَادَةِ السِّنِّ، وَفِي بِنْتِ لَبُونٍ، وَلَهُ جُبْرَانٌ وَجْهَانِ، فَإِنِ اشْتَرَى بِنْتَ مَخَاضٍ وَأَخْرَجَهَا أَجْزَأَ بِلَا نِزَاعٍ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، وَلَا يُجْزِئُ إِخْرَاجُ ابْنِ لَبُونٍ بَعْدَ شِرَائِهَا، فَإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ أَعْلَى مِنَ الْوَاجِبِ، لَمْ يُجْزِئْهُ ابْنُ لَبُونٍ، وَالْأَشْهَرُ: لَا يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهَا، بَلْ يُخَيَّرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سِوَى بِنْتِ مَخَاضٍ بِصِفَةِ الْوَاجِبِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّهُ يُخْرِجُ عَنِ الْمِرَاضِ صَحِيحَةً، حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْهُ (وَهُوَ الَّذِي لَهُ سَنَتَانِ) وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ وَضَعَتْ، فَهِيَ ذَاتُ لَبَنٍ (فَإِنْ عَدِمَهُ - أَيْضًا - لَزِمَهُ) شِرَاءُ بِنْتِ (مَخَاضٍ) وَلَا يُجْزِئُهُ هُوَ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي خَبَرِ أَبِي بَكْرٍ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ» ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَتَبِعَهُ الْأَصْحَابُ؛ وَلِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْعَدَمِ، فَلَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، كَمَا لَوِ اسْتَوَيَا فِي الْوُجُودِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ (وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ) لِقَوْلِهِ فِي خَبَرِ أَبِي بَكْرٍ: «فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَفِيهَا بنت لَبُونٌ أُنْثَى» وَظَاهِرُهُ: لَا يُجْزِئُ ابْنُ لَبُونٍ، وَقِيلَ: بَلْ يُجْبَرَانِ لِعَدَمٍ (وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ) لِحَدِيثِ الصِّدِّيقِ: «فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ» (وَهِيَ الَّتِي لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ) وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ، سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ أَنْ تُرْكَبَ وَيُحْمَلَ عَلَيْهَا، وَيَطْرُقَهَا الْفَحْلُ، وَالذَّكَرُ مِنْهَا مُحِقٌّ
الَّتِي لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ، وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ، وَهِيَ الَّتِي لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ. فصل وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ، فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، ثُمَّ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الصَّدَقَةِ: «وَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ» (وَهِيَ الَّتِي لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ) وَدَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ، سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تَجْذَعُ إِذَا سَقَطَ مِنْهَا سِنُّهَا، وَالذَّكَرُ جَذَعٌ، فَلَوْ أَخْرَجَ ثَنِيَّةً؛ وَهِيَ الَّتِي دَخَلَتْ فِي السَّادِسَةِ، أَجْزَأَ بِلَا جُبْرَانٍ، سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا أَلْقَتْ ثَنِيَّتَهَا، وَقِيلَ: وَيُجْزِئُ عَنِ الْجَذَعَةِ حِقَّتَانِ، وَابْنَتَا لَبُونٍ، وَابْنَتَا لَبُونٍ عَنِ الْحِقَّةِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ وَنَقَضَهُ بَعْضُهُمْ بِبِنْتِ مَخَاضٍ عَنْ عِشْرِينَ، وَبِبِنْتِ بَنَاتِ مَخَاضٍ عَنِ الْجَذَعَةِ. 1 - فَصْلٌ الْأَسْنَانُ الْمَذْكُورَةُ لِلْإِبِلِ هُوَ قَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لِبِنْتِ مَخَاضٍ سَنَتَانِ، وَلِبِنْتِ لَبُونٍ ثَلَاثٌ، وَلِحِقَّةٍ أَرْبَعٌ، وَلِجَذَعَةٍ خَمْسٌ كَامِلَةٌ، فَحَمَلَهُ الْمَجْدُ عَلَى بَعْضِ السَّنَةِ؛ وَهُوَ غَرِيبٌ؛ لِقَوْلِهِ: كَامِلَةٌ، وَقِيلَ: لِبِنْتِ مَخَاضٍ نِصْفُ سَنَةٍ، ولبنت لبون سنة، وَلِحِقَّةٍ سَنَتَانِ، وَلِجَذَعَةٍ ثَلَاثٌ (وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ ابْنَتَا لَبُونٍ) إِجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ» (وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ) إِجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ» (فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً) أَيْ: عَلَى الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ (فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ) فِي الْمَشْهُورِ، وَالْمُخْتَارُ للعامة، لظاهر خَبَرُ الصِّدِّيقِ: «فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ» وَبِالْوَاحِدَةِ حَصَلَتِ الزِّيَادَةُ، فَقِيلَ: الْوَاحِدَةُ عَفْوٌ، وَإِنْ تَغَيَّرَ بِهَا الْفَرْضُ، وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِهَا
خَمْسِينَ حِقَّةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ اتَّفَقَ الْفَرْضَانِ، فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ، وَإِنْ شَاءَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُخْرِجُ الْحَقَاقَ، وَلَيْسَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ شَيْءٌ، وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ، فَعَدِمَهَا، أَخْرَجَ سِنًّا أَسْفَلَ مِنْهَا، وَمَعَهَا شَاتَانِ، أَوْ عِشْرِونَ دِرْهَمًا، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهَا، وَأَخَذَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ السَّاعِي، فَإِنْ عَدِمَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْوُجُوبُ (ثُمَّ) تَسْتَقِرُّ الْفَرِيضَةُ (فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي خَمْسِينَ حِقَّةٌ) هَذَا الْمَذْهَبُ لِخَبَرِ الصِّدِّيقِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْهُ: لَا يَتَغَيَّرُ الْفَرْضُ إِلَّا إِلَى مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ فَتَسْتَقِرُّ الْفَرِيضَةُ، فَفِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْآجُرِّيُّ، لِخَبَرِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، فَإِنْ صَحَّ، عُورِضَ بِرِوَايَتِهِ الْأُخْرَى، وَبَّمَا هو أَكْثَرُ مِنْهُ، وَأَصَحُّ (فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ، اتَّفَقَ الْفَرْضَانِ، فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ، وَإِنْ شَاءَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ) هَذَا الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْبَقَرِ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِلْأَخْبَارِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ: مَا لَمْ يَكُنِ الْمَالُ لِيَتِيمٍ أَوْ مَجْنُونٍ، فَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ إِخْرَاجُ الْأَدْوَنِ الْمُجْزِئِ، فَلَوْ جُمِعَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ فِي الْإِخْرَاجِ، كَأَرْبَعِ حِقَاقٍ، وَخَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ عَنْ أَرْبَعِمِائَةٍ جَازَ، جَزَمَ بِهِ الْأَئِمَّةُ، فَإِطْلَاقُ وَجْهَيْنِ سَهْوٌ، أَمَّا مَعَ الْكَسْرِ، فَلَا، كَحِقَّتَيْنِ وَبِنْتَيْ لَبُونٍ وَنِصْفٍ عَنْ مِائَتَيْنِ، وَفِيهِ تَخْرِيجٌ؛ وَهُوَ ضَعْفٌ. فَرْعٌ: إِذَا وُجِدَ أَحَدُ الْفَرْضَيْنِ كَامِلًا، وَالْآخَرُ نَاقِصًا، لَا بُدَّ لَهُ مِنْ جُبْرَانٍ يُعَيِّنُ الْكَامِلَ؛ لِأَنَّ الْجُبْرَانَ بَدَلٌ (وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُخْرِجُ الْحِقَاقَ) أَيْ: يَجِبُ إِخْرَاجُهَا، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي " الشَّرْحِ " نَظَرَا لِحَظِّ الْفُقَرَاءِ، إِذْ هِيَ أَنْفَعُ لَهُمْ لِكَثْرَةِ دَرِّهَا وَنَسْلِهَا، وَأَوَّلَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " النَّصَّ عَلَى صِفَةِ التَّخَيُّرِ، وَقَدَّمَ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ": أَنَّ السَّاعِيَ يَأْخُذُ أَفْضَلَهَا، وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: يَأْخُذُ مَا وُجِدَ عِنْدَهُ مِنْهَا، وَمُرَادُهُمْ: لَيْسَ لِلسَّاعِي تَكْلِيفُ الْمَالِكِ سِوَاهُ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ سَبَبُهَا النِّصَابُ، فَاعْتُبِرَتْ بِهِ (وَلَيْسَ فِيمَا بَيْنُ الْفَرِيضَتَيْنِ شَيْءٌ) وَتُسَمَّى الْأَوْقَاصُ؛ لِعَفْوِ الشَّارِعِ عَنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ فَعَدِمَهَا) لَمْ يُكَلَّفْ تَحْصِيلَهَا، وَخُيِّرَ الْمَالِكُ، فَإِنْ شَاءَ (أَخْرَجَ سنا أَسْفَلَ مِنْهَا، وَمَعَهَا شَاتَانِ، أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهَا، وَأَخَذَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ السَّاعِي) هَذَا
السِّنَّ الَّتِي تَلِيهَا، انْتَقَلَ إِلَى الْأُخْرَى، وَجَبَرَهَا بِأَرْبَعِ شِيَاهٍ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَنْتَقِلُ إِلَّا إِلَى سِنٍّ تَلِي الْوَاجِبَ، وَلَا مَدْخَلَ لَلْجُبْرَانِ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQهُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا فِي كِتَابِ أَنَسٍ: " «وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا التَّخْيِيرُ ثَابِتٌ فِي كَوْنِ مَا عَدَلَ إِلَيْهِ فِي مِلْكِهِ، فَإِنْ عَدِمَهَما حَصَلَ الْأَصْلُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ أَدْنَى مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، لِأَنَّهَا أَقَلُّ مَا يَجِبُ فِي زَكَاتِهَا، وَلَا يُخْرِجُ أَعْلَى مِنَ الْجَذَعَةِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى رَبُّ الْمَالِ بِغَيْرِ جُبْرَانٍ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَاقْتَضَى: أَنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجَذَعَةُ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَأَخْرَجَ الثَّنِيَّةَ، أَنْ يَأْخُذَ الْجُبْرَانَ مِنَ السَّاعِي، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ بِشَاةٍ وَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِي وَجْهٍ حِذَارًا مِنْ تَخْيِيرٍ ثَالِثٍ، وَيَجُوزُ مِنْ آخَرَ، وقَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الْعَشَرَةَ فِي مُقَابَلَةِ الشَّاةِ (فَإِنْ عَدِمَ السِّنَّ الَّتِي تَلِيهَا، انْتَقَلَ إِلَى الْأُخْرَى وَجَبَرَهَا بِأَرْبَعِ شِيَاهٍ، أَوْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا) أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَوْرَدَهُ الشَّيْخَانِ مَذْهَبًا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَوَّزَ لَهُ الِانْتِقَالَ إِلَى الَّذِي يَلِيهِ مَعَ الْجُبْرَانِ، وَجَوَّزَ الْعُدُولَ عَنْهَا إِذَا عَدِمَ الْجُبْرَانَ إِذَا كَانَ هُوَ الْوَصِيُّ، وَهَاهُنَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا، فَإِذَا عَدِمَ، جَازَ الْعُدُولُ إِلَى مَا يَلِيهِ مَعَ الْجُبْرَانِ، وَلَا شَكَّ فِي التَّعْدِيَةِ إِذَا عُقِلَ مَعْنَى النَّصِّ، وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا كَانَ بِصِفَةِ الصِّحَّةِ، أَوْ لِجَائِزِ الْأَمْرِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ النِّصَابُ مَعِيبًا، وَعُدِمَتِ الْفَرِيضَةُ، فَلَهُ دَفْعُ السِّنِّ السُّفْلَى مَعَ الْجُبْرَانِ، وَلَيْسَ لَهُ دفع مَا فَوْقَهَا مَعَ الْجُبْرَانِ؛ لِأَنَّ الْجُبْرَانَ قَدَّرَهُ الشَّارِعُ، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَمَا بَيْنَ الْمَعِيبَيْنِ أَقَلُّ، فَإِذَا دَفَعَهُ الْمَالِكُ صَارَ كَتَطَوُّعِهِ بِالزَّائِدِ بِخِلَافِ السَّاعِي وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمَا إِلَّا إِخْرَاجُ الْأَدْوَنِ؛ وَهُوَ أَقَلُّ الْوَاجِبِ، كَمَا لَا يَتَبَرَّعُ. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ) وَابْنُ عَقِيلٍ وَذَكَرَهُ صَاحِبُ " النِّهَايَةِ ": وهو ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ (لَا يَنْتَقِلُ إِلَّا إِلَى سِنٍّ تَلِي الْوَاجِبَ) إِذِ النَّصُّ إِنَّمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ، وَالزَّكَاةُ فِيهَا شِيَابَةُ التَّعَبُّدِ (وَلَا مَدْخَلَ لَلْجُبْرَانِ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ) ؛ لِأَنَّ النَّصَّ إِنَّمَا وَرَدَ فِيهَا،
[زكاة البقر]
فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي: الْبَقْرُ، وَلَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ، فَيَجِبُ فِيهَا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَةٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ، وَفِي السِّتِّينَ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ غَيْرُهُا فِي مَعْنَاهَا لِكَثْرَةِ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ لَا تَخْتَلِفُ فَرِيضَتُهَا بِاخْتِلَافِ سِنِّهَا، وَمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الْبَقَرِ يُخَالِفُ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الْإِبِلِ، فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ، فَلَوْ غَيَّرَ صِفَةَ الْوَاجِبِ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَأَخْرَجَ الرَّدِيءَ عَنِ الْجِيدِ، وَزَادَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَضْلِ، لَمْ يُجْزِئْ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ النَّفْعُ بِعَيْنِهَا، فَيَفُوتُ بَعْضُ الْمَقْصُودِ، وَمِنَ الْأَثْمَانِ الْقِيمَةُ. وَقَالَ الْمَجْدُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ فِي الْمَاشِيَةِ وَغَيْرِهَا. [زَكَاةُ الْبَقَرِ] فَصْلٌ (النَّوْعُ الثَّانِي: الْبَقَرُ) وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَالْبَقَرَةُ تَقَعُ عَلَى الْأُنْثَى وَالذَّكَرُ، وَدَخَلَتِ الْهَاءُ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنْ جِنْسٍ، وَالْبَقَرَاتُ: الْجَمْعُ، وَالْبَاقِي جَمَاعَةُ الْبَقَرِ مَعَ رُعَاتِهَا؛ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ بَقَرْتَ الشَّيْءَ إِذَا شَقَقْتَهُ؛ لِأَنَّهَا تَبْقَرُ الْأَرْضَ بِالْحِرَاثَةِ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا أَحَادِيثُ، مِنْهَا مَا رَوَى مُعَاذٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمَنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُذْكَرْ فِي خَبَرِ الصَّدَقَةَ لِقِلَّتِهَا فِي الْحِجَازِ، إِذْ يَنْدُرُ مِلْكُ نِصَابٍ مِنْهَا، بَلْ لَا يُوجَدُ، وَلِمَا أَرْسَلَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ ذَكَرَ لَهُ حُكْمَهَا لِوُجُودِهَا، وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا (وَلَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ) وَهِيَ أَقَلُّ نِصَابِهَا (فَيَجِبُ فِيهَا تَبِيعٌ) سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ؛ وَهُوَ جَذَعُ الْبَقْرِ الَّذِي اسْتَوَى قَرْنَاهُ، وَحَاذَى قَرْنُهُ أُذُنَهُ غَالِبًا (أَوْ تَبِيعَةٌ؛ وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَةٌ) وَعِبَارَةُ " الْفُرُوعِ " لِكُلٍّ مِنْهَما سَنَةٌ، وَذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ، وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " نِصْفُ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: سَنَتَانِ (وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ) ؛ لِأَنَّهَا أَلْقَتْ سِنًّا غَالِبًا؛ وَهِيَ الثَّنِيَّةُ (وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ) وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " سَنَةٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ، وَقِيلَ: أَرْبَعٌ،
تَبِيعَانِ، ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَلَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ فِي الزَّكَاةِ فِي غَيْرِ هَذَا إِلَّا ابْنُ لَبُونٍ مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ إِذَا عَدِمَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُورًا، فَيُجْزِئُ الذَّكَرُ فِي الْغَنَمِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَالْإِبِلُ وَالْبَقَرُ فِي أَحَدِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَا يُجْزِئُ عَنْهَا مُسِنٌّ، بَلْ عَنِ الْأَوَّلِينَ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ عَنْهَا تَبِيعَانِ (وَفِي السِّتِّينَ تَبِيعَانِ، ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ) وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مَنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنَ السِّتِّينَ تَبِيعَيْنِ، وَمِنَ السَّبْعِينَ مُسِنَّةً وَتَبِيعًا، وَمِنَ الثَّمَانِينَ مُسِنَّتَيْنِ، وَمِنَ التِّسْعِينَ ثَلَاثَةَ أَتْبَاعٍ، وَمِنَ الْمِائَةِ مُسِنَّةً وَتَبِيعَيْنِ، وَمِنَ الْعَشَرَةِ وَمِائَةٍ مُسِنَّتَيْنِ وَتَبِيعًا، وَمَنِ الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثَ مُسِنَّاتٍ وَأَرْبَعَةَ أَتْبَاعٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا آخُذَ مِمَّا بَيْنَ ذَلِكَ شَيْئًا، إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ مُسِنَّةً أَوْ جَذَعًا» "، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَعِشْرِينَ اتَّفَقَ فِيهَا الْفَرْضَانِ كَالْإِبِلِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ هُنَا عَلَى التَّخَيُّرِ. 1 - (وَلَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ فِي الزَّكَاةِ) إِذَا كَانَتْ ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا؛ لِأَنَّ الْأُنْثَى أَفْضَلُ، لِمَا فِيهَا مِنَ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْإِبِلِ فِي الْأَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ (فِي غَيْرِ هَذَا) إِذِ التَّبِيعُ مَكَانَ التَّبِيعَةِ؛ لِلنَّصِّ السَّابِقِ؛ وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ لَحْمًا، فَتُعَادِلُ الْأُنُوثَةَ (إِلَّا ابْنَ لَبُونٍ مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ إِذَا عَدِمَهَا) ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، وَيَرْعَى الشَّجَرَ فَيُجْزِئُ بِنَفْسِهِ، وَيَرِدُ الْمَاءَ، لَكِنْ لَيْسَ بِأَصْلٍ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُجْزِئُ مَعَ وُجُودِهَا، بِخِلَافِ التَّبِيعِ فَيُجْزِئُ فِي الثَّلَاثِينَ، وَمَا تَكَرَّرَ مِنْهَا كَالسِّتِّينَ، وَأَمَّا الْأَرْبَعُونَ وَمَا تَكَرَّرَ مِنْهَا كَالثَّمَانِينَ، فَلَا يُجْزِئُ فِي فَرْضِهَا إِلَّا الْإِنَاثُ لِنَصِّ الشَّارِعِ عَلَيْهَا، إِلَّا أَنْ يُخْرِجَ عَنِ الْمُسِنَّةِ تَبِيعَيْنِ، فَيُجْزِئُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (إِلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُورًا، فَيُجْزِئُ الذَّكَرُ فِي الْغَنَمِ وَجْهًا وَاحِدًا) ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ، فَلَا يُكَلَّفُهَا مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَقِيلَ: لَا، فَيُخْرِجُ أُنْثَى بِقِيمَةِ الذَّكَرِ (وَ) يُجْزِئُ (مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا سَبَقَ. الثَّانِي: لَا يُجْزِئُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ نَصَّ عَلَى الْأُنْثَى؛ وَهِيَ أَفْضَلُ، فَفِي الْعُدُولِ
الْوَجْهَيْنِ. وَمِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الصِّغَارِ صَغِيرَةٌ، وَمِنَ الْمِرَاضِ مَرِيضَةٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُؤْخَذُ إِلَّا كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ، فَإِنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَنْهَا عُدُولٌ عَنِ الْمَنْصُوصِ، وَصَحَّحَ فِي " الْكَافِي "، وَ " الشَّرْحِ " الْإِجْزَاءَ فِي الْبَقَرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَوَّزْنَا الذَّكَرَ فِي الْغَنَمِ مَعَ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي زَكَاتِهَا مَعَ وُجُودِ الْإِنَاثِ، فَالْبَقَرُ الَّتِي فِيهَا مَدْخَلٌ أَوْلَى. وَفِي الْإِبِلِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُ، لِمَا ذُكِرَ مِنَ الْمُوَاسَاةِ. وَالثَّانِي: لَا يُجْزِئُ لِإِفْضَائِهِ إِلَى إِخْرَاجِ ابْنِ لَبُونٍ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَسِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَفِيهِ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ النِّصَابَيْنِ، فَعَلَى هَذَا يُخْرِجُ أُنْثَى نَاقِصَةً بِقَدْرِ قِيمَةِ الذَّكَرِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُخْرِجُ ابْنَ لَبُونٍ عَنِ النِّصَابَيْنِ، وَيَكُونُ التَّعْدِيلُ بِالْقِيمَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّارِعَ أَطْلَقَ الشَّاةَ الْوَاجِبَةَ، وَنَصَّ عَلَى الْأُنْثَى مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ (وَيُؤْخَذُ مِنَ الصِّغَارِ صَغِيرَةٌ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا. . . الْخَبَرَ، وَيُتَصَوَّرُ أَخْذُهَا، فَإِذَا أَبْدَلَ الْكِبَارَ بِالصِّغَارِ، أَوْ بِمَوْتِ الْإِنَاثِ، وَتَبَقَّى الصِّغَارُ، وَهَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ الْحَوْلَ يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا مُفْرَدَةً، وَهَذَا فِي الْغَنَمِ دُونَ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، فَلَا يُجْزِئُ إِخْرَاجُهُ فُصْلَانَ وَعَجَاجِيلَ، فَيُقَوَّمُ النِّصَابُ مِنَ الْكِبَارِ، وَيُقَوَّمُ فَرْضُهُ، ثُمَّ تُقَوَّمُ الصِّغَارُ، وَيُؤْخَذُ عَنْهَا كَبِيرَةٌ بِالْقِسْطِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ فَيُؤْخَذُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إِلَى إِحْدَى وَسِتِّينَ وَاحِدَةً، وَالتَّعْدِيلُ بِالْقِيمَةِ مَكَانَهُ زِيَادَةُ السِّنِّ، (وَمِنَ الْمِرَاضِ مَرِيضَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ مُوَاسَاةً، وَلَيْسَ مِنْهَا أَنْ يُكَلَّفَ غَيْرَ الَّذِي فِي مَالِهِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِقِلَّةِ الْعَيْبِ وَكَثْرَتِهِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَأْتِي عَلَى ذَلِكَ، لِكَوْنِ أَنَّ الْمُخْرَجَ وَسَطُ الْقِيمَةِ، (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُؤْخَذُ) فِيهِمَا (إِلَّا كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ) لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ: لَا يَأْخُذُ مَا يَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ. قَالَ الْقَاضِي: وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ: ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِ مُصَدِّقِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَرَنِي أَنْ لَا آخُذُ مِنْ رَاضِعٍ شَيْئًا، إِنَّمَا حَقُّنَا فِي الثَّنِيَّةِ وَالْجَذَعَةِ» .
اجْتَمَعَ صِغَارٌ وَكِبَارٌ، وَصِحَاحٌ وَمِرَاضٌ، وَذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، لَمْ يُؤْخَذْ إِلَّا أُنْثَى صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ، وَإِنْ كَانَ نَوْعَيْنِ كَالْبَخَاتِيِّ وَالْعِرَابِ، وَالْبَقَرِ وَالْجَوَامِيسِ، وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، أَوْ كَانَ فِيهِ كِرَامٌ وَلِئَامٌ، وَسِمَانٌ وَمَهَازِيلُ، أُخِذَتِ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلِقَوْلِ عُمَرَ: اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ، وَلَا تَأْخُذْهَا مِنْهُمْ، وَكَشَاةِ الْإِبِلِ. فَعَلَى هَذَا يُكَلَّفُ سَوَاءً كَبِيرَةٌ أَوْ صَحِيحَةٌ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْفَرْضِ لِتَحْصُلَ الْمُوَاسَاةُ، وَالْأَوَّلُ أَشَهَرُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى النَّوْعَيْنِ، وَشَاةُ الْإِبِلِ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ، فَلَا يَرْتَفِقُ الْمَالِكُ، وَهُنَا مِنْ جِنْسِهِ، فَهُوَ كَالْحُبُوبِ (فَإِنْ اجْتَمَعَ) فِي النِّصَابِ (صِغَارٌ وَكِبَارٌ، وَصِحَاحٌ وَمِرَاضٌ، وَذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، لَمْ يُؤْخَذْ إِلَّا أُنْثَى صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) لِلنَّهْيِ عَنْ أَخْذِ الصَّغِيرِ وَالْمَعِيبِ وَالْكَرِيمَةِ لِقَوْلِهِ: «وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ» ؛ ولِتَحْصُلَ الْمُوَاسَاةُ، فَإِذَا كَانَ قِيمَةُ الْمَالِ الْمُخْرَجِ إِذَا كَانَ الْمُزَكَّى كُلُّهُ كِبَارًا صِحَاحًا عِشْرِينَ، وَقِيمَتُهُ بِالْعَكْسِ عَشَرَةً، وَجَبَ كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ قِيمَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، هَذَا مَعَ تَسَاوِي الْعَدَدَيْنِ، فَلَوْ كَانَ الثُّلُثُ أَعْلَى، وَالثُّلُثَانِ أَدْنَى، فَشَاةٌ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَثُلُثٌ، وَبِالْعَكْسِ قِيمَتُهَا سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَانِ (وَإِنْ كَانَ نَوْعَيْنِ كَالْبَخَاتِيِّ) ، الْوَاحِدُ: بُخْتِيٌّ، وَالْأُنْثَى بُخْتِيَّةٌ، قَالَ عِيَاضٌ: هِيَ إِبِلٌ غِلَاظٌ ذَوَاتُ سَنَامَيْنِ (وَالْعِرَابِ) هِيَ جُرْدٌ مُلْسٌ حِسَانُ الْأَلْوَانِ كَرِيمَةٌ (وَالْبَقَرِ، وَالْجَوَامِيسِ) وَاحِدُهَا: جَامُوسٌ. قَالَ مَوْهُوبٌ: هُوَ أَعْجَمِيٌّ تَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَبُ (وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، أَوْ كَانَ فِيهِ كِرَامٌ) وَاحِدُهَا: كَرِيمٌ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ فِي قَوْلِهِ: «وَاتَّقِ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» أَنَّهَا جَمْعُ كَرِيمَةٍ؛ وَهِيَ الْجَامِعَةُ لِلْكَمَالِ الْمُمْكِنِ فِي حَقِّهَا مِنْ غَزَارَةِ لَبَنٍ أَوْ جِمَالِ صُورَةٍ أَوْ كَثْرَةِ لَحْمٍ أَوْ صُوفٍ، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي يَخْتَصُّهَا مَالِكُهَا لِنَفْسِهِ وَيُؤْثِرُهَا (وَلِئَامٌ) وَاحِدٌهَا لَئِيمَةٌ؛ وَهِيَ ضِدُّ الْكَرِيمَةِ (وَسِمَانٌ، وَمَهَازِيلُ، أُخِذَتِ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) ؛ لِأَنَّهَا مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي هَزِيلَةٍ بِقِيمَةِ سَمِينَةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي أَيِّ الْأَنْوَاعِ أَحَبَّ، سَوَاءٌ دَعَتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ أَوْ لَا، لَكِنْ مِنْ كِرَامٍ وَسِمَانٍ، وَضِدُّهُمَا يُخْرِجُ وَسَطًا، نَصَّ عَلَيْهِ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ السَّاعِي، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ مِنْ ضَأْنٍ وَمَعْزٍ: يُخَيَّرُ السَّاعِيَ لِاتِّحَادِ الْوَاجِبِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ أَبُو بَكْرٍ الْقِيمَةَ فِي النَّوْعَيْنِ.
[زكاة الغنم]
فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْغَنَمُ، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَيَجِبُ فِيهَا شَاةٌ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْمَعْزِ الثَّنِيُّ، وَمِنَ الضَّأْنِ الْجَذَعُ، وَلَا يُؤْخَذُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ. نَقَلَ حَنْبَلٌ: وَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ أَكْثَرِهِمَا عَدَدًا، وَقَدْ تَضَمَّنَ كَلَامُهُ ضَمَّ أَنْوَاعِ الْجِنْسِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ، وَخَرَجَ بِهِ الْخِرَقِيُّ فِي الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا. مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَخْرَجَ عَنِ النِّصَابِ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ مَا لَيْسَ فِي مَالِهِ مِنْهُ، جَازَ إِنْ لَمْ يُنْقِصْ قِيمَةَ الْمُخْرَجِ عَنِ النَّوْعِ الْوَاجِبِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ نَقَصَتْ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ هُنَا مُطْلَقًا كَغَيْرِ الْجِنْسِ. [زَكَاةُ الْغَنَمِ] فَصْلٌ (النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْغَنَمُ وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ) وَهِيَ أَقَلُّ نِصَابِهَا إِجْمَاعًا (فَيَجِبُ فِيهَا شَاةٌ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ) إِجْمَاعًا (فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ) وِفَاقًا (ثُمَّ) تَسْتَقِرُّ الْفَرِيضَةُ، فَيَجِبُ (فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ) وَسَنَدُهُ مَا رَوَى أَنَسٌ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ أَنَّهُ قَالَ: " «فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، وَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا» مُخْتَصَرٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْهُ: فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، ثُمَّ لَا شَيْءَ فِي زِيَادَتِهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَمِائَةٍ، فَيَكُونُ خَمْسَ شِيَاهٍ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْمِائَةَ زَائِدَةٌ، فَفِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ خَمْسُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسِمِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ سِتٌّ، وَعَلَى هَذَا أَبَدًا، وَاخْتَلَفَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَمِائَةٍ، فَيَجِبُ فِي كُلِّ مِائَةِ
فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا تَيْسٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَهِيَ الْمَعِيبَةُ، وَلَا الرُّبَّى؛ وَهِيَ الَّتِي تُرَبِّي ـــــــــــــــــــــــــــــQشَاةٌ، وَالْوَقْصُ مِائَتَيْنِ مِائَتَيْنِ، وَوَاحِدَةٌ إِلَى أَرْبَعِمِائَةٍ؛ وَهُوَ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ (وَيُؤْخَذُ مِنَ الْمَعْزِ الثَّنِيُّ، وَمِنَ الضَّأْنِ الْجَذَعُ) لِمَا رَوَى سُوِيدُ بْنُ غَفْلَةَ قَالَ: «أَتَانَا مُصَدِّقُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ: أَمَرَنَا أَنْ نَأْخُذَ الْجَذَعَةَ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيَّةَ مِنَ الْمَعْزِ» وَلِأَنَّهُمَا يَجْرِيَانِ فِي الْأُضْحِيَّةِ، فَكَذَا هُنَا، الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ: مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ لَا سِنَةٌ، وَالثَّنِيُّ مِنَ الْمَعْزِ: مَا لَهُ سَنَةٌ لَا سَنَتَانِ (وَلَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا تَيْسٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] وَفِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ: وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ، إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَرْوِيهِ بِفَتْحِ الدَّالِّ مِنَ الْمُصَدَّقِ يَعْنِي الْمَالِكَ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إِلَى التَّيْسِ فَقَطْ، وَخَالَفَهُ عَامَّةُ الرُّوَاةِ فَقَالُوا: بِكَسْرِهَا، يَعْنِي: السَّاعِيَ، ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ: التَّيْسُ لَا يُؤْخَذُ لِنَقْصِهِ، وَفَسَادِ لَحْمِهِ، فَيَكُونُ كَتَيْسٍ لَا يَضْرِبُ، لَكِنْ قَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّ فَحْلَ الضَّرْبِ لَا يُؤْخَذُ لِجَبْرِهِ، فَلَوْ بَذَلَهُ الْمَالِكُ لَزِمَ قَبُولُهُ حَيْثُ يُقْبَلُ الذَّكَرُ، وَالْهَرِمَةُ: هي الكبيرة الطَّاعِنَةُ فِي السِّنِّ، وَالْعَوَارُ بِفَتْحٍ العين عَلَى الْأَفْصَحِ (وَهِيَ الْمَعِيبَةُ) الَّتِي لَا يُضَحَّى بِهَا، قَالَهُ الْأَكْثَرُ، وَفِي " نِهَايَةِ " الْأَزَجِيِّ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ: إِذَا رُدَّتْ فِي الْبَيْعِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يُؤْخَذُ عَوْرَاءُ، وَلَا عَرْجَاءُ، وَلَا نَاقِصَةُ الْخَلْقِ. وَاخْتَارَ الْمَجْدُ جَوَازَهُ إِنْ رَآهُ السَّاعِي أَنْفَعَ لِلْفُقَرَاءِ لِزِيَادَةِ صِفَةٍ فِيهِ، وَأَنَّهُ أَقْيَسُ بِالْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ إِخْرَاجُ الْمَكْسُورَةِ عَنِ الصِّحَاحِ إِذَا زَادَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَضْلِ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إِلَى الثَّلَاثَةِ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ (وَلَا الرُّبَّى؛ وَهِيَ
[إخراج القيمة في الزكاة]
وَلَدَهَا، وَلَا الْحَامِلُ، وَلَا كَرَائِمُ الْمَالِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهُ. وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ، وَإِنْ أَخْرَجَ سِنًّا أَعْلَى مِنَ الْفَرْضِ مِنْ جِنْسِهِ، جَازَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالَّتِي تُرَبِّي وَلَدَهَا) قَالَهُ أَحْمَدُ، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تُرَبَّى فِي الْبَيْتِ لِأَجْلِ اللَّبَنِ (وَلَا الْحَامِلُ) لِقَوْلِ عُمَرَ: لَا تُؤْخَذُ الرُّبَّى وَلَا الْمَاخِضُ وَلَا الْأَكُولَةُ، وَمُرَادُهُ السَّمِينَةُ، مَعَ أَنَّهُ يَجِبُ إِخْرَاجُ الْفَرِيضَةِ عَلَى صِفَةٍ مَعَ الِاكْتِفَاءِ بِالسِّنِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَا يُؤْخَذُ طَرُوقَةُ الْفَحْلُ؛ لِأَنَّهَا تَحْبَلُ غَالِبًا (وَلَا كَرَائِمُ الْمَالِ) وَهِيَ النَّفِيسَةُ، فَهَذِهِ لَا تُؤْخَذُ لِشَرَفِهَا، وَلِحَقِّ الْمَالِكِ (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهُ) ؛ لِأَنَّهُ خَيْرُ الْمَالِ، فَلَمْ يُجْزِئْ أَخْذُهُ بِغَيْرِ رِضَى مَالِكِهِ، وَالْحَقُّ فِي الْوَسَطِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ قَسَّمَ الشَّاء أثلاثا: ثُلُثَ خِيَارٍ، وَثُلُثَ وَسَطٍ، وَثُلُثَ شِرَارٍ، وَأَخَذَ مِنَ الْوَسَطِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، يُؤَيِّدُه قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ شَرَّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ] (وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمُعَاذٍ: " «خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ، وَالْإِبِلَ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرَ مِنَ الْبَقَرِ، وَالْغَنَمَ مِنَ الْغَنَمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ الْأَخْذِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَاشِيَةِ وَغَيْرِها. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قِيلَ لِأَحْمَدُ: أُعْطِي دَرَاهِمَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ؟ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ لَا يُجْزِئَ، خِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَعَنْهُ: يَجُوزُ) لِقَوْلِ مُعَاذٍ: ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ مِنَ الصَّدَقَةِ مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، فَإِنَّهُ أَيْسَرُ عَلَيْكُمْ، وَأَنْفَعُ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ. وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ حَاجَةِ الْفُقَرَاءِ، وَلَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ صُوَرِ الْأَمْوَالِ إِذَا حَصَلَتِ الْقِيمَةُ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": هَذَا فِيمَا عَدَا صَدَقَةَ الْفِطْرِ، فَتَكُونُ بِالْبُرِّ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُ
[فصل في الخلطة]
فَصْلٌ فِي الْخُلْطَةِ وَإِذَا اخْتَلَطَ نَفْسَانِ، أَوْ أَكْثَرُ، مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، فِي نِصَابٍ مِنَ الْمَاشِيَةِ حَوْلًا، لَمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِلْحَاجَةِ إِنْ تَعَذَّرَ الْفَرْضُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِلنُّصُوصِ، وَقَوْلُ مُعَاذٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْجِزْيَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ مَجَازًا، وَقَوْلُهُ: مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَالَحَهُمْ عَنْ أَرَاضِيهِمْ بِذَلِكَ. قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا؛ وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْفُقَرَاءِ وَشُكْرًا لِنِعْمَةِ الْمَالِ، فَيَتَنَوَّعُ الْوَاجِبُ لِيَصِلَ إِلَى الْفَقِيرِ مَنْ كُلِّ نَوْعٍ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهُ، وَيَحْصُلُ شُكْرُ النِّعْمَةِ بِالْمُوَاسَاةِ مَنْ جِنْسِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّ فِي تَجْوِيزِ إِخْرَاجِ غَيْرِهَا عُدُولًا عَنِ الْمَفْرُوضِ (وَإِنْ أَخْرَجَ سِنًّا أَعْلَى مِنَ الْفَرْضِ مِنْ جِنْسِهِ) كَبِنْتِ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ (جَازَ) قَالَهُ الْأَئِمَّةُ، لِمَا رَوَى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: " «أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتَانِي رَسُولُكَ لِيَأْخُذَ مِنِّي صَدَقَةَ مَالِي، فَزَعَمَ أَنَّ مَا عَلَيَّ مِنْهُ بِنْتَ مَخَاضٍ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ نَاقَةً فَتِيَّةً سَمِينَةً، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ذَاكَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْكَ، فَإِنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ اللَّهُ فِيهِ، وَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ، فَقَالَ: هَا هِيَ ذِهْ، فَأَمَرَ بِقَبْضِهَا، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. وَلِأَنَّهُ زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ مِنْ جِنْسِهِ مَا يُجْرِئُ عَنْ غَيْرِهِ فَأَجْزَأَ، كَمَا لَوْ زَادَ فِي الْعَدَدِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا: لَا يُجْزِئُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي غَيْرِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ فِي الْخُلْطَةِ] [تَعْرِيفُ الْخُلْطَةِ] فَصْلٌ فِي الْخُلْطَةِ بِضَمِّ الْخَاءِ: الشَّرِكَةُ؛ وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ (وَإِذَا اخْتَلَطَ نَفْسَانِ) ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْوَاحِدُ، وَلَا خُلْطَةَ مَعَهُ (أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ) فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُكَاتَبًا أَوْ ذِمِّيًّا، فَلَا أَثَرَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي مَالِهِ، فَلَمْ يَكْمُلِ النِّصَابُ بِهِ (فِي نِصَابٍ) فَلَوْ كَانَ الْمَجْمُوعُ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ،
يَثْبُتْ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِهِ، فَحُكْمُهَما فِي الزَّكَاةِ حُكْمُ الْوَاحِدِ، سَوَاءٌ كَانَتْ خُلْطَةَ أَعْيَانٍ، بِأَنْ يَكُونَ مُشَاعًا بَيْنَهُمَا، أَوْ خُلْطَةَ أَوْصَافٍ بِأَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزًا، فَاشْتَرَكَا فِي الْمُرَاحِ، وَالْمَسْرَحِ، وَالْمَشْرَبِ، وَالْمَحْلَبِ، وَالرَّاعِي، وَالْفَحْلِ، فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا أَوْ ثَبَتَ لَهُمَا حكم الِانْفِرَادُ فِي بَعْضِ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَا عِبْرَةَ فِي ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ أَوْ لَا، وَظَاهِرُهُ الْجَوَازُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى (مِنَ الْمَاشِيَةِ) فَلَا يُؤَثِّرُ فِي غَيْرِهَا، وَسَيَأْتِي (حَوْلًا لَمْ يَثْبُتْ لَهَما حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِهِ) ؛ لِأَنَّ الْخُلْطَةَ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ إِيجَابُ الزَّكَاةِ، فَاعْتُبِرَتْ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ، كَالنِّصَابِ (فَحُكْمُهَما فِي الزَّكَاةِ حُكْمُ الْوَاحِدِ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْ جَمْعِ التَّفَرُّقِ وَعَكْسِهِ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَسَوَاءٌ أَثَّرَتْ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ أَوْ إِسْقَاطِهَا، أَوْ فِي تَغْيِيرِ الْفَرْضِ، فَلَوْ كَانَ لِأَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ أَرْبَعُونَ شَاةً، أَوْ لِوَاحِد شَاةٌ، وَلِلْآخَرِ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ لَزِمَهُمْ شَاةٌ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَمَعَ الِانْفِرَادِ لَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ لِثَلَاثَةٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ شَاةً، لَزِمَهُمْ شَاةٌ، وَمَعَ الِانْفِرَادِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ (سَوَاءٌ كَانَتْ خُلْطَةَ أَعْيَانٍ) ؛ لِأَنَّ أَعْيَانَهَا مُشْتَرِكَةٌ (بِأَنْ يَكُونَ مُشَاعًا بَيْنَهُمَا) بِأَنْ مَلَكَاهُ بِإِرْثٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهَا (أَوْ خُلْطَةَ أَوْصَافٍ بِأَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَما مُتَمَيِّزًا) عَنِ الْآخَرِ بِصِفَةٍ أَوْ صِفَاتٍ (وَاشْتَرَكَا) فِي الْأَوْصَافِ الْآتِي ذِكْرُهَا، وَيُعْتَبَرُ فِيهَا أَنْ لَا يَتَمَيَّزَ (فِي الْمُرَاحِ) بِضَمِّ الْمِيمِ: الْمَكَانُ الَّذِي تَرُوحُ إِلَيْهِ الْمَاشِيَةُ عِنْدَ رُجُوعِهَا فَتَبِيتُ فِيهِ، (وَالْمَسْرَحِ) مَوْضِعُ الرَّعْيِ، وَفَسَّرَهُ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرُهُ: مَوْضِعُ جَمْعِهَا عِنْدَ خُرُوجِهَا لِلرَّعْيِ (وَالْمَشْرَبِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ: الْمَكَانُ الَّذِي يُشْرَبُ فِيهِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُ (وَالْمَحْلَبِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ: الْمَوْضِعُ الذي يُحْلَبُ فِيهِ، وَبِكَسْرِ الْمِيمِ: الْإِنَاءُ، وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ خَلْطَ اللَّبَنِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرْفَقٍ، بَلْ مَشَقَّةً لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى قَسْمِ اللَّبَنِ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إِلَى الرِّبَا، وَقِيلَ: يَلْزَمُ خَلْطُ اللَّبَنِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الْآنِيَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " (وَالرَّاعِي) كَذَا قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَأَسْقَطَ الْمَحْلَبَ، (وَالْفَحْلِ) وجَزَمَ بِهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الْمُعَدُّ لِلضَّرْبِ، وَلَيْسَ الْمُعْتَبَرُ اتِّخَاذَهُ، وَلَا أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا، بَلْ أَنْ لَا يَتَمَيَّزَ فُحُولُ الْمَالَيْنِ عَنِ الْآخَرِ عِنْدَ الضَّرْبِ. وَجَمَعَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " بَيْنَ الْمَسْرَحِ
الْحَوْلِ، زَكَّيَا زَكَاةَ الْمُنْفَرِدَيْنِ فِيهِ، وَإِنْ ثَبَتَ لِأَحَدِهِمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ وَحْدَهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْمَرْعَى كَالْخِرَقِيِّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنِ الْخِرَقِيَّ أَرَادَ بِالرَّعْيِ: الرَّعْيَ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ لَا الْمَكَانُ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَسْرَحِ: الْمَصْدَرَ الَّذِي هُوَ السُّرُوحُ لَا الْمَكَانُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ زَالَ التَّكْرَارُ، وَحَصَلَ بِهِ اتِّحَادُ الرَّاعِي وَالْمَشْرَبِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْمَرْعَى وَالْمَسْرَحُ شَرْطٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَحْمَدُ الْمَسْرَحَ لِيَكُونَ فِيهِ رَاعٍ وَاحِدٌ، وَقَالَ فِي " الْوَاضِحِ ": " الْفَحْلِ وَالرَّاعِي وَالْمَحْلَبِ، وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ الْمُرَاحَ وَالْمَسْرَحَ وَالْفَحْلَ وَالْمَرْعَى، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ الرَّاعِي فَقَطْ، وَذَكَرَ رِوَايَةً أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الرَّاعِي وَالْمُبَيَّتُ فَقَطْ، وَفِيهِ طُرُقٌ أُخْرَى، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ لِاعْتِبَارِ ذَلِكَ بِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " «الْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا عَلَى الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ وَالرَّاعِي» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو عَبِيدٍ، وَجَعَلَ بَدَلَ الرَّاعِي الْمَرْعَى، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ، فَيَتَوَجَّهُ الْعَمَلُ بِالْعُرْفِ فِي ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ خُلْطَةَ الْأَوْصَافِ لَا أَثَرَ لَهَا، كَمَا يُرْوَى عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ، وَالْأَصْلُ اعْتِبَارُ الْمَالِ بِنَفْسِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِلْخُلْطَةِ نِيَّةٌ؛ وَهِيَ فِي خُلْطَةِ الْأَعْيَانِ إِجْمَاعٌ، وَكَذَا فِي خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ فِي الْأَصَحِّ، وَاحْتَجَّ الْمُؤَلِّفُ بِنِيَّةِ السَّوْمِ فِي السَّائِمَةِ، وَكَنِيَّةِ السَّقْيِ فِي الْمُعَشَّرَاتِ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهَا يُعْتَبَرُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مَعْنًى يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ، فَافْتَقَرَ إِلَى النِّيَّةِ كَالسَّوْمِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي خَلْطٍ وَقَعَ اتِّفَاقًا، أَوْ فَعَلَهُ رَاعٍ وَتَأَخَّرَ النِّيَّةُ عَنِ الْمِلْكِ، وَقِيلَ: لَا يَضُرُّ تَأْخِيرُهَا بِزَمَنٍ يَسِيرٍ، لتقديمها على الملك بزمن يسير (فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا) بَطَلَ حُكْمُهَا لِفَوَاتِ شَرْطِهَا، وَصَارَ وُجُودُهَا كَالْعَدَمِ، فَيُزَكِّي كُلُّ وَاحِدٍ مَالَهُ إِنْ بَلَغَ نِصَابًا وَإِلَّا فَلَا (أَوْ ثَبَتَ لَهَما حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ) كَرَجُلَيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابُ مِلْكِهِ فِي أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ ثُمَّ اخْتَلَطَا بَعْدَ ذَلِكَ (زَكَّيَا زَكَاةَ الْمُنْفَرِدَيْنِ فِيهِ) يَعْنِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ شَاةٌ، وَفِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ السِّنِينَ يُزَكِّيَانِ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ، فَإِنِ اتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا أَخْرَجَا شَاةً عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ نِصْفَيْنِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ نِصْفُ شَاةٍ، وَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ الْمَالِ، فَعَلَى الثَّانِي نِصْفُ شَاةٍ أَيْضًا، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنَ الْمَالِ فَقَدْ تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي عَلَى تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ شَاةً ونصف
[إن ملك نصابا شهرا ثم باع نصفه مشاعا]
فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْمُنْفَرِدِ، وَعَلَى الثَّانِي زَكَاةُ الْخُلْطَةِ، ثُمَّ يُزَكِّيَانِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ الْحَوْلِ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ، كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا لَهُ مِنْهَا. وإِنْ مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا، ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهُ مُشَاعًا، أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بَعْضِهِ، وَبَاعَهُ مُخْتَلِطًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، وَيَسْتَأْنِفَانِهِ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَنْقَطِعُ حَوْلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQشاة، لَهُ مِنْهَا أَرْبَعُونَ شَاةً، يَلْزَمُهُ أَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا وَنِصْفِ جُزْءٍ مِنْ شَاةٍ، فَيُضَعِّفُهَا لِتَكَوُّنَ ثَمَانِينَ جُزْءًا مِنْ مِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ، كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ مِنْ زَكَاةِ الْجَمِيعِ بِقَدْرِ مَا لَهُ فِيهِ (وَإِنْ ثَبَتَ لِأَحَدِهِمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ وَحْدَهُ) بِأَنْ يَمْلُكَ رَجُلَانِ نِصَابَيْنِ، ثُمَّ يَخْلِطَاهُمَا، ثُمَّ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ أَجْنَبِيًّا بَعْدَ مِلْكِ الْمُشْتَرِي أَرْبَعِينَ، ثُمَّ يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ، فَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ (فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْمُنْفَرِدِ) وَهُوَ شَاةٌ لِثُبُوتِ حُكْمِ الِانْفِرَادِ مِنْ حَقِّهِ (وَعَلَى الثَّانِي) إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ (زَكَاةُ الْخُلْطَةِ) وَهُوَ نِصْفُ شَاةٍ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ مُخَالِطًا فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ أَخْرَجَ مِنْهُ، لَزِمَهُ أَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ (ثُمَّ يُزَكِّيَانِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ الْحَوْلِ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ) ؛ لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ بِشُرُوطِهَا (كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ مَالَهُ مِنْهَا) أَيْ: يُزَكِّي بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ يُزَكِّي مَا عَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ الثَّانِي، وَلَا يَنْتَظِرُ حَوْلَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ بَعْدَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا، وَإِنَّ الْمُشْتَرِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ زَكَاتِهِ إِلَى رَأْسِ حَوْلِ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَهَا قَبْلَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ لَا يَجِبُ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصَابٌ، فَعَلَى كُلٍّ مِنْهَما نِصْفُ شَاةٍ، فَإِنْ كَانَ لِلْأَوَّلِ أَرْبَعُونَ، وَلِلثَّانِي ثَمَانُونَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثُ شَاةٍ، وَعَلَى الثَّانِي ثُلُثَاهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا. تَنْبِيهٌ: يَثْبُتُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ - أَيْضًا - فِيمَا إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا نِصَابٌ، وَلِلْآخَرِ دُونَهُ، ثُمَّ يَخْتَلِطَانِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، وَكَذَا إِذَا أَبْدَلَ نِصَابًا مُنْفَرِدًا بِنِصَابٍ مُخْتَلِطٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَقُلْنَا: لَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ بِهِ، زَكَّيَا زَكَاةَ انْفِرَادٍ، كَمَالٍ وَاحِدٍ حَصَلَ الِانْفِرَادُ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ حَوْلِهِ، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى أَحَدُ الْخَلِيطَيْنِ بِأَرْبَعِينَ مُخْتَلِطَةً أَرْبَعِينَ مُنْفَرِدَةً، وَخَلَطَهَا فِي الْحَالِ، لِوُجُودِ الِانْفِرَادِ مِنْ بَعْضِ الْحَوْلِ، وَقِيلَ: يُزَكِّي زَكَاةَ خُلْطَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى حَوْلِ خُلْطَةٍ، وَزَمَنُ الِانْفِرَادِ يَسِيرٌ. [إِنْ مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهُ مُشَاعًا] (وإِنْ مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا، ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهُ مُشَاعًا، أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بَعْضِهِ) أَيْ: عَيَّنَهُ (وَبَاعَهُ مُخْتَلِطًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، وَيَسْتَأْنِفَانِهِ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ)
الْبَائِعِ، وَعَلَيْهِ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ زَكَاةُ حِصَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ أَخْرَجَهَا مِنَ الْمَالِ انْقَطَعَ حَوْلُ الْمُشْتَرِي، لِنُقْصَانِ النِّصَابِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَقُلْنَا: الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا فِي الذِّمَّةِ، فَعَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةُ حِصَّتِهِ. وَإِنْ أَفْرَدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ فِي النِّصْفِ الْمَبِيعِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ أَصْلًا، فَلَزِمَ انْقِطَاعُ الْحَوْلِ في الثَّانِي (وقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَنْقَطِعُ حَوْلُ الْبَائِعِ) فِيمَا لم يَبِعْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُخَالِطًا لِمَالٍ جَارٍ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ (وَعَلَيْهِ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ زَكَاةُ حِصَّتِهِ) فَيَلْزَمُهُ نِصْفُ شَاةٍ لِكَوْنِهِ مَا خَلَا حَوْلُهُ مِنْ مِلْكِ نِصْفِ نِصَابٍ، فَهُوَ كَالْخَلِيطِ إِذَا تَمَّ مَالُهُ بِمَالِ شَرِيكِهِ (فَإِنْ كَانَ) الْبَائِعُ (أَخْرَجَهَا مِنَ الْمَالِ انْقَطَعَ حَوْلُ الْمُشْتَرِي) ذَكَرَهُ الْمَجْدُ إِجْمَاعًا، فَعَلَى هَذَا: لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ (لِنُقْصَانِ النِّصَابِ) فِي بَعْضِ الْحَوْلِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَدِيمَ الْفَقِيرُ الْخُلْطَةَ بِنِصْفِهِ، فَلَا يَنْقُصُ النِّصَابَ إِذًا، وَيُخْرِجُ الثَّانِي نِصْفَ شَاةٍ، وَقِيلَ: إِنْ زَكَّى الْبَائِعُ مِنْهُ إِلَى فَقِيرِ زَكَّى الْمُشْتَرِي (وَإِنْ أَخْرَجَهَا) الْبَائِعُ (مِنْ غَيْرِهِ، وَقُلْنَا: الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ، فَكَذَلِكَ) وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي بَقِيَّةِ كُتُبِهِ وَصَحَّحَهُ، وَعَزَاهُ إِلَى أَبِي الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَهَا بِالْعَيْنِ يُنْقِصُ النِّصَابَ، فَمَنَعَ وُجُوبَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، وَجَزَمَ الْأَكْثَرُ مِنْهُمُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي نِصْفُ شَاةٍ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِالْعَيْنِ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْحَوْلِ الثَّانِي بِالِاتِّفَاقِ، وَالْفَقِيرُ لَا يَمْلِكُ جُزْءًا مِنَ النِّصَابِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِهِ كَتَعَلُّقِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِالْجَانِي، فَلَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَهَا، وَضَعَّفَ الْمَجْدُ الْأَوَّلَ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ. وَقَالَ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مَوْضِعٌ يُخَالِفُهُ، مَعَ أَنَّ فِي كَلَامِهِ نَظَرًا مِنْ حَيْثِيَّةِ أَنَّهُ بَعْدَ إِخْرَاجِهَا كَيْفَ يُتَصَوَّرُ التَّعَلُّقُ؟ لِأَنَّ بَعْدَ الْأَدَاءِ لَا يَجُوزُ تَعَلُّقُهَا، كَمَا لَا يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِالرَّهْنِ بَعْدَ أَدَائِهِ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ بِالْجَانِي بَعْدَ فِدَائِهِ (وَإِنْ قُلْنَا فِي الذِّمَّةِ فَعَلَيْهِ) أَيِ: الْمُشْتَرِي (عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةُ حِصَّتِهِ) لِعَدَمِ نُقْصَانِ النِّصَابِ فِي حَقِّهِ مُطْلَقًا، وَعَكْسُهَا صُورَةُ لَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ نِصَابُ خُلْطَةٍ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا خَلِيطَهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ خَلِيطُ نَفْسِهِ، ثم صار خليط أجنبي، وهاهنا كان خليط أجنبي،
[إن ملك نصابين شهرا ثم باع أحدهما مشاعا]
بَعْضَهُ وَبَاعَهُ، ثُمَّ اخْتَلَطَا، انْقَطَعَ الْحَوْلُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ إِذَا كَانَ زَمَنًا يَسِيرًا. وَإِنْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ شَهْرًا، ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا مُشَاعًا، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ حُكْمُ الِانْفِرَادِ، وَعَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةُ الْمُنْفَرِدِ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ عَلَيْهِ زَكَاةُ خَلِيطٍ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْمُشْتَرِي فَعَلَيْهِ زَكَاةُ خَلِيطٍ وَجْهًا وَاحِدًا. وَإِذَا مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا، ثُمَّ مَلَكَ آخَرَ، لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ، مِثْلُ أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْمُحَرَّمِ، وَأَرْبَعِينَ فِي صَفَرٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQثم صار خليط نفسه، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ اسْتَدَانَ مَا أَخْرَجَهُ، وَلَا مَالَ لَهُ يُجْعَلُ فِي مُقَابَلَةِ دَيْنِهِ إِلَّا مَالَ الْخُلْطَةِ، أَوْ لَمْ يُخْرِجِ الْبَائِعُ الزَّكَاةَ حَتَّى تَمَّ حَوْلُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ قُلْنَا: الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، أَوْ قُلْنَا: يَمْنَعُ، لَكِنْ لِلْبَائِعِ مَالٌ يُجْعَلُ فِي مُقَابَلَةِ دَيْنِ الزَّكَاةِ، زَكَّى الْمُشْتَرِي حِصَّتَهُ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ نِصْفَ شَاةٍ، وَإِلَّا فَلَا (وَإِنْ أَفْرَدَ بَعْضَهُ وَبَاعَهُ ثُمَّ اخْتَلَطَا، انْقَطَعَ الْحَوْلُ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، لِوُجُودِ الِانْفِرَادِ فِي الْبَعْضِ، وَكَحُدُوثِ بَعْضِ مَبِيعٍ بَعْدَ سَاعَةٍ (وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ إِذَا كَانَ زَمَنًا يَسِيرًا) ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ مُشَاعًا. [إِنْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ شَهْرًا ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا مُشَاعًا] (وَإِنْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ شَهْرًا، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُهُمَا مُشَاعًا، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ حُكْمُ الِانْفِرَادِ) ؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّ الْبَيْعَ يَقْطَعُ الْحَوْلَ، فَيَصِيرُ الْبَائِعُ كَأَنَّهُ مَلَكَ نِصَابًا مُنْفَرِدًا (وَعَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةُ الْمُنْفَرِدِ) لِثُبُوتِ حُكْمِ الِانْفِرَادِ لَهُ (وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ: عَلَيْهِ زَكَاةُ خَلِيطٍ) لِاخْتِيَارِهِ عَدَمَ الِانْقِطَاعِ بِالْبَيْعِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةُ خُلْطَةٍ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ مُخَالِطًا فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ (فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْمُشْتَرِي فَعَلَيْهِ زَكَاةُ خَلِيطٍ وَجْهًا وَاحِدًا) ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ الَّتِي لَهُ لَمْ تَزَلْ مُخْتَلِطَةً فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ. [إِذَا مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا ثُمَّ مَلَكَ آخَرَ] (وَإِذَا مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا، ثُمَّ مَلَكَ آخَرَ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ، مِثْلُ أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْمُحَرَّمِ، وَأَرْبَعِينَ فِي صَفَرٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ) وَهِيَ شَاةٌ لِانْفِرَادِهَا فِي بَعْضِ الْحَوْلِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي) إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ
[إن ملك ما لا يغير الفرض]
عَلَيْهِ للثَّانِي زَكَاةُ خُلْطَةٍ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِائَةَ شَاةٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ، وَلَا يَبْلُغُ نِصَابًا، مِثْلُ أَنْ مَلَكَ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ فِي الْمُحَرَّمِ، وَعَشْرًا فِي صَفَرٍ، فَعَلَيْهِ فِي الْعَشْرِ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا رُبْعُ مُسِنَّةٍ. وَإِنْ مَلَكَ مَا لَا يُغَيِّرُ ـــــــــــــــــــــــــــــQمِلْكٌ وَاحِدٌ، فَلَمْ يَزِدْ فَرْضُهُ عَلَى شَاةٍ كَمَا لَوِ اتَّفَقَتْ أَحْوَالُهُ، وَلِلْعُمُومِ فِي الْأَوْقَاصِ كَمَمْلُوكٍ دُفْعَةً (وَفِي الْآخَرِ عَلَيْهِ لِلثَّانِي زَكَاةُ خُلْطَةٍ) وَهُوَ نِصْفُ شَاةٍ، لِاخْتِلَاطِهَا بِالْأَرْبَعِينَ الْأُولَى (كَالْأَجْنَبِيِّ فِي) الْمَسْأَلَةِ (الَّتِي قَبْلَهَا) وَقِيلَ: يَجِبُ شَاةٌ كَالْأُولَى، وَكَمَا لِمُنْفَرِدٍ، وَعَلَى الثَّانِي فِيمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ يُزَكِّيهِمَا زَكَاةَ خُلْطَةٍ، كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ إِحْدَاهُمَا، أَخْرَجَ قِسْطَهَا نِصْفَ شَاةٍ، فَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ أُخْرَى فِي رَبِيعٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا شَيْءَ سِوَى الشَّاةِ الْأُولَى، وَعَلَى الثَّانِي: زَكَاةُ خُلْطَةٍ ثُلُثُ شَاةٍ؛ لِأَنَّهَا ثُلُثُ الْجَمْعِ، وَفِيمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ فِي كُلٍّ ثُلُثُ شَاةٍ لِتَمَامِ حَوْلِهَا، وَعَلَى الثَّالِثِ شَاةٌ (وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِائَةَ شَاةٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ، وَجْهًا وَاحِدًا) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " كَمَا لَوِ انْقَضَتْ أَحْوَالُهُ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُجْعَلَا كَالْمَالِ الْوَاحِدِ لِمَالِكٍ أَوْ كَمَالَيْنِ لِمَالِكَيْنِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَجِبُ شَاةٌ أُخْرَى، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهَذَا عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يَنْظُرُ هُنَا إِلَى زَكَاةِ الْجَمِيعِ، فَيَسْقُطُ مِنْهَا مَا وَجَبَ فِي الْأَوَّلِ، وَيَجِبُ الْبَاقِي فِي الثَّانِي، وَكَذَا عَلَى الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ يُعْتَبَرُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، وَكَذَا هُنَا، وَعَلَى الثَّانِي: يَجِبُ زَكَاةُ خُلْطَةٍ؛ وَهِيَ شَاةٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ شَاةٍ؛ لِأَنَّ فِي الْكُلِّ شَاتَيْنِ، حِصَّةُ الْمِائَةِ مِنْهَا خَمْسَةُ أَسْبَاعِ الْكُلِّ بِحِصَّتِهَا مِنْ فَرْضِهِ خَمْسَةُ أَسِبَاعِهِ، فَلَوْ مَلَكَ مِائَةً أُخْرَى فِي رَبِيعٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ شَاةٌ، وَعَلَى الثَّانِي شَاةٌ وَرُبْعٌ؛ لِأَنَّ فِي الْكُلِّ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَالْمِائَةُ رُبْعُ الْكُلِّ وَسُدْسُهُ، فَحِصَّتُهَا مِنْ فَرْضِهِ رُبْعُهُ وَسُدْسُهُ، وَفِي إِحْدَى وَثَمَانِينَ شَاةً بَعْدَ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، وَقِيلَ: شَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ مِائَةٍ، وَأَحَدٌ وَعِشْرونَ جُزْءًا مِنْ شَاةِ الْخَلِيطِ (وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ وَلَا يَبْلُغُ نِصَابًا، مِثْلُ أَنْ مَلَكَ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ فِي الْمُحَرَّمِ، وَعَشْرًا فِي صَفَرٍ) فَيَجِبُ فِي ثَلَاثِينَ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا تَبِيعٌ، وَأَمَّا الْمُسْتَفَادُ (فَعَلَيْهِ فِي الْعَشْرِ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا رُبْعُ مُسِنَّةٍ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْفَرِيضَةَ الْمُوجِبَةَ لِلْمُسِنَّةِ قَدْ كَمُلَتْ، وَقَدْ أَخْرَجَ زَكَاةَ الثَّلَاثِينَ، فَوَجَبَ فِي الْعَشْرِ، يَقْطَعُهَا مِنَ الْمُسِنَّةِ وَهُوَ رُبْعُهَا، وَعَلَى الثَّالِثِ: لَا يَجِبُ شَيْءٌ كَمَا لَوْ مَلَكَهَا مُنْفَرِدَةً. [إِنْ مَلَكَ مَا لَا يُغَيِّرُ الْفَرْضَ] (وَإِنْ مَلَكَ مَا لَا يُغَيِّرُ الْفَرْضَ
الْفَرْضَ كَخَمْسٍ، فَلَا شَيْءَ فِيهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الثَّانِي: عَلَيْهِ سُبْعُ تَبِيعٍ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا، وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سِتُّونَ شَاةً، كُلُّ عِشْرِينَ مِنْهَا مُخْتَلِطَةٌ بِعِشْرِينَ لِآخَرَ، فَعَلَى الْجَمِيعِ شَاةٌ، نِصْفُهَا عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ، وَنِصْفُهَا عَلَى خُلَطَائِهِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سُدُسُ شَاةٍ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ عَشْرٍ مِنْهَا مُخْتَلِطَةً بِعَشْرٍ لِآخَرَ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى خُلَطَائِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِطُوا فِي نِصَابٍ، وَإِذَا كَانَتْ مَاشِيَةُ الرَّجُلِ مُتَفَرِّقَةً فِي بَلَدَيْنِ لَا تُقْصَرُ بَيْنَهُمَا الصَّلَاةُ فَهِيَ كَالْمُجْتَمِعَةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّ لِكُلِّ مَالٍ حُكْمَ نَفْسِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQكَخَمْسٍ فَلَا شَيْءَ فِيهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ وَقْصٌ، وَكَمَا لَوْ مَلَكَهُمَا دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَكَذَا عَلَى الثَّالِثِ (وَفِي الثَّانِي عَلَيْهِ سُبْعُ تَبِيعٍ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا) ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِطٌ بِخَمْسٍ كَثَلَاثِينَ كَالْأَجْنَبِيِّ (وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سِتُّونَ شَاةً، كُلُّ عِشْرِينَ مِنْهَا مُخْتَلِطَةٌ بِعِشْرِينَ لِآخَرَ، فَعَلَى الْجَمِيعِ شَاةٌ) ؛ لِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ شَيْئًا يَجِبُ فِيهِ شَاةٌ عَلَى الِانْفِرَادِ، فَكَذَا فِي الِاخْتِلَاطِ (نِصْفُهَا عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ، وَنِصْفُهَا عَلَى خُلَطَائِهِ، عَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ سُدْسُ شَاةٍ) ضُمَّ الْمَالُ كُلُّ خَلِيطٍ إِلَى مَالِ الْكُلِّ، فَيَصِيرُ كَمَالٍ وَاحِدٍ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَمَحَلُّهُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ قَصْرٍ، أَوْ كَانَ عَلَى رِوَايَةٍ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُمْ شَاتَانِ وَرُبْعٌ، عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ شَاةٍ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِطُ الْعِشْرِينَ خُلْطَةَ وَصْفٍ، وَلِأَرْبَعِينَ بِجَهَةِ الْمِلْكِ، وَحِصَّةُ الْعِشْرِينَ مِنْ زَكَاةِ الثَّمَانِينَ رُبْعُ شَاةٍ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِطُ الْعِشْرِينَ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ فِي الْجَمِيعِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، عَلَى رَبِّ السِّتِّينَ شَاةٌ وَنِصْفٌ، جُعِلَا لِلْخُلْطَةِ قَاطِعَةً بَعْضَ مِلْكِهِ عَنْ بَعْضٍ، وَعَلَى كُلِّ خَلِيطٍ نِصْفُ شَاةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُخَالِطْ سِوَى عِشْرِينَ (وإِنْ كَانَتْ كُلُّ عَشْرٍ مِنْهَا مُخْتَلِطَةً بِعَشْرٍ لِآخَرَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ نِصَابًا، وَقَدْ فَاتَ هُنَا، فَوَجَبَ عَلَى مَالِكِ السِّتِّينَ شَاةٌ (وَلَا شَيْءَ عَلَى خُلَطَائِهِ) وَأَبْرَزَ الْمُؤَلِّفُ عِلَّتَهُ. فَقَالَ: (لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِطُوا فِي نِصَابٍ) بِخِلَافِ الْأُولَى (وَإِذَا كَانَتْ مَاشِيَةُ الرَّجُلِ مُتَفَرِّقَةً فِي بَلَدَيْنِ لَا تُقْصَرُ بَيْنَهُمَا الصَّلَاةُ، فَهِيَ كَالْمُجْتَمِعَةِ) يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيُزَكِّيهَا كَالْمُخْتَلِطَةِ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ، فَكَذَلِكَ) فِي رِوَايَةٍ هِيَ (قَوْلُ) أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتِيَارُ (أَبِي الْخَطَّابِ) وَصَحَّحَهُ فِي
كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ، وَلَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تُؤَثِّرُ. وَيَجُوزُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ" الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " لِقَوْلِهِ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ وَاحِدٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَكَغَيْرِ السَّائِمَةِ إِجْمَاعًا، وَعَلَيْهَا يَخْرُجُ الْفَرْضُ فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، وَقِيلَ: بِالْقِسْطِ (وَالْمَنْصُوصُ) عَنْ أَحْمَدَ كَمَا نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ (أَنَّ لِكُلِّ مَالٍ حُكْمُ نَفْسِهِ) فَإِنْ كَانَ نِصَابًا وَجَبَتِ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا، فَجَعَلَ التَّفْرِقَةَ فِي الْبَلَدَيْنِ كَالتَّفْرِقَةِ فِي الْمِلْكَيْنِ، فَصَارَ (كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ) احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ. . .» الْخَبَرَ، وَعِنْدَنَا أَنَّ مَنْ جَمَعَ أَوْ فَرَّقَ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَالٍ يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهُ بِبَلَدِهِ، فَتَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِهِ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ غَيْرِ أَحْمَدَ، وَحَمَلَ الْمُؤَلِّفُ النَّصَّ عَلَى الْمُجْتَمِعَةِ، وَكَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّ السَّاعِيَ لَا يَأْخُذُهَا، وَإِنَّمَا رَبُّ الْمَالِ، فَيُخْرِجُ إِذَا بَلَغَ مَالُهُ نِصَابًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمَاشِيَةِ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ، لَكِنْ جَعَلَ أَبُو بَكْرٍ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ رِوَايَتَيْنِ كَالْمَاشِيَةِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ (وَلَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ: لَا يُجْمَعُ الْخَلِيطَانِ؛ وَلِأَنَّ السَّائِمَةَ تَقِلُّ تَارَةً، وَتَكْثُرْ أُخْرَى، وَسَائِرُ الْمَالِ يَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ، فَلَا أَثَرَ لِجَمْعِهَا، وَالْخُلْطَةُ مِنَ الْمَاشِيَةِ يُؤَثِّرُ فِي النَّفْعِ وَالضَّرَرِ، فَلَوِ اعْتَبَرْنَاهُ فِي غَيْرِهَا لَأَثَّرَتْ ضَرَرًا مَحْضًا بِرَبِّ الْمَالِ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا تُؤَثِّرُ) ؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ الْمُعْتَبَرَ فِيهَا مَوْجُودٌ فِي غَيْرِهَا، وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا، وَخَصَّهَا الْأَكْثَرُ بِخُلْطَةِ الْأَعْيَانِ؛ وَهِيَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَالْأَوْزَاعِيُّ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فَأَمَّا خُلْطَةُ الْأَوْصَافِ فَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَاطَ لَا يَحْصُلُ، وَقِيلَ: لَهَا مَدْخَلٌ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: كَالْمَوَاشِي، فَقَالَ: إِذَا كَانَا رَجُلَيْنِ
[للساعي أخذ الفرض من مال أي الخليطين شاء]
لِلسَّاعِي أَخْذُ الْفَرْضِ مَنْ مَالِ أَيِّ الْخَلِيطَيْنِ شَاءَ، مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا، وَيَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ به عَلَى خَلِيطِهِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْقِيمَةِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ إِذَا عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ، وَإِذَا أَخَذَ السَّاعِي أَكْثَرَ مِنَ الْفَرْضِ ظُلْمًا، لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ عَلَى خَلِيطِهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ رَجَعَ عَلَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَهُمَا مِنَ الْمَالِ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ النَّقْدَيْنِ، فَعَلَيْهِمَا بِالْحِصَصِ، فَيُعْتَبَرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ اتِّحَادُ الْمُؤَنَ وَمَرَافِقُ الْمِلْكِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِإِصْلَاحِ الشَّرِكَةِ، وَخَصَّهَا الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ بِالنَّقْدَيْنِ. [لِلسَّاعِي أَخْذُ الْفَرْضِ مِنْ مَالِ أَيِّ الْخَلِيطَيْنِ شَاءَ] (وَيَجُوزُ لِلسَّاعِي أَخْذُ الْفَرْضِ مِنْ مَالِ أَيِّ الْخَلِيطَيْنِ شَاءَ) ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ كَالْمَالِ الْوَاحِدِ (مَعَ الْحَاجَةِ) بِأَنْ تَكُونَ الْفَرِيضَةُ عَيْنًا وَاحِدَةً لَا يُمْكِنُ أَخْذُهَا إِلَّا مِنْ أَحَدِ الْمَالَيْنِ، أَوْ تَكُونُ أَحَدُهُمَا صِغَارًا، وَالْآخَرُ كِبَارًا، وَنَحْوُهُ (وَعَدَمُهَا) بِأَنْ يَجِدَ فَرْضَ كُلٍّ مِنَ الْمَالَيْنِ فِيهِ، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بَعْدَ قِسْمَةٍ فِي خُلْطَةِ أَعْيَانٍ مَعَ بَقَاءِ النَّصِيبَيْنِ، وَقَدْ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ خِلَافًا لِ " الْمُحَرَّرِ " (فَأَمَّا مَنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، كَذِمِّيٍّ وَمُكَاتَبٍ، فَلَا أَثَرَ لِخُلْطَتِهِ فِي جَوَازِ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ مِنْ خَلِيطَيْنِ يُمْكِنُ رُجُوعُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ (وَيَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ بِهِ عَلَى خَلِيطِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» ؛ أَيْ: إِذَا أُخِذَ مِنْ أَحَدِهِمَا (بِحِصَّتِهِ مِنَ الْقِيمَةِ) يَوْمَ أُخِذَتْ لِزَوَالِ مِلْكِهِ إِذَنْ؛ وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَيَرْجِعُ بِالْقِسْطِ الَّذِي قَابَلَ مَالَهُ مِنَ الْمُخْرَجِ، فَإِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثُ الْمَالِ، وَأُخِذَ الْفَرْضُ مِنْهُ، رَجَعَ بِقِيمَةِ ثُلُثَيِ الْمُخْرَجِ عَلَى شَرِيكِهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنَ الْآخَرِ رَجَعَ بِقِيمَةِ الثُّلُثِ، يَرْجِعُ رَبُّ عَشَرَةٍ مِنَ الْإِبِلِ أُخِذَتْ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى رَبِّ عِشْرِينَ بِقِيمَةِ ثُلُثَيْهَا، وَبِالْعَكْسِ بِقِيمَةِ ثُلُثِهَا (فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ) بِأَنْ قَالَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ: قِيمَتُهَا عِشْرُونَ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ قِيمَتُهَا عَشَرَةٌ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ) مَعَ يَمِينِهِ (إِذَا عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ) وَاحْتُمِلَ صِدْقُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ غَارِمٌ، وَكَالْغَاصِبِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ وُجُودِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ يَجِبُ بِمَا يَقُولُهُ، لِأَنَّهَا تَرْفَعُ النِّزَاعَ (وَإِذَا أَخَذَ السَّاعِي أَكْثَرَ مِنَ الْفَرْضِ ظُلْمًا) ؛ أَيْ: ثَلَاثًا، قِيلَ: كَأَخْذِهِ عَنْ أَرْبَعِينَ مُخْتَلِطَةً شَاتَيْنِ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا (لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ عَلَى خَلِيطِهِ) ؛ لِأَنَّهَا ظُلْمٌ، فَلَا يَجُوزُ رُجُوعُهُ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ وِفَاقًا. وَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ عَلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQخَلِيطِهِ بِنِصْفِ شَاةٍ فَقَطْ، وَذَكَرَ الشَّيْخِ تَقِيُّ الدِّينِ فِيهَا قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ أَظْهَرُهُمَا: يَرْجِعُ. وَقَالَ فِي الْمَظَالِمِ الْمُشْتَرَكَةِ: وَحِينَئِذٍ تُطْلَبُ مِنَ الشُّرَكَاءِ، يَطْلُبُهَا الْوُلَاةُ مِنَ الْبُلْدَانِ أَوِ التُّجَّارِ أَوِ الْحَجِيجِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَالْكُلَفُ السُّلْطَانِيَّةُ عَلَى الْأَنْفُسِ أَوِ الْأَمْوَالِ أَوِ الدَّوَابِّ، وَيَلْزَمُهُمُ الْتِزَامُ الْعَدْلِ فِي ذَلِكَ، كَمَا يَلْزَمُ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بِحَقٍّ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَدَاءِ قِسْطِهِ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُؤْخَذُ قِسْطُهُ مِنَ الشُّرَكَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعِ الظُّلْمَ عَنْهُ إِلَّا بِظُلْمِ شُرَكَائِهِ (وَإِنْ أَخَذَهُ بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ) كَأَخْذِهِ صَحِيحَةً عَنْ مِرَاضٍ، أَوْ كَبِيرَةً عَنْ صِغَارٍ، أَوْ قِيمَةَ الْوَاجِبِ (رَجَعَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ السَّاعِيَ نَائِبُ الْإِمَامِ، فِعْلُهُ كَفِعْلِهِ، وَلِهَذَا لَا يُنْقَضُ؛ لِكَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَمَا فِي الْحَاكِمِ. قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ وَجَبَ دَفْعُهُ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاجِبِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ سَائِغٌ نَافِذٌ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِسَوَغَانِهِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إِنْ أَخَذَ الْقِيمَةَ، وَصَارَ أَحَدُهَا، رَجَعَ بِنِصْفِهَا، إِنْ قُلْنَا: الْقِيمَةُ أَصْلٌ، وَإِنْ قُلْنَا: بَدَلٌ، فَيُنَصِّفُ قِيمَةَ الشَّاةِ، وَإِنْ لَمْ تُجْزِئِ الْقِيمَةُ فَلَا رُجُوعَ، وَلَمْ يَرْتَضِهِ فِي " الْفُرُوعِ "، وَإِطْلَاقُ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ، وَلَوِ اعْتَقَدَ الْمَأْخُوذُ بِهِ عَدَمَهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا أَخْرَجَ أَحَدُ الْخَلِيطَيْنِ فَوْقَ الْوَاجِبِ لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ. قَالَ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ ": عَقْدُ الْخُلْطَةِ: جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالْإِذْنِ لِخَلِيطِهِ فِي الْإِخْرَاجِ عَنْهُ، وَكَذَا قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ، غَابَ الْآخَرُ أَوْ حَضَرَ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ: لَا يُجْزِئُ. تَنْبِيهٌ: إِذَا أَخَذَ السَّاعِي فَرْضًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ: هَلْ هُوَ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا، عَمِلَ كُلٌّ فِي التَّرَاجُعِ بِمَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَقْضَ فِيهِ، لِفِعْلِ السَّاعِي، فَعِشْرُونَ خُلْطَةً بِسِتِّينَ فِيهَا رُبْعُ شَاةٍ، فَإِذَا أَخَذَ الشَّاةَ مِنَ السِّتِّينَ رَجَعَ رَبُّهَا
[باب زكاة الخارج من الأرض]
بَابُ زَكَاةُ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحُبُوبِ كُلِّهَا، وَفِي كُلِّ ثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ، كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِرُبْعِ الشَّاةِ، وَإِنْ أَخَذَهَا مِنَ الْعِشْرِينَ رَجَعَ بِهَا بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهَا لَا بِقِيمَتِهَا كُلِّهَا، وَلَا يَسْقُطُ زِيَادَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بِأَخْذِ السَّاعِي مُجْمَعًا عَلَيْهِ، كَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ خُلْطَةً بَيْنِهِمَا ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ عَقِبَ الْحَوْلِ بِأَخْذِ نِصْفِ شَاةٍ، بِنَاءً عَلَى تَعَلُّقٍ الزَّكَاةِ بِالنِّصَابِ وَالْعَفْوِ، وَجَعْلِ لِلْخُلْطَةِ وَالتَّلَفِ تَأْثِيرًا، لَزِمَهُمَا إِخْرَاجُ نِصْفِ شَاةٍ، ذَكَرَهُمَا فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ ". [بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ] [حُكْمُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ] بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267] وَالزَّكَاةُ تُسَمَّى نَفَقَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] وقَوْله تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَقُّهُ الزَّكَاةُ، مَرَّةً الْعُشْرُ وَمَرَّةً نِصْفُ الْعُشْرِ، وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ. حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ (تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحُبُوبِ كُلِّهَا، سَوَاءٌ كَانَ قُوتًا كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْأُرْزِ وَالدُّخْنِ، أَوْ مِنَ الْقُطْنِيَّاتِ كَالْبَاقِلَاءِ وَالْعَدَسِ وَالْحِمَّصِ، أَوْ مِنَ الْأَبَازِيرِ كَالْكُسْفُرَةِ وَالْكَمُّونِ، وَكَبِزْرِ الْكَتَّانِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ، وَحَبِّ الْبُقُولِ، كَحَبِّ الرَّشَادِ، وَالْفُجْلِ، وَالْقُرْطُمِ؛ لِعُمُومِ النَّصِّ السَّابِقِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ الْعُشْرُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَفِي كُلِّ ثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ) نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَا يَدْخُلُهُ التَّوْسِيقُ لَيْسَ مُرَادًا مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَإِلَّا لَكَانَ ذِكْرُ الْأَوْسُقِ لَغْوًا؛ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُدَّخَرِ لَا تَكْمُلُ فِيهِ النِّعْمَةُ لِعَدَمِ النَّفْعِ فِيهِ مَآلًا (كَالثَّمَرِ وَالزَّبِيبِ وَاللَّوْزِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ مَكِيلٌ (وَالْفُسْتُقِ وَالْبُنْدُقِ) وَالسُّمَّاقُ. نَقَلَ صَالِحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَأَنْ يُكَالَ وَيُدَّخَرَ، وَيَقَعُ فِيهِ الْقَفِيزُ،
وَاللَّوْزِ وَالْفُسْتُقِ وَالْبُنْدُقِ، وَلَا تَجِبُ فِي سَائِرِ الثَّمَرِ، وَلَا فِي الْخُضَرِ وَالْبُقُولِ وَالزَّهْرِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَجِبُ فِي الزَّيْتُونِ وَالْقُطْنِ وَالزَّعْفَرَانِ إِذَا بَلَغَا بِالْوَزْنِ نِصَابًا، ـــــــــــــــــــــــــــــQفَفِيهِ الْعُشْرُ، وَمَا كَانَ مِثْلَ الْبَصَلِ، وَالرَّيَاحِينِ، وَالرُّمَّانِ، فَلَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ، إِلَّا أَنْ يُبَاعَ وَيَحُولُ عَلَى ثَمَنِهِ حَوْلٌ. اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ آخَرُونَ، (وَلَا تَجِبُ فِي سَائِرِ الثَّمَرِ) كَالْجَوْزِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعُلِّلَ بِأَنَّهُ مَعْدُودٌ، وَالْخَوْخِ، وَالْآجَاصِ، وَالْكُمَّثْرَى، وَالْمِشْمِشِ، وَالتِّينِ، وَالتُّوتِ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَكِيلَةً، وَقَدْ رُوِيَ أَنْ عَامِلَ عُمَرَ كَتَبَ إِلَيْهِ فِي كُرُومٍ فِيهَا مِنَ الْفِرْسِكِ وَالرُّمَّانِ مَا هُوَ أَكْثَرُ غَلَّةً مِنَ الْكُرُومِ أَضْعَافًا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: لَيْسَ فِيه عُشْرٌ، هِيَ مِنَ الْعِضَاهِ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَكَذَا الْعُنَّابُ، وَجَزَمَ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْكَافِي " بِالزَّكَاةِ فِيهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهَذَا أَظْهَرُ، وَالتِّينُ، وَالْمِشْمِشُ، وَالتُّوتُ مِثْلُهُ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا فِي التِّينِ؛ لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ كَالتَّمْرِ (وَلَا فِي الْخُضَرِ) كَالْقِثَّاءِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَاللِّفْتِ، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ» " وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ، (وَالْبُقُولِ وَالزَّهْرِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَكِيلٍ مُدَّخَرٍ، وَنَحْوُهُمَا الْوَرَقُ وَطَلْعُ الْفُحَّالِ، وَالسَّعَفِ وَالْخُوصِ، وَالْحَطَبِ وَالْخَشَبِ، وَأَغْصَانِ الْخِلَافِ، وَالْحَشِيشِ وَالْقَصَبِ مُطْلَقًا، وَلَبَنِ الْمَاشِيَةِ وَصُوفِهَا، وَكَذَا الْحَرِيرُ وَدُودُ الْقَزِّ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَجِبُ فِي الزَّيْتُونِ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالزَّيْتُونَ} [الأنعام: 99] الْآيَةَ؛ وَلِأَنَّهُ حَبٌّ مَكِيلٌ يُنْتَفَعُ بِدُهْنِهِ الْخَارِجِ مِنْهُ، أَشْبَهَ السِّمْسِمَ وَالْكَتَّانَ، فَيُزَكَّى إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ كَيْلًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُخْرِجُ مِنْهُ، وَإِنْ صَفَّاهُ، وَأَخْرَجَ عَصِيرَ زَيْتِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَالثَّانِيَةُ لا يجب، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُؤَلِّفُ: عَدَمُ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الِادِّخَارَ شَرْطٌ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ، فَلَمْ يَجِبْ، وَالْآيَةُ بِمَكَّةَ نَزَلَتْ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَلَا تَكُونُ مُرَادَةً، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي الرُّمَّانِ (وَالْقُطْنِ وَالزَّغْفَرَانِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْزُونٌ مُدَّخَرٌ تَامُّ الْمَنْفَعَةِ وَالْوَزْنِ، أُقِيمَ مَقَامَ الْكَيْلِ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي عُمُومِ الْمَنْفَعَةِ (إِذَا بَلَغَا بِالْوَزْنِ نِصَابًا) وَهُوَ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ عِرَاقِيَّةٍ؛
[شروط زكاة الخارج من الأرض]
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا زَكَاةَ فِي حَبِّ الْبُقُولِ كَحَبِّ الرَّشَادِ وَالْأَبَازِيرِ، كَالْكُسْفُرَةِ وَالْكَمُّونِ، وَبَذْرِ الْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ، وَنَحْوِهِ. وَيُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أن يبلغ نصابا قَدْرَهُ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ وَالْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ اعْتِبَارُهُ بِالْكَيْلِ رَجَعَ فِيهِ إِلَى الْوَزْنِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " (وَعَنْهُ: أَنَّ نِصَابَ ذَلِكَ مَا يَبْلُغُ قِيمَتُهُ قِيمَةَ نِصَابٍ مِنْ أَدْنَى الْعَشَرَاتِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ فِيهِمَا؛ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِ لِعَدَمِ الْكَيْلِ فِيهِمَا، وَقِيَامُ الْوَزْنِ مَقَامَ الْكَيْلِ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْكَيْلِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَمْ أَجِدْ فِيهِمَا نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ، غَيْرَ أَنَّ الْقَاضِي حَكَى عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ فِي الْقُطْنِ وَجَبَ فِي حَبِّهِ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ عَدَمَ الْوُجُوبِ، وَالْكَتَّانُ مِثْلُهُ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَكَذَا الْعِنَبُ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الزَّعْفَرَانِ، وَيَخْرُجُ عَلَيْهِ الْعُصْفُرُ وَالْوَرْسُ وَالنِّيلُ. قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: وَالْفُوَّةُ، وَفِي الْحِنَّاءِ الْخِلَافُ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا زَكَاةَ فِي حَبِّ الْبُقُولِ كَحَبِّ الرَّشَادِ، وَالْأَبَازِيرِ، كَالْكُسْفُرَةِ وَالْكَمُّونِ، وَبِزْرِ الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ وَنَحْوِهِ) كَبِزْرِ الرَّيَاحِينِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقُوتٍ وَلَا أُدْمٍ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا بِزْرُ الْيَقْطِينِ، وَذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " مِنَ الْمُقْتَاتِ، وَيُخْرِجُ الصَّعْتَرَ وَالْأُشْنَانَ عَلَى الْخِلَافِ، وَجَزَمَ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْمَجْدُ بِالْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ نَبَاتٌ مَكِيلٌ مُدَّخَرٌ، وَمَالُهُ وَرَقٌّ مَقْصُودٌ كَوَرَقِ السِّدْرِ وَالْخِطْمِيِّ وَالْآسِ عَلَى الْخِلَافِ، وَالْأَشْهَرُ الْوُجُوبُ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ: لَا زَكَاةَ إِلَّا فِي التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي مُخْتَصَرِهِ، يُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مُوسَى، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ التَّابِعِينَ. [شُرُوطُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ] (وَيُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا شَرْطَانِ، أَحَدُهُمَا: أَن يبلغ نصابا، قَدْرَهُ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ وَالْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ خمسة أوسق) فَلَا يَجِبُ فِي أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ ثَمَرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ. فَتَقْدِيرُهُ بِالْكَيْلِ يَدُلُّ عَلَى إِنَاطَةِ الْحُكْمِ بِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْحَوْلُ لِتَكَامُلِ النَّمَاءِ عِنْدَ الْوُجُوبِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ النِّصَابِ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ؛ لِأَنَّهُ حَالُ الْكَمَالِ وَالِادِّخَارِ وَالْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ؛ لِأَنَّ التَّوْسِيقَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ التَّحْقِيقِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ
وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا، وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وثلث بِالْعِرَاقِيِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQعِنْدَهُ، فَلَوْ كَانَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ عِنَبًا، لَا يَجِيءُ مِنْهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ زَبِيبًا، لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ (وَالْوَسْقُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا (سِتُّونَ صَاعًا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «الْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ، وَنَحْوُهُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَهَذَا أَشْهَرُ فِي اللُّغَةِ، وَتَوَارَدَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ، فَيَكُونُ ثَلَاثَمِائَةِ صَاعٍ، (وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وثلث بِالْعِرَاقِيِّ) وَهُوَ رِطْلٌ وَسُبْعٌ دِمَشْقِيٌّ، فَرَدَّ عَلَى الثَّلَاثِمِائَةِ سُبْعَهَا، تَكُنْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ رِطْلًا، وَسِتَّةَ أَسْبَاعِ رِطْلٍ بِالدِّمَشْقِيِّ، عَلَى مَا حَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي الْجَدِيدِ " أَنَّ الرِّطْلَ الْعِرَاقِيَّ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَبِالْقُدْسِيِّ وَمَا وَافَقَهُ: مِائَتَانِ وَسَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ رِطْلًا وَسُبْعُ رِطْلٍ، وَبَالْحَلَبِيِّ وَمَا وَافَقَهُ: مِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ رِطْلًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ رَطْلٍ، وَبِالْمِصْرِيِّ وَمَا وَافَقَهُ: أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ (فَيَكُونُ ذَلِكَ) أَيْ: بِالْعِرَاقِيِّ (أَلْفًا وَسِتَّمِائَةِ رِطْلٍ) وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ بِلَا كَسْرٍ: ثَلَاثُمِائَةِ رِطْلٍ وَأَحَدٌ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَثُلُثُ رِطْلٍ، وَالْوَسْقُ وَالصَّاعُ كَيْلَانِ لَا صَنْجَانِ، وَإِنَّمَا نُقِلَ إِلَى الْوَزْنِ لِيُحْفَظَ وَيُنْقَلَ؛ إِذِ الْمَكِيلُ يَخْتَلِفُ فِي الْوَزْنِ، فَمِنْهُ ثَقِيلٌ كَالْأُرْزِ وَالتَّمْرِ، وَمُتَوَسِّطٌ كَالْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ، وَخَفِيفٌ كَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، وَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِالْمُتَوَسِّطِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ فِي الْخَفِيفِ إِذَا قَارَبَ هَذَا الْوَزْنَ، وَإِنْ لَمْ يَيْلُغْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْكَيْلِ كَالرَّزِينِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَأَكْثَرُ الثَّمَرِ أَخَفُّ مِنَ الْحِنْطَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُكَالُ شَرْعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى هَيْئَةٍ غَيْرُ مَكْبُوسٍ، وَعَنْهُ: أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ بِالْحِنْطَةِ أَيْ: بِالرَّزِينِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُسَاوِي الْعَدَسَ فِي وَزْنِهِ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنِ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَبْعَدُ الْأَمْرَيْنِ الْكَيْلُ أَوِ الْوَزْنُ. 1 - تَنْبِيهٌ: نِصَابُ الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ تَحْدِيدٌ فِي الْأَشْهَرِ، لِتَحْدِيدِ الشَّارِعِ بِالْأَوْسُقِ، وَعَنْهُ: تَقْرِيبٌ، فَيُؤْثَرُ نَحْوُ رِطْلَيْنِ وَمُدَّيْنِ عَلَى الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي، وَجَعَلَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فَائِدَةَ الْخِلَافِ، وَقَدَّمَ الثَّانِيَةَ، وَلَا اعْتِبَارَ بِنَقْصِ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ، جَزَمَ بِهِ الْأَئِمَّةُ.
رِطْلٍ إِلَّا الْأُرْزَ وَالْعَلَسَ - نَوْعٌ مِنَ الْحِنْطَةِ يُدَّخَرُ فِي قِشْرِهِ - فَنِصَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ قِشْرِهِ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ نِصَابُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ رُطَبًا، ثُمَّ يُؤْخَذُ عُشْرُهُ يَابِسًا، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": إِذَا نَقَصَ مَا لَوْ وُزِّعَ عَلَى الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ ظَهَرَ فِيهَا، فَلَا زَكَاةَ، وَإِلَّا وَجَبَتْ. 1 - فَرْعٌ: إِذَا شَكَّ فِي بُلُوغِ قَدْرِ النِّصَابِ احْتَاطَ، وَأَخْرَجَ وَلَمْ تَجِبْ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " مُنْتَهَى الْغَايَةِ "، وَمَنِ اتَّخَذَ وِعَاءً يَسَعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا مِنَ الْبُرِّ الرَّزِينِ، ثُمَّ كَالَ بِهِ مَا شَاءَ، عَرَفَ أَبْلَغَ حَدِّ الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا الْأُرْزَ وَالْعَلَسَ نَوْعٌ مِنَ الْحِنْطَةِ) وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ (يُدَّخَرُ فِي قِشْرِهِ) عَادَةً لِحِفْظِهِ (فَإِنَّ نِصَابَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ قِشْرِهِ عشرة أوسق) ؛ لِأَنَّ أَهْلَهُ زَعَمُوا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى النِّصْفِ، وَأَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مِنْ قِشْرِهِ لَا يَبْقَى كَغَيْرِهِ، فَيَجِبُ الْعُشْرَ إِذَا بَلَغَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ حَبًّا، وَإِنْ صُفِّيَا فَخَمْسَةُ أَوْسُقٍ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِثِقَلٍ وَخِفَّةٍ، فَيُرْجَعُ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَيُؤْخَذُ بِقَدْرِهِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ نِصَابُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ رُطَبًا، ثُمَّ يُؤْخَذُ عُشْرُهُ يَابِسًا) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ: «أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ، كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، فَيُؤْخَذُ زَكَاتُهُ زَبِيبًا، كَمَا يُؤْخَذُ صَدَقَةُ النَّخْلِ تَمْرًا» "، وَمَا وَجَبَ خَرْصُهُ اعْتُبِرَ بِحَالِ رُطُوبَتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ لَا، وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ نِصَابُهُمَا رُطَبًا وَعِنَبًا، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ، وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَيُؤْخَذُ عُشْرُ مَا يَجِيءُ مِنْهُ، وَحَمَلَهَا فِي " الْمُغْنِي " عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُؤْخَذَ عُشْرُ مَا يَجِيءُ مِنْهُ مِنَ التَّمْرِ إِذَا بَلَغَ رُطَبُهَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ لِأَنَّ إِيجَابَ قَدْرِ عُشْرِ الرُّطَبِ مِنَ التَّمْرِ إِيجَابٌ لِأَكْثَرِ مِنَ الْعُشْرِ، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. وَرَدَّهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَخْرُصُ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ خَرَصَ عَلَيْهِ مِائَةَ وَسْقٍ رُطَبًا يُعْطِي عِشْرَةَ أَوْسُقٍ تَمْرًا؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، فَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي مُخَالَفَةِ التَّأْوِيلِ
وَتُضَمُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حِمْلَيْنِ ضَمَّ أَحَدَهُمَا إِلَى الْآخَرِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُضَمُّ، وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ إِلَى آخَرَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْحُبُوبَ يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَعَنْهُ: يُضَمُّ الْحِنْطَةُ إِلَى الشَّعِيرِ، وَالْقُطْنِيَّاتُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مَمْلُوكًا لَهُ وَقْتَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَلَا يَجِبُ فِيمَا يَكْتَسِبُهُ اللُّقَّاطُ، أَوْ يَأْخُذُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَتُضَمُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَكَمَا لَوْ بَدَا صَلَاحُ إِحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى؛ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَنْوَاعِ كَالْبَرْنِيِّ وَالْمَعْقِلِ، وَسَوَاءٌ اتَّفَقَ وَقْتُ إِطْلَاعِهَا وَإِدْرَاكِهَا أَوِ اخْتَلَفَ، أَوْ تَعَدَّدَ الْبَلَدُ أَوْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ، فَيَأْخُذُ عَامِلُ الْبَلَدِ حِصَّتَهُ مِنَ الْوَاجِبِ فِي مَحَلِّ وِلَايَةٍ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ لِنَقْصِ مَا فِي وِلَايَتِهِ عَنْ نِصَابٍ، فَيُخْرِجُ الْمَالِكُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْعَامِ هُنَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، بَلْ وَقْتُ اسْتِغْلَالِ الْمُغَلِّ مِنَ الْعَامِ عُرْفًا، وَأَكْثَرُهُ عَادَةً سِتَّةُ أَشْهُرٍ بِقَدْرِ فَصْلَيْنِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَضُمُّ ثَمَرَةَ عَامٍ، أَوْ زَرْعَهُ إِلَى آخَرَ (فَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حِمْلَيْنِ، ضَمَّ أَحَدَهُمَا إِلَى الْآخَرِ) لِزَرْعِ الْعَامِ الْوَاحِدِ، وَكَالذُّرَةِ الَّتِي تَنْبُتُ مَرَّتَيْنِ (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَضُمُّ) لِقُدْرَتِهِ مَعَ بَيَانِ أَصِلِهِ، فَهُوَ لِثَمَرَةِ عَامٍ آخَرَ، بِخِلَافِ الزَّرْعِ، فَعَلَيْهِ لَوْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ بَعْضُهُ فِي السَّنَةِ حِمْلًا، وَبَعْضُهُ حِمْلَيْنِ، ضَمَّ مَا يَحْمِلُ حِمْلًا إِلَى أَيِّهِمَا بَلَغَ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا، قَالَ: أَقْرَبُهُمَا إِلَيْهِ (وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ إِلَى آخَرَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " كَأَجْنَاسِ الثِّمَارِ وَالْمَاشِيَةِ (وَعَنْهُ: أَنَّ الْحُبُوبَ يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ، وَصَحَّحَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي قَدْرِ النِّصَابِ وَالْمُخْرَجِ كَضَمِّ أَنْوَاعِ الْجِنْسِ (وَعَنْهُ: يُضَمُّ الْحِنْطَةُ إِلَى الشَّعِيرِ، وَالْقُطْنِيَّاتُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَجَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَقَارَبُ مَنْفَعَةً، أَشْبَهَ نَوْعِيِ الْجِنْسِ، وَعَلَيْهَا تُضَمُّ الْأَبَازِيرُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَكَذَا حَبُّ الْبُقُولِ لِتَقَارُبِ الْمَقْصُودِ، وَالذُّرَةُ إِلَى الدُّخْنِ، وَكُلُّ مَا يُقَارِبُ مِنَ الْحُبُوبِ ضُمَّ، وَمَعَ الْمِسْكِ لَا ضَمَّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مَمْلُوكًا لَهُ وَقْتَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ) وَهُوَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ (وَلَا يَجِبُ فِيمَا يَكْتَسِبُهُ اللُّقَّاطُ) مِنَ السُّنْبُلِ (أَوْ يَأْخُذُهُ) أُجْرَةً (بِحَصَادِهِ) ، وَكَذَا مَا مَلَكَهُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ بِشِرَاءٍ أَوْ
[وجوب العشر فيما سقي بغير كلفة ونصف العشر فيما سقي كلفة]
بِحَصَادِهِ، وَلَا فِيمَا يَجْتَنِيهِ مِنَ الْمُبَاحِ، كَالْبُطْمِ وَالزَّعْبَلِ وَبِزْرِ قَطُونَا وَنَحْوِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا ثَبَتَ فِي أَرْضِهِ. فَصْلٌ وَيَجِبُ الْعُشْرُ فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ، كَالْغَيْثِ وَالسُّيُوحِ، وَمَا يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِكُلْفَةٍ كَالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ، فَإِنْ سَقَى نِصْفَ ـــــــــــــــــــــــــــــQإِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْعَسَلِ لِلْأَثَرِ (وَلَا فِيمَا يَجْتَنِيهِ مِنَ الْمُبَاحِ كَالْبُطْمِ، وَالزَّعْبَلِ) بِوَزْنِ جَعْفَرٍ؛ وَهُوَ شَعِيرُ الْجَبَلِ (وَبِزْرِ قَطُونَا وَنَحْوِهِ) كَحَبِّ النَّمَّامِ، وَبِزْرِ الْبَقْلَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ لَمْ يَمْلِكْهُ، فَلَمْ تَجِبْ، كَمَا لَوِ اتَّهَبَهُ (وَقَالَ الْقَاضِي:) وَأَبُو الْخَطَّابِ (فِيهِ الزَّكَاةُ) لِكَوْنِهِ مَكِيلًا مُدَّخَرًا (إِذَا ثَبَتَ فِي أَرْضِهِ) وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ إِذَا ثَبَتَ فِي أَرْضِهِ هَلْ يَمْلِكُ بملك الْأَرْضَ أَوْ يَأْخُذُهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِمِلْكِهَا، بَلْ يَأْخُذُهُ، فَإِنْ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ مَا يَزْرَعُهُ الْآدَمِيُّ كَمَنْ سَقَطَ لَهُ حَبُّ حِنْطَةٍ فِي أَرْضِهِ، أَوْ أَرْضٍ مُبَاحَةٍ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ. [وُجُوبُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ وَنِصْفِ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ كُلْفَةً] فَصْلٌ (وَيَجِبُ الْعُشْرُ) وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ إِجْمَاعًا (فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ كَالْغَيْثِ وَالسُّيُوحِ) جَمْعُ سَيْحٍ؛ وَهُوَ الْمَاءُ الْجَارِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَالْمُرَادُ: الْأَنْهَارُ وَالسَّوَاقِي (وَمَا يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ) كَالْبَعْلِ (وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِكُلْفَةٍ كَالدَّوَالِي) وَاحِدَتُهَا دَالِيَةٌ؛ وَهِيَ الدُّولَابُ تُدِيرُهُ الْبَقَرُ، وَالنَّاعُورَةُ تُدِيرُهَا الْمَاءُ (وَالنَّوَاضِحُ) جَمْعُ نَاضِحٍ وَنَاضِحَةٍ، وَهُمَا الْبَعِيرُ وَالنَّاقَةُ يُسْتَقَى عَلَيْهِمَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا، الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. سُمِّيَ عَثَرِيًّا؛ لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ فِي مَجْرَى الْمَاءِ عَاثُورًا، فَإِذَا صَدَّتْهُ الْمَاءُ يَزَادُ مَدْخَلُ تِلْكَ الْمَجَارِ، فَتَسْقِيهِ؛ وَلِأَنَّ لِلْكُلْفَةِ تَأْثِيرًا فِي إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ، فَفِي تَخْفِيفِهَا أَوْلَى، وَلَا تُؤَثِّرُ مُؤْنَةُ حَفْرِ الْأَنْهَارِ وَالسَّوَاقِي؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ إِحْيَاءِ الْأَرْضِ، وَلَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ، وَكَذَا مَنْ
السَّنَةِ بِهَذَا، وَنَصْفَهَا بِهَذَا، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ، وَإِنْ سَقَى بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ، اعْتَبَرَ أَكْثَرَهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ، وَإِنْ جُهِلَ الْمِقْدَارُ، وَجَبَ الْعُشْرُ. وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ وَبَدَا الصَّلَاحُ فِي الثَّمَرِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQيُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي السَّوَاقِي؛ لِأَنَّهُ لِحَرْثِ الْأَرْضِ وَتَسْحِيَتِهَا، فَلَوِ اشْتَرَى مَاءَ بِرْكَةٍ أَوْ حُفَيْرَةٍ، وَسَقَى سَيْحًا، فَالْعُشْرُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ لِنُدْرَةٍ هَذِهِ الْمُؤْنَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: نِصْفُهُ، وَكَذَا إِنْ جَمَعَهُ، ثُمَّ سَقَى بِهِ، فَيَجِبُ الْعُشْرُ، فَإِنْ كَانَ يَجْرِي مِنَ النَّهْرِ فِي سَاقِيَةٍ إِلَى الْأَرْضِ، وَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ مَنْ وَجْهِهَا إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي تَرْقِيَةِ الْمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ إِلَى آلَةٍ مِنْ غَرْفٍ أَوْ دُولَابٍ، فَهُوَ مِنَ الْكُلْفَةِ الْمُسْقِطَةِ لِنِصْفِ الْعُشْرِ. فَرْعٌ: إِذَا سُقِيَتْ أَرْضُ الْعُشْرِ بِمَاءِ الْخَرَاجِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا، وَعَكْسُهُ لَمْ يَسْقُطْ خَرَاجُهَا، وَلَا يَمْنَعْ مِنْ سَقْيِ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِمَاءِ الْأُخْرَى، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ (فَإِنْ سَقَى نِصْفَ السَّنَةِ بِهَذَا، وَنَصِفَهَا بِهَذَا، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ وُجِدَ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ لَأَوْجَبَ مُقْتَضَاهُ، فَإِذَا وُجِدَ فِي نِصْفِهِ أَوْجَبَ نِصْفَهُ (فَإِنْ سَقَى بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ اعْتَبَرَ أَكْثَرَهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ عَدَدِ السَّقْيِ وَمَرَّاتِهِ وَقَدْرَ مَا يُسْقَى بِهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَشُقُّ، فَاعْتَبَرَ الْأَكْثَرَ كَالسَّوْمِ. وَقَالَ الْقَاضِي: بِعَدَدِ السَّقْيَاتِ، وَقِيلَ: بِاعْتِبَارِ الْمُدَّةِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ) لِوُجُوبِهِ عِنْدَ التَّمَاثُلِ، فَكَذَا عِنْدَ التَّفَاضُلِ كَفِطْرَةِ الْعِيدِ الْمُشْتَرَكِ، فَلَوِ اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَالسَّاعِي فِيمَا سُقِيَ بِهِ أَكْثَرَ، صَدَقَ الْمَالِكَ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يُسْتَحْلَفُونَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ، وَقِيلَ: يَحْلِفُ، لَكِنْ إِنْ نَكَلَ، لَزِمَهُ مَا اعْتَرَفَ بِهِ فَقَطْ (وَإِنْ جَهِلَ الْمِقْدَارَ وَجَبَ الْعُشْرُ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُهُ كَامِلًا؛ وَلِأَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِيَقِينٍ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ: يُجْعَلُ مِنْهُ بِكُلْفَةِ الْمُتَيَقِّنِ، وَالْبَاقِي سَيْحًا، وَيُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ؛ وَهُوَ مَعْنَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ الْأَنْفَعِ لِلْفَقِيرِ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ لَهُ حَائِطَانِ، أَحَدُهُمَا يُسْقَى بِمُؤْنَةٍ، وَالْآخَرُ بِغَيْرِهَا، ضُمَّا فِي النِّصَابِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمُ نَفْسِهِ فِي سَقْيِهِ بِمُؤْنَتِهَا أَوْ غَيْرِهَا.
[إذا اشتد الحب وبدا الصلاح في الثمر وجبت الزكاة]
فَإِنْ قَطْعَهَا قَبْلَهُ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَقْطَعَهَا فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ فَيَلْزَمُهُ، وَلَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إِلَّا بِجَعْلِهَا فِي الْجَرِينِ، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ سَقَطَتْ، سَوَاءٌ كَانَتْ خُرِصَتْ أَوْ لَمْ تُخْرَصْ، وَإِذَا ادَّعَى تَلَفَهَا قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ. وَيَجِبُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [إِذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ وَبَدَا الصَّلَاحُ فِي الثَّمَرِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ] (وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ، وَبَدَا الصَّلَاحُ فِي الثَّمَرِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ) ؛ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ لِلْأَكْلِ وَالِاقْتِيَاتِ كَالْيَابِسِ؛ وَلِأَنَّهُ وَقْتُ خَرْصِ الثَّمَرَةِ لِحِفْظِ الزَّكَاةِ وَمَعْرِفَةِ قَدْرِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَهُ لَزِمَهُ زَكَاتُهُ، وَلَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ قَبْلَ الْخَرْصِ وَبَعْدَهُ، فَزَكَاتُهُ عَلَيْهِ دُونَ الْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ، وَلَوْ مَاتَ وَلَهُ وَرَثَةٌ لَمْ يَبْلُغْ حِصَّتَهُ، وَأُخِذَ مِنْهُمْ نِصَابًا لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: تَجِبُ زَكَاةُ الْحَبِّ يَوْمَ حَصَادِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] . وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي التَّصَرُّفِ (فَإِنْ قَطَعَهَا قَبْلَهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا) كَمَا لَوْ أَكَلَ السَّائِمَةَ أَوْ بَاعَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ (إِلَّا أَنْ يَقْطَعَهَا فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ فَيَلْزَمُهُ) لِيَفُوتَهُ الْوَاجِبُ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ، أَشْبَهَ الْعَامِلَ، وَالْمُطَلِّقَ ثَلَاثًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ (وَلَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إِلَّا بِجَعْلِهَا فِي الْجَرِينِ) وَيُجْعَلُ الزَّرْعُ فِي الْبَيْدَرِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ مَا لَمْ يُثْبَتْ الْيَدُ عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانَتْ مَبِيعَةً فَتَلِفَتِ بِجَائِحَةٍ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى فِعْلِ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ التَّمَكُّنَ مِنَ الْأَدَاءِ شَرْطًا (فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ سَقَطَتْ) ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَسْتَقِرَّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ، فَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الثَّمَرَةِ فَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَ الثَّانِي نِصَابًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا، وَالْمَذْهَبُ: إِنْ كَانَ التَّلَفُ قَبْلَ الْوُجُوبِ، فَهُوَ كَمَا قَالَ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَجَبَ فِي الْبَاقِي بِقَدْرِهِ مُطْلَقًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا أَتْلَفَهَا أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ أَنَّهُ يَضْمَنُ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَ " الشَّرْحِ " لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ (سَوَاءٌ كَانَتْ خُرِصَتْ أَوْ لَمْ تُخْرَصْ) ؛ لِأَنَّ الْخَرْصَ لَا يُوجِبُ، وَإِنَّمَا فُعِلَ ذَلِكَ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ التَّصَرُّفِ،
[إخراج زكاة الحب مصفى والثمر يابسا]
إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْحَبِّ مُصَفًّى وَالثَّمَرِ يَابِسًا، فَإِنِ احْتِيجَ إِلَى قَطْعِهِ قَبْلَ كَمَالِهِ، لِضَعْفِ الْأَصْلِ وَنَحْوِهِ، أَوْ كَانَ رُطَبًا، لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ، أَوْ عِنَبًا لَا يَجِيءُ مِنْهُ زَبِيبٌ، أَخْرَجَ مِنْهُ عِنَبًا وَرُطَبًا، وَقَالَ الْقَاضِي: يُخَيَّرُ السَّاعِي بَيْنَ قِسْمَتِهِ مَعَ رَبِّ الْمَالِ قَبْلَ الْجِذَاذِ وَبَعْدِهِ، وَبَيْنَ بَيْعِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إِلَّا ـــــــــــــــــــــــــــــQفَوَجَبَ سُقُوطُ الزَّكَاةِ مَعَ وُجُودِهِ كَعَدَمِهِ (وَإِذَا ادَّعَى تَلَفَهَا) بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ (قَبْلَ قَوْلِهِ) وَلَوِ اتُّهِمَ (بِغَيْرِ يَمِينٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ، فَلَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ كَالصَّلَاةِ. [إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْحَبِّ مُصَفًّى وَالثَّمَرِ يَابِسًا] (وَيَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْحَبِّ مُصَفًّى، وَالثَّمَرِ يَابِسًا) لِحَدِيثِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، «وَلَا يُسَمَّى زَبِيبًا وَتَمْرًا إِلَّا الْيَابِسُ» ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِيهِمَا، فَالْكُلُّ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْيَباسِ حَالَةُ الْكَمَالِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " (وَقِيلَ: يُجْزِئُ رُطَبُهُ، وَقِيلَ: فِيمَا لَا يُتْمِرُ وَلَا يُزَبَّبُ، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ لَا عِبْرَةَ بِهِ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَأَطْلَقَ ابْنُ تَمِيمٍ عَنِ ابْنِ بَطَّةَ: لَهُ أَنْ يُخْرِجَ رُطَبًا وَعِنَبًا، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ أَخْرَجَ سُنْبُلًا وَرُطَبًا وَعِنَبًا لَمْ يُجْزِئْهُ وَوَقَعَ نَفْلًا، وَإِنْ كَانَ السَّاعِي أَخَذَهُ فَجَفَّفَهُ وَصَفَّاهُ، وَكَانَ قَدْرَ الْوَاجِبِ، أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ أَخَذَ الْبَاقِي، وَإِنْ كَانَ زَائِدًا رَدَّ الْفَضْلَ، وَإِنْ كَانَ رُطَبًا بِحَالِهِ رَدَّهُ، وَإِنْ تَلِفَ رَدَّ مِثْلَهُ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ (فَإِنِ احْتِيجَ إِلَى قَطْعِهِ قَبْلَ كَمَالِهِ لِضَعْفِ الْأَصْلِ وَنَحْوِهِ) كَخَوْفِ عَطَشٍ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": أَوْ لِتَحْسِينِ بَقِيَّتِهِ (أَوْ كَانَ رُطَبًا لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ) كَالْحَسْنَوِيِّ (أَوْ عِنَبًا لَا يَجِيءُ مِنْهُ زَبِيبٌ) كَالْخَمْرِيِّ (أَخْرَجَ مِنْهُ عِنَبًا وَرُطَبًا) إِنْ كَانَ قَدْرَ نِصَابٍ يَابِسًا، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالشَّيْخَانِ وَصَاحِبُ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ مُوَاسَاةً، وَلَا مُوَاسَاةَ فِي إِلْزَامِهِ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ جَوَازَ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْإِخْرَاجِ إِلَّا بِهِ؛ وَلِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي إِبْقَائِهِ. لَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: إِنْ كَفَى التَّجْفِيفُ لَمْ يَجُزْ قَطْعُ الْكُلِّ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ إِطْلَاقٌ، وَإِنَّمَا قِيلَ: جَازَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ، وَمُرَادُهُ يَجِبُ لِإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَلَا يَجُوزُ الْقَطْعُ إِلَّا بِإِذْنِ السَّاعِي إِنْ كَانَ (وَقَالَ الْقَاضِي) وَجَمَاعَةٌ (يُخَيَّرُ السَّاعِي بَيْنَ قِسْمَتِهِ مَعَ رَبِّ الْمَالِ قَبْلَ الْجِذَاذِ) بِالْخَرْصِ، وَيَأْخُذُ نَصِيبَهُمْ نَخَلَاتٍ مُفْرَدَةً بِأَخْذِ تَمْرَتِهَا (أَوْ بَعْدَهُ) بِأَنْ جَذهَا وَقَاسَمَهُ إِيَّاهَا بِالكيْلِ، وَيُقَسِّمُ الثَّمَرَةَ فِي الْفُقَرَاءِ (وَبَيْنَ
[يبعث الإمام ساعيا إذا بدا صلاح الثمر ليخرصه عليهم]
يَابِسًا، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ شِرَاءُ زَكَاتِهِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْعَثَ الْإِمَامُ سَاعِيًا إِذَا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ لِيَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا، خَرَصَ كُلَّ نَوْعٍ وَحْدَهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQبَيْعِهَا مِنْهُ أَوْ فِي غَيْرِهِ) وَيُقَسِّمُ ثَمَنَهَا، وَلِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَبْذُلُ فِيهَا عِوَضَ مِثْلِهَا، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ (وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يُخْرِجُ إِلَّا يَابِسًا) مُصَفَّاةً، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يُخْرَصُ الْعِنَبُ فَتُؤْخَذُ زَكَاتُهُ زَبِيبًا» ، وَلِأَنَّهُ حَالَةُ الْكَمَالِ، فَاعْتُبِرَ، فَإِنْ أَتْلَفَ رَبُّ الْمَالِ هَذِهِ الثَّمَرَةَ، ضَمِنَ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّتِهِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا كَغَيْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَهَلْ يُخْرِجُ قِيمَتَهُ أَوْ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ يُخْرِجُهُ إِذَا قَدَرَ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ (وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ شِرَاءُ زَكَاتِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعُمَرَ فِي سَرِيرِ الْفَرَسِ: «لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ» ، وَقَيَّدَهُ فِي " الْوَجِيزِ " بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ وَهُوَ مُرَادٌ. [يَبْعَثُ الْإِمَامُ سَاعِيًا إِذَا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ لِيَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ] (وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْعَثُ الْإِمَامُ سَاعِيًا إِذَا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ لِيَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: " «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةٍ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِحَدِيثِ عَتَّابٍ وَغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ بِالظَّنِّ لِلْحَاجَةِ لِغَيْرِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنَجَّا أَنَّ نَخْلَ الْبَصْرَةِ لَا يُخْرَصُ، وَأَنَّهُ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ فقهاء الْأَمْصَارُ لِلْمَشَقَّةِ، وَيَكْفِي خَارِصٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ كَحَاكِمٍ وَقَائِفٍ، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا أَمِينًا لَا يُتَّهَمُ، خَبِيرًا، وَقِيلَ: حُرًّا، وَأُجْرَتُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يُبْعَثْ فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنَ الْخَرْصِ مَا يَفْعَلُهُ السَّاعِي، لِيَعَرِفَ قَدْرَ الْوَاجِبِ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ، وَيُخَيِّرُهُ بَيْنَ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِمَا شَاءَ وَيَضْمَنَ قَدْرَهَا، وَبَيْنَ حِفْظِهَا إِلَى وَقْتِ الْجَفَافِ، فَإِنْ لَمْ يَضْمَنِ الزَّكَاةَ وَتَصَرَّفَ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ، وَحَكَى ابْنُ تَمِيمٍ عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُبَاحُ التَّصَرُّفُ، كَتَصَرُّفِهِ قَبْلَ الْخَرْصِ (فَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا، خَرَصَ كُلَّ نَوْعٍ وَحْدَهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْعَدْلِ وَعَدَمِ الْجَوْرِ؛ لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ تَخْتَلِفُ، فَمِنْهَا مَا يَكْثُرُ رُطَبُهُ، وَيَقِلُّ تَمْرُهُ، وَبِالْعَكْسِ (وَإِنْ كَانَ
[ما يترك لرب المال عند الخرص]
وَإِنْ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا فَلَهُ خَرْصُ كُلِّ شَجَرَةٍ وَحْدَهَا، وَلَهُ خَرْصُ الْجَمِيعِ دُفْعَةً وَاحِدَةً. وَيَجِبُ أَنْ يُتْرَكَ فِي الْخَرْصِ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثُ أَوِ الرُّبْعُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، ـــــــــــــــــــــــــــــQنَوْعًا وَاحِدًا فَلَهُ خَرْصُ كُلِّ شَجَرَةٍ وَحْدَهَا) فَيُطِيفُ بِهَا (وَلَهُ خَرْصُ الْجَمِيعِ دُفْعَةً وَاحِدَةً) ؛ لِأَنَّ النَّوْعَ الْوَاحِدَ لَا يَخْتَلِفُ غَالِبًا، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ بِخَرْصِ كُلِّ شَجَرَةٍ عَلَى حِدَةٍ، وَالْخَرْصُ خَاصٌّ بِالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ فَقَطْ لِلنَّصِّ؛ وَلِلْحَاجَةِ إِلَى أَكْلِهَا رُطَبَيْنِ، وَخَرْصُهُمَا مُمْكِنٌ لِظُهُورِ ثَمَرَتِهِمَا، وَاجْتِمَاعِهِمَا فِي عَنَاقِيدِهِمَا، بِخِلَافِ الزَّيْتُونِ لِتَفَرُّقِ حَبِّهِ، وَاسْتِتَارِهِ بِوَرَقِهِ، وَقِيلَ: يُخْرَصُ. فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى الْمَالِكُ غَلَطَ الْخَارِجِ وَكَانَ مُمْكِنًا، فَإِنْ فَحُشَ، فَقِيلَ: يُرَدُّ قَوْلُهُ، وَقِيلَ: ضَمَانًا كَانَتْ أَوْ أَمَانَةً تُرَدُّ فِي الْفَاحِشِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَوِ ادَّعَى كَذِبَهُ عَمْدًا لَمْ يُقْبَلْ، وَلَوْ قَالَ: مَا حَصَلَ بِيَدِي إِلَّا هَذَا قُبِلَ، وَيُكَلَّفُ بِبَيِّنَةٍ فِي دَعْوَاهُ جَائِحَةً ظَاهِرَةً، ثُمَّ يُصَدَّقُ فِي التَّلَفِ، وَإِنِ ادَّعَى بِالْحَالِفِ الْعَادَةَ، لَمْ يُقْبَلْ. [مَا يُتْرَكُ لِرَبِّ الْمَالِ عِنْدَ الْخَرْصِ] (وَيَجِبُ أَنْ يُتْرَكَ فِي الْخَرْصِ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثُ أَوِ الرُّبْعُ) بِحَسَبِ اجْتِهَادِ السَّاعِي، لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا، وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبُعَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنِ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَهَذَا تَوْسِعَةٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْأَكْلِ هُوَ وَأَضْيَافُهُ وَجِيرَانُهُ وَأَهْلُهُ، وَيَأْكُلُ مِنْهَا الْمَارَّةُ؛ وَمِنْهَا السَّاقِطَةُ، فَلَوِ اسْتَوْفَى الْكُلَّ أَضَرَّ بِهِمْ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يُتْرَكُ قَدْرُ أَكْلِهِمْ وَهَدِيَّتِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ بِلَا تَحْدِيدٍ لِلْأَخْبَارِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنَّمَا يُتْرَكُ فِي الْخَرْصِ إِذَا زَادَتِ الثَّمَرَةُ عَلَى النِّصَابِ، فَإِنْ كَانَتْ
[يؤخذ العشر في كل نوع على حدته]
فَلِرَبِّ الْمَالِ الْأَكْلُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ. وَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ فِي كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ، فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ أُخِذَ مِنَ الْوَسَطِ، وَيَجِبُ الْعُشْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمَالِكِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQنِصَابًا فَلَا، وَهَذَا الْقَدْرُ الْمُدْرَكُ لَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَدَلَّ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا لَمْ يُزَكِّهِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَفِي " الْوَجِيزِ ": يُزَكِّي الْكُلَّ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": وَيُوضَعُ ثُلُثُ الثَّمَرَةِ أَوْ رُبْعُهَا، فَلَا يُحْتَسَبُ لَهُ زَكَاةٌ، وَيُزَكِّي الْبَاقِيَ إِنْ بَلَغَ نِصَابًا (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلِرَبِّ الْمَالِ الْأَكْلُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ بِأَنْ يَرَى السَّاعِي شَيْئًا مِنَ الْوَاجِبِ، أَخْرَجَهُ الْمَالِكُ نَصًّا. تَذْنِيبٌ: ظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّ الْحُبُوبَ لَا تُخْرَصُ، وَلِلْمَالِكِ الْأَكْلُ مِنْهَا هُوَ وَعِيَالُهُ بِحَسَبَ الْعَادَةِ كَالْفَرِيكِ، وَمَا يَحْتَاجُهُ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ، وَلَا يَهْدِي، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ فِي " الْخِلَافِ ": أَسْقَطَ أَحْمَدُ عَنْ أَرْبَابِ الزَّرْعِ الزَّكَاةَ فِي مِقْدَارِ مَا يَأْكُلُونَ، كَمَا أَسْقَطَ فِي الثِّمَارِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُصُولِ " يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ، وَلَا يُتْرَكُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ كَالْمُشْتَرَكِ مِنَ الزَّرْعِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْقِيَاسُ، وَالْحَبُّ لَيْسَ فِي مَعْنَى الثَّمَرَةَ. [يُؤْخَذُ الْعُشْرُ فِي كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ] (وَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ فِي كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ) ؛ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ بِمَنْزِلَةِ الشُّرَكَاءِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي كُلِّ نَوْعٍ، وَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ، بِخِلَافِ السَّائِمَةِ، فَإِنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ كُلِّ نَوْعٍ أَفْضَى إِلَى التَّشْقِيصِ، وَفِيهِ مَشَقَّةٌ، وَلَا يَجُوزُ الرَّدِيءُ عَنِ الْجَيِّدِ، وَبِالْعَكْسِ لَا يَجِبُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْرَارِ بِالْمَالِكِ (فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ أُخِذَ مِنَ الْوَسَطِ) لِانْتِفَاءِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ شَرْعًا، وَكَالسَّائِمَةِ، فَلَوْ كَانَ الْمَالُ نَوْعًا وَاحِدًا أُخِذَ مِنْهُ مُطْلَقًا بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلى طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الشُّرَكَاءِ. [الْعُشْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمَالِكِ] (وَيَجِبُ الْعُشْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمَالِكِ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] ؛ وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِلزَّرْعِ كَالْمُسْتَعِيرِ، وَكَتَاجِرٍ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا، وَفِي إِيجَابِهِ عَلَى الْمَالِكِ إِجْحَافٌ يُنَافِي الْمُوَاسَاةَ؛ وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ الزَّرْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِذَا لَمْ يَزْرَعْ، وَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، بِخِلَافِ الْخَرَاجِ،
[يجتمع العشر والخراج في كل أرض فتحت عنوة]
وَيَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي كُلِّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَيَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ شِرَاءُ الْأَرْضِ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَإِنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ، وَالْغَاصِبُ إِذَا حَصَدَ زَرْعَهُ يُزَكِّيهِ لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ، فَإِنْ مَلَكَهُ رَبُّ الْأَرْضِ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ زَكَّاهُ، وَكَذَا بَعْدَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إِلَى أَوَّلِ زَرْعِهِ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ إِذَنْ، وَقِيلَ: يُزَكِّيهِ الْغَاصِبُ؛ لِأَنَّهُ تَمَلَّكَهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ. [يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي كُلِّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً] (وَيَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي كُلِّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً) ، وَكُلُّ أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ لِلْعُمُومِ، فَالْخَرَاجُ فِي رَقَبَتِهَا، وَالْعُشْرُ فِي غَلَّتِهَا؛ وَلِأَنَّ سَبَبَ الْخَرَاجِ التَّمْكِينُ مِنَ النَّفْعِ لِوُجُوبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْ، وَسَبَبُ الْعُشْرِ الزَّرْعُ، كَأُجْرَةِ الْمَتْجَرِ مَعَ زَكَاةِ التِّجَارَةِ، وَلِأَنَّهَا بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ، فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا كَالْجَزَاءِ وَالْقِيمَةِ فِي الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ، وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ: " «لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ» . ضَعِيفٌ جِدًّا. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى الْخَرَاجِ الَّذِي هُوَ الْجِزْيَةُ (وَلَوْ كَانَ عُقُوبَةً لَمَا وَجَبَ عَلَى مُسْلِمٍ كَالْجِزْيَةِ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ لِمُسْلِمٍ. قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي أَرْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ صَدَقَةٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي أَرْضِ الصُّلْحِ. تَذْنِيبٌ: الْأَرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ: مَا فُتِحَ عَنْوَةً، وَلَمْ تُقَسَّمْ، وَمَا جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا مِنَّا، وَمَا صُولِحُوا عَلَيْهَا عَلَى أَنَّهَا لَنَا، وَنُقِرُّهَا مَعَهُمْ بِالْخَرَاجِ، وَالْعُشْرِيَّةُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ: مَا أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا، نَقَلَهُ حَرْبٌ كَالْمَدِينَةِ وَنَحْوِهَا، وَمَا اخْتَطَّهُ الْمُسْلِمُونَ كَالْبَصْرَةِ، وَمَا صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَهُمْ بِخَرَاجٍ يُضْرَبُ عَلَيْهِمْ كَأَرْضِ الْيَمَنِ، وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِّمَ، كَنِصْفِ خَيْبَرَ، وَمَا أَقْطَعَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنَ السَّوَادِ إِقْطَاعَ تَمْلِيكٍ. فَرْعٌ: لَا زَكَاةَ فِي قَدْرِ الْخَرَاجِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ مؤنة الْأَرْضِ كَنَفَقَةِ زَرْعِهِ، وَمَتَى لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى غَلَّةِ الْأَرْضِ، وَفِيهَا مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ كَالْخَضْرَاوَاتِ، جَعَلَ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ فِي مُعَامَلَةِ الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْفُقَرَاءِ، وَلَا يَنْقُصُ النِّصَابُ بِمُؤْنَةِ حَصَادٍ وَدِيَاسٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْهُ لِسَبْقِ الْوُجُوبِ، (وَيَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ شِرَاءُ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ) فِي
[زكاة العسل]
الْعُشْرِيَّةِ، وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِمْ عُشْرَانِ يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالْإِسْلَامِ. فَصْلٌ وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ، سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ أَوْ مِنْ مِلْكِهِ، وَنِصَابُهُ عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ، كُلُّ فَرَقٍ سِتُّونَ رِطْلًا. ـــــــــــــــــــــــــــــQرِوَايَةٍ، وَقَالَهَا الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهَا مَالُ مُسْلِمٍ يَجِبُ الْحَقُّ فِيهَا لِلْفُقَرَاءِ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ بَيْعِهَا لِذِمِّيٍّ كَالسَّائِمَةِ، وَاقْتَصَرَ جَمْعٌ كَالْمُؤَلِّفِ عَلَى الْجَوَازِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُكْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يُمْنَعُونَ مِنْ شِرَائِهَا، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ، فَعَلَيْهَا يَصِحُّ، جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَحَكَى أَحْمَدُ عَنِ الْحَسَنِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يُمْنَعُونَ مِنَ الشِّرَاءِ، فَإِنِ اشْتَرَوْا، لَمْ يَصِحَّ نَقْلُ عَدَمِ الْمَنْعِ (وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ زَكَاةٌ، فَلَا تجِبُ عَلَى ذَمِّيٍّ كَالسَّائِمَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " شَرْحِهِ " الصَّغِيرِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ غَيْرِ التَّغَلُّبِيِّ نِصْفُ الْعُشْرِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، سَوَاءٌ اتَّجَرَ بِذَلِكَ أَمْ لَمْ يَتَّجِرْ بِهِ مِنْ مَالِهِ وَثَمَرَتِهِ وَمَاشِيَتِهِ وَعَلَى الْمَنْعِ (وَعَنْهُ: عَلَيْهِمْ عُشْرَانِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَصْحِيحَ كَلَامِ الْمُتَعَاقِدِينَ، وَدَفْعَ الضَّرَرِ الْمُؤَبَّدِ عَنِ الْفُقَرَاءِ بِوُجُوبِ الْحَقِّ فِيهِ، وَكَانَ ضِعْفَ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ، كَمَا يَجِبُ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى الْعَاشِرِ نِصْفُ الْعُشْرِ ضِعْفُ الزَّكَاةِ (يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالْإِسْلَامِ) ، وَكَذَا لَوْ بَاعَهَا مُسْلِمًا، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عُشْرٌ، وَيَبْقَى عُشْرُ الزَّكَاةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُمَا يَسْقُطَانِ بِالْإِسْلَامِ، لِسُقُوطِ جِزْيَةِ الرُّءُوسِ وَجِزْيَةِ الْأَرْضِ؛ وَهُوَ خَرَاجُهَا بِالْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ وَقْتَ الْوُجُوبِ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَعَنْهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، قَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِمْ عُشْرٌ وَاحِدٌ، ذَكَرَهَا فِي " الْخِلَافِ " كَمَا كَانَ لِتَعَلُّقِهِ بِالْأَرْضِ كَبَقَاءِ الْخَرَاجِ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ: أَنَّهُ يَجُوزُ إِجَارَتُهَا مِنْهُ، لَكِنْ يُكْرَهُ لِإِفْضَائِهِ إِلَى إِسْقَاطِ عُشْرِ الْخَارِجِ مِنْهَا، وَهَذِهِ الْأَرْضُ لَا تَصِيرُ خَرَاجِيَّةً بِمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهَا أَرْضُ عُشْرٍ، كَمَا لَوْ كَانَ مُشْتَرِيهَا مُسْلِمًا، وَلَا يَجُوزُ بَقَاءُ أَرْضٍ بِلَا عُشْرٍ وَلَا خَرَاجٍ بِالِاتِّفَاقِ. [زَكَاةُ الْعَسَلِ] فَصْلٌ (وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ) لِمَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ «أَبِي سَيَّارَةَ الْمُتَعِيِّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: " إِنَّ لِي نَحْلًا، قَالَ: فَأَدِّ الْعُشُورَ قَالَ: قُلْتُ يَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQرَسُولَ اللَّهِ، إن لي نحلا، قال: فأد العشور، قال: قلت يا رسول الله، احْمِ لِي جَبَلَهَا، قَالَ: فَحَمَى لِي جَبَلَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا سُلَيْمَانَ الْأَشْدَقَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا سَيَّارَةَ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: إِنَّهُمْ تَطَوَّعُوا بِهِ، قَالَ: لَا، بَلْ أُخِذَ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ خَارِجٌ مِنْ حَيَوَانٍ، أَشْبَهَ اللَّبَنَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِي وُجُوبِ الصَّدَقَةِ حَدِيثٌ يثبت وَلَا إِجْمَاعٌ، وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنَ الْمُبَاحِ، وَاعْتَرَفَ الْمَجْدُ أَنَّهُ الْقِيَاسُ لَوْلَا الْأَثَرُ (سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ أَوْ مِنْ مِلْكِهِ) . قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا: أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَرْضِ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ. تَنْبِيهٌ: مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الشَّجَرِ كَالْمَنِّ وَالزَّنْجَبِينِ وَالشِّيرَخَشَكَ وَشِبْهَهَا؛ وَمِنْهُ اللادَّنُّ؛ وَهُوَ طَلٌّ يَنْزِلُ عَلَى نَبْتٍ تَأْكُلُهُ الْمِعْزَى، فِيهِ الْعُشْرُ كَالْعَسَلِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: لَا لِعَدَمِ النَّصِّ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ (وَنِصَابُهُ عَشَرَةُ أَفَرَاقٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ عُمَرَ: فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَفَرَاقٍ فَرَقٌ. رَوَاهُ الْجُوزْجَانِيُّ، وَتَقَدَّمَ قَوْلٌ فِي نِصَابِ الزَّيْتِ خَمْسَةُ أَفَرَاقٍ، فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ تَخْرِيجٌ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ فِيهِ، فَاعْتُبِرَ خَمْسَةُ أَمْثَالِهِ كَالْوَسْقِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا زَكَاةَ فِي قَلِيلِهِ، بَلْ يُعْتَبَرُ نِصَابُهُ بِالْأَفْرَاقِ؛ وَهُوَ جَمْعُ فَرَقٍ، قِيلَ: بِسُكُونِ الرَّاءِ، وَقِيلَ: بِفَتْحِهَا. قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ الْأَشْهَرُ (كُلُّ فَرَقٍ سِتُّونَ رِطْلًا) عِرَاقِيَّةً فِي قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " وَرُوِيَ عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ، فَيَكُونُ نِصَابُهُ سِتَّمِائَةِ رِطْلٍ، وَزْنُهَا بِالدِّمَشْقِيِّ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَثُلُثُ رِطْلٍ، وَفِي " الْخِلَافِ " سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا عِرَاقِيَّةً،
[فصل في المعدن]
فَصْلٌ فِي الْمَعْدِنِ وَمَنِ اسْتَخْرَجَ مِنَ مَعْدِنِ نِصَابًا مِنَ الْأَثْمَانِ، أَوْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ مِنَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا عِرَاقِيَّةً؛ وَهُوَ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ. ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ لِخَبَرِ كَعْبٍ فِي الْفِدْيَةِ، وَحُمِلَ كَلَامُ عُمَرَ عَلَى التَّعَارُفِ بِبَلَدِهِ - وَهِيَ الْحِجَازُ - أَوْلَى، وَهَذَا ظَاهِرُ " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَقِيلَ: نِصَابُهُ أَلْفُ رِطْلٍ عِرَاقِيَّةٍ، قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: مِنْ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ، وَأَمَّا الْفَرْقُ بِسُكُونِ الرَّاءِ: مِكْيَالٌ ضَخْمٌ مِنْ مَكَايِلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَهُ الْخَلِيلُ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ: يَسَعُ مِائَةً وَعِشْرِينَ رِطْلًا. قَالَ الْمَجْدُ: وَلَا قَائِلَ بِهِ هُنَا. مَسْأَلَةٌ: مَنْ زَكَّى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمُعَشَّرَاتِ مَرَّةً، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، خِلَافًا لِلْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُرْصَدٍ لِلنَّمَاءِ، فَهُوَ كَالْقِنْيَةِ، بَلْ أَوْلَى لِنَقْصِهِ بِأَكْلٍ وَنَحْوِهِ. فَرْعٌ: تَضْمِينُ أَمْوَالِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ بَاطِلٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَّلَهُ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " بِأَنَّ ضَمَانَهَا بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ فِي مِلْكِ مَا زَادَ، وَغُرْمِ مَا نَقَصَ، وَهَذَا مُنَافٍ لِمَوْضُوعِ الْعِمَالَةِ، وَحُكْمِ الْأَمَانَةِ. [فَصْلٌ فِي الْمَعْدِنِ] فَصْلٌ فِي الْمَعْدِنِ بِكَسْرِ الدَّالِّ سُمِّيَ بِهِ لِعُدُونِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ فِيهِ لِإِقَامَتِهِ، يُقَالُ: عَدَنَ عُدُونًا، وَالْمَعْدِنُ: الْمَكَانُ الَّذِي عُدِنَ فِيهِ الْجَوْهَرُ (وَمَنِ اسْتَخْرَجَ) إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَتَرَكَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ لِدَلَالَةِ مَا سَبَقَ (مِنْ مَعْدِنٍ) سَوَاءٌ كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ أَوْ مُبَاحَةٍ، وَلَوْ مِنْ دَارِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، أَوْ فِي مَوَاتٍ خَرِبٍ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ أَرْضِ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ جَارِيًا، فَكَأَرْضِهِ إِنْ قُلْنَا: هُوَ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَأَنَّهُ يَمْلِكُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ، وَأَنَّهُ يَمْلِكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ، أَوْ كَانَ جَامِدًا، فَهُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى بَلَدِهِ كَالْمَغْصُوبِ (نِصَابًا مِنَ الْأَثْمَانِ) فَلِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (أَوْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ) مِنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ بِقِيمَةِ أَحَدِهِمَا؛
الْجَوْهَرِ وَالصُّفْرِ وَالزِّئْبَقِ وَالْقَارِ وَالنِّفْطِ وَالْكُحْلِ وَالزَّرْنِيخِ وَسَائِرِ مَا يُسَمَّى مَعْدِنًا، فَفِيهِ الزَّكَاةُ فِي الْحَالِ رُبْعُ الْعُشْرِ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ مِنْ عَيْنِهَا إِنْ كَانَتْ أَثْمَانًا؛ سَوَاءٌ اسْتَخْرَجَهُ فِي دُفْعَةٍ أَوْ دُفُعَاتٍ، لَمْ يَتْرُكِ الْعَمَلَ بَيْنَهُمَا تَرْكَ إِهْمَالٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَنَّهُمَا قِيَمُ الْأَشْيَاءِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ فِيمَا دُونَ نِصَابِ الْأَثْمَانِ، ثُمَّ مَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ (مِنَ الْجَوْهَرِ، وَالصُّفْرِ، وَالزِّئْبَقِ، وَالْقَارِ، وَالنِّفْطِ، وَالْكُحْلِ، وَالزَّرْنِيخِ، وَسَائِرِ مَا يُسَمَّى مَعْدِنًا) كَالْبِلَّوْرِ، وَالْعَقِيقِ، وَالْحَدِيدِ، وَالْكِبْرِيتِ، وَالْمَغْرَةِ، وَنَحْوِهَا (فَفِيهِ الزَّكَاةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267] ، وَلِمَا رَوَى رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمَعَادِنَ الْقِبْلِيَّةَ قَالَ: فَتِلْكَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إِلَّا الزَّكَاةُ إِلَى الْيَوْمِ» رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَحْرُمُ عَلَى أَغْنِيَاءَ ذَوِي الْقُرْبَى، فَفِيهِ الزَّكَاةُ لَا الْخُمُسُ كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْطَبِعْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَرْضِ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا: «لَا زَكَاةَ فِي حَجَرٍ» إِنْ صَحَّ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الْأَحْجَارِ الَّتِي لَا يُرْغَبُ فِيهَا عَادَةً، فَدَلَّ أَنَّ الرُّخَامَ مَعْدِنٌ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، قَالَ الْأَصْحَابُ: الطِّينُ والماء غير مَرْغُوبٌ فِيهِ، فَلَا حَقَّ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ الطِّينَ تُرَابٌ، وَنَقَلَ مُهَنَّا: لَمْ أَسْمَعْ فِي مَعْدِنِ النَّارِ، وَالنِّفْطِ، وَالْكُحْلِ، وَالزَّرْنِيخِ شَيْئًا. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَظَاهِرُهُ التَّوَقُّفُ عَنْ غَيْرِ الْمُنْطَبِعِ (فِي الْحَالِ) لِأَهْلِهَا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْأَرْضِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ لَهُ حَوْلٌ كَالزَّرْعِ (رُبْعُ الْعُشْرِ) مِنْ عَيْنِ أَثْمَانٍ أَوْ (مِنْ قِيمَة) مِنْ غَيْرِهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ بِظُهُورِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَ " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " وَغَيْرِهِمَا، كَالثَّمَرَةِ (سَوَاءٌ اسْتَخْرَجَهُ مِنْ دُفْعَةٍ أَوْ دُفُعَاتٍ، لَمْ يَتْرُكِ الْعَمَلَ بَيْنَهُمَا تَرْكَ إِهْمَالٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اعْتُبِرَ دُفْعَةً وَاحِدَةً لَأَدَّى إِلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ اسْتِخْرَاجُ نِصَابٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً،
[زكاة ما يخرج من البحر من اللؤلؤ والمرجان]
وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا مِنْ عَيْنِهَا إِذَا كَانَتْ أَثْمَانًا إِلَّا بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ، وَلَا زَكَاةَ فِيمَا يَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ وَالْعَنْبَرِ وَنَحْوِهِ. وَعَنْهُ: فِيهِ الزَّكَاةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفَإِنْ أَخَرَجَ دُونَ نِصَابٍ ثُمَّ تَرَكَ الْعَمَلَ مُهْمِلًا لَهُ، أَخَرَجَ دُونَ نِصَابٍ، فَلَا شَيْءَ فِيهِمَا، وَإِنْ بَلَغَا نِصَابًا، فَعَلَى هَذَا لَا أَثَرَ لِتَرْكِهِ لِمَرَضٍ، وَسِفْرٍ، وَصَلَاحِ آلَةٍ، وَنَحْوِهِ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ، كَالِاسْتِرَاحَةِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، أَوْ لِاشْتِغَالِهِ بِنَقْلِ تُرَابٍ خَرَجَ بَيْنَ الْمِثْلَيْنِ، أَوْ هَرَبَ عَبِيدُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَرَقٍ يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ، وَحَدَّ ابْنُ الْمُنَجَّا الْإِهْمَالَ بِتَرْكِ الْعَمَلِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، وَإِنْ كَانَ فَبِزَوَالِهِ. 1 - مَسْأَلَةٌ: لَا يُضَمُّ جِنْسٌ لِآخَرَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ غَيْرَ نَقْدٍ، وَقِيلَ: بَلَى، وَقِيلَ: مَعَ تَقَارُبِهِمَا كَنَارٍ وَنِفْطٍ، وَمَنْ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ جِنْسٍ مِنْ مَعَادِنَ ضُمَّ كَالزَّرْعِ فِي مَكَانَيْنِ (وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا إِذَا كَانَتْ أَثْمَانًا إِلَّا بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ) ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إِخْرَاجُ الْوَاجِبِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْحُبُوبِ، فَلَوْ أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِ تُرَابِهِ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ، رَدَّهُ إِنْ كَانَ باقيا، أو قيمته إن كان تَالِفًا، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْآخِذِ فِي قَدْرِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، فَإِنْ صَفَّاهُ الْآخِذُ مَكَانَ الْوَاجِبِ أَجْزَأَ، وَإِنْ زَادَ رَدَّ الْفَاضِلَ إِلَّا أَنْ يَتْرُكَهُ الْمُخْرِجُ، وَإِنْ نَقَصَ كَمَّلَهُ، وَلَا يُحْتَسَبُ بِمُؤْنَتِهِمَا فِي الْأَصَحِّ لِمُؤْنَةِ اسْتِخْرَاجِهِ، فَإِنْ كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ احْتُسِبَ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا يُحْتَسَبُ بِمَا أُنْفِقَ عَلَى الزَّرْعِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْكَافِي: " لَا يُحْتَسَبُ بِهِ بِكَوْنِ الْحَصَادِ وَالزِّرَاعَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُجْزِئُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ عَنْ غَيْرِهَا قَبْلَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ. 1 - مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ بَيْعُ تُرَابِ مَعْدِنٍ وَصَاغَةٍ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَعَرْضٍ؛ لِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِمَا هُوَ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ كَالْبَاقِلَاءِ فِي قِشْرَتِهِ، وَعَنْهُ: لَا كَجِنْسِهِ، وَنَقَلَ مُهَنَّا: لَا فِي تُرَابِ صَاغَةٍ، وَإِنَّ غَيْرَهُ أَهْوَنُ، وَزَكَاتُهُ عَلَى الْبَائِعِ لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ، كَبَيْعِ حَبٍّ بَعْدَ صَلَاحِهِ. [زَكَاةُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ] (وَلَا زَكَاةَ فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ) هُوَ نَبَاتٌ حَجَرِيٌّ يَتَوَسَّطُ فِي خَلْقِهِ بَيْنَ النَّبَاتِ وَالْمَعْدِنِ، وَمِنْ خَوَاصِّهِ أَنَّ النَّظَرَ إِلَيْهِ يَشْرَحُ الصَّدْرَ وَيُفْرِحُ الْقَلْبَ (وَالْعَنْبَرُ وَنَحْوُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ " الْمَذْهَبُ "، وَقَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَكْثَرُ،
[الركاز]
فَصْلٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ، أَيُّ نَوْعٍ كَانَ مِنَ الْمَالِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ لِأَهْلِ الْفَيْءِ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ زَكَاةٌ، وَبَاقِيهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الْعَنْبَرِ شَيْءٌ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ دَسَّرَهُ الْبَحْرُ، وَعَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ، رَوَاهُمَا أَبُو عُبَيْدٍ، وَلَمْ تَأْتِ بِهِ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ وُجُودُهُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ، فَهُوَ كَالْمُبَاحَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْبَرِّ (وَعَنْهُ: فِيهِ الزَّكَاةُ) نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّهُ مُسْتَخْرَجٌ، فَوَجَبَ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْمَعْدِنِ، وَقِيلَ: غَيْرُ حَيَوَانٍ، جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ كَصَيْدِ الْبَرِّ، وَنَصَّ أَحْمَدُ التَّسْوِيَةَ، وَمُثِّلَ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " بِالْمِسْكِ وَالسَّمَكِ، فَيَكُونُ الْمِسْكُ بَحْرِيًّا، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي السَّمَكِ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَافَّةً، وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ بِأَنْ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ فِي الْمِسْكِ إِذَا أَصَابَهُ صَاحِبُهُ: فِيهِ الزَّكَاةُ، شَبَّهَهُ بِالسَّمَكِ إِذَا صَادَهُ، وَصَارَ فِي يَدِهِ مِنْهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَمَا أَشْبَهَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": (وَهُوَ أَوْلَى. [الرِّكَازُ] فَصْلٌ (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا الْحَسَنَ فَإِنَّهُ قَالَ: فِي أَرْضِ الْحَرْبِ الْخُمُسُ، وَفِي أَرْضِ الْعَرَبِ الزَّكَاةُ (أَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِنَ الْمَالِ) كَالنَّقْدَيْنِ، وَالْحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ، وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ، فَوَجَبَ فِيهِ الْخُمُسُ وَالْغَنِيمَةُ (قَلَّ) ذَلِكَ الْمَوْجُودُ (أَوْ كَثُرَ) بِخِلَافِ الْمَعْدِنِ وَالزَّرْعِ؛ لِكَوْنِهِمَا يَحْتَاجَانِ إِلَى
لِوَاجِدِهِ إِنْ وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ أَوْ أَرْضٍ لَا يُعْلَمُ مَالِكُهَا، وَإِنْ عُلِمَ مَالِكُهَا أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQكُلْفَةٍ، وَاعْتُبِرَ لَهُمَا النِّصَابُ تَحْقِيقًا، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي مَصْرِفِهِ، فَرَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ (لِأَهْلِ الْفَيْءِ) اخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " وَابْنُ عَقِيلٍ، وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " لِفِعْلِ عُمَرَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَخْمُوسٌ لِخُمُسِ الْغَنِيمَةِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِمَصْرِفِ الْغَنِيمَةِ، بَلِ الْفَيْءُ الْمُطْلِقُ لِلْمَصَالِحِ كُلِّهَا (وَعَنْهُ: أَنَّهُ زَكَاةٌ) نَقَلَهَا حَنْبَلٌ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ صَاحِبَ الْكَنْزِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْخُمُسِ عَلَى الْمَسَاكِينِ؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ فِي الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ كَالْمَعْدِنِ، فَيُصْرَفُ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ إِذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ فَيْءٌ، إِلَّا إِذَا كَانَ عَبْدًا فَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ كسب مَالُهُ، كَالِاحْتِشَاشِ، وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ زَكَاةٌ لَمْ يَجِبْ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَيَمْلِكُهُ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ، وَيُخْرِجُهُ عَنْهُمَا وَلِيُهِمَّا، وَصَحَّحَ بَعْضُهُمْ وَجُوبَهَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مُطْلَقًا، وَيَجُوزُ لِوَاجِدِهِ تَعْرِفَتُهُ بِنَفْسِهِ، كَمَا لَوْ قُلْنَا إِنَّهُ زَكَاةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " لِأَنَّهُ أَدَّى الْحَقَّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ، قَدَّمَهُ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " كَخُمُسِ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يُضْمَنُ؟ وَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِه والْمَعْدِنِ إِمْسَاكُ الْحَقِّ لِنَفْسِهِ لِحَاجَةٍ (وَبَاقِيهِ لِوَاجِدِهِ) لِفِعْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا دَفَعَا بَاقِيَ الرِّكَازِ لِوَاجِدِهِ؛ وَلِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٍ عَلَيْهِ، فَكَانَ لِوَاجِدِهِ بَعْدَ الْخُمُسِ كَالْغَنِيمَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَهُ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا بِدَارِنَا، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ أَجِيرًا لِطَلَبِهِ، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ سِوَى الْأُجْرَةِ (إِنْ وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ كَالصَّيْدِ مِنْهَا (أَوْ أَرْضٍ لَا يُعْلَمُ مَالِكُهَا) كَالْأَرْضِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا آثَارُ الْمِلْكِ مِنَ الْأَبْنِيَةِ الْقَدِيمَةِ، وَجُدْرَانِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقُبُورِهِمْ، وَلَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِهَا، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " أَوْ قَرْيَةٍ خَرَابٍ أَوْ طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا قَالَ: «وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ، وَلَا فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ
كَانَتْ مُنْتَقِلَةً إِلَيْهِ، فَهُوَ لَهُ أَيْضًا، وَعَنْهُ: أَنَّهُ لِمَالِكِهَا، أَوْ لِمَنِ انْتَقَلَتْ عَنْهُ إِنِ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ لِأَوَّلِ مَالِكٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضِ حَرْبِيٍّ مَلَكَهُ إِلَّا أَنْ لَا ـــــــــــــــــــــــــــــQالْخُمُسُ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَفِي لَفْظٍ: «وَإِنْ وَجَدَهُ فِي خَرِبَةٍ جَاهِلِيَّةٍ أَوْ فِي قَرْيَةٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» (وَإِنْ عُلِمَ مَالِكُهَا) كَمَنْ دَخَلَ دَارَ غَيْرِهِ، أَوْ اسْتَأْجَرَهَا أَوِ اسْتَعَادَهَا (أَوْ كَانَتْ مُنْتَقِلَةً إِلَيْهِ) بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ (فَهُوَ لَهُ أَيْضًا) فِي الْأَشْهَرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، بَلْ هُوَ مُودَعٌ فِيهَا، فَهُوَ كَالصَّيْدِ وَالْكَلَأِ، يَمْلِكُهُ مَنْ ظَفِرَ بِهِ كَالْمُبَاحَاتِ كُلِّهَا، وَعَلَيْهَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَهُ الْمَالِكُ أَوَ لَا، وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ عَنْ أَحْمَدَ فَيَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَحْفِرَ لَهُ فِي دَارِهِ، فَأَصَابَ كَنْزًا، فَهُوَ لِلْأَجِيرِ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي (وَعَنْهُ: أَنَّهُ لِمَالِكِهَا) قَطَعَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " التَّلْخِيصِ " لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهَا، فَكَانَ مَا فِيهَا لَهُ كَالْقُمَاشِ (أَوْ لِمَنِ انْتَقَلَتْ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَهُ (إِنِ اعْتَرَفَ بِهِ) كُلٌّ مِنَ الْمَالِكِ وَالْمُنْتَقِلِ عَنْهُ، فَإِنِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ مِيرَاثًا حُكِمَ بِأَنَّهُ مِيرَاثٌ، فَإِنْ أَنْكَرَ الْوَرَثَةُ أَنَّهُ لِمُورِّثِهِمْ فَلِأَوَّلِ مَالِكٍ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا أُعْطِيَ كُلٌّ حُكْمَهُ (وَإِلَّا) فَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ، وَلَمْ يَدَّعِهِ (فَهُوَ لِأَوَّلِ مَالِكٍ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ، فَكَانَ لَهُ كَحِيطَانِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ، كَمَا لَوِ ادَّعَاهُ بِصِفَةٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ يَكُونُ كَالْمَالِ الضَّائِعِ حَيْثُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ فَادَّعَاهُ وَاجِدُهُ فَهُوَ لَهُ، جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ خِلَافُهُ، وَعَلَى الْأَوْلَى إِنِ ادَّعَاهُ الْمَالِكُ قَبِلَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا وَصْفٍ، فَهُوَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى مُمْكِنًا، وَكَانَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا، فَالظَّاهِرُ صِدْقُهُ، وَعَنْهُ: لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى بِلَا بَيِّنَةٍ، وَلَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، فَعَلَيْهَا يَكُونُ لِوَاجِدِهِ، وَمَتَى دُفِعَ إِلَى مُدَّعِيهِ بَعْدَ إِخْرَاجِ خُمُسِهِ، غَرِمَ وَاجِدُهُ بَدَلَهُ إِنْ كَانَ أَخْرَجَ بِاخْتِيَارِهِ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَخَذَهُ مِنْهُ قَهْرًا غَرِمَهُ، لَكِنْ هَلْ هُوَ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ، وَعَنْهُ: مَالُهُ يَكُونُ لِلْمَالِكِ قَبْلَهُ إِنِ اعْتَرَفَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ أَوْ لم يُعَرِّفْهُ الْأَوَّلُ، فَلِوَاجِدِهِ، وَقِيلَ: لِبَيْتِ الْمَالِ (وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ حَرْبِيٍّ مَلَكَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ،
[باب زكاة الأثمان]
يَقْدِرَ عَلَيْهِ إِلَّا بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَتكُونُ غَنِيمَةً، وَالرِّكَازُ: مَا وُجِدَ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَيْهِ عَلَامَتُهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ، فَهُوَ لُقَطَةٌ. بَابُ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ وَهِيَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَلَا زَكَاةَ فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا حُرْمَةَ لَهُ، كَمَا لَوْ وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ، وَقِيلَ: غَنِيمَةٌ، خَرَّجَهُ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِمَنْعِهِ (إِلَّا أَنْ لا يَقْدِرَ عَلَيْهِ إِلَّا بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَتَكُونُ غَنِيمَةً) ؛ لِأَنَّ قُوَّتَهُمْ أَوْصَلَتْهُ إِلَيْهِ، فَكَانَ غَنِيمَةً كَالْمَأْخُوذِ بِالْحَرْبِ (وَالرِّكَازُ) اشْتِقَاقُهُ مِنْ رَكَزَ يَرْكِزُ كَغَرَزَ يَغْرِزُ: إِذَا خَفِيَ؛ وَمِنْهُ غَرَزْتُ الرُّمْحَ إِذَا أَخْفَيْتُ أَسْفَلَهُ، فَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْمَالُ الْمَدْفُونُ فِي الْأَرْضِ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ (مَا وُجِدَ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ) ؛ لِأَنَّ دِفْنَهُمْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ وَخَفِيَ مَكَانَهُ (عَلَيْهِ عَلَامَتُهُمْ) كَأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ مُلُوكِهِمْ؛ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِمْ: هُوَ الْمَالُ الْجَاهِلِيُّ الْمَدْفُونُ، وَحُكْمُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْكُفَّارِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى بَعْضِهِ عَلَامَتُهُمْ، فَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " (أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رِكَازًا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى بَعْضِهِ (عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ) كَاسْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ (أَوْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ) كَالْحُلِيِّ وَالسَّبَائِكِ وَالْآنِيَةِ (فَهُوَ لُقَطَةٌ) أَيْ: لَا مِلْكَ إِلَّا بَعْدَ التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ مُسْلِمٍ لَمْ يُعْلَمْ زَوَالُهُ عَنْهُ، وَتَغْلِيبًا لِحُكْمِ دَارِ الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ فِي مِلْكٍ انْتَقَلَ إِلَيْهِ، فَيَدَّعِيهِ الْمَالِكُ قَبْلَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا صِفَةٍ، فَهَلْ يُدْفَعُ إِلَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ حَكَاهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَنَقَلَهُ فِي " الشَّرْحِ " عَنْهُ إِحْدَاهُمَا: لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ كَاللُّقَطَةِ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْمِلْكِ. [بَابُ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ] [نِصَابُ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ] بَابُ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ (وَهِيَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ) فَدَلَّ أَنَّ الْفُلُوسَ الرَّائِجَةَ لَا تُسَمَّى بِهِ، وَنَصَّ لَهُمَا خَاصَّةً،
فَيَجِبُ فِيهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ، وَلَا فِي الْفِضَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَيَجِبُ فِيهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا الْإِجْمَاعُ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34] الْآيَةَ. وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ (وَلَا زَكَاةَ فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا فَيَجِبُ نِصْفُ مِثْقَالٍ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ مَرْفُوعًا: «أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ مِثْقَالًا نِصْفَ مِثْقَالٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، فَالْمِثْقَالُ: دِرْهَمٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ؛ وَهُوَ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّةَ شَعِيرٍ مُتَوَسِّطَةً؛ وَهُوَ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ (وَلَا فِي الْفِضَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ) وَزْنَ (مِائَتَيْ دِرْهَمٍ) لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» (فَيَجِبُ فِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا كَانَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ» ، وَالِاعْتِبَارُ بِالدِّرْهَمِ الْإِسْلَامِيِّ الَّذِي وَزَنُهُ سِتَّةُ دَوَانِيقَ، وَالْعَشَرَةُ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ سَوْدَاءَ، وَزْنُ الدِّرْهَمِ مِنْهَا ثَمَانِيَةُ دَوَانِيقَ، وَطَبَرِيَّةً، الدِّرْهَمُ مِنْهَا أَرْبَعَةُ دَوَانِيقَ، فَجَمَعَتْهَا بَنُو أُمَيَّةَ، وَقَسَّمَتْهَا عَلَى اثْنَيْنِ، فَصَارَ الدِّرْهَمُ مِنْهَا سِتَّةَ دَوَانِيقَ، وَذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ إِجْمَاعَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ سُئِلَ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَذِيِّ عَنْ دَرَاهِمَ صِغَارٍ فَقَالَ: تُرَدُّ إِلَى الْمَثَاقِيلِ، فَالدِّرْهَمُ نِصْفُ مِثْقَالٍ، وَخُمُسُهُ؛ وَهُوَ خَمْسُونَ حَبَّةٍ وَخُمُسَا حَبَّةٍ، فَنِصَابُ الذَّهَبِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَقَدْرُهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا وَسُبْعَا دِينَارٍ، وَتُسْعُهُ عَلَى التَّحْدِيدِ الَّذِي زِنَتُهُ دِرْهَمٌ وَثُمُنُ دِرْهَمٍ.
خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَا زَكَاةَ فِي مَغْشُوشِهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرُ مَا فِيهِ نِصَابًا، فَإِنْ شَكَّ فِيهِ خُيِّرَ بَيْنَ سَبْكِهِ وَبَيْنَ الْإِخْرَاجِ، وَيُخْرِجُ عَنِ الْجَيِّدِ الصَّحِيحِ مِنْ جِنْسِهِ، فَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَكِنْ قَالَ الْأَثْرَمُ: قَدِ اصْطَلَحَ النَّاسُ عَلَى دَرَاهِمِنَا، فَيُزَكِّي الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ مِنْ دَرَاهِمِنَا هَذِهِ، فَيُعْطِي مِنْهَا خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْأُوقِيَّةُ وَالدَّرَاهِمُ مَجْهُولَةً زَمَنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَهُوَ مُوجِبٌ الزَّكَاةَ فِي أَعْدَادٍ مِنْهَا، وَيَقَعُ مِنْهَا الْبِيَاعَاتِ وَالْأَنْكِحَةِ كَمَا فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ؛ وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً إِلَى زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَنَّهُ جَمَعَهَا بِرَأْيِ الْعُلَمَاءِ، وَجَعَلَ وَزْنَ الدِّرْهَمِ مِنْهَا سِتَّةَ دَوَانِيقَ، قَوْلٌ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا مَعْنَى مَا نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى صِفَةٍ لَا تَخْتَلِفُ، فَرَأَوْا صَرْفَهَا إِلَى ضَرْبِ الْإِسْلَامِ وَنَقْشِهِ، فَجَمَعُوا أَكْبَرَهَا وَأَصْغَرَهَا، وَضَرَبُوهُ عَلَى وَزْنِهِمْ (وَلَا زَكَاةَ فِي مَغْشُوشِهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرُ مَا فِيهِ) مِنَ النَّقْدِ الْخَالِصِ (نِصَابًا) لِلنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى اعْتِبَارِ النِّصَابِ. وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ وَجْهًا: إِنْ بَلَغَ مَضْرُوبُهُ نِصَابًا زَكَّاهُ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ الْغِشُّ أَكْثَرَ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ: يَقُومُ مَضْرُوبُهُ كَالْعُرُوضِ (فَإِنَّ شَكَّ فِيهِ) أَيْ فِي بُلُوغِ قَدْرِ مَا فِي الْمَغْشُوشِ مِنَ النَّقْدِ نِصَابًا (خُيِّرَ بَيْنَ سَبْكِهِ) لِيُعْلَمَ قَدْرُ مَا فِيهِ (وَبَيْنَ الْإِخْرَاجِ) أَيْ: يَسْتَظْهِرُ وَيُخْرِجُ لِيُسْقِطَ الْفَرْضَ بِيَقِينٍ. فَعَلَى هَذَا إِذَا سَبَكَهُ، فَظَهَرَ نِصَابًا فَأَكْثَرَ، أَخْرَجَ رُبُعَ عُشْرِهِ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ، فَلَا، وَإِنِ اسْتَظْهَرَ فَيُخْرِجُ مَا يُجْزِئُهُ بِيَقِينٍ، وَقِيلَ: لَا زَكَاةَ، وَإِنْ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ، وَشَكَّ فِي زِيَادَةٍ اسْتَظْهَرَ، فَأَلْفٌ ذَهَبٌ، وَفِضَّةٌ، سِتُّمِائَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا يُزَكِّي سِتَّمِائَةٍ ذَهَبًا، وَأَرْبَعَمِائَةٍ فِضَّةً، وَإِنْ لَمْ يُجْزِ ذَهَبٌ عَنْ فِضَّةٍ، زَكَّى سِتَّمِائَةٍ ذَهَبًا، وَسِتَّمِائَةٍ فِضَّةً، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ قَدْرَ الْعُشْرِ بِأَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ دِينَارٍ سُدُسُهُ، جَازَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُخْرِجًا لِرُبْعِ الْعُشْرِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ قَدْرُ الْعُشْرِ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ، لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا أَنْ يَسْتَظْهِرَ، فَيُخْرِجُ قَدْرَ الزَّكَاةَ بِيَقِينٍ، وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْهَا مَا لَا غَشَّ فِيهِ، فَهُوَ أَفْضَلُ، وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ: إِنْ زَادَتْ قِيمَةُ الْمَغْشُوشِ بِصَنْعَةِ الْغِشِّ، أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِهِ، كَحُلِيِّ الْكِرَاءِ إِذَا زَادَتْ قِيمَتُهُ بِصِنَاعَةٍ. فَائِدَةٌ: يُعْرَفُ قَدْرُ غِشِّهِ بِوَضْعِ ذَهَبٍ خَالِصٍ زِنَةَ مَغْشُوشٍ فِي مَاءٍ، ثُمَّ فِضَّةٍ كَذَلِكَ؛
[ضم الذهب إلى الفضة من تكميل النصاب]
أَخْرَجَ مَكْسُورًا أَوْ بَهْرَجًا، زَادَ قَدْرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَضْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَهَلْ يُضَمُّ الذَّهَبُ إِلَى الْفِضَّةِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ أَوْ يُخْرَجُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ؟ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهِيَ أَضْخَمُ، ثُمَّ مَغْشُوشٍ، وَيُعْلَمُ عُلُوُّ الْمَاءِ، وَيُمْسَحُ بَيْنَ كُلِّ عَلَامَتَيْنِ، فَمَعَ اسْتِوَاءِ الْمَمْسُوحَيْنِ نَصِفُهُ ذَهَبٌ، وَنِصْفُهُ فِضَّةٌ، وَمَعَ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ بِحِسَابِهِ. تَذْنِيبٌ: يُكْرَهُ ضَرْبُ نَقْدٍ مَغْشُوشٍ وَاتِّخَاذُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ. قَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُنَادِي: لَيْسَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَضْرِبُوا إِلَّا جَيِّدًا، وَيُكْرَهَ الضَّرْبُ لِغَيْرِ السُّلْطَانِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: لَا يَصْلُحُ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ إِلَّا فِي دَارِ الضَّرْبِ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إِنْ رُخِّصَ لَهُمْ رَكِبُوا الْعَظَائِمَ. (وَيُخْرِجُ عَنِ الْجَيِّدِ الصَّحِيحَ مِنْ جِنْسِهِ) ؛ لِأَنَّ إِخْرَاجَ غَيْرِ ذَلِكَ خَبِيثٌ، فَلَمْ يَجُزْ، وَكَالْمَاشِيَةِ، وَيُخْرِجُ عَنِ الرَّدِيءِ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ أَنْوَاعًا مُتَسَاوِيَةَ الْقِيمَةِ جَازَ إِخْرَاجُهَا مَنْ أَحَدِهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْقِيمَةُ أُخِذَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِحِصَّتِهِ، وَجَزَمَ الْمُؤَلِّفُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " إِنْ شَقَّ لِكَثْرَةِ الْأَنْوَاعِ، فَمِنَ الْوَسَطِ كَالْمَاشِيَةِ، وَإِنْ أَخْرَجَ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنَ الْأَعْلَى كَانَ أَفْضَلَ، وَإِنْ أَخْرَجَ عَنِ الْأَعْلَى مِنَ الْأَدْنَى أَوِ الْوَسَطِ، وَزَادَ قَدْرَ الْقِيمَةِ جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخْرَجَ مِنَ الْأَعْلَى بِقَدْرِ الْقِيمَةِ دُونَ الْمَوْزُونِ، لَمْ يَجُزْ (فَإِنْ أَخْرَجَ) أَيْ: عَنِ الصِّحَاحِ (مُكَسَّرًا أَوْ) أَخْرَجَ عَنِ الْجِيَادِ (بَهْرَجًا) أَيْ: رَدِيئًا؛ وَهُوَ الْمَغْشُوشُ، أَوْ أَخْرَجَ سَوْدَاءَ عَنْ بَعْضٍ (زَادَ قَدْرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَضْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ) وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ قِيمَةً وَقَدْرًا، وَكَمَا لَوْ أَخْرَجَ مِنْ عَيْنِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يَجِبُ الْمِثْلُ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " فِي غَيْرِ مُكَسَّرٍ عَنْ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ جَيِّدٌ صَحِيحٌ، فَلَمْ يُجْزِئْ ضِدُّهُ، كَالْمَرِيضَةِ عَنِ الصِّحَاحِ، فَإِذَا تَسَاوَى الْوَاجِبُ وَالْمُخْرَجُ فِي الْقِيمَةِ وَالْوَزْنِ، جَازَ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ، فَالْقَصْدُ مِنْهَا الِانْتِفَاعُ بِعَيْنِهَا. [ضَمُّ الذَّهَبِ إِلَى الْفِضَّةِ مِنْ تَكْمِيلِ النِّصَابِ] (وَهَلْ يُضَمُّ الذَّهَبُ إِلَى الْفِضَّةِ مِنْ تَكْمِيلِ النِّصَابِ، أَوْ يُخْرَجُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يُكْمَلُ نِصَابُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَالْخِرَقِيُّ
رِوَايَتَيْنِ، وَيَكُونُ الضَّمُّ بِالْأَجْزَاءِ، وَقِيلَ بِالْقِيمَةِ فِيمَا فِيهِ الْحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ، وَيُضَمُّ قِيمَةُ الْعُرُوضِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَصَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ ": لِأَنَّ مَقَاصِدَهُمَا وَزَكَاتَهُمَا مُتَّفِقَةٌ، فَهُمَا كَنَوْعَيِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، فَعَلَيْهَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الحاضر والدين إِذَا كَانَ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُضَمُّ. قَالَ الْمَجْدُ: يُرْوَى أَنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ إِلَيْهَا أَخِيرًا، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْكَافِي " وَ " الرِّعَايَةِ "، وَابْنُ تَمِيمٍ؛ لِقَوْلِهِ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» ؛ وَلِأَنَّهُمَا مَالَانِ يَخْتَلِفُ نِصَابُهُمَا، فَلَمْ يَجُزِ الضَّمُّ كَأَجْنَاسِ الْمَاشِيَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهَذِهِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى دَلِيلًا وَأَصَحُّ تَعْلِيلًا، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْخَبَرَ مَخْصُوصٌ بِعَرَضِ التِّجَارَةِ، فَيَصِحُّ الْقِيَاسُ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْهُ الْوَقْفَ، فَيَكُونُ قَوْلًا ثَالِثًا (وَأَمَّا إِخْرَاجُ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ) فَيَجُوزُ، صَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ أَحَدِهِمَا يَحْصُلُ بِإِخْرَاجِ الْآخَرِ، فَهُوَ كَأَنْوَاعِ الْجِنْسِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ، فَيَمْتَنِعُ كَسَائِرِ الْأَجْنَاسِ، وَعَلَى الْأُولَى لَا يَجُوزُ الْإِبْدَالُ فِي مَوْضِعٍ يَلْحَقُ الْفَقِيرَ ضَرَرٌ، فَإِنْ اخْتَارَ الْمَالِكُ الدَّفْعَ مَنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ، وَأَرَادَ الْفَقِيرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ لِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ، لَمْ يَلْزَمِ الْمَالِكَ إِجَابَتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُكَلَّفْ سِوَاهُ، وَقِيلَ: اخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ، فَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِهِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، (وَ) عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الضَّمِّ (يَكُونُ الضَّمُّ بِالْأَجْزَاءِ) عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ لَاعْتُبِرَ بِنَفْسِهِ، فَكَذَا إِذَا ضُمَّ إِلَى غَيْرِهِ كَالْمَوَاشِي؛ وَلِأَنَّ الضَّمَّ بِالْأَجْزَاءِ مُتَيَقَّنٌ، بِخِلَافِ الْقِيمَةِ، فَإِنَّهُ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ، كَمَا لَوْ كَانَ مِلْكُهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا نِصْفُ نِصَابٍ، فَمَجْمُوعُهُمَا نِصَابٌ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الثُّلُثُ أَوْ بَقِيَّةُ الْأَجْزَاءِ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَالْبَاقِي مِنَ الْآخَرِ (وَقِيلَ: بِالْقِيمَةِ) قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ كُلَّ نِصَابٍ ضُمَّ، فَإِنَّهُ بِالْقِيمَةِ كَنِصَابِ السَّرِقَةِ (فِيمَا فِيهِ الْحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ) لأَنَّ أَصْلَ الضَّمِّ إِنَّمَا
[الحلي المباح والحلي المحرم]
فصل وَلَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِعْمَالِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، فَأَمَّا ـــــــــــــــــــــــــــــQشُرِعَ لِأَجْلِ الْحَظِّ ، فَإِذَا كَانَ لَهُ تِسْعَةُ دَنَانِيرَ قِيمَتُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَلَهُ مِائَةٌ أُخْرَى ضُمَّا، وَعَلَى الْأَجْزَاءِ: لَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَحَظُّ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالْقِيمَةِ فَقَطْ، لِانْقِطَاعِهِ عَمَّا قَبْلَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إِلَيْهِمَا، فَلِهَذَا قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": (وَعَنْهُ: يُكَمَّلُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ بِالْأَحَظِّ لِلْفُقَرَاءِ مِنَ الْأَجْزَاءِ أَوِ الْقَيِّمَةِ، ذَكَرَهَا فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ ". فَرْعٌ: يُضَمُّ جَيِّدُ كُلِّ جِنْسٍ إِلَى رَدِيئِهِ، وَمَضْرُوبِهِ إِلَى غَيْرِهِ. (وَيُضَمُّ قِيمَةُ الْعُرُوضِ) ؛ أَيْ: عُرُوضِ التِّجَارَةِ (إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، كَمَنْ لَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَمَتَاعٌ قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ أُخْرَى، أَوَّ لُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَمَتَاعٌ قِيمَتُهُ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِي قِيمَةِ الْعُرُوضِ؛ وَهِيَ تُقَوَّمُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، فَكَانَا مَعَ الْقِيمَةِ جِنْسًا وَاحِدًا، فَلَوْ كَانَ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَعُرُوضٌ، فَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ يُضَمُّ الْجَمِيعُ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ. [الْحُلِيُّ الْمُبَاحُ وَالْحُلِيُّ الْمُحَرَّمُ] فَصْلٌ (وَلَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِعْمَالِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ» رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ؛ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَلِأَنَّهُ مُرْصَدٌ لِلِاسْتِعْمَالِ الْمُبَاحِ، فَلَمْ تَجِبْ كَالْعَوَامِلِ، وَثِيَابِ الْقِنْيَةِ، قَالَ جَمَاعَةٌ: مُعْتَادٌ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ آخَرُونَ لِرَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ إِنْ أُعِدَّ لِلُبْسٍ مُبَاحٍ أَوْ إِعَارَةٍ، وَلَوْ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ كَرَجُلٍ يَتَّخِذُ حُلِيَّ النِّسَاءِ لِإِعَارَتِهِنَّ، أَوِ امْرَأَةٍ تَتَّخِذُ حُلِيَّ الرِّجَالِ
الْحُلِيُّ الْمُحَرَّمُ، وَالْآنِيَةُ، وَمَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ أَوِ النَّفَقَةِ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَ نِصَابًا، ـــــــــــــــــــــــــــــQلِإِعَارَتِهِمْ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَالثَّانِيَةُ: يَجِبُ إِذَا لَمْ يُعرْ وَلَمْ يُلْبَسْ، قَالَهُ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ "، نَقَلَ ابْنُ هَانِي: زَكَاتُهُ عَارِيَتُهُ، وَقَالَ: هُوَ قَوْلُ خَمْسَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ: مُطْلَقًا، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِامْرَأَةٍ فِي يَدِهَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ: هَلْ تُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ» ". وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ، قَالَهُ أَبُو عَبِيدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ: «وَفِي الرِّقَّةِ رُبُعُ الْعُشْرِ» . وَجَوَابُهُ بِأَنَّهَا هِيَ الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ، قَالَ أَبُو عَبِيدٍ: لَا نَعْلَمُ هَذَا الِاسْمَ فِي الْكَلَامِ الْمَعْقُولِ عِنْدَ الْعَرَبِ إِلَّا عَلَى الدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةِ ذَاتِ السِّكَّةِ السَّائِرَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الشُّمُولُ يَكُونُ مَخْصُوصًا بِمَا ذَكَرْنَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ إِذَا كَانَ الْحُلِيُّ لِيَتِيمٍ لَا يَلْبَسُهُ، فَلِوَلِيِّهِ إِعَارَتُهُ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا زَكَاةَ، وَإِنْ لَمْ يُعِرْهُ وَجَبَتْ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ (فَأَمَّا الْحُلِيُّ الْمُحَرَّمُ) ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ عَنْ أَصْلِهِ، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ: مَا كَانَ عَلَى سَرْجٍ وَلِجَامٍ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْآنِيَةُ مِنَ النَّقْدَيْنِ؛ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ لَمَّا كَانَتْ لِمُحَرَّمٍ جُعِلَتْ كَالْعَدَمِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الِاتِّحَادِ جَوَازُ الصَّنْعَةِ، كَتَحْرِيمِ تَصْوِيرِ مَا يُدَاسُ مَعَ جَوَازِ اتِّخَاذِهِ (وَمَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَالْمَدِّ فَقَطْ، فَنَصَّ عَلَى وُجُوبِهَا، سَوَاءٌ حَلَّ لَهُ لُبْسُهُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مِنْ جِنْسِهِ الزَّكَاةُ، وَكَمَا لَوْ أُعِدَّ لِتِجَارَةٍ كُحْلِيِّ الصَّيَارِفِ (أَوِ النَّفَقَةِ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ) ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَقَطَتْ مِمَّا أُعِدَّ لِلِاشْتِغَالِ بِصَرْفِهِ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ، وَقَيَّدَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الشَّرْحِ " بِالِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ،
[ما يباح للرجل من خاتم الفضة]
وَالِاعْتِبَارُ بِوَزْنِهِ إِلَّا مَا كَانَ مُبَاحَ الصِّنَاعَةِ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ فِي النِّصَابِ بِوَزْنِهِ، وَفِي الْإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ. وَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنَ الْفِضَّةِ الْخَاتَمُ وَقَبِيعَةُ السَّيْفِ، وَفِي حِلْيَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": أَوْ لَمْ يَقْصِدْ رَبُّهُ شَيْئًا (إِذَا بَلَغَ) كُلُّ وَاحِدٍ (نِصَابًا، وَالِاعْتِبَارُ) فِي نِصَابِ الْكُلِّ (بِوَزْنِهِ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ؛ لِعُمُومِ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» ، وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِوَاسِطَةِ صَنْعَةٍ مُحَرَّمَةٍ يَجِبُ إِتْلَافُهَا شَرْعًا، فَلَمْ يُعْتَبَرْ، وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِ إِذَا كَانَتْ صِيَاغَتُهَا مُبَاحَةً، كَمَنْ عِنْدَهُ حُلِيٌّ لِلْكِرَاءِ وَزْنُهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا، قِيمَتُهُ مِائَتَانِ، وَقِيلَ: تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ مُطْلَقًا، وَحُكِيَ رِوَايَةً بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ لَا يَحْرُمُ اتِّخَاذُهُ، وَيَضْمَنُ صَنْعَتَهُ بِالْكَسْرِ (إِلَّا مَا كَانَ مُبَاحَ الصِّنَاعَةِ) كُحُلِيِّ التِّجَارَةِ (فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ فِي النِّصَابِ بِوَزْنِهِ، وَفِي الْإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ) هَذَا قَوْلٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِهِ لَوَقَعَتِ الْقِيمَةُ الْمُقَوَّمَةُ شَرْعًا لَا حَظَّ فِيهَا لِلْفُقَرَاءِ؛ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، فَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَ وَزْنُهُ مِائَتَيْنِ، وَقِيمَتُهُ ثَلَاثَمِائَةٍ، فَعَلَيْهِ قَدْرُ رُبْعِ عُشْرِهِ دَنَانِيرَ، وَقِيمَتُهُ لِأَنَّهَا بِغَيْرِ مُحَرَّمٍ، أَشْبَهَ زِيَادَةَ قِيمَتِهِ لِنَفَاسَةِ جَوْهَرِهِ، وَإِنْ أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِهِ مُشَاعًا، أَوْ مِثْلَهُ وَزْنًا مِمَّا يُقَابِلُ جَوْدَتَهُ زِيَادَةُ الصَّنْعَةِ جَازَ، وَإِنْ خَبَرَ زِيَادَةَ الصَّنْعَةِ بِزِيَادَةٍ فِي الْمُخْرَجِ، فَكَمُكَسَّرَةٌ عَنْ صِحَاحٍ، فَإِنْ أَرَادَ كَسْرَهُ مُنِعَ لِبَعْضِ قِيمَةٍ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إِنْ أَخْرَجَ مِنْ غَيْرِهِ بِقَدْرِهِ جَازَ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَبِرِ الْقِيمَةَ لَمْ يُمْنَعْ مِنَ الْكَسْرِ، وَلَمْ يُخْرِجْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، لَكِنْ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْقِيمَةَ فِي الْإِخْرَاجِ إِنِ اعْتُبِرَتْ فِي النِّصَابِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَبِرْ فِي النِّصَابِ لَمْ يَعْتَبِرْ فِي الْإِخْرَاجِ، لِمَا فِيهِ مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ، أَوْ تَكْلِيفِهِ أَجْوَدَ لِتُقَابِلَ الصَّنْعَةَ، فَإِنْ كَانَ مُعَدًّا لِلتِّجَارَةِ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قِيمَتِهِ كَالْعُرُوضِ. [مَا يُبَاحُ لِلرَّجُلِ مِنْ خَاتَمِ الْفِضَّةِ] (وَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنَ الْفِضَّةِ الْخَاتَمُ) : " «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الْمِنْطَقَةِ رِوَايَتَانِ، وَعَلَى قِيَاسِهَا الْجَوْشَنُ وَالْخُوذَةُ وَالْخُفُّ وَالرَّانُّ وَالْحَمَائِلُ، وَمِنَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ أَحْمَدُ: فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرَّجُلِ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَهُ خَاتَمٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا فَضْلَ فِيهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِقَصْدِ الزِّينَةِ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْأَفْضَلُ جَعْلُ فَصِّهِ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ، وَلَهُ جَعْلُ فَصِّهِ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَالْمَنْقُولُ أَنَّهُ يَجْعَلُهُ فِي يَسَارِهِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتُ، وَضُعِّفَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ التَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ، وَقِيلَ: الْيَمِينُ أَفْضَلُ، لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالْإِكْرَامِ، وَيُكَرَهُ فِي السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى لِلنَّهْيِ عَنْهُ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَالْإِبْهَامُ مِثْلُهُمَا، فَالْبِنْصِرُ مِثْلُهُ وَلَا فَرْقَ. فَائِدَةٌ: يُسَنُّ أَنْ يَكُونَ دُونَ مِثْقَالٍ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْمُؤَلِّفِ: لَا بَأْسَ بِأَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ لِضَعْفِ خَبَرٍ بُرَيْدَةَ، وَالْمُرَادُ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الْعَادَةِ، وَإِلَّا حَرُمَ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا ذِكْرُ اللَّهِ أَوْ غَيْرُهُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " أَوْ رَسُولُهُ، وَفِي " الْفُرُوعِ " يَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ لَا يُكْرَهُ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِلنَّصِّ الصَّرِيحِ. 1 - فَرْعٌ: لَوِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ عِدَّةَ خَوَاتِيمَ، لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ فِيمَا خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ، إِلَّا أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ لِوَلَدِهِ أَوْ عَبْدِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: لَا زَكَاةَ (وَقَبِيعَةُ السَّيْفُ) لِقَوْلِ أَنَسٍ: «كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِضَّةً» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالْقَبِيعَةُ: مَا يُجْعَلُ عَلَى طَرَفِ الْقَبْضَةِ، وَعِبَارَةُ الْخِرَقِيِّ أَعَمُّ؛ وَهِيَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " شَرْحِهِ " قَالَ هِشَامٌ: كَانَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ مُحَلًّى بِالْفِضَّةِ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَلِأَنَّهَا حِلْيَةٌ مُعْتَادَةٌ لِلرَّجُلِ، أَشْبَهَتِ الْخَاتَمَ (وَفِي حِلْيَةِ الْمِنْطَقَةِ) وَهِيَ مَا شَدَدْتَ بِهِ وَسَطَكَ. قَالَهُ الْخَلِيلُ، وَتُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ: الْحِيَاصَةَ (رِوَايَتَانِ) أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يُبَاحُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّخَذُوا الْمَنَاطِقَ مُحَلَّاةً
الذَّهَبِ قَبِيعَةُ السَّيْفِ، وَمَا دَعَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ كَالْأَنْفِ وَمَا رَبَطَ بِهِ أَسْنَانَهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالْفِضَّةِ؛ وَهِيَ كَالْخَاتَمِ، وَالثَّانِيَةُ: لا لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ؛ وَلِأَنَّهَا تُشْعِرُ بِالتَّخَنُّثِ وَالِانْحِلَالِ، أَشْبَهَ الطَّوْقَ وَالدُّمْلُجَ (وَعَلَى قِيَاسِهَا) حِلْيَةُ (الْجَوْشَنِ) ، وَهُوَ الدِّرْعُ (وَالْخُوذَةُ) وَهِيَ الْبَيْضَةُ (وَالْخُفُّ وَالرَّانُ) وَهُوَ شَيْءٌ يُلْبَسُ تَحْتَ الْخُفِّ مَعْرُوفٌ (وَالْحَمَائِلُ) وَاحِدَتُهَا حِمَالَةٌ، قَالَهُ الْخَلِيلُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يُسَاوِي الْمِنْطَقَةَ مَعْنًى، فَوَجَبَ أَنْ يُسَاوِيَهَا حُكْمًا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَعَلَّلَهُ الْمَجْدُ بِأَنَّهُ يَسِيرُ فِضَّةٍ فِي لِبَاسِهِ، وَجَزَمَ فِي " الْكَافِي " بِإِبَاحَةِ الْكُلِّ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي الْحَمَائِلِ بِالتَّحْرِيمِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْخِلَافَ - أَيْضًا - فِي الْمِغْفَرِ وَالنَّعْلِ وَرَأْسِ الرُّمْحِ وَشُعَيْرَةِ السِّكِّينِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَتِرْكَاشُ النُّشَّابِ، وَالْكَلَالِيبُ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ تَابِعٌ، وَلَا يُبَاحُ غَيْرُ ذَلِكَ كَتَحْلِيَةِ الْمَرَاكِبِ، وَلِبَاسِ الْخَيْلِ كَاللُّجُمِ، وَعُلْبَةِ الدَّوَاةِ، وَالْمِقْلَمَةِ، وَالْمِرْآةِ، وَالْكِمْرَانِ، وَالْمُشْطِ، وَالْمُكْحُلَةِ، وَالْمِيلِ، وَالْقِنْدِيلِ (وَ) يُبَاحُ لِلرَّجُلِ (مِنَ الذَّهَبِ قَبِيعَةُ السَّيْفِ) لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ لَهُ سَيْفٌ وَسَبَائِكُ مِنْ ذَهَبٍ، وَعُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ كَانَ فِي سَيْفِهِ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ، ذَكَرَهُمَا أَحْمَدُ، وَقَيَّدَهَا بِالْيَسِيرِ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ قَبِيعَةَ سَيْفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ وَزْنُهَا ثَمَانِيَةَ مَثَاقِيلَ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ ذَهَبًا وَفِضَّةً، وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ كَذَلِكَ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: يَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْقُطَ، يَجْعَلُ فِيهِ مِسْمَارًا مَنْ ذَهَبٍ؛ قَالَ: إِنَّمَا رُخِّصَ فِي الْأَسْنَانِ (وَمَا دَعَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ كَالْأَنْفِ) وَإِنْ أَمْكَنَ اتِّخَاذُهُ مِنْ فِضَّةٍ؛: «لِأَنَّ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ فِضَّةٍ، فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ،
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُبَاحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ، وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ؛ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ بَلَغَ أَلْفَ مِثْقَالٍ حَرُمَ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْحِكْمَةُ فِي الذَّهَبِ لَا يَصْدَأُ، بِخِلَافِ الْفِضَّةِ (وَمَا رَبَطَ بِهِ أَسْنَانَهُ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، وَأَبِي حَمْزَةَ الضُّبَعِيِّ، وَأَبِي رَافِعٍ، وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَإِسْمَاعِيلِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمْ شَدُّوا أَسْنَانَهُمْ بِالذَّهَبِ؛ وَهِيَ ضَرُورَةٌ، فَأُبِيحَ كَالْقَبِيعَةِ بَلْ أَوْلَى، وَيَتَوَجَّهُ جَوَازُهُ فِي الْأُنْمُلَةِ كَالسِّنِّ. وَظَاهِرُهُ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ يَسِيرُ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا كَالْأُصْبُعِ وَالْخَاتَمِ إِجْمَاعًا، وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَتَهُ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ إِبَاحَتَهُ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُبَاحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ) مُطْلَقًا، لِقَوْلِهِ: نُهِيَ عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا، وَقِيلَ: يُبَاحُ فِي سِلَاحٍ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقِيلَ: كُلُّ مَا أُبِيحَ تَحْلِيَتُهُ بِفِضَّةٍ أُبِيحَ بِذَهَبٍ، وَكَذَا تَحْلِيَةُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ بِهِ، وَالصَّحِيحُ التَّحْرِيمُ كَالْكَثِيرِ لِلْعُمُومِ، وَلِمَا رَوَى أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ؛ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَصْلُحُ مِنَ الذَّهَبِ شَيْءٌ، وَلَا خَرْبَصِيصَةَ» انْتَهَى؛ وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الْحُلِيِّ بِقِدْرِ عَيْنِ الْجَرَادَةِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ سَرَفًا (وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ) كَالطَّوْقِ مِنَ الْحِلَقِ، وَالْخَلْخَالِ، وَالسُّوَارِ، وَالْقُرْطِ فِي الْأُذُنِ، وَظَاهِرُهُ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ. قَالَ الْأَصْحَابُ: وَمَا فِي الْمَخَانِقِ، وَالْمَقَالِدِ مِنْ حَرَائِرَ وَتَعَاوِيذَ. قَالَ جَمَاعَةٌ: وَالتَّاجُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى التَّجَمُّلِ وَالتَّزَيُّنِ لِزَوْجِهَا، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِلُبْسِهِ كَالثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ بِالذَّهَبِ، وَالنِّعَالِ الذَّهَبِ، لَا يُبَاحُ لَهُنَّ لِانْتِفَاءِ التَّجَمُّلِ، فَلَوِ اتَّخَذَتْهُ حَرُمَ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ (قَلَّ أَوْ كَثُرَ) ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَبَاحَ لَهُنَّ التَّحَلِّي مُطْلَقًا، فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ بَلَغَ أَلْفَ مِثْقَالٍ حَرُمَ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ) لِمَا رَوَى أَبُو عَبِيدٍ عَنْ جَابِرٍ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ أَيْضًا؛ وَلِأَنَّهُ سَرَفٌ وَخُيَلَاءُ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ في الاستعمال.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": إِنْ بَلَغَ أَلْفًا فَهُوَ كَثِيرٌ، فَيَحْرُمُ لِلسَّرَفِ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ عَنِ الذَّهَبِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَأَبَاحَ الْقَاضِي أَلْفَ مِثْقَالٍ فَمَا دُونَ، وَيُعْتَبَرُ مَجْمُوعُهُ لَا مُفْرَدَاتُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُبَاحُ الْمُعْتَادُ، فَإِنْ بَلَغَ الْخَلْخَالُ وَنَحْوُهُ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ، وَتَحَقَّقَ السَّرَفُ، فَلَمْ يُبَحْ، وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ لَيْسَ بِصَرِيحٍ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى التَّوَقُّفِ. وَنَقَلَ الْجَوْزَجَانِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ، وَإِنْ بَلَغَ أَلْفَ مِثْقَالٍ، لِأَنَّهُ يُعَارُ وَيُلْبَسُ. 1 - فَرْعٌ: يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ التَّحْلِيَةُ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ مُعَرَّاةٍ، وَفِي مُرْسَلَةٍ فِي وَجْهٍ، وَعَلَيْهَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ. مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ التَّحَلِّي بِالْجَوْهَرِ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِلِاسْتِعْمَالِ كَثِيَابِ الْبِذْلَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِتِجَارَةٍ، فَيَقُومُ جَمِيعُهُ تَبَعًا، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: يُكَرَهُ لِلرَّجُلِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ مُرَادَهُ غَيْرُ تَخَتُّمِهِ بِذَلِكَ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَأَمَّا تَشَبُّهُ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ، وَعَكْسُهُ، فَيَحْرُمُ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِلَعْنِ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِالْكَرَاهَةِ مَعَ جَزْمِهِمْ بِتَحْرِيمِ اتِّخَاذِ أَحَدِهِمَا حُلِيَّ الْآخَرِ لِيَلْبِسَهُ، وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى إِبَاحَةِ تَحَلِّي النِّسَاءِ بِالْجَوَاهِرِ وَالْيَاقُوتِ، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ لِلرِّجَالِ إِلَّا فِي الْخَاتَمِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّخَتُّمَ لَهُمْ بِجَمِيعِ الْأَحْجَارِ مُبَاحٌ، وَيُسْتَحَبُّ بِالْعَقِيقِ؛ لِقَوْلِهِ: «تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ» وَضَعَّفَهُ الْعُقَيْلِيُّ، وَفِي دَعْوَى ابْنِ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ مِنَ
[باب زكاة العروض]
بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا، وَيُؤْخَذُ مِنْهَا لَا ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَوْضُوعَاتِ نَظَرٌ، وَيُكْرَهُ لَهُمَا خَاتَمُ حَدِيدٍ، وَصُفْرٍ، وَنُحَاسٍ، وَرَصَاصٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، نُقِلَ مهَنا: أَكْرَهُ خَاتَمَ الْحَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ. [بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ] [تَعْرِيفُ الْعُرُوضِ] بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ هِيَ جَمْعُ عَرْضٍ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ؛ وَهُوَ مَا عَدَا الْأَثْمَانِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالنَّبَاتِ، وَبِفَتْحِهَا فَهُوَ كَثْرَةُ الْمَالِ، وَالْمَتَاعِ، وَسُمِّيَ عَرْضًا؛ لِأَنَّهُ يَعْرِضُ ثُمَّ يَزُولُ وَيَفْنَى، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُعْرَضُ لِيُبَاعَ وَيُشْتَرَى تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ، كَتَسْمِيَةِ الْمَعْلُومِ عِلْمًا، وَفِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ: هُوَ الَّذِي لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " تَبَعًا لِلْخَرْقِيِّ بِزَكَاةِ التِّجَارَةِ؛ وَهِيَ أَشْمَلُ لِدُخُولِ الْإِيجَارِ فِي النَّقْدَيْنِ، وَعَدَلَ الْمُؤَلِّفُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَرْجَمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ وَالْعُرُوضِ (تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} [المعارج: 24] ، وَ {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] وَمَالُ التِّجَارَةِ أَعَمُّ الْأَمْوَالِ، فَكَانَتْ أَوْلَى بِالدُّخُولِ، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِمَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: جَعْفَرٌ وَحَبِيبٌ مَجْهُولَانِ، وَقَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: إِسْنَادُهُ مُقَارِبٌ، وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: «وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَصَحَّحَ إِسْنَادَهُمَا، وَقَالَ: إِنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ: قَوِّمْهَا ثُمَّ أَدِّ زَكَاتَهَا. وَقَالَ الْمَجْدُ: هُوَ إِجْمَاعٌ مُتَقَدِّمٌ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ
مِنَ الْعُرُوضِ، وَلَا تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ إِلَّا أَنْ يَمْلِكَهَا بِفِعْلِهِ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ بِهَا، فَإِنْ مَلَكَهَا بِإِرْثٍ، أَوْ مَلَكَهَا بِفِعْلِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، ثُمَّ نَوَى التِّجَارَةَ لَمْ تَصِرْ لِلتِّجَارَةِ، وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا زَكَاةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ، قَالَ: وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا، وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ قَوْلًا فِي الْقَدِيمِ: لَا يَجِبُ، وَحَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ مَالِكٍ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ» ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ، وَادَّعَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ نَامٍ، فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالسَّائِمَةِ، وَخَبَرُهُمُ الْمُرَادُ بِهِ زَكَاةُ الْعَيْنِ لَا الْقِيمَةِ، عَلَى أَنَّ خَبَرَنَا خَاصٌّ؛ وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى خَبَرِهِمُ الْعَامِّ (إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا) وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ نَامٍ، فَاعْتُبِرَ لَهُ مَا ذَكَرْنَا، كَالْمَاشِيَةِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ نَقَصَتْ قِيمَةُ النِّصَابِ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ ثُمَّ زَادَتِ الْقِيمَةُ فَبَلَغَتْهُ ابْتُدِئَ حِينَئِذٍ، كَسَائِرِ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ (وَيُؤْخَذُ مِنْهَا) أَيْ: مِنَ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْوُجُوبِ كَالدَّيْنِ، رُبْعُ الْعُشْرِ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ لِتَعَلُّقِهَا بِالْقِيمَةِ (لَا مِنَ الْعُرُوضِ) إِلَّا أَنْ يَقُولَ بِإِخْرَاجِ الْقِيمَةِ، فَيَجُوزُ بِقَدْرِهَا وَقْتَ الْإِخْرَاجِ، وَتَتَكَرَّرُ الزَّكَاةُ لِكُلِّ حَوْلٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا تَصِيرُ) الْعُرُوضُ (لِلتِّجَارَةِ إِلَّا) بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا (أَنْ يَمْلِكَهُ بِفِعْلِهِ) سَوَاءٌ كَانَ بِعِوَضٍ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ أَوْ لَا، كَالْهِبَةِ وَالْغَنِيمَةِ، هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ، وَأَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْمُعَاوَضَةُ؛ لِظَاهِرِ خَبَرِ سَمُرَةَ، وَلِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِفِعْلِهِ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُجَرَّدِ " أَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْمُعَاوَضَةَ مَحْضَةً كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ أَوْ لَا، كَنِكَاحٍ، وَخُلْعٍ، وَصُلْحٍ عَنْ دَمٍ عُمَدٍ. قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ نَصُّهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ وَالْهِبَةَ لَيْسَتَا مِنْ جِهَاتِ التِّجَارَةِ كَالْمَوْرُوثِ، وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ كَوْنُ الْعِوَضِ نَقْدًا، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، لِاعْتِبَارِ النِّصَابِ بِهِمَا، فَيُعْتَبَرُ أَصْلُ وُجُودِهِمَا. الثَّانِي: وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ بِهَا) عِنْدَ التَّمَلُّكِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ، وَالتِّجَارَةَ عَمَلُهُ، فَوَجَبَ اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِهِ كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ؛ وَلِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ فِي الْأَصْلِ لِلِاسْتِعْمَالِ، فَلَا يَضُرُّ لِلتِّجَارَةِ إِلَّا بِنِيَّتِهَا، كَعَكْسِهِ، وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ فِي كُلِّ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ أَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ فِي جَمِيعِهِ، فَوَجَبَ كَالنِّصَابِ (فَإِنْ مَلَكَهَا بِإِرْثٍ) وَلَوْ نَوَاهَا (وَمَلَكَهَا بِفِعْلِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، ثُمَّ نَوَى التِّجَارَةَ لَمْ
[تقوم العروض عند تمام الحول بما هو أحظ للمساكين]
كَانَ عِنْدَهُ عَرَضٌ لِلتِّجَارَةِ فَنَوَاهُ لِلْقِنْيَةِ ثُمَّ نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ، وَعَنْهُ: إنَّ الْعُرُوضَ تصِيرُ لِلتِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ. وَتُقَوَّمُ الْعُرُوضُ عِنْدَ الْحَوْلِ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرَقٍ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اشْتُرِيَتْ بِهِ، وَإِنِ اشْتَرَى عَرَضًا ـــــــــــــــــــــــــــــQتَصِرْ لِلتِّجَارَةِ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ مِنْ أَصْلِهِ لَا يَصِيرُ مَحَلًّا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَالْمَعْلُوفَةِ إِذَا نَوَى فِيهَا إِسَامَتَهَا؛ وَلِأَنَّ مُجَرَّدَ النِّيَّةِ لَا يَنْقُلُ عَنِ الْأَصْلِ؛ إِذِ الْأَصْلُ فِيهَا النِّيَّةُ (وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عَرَضٌ لِلتِّجَارَةِ فَنَوَاهُ لِلْقِنْيَةِ، ثُمَّ نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ، لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ) هَذَا ظَاهِرُ " الْمَذْهَبِ "، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقِنْيَةَ هِيَ الْأَصْلُ، فَيَكْفِي فِي الرَّدِّ إِلَيْهِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، كَمَا لَوْ نَوَى بِالْحُلِيِّ التِّجَارَةَ، وَالْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ؛ وَلِأَنَّ نِيَّةَ التِّجَارَةِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ فِيهَا، وَإِذَا نَوَى الْقِنْيَةَ زَالَتْ نِيَّةُ التِّجَارَةِ، فَفَاتَ شَرْطُ الْوُجُوبِ، بِخِلَافِ السَّائِمَةِ إِذَا نَوَى عَلَفَهَا، فَإِنَّ الشَّرْطَ الْإِسَامَةُ دُونَ نِيَّتِهَا (وَعَنْهُ: إِنَّ الْعُرُوضَ تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ) نَقَلَهَا صَالِحٌ وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " التَّبْصِرَةِ " " وَالرَّوْضَةِ " لِعُمُومِ حَدِيثِ سَمُرَةَ؛ وَلِأَنَّ نِيَّةَ الْقِنْيَةَ كَافِيَةٌ بِمَجْرَدِهَا، فَكَذَا شِبْهُ التِّجَارَةِ، بَلْ أَوْلَى؛ إِذْ الْإِيجَابُ يَغْلِبُ عَلَى الْإِسْقَاطِ احْتِيَاطًا، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تُبَاعَ، وَيُسْتَقْبَلَ بِثَمَنِهَا حَوْلًا. فَرْعٌ: إِذَا كَانَ عِنْدَهُ مَاشِيَةٌ لِلتِّجَارَةِ نِصْفَ حَوْلٍ، فَنَوَى بِهَا الْإِسَامَةَ، وَقَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ، انْقَطَعَ حَوْلُهَا، وَاسْتَأْنَفَ حَوْلَ السَّائِمَةِ؛ لِأَنَّ حَوْلَ التِّجَارَةِ انْقَطَعَ بِنِيَّةِ الِاقْتِنَاءِ، وَحَوْلَ السَّائِمَةِ لَا يَنْبَنِي عَلَى حَوْلِ التِّجَارَةِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْأَشْبَهُ بِالدَّلِيلِ أَنَّهَا مَتَى كَانَتْ سَائِمَةً فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِيهَا عِنْدَ تَمَامِهِ، وَرُوِيَ عَنْ إِسْحَاقَ. [تُقَوَّمُ الْعُرُوضُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ] (وَتُقَوَّمُ الْعُرُوضُ عِنْدَ) تَمَامِ (الْحَوْلِ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرَقٍ) لِأَنَّ تَقْوِيمَهُ لِحَظِّ الْفُقَرَاءِ، فَيُقَوَّمُ بِالْأَحَظِّ لَهُمْ، كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ بِعَرَضِ قِنْيَةٍ، وَفِي الْبَلَدِ نَقْدٌ، إِنْ تَسَاوَيَا فِي الْغَلَّةِ يَبْلُغُ بِأَحَدِهِمَا نِصَابًا، بِخِلَافِ الْمُتْلَفَاتِ، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ: يُقَوَّمُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ تَعَدَّدَ فَبِالْأَحَظِّ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِنَقْدٍ قُوِّمَ بِجِنْسِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَجَبَتِ الزَّكَاةُ بِحَوْلِهِ، فَوَجَبَ جِنْسُهُ كَالْمَاشِيَةِ؛ وَلِأَنَّ أَصْلَهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا يُقَوَّمُ نَقْدٌ بِآخَرَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: إِذَا تَسَاوَتْ قِيمَةُ الْعُرُوضِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا
[إن ملك نصابا من السائمة للتجارة]
بِنِصَابٍ مِنَ الْأَثْمَانِ، أَوْ مِنَ الْعُرُوضِ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ، وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِنِصَابٍ مِنَ السَّائِمَةِ لَمْ يَبْنِ عَلَى حَوْلِهِ. وَإِنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنَ السَّائِمَةِ لِلتِّجَارَةِ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ دُونَ السَّوْمِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قِيمَتُهَا نِصَابَ التِّجَارَةِ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ السَّوْمِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQخَيْرٌ؛ لِقِيَامِ كُلٍّ مِنْهَا مَقَامَ الْآخَرِ فِي حُصُولِ الْغَرَضِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ: يُقَوَّمُ بِالْأَنْفَعِ لِلْفُقَرَاءِ كَأَصْلِ الْوُجُوبِ (وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اشْتُرِيَتْ بِهِ) مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرَقٍ قَدْرًا وَلَا جِنْسًا، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ؛ لِأَنَّ فِي تَقْوِيمِهَا بِمَا اشْتُرِيَتْ بِهِ إِبْطَالًا لِلتَّقْوِيمِ بِالْأَنْفَعِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا بَلَغَتْ قيمتها نصابا بِالدَّرَاهِمِ قُوِّمَتْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا بِالذَّهَبِ، وَكَذَا عَكْسُهُ. فَرْعٌ: تُقَوَّمُ الْمُغَنِّيَةُ سَاذَجَةً، وَالْخَصِيُّ بِصِفَتِهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِقِيَمةِ آنِيَةِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَيُضَمُّ بَعْضُ الْعُرُوضِ إِلَى بَعْضٍ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَةً وَمُشْتَرًى، (وَإِنِ اشْتَرَى) أَوْ بَاعَ (عَرَضًا) لِلتِّجَارَةِ (بِنِصَابٍ مِنَ الْأَثْمَانِ، أَوْ مِنَ الْعُرُوضِ، بَنَى عَلَى حَوْلِهِ) أَيْ: حَوْلِ الْأَوَّلِ وِفَاقًا؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِالْقِيمَةِ وَهِيَ الْأَثْمَانُ، وَالْأَثْمَانُ يبني حَوْلُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، فَلَوْ قَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ فِي الْعُرُوضِ بَنَى حَوْلَ النَّقْدِ عَلَى حَوْلِهَا؛ لِأَنَّ وَضْعَ التِّجَارَةِ لِلتَّقَلُّبِ وَالِاسْتِبْدَالِ بِثَمَنٍ وَعَرَضٍ، فَلَوْ لَمْ يَبْنِ، بَطَلَتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ النَّقْدُ نِصَابًا فَحَوْلُهُ مُنْذُ كَمُلَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا مِنْ شِرَائِهِ (وَإِنِ اشْتَرَاهُ) أَوْ بَاعَهُ (بِنِصَابٍ مِنَ السَّائِمَةِ لَمْ يَبْنِ عَلَى حَوْلِهِ) لِاخْتِلَافِهِمَا فِي النِّصَابِ وَالْوَاجِبِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِي نِصَابَ سَائِمَةٍ لِلتِّجَارَةِ بِمِثْلِهِ لِلْقِنْيَةِ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ السَّوْمَ سَبَبٌ لِلزَّكَاةِ، قُدِّمَ عَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ لِقُوَّتِهِ، فَبِزَوَالِ الْعَارِضِ ثَبَتَ حُكْمُ السَّوْمِ لِظُهُورِهِ [إِنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنَ السَّائِمَةِ لِلتِّجَارَةِ] (وَإِنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنَ السَّائِمَةِ لِلتِّجَارَةِ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ) ؛ لِأَنَّ وَضْعَهَا عَلَى التَّقَلُّبِ، فَهِيَ تُزِيلُ سَبَبَ زَكَاةِ السَّوْمِ، وَهُوَ الِاقْتِنَاءُ لِطَلَبِ النَّمَاءِ مَعَهُ، وَاقْتَصَرَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْأَحَظِّ، فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ (دُونَ) زَكَاةِ (السَّوْمِ) ، وَقِيلَ: يَجِبُ زَكَاةُ السَّوْمِ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى لِلْإِجْمَاعِ وَتَعَلُّقُهَا بِالْعَيْنِ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الْأَحَظُّ مِنْهُمَا لِلْفُقَرَاءِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، فَفِي أَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسِينَ
وَإِذَا اشْتَرَى أَرْضًا وَنَخْلًا لِلتِّجَارَةِ، فَأَثْمَرَتِ النَّخْلُ، وَزُرِعَتِ الْأَرْضُ، فَعَلَيْهِ فِيهِمَا الْعُشْرُ، وَيُزَكِّي الْأَصْلَ لِلتِّجَارَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُزَكِّي الْجَمِيعَ زَكَاةَ الْقَيِّمَةِ، وَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQحِقَّةٌ أَوْ جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ أَوْ إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ، أَوْ مِائَةٍ مِنَ الْغَنَمِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ أَحَظُّ لِزِيَادَتِهَا بِزِيَادَةِ الْقِيمَةِ مِنْ غَيْرِ وَقْصٍ، وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ أَوْ بِنْتُ لَبُونٍ زَكَاةُ السَّوْمِ، وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ دُونَ الْجَذَعَةِ، أَوْ خَمْسِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ، أَوْ بِنْتُ لَبُونٍ، أَوْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ حِقَّةٌ، أَوْ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ يَجِبُ الْأَحَظُّ مِنْ زَكَاةِ التِّجَارَةِ أَوِ السَّوْمِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " يُزَكِّي النِّصَابَ لِلْعَيْنِ، وَالْوَقْصَ لِلْقِيمَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ اتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا أَو لا فِي وَجْهٍ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ السَّابِقُ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، لِأَنَّهُ وَجَدَ سَبَبَ زَكَاتِهِ بِلَا مُعَارِضٍ (وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قِيمَتُهَا نِصَابَ التِّجَارَةِ) كَمَنْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً، قِيمَتُهَا دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ (فَعَلَيْهِ زَكَاةُ السَّوْمِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِوُجُودِ سَبَبِ الزَّكَاةِ فِيهِ بِلَا مُعَارِضٍ، وَقِيلَ: يُغَلَّبُ مَا يَغْلِبُ إِذَا اجْتَمَعَ النِّصَابَانِ، وَلَوْ سَقَطَتْ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ إِنْ نَقَصَ نِصَابُ السَّوْمِ، كَمَنْ مَلَكَ أَرْبَعًا مِنْ الْإِبِلِ قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَجَبَتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ، فَأَمَّا إِنْ سَبَقَ جَرْيُ السَّوْمِ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ دُونَ نِصَابٍ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ فَلَا زَكَاةَ حَتَّى يَتِمَّ الْحَوْلُ مِنْ بُلُوغِ النِّصَابِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، قَالَ الْقَاضِي: يَتَأَخَّرُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ حَتَّى يَتِمَّ حَوْلُ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: تَجِبُ زَكَاةُ السَّوْمِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهَا لِوُجُودِ مُقْتَضِيهَا، إِذْ لَا يُمْكِنُ إِيجَابُ زَكَاتَيْنِ بِكَمَالِهِمَا، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى إِيجَابٍ زكاتين فِي حَوْلٍ وَاحِدٍ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَجُزْ، بِخِلَافِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ، وَالْفِطْرِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ (وَإِذَا اشْتَرَى أَرْضًا أَوْ نَخْلًا لِلتِّجَارَةِ، فَأَثْمَرَتِ النَّخْلُ، وَزُرِعَتِ الْأَرْضُ، فَعَلَيْهِ فِيهِمَا الْعُشْرُ) أَيْ: فِي الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ بِشَرْطِهِ (وَيُزَكِّي الْأَصْلَ) أَيِ: الْأَرْضَ وَالنَّخْلَ (لِلتِّجَارَةِ) جَزَمَ بِهِ في " الْوَجِيزُ " لِأَنَّهُمَا عَيْنَانِ تَجِبُ فِي أَحَدِهِمَا زَكَاةُ الْعَيْنِ؛ وَهُوَ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ؛ إِذِ الْعُشْرُ أَحَظُّ مِنْ رُبْعِهِ، وَفِي الْأُخْرَى زَكَاةُ الْقِيمَةِ حَالَ الِانْفِرَادِ، فَكَذَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَحِينَئِذٍ فَمُرَادُهُ إِذَا اتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَقَالَ الْقَاضِي) وَأَصْحَابُهُ (يُزَكِّي الْجَمِيعَ زَكَاةَ الْقِيمَةِ) إِذَا تَمَّ الْحَوْلُ، نَصَّ عَلَيْهِ،
[إذا أذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في إخراج زكاة]
عُشْرَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَسْبِقَ وُجُوبُ الْعُشْرِ حَوْلَ التِّجَارَةِ فَيُخْرِجُهُ. وَإِذَا أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إِخْرَاجِ زَكَاتِهِ، فَأَخْرَجَاهَا مَعًا ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ ضَمِنَ الثَّانِي نَصِيبَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ، فَوَجَبَتْ زَكَاتُهَا كَالسَّائِمَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّمَرَ وَالزَّرْعَ جُزْءُ الْخَارِجِ مِنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَقُومَ مَعَ الْأَصْلِ، كَالسِّخَالِ، وَالرِّبْحُ الْمُتَجَدِّدُ إِذَا كَانَتِ الْأُصُولُ لِلتِّجَارَةِ (وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَاجْتَمَعَ فِي مَالٍ وَاحِدٍ زَكَاتَانِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ بِالْمَالِكِ؛ وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا (إِلَّا أَنْ يَسْبِقَ وُجُوبُ الْعُشْرِ حَوْلَ التِّجَارَةِ فَيُخْرِجُهُ) أَيْ: فَيُخْرِجُ الْعُشْرَ لِوُجُودِ سَبَبِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ؛ وَهُوَ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ لِلْمُؤَلِّفِ أَنْ يُقَدِّمَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَحُلَّ الْخِلَافَ فِيهَا، ثُمَّ يَذْكُرَ الْمُسْتَثْنَى؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ أَوْجَبَ مِنَ الْجَمِيعِ زَكَاةَ الْقِيمَةِ لَمْ يُوجِبِ الْعُشْرَ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ سَبْقَ أَحَدِهِمَا، وَاعْتِرَاضُ ابْنُ الْمُنَجَّا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَدَّمَ غَيْرَ الْمَذْهَبِ اعْتِبَارًا بِمَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " مِنْ إِيمَاءِ أَحْمَدَ إِلَيْهِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إِذِ التَّقْدِيمُ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنَ الدَّلِيلِ، وَيُعَضِّدُهُ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ: بِزَكَاةِ الْعُشُورِ هُنَا؛ لِكَثْرَةِ الْوَاجِبِ، لِعَدَمِ الْوَقْصِ، وَالْخُلْفُ فِي اعْتِبَارِ النِّصَابِ. تَنْبِيهٌ: يُسْتَأْنَفُ حَوْلُ التِّجَارَةِ عَلَى زَرْعٍ وَثَمَرٍ مِنْ حَصَادٍ وَجِذَاذٍ؛ لِأَنَّ بِهِ يَنْتَهِي وُجُوبُ الْعُشْرِ الَّذِي لَوْلَاهُ لَجَرَيَا فِي حَوْلِ التِّجَارَةِ، وَقِيلَ: لَا يَسْتَأْنِفُهُ إِلَّا بِثَمَنِهَا إِنْ بِيعَا كَمَالِ الْقِنْيَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ وَقْتُ الْوُجُوبِ، أَوْ وَجَدَ نِصَابَ أَحَدِهِمَا فَكَمَسْأَلَةِ سَائِمَةِ التِّجَارَةِ، وَإِنْ زَرَعَ بَذْرَ تِجَارَةٍ فِي أَرْضٍ قِنْيَةٍ، فَهَلْ يُزَكَّى الزَّرْعُ زَكَاةَ عُشْرٍ، أَوْ قِيمَةٍ؛ فِيهِ خِلَافٌ، وَفِي بَذْرِ قِنْيَةِ الْعُشْرُ أَوْ فِي أَرْضِهِ لِلتِّجَارَةِ الْقِيمَةُ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَرُ وَالزَّرْعُ لَا زَكَاةَ فِيهِ ضَمَّ قِيمَةَ الثَّمَرِ وَالْآخَرَ إِلَى قِيمَةِ الْأَصْلِ مِنَ الْحَوْلِ كَرِبْحٍ وَنِتَاجٍ، وَقِيلَ: لَا. [إِذَا أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إِخْرَاجِ زَكَاةٍ] (وَإِذَا أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إِخْرَاجِ زَكَاةٍ، فَأَخْرَجَاهَا مَعًا، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ انْعَزَلَ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، بِإِخْرَاجِ الْمَالِكِ زَكَاةَ نَفْسِهِ، وَكَمَا لَوْ عَلِمَ ثُمَّ نَسِيَ، وَانْعَزَلَ حُكْمًا، الْعِلْمُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ، فَبَاعَهُ الْمُوَكَّلِ أَوْ أَعْتَقَهُ (وَإِنْ أَخْرَجَهَا أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ ضَمِنَ الثَّانِي نَصِيبَ الْأَوَّلِ، عَلِمَ
[باب زكاة الفطر]
الْأَوَّلِ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَيَتَخَرَّجْ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ. بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ نَاسِهِ، إِذَا فَضَلَ عِنْدَهُ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَوْ لَمْ يَعْلَمْ) ؛ لِأَنَّ الْعَزْلَ الْحُكْمِيَّ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْمَالِكُ (وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ) بِإِخْرَاجِ صَاحِبِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ، وَقِيلَ: لَا يُضْمَنُ، وَإِنْ قُلْنَا: يَنْعَزِلُ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ، وَكَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ، فَقَضَاهُ الْمَالِكُ، ثُمَّ الْوَكِيلُ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَالِكِ، بِخِلَافِ الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّهَا تَنْقَلِبُ تَطَوُّعًا، كَمَنْ دَفَعَ زَكَاةً يَعْتَقِدُهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ تَكُنْ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْقَابِضُ مِنْهُمَا السَّاعِي، ثُمَّ عَلِمَ الْحَالَ، فَلَا ضَمَانَ؛ لِإِمْكَانِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ مَعَ بَقَائِهَا بِيَدِ السَّاعِي. فَرْعٌ: إِذَا وَكَّلَهُ فِي إِخْرَاجِ زَكَاتِهِ فَأَخْرَجَهَا الْمُوَكِّلُ، ثُمَّ الْوَكِيلُ، فَالْخِلَافُ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ أنَّهُ أَخْرَجَهَا قَبْلَ وَكِيلِهِ، وَلَهُ الصَّدَقَةُ قَبْلَ إِخْرَاجِ زَكَاتِهِ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا اشْتَرَى مَا يَصْبُغُ بِهِ، وَيَبْقَى كَزَعْفَرَانٍ وَنِيلٍ، وَنَحْوِهِ فَهُوَ عَرَضُ تِجَارَةٍ يُقَوِّمُهُ عِنْدَ حَوْلِهِ لِاعْتِيَاضِهِ عَنْ صَبْغٍ قَائِمٍ بِالثَّوْبِ، فَفِيهِ مَعْنَى التِّجَارَةِ، وَكَذَا يَجِبُ فِيمَا يَشْتَرِيهِ دَبَّاغٌ لِيَدْبُغَ بِهِ، كَعَفْصٍ، وَمَا يَدْهُنُهُ بِهِ، كَسَمْنٍ وَمِلْحٍ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ، كَمَا يَشْتَرِيهِ قَصَّارٌ مِنْ قَلْيٍ وَصَابُّونٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا شَيْءَ فِي آلَاتِ الصَّبَّاغِ، وَأَمْتِعَةِ التِّجَارَةِ، وَقَوَارِيرِ الْعَطَّارِ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بَيْعَهَا مَعَ مَا فِيهَا، وَلَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ، وَلَا فِي قِيمَةِ مَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ مِنْ عَقَارٍ وَحَيَوَانٍ، لَكِنْ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شِرَاءِ عَقَارٍ فَارًّا مِنَ الزَّكَاةِ، فَقِيلَ: يُزَكِّي قِيمَتَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: لَا. [بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ] [حُكْمُ زَكَاةِ الْفِطْرِ] بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ قَوْلِكَ: أَفْطَرَ الصَّائِمُ إِفْطَارًا، وَأُضِيفَتْ إِلَى الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِهِ، فَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى سَبَبِهِ، وَالْفِطْرَةُ: الْخِلْقَةُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] ، وَهَذِهِ يُرَادُ بِهَا الصَّدَقَةُ عَنِ الْبَدَنِ وَالنَّفْسِ، وَبِضَمِّ الْفَاءِ كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِمَّا يَلْحَنُ فِيها الْعَامَّةُ، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، لِاسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ لَهَا (وَهِيَ وَاجِبَةٌ) قَالَ إِسْحَاقُ: هُوَ كَالإِجْمَاعٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنَّهَا زَكَاةُ الْفِطْرِ. وَرُدَّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا تُطَهِّرُ مِنَ الشِّرْكِ، وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وَلَمْ يَكُنْ بِهَا زَكَاةٌ وَلَا عِيدٌ، وَالْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ، وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَدَعْوَى أَنَّ فَرَضَ بِمَعْنَى: قَدَّرَ، مَرْدُودٌ بِأَنَّ كَلَامَ الرَّاوِي لَا يُحْمَلُ إِلَّا عَلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ، بِدَلِيلِ الْأَمْرِ بِهَا فِي " الصَّحِيحِ " - أَيْضًا - مِنْ حَدِيثِهِ، وَيُسَمَّى فَرْضًا عَلَى الْأَصَحِّ لِقَوْلِ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ: لَا، وَفِيهِ رِوَايَةُ الْمَضْمَضَةِ. وَذَهَبَ الْأَصَمُّ وَابْنُ عُلَيَّةَ وَجَمَاعَةٌ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الزَّكَاةُ فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا، وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ» إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ اسْتِصْحَابُ الْأَمْرِ السَّابِقِ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ وَالْمُعَارِضِ، وَقَدْ فَرَضَهَا الشَّارِعُ وَأَمَرَ بِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ فَرْضَهَا مَعَ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) وَهُوَ شَامِلٌ لِلْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ كُلٍّ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى نَكِرَةٍ، فَيَقْتضِي عُمُومَ الْأَفْرَادِ، فَعَلَى هَذَا تَجِبُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ الْكَافِرُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، وَلَا تَصِحُّ مِنْهُ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا هَلَّ شَوَّالٌ عَلَى عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ، فَالْأَظْهَرُ
عِيَالِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ صَاعٌ وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا، وَإِنْ فَضَلَ بَعْضُ صَاعٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَيَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ يُمَوِّنُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَجُوبُهَا عَلَى الْكَافِرِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ مُخَاطَبٍ بِالصَّوْمِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ: تَجِبُ عَلَى مُرْتَدٍّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَهْلِ الْبَوَادِي وَغَيْرِهِمْ (يَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ نَفْسِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَدُّوا الْفِطْرَةَ عَمَّنْ تَمُونُونَ» وَهُوَ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَى مَنْ لَا يَمُونُ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ خَاطَبَ بِالْوُجُوبِ غَيْرَهُ، وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ لَخَاطَبَهُ بِهِ كَسَائِرِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ (إِذَا فَضَلَ عِنْدَهُ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ صَاعٌ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَهَمُّ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا مِلْكُ نِصَابٍ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ (وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا) فَيَجِبُ عَلَيْهِ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ النَّصِّ؛ وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، فَلَزِمَهُ فِطْرَتُهُ كَالْحُرِّ، لَا عَلَى سَيِّدِهِ (وَإِنْ فَضَلَ بَعْضَ صَاعٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهُ) عَنْ نَفْسِهِ؛ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَكَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ ". وَقَالَ: التَّرْجِيحُ مُخْتَلِفٌ، إِحْدَاهُمَا: يَجِبُ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلِأَنَّهَا طُهْرَةٌ، فَهِيَ كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ، اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَ " الْوَجِيزِ " كَالْكَفَّارَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَهَا بَدَلٌ، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ ذَلِكَ كُلِّهِ بَعْدَمَا يَحْتَاجُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ سَكَنٍ وَعَبْدٍ وَدَابَّةٍ وَثِيَابٍ بِذْلَةٍ.
[يلزمه فطرة من يمونه من المسلمين]
مَا يُؤَدِّي عَنْ جَمِيعِهِمْ بَدَأَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ بِامْرَأَتِهِ، ثُمَّ بِرَقِيقِهِ ثُمَّ بِوَلَدِهِ، ثُمَّ بِأُمِّهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ ابْنُ حِمْدَانَ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ، وَجَزَمَ الْمُؤَلِّفُ: أَوْ لَهُ كَتُبٌ يَحْتَاجُهَا لِلنَّظَرِ وَالْحِفْظِ، أَوْ لِلْمَرْأَةِ حُلِيٌّ لِلُّبْسِ أو الكراء وَهِيَ تَحْتَاجُهُ. [يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ يُمَوِّنُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ] (وَ) حَيْثُ لَزِمَهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ (يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ يُمَوِّنُهُ) فَدَخَلَ فِيهِ الزَّوْجَاتُ، وَالْإِمَاءُ، وَالْأَقَارِبُ (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فَدَلَّ أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ يُمَوِّنُهُ مِنَ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ لِلْمُخْرَجِ عَنْهُ؛ وَهُوَ لَا يَقْبَلُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَشَمَلَ مَا إِذَا كَانَ لِزَوْجَتِهِ خَادِمٌ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ عَنْهُ إِنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَةٌ، وَكَذَا عَبْدُ عَبْدِهِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَالْأَشْهَرُ فِيهِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ بِالتَّمْلِيكِ أَدَّى عَنْهُ، وَإِنْ مَلَكَ فَلَا فِطْرَةَ لَهُ لِعَدَمِ مِلْكِ السَّيِّدِ الْأَعْلَى، وَمُقْتَضَى مِلْكِ الْعَبْدِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى، فَأَمَّا زَوْجَةُ عَبْدِهِ فَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّ فِطْرَتَهَا عَلَيْهَا إِنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَعَلَى سَيِّدِهَا إِنْ كَانَتْ أَمَةً، وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، كَالنَّفَقَةِ، وَكَمَا لَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ بِأَمَتِهِ، وَكَذَا لَوْ زَوَّجَ قَرِيبَهُ، وَلَزِمَهُ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهَا، لَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ أَجِيرٍ، وَظِئْرٍ، اسْتَأْجَرَهُمَا بِطَعَامِهِمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا مَنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَفِي الضَّيْفِ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ تَجِبُ عَلَى مَنْ يَجِبْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُؤَدِّي عَنْ جَمِيعِهِمْ بَدَأَ بِنَفْسِهِ) وَهِيَ تُبْنَى عَلَى النَّفَقَةِ، وَنَفَقَةُ نَفْسِهِ مُقَدَّمَةٌ، فَكَذَا فِطْرَتُهُ (ثُمَّ بِامْرَأَتِهِ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الْإِمَاءِ، وَقُدِّمَتْ عَلَى غَيْرِهَا لِآكَدِيَّتِهَا، وَلِأَنَّهَا مُعَارِضَةٌ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ، فَإِنْ سَلَّمَهَا لَيْلًا، فَفَطَرَتُهَا عَلَى سَيِّدِهَا لِقُوَّةِ مِلْكِ الْيَمِينِ فِي تَحَمُّلِهَا لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا كَالنَّفَقَةِ (ثُمَّ بِرَقِيقِهِ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِمْ مَعَ الْإِعْسَارِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ مَرْهُونًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِلتِّجَارَةِ أَوْ لَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيمُهُمْ عَلَى الزَّوْجَةِ لِئَلَّا تَسْقُطَ بِالْكُلِّيَّةِ (ثُمَّ بِوَلَدِهِ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقِيلَ: مَعَ صِغَرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ شِهَابٍ، وَحَمَلَ ابْنُ الْمُنَجَّا
[إخراج زكاة الفطر عن الجنين]
ثُمَّ بِأَبِيهِ، ثُمَّ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْرِجَ عَنِ الْجَنِينِ، وَلَا يَجِبُ. وَمَنْ تَكَفَّلَ بِمُؤْنَةِ شَخْصٍ من شَهْرِ رَمَضَانَ لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهَا تَلْزَمُهُ. وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شُرَكَاءَ، فَعَلَيْهِمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَلَامَ الْمُؤَلِّفِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْوَلَدُ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَقِيلَ: الصَّغِيرُ يُقَدَّمُ عَلَيْهَا وَعَلَى عَبْدِهِ (ثُمَّ بِأُمِّهِ) لِتَقْدِيمِهَا عَلَى الْأَبِ فِي الْبِرِّ (ثُمَّ بِأَبِيهِ) لِلْخَبَرِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ عَلَيْهَا، وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ، وَقِيلَ: بِتَسَاوِيهِمَا، وَقَدَّمَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " عَلَى الْوَلَدِ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَقَدَّمَهُ آخَرُونَ، وَذَكَرَهُ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ ": ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ (ثُمَّ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ فِي الْمِيرَاثِ) ؛ لِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، فَقُدِّمَ كَالْمِيرَاثِ. فَرْعٌ: إِذَا اسْتَوَى اثْنَانِ فَأَكْثَرُ، وَلَمْ يَفْضُلْ غَيْرُ صَاعٍ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، وَقِيلَ: يُوَزَّعُ، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ. [إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنِ الْجَنِينِ] (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْرِجَ عَنِ الْجَنِينِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْخَبَرِ أَنَّ الصَّاعَ مُجْزِئٌ مُطْلَقًا (وَلَا يَجِبُ) ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَوْلُ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تَعَلَّقَتْ بِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ، لَتَعَلَّقَتِ الزَّكَاةُ بِأَجِنَّةِ السَّوَائِمِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ لِفِعْلِ عُثْمَانَ. قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَحْسَبُهُ صَارَ وَلَدًا؛ وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَبِهِ، وَيَرِثُ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ. قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا إِلَّا فِي الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، بِشَرْطِ خُرُوجِهِ حَيًّا، وَأَمَّا أُمُّهُ، فَإِنْ كَانَتْ بَائِنًا فَيَلْزَمُهُ فِطْرَتُهَا إِنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ لَهَا، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَمْلِ، لَمْ يَجِبْ عَلَى الْأَصَحِّ، بِنَاءً عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْجَنِينِ. [مَنْ تَكَفَّلَ بِمُؤْنَةِ شَخْصٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ] (وَمَنْ تَكَفَّلَ) أَيْ: تَبَرَّعَ (بِمُؤْنَةِ شَخْصٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ عِنْدَ أَبِي
[إن كان العبد بين شركاء]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالْخَطَّابِ) وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَحَمَلَا كَلَامَ أَحْمَدَ على الاستحباب لِعَدَمِ الدَّلِيلِ؛ وَلِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ وُجُوبُ النَّفَقَةِ، وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ هُنَا، فَكَذَا فِطْرَتُهُ. فَعَلَى هَذَا فِطْرَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُنْهُ؛ إِذِ الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْمُؤْنَةِ، بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْآبِقِ (وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهَا تَلْزَمُهُ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عَمَّنْ تُمَوِّنُونَ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي " الشَّافِي " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِسْنَادُهُمَا ضَعِيفٌ؛ وَلِأَنَّهُ شَخْصٌ مُنْفَقٌ عَلَيْهِ، فَلَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ كَعَبْدِهِ، وَالْمُعْتَبَرُ جَمِيعُ الشَّهْرِ بِفَوْتِهِ لِنَفَقَةِ التَّبَرُّعِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: تَلْزَمُهُ إِذَا مَانَهُ آخِرَ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ، كَمَنْ مَلَكَ عَبْدًا أَوْ زَوْجَةً قَبْلَ الْغُرُوبِ، فَإِنْ مَانَهُ جَمَاعَةٌ كُلَّ الشَّهْرِ أَوْ إِنْسَانٌ بَعْضَهُ. فَقَالَ فِي " الْمُغْنِي ": فِي الْأُولَى لَا أَعْلَمُ فِيهَا لِلْأَصْحَابِ قَوْلًا، وَفِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْفُرُوعِ " فِيهِ احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا: لَا تَجِبُ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ الْمُؤْنَةُ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ، وَلَمْ تُوجَدْ، وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَجِبُ بِالْحِصَصِ، كَعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ. [إِنْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شُرَكَاءَ] (وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شُرَكَاءَ فَعَلَيْهِمْ صَاعٌ) اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ وَهُوَ " الْمَذْهَبُ "، وَآخِرُ قَوْلَيْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا أَوْجَبَ عَنِ الْوَاحِدِ صَاعًا، فَأَجْزَأَهُ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَكَالنَّفَقَةِ، وَمَاءِ طَهَارَتِهِ (وَعَنْهُ: عَلَى
[إن عجز زوج المرأة عن فطرتها]
صَاعٌ، وَعَنْهُ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ صَاعٌ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فَيَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ. وَإِنْ عَجَزَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ عَنْ فِطْرَتِهَا، فَعَلَيْهَا أَوْ عَلَى سَيِّدِهَا إِنْ كَانَت أَمَةً فِطْرَتُهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يجِبَ، وَمَنْ كَانَ لَهُ غَائِبٌ أَوْ آبِقٌ، فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ إِلَّا أَنْ يَشُكَّ فِي حَيَاتِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQكُلِّ وَاحِدٍ صَاعٌ) قَدَّمَهُ " الْخِرَقِيُّ "، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَمْعٌ؛ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَكَذَا إِذَا وَرِثَهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرَ (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فَيَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ) لِأَنَّهُ يُسَاوِي الْعَبْدَ الْمُشْتَرَكَ مَعْنًى، فَوَجَبَ أَنْ يُسَاوِيَهُ حُكْمًا، اخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ: يُلْزَمُ السَّيِّدُ بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ. تَنْبِيهٌ: لَا تَدْخُلُ الْفِطْرَةُ فِي الْمُهَايَأَةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ كَالصَّلَاةِ، وَالْمُهَايَأَةُ: مُعَارَضَةُ كَسَبٍ بِكَسْبٍ، وَمَنْ عَجَزَ عَمَّا عَلَيْهِ، لَمْ يَلْزَمِ الْآخَرَ قِسْطُهُ، كَشَرِيكٍ ذِمِّيٍّ لَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ قِسْطُهُ، فَإِنْ كَانَ يَوْمَ الْعِيدِ مُؤْنَةُ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ نِصْفَهُ، اعْتُبِرَ أَنْ يَفْصِلَ عَنْ قُوتِهِ نِصْفَ صَاعٍ، وَإِنْ كَانَ مُؤْنَةَ سَيِّدِهِ، لَزِمَ الْعَبْدَ نِصْفُ صَاعٍ، وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ بِنَاءً عَلَى وَجْهٍ مِنْ كَسْبٍ نَادِرٍ فِيهَا كَالنَّفَقَةِ، فَلَوْ كَانَ يَوْمُ الْعِيدِ مُؤْنَةَ الْعَبْدِ، وَعَجَزَ عَنْهَا، لَمْ يَلْزَمِ السَّيِّدَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، كَمُكَاتَبٍ عَجَزَ عَنْهَا. فَرْعٌ: إِذَا أَلْحَقَتِ الْقَافَةُ وَلَدًا بِاثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَالْحُكْمُ فِي فِطْرَتِهِ، كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَى، جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ: يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ صَاعٌ وَجْهًا وَاحِدًا. [إِنْ عَجَزَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ عَنْ فِطْرَتِهَا] (وَإِنْ عَجَزَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ عَنْ فِطْرَتِهَا فَعَلَيْهَا) إِنْ كَانَتْ حُرَّةً (أَوْ عَلَى سَيِّدِهَا إِنْ كَانَتْ أَمَةً فِطْرَتُهَا) ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَعْدُومِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ) عَلَيْهِمَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ عَلَى مَنْ وُجِدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ لِعُسْرَتِهِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى غَيْرِهِ كفِطْرَةِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ لِوُجُوبِهَا مُطْلَقًا، فَعَلَى هَذَا تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ كَالنَّفَقَةِ أَمْ لَا كَفِطْرَةِ نَفْسِهِ؟ يَتَوَجَّهُ احْتِمَالَانِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: هَلْ تَرْجِعُ الْحُرَّةُ وَالسَّيِّدُ عَلَى الزَّوْجِ كَالنَّفَقَةِ أَمْ لَا كَفِطْرَةِ الْقَرِيبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ [مَنْ كَانَ لَهُ غَائِبٌ أَوْ ضَالٌّ فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ] (وَمَنْ كَانَ لَهُ غَائِبٌ أَوْ آبِقٌ) أَوْ مَغْصُوبٌ أَوْ ضَالٌّ (فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ) لِلْعُمُومِ، وَلِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ، بِدَلِيلِ رُجُوعِ مَنْ يَرُدَّ الْآبِقَ بِنَفَقَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ، وَعَلَيْهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ
[لا يلزم الزوج فطرة الزوجة الناشز]
فَتَسْقُطُ، وَإِنْ عَلِمَ حَيَاتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، أَخْرَجَ لِمَا مَضَى. وَلَا تَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ النَّاشِزِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تَلْزَمُهُ، وَمَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ فِطْرَتُهُ، فَأَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَرْجُوَ رَجَعَتْهُ أَوْ يَيْأَسَ مِنْهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ مُطْلَقًا، أَوْ مَحْبُوسًا، أَوْ لَا، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَعَنْهُ: رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ مِنْ زَكَاةِ الْمَالِ لَا يَجِبُ، وَلَوِ ارْتَجَى عَوْدُ الْآبِقِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهَا حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: أَوْ يَعْلَمَ مَكَانَ الْآبِقِ (إِلَّا أَنْ يَشُكَّ فِي حَيَاتِهِ فَتَسْقُطَ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَالظَّاهِرُ مَوْتُهُ، وَكَالنَّفَقَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ لَمْ تُجْزِئْهُ، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ: تَلْزَمُهُ لِئَلَّا تَسْقُطَ بِالشَّكِّ، وَالْكَفَّارَةُ ثَابِتَةٌ بِيَقِينٍ، فَلَا يَسْقُطُ مَعَ الشَّكِّ فِي حَيَاتِهِ (وَ) عَلَى الْأَوَّلِ (إِنْ عَلِمَ حَيَاتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْرَجَ لِمَا مَضَى) ؛ لِأَنَّهُ بَانَ لَهُ وُجُودُ سَبَبِ الْوُجُوبِ فِي الْمَاضِي، فَوَجَبَ الْإِخْرَاجُ، كَمَالِ غَائِبٍ بَانَتْ سَلَامَتُهُ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: عَنِ الْقَرِيبِ كَالنَّفَقَةِ. [لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ الزَّوْجَةِ النَّاشِزِ] (وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ النَّاشِزِ) فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ؛ لِعَدَمِ وُجُوبِ نَفَقَتِهَا، فَفِطْرَتُهَا عَلَيْهَا أَوْ عَلَى سَيِّدِهَا، وَالْمُرَادُ إِذَا كَانَ نُشُوزُهَا فِي وَقْتِ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تَلْزَمُهُ) ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ ثَابِتَةٌ عَلَيْهَا، فَلَزِمَهُ فِطْرَتُهَا كَالْمَرِيضَةِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمَرِيضَةَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى نَفَقَةٍ، لَا لِخَلَلٍ فِي الْمُقْتَضِي لَهَا، وَحُكْمُ كُلُّ امْرَأَةٍ لَا نَفَقَةَ لَهَا كَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إِذَا لَمْ تُسَلَّمْ إِلَيْهِ، وَالصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، تَجِبُ عَلَى الثَّانِي لَا الْأَوَّلِ. [مَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ فِطْرَتُهُ فَأَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ] (وَمَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ فِطْرَتُهُ فَأَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ) أَيْ: بِغَيْرِ إِذْنِ مَنْ تَلْزَمُهُ، زَادَ فِي " الِانْتِصَارِ " وَنِيَّتِهِ (فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْإِجْزَاءُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُ أدى الْوَاجِبُ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَدَّى عَنْ غَيْرِهِ، وَهُمَا يَنْفِيَانِ هَلْ يَكُونُ مُتَحَمِّلًا عَنِ الْغَيْرِ لِكَوْنِهَا طُهْرَةً لَهُ أَوْ أَصِيلًا؛ لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ بِهَا؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ، فَلَوْ لَمْ يُخْرِجْ مَعَ قُدْرَتِهِ، لَمْ يَلْزَمِ الْغَيْرَ شَيْءٌ، وَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْإِخْرَاجِ، جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ،
[لا يمنع الدين وجوب الفطرة]
مُطَالَبًا بِهِ. وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ، فَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ مَلَكَ عَبْدًا أَوْ زَوْجَةً أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ قَبْلَ الْغُرُوبِ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَنَفَقَتِهِ، لَكِنْ لَوْ أَخْرَجَ الْعَبْدُ بِلَا إِذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَقِيلَ: إِنْ مَلَّكَهُ سَيِّدَهُ مَالًا، وَقُلْنَا: يَمْلِكُهُ، فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ مِمَّا فِي يَدِهِ، فَعَلَى هَذَا يُخْرِجُ الْعَبْدُ عَنْ عَبْدِهِ مِنْهُ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ إِذَا أَخْرَجَ بِإِذْنِهِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، فَلَوْ أَخْرَجَ عَمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ بِإِذْنِهِ أَجْزَأَ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ الْآجُرِّيُّ: هَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ. مَسْأَلَةٌ: مَنْ لَزِمَهُ فِطْرَةُ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، أَخْرَجَهَا مَكَانَهُمَا، كَمَالٍ مُزَكًّى فِي غَيْرِ بَلَدِ مَالِكِهِ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُخْرِجُهَا مَكَانَهُ لِفِطْرَةِ نَفْسِهِ. فَرْعٌ: مَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِنْفَاقٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إِيصَالُ الْمَالِ مِنْ حَقِّهِ، قَالَهُ الْقَاضِي، أَوْ لِأَنَّهُ لَا مَالِكَ لَهُ مُعَيَّنٌ، كَعَبِيدِ الْغَنِيمَةِ قبل الغنيمة وَالْفَيْءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. [لَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ] (وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ) لِتَأَكُّدِهَا بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْفَقِيرِ، وَشُمُولِهَا لِكُلِّ مُسْلِمٍ قَدَرَ عَلَى إِخْرَاجِهَا، فَجَرَى مَجْرَى النَّفَقَةِ، بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ، فَإِنَّهَا تَجِبُ بِالْمِلْكِ، وَالدَّيْنُ يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَالْفِطْرَةُ تَجِبُ عَلَى الْبَدَنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِهِ) فَيَمْنَعُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِوُجُوبِ أَدَائِهِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ، وَتَأَكُّدِهِ بِكَوْنِهِ حَقَّ آدَمِيٍّ لَا يَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ، أَشْبَهَ مَنْ لَا فَضْلَ عِنْدَهُ، وَعَنْهُ: يَمْنَعُ مُطْلَقًا، وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، كَزَكَاةِ الْمَالِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: عَكْسَهُ، لِتَأَكُّدِهَا كَالنَّفَقَةِ وَالْخَرَاجِ. [وَقْتُ إِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ] (وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ. فَأَضَافَ الصَّدَقَةَ إِلَى الْفِطْرِ، فَكَانَتْ وَاجِبَةً بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَقْتَضِي الِاخْتِصَاصَ وَالسَّبَبِيَّةَ، وَأَوَّلُ فِطْرٍ يَقَعُ مِنْ جَمِيعِ رَمَضَانَ بِمَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ (فَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: بَعْدَ الْغُرُوبِ (أَوْ مَلَكَ عَبْدًا وَزَوْجَةً، أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ لَمْ يَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِعَدَمِ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَعَنْهُ: يَمْتَدُّ وَقْتُ الْوُجُوبِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ
وَجَبَتْ، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ، وَالْأَفْضَلُ إِخْرَاجُهَا يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْفِطْرِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْهُ، وَعَنْهُ: وَيَمْتَدُّ إِلَى أَنْ يُصَلَّى الْعِيدُ (وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَجَبَتْ) لِوُجُودِ السَّبَبِ، فَالِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْوُجُوبِ، فَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَقْتَ الْوُجُوبِ ثُمَّ أَيْسَرَ، فَلَا فِطْرَةَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَكْسُهُ: لَا يَسْقُطُ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَلَا فِطْرَةَ، وَلَوْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يَسْقُطْ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ إِجْمَاعًا فِي عِتْقِ عَبْدٍ، وَالْفِطْرَةُ فِي عَبْدٍ مَوْهُوبٍ، وَمُوصًى بِهِ عَلَى الْمَالِكِ وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَكَذَا الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَفِي مِلْكِ عَبْدٍ دُونَ نَفْعِهِ أَوْجُهٌ، ثَالِثُهَا: أَنَّهَا فِي كَسْبِهِ بِالنَّفَقَةِ (وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: كَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهَا أَوْ بَقَاءُ بَعْضِهَا إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَمْ تُجْزِ بِأَكْثَرَ لِفَوَاتِ الْإِغْنَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قَوْلِهِ: «أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ هَذَا الْيَوْمَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَعْشَرٍ، وَفِيهِ كَلَامٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ؛ وَلِأَنَّ الْفِطْرَ سَبَبُهَا، أَوْ أَقْوَى جُزْأَيْ سَبَبِهَا لِمَنْعِ التَّقْدِيمِ عَلَى النِّصَابِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِخْرَاجِ فِي الْوَقْتِ الْخَاصِّ، خَرَجَ مِنْهُ التَّقْدِيمُ بِالْيَوْمَيْنِ، لِفِعْلِهِمْ، وَإِلَّا فَالْمَعْرُوفُ مَنْعُ التَّقْدِيمِ عَلَى السَّبَبِ الْوَاحِدِ، وَجَوَازُهُ عَلَى أَحَدِ السَّبَبَيْنِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بِثَلَاثَةٍ، جَزَمَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " بِأَيَّامٍ، وَقِيلَ: بِخَمْسَةَ عَشَرَ حَوْلًا لِلْأَكْثَرِ كَالْكُلِّ وَقِيلَ: بِشَهْرٍ لَا أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا الصَّوْمُ، وَالْفِطْرُ مِنْهُ كَزَكَاةِ الْمَالِ (وَالْأَفْضَلُ إِخْرَاجُهَا يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ) أَوْ قَدْرِهَا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
[مقدار الواجب في صدقة الفطر]
الصَّلَاةِ، وَتَجُوزُ فِي سَائِرِ الْيَوْمِ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا عَنْهُ أَثِمَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ. فَصْلٌ وَالْوَاجِبُ فِي الْفِطْرَةِ صَاعٌ مِنَ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيرِ، أَوْ دَقِيقِهِمَا وَسَوِيقِهِمَا، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَمِنَ الْأَقِطِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَالَ جَمْعٌ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُخْرِجَهَا إِذَا خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى، وَفِي الْكَرَاهَةِ بَعْدَهُ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: تَحْرُمُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَعَلَيْهِ تَكُونُ قَضَاءً، جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَاسْتَدَلَّ الْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ، وَتَمَامُهُ: «فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» وَتَجُوزُ فِي سَائِرِ الْيَوْمِ لِحُصُولِ الْإِغْنَاءِ بِهَا فِيهِ، إِلَّا أَنَّهُ يُزَكِّي الْأَفْضَلَ (فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْهُ أَثِمَ) لِتَأْخِيرِهِ الْوَاجِبَ عَنْ وَقْتِهِ؛ وَلِمُخَالَفَةِ الْأَثَرِ، (وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهَا) عِبَادَةٌ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ كَالصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: لَا يَأْثَمُ، نَقَلَ الْأَثْرَمُ: أَرْجُو أَنْ لَا بَأْسَ، وَقِيلَ لَهُ فِي رِوَايَةِ الْكَحَّالِ: وَإِنْ أَخَّرَهَا، قَالَ: إِذَا أَعَدَّهَا لِقَوْمٍ. [مِقْدَارُ الْوَاجِبِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ] فَصْلٌ (وَالْوَاجِبُ فِي الْفِطْرَةِ صَاعٌ) بِصَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَهُوَ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفَّيْ رَجُلٍ مُعْتَدِلِ الْقَامَةِ، وَحِكْمَتُهُ كِفَايَةُ الصَّاعِ لِلْفَقِيرِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ (مِنَ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيرِ) إِجْمَاعًا (أَوْ دَقِيقِهِمَا وَسَوِيقِهِمَا وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ) إِجْمَاعًا (وَمِنَ الْأَقِطِ) وَهِيَ شَيْءٌ يُعْمَلُ مِنَ اللَّبَنِ الْمَخِيضِ، وَقِيلَ: مِنَ الْإِبِلِ فَقَطْ (فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مَنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَصَرِيحُهُ إِجْزَاءُ الدَّقِيقِ؛ وَهُوَ الطَّحِينُ، وَالسَّوِيقُ؛ وَهُوَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQقَمْحٌ أَوْ شَعِيرٌ يُقْلَى ثُمَّ يُطْحَنُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِزِيَادَةٍ انْفَرَدَ بِهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ» قِيلَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ: إِنَّ أَحَدًا لَا يَذْكُرُهُ فِيهِ، قَالَ: بَلْ هُوَ فِيهِ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. قَالَ الْمَجْدُ: بَلْ أَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ، لِأَنَّهُ كُفِيَ مُؤْنَتَهُ، كَتَمْرٍ نُزِعَ حَبُّهُ، وَيُعْتَبَرُ صَاعُهُ بِوَزْنِ حَبِّهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِيُفَرِّقَ الْأَجْزَاءَ بِالطَّحْنِ، وَظَاهِرُهُ يُجْزِئُ بِلَا مَحَلٍّ، وَفِيهِ وَجْهٌ، كَمَا لَا يُكْمَلُ تَمْرٌ بِنَوَاهُ الْمَنْزُوعِ، وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُ فِيهِمَا، اخْتَارَهُ صَاحِبُ " الْإِرْشَادِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ " فِي السَّوِيقِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ أُنْكِرَتْ عَلَى سُفْيَانَ فَتَرَكَهَا، وَفِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَدْ ذَكَرَ التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ، ثم ذكرهما وَالْأَقِطَ، لَرَجَعَ الْخِلَافُ إِلَى ذَلِكَ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُجْزِئُ الْأَقِطُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ جِنْسٌ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَلَا يُجْزِئُ إخراجه، وَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ، وَخَصَّصَهُ الْخِرَقِيُّ بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ نَظَرًا إِلَى الْغَالِبِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ؛ وَهُوَ طَرِيقُة الْأَكْثَرِ، وَفِي اللَّبَنِ غَيْرِ الْمَخِيضِ وَالْجُبْنِ أَوْجُهٌ ثَالِثُهَا: يُجْزِئُ اللَّبَنُ فَقَطْ، وَرَابِعُهَا: يُجْزِئَانِ مَعَ عَدَمِ الْأَقِطِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُجْزِئُ الْجُبْنُ لَا اللَّبَنُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ حَالَةَ الِادِّخَارِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَوْ صَاعٌ مِنْ قَمْحٍ» وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ،
يَعْدَمَهُ، فَيُخْرِجَ مِمَّا يَقْتَاتُ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ، وَعِنْدَ أَبِي بَكْرٍ يُخْرِجُ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْمَنْصُوصِ، وَلَا يُخْرِجُ حَبًّا مَعِيبًا وَلَا خُبْزًا، وَيُجْزِئُ إِخْرَاجُ صَاعٍ مِنْ أَجْنَاسٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْإِجْزَاءَ، وَأَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَيَقْتَضِيهَا، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: «صَاعٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» وَلِأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ» وَفِيهِ مَقَالٌ، لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، قَالَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَابْنُ مَعِينٍ (وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ ذَلِكَ) أَيِ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَحْصِيلِهَا كَالدِّبْسِ، وَالْمَصْلِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ كُلُّ مَكِيلٍ مَطْعُومٍ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُجْزِئُ قُوتُ بَلَدِهِ مِثْلُ الْأُرْزِ، وَنَحْوِهِ، وَأَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: 89] وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ، (إِلَّا أَنْ يَعْدَمَهُ فَيُخْرِجَ مِمَّا يَقْتَاتُ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ) كَلَحْمٍ وَلَبَنٍ، وَقِيلَ: لَا يَعْدِلُ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا الِاقْتِيَاتُ، وَحُصُولُ الْغِنَى عَنِ الطَّلَبِ؛ وَهُوَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ، (وَعِنْدَ أَبِي بَكْرٍ) وَهُوَ أَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَقَدَّمَهُ الشَّيْخَانِ فِي " الْكَافِي "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، (يُخْرِجُ) صَاعًا (مِمَّا يَقُومُ مَقَامَ الْمَنْصُوصِ) مِنْ كُلِّ حَبَّةٍ كَذُرَةٍ وَدَخَنٍ أَوْ ثَمَرٍ يُقْتَاتُ كَتِينٍ يَابِسٍ وَنَحْوِهِ، وَلِأَنَّهَا أَشْبَهُ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، فَكَانَتْ أَوْلَى، زَادَ بَعْضُهُمْ: بِالْبَلَدِ غَالِبًا، وَقِيلَ: يُجْزِئُ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَكِيلًا، (وَلَا يُخْرِجُ حَبًّا مَعِيبًا) كَمُسَوِّسٍ وَمَبْلُولٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] وَلِأَنَّ السُّوسَ يَأْكُلُ جَوْفَهُ، وَالْبَلَلُ يَنْفُخُهُ، وَالْمُخْرَجُ بِصَاعٍ مِنْهُ لَيْسَ هُوَ الْوَاجِبُ شَرْعًا، وَإِنْ خَالَطَ الْجَيِّدُ مَا يُجْزِئُ، فَإِنْ كَثُرَ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ قَلَّ زَادَ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ الْمُصَفَّى صَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَيْبًا لِقِلَّةِ مَشَقَّةِ تَنْقِيَتِهِ، قَالَ: أُحِبُّ تَنْقِيَةَ الطَّعَامِ، وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ لِيَكُونَ أَكْمَلَ (وَلَا خُبْزًا) ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنِ الْكَيْلِ وَالِادِّخَارِ، وَفِيهِ شَبَهٌ بِإِخْرَاجِ الْقِيمَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُجْزِئُ، (وَيُجْزِئُ إِخْرَاجُ صَاعٍ مِنْ أَجْنَاسٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ
وَأَفْضَلُ الْمُخْرَجِ التَّمْرُ، ثُمَّ مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ بَعْدَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْجَمَاعَةَ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ، وَالْوَاحِدَ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQكُلًّا مِنْهَا يَجُوزُ مُنْفَرِدًا، وَكَذَا مَعَ غَيْرِهِ لِتَفَاوُتِ مَقْصُودِهَا أَوِ اتِّحَادِهِ، وَقَاسَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " عَلَى فِطْرَةِ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ إِذَا أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ جِنْسٍ، وَفِي " الْفُرُوعِ " يَتَوَجَّهُ: تَخْرِيجٌ فِي الْكَفَّارَةِ، لَا تُجْزِئُ لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ بِالْقِيمَةِ (وَأَفْضَلُ الْمُخْرَجِ التَّمْرُ) مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ لَهُ أَبُو مِجْلَزٍ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْسَعَ، وَالْبِرُّ أَفْضَلُ، فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابِي سَلَكُوا طَرِيقًا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْلُكَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَلِأَنَّهُ قُوتٌ وَحَلَاوَةٌ، وَأَقْرَبُ تَنَاوُلًا، وَأَقَلُّ كُلْفَةً، وَلَا عِبْرَةَ بِمَوْزُونِهِ، بَلْ يُحْتَاطُ فِي الثَّقِيلِ لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ (ثُمَّ مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ بَعْدَهُ) إِذِ الْقَصْدُ الِاقْتِيَاتُ، وَحُصُولُ الْإِغْنَاءِ بِهِ عَنِ الطَّلَبِ، لَكِنْ جَزَمَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَ " الْوَجِيزِ " أَنَّ الْأَفْضَلَ بَعْدَ التَّمْرِ الْبُرُّ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا هُنَا؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي تَفْضِيلِ التَّمْرِ اتِّبَاعُ الصَّحَابَةِ وَسُلُوكُ طَرِيقَتِهِمْ. وَلِهَذَا قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: وَالْبُرُّ أَفْضَلُ، وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ فِي الِاقْتِيَاتِ، وَأَبْلَغُ فِي دَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ، وَقِيلَ: الزَّبِيبُ، جَزَمَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ، وَعَزَاهُ ابْنُ الْمُنَجَّا لِلْأَصْحَابِ؛ لِمُشَارَكَتِهِ لَهُ فِي الْقُوتِ وَالْحَلَاوَةِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": أَفْضَلُهَا التَّمْرُ ثُمَّ الزَّبِيبُ ثُمَّ الْبُرُّ ثُمَّ الشَّعِيرُ ثُمَّ الْأَقِطُ، وَعَنْهُ: الْأَقِطُ أَفْضَلُ لِأَهْلِ الْبَادِيَةِ إِنْ كَانَ قُوتَهُمْ، وَقِيلَ: مَا كَانَ أَغْلَى قِيمَةً، وَأَكْثَرَ نَفْعًا، (وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْجَمَاعَةَ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إِذَا أَعْطَى مِنْ كُلِّ صِنْفٍ ثَلَاثَةً؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ الصَّدَقَةَ إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، (وَالْوَاحِدَ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَجَازَ صَرْفُهَا إِلَى وَاحِدٍ كَالزَّكَاةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَنْقُصَ الْوَاحِدُ عَنْ مُدِّ بُرٍّ أَوْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَعَنْهُ: الْأَفْضَلُ تَفْرِقَةُ الصَّاعِ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، وَعَنْهُ: الْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَنْقُصَ الْوَاحِدُ
[باب إخراج الزكاة]
بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا مَعَ إِمْكَانِهِ إِلَّا لِضَرَرٍ، مِثْلُ أَنْ يَخْشَى ـــــــــــــــــــــــــــــQعَنْ صَاعٍ لِلْمَشَقَّةِ، وَيُصْرَفُ فِي أَصْنَافِ الزَّكَاةِ لَا فِي غَيْرِهِمْ، وَفِي " الْفُنُونِ " عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: تُدْفَعُ إِلَى مَنْ لَا يَجِدُ مَا يَلْزَمُهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا تُدْفَعُ إِلَّا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْكَفَّارَةَ؛ وَهُوَ مَنْ يَأْخُذُ لِحَاجَتِهِ، لَا فِي الْمُؤَلَّفَةِ وَالرِّقَابِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَرْعٌ: إِذَا دَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ جُمِعَتْ عِنْدَ الْإِمَامِ، فَقَسَّمَهَا عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ، فَعَادَ إِلَى إِنْسَانٍ ذَلِكَ، جَازَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَتْ إِلَيْهِ بِمِيرَاثٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهَا لِسِوَاهَا، لِحَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. [بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ] [حُكْمُ تَأْخِيرِ الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا مَعَ إِمْكَانِهِ] بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا مَعَ إِمْكَانِهِ، أَيْ: مَعَ الْقُدْرَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] وَالْمُرَادُ الزَّكَاةُ، وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْفَوْرِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُدَّخِرَ مُسْتَحِقُّ الْعِقَابِ، وَلَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ لَكَانَ إِمَّا إِلَى غَايَةٍ؛ وَهُوَ مُنَافٍ لِلْوُجُوبِ، وَإِمَّا إِلَى غَيْرِهَا، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ ربما يفضي إِلَى سُقُوطِهَا إِمَّا بِمَوْتِهِ أَوْ تَلَفِ الْمَالِ، لِيَتَضَرَّرَ الْفَقِيرُ، فَيَخْتَلُّ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِهَا؛ وَلِأَنَّهَا لِلْفَوْرِ بِطَلَبِ السَّاعِي، فَكَدَيْنٍ بِطَلَبِ اللَّهِ تَعَالَى لَعِينٍ مَغْصُوبَةٍ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " لَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ لِلْفَوْرِ لَقُلْنَا بِهِ هُنَا؛ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تُكَرَّرُ، فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا إِلَى دُخُولِ وَقْتِ مِثْلِهَا كَالصَّلَاةِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ عَلَى الْفَوْرِ لِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ كالكفارة، وَعَلَى الْأَوَّلِ:
رُجُوعَ السَّاعِي عَلَيْهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا جَهْلًا، عُرِّفَ ذَلِكَ، فَإِنْ أَصَرَّ كَفَرَ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ، وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثًا، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ، وَمَنْ مَنَعَهَا بُخْلًا بِهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQتضمن إِذَا تَلِفَ الْمَالُ أَوْ بَعْضُهُ لِتَعَدِّيهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْإِخْرَاجُ، كَمَنْ مُنِعَ مِنَ التَّصَرُّفِ مِنْ مَالِهِ، أَوْ لَمْ يَجِدِ الْمُسْتَحِقَّ أَوْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا وَنَحْوِهِ، فَيَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ، وَكَلَامُهُ مُشْعِرٌ بِجَوَازِ تَأْخِيرِهَا عن غير وَقْتَ وُجُوبِهَا؛ وَهُوَ كَذَلِكَ بِلَا نِزَاعٍ، (إِلَّا لِضَرَرٍ) ، فَيَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، (مِثْلُ أَنْ يَخْشَى رُجُوعَ السَّاعِي عَلَيْهِ) إِذَا أَخْرَجَهَا هُوَ بِنَفْسِهِ (وَنَحْوُ ذَلِكَ) كَمَا إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ، وَإِذَا جَازَ تَأْخِيرُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ فَهِيَ أَوْلَى، وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا لِحَاجَةِ الْمَالِكِ إِلَيْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلِمَنْ حَاجَتُهُ أَشَدُّ، نَقَلَهُ يَعْقُوبُ، وَقَيَّدَهَا جَمَاعَةٌ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ لِلْحَاجَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ تَرْكُ وَاجِبٍ لِمَنْدُوبٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ الْمَنْعُ، وَكَذَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا لِقَرِيبٍ فِي الْأَشْهَرِ، وَجَارٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُ، وَعَنْهُ: لَهُ أَنْ يُعْطِيَ قَرِيبَهُ كُلَّ شَهْرٍ شَيْئًا، وَحَمَلَهُ أَبُو بَكْرٍ عَلَى تَعْجِيلِهَا. قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ الْكُلُّ مَا لَمْ يَشْتَدَّ ضَرَرُ الْحَاضِرِ. فَرْعٌ: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَالسَّاعِي تَأْخِيرُهَا عِنْدَ رَبِّهَا، لِعُذْرِ قَحْطٍ وَنَحْوِهِ، احْتَجَّ أَحْمَدُ بِفِعْلِ عُمَرَ (فَإِنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا جَهْلًا) بِهِ، وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ لِقَرِيبِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، وَالنَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ يَخْفَى عَلَيْهِ (عُرِّفَ ذَلِكَ) أَيْ: عُرِّفَ وُجُوبَهَا لِيَرْجِعَ عَنِ الْخَطَأِ، وَلَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، (فَإِنْ أَصَرَّ) أَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ (كَفَرَ) إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَخْرَجَهَا، (وَأُخِذَتْ مِنْهُ) لِوُجُوبِهَا قَبْلَ كُفْرِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِهِ كَالدَّيْنِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": إِنْ كَانَ وَجَبَتْ وَلَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ فِيهِ (وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثًا) كَالْمُرْتَدِّ، (فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ
أُخِذَتْ مِنْهُ وَعُزِّرَ، فَإِنْ غَيَّبَ مَالَهُ أَوْ كَتَمَهُ، أَوْ قَاتَلَ دُونَهَا، وَأَمْكَنَ أَخْذُهَا، أُخِذَتْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَأْخُذُهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَخْذُهَا، اسْتُتِيبَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالنَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ» . ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، (وَمَنْ مَنَعَهَا بُخْلًا بِهَا) أَوْ تَهَاوُنًا (أُخِذَتْ مِنْهُ) قَهْرًا كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَكَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ؛ وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ طَلَبَهُ بِهِ، فَهُوَ كَالْخَرَاجِ، بِخِلَافِ الِاسْتِنَابَةِ فِي الْحَجِّ، وَالتَّكْفِيرِ بِالْمَالِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ حَتَّى يُؤَدِّيَ لِعَدَمِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَةِ مِنَ الْمُمْتَنِعِ، (وَعُزِّرَ) لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ لَا حَدَّ فِيهَا، وَلَا كَفَّارَةَ، وَالْمُرَادُ: إِذَا كَانَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مَالُهُ بَاطِنًا عَزَّرَهُ إِمَامٌ أَوْ مُحْتَسِبٌ، وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ فَعَلَهُ لِفِسْقِ الْإِمَامِ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَضَعُهَا مَوْضِعَهَا، لَمْ يُعَزِّرْهُ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، (فَإِنْ غَيَّبَ مَالَهُ أَوْ كَتَمَهُ) ، أَيْ: غَلَّهُ (أَوْ قَاتَلَ دُونَهَا، وَأَمْكَنَ أَخْذُهَا) فَإِنْ كَانَ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ (أُخِذَتْ) الزَّكَاةُ (مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ) عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الصِّدِّيقَ مَعَ الصَّحَابَةِ لَمَّا مَنَعَتْهُ الْعَرَبُ الزَّكَاةَ، لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُمْ زَكَاةً عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى أَخْذِ الْحُقُوقِ مِنَ الظَّالِمِ، وَكَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَعَنْهُ: تُؤْخَذُ مِنْهُ، وَمِثْلُهَا، ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَهُ فِي " زَادِ الْمُسَافِرِ " تَغْلِيظًا عَلَيْهِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَأْخُذُهَا، وَشَطْرَ مَالِهِ) أَيْ: مَعَ نَظِيرِ مَالِهِ الزَّكَوِيِّ، وَهَذَا رِوَايَةٌ، وَقَدَّمَهَا الْحُلْوَانِيُّ، لِمَا رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا، فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ إِبِلِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ: شَطْرَ مَالِهِ؛ وَهُوَ ثَابِتٌ إِلَى بَهْزٍ، وَقَدْ وَثَّقَهُ الْأَكْثَرُ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، حَيْثُ كَانَتِ الْعُقُوبَاتُ فِي الْمَالِ، ثُمَّ نُسِخَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ إِيجَابُ بِنْتِ لَبُونٍ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُطْلَقًا، وَالْمُسْتَقَرُّ عَلَيْهِ فِي النُّصُبِ
ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَأَخْرَجَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَأُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا كَفَرَ، وَإِنِ ادَّعَى مَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ مِنْ نُقْصَانِ الْحَوْلِ أَوِ النِّصَابِ، أَوِ انْتِقَالِهِ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ، قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْأَسْنَانِ حَدِيثُ الصِّدِّيقِ، وَفِيهِ: «وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَ ذَلِكَ فَلَا يُعْطِهِ» . قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ فِي الْمَانِعِ غَيْرِ الْغَالِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَخْذُهَا) بِالتَّعْذِيبِ أَوْ غَيْرِهِ (اسْتُتِيبَ ثَلَاثًا) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَبَانِي الْإِسْلَامِ، فَيُسْتَتَابُ تَارِكُهَا كَالصَّلَاةِ، (فَإِنْ تَابَ وَأَخْرَجَ، وَإِلَّا قُتِلَ) إِذَا لَمْ يَتُبْ؛ لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى قِتَالِ مَانِعِهَا، (وَأُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ) مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يُسْقِطُ دَيْنَ الْآدَمِيِّ، فَكَذَا الزَّكَاةُ، وَإِذَا قُتِلَ، فَيَكُونُ حَدًّا عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلِأَنَّهُ لَا تُسْبَى لَهُمْ ذَرِّيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِمُقَاتَلَةِ الْإِمَامِ لَهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَعْتَقِدُوا كُفْرَهُمْ حِينَ امْتَنَعُوا، (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا كَفَرَ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ تَابُوا} [التوبة: 5] الْآيَةَ وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا قَاتَلَهُمْ قَالُوا: نُؤَدِّيهَا، قَالَ: لَا أَقْبَلُهَا حَتَّى تَشْهَدُوا أَنَّ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ. وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِنْكَارُهُ، فَدَلَّ عَلَى كُفْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَمَا تَارِكُ الزَّكَاةِ بِمُسْلِمٍ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ جَحَدُوا وُجُوبَهَا، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْحُكْمِ بِالنَّارِ الْحُكْمُ بِالْكُفْرِ، بِدَلِيلِ الْعُصَاةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ الْقَاضِي: الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ سِوَى الصَّلَاةِ لِتَعَذُّرِ النِّيَابَةِ فِيهَا، وَالْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنَ الزَّكَاةِ دَفْعُ حَاجَةِ الْفَقِيرِ؛ وَهُوَ حَاصِلٌ بِأَدَائِهَا مَعَ الْقِتَالِ، (وَإِنْ) طُولِبَ بِالزَّكَاةِ فَادَّعَى أَدَاءَهَا (أَوِ ادَّعَى مَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ مِنْ نُقْصَانِ الْحَوْلِ أَوِ النِّصَابِ، أَوِ انْتِقَالِهِ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ) بِأَنْ قَالَ: بِعْتُهُ ثُمَّ اشْتَرَيْتُهُ (قُبِلَ قَوْلُهُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ (بِغَيْرِ يَمِينٍ، نَصَّ عَلَيْهِ) وَظَاهِرُهُ: لَا يُشْرَعُ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا
[الصبي والمجنون يخرج عنهما وليهما]
يُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا، وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ تَفْرِقَةُ زَكَاتِهِ بِنَفْسِهِ، وَلَهُ دَفْعُهَا إِلَى السَّاعِي، ـــــــــــــــــــــــــــــQنَسْأَلُ الْمُتَصَدِّقَ عَنْ شَيْءٍ، وَلَا نَبْحَثُ، إِنَّمَا نَأْخُذُ مَا أَصَابَهُ مُجْتَمِعًا؛ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهَا، فَلَا يُسْتَحْلَفُ كَالصَّلَاةِ وَالْكَفَّارَةِ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لِلْفُقَرَاءِ بِمَالٍ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُسْتَحْلَفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَفِي " الْفُرُوعِ " يَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ إِنِ اتُّهِمَ، وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " إِنْ رَأَى الْعَامِلُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ فَعَلَ، وَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ، وَقِيلَ: بَلَى، وَكَذَا الْحُكْمُ إِنْ مَرَّ بِعَاشِرٍ، وَادَّعَى أَنَّهُ عَشَرَهُ آخَرُ. فَرْعٌ: إِذَا أَقَرَّ بِقَدْرِ زَكَاتِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ مَالِهِ صُدِّقَ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْيَمِينِ. [الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ يُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا] (وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ) تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا إِذَا كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا تَامَّ الْمِلْكِ، وَقُوِّمَ، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا: «مَنْ وَلِيَ مَالَ يَتِيمٍ فَلْيَتَّجِرْ بِهِ، وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ» وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهَا؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِمَالِ الْيَتِيمِ؛ وَلِأَنَّ مَنْ وَجَبَ الْعُشْرُ مِنْ زَرْعِهِ، وَجَبَ رُبْعُ الْعُشْرِ فِي رِزْقِهِ، كَالْبَالِغِ الْعَاقِلِ، وَالصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ مُخْتَصَّةٌ بِالْبَدَنِ، فَإِنَّ نِيَّةَ الصَّبِيِّ ضَعِيفَةٌ، وَالْمَجْنُونُ لَا تَتَحَقَّقُ مِنْهُ نِيَّتُهَا، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ لِنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ، وَأَرْشِ الْجِنَايَاتِ، فَعَلَى هَذَا (يُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا) مِنْ مَالِهِمَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا، فَوَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ أَدَاؤُهُ عَنْهُمَا، كَنَفَقَةِ قَرِيبِهِ، وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ مِنْهُ فِي الْإِخْرَاجِ كَرَبِّ الْمَالِ. [لِلْإِنْسَانِ تَفْرِقَةُ زَكَاتِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ دَفْعُهَا إِلَى السَّاعِي] (وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ تَفْرِقَةُ زَكَاتِهِ بِنَفْسِهِ) إِنْ كَانَ أَمِينًا؛ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ دَفْعِهَا إِلَى الْإِمَامِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 271] الْآيَةَ وَكَالدَّيْنِ، وَلِأَنَّ الْقَابِضَ مِنْ سَيِّدٍ، قَبَضَ مَا يَسْتَحِقُّهُ، وَلِيَكُونَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ إِيصَالِهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَقِيلَ: يَجِبُ دَفْعُ زَكَاةِ الْمَالِ الظَّاهِرِ إِلَى الْإِمَامِ، (وَلَهُ دَفْعُهَا إِلَى السَّاعِي) لِمَا رَوَى سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فَقُلْتُ: لِي مَالٌ، وَأُرِيدُ إِخْرَاجَ زَكَاتِهِ، فَمَا تَأْمُرُنِي؟ فَقَالَ: ادْفَعْهَا إِلَيْهِمْ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ؛ وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ مُسْتَحِقِّهَا، فَجَازَ الدَّفْعُ إِلَيْهِ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، وَظَهَرَ أَنَّ لَهُ دَفْعَهَا إِلَى الْإِمَامِ، وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا. قَالَ أَحْمَدُ: الصَّحَابَةُ يَأْمُرُونَ بِدَفْعِهَا، وَقَدْ عَلِمُوا فِيمَا يُنْفِقُونَهَا، وَفِي " الْأَحْكَامِ
[شرط النية في إخراج الزكاة]
وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الْعُشْرَ، وَيَتَوَلَّى تَفْرِيقَ الْبَاقِي، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: دَفْعُهَا إِلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ أَفْضَلُ، وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا إِلَّا بِنِيَّةٍ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQالسُّلْطَانِيَّةِ " يَحْرُمُ إِنْ وَضَعَهَا فِي غَيْرِ أَهْلِهَا، وَيَجِبُ كَتْمُهَا إِذَنْ، وَبِالْجُمْلَةِ فَيُجْزِئُ مُطْلَقًا؛ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «إِذَا أَدَّيْتَهَا إِلَى رَسُولِي، فَقَدْ بَرِئْتَ مِنْهَا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَلَكَ أَجْرُهَا، وَإِثْمُهَا عَلَى مَنْ بَدَّلَهَا» وَلِلْإِمَامِ طَلَبُهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مُطْلَقًا إِذَا وَضَعَهَا فِي أَهْلِهَا، وَقِيلَ: يَجِبُ دَفْعُهَا إِذَنْ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ دَفْعُ الْبَاطِنَةِ، ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَجْهًا وَاحِدًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ: وَلَوْ مِنْ بَلَدٍ غَلَبَ عَلَيْهِ الْخَوَارِجُ، فَلَمْ يُؤَدِّ أَهْلُهُ الزَّكَاةَ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُمْ وَقْتَ الْوُجُوبِ لَيْسُوا تَحْتَ حِمَايَتِهِ (وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الْعُشْرَ) لِاخْتِلَافِهِمْ فِيهِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ مُؤْنَةُ الْأَرْضِ، يَتَوَلَّاهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَعَنْهُ: يَدْفَعُ إِلَى السُّلْطَانِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، وَعَنْهُ: دَفْعُ الظَّاهِرِ أَفْضَلُ (وَيَتَوَلَّى) الْمَالِكُ (تَفْرِيقَ الْبَاقِي) كَالْمَوَاشِي وَنَحْوِهِمَا، فَيَضَعُهَا مَوْضِعَهَا (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ دَفْعُهَا إِلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ أَفْضَلُ) وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، وَزَوَالِ التُّهْمَةِ. تَنْبِيهٌ: لِلْإِمَامِ طَلَبُ نَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ فِي وَجْهٍ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَمَا أَخَذَهُ الْبُغَاةُ وَالْخَوَارِجُ مِنَ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ مَالِكِهَا، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُمْ خَرَجُوا بِتَأْوِيلٍ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّهُمْ إِذَا نَصَّبُوا إِمَامًا، وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " لَا يُجْزِئُ الدَّفْعُ إِلَيْهِمُ اخْتِيَارًا، وَعَنْهُ: الْوَقْفُ فِيمَا أَخَذَهُ الْخَوَارِجُ مِنَ الزَّكَاةِ. [شَرْطُ النِّيَّةِ فِي إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ] (وَلَا يَجُوزُ) أَيْ: لَا يُجْزِئُ (إِخْرَاجُهَا إِلَّا بِنِيَّةٍ) لِقَوْلِهِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ» وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، فَافْتَقَرَتْ إِلَيْهَا كَالصَّلَاةِ، وَمَصْرِفُ الْمَالِ إِلَى الْفَقِيرِ لَهُ جِهَاتٌ، فَلَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا بِتَعْيِينٍ، فَيَنْوِي الزَّكَاةَ أَوِ الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ أَوْ صَدَقَةَ الْمَالِ أَوِ الْفِطْرِ، فَلَوْ نَوَى صَدَقَةً مُطْلَقَةً لَمْ يُجْزِئْهُ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ كَصَدَقَتِهِ بِغَيْرِ النِّصَابِ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْفَرْضِ، وَلَا الْمَالِ
الْإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تُجْزِئُهُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُزَكَّى عَنْهُ، وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي وَجْهٌ: تُعْتَبَرُ نِيَّةُ التَّعْيِينِ إِذَا اخْتَلَفَ الْمَالُ، كَشَاةٍ عَنْ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَأَجْزَأَ عَنْ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ نَوَى زَكَاةَ مَالِهِ الْغَائِبِ، فَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَعَنِ الْحَاضِرِ، أَجْزَأَ عَنْهُ إِنْ كَانَ الْغَائِبُ تَالِفًا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ؛ لِاعْتِبَارِ التَّعْيِينِ فِيهَا، وَإِنْ أَدَّى قَدْرَ زَكَاةِ أَحَدِهِمَا جَعَلَهُ لِأَيِّهِمَا شَاءَ لِتَعْيِينِهِ ابْتِدَاءً، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ أَجْزَأَ عَنْ أَحَدِهِمَا، وَلَوْ نَوَى عَنِ الْغَائِبِ فَبَانَ تَالِفًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ صَرْفُهُ إِلَى غَيْرِهِ، كَعِتْقٍ فِي كَفَّارَةِ مُعَيَّنَةٍ فَلَمْ تَكُنْ، وَإِنْ نَوَى عن الْغَائِبَ إِنْ كَانَ سَالِمًا أَوْ نَوَى وَإِلَّا فَنَفْلٌ، أَجْزَأَ؛ لِأَنَّهُ حُكْمُ الْإِطْلَاقِ فَلَمْ يَضُرَّ التَّقْيِيدُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِصِ النِّيَّةَ لِلْفَرْضِ، وَالْأَوْلَى مُقَارَنَتُهَا لِلدَّفْعِ، وَلَهُ تَقْدِيمُهَا بِزَمَنٍ يَسِيرٍ كَالصَّلَاةِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " تُعْتَبَرُ عِنْدَ الدَّفْعِ، وَلَوْ حَرَّكَهَا لَمْ تَكْفِ النِّيَّةُ (إِلَّا أَنْ يَأْخُذَهَا الْإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا) قَالَهُ الْخِرَقِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " فَإِنَّهَا تُجْزِئُ بِغَيْرِ نِيَّةِ رَبِّ الْمَالِ فِي الظَّاهِرِ بِلَا تَرَدُّدٍ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِأَدَائِهَا ثَانِيًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تُجْزِئُ فِي الْبَاطِنِ؛ وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَى الْمُمْتَنِعِ، فَقَامَتْ نِيَّتُهُ مَقَامَ نِيَّةِ الْمَالِكِ، كَوَلِيِّ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ. الثَّانِي، وَقَالَهُ الْقَاضِي: إِنَّهَا تُجْزِئُ إِذَا أَخَذَهَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ كَالْقِسْمَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ، (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ) وَابْنُ عَقِيلٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ "، وَاخْتَارَهُ حَفِيدُهُ: (لَا تُجْزِئُهُ - أَيْضًا - مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ) ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إِمَّا وَكِيلُهُ أَوْ وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ أَوْ وَكِيلُهُمَا، فَتُعْتَبَرُ نِيَّةُ رَبِّ الْمَالِ، وَكَالصَّلَاةِ، فَعَلَى هَذَا يَقَعُ نَفْلًا مِنَ الطَّائِعِ وَيُطَالَبُ بِهَا، وَيُجْزِئُ لِلْمُكْرَهِ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا كَالْمُصَلِّي مُكْرَهًا، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الْمَالِ، وَلَا يَصِحُّ إِلْحَاقُ الزَّكَاةِ بِالْقِسْمَةِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عِبَادَةً، وَلَا تُعْتَبَرُ لَهَا نِيَّةٌ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: لَا يَحْتَاجُ الْإِمَامُ إِذْنَهُ مِنْهُ، وَلَا مِنْ رَبِّ الْمَالِ. فَرْعٌ: لَوْ غَابَ الْمَالِكُ أَوْ تَعَذَّرَ إِذْنُهُ لِحَبْسٍ وَنَحْوِهِ، فَأَخَذَ السَّاعِي مِنْ مَالِهِ أَجْزَأَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةُ أَخْذِهَا إِذَنْ، وَنِيَّةُ الْمَالِكِ مُتَعَذِّرَةٌ بِمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ، كَصَرْفِ الْوَلِيِّ
[ما يقوله عند دفع الزكاة]
وَكِيلِهِ اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ فِي الْمُوَكِّلِ دُونَ نِيَّةِ الْوَكِيلِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دَفْعِهَا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا، وَيَقُولُ الْآخِذُ: آجَرَكَ اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَبْقَيْتَ، وَجَعَلَهُ لَكَ طَهُورًا، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا إِلَى بَلَدٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQزَكَاةَ مُوَلِّيهِ (فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى وَكِيلِهِ) الْمُسْلِمِ الثِّقَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، كَمَا لَوِ اسْتَنَابَ ذِمِّيًّا فِي ذَبْحِ أُضْحِيَّةٍ، وَجَزَمَ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " بِجَوَازِهِ كَالْمُسْلِمِ، وَفِي مُمَيِّزٍ وَجْهَانِ، وَمُقْتَضَاهُ صِحَّةُ التَّوْكِيلِ فِي إِخْرَاجِهَا اتِّفَاقًا (اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ فِي الْمُوَكِّلِ) ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، فَاعْتُبِرَتْ مِنْ جِهَتِهِ، وَظَاهِرُهُ الْإِجْزَاءُ، وَلَوْ تَطَاوَلَ زَمَنُ الْإِخْرَاجِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ (دُونَ نِيَّةِ الْوَكِيلِ) كَمَا لَوْ تَقَارَبَ الدَّفْعُ. وَقَيَّدَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ " الشَّرْحِ "، وَ " الْوَجِيزِ " بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ تَطَاوَلَ فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْوَكِيلِ - أَيْضًا - لِئَلَّا يَخْلُوَ الْأَدَاءُ إِلَى الْمُسْتَحِقِّ عَنْ نِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ مُقَارِبَةٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَى الْإِمَامِ نَاوِيًا، وَلَمْ يَنْوِ الْإِمَامُ حَالَ الدَّفْعِ، جَازَ، وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا نَوَى الْوَكِيلَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهَا، فَتَقَعُ نَفْلًا، وَلَوْ أَجَازَهَا، وَكَذَا مَنْ أَخْرَجَ مِنْ مَالِهِ زَكَاةً عَنْ حَيٍّ بِلَا إِذْنِهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ وَلَوْ أَجَازَهَا؛ لِأَنَّهَا مِلْكُ الْمُتَصَدِّقِ، فَوَقَعَتْ عَنْهُ. [مَا يَقُولُهُ عِنْدَ دَفْعِ الزَّكَاةِ] (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دَفْعِهَا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا، وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا) لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا أَعْطَيْتُمُ الزَّكَاةَ فَلَا تَنْسَوْا ثَوَابَهَا أَنْ تَقُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا، وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الْبَخْتَرِيِّ بْنِ عُبَيْدٍ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمَعْنَاهُ الدُّعَاءُ، كَأَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مُثْمِرَةً لَا مُنَقِصَةً لَهُ؛ لِأَنَّ التَّثْمِيرَ كَالْغَنِيمَةِ، وَالتَّنْقِيصَ كَالْغَرَامَةِ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى تَوْفِيقِهِ لِأَدَائِهَا، (وَيَقُولُ الْآخِذُ: آجَرَكَ اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَبْقَيْتَ، وَجَعَلَهُ لَكَ طَهُورًا) ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] أَيِ: ادْعُ لَهُمْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ
[نقل الزكاة]
تُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ فَعَلَ، فَهَلْ يجْزِئُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ لَا ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى آلِ فُلَانٍ، فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ، وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرْ سُعَاتَهُ بِالدُّعَاءِ، وَذَهَبَتِ الظَّاهِرِيَّةُ إِلَى وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ " عَلَى " لِلْإِيجَابِ، وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهَا فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: إِنْ مَنَعَهَا أَهْلُ بَلْدَةٍ اسْتُحِبَّ، وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ عَلِمَهُ أَهْلًا لَهَا، كُرِهَ إِعْلَامُهُ بِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " لَا بُدَّ مِنْ إِعْلَامِهِ، وَإِنْ عَلِمَهُ أَهْلًا، وَيُعْلَمُ مَنْ عَادَتُهُ لَا يَأْخُذُ زَكَاةً، وَ [إِنْ] أَعْطَاهُ وَلَمْ يُعْلِمْهُ لَمْ يُجْزِئْهُ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ. [نَقْلُ الزَّكَاةِ] (وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا إِلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلَاةُ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: «أَخْبِرْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ إلى فُقَرَائِهِمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ فِي كِتَابِ مُعَاذٍ: «مَنْ أَخْرَجَ مِنْ مِخْلَافٍ إِلَى مِخْلَافٍ، فَإِنَّ صَدَقَتَهُ وَعُشْرَهُ تُرَدُّ إِلَى مِخْلَافِهِ» وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ وَابْنُ الْبَنَّا: يُكْرَهُ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ نَقْلُهَا إِلَى الثَّغْرِ، وَعَنْهُ: وَغَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ: الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِرَحِمٍ وَشِدَّةِ حَاجَةٍ أَوْ لَا. وَالسَّاعِي وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُ الْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ وَالْوَصِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَنَقْلُهَا إِلَى دُونِ مَسَافَةِ قَصْرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ بَلَدٍ وَاحِدٍ، بِدَلِيلِ أَحْكَامِ رُخَصِ السَّفَرِ (فَإِنْ فَعَلَ فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يُجْزِئُ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي، وَجَمَاعَةٌ، كَصَرْفِهَا فِي غَيْرِ الْأَصْنَافِ. وَالثَّانِيَةُ: وَاخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُؤَلِّفُ، وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " الْإِجْزَاءُ لِلْعُمُومَاتِ، وَلِأَنَّهُ دَفَعَ الْحَقَّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَبَرِئَ كَالدَّيْنِ، (إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ لَا فُقَرَاءَ
[وسم إبل الصدقة]
فُقَرَاءَ فِيهِ، فَيُفَرِّقُهَا فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ فِي بَلَدٍ وَمَالُهُ فِي آخَرَ، أَخْرَجَ زَكَاةَ الْمَالِ فِي بَلَدِهِ وَفِطْرَتَهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَإِذَا حَصَلَ عِنْدَ الْإِمَامِ مَاشِيَةٌ، اسْتُحِبَّ لَهُ وَسْمُ الْإِبِلِ فِي أَفْخَاذِهَا، وَالْغَنَمِ فِي آذَانِهَا، فَإِنْ كَانَتْ زَكَاةً، ـــــــــــــــــــــــــــــQفِيهِ) بِالْكُلِّيَّةِ، أَوْ كَانُوا وَفَضَلَ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ مُعَاذًا بَعَثَ إِلَى عُمَرَ صَدَقَةً مِنَ الْيَمَنِ، فَأَنْكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ، وَقَالَ: لَمْ أَبْعَثْكَ جَابِيًا، وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَأْخُذَ مِنْ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ فَتَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِمْ، فَقَالَ مُعَاذٌ: مَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِشَيْءٍ وَأَنَا أَجِدُ مَنْ يَأْخُذُهُ مِنِّي. رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، فَيَنْقُلُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَمُؤْنَةُ نَقْلِهَا عَلَى الْمَالِكِ كَالْكَيْلِ وَنَحْوِهِ (فَيُفَرِّقُهَا فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى، وَحُكْمُ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَذَلِكَ، وَلَوْ عَبَّرَ " بِمَوْضِعٍ " لَكَانَ أَشْمَلَ، وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْأَوَّلِ مَا لَوْ كَانَ نِصَابٌ مِنَ السَّائِمَةِ مُتَفَرِّقًا فِي بَلَدَيْنِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُخْرَجَ فِي أَحَدِهِمَا؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى التَّشْقِيصِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ فِي كُلِّ بَلَدٍ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الْمَالِ؛ لِئَلَّا يَنْقُلَهَا (وَإِذَا كَانَ فِي بَلَدٍ، وَمَالُهُ فِي آخَرَ، أَخْرَجَ زَكَاةَ الْمَالِ فِي بَلَدِهِ) أَيْ: بَلَدِ الْمَالِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِئَلَّا يَنْقُلَ الصَّدَقَةَ عَنْهُ، وَلِأَنَّ الْمَالَ سَبَبُ الزَّكَاةِ، فَوَجَبَ إِخْرَاجُهَا حَيْثُ وُجِدَ السَّبَبُ، وَإِنْ كَانَ مُتَفَرِّقًا زَكَّى كُلَّ مَالٍ حَيْثُ هُوَ. فَرْعٌ: السَّفَّارُ بِالْمَالِ يُزَكِّي مِنْ مَوْضِعٍ أَكْثَرِ إِقَامَةِ الْمَالِ فِيهِ، نَقَلَهُ الْأَكْثَرُ لِتَعَلُّقِ الْأَطْمَاعِ بِهِ غَالِبًا، وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ تَفْرِقَتَهُ فِي الْبُلْدَانِ الَّتِي كَانَ بِهَا فِي الْحَوْلِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُفَرِّقُ زَكَاتَهُ حَيْثُ حَالَ حَوْلُهُ لِئَلَّا يُفْضِي إِلَى تَأْخِيرٍ (وَ) إِخْرَاجُ (فِطْرَتِهِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهَا، فَوَجَبَ إِخْرَاجُهَا حَيْثُ وُجِدَ السَّبَبُ. [وَسْمُ إِبِلِ الصَّدَقَةِ] (وَإِذَا حَصَلَ عِنْدَ الْإِمَامِ مَاشِيَةٌ اسْتُحِبَّ لَهُ وَسْمُ الْإِبِلِ) وَالْبَقَرِ (فِي أَفْخَاذِهَا، وَالْغَنَمِ فِي آذَانِهَا) لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «غَدَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ، فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَحْمَدَ، وَابْنِ مَاجَهْ: «وَهُوَ يَسِمُ غَنَمًا فِي آذَانِهَا» ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ لِيَتَمَيَّزَ عَنِ الضَّوَالِّ، وَلِتُرَدَّ إِلَى
[تعجيل الزكاة]
كُتِبَ: لِلَّهِ أَوْ زَكَاةٌ، وَإِنْ كَانَتْ جِزْيَةً كُتِبَ: " صَغَارٌ " أَوْ " جِزْيَةٌ ". فَصْلٌ وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ عَنِ الْحَوْلِ إِذَا كَمُلَ النِّصَابُ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ ذَلِكَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQمَوَاضِعِهَا إِذَا شَرَدَتْ، وَخُصَّ الْمَوْضِعَانِ لِخِفَّةِ الشَّعْرِ فِيهِمَا، وَلِقِلَّةِ أَلَمِ الْوَسْمِ، وَيَتَوَجَّهُ: يَحْرُمُ فِي الْوَجْهِ، (فَإِنْ كَانَتْ زَكَاةً كُتِبَ " لِلَّهِ " أَوْ " زَكَاةٌ " وَإِنْ كَانَتْ جِزْيَةً: كُتِبَ " صَغَارٌ " أَوْ " جِزْيَةٌ ") ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: أَنَّ الْوَسْمَ بِحِنَّاءٍ أَوْ قِيرٍ أَفْضَلُ، وَفِيهِ شَيْءٌ. تَنْبِيهٌ: إِذَا أَخْرَجَ زَكَاتَهُ فَتَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْفَقِيرُ، لَزِمَهُ عِوَضُهَا كَمَا قَبْلَ الْعَزْلِ لِعَدَمِ تَعْيِينِهَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْعَوْدُ فِيهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَلَمْ يَمْلِكْهَا الْمُسْتَحِقُّ، كَمَالٍ مَعْزُولٍ لَوْ قَارَبَ الدَّيْنُ، بِخِلَافِ الْأَمَانَةِ، وَالتَّالِفُ إِنْ كَانَ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ سَقَطَ قَدْرُ زَكَاتِهِ إِنْ قُلْنَا بِالسُّقُوطِ بِالتَّلَفِ، وَفِي سُقُوطِهَا عَنِ الْبَاقِي إِنْ نَقَصَ عَنْ نِصَابٍ الْخِلَافُ، وَيُشْتَرَطُ لِمِلْكِ الْفَقِيرِ لَهَا وَإِجْزَائِهَا قَبْضُهُ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ قَبْلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ الْفَقِيرُ: اشْتَرِ لِي بِهَا ثَوْبًا، وَلَمْ يَقْبِضْهُ، لَمْ يَجُزْ وَلَوِ اشْتَرَاهُ كَانَ لَهُ، وَلَوْ تَلِفَ، فَمِنْ ضَمَانِهِ. [تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ] فَصْلٌ (وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ عَنِ الْحَوْلِ إِذَا كَمَلَ النِّصَابُ) جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ لِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: «أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي إِسْنَادِهِ، وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ مُرْسَلًا، وَأَنَّهُ أَصَحُّ، وَلِأَنَّهُ حَقُّ مَالٍ أُجِّلَ لِلرِّفْقِ، فَجَازَ تَعْجِيلُهُ قَبْلَ أَجَلِهِ كَالدَّيْنِ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ الْأَثْرَمُ: هُوَ مِثْلُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ، فَيَصِيرُ مِنْ تَقْدِيمِ الْحُكْمِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَقَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهِ، وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي، وَالْمَجْدِ أَنَّهُمَا سَبَبَانِ، فَقُدِّمَ عَلَى أَحَدِهِمَا،
وَفِي تَعْجِيلِهَا لِأَكْثَرِ مِنْ حَوْلٍ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ عَجَّلَهَا عَنِ النِّصَابِ وَمَا يَسْتَفِيدُهُ أَجْزَأَ عَنِ النِّصَابِ دُونَ الزِّيَادَةِ. وَإِنْ عَجَّلَ عُشْرَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الطَّلْعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَفِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ شَرْطَانِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ تَرْكَ التَّعْجِيلِ أَفْضَلُ، وَفِي " الْفُرُوعِ "، وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: تُعْتَبَرُ الْمَصْلَحَةُ، وَلَا خِلَافَ عِنْدِنَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بِعَامٍ وَاحِدٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ وَلِيُّ رَبِّ الْمَالِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَعْجِيلُهَا فِي وَجْهٍ، (وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ ذَلِكَ) ، أَيْ: قَبْلَ كَمَالِ النِّصَابِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهَا، فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ، كَالتَّكْفِيرِ قَبْلَ الْحَلِفِ، (وَفِي تَعْجِيلِهَا لِأَكْثَرَ مِنْ حَوْلٍ رِوَايَتَانِ) أَطْلَقَهُمَا تَبَعًا لِأَبِي الْخَطَّابِ، إِحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ بِتَعْجِيلِهَا لِأَكْثَرَ مِنْ حَوْلٍ، فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَمَّا الْعَبَّاسُ، فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ بِأَعْوَامٍ، لَكِنْ قَيَّدَهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَالْمَجْدُ بِعَامَيْنِ، وَنَصُّ أَحْمَدَ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ نَقْلُ الْأُولَى: لَا يَجُوزُ لِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ فَأَكْثَرَ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِيهِ اقْتِصَارًا عَلَى مَا وَرَدَ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ لِمَا سَبَقَ، وَإِذَا قُلْنَا: تُعَجَّلُ لِعَامَيْنِ، فَعَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاتَيْنِ فِي غَيْرِهَا، جَازَ، وَفِيهِمَا لَا يَجُوزُ عَنْهُمَا، وَيَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، وَإِنْ عَجَّلَ وَاحِدَةً مِنْهَا، وَأُخْرَى مِنْ غَيْرِهَا، جَازَ، جَزَمَ بِهِ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ ". وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُجْزِئُ وَاحِدَةٌ عَنِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ. (وَإِنْ) مَلَكَ نِصَابًا (ثُمَّ عَجَّلَهَا عَنِ النِّصَابِ، وَمَا يَسْتَفِيدُهُ أَجْزَأَ عَنِ النِّصَابِ) لِمَا تَقَدَّمَ (دُونَ الزِّيَادَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَجَّلَ زَكَاةَ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ، فَلَمْ يُوجَدِ السَّبَبُ كَمَا فِي النِّصَابِ الْأَوَّلِ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُ عَنْهَا لِوُجُودِ سَبَبِ الزَّكَاةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَفِي " الْفُرُوعِ "
وَالْحِصْرِمِ لَمْ تُجْزِئْهُ، وَإِنْ عَجَّلَ زَكَاةَ النِّصَابِ وَتَمَّ الْحَوْلُ وَهُوَ نَاقِصٌ قَدْرَ مَا عَجَّلَهُ جَازَ، وَإِنْ عَجَّلَ زَكَاةَ الْمِائَتَيْنِ فَنَتَجَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ سَخْلَةٌ، لَزِمَهُ شَاةٌ ثَالِثَةٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــQيَتَوَجَّهُ مِنْهَا احْتِمَالُ تَخْرِيجٍ يَضُمُّهُ إِلَى الْأَصْلِ مِنْ حَوْلِ الْوُجُوبِ، فَكَذَا مِنَ التَّعْجِيلِ، وَاخْتَارَ فِي " الِانْتِصَارِ " يُجْزِئُ عَنِ الْمُسْتَفَادِ مِنَ النِّصَابِ فَقَطْ، وَقِيلَ بِهِ إِنْ لَمْ يَبْلُغِ الْمُسْتَفَادُ نِصَابًا؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي الْوُجُوبِ وَالْحَوْلِ كَمَوْجُودٍ، وَإِذَا بَلَغَهُ اسْتَقَلَّ بِالْوُجُوبِ فِي الْجُمْلَةِ لَوْ لَمْ يُوجَدِ الْأَصْلُ، وَلَوْ عَجَّلَ عَنْ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَعَنْ نِتَاجِهَا بِنْتَ مَخَاضٍ فَنَتَجَتْ مِثْلَهَا، فَالْأَشْهَرُ: لَا تُجْزِئُهُ، وَتَلْزَمُهُ بِنْتُ مَخَاضٍ. وَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَ الْعِجْلَةَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. فَإِنْ جَازَ فَأَخَذَهَا ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى الْفَقِيرِ، جَازَ، وَإِنِ اعْتَدَّ بِهَا قَبْلَ أَخْذِهَا فَلَا؛ لِأَنَّهَا عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ، وَلَوْ عَجَّلَ مُسِنَّةً عَنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً وَنِتَاجِهَا، فَالْأَشْهَرُ: لَا تُجْزِئُهُ عَنِ الْجَمِيعِ، بَلْ عَنْ ثَلَاثِينَ، وَلَيْسَ لَهُ ارْتِجَاعُهَا، وَيُخْرِجُ لِلْعُشْرِ رُبْعَ مُسِنَّةٍ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ: يُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ ارْتِجَاعِ الْمُسِنَّةِ، وَيُخْرِجُهَا أَوْ غَيْرَهَا عَنِ الْجَمِيعِ، وَلَوْ عَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً، ثُمَّ أَبْدَلَهَا مِثْلَهَا أَوْ نَتَجَتْ أَرْبَعِينَ سَخْلَةً ثُمَّ مَاتَتِ الْإِنَاثُ، أَجْزَأَ الْعِجْلُ عَنِ الْبَدَلِ وَعَنِ السِّخَالِ، لِأَنَّهَا تُجْزِئُ مَعَ بَنَاتِ الْأُمَّاتِ عَنِ الْكُلِّ، فَعَنْ أَحَدِهِمَا أَوْلَى. وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ وَجْهًا: لَا تُجْزِئُ؛ لِأَنَّ التَّعْجِيلَ كَانَ لِغَيْرِهَا (وَإِنْ عَجَّلَ عُشْرَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الطَّلْعِ وَالْحِصْرِمِ لَمْ تُجْزِئْهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لَهَا قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا عَجَّلَهَا بَعْدَ الطُّلُوعِ أَنَّهَا تُجْزِئُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّ وُجُودَ ذَلِكَ كَالنِّصَابِ، وَالْإِدْرَاكُ كَالْحَوْلِ، وَحُكْمُ الزَّرْعِ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: يَجُوزُ بَعْدَ مِلْكِ الشَّجَرِ، وَوَضْعِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلْوُجُوبِ إِلَّا مُضِيُّ الْوَقْتِ عَادَةً، كَالنِّصَابِ الْحَوْلِيِّ، وَاخْتَارَ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَ " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَشْتَدَّ الْحَبُّ، وَيَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ، (وَإِنْ عَجَّلَ زَكَاةَ النِّصَابِ، وَتَمَّ الْحَوْلُ؛ وَهُوَ نَاقِصٌ قَدْرَ مَا عَجَّلَهُ جَازَ) ؛ لِأَنَّ مَا عَجَّلَهُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْوُجُودِ فِي مِلْكِهِ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا، وَلِهَذَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ، وَيُجْزِئُهُ عَنْ مَالِهِ. وَقَالَ أَبُو حَكِيمٍ: لَا يُجْزِئُهُ، وَيَكُونُ نَفْلًا، وَيَكُونُ كَتَالِفٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ مَلَكَ مِائَةً وَعِشْرِينَ شَاةً، ثُمَّ نَتَجَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ وَأَخَذَهُ، لَزِمَهُ شَاةٌ أُخْرَى، وَعَلَى الثَّانِي: لَا، وَظَاهِرُهُ
وَإِنْ عَجَّلَهَا، فَدَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَمَاتَ أَوِ ارْتَدَّ، أَوِ اسْتَغْنَى، أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى غَنِيٍّ فَافْتَقَرَ عِنْدَ الْوُجُوبِ لَمْ تُجْزِئْهُ، وَإِنْ عَجَّلَهَا ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ قَبْلَ الْحَوْلِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمِسْكِينِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنَّهُ إِذَا نَقَصَ أَكْثَرُ مِمَّا عَجَّلَهُ أَنَّهُ يُخْرِجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلزَّكَاةِ، فَإِذَا زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ إِمَّا بِنِتَاجٍ، أَوْ شِرَاءِ مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ، اسْتُؤْنِفَ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ كَمُلَ النِّصَابُ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ مَا عَجَّلَهُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَإِنْ عَجَّلَ زَكَاةَ الْمِائَتَيْنِ فَنَتَجَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ سَخْلَةٌ لَزِمَهُ شَاةٌ ثَالِثَةٌ) لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الْمُعَجَّلَ حُكْمُهُ كَالْمَوْجُودِ، فَيَكُونُ مِلْكُهُ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةً، وَفَرْضُ ذَلِكَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا أَدَّى اثْنَتَيْنِ بَقِيَ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ، فَلَوْ نَتَجَ الْمَالُ مَا يُغَيِّرُ الْفَرْضَ، كَتَبِيعٍ عَنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً فَنَتَجَتْ عَشْرًا، فَقِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ الْمُعَجَّلُ لِشَيْءٍ لِيَتَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ غَيْرُهُ، وَهَلْ لَهُ ارْتِجَاعُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ عَمَّا جَعَلَهُ عَنْهُ، وَيَلْزَمُهُ لِلنِّتَاجِ رُبْعُ مُسِنَّةٍ، لِئَلَّا يَمْتَنِعَ الْمَالِكُ مِنَ التَّعْجِيلِ غَالِبًا (وَإِنْ عَجَّلَهَا فَدَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا فَمَاتَ) قَابِضُهَا (أَوِ ارْتَدَّ أَوِ اسْتَغْنَى) مِنْ غَيْرِهَا قَبْلَ الْحَوْلِ (أَجْزَأَتْ عَنْهُ) فِي الْأَصَحِّ كَمَا لَوِ اسْتَغْنَى مِنْهَا، أَوْ عَدِمَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ وَقْتُ الْقَبْضِ، وَلِئَلَّا يَمْتَنِعَ التَّعْجِيلُ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا بَقِيَ عَلَى صِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ الْإِجْزَاءُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى (وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى غَنِيٍّ فَافْتَقَرَ عِنْدَ الْوُجُوبِ لَمْ يُجْزِئْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَفْتَقِرْ، (وَإِنْ عَجَّلَهَا ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ) أَيِ: النِّصَابُ أَوْ بَعْضُهُ، أَوْ مَاتَ الْمَالِكُ أَوِ ارْتَدَّ (قَبْلَ الْحَوْلِ) فَقَدْ بَانَ أَنَّ الْمُخْرَجَ لَيْسَ بِزَكَاةٍ؛ لِانْقِطَاعِ الْوُجُوبِ بِذَلِكَ، فَإِذَا أَرَادَ الْوَارِثُ الِاحْتِسَابَ بِهَا عَنْ زَكَاةِ حَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا: يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ عَجَّلَ عَنْ عَامَيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّعْجِيلَ وُجِدَ مِنْ نَفْسِهِ مَعَ حَوْلِ مِلْكِهِ، وَهُنَا أَخْرَجَهَا غَيْرُهُ عَنْ نَفْسِهِ بِلَا وِلَايَةٍ وَلَا نِيَابَةٍ فَلَمْ يَجُزْ، (وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمِسْكِينِ) فِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْقَاضِي: وَهِيَ الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهَا وَقَعَتْ إِلَى مُسْتَحِقِّهَا
إِنْ كَانَ الدَّافِعُ السَّاعِي أَوْ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ، رَجَعَ عَلَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَمْ يَمْلِكِ اسْتِرْجَاعَهَا لِوُقُوعِهَا نَفْلًا، بِدَلِيلِ مِلْكِ الْفَقِيرِ لَهَا، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ إِعْلَامِ الْآخِذِ أَنَّهَا مُعَجَّلَةٌ أَوْ لَا، وَالثَّانِيَةُ: يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهِ، اخْتَارَهَا ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ شِهَابٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، كَمَا لَوْ عَجَّلَ الْأُجْرَةَ ثُمَّ تَلِفَ الْمَأْجُورُ، وَكَعِتْقِهِ عَنْ كَفَّارَةٍ لَمْ تَجِبْ، فَلَمْ تَجِبْ كَمَا لَوْ كَانَتْ بِيَدِ السَّاعِي عِنْدَ التَّلَفِ، وَبَيْنَ جَمَاعَةٍ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ الدَّافِعُ وَلِيَّ رَبِّ، الْمَالِ رَجَعَ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ رَبَّ الْمَالِ، وَدَفَعَ إِلَى السَّاعِي مُطْلَقًا، رَجَعَ فِيهَا مَا لَمْ يَدْفَعْهَا إِلَى الْفَقِيرِ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ الدَّافِعُ السَّاعِي) رَجَعَ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ: (أَوْ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ رَجَعَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهَا عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ الْقَابِضُ مِنَ الْحَالِ الثَّانِي، وَإِذَا طَرَأَ مَا يَمْنَعُ الِاسْتِحْقَاقَ، وَجَبَ رَدُّهُ، كَمَا لَوْ كَفَّرَ عَنِ الْقَتْلِ بَعْدَ الْجُرْحِ فَانْدَمَلَ، وَلَمْ يَمُتِ الْمَجْرُوحُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إِلَى رَبِّ الْمَالِ؛ وَهُوَ الَّذِي فِي " الشَّرْحِ " فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: لَوْ أَعْلَمَ رَبُّ الْمَالِ السَّاعِيَ بِالتَّعْجِيلِ وَدَفَعَ إِلَى الْفَقِيرِ، رَجَعَ عَلَيْهِ، أَعْلَمَ السَّاعِيَ، أَوْ لَا، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ حَامِدٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إِلَى الدَّافِعِ، فَعَلَى هَذَا تَقْدِيرُهُ: إِذَا أَعْلَمَ الدَّافِعُ الْفَقِيرَ بِأَنَّهَا مُعَجَّلَةٌ، رَجَعَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَتَى كَانَ رَبُّ الْمَالِ صَادِقًا، فَلَهُ الرُّجُوعُ بَاطِنًا، أَعْلَمَهُ بِالتَّعْجِيلِ أَوْ لَا، لَا ظَاهِرًا مَعَ الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالرُّجُوعِ إِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ بَاقِيَةً، أَخَذَهَا بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ فَقَطْ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ بِالْمُنْفَصِلَةِ، كَرُجُوعِ بَائِعِ الْمُفْلِسِ الْمُسْتَرِدِّ عَيْنَ مَالِهِ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً ضَمِنَ نَقْصَهَا فِي الْأَصَحِّ كَجُمْلَتِهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَ مِثْلَهَا أَوْ قِيمَتَهَا يَوْمَ التَّعْجِيلِ، وَالْمُرَادُ مَا قَالَهُ الْمَجْدُ يَوْمَ التَّلَفِ عَلَى صِفَتِهَا يَوْمَ التَّعْجِيلِ. فَرْعٌ: إِذَا اخْتَلَفَا فِي ذِكْرِ التَّعْجِيلِ، صُدِّقَ الْآخِذُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَيَحْلِفُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ مَاتَ وَادَّعَى عِلْمَ وَارِثِهِ، فَفِي يَمِينِهِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ الْخِلَافُ.
[باب ذكر أهل الزكاة]
باب ذكر أهل الزكاة وَهُمْ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ: الْفُقَرَاءُ: وَهُمُ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ. الثَّانِي: الْمَسَاكِينُ، وَهُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَ مُعْظَمَ الْكِفَايَةِ. وَمَنْ مَلَكَ مِنْ غَيْرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابُ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ] [الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ] ِ وَأَهْلُهَا هُمُ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ الشَّرْعُ مَحَلًّا لِدَفْعِهَا إِلَيْهِمْ، (وَهُمْ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ) الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] الْآيَةَ. قَالَ أَحْمَدُ: إِنَّمَا هِيَ لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ، قَالَ الْأَصْحَابُ: إِنَّمَا تُفِيدُ الْحَصْرَ، أَيْ: تُثْبِتُ الْمَذْكُورَ، وَتَنْفِي مَا عَدَاهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النساء: 171] . قَالَ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ ": وَكَذَلِكَ تَعْرِيفُ الصَّدَقَاتِ - بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ - فَلَوْ صَارَ صَرْفُ شَيْءٍ مِنْهَا إِلَى غَيْرِ الثَّمَانِيَةِ، لَكَانَ لَهُمْ بَعْضُهَا لَا كُلُّهَا، وَهَذَا إِجْمَاعٌ. (الْفُقَرَاءُ) بَدَأَ بِهِمُ اتِّبَاعًا لِلنَّصِّ، وَلِشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ، وَهُمْ غَيْرُ الْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّهُمَا إِذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا، وَبِالْعَكْسِ (وَهُمُ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ) فَالْفَقِيرُ الَّذِي لَا يَجِدُ شَيْئًا أَصْلًا، أَوْ لَا يَجِدُ نِصْفَ كِفَايَتِهِ، كَدِرْهَمَيْنِ مِنْ عَشَرَةٍ، وَمَثَّلَهُ الْخِرَقِيُّ وَتَبِعَهُ فِي " الشَّرْحِ " بِالزَّمِنِ وَالْأَعْمَى؛ لِأَنَّهُمَا غَالِبًا لَا قُدْرَةَ لَهُمَا عَلَى اكْتِسَابِ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ، أَوْ لَا قُدْرَةَ لَهُمَا عَلَى شَيْءٍ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 273] (الثَّانِي: الْمَسَاكِينُ، وَهُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَ مُعْظَمَ الْكِفَايَةِ) أَوْ نِصْفَهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: 79] فَسَمَّاهُمْ مَسَاكِينَ، وَلَهُمْ سَفِينَةٌ، وَقَدْ سَأَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسْكَنَةَ، وَاسْتَعَاذَ مِنَ الْفَقْرِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ شِدَّةَ الْحَاجَةِ، وَيَسْتَعِيذَ مِنْ حَالَةٍ أَصْلَحَ مِنْهَا. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ لِكَوْنِهِ يَجِدُ مَا ذَكَرْنَا، وَعَنْهُ: أَنَّهُ فَقِيرٌ، وَالْأَوَّلُ مِسْكِينٌ، وَأَنَّ الْمِسْكِينَ أَشَدُّ حَاجَةً مِنَ الْفَقِيرِ، وَقَالَهُ الْفَرَّاءُ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ، وَثَعْلَبُ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 16] وَهُوَ الْمَطْرُوحُ عَلَى التُّرَابِ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْبِيرُ عَنِ الْفَقِيرِ بِالْمِسْكِينِ مُطْلَقًا، وَأَنَّ هَذَا النَّعْتَ لَا يَسْتَحِقُّهُ
الْأَثْمَانِ مَا لَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ، فَلَيْسَ بِغَنِيٍّ وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْأَثْمَانِ، فَكَذَلِكَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى: إِذَا مَلَكَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتَهَا مِنَ الذَّهَبِ فَهُوَ غَنِيٌّ. الثَّالِثُ: الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا، وَهُمُ الْجُبَاةُ لَهَا وَالْحَافِظُونَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQبِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَسْكَنَةِ (وَمَنْ مَلَكَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ مَا لَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ فَلَيْسَ بِغَنِيٍّ، وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ: «فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالسِّدَادُ: الْكِفَايَةُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ كَالْعَقَارِ وَنَحْوِهِ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ: إِذَا كَانَ لَهُ عَقَارٌ يَسْتَغِلُّهُ أَوْ ضَيْعَةٌ يَسْتَغِلُّهَا عَشَرَةُ آلَافٍ أَوْ أَكْثَرُ لَا تُقِيمُهُ يَعْنِي لَا تَكْفِيهِ، يَأْخُذُ مِنَ الزَّكَاةِ، وَهُوَ فَقِيرٌ يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَبَيْنَ مَا تَجِبُ فِيهِ كَالْمَوَاشِي وَالْحُبُوبِ. نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ عَنْ أَحْمَدَ: فَقُلْتُ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَهُوَ فَقِيرٌ يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَا لَا يُغْنِيهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى كَسْبِ مَا يَكْفِيهِ، فَجَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا كَغَيْرِهِ، وَيَأْخُذُ تَمَامَ كِفَايَتِهِ سَنَةً، وَعَنْهُ: يَأْخُذُ نَمَاءَهَا دَائِمًا بِمَتْجَرٍ وَآلَةِ صَنْعَةٍ، وَلَا يَأْخُذُ مَا يَصِيرُ بِهِ غَنِيًّا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ كَمَنْ لَهُ مَكْسَبٌ أَوْ أُجْرَةُ عَقَارٍ، أَوْ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ غَنِيٌّ، وَيُمْنَعُ مِنْ أَخْذِهَا (وَإِنْ كَانَ مِنَ الْأَثْمَانِ) وَهُوَ لَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ. قَالَ فِي " الْوَجِيزِ ": وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ (فَكَذَلِكَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) نَقَلَهُ مُهَنَّا؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ عَدَمَ الْكِفَايَةِ غَايَةَ حِلِّ الْمَسْأَلَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ (وَالْأُخْرَى إِذَا مَلَكَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتَهَا مِنَ الذَّهَبِ فَهُوَ غَنِيٌّ) نَقَلَهَا وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ سَأَلَ، وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ، جَاءَتْ مَسْأَلَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُدُوشًا أَوْ كُدُوشًا فِي وَجْهِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا غِنَاهُ؟ قَالَ: خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ حِسَابُهَا مِنَ
[العاملون عليها]
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْعَامِلِ أَمِينًا مُسْلِمًا مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى، وَلَا يُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالذَّهَبِ» رَوَاهُ الْخُمْسَةُ، وَأُجِيبُ بِضَعْفِ الْخَبَرِ، فَإِنَّهُ يَرْوِيهِ حَكِيمُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ، وَشُعْبَةُ لَا يَرْوِي عَنْ حَكِيمٍ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ، وَلَوْ سَلِمَ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ، فَتَحْرُمُ الْمَسْأَلَةُ، وَلَا يَحْرُمُ الْأَخْذُ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَحَمَلَهُ الْمَجْدُ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَهُ فِي وَقْتٍ كَانَتِ الْكِفَايَةُ الْغَالِبَةُ فِيهِ بِخَمْسِينَ، وَلِذَلِكَ جَاءَ التَّقْدِيرُ عَنْهُ بِأَرْبَعِينَ، وَبِخَمْسِ أَوَاقٍ؛ وَهِيَ مِائَتَانِ، وَيُعْتَبَرُ الذَّهَبُ بِقِيمَةِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَحُدُّهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَانِعُ مِنْ أَخْذِهَا مِلْكَهُ نِصَابًا أَوْ قِيمَتَهُ فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُهُ فَقَطْ، أَوْ مِلْكَهُ كِفَايَتَهُ. فَرْعٌ: عِيَالُهُ مِثْلُهُ، فَيَأْخُذُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ أَوْ قَدْرَ كِفَايَتِهِ عَلَى الْخِلَافِ. [الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا] (الثَّالِثُ: الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا) لِلنَّصِّ (وَهُمُ الْجُبَاةُ لَهَا، وَالْحَافِظُونَ) كَالْكَاتِبِ وَالْقَائِمِ وَنَحْوِهِمَا لِدُخُولِهِمْ فِي مُسَمَّى الْعَامِلِ (وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْعَامِلِ) مُكَلَّفًا (أَمِينًا) وَفِي " الْفُرُوعِ " وَمُرَادُهُمْ بِهَا الْعَدَالَةُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، (مُسْلِمًا) فِي رِوَايَةٍ؛ وَهِيَ الْمَذْهَبُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} [آل عمران: 118] لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ؛ وَلِاشْتِرَاطِ الْأَمَانَةِ أَشْبَهَ الشَّهَادَةَ؛ وَهِيَ تَفْتَقِرُ إِلَى الْعِلْمِ بالنصب وَمَقَادِيرِ الزَّكَاةِ وَقَبُولِ قَوْلِهِمْ مِنَ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ، قَالَ عُمَرُ: لَا تَأْمَنُوهُمْ، وَقَدْ خَوَّنَهُمُ اللَّهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَامِلُهَا وَرَاعِيهَا وَنَحْوُهُمَا كَافِرًا (مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى) هَذَا وَجْهٌ، وَفِي ابْنِ الْمُنَجَّا أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ «لِأَنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، وَالْمُطَّلِبَ بْنَ رَبِيعَةَ سَأَلَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعُمَالَةَ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَقَالَ: إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» وَهُوَ
وَفَقْرُهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُشْتَرَطُ إِسْلَامُهُ وَلَا كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى، وَإِنْ تَلِفَتِ الزَّكَاةُ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، أُعْطِيَ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. الرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ، ـــــــــــــــــــــــــــــQنَصٌّ فِي التَّحْرِيمِ، فَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ إِلَّا أَنْ يُدْفَعَ إِلَيْهِ أُجْرَتُهُ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " (وَلَا يُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ كَالْحُرِّ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُشْتَرَطُ لِكَمَالِهِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي عُمَالَةِ تَفْوِيضٍ لَا تَنْفِيذٍ، (وَفَقْرُهُ) إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَرْسَلَ عُمَرَ عَامِلًا، وَكَانَ غَنِيًّا؛ وَلِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةٌ، (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُشْتَرَطُ إِسْلَامُهُ) فِي رِوَايَةٍ، وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِحَقِّ جِبَايَتِهِ. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَهُ الْوَصِيُّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ بَيْعًا وَابْتِيَاعًا، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا فِي زَكَاةٍ خَاصَّةٍ عُرِفَ قَدْرُهَا، (وَلَا كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى) فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ. قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَقَرَابَةِ رَبِّ الْمَالِ مِنْ وَالِدٍ وَوَلَدٍ، وَكَجِبَايَةِ الْخَرَاجِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ، قَالَه ابْنُ مُنَجَّا: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقِيلَ: إِنْ مَنَعُوا الْخُمُسَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذُكُورِيَّتُهُ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَمِنْ تَعْلِيلِهِمْ بِالْوِلَايَةِ وَلَا فِقْهِهِ، وَاشْتَرَطَ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " إِنْ كَانَ مِنْ عُمَّالِ التَّفْوِيضِ، وَإِنْ كَانَ مُنَفِّذًا فَلَا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ عَيَّنَ لَهُ مَا يَأْخُذُهُ. وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إِذَا كَتَبَ لَهُ مَا يَأْخُذُهُ، كَسُعَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَإِنْ تَلِفَتِ الزَّكَاةُ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ) فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ (أُعْطِيَ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ
[المؤلفة قلوبهم]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَالِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مِنْهَا، وَقِيلَ: لَا يُعْطَى شَيْئًا. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ "، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَتْلَفْ أُعْطِيَ أُجْرَتَهُ مِنْهَا، وَإِنْ جَاوَزَ الثُّمْنَ؛ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ أُجْرَةً فِي الْمَنْصُوصِ، وَعَنْهُ: لَهُ الثُّمْنُ مِمَّا يَجْتَنِيهِ. قَالَ الْمَجْدُ: فَعَلَيْهَا إِنْ جَاوَزَتْ أُجْرَتُهُ الثُّمْنَ أُعْطِيَهُ مِنَ الْمَصَالِحِ، وَيُقَدَّمُ بِأُجْرَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَهُ الْأَخْذُ، وَإِنْ تَطَوَّعَ بِعَمَلِهِ؛ لِلْخَبَرِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إِذَا جُعِلَ لَهُ جُعْلٌ عَلَى عَمَلٍ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا قَبْلَ تَعْمِيلِهِ، وَإِنْ عَقَدَ لَهُ إِجَارَةً، وَعَيَّنَ لَهُ أُجْرَةً مِمَّا يَأْخُذُهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ عِنْدَ تَلَفِ مَا أَخَذَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ أَوْ بَعَثَهُ الْإِمَامُ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ شَيْئًا، أُعْطِيَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا ادَّعَى الْمَالِكُ دَفْعَهَا إِلَى الْعَامِلِ فَأَنْكَرَ، صُدِّقَ الْمَالِكُ بِلَا يَمِينٍ، وَحَلَفَ الْعَامِلُ وَبَرِئَ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْعَامِلِ فِي الدَّفْعِ إِلَى الْفَقِيرِ، وَكَذَا إِقْرَارُهُ بِقَبْضِهَا، وَلَوْ عُزِلَ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَفْعُ حِسَابِ مَا تَوَلَّاهُ إِذَا طُلِبَ مِنْهُ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: بَلَى، وَقِيلَ: مَعَ تُهْمَتِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ عَلَيْهِ فِي وَضْعِهَا غَيْرِ مَوْضِعِهَا لَا فِي أَخْذِهَا مِنْهُمْ، وَإِنْ شَهِدَ بِهِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ قَبْلَ التَّخَاصُمِ، قُبِلَ وَغَرِمَ الْعَامِلُ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ شَهِدَ أَهْلُ السُّهْمَانِ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ، لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ عَمِلَ إِمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ عَلَيْهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْهَا شَيْئًا. [الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ] (الرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ) لِلنَّصِّ، وَالْمَذْهَبُ بَقَاءُ حُكْمِهِمْ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَعْطَى الْمُؤَلِّفَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ (وَهُمُ السَّادَةُ) الرُّؤَسَاءُ (الْمُطَاعُونَ فِي عَشَائِرِهِمْ) وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إِنَّهُ مُطَاعٌ، إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَهُمْ ضَرْبَانِ: كُفَّارُ وَمُسْلِمُونَ، وَالْكُفَّارُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا (مِمَّنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ) فَيُعْطَى مِنْهَا لِيَقْوَى بِنِيَّتِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَتَمِيلَ نَفْسُهُ إِلَيْهِ فَيُسْلِمَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ الْأَمَانَ، وَاسْتَنْظَرَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لِيَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ، وَخَرَجَ مَعَهُ إِلَى حُنَيْنٍ، فَلَمَّا أَعْطَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَطَايَا، قَالَ صَفْوَانُ:
وَهُمُ السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ فِي عَشَائِرِهِمْ مِمَّنْ يُرْجَى سَلَامُهُ، أَوْ يُخْشَى شَرُّهُ، أَوْ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إِيمَانِهِ، أَوْ إِسْلَامُ نَظِيرِهِ، أَوْ جِبَايَةُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا، أَوِ الدَّفْعُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَنْهُ: إنَّ حُكْمَهُمُ انْقَطَعَ. الْخَامِسُ: الرِّقَابُ وَهُمُ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَا لِي؛ فَأَشَارَ إِلَى وَادٍ فِيهِ إِبِلٌ مُحَمَّلَةٌ، فَقَالَ: هَذَا لَكَ. فَقَالَ صَفْوَانُ: هَذَا عَطَاءُ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ. وَأُجِيبُ بأَنَّهُ كَانَ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ لَا الزَّكَاةِ. الثَّانِي: مَنْ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ كَفُّ شَرِّهِ وَشَرِّ غَيْرِهِ، فَقَالَ (أَوْ يُخْشَى شَرُّهُ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَنَّ قَوْمًا كَانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ أَعْطَاهُمْ مَدَحُوا الْإِسْلَامَ، وَإِنْ مَنَعَهُمْ ذَمُّوا وَعَابُوا» وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: 1 - (أَوْ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إِيمَانِهِ) وَمُنَاصَحَتُهُ فِي الْجِهَادِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَمَّا بَعَثَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا، وَقَسَّمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، وَزَيْدٍ الْخَيْرِ الطَّائِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِأَتَأَلَّفَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ضَعْفِ إِسْلَامِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ. 2 - (أَوْ إِسْلَامُ نَظِيرِهِ) أَيْ: أَنَّهُمْ سَادَاتٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ نُظَرَاءُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا أَعْطَوُا الْمُسْلِمِينَ رَغِبَ نُظَرَاؤُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْطَى عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، وَالزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ مَعَ إِسْلَامِهِمَا، وَحُسْنِ نِيَّاتِهِمَا. 3 - (أَوْ جِبَايَةُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا) إِلَّا أَنْ يَخَافَ. 4 - (أَوِ الدَّفْعُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ) كَمَنْ هُوَ فِي طَرَفِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، إِذَا أُعْطُوا دَفَعُوا عَمَّنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَهَؤُلَاءِ يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ لِدُخُولِهِمْ فِي مُسَمَّى الْمُؤَلَّفَةِ، (وَعَنْهُ:
[الرقاب]
الْمُكَاتَبُونَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَفْدِيَ بِهَا أَسِيرًا مُسْلِمًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا رَقَبَةً يُعْتِقُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. السَّادِسُ: الْغَارِمُونَ وَهُمُ الْمَدِينُونَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنَّ حُكْمَهُمُ انْقَطَعَ) نَقَلَهَا حَنْبَلٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُعْطُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَأَعَلَى كَلِمَةَ الْإِيمَانِ، فَلَمْ يُحْتَجْ إِلَيْهِمْ، وَالْحُكْمُ يَزُولُ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ، وَعَنْهُ: يَنْقَطِعُ مَعَ كُفْرِهِمْ، لِقَوْلِ عُمَرَ وَقَدْ جَاءَهُ مُشْرِكٌ يَلْتَمِسُ مِنْهُ مَالًا فَلَمْ يُعْطِهِ، وَقَالَ: مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ أَيْ: يَسْتَمِرُّ عَلَى كُفْرِهِ، وَعَلَيْهِمَا يُرَدُّ سَهْمُهُمْ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ، أَوْ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يُرَدُّ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ فَقَطْ. [الرِّقَابُ] (الْخَامِسُ: الرِّقَابُ) لِلنَّصِّ (وَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ) وَاحِدُهُ مُكَاتَبٌ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ مِنَ الرِّقَابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: أَعْتَقْتُ رِقَابِي، فَإِنَّهُ يَشْمَلُهُمْ، وَفِي قَوْله تَعَالَى: {فَكَاتِبُوهُمْ} [النور: 33] الْآيَةَ، إِشْعَارٌ بِهِ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَالَ عَلَى سَيِّدِهِ، وَيُصْرَفُ إِلَيْهِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ، فَكَانَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا إِنْ لَمْ يَجِدْ وَفَاءً كَالْغَرِيمِ، فَإِنْ عَتَقَ بِأَدَاءٍ أَوْ إِبْرَاءٍ، فَمَا فَضَلَ مَعَهُ، فَهَلْ هُوَ لَهُ كَمَا لَوْ فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَوْ لِلْمُعْطِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَيُعْطَى قَبْلَ حُلُولِهَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى فَسْخِهَا، وَلَوْ مَعَ الْقُوَّةِ وَالْكَسْبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِذَا حَلَّ نَجْمٌ، قَالَ جَمَاعَةٌ: وَكَذَا مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ لِمَجِيءِ الْمَالِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمُكَاتَبُ كِتَابَةً فَاسِدَةً، وَالْكَافِرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ. فَرْعٌ: لَا يُدْفَعُ إِلَى الْمُكَاتَبِ بِحُكْمِ الْفَقْرِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ. (وَيَجُوزُ أَنْ يَفْدِيَ بِهَا أَسِيرًا مُسْلِمًا، نَصَّ عَلَيْهِ) اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ فَكُّ رَقَبَةٍ مِنَ الْأَسْرِ، أَشْبَهَ الْمُكَاتَبَ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهِ الْقَتْلَ أَوِ الرِّدَّةَ لِحَبْسِهِ فِي أَيْدِي الْعَدُوِّ، فَهُوَ أَشَدُّ مِنْ حَبْسِ الْقِنِّ فِي الرِّقِّ، وَعَنْهُ: لَا، قَدَّمَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَكَذَا لَوْ دَفَعَ إِلَى فَقِيرٍ مُسْلِمٍ غَرَّمَهُ السُّلْطَانُ مَالًا لِيَدْفَعَ جَوْرَهُ (وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا رَقَبَةً يُعْتِقُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ، جَزَمَ بِهِ فِي
[الغارمون]
وَهُمْ ضَرْبَانِ: ضَرَبٌ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَضَرْبٌ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ نَفْسِهِ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ" الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ؛ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، فَإِنَّ الرَّقَبَةَ إِذَا أُطْلِقَتْ تَنْصَرِفُ إِلَيْهِ، فَجَازَ صَرْفُهَا فِيهِ كَالْمُكَاتَبِ، وَشَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يُعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ، وَكَلَامُهُ مُشْعِرٌ بِذَلِكَ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ. قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: كُنْتُ أَقُولُ: يُعْتِقُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ، وَلَكِنْ أَهَابُهُ؛ لِأَنَّهُ نَجَّزَ الْوَلَاءَ؛ وَلِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَنْتَفِي الدَّفْعُ إِلَى الرِّقَابِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 60] الْمُرَادُ بِهَا الدَّفْعُ إِلَى الْغُزَاةِ، وَالدَّفْعُ إِلَى الْعَبْدِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ فَكُّ الرَّقَبَةِ. وَبَالَغَ ابْنُ عَقِيلٍ فَادَّعَى أَنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ عَنِ الْأُولَى لِظَاهِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ؛ لِأَنَّ مَا رَجَعَ مِنَ الْوَلَاءِ رَدٌّ فِي مِثْلِهِ، فَلَا يَنْتَفِعُ إِذًا بِإِعْتَاقِهِ مِنَ الزَّكَاةِ، وَعَنْهُ: الرِّقَابُ عَبِيدٌ يُشْتَرَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ، وَيُعْتَقُونَ خَاصَّةً، وَعَنْهُ: لَا يُعْتِقُ مِنْهَا رَقَبَةً كَامِلَةً بَلْ يُعِينُ فِي ثَمَنِهَا، فَإِنْ جَازَ، فَأَعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ مُكَاتَبَهُ عَنْ زَكَاتِهِ، فَفِي الْجَوَازِ وَجْهَانِ، وَلَوْ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِشَرْطٍ، ثُمَّ نَوَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ الشَّرْطِ لَمْ تُجْزِئْهُ. فَرْعٌ: يَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَى سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ بِلَا إِذْنِهِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَهُوَ الْأَوْلَى، كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ، فَإِنْ رَقَّ لِعَجْزِهِ أُخِذَتْ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلَوْ بَلَغَتْ الزَّكَاةُ بِيَدِ الْمُكَاتَبِ أَجْزَأَتْ، وَلَمْ يَغْرَمْهَا، عَتَقَ أَوْ رُدَّ رَقِيقًا. [الْغَارِمُونَ] (السَّادِسُ: الْغَارِمُونَ) لِلنَّصِّ (وَهُمُ الْمَدِينُونَ) كَذَا فَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ؛ (وَهُوَ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: 1] أَيْ: وَصْلِكُمْ، وَالْبَيْنُ: الْوَصْلُ، وَالْمَعْنَى: كُونُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى أَمْرٍ أُبْرِمَ، وَالْمُرَادُ: أَنْ تَقَعَ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ وَضَغَائِنُ يَتْلَفُ بِهَا نَفْسٌ أَوْ مَالٌ، فَيَتَحَمَّلُ إِنْسَانٌ حَمَالَةً بِفَتْحِ الْحَاءِ لِإِطْفَاءِ الْفِتْنَةِ وَسُكُونِ النَّارِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْقَبَائِلِ فَيَسْأَلُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، فَوَرَدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَةِ الْمَسْأَلَةِ فِيهَا، وَجَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا مِنَ الصَّدَقَةِ، وَحَدِيثُ قَبِيصَةَ شَاهِدٌ بِذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْغَارِمَ يَأْخُذُ، وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ دَيْنُهُ، وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا،
[في سبيل الله]
مُبَاحٍ. السَّابِعُ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُمُ الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ وَلَا يُعْطَى مِنْهَا فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQوَفِي " الْعُمْدَةِ " وَابْنِ تَمِيمٍ وَ " الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ": مِنَ الْمُسْلِمِينَ (وَضَرْبٌ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ نَفْسِهِ فِي مُبَاحٍ) كَمَنِ اسْتَدَانَ فِي نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ أَوْ كُسْوَتِهِمْ، وَقَيَّدَهُ بِالْمُبَاحِ لِيُخْرِجَ مَا اسْتَدَانَ وَصَرَفَهُ فِي مَعْصِيَةٍ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا، وَدَخَلَ فِيهِ مَا إِذَا اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَيُعْطَى قَدْرَهُ مَعَ فَقْرِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ فِي ذَوِي الْقُرْبَى، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ احْتِمَالًا بِالْمَنْعِ، وَكَمَا لَا يَدْفَعُ إِلَى الْغَارِمِ الْكَافِرِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَكَذَا لَا يُقْضَى مِنْهَا دَيْنُ مَيِّتٍ غَرِمَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةٍ لِقَبُولِهَا، كَمَا لَوْ كَفَّنَهُ مِنْهَا، وَحَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رِوَايَةً بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْغَارِمَ لَا يُشْتَرَطُ تَمْلِيكُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: {وَالْغَارِمِينَ} [التوبة: 60] ، وَلَمْ يَقُلْ لِلْغَارِمِينَ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَمَنْ تَحَمَّلَ بِسَبَبِ إِتْلَافِ مَالٍ أَوْ نَهْبِ أَحَدٍ مِنَ الزَّكَاةِ، وَكَذَا إِنْ ضَمِنَ عَنْ غَيْرِهِ مَالًا، وَهُمَا مُعْسِرَانِ، جَازَ الدَّفْعُ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا. مَسَائِلُ: مِنْهَا: إِذَا اجْتَمَعَ الْغُرْمُ وَالْفَقْرُ، أُعْطِيَ بِهِمَا، فَإِنْ أُعْطِيَ لِلْفَقِيرِ، فَلَهُ صَرْفُهُ فِي الدَّيْنِ، وَإِنْ أُعْطِيَ لِلْغُرْمِ، لَمْ يَصْرِفْهُ فِي غَيْرِهِ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ. وَمِنْهَا: إِذَا دَفَعَ الْمَالِكُ إِلَى الْغَرِيمِ بِلَا إِذْنِ الْفَقِيرِ، فَعَنْهُ يَصِحُّ، كَدَفْعِهَا لِلْفَقِيرِ، وَعَنْهُ: لَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَى الْغَارِمِ، فَلَا يَصِحَّ قَضَاؤُهُ إِلَّا بِتَوْكِيلِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَهَذَا خِلَافُ الْمَذْهَبِ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ دَافِعُهَا لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى وَكَالَةٍ لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ فِي إِيفَائِهِ، وَلِهَذَا يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ إِذَا امْتَنَعَ. وَمِنْهَا: إِذَا أَبْرَأَ رَبُّ الْمَالِ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنِهِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ لَمْ تَسْقُطْ، نَصَّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْرَجُ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا، وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ لِقَوْلِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ فِي أَنَّهَا تَسْقُطُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هَلْ هُوَ تَمْلِيكٌ أَمْ لَا؛ وَقِيلَ: تُجْزِئُهُ مِنْ زَكَاةِ دَيْنِهِ؛ لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ، وَلَا يَكْفِي الْحَوَالَةُ بِهَا، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، بِنَاءً عَلَى الْحَوَالَةِ وَفَاءٌ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ، وَإِلَّا كَانَ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. [فِي سَبِيلِ اللَّهِ] (السَّابِعُ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ) لِلنَّصِّ (وَهُمُ الْغُزَاةُ) ؛ لِأَنَّ السَّبِيلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هُوَ الْغَزْوُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [آل عمران: 167] ، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} [الصف: 4] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ، وَلَا خِلَافَ فِي
الْحَجِّ، وَعَنْهُ: يُعْطَى الْفَقِيرُ مَا يَحُجُّ بِهِ الْفَرْضَ، أَوْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِيهِ. الثَّامِنُ: ابْنُ ـــــــــــــــــــــــــــــQاسْتِحْقَاقِهِمْ وَبَقَاءِ حُكْمِهِمْ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونُوا مُتَطَوِّعَةً، وَهَذَا مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ (الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ) أَيْ: لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الدِّيوَانِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ رِزْقٌ رَاتِبٌ يَكْفِيهِ، فَهُوَ مُسْتَغْنٍ بِهِ، فَيُدْفَعُ إِلَيْهِمْ كِفَايَةُ غَزْوِهِمْ وَعَوْدِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنَ الزَّكَاةِ فَرَسًا يَصِيرُ حَبِيسًا فِي الْجِهَادِ، وَلَا دَارًا وَضِيعَةً لِلرِّبَاطِ أَوْ يَقِفُهَا عَلَى الْغُزَاةِ، وَلَا غَزْوُهُ عَلَى فَرَسٍ أَخْرَجَهُ مِنْ زَكَاتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لَا إِذَا اشْتَرَى الْإِمَامُ بِزَكَاةِ رَجُلٍ فَرَسًا، فَلَهُ دَفْعُهَا إِلَيْهِ يَغْزُو عَلَيْهَا، كَمَا لَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ زَكَاتَهُ لِفَقْرِهِ، (وَلَا يُعْطَى مِنْهَا فِي الْحَجِّ) فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا فِي " الْمُغْنِي "، وَصَحَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ "، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ سَبِيلَ اللَّهِ حَيْثُ أُطْلِقَ يَنْصَرِفُ إِلَى الْجِهَادِ غَالِبًا، وَالزَّكَاةُ لَا تُصْرَفُ إِلَّا لِمُحْتَاجٍ إِلَيْهَا كَالْفَقِيرِ أَوْ مَنْ يَحْتَاجُهُ الْمُسْلِمُونَ كَالْعَامِلِ، وَالْحَجُّ لَا نَفْعَ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَيْهِ، وَالْفَقِيرُ لَا فَرْضَ فِي ذِمَّتِهِ فَيُسْقِطُهُ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ التَّطَوُّعَ، فَتَوْفِيرُ هَذَا الْقَدْرِ عَلَى ذَوِي الْحَاجَةِ أَوْ صَرْفِهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى، (وَعَنْهُ: يُعْطَى الْفَقِيرُ) فَهُوَ مِنَ السَّبِيلِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ: «أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ نَاقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَرَادَتِ امْرَأَتُهُ الْحَجَّ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ارْكَبِيهَا، فَإِنَّ الْحَجَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَيُشْتَرَطُ لَهُ الْفَقْرُ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ لَيْسَ لَهُ مَا يَحُجُّ بِهِ سِوَاهَا، وَقِيلَ: لَا؛ وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " فَيَجُوزُ لِلْغَنِيِّ كَوَصِيَّتِهِ بِثُلُثِهِ فِي السَّبِيلِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، (قَدْرَ مَا يَحُجُّ بِهِ الْفَرْضَ أَوْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِيهِ) جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِسْقَاطِ الْفَرْضِ، وَالتَّطَوُّعُ لَهُ عَنْهُ مَنْدُوحَةٌ، وَلَكِنْ ذَكَرَ الْقَاضِي جَوَازَهُ فِي النَّفْلِ كَالْفَرْضِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيُّ، وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ كُلًّا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْفَقِيرُ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مِنْهُ كَالتَّطَوُّعِ، فَعَلَى هَذَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَا يَحُجُّ بِهِ حَجَّةً كَامِلَةً، وَمَا يُعِينُهُ فِي حَجِّهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ مِنْ زَكَاةِ نَفْسِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَغْزُوَ بِهَا. فَرْعٌ: الْعُمْرَةُ فِي ذَلِكَ كَالْحَجِّ، نَقَلَ جَعْفَرٌ: الْعُمْرَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
[ابن السبيل]
السَّبِيلِ وَهُوَ الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ دُونَ الْمُنْشِئِ لِلسَّفَرِ مِنْ بَلَدِهِ، فَيُعْطَى قَدْرَ مَا يَصِلُ بِهِ بَلَدَهُ. وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ مَا يُغْنِيهِ، وَالْعَامِلُ قَدْرَ أُجْرَتِهِ، وَالْمُؤَلِّفُ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ، وَالْغَارِمُ وَالْمُكَاتَبُ مَا يَقْضِيَانِ بِهِ دَيْنَهُمَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [ابْنُ السَّبِيلِ] (الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيلِ) لِلنَّصِّ، وَالسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ، وَسُمِّيَ الْمُسَافِرُ ابْنًا لَهُ لِمُلَازَمَتِهِ كَمَا يُقَالُ: وَلَدُ اللَّيْلِ إِذَا كَانَ يُكْثِرُ الْخُرُوجَ فِيهِ (وَهُوَ الْمُسَافِرُ) سَفَرًا مُبَاحًا، وَفِي سَفَرِ النُّزْهَةِ خِلَافٌ، وَعَلَّلَهُ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُعْطَى فِي سَفَرٍ مَكْرُوهٍ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": هُوَ نَظِيرُ إِبَاحَةِ الرُّخَصِ فِيهِ، لَا سَفَرِ مَعْصِيَةٍ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ سَفَرَ طَاعَةٍ، جَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " الصُّغْرَى؛ وَهُوَ بِعِيدٌ (الْمُنْقَطِعُ بِهِ) أَيْ: لَيْسَ لَهُ مَا يَرْجِعُ بِهِ إِلَى بَلَدِهِ (دُونَ الْمُنْشِئِ لِلسَّفَرِ مِنْ بَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يَتَنَاوَلُهُ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يَصِيرُ ابْنُ سَبِيلٍ فِي بَاقِي الْحَالِ، فَلَا يَكُونُ مُرَادًا، وَعَنْهُ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ السَّفَرَ لِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ، أَشْبَهَ الْأَوَّلَ، وَيُصَدَّقُ فِي إِرَادَةِ السَّفَرِ بِلَا يَمِينٍ (فَيُعْطَى) هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ (قَدْرَ مَا يَصِلُ بِهِ إِلَى بَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُجَوَّزَ لِأَحَدِهِمَا هُوَ التَّوَصُّلُ إِلَى بَلَدِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُدْفَعَ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَالْفَقِيرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْطَى، وَلَوْ كَانَ ذَا يَسَارٍ فِي بَلَدِهِ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ غَيْرَ بَلَدِهِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُعْطَى، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ، ظَاهِرُ رِوَايَةِ صَالِحٍ وَغَيْرِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَوَّزَ الدَّفْعَ إِلَيْهِ لِلرُّجُوعِ إِلَى بَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُهِمٌّ لَا غَنَاءَ لَهُ عَنْهُ، فَلَا يَجُوزُ إِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ، وَعَنْهُ وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ: يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَا يَكْفِيهِ لِمُنْتَهَى قَصْدِهِ وَعَوْدِهِ إِلَى بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِعَانَةً عَلَى بُلُوغِ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُعْطَى، وَلَوْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ " الشَّرْحِ " خِلَافًا لِلْمَجْدِ، [مِقْدَارُ مَا يُعْطِيهِ لِكُلِّ صِنْفٍ] (وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ مَا يُغْنِيهِ) أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ لِلْحَاجَةِ فَتُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا؛ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ، وَشَرَطَ الْخِرَقِيُّ أَنْ يَكُونَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ إِلَى الْغِنَى؛ لِأَنَّ الْغِنَى لَوْ سَبَقَ الدَّفْعَ لَمْ يَجُزْ، فَكَذَا إِذَا قَارَبَ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، (وَالْعَامِلُ قَدْرَ أُجْرَتِهِ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِسَبَبِ الْعَمَلِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ بِمِقْدَارِهِ (وَالْمُؤَلَّفُ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ) ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ (وَالْغَارِمُ وَالْمُكَاتَبُ مَا يَقْضِيَانِ بِهِ دَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُمَا إِنَّمَا تَنْدَفِعُ بِذَلِكَ
وَالْغَازِي مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِغَزْوِهِ، وَإِنْ كَثُرَ، وَلَا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَمَنْ كَانَ ذَا عِيَالٍ أَخَذَ مَا يَكْفِيهِمْ، وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ الْغِنَى إِلَّا أَرْبَعَةٌ: الْعَامِلُ وَالْمُؤَلَّفُ وَالْغَارِمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَالْغَازِي، وَإِنْ فَضَلَ مَعَ الْغَارِمِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْغَازِي وَابْنِ السَّبِيلِ شَيْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِمْ لَزِمَهُمْ رَدُّهُ، وَالْبَاقُونَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَالْغَازِي مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِغَزْوِهِ) مِنْ سِلَاحٍ وَفَرَسٍ إِنْ كَانَ فَارِسًا وَحُمُولَتِهِ وَجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُهُ لَهُ ولغزوه، وَإِنْ كَثُرَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ نِصَابٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الدَّفْعِ الْحَاجَةُ، (وَلَا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ لِلْحَاجَّةِ فَيَتَقَيَّدُ بِهَا (وَمَنْ كَانَ ذَا عِيَالٍ أَخَذَ مَا يَكْفِيهِمْ) ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ كَالْأَخْذِ لِنَفْسِهِ (وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ الْغِنَى) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا ذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. فَائِدَةٌ: الْمِرَّةُ: الْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ، وَالسَّوِيُّ: الْمُسْتَوِي الْخَلْقِ التَّامُّ الْأَعْضَاءِ. (إِلَّا أَرْبَعَةٌ: الْعَامِلُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، (وَالْمُؤَلَّفُ) ؛ لِأَنَّ إِعْطَاءَهُمْ لِمَعْنًى يَعُمُّ نَفْعُهُ كَالْغَازِي، (وَالْغَارِمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ) مَا لَمْ يَكُنْ دَفَعَهَا مِنْ مَالِهِ، (وَالْغَازِي) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، إِلَّا لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ يُقَالُ: جَعَلَ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ صِنْفَيْنِ، وَعَدَّ بَعْدَهُمَا بَقِيَّةَ الْأَصْنَافِ، وَلَمْ يَشْرُطْ فِيهِمُ الْفَقْرَ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ مَعَ الْغِنَى، وَخَالَفَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْغَارِمِ، وَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَاقِينَ يُشْتَرَطُ فِيهِمُ الْحَاجَةُ، وَابْنُ السَّبِيلِ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فِي بَلَدِهِ، فَهُوَ الْآنَ كَالْمَعْدُومِ، (وَإِنْ فَضَلَ مَعَ الْغَارِمِ وَالْمُكَاتَبِ) حَتَّى وَلَوْ سَقَطَ مَا عَلَيْهِمَا بِبَرَاءَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (وَالْغَازِي وَابْنِ السَّبِيلِ شَيْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِمْ لَزِمَهُمْ رَدُّهُ) ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ زَالَ، فَيَجِبُ رَدُّ الْعَامِلِ لِزَوَالِ الْحَاجَةِ، فَهَؤُلَاءِ أَخْذُهُمْ مُرَاعًى، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَصْرِفُوهُ فِي حَاجَتِهِمْ أَنَّهُ يُسْتَرْجَعُ مِنْهُمْ بِكُلِّيَّتِهِ لِبُطْلَانِ وُجُودِ الِاسْتِحْقَاقِ،
[إذا ادعى الفقر من عرف بالغنى]
يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا، فَلَا يَرُدُّونَ شَيْئًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ فِي الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ يَأْخُذُ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا. وَإِذَا ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ عُرِفَ بِالْغِنَى، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ مُكَاتَبٌ أَوْ غَارِمٌ أَوِ ابْنُ سَبِيلٍ، لَمْ يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ صَدَّقَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ، أَوِ الْغَارِمَ غَرِيمُهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنِ ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْغِنَى قُبِلَ قَوْلُهُ، وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَإِنْ تَلِفَ فِي أَيْدِيهِمْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِمْ، وَعَنْهُ: لَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُمْ، وَتَبْقَى لَهُمْ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ وَقْتَ الْأَخْذِ، فَمَلَكُوهَا كَالْبَوَاقِي، قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": إِلَّا فِي عَجْزِ الْمُكَاتَبِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ لِسَيِّدِهِ، انْتَهَى. وَسَيَأْتِي (وَالْبَاقُونَ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا فَلَا يَرُدُّونَ شَيْئًا) ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا مِلْكًا مُسْتَقِرًّا، وَالْفَرْقُ أَنَّ هَؤُلَاءِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِأَخْذِهِمْ؛ وَهُوَ غِنَى الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ مَثَلًا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، (وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيُّ فِي الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ يَأْخُذُ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا) أَيْ: فَلَا يَرُدُّ مَا فَضَلَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا عَجَزَ وَرُدَّ فِي الرِّقِّ، فَمَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ عِنْدَ أَخْذِهَا، فَلَمْ يَجِبْ رَدُّهَا كَمَا لَوِ اسْتَغْنَى الْفَقِيرُ، وَعَنْهُ: يَرُدُّهُ فِي الْمُكَاتَبِينَ، وَقِيلَ: لِلْمُعْطِي. قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي: وَلَوْ كَانَ دَفَعَهَا إِلَى سَيِّدِهِ اسْتَرْجَعَهُ الْمُعْطِي، وَقِيلَ: لَا، كَمَا لَوْ قَبَضَهَا مِنْهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ. [إِذَا ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ عُرِفَ بِالْغِنَى] (وَإِذَا ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ عُرِفَ بِالْغِنَى) لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي خَبَرِ قَبِيصَةَ قَالَ: «لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فَلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْغِنَى، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ". وَقَالَ جَمَاعَةٌ: يُقْبَلُ اثْنَانِ لِدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَأَجَابَ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ عَنْ خَبَرِ قَبِيصَةَ أَنَّهُ فِي حِلِّ الْمَسْأَلَةِ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ (أَوْ ادَّعَى إِنْسَانٌ أَنَّهُ مُكَاتَبٌ أَوْ غَارِمٌ أَوِ ابْنُ سَبِيلٍ، لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيهِ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَفِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ وَجْهٌ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ (وَإِنْ صَدَّقَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ أَوِ الْغَارِمَ غَرِيمُهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا يُقْبَلُ؛
رَآهُ جَلْدًا، وَذَكَرَ أَنْ لَا كَسْبَ لَهُ، أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ بَعْدِ أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ، وَإِنِ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عِيَالًا قُبِلَ وَأُعْطِيَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَمَنْ غَرِمَ، أَوْ سَافَرَ فِي مَعْصِيَةٍ، لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِ، فَإِنْ تَابَ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْعَبْدِ لِلسَّيِّدِ، فَإِذَا أَقَرَّ بِانْتِقَالِ حَقِّهِ عَنْهُ قُبِلَ، وَالْغَرِيمُ فِي مَعْنَاهُ، وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ لِجَوَازِ تَوَاطُئِهِمَا عَلَى أَخْذِ الْمَالِ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " فِي الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ وَهُوَ غَرِيبٌ (وَإِنِ ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْغِنَى قُبِلَ قَوْلُهُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ السَّابِقَةِ، وَالظَّاهِرُ صِدْقُهُ، وَلَوْ كَانَ مُتَجَمِّلًا. ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَيُخْبِرُهُ بِأَنَّهَا زَكَاةٌ (وَإِنْ رَآهُ جَلْدًا) أَيْ: شَدِيدًا قَوِيًّا (وَذَكَرَ أَنْ لَا كَسْبَ لَهُ أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ) وِفَاقًا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُحَلِّفْ عَلَى ذَلِكَ (بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَهُ) عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ (أَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ «أَنَّ رَجُلَيْنِ أَتَيَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَاهُ شَيْئًا، " فَصَعَّدَ فِيهِمَا النَّظَرَ فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيِّ مُكْتَسِبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، لَكِنْ إِذَا تَفَرَّغَ لِلْعِلْمِ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ، لَا إِنْ تَفَرَّغَ لِلْعِبَادَةِ. فَإِنْ رَآهُ ظَاهِرَ الْمَسْكَنَةِ أَعْطَاهُ مِنْهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ، قَالَهُ أَحْمَدُ. فَرْعٌ: إِذَا سَأَلَهُ مَنْ ظَاهِرُهُ الْفَقْرُ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا، فَأَعْطَاهُ، قِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُ الدَّافِعِ فِي كَوْنِهَا فَرْضًا لِسُؤَالِهِ بِقَدْرِ الْعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ لِقَوْلِهِ شَيْئًا أَنِّي فَقِيرٌ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي (وَإِنِ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عِيَالًا قُلِّدَ وَأُعْطِيَ) قَالَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُ، وَيُسَنُّ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ لَا سِيَّمَا عَلَى الْغَرِيبِ، وَكَمَا يُقَلَّدُ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ، (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِيَالِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا ادَّعَى أَنَّهُ لَا كَسْبَ لَهُ لِمُوَافَقَتِهِ الْأَصْلَ، (وَمَنْ غَرِمَ) أَيْ: فِي مَعْصِيَةٍ كَشِرَاءِ خَمْرٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ سَافَرَ فِي مَعْصِيَةٍ) كَقَطْعِ طَرِيقٍ (لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِ) أَيْ: قَبْلَ التَّوْبَةِ؛ لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (فَإِنْ تَابَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ)
[استحباب صرفها في الأصناف كلها]
وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا فِي الْأَصْنَافِ كُلِّهَا، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى إِنْسَانٍ وَاحِدٍ، أَجْزَأَهُ، وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا ثَلَاثَةٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ إِلَّا الْعَامِلُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا، ـــــــــــــــــــــــــــــQأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يُدْفَعُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَفْرِيغَ الذِّمَّةِ مِنَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ، وَالْإِعَانَةَ عَلَيْهِ قُرْبَةٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ مَالُهُ فِي الْمَعْصِيَةِ حَتَّى افْتَقَرَ، فَإِنَّهُ يُصْرَفُ إِلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ بِشَرْطِهِ، وَعَوْدُ ابْنِ السَّبِيلِ إِلَى بَلَدِهِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ إِقْلَاعًا عَنْهَا، كَالْعَاقِّ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إِلَى أَبَوَيْهِ. وَالثَّانِي: لَا لِكَوْنِهِ اسْتِدَامَةً لِلْمَعْصِيَةِ، فَلَمْ تُدْفَعْ إِلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتُبْ؛ وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي إِظْهَارِ التَّوْبَةِ لِأَجْلِ قَضَاءِ دَيْنِهِ، ثُمَّ يَعُودُ، وَكَذَا لَوْ سَافَرَ فِي مَكْرُوهٍ أَوْ نُزْهَةٍ. [اسْتِحْبَابُ صَرْفِهَا فِي الْأَصْنَافِ كُلِّهَا] (وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا فِي الْأَصْنَافِ كُلِّهَا) أَيِ: الثَّمَانِيَةِ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا إِنْ وُجِدَ حَيْثُ وَجَبَ الْإِخْرَاجُ، أَوْ فِيمَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ، وَتَحْصِيلًا لِلْإِجْزَاءِ يَقِينًا، (وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى إِنْسَانٍ وَاحِدٍ) مِنَ الْأَصْنَافِ (أَجْزَأَهُ) فِي قَوْلِ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} [البقرة: 271] الْآيَةَ، وَلِحَدِيثِ مُعَاذٍ، وَقَوْلِهِ لِقَبِيصَةَ: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» ، وَأَمَرَ «بَنِي زُرَيْقٍ بِدَفْعِ صَدَقَتِهِمْ إِلَى سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ» ، وَلَوْ وَجَبَ الِاسْتِيعَابُ لَمْ يَجُزْ صَرْفُهَا إِلَى وَاحِدٍ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجِبُ إِذَا فَرَّقَهَا السَّاعِي، فَكَذَا الْمَالِكُ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْكَسْرِ؛ وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، وَالْآيَةُ إِنَّمَا سِيقَتْ لِبَيَانِ مَنْ تُصَرَفُ إِلَيْهِ، لَا لِتَعْمِيمِهِمْ، وَكَالْوَصِيَّةِ لِجَمَاعَةٍ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ، وَشَرْطُهُ إِذَا لَمْ يُوَصِّلْهُ إِلَى الْغِنَى، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، فَظَاهِرُهُ لَا بُدَّ أَنْ يَنْقُصَ مِنْهُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ عَلَى خِلَافِهِ، لَكِنْ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ، وَنَصُّ الْمُؤَلِّفِ عَلَى جَوَازِ الدَّفْعِ إِلَى وَاحِدٍ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ إِلَى الصِّنْفِ مِنْ بَابِ أَوْلَى. وَعَنْهُ: يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَهَا إِلَيْهِمْ بِلَامِ التَّمْلِيكِ، وَشَرَّكَ بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يَجُزِ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِهِمْ إِلَّا لِضَرُورَةٍ كَأَهْلِ الْخُمُسِ، وَعَلَيْهَا: لَا يَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ كَالصِّنْفِ الْوَاحِدِ، وَكَالْوَصِيَّةِ لِلْفُقَرَاءِ، بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ، فَعَلَى هَذِهِ (لَا يُجْزِئُهُ إلا ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ) ، لِأَنَّهُمْ أَقَلُّ الْجَمْعِ،
وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا إِلَى أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ، وَيُفَرِّقُهَا فِيهِمْ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ، وَيَجُوزُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إِلَى مُكَاتَبِهِ وَإِلَى غَرِيمِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفَعَلَى هَذَا إِنْ دَفَعَ إِلَى اثْنَيْنِ ضَمِنَ نَصِيبَ الثَّالِثِ، وَهَلْ يَضْمَنُهُ بِالثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الْمُسْتَحَبُّ أَوْ بِأَقَلِّ جُزْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُجْزِئُ، فِيهِ وَجْهَانِ، كَالْأُضْحِيَّةِ إِذَا أَكَلَهَا، وَعَنْهُ: يُجْزِئُ وَاحِدٌ، اخْتَارَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَصَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الِاسْتِغْرَاقُ حُمِلَ عَلَى الْجِنْسِ، كَقَوْلِهِ: لَا تَزَوَّجْتُ النِّسَاءَ (إِلَّا الْعَامِلُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا) وِفَاقًا، مَعَ أَنَّهُ ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةً، وَيَسْقُطُ سَهْمُهُ إِنْ فَرَّقَهَا رَبُّ الْمَالِ بِنَفْسِهِ، فَتَبْقَى سَبْعَةٌ. فَرْعٌ: مَنْ كَانَ فِيهِ سَبَبَانِ أُخِذَ بِهِمَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ كَالْمِيرَاثِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى بِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا فِي الِاسْتِقْرَارِ، وَإِنْ أُعْطِيَ بِهِمَا، وَعُيِّنَ لِكُلِّ سَبَبٍ قَدْرٌ، وَإِلَّا كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ لَوْ وُجِدَ مَا يُوجِبُ الرَّدَّ. (وَيُسْتَحَبُّ) لِلْمَالِكِ (صَرْفُهَا إِلَى أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «صَدَقَتُكَ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ، وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَإِذَا أَحْضَرَ رَبُّ الْمَالِ إِلَى الْعَامِلِ مِنْ أَهْلِهِ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِيَدْفَعَ إِلَيْهِمْ زَكَاتَهُ، دَفَعَهَا قَبْلَ خَلْطِهَا بِغَيْرِهَا، وَبَعْدَهُ هُمْ كَغَيْرِهِمْ، وَلَا يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا مَا هُمْ بِهِ أَخَصُّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، (وَيُفَرِّقُهَا فِيهِمْ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ) ؛ لِأَنَّهَا مُرَاعَاةٌ، وَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ وَالْأَحْوَجُ، فَإِنْ كَانَ الْأَجْنَبِيُّ أَحْوَجَ، أُعْطِيَ الْكُلَّ، وَلَمْ يُحَابَ بِهَا قَرِيبُهُ، وَالْجَارُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَالْقَرِيبُ أَوْلَى مِنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَالْعَالِمُ وَالدَّيِّنُ يُقَدَّمَانِ عَلَى ضِدِّهِمَا. (وَيَجُوزُ للسيد دَفْعُ زَكَاتِهِ إِلَى مُكَاتَبِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَعَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ مِنْ حِرْمَانِ أَكْثَرِ مَا بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّ الدَّفْعَ تَمْلِيكٌ؛ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ، فَإِذَا رَدَّهُ إِلَى سَيِّدِهِ بِحَكَمِ الْوَفَاءِ جَازَ
[الأصناف التي لا تأخذ من الزكاة]
فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى كَافِرٍ وَلَا عَبْدٍ وَلَا فَقِيرَةٍ لَهَا زَوْجٌ غَنِيٌّ، وَلَا إِلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQكَوَفَاءِ الْغَرِيمِ، وَقَيَّدَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ حِيلَةً. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ: لَا تُعْطِ مُكَاتَبًا لَكَ مِنَ الزَّكَاةِ، وَأَنَا أَرَى مِثْلَهُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي. قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ حَقِّهِ بِمَالِهِ أَشَدُّ مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الْوَالِدِ بِمَالِ الْوَلَدِ، (وَإِلَى غَرِيمِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَارِمِينَ، وَسَوَاءٌ دَفَعَهَا إِلَيْهِ ابْتِدَاءً أَوِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ لِيَقْضِيَ بِهِ دَيْنَ الْمُقْرِضِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ: إِنْ كَانَ حِيلَةً فَلَا يُعْجِبُنِي، وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ أَرَادَ الْحِيلَةَ لَمْ يَصِحَّ وَلَا يَجُوزُ، وَبِهِ جَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ " وَذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِيلَةِ أَنْ يُعْطِيَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ مِنْ ذِمَّتِهِ فَلَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا تَمْلِيكًا صَحِيحًا؛ وَهُوَ مُنْتَفٍ مَعَ الشَّرْطِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ حَصَلَ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ إِذَا قَصَدَ بِالدَّفْعِ إِحْيَاءَ مَالِهِ وَاسْتِيفَاءَ دَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ اللَّهِ، فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى نَفْعِهِ. [الْأَصْنَافُ الَّتِي لَا تَأْخُذُ مِنَ الزَّكَاةِ] فَصْلٌ (وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى كَافِرٍ) إِجْمَاعًا، وَحَدِيثُ مُعَاذٍ نَصٌّ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَلَمْ تَجِبْ لِلْكَافِرِ كَالنَّفَقَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ إِذَا كَانَ مُؤَلَّفًا أَوْ عَامِلًا عَلَى رِوَايَةٍ، زَادَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " أَوْ غَارِمًا لِذَاتِ الْبَيْنِ أَوْ غَارِمًا (وَلَا عَبْدٍ) أَيْ: كَامِلِ الرِّقِّ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى سَيِّدِهِ، فَهُوَ غَنِيٌّ بِغِنَاهُ، وَمَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَا لَا يَمْلِكُهُ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ سَيِّدُهُ، فَكَأَنَّهُ دُفِعَ إِلَيْهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا كَانَ عَامِلًا، وَظَاهِرُهُ لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ فَقِيرًا، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " فِي الْعَبْدِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَكَاتَبَهُ أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، وَمَا قَبَضَهُ مِنَ الصَّدَقَاتِ فَنِصْفُهُ يُلَاقِي نِصْفَهُ الْمُكَاتَبَ، وَمَا يُلَاقِي نِصْفَ السَّيِّدِ الْآخَرَ إِنْ كَانَ فَقِيرًا، جَازَ فِي حِصَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا لَمْ يَجُزْ.
الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ عَلَوْا، وَلَا إِلَى الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا إِلَى الزَّوْجَةِ، وَلَا لِبَنِي هَاشِمٍ، وَلَا مَوَالِيهِمْ، وَيَجُوزُ لِبَنِي هَاشِمٍ الْأَخْذُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَوَصَايَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ الْمَجْدُ: وَمِثْلُهُ إِذَا كَاتَبَ بَعْضَ عَبْدِهِ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِلْمُدَبَّرِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا، أُخِذَ بِقَدْرِهِ بِنِسْبَتِهِ مِنْ خَمْسِينَ أَوْ مِنْ كِفَايَتِهِ عَلَى الْخِلَافِ، (وَلَا فَقِيرَةٍ لَهَا زَوْجٌ غَنِيٌّ) لِغِنَاهَا بِذِمَّتِهَا عَلَيْهِ، وَلِوَلَدٍ صَغِيرٍ فَقِيرٍ أَبُوهُ مُوسِرٌ، بَلْ أَوْلَى لِلْمُعَاوَضَةِ، وَثُبُوتِهَا فِي الذِّمَّةِ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى غَنِيٍّ بِنَفَقَةٍ لَازِمَةٍ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَأَطْلَقَ فِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهَيْنِ، وَجَوَّزَهُ فِي " الْكَافِي "؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لِلنَّفَقَةِ مَشْرُوطٌ بِفَقْرِهِ، فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِهَا لَهُ وُجُودُ الْفَقْرِ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا تَعَذَّرَتِ النَّفَقَةُ مِنْهُ لِغَيْبَةٍ أَوِ امْتِنَاعٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْأَخْذُ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَمَنْ غُصِبَ مَالُهُ، أَوْ تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَةُ عَقَارِهِ (وَلَا إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَإِنْ عَلَوْا، وَلَا إِلَى الْوَلَدِ، وَإِنْ سَفَلَ) لِاتِّصَالِ مَنَافِعِ الْمِلْكِ بَيْنَهُمَا عَادَةً، فَيَكُونُ صَارِفًا لِنَفْسِهِ بِدَلِيلِ عَدَمِ قَبُولِ شَهَادَةِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَارِثِ وَغَيْرِهِ حَتَّى وَلَدِ الْبِنْتِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَّلَ فِي " الشَّرْحِ " مَا يَقْتَضِي اقْتِصَارَهُ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْوَاضِحِ " فِي جَدٍّ وَابْنِ ابْنٍ مَحْجُوبَيْنِ وَجْهَيْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُعْطِي عَمُودَيْ نَسَبِهِ لَغُرْمٍ لِنَفْسِهِ، أَوْ كِتَابَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَ جَدُّهُ فِي ابْنِ سَبِيلٍ كَذَلِكَ، وَسَبَقَ كَوْنُهُ عَامِلًا، (وَلَا إِلَى الزَّوْجَةِ) إِجْمَاعًا، لِأَنَّهَا مُسْتَغْنِيَةٌ بِنَفَقَتِهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ نَاشِزَةً، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَقِيلَ: بَلْ مُطْلَقًا، وَلَا لَبَنِي هَاشِمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِقَوْلِهِ: «إِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَلَهُ - أَيْضًا - مَرْفُوعًا: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» "، وَسَوَاءٌ أُعْطُوا مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ أَوْ لَا؛ لِعُمُومِ النُّصُوصِ؛ وَلِأَنَّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQمَنْعَهُمْ لِشَرَفِهِمْ؛ وَهُوَ بَاقٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ إِنْ مُنِعُوا الْخُمُسَ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي يَعْقُوبُ، وَالْآجُرِّيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ حَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَمْ يَكُونُوا غُزَاةً أَوْ مُؤَلَّفَةً أَوْ غَارِمِينَ لِذَاتِ الْبَيْنِ، وَسَبَقَ كَوْنُهُ عَامِلًا. أَصْلٌ: بَنُو هَاشِمٍ مَنْ كَانَ مِنْ سُلَالَتِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَجَزَمَ فِي " الرِّعَايَةِ " بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: هُمْ آلُ عَبَّاسٍ، وَآلُ عَلِيٍّ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، (وَلَا مَوَالِيهِمْ) جَمْعُ مَوْلًى؛ وَهُوَ مَنْ أَعْتَقَهُ هَاشِمِيٌّ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ؛ وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ فِي الْإِرْثِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّفَقَةِ، فَغَلَبَ الْحَظْرُ، وَأَوْمَأَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ إِلَى الْجَوَازِ، وَحَكَاهُ فِي " الشَّرْحِ " عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَكَمَوَالِي مَوَالِيهِمْ. 1 - فَرْعٌ: لَا تَحْرُمُ الزَّكَاةُ عَلَى أَزْوَاجِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْأَصْحَابِ كَمَوَالِيهِنَّ لِلْأَخْبَارِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ بِسُفْرَةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ فَرَدَّتْهَا، وَقَالَتْ: إِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ. رَوَاهُ الْخَلَّالُ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِنَّ، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا يُخَالِفُهُ، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي تَحْرِيمِ الزَّكَاةِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ الصَّدَقَةُ، وَأَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَرَدَّهُ الْجَدُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. (وَيَجُوزُ لِبَنِي هَاشِمٍ الْأَخْذُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِقَوْلِهِ
الْفُقَرَاءِ وَالنَّذْرِ، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ، وَهَلْ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى سَائِرِ مَنْ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ أَوْ إِلَى الزَّوْجِ أَوْ بَنِي الْمُطَّلِبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ- عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» وَلِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ كَانَ يَشْرَبُ مِنْ سِقَايَاتٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ اصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ إِلَيْهِمْ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الِاسْتِحْبَابُ إِجْمَاعًا، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ ابْنِ حَمْدَانَ. قُلْتُ: يُسْتَحَبُّ، وَإِنَّمَا عَبَّرُوا بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ لِمَا اخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِهِ. وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ عَنْهُ: لَا لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ، لِأَنَّ الطَّلَبَ كَانَ لَهَا، فَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، (وَوَصَايَا الْفُقَرَاءِ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَالنَّذْرِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِمَا اسْمُ الزَّكَاةِ وَالطُّهْرَةِ، وَالْوُجُوبُ فِي الْآدَمِيِّ، أَشْبَهَ الْهِبَةَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ نَقْلِ الْمَيْمُونِيِّ الْمَنْعُ، وَجَزَمَ فِي " الرَّوْضَةِ " بِتَحْرِيمِ النَّفْلِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَمَوَالِيهِمْ، (وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ) الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِوُجُوبِهَا بِالشَّرْعِ كَالزَّكَاةِ، وَالثَّانِي: بَلَى؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَوْسَاخُ النَّاسِ، أَشْبَهَتْ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ. 1 - تَنْبِيهٌ: كُلُّ مَنْ حَرُمَ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ، جَازَ دَفْعُ التَّطَوُّعِ لَهُ، وَلَهُ أَخْذُهَا حَتَّى كَافِرٍ وَغَنِيٍّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْرُمِ التَّطَوُّعُ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ، فَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ اجْتِنَابَهَا كَانَ مِنْ دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ لِبُخْلٍ بِهِ. وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي كَاصْطِنَاعِ أَنْوَاعِ الْمَعْرُوفِ إِلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. (وَهَلْ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى سَائِرِ مَنْ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ أَوْ إِلَى الزَّوْجِ أَوْ بَنِي الْمُطَّلِبِ، عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَفِيهِ مَسَائِلُ. الْأُولَى: ظَاهِرُ " الْمَذْهَبِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى غَيْرِ عَمُودَيْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQنَسَبِهِ مِمَّنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ، كَالْأُخْتِ أَوِ الْأَخِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَالصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْوَارِثِ وَغَيْرِهِ؛ ولِأَنَّهُ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ لَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَكَمَا لَوْ تَعَذَّرَتِ النَّفَقَةُ، وَحُكْمُ الْإِرْثِ بِالْوَلَاءِ كَذَلِكَ، وَإِذَا قبلَ زَكَاةٌ، دَفَعَهَا إِلَيْهِ قَرِيبُهُ وَلَا نَفَقَةَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ، وَطَالَبَ بِنَفَقَتِهِ الْوَاجِبَةِ أُجْبِرَ، وَلَا يُجْزِئْهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ جَعْلُهَا زَكَاةً. وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَالْقَاضِي، وَذَكَرَ أَنَّها الْأَشْهَرُ لِغِنَاهُ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ؛ وَلِأَنَّ نَفْعَهَا يَعُودُ إِلَى الدَّافِعِ؛ لِكَوْنِهِ يُسْقِطُ النَّفَقَةَ عَنْهُ كَعَبْدِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَرِيبَ إِذَا لَمْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَيْهِ بِلَا رَيْبٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ، فَلَوْ وَرِثَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، كَعَمَّةٍ وَابْنِ أَخِيهَا، وَعَتِيقٍ وَمُعْتِقِهِ، وَأَخَوَيْنِ لِأَحَدِهِمَا ابْنٌ، فَالْوَارِثُ مِنْهُمَا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ الْخِلَافُ، وَعَكْسُهُ الْآخَرُ، فَأَمَّا ذَوُو الْأَرْحَامِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُدْفَعُ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ وَرِثُوا لِضَعْفِ قَرَابَتِهِمْ، وَفِي الْإِرْثِ بِالرَّدِّ الْخِلَافُ، وَعَلَى الْمَنْعِ يُعْطَى قَرِيبُهُ لِعُمَالَةٍ وَتَأْلِيفٍ، وَغَزْوٍ وَغُرْمٍ لِذَاتِ الْبَيْنِ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ: لَوْ تَبَرَّعَ بِنَفَقَةِ قَرِيبٍ أَوْ يَتِيمٍ، وَضَمَّهُ إِلَى عِيَالِهِ، جَازَ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ، وَاخْتَارَهُ فِي " التَّنْبِيهِ " وَ " الْإِرْشَادِ ": لَا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ يُذَمُّ عَلَى تَرْكِهِ، فَيَكُونُ قَدْ وَقَى بِهَا مَالَهُ وَعِرْضَهُ، وَلِهَذَا لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا فِي غَيْرِ مُؤْنَتِهِ الَّتِي عَوَّدَهُ إِيَّاهَا تَبَرُّعًا، جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى الزَّوْجِ فِي رِوَايَةٍ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَالْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " «لِحَدِيثِ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمَّا سَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُجْزِئُ عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ فِي حِجْرِي؟ فَقَالَ: " لَهَا أَجْرَانِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالثَّانِيَةُ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمَجْدُ وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ قِيَاسًا لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ؛ وَلِأَنَّ النَّفْعَ يَعُودُ إِلَيْهَا لِتَمَكُّنِهَا مِنْ أَخْذِ نَفَقَةِ
مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، ثُمَّ عَلِمَ لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُوسِرِينَ مِنْهُ، أَوْ مِنْ أَصْلِ النَّفَقَةِ مَعَ الْعَجْزِ الْكُلِّيِّ، وَحَدِيثُ زَيْنَبَ تَأَوَّلَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسِيسٍ عَلَى غَيْرِ الزَّكَاةِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ جَمَاعَةٌ شَيْئًا، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي الزَّوْجَيْنِ لَغُرْمٍ لِنَفْسِهِ وَكِتَابَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ عَنْهُ نَفَقَةَ وَاجِبٍ كَعَمُودَيْ نَسَبِهِ. الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى بَنِي الْمُطَّلِبِ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا " الْخِرَقِيُّ "، وَالشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمْ، لِعُمُومِ آيَةِ الصَّدَقَاتِ، خَرَجَ مِنْهُ بَنُو هَاشِمٍ بِالنَّصِّ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُمْ عَلَى الْأَصْلِ؛ وَلِأَنَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ فِي دَرَجَةِ بَنِي أُمَيَّةَ؛ وَهُوَ لَا يَحْرُمُ الزَّكَاةُ عَلَيْهِمْ فَكَذَا هُمْ، وَأَقْرَبُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ بَنُو هَاشِمٍ، وَمُشَارَكَةُ بَنِي الْمُطَّلِبِ لَهُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا اسْتَحَقُّوهُ بِمُجَرَّدِ الْقَرَابَةِ بَلْ بِالنُّصْرَةِ، أَوْ بِهِمَا جَمِيعًا، بِدَلِيلِ مَنْعِ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ مَعَ مُسَاوَاتِهِمْ لَهُمْ فِي الْقَرَابَةِ، وَالثَّانِيَةُ: نَقَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهَا ابْنُ الْمُنَجَّا: الْمَنْعُ، لِمَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «بَنُو الْمُطَّلِبِ، وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، فَمُنِعُوا كَبَنِي هَاشِمٍ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مُنِعُوا مِنَ الْخُمُسِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَأَتَّى الْخِلَافُ هُنَا، بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِمَوَالِيهِمْ. قَالَ الْقَاضِي: لَا تُعْرَفُ فِيهِ رِوَايَةٌ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنَّ حُكْمَهُمْ كَمَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ، وَجَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ " بِالْمَنْعِ، وَسُئِلَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ عَنْ مَوْلَى قُرَيْشٍ: يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ؛ قَالَ: مَا يُعْجِبُنِي، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ مَوْلَى مَوْلًى؟ قَالَ: هَذَا أَبْعَدُ فَيُحْتَمَلُ التَّحْرِيمُ. (وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا) كَبَنِي هَاشِمٍ وَالْعَبِيدِ (وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) أَيْ: جَاهِلًا بِحَالِهِ (ثُمَّ عَلِمَ لَمْ يُجْزِئْهُ) رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَفِي " الْفُرُوعِ " فِي
.. .... .... .... .. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَشْهَرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ، وَلَا يَخْفَى حَالُهُ غَالِبًا فَلَمْ يُعْذَرْ بِجَهَالَتِهِ، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي الْكُفْرِ لِتَقْصِيرِهِ لِظُهُورِهِ غَالِبًا، فَعَلَى ذَلِكَ يُسْتَرَدُّ بِزِيَادَتِهِ مُطْلَقًا، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَشَمَلَ مَا لَوْ كَانَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ قَرِيبًا، قَالَهُ أَصْحَابُنَا، وَأَطْلَقَ فِيهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، وَفِي مَسْأَلَةِ الْغَنِيِّ رِوَايَتَيْنِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ: يُجْزِئُهُ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ لِخُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا صَرَفَهَا وَكِيلُ الْمَالِكِ إِلَيْهِ وَهُوَ فَقِيرٌ، فَلَمْ يَعْلَمَا، لَا تُجْزِئُ لِعَدَمِ خُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ، (إِلَّا لِغَنِيٍّ إِذَا ظَنَّهُ فَقِيرًا) فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ (فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِلْمَشَقَّةِ، لِخَفَاءِ ذَلِكَ عَادَةً، فَلَا يَمْلِكُهَا الْآخِذُ. وَالثَّانِيَةُ وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، وَالْمَجْدُ، وَغَيْرُهُمَا: لَا يُجْزِئُهُ كَمَا لَوْ بَانَ كَافِرًا، وَلِحَقِّ الْآدَمِيِّ، فَيَرْجِعُ عَلَى الْغَنِيِّ بِهَا أَوْ بِقِيمَتِهَا إِنْ تَلِفَتْ يَوْمَ تَلَفِهَا إِذَا عَلِمَ أَنَّهَا زَكَاةٌ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمَنْ مَلَكَ الرُّجُوعَ فَمَاتَ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ: أَنَّهُ إِذَا دَفَعَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ إِلَى فَقِيرٍ فَبَانَ غَنِيًّا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، قَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الزَّكَاةِ إِبْرَاءُ الذِّمَّةِ، وَلَمْ تَحْصُلْ، فَمَلَكَ الرُّجُوعَ، وَفِي التَّطَوُّعِ الثَّوَابُ، وَلَمْ يَفُتْ. فَرْعٌ: إِذَا دَفَعَ الْإِمَامُ أَوِ السَّاعِي الزَّكَاةَ إِلَى مَنْ ظَنَّهُ أَهْلًا فَبَانَ غَيْرَهُ، فَرِوَايَاتٌ، ثَالِثُهَا: لَا يَضْمَنُ إِذَا بَانَ غَنِيًّا، وَيَضْمَنُ غَيْرُهُ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَشْهَرُ، وَجَزَمَ الْمَجْدُ: لَا يَضْمَنُ مَعَ الْغِنَى، وَفِي غَيْرِهِ رِوَايَتَانِ. تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ تَمْلِيكُ الْمُعْطَى، لَكِنْ لِلْإِمَامِ قَضَاءُ دَيْنِ مَدْيُونٍ حَيٍّ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهَا سَوَاءٌ، وَالصَّغِيرُ كَالْكَبِيرِ، وَعَنْهُ: إِنْ أَكَلَ الطَّعَامَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُصْرَفُ ذَلِكَ فِي أُجْرَةِ رِضَاعِهِ وَكُسْوَتِهِ، وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَيَقْبَلُ وَيَقْبِضُ لَهُ مَنْ يَلِي مَالَهُ، وَكَذَا الْهِبَةُ وَالْكَفَّارَةُ. قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: قَالَ سُفْيَانُ: لَا يَقْبِضُ لِلصَّبِيِّ إِلَّا الْأَبُ أَوْ وَصِيٌّ أَوْ قَاضٍ، قَالَ أَحْمَدُ: جَيِّدٌ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ احْتِمَالًا أَنَّهُ يَصِحُّ قَبْضُ مَنْ يَلِيهِ مِنْ أُمٍّ أَوْ قَرِيبٍ، وَغَيْرِهِمَا عِنْدَ عَدَمِ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ حِفْظَهُ عَنِ الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْوِلَايَةِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ.
[صدقة التطوع]
فَصْلٌ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ، وَهِيَ أَفْضَلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَوْقَاتِ الْحَاجَةِ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ. وَتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ بِالْفَاضِلِ عَنْ كِفَايَتِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ] فَصْلٌ (وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ) فِي كُلِّ وَقْتٍ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِهَا، وَحَثَّ عَلَيْهَا، وَرَغَّبَ فِيهَا فَقَالَ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245] وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كسب طَيِّبٍ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهِ إِلَّا طِيِّبٌ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَفْضَلُهَا أَنْ تَكُونَ سِرًّا بِطِيبِ نَفْسٍ فِي الصِّحَّةِ، لِلْأَخْبَارِ؛ (وَهِيَ أَفْضَلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: صَدَقَةُ رَمَضَانَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَغَرَّبَهُ، وَلِمُضَاعَفَةِ الْحَسَنَاتِ، وَفِيهِ إِعَانَةٌ عَلَى أَدَاءِ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ، وَكَذَا كُلُّ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ فَاضِلٍ كَالْعَشْرِ، وَالْحَرَمَيْنِ، (وَأَوْقَاتِ الْحَاجَّةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [البلد: 14] الْآيَةَ، وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ أَطْعَمَ مُؤْمِنًا جَائِعًا أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ سَقَى مُؤْمِنًا عَلَى ظَمَأٍ، سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَيَبْدَأُ بِمَنْ هُوَ أَشَدُّ حَاجَةً، وَالصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ، لَا سِيَّمَا مَعَ عَدَاوَتِهِ؛ لِقَوْلِهِ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْجَارُ مِثْلُهُ؛ وَهِيَ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ مِنَ الْعِتْقِ. نَقَلَهُ حَرْبٌ، وَالْعِتْقُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأَجَانِبِ إِلَّا زَمَنَ الْغَلَاءِ وَالْحَاجَةِ، نَقَلَهُ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَاخْتُلِفَ هَلْ حَجُّ التَّطَوُّعِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ مَعَ الْحَاجَةِ أَمْ مَعَهَا عَلَى
وَكِفَايَةِ مَنْ يُمَوِّنُهُ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِمَا يُنْقِصُ مُؤْنَةَ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتَهُ أَثِمَ، وَمَنْ أَرَادَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ، وَالصَّبْرَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَلَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْقَرِيبِ أَمْ عَلَى القَرِيبِ مُطْلَقًا؟ فِيهِ رِوَايَاتٌ أَرْبَعٌ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ الْحَجَّ أَفْضَلُ، وَأَنَّهُ مَذْهَبُ أَحْمَدَ. 1 - (وَتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ بِالْفَاضِلِ عَنْ كِفَايَتِهِ، وَكِفَايَةِ مَنْ يُمَوِّنُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هُوَ الْفَاضِلُ عَنْ حَاجَتِهِ، وَحَاجَةِ عِيَالِهِ؛ وَلِأَنَّ النَّفْسَ تَطِيبُ بِهِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَطْلَقَ الْمُؤَلَّفُ الْكِفَايَةَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ دَائِمًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ بِمَتْجَرٍ أَوْ غَلَّةِ مِلْكٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ صَنْعَةٍ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْأَخِيرَيْنِ، (وَإِنْ تَصَدَّقَ بِمَا يُنْقِصُ مُؤْنَةَ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتَهُ أَثِمَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَإِثْمُهُ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ. قَالَ الْأَصْحَابُ: وَكَذَا إِنْ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَرِيمِهِ أَوْ بِكَفَالَتِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ إِنْ لَمْ يَضُرَّ، فَالْأَصْلُ الِاسْتِحْبَابُ، وَجَزَمَ فِي " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّصَدُّقُ قَبْلَ الْوَفَاءِ وَالْإِنْفَاقِ الْوَاجِبِ. 1 - (وَمَنْ أَرَادَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ) وَكَانَ مُنْفَرِدًا (وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ) وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الثِّقَةِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ، وَالْيَأْسِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، (وَالصَّبْرَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَلَهُ ذَلِكَ) وَحَكَاهُ عِيَاضٌ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِجَمِيعِ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ» فَقَالَ: اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَكَانَ هَذَا فضيلة فِي حَقِّ الصِّدِّيقِ لِقُوَّةِ
ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَثِقْ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ، وَيُكْرَهُ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى الضِّيقِ أَنْ يُنْقِصَ نَفْسَهُ عَنِ الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQيَقِينِهِ، وَكَمَالِ إِيمَانِهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي الِاسْتِحْبَابَ، وَعَنْ عُمَرَ: رَدُّ جَمِيعِ صَدَقَتِهِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ الشَّامِ يَنْفُذُ فِي الثُّلُثِ، وَعَنْ مَكْحُولٍ: فِي النِّصْفِ (وَإِنْ لَمْ يَثِقْ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ) ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى جَابِرٌ مَرْفُوعًا قَالَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيُحْجَرُ عَلَيْهِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ يُكْرَهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَائِلَةٌ، وَلَهُمْ كِفَايَةٌ، أَوْ يَكْفِيهِمْ بِكَسْبِهِ، جَازَ لِقِصَّةِ الصِّدِّيقِ، (وَيُكْرَهُ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى الضِّيقِ) وَلَا عَادَةَ لَهُ بِهِ (أَنْ يُنْقِصَ نَفْسَهُ عَنِ الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّقْتِيرَ وَالتَّضْيِيقَ مَعَ الْقُدْرَةِ شُحٌّ وَبُخْلٌ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَتَعَوَّذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ، وَفِيهِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَظَهَرَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَقْتَرِضُ وَلَا يَتَصَدَّقُ، لَكِنْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي فَقِيرٍ لِقَرِيبِهِ وَلِيمَةٌ، يَسْتَقْرِضُ وَيُهْدِي لَهُ؛ وَهُوَ مَحْمُولٌ إِذَا ظَنَّ وَفَاءً. مَسْأَلَةٌ: يَحْرُمُ الْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا؛ وَهُوَ كَبِيرَةٌ. نَصُّ أَحْمَدَ فِيهَا، وَيَبْطُلُ الثَّوَابُ بِذَلِكَ، وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِ خِلَافٌ، وَفِيه بُطْلَانِ طَاعَةٍ بِمَعْصِيَةٍ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْإِحْبَاطَ لِمَعْنَى الْمُوَازَنَةِ، وَأَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ، وَإِذَا أَخْرَجَ شَيْئًا يَتَصَدَّقُ بِهِ، أَوْ وُكِّلَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُمْضِيَهُ وَلَا يَجِبُ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ حَبِيسٌ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَخْرَجَ طَعَامًا لِسَائِلٍ فَلَمْ يَجِدْهُ، عَزَلَهُ حَتَّى يَجِيءَ آخَرُ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ، وَمَنْ سَأَلَ فَأُعْطِيَ فَسَخِطَهُ، لَمْ يُعْطَ لِغَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ.
[كتاب الصيام]
كِتَابُ الصِّيَامِ يَجِبُ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَإِنْ لَمْ يُرَ مَعَ الصَّحْوِ أَكْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [كِتَابُ الصِّيَامِ] [تَعْرِيفُ الصوم وَحُكْمُهُ] ِ. هُوَ وَالصَّوْمُ مَصْدَرَا صَامَ. وَفِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِمْسَاكِ وَمِنْهُ {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26] وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: خَيْلٌ صِيَامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا لِإِمْسَاكِهَا عَنِ الصَّهِيلِ فِي مَوْضِعِهِ، وَيُقَالُ: صَامَتِ الرِّيحُ: إِذَا أَمْسَكَتْ عَنِ الْهُبُوبِ. وَفِي الشَّرْعِ: إِمْسَاكٌ جَمِيعَ النَّهَارِ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ مِنْ إِنْسَانٍ مَخْصُوصٍ مَعَ النِّيَّةِ. (يَجِبُ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] إِلَى قَوْلِهِ {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» فَذَكَرَ مِنْهَا صَوْمَ رَمَضَانَ. وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى وُجُوبِهِ، وَفُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَصَامَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تِسْعًا، وَالْمُسْتَحَبُّ قَوْلُ: شَهْرِ رَمَضَانَ كَمَا صُرِّحَ بِهِ تَبَعًا لِلنَّصِّ، وَلَا يُكْرَهُ بِإِسْقَاطِ شَهْرٍ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ يُكْرَهُ إِلَّا مَعَ قَرْنِهِ الشَّهْرَ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا يُكْرَهُ، وَفِي " الْمُنْتَخَبِ ": لَا يَجُوزُ، لِخَبَرٍ،
ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ صَامُوا وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ، وَجَبَ صِيَامُهُ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ لَا يَجِبُ وَعَنْهُ: النَّاسُ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ، فَإِنْ صَامَ صَامُوا ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَدْ ضُعِّفَ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هُوَ مَوْضُوعٌ. وَسُمِّيَ رَمَضَانَ لِحَرِّ جَوْفِ الصَّائِمِ فِيهِ وَرَمْضِهِ، وَالرَّمْضَاءُ: شِدَّةُ الْحَرِّ، وَقِيلَ: لَمَّا نَقَلُوا أَسْمَاءَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ، فَوَافَقَ شِدَّةَ الْحَرِّ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَحْرِقُ الذُّنُوبَ، وَقِيلَ: مَوْضُوعٌ لِغَيْرِ مَعْنًى، كَبَقِيَّةِ الشُّهُورِ، وَقِيلَ: فِيهَا مَعَانٍ أَيْضًا (بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» (فَإِنْ لَمْ يُرَ مَعَ الصَّحْوِ أَكْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامُوا) بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَصَلَّوُا التَّرَاوِيحَ كَمَا لَوْ رَأَوْهُ. وَيُسْتَحَبُّ تَرَاءِي الْهِلَالِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ، وَحِذَارًا مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَحَفَّظُ فِي شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ فِي غَيْرِهِ، ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. (وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ) أَيْ مَطْلَعِهِ (غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ، وَجَبَ صِيَامُهُ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَكْثَرُ شُيُوخِ أَصْحَابِنَا، وَنُصُوصُ أَحْمَدَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ , وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ التَّابِعِينَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى فَاقْدُرُوا لَهُ: أَيْ ضَيِّقُوا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: 7] أَيْ ضُيِّقَ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ شَعْبَانُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: اقْدُرُوا زَمَانًا يطلع فِي مِثْلِهِ الْهِلَالُ، وَهَذَا الزَّمَانُ يَصِحُّ وُجُودُهُ فِيهِ، أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ: فَاعْلَمُوا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ أَنَّهُ تَحْتَ الْغَيْمِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ} [النمل: 57] أَيْ: عَلِمْنَاهَا. مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ قَالُوا: إِنَّ الشَّهْرَ أَصْلُهُ تِسْعٌ، وَعِشْرُونَ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعٌ، وَعِشْرُونَ يَوْمًا بَعَثَ مَنْ يَنْظُرُ لَهُ فَإِنْ رَآهُ فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ، وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ، أَوْ قَتَرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ رَاوِي الْخَبَرِ وَأَعْلَمُ بِمَعْنَاهُ، فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، كَمَا رُجِعَ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ خِيَارِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُتَبَايِعَيْنِ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ: «لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ» ، وَلِأَنَّهُ يُحْتَاطُ لَهُ، وَيَجِبُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَعَلَى هَذَا يَصُومُهُ حُكْمًا ظَنِّيًّا بِوُجُوبِهِ احْتِيَاطًا، وَيُجْزِئُهُ إِذَا بَانَ مِنْهُ قِيلَ لِلْقَاضِي: لَا يَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةٍ وَمَعَ الشَّكِّ فِيهَا لَا يُجْزَمُ بِهَا؛ فَقَالَ لَا يَمْنَعُ التَّرَدُّدُ فِيهَا لِلْحَاجَةِ كَالْأَسِيرِ، وَصَلَاةِ مَنْ خَمَّسَ. وَفِي الِانْتِصَارِ يُجْزِئُهُ إِنْ لَمْ يَعْتَبِرْ نِيَّةَ التَّعْيِينِ، وَإِلَّا فَلَا. وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تُصَلَّى التَّرَاوِيحُ لَيْلَتِئِذٍ، وَاخْتَارَهُ التَّمِيمِيُّونَ اقْتِصَارًا عَلَى النَّصِّ، وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ عَكْسَهُ قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ أَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ الْقِيَامُ قَبْلَ الصِّيَامِ، وَعَنْهُ: يَنْوِيهِ حُكْمًا جَازِمًا بِوُجُوبِهِ، وَقَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " فَعَلَيْهِ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ إِذَنْ، وَلَا تَثْبُتُ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ مِنْ حُلُولِ الْآجَالِ، وَوُقُوعِ الْمُعَلَّقَاتِ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا يَثْبُتُ كَمَا يَثْبُتُ الصَّوْمُ، وَتَوَابِعُهُ مِنَ النِّيَّةِ، وَتَعْيِينِهَا وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ فِيهِ، وَنَحْوُهُ ذَلِكَ. (وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ) صَوْمُهُ قَبْلَ رُؤْيَةِ هِلَالِهِ، أَوْ إِكْمَالِ شَعْبَانَ، اخْتَارَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ " وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: هُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ الْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَنْهُ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَلِأَنَّهُ يَوْمُ شَكٍّ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ صَوْمِهِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّهْرِ فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، وَقَدْ خَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ) وَرِوَايَتُهُ أَوْلَى لِإِمَامَتِهِ، وَاشْتِهَارِ ثِقَتِهِ، وَعَدَالَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ لِرَأْيِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: ذِكْرُ شَعْبَانَ فِيهِ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ أَبِي إِيَاسٍ، وَلَيْسَ هُوَ بِيَوْمِ شَكٍّ كَمَا يَأْتِي. (وَعَنْهُ: النَّاسُ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ فَإِنْ صَامَ صَامُوا) وَإِنْ فطَرَ أَفْطَرُوا وُجُوبًا، وَهُوَ قَوْلُ
وَإِذَا رُئِيَ الْهِلَالُ نَهَارًا قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ، فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ وَإِنْ رَأَى الْهِلَالَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَعْنَاهُ: أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَعِظَمِ النَّاسِ وَاجِبٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ السُّلْطَانُ فِي هَذَا أَحْوَطُ، وَأَنْظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَشَدُّ تَفَقُّدًا، وَيَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ فَيَتَحَرَّى فِي كَثْرَةِ كَمَالِ الشُّهُورِ قَبْلَهُ وَنَقْصِهَا، وَاخْتَارَهُ بِمَنْ لَا يُكْتَفي بِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْقَرَائِنِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَعْمَلُ بِعَادَةٍ غَالِبَةٍ لِمُضِيِّ شَهْرَيْنِ كَامِلَيْنِ وَالثَّالِثُ نَاقِصٌ، وَهُوَ مَعْنَى التَّقْدِيرِ وَعَنْهُ: صَوْمُهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، اخْتَارَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَةَ وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ لِأَنَّهُ يَوْمُ شَكٍّ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقِيلَ يُكْرَهُ، وَقِيلَ يَحْرُمُ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ صَوْمُهُ وَجَبَ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ بِالرُّؤْيَةِ وَإِنْ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهَا. فَرْعٌ: إِذَا نَوَاهُ احْتِيَاطًا بِلَا مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ فَبَانَ، مِنْهُ لَمْ يُجْزِئْهُ فِي رِوَايَةٍ، وَعَنْهُ بَلَى، وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ، وَلَوِ اعْتُبِرَتْ نِيَّةُ التَّعْيِينِ. وَلَا يُحْكَمُ بِطُلُوعِ الْهِلَالِ بِنُجُومٍ أَوْ حِسَابٍ، وَلَوْ كَثُرَتْ إِصَابَتُهُمَا. (وَإِذَا رُئِيَ الْهِلَالُ نَهَارًا قَبْلَ الزَّوَالِ، أَوْ بَعْدَهُ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى أَبُو وَائِلٍ قَالَ: جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ أَنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ نَهَارًا، فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تُمْسُوا، أَوْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ عَشِيَّةً، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فَعَلَى هَذَا لَا يَجِبُ بِهِ صَوْمٌ وَلَا يُبَاحُ بِهِ فِطْرٌ، وَرُؤْيَتُهُ نَهَارًا مُمْكِنَةٌ لِعَارِضٍ يَعْرِضُ فِي الْجَوِّ يَقِلُّ بِهِ ضَوْءُ الشَّمْسِ أَوْ يَكُونُ قَوِيَّ النَّظَرِ، وَعَنْهُ: بَعْدَ الزَّوَالِ لِلْمُقْبِلَةِ، وَقَبْلَهُ لِلْمَاضِيَةِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِلْقُرْبِ مِنْ كُلِّ، وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَعَنْهُ: بَعْدَ الزَّوَالِ آخِرُ الشَّهْرِ لِلْمُقْبِلَةِ احْتِيَاطًا، وَعَنْهُ: آخِرُ الشَّهْرِ لِلْمُقْبِلَةِ مُطْلَقًا. فَائِدَةٌ: يُقَالُ من الصباح إِلَى الزَّوَالِ: رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ، وَبَعْدَهُ يُقَالُ: رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ. قَالَهُ ثَعْلَبٌ هَذَا بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ، وَمَنْعُ ذَلِكَ مُطْلَقًا لَا وَجْهَ لَهُ.
[إذا رأى الهلال أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم]
أَهْلُ بَلَدٍ، لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُمُ الصَّوْمُ وَيُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ قَوْلُ عَدْلٍ، وَلَا يُقْبَلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [إِذَا رَأَى الْهِلَالَ أَهْلُ بَلَدٍ لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُمُ الصَّوْمُ] (وَإِنْ رَأَى الْهِلَالَ أَهْلُ بَلَدٍ، لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُمُ الصَّوْمُ) لِلْعُمُومِ، وَلِأَنَّ الشَّهْرَ فِي الْحَقِيقَةِ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، فَكَذَا الصَّوْمُ. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قُرْبِ الْمَكَانِ أَوْ بُعْدِهِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ وَلَوِ اخْتَلَفَتِ الْمَطَالِعُ نَصَّ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ الزَّوَالُ فِي الدُّنْيَا وَاحِدٌ، وَاخْتَارَ فِي " الرِّعَايَةِ " الْبُعْدُ مَسَافَةُ قَصْرٍ، وَلَا يَلْزَمُ الصَّوْمُ، «وَعَنْ كُرَيْبٍ قَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى يُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ. فَقُلْتُ أَلَا يُكْتَفَى بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؛ فَقَالَ لَا. هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُفْطِرُونَ بِقَوْلِ كُرَيْبٍ وَخَبَرِهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْخِلَافِ وُجُوبُ قَضَاءِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِطْرِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا صِيمَ بِشَهَادَتِهِ لِيَكُونَ فِطْرُهُمْ مَبْنِيًّا عَلَى صَوْمِهِمْ بِشَهَادَتِهِ، وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ وَاخْتَارَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لَوْ سَافَرَ مِنْ بَلَدِ الرُّؤْيَةِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَى بَلَدِ الرُّؤْيَةِ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَبَعُدَ وَتَمَّ شَهْرُهُ وَلَمْ يَرَوُا الْهِلَالَ، صَامَ مَعَهُمْ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ يُفْطِرُ خِفْيَةً، قَالَهُ الْمَجْدُ. وَإِنْ شَهِدَ بِهِ، وَقبلَ قَوْلُهُ، أَفْطَرُوا مَعَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ سَافَرَ إِلَى بَلَدِ الرُّؤْيَةِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَلَدِ الرُّؤْيَةِ لَيْلَةَ السَّبْتِ، وَبَعْدُ، أَفْطَرَ مَعَهُمْ، وَقَضَى يَوْمًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَمْ يُفْطِرْ عَلَى الثَّانِي. [يَثْبُتُ هِلَالُ رَمَضَانَ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ] (وَيُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ قَوْلُ عَدْلٍ وَاحِدٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَوَّمَ النَّاسَ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلِقَبُولِهِ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ بِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ، وَهُوَ أَحْوَطُ، وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ، بِخِلَافِ آخِرِ الشَّهْرِ، وَلِاخْتِلَافِ
فِي سَائِرِ الشُّهُورِ إِلَّا عَدْلَانِ، وَإِنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَلَمْ يَرَوُا الْهِلَالَ، أَفْطَرُوا، وَإِنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ صَامُوا لِأَجْلِ ـــــــــــــــــــــــــــــQحَالِ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ، وَلِهَذَا لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، وَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْغَيْمِ وَالصَّحْوِ، وَلَا بَيْنَ الْمِصْرِ وَخَارِجِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ جَاءَ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ أَوْ رَآهُ فِيهِ لَا فِي جَمَاعَةٍ قُبِلَ وَاحِدٌ. وَشَذَّ فِي " الرِّعَايَةِ " فَقَالَ: وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُ وَاحِدٍ حَتَّى مَعَ غَيْمٍ أَوْ قَتَرٍ. وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ عَدْلَانِ كَبَقِيَّةِ الشُّهُورِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ هُوَ خَبَرٌ، فَتُقْبَلُ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ، وَلَا يَخْتَصُّ بِحَاكِمٍ، فَيَلْزَمُهُ الصَّوْمُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ عَدْلٍ. زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَوْ رَدَّ الْحَاكِمُ قَوْلَهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ، وَقِيلَ: بَلَى، فَتَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ. وَفِي الْمَسْتُورِ وَالْمُمَيِّزِ الْخِلَافُ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لَا يُقْبَلُ صَبِيٌّ، وَإِذَا ثَبَتَ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ، ثَبَتَتْ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ. (وَلَا يُقْبَلُ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ إِلَّا عَدْلَانِ) حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ إِجْمَاعًا، أَيْ: رَجُلَانِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُجِيزُ عَلَى شَهَادَةِ الْإِفْطَارِ إِلَّا شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ» ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، وَلَا احْتِيَاطَ فِيهِ، أَشْبَهَ الْحُدُودَ، وَعَنْهُ: يُقْبَلُ فِيهِ وَاحِدٌ كَأَبِي ثَوْرٍ، وَكَأَوَّلِهِ، وَقَيَّدَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " بِوَضْعٍ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ وَظَاهِرُهُ لَا يُقْبَلُ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، وَلَا النِّسَاءُ الْمُفْرَدَاتُ، لِأَنَّهُ مَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَلَا يُعْتَبَرُ التَّوَاتُرُ فِي الْعِيدَيْنِ مَعَ الْغَيْمِ (وَإِنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَلَمْ يَرَوُا الْهِلَالَ أَفْطَرُوا) وَجْهًا وَاحِدًا، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَقِيلَ: لَا مَعَ صَحْوٍ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، لِأَنَّ عَدَمَ الْهِلَالِ يَقِينٌ فَيُقَدَّمُ عَلَى الظَّنِّ وَهِيَ الشَّهَادَةُ، (وَإِنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ فَعَلَى وَجْهَيْنِ) وَقِيلَ: هُمَا رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: لَا يُفْطِرُ قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِأَنَّهُ فِطْرٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى وَاحِدٍ كَمَا لَوْ شَهِدَ بِشَوَّالٍ، وَالثَّانِي وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهُمْ يُفْطِرُونَ لِثُبُوتِهِ تَبَعًا، كَالنَّسَبِ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَيَثْبُتُ بِهَا الْوِلَادَةُ، وَقِيلَ: لَا فِطْرَ مَعَ الْغَيْمِ، (وَإِنْ صَامُوا لِأَجْلِ الْغَيْمِ، لَمْ يُفْطِرُوا) وَجْهًا وَاحِدًا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، لِأَنَّ الصَّوْمَ إِنَّمَا
الْغَيْمِ لَمْ يُفْطِرُوا وَمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ لَزِمَهُ الصَّوْمُ، وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَانَ احْتِيَاطًا، فَمَعَ مُوَافَقَتِهِ لِلْأَصْلِ - وَهُوَ بَقَاءُ رَمَضَانَ - أَوْلَى، وَقِيلَ: بَلَى، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ " إِنْ صَامُوا جَزْمًا مَعَ الْغَيْمِ، أَفْطَرُوا، وَإِلَّا فَلَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ غُمَّ هِلَالُ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، فَقَدْ يَصُومُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا حَيْثُ نَقَصْنَا رَجَبًا وَشَعْبَانَ وَكَانَا كَامِلَيْنِ، وَكَذَا الزِّيَادَةُ إِنْ غُمَّ هِلَالُ رَمَضَانَ وَشَوَّالٍ، وَأَكْمَلْنَا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَكَانَا نَاقِصَيْنِ، وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ النَّقْصُ مُتَوَالِيًا فِي أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. فَرْعٌ إِذَا صَامُوا ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ قَضَوْا يَوْمًا فَقَطْ نَقَلَهُ حَنْبَلٌ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَلِبُعْدِ الْغَلَطِ بِيَوْمَيْنِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ (وَمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ) لِمَانِعٍ (لَزِمَهُ الصَّوْمُ) وَحُكْمُهُ لِلْعُمُومِ، وَكَعِلْمِ فَاسِقٍ بِنَجَاسَةِ مَاءٍ، أَوْ دَيْنٍ عَلَى مَوْرُوثِهِ، وَلِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَزِمَهُ صَوْمُهُ كَمَا تَلْزَمُ الْأَحْكَامُ الَّتِي هِيَ مِنْ خَصَائِصِ الرَّمَضَانِيَّةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ، أَشْبَهَ التَّاسِعَ وَالْعِشْرِينَ، وَكَذَا قَالَ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: هَلْ يُفْطِرُ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ صِيَامِ النَّاسِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمَا وُقُوعُ طَلَاقِهِ، وَحَلُّ دَيْنِهِ الْمُعَلَّقَيْنِ بِهِ (وَإِنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ لَمْ يُفْطِرْ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَقَالَهُ عُمَرُ وَعَائِشَةُ، وَلِاحْتِمَالِ خَطَئِهِ وَتُهْمَتِهِ فَوَجَبَ الِاحْتِيَاطُ، وَكَمَا لَا يُعْرَفُ، وَلَا يُضَحِّي وَحْدَهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، قَالَ: وَالنِّزَاعُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ الْهِلَالَ هَلْ هُوَ اسْمٌ لِمَا يطلع فِي السَّمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ، وَلَمْ يَظْهَرْ أَوْ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى هِلَالًا إِلَّا بِالظُّهُورِ، وَالِاشْتِهَارِ، فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ أَبُو حَكِيمٍ يَتَخَرَّجُ أَنْ يُفْطِرَ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ أَنْ يُفْطِرَ سِرًّا، لِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُهُ يَوْمَ الْعِيدِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا رَآهُ عَدْلَانِ، وَلَمْ يَشْهَدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَوْ شَهِدَ أَفْرَدَهُمَا لِجَهْلِهِ بِحَالِهِمَا لَمْ
[من يجب عليه الصوم]
رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ لَمْ يُفْطِرْ، وَإِذَا اشْتَبَهَتِ الْأَشْهُرُ عَلَى الْأَسِيرِ، تَحَرَّى وَصَامَ، فَإِنْ وَافَقَ الشَّهْرَ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ وَافَقَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ. وَلَا يَجِبُ الصَّوْمُ إِلَّا عَلَى الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ، الْقَادِرِ عَلَى الصَّوْمِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا صَبِيٍّ، لَكِنْ يُؤْمَرُ بِهِ إِذَا أَطَاقَهُ، وَيُضْرَبُ عَلَيْهِ لِيَعْتَادَهُ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَجُزْ لِأَحَدِهِمَا، وَلَا لِمَنْ عَرَفَ عَدَالَتَهُمَا الْفِطْرُ بِقَوْلِهِمَا فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ رَدَّهُمَا لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوَقُّفٌ لِعَدَمِ عِلْمِهِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " الْجَوَازُ، لِقَوْلِهِ: «فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. (وَإِذَا اشْتَبَهَتِ الْأَشْهُرُ عَلَى الْأَسِيرِ) وَالْمَطْمُورِ وَمَنْ بِمَغَارَةٍ، وَنَحْوِهِمْ (تَحَرَّى) وَهُوَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ تَأْدِيَةُ فَرْضِهِ بِالِاجْتِهَادِ، فَلَزِمَهُ كَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ (وَصَامَ فَإِنْ وَافَقَ الشَّهْرَ أَوْ بَعْدَهُ، أَجْزَأَهُ) كَالصَّلَاةِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَنْكَشِفْ لَهُ الْحَالُ لِتَأْدِيَةِ فَرْضِهِ بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا يَضُرُّ التَّرَدُّدُ فِي النِّيَّةِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ فَلَوْ وَافَقَ رَمَضَانَ السَّنَةَ الْقَابِلَةَ، فَقَالَ الْمَجْدُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنِ اعْتَبَرْنَا نِيَّةَ التَّعْيِينِ، وَإِلَّا وَقَعَ عَنِ الثَّانِي، وَقَضَى الْأَوَّلَ. وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مَا صَامَهُ بِقَدْرِ أَيَّامِ شَهْرِهِ الَّذِي فَاتَهُ، سَوَاءٌ وَافَقَ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ أَوْ لَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ". وَظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ " أَنَّهُ مَتَى وَافَقَ شَهْرًا بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا وَرَمَضَانُ تَامًّا. قَالَهُ الْقَاضِي، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَأَوْرَدَهُ الْمَجْدُ مَذْهَبًا كَالنَّذْرِ، وَفَرَّقَ فِي " الشَّرْحِ " بِأَنَّ النَّذْرَ مُطْلَقٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ وَالْقَضَاءُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِعُذْرِ الْمَتْرُوكِ (وَإِنْ وَافَقَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَتَى بِالْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا، فَلَمْ يُجْزِئْهُ كَالصَّلَاةِ، فَلَوْ وَافَقَ بَعْضُهُ رَمَضَانَ، فَمَا وَافَقَهُ أَوْ بَعْدَهُ، أَجْزَأَهُ دُونَ مَا قَبْلَهُ، وَلَوْ صَامَ شَعْبَانَ ثَلَاثَ سِنِينَ مُتَوَالِيَةً، ثُمَّ عَلِمَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ كَالصَّلَاةِ، إِذَا فَاتَتْهُ، نَقَلَهُ مُهَنَّا. وَإِنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّهْرَ لَمْ يَدْخُلْ فَصَامَ، لَمْ يُجْزِئْهُ. [مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ] (وَلَا يَجِبُ الصَّوْمُ إِلَّا عَلَى الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْقَادِرِ عَلَى الصَّوْمِ) إِجْمَاعًا (وَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ) مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهَا الْإِسْلَامُ كَالصَّلَاةِ (وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا صَبِيٍّ) لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا، وَرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُمَا (لَكِنْ يُؤْمَرُ بِهِ إِذَا أَطَاقَهُ وَيُضْرَبُ عَلَيْهِ لِيَعْتَادَهُ) كَذَا قَالَهُ الْأَكْثَرُ، أَيْ: يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ ذَلِكَ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَعَنْهُ:
[إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار لزمهم الإمساك والقضاء]
فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ لَزِمتهُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ وَإِنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ أَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ، ـــــــــــــــــــــــــــــQيَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا أَطَاقَهُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَالَهُ عَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُمَيِّزُ، وَحَدَّ ابْنُ أَبِي مُوسَى طَاقَتَهُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا أَطَاقَ الْغُلَامُ صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ رَمَضَانَ» رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، أَشْبَهَتِ الصَّلَاةَ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُ مَنْ بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ وَأَطَاقَهُ، قَالَ الْخِرَقِيُّ: يُؤْخَذُ بِهِ إِذَنْ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. قَالَ الْقَاضِي: هُوَ عِنْدِي رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحَمَلَ مَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَكَالْحَجِّ، وَحَدِيثُهُمْ مُرْسَلٌ، وَيُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ وَسَمَّاهُ وَاجِبًا تَأْكِيدًا، وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَأَمَّا كَوْنُ الْقُدْرَةِ مِنْ شُرُوطِهِ، فَلِأَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ الشَّيْءِ لَا يُكَلَّفُ بِهِ لِلنَّصِّ. [إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ لَزِمَهُمُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ] (وَإِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ لَزِمَهُمُ الْإِمْسَاكُ) لِتَعَذُّرِ إِمْسَاكِ الْجَمِيعِ فَوَجَبَ أَنْ يَأْتُوا بِمَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، وَكَمَا لَوْ تَعَمَّدُوا الْأَكْلَ فِي يَوْمٍ آخَرَ مِنْهُ، (وَالْقَضَاءُ) فَلِثُبُوتِهِ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَأْتُوا فِيهِ بِصَوْمٍ صَحِيحٍ فَلَزِمَهُمْ قَضَاؤُهُ لِلنَّصِّ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةَ: لَا يَلْزَمُ الْإِمْسَاكُ كَالْمُسَافِرِ إِذَا قَدِمَ، وَغَلِطَ الْمُؤَلِّفُ بِأَقَلِّهَا وَخَرَجَ فِي " الْمُغْنِي " عَلَى قَوْلِ عَطَاءٍ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، وَقَدْ طَلَعَ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُمْسِكُ وَلَا يَقْضِي، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِالرُّؤْيَةِ إِلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ. (وَإِنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ أَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ فَكَذَلِكَ) أَيْ: إِذَا صَارَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْهُ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ، لَزِمَهُ إِمْسَاكُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَضَاؤُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِإِمْسَاكِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَلِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ فِيهِ بِالرُّؤْيَةِ، وَلِإِدْرَاكِهِ جُزْءًا مِنْ وَقْتِهِ كَالصَّلَاةِ، (وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ) أَيْ: لَا إِمْسَاكٌ، لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ وَلِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُمْ فِطْرُ أَوَّلِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا،
[بلغ الصبي صائما]
فَكَذَلِكَ، وَعَنْهُ لَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ وَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ صَائِمًا، أَتَمَّ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ طَهُرَتْ حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءٌ أَوْ قَدِمَ الْمُسَافِرُ مُفْطِرًا، فَعَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ. وَفِي الْإِمْسَاكِ رِوَايَتَانِ وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَكَانَ لَهُمُ الِاسْتِدَامَةُ كَمَا لَوْ دَامَ الْعُذْرُ وَلَا قَضَاءٌ لِعَدَمِ إِدْرَاكِهِمْ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الْعِبَادَةَ، أَشْبَهُ مَا لَوْ زَالَ عُذْرُهُمْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ، عَصَى بِالْفِطْرِ، وَأَمْسَكَ وَقَضَى كَالْبَالِغِ، وَعَلِمَ أَنَّهُمْ يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ الشَّهْرِ مَا عَدَا الْيَوْمَ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ قَضَاءُ مَا مَضَى [بَلَغَ الصَّبِيُّ صَائِمًا] (وَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ) بِالسِّنِّ أَوِ الِاحْتِلَامِ (صَائِمًا) بِأَنْ نَوَاهُ مِنَ اللَّيْلِ (أَتَمَّ) صَوْمَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ (وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي) لِأَنَّهُ نَوَاهُ مِنَ اللَّيْلِ فَأَجْزَأَهُ كَالْبَالِغِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُهُ نَفْلًا، وَبَاقِيهِ فَرْضًا كَنَذْرِهِ إِتْمَامَ النَّفْلِ (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " (عَلَيْهِ الْقَضَاءُ) أَيْ: قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ، وَهُوَ فِي نَفْلٍ مُعْتَادٍ، وَكَبُلُوغِهِ فِي صَلَاةٍ أَوْ حَجٍّ، وَلِأَنَّ مَا مَضَى مِنْهُ نَفْلٌ، فَلَمْ يُجْزِ عَنِ الْفَرْضِ كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدِمِ فُلَانٍ، فَقَدِمَ، وَالنَّاذِرُ صَائِمٌ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ إِذَا بَلَغَ مُفْطِرًا، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَجِبْ، فَلَا قَضَاءَ هُنَا وَجْهًا وَاحِدًا. (وَإِنْ طَهُرَتْ حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ أَوْ قَدِمَ الْمُسَافِرُ) أَوْ أَقَامَ (مُفْطِرًا فَعَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ) إِجْمَاعًا، وَكَمَرِيضٍ إِذَا صَحَّ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ مُفْطِرًا (وَفِي الْإِمْسَاكِ رِوَايَتَانِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا جَمَاعَةٌ وَالْأَصَحُّ لُزُومُهُ، وَكَمُقِيمٍ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ سَافَرَ، أَوْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ، أَوْ لَا. نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَحَنْبَلٌ، وَيُعَايَا بِهَا، وَالثَّانِيَةُ: لَا إِمْسَاكَ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ يُبَاحُ لَهُ الْأَكْلُ أَوَّلَ النَّهَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَيَتَوَجَّهُ: لَا إِمْسَاكَ مَعَ حَيْضٍ وَمَعَ السَّفَرِ الْخِلَافُ. وَإِذَا لَمْ يَجِبِ الْإِمْسَاكُ، فَقَدِمَ مُسَافِرٌ مُفْطِرًا فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا لَهُ أَنْ يَطَأَهَا، وَلَوْ عَلِمَ مُسَافِرٌ أَنَّهُ يَقْدَمُ غَدًا، لَزِمَهُ الصَّوْمُ كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ، وَعَلِمَ قُدُومَهُ فِي غَدٍ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَبْلُغُ فِي غَدٍ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا بَرِئَ مَرِيضٌ، أَوْ قَدِمَ مُسَافِرٌ، أَوْ أَقَامَ صَائِمًا، لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، وَأَجْزَأَ كَمُقِيمٍ صَائِمٍ مَرِضَ ثُمَّ لَمْ يُفْطِرْ حَتَّى عُوفِيَ، وَلَوْ وَطِئَا فِيهِ كَفَّرَا، نَصَّ عَلَيْهِ كَمُقِيمٍ وَطِئَ ثُمَّ سَافَرَ ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". [صَوْمُ الْكَبِيرِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ] (وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ) وَهُوَ الْهَمُّ وَالْهِمَّةُ (أَوْ مَرَضٌ
أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَفْطَرَ وَأَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. وَالْمَرِيضُ إِذَا خَافَ الضَّرَرَ وَالْمُسَافِرُ اسْتُحِبَّ لَهُمَا الْفِطْرُ، وَإِنْ صَامَا، أَجْزَأَهُمَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَا فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَفْطَرَ) أَيْ: لَهُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا (وَأَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} [البقرة: 184] لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هِيَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ لَا يَسْتَطِيعَانِ الصَّوْمَ يُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذٍ وَلَمْ يُدْرِكْهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَالْمُرَادُ بِالْإِطْعَامِ: مَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ، فَلَوْ كَانَ الْكَبِيرُ مُسَافِرًا وَمَرِيضًا فَأَفْطَرَ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي " الْخِلَافِ " وَلَا قَضَاءَ لِلْعَجْزِ عَنْهُ، وَيُعَايَا بِهَا، وَإِنْ أَطْعَمَ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقَضَاءِ، فَكَمَعْضُوبٍ حُجَّ عَنْهُ ثُمَّ عُوفِيَ ذَكَرَهُ الْمَجْدُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْإِطْعَامُ. (وَالْمَرِيضُ إِذَا خَافَ الضَّرَرَ وَالْمُسَافِرُ) وَهُوَ مَنْ لَهُ الْقَصْرُ (اسْتُحِبَّ لَهُمَا الْفِطْرُ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] أَيْ: فَأَفْطَرَ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ» وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَلِأَنَّ فِيهِ قَبُولَ الرُّخْصَةِ مَعَ التَّلَبُّسِ بِالْأَخَفِّ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا خُيِّرْتُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَرْتُ أَيْسَرَهُمَا» وَيُشْتَرَطُ لَهُ أَنْ يَخَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ أَوْ بُطْءَ بُرْئِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ لَمْ يُفْطِرْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " فِي وَجَعِ رَأْسٍ وَحُمَّى، ثُمَّ قَالَ: إِلَّا أَنْ يُنْضَرَ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: مَتَى يُفْطِرُ الْمَرِيضُ؟ قَالَ: إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ قِيلَ: مِثْلُ الْحُمَّى؟ قَالَ: وَأَيُّ مَرَضٍ أَشَدُّ مِنَ الْحُمَّى. فَلَوْ خَافَ تَلَفًا بِصَوْمِهِ كُرِهَ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا خِلَافًا فِي الْإِجْزَاءِ (وَإِنْ صَامَا أَجْزَأَهُمَا) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ فِي الْمُسَافِرِ: لَا يُعْجِبُنِي، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ
رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ. وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ فَلَهُ الْفِطْرُ، وَإِنْ نَوَى الْحَاضِرُ صَوْمَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالسَّلَامُ -: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» وَعُمَرُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَأْمُرَانِهِ بِالْإِعَادَةِ، وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ تَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ، وَحَمْلُهَا عَلَى رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُجْزِئُ من غير كَرَاهَةً، وَقَدْ سَأَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الصَّوْمِ فِيهِ لِمَنْ قَوِيَ فَقَالَ: لَا يَصُومُ. وَحَكَاهُ الْمَجْدُ عَنِ الْأَصْحَابِ. قَالَ: وَعِنْدِي لَا يُكْرَهُ لِمَنْ قَوِيَ، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ. وَلَيْسَ الصَّوْمُ فِيهِ أَفْضَلَ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُخْصَةِ الْقَصْرِ أَنَّهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهَا تَبْرَأُ بِهَا الذِّمَّةُ، وَرُدَّ بِصَوْمِ الْمَرِيضِ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَا فِي رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ) مِنْ قَضَاءٍ وَفِدْيَةٍ وَغَيْرِهِمَا، لِأَنَّ الْفِطْرَ أُبِيحَ تَخْفِيفًا وَرُخْصَةً، فَإِذَا لَمْ يَرُدَّهُ لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِالْأَصْلِ كَالْجُمُعَةِ، وَكَالْمُقِيمِ الصَّحِيحِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قُبِلَ صَوْمًا مِنَ الْمَعْذُورِ، لَقَبِلَهُ مِنْ غَيْرِهِ كَسَائِرِ الزَّمَانِ الْمُتَضَيِّقِ لِلْعِبَادَةِ، فَلَوْ نَوَى صَوْمًا غَيْرَ رَمَضَانَ فَهَلْ يَقَعُ بَاطِلًا أَمْ يَقَعُ مَا نَوَاهُ؛ هِيَ مَسْأَلَةُ تَعْيِينِ النِّيَّةِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا خَافَ مَنْ بِهِ شَبَقٌ تَشَقُّقَ أُنْثَيَيْهِ، أَوْ بِهِ مَرَضٌ يُنْتَفَعُ فِيهِ بِوَطْءٍ سَاغَ لَهُ الْوَطْءُ، وَقَضَى بِلَا كَفَّارَةٍ، نَقَلَهُ الشَّالَنْجِيُّ إِنْ لَمْ تَنْدَفِعْ شَهْوَتُهُ بِغَيْرِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ لَا يُفْسِدَ صَوْمَ زَوْجَتِهِ لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا جَازَ لِلضَّرُورَةِ، فَوَطْءُ صَائِمَةٍ أَوْلَى مِنْ حَائِضٍ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ لِدَوَامِ شَبَقِهِ فَكَكَبِيرٍ عَجَزَ عَنْهُ. (وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ فَلَهُ الْفِطْرُ) لِفِطْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَمَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بِالْجِمَاعِ، لِأَنَّ مَنْ لَهُ الْأَكْلُ لَهُ الْجِمَاعُ كَمَنْ لَمْ يَنْوِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يُفْطِرُ بِنِيَّةِ الْفِطْرِ فَيَقَعُ الْجِمَاعُ بَعْدَهُ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ بِالْجِمَاعِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى عَلَى السَّفَرِ، فَعَلَيْهَا إِنْ جَامَعَ كَفَّرَ، وَالْمَذْهَبُ: لَا. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ
[صوم الحامل والمرضع]
يَوْمٍ، ثُمَّ سَافَرَ أَثْنَاءه فَلَهُ الْفِطْرُ وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا، وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا، وَأَطْعَمَتَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَمَنْ نَوَى قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ جُنَّ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَإِنْ نَوَى الْحَاضِرُ صَوْمَ يَوْمٍ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ فَلَهُ الْفِطْرُ) لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَالْأَخْبَارِ الصَّرِيحَةِ مِنْهَا مَا رَوَى عُبَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ مِنَ الْفُسْطَاطِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ، فَقَالَ: اقْتَرِبْ، قُلْتُ: أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ؟ قَالَ: أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَأَكَلَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلِأَنَّ السَّفَرَ يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَأَبَاحَهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ كَالْمَرَضِ الطَّارِئِ وَلَوْ بِفِعْلِهِ، وَالصَّلَاةُ لَا يَشُقُّ إِتْمَامُهَا، وَهِيَ آكَدُ لِأَنَّهَا مَتَى وَجَبَ إِتْمَامُهَا لَمْ يَقْصُرْ بِحَالٍ وَتَرْكُ الْفِطْرِ أَفْضَلُ سَوَاءٌ سَافَرَ طَوْعًا أَوْ كُرْهًا، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، فَيُعَايَا بِهَا. وَلَيْسَ لَهُ الْفِطْرُ قَبْلَ خُرُوجِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسَافِرًا (وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ) وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالسَّفَرِ، وَالْحَضَرِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا غَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ كَالصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ بِجِمَاعٍ لِآكَدِيَّتِهِ، فَعَلَى الْمَنْعِ يُكَفِّرُ مَنْ وَطِئَ، وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ كَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ ثُمَّ جَامَعَ. [صَوْمُ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ] (وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا) الضَّرَرَ (عَلَى أَنْفُسِهِمَا) كُرِهَ لَهُمَا الصَّوْمُ، وَيُجْزِئُ فَإِنْ (أَفْطَرَتَا وقَضَتَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ كَالْمَرِيضِ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ وَلِقُدْرَتِهِمَا عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْكَبِيرِ. قَالَ أَحْمَدُ: أَقُولُ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَنْعِ الْقَضَاءِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا إِطْعَامَ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ أُبِيحَ لِعُذْرٍ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ كَفَّارَةٌ كَالْمَرِيضِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً (وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا) لِأَنَّ خَوْفَهُمَا خَوْفٌ عَلَى آدَمِيٍّ أَشْبَهَ خَوْفَهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا (وَقَضَتَا) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] ، وَكَسَائِرِ الْمَرْضَى (وَأَطْعَمَتَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) مَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} [البقرة: 184] الْآيَةَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّهُ إِفْطَارٌ
[صوم المجنون والمغمى عليه]
لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، وَإِنْ أَفَاقَ جُزْءًا مِنْهُ، صَحَّ صَوْمُهُ وَإِنْ نَامَ جَمِيعَ النَّهَارِ، صَحَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِسَبَبِ نَفْسٍ عَاجِزَةٍ عَنِ الصَّوْمِ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ، وَيُلْحَقُ بِهَذَا: الظِّئْرُ الَّتِي تُرْضِعُ وَلَدَ غَيْرِهَا. ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُبِيحَ يَسْتَوِي فِيهِ كَالسَّفَرِ لِحَاجَتِهِ، وَحَاجَةِ غَيْرِهِ وَفِي " الرِّعَايَةِ " قَوْلٌ لَا تُفْطِرُ الظِّئْرُ إِذَا خَافَتْ عَلَى رَضِيعِهَا، وَالْإِطْعَامُ عَلَى الْأُمِّ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهَا، وَلِهَذَا وَجَبَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَيْنَهَا، وَبَيْنَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ مِنْ مَالِهِ لِأَنَّ الْإِرْفَاقَ لَهُمَا. وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْإِطْعَامَ عَلَى مَنْ يُمَوِّنُهُ، وَيُصْرَفُ إِلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ جُمْلَةً وَاحِدَةً. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ لِوُجُوبِهِ، وَهُوَ أَقْيَسُ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ: أَنَّهُ إِنْ أَتَى بِهِ مَعَ الْقَضَاءِ جَازَ لِأَنَّهُ كَالتَّكْمِلَةِ لَهُ. تَنْبِيهٌ: لَا يَسْقُطُ الْإِطْعَامُ بِالْعَجْزِ ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ كَالدَّيْنِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ يَسْقُطُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ أَنَّهَا تَسْقُطُ فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ، بَلْ أَوْلَى لِلْعُذْرِ هُنَا، وَلَا يَسْقُطُ عَنِ الْكَبِيرِ وَالْمَأْيُوسِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ نَفْسِ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ الَّذِي لَا يَسْقُطُ بِالْعَجْزِ فَكَذَا بَدَلُهُ، وَكَذَا إِطْعَامُ مَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ وَغَيْرَهُ، غَيْرَ كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ. [صَوْمُ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ] (وَمَنْ نَوَى قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ) لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِمْسَاكِ مَعَ النِّيَّةِ فَلَمْ يُوجَدِ الْإِمْسَاكُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «إِنَّهُ تَرَكَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي» فَلَمْ تُعْتَبَرِ النِّيَّةُ مُنْفَرِدَةً عَنْهُ، (وَإِنْ أَفَاقَ) أَيِ: الْمُغْمَى عَلَيْهِ (جُزْءًا مِنْهُ، صَحَّ صَوْمُهُ) لِقَصْدِهِ الْإِمْسَاكَ فِي جُزْءٍ مِنَ النَّهَارِ، فَأَجْزَأَ كَمَا لَوْ نَامَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ جُزْءٌ لِلْإِدْرَاكِ، وَلَا يُفْسِدُ قَلِيلُ الْإِغْمَاءِ الصَّوْمَ، وَالْجُنُونُ كَالْإِغْمَاءِ، وَقِيلَ: يَفْسُدُ الصَّوْمُ بِقَلِيلِهِ كَالْحَيْضِ، بَلْ أَوْلَى لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ زَوَالُ عَقْلٍ مِنْ بَعْضِ الْيَوْمِ فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّتُهُ كَالْإِغْمَاءِ، وَيُفَارِقُ
[وجوب تبييت نية صوم الواجب من الليل]
صَوْمُهُ. وَيَلْزَمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْمَجْنُونِ. فَصْلٌ وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ وَاجِبٍ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ مِنَ اللَّيْلِ مُعَيَّنًا وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِرَمَضَانَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْحَيْضَ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ وَيَحْرُمُ فِعْلُهُ، (وَإِنْ نَامَ جَمِيعَ النَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ، وَلَا يُزِيلُ الْإِحْسَاسَ بِالْكُلِّيَّةِ وَخَالَفَ فِيهِ الْإِصْطَخْرِيُّ، وَهُوَ شَاذٌّ، (وَيَلْزَمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ) إِذَا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ (الْقَضَاءُ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ مَرَضٌ وَهُوَ مُغَطٍّ عَلَى الْعَقْلِ غَيْرُ رَافِعٍ لِلتَّكْلِيفِ، وَلَا تَطُولُ مُدَّتُهُ، وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَيَدْخُلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - وَعَنْهُ: لَا يَقْضِي كَالْجُنُونِ (دُونَ الْمَجْنُونِ) فَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءٌ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ، سَوَاءٌ فَاتَ بِالْجُنُونِ الشَّهْرُ أَوْ بَعْضُهُ، وَعَنْهُ: يَقْضِي؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يُزِيلُ الْعَقْلَ فَلَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَ الصَّوْمِ كَالْإِغْمَاءِ، وَعَنْهُ: إِنْ أَفَاقَ فِي الشَّهْرِ قَضَى مَا مَضَى، وَإِنْ أَفَاقَ بَعْدَهُ، فَلَا، كَمَا لَوْ جُنَّ فِي أَثْنَائِهِ، وَكَمَا لَوْ أَفَاقَ فِي جُزْءٍ مِنَ الْيَوْمِ، لَكِنْ إِذَا جُنَّ فِي صَوْمِ قَضَاءٍ وَكَفَّارَةٍ، فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ بِالْوُجُوبِ السَّابِقِ. [وُجُوبُ تَبْيِيتِ نِيَّةِ صَوْمِ الْوَاجِبِ مِنَ اللَّيْلِ] فَصْلٌ (وَلَا يَصِحُّ صَوْمٌ وَاجِبٌ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ مِنَ اللَّيْلِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ لَمْ يَجْمَعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ: رَفَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَعَمْرٌو مِنَ الثِّقَاتِ، وَوَافَقَهُ عَلَى رَفْعِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَلَمْ يُثْبِتْ أَحْمَدُ رَفَعَهُ، وَصَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ. وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي لَفْظٍ لِلزُّهْرِيِّ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا يُقَالُ: قَدْ وَرَدَ فِي صَوْمِ عَاشُورَاءَ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ، لِأَنَّ وُجُوبَهُ كَانَ نَهَارًا لِمَنْ صَامَ تَطَوُّعًا ثُمَّ نَذَرَهُ، عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً ذَكَرُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعِبَادَةِ كَالصَّلَاةِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنَ اللَّيْلِ نَوَى أَجْزَأَهُ لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ، وَسَوَاءٌ وُجِدَ بَعْدَهَا مَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ كَالْجِمَاعِ، وَالْأَكْلِ، أَوْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ فَلَوْ بَطَلَتْ فَاتَ مَحَلُّهَا، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: تَبْطُلُ إِذَا أَتَى بِالْمُنَافِي كَمَا لَوْ فَسَخَ النِّيَّةَ أَوْ نَسِيَهَا أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَإِنْ نَوَتِ الْحَائِضُ صَوْمَ الْغَدِ، وَقَدْ عَرَفَتِ الطُّهْرَ لَيْلًا، فَوَجْهَانِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي نَهَارِ يَوْمٍ كَصَوْمِ غَدٍ، وَكَنِيَّتِهِ مِنَ اللَّيْلِ صَوْمَ بَعْدَ غَدٍ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ مَا لَمْ يَفْسَخْهَا، وَحَمَلَهَا الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ اسْتَصْحَبَهَا إِلَى اللَّيْلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيَعْتَبِرُ لِكُلِّ يَوْمٍ نِيَّةً مُفْرَدَةً؛ لِأَنَّهَا عِبَادَاتٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ يَوْمٌ بِفَسَادِ آخَرَ، وَكَالْقَضَاءِ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لِكُلِّهِ، نَصَرَهَا أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ. وَعَلَى قِيَاسِهِ النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ وَنَحْوُهُ، فَلَوْ أَفْطَرَ يَوْمًا بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ صِيَامُ الْبَاقِي بِتِلْكَ النِّيَّةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ مَعَ بَقَاءِ التَّتَابُعِ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (مُعَيَّنًا) أَيْ: لَا بُدَّ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ يَصُومُ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ مِنْ قَضَائِهِ أَوْ نَذْرِهِ أَوْ كَفَّارَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ لِقَوْلِهِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى» ، وَكَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ، وَلِأَنَّ التَّعْيِينَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، فَلَوْ خَطَرَ بِقَلْبِهِ نَقْلُهُ لَيْلًا أَنَّهُ صَائِمٌ غَدًا فَقَدْ بَرِئَ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ عِنْدَنَا نِيَّةٌ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ حِينَ يَتَعَشَّى يَتَعَشَّى عَشَاءَ مَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ، بِدَلِيلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ مِنْ غَيْرِهَا. (وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِرَمَضَانَ) لِأَنَّ التَّعْيِينَ يُرَادُ لِلتَّمْيِيزِ، وَهَذَا الزَّمَانُ يَتَعَيَّنُ، وَكَالْحَجِّ فَعَلَيْهَا يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ، وَنِيَّةِ نَفْلٍ، وَنِيَّةِ فَرْضٍ تَرَدَّدَ فِيهَا، وَاخْتَارَ
وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَجِبُ ذَلِكَ، وَلَوْ نَوَى إِنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ، فَهُوَ فَرْضِيٌّ، وَإِلَّا فَهُوَ نَفْلٌ، لَمْ يُجْزِئْهُ وَمَنْ نَوَى الْإِفْطَارَ، أَفْطَرَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَجْدُ صِحَّتَهُ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ لِتَعَذُّرِ صَرْفِهِ إِلَى غَيْرِ رَمَضَانَ، وَاخْتَارَ حَفِيدُهُ: يَصِحُّ مُطْلَقًا مَعَ الْجَهْلِ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَلَا كَمَنْ دَفَعَ وَدِيعَةَ رَجُلٍ إِلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ التَّبَرُّعِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حَقَّهُ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِعْطَاءٍ ثَانٍ، (وَلَا يَحْتَاجُ) مَعَ التَّعْيِينِ (إِلَى نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَكُونُ إِلَّا فَرْضًا فَأَجْزَأَ التَّعْيِينُ عَنْهُ، (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَجِبُ ذَلِكَ) كَالصَّلَاةِ، (وَلَوْ نَوَى إِنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضِيٌّ) أَيْ: الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيَّ، (وَإِلَّا فَهُوَ نَفْلٌ، لَمْ يُجْزِئْهُ) عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنِ الصَّوْمَ مِنْ رَمَضَانَ حَزْمًا، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يُجْزِئُهُ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: أَنَّهُ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ الْمُتَرَدِّدَةِ وَالْمُطْلَقَةِ مَعَ الْغَيْمِ دُونَ الصَّحْوِ؛ لِوُجُوبِ صَوْمِهِ، فَلَوْ نَوَى إِنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَصَوْمِي عَنْهُ، وَإِلَّا فَهُوَ عَنْ وَاجِبٍ عَيَّنَهُ بِنِيَّتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ ذَلِكَ الْوَاجِبِ، وَفِي إِجْزَائِهِ عَنْ رَمَضَانَ الرِّوَايَتَانِ إِذَا بَانَ مِنْهُ، وَإِنْ قَالَ: وَإِلَّا فَأَنَا مُفْطِرٌ، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ نَوَى الرَّمَضَانِيَّةَ بِلَا مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ، فَعَلَى الْخِلَافِ إِذَا بَانَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ عَنْ مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ أَجْزَأَهُ كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْوَقْتِ. فَرْعٌ إِذَا قَالَ: أَنَا صَائِمٌ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - فَإِنْ قَصَدَ بِالْمَشِيئَةِ الشَّكَّ وَالتَّرَدُّدَ فِي الْعَزْمِ وَالْقَصْدِ، فَسَدَتْ نِيَّتُهُ، وَإِلَّا لَمْ تَفْسُدْ ذَكَرَهُ فِي " التَّعْلِيقِ " وَ " الْفُنُونِ "؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ أَنَّ فِعْلَهُ لِلصَّوْمِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ، وَتَيْسِيرِهِ كَمَا لَا يَفْسُدُ الْإِيمَانُ بِهِ غَيْرَ مُتَرَدِّدٍ فِي الْحَالِ، وَطَرَدَهُ الْقَاضِي فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ بِأَنَّهَا لَا تَفْسُدُ بِذِكْرِ الْمَشِيئَةِ فِي نِيَّتِهَا. (وَمَنْ نَوَى الْإِفْطَارَ أَفْطَرَ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي " الشَّرْحِ " هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهِ النِّيَّةُ فَفَسَدَ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ كَالصَّلَاةِ. وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ
وَيَصِحُّ صَوْمُ النَّفْلِ بِنْيَةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُ بَعْدَ الزَّوَالِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْعِبَادَةِ، لَكِنْ لَمَّا شَقَّ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِهَا اعْتُبِرَ بِنَاءُ حُكْمِهَا، وَهُوَ أَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا، فَإِذَا نَوَاهُ زَالَتْ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا تَبْطُلُ كَالْحَجِّ مَعَ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَجَّ يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ وَمُبْهَمَةٍ، وَقَوْلُهُ: أَفْطَرَ أَيْ: صَارَ كَمَنْ لَمْ يَنْوِ لَا كَمَنْ أَكَلَ. فَلَوْ كَانَ فِي نَفْلٍ يَقْطَعُهُ ثُمَّ نَوَاهُ جَازَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ قَضَاءٍ فَقَطَعَ بِنِيَّتِهِ ثُمَّ نَوَى نَفْلًا جَازَ، وَلَوْ قُلْتَ: نِيَّةُ نَذْرٍ وَقَضَاءٍ إِلَى النَّفْلِ فَكَمَنِ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضِ صَلَاةٍ إِلَى نَفْلِهَا، وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ تَرَدَّدَ فِي الْفِطْرِ، أَوْ نَوَى أَنَّهُ سَيُفْطِرُ سَاعَةً أُخْرَى، أَوْ إِنْ وَجَدْتُ طَعَامًا، أَكَلْتُ وَإِلَّا أَتْمَمْتُ، فَكَالْخِلَافِ فِي الصَّلَاةِ، (وَيَصِحُّ صَوْمُ النَّفْلِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ وَقَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمُ الْقَاضِي فِي أَكْثَرِ تَصَانِيفِهِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قُلْنَا: لَا قَالَ: فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَاشُورَاءَ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ خُفِّفَ نَفْلُهَا عَنْ فَرْضِهَا فَكَذَا الصَّوْمُ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِهِ؛ لِكَوْنِهِ يَعِنُّ لَهُ مِنَ النَّهَارِ فَعُفِيَ عَنْهُ، (وَقَالَ الْقَاضِي) فِي " الْمُجَرَّدِ " وَتَبِعَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (لَا يُجْزِئُ بَعْدَ الزَّوَالِ) لِأَنَّ فِعْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنَّمَا هُوَ فِي الْغَدَاءِ، وَهُوَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تَصْحَبِ الْعِبَادَةَ فِي مُعْظَمِهَا، أَشْبَهُ مَا لَوْ نَوَى مَعَ الْغُرُوبِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ نَوَى فِي جُزْءٍ مِنْهُ يَصِحُّ كَأَوَّلِهِ، وَجَمِيعُ اللَّيْلِ وَقْتٌ لِنِيَّةِ الْفَرْضِ، فَكَذَا النَّهَارُ وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ فَعَلَ مَا يُفْطِرُهُ قَبْلَ النِّيَّةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَخَالَفَ فِيهِ أَبُو زَيْدٍ الشَّافِعِيُّ، وَيُحْكَمُ بِالصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُثَابِ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ فِي الْأَظْهَرِ، وَفِي " الْمُجَرَّدِ " وَ " الْهِدَايَةِ " مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَقَالَهُ حَمَّادٌ، وَإِسْحَاقُ إِنْ نَوَاهُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَعَلَى الْأَوَّلِ تَطَوُّعُ حَائِضٍ طَهُرَتْ، وَكَافِرٍ أَسْلَمَ فِي يَوْمٍ، وَلَمْ يَأْكُلَا يَصُومَا بَقِيَّةَ الْيَوْمِ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا، لِامْتِنَاعِ تَبْعِيضِ صَوْمِ الْيَوْمِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا صَوْمٌ.
[باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة]
بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَيُوجِبُ الْكَفَّارَةَ وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوِ اسْتَعَطَ أَوِ احْتَقَنَ، أَوْ دَاوَى الْجَائِفَةَ بِمَا يَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ، أَوِ اكْتَحَلَ بِمَا يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ، أَوْ دَاوَى الْمَأْمُومَةَ، أَوْ قَطَّرَ فِي أُذُنِهِ مَا يَصِلُ إِلَى دِمَاغِهِ، أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَيُوجِبُ الْكَفَّارَةَ] بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ. الْمُفْسِدُ لِلصَّوْمِ: كُلُّ مَا يُنَافِيهِ مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ وَنَحْوِهِمَا، (وَيُوجِبُ الْكَفَّارَةَ وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ) فَقَدْ أَفْطَرَ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} [البقرة: 187] الْآيَةَ، فَأَبَاحَهُمَا إِلَى غَايَةٍ، وَهِيَ تَبَيُّنُ الْفَجْرِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ عَنْهُمَا إِلَى اللَّيْلِ، لِأَنَّ حُكْمَ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا، وَقَوْلُ الله تعالى على لسان النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ إِنَّهُ تَرَكَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مُغَذٍّ وَغَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ (أَوِ اسْتَعَطَ) فِي أَنْفِهِ بِدُهْنٍ أَوْ غَيْرِهِ فَوَصَلَ إِلَى حَلْقِهِ أَوْ دِمَاغِهِ قَالَ فِي " الْكَافِي ": أَوْ خَيَاشِيمِهِ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الصَّائِمَ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ (أَوِ احْتَقَنَ) فِي دُبُرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ، وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُعْتَادِ كَالْمُعْتَادِ فِي الْوَاصِلِ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ وَأَوْلَى مِنَ الِاسْتِعَاطِ (أَوْ دَاوَى الْجَائِفَةَ بِمَا يَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْئًا بِاخْتِيَارِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ (أَوِ اكْتَحَلَ) بِكُحْلٍ أَوْ صَبْرٍ أَوْ ذَرُورٍ أَوْ إِثْمِدٍ مُطَيَّبٍ (بِمَا يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْإِثْمِدِ الْمُرَوِّحِ عِنْدَ النَّوْمِ، وَقَالَ: لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبُخَارِيُّ فِي " تَارِيخِهِ " مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ هَوْذَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ضَعِيفٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوقٌ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْفَذًا فَلَمْ يُفْطِرْ بِهِ كَمَا لَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ، وَأُجِيبَ
أَدْخَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْئًا مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، أَوِ اسْتَقَاءَ أَوِ اسْتَمْنَى، أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ فَأَمْنَى، ـــــــــــــــــــــــــــــQبِأَنَّ الْعَيْنَ مَنْفَذٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُعْتَادٍ. وَكَالْوَاصِلِ مِنَ الْأَنْفِ (أَوْ دَاوَى الْمَأْمُومَةَ، أَوْ قَطَرَ فِي أُذُنِهِ مَا يَصِلُ إِلَى دِمَاغِهِ) لِأَنَّ الدِّمَاغَ أَحَدُ الْجَوْفَيْنِ فَالْوَاصِلُ إِلَيْهِ يُغَذِّيهِ فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ كَالْآخَرِ (أَوْ أَدْخَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْئًا مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ) وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَهُوَ شَامِلٌ إِذَا طَعَنَ نَفْسَهُ أَوْ طَعَنَهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ بِشَيْءٍ فِي جَوْفِهِ، فَغَابَ هُوَ أَوْ بَعْضُهُ فِيهِ، أَوِ ابْتَلَعَ خَيْطًا وَيُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِالْوَاصِلِ، وَجَزَمَ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " بِأَنَّهُ يَكْفِي الظَّنُّ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يُفْطِرُ بِمُدَاوَاةِ جَائِفَةٍ وَمَأْمُومَةٍ، وَلَا بِحَقْنِهِ (أَوِ اسْتَقَاءَ) أَيِ: اسْتَدْعَى الْقَيْءَ فَقَاءَ، لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْفُوعِ «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ أَنَّهُ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ كَسَائِرِ الْمُفْطِرَاتِ. وَعَنْهُ: يُفْطِرُ بِمَلْءِ الْفَمِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَيُقَدَّرُ بِمَا لَا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ مَعَهُ، وَعَنْهُ: أَوْ نِصْفِهِ كَنَقْضِ الْوُضُوءِ، وَعَنْهُ: إِنْ فَحُشَ، وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهُ الْأَشْهَرُ، وَبَالَغَ ابْنُ عَقِيلٍ فَقَالَ: إِذَا قَاءَ بِنَظَرِهِ إِلَى مَا يَقِيئُهُ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ، كَالنَّظَرِ وَالْفِكْرِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ: لَا يُفْطِرُ مُطْلَقًا، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَخَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقُ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ. (أَوِ اسْتَمْنَى) أَيِ: اسْتَدْعَى خُرُوجَ الْمَنِيِّ؛ لِأَنَّهُ إِذَا فَسَدَ بِالْقُبْلَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْإِنْزَالِ فَلِأَنْ يَفْسُدُ بِهِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى، لَكِنْ لَوِ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ، وَلَمْ يُنْزِلْ فَقَدْ أَتَى مُحَرَّمًا، وَلَا يَفْسُدُ بِهِ، فَأَمَّا إِنْ أَنْزَلَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَا كَالْبَوْلِ (أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ فَأَمْنَى) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ «عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: هَشَشْتُ فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي فَعَلْتُ أَمْرًا عَظِيمًا، فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنْ إِنَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ؛ قُلْتُ: لَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: فَمَهْ» فَشَبَّهَ الْقُبْلَةَ بِالْمَضْمَضَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْفِطْرِ، فَإِنَّ الْمَضْمَضَةَ إِذَا
أَوْ مَذَى، أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ أَوْ حَجَمَ أَوِ احْتَجَمَ عَامِدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَسَدَ صَوْمُهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQكَانَ مَعَهَا نُزُولٌ أَفْطَرَ، وَإِلَّا فَلَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ وَسِيلَةً وَذَرِيعَةً إِلَى الْجِمَاعِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لَا يُفْطِرُ، وَقَالَهُ دَاوُدُ وَضَعَّفَ الْخَبَرَ السَّابِقَ، وَقَالَ: هُوَ رِيحٌ. (أَوْ مَذَى) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِنْزَالٌ بِمُبَاشَرَةٍ أَشْبَهَ الْمَنِيَّ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يُفْطِرُ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ أَظْهَرُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الْمَنِيِّ لَا يَصِحُّ؛ لِظُهُورِ الْفَرْقِ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ فَقَطْ، وَإِنِ اسْتَمْنَى فَأَمْنَى أَوْ مَذَى فَكَذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ، وَقَوْلُهُ: فَأَمْنَى أَوْ مَذَى، رَاجِعٌ إِلَى الِاسْتِمْنَاءِ، وَمَا بَعْدَهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا فِطْرَ بِدُونِ الْإِنْزَالِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. رُوِيَ بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا، وَمَعْنَاهُ: حَاجَةُ النَّفْسِ وَوَطَرُهَا، وَقِيلَ: بِالتَّسْكِينِ الْعُضْوُ، وَبِالتَّحْرِيكِ الْحَاجَةُ. (أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ) أَيْ: مَنِيًّا؛ لِأَنَّهُ إِنْزَالٌ بِفِعْلٍ يُلْتَذُّ بِهِ، وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ أَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِاللَّمْسِ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: لَا يُفْطِرُ كَالْإِنْزَالِ بِالْفِكْرِ فَلَوْ أَنْزَلَ مَذْيًا لَمْ يُفْطِرْ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَالْقِيَاسُ لَا يَصِحُّ، وَقِيلَ: يُفْطِرُ بِهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَقْيَسُ عَلَى الْمَذْهَبِ كَاللَّمْسِ، وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ يَحْتَمِلُهُ كَالْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ كَالْمَنِيِّ، وَلِأَنَّ الضَّعِيفَ إِذَا تَكَرَّرَ قَوِيَ، كَتَكْرَارِ الضَّرْبِ بِصَغِيرٍ فِي الْقَوَدِ لَكِنْ فِي " الْكَافِي ": وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ إِنْزَالُ الْمَنِيِّ أَوِ الْمَذْيِ إِلَّا فِي تَكْرَارِ النَّظَرِ، فَلَا يُفْطِرُ إِلَّا بِإِنْزَالِ الْمَنِيِّ. وَظَاهِرُهُ لَا فِطْرَ بِعَدَمِ الْإِنْزَالِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلَا إِذَا لَمْ يُكَرِّرِ النَّظَرَ لِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَقِيلَ: يُفْطِرُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ: أَنَّهُ يُفْطِرُ بِالْمَنِيِّ لَا الْمَذْيِ، وَيُلْحَقُ بِهِ مَا ذَكَرَهُ فِي " الْإِرْشَادِ " احْتِمَالًا فِيمَنْ هَاجَتْ شَهْوَتُهُ فَأَمْنَى أَوْ مَذَى أَنَّهُ يُفْطِرُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفَرْعٌ يُفْطِرُ بِالْمَوْتِ فَيُطْعَمُ مِنْ تَرِكَتِهِ فِي نَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ، وَبِالرِّدَّةِ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فَنَافَاهَا الْكُفْرُ كَالصَّلَاةِ. (أَوْ حَجَمَ أَوِ احْتَجَمَ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ، وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَعَائِشَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ، وَهُوَ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذَا يَزِيدُ عَلَى رُتْبَةِ الْمُسْتَفِيضِ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: ثَبَتَتِ الْأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، وَقَالَ أَحْمَدُ: فِيهِ غَيْرُ حَدِيثِ ثَابِتٍ، وَأَصَحُّهَا حَدِيثُ رَافِعٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ثَوْبَانَ، وَشَدَّادٍ، وَصَحَّحَهُمَا أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَعَنْهُ: إِنْ عَلِمَا النَّهْيَ، وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَحْتَجِمُونَ لَيْلًا، وَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ مِنَ الْبَدَنِ أَشْبَهَ الْفَصْدَ، وَجَوَابُهُ أَنَّ أَحْمَدَ ضَعَّفَ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارِيَّ ذَهَبَتْ كُتُبُهُ فِي فِتْنَةٍ فَكَانَ يُحَدِّثُ مِنْ كُتُبِ غُلَامِهِ أَبِي حَكِيمٍ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِعُذِرٍ، وَيُعَضِّدُهُ مَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ شَيْءٍ كَانَ وَجَدَهُ» . فَهَذِهِ تُسْقِطُ الِاسْتِدْلَالَ، وَلَوْ سُلِّمَ التَّسَاوِي، فَأَحَادِيثُنَا أَكْثَرُ،
وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، لَمْ يَفْسُدْ وَإِنْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ، أَوْ غُبَارٌ، أَوْ قَطَرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَاعْتَضَدَتْ بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ سَلِمَ فَحَدِيثُهُمْ فِعْلٌ، وَتِلْكَ قَوْلٌ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ لِعَدَمِ عُمُومِ الْفِعْلِ، وَاحْتِمَالِ أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ، وَنَسْخُ حَدِيثِهِمْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ الْأَصْلِ فَنَسْخُهُ يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً بِخِلَافِ نَسْخِ حَدِيثِنَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ مَرَّتَيْنِ، وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ: احْتَجَمَ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَجَمَ، وَالْمَذْهَبُ التَّسْوِيَةُ لِلْخَبَرِ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يُفْطِرُ الْحَاجِمُ إِنْ مَصَّ الْقَارُورَةَ، وَالْحَجْمُ فِي السَّاقِ كَالْحَجْمِ فِي الْقَفَا نَصَّ عَلَيْهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَمُعْظَمِ الْأَصْحَابِ: لَا فِطْرَ إِنْ لَمْ يَظْهَرْ دَمٌ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجَمْعٌ أَنَّهُ يُفْطِرُ. وَلَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ لَا لِلتَّدَاوِي بَدَلَ الْحِجَامَةِ لَمْ يُفْطِرْ. وَظَاهِرُهُ لَا يُفْطِرُ بِالْفَصْدِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَقْتَضِيهِ، وَالثَّانِي بَلَى، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَعَلَى هَذَا فِي الشَّرْطِ احْتِمَالَانِ، وَلَا فِطْرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يُفْطِرُ إِذَا أَخْرَجَ دَمَهُ بِرُعَافٍ وَغَيْرِهِ، وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الرُّعَافِ. (عَامِدًا) أَيْ: قَاصِدًا لِلْفِعْلِ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ فَهُوَ غافل غير مُكَلَّفٌ، وَإِلَّا يَلْزَمُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ. (ذَاكِرًا) أَيْ: غَيْرَ نَاسٍ (لِصَوْمِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ) فِي الصُّوَرِ السَّابِقَةِ كُلِّهَا، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ إِنْ كَانَ وَاجِبًا (وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، لَمْ يَفْسُدْ) صَوْمُهُ، وَأَجْزَأَهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ، وَسَقَاهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مَعْنَاهُ. وَزَادَ، «وَلَا قَضَاءَ» وَلِلْحَاكِمِ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ «مَنْ أَكَلَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ» وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَعِيدِ، وَالْإِلْجَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ، كَالنَّاسِي بَلْ أَوْلَى بِدَلِيلِ الْإِتْلَافِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ النَّائِمُ إِذَا فُعِلَ بِهِ شَيْءٌ، بَلْ هُوَ كَالنَّاسِي لِعَدَمِ قَصْدِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنَّهُ يُفْطِرُ بِالْوَعِيدِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فِيهِ كَالْمَرِيضِ. وَلَوْ أَوْجَرَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مُعَالَجَةً لَمْ يُفْطِرْ، وَقِيلَ: بَلَى لِرِضَاهُ ظَاهِرًا فَكَأَنَّهُ قَصَدَهُ، وَكَالْجَاهِلِ بِالتَّحْرِيمِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْحِجَامَةِ، وَكَالْجَهْلِ بِالْوَقْتِ وَالنِّسْيَانِ يَكْثُرُ وَفِي
[ما لا يفسد الصوم]
فِي إِحْلِيلِهِ، أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ، أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ، أَوْ أَصْبَحَ وَفِي فِيهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ، أَوِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ" الْهِدَايَةِ " وَ " التَّبْصِرَةِ " لَا فِطْرَ لِعَدَمِ تَعَمُّدِهِ الْمُفْسِدِ كَالنَّاسِي، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي " الْكَافِي " بِعَدَمِ التَّأْثِيمِ. فَرْعٌ: مَنْ أَرَادَ الْفِطْرَ فِيهِ بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ، وَهُوَ نَاسٍ أَوْ جَاهِلٌ، فَهَلْ يَجِبُ إِعْلَامُهُ؛ فِيهِ وَجْهَانِ: قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ ثَالِثٌ: إِعْلَامُ جَاهِلٍ لَا نَاسٍ، وَفِيهِ شَيْءٌ. [مَا لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ] (وَإِنْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ) لَمْ يُفْطِرْ خِلَافًا لِلْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ (أَوْ غُبَارٌ) مِنْ طَرِيقٍ أَوْ دَقِيقٍ أَوْ دُخَانٍ، فَكَالنَّائِمِ، وَقِيلَ: فِي حَقِّ الْمَاشِي، وَقِيلَ: فِي حَقِّ النَّخَّالِ وَالْوَقَّادِ (أَوْ قَطَرَ فِي إِحْلِيلِهِ) هُنَا، نَصَّ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْمَنْفَذِ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ الْبَوْلُ رَشْحًا لِمُدَاوَاةِ جُرْحٍ عَمِيقٍ لَمْ يَنْفُذْ إِلَى الْجَوْفِ، وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا مَنْفَذٌ كَمَنْ وَضَعَ فِي فِيهِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ نُزُولُهُ فِي حَلْقِهِ، وَقِيلَ: يُفْطِرُ إِنْ وَصَلَ مَثَانَةً وَهِيَ الْعُضْوُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْبَوْلُ. (أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ» وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا إِجْمَاعَ، وَقِيَاسُهُ عَلَى تَكْرَارِ النَّظَرِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ فِي اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ، وَإِفْضَائِهِ إِلَى الْإِنْزَالِ، وَسَوَاءٌ أَنَزَلَ مَنِيًّا أَوْ مَذْيًا، وَاخْتَارَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ يَفْسُدُ لِأَنَّ الْفِكْرَةَ تُسْتَحْضَرُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ أَمَّا لَوْ خَطَرَ بِقَلْبِهِ صُورَةٌ فِي مُبَاشَرَتِهِ نَهَارًا لَمْ يُفْطِرْ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ وَطِئَ قُرْبَ الْفَجْرِ، وَيُشْبِهُهُ مَنِ اكْتَحَلَ إِذَنْ. (أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ) لِلْخَبَرِ وَلِخُرُوجِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ، أَشْبَهَ الْمُكْرَهَ، وَلَوْ عَادَ إِلَى جَوْفِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَوْ أَعَادَهُ عَمْدًا وَلَمْ يَمْلَأِ الْفَمَ أَوْ قَاءَ مَا لَا يُفْطَرُ بِهِ ثُمَّ أَعَادَهُ عَمْدًا أَفْطَرَ، كَتَلَفِهِ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنِ الْفَمِ (أَوْ أَصْبَحَ، وَفِي فِيهِ طَعَامٌ فَلَفِظُهُ) أَيْ: رَمَاهُ لِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَلَا يَخْلُو مِنْهُ صَائِمٌ غَالِبًا، فَإِنْ شَقَّ رَمْيُهُ فَبَلَعَهُ مَعَ رِيقِهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ جَرَى رِيقُهُ بِبَقِيَّةِ طَعَامٍ تَعَذَّرَ رَمْيُهُ، أَوْ بَلَعَ رِيقَهُ عَادَةً، لَمْ يُفْطِرْ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ لَفْظُهُ بِأَنْ تَمَيَّزَ عَنْ رِيقِهِ فَبَلَعَهُ عَمْدًا، أَفْطَرَ وَلَوْ دُونَ الْحِمَّصَةِ. (أَوِ
اغْتَسَلَ أَوْ تَمَضْمَضَ أَوِ اسْتَنْشَقَ، فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ بَالَغَ فِيهِمَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQاغْتَسَلَ) ؛ لِأَنَّهُ - «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَيَصُومُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَلِأَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ الْجِمَاعَ وَغَيْرَهُ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَيَلْزَمُ جَوَازُ الْإِصْبَاحِ جُنُبًا، احْتَجَّ بِهِ رَبِيعَةُ وَالشَّافِعِيُّ، وَلَكِنْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ نَهْيُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَلِهَذَا لَمَّا أَخْبَرَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ: هُمَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ، إِنَّمَا حَدَّثَنِيهِ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ فُتْيَاهُ فَإِنْ أَخَّرَهُ يَوْمًا صَحَّ وَأَثِمَ، وَالْحَائِضُ كَالْجُنُبِ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لَيْلًا وَنَوَتْهُ، وَنَقَلَ صَالِحٌ فِي الْحَائِضِ، تُؤَخِّرُهُ بَعْدَ الْفَجْرِ، قَالَ: يَقْضِي، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ، وَطَاوُسٍ فِي الْجُنُبِ. فَائِدَةٌ: لَا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَغْتَسِلَ، قَالَ الْمَجْدُ: لِأَنَّ فِيهِ إِزَالَةَ الضَّجَرِ مِنَ الْعِبَادَةِ، كَالْجُلُوسِ فِي الظِّلِّ الْبَارِدِ، وَغَوْصُهُ فِي الْمَاءِ كَصَبِّهِ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا لَمْ يَخَفْ أَنْ يَدْخُلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ أَوْ مَسَامِعَهُ. (أَوْ تَمَضْمَضَ أَوِ اسْتَنْشَقَ) فِي الْوُضُوءِ، (فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ بِغَيْرِ قَصْدٍ، أَشْبَهَ الذُّبَابَ فَإِنْ كَانَ لِنَجَاسَةٍ فَكَالْوُضُوءِ. (لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ) لِمَا ذَكَرْنَا، (وَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ) فِي أَحَدِهِمَا (أَوْ بَالَغَ فِيهِمَا) فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْكَافِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: لَا يُفْطِرُ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ وَاصَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَالثَّانِي: بَلَى؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَكْرُوهًا تَعَرَّضَ بِهِ إِلَى إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى حَلْقِهِ، أَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِالْمُبَاشِرَةِ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ يَبْطُلُ بِالْمُبَالَغَةِ لِلنَّهْيِ الْخَاصِّ، وَعَدَمِ نُدْرَةِ الْوُصُولِ فِيهَا بِخِلَافِ الْمُجَاوَزَةِ، وَأَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي الْمُجَاوَزَةِ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُعِيدَ فَإِنْ تَمَضْمَضَ أَوِ اسْتَنْشَقَ عَبَثًا، أَوْ لِحَرٍّ، أَوْ عَطَشٍ، كُرِهَ،
قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ أَكَلَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيْلٌ، فَبَانَ نَهَارًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQنَصَّ عَلَيْهِ. وَفِي الْفِطْرِ بِهِ الْخِلَافُ فِي الزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثِ، وَكَذَا إِنْ غَاصَ فِي الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ مَشْرُوعٍ أَوْ إِسْرَافٍ، أَوْ كَانَ عَابِثًا، حُكْمُهُ حُكْمُ الدَّاخِلِ مِنَ الْحَلْقِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ وَالْمُجَاوَزَةِ، وَقَالَ الْمَجْدُ: إِنْ فَعَلَهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَكَالْمَضْمَضَةِ الْمَشْرُوعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبَثًا فَكَالْمُجَاوَزَةِ. (وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ) وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الْحَالُ (فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ، فَيَكُونُ زَمَانُ الشَّكِّ مِنْهُ، وَلَهُ الْأَكْلُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَ الْفَجْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَلَوْ أَكَلَ يَظُنُّ طُلُوعَ الْفَجْرِ، فَبَانَ لَيْلًا، وَلَمْ يُجَدِّدْ نِيَّةَ صَوْمِهِ الْوَاجِبِ، قَضَى، جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ (وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ) وَدَامَ شَكُّهُ أَوْ أَكَلَ فَظَنَّ بَقَاءَ النَّهَارِ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّهَارِ، فَإِنْ بَانَ لَيْلًا لَمْ يَقْضِ، وَكَذَا إِنْ أَكَلَ فَظَنَّ الْغُرُوبَ ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ الْأَكْلِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ يَقِينٌ أَزَالَ الظَّنَّ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ (وَإِنْ أَكَلَ مُعْتَقِدًا) أَوْ ظَانًّا (أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَارًا) فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ كَمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الشَّمْسَ غَابَتْ وَلَمْ تَغِبْ، أَوْ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ طَلَعَ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) وِفَاقًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ وَلَمْ يُتِمَّهُ، وَقَالَتْ أَسْمَاءُ: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمِ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ قِيلَ: لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ - وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ - أُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؛ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ. وَلِأَنَّهُ جَهِلَ وَقْتَ الصَّوْمِ كَالْجَهْلِ بِأَوَّلِ رَمَضَانَ، وَعَنْهُ: لَا قَضَاءَ عَلَى مَنْ جَامَعَ جَاهِلًا بِالْوَقْتِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: هُوَ قِيَاسُ أُصُولِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، فَيَتَوَجَّهُ هُنَا مِثْلُهُ. فَرْعٌ: إِذَا أَكَلَ نَاسِيًا، وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَفْطَرَ، فَأَكَلَ عَمْدًا فَيَتَوَجَّهُ أَنَّهَا مَسْأَلَةُ الْجَاهِلِ بِالْحُكْمِ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، فَلَوْ جَامَعَ بَعْدَهُ نَسِيَانَا، وَاعْتَقَدَ الْفِطْرَ بِهِ فَكَالنَّاسِي وَالْمُخْطِئِ إِلَّا أَنْ يَعْتَقِدَ وُجُوبَ الْإِمْسَاكِ، فَيُكَفِّرَ فِي الْأَشْهُرِ.
[ما يوجب القضاء والكفارة في الصيام]
فَصْلٌ إِذَا جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فِي الْفَرْجِ قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا، وَعَنْهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ، وَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ [مَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ في الصيام] فَصَلٌ (وَإِذَا جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فِي الْفَرْجِ قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَالْكَفَّارَةُ عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا) وَفِيهِ أُمُورٌ: الْأُولَى: أَنَّ الْجِمَاعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِلَا عُذْرٍ مُفْسِدٌ لَهُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ} [البقرة: 187] الْآيَةَ، فَدَلَّتْ أَنَّ الصِّيَامَ الْمَأْمُورَ بِإِتْمَامِهِ تَرْكُ الْوَطْءِ وَالْأَكْلِ، فَإِذَا وُجِدَ فِيهِ الْجِمَاعُ، لَمْ يَتِمَّ فَيَكُونُ بَاطِلًا، وَالْمُكْرَهُ كَالْمُخْتَارِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ بِذَكَرٍ أَصْلِيٍّ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا، مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ مَيِّتٍ، أَنْزَلَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ فِي مَظِنَّةِ الْإِنْزَالِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ بَاطِنٌ كَالدُّبُرِ فَلَوْ أَوْلَجَ خُنْثَى مُشْكِلٌ ذَكَرَهُ فِي قُبُلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ أَوْ قُبُلِ امْرَأَةٍ، أَوْ أَوْلَجَ رَجُلٌ ذَكَرَهُ فِي قُبُلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا أَنْ يُنْزِلَ كَالْغُسْلِ، وَكَذَا إِذَا أَنْزَلَ مَجْبُوبٌ أَوِ امْرَأَتَانِ بِمُسَاحَقَةٍ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِثْلَهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْمُجَامِعِ: «وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْأَثْرَمُ، وَكَمَا لَوْ أَفْسَدَهُ بِالْأَكْلِ. الثَّالِثَةُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِ قَضَائِهَا، فَلَمْ تَجِبْ بِإِفْسَادِ أَدَائِهَا كَالصَّلَاةِ. وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْأَدَاءَ يَتَعَلَّقُ بِزَمَنٍ مَخْصُوصٍ يَتَعَيَّنُ بِهِ، وَالْقَضَاءُ مَحَلُّهُ الذِّمَّةُ، وَالصَّلَاةُ لَا يَدْخُلُ فِي جُبْرَانِهَا الْمَالُ بِخِلَافِهِ هُنَا.
يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ كَفَّارَةٌ مَعَ الْعُذْرِ، وَهَلْ يَلْزَمُهَا مَعَ عَدَمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ: كُلُّ ـــــــــــــــــــــــــــــQالرَّابِعَةُ: السَّاهِي كَالْعَامِدِ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَسْتَفْصِلِ الْأَعْرَابِيَّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ سَاهِيًا أَوْ عَامِدًا، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ لَاسْتَفْصَلَهُ، وَبِذَلِكَ اسْتَدَلَّ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ، وَالسُّؤَالُ مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ كَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا وَاقَعْتَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، فَكَفِّرْ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِيهَا، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ، وَسَهْوُهُ كَالْحَجِّ. (وَعَنْهُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ) اخْتَارَهُ ابْنُ بَطَّةَ لِلْخَبَرِ فِي الْعَفْوِ عَنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لِرَفْعِ الْإِثْمِ، وَهِيَ مُنْحَطَّةٌ عَنْهُمَا، وَعَنْهُ: وَلَا يَقْضِي، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَحَكَاهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَوْلَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَالْأَكْلِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا جَامَعَ يَعْتَقِدُهُ لَيْلًا، فَبَانَ نَهَارًا فَجَزَمَ الْأَكْثَرُ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَعَنْهُ: عَكْسُهُ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَيَأْتِي رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَاخْتَارَ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ. قَالَ الْمَجْدُ: وَإِنَّهُ قِيَاسُ مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَى النَّاسِي، وَأَوْلَى، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُكَفِّرُ، وَقَالَهَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَيْهَا إِنْ عَلِمَ فِي الْجِمَاعِ أَنَّهُ نَهَارٌ، وَدَامَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، فَلَوْ جَامَعَ لَيْلًا وَطَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ مَجَامِعٌ، وَاسْتَدَامَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَإِنْ نَزَعَ فِي الْحَالِ مَعَ أَوَّلِ طُلُوعِهِ، وَكَذَلِكَ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي؛ لِأَنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ يُلْتَذُّ بِهِ كَالْجِمَاعِ، وَاخْتَارَ أَبُو حَفْصٍ عَكْسَهُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يَقْضِي قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِي الْكَفَّارَةِ خِلَافٌ. (وَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ كَفَّارَةٌ مَعَ الْعُذْرِ) كَالْإِكْرَاهِ، وَالنِّسْيَانِ؛ لِأَنَّهَا مَعْذُورَةٌ، وَلِعُمُومِ مَا سَبَقَ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَنَّهَا إِذَا جَامَعَتْ نَاسِيَةً أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الرَّجُلِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تُكَفِّرُ، وَخَرَّجَهَا الْقَاضِي مِنَ الْحَجِّ، وَعَنْهُ: يُرْجَعُ بِهَا عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ الْمُلْجِئُ لَهَا إِلَى ذَلِكَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَفْسُدُ صَوْمُهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ مِنَ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْمُفْطِرَاتِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، كَالْأَكْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُكْرَهَةِ، وَعَنْهُ: لَا، وَقِيلَ: يَفْسُدُ إِنْ فَعَلَتْ إِلَّا الْمَقْهُورَةَ
[كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا كفارة]
أَمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ. وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ أَوْ وَطِئَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالنَّائِمَةَ، وَأَفْسَدَ ابْنُ أَبِي مُوسَى صَوْمَ غَيْرِ النَّائِمَةِ لِحُصُولِ مَقْصُودِ الْوَطْءِ لَهَا قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَفْسُدَ صَوْمُهَا مَعَ النِّسْيَانِ وَإِنْ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَكَذَا الْجَاهِلَةُ وَنَحْوُهَا. (وَهَلْ يَلْزَمُهَا مَعَ عَدَمِهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " إِحْدَاهُمَا: يَلْزَمُهَا الْكَفَّارَةُ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ " وَهِيَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا هَتَكَتْ صَوْمَ رَمَضَانَ بِالْجِمَاعِ، فَلَزِمَتْهَا الْكَفَّارَةُ كَالرَّجُلِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَأْمُرْهَا بِهَا، وَكَفِطْرِهَا بِتَغْيِيبِ بَعْضِ الْحَشَفَةِ بَعْدَ سَبْقِ جِمَاعِهَا الْمُعْتَبَرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي لَفْظِ الدَّارَقُطْنِيِّ: هَلَكَتْ وَأَهْلَكَتْ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُكْرَهَةً، وَبِأَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْبَاطِنِ وَالْخَوْفِ، وَعَنْهُ: كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. خَرَّجَهَا أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَجِّ، وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّدَاخُلِ. فَلَوْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِطْعَامِ، وَقُلْنَا بِالتَّحَمُّلِ خُيِّرَ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: يُطْعِمُ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَبْقَى الْعِتْقُ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَيْهِ فَيَعْتِقَ عَنْهَا. فَرْعٌ: إِذَا أَكْرَهَهَا عَلَى الْوَطْءِ فِيهِ، دَفَعَتْهُ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ، وَلَوْ أَفْضَى إِلَى نَفْسِهِ كَالْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. [كُلُّ أَمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ] (وَعَنْهُ: كُلُّ أَمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ) كَمَا لَوْ غَصَبَهَا نَفْسَهَا، فَجَامَعَهَا، أَوِ انْتَشَرَ ذَكَرُهُ وَهُوَ نَائِمٌ، فَاسْتَدْخَلَتْهُ (فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ) نَقَلَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِعْلٌ، فَلَمْ يَجِبَا، كَمَا لَوْ صُبَّ فِي حَلْقِهِ مَاءٌ أَوْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ، (وَ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ وَالْأَصْحَابُ (هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ: الصَّحِيحُ فِي الْأَكْلِ وَالْوَطْءِ إِذَا غُلِبَ عَلَيْهِمَا، لَا يُفْسِدَانِ، فَأَنَا أُخْرِجُ مِنَ الْوَطْءِ رِوَايَةً مِنَ الْأَكْلِ، وَعَكْسُهُ، وَقِيلَ: يَقْضِي مَنْ فَعَلَ، لَا مَنْ فُعِلَ بِهِ مِنْ نَائِمٍ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا قَضَاءَ مَعَ النَّوْمِ فَقَطْ لِعَدَمِ حُصُولِ مَقْصُودِهِ. (وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ) كَمَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ فِي فَخْذِهَا أَوْ صُرَّتِهَا عَامِدًا، وَقِيلَ: أَوْ نَاسِيًا، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ (فَأَنْزَلَ) وَفِي " الْفُرُوعِ ": فَأَمْنَى - وَهِيَ أَوْلَى - فَسَدَ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا فَسَدَ بِاللَّمْسِ مَعَ الْإِنْزَالِ، فَفِي الْمُجَامَعَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُنْزِلْ لَا يَفْسُدُ
بَهِيمَةً فِي الْفَرْجِ، أَفْطَرَ، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ، وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمٍ رَأَى الْهِلَالَ فِي لَيْلَتِهِ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ وَلَمْ يُكَفِّرْ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ، أَوْ كَفَّارَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ جَامَعَ، ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَاللَّمْسِ. (أَوْ وَطِئَ بَهِيمَةً فِي الْفَرْجِ أَفْطَرَ) ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ فِي فَرْجٍ، أَشْبَهَ وَطْءَ الْآدَمِيَّةِ فِي فَرْجِهَا، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْإِنْزَالِ لِإِقَامَةِ الْمَظِنَّةِ مَقَامَ الْحَقِيقَةِ، (وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ) ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي وَطْءِ الْبَهِيمَةِ بِنَاءً عَلَى الْحَدِّ، وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْإِيلَاجِ فِيهِ غُسْلٌ وَلَا فِطْرٌ وَلَا كَفَّارَةٌ. أَحَدُهُمَا: يَجِبُ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْأَكْثَرُ كَالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ وَالنَّاسِي كَالْعَامِدِ صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الرَّوْضَةِ " عَامِدًا. وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَيِّتَةِ وَالْحَيَّةِ فِي الْأَشْهَرِ. وَالثَّانِي: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ اخْتَارَهُ صَاحِبُ " النَّصِيحَةِ " وَ " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ بِغَيْرِ جِمَاعٍ تَامٍّ أَشْبَهَ الْقُبْلَةَ. (وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمٍ رَأَى الْهِلَالَ فِي لَيْلَتِهِ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ) ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ، فَلَزِمَتْهُ، كَمَا لَوْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، (وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ وَلَمْ يُكَفِّرْ فَهَلْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ، أَوْ كَفَّارَتَانِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: تُجْزِئُهُ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ "، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى كَمَا لَوْ كَانَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ كَالْحُدُودِ، وَالثَّانِي: تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الْأَيَّامِ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمِ عِبَادَةٌ، وَكَيَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَيْنِ وَكَالْحِجَّتَيْنِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ، كَفَّرَ عَنِ الثَّانِي، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا. قَالَ الْمَجْدُ: فَعَلَى قَوْلِنَا بِالتَّدَاخُلِ، لَوْ كَفَّرَ بِالْعِتْقِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ عَنْهُ، ثُمَّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَنْهُ، ثُمَّ اسْتُحِقَّتِ الرَّقَبَةُ
جَامَعَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ إِذَا جَامَعَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأُولَى، لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهَا، وَأَجْزَأَتْهُ الثَّانِيَةُ عَنْهُمَا، وَلَوِ اسْتُحِقَّتِ الثَّانِيَةُ وَحْدَهَا لَزِمَهُ بَدَلُهَا، وَلَوِ اسْتُحِقَّتَا جَمِيعًا، أَجْزَأَهُ بَدَلُهَا رَقَبَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ مَحَلَّ التَّدَاخُلِ وُجُودُ السَّبَبِ الثَّانِي قَبْلَ أَدَاءِ مُوجِبِ الْأَوَّلِ، وَنِيَّةُ التَّعْيِينِ لَا تُعْتَبَرُ فَتَلْغُو وَتَصِيرُ كُنْيَةً مُطْلَقَةً هَذَا قِيَاسُ مَذْهَبِنَا. (وَإِنْ جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ) فِي يَوْمِهِ (فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَالْمَيْمُونِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ، وَقَدْ تَكَرَّرَ، فَتُكَرَّرُ هِيَ كَالْحَجِّ، بِخِلَافِ الْوَطْءِ لَيْلًا فَإِنَّهُ مُبَاحٌ، لَا يُقَالُ: الْوَطْءُ الأول تضمن هَتْكُ الصَّوْمِ، وَهُوَ مُؤَثِّرٌ فِي الْإِيجَابِ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ مُلْغًى بِمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ مُجَامِعٌ فَاسْتَدَامَ، فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ مَعَ عَدَمِ الْهَتْكِ لَهُ، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ رِوَايَةً: لَا كَفَّارَةَ، وَخَرَّجَهُ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ أَنَّ الشَّهْرَ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ تَكْفِيهِ وَاحِدَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَفِي " الْفُرُوعِ " عَلَى الْأَصَحِّ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تَعَدَّدَ الْوَاجِبُ، وَتَدَاخَلَ مُوجِبُهُ. ذَكَرَهُ صَاحِبُ " الْفُصُولِ " وَغَيْرُهُ، وَعَلَى الثَّانِي: لَمْ يَجِبْ بِغَيْرِ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ شَيْءٌ. (وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ إِذَا جَامَعَ) أَيْ: كَذَا حُكْمُ كُلِّ مُفْطِرٍ يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ كَمَنَ لَمْ يَعْلَمْ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ، أَوْ أَكَلَ عَامِدًا، ثُمَّ جَامَعَ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِهَتْكِهِ حُرْمَةَ الزَّمَنِ بِهِ، وَلِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُسْتَدِيمِ لِلْوَطْءِ، وَلَا صَوْمَ هُنَاكَ، فَكَذَا هُنَا، فَمُرَادُهُ بِالتَّشْبِيهِ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ لَا التَّكْرَارُ، لَكِنْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي مُسَافِرٍ قَدِمَ مُفْطِرًا، ثُمَّ جَامَعَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ عَلَى رِوَايَةٍ: لَا يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ، وَحَمَلَهُ الْمَجْدُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِضَعْفِ هَذَا الْإِمْسَاكِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي وَجْهٌ فِيمَنْ تَرَكَ النِّيَّةَ وَجَامَعَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَكَلَ نَاسِيًا، وَاعْتَقَدَ الْفِطْرَ بِهِ ثُمَّ جَامَعَ فَكَالنَّاسِي، وَالْمُخْطِئِ إِلَّا أَنْ يَعْتَقِدَ وُجُوبَ الْإِمْسَاكِ فَيُكَفِّرُ فِي الْأَشْهَرِ.
وَلَوْ جَامَعَ وَهُوَ صَحِيحٌ، ثُمَّ مَرِضَ أَوْ جُنَّ، أَوْ سَافَرَ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ وَإِنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ، ثُمَّ جَامَعَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ. وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَلَوْ جَامَعَ وَهُوَ صَحِيحٌ، ثُمَّ مَرِضَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ سَافَرَ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ) نَصَّ عَلَيْهِ فِيمَا إِذَا مَرِضَ لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْأَعْرَابِيَّ بِالْكَفَّارَةِ. وَلَمْ يَسْأَلْهُ، وَلِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمًا وَاجِبًا مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ، فَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ لَمْ يَطْرَأِ الْعُذْرُ. لَا يُقَالُ: تَبَيَّنَا أَنَّ الصَّوْمَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عِنْدَ الْجِمَاعِ لِأَنَّ الصَّادِقَ لَوْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَيَمْرَضُ أَوْ يَمُوتُ لَمْ يَجُزِ الْفِطْرُ، وَالصَّوْمُ لَا تَتَحَرَّى صِحَّتُهُ، بَلْ لُزُومُهُ كَصَائِمٍ صَحَّ أَوْ أَقَامَ، وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ كَذَلِكَ إِذَا حَاضَتْ أَوْ نُفِسَتْ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " وَجْهٌ يَسْقُطُ بِهِمَا لِمَنْعِهِمَا الصِّحَّةَ، وَمِثْلُهُمَا مَوْتٌ، وَكَذَا جُنُونٌ إِنْ مَنَعَ طَرَيَانَهُ الصِّحَّةُ، (وَإِنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ) فَلَهُ الْفِطْرُ بِمَا شَاءَ لِفِطْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ، وَلِأَنَّ مَنْ لَهُ الْأَكْلُ لَهُ الْجِمَاعُ كَمَنْ لَمْ يَنْوِ (ثُمَّ جَامَعَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَالْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ لَا يَلْزَمُ الْمُضِيُّ فِيهِ، فَلَمْ يَجِبْ كَالتَّطَوُّعِ لَكِنْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يُفْطِرُ بِنِيَّتِهِ الْفِطْرَ، فَيَقَعُ الْجِمَاعُ بَعْدَهُ، (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) جَزَمَ بِهَا بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ، فَلَزِمَتْهُ كَالْحَاضِرِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ بِالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى عَلَى السَّفَرِ، وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ، لَكِنْ لَهُ الْجِمَاعُ بَعْدَ فِطْرِهِ بِغَيْرِهِ كَفِطْرِهِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ، وَنُقِلَ مِنْهَا فِي الْمَرِيضِ: يُفْطِرُ بِأَكْلٍ فَقُلْتُ: يُجَامِعُ؛ قَالَ: لَا أَدْرِي. (وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ، وَغَيْرُهُ لَا يُسَاوِيهِ، وَحَكَى فِي " الرِّعَايَةِ " قَوْلًا فِي قَضَائِهِ إِذَا أَفْسَدَهُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي أَدَائِهَا، فَوَجَبَتْ فِي قَضَائِهَا كَالْحَجِّ. وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ جَامَعَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَالْكَفَّارَةِ، وَالْقَضَاءُ يُفَارِقُ الْأَدَاءَ؛
[كفارة الجماع في رمضان]
شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، سَقَطَتْ عَنْهُ، وَعَنْهُ: لَا تَسْقُطُ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّخْيِيرِ، فَبِأَيِّهَا كَفَّرَ، أَجْزَأَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ بِزَمَانِ مُحْتَرَمٍ، فَالْجِمَاعُ فِيهِ هَتْكٌ لَهُ، وَقِيلَ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا كَالْجِمَاعِ، وَعَنْهُ: فِي الْمُحْتَجِمِ - إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ - عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَهَلْ هِيَ كَفَّارَةُ وَطْءٍ أَوْ مُرْضِعٍ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَفِي الْقُبْلَةِ، وَتَكْرَارِ النَّظَرِ إِذَا أَنْزَلَ رِوَايَةٌ أَنَّهَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ، وَحُكْمُ الِاسْتِمْنَاءِ كَالْقُبْلَةِ قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَاللَّمْسُ كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ. [كَفَّارَةُ الجماع في رمضان] (وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ) وَيَأْتِي سَلَامَتُهَا وَكَوْنُهَا مُؤْمِنَةً (فَمنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَا أَهْلَكَكَ؛ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا، ثُمَّ جَلَسَ فَأَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعِرْقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهَذَا، فَقَالَ: عَلَى أَفْقَرِ مِنَّا، فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّرْتِيبِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالِانْتِقَالِ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ، وَكَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ، لَكِنْ لَا يَحْرُمُ هُنَا الْوَطْءُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، وَلَا فِي لَيَالِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ. ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَ " التَّلْخِيصِ " كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَحَرَّمَهُ ابْنُ الْحَنْبَلِيِّ عُقُوبَةً، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْعِتْقِ وَهُوَ فِي الصِّيَامِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) شَيْئًا (سَقَطَتِ) الْكَفَّارَةُ (عَنْهُ) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَأْمُرِ الْأَعْرَابِيَّ بِهَا أَخِيرًا، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ بَقَاءَهَا فِي ذِمَّتِهِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، زَادَ بَعْضُهُمْ بِالْمَالِ، وَقِيلَ: وَالصَّوْمُ (وَعَنْهُ: لَا تَسْقُطُ) وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِهَا الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا جَاءَهُ الْعِرْقُ بَعْدَ مَا أَخْبَرَهُ بِعُسْرَتِهِ، وَلِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْعَجْزِ عَنْهَا
[باب ما يكره للصائم فعله وما يستحب وحكم القضاء]
بَابُ مَا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ فِعْلُهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ وَحُكْمُ الْقَضَاءِ يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَجْمَعَ رِيقَهُ فَيَبْلَعَهُ، وَأَنْ يَبْلَعَ النُّخَامَةَ، وَهَلْ يُفْطِرُ بِهِمَا؟ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَظْهَرُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَوْ كَفَّرَ عَنْهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ، وَقِيلَ: أَوْ دُونَهَا فَلَهُ أَخْذُهَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَطْلَقَ ابْنُ أَبِي مُوسَى هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا، أَمْ كَانَ خَاصًّا بِالْأَعْرَابِيِّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَخَصَّ لِلْأَعْرَابِيِّ لِحَاجَتِهِ، وَلَمْ تَكُنْ كَفَّارَةٌ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ، وَكَفَّارَاتِ الْحَجِّ لَا تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَلِأَنَّهُ الْقِيَاسُ خُولِفَ فِي رَمَضَانَ لِلْأَخْبَارِ. وَعَنْهُ: تَسْقُطُ كَرَمَضَانَ. (وَعَنْهُ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّخْيِيرِ) بَيْنَ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ (فَبِأَيِّهَا كَفَّرَ أَجْزَأَهُ) لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، أَوْ بِصَوْمِ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا» . وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوُهُ، وَتَابَعَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ، وَفِطْرُهُ كَانَ بِجِمَاعٍ، وَلِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْمُخَالَفَةِ فَكَانَتْ عَلَى التَّخْيِيرِ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَالْأُولَى أَصَحُّ، فَرَوَاهُ مَعْمَرٌ وَيُونُسُ وَالْأَوْزَاعِيُّ والليث وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُمْ، قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ رَجُلًا رَوَوْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا، وَذَكَرَ سَائِرَهُ» ، وَهَذَا لَفْظُ التَّرْتِيبِ، فَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ وَاحْتِمَالُ الْغَلَطِ مِنْهُمَا أَكْثَرُ مِنَ احْتِمَالِهِ فِي سَائِرِ أَصْحَابِهِ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَنَا لَفْظُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَحَدِيثُهُمْ لَفْظُ الرَّاوِي، فَلَعَلَّهُ تَوَهَّمَ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَرَوَاهُ بِـ " أَوْ ". [بَابُ مَا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ فِعْلُهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ وَحُكْمُ الْقَضَاءِ] ِ. (يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَجْمَعَ رِيقَهُ فَيَبْلَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي الْفِطْرِ بِهِ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَصْدًا، وَبِأَنَّهُ إِذَا ابْتَلَعَهُ مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ، (وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَبْلَعَ النُّخَامَةَ) إِذَا حَصَلَتْ فِي فِيهِ لِلِاخْتِلَافِ فِي الْفِطْرِ بِهَا، (وَهَلْ يُفْطِرُ بِهِمَا؟) أَيْ: بِكُلٍّ مِنَ الرِّيقِ
عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَيُكْرَهُ ذَوْقُ الطَّعَامِ، وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ، وَيُكْرَهُ مَضْغُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَجْمُوعِ، وَالنُّخَامَةِ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي الرِّيقِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاصِلٍ مِنْ خَارِجٍ أَشْبَهَ إِذَا لَمْ يَجْمَعْهُ، وَالثَّانِي: يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ كَغُبَارِ الدَّقِيقِ، فَعَلَيْهَا: يَحْرُمُ فِعْلُهُ كَمَا لَوْ خَرَجَ إِلَى بَيْنِ أَصَابِعِهِ أَوْ شَفَتَيْهِ، وَفِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " ظَاهِرُ شَفَتَيْهِ ثُمَّ عَادَ فَابْتَلَعَهُ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ كَبَلْعِ رِيقِ غَيْرِهِ. لَا يُقَالُ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَيَمُصُّ لِسَانَهَا» لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ، بَلْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصُّهُ في غير حَالَة الصَّوْمِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيُحْمَلُ عَلَى عَدَمِ ابْتِلَاعِ مَا عَلَيْهِ، فَلَوْ أَخْرَجَ مِنْ فِيهِ حَصَاةً أَوْ دِرْهَمًا أَوْ خَيْطًا ثُمَّ أَعَادَهُ، فَإِنْ كَثُرَ مَا عَلَيْهِ، أَفْطَرَ، وَإِلَّا فَلَا، فِي الْأَصَحِّ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ انْفِصَالِهِ، وَدُخُولِهِ إِلَى حَلْقِهِ كَالْمَضْمَضَةِ، وَلَوْ أَخْرَجَ لِسَانَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّ الرِّيقَ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ مَحَلِّهِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ خِلَافَهُ، (وَأَمَّا النُّخَامَةُ) فَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَطْلَقَ الْخِلَافَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُفْطِرُ بِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ جَوْفِهِ أَوْ صَدْرِهِ أَوْ دِمَاغِهِ إِذَا وَصَلَتْ إِلَى فِيهِ، وَصَرَّحَ فِي " الْفُرُوعِ " بِالْفِطْرِ بِالَّتِي مِنْ جَوْفِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الْفَمِ كَالْقَيْءِ، وَالثَّانِيَةُ: لا يُفْطِرُ نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ لِاعْتِيَادِهَا فِي الْفَمِ كَالرِّيقِ، وَعَلَيْهِمَا يَنْبَنِي التَّحْرِيمُ. فَرْعٌ: إِذَا تَنَجَّسَ فَمُهُ بِدَمٍ أَوْ قَيْءٍ وَنَحْوِهِ، فَبَلَعَهُ، أَفْطَرَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ؛ لِإِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَلِأَنَّ الْفَمَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ يَقْتَضِي حَصْرَ الْفِطْرِ بِكُلِّ وَاصِلٍ إِلَيْهِ، لَكِنْ عُفِيَ عَنِ الرِّيقِ لِلْمَشَقَّةِ، وَإِنْ بَصَقَهُ وَبَقِيَ فَمُهُ نَجِسًا، فَابْتَلَعَ رِيقَهُ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ جُزْءٌ مِنَ النَّجَسِ أَفْطَرَ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا. (وَيُكْرَهُ ذَوْقُ الطَّعَامِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَصِلَ إِلَى حَلْقِهِ فَيُفْطِرَهُ. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ
الْعِلْكِ الَّذِي لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ، وَلَا يَجُوزُ مَضْغُ مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ إِلَّا أَنْ لَا يَبْلَعَ رِيقَهُ، وَمَتَى وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ، وَتُكْرَهُ الْقُبْلَةُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQبَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. قَالَ أَحْمَدُ: أُحِبُّ أَنْ يَجْتَنِبَ ذَوْقَ الطَّعَامِ فَإِنْ فَعَلَ، فَلَا بَأْسَ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِحَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ، وَحَكَاهُ هُوَ وَالْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ) لِأَنَّ وُجُودَ طَعْمِهِ فِي حَلْقِهِ دَلِيلٌ عَلَى وُصُولِ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَعَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْصِيَ بِالْبَصْقِ. ثُمَّ إِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، لَمْ يُفْطِرْ كَالْمَضْمَضَةِ، وَإِلَّا فَيُفْطِرُ لِتَفْرِيطِهِ. (وَيُكْرَهُ مَضْغُ الْعِلْكِ) الْقَوِيِّ الَّذِي كُلَّمَا مَضَغْتَهُ صَلُبَ، وَقَوِيَ (الَّذِي لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْلِبُ الْفَمَ، وَيَجْمَعُ الرِّيقَ، وَيُورِثُ الْعَطَشَ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَطَاءٍ، وَكَوَضْعِ الْحَصَاةِ فِي فِيهِ، وَهُوَ أَظْهَرُ. قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ وَضَعَ فِي فِيهِ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَجِدْ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، وَإِلَّا فَلَا يُعْجِبُنِي. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الصَّائِمِ يَفْتِلُ الْخَيْطَ يُعْجِبُنِي أَنْ يَبْزُقَ، (وَلَا يَجُوزُ مَضْغُ مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ) مُطْلَقًا إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَاصِدًا لِإِيصَالِ شَيْءٍ مِنْ خَارِجٍ إِلَى جَوْفِهِ مَعَ الصَّوْمِ، وَهُوَ حَرَامٌ (إِلَّا أَنْ لَا يَبْلَعَ رِيقَهُ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ إِدْخَالُ ذَلِكَ إِلَى جَوْفِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ (وَمَتَى وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، أَفْطَرَ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَهُ إِلَى جَوْفِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَعَمَّدَ أَكْلَهُ، وَهَذَا وَجْهٌ، وَالثَّانِي: لَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَمُجَرَّدُ الطَّعْمِ لَا يُفْطِرُ كَمَنْ لَطَّخَ بَاطِنَ قَدَمِهِ بِحَنْظَلٍ، بِخِلَافِ الْكُحْلِ، فَإِنَّ أَجْزَاءَهُ تَصِلُ إِلَى الْحَلْقِ، وَقِيلَ فِي تَحْرِيمِ مَا لَا يَتَحَلَّلُ غَالِبًا، وَفِطْرِهِ بِوُصُولِهِ أَوْ طَعْمِهِ إِلَى حَلْقِهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ بِلَا حَاجَةٍ. (وَتُكْرَهُ الْقُبْلَةُ) لِمَنْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ فَقَطْ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ، وَإِذَا مُنِعَ الْوَطْءَ، مُنِعَ دَوَاعِيهِ كَالْإِحْرَامِ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ كَمَا لَوْ
لَا تُحَرَّكُ شَهْوَتُهُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ اجْتِنَابُ الْكَذِبِ، وَالْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ فَإِنْ شُتِمَ اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي صَائِمٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQظَنَّ الْإِنْزَالَ مَعَهَا لِفَرْطِ شَهْوَتِهِ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الشَّرْحِ " أَيْضًا، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَقَدْ سَبَقَ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ إِجْمَاعًا (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا تُحَرَّكُ شَهْوَتُهُ) كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ (عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَشَبَهَتْ لَمْسَ الْيَدِ لِحَاجَةٍ، وَالثَّانِيَةُ: تُكْرَهُ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِ الشَّهْوَةِ، وَكَالْإِحْرَامِ، وَأَلْحَقَ فِي " الْكَافِي " بِالْقُبْلَةِ اللَّمْسَ، وَتَكْرَارَ النَّظَرِ لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَاهَا. وَظَاهِرُهُ إِنْ لَمَسَهَا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَا يُكْرَهُ وِفَاقًا، كَمَا إِذَا لَمَسَ يَدَهَا لِيَعْرِفَ مَوْضِعَهَا وَنَحْوَهُ، وَكَحَالَةِ الْإِحْرَامِ أَشْبَهَ لَمْسَ ثَوْبِهَا. فَرْعٌ: يُكْرَهُ أَنْ يَدَعَ بَقِيَّةَ طَعَامٍ بَيْنَ أَسْنَانِهِ، وَشَمُّ مَا لَا يَأْمَنُ أَنْ يَجْذِبَهُ نَفَسُهُ إِلَى حَلْقِهِ كَسَحِيقِ مِسْكٍ، وَكَافُورٍ، وَدُهْنٍ وَنَحْوِهِ، وَقَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ. (وَيَجِبُ عَلَيْهِ اجْتِنَابُ الْكَذِبِ) وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِمَا لَا يُطَابِقُ الْمُخْبَرَ عَنْهُ، بِخِلَافِ الصِّدْقِ (وَالْغِيبَةِ) وَهُوَ ذِكْرُ الْإِنْسَانِ بِمَا يَكْرَهُ، بِهَذَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَالشَّتْمُ) وَهُوَ السَّبُّ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ مِنَ النَّمِيمَةِ وَالْفُحْشِ إِجْمَاعًا، وَفِي رَمَضَانَ وَمَكَانٍ فَاضِلٍ آكَدُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَعْنَاهُ الزَّجْرُ وَالتَّحْذِيرُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ، قَالَ أَحْمَدُ: لَوْ كَانَتِ الْغِيبَةُ تُفْطِرُ مَا كَانَ لَنَا صَوْمٌ، وَذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ إِجْمَاعًا، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا: يُفْطِرُ بِغَيْبَةٍ وَنَمِيمَةٍ، وَنَحْوِهِمَا قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ احْتِمَالٌ: يُفْطِرُ بِكُلِّ مُحَرَّمٍ، وَقَالَ أَنَسٌ إِذَا اغْتَابَ الصَّائِمُ، أَفْطَرَ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: الْكَذِبُ يُفْطِرُ الصَّائِمَ، وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ: أَنَّ مَنْ شَاتَمَ فَسَدَ صَوْمُهُ لِظَاهِرِ النَّهْيِ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا
[استحباب تعجيل الإفطار وتأخير السحور والتتابع في قضاء رمضان]
فَصْلٌ وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ، وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ وَأَنْ يُفْطِرَ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQرِوَايَةً يُفْطِرُ بِسَمَاعِ الْغِيبَةِ، وَأَسْقَطَ أَبُو الْفَرَجِ ثَوَابَهُ بِالْغِيبَةِ، وَمُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِالِاجْتِنَابِ عَمَّا يَحْرُمُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى إِبَاحَةِ الْكَذِبِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ شَرْعِيٍّ فِي مَوَاضِعَ، وَعَلَى إِبَاحَةِ الْغِيبَةِ كَالتَّظَلُّمِ وَالِاسْتِفْتَاءِ، وَالِاسْتِعَانَةِ عَلَى تَغْيِيرٍ مُنْكَرٍ، وَالتَّحْذِيرِ، وَالتَّعْرِيفِ، وَالْجَرْحِ. وَبِالْجُمْلَةِ، فَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَتَعَاهَدَ صَوْمَهُ مِنْ لِسَانِهِ، وَلَا يُمَارِيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَامُوا جَلَسُوا فِي الْمَسَاجِدِ، وَقَالُوا نَحْفَظُ صَوْمَنَا، وَلَا نَغْتَابُ أَحَدًا، وَلَا نَعْمَلُ عَمَلًا يَجْرَحُ بِهِ صَوْمَهُ. قَالَهُ أَحْمَدُ. وَيُسَنُّ لَهُ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، وَكَانَ مَالِكٌ يَتْرُكُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَيُقْبِلُ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقْرَأُ سِتِّينَ خَتْمَةً. وَالذِّكْرُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: تَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ تَسْبِيحَةٍ فِيمَا سِوَاهُ. وَالصَّدَقَةُ، لِلْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهَا (فَإِنْ شُتِمَ اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي صَائِمٌ) لِمَا فِي " الصَّحِيحِ ": «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِأَنَّ الْقَوْلَ الْمُطْلَقَ بِاللِّسَانِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَقُولُهُ مَعَ نَفْسِهِ، وَلَا يَطَّلِعُ النَّاسُ عَلَيْهِ لِلرِّيَاءِ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ إِنْ كَانَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، وَإِلَّا جَهَرَ بِهِ؛ لِلْأَمْنِ مِنَ الرِّيَاءِ، وَفِيهِ زَجْرٌ عَنْ مُشَاتَمَتِهِ لِأَجْلِ حُرْمَةِ الْوَقْتِ. [اسْتِحْبَابُ تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ وَتَأْخِيرِ السُّحُورِ وَالتَّتَابُعِ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ] فَصْلٌ (وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ) لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قَالَ: لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْمُرَادُ: إِذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ إِجْمَاعًا، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ لَهُ الْفِطْرَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ لِأَنَّهُمْ أَفْطَرُوا فِي عَهْدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَلِأَنَّ مَا عَلَيْهِ أَمَارَةٌ يَدْخُلُهُ الِاجْتِهَادُ، وَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ وَاحِدٍ كَالْقِبْلَةِ، خِلَافًا
يَجِدْ فَعَلَى الْمَاءِ، وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِصَاحِبِ " التَّلْخِيصِ " فَلَمْ يُجَوِّزْهُ إِلَّا بِالْيَقِينِ بِخِلَافِ أَوَّلِهِ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ الْأَعْلَى أَفْطَرَ حُكْمًا، وَإِنْ لَمْ يُطْعَمْ، وَفِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ شَرْعًا فَلَا يُثَابُ عَلَى الْوِصَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَهُوَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، (وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ) مَا لَمْ يَخْشَ طُلُوعَ الْفَجْرِ الثَّانِي. قَالَهُ الْأَصْحَابُ لِأَخْبَارٍ مِنْهَا مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ أَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ، وَالتَّحَفُّظِ مِنَ الْخَطَأِ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَلَوْ شَكَّ فِي الْفَجْرِ، نَقَلَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَأْكُلُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ طُلُوعَهُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ يُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ الْآجُرِّيُّ لَوْ قَالَ لِعَالِمَيْنِ: ارْقُبَا الْفَجْرَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: طَلَعَ، وَقَالَ الْآخَرُ: لَا. أَكَلَ حَتَّى يَتَّفِقَا، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرُهُمْ، وَتَحْصُلُ الْفَضِيلَةُ بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَكَمَالُ فَضِيلَتِهِ بِالْأَكْلِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَكْلَةُ السَّحَرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِمْسَاكُ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ مِنْ أَوَّلِهِ، وَآخِرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ، وَقَطَعَ آخَرُونَ بِوُجُوبِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْجِمَاعِ وِفَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَقَوَّى بِهِ بَلْ يُكْرَهُ مَعَ الشَّكِّ بِخِلَافِ الْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ. فَائِدَةٌ: السَّحُورُ بِفَتْحِ السِّينِ مَا يُؤْكَلُ فِي السَّحَرِ، وَبِالضَّمِّ اسْمُ الْفِعْلِ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ، وَالْمُرَادُ فِي كَلَامِهِ: الْفِعْلُ فَيَكُونُ بِالضَّمِّ عَلَى الْأَصَحِّ. (وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يُفْطِرَ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى الْمَاءِ) لِمَا رَوَى سَلْمَانُ بْنُ
أَفْطَرْتُ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَيُسْتَحَبُّ التَّتَابُعُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَلَا يَجِبُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQعَامِرٍ مَرْفُوعًا: «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى مَاءٍ فَإِنَّهُ طَهُورٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَيْهِمَا الرُّطَبُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمَرْفُوعِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَاعْتَذَرَ عَنْهُ ابْنُ الْمَنْجَا، فَقَالَ: إِنَّ الرُّطَبَ لَا يُوجَدُ فِي بِلَادِ الشَّامِ، وَفِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهَا تَقْدِيمٌ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، (وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِيهِمَا: تَقَبَّلْ مِنَّا، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَهُوَ أَوْلَى، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إِذَا أَفْطَرَ ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَحَسَّنَ إِسْنَادَهُ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَالْعَمَلُ بِهَذَا الْخَبَرِ أَوْلَى. وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «وَلِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةٌ مَا تُرَدُّ» . (وَيُسْتَحَبُّ التَّتَابُعُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ) وِفَاقًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يحاكِي الْأَدَاءَ، وَفِيهِ خُرُوجٌ مِنَ الْخِلَافِ، وَأَنْجَزُ لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَفْطَرَ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ أَوْ لَا، وَيَجِبُ الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَفِي " الْفُرُوعِ ": يَتَوَجَّهِ الْخِلَافُ كَالصَّلَاةِ، (وَلَا يَجِبُ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ. قَالَ: الْبُخَارِيُّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرِّقَ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «قَضَاءُ رَمَضَانَ إِنْ شَاءَ فَرَّقَ، وَإِنْ شَاءَ تَابَعَ» . رَوَاهُ
[تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر لغير عذر]
فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ قَضَاءِ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ آخَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ، وَإِنْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ، وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ لَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ سُفْيَانَ بْنِ بِشْرٍ. قَالَ الْمَجْدُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا طَعَنَ فِيهِ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ التَّتَابُعُ كَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ شَعْبَانَ إِلَّا بِقَدْرِهِ فَيَتَعَيَّنُ، وَيَقْضِي مَنْ فَاتَهُ رَمَضَانُ تَامًّا أَوْ نَاقِصًا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ عَدَدَ أَيَّامِهِ مُطْلَقًا فِي اخْتِيَارِ الْأَكْثَرِ كَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ قَضَى شَهْرًا هِلَالِيًّا أَجْزَأَهُ مُطْلَقًا وَإِلَّا تَمَّمَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَرَدَّهُ فِي " الْمُغْنِي " بِأَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِعِدَّةِ مَا فَاتَهُ كَالْمَرِيضِ، وَالْمُسَافِرِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: مَنْ صَامَ مِنْ أَوَّلِ شَهْرٍ كَامِلٍ أَوْ مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَ رَمَضَانُ الْفَائِتُ نَاقِصًا أَجْزَأَهُ اعْتِبَارًا بِعَدَدِ الْأَيَّامِ، وَعَلَى الثَّانِي يَقْضِي يَوْمًا تَكْمِيلًا لِلشَّهْرِ بِالْهِلَالِ أَوِ الْعَدَدِ ثَلَاثِينَ. [تَأْخِيرُ قَضَاءِ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ آخَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ] فَصْلٌ (وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ قَضَاءِ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ آخَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَمَا لَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ الْأُولَى إِلَى الثَّانِيَةِ، فَلَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ قَبْلَهُ، وَلَا يَصِحُّ، وَعَنْهُ: بَلَى إِنِ اتَّسَعَ الْوَقْتُ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: أَخَّرَهُ بِلَا عُذْرٍ، حَرُمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى الْفَوْرِ كَالصَّلَاةِ خُولِفَ فِي الْمَعْذُورِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَحِينَئِذٍ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ) مَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ (لِكُلِّ يَوْمٍ) . رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ":
أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، فَهَلْ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ أَوِ اثْنَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوِ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ، فَعَلَهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ لَا يَلْزَمُهُ إطعام لظاهر قَوْله - تَعَالَى - {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] ، وَكَتَأْخِيرِ أَدَاءِ رَمَضَانَ عَنْ وَقْتِهِ عَمْدًا، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ أَنَّهُ يُطْعِمُ بِلَا قَضَاءٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَجُوزُ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْمَجْدُ: الْأَفْضَلُ عِنْدَنَا تَقْدِيمُهُ مُسَارَعَةً إِلَى الْخَيْرِ، وَتَخَلُّصًا مِنْ آفَاتِ التَّأْخِيرِ، وَإِذَا تَكَرَّرَ رَمَضَانُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ فِدْيَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ التَّأْخِيرِ لَا يُزَادُ بِهَا الْوَاجِبُ كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ الْوَاجِبَ سِنِينَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ فِعْلِهِ (وَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيِ: الْقَضَاءَ (لِعُذْرٍ) مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ عَجْزٍ عَنْهُ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَجَبَ بِالشَّرْعِ، فَسَقَطَ بِمَوْتِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ إِمْكَانِ فِعْلِهِ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ كَالْحَجِّ. وَفِي " التَّلْخِيصِ " رِوَايَةٌ يُطْعَمُ عَنْهُ كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَقَالَهُ طَاوُسٌ وَقَتَادَةُ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ، وَقَالَ فِي " الِانْتِصَارِ " يُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ الصَّوْمُ عَنْهُ أَوِ التَّكْفِيرُ كَمَنْ نَذَرَ صَوْمًا، (وَإِنْ مَاتَ) أَيْ: إِذَا أَخَّرَ الْقَضَاءَ لِعُذْرٍ، ثُمَّ مَاتَ كَمَنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ لِعُذْرٍ، وَهُوَ حَيٌّ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، لَكِنَّ الْمَيِّتَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَالْحَيُّ تَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ دُونَ الْقَضَاءِ؛ لِإِمْكَانِهِ، فَلَوْ دَامَ عُذْرُهُ بَيْنَ الرَّمَضَانَيْنِ فَلَمْ يَقْضِ، ثُمَّ زَالَ صَامَ الشَّهْرَ الَّذِي أَدْرَكَهُ، ثُمَّ قَضَى مَا فَاتَهُ مِنْ غَيْرِ إِطْعَامٍ نَصَّ عَلَيْهِ، (وَإِنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ) قَالَهُ أَكْثَرُهُمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالصَّحِيحُ وَقْفُهُ عَلَيْهِ، وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنِ الْقَضَاءِ فَقَالَتْ: " لَا بَلْ يُطْعَمُ ". رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَلِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ فِي الْحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ كَالصَّلَاةِ، (وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ) فَأَكْثَرَ (فَهَلْ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ أَوِ اثْنَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ": أَنَّهُ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ؛ لِأَنَّهُ بِإِخْرَاجِ كَفَّارَةٍ
[من مات وعليه صوم أو حج أو اعتكاف منذور فعله عنه وليه]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَاحِدَةٍ زَالَ تَفْرِيطُهُ بِالتَّأْخِيرِ أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، وَالثَّانِي: وَهُوَ لِأَبِي الْخَطَّابِ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ فَقِيرَانِ لِاجْتِمَاعِ التَّأْخِيرِ، وَالْمَوْتِ بَعْدَ التَّفْرِيطِ. تَنْبِيهٌ: الْإِطْعَامُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْصَى بِهِ أَولا، وَفِي الْقَضَاءِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يَوْمٌ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَا يَقْضِي مُتَعَمِّدٌ بِلَا عُذْرٍ صَوْمًا، وَلَا صَلَاةً، وَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ مَا يُخَالِفُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَإِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرٍ كَفَّارَةً، أُطْعِمَ عَنْهُ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ الْمُتْعَةِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الصَّوْمَ وَجَبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، فَلَوْ صَامَ عَنْ كَفَّارَةِ مَيِّتٍ، لَمْ يُجْزِئْهُ وَإِنْ أَوْصَى بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَقُلْنَا: الِاعْتِبَارُ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ أُطْعِمَ عَنْهُ ثَلَاثَةُ مَسَاكِينَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. [مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوِ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ فَعَلَهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ] (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوِ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ) هُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْكُلِّ، وَلَوْ قَالَ: بِنَذْر كَـ " الْوَجِيزِ " لَكَانَ أَظْهَرَ (فَعَلَهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ) وَفِيهِ أُمُورٌ: الْأُولَى: صَوْمُ النَّذْرِ عَنِ الْمَيِّتِ هُوَ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ» ، وَلِأَنَّ النِّيَابَةَ تَدْخُلُ فِي الْعِبَادَةِ بِحَسَبِ خِفَّتِهَا، وَهُوَ أَخَفُّ حُكْمًا مِنَ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ لِإِيجَابِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَفْعَلُهُ الْوَلِيُّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، فَإِنْ صَامَ غَيْرُهُ جَازَ مُطْلَقًا. جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَقَدْ شَبَّهَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالدَّيْنِ. وَظَاهِرُ نَصِّهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْقِيَاسِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى النَّصِّ، وَإِنْ صَامَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ فِي يَوْمٍ، فَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ يَصُومُ وَاحِدٌ، فَمَنَعَ الِاشْتِرَاكَ كَالْحَجَّةِ الْمَنْذُورَةِ، وَعَنِ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ جَوَازَهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ، وَكَمَا لَوْ أَوْصَى بِثَلَاثِ حِجَجٍ، جَازَ صَرْفُهَا إِلَى ثَلَاثَةٍ فِي عَامٍ يَحُجُّونَ عَنْهُ، وَجَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ بِمَنْعِهِ؛ لِأَنَّ نَائِبَهُ مِثْلُهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْوَلِيِّ فِعْلُهُ لِتَفْرِيغِ ذِمَّتِهِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ كَالدَّيْنِ لَا يَلْزَمُهُ إِذَا لَمْ يُخَلِّفْ تَرِكَةً، وَيَفْعَلُهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ كَابْنِهِ، فَإِنْ خَلَّفَ تَرِكَةً فَإِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ إِلَى مَنْ يَصُومُ عَنْهُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّ صَوْمَ النَّذْرِ لَا إِطْعَامَ فِيهِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِخِلَافِ
وَإِنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ مَنْذُورَةٌ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQرَمَضَانَ، وَلَا كَفَّارَةَ مَعَ الصَّوْمِ عَنْهُ، أَوِ الْإِطْعَامِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ أَمْكَنَهُ صَوْمُ نَذْرِهِ فَلَمْ يَصُمْهُ، فَلَوْ أَمْكَنَهُ صَوْمُ بَعْضِهِ، قَضَى عَنْهُ مَا أَمْكَنَهُ صَوْمُهُ فَقَطْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ يُعْتَبَرُ فِيهِ إِمْكَانُ الْأَدَاءِ، وَالنَّذْرُ يُحْمَلُ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْفَرْضِ. الثَّانِيَةُ: إِذَا مَاتَ، وَعَلَيْهِ حَجٌّ مَنْذُورٌ فَعَلَ عَنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ «إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِأَنَّهُ مَنْذُورٌ، فَكَانَ لِلْوَلِيِّ فِعْلُهُ كَالصَّوْمِ، وَعَلَيْهِ لَا يُعْتَبَرُ تَمَكُّنَهُ مِنْهُ قَبْلَ موته لظاهر الْخَبَرِ، وَكَنَذْرِ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَهَلْ لِغَيْرِهِ فِعْلُهُ بِإِذْنِهِ أَوْ مُطْلَقًا؟ عَلَى الْخِلَافِ. فَرْعٌ: الْعُمْرَةُ فِي ذَلِكَ كَالْحَجِّ. الثَّالِثَةُ: إِذَا مَاتَ، وَعَلَيْهِ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ فُعِلَ عَنْهُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِقَوْلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: «إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اقْضِهِ عَنْهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَعْنَاهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، وَكَالصَّوْمِ، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ فِيهِمَا، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فَيُخْرَجُ عَنْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ، وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِهِ، وَلَا يَكُونُ مِنْ ثُلُثِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فِعْلُهُ حَتَّى مَاتَ، فَالْخِلَافُ كَالصَّوْمِ قِيلَ: يَقْضِي، وَقِيلَ: لَا. (وَإِنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ مَنْذُورَةٌ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "
[باب صوم التطوع]
بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَأَفْضَلُهُ صِيَامُ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ ـــــــــــــــــــــــــــــQإِحْدَاهُمَا وَنَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ الْمَنْجَا، وَقَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ ": أَنَّهَا لَا تُفْعَلُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ لَا يَخْلُفُهَا مَالٌ، وَلَا تَجِبُ بِإِفْسَادِهِ، وَالثَّانِيَةُ نَقَلَهَا حَرْبٌ، وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ، وَصَحَّحَهَا الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ ": أَنَّهَا تُفْعَلُ عَنْهُ كَالصَّوْمِ، وَعَلَى هَذَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ بِهَا، وَحَيْثُ جَازَ فِعْلُ الصَّوْمِ فَلَا كَفَّارَةَ مَعَ فِعْلِهِ، لِظَاهِرِ النُّصُوصِ، وَإِلَّا أُخْرِجَ عَنْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِتَرْكِ النَّذْرِ. قَالَ الْمَجْدُ: إِنْ كَانَ قَدْ فَرَّطَ، وَإِلَّا فَفِيهَا الرِّوَايَتَانِ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَصُمْهُ؛ لِأَنَّ فَوَاتَ أَيَّامِ الْحَيَاةِ فِيمَا إِذَا أُطْلِقَ كَفَوَاتِ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ إِذَا عُيِّنَ، فَلَوْ نَذَرَ الطَّوَافَ، فَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ كَالصَّلَاةِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْفَرْضِ لَا تُفْعَلُ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ إِجْمَاعًا أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَنْهُ فَائِتَةٌ. [بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ] ِ وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ فَيَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى -: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ وَالتَّعْظِيمِ. «وَأَفْضَلُهُ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا» «لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: هُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ، قَالَ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يُضْعِفَ الْبَدَنَ حَتَّى يَعْجِزَ عَمَّا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَحُقُوقِ عِبَادِهِ اللَّازِمَةِ، فَإِنْ أَضْعَفَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ تَرْكُهُ أَفْضَلَ، وَلِهَذَا أَشَارَ الصَّادِقُ فِي حَقِّ دَاوُدَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -: «وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى» فَمِنْ حَقِّ النَّفْسِ اللُّطْفُ بِهَا حَتَّى تُوصِلَ صَاحِبَهَا إِلَى الْمَنْزِلِ. (وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ) ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَجْعَلَهَا
أَيَّامِ الْبِيضِ وَصَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ. وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ. وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (أَيَّامَ الْبِيضِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: «إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ سُمِّيَتْ بِيضًا لِابْيِضَاضِ لَيْلِهَا كُلِّهِ بِالْقَمَرِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - تَابَ عَلَى آدَمَ، وَبَيَّضَ فِيهَا صَحِيفَتَهُ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ: الثَّانِي عَشَرَ بَدَلَ الْخَامِسَ عَشَرَ، وَقِيلَ: هِيَ أَوَّلُ الشَّهْرِ وَعَاشِرُهُ وَعِشْرُونَهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَصْحَابُنَا بِاسْتِحْبَابِ السُّودِ، وَهِيَ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ وَتَالِيَاهُ، وَصَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِاسْتِحْبَابِهِ، (وَصَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «هُمَا يَوْمَانِ تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِيهِمَا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَسُمِّيَا بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ ثَانِي الْأُسْبُوعِ، وَالْآخَرَ خَامِسُهُ، (وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالَ) كَذَا فِي النُّسَخِ بِغَيْرِ تَاءٍ، وَالْمُرَادُ: الْأَيَّامُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُغَلِّبُ فِي التَّارِيخِ اللَّيَالِي عَلَى الْأَيَّامِ (كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَقَوَّاهُ آخَرُونَ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَإِلَيْهِ مَالَ أَحْمَدُ: إِنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، وَكَذَا مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ، وَفِيهِ سِتَّةُ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفَضْلَ حَصَلَ بِهِ بِخِلَافِ يَوْمِ الشَّكِّ. لَا يُقَالُ: لَا دَلَالَةَ فِي الْخَبَرِ عَلَى فَضِيلَتِهَا لِكَوْنِهِ شَبَّهَ صِيَامَهَا بِصِيَامِ الدَّهْرِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كُرِهَ صَوْمُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ، وَالتَّشَبُّهِ بِالتَّبَتُّلِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الطَّاعَاتِ لِاسْتِغْرَاقِهِ الزَّمَنَ بِالْعِبَادَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْخَبَرِ: التَّشْبِيهُ فِي حُصُولِ الْعِبَادَةِ بِهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى وَجْهٍ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ، كَمَا فِي أَيَّامِ الْبِيضِ، وَتَحْصُلُ فَضِيلَتُهَا بِالتَّتَابُعِ وَالتَّفَرُّقِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ " وَغَيْرِهِ اسْتِحْبَابُ تَتَابُعِهِمَا، وَبَعْضُهُمُ اسْتَحَبَّهَا عَقِبَ الْعِيدِ، وَاسْتَحَبَّهَا جَمَاعَةٌ، وَهُوَ أَظْهَرُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّهُ مُرَادُ أَحْمَدَ، وَالْأَصْحَابِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مُتَتَابِعَةً فَكَأَنَّمَا صَامَ السَّنَةَ» وَفِي " الْفُرُوعِ " احْتِمَالُ أَنَّ الْفَضِيلَةَ تَحْصُلُ بِصَوْمِهَا فِي غَيْرِ شَوَّالٍ، وَذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ قَالَ: لِأَنَّ فَضِيلَتَهَا كَوْنُ الْحَسَنَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَيَكُونُ تَقْيِيدُهُ بِشَوَّالٍ لِسُهُولَةِ الصَّوْمِ فِيهِ لِاعْتِيَادِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ صِيَامُهَا إِلَّا لِمَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَقَالَهُ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ، لَكِنَ ذَكَرَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّ فَضِيلَتَهَا تَحْصُلُ لِمَنْ صَامَهَا وَقَضَاءَ رَمَضَانَ وَقَدْ أَفْطَرَه لِعُذْرٍ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْأَصْحَابِ، وَفِيهِ شَيْءٌ. (وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ) بِالْمَدِّ فِي الْأَشْهُرِ، وَهُوَ اسْمٌ إِسْلَامِيٌّ لَا يُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنَ الْمُحَرَّمِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا، وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ التَّاسِعُ (كَفَّارَةُ سَنَةٍ) مَاضِيَةٍ لِلْخَبَرِ، وَيُسْتَحَبُّ مَعَهُ صَوْمُ التَّاسِعِ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ» وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ إِنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَوَّلُ الشَّهْرِ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَتَيَقَّنَ صَوْمَهُمَا. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إِفْرَادُ الْعَاشِرِ بِالصَّوْمِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ الْكَرَاهَةُ، وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَجِبْ صَوْمُهُ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا، وَعَنْهُ: وَجَبَ ثُمَّ نُسِخَ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَمَالَ إِلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ، وَقَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ. فَائِدَةٌ: يَنْبَغِي فِيهِ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْعِيَالِ، سَأَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ أَحْمَدَ عَنْهُ قَالَ: " نَعَمْ ".
سَنَتَيْنِ وَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ، وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَأَفْضَلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ جَعْفَرٍ الْأَحْمَرِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ زَمَانِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مَنْ، وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: قَدْ جَرَّبْنَا مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ سِتِّينَ فَمَا رَأَيْنَا إِلَّا خَيْرًا. (وَيَوْمُ عَرَفَةَ) وَهُوَ التَّاسِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سُمِّيَ بِهِ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَتَعَارُفِهِمْ فِيهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَرَّفَ إِبْرَاهِيمَ الْحَجَّ، وَقِيلَ: لِلرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا، وَقِيلَ: لِتَعَارُفِ آدَمَ وَحَوَّاءَ بِهَا (كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «صِيَامُ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبَلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» ، وَقَالَ فِي صِيَامِ عَاشُورَاءَ: «إِنِّي أحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَعَلَّ مُضَاعَفَةَ التَّكْفِيرِ عَلَى عَاشُورَاءَ؛ لِأَنَّ نَبِيَّنَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أُعْطِيَهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ: تَكْفِيرُ الصَّغَائِرِ. حَكَاهُ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " عَنِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَغَائِرُ، رُجِيَ التَّخْفِيفُ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، رُفِعَتْ لَهُ دَرَجَاتٌ، (وَلَا يُسْتَحَبُّ) صَوْمُهُ (لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ) لِمَا «رَوَتْ أُمُّ الْفَضْلِ أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَصُمْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلِأَنَّهُ يُضْعِفُ عَنِ الدُّعَاءِ فَكَانَ تَرْكُهُ أَفْضَلَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ أَضْيَافُ اللَّهِ وَزُوَّارُهُ، وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إِلَّا أَنْ يُضْعِفَهُ عَنِ الدُّعَاءِ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ إِمَامِنَا نَحْوَهُ. قَالَ الْمَجْدُ: وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ، وَالْقَارِنِ إِذَا عَدِمَا الْهَدْيَ، وَسَيَأْتِي.
[ما يكره صومه من الأيام]
الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ. وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ، وَإِفْرَادُ يَوْمِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ - لِأَيَّامِ الْعَشْرَةِ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْمُرَادُ بِهِ: تِسْعَةٌ، وَإِطْلَاقُ الْعَشْرِ عَلَيْهَا تَغْلِيبًا، وَآكَدُهُ التَّاسِعُ، ثُمَّ الثَّامِنُ، وَوَهِمَ بَعْضُهُمْ فَعَكَسَ. وَظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهُمَا سَوَاءٌ. «وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَضَافَهُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - تَفْخِيمًا وَتَعْظِيمًا كَنَاقَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يُكْثِرْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الصَّوْمَ فِيهِ إِمَّا لِعُذْرٍ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَضْلَهُ إِلَّا أَخِيرًا، وَالْمُرَادُ: أَفْضَلُ شَهْرٍ تَطَوَّعُ بِهِ كَامِلًا بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ التَّطَوُّعِ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ أَيَّامِهِ كَعَرَفَةَ، وَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، فَالتَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ أَفْضَلُهُ الْمُحَرَّمُ، كَمَا أَنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَآكَدُهُ عَاشُورَاءُ، ثُمَّ تَاسُوعَاءُ، ثُمَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْأَشْهُرِ قَالَهُ الْحَسَنُ، وَرَجَّحَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ. [مَا يُكْرَهُ صَوْمُهُ مِنَ الْأَيَّامِ] (وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صِيَامِهِ، وَفِيهِ دَاوُدُ بْنُ عَطَاءٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَلِأَنَّ فِيهِ إِحْيَاءً لِشِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ بِتَعْظِيمِهِ، وَلِهَذَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ فِيهِ، وَيَقُولُ: كُلُوا فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَتْ تُعَظِّمُهُ الْجَاهِلِيَّةُ، فَلَوْ أَفْطَرَ مِنْهُ أَوْ صَامَ مَعَهُ غَيْرَهُ زَالَتِ الْكَرَاهَةُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إِفْرَادُ شَهْرٍ غَيْرِهِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، وَالْمُرَادُ أَحْيَانًا، وَلَمْ يُدَاوِمْ كَامِلًا عَلَى غَيْرِ رَمَضَانَ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ صَوْمُ رَجَبٍ، وَشَعْبَانَ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ،
الْجُمُعَةِ وَيَوْمِ السَّبْتِ وَيَوْمِ الشَّكِّ، وَيَوْمِ النَّيْرُوزِ وَالْمَهْرَجَانِ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً وَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQوَاسْتَحَبَّهُ فِي " الْإِرْشَادِ " (وَإِفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَبْلَهُ يَوْمٌ وَبَعْدَهُ يَوْمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» . قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَمْ يَبْلُغْ مَالِكًا الْحَدِيثُ، وَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ مِنْ صَوْمِهِ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ عَلَى صَوْمِهِ مَعَ غَيْرِهِ فَلَا تَعَارُضَ (وَيَوْمُ السَّبْتِ) ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بسْرٍ عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ثَوْرٌ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. . . . فَذَكَرَهُ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ فَفِي إِفْرَادِهِ تَشَبُّهٌ بِهِمْ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْآجُرِّيِّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى الشُّذُوذِ، أَوْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، (وَيَوْمُ الشَّكِّ) لِقَوْلِ عَمَّارٍ: مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا، وَهُوَ يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ، وَلَمْ يَتَرَاءَ النَّاسُ الْهِلَالَ، وَقَالَ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُ: أَوْ شَهِدَ بِهِ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، قَالَ: أَوْ كَانَ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ، وَقُلْنَا: لَا يَجِبُ صَوْمُهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ صَوْمُهُ، وَلَا يَصِحُّ اخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ: لِلنَّهْيِ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَحْمَدَ لَا يُكْرَهُ حَمْلًا لِلنَّهْيِ عَلَى صَوْمِهِ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَا يُكْرَهُ مَعَ عَادَةٍ أَوْصَلَتْهُ بِمَا قَبْلَ النِّصْفِ وِفَاقًا، وَبَعْدَهُ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَلَا عَنْ وَاجِبٍ لِجَوَازِ النَّفْلِ الْمُعْتَادِ فِيهِ كَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ صَوْمُهُ قَضَاءً، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، فَيَتَوَجَّهُ طَرْدُهُ فِي كُلِّ وَاجِبٍ لِلشَّكِّ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
يَجُوزَ صَوْمُ يَوْمَيِ الْعِيدَيْنِ عَنْ فَرْضٍ وَلَا تَطَوُّعٍ، وَإِنْ قَصَدَ صِيَامَهُمَا كَانَ عَاصِيًا وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ فَرْضٍ، وَلَا يَجُوزُ صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ تَطَوُّعًا وَفِي صَوْمِهَا عَنْ فَرْضٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَ) يُكْرَهُ (يَوْمُ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ) هُمَا عِيدَانِ لِلْكُفَّارِ قَالَ: الزَّمَخْشَرِيُّ النَّيْرُوزُ الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْ شَهْرِ الرَّبِيعِ، وَالْمِهْرَجَانُ: الْيَوْمُ التَّاسِعُ عَشَرَ مِنَ الْخَرِيفِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الْكُفَّارِ مِنْ تَعْظِيمِهِمَا، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ عَدَمَهَا لِأَنَّهُمْ لَا يُعَظِّمُونَهُ بِالصَّوْمِ كَالْأَحَدِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يُكْرَهُ صَوْمُ كُلِّ عِيدٍ لِلْكُفَّارِ أَوْ يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِالتَّعْظِيمِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ (إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً) هُوَ رَاجِعٌ إِلَى صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَهَا أَثَرٌ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تُقَدِّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مَسْأَلَةٌ: يُكْرَهُ الْوِصَالُ وَهُوَ أَنْ لَا يُفْطِرَ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ أَوِ الْأَيَّامِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُبَاحٌ لَهُ، وَلَا يُكْرَهُ إِلَى السَّحَرِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَتَرْكُهُ أَوْلَى. (وَلَا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمَيِ الْعِيدَيْنِ) إِجْمَاعًا لِلنَّهْيِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ (عَنْ فَرْضٍ وَلَا تَطَوُّعٍ) لِمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نهي عَنْهُ لِأَنَّهُمْ أَضْيَافُ اللَّهِ، وَقَدْ دَعَاهُمْ، فَالصَّوْمُ تَرْكُ إِجَابَةِ الدَّاعِي، وَمِثْلُهُ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ بِخِلَافِ النَّفْلِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ بِهِ الثَّوَابُ، فَنَافَتْهُ الْمَعْصِيَةُ، وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ النَّفْلُ فِي غَصْبٍ. وَفِي " الْوَاضِحِ " رِوَايَةٌ يَصِحُّ عَنْ نَذْرِهِ الْمُعَيَّنِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «لَا يَصْلُحُ الصِّيَامُ فِي يَوْمَيْنِ» (وَإِنْ قَصَدَ صِيَامَهُمَا كَانَ عَاصِيًا) ؛ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ فِعْلَ الْحَرَامِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَعْصِي حَيْثُ فَقَدَ الْقَصْدَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدِ الْمُخَالَفَةَ فَلَمْ يُوصَفْ بِهِ، (وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ فَرْضٍ) ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَهُوَ لَا يُجَامِعُ إِلَّا الْإِجْزَاءَ، وَحُكْمُ التَّطَوُّعِ كَذَلِكَ، (وَلَا يَجُوزُ صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) تَطَوُّعًا لِمَا
[من دخل في صوم أو صلاة تطوعا استحب له إتمامه]
رِوَايَتَانِ. وَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ تَطَوُّعًا، اسْتُحِبَّ لَهُ إِتْمَامُهُ وَلَمْ يَجِبْ وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ مَرْفُوعًا: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْر اللَّهِ» وَلِأَحْمَدَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِهَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدٍ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ. وَمَنْ صَامَهَا أَوْ رَخَّصَ فِيهِ فَلَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ. قَالَ الْمَجْدُ: أَوْ تَأَوَّلَهُ عَلَى إِفْرَادِهَا كَيَوْمِ الشَّكِّ (وَفِي صَوْمِهَا عَنْ فَرْضٍ رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِلْعُمُومِ، وَالثَّانِيَةُ: يَصِحُّ قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ لَمْ يُرَخِّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُ فَيُلْحَقُ بِهِ، وَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ خَاصٌّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ عَامٌّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ. وَعَنْهُ: يَجُوزُ صَوْمُهَا عَنْ دَمِ الْمُتْعَةِ خَاصَّةً. ذَكَرَهَا التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ وَ " الْعُمْدَةِ " وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ. تَنْبِيهٌ: لَا يَجُوزُ، وَلَا يَصِحُّ نَفْلُ الصَّوْمِ مِمَّنْ عَلَيْهِ فَرْضُهُ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَنْ صَامَ تَطَوُّعًا وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَصُمْهُ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ» ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ جَازَ تَأْخِيرُهَا تَخْفِيفًا فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّهِ لَزِمَهُ الْأَصْلُ، وَكَالْحَجِّ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ لِلْعُمُومِ، وَكَذَا يَخْرُجُ فِي التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، اخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الشَّيْخَانِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِوُجُوبِهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِفَرْضِ الصَّوْمِ قَبْلَ نَذْرٍ لَا يَخَافُ فَوْتَهُ، وَعَنْهُ: بِالنَّذْرِ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُعَيَّنًا بِوَقْتٍ يَخَافُ فَوْتَهُ فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يُكْرَهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَضَاهُ قَبْلَهُ، وَعَلَى الْجَوَازِ: يُكْرَهُ فِي رِوَايَةٍ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَلَا يَصِحُّ لِيَنَالَ فَضِيلَتَهُمَا، وَلَا يُكْرَهُ فِي أُخْرَى رُوِيَ عَنْ عُمَرَ لِلْآيَةِ، وَكَعَشْرِ الْمُحَرَّمِ. [مَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ تَطَوُّعًا اسْتُحِبَّ لَهُ إِتْمَامُهُ] (وَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ تَطَوُّعًا، اسْتُحِبَّ لَهُ إِتْمَامُهُ) ؛ لِأَنَّ بِهِ تَكْمُلُ الْعِبَادَةُ، وَذَلِكَ مَطْلُوبٌ، (وَلَمْ يَجِبْ) «لِقَوْلِ عَائِشَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: أَرِينِيهِ
أَفْسَدَهُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَتُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا، فَأَكَلَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْخَمْسَةُ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: «إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا» وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ، وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ التطَوِّعَاتِ كَهُوَ وَكَالْوُضُوءِ، وَإِنْ أَفْسَدَهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَتْبَعُ الْمَقْضِيَّ عَنْهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ، وَاجِبًا لَمْ يَكُنِ الْقَضَاءُ وَاجِبًا بَلْ يُسْتَحَبُّ، وَقَوْلُهُ: تَطَوُّعًا. يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا إِذَا دَخَلَ فِي وَاجِبٍ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَالْمَكْتُوبَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَكَنَذْرٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مُطْلَقٍ أَوْ كَفَّارَةٍ، إِنْ قُلْنَا: يَجُوزُ تَأْخِيرُهُمَا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ خُرُوجُهُ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ، وَلِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ عهْدة الْوَاجِبِ مُتَعَيِّنٌ، وَدَخَلَتِ التَّوْسِعَةُ فِي وَقْتِهِ رِفْقًا، وَمَظِنَّةً لِلْحَاجَةِ فَإِذَا شَرَعَ تَعَيَّنَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي إِتْمَامِهَا، وَعَنْهُ: يَجِبُ إِتْمَامُ الصَّوْمِ فَإِنْ أَفْسَدَهُ، وَجَبَ الْقَضَاءُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّا، وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي " لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] ،
[التماس ليلة القدر]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ وَقَدْ أَفْطَرَتَا: «لَا عَلَيْكُمَا، صُومَا يَوْمًا مَكَانَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَكَالْحَجِّ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ ضَعَّفُوهُ، ثُمَّ هُوَ لِلِاسْتِحْبَابِ لِقَوْلِهِ «لَا عَلَيْكُمَا» ، وَبِأَنَّ نَفْلَ الْحَجِّ كَفَرْضِهِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَتَقْرِيرُ الْمَهْرِ بِالْخَلْوَةِ مَعَهُ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: إِنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَأَفْطَرَ بِلَا عُذْرٍ أَعَادَ قَالَ: الْقَاضِي أَيْ: نَذَرَهُ، وَخَالَفَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا يُكْرَهُ خُرُوجُهُ مِنْهُ لِعُذْرٍ، وَإِلَّا كُرِهَ فِي الْأَصَحِّ، وَهَلْ يُفْطِرُ لِضَيْفِهِ؛ يَتَوَجَّهُ كَصَائِمٍ دُعِيَ، وَعَنْهُ: تَلْزَمُ الصَّلَاةُ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَمَالَ إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْجَوْزَجَانِيُّ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ إِحْرَامٍ وَإِحْلَالٍ كَالْحَجِّ، وَإِذَا شَرَعَ فِيهَا قَائِمًا، لَمْ يَلْزَمْهُ إِتْمَامُهَا قَائِمًا بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَاقْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ على ذكرهما كَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: الِاعْتِكَافُ كَالصَّوْمِ عَلَى الْخِلَافِ يَعْنِي إِذَا دَخَلَ فِيهِ، وَقَدْ نَوَاهُ مُدَّةً لَزِمَتْهُ، وَيَقْضِيهَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا لَا بِالنِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ خِلَافًا لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَفِي " الْكَافِي " سَائِرُ التَّطَوُّعَاتِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالِاعْتِكَافِ وَغَيْرِهِمَا كَالصَّوْمِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الطَّوَافَ كَالصَّلَاةِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ. قَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ رَأَيْتُ سُفْيَانَ إِذَا كَثُرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ تَرَكَهُمْ، وَدَخَلَ فِي الطَّوَافِ، فَطَافَ شَوْطًا أَوْ شَوْطَيْنِ ثُمَّ يَخْرُجُ، وَيَدَعُهُمْ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الصَّدَقَةُ وَالْقِرَاءَةُ، وَالْأَذْكَارُ بِالشُّرُوعِ وِفَاقًا. وَأَمَّا الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، فَيَلْزَمُ إِتْمَامُهُمَا لِانْعِقَادِ الْإِحْرَامِ لَازِمًا فَإِنْ أَفْسَدَهُمَا أَوْ فَسَدَا لَزِمَهُ الْقَضَاءُ، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ، حَكَاهَا فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الِانْتِصَارِ " وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا أَحْسَبُهَا إِلَّا سَهْوًا. فَرْعٌ: إِذَا قُطِعَ الصَّوْمُ وَنَحْوُهُ فَهَلِ انْعَقَدَ الْجُزْءُ الْمُؤَدَّى، وَحَصَلَ بِهِ قُرْبة أَمْ لَا؛ وَعَلَى الْأَوَّلِ: هَلْ يَبْطُلُ حُكْمًا أَوْ لَا يَبْطُلُ؛ اخْتَلَفَ كَلَامُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ بِبُطْلَانِهِ وَعَدَمِ الصِّحَّةِ، وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَنَّ الْإِبْطَالَ فِي الْآيَةِ هُوَ بُطْلَانُ الثَّوَابِ قَالَ: وَلَا نُسَلِّمُ بُطْلَانَ جَمِيعِهِ، بَلْ قَدْ يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ فَلَا يَكُونُ مُبْطِلًا لِعَمَلِهِ. [الْتِمَاسُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ] (وَتُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ) لِشَرَفِهَا وَعِظَمِهَا وَبَرَكَتِهَا، وَسُورَتُهَا مَكِّيَّةٌ، نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ، وَقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ، نَقَلَهُ الثَّعَالِبِيُّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهَا أَوَّلُ سُورَةٍ
وَلَيَالِي الْوِتْرِ آكَدُهَا وَأَرْجَاهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَيَدْعُو فِيهَا بِمَا رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQنَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ: - تَعَالَى - {خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3] أَيْ: قِيَامُهَا، وَالْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ خَالِيَةً مِنْهَا. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ زَادَ أَحْمَدُ وَمَا تَأَخَّرَ» وَسُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ فِيهَا مَا يَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4] ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَقْضِي اللَّهُ الْأَقْضِيَةَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَيُسَلِّمُهَا إِلَى أَرْبَابِهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِهِ لِعَظَمِ قَدْرِهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَقِيلَ: لِضِيقِ الْأَرْضِ عَنِ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي تَنْزِلُ فِيهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّ لِلطَّاعَاتِ فِيهَا قَدْرًا عَظِيمًا، وَهِيَ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، ذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ إِجْمَاعًا، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً أَنَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهَا تُكَرَّرُ، وَبِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا هُوَ أَفْضَلُ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ التَّمِيمِيُّ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَّتِي أُنْزِلَ فِيهَا الْقُرْآنُ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ فَأَمَّا أَمْثَالُهَا مِنْ لَيَالِي الْقَدْرِ فَلَيْلَةُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ، وَأَنَّهَا لَمْ تُرْفَعْ لِلْأَخْبَارِ فِي طَلَبِهَا، وَقِيَامِهَا خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ فِي رَفْعِهَا (فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ) عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الْكَافِي ": تُطْلَبُ فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ، «وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ فِي كُلِّ السَّنَةِ، (وَلَيَالِي الْوِتْرِ آكَدُهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ -: اطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي ثَلَاثٍ بَقِينَ أَوْ سَبْعٍ بَقِينَ أَوْ تِسْعٍ بَقِينَ» . وَرَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْوِتْرِ مِنْهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ وَافَقْتُهَا فَبِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: قُولِي اللَّهُمَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَاخْتَارَ الْمَجْدُ كُلُّ الْعَشْرِ سَوَاءٌ. وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بَلْ لَيَالِي الْوِتْرِ أَبْلَغُ مِنْ لَيَالِي الشَّفْعِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْوِتْرُ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي فَتُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةَ إِحْدَى، وَثَلَاثٍ إِلَى آخِرِهِ، وَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْبَاقِي، فَإِذَا كَانَ تَامًّا كَانَ ذَلِكَ لَيَالِيَ الْإِشْفَاعِ، فَلَيْلَةُ الثَّانِيَةِ تَاسِعَةٌ تَبْقَى، وَلَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَابِعَةٌ تَبْقَى، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا كَانَ التَّارِيخُ بِالْبَاقِي كَالتَّارِيخِ بِالْمَاضِي، (وَأَرْجَاهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَسْتَثْنِي وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ. قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَكُمْ فَتَتَّكِلُوا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَعَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَيُرَجِّحُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْقَدْرِ ثَلَاثُونَ كَلِمَةً السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ مِنْهَا هِيَ. وَقَدِ اسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - كَرَّرَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي سُورَتِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَحُرُوفُهَا تِسْعٌ، وَالنَّاشِئُ مِنْ ضَرْبِ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ، وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ حَنْبَلٌ أَنَّهَا لَيْلَةٌ مُتَعَيَّنَةٌ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ مُضِيِّ لَيْلَةِ الْعَشْرِ، وَقَعَ فِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَمَعَ مُضِيِّ لَيْلَةٍ مِنْهُ تَقَعُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لَيْلَةَ قَوْلِهِ فِيهَا. وَحُكْمُ الْعِتْقِ، وَالْيَمِينِ كَالطَّلَاقِ ذَكَرَهُ الْمَجْدُ تَخْرِيجًا. وَمَنْ نَذَرَ قِيَامَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، قَامَ الْعَشْرَ، وَنَذْرُهُ فِي أَثْنَائِهِ كَطَلَاقٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي. فَائِدَةٌ: الْحِكْمَةُ فِي إِخْفَائِهَا لِيَجْتَهِدُوا فِي طَلَبِهَا، وَيَجِدُّوا فِي الْعِبَادَةِ طَمَعًا فِي إِدْرَاكِهَا كَمَا أَخْفَى سَاعَةَ الْإِجَابَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاسْمَهُ الْأَعْظَمَ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَرِضَاهُ فِي الْحَسَنَاتِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. (وَيَدْعُو فِيهَا) فَإِنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ فِيهَا، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ (بِمَا «رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ
إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَافَقْتُهَا فبمَ أَدْعُو؟ قَالَ: قُولِي اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفْوٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مَعْنَاهُ، وَصَحَّحَهُ، وَمَعْنَى الْعَفْوِ: التَّرْكُ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى السَّتْرِ، وَالتَّغْطِيَةِ فَمَعْنَى اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي، أَيِ: اتْرُكْ مُؤَاخَذَتِي بِجُرْمِي، وَاسْتُرْ عَلَيَّ ذَنْبِي، وَأَذْهِبْ عَنِّي عَذَابَكَ، وَاصْرِفْ عَنِّي عِقَابَكَ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ فَمَا أُوتِيَ أَحَدٌ بَعْدَ يَقِينٍ خَيْرًا مِنْ مُعَافَاةٍ» فَالشَّرُّ الْمَاضِي يَزُولُ بِالْعَفْوِ، وَالْحَاضِرُ بِالْعَافِيَةِ، وَالْمُسْتَقْبَلُ بِالْمُعَافَاةِ لِتَضَمُّنِهَا دَوَامَ الْعَافِيَةِ
[كتاب الاعتكاف]
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ، هُوَ لُزُومُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَهُوَ سُنَّةٌ إِلَّا أَنْ يَنْذُرَهُ فَيَجِبُ وَيَصِحُّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [كِتَابُ الِاعْتِكَافِ] [تَعْرِيفُ الاعتكاف وَحُكْمُهُ] ِ (هُوَ) لُغَةً لُزُومُ الشَّيْءِ، وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - {يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} [الأعراف: 138] يُقَالُ عَكَفَ يَعْكُفُ بِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِهَا، وَقُرِئَ بِهِمَا. وَشَرْعًا (لُزُومُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -) عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ - وَلَوْ مُمَيِّزًا - طَاهِرٍ مِمَّا يُوجِبُ غُسْلًا وَلَوْ سَاعَةً، فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ، وَمَجْنُونٍ، وَطِفْلٍ، كَالصَّلَاةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَلَا يَبْطُلُ بِالْإِغْمَاءِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قُرْبَةٌ، وَطَاعَةٌ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ} [الحج: 26] وَلِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «فِي الْمُعْتَكِفِ، وَهُوَ يَعْكُفُ الذُّنُوبَ، وَيُجْرَى لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ كَعَامِلِ الْحَسَنَاتِ كُلِّهَا» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ تَعْرِفُ فِي فَضْلِ الِاعْتِكَافِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنَّ شَيْئًا ضَعِيفًا. (وَهُوَ سُنَّةٌ) كُلَّ وَقْتٍ إِجْمَاعًا لِمُدَاوَمَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِعْلَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ أَصْحَابَهُ، بَلْ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ» ، وَآكَدُهُ فِي
بِغَيْرِ صَوْمٍ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ، فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ فِي لَيْلَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَلَا فِي بَعْضِ يَوْمٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــQرَمَضَانَ، وَالْعَشْرُ الْأَخِيرَةُ آكَدُ لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ (إِلَّا أَنْ يَنْذُرَهُ فَيَجِبُ) الْوَفَاءُ بِهِ إِجْمَاعًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ: فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ، وَلِلْبُخَارِيِّ: فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً» . وَظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ. فَإِنْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ، فَلَهُ شَرْطٌ نَحْوَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرَ رَمَضَانَ إِنْ كُنْتُ مُقِيمًا أَوْ مُعَافًى فَصَادَفَهُ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ أَوْ بِالنِّيَّةِ؟ وَقَالَهُ مَالِكٌ مَعَ الدُّخُولِ فِيهِ، فَإِنْ قَطَعَهُ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ، وَرَدَّهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَحَدٍ سِوَاهُ، وَلَمْ يَقَعِ الْإِجْمَاعُ عَلَى لُزُومِ نَافِلَةٍ بِالشُّرُوعِ فِيهَا سِوَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَيَجِبُ تَعْيِينُ الْمَنْدُوبِ بِالنِّيَّةِ لِيَتَمَيَّزَ، فَإِنْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْهُ فَقِيلَ يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ بِالْفَسَادِ، وَقِيلَ: لَا لِتَعَلُّقِهُ بِمَكَانٍ كَالْحَجِّ. (وَيَصِحُّ بِغَيْرِ صَوْمٍ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِحَدِيثِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَصِحُّ فِي اللَّيْلِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الصَّوْمُ كَالصَّلَاةِ. فَعَلَى هَذَا، فَلَهُ مَا يُسَمَّى بِهِ مُعْتَكِفًا لَابِثًا فَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَحْظَةً، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ أَقَلَّهُ سَاعَةٌ، وَلَا يَكْفِي عُبُورُهُ، وَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي أَيَّامِ النَّهْيِ الَّتِي لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا، وَلَوْ صَامَ، ثُمَّ أَفْطَرَ عَمْدًا، لَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ، (وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ) بِغَيْرِ صَوْمٍ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ» ، وَلِأَنَّهُ لُبْثٌ فِي مَسْجِدٍ فَلَمْ يَكُنْ بِمُجَرَّدِهِ قُرْبَةً كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.
[اعتكاف المرأة بغير إذن زوجها]
وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ مِنَ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، وَلَا مِنَ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ شَرَعَا فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنٍ فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا، وَمَنْ رَفَعَهُ فَقَدْ وَهِمَ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ فَيُحْمَلُ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَلِأَنَّ إِيجَابَ الصَّوْمِ حُكْمٌ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْعِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ نَصٌّ، وَلَا إِجْمَاعٌ، وَقِيَاسُهُمْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ لُبْثٌ فِي مَكَانٍ مَخْصُوصٍ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الصَّوْمُ كَالْوُقُوفِ (فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ فِي لَيْلَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَلَا فِي بَعْضِ يَوْمٍ) لِعَدَمِ وُجُودِ الصَّوْمِ الْمُشْتَرَطِ. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي اعْتَكَفَ بَعْضَهُ أَمْ لَا، وَقَطَعَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ بِصِحَّتِهِ لِوُجُودِ اللُّبْثِ بِشَرْطِهِ، وَأَطْلَقَ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " وَ " الْفُرُوعِ " الْخِلَافَ، وَالْمَذْهَبُ الْبُطْلَانُ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ لَمْ يُقْصَدْ لَهُ، وَلَا يَصِحُّ فِي أَيَّامِ النَّهْيِ الَّتِي لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا، وَاعْتِكَافُهَا نَذْرًا أَوْ نَفْلًا كَصَوْمِهَا نَذْرًا أَوْ نَفْلًا فَإِذَا كَانَ الِاعْتِكَافُ مُتَتَابِعًا، فَأَتَى فِي أَثْنَائِهِ يَوْمُ عِيدٍ فَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِ اعْتِكَافِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ، وَيَجُوزَ خُرُوجُهُ إِلَى الْعِيدِ، وَلَا يَفْسُدَ اعْتِكَافُهُ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى إِنْ شَاءَ، وَإِلَى أَهْلِهِ، وَعَلَيْهِ حُرْمَةُ الْعُكُوفِ، ثُمَّ يَعُودُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي يَوْمِهِ لِتَمَامِ أَيَّامِهِ قَالَهُ الْمَجْدُ. تَنْبِيهٌ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَصُومَ لِلِاعْتِكَافِ مَا لَمْ يَنْذُرْ لَهُ الصَّوْمَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَالْخَبَرِ، وَكَمَا يَصِحُّ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي رَمَضَانَ تَطَوُّعًا أَوْ يَنْذُرَ عَنْهُ بِهِ، وَإِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ صَائِمًا أَوْ بِصَوْمٍ لَزِمَاهُ مَعًا، فَلَوْ فَرَّقَهُمَا أَوِ اعْتَكَفَ، وَصَامَ فَرْضَ رَمَضَانَ، وَنَحْوَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ فِيهِ كَالتَّتَابُعِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْجَمِيعُ لَا الْجَمْعُ فَلَهُ فِعْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا، وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا فَالْخِلَافُ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَمِيعَ الزَّمَانِ، وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً، وَيَقْرَأَ فِيهَا سُورَةً بِعَيْنِهَا لَزِمَهُ الْجَمْعُ، فَلَوْ قَرَأَهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ لَمْ يُجْزِئْهُ ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ ". [اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا] (وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ مِنَ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا) وِفَاقًا (وَلَا مِنَ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ) لِتَفْوِيتِ مَنَافِعِهَا الْمَمْلُوكَةِ لِغَيْرِهِمَا (فَإِنْ شَرَعَا فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ) وَإِنْ كَانَ فَرْضًا، قَالَهُ فِي
وَإِلَّا فَلَا، وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَحُجَّ بِغَيْرِ إِذْنٍ. وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ" الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ (فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ إِلَّا بِإِذْنِهِ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلِأَنَّهُ شروع غير جَائِزٌ مُتَضَمِّنٌ لِفَوَاتِ حَقِّهِمَا، فَمَلَكَا تَحْلِيلَهُمَا مِنْهُ لِيَعُودَ حَقُّهُمَا إِلَى مَا كَانَ، وَخَرَّجَ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " لَا يَمْنَعَانِ مِنَ الْمَنْذُورِ كَرِوَايَةٍ فِي الْمَرْأَةِ فِي صَوْمٍ وَحَجٍّ مَنْذُورَيْنِ، وَفِي ثَالِثٍ: مَنْعُهُمَا وَتَحْلِيلُهُمَا مِنْ نَذْرٍ مُطْلَقٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي كَوَجْهٍ لِأَصْحَابِنَا فِي صَوْمٍ وَحَجٍّ مَنْذُورَيْنِ، وَفِي رَابِعٍ مَنْعُهُمَا، وَتَحْلِيلُهُمَا إِلَّا مِنْ مَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَالْمِلْكِ كَوَجْهٍ لِأَصْحَابِنَا فِي سُقُوطِ نَفَقَتِهَا قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ إِنْ لَزِمَ بِالشُّرُوعِ فِيهِ فكَالْمَنْذُورِ فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ لَمْ يُحَلِّلَاهَا صَحَّ وَأَجْزَأَ، وَجَزَمَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا: يَقَعُ بَاطِلًا كَصَلَاةٍ فِي مَغْصُوبٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعَبْدِ (وَإِنْ كَانَ بِإِذْنٍ فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا) ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَذِنَ لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، وَزَيْنَبَ، ثُمَّ مَنَعَهُنَّ بَعْدَ أَنْ دَخَلْنَ فِيهِ» ، وَلِأَنَّ حَقَّهُمَا وَاجِبٌ، وَالتَّطَوُّعُ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَلَهُمَا الْمَنْعُ ابْتِدَاءً فَكَذَا دَوَامًا كَالْعَارِيَةِ بِخِلَافِ الْحَجِّ، (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا كَانَ مَنْذُورًا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَيَجِبُ إِتْمَامُهُ كَالْحَجِّ. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَيِّنًا أَوْ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ كَنَذْرِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَوْ مُتَتَابِعَةٍ إِذَا اخْتَارَ فِعْلَهُ مُتَتَابِعًا، وَأَذِنَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ يَجُوزُ تَحْلِيلُهُمَا مِنْهُ عِنْدَ مُنْتَهَى كُلِّ يَوْمٍ لِجَوَازِ الْخُرُوجِ مِنْهُ كَالتَّطَوُّعِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمُ الْمَنْعُ كَغَيْرِهِ. فَرْعٌ: الْإِذْنُ فِي عَقْدِ النَّذْرِ إِذْنٌ فِي فِعْلِهِ إِنْ نَذَرَ زَمَنًا مُعَيَّنًا بِالْإِذْنِ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ زَمَنَ الشُّرُوعِ لَمْ يَقْتَضِهِ الْإِذْنُ السَّابِقُ، وَقَدَّمَ الْمُؤَلِّفُ: مَنْعَ تَحْلِيلِهِمَا أَيْضًا كَالْإِذْنِ فِي الشُّرُوعِ. (وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَحُجَّ بِغَيْرِ إِذْنٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَسْتَحِقُّ
[الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد]
مُهَايَأَةٌ فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَحُجَّ فِي نَوْبَتِهِ وَإِلَّا فَلَا. وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فِيهِ إِلَّا الْمَرْأَةَ لَهَا الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ إِلَّا مَسْجِدَ بَيْتِهَا. وَالْأَفْضَلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَنَافِعَهُ، وَلَا يَمْلِكُ إِجْبَارَهُ عَلَى الْكَسْبِ فَهُوَ مَالِكٌ لِمَنَافِعِهِ كَحُرٍّ مَدِينٍ بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ حَلَّ نَجْمٌ أَوْ لَا، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: مَا لَمْ يَحِلَّ نَجْمٌ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: لَهُ الْحَجُّ مِنَ الْمَالِ الَّذِي جَمَعَهُ مَا لَمْ يَأْتِ نَجْمُهُ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَلَى إِذْنِهِ لَهُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِإِذْنِهِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ: مَا لَمْ يَحِلَّ نَجْمٌ، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، (وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ إِنْ كَانَت بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ) وَهُوَ أَنْ يَتَّفِقَ هُوَ، وَمَالِكُ بَعْضِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُدَّةٌ، وَلِمَالِكِ بَعْضِهِ أُخْرَى (فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ، وَيَحُجَّ فِي نَوْبَتِهِ) ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِسَيِّدِهِ بَلْ هِيَ كَالْحُرِّ، (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ؛ لِأَنَّ لَهُ مُلْكًا فِي مَنَافِعِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ فَتَجْوِيزُهُ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ حَقِّ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ بِجَائِزٍ. [الِاعْتِكَافُ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ] وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] ، فَلَوْ صَحَّ فِي غَيْرِهَا لَمْ يَخْتَصَّ بِتَحْرِيمِ الْمُبَاشَرَةِ إِذْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ مُطْلَقًا، وَلِأَنَّهُ «كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُدْخِلُ رَأْسَهُ إِلَى عَائِشَةَ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَتُرَجِّلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ (يُجْمَعُ فِيهِ) أَيْ: تُقَامُ فِيهِ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ مِنْ مُعْتَكِفِينَ حِذَارًا إِمَّا مِنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ أَوْ تَكَرُّرِ الْخُرُوجِ الْمُنَافِي لَهُ مَعَ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، فَإِذَا قِيلَ: بِأَنَّهَا سُنَّةٌ فَلَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَعْذُورُ وَالصَّبِيُّ، وَمَنْ هُوَ فِي قَرْيَةٍ لَا يُصَلِّي فِيهَا غَيْرُهُ، وَمَنِ اعْتِكَافُهُ فِي مدة غير وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَسْقُطَ عَنِ الْمَعْذُورِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ، وَقَدِ الْتَزَمَهُ (إِلَّا الْمَرْأَةَ لَهَا الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ) لِلْآيَةِ، وَالْجَمَاعَةُ لَا تَلْزَمُهَا، وَفِي " الِانْتِصَارِ ": فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ، وَهِيَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَالْخِرَقِيِّ، لِمَا رَوَى حَرْبٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا فَقَالَ: بِدْعَةٌ، وَأَبْغَضُ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ الْبِدَعُ فَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الصَّلَاةُ (إِلَّا مَسْجِدَ بَيْتِهَا) وَهُوَ مَا اتَّخَذَتْهُ لِصَلَاتِهَا، وَلَوْ جَازَ لَفَعَلَتْهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ،
الِاعْتِكَافُ فِي الْجَامِعِ إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ تَتَخَلَّلُهُ وَمَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ أَوِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ فَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ إِلَّا الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ. وَأَفْضَلُهَا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، ثُمَّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَوْ مَرَّةً تَبْيِينًا لِلْجَوَازِ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَسْجِدٍ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا. وَظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " صِحَّتُهُ فِيهِ قَالَ: وَإِنَّمَا كُرِهَ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ حَيْثُ لَمْ يَحْتَفِظْ بِخِبَاءٍ نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسَاجِدِ، وَيَضْرِبْنَ لَهُنَّ فِيهَا الْخِيَمَ. قُلْتُ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَتِرَ الرَّجُلُ كَهِيَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ أَخْفَى لِعَمَلِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ لَا إِلَّا لِبَرْدٍ شَدِيدٍ. مَسْأَلَةٌ: رَحْبَةُ الْمَسْجِدِ لَيْسَتْ مِنْهُ فِي رِوَايَةٍ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَعَنْهُ: بَلَى جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْقَاضِي كَظَهْرِهِ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي مَوْضِعٍ فَقَالَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهَا حَائِطٌ وَبَابٌ فَهِيَ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا، وَمَنَارَتُهُ إِنْ كَانَتْ فِيهِ أَوْ بَابُهَا فِيهِ فَهِيَ مِنْهُ بِدَلِيلِ مَنْعِ الْجُنُبِ، وَإِنْ كَانَتْ خَارِجَةً عَنْهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ قَرِيبَةٌ فَخَرَجَ لِلْأَذَانِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْبَنَّا وَالْمَجْدُ خِلَافَهُ. (وَالْأَفْضَلُ الِاعْتِكَافُ فِي الْجَامِعِ إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ تَتَخَلَّلُهُ) لِئَلَّا يَحْتَاجَ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَيْهَا فَيَتْرُكَ الِاعْتِكَافَ، مَعَ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَلِأَنَّهُ خرج لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فكأنه استثنى الجمعة بِلَفْظِهِ، وَلَا يَتَكَرَّرُ بِخِلَافِ الْجَمَاعَةِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " وَجْهٌ يَلْزَمُ فَإِنِ اعْتَكَفَ فِي غَيْرِهِ بَطَلَ بِخُرُوجِهِ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ لَكِنْ إِنْ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ تَعَيَّنَ مَوْضِعُ الْجُمُعَةِ، فَلَوِ اعْتَكَفَ فِيمَا تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ فَقَطْ لَمْ يَصِحَّ إِنْ وَجَبَتِ الْجَمَاعَةُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْجُمُعَةَ إِذَا لَمْ يَتَخَلَّلِ اعْتِكَافُهُ لَمْ يَكُنِ الْجَامِعُ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْخُرُوجِ، وَلَوِ اعْتَكَفَ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ فِي مَسْجِدٍ لَا يُصَلّي فِيهِ بَطَلَ خُرُوجُهُ إِلَيْهَا إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ. (وَمَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ أَوِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ فَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يُعَيِّنْ لِعِبَادَتِهِ مَوْضِعًا فَلَمْ يَتَعَيَّنْ بِالنَّذْرِ، وَيَبْطُلْ بِبِقَاعِ الْحَجِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَوْ تَعَيَّنَ احْتَاجَ إِلَى شَدِّ رَحْلٍ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ إِلَّا «مَسْجِدَ قُبَاءٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ
[أفضل المساجد المسجد الحرام]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQيَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا ويُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى شَدِّ رِحَالٍ فَظَاهِرُ " الِانْتِصَارِ " وَ " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": يَلْزَمُ، وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ احْتِمَالًا فِي تَعْيِينِ الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ قَالَ الْمَجْدُ: وَنَذْرُ الِاعْتِكَافِ مِثْلُهُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ يَعْتَكِفُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي عَيَّنَهُ. وَظَاهِرُهُ لَا كَفَّارَةَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ ". وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يُصَلِّي فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ، وَإِنْ أَرَادَ الذَّهَابَ إِلَى مَا عَيَّنَهُ، وَاحْتَاجَ إِلَى شَدِّ رَحْلٍ فَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِإِبَاحَتِهِ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْقَصْرِ، وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَخَيَّرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى شَدِّ رَحْلٍ فَالْمَذْهَبُ: يُخَيَّرُ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": الْأَفْضَلُ الْوَفَاءُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهَذَا أَظْهَرُ. (إِلَّا الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ) فَإِنَّهَا تَتَعَيَّنُ لِفَضْلِ الْعِبَادَةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ «إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» [أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ] (وَأَفْضَلُهَا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْخَطَّابِ الدِّمَشْقِيِّ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: «وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي بِمِائَةِ صَلَاةٍ» ، (ثُمَّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ) لِمَا «رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ
ثُمَّ الْأَقْصَى فَإِذَا نَذَرَهُ فِي الْأَفْضَلِ لَمْ يُجْزِئْهُ فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ نَذَرَهُ فِي غَيْرِهِ فَلَهُ فِعْلُهُ فِيهِ، وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ الشُّرُوعُ فِيهِ قَبْلَ دُخُولِ لَيْلَتِهِ إِلَى انْقِضَائِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالنَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَجُمَعُ: الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ فَدَلَّ أَنَّ مَسْجِدَهَا أَفْضَلُ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَشْهَبَ: إِنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ بِدُونِ الْأَلْفِ. وَجَوَابُهُ: رِوَايَةُ أَحْمَدَ السَّابِقَةُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَوْضِعُ قَبْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنَّهُ أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ، (ثُمَّ الْأَقْصَى) لِمَا رَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا قَالَ: «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي الْمُهَاجِرِ نَحْوُهُ فَإِذَا نَذَرَهُ فِي الْأَفْضَلِ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) فِي (غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُهَا احْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ وَالْأَصْحَابُ، وَإِنْ نَذَرَهُ فِي غَيْرِهِ فَلَهُ فِعْلُهُ فِيهِ أَيْ: إِذَا نَذَرَهُ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ أَوِ الْأَقْصَى فَلَهُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِأَفْضَلِيَّتِهِ، وَإِنْ نَذَرَهُ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ لَمْ يُجْزِئْهُ غَيْرُهُ إِلَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَإِذَا عَيَّنَ الْأَقْصَى أَجْزَأَهُ الْمَسْجِدَانِ فَقَطْ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَفْضَلِيَّتِهِمَا عَلَيْهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ فَدَخَلَ فِيهِ، ثُمَّ انْهَدَمَ مُعْتَكَفُهُ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - تَعَالَى -، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمَقَامُ فِيهِ، أَتَمَّهُ فِي غَيْرِهِ لُزُومًا، وَلَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ". (وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ) تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَ (لَزِمَهُ الشُّرُوعُ فِيهِ قَبْلَ دُخُولِ لَيْلَتِهِ) أَيْ: قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، نَصَّ عَلَيْهِ، إِذِ الشَّهْرُ يَدْخُلُ بِدُخُولِ اللَّيْلَةِ بِدَلِيلِ تَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ
وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا لَزِمَهُ شَهْرٌ مُتَتَابِعٌ، وَإِنْ نَذَرَ أَيَّامًا مَعْدُودَةً فَلَهُ تَفْرِيقُهَا إِلَّا عِنْدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُعَلَّقَةِ بِهِ مِنْ حُلُولِ الدَّيْنِ، وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ الْمُعَلَّقِينَ بِهِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَاجِبٌ، وَعَنْهُ: يَدْخُلُ قَبْلَ فَجْرِهَا الثَّانِي رُوِيَ عَنِ اللَّيْثِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ «بِقَوْلِ عَائِشَةَ: كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ فِيهِ فَلَمْ يَجِبِ ابْتِدَاؤُهُ قَبْلَ شَرْطِهِ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَدْخُلْ إِلَّا بَعْدَ الصُّبْحِ وَهُمْ يُوجِبُونَ الدُّخُولَ قَبْلَ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ اعْتِكَافَهُ كَانَ تَطَوُّعًا، وَالتَّطَوُّعُ مَتَى شَاءَ شُرِعَ. عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، والليث وَإِسْحَاقَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ تَطَوُّعًا فَإِنَّهُ يَدْخُلُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْهُ، وَحُمِلَ عَلَى الْجَوَازِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ يَوْمَ الْعِشْرِينَ لِيَسْتَظْهِرَ بِبَيَاضِ يَوْمٍ زِيَادَةً، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَدْخُلُ قَبْلَ لَيْلَتِهِ الْأُولَى (إِلَى انْقِضَائِهِ) لِدُخُولِهِ فِي مُسَمَّى نَذْرِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ سِوَى الشَّهْرِ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى نَذْرِهِ لَكِنْ إِذَا اعْتَكَفَ رَمَضَانَ، أَوِ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ، اسْتُحِبَّ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْعِيدِ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى الْمُصَلَّى، نَصَّ عَلَيْهِ، لِيَصِلَ طَاعَةً بِطَاعَةٍ. (وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا، لَزِمَهُ شَهْرٌ مُتَتَابِعٌ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَصِحُّ لَيْلًا وَنَهَارًا فَإِذَا أَطْلَقَهُ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ، وَكَقَوْلِهِ: لَا كَلَّمْتُ زَيْدًا شَهْرًا، وَكَمُدَّةِ الْعِدَّةِ وَالْإِيلَاءِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْكَفَّارَةِ تَأْكِيدًا، وَعَنْهُ: لَا، اخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ لِصِحَّةِ إِطْلَاقِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَلِهَذَا يَصِحُّ تَقْيِيدُهُ بِالتَّتَابُعِ بِخِلَافِ الْيَمِينِ وَيَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا يَخْرُجُ إِلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ آخِرَ أَيَّامِهِ، وَيَكْفِيهِ شَهْرٌ هِلَالِيٌّ نَاقِصٌ بِلَيَالِيهِ أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا بِلَيَالِيهِنَّ، وَثَلَاثِينَ لَيْلَةً فَإِنِ ابْتَدَأَهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ تَمَّمَهُ إِلَى مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ فِي الْيَوْمِ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ، وَكَذَلِكَ إِنِ ابْتَدَأَهُ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ تَمَّمَهُ إِلَى مَا ذَكَرْنَا إِنْ لَمْ يُعْتَبَرِ الصَّوْمُ، وَإِنِ اعْتَبَرَ فَثَلَاثِينَ لَيْلَةً صِحَاحًا بِأَيَّامِهَا الْكَامِلَةِ. (وَمَنْ نَذَرَ أَيَّامًا مَعْدُودَةً) كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ عِشْرِينَ يَوْمًا (فَلَهُ تَفْرِيقُهَا)
[لا يجوز للمعتكف الخروج إلا لما لا بد منه]
الْقَاضِي، وَإِنْ نَذَرَ أَيَّامًا أَوْ لَيَالِيَ مُتَتَابِعَةً لَزِمَهُ مَا يَتَخَلَّلُهَا مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ. فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَالطَّهَارَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ؛ لِأَنَّ الْأَيَّامَ الْمُطْلَقَةَ تُؤْخَذُ بِدُونِ التَّتَابُعِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَنَذْرِ صَوْمِهَا، وَاحْتِجَاجُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ بِالْآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ (إِلَّا عِنْدَ الْقَاضِي) فَيَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ كَلَفْظِ الشَّهْرِ، فَعَلَى هَذَا تَلْزَمُهُ اللَّيَالِي الدَّاخِلَةُ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْذُورَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ التَّتَابُعَ أَوْ لِشَرْطِهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ إِلَّا فِي ثَلَاثِينَ يَوْمًا لِلْقَرِينَةِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهِ لَفْظُ الشَّهْرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، (وَإِنْ نَذَرَ أَيَّامًا أَوْ لَيَالِيَ مُتَتَابِعَةً) بِشَرْطه أَوْ نِيَّتِهِ (لَزِمَهُ مَا يَتَخَلَّلُهَا مِنْ لَيْلٍ) إِذَا نَذَرَ الْأَيَّامَ (أَوْ نَهَارٍ) إِذَا نَذَرَ اللَّيَالِيَ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ اسْمٌ لِبَيَاضِ النَّهَارِ وَاللَّيْلَةُ اسْمٌ لِسَوَادِ اللَّيْلِ، وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ تَكْرَارُ الْوَاحِدِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ مَا تَخَلَّلَهُ لِلُزُومِ التَّتَابُعِ ضِمْنًا، وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يَلْزَمُهُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَكِيمٍ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُ، وَفِي ثَالِثٍ: لَا يَلْزَمُهُ اللَّيْلُ فَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمَيْنِ، لَزِمَهُ يَوْمَانِ وَلَيْلَةٌ بَيْنَهُمَا. تَنْبِيهٌ: إِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ مُعَيَّنًا أَوْ مُطْلَقًا دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ فَجْرِهِ الثَّانِي، وَخَرَجَ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْيَوْمِ، وَلَا تَلْزَمُهُ اللَّيْلَةُ الَّتِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْيَوْمِ، وَإِذَا نَذَرَ لَيْلَةً لَزِمَتْهُ فَقَطْ، فَيَدْخُلُ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَيَخْرُجُ بَعْدَ فَجْرِهَا الثَّانِي. وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الصَّوْمَ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُهُ بِسَاعَاتٍ مِنْ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّتَابُعُ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَيَّدَهُ بِهِ، وَإِذَا قَالَ فِي وَسَطِ النَّهَارِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا مِنْ وَقْتِي، تَعَيَّنَ مِنْهُ إِلَى مِثْلِهِ، وَفِي دُخُولِ اللَّيْلِ الْخِلَافُ، وَإِذَا نَذَرَ شَهْرًا مُتَفَرِّقًا فَلَهُ تَتَابُعُهُ قَالَ الْمَجْدُ: لِأَنَّهُ أَفْضَلُ، كَاعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِذَا نَذَرَ غَيْرَهُ، وَإِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمِ يَقْدَمُ زَيْدٌ فَقَدِمَ لَيْلًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ قَدِمَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ لَزِمَهُ اعْتِكَافُ الْبَاقِي، وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْهُ. [لَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ] فَصْلٌ (وَلَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ) فِيمَا إِذَا عَيَّنَ مُدَّةً أَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ فِي عَدَدٍ (إِلَّا لِمَا لَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQبُدَّ مِنْهُ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهَا قَالَتْ: «السُّنَّةُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ) كَالْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَوْ بَطَلَ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِمَا لَمْ يَصِحَّ لِأَحَدٍ اعْتِكَافٌ وَكَنَّى بِهَا عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَحْتَاجُ إِلَى فِعْلِهِمَا، وَيُلْحَقُ بِهِمَا قَيْءٌ بَغْتَةً، وَغَسْلُ مُتَنَجِّسٍ يَحْتَاجُهُ، وَلَهُ الْمَشْيُ عَلَى عَادَتِهِ، وَقَصْدُ مَنْزِلِهِ إِنْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا يَلِيقُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَا مِنْهُ كَسِقَايَةٍ لَا يَحْتَشِمُ مِثْلُهُ مِنْهَا، وَلَا نَقْصَ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَلَا مُخَالَفَةَ لِعَادَتِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَلْزَمُهُ قَصْدُ أَقْرَبِ مَنْزِلَيْهِ لِدَفْعِ حَاجَتِهِ، وَإِنْ بَذَلَ لَهُ صَدِيقُهُ أَوْ غَيْرُهُ مَنْزِلَهُ الْقَرِيبَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ لِلْمَشَقَّةِ بِتَرْكِ الْمُرُوءَةِ وَالِاحْتِشَامِ، فَلَوْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، حَرُمَ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِفِعْلِ أَبِي وَائِلٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ لِكِبَرٍ وَمَرَضٍ، وَكَذَا يَخْرُجُ لِفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ، وَفِيهِمَا احْتِمَالٌ يَجُوزُ فِي إِنَاءٍ كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهَا التَّحَرُّزَ إِلَّا بِتَرْكِ الِاعْتِكَافِ، وَقِيلَ: الْجَوَازُ لِضَرُورَةٍ فَإِنْ بَالَ خَارِجًا، وَجَسَدُهُ فِيهِ لَا ذَكَرُهُ كُرِهَ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ. تَنْبِيهٌ: الْحَاجَةُ إِلَى الْمَأْكُولِ، وَالْمَشْرُوبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ فِي مَعْنَى مَا سَبَقَ، نَصَّ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ خُرُوجُهُ لَهُمَا فِي بَيْتِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ لِإِبَاحَتِهِ، وَلَا نَقْصَ فِيهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ: يَتَوَجَّهُ الْجَوَازُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَكِيمٍ لِمَا فِيهِ تَرْكُ الْمُرُوءَةِ، وَيَسْتَحْيِي أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ، وَيُرِيدَ أَنْ يُخْفِيَ جِنْسَ قُوتِهِ، وَجَوَّزَ ابْنُ حَامِدٍ الْيَسِيرَ كَلُقْمَةٍ وَلُقْمَتَيْنِ لَا كُلِّ أَكْلِهِ، وَلَهُ غَسْلُ يَدِهِ فِي إِنَاءٍ مِنْ وَسَخٍ وَزَفَرِ وَنَحْوِهِمَا، (وَالطَّهَارَةُ) كَغُسْلِ جَنَابَةٍ وَوُضُوءٍ لِحَدَثٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقُدِّمَا عَلَى الِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّ
وَالْجُمُعَةِ وَالنَّفِيرِ الْمُتَعَيَّنِ وَالشَّهَادَةِ الْوَاجِبَةِ، وَالْخَوْفِ مِنْ فِتْنَةٍ أَوْ مَرَضٍ، وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً إِلَّا أَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْجُنُبَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِيهِ، وَالْمُحْدِثُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِدُونِ وُضُوءٍ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُكْرَهُ وَضَوْءُهُ فِيهِ فَعَلَهُ بِلَا ضَرَرٍ، وَكَذَا غُسْلُ جُمُعَةٍ إِنْ وَجَبَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ، (وَالْجُمُعَةُ) ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِوَاجِبٍ فَلَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ كَالْمُعْتَدَّةِ، وَلَهُ التَّبْكِيرُ إِلَيْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ وَفِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " احْتِمَالٌ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ، وَلَهُ إِطَالَةُ الْمَقَامِ بَعْدَهَا، وَلَا يُكْرَهُ لِصَلَاحِيَةِ الْمَوْضِعِ لَهُ، وَيُسْتَحَبُّ عَكْسُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: التَّبْكِيرُ أَرْجُو، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَهَا عَادَتَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ. وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ كَقَضَاءِ الْحَاجَةِ. قَالَ: بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْأَفْضَلُ خُرُوجُهُ لِذَلِكَ، وَعَوْدُهُ فِي أَقْصَرِ طَرِيقٍ لَا سِيَّمَا فِي النُّذُورِ، وَالْأَفْضَلُ سُلُوكُ الْأَبْعَدِ إِنْ خَرَجَ لِجُمُعَةٍ وَعِبَادَةٍ وَغَيْرِهَا، (وَالنَّفِيرُ الْمُتَعَيِّنُ) ؛ لِأَنَّهُ، وَاجِبٌ كَالْجُمُعَةِ، وَكَذَا إِنْ تَعَيَّنَ خُرُوجُهُ لِإِطْفَاءِ حَرِيقٍ أَوْ إِنْقَاذِ غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ (وَالشَّهَادَةُ الْوَاجِبَةُ) لِظَاهِرِ الْآيَاتِ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ التَّحَمُّلُ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُهَا، وَأَدَاؤُهَا خَرَجَ لَهَا، وَإِلَّا فَلَا، وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا لَمْ يَجُزِ الْخُرُوجُ، (وَالْخَوْفُ) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ مَالِهِ (مِنْ فِتْنَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ عُذِرَ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَالْجُمُعَةِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى (أَوْ مَرَضٍ) يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْمُقَامُ فِيهِ، كَالْقِيَامِ الْمُتَدَارَكِ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، بِأَنْ يَحْتَاجَ إِلَى خِدْمَةٍ وَفِرَاشٍ، وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا كَالصُّدَاعِ، وَوَجَعِ الضِّرْسِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُبَاحَ بِهِ الْفِطْرُ فَيُفْطِرَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِنْ قِيلَ بِاشْتِرَاطِ الصَّوْمِ، وَإِلَّا فَلَا (وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ) ؛ لِأَنَّ اللُّبْثَ مَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ حَرَامٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَحْبَةٌ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا فَإِذَا طَهُرَتْ عَادَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ رَحْبَةٌ يُمْكِنُهَا ضَرْبُ خِبَاءٍ فِيهَا بِلَا ضَرَرٍ، فَعَلَتْ ذَلِكَ اسْتِحْبَابًا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، فَيُشْتَرَطُ الْأَمْنُ عَلَى نَفْسِهَا وَلِهَذَا قِيلَ مَعَ سَلَامَةِ الزَّمَانِ فَإِذَا طَهُرَتْ دَخَلَتْهُ فَأَتَتْ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ. وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ يُسَنُّ جُلُوسُهَا فِي الرحبة غير المحوطة الْمُحَوَّطَةِ، وَإِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ فَأَيْنَ شَاءَتْ. (وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ) فِي مَنْزِلِهَا، لِوُجُوبِهَا شَرْعًا كَالْجُمُعَةِ، وَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ، وَلِآدَمِيٍّ لَا يُسْتَدْرَكُ إِذَا تُرِكَ بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ، وَلَا يَبْطُلُ بِهِ (وَنَحْوُهُ) كَمَا إِذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ جِنَازَةٍ خَارِجَةٍ، وَدَفْنُ مَيِّتٍ وَنَحْوُهُ، وَكَذَا لَوْ أَكْرَهَهُ سُلْطَانٌ أَوْ غَيْرُهُ عَلَى الْخُرُوجِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى اعْتِكَافِهِ، كَمَنْ خَافَ مِنْ سُلْطَانٍ أَنْ يَأْخُذَهُ ظُلْمًا، وَإِنْ أَخْرَجَهُ لِاسْتِيفَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ، بَطَلَ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ
يَشْتَرِطَهُ، فَيَجُوزُ، وَعَنْهُ: لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَلَهُ السُّؤَالُ عَنِ الْمَرِيضِ فِي طَرِيقِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِوَاجِبٍ، وَإِنْ خَرَجَ نَاسِيًا، لَمْ يَبْطُلْ كَالصَّوْمِ، وَفِي " الْخِلَافِ " وَ " الْفُصُولِ " تَبْطُلُ لِمُنَافَاتِهِ الِاعْتِكَافَ كَالْجِمَاعِ. (فَرْعٌ) : إِذَا زَالَ العذر رَجَعَ وَقْتَ إِمْكَانِهِ فَإِنْ أَخَّرَهُ بَطَلَ مَا مَضَى، وَلَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ تَحْتَ سَقْفِ خِلَافًا لِقَوْمٍ. (وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُعَرِّجُ لِلسُّؤَالِ عَنِ الْمَرِيضِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِي مَعْنَاهُمَا كُلُّ قُرْبَةٍ لَا تَتَعَيَّنُ، كَتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا. وَلِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْهُ بُدٌّ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُ فَرِيضَةٍ لِفَضِيلَةٍ (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ) (فَيَجُوزُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ يُصَيِّرُهُ كَالْمُسْتَثْنى. وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعَ لِمَا سَبَقَ، وَلَا فَرْقَ فِي الِاشْتِرَاطِ بَيْنَ مَا كَانَ قُرْبَةً كَزِيَارَةِ أَهْلِهِ وَعَالِمٍ، وَبَيْنَ مَا كَانَ مُبَاحًا وَيَحْتَاجُهُ كَالْعَشَاءِ فِي بَيْتِهِ وَالْمَبِيتِ فِيهِ. جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَهُوَ رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِعَقْدِهِ كَالْوَقْفِ، وَلِتَأَكُّدِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِمَا، وَامْتِنَاعِ النِّيَابَةِ فِيهِمَا، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ؛ لِمُنَافَاتِهِ الِاعْتِكَافَ، كَشَرْطِ تَرْكِ الْإِقَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَالنُّزْهَةِ وَالْفُرْجَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ الِاعْتِكَافَ بِخِلَافِ الْقُرْبَةِ. فَإِنْ شَرَطَ الْخُرُوجَ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالتَّكَسُّبِ بِالصَّنْعَةِ لَمْ يَجُزْ. فَلَوْ قَالَ: مَتَى مَرِضْتُ أَوْ عَرَضَ لِي عَارِضٌ، خَرَجْتُ، فَلَهُ شَرْطُهُ كَالْإِحْرَامِ، وَجَعَلَ الْمَجْدُ فَائِدَةَ الشَّرْطِ هُنَا سُقُوطَ الْقَضَاءِ فِي الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ (وَعَنْهُ: لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ) نَقَلَهَا عَنْهُ الْأَثْرَمُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ وَالْجُمُعَةَ، وَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، وَلْيَأْمُرْهُمْ بِالْحَاجَةِ، وَهُوَ قَائِمٌ. وَقَوْلُ ابْنِ الْمَنْجَا: إِنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ إِسْنَادَهُ صَحِيحٌ قَالَ أَحْمَدُ: عَاصِمٌ عِنْدِي حُجَّةٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّطَوُّعِ جَمْعًا بَيْنَهُمَا، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيهِ إِذَا كَانَ وَاجِبًا، فَأَمَّا إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، فَلَهُ تَرْكُهُ رَأْسًا، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ مُقَامُهُ عَلَى اعْتِكَافِهِ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (وَلَهُ السُّؤَالُ عَنِ الْمَرِيضِ
مَا لَمْ يُعَرِّجْ للاعتكاف، وَالدُّخُولُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ، فَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ خُرُوجًا مُعْتَادًا كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَالطَّهَارَةِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْمُعْتَادِ فِي الْمُتَتَابِعِ وَتَطَاوَلَ، خُيِّرَ بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ وَإِتْمَامِهِ مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُتَعَيِّنٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي طَرِيقِهِ مَا لَمْ يُعَرِّجْ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَّةِ، وَالْمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ لَهُ الْوُقُوفُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكًا لِلِاعْتِكَافِ، (وَ) لَهُ (الدُّخُولُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلِاعْتِكَافِ، وَالْمَكَانُ لَا يَتَعَيَّنُ بِالنَّذْرِ وَالتَّعْيِينِ فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى، وَمَحَلُّهُ إِذَا كَانَ أَقْرَبَ إِلَى مَكَانِ حَاجَتِهِ مِنَ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ، أَوْ خَرَجَ إِلَيْهِ ابْتِدَاءً بِلَا عُذْرٍ بَطَلَ لِتَرْكِهِ لُبْثًا مُسْتَحَقًّا. (فَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ خُرُوجًا مُعْتَادًا كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَالطَّهَارَةِ) عَنْ حَدَثٍ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجُمُعَةِ وَكَذَا لِلْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، (فَلَا شَيْءَ فِيهِ) أَيْ: لَا قَضَاءَ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَهُ كَالْمُسْتَثْنِي لِكَوْنِهِ مُعْتَادًا، وَلَا كَفَّارَةَ، إِذْ لَوْ وَجَبَ فِيهِ شَيْءٌ، لَامْتَنَعَ مُعْظَمُ النَّاسِ مِنْهُ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى اعْتِكَافِهِ، وَلَمْ تَنْقَص بِهِ مُدَّتُهُ، (وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْمُعْتَادِ) كَالنَّفِيرِ الْمُتَعَيِّنِ وَالشَّهَادَةِ الْوَاجِبَةِ وَنَحْوِهِمَا فَلَهُ أَحْوَالٌ أَحَدُهَا: الْخُرُوجُ (فِي) الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ (الْمُتَتَابِعِ) غَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَعَشَرَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ (وَتَطَاوَلَ) أَيْ: زَمَنُهُ (خُيِّرَ) إِذَا زَالَ عُذْرُهُ (بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ) وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَشَرَعَ ثُمَّ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ (وَإِتْمَامِهِ) أَيْ: يَبْنِي، وَيَقْضِي (مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ) ؛ لِأَنَّهَا تَجْبُرُ مَا حَصَلَ مِنْ فَوَاتِ التَّتَابُعِ، وَقَدْ نَبَّهَ الْخِرَقِيُّ عَلَى هَذَا فِي النَّذْرِ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أَنَّهُ إِذ تَرَكَ الصِّيَامَ الْمَنْذُورَ لِعُذْرٍ: أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ، كَمَا لَوْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ لَعُذْرٍ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُجَرَّدِ " أَنَّ كُلَّ خُرُوجٍ لِوَاجِبٍ كَشَهَادَةٍ وَجِهَادٍ مُتَعَيِّنَيْنِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ فَمُقْتَضَاهُ: أَنَّ مَا كَانَ مُبَاحًا كَخَوْفٍ مِنْ فِتْنَةٍ وَنَحْوِهِ أَنَّهَا تَجِبُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ خُرُوجًا غَيْرَ مُعْتَادٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " تَجِبُ الْكَفَّارَةَ إِلَّا لِعُذْرِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَضَعَّفَهُمَا الْمَجْدُ:
قَضَى، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ وَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ فِي الْمُتَتَابِعِ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ، وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُتَعَيِّنٍ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَفِي الِاسْتِئْنَافِ وَجْهَانِ. وَإِنْ وَطِئَ الْمُعْتَكِفُ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQبِأَنَّا سَوَّيْنَا فِي نَذْرِ الصَّوْمِ بَيْنَ الْأَعْذَارِ، وَبِأَنَّ زَمَنَ الْحَيْضِ يَجِبُ قَضَاؤُهُ لَا زَمَنَ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَظَاهِرُ " الْمُغْنِي ": لَا يَقْضِي، وَهُوَ أَظْهَرُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَطَاوَلْ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى اعْتِكَافِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْضِي صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ. وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَقْضِي، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، كَمَا لَوْ طَالَتْ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى الْحَالِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ، (وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُتَعَيِّنٍ) كَشَهْرِ رَمَضَانَ، وَنَحْوِهِ (قَضَى) مَا تَرَكَ لِيَأْتِيَ بِالْوَاجِبِ، (وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا يُكَفِّرُ، وَنَصَّ عَلَيْهَا أَحْمَدُ فِي الْخُرُوجِ لِفِتْنَةٍ، وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ فِيهَا، وَالْخُرُوجِ لِنَفِيرٍ، وَعِدَّةٍ لِتَرْكِهِ الْمَنْذُورَ فِي وَقْتِهِ، إِذِ النَّذْرُ كَالْيَمِينِ، وَالثَّانِي لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ. وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لَا يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ أَشْبَهَ الْخُرُوجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَكَرَمَضَانَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ فِطْرَهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ. الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا نَذَرَ أَيَّامًا مُطْلَقَةً فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ التَّتَابُعُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، فَكَالْأُولَى، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ تَمَّمَ مَا بَقِيَ مِنْهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِإِتْيَانِهِ بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ لَكِنَّهُ يَبْتَدِئُ الْيَوْمَ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنْ أَوَّلِهِ لِيَكُونَ مُتَتَابِعًا. وَقَالَ الْمَجْدُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ يُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ عَلَى بَعْضِ الْيَوْمِ، وَيُكَفِّرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. (وَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ من الْمُتَتَابِعِ) الْمَنْذُورِ (لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلَ الْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ إِلَّا بِهِ أَشْبَهَ حَالَةَ الِابْتِدَاءِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْخُرُوجِ، وَإِنْ قَلَّ كَالْجِمَاعِ، فَإِنْ كَانَ مُخْتَارًا عَامِدًا فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، فَقَدْ سَبَقَ، فَلَوْ أَخْرَجَ بَعْضَ جَسَدِهِ لَمْ يَبْطُلْ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فِي الْمَنْصُوصِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ. فَرْعٌ: إِذَا خَرَجَ فِي مُتَتَابِعٍ مُتَعَيِّنٍ، كَنَذْرِهِ شَعْبَانَ مُتَتَابِعًا اسْتَأْنَفَ كَالْقَسَمِ قَبْلَهُ وَيُكَفِّرُ. (وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُتَعَيِّنٍ) وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالتَّتَابُعِ كَنَذْرِهِ اعْتِكَافَ رَجَبٍ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ رِوَايَةً وَاحِدَةً لِتَرْكِهِ الْمَنْذُورَ فِي وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ بِلَا عُذْرٍ، (وَفِي الِاسْتِئْنَافِ
الْفَرْجِ، فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إِلَّا لِتَرْكِ نَذْرِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ، وَإِنْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ، فَأَنْزَلَ، فَسَدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ، ذَكَرَ الْمَجْدُ أَنَّهُ أَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ لِتَضَمُّنِ نَذْرِهِ التَّتَابُعَ وَلِأَنَّهُ أَوْلَى مِنَ الْمُدَّةِ الْمُطْلَقَةِ. وَالثَّانِي: يَبْنِي؛ لِأَنَّ التَّتَابُعَ هُنَا حَصَلَ ضَرُورَةَ التَّعْيِينِ فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَأَصْلُهُمَا: مَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَأَفْطَرَ فِي بَعْضِهِ. (فَرْعٌ) : إِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ بِصَوْمٍ فَأَفْطَرَ يَوْمًا أَفْسَدَ تَتَابُعَهُ، وَلَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ لِتَرْكِهِ الْإِتْيَانَ بِمَا نَذَرَهُ عَلَى صِفَتِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَإِنْ وَطِئَ الْمُعْتَكِفُ فِي الْفَرْجِ) فَهُوَ حَرَامٌ لِلنَّصِّ (فَسَدَ اعْتِكَافُهُ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا جَامَعَ الْمُعْتَكِفُ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ. رَوَاهُ حَرْبٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَكَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَإِطْلَاقِ الْمُؤَلِّفِ يَشْمَلُ الْعَمْدَ وَغَيْرَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ مَا حَرُمَ اسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَكَالْحَجِّ، وَخَرَّجَ الْمَجْدُ فِي الصَّوْمِ عَدَمَ الْبُطْلَانِ مَعَ عَدَمِ النِّسْيَانِ، وَقَالَ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَبْنِي (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لِأَجْلِ الْوَطْءِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، إِذِ الْوُجُوبُ مِنَ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ، وَكَالصَّلَاةِ، وَالثَّانِيَةُ: وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي وَالشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ كَرَمَضَانَ وَكَالْحَجِّ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ (إِلَّا لِتَرْكِ نَذْرِهِ) كَذَا خَصَّ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ الْوُجُوبَ وَفِي " الْفُصُولِ " يَجِبُ فِي التَّطَوُّعِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا الْمَجْدُ، وَاخْتَلَفُوا فِي مُوجِبِهَا (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةُ نَذْرٍ، وَهِيَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلِكَوْنِهِ أَفْسَدَ الْمَنْذُورَ بِالْوَطْءِ، قَالَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا (وَقَالَ الْقَاضِي) فِي " الْخِلَافِ ": وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ (عَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ) ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةُ وَطْءٍ أَشْبَهَ الْمُظَاهِرَ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي نَذْرٍ، وَقِيلَ: مُعَيَّنٍ، فَلِهَذَا تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَتَانِ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ فَأَحْرَمَ، ثُمَّ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِالْوَطْءِ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ لِلْوَطْءِ، وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ لِلنَّذْرِ (وَإِنْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ، فَسَدَ اعْتِكَافُهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ
[يستحب للمعتكف التشاغل بفعل القرب]
اعْتِكَافُهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشَاغُلُ بِفِعْلِ الْقُرَبِ وَاجْتِنَابِ مَا لَا يَعْنِيهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمُ، وَالْمُنَاظَرَةُ فِيهِ، إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ إِذَا قَصَدَ بِهِ الطَّاعَةَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَجْزُومِ بِهِ عند الْأَكْثَرِ. وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِابْنِ عَبْدُوسٍ (وَإِلَّا فَلَا) كَالصَّوْمِ، فَإِذَا فَسَدَ خَرَجَ فِي الْكَفَّارَةِ الْخِلَافُ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَ الْمَجْدُ: يَتَخَرَّجُ وَجْهٌ ثَالِثٌ تَجِبُ بِالْإِنْزَالِ عَنْ وَطْءٍ لَا عَنْ لَمْسٍ وَقُبْلَةٍ، وَالنَّاسِي كَالْعَامِدِ فِي إِطْلَاقِ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: لَا يَبْطُلُ كَالصَّوْمِ، وَلَا تَحْرُمُ الْمُبَاشَرَةُ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ بِلَا شَهْوَةٍ كَتَغْسِيلِ رَأَسِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا: تَحْرُمُ كَشَهْوَةٍ فِي الْمَنْصُوصِ. مَسْأَلَةٌ: يُسَنُّ أَنْ يُصَانَ الْمَسْجِدُ عَنِ الْجِمَاعِ فِيهِ أَوْ فَوْقَهُ ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يُكْرَهُ الْجِمَاعُ فَوْقَهُ وَالتَّمَسُّحُ بِحَائِطِهِ، وَالْبَوْلُ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي " الْفُرُوعِ ": وَجَزَمَ بِهِ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. فَرْعٌ: إِذَا سَكِرَ فِي اعْتِكَافِهِ، فَسَدَ وَلَوْ سَكِرَ لَيْلًا، لِخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ، كَالْحَيْضِ، وَلَا يَبْنِي؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ، وَإِنِ ارْتَدَّ فِيهِ فَسَدَ كَالصَّوْمِ. [يُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشَاغُلُ بِفِعْلِ الْقُرَبِ] (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشَاغُلُ بِفِعْلِ الْقُرَبِ) كَالصَّلَاةِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ اللَّهِ - تَعَالَى -، (وَاجْتِنَابِ مَا لَا يَعْنِيهِ) مِنَ الْجِدَالِ، وَالْمِرَاءِ، وَكَثْرَةِ الْكَلَامِ، وَالسِّبَابِ، وَالْفُحْشِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» وَلِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الِاعْتِكَافِ، فَفِيهِ أَوْلَى، وَلَيْسَ الصَّمْتُ مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ. وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ تَحْرِيمُهُ جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ الصَّمْتُ إِلَى اللَّيْلِ، فَإِنْ نَذَرَهُ لَمْ يَفِ بِهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْقُرْآنَ بَدَلًا مِنَ الْكَلَامِ ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ كَتَوَسُّدِ الْمُصْحَفِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَ " الرِّعَايَةِ " بِالْكَرَاهَةِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِنْ قَالَ: عِنْدَ مَا أَهَمَّهُ {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] فَحَسَنٌ (وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمُ وَالْمُنَاظَرَةُ فِيهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالسَّلَامُ - فَإِنَّهُ كَانَ يَحْتَجِبُ فِيهِ، وَاعْتَكَفَ فِي قُبَّةٍ، وَكَالطَّوَافِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَقْرَأُ، وَلَا يَكْتُبُ الْحَدِيثَ، وَلَا يُجَالِسُ الْعُلَمَاءَ (إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ (إِذَا قَصَدَ بِهِ الطَّاعَةَ) لَا الْمُبَاهَاةَ، لِظَاهِرِ الْأَدِلَّةِ وَكَالصَّلَاةِ، وَالذِّكْرِ، وَلِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَتَّسِعُ لِمَقْصُودِ الْإِقْرَاءِ بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ فِعْلُ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنَ الِاعْتِكَافِ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ " لِتَعَدِّي نَفْعِهِ، قَالَ الْمَجْدُ: وَيُتَخَرَّجُ فِي كَرَاهَةِ الْقَضَاءِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْإِقْرَاءِ، فَإِنَّهُ فِي مَعْنَاهُ. مَسَائِلُ: الْأُولَى: لَا بَأْسَ أَنْ تَزُورَهُ زَوْجَتُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَتَتَحَدَّثَ مَعَهُ، وَتُصْلِحَ شَأْنَهُ مَا لَمْ يَلْتَذَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَيَتَحَدَّثَ مَعَ مَنْ يَأْتِيهِ مَا لَمْ يُكْثِرْ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا يُرِيدُ خَفِيفًا بِحَيْثُ لَا يَشْغَلُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ. الثَّانِيَةُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَيَشْهَدَ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ، وَيُصْلِحَ بَيْنَ الْقَوْمِ، وَيَعُودَ الْمَرِيضَ، وَيُصَلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَيُهَنِّئَ، وَيُعَزِّيَ، وَيُؤَذِّنَ، وَيُقِيمَ كُلُّ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ. وَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَرْكُ لُبْسِ رَفِيعِ الثِّيَابِ، وَأَنْ لَا يَنَامَ إِلَّا عَنْ غَلَبَةٍ وَلَوْ مَعَ قُرْبِ الْمَاءِ، وَأَنْ يَنَامَ مُتَرَبِّعًا مُسْتَنِدًا " وَلَا يُكْرَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ خِلَافًا لِابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي رَفِيعِ الثِّيَابِ. وَلَا بَأْسَ بِأَخْذِ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، وَتَرْجِيلِ شَعْرِهِ، وَكَرِهَ ابْنُ عَقِيلٍ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ صِيَانَةً لَهُ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ: يُسَنُّ، وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ، وَنَقَلَ ابْنُ تَمِيمٍ عَكْسَهُ كَالتَّنْظِيفِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ. الثَّالِثَةُ: يَنْبَغِي لِمَنْ قَصَدَ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ مُدَّةَ مُقَامِهِ فِيهِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ صَائِمًا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمِنْهَاجِ " وَمَعْنَاهُ فِي " الْغُنْيَةِ " خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ. تَنْبِيهٌ: لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ، وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَفِي " الْفُصُولِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " يُكْرَهُ فَإِنْ حُرِّمَ فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ، وَيُكْرَهُ إِحْضَارُ السِّلْعَةِ فِيهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالثَّانِي، وَيُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ فِيهِ الْيَسِيرُ كَالْكَثِيرِ، لَكِنْ نَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ وَشِرَاءُ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ طَعَامٌ وَغَيْرُهُ، فَأَمَّا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالتِّجَارَةُ وَالْأَخْذُ وَالْعَطَاءُ، فَلَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَسَّبَ بِالصَّنْعَةِ فِيهِ كَالْخِيَاطَةِ وَنَحْوِهَا، وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ، وَالْمُحْتَاجُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَ حَرْبٌ: التَّوَقُّفَ فِي اشْتِرَاطِهِ فَقِيلَ لَهُ: يَشْتَرِطُ أَنْ يَخِيطَ؛ قَالَ: لَا أَدْرِي. وَفِي " الرَّوْضَةِ ": لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُ غَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْعِبَادَةِ فَإِنِ احْتَاجَ لِلُبْسِهِ خِيَاطَةً لَا لِلتَّكَسُّبِ، فَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا: لَا يَجُوزُ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " لَا يَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، كَلَفِّ عِمَامَتِهِ وَالتَّنْظِيفِ وَلَا يَعْمَلُ الصَّنْعَةَ لِلتَّكَسُّبِ، وَلَا بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُنَافِي حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ بِدَلِيلِ إِبَاحَتِهِ فِي مَمَرِّهِ.
[كتاب المناسك]
كِتَابُ الْمَنَاسِكِ يَجِبُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ولله على الناس حج البيت فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [كِتَابُ الْمَنَاسِكِ] [تَعْرِيفُ الْمَنَاسِكِ] ِ وَاحِدُهَا مَنْسَكٌ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا فَبِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ، وَبِالْكَسْرِ اسْمٌ لِمَوْضِعِ الْعِبَادَةِ. وَهِيَ فِي الْأَصْلِ النَّسِيكَةِ، وَهِيَ الذَّبِيحَةُ الْمُتَقَرَّبُ بِهَا، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ فَصَارَ اسْمًا لِلْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعَابِدِ: نَاسِكٌ، وَقَدْ غَلَبَ إِطْلَاقُهَا عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ لِكَثْرَةِ أَنْوَاعِهَا، وَأُخِّرَ الْحَجُّ عَنِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِمَادُ الدِّينِ، لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا لِتَكَرُّرِهَا كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ الزَّكَاةُ لِكَوْنِهَا قَرِينَةً لَهَا فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ، وَلِشُمُولِهَا الْمُكَلَّفَ وَغَيْرَهُ، ثُمَّ الصَّوْمُ لِتَكَرُّرِهِ كُلَّ سَنَةٍ، لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ قَدَّمَ رِوَايَةَ الْحَجِّ عَلَى الصَّوْمِ لِلتَّغْلِيظَاتِ الْوَارِدَةِ فِيهِ نَحْوَ {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] وَنَحْوَ «فَلْيَمُتَ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» ، وَلِعَدَمِ سُقُوطِهِ بِالْبَدَلِ بَلْ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ، إِمَّا بِنَفْسِهِ، وَإِمَّا بِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ. [حُكْمُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ] (يَجِبُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) الْحَجُّ بِفَتْحِ الْحَاءِ لَا بِكَسْرِهَا فِي الْأَشْهَرِ، وَعَكْسُهُ شَهْرُ الْحِجَّةِ. وَهُوَ لُغَةً: الْقَصْدُ إِلَى مَنْ نُعَظِّمُهُ. وَشَرْعًا: قَصْدُ مَكَّةَ لِلنُّسُكِ. وَالْعُمْرَةُ لُغَةً: الزِّيَارَةُ يُقَالُ: اعْتَمَرَهُ إِذَا زَارَهُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَشَرْعًا زِيَارَةُ الْبَيْتِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِهِ، وَسَنَدُهُ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ الْعُمْرَةِ هُوَ نَصُّ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِقَوْلِهِ، {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] . وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ، «لِقَوْلِ عَائِشَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ جِهَادٍ؛ قَالَ: نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. «وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ قَالَ: حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلِأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى إِحْرَامٍ وَطَوَافٍ وَسَعْيٍ فَكَانَتْ وَاجِبَةً كَالْحَجِّ، وَعَنْهُ: هِيَ سُنَّةٌ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّ «رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: زَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصَّوْمَ وَالْحَجَّ فَقَالَ: " صَدَقَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَلَمْ يَذْكُرِ الْعُمْرَةَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ اسْمَ الْحَجِّ يَتَنَاوَلُهَا، وَفِي ثَالِثَةٍ: تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمَكِّيِّ، وَهِيَ الْمَنْصُورَةُ فِي " الْمُغْنِي " إِذْ رُكْنُ الْعُمْرَةِ وَمُعْظَمُهَا هُوَ الطَّوَافُ. قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى الْعُمْرَةَ وَاجِبَةً، وَيَقُولُ يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ عُمْرَةٌ إِنَّمَا عُمْرَتُكُمُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. (فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً) لِمَا «رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ؛ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا
[شروط وجوب الحج]
بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ، فَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا. وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ، فَلَا يَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا عَبْدٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا وَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQثَلَاثًا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ بِالْعُمْرِ أَشْبَهَ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا، وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كُلَّ عَامٍ [شُرُوطُ وُجُوبِ الْحَجِّ] (بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ: الْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ) هُمَا شَرْطَانِ لِلصِّحَّةِ، وَالْوُجُوبِ (فَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ) أَصْلِيٍّ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ، وَهُوَ مُنَافٍ لَهُ، (وَلَا مَجْنُونٍ) لِلْخَبَرِ، وَلِعَدَمِ صِحَّتِهِ، وَقَصْدُ الْفِعْلِ شَرْطٌ، (وَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، وَهِيَ لَا تَصِحُّ مِنْهُمَا، لَكِنَّ الْكَافِرَ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ فُرُوعِ الْإِسْلَامِ كَالتَّوْحِيدِ إِجْمَاعًا، وَعَنْهُ: لَا، وَهُوَ الْأَشْهَرُ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَعَنْهُ: يُعَاقَبُ عَلَى النَّوَاهِي فَقَطْ، وَالْمُرْتَدُّ مِثْلُهُ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ بِاسْتِطَاعَتِهِ فِي رِدَّتِهِ إِذَا أَسْلَمَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْتَزَمَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ كَالْأَصْلِيِّ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ، فَلَوْ حَجَّ، ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ، وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ فَهَلْ يَلْزَمُهُ حَجٌّ ثَانٍ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَيَبْطُلُ إِحْرَامُهُ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ بِرِدَّتِهِ فِيهِ كَالصَّوْمِ، وَلَا تَبْطُلُ الِاسْتِطَاعَةُ بِالْجُنُونِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْقِدَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ يَعْقِدَهُ لَهُ وَلِيُّهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الثَّانِيَةِ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَيَبْطُلُ الْإِحْرَامُ بِالْجُنُونِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ، وَقِيلَ: لَا، كَالْمَوْتِ فَيَصِيرُ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمَعْرُوفُ لَا يَبْطُلُ بِهِ كَالسُّكْرِ. (وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ) هُمَا شَرْطَانِ لِلْوُجُوبِ، وَالْإِجْزَاءِ (فَلَا يَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ) لِلْخَبَرِ، ولِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، (وَلَا عَبْدٍ) ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُمَا تَطُولُ فَلَمْ يَجِبَا عَلَيْهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ السَّيِّدِ كَالْجِهَادِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الشَّهَادَةُ، (وَيَصِحُّ مِنْهُمَا) لِمَا «رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ إِلَيْهِ صَبِيًّا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ؛ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ فَصَحَّا مِنْهُ كَالْحُرِّ، (وَلَا يُجْزِئُهُمَا) عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ، وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَالْعِتْقِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عُتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ.
يُجْزِئُهُمَا إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ وَيُعْتَقَ فِي الْحَجِّ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ عَرَفَةَ، وَفِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ طَوَافِهَا فَيُجْزِئُهُمَا، وَيُحْرِمُ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَلِأَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ قَبْلَ الْوُجُوبِ عَلَيْهِمَا، فَلَمْ يُجْزِئْهُمَا إِذَا صَارَا مِنْ أَهْلِهِ كَالصَّبِيِّ يُصَلِّي ثُمَّ يَبْلُغُ فِي الْوَقْتِ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا شُذُوذًا، بَلْ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا. تَنْبِيهٌ: الْمُكَاتَبُ، وَالْمُدَبَّرُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ كَالْقِنِّ (إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ) الصَّبِيُّ، (وَيُعْتَقَ) الْعَبْدُ (فِي الْحَجِّ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ عَرَفَةَ، وَفِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ طَوَافِهَا فَيُجْزِئُهُمَا) لِأَنَّهُمَا أَتَيَا بِالنُّسُكِ حَالَ الْكَمَالِ فَأَجْزَأَهُمَا كَمَا لَوْ وُجِدَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَاسْتَدَلَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّتُهُ، وَإِنْ أُعْتِقَ بِجَمْعٍ لَمْ يُجْزِئْ عَنْهُ، لَكِنْ لَوْ زَالَ الْمَانِعُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ عَرَفَةَ، وَالْوَقْتُ بَاقٍ، وَلَوْ أَقَلُّ جُزْءٍ عَادَ فَوَقَفَ بِهَا، أَجْزَأَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَمَا لَوْ أَحْرَمَ إِذَنْ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ: إِنَّمَا يُعْتَدُّ بِإِحْرَامٍ وَوُقُوفٍ مَوْجُودَيْنِ إِذَنْ، وَمَا قَبْلَهُ تَطَوُّعٌ لَا يَنْقَلِبُ فَرْضًا، وَقَالَ الْمَجْدُ وَآخَرُونَ: يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ مَوْقُوفًا فَإِذَا تَغَيَّرَ حَالُهُ تَتَبَيَّنُ فَرِيضَتُهُ كَزَكَاةٍ مُعَجَّلَةٍ، وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ لَا فَرْقَ فِي وُجُودِ ذَلِكَ قَبْلَ السَّعْيِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقُلْنَا بِعَدَمِ رُكْنِيَّتِهِ أَوْ سَعَى وَقُلْنَا بِرُكْنِيَّتِهِ، ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِحُصُولِ الرُّكْنِ الْأَعْظَمِ، وَهُوَ الْوُقُوفُ، وَتَبَعِيَّةُ غَيْرِهِ لَهُ، وَالثَّانِي: لَا يُجْزِئُهُ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمَجْدُ، وَفِي " الْمُجَرَّدِ ": هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لِوُقُوعِ الرُّكْنِ في غير وَقْت الْوُجُوبِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ بَلَغَ. فَعَلَى هَذَا لَا يُجْزِئُهُ وَإِنْ أَعَادَ السَّعْيَ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ؛ لِأَنَّهُ لَا تُشْرَعُ مُجَاوَزَةُ عَدَدِهِ، وَلَا تَكْرَارُهُ، وَاسْتِدَامَةُ الْوُقُوفِ مَشْرُوعٌ، وَلَا قَدْرَ لَهُ مَحْدُودٌ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ جَارٍ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا زَالَ الْمَانِعُ فِي أَثْنَاءِ طَوَافِهَا لَا يُجْزِئُهُ، وَلَا أَثَرَ لِإِعَادَتِهِ، وَحَيْثُ قِيلَ بِالْإِجْزَاءِ فَلَا دَمَ لِنَقْصِهِمَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ كَاسْتِمْرَارِهِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا زَالَ الْمَانِعُ قَبْلَ الْوُقُوفِ أَوْ فِي وَقْتِهِ، وَأَمْكَنَ الْإِتْيَانَ لَزِمَهُ الْحَجُّ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ مَعَ الْإِمْكَانِ كَالْبَالِغِ الْحُرِّ. 1 - (وَيُحْرِمُ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ) بِنَفْسِهِ (بِإِذْنِ وَلِيِّهِ) ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ
وَيَفْعَلُ عَنْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِنْ عَمَلِهِ، وَنَفَقَةِ الْحَجِّ وَكَفَّارَاتِهِ فِي مَالِ الْوَلِيِّ، وَعَنْهُ: فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQيُؤَدِّي إِلَى لُزُومِ مَالٍ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِنَفْسِهِ كَالْبَيْعِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ. فَعَلَى هَذَا يُحَلِّلُهُ مِنْهُ إِنْ رَآهُ ضَرَرًا فِي الْأَصَحِّ كَعَبْدٍ. وَالْوَلِيُّ: مَنْ يَلِي مَالَهُ. وَظَاهِرُ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ يَصِحُّ مِنَ الْأُمِّ أَيْضًا اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَفِي عُصْبَتِهِ كَالْعَمِّ وَابْنِهِ وَجْهَانِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْوَلِيَّ لَا يُحْرِمُ عَنِ الْمُمَيِّزِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ (وَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ) أَيْ: يَعْقِدُ لَهُ الْإِحْرَامَ، وَيَقَعُ لَازِمًا، وَحُكْمُهُ كَالْمُكَلَّفِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَنَا النِّسَاءُ، وَالصِّبْيَانُ فَأَحْرَمْنَا عَنِ الصِّبْيَانِ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ كَالْبَالِغِ، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ فَصَحَّ عَقْدُهُ لَهُ كَالنِّكَاحِ، (وَيَفْعَلُ عَنْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِنْ عَمَلِهِ) لِمَا «رَوَى جَابِرٌ قَالَ: لَبَّيْنَا عَنِ الصِّبْيَانِ وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الرَّمْيِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ طَافَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فِي خِرْقَةٍ. رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ. فَدَلَّ أَنَّ مَا أَمْكَنَ الصَّبِيَّ فِعْلُهُ مِنْ وُقُوفٍ وَمَبِيتٍ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّ النِّيَابَةَ إِنَّمَا تَجُوزُ مَعَ الْعَجْزِ وَذَلِكَ مُنْتَفٍ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ عَنْهُ إِلَّا مَنْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ كَالنِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْإِجْزَاءِ هُنَاكَ فَكَذَا هُنَا، وَإِلَّا وَقَعَ الرَّمْيُ عَنْ نَفْسِهِ إِنَّ كَانَ مُحْرِمًا بِفَرْضِهِ، وَإِنْ كَانَ حَلَالًا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَإِنْ قُلْنَا يَقَعُ الْإِحْرَامُ بَاطِلًا هُنَاكَ فَكَذَا الرَّمْيُ هُنَا، وَإِنْ أَمْكَنَ الصَّبِيُّ أَنْ يُنَاوِلَ النَّائِبَ الْحَصَا نَاوَلَهُ، وَإِلَّا اسْتُحِبَّ أَنْ تُوضَعَ الْحَصَاةُ فِي كَفِّهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ مِنْهُ، وَيُرْمَى عَنْهُ. فَلَوْ جَعَلَ كَفَّ الصَّبِيِّ كَالْآلَةِ، وَرَمَى بِهَا عَنْهُ، فَحَسَنٌ، ثُمَّ إِنْ عَجَزَ عَنِ الطَّوَافِ، طِيفَ بِهِ مَحْمُولًا أَوْ رَاكِبًا، وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ مِنَ الطَّائِفِ بِهِ، وَكَوْنِهِ مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يُعْقَدَ لَهُ الْإِحْرَامُ فَإِنْ نَوَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنِ الصَّبِيِّ، وَقَعَ عَنِ الصَّبِيِّ، كَالْكَبِيرِ يُطَافُ بِهِ مَحْمُولًا لِعُذْرٍ، وَلَا فَرْقَ فِي حَامِلِهِ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا أَسْقَطَ فَرْضَ نَفْسِهِ أَوْ لَا، كَوُجُودِ الطَّوَافِ مِنَ الصَّبِيِّ فَهُوَ كَمَحْمُولٍ مَرِيضٍ. تَنْبِيهٌ: يَجْتَنِبُ فِي حَجِّهِ مَا يَجْتَنِبُهُ الْكَبِيرُ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ، وَالْوُجُوبُ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ لَا يُخَاطَبُ بِخِطَابٍ تَكْلِيفِيٍّ. وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ تُجَرِّدُ الصِّبْيَانَ إِذَا دَنَوْا
مَالِ الصَّبِيِّ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ الْإِحْرَامُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا لِلْمَرْأَةِ الْإِحْرَامُ نَفْلًا إِلَّا بِإِذْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنَ الْحَرَمِ، وَقَالَ عَطَاءٌ يَفْعَلُ بِهِ كَمَا يَفْعَلُ الْكَبِيرُ، وَيَشْهَدُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَنْهُ، فَإِنْ وَطِئَ فِيهِ فَسَدَ حَجُّهُ، وَلَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِيهِ، وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَالْمَجْنُونِ إِذَا احْتَلَمَ، وَقِيلَ: يَصِحُّ قَبْلَ بُلُوغِهِ كَالْبَالِغِ، وَقِيلَ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِاسْتِلْزَامِهِ وُجُوبَ عِبَادَةٍ بَدَنِيَّةٍ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِذَا قَضَى بَدَأَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَهَا انْصَرَفَ إِلَيْهَا، وَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنِ الْقَضَاءِ بِفِطْرٍ، فَإِنْ كَانَ أَدْرَكَ فِي الْفَاسِدَةِ جُزْءًا مِنَ الْوُقُوفِ بَعْدَ بُلُوغِهِ أَجْزَأَ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَإِلَّا فَلَا. (وَنَفَقَةُ الْحَجِّ وَكَفَّارَتُهُ فِي مَالِ الْوَلِيِّ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِيهِ، وَكَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (وَعَنْهُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ) اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ لِيَأْلَفَ الْحَجَّ، وَيَتَمَرَّنَ عَلَيْهِ، وَكَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ، وَحَامِلِهِ لِشُهُودِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ يَخْتَصُّ بِمَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ الْحَضَرِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ خِلَافًا لِلْقَاضِي فَإِنَّهُ أَوْجَبَهَا عَلَى الصَّغِيرِ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الْأَوَّلَ، زَادَ الْمَجْدُ: وَمَالُهُ كَثِيرٌ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَأَمَّا سَفَرُهُ مَعَهُ لِخِدْمَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ إِلَى مَكَّةَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَهِيَ عَلَى الصَّبِيِّ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْوَلِيِّ وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ، وَالْمُؤَلِّفُ سَوَّى بَيْنَهُمَا كَغَيْرِهِ، وَيَخْتَصُّ الْخِلَافُ مَا فَعَلَهُ الصَّبِيُّ، وَيَلْزَمُ الْبَالِغَ كَفَّارَتُهُ مَعَ خَطَأٍ وَنِسْيَانٍ، قَالَ الْمَجْدُ: أَوْ فَعَلَهُ الْوَلِيُّ لِمَصْلَحَتِهِ كَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ لِبَرْدٍ أَوْ تَطْبِيبِهِ لِمَرَضٍ، وَإِنْ فَعَلَهُ بِهِ الْوَلِيُّ لَا لِعُذْرٍ، فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ، وَمَا لَا يَلْزَمُ الْبَالِغَ كَفَّارَتُهُ مَعَ خَطَأٍ وَنِسْيَانٍ، لَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ؛ لِأَنَّ عَمْدَهُ خَطَأٌ، فَإِذَا وَجَبَتْ عَلَى الْوَلِيِّ وَدَخَلَ فِيهَا الصَّوْمُ [صَامَ عَنْهُ لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ ابْتِدَاءً] ، كَصَوْمِهَا عَنْ نَفْسِهِ. 1 - (وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ الْإِحْرَامُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّهِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، (وَلَا لِلْمَرْأَةِ الْإِحْرَامُ نَفْلًا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا) لِتَفْوِيتِ حَقِّهِ، وَقَيَّدَهُ بِالنَّفْلِ مِنْهَا دُونَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَجٌّ بِحَالٍ بِخِلَافِهَا قَالَهُ ابْنُ الْمَنْجَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْعَبْدَ لَوْ نَذَرَهُ لَزِمَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، وَصَحَّ نَذْرُهُ كَالْحُرِّ، لَكِنْ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَذْرُهُ بِإِذْنِهِ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي أُخْرَى: لَا؛ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ عَلَى
زَوْجِهَا فَإِنْ فَعَلَا، فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا، وَيَكُونَانِ كَالْمُحْصَرِ، وَإِنْ أَحْرَمَا بِإِذْنِهِ لَمْ يَجُزْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْفَوْرِ لَمْ يَمْنَعْهُ (فَإِنْ فَعَلَا) انْعَقَدَ إِحْرَامُهَما؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَصَحَّتْ بِغَيْرِ إِذْنٍ كَالصَّوْمِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَتَخَرَّجُ بُطْلَانُ إِحْرَامِهِ لِغَصْبِهِ نَفْسَهُ فَيَكُونُ قَدْ حَجَّ فِي بَدَنِ غَصْبٍ، فَهُوَ آكَدُ مِنَ الْحَجِّ بِمَالٍ غَصْبٍ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مُؤَثِّرٌ فَيَكُونُ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ (فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمَا لَازِمٌ فَمَلَكَا إِخْرَاجَهُمَا مِنْهُ كَالِاعْتِكَافِ. وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " فِي الْعَبْدِ كَالصَّوْمِ الْمُضِرِّ بِبَدَنِهِ، وَلَا يَفُوتُ بِهِ حَقٌّ. وَالثَّانِيَةُ - وَنَقَلَهَا وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ -: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ حَلَّلَهَا فَلَمْ يَقْبَلْ، أَثِمَتْ، وَلَهُ مُبَاشَرَتُهَا، (وَيَكُونَانِ كَالْمُحْصَرِ) لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَاهُ، (وَإِنْ أَحْرَمَا بِإِذْنِهِ لَمْ يَجُزْ تَحْلِيلُهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَ بِالشُّرُوعِ، وَكَنِكَاحٍ، وَإِعَارَةٍ كَرَهْنٍ. وَعَنْهُ: لَهُ تَحْلِيلُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ مَنَافِعَ نَفْسِهِ، فَمَلَكَ الرُّجُوعَ فِيهَا كَالْمُعِيرِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ إِحْرَامٍ، وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَا بِنَذْرٍ أُذِنَ فِيهِ لَهُمَا أَوْ لَمْ يُأْذَنْ فِيهِ لِلْمَرْأَةِ، وَإِنْ عَلِمَ الْعَبْدُ بِرُجُوعِ سَيِّدِهِ عَنْ إِذْنِهِ، فَكَمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ فِي عَزْلِ الْوَكِيلِ قَبْلَ عِلْمِهِ، وَإِنْ بَاعَهُ فَمُشْتَرِيهِ كَبَائِعِهِ فِي تَحْلِيلِهِ، وَلَهُ الْفَسْخُ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ إِلَّا أَنْ يَمْلِكَ بَائِعُهُ تَحْلِيلَهُ فَيُحَلِّلُهُ. تَنْبِيهٌ: إِذَا أَفْسَدَ الْعَبْدُ حَجَّهُ بِالْوَطْءِ لَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِيهِ كَالْحُرِّ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَيَصِحُّ فِي رِقِّهِ لِلُزُومِهِ لَهُ كَالنَّذْرِ بِخِلَافِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ إِنْ كَانَ شُرُوعُهُ فِيمَا أَفْسَدَهُ بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّ إِذْنَهُ فِيهِ إِذْنٌ فِي مُوجِبِهِ، وَمِنْ مُوجِبِهِ قَضَاءُ مَا أَفْسَدَهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِهِ فَفِي مَنْعِهِ مِنَ الْقَضَاءِ وَجْهَانِ كَالنَّذْرِ، وَفِي لُزُومِهِ الْقَضَاءُ لِفَوَاتٍ أَوْ إِحْصَارٍ الْخِلَافُ كَالْحُرِّ، وَإِنْ عُتِقَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ خَالَفَ فَكَالْحُرِّ فَإِنْ عُتِقَ فِي الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ فِي حَالٍ يُدْرِكُ بِهِ حَجَّةَ الْفَرْضِ مَضَى فِيهَا، وَأَجْزَأَهُ عَنِ الْفَرْضِ، وَالْقَضَاءِ خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ، وَيَلْزَمُهُ حُكْمُ حَيَاتِهِ كَحُرٍّ مُعْسِرٍ، وَإِنْ تَحَلَّلَ بِحَصْرٍ أَوْ حَلَّلَهُ سَيِّدُهُ لَمْ يَتَحَلَّلْ قَبْلَ الصَّوْمِ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ
تَحْلِيلُهُمَا وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ، وَلَا تَحْلِيلُهَا إِنْ أَحْرَمَتْ بِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ، وَلَمْ يَصُمْ فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ. ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " وَحُكْمُ الصَّبِيِّ فِي الْقَضَاءِ لِفَوَاتٍ أَوْ إِحْصَارٍ، وَصِحَّتُهُ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْقَضَاءِ بَعْدَ بُلُوغِهِ إِجْزَاؤُهُ عَنْهُ، وَعَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ كَالْعَبْدِ. (وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ) إِذَا كَمَّلَتِ الشُّرُوطَ، (وَلَا تَحْلِيلُهَا إِنْ أَحْرَمَتْ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ أَشْبَهَ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ أَحْرَمَتْ قَبْلَ الْمِيقَاتِ، وَنَفَقَتُهَا عَلَيْهِ قَدْرَ نَفَقَةِ الْحَضَرِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَسْتَأْذِنَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا، كَتَبَتْ إِلَيْهِ، فَإِنْ أَذِنَ، وَإِلَّا حَجَّتْ بِمَحْرَمٍ، وَعَنْهُ: لَهُ تَحْلِيلُهَا، فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ مَنْعُهَا. وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنَ الْخُرُوجِ إِلَّا حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَالْإِحْرَامُ إِنْ لَمْ تُكْمِلِ الشُّرُوطَ، وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، لَكِنْ لَوْ أَحْرَمَتْ إِذَنْ بِلَا إِذْنِهِ، لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهَا فِي الْأَصَحِّ كَالْمَرِيضِ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَحْرَمَتْ بِوَاجِبٍ، فَحَلَفَ زَوْجُهَا بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَا تَحْجُجِ الْعَامَ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَحِلَّ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُبَاحٌ فَلَيْسَ لَهَا تَرْكُ الْفَرِيضَةِ لِأَجْلِهِ، وَنَقَلَ مُهَنَّا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ عَطَاءٌ: الطَّلَاقُ هَلَاكٌ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْصَرِ. 1 - فَصْلٌ: لَا يَجُوزُ لِوَالِدٍ مَنْعُ وَلَدِهِ مِنْ حَجٍّ وَاجِبٍ، وَلَا تَحْلِيلُهُ إِنْ أَحْرَمَ بِهِ، وَلَيْسَ لِلْوَلَدِ طَاعَتُهُ فِي تَرْكِهِ، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، فَلَهُ مَنْعُهُ كَالْجِهَادِ فَإِنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهُ؛ لِوُجُوبِهِ بِشُرُوعِهِ فِيهِ، فَصَارَ كَالْوَاجِبِ ابْتِدَاءً، وَكَذَا لَيْسَ لِوَلِيِّ سَفِيهٍ مَنْعُهُ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ، وَلَا تَحْلِيلُهُ مِنْهُ، وَيَدْفَعُ نَفَقَتَهُ إِلَى سَفِيهٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِهِ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِنَفْلٍ، وَزَادَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى نَفَقَتِهِ الْحَضَرَ وَلَمْ يَكْتَسِبْهَا، فَالْأَصَحُّ لَهُ مَنْعُهُ وَتَحْلِيلُهُ بِصَوْمٍ، وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ مَنَعَهُ وَأَحْرَمَ، فَهُوَ كَمَنْ ضَاعَتْ نَفَقَتُهُ. فَرْعٌ: حُكْمُ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ كَالْحَجِّ الْمَفْرُوضِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَهَلْ يُلْحَقُ الْمَنْذُورُ بِهِ فَلَا يَمْلِكُ مَنْعَهَا أَوْ لَا كَالتَّطَوُّعِ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا أَبُو الْحُسَيْنِ. وَقِيلَ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِهِ.
[الاستطاعة من شروط الحج]
فَصْلٌ الشَّرْطُ الْخَامِسُ: الِاسْتِطَاعَةُ، وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً صَالِحَةً لِمِثْلِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ شُرُوطِ الْحَجِّ] فَصْلٌ (الشَّرْطُ الْخَامِسُ الِاسْتِطَاعَةُ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97] وَلِأَنَّ الْخِطَابَ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْتَطِيعِ؛ لِأَنَّ " مَنْ " بَدَلٌ مِنَ " النَّاسِ " فَتَقْدِيرُهُ (وَلِلَّهِ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ) لِانْتِفَاءِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ شَرْعًا وَعَقْلًا، (وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؛ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ السَّبِيلِ فَقَالَ: " الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» وَكَذَا. رَوَاهُ جَابِرٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ عَنْهُ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ فَكَانَ ذَلِكَ شَرْطًا كَالْجِهَادِ، وَلَيْسَ هُوَ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ، وَالْإِجْزَاءِ فَإِنَّ خَلْقًا مِنَ الصَّحَابَةِ حَجُّوا، وَلَا شَيْءَ لَهُمْ، وَلَمْ يُؤْمَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْإِعَادَةِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ إِنَّمَا شُرِطَتْ لِلْوُصُولِ فَإِذَا وَصَلَ وَفَعَلَ، أَجْزَأَهُ كَالْمَرِيضِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ وَأَمْكَنَهُ الْمَشْيُ وَالتَّكَسُّبُ بِالصَّنْعَةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ. وَاعْتَبَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ لِمَنْ يَحْتَاجُهُمَا، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَقِيلَ: مَنْ قَدَرَ أَنْ يَمْشِيَ عَنْ مَكَّةَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، لَزِمَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ فَإِنْ كَانَ عَادَتَهُ السُّؤَالُ، وَالْعَادَةُ إِعْطَاؤُهُ فَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلَانِ،
بِآلَتِهَا الصَّالِحَةِ لِمِثْلِهِ أَوْ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعِنْدَنَا يُكْرَهُ لِمَنْ حِرْفَتُهُ السُّؤَالُ، قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ يَدْخُلُ الْبَادِيَةَ بِلَا زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ: لَا أُحِبُّ لَهُ ذَلِكَ، يَتَوَكَّلُ عَلَى أَزْوَادِ النَّاسِ. وَيُعْتَبَرُ الزَّادُ مُطْلَقًا إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ، وَكَوْنُهُ مِلْكَهُ، فَلَوْ وَجَدَهُ فِي الْمَنَازِلِ لَمْ يَلْزَمْهُ حَمْلُهُ، وَإِلَّا لَزِمَهُ سَوَاءٌ وَجَدَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ أَوْ بِزِيَادَةٍ كَمَاءِ الْوُضُوءِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى وِعَاءِ الزَّادِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ. وَأَمَّا الرَّاحِلَةُ فَلَا تُشْتَرَطُ إِلَّا مَعَ الْبُعْدِ، وَهُوَ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ فَقَطْ، إِلَّا مَعَ عَجْزٍ كَشَيْخٍ كَبِيرٍ لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ (صَالِحَةً لِمِثْلِهِ بِآلَتِهَا الصَّالِحَةِ لِمِثْلِهِ) عَادَةً؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الصَّلَاحِيَةُ كَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ، فَيُعْتَبَرُ فِي الزَّادِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَاصِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ التُّجَّارِ وَالْأُمَرَاءِ، أَوْ مِنَ الْخَاصَّةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَفِي الرَّاحِلَةِ وَآلَتِهَا أَنْ يَكُونَ الْجَمَلُ جَيِّدًا بِمَحَارَةٍ إِنْ كَانَ كَالْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَلَا تُشْتَرَطُ الْمَحَارَةُ إِذَا أَمْكَنَهُ الرُّكُوبُ عَلَى الْقَتْبِ، وَلَا كَوْنُ الْجَمَلِ جَيِّدًا قَالَهُ ابْنُ الْمَنْجَا، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ فِي الزَّادِ يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا لِظَاهِرِ الدَّلِيلِ وَلِئَلَّا يُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْحَجِّ بِخِلَافِ الرَّاحِلَةِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى خِدْمَةِ نَفْسِهِ اعْتُبِرَ مَنْ يَخْدُمُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " فَظَاهِرُهُ لَوْ أَمْكَنَهُ لَزِمَهُ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَكَلَامُ غَيْرِهِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَالرَّاحِلَةِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ (أَوْ) يَمْلِكُ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ) أَيِ: الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الثَّمَنِ كَمِلْكِ الْمُثَمَّنِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى مَا تَحْصُلُ بِهِ الرَّقَبَةُ فِي الْكَفَّارَةِ لِمِلْكِهَا، وَيُعْتَبَرُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ لِذَهَابِهِ وَعَوْدِهِ (فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ) لِأَنَّهُمَا مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُفْلِسَ يَقُومُ بِهَا عَلَى غُرَمَائِهِ فَهُنَا أَوْلَى، وَيَشْتَرِيهِمَا بِنَقْدٍ بِيَدِهِ، فَإِنْ فَضُلَ مِنْهُ مَا يَحُجُّ بِهِ، لَزِمَهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْكَنُ وَاسِعًا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ، وَأَمْكَنَهُ بَيْعُهُ وَشِرَاءُ مَا يَكْفِيهِ وَيَفْضُلُ مَا يَحُجُّ بِهِ، لَزِمَهُ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي الْخَادِمِ وَالْكُتُبِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا كَهُمَا، فَإِنِ اسْتَغْنَى بِإِحْدَى نُسْخَتَيْ كِتَابٍ بَاعَ الْأُخْرَى (وَقَضَاءِ دَيْنِهِ) ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ مَشْغُولَةٌ بِهِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى بَرَاءَتِهَا. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ
وَخَادِمٍ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ؛ وَمُؤْنَتِهِ، وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ، وَلَا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ غَيْرِهِ بِحَالٍ، فَمَنْ كَمُلَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ عَلَى الْفَوْرِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنْ يَكُونَ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا لِلَّهِ - تَعَالَى - أَوْ لِآدَمِيٍّ (وَمُؤْنَتِهِ) لِقَوْلِهِ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» ، (وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ) الَّذِينَ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّيْنِ فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الْحَجِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلِتَأَكُّدِ حَقِّهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. (عَلَى الدَّوَامِ) وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَكِفَايَةٌ دَائِمَةٌ لَهُ، وَلِأَهْلِهِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَصَدَ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ، وَعَلَى عِيَالِهِ إِلَى أَنْ يَعُودَ وَيَبْقَى لَهُ إِذَا رَجَعَ مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عَائِلَتِهِ عَلَى الدَّوَامِ مِنْ عَقَارٍ، أَوْ بِضَاعَةٍ، أَوْ صِنَاعَةٍ. جَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِتَضَرُّرِهِ بِذَلِكَ، وَكَالْمُفْلِسِ، وَفِي " الْكَافِي " وَ " الرَّوْضَةِ " إِلَى أَنْ يَعُودَ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فَيَتَوَجَّهُ أَنَّ الْمُفْلِسَ مِثْلُهُ وَأَوْلَى، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي " الشَّرْحِ " إِلَى هَذَا وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْهُ. فَرْعٌ: إِذَا خَافَ الْعَنَتَ قَدَّمَ النِّكَاحَ عَلَيْهِ لِوُجُوبِهِ إِذَنْ، وَلِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْحَجُّ كَمَا لَوْ لَمْ يَخَفْهُ، وَلِأَنَّهُ أَهَمُّ الْوَاجِبَيْنِ، وَيُمْكِنُ تَحْصِيلُ مَصَالِحِهِ بَعْدَ إِحْرَازِ الْحَجِّ. 1 - (وَلَا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ غَيْرِهِ بِحَالٍ) لِمَا سَبَقَ فِي الِاسْتِطَاعَةِ، وَكَالْبَذْلِ فِي الزَّكَاةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ مَا بُذِلَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، أَوِ الْمَالَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمِنَّةِ كَبَذْلِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": لَا يَمْلِكُ، وَلَا يَجِبُ، بِخِلَافِ الْحَجِّ، وَلَا فَرْقَ فِي الْبَاذِلِ أَنْ يَكُونَ أَجْنَبِيًّا أَوْ قَرِيبًا حَتَّى الِابْنَ (فَمَنْ كَمُلَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ) وَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَأْخِيرُهُ، وَيَأْتِي بِهِ (عَلَى الْفَوْرِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQ «تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ» ؛ يَعْنِي الْفَرِيضَةَ، وَحَدِيثِ الْفَضْلِ «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ، وَعَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فَكَانَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ كَالصِّيَامِ إِذْ لَوْ مَاتَ مَاتَ عَاصِيًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: لَا فِي الشَّابِّ، وَكَذَا الْخِلَافُ لَهُمْ فِي صَحِيحٍ لَمْ يَحُجَّ حَتَّى زَمِنَ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَجْهًا، وَذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ رِوَايَةً أَنَّهُ يَجِبُ مُوَسَّعًا، وَلَهُ تَأْخِيرُهُ زَادَ الْمَجْدُ: مَعَ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ وَتَخَلَّفَ بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ مُحَارِبٍ وَلَا مَشْغُولٍ بِشَيْءٍ، وَتَخَلَّفَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ» ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَهُ لَمْ يُسَمَّ قَضَاءً، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُورُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ بِصِفَةِ الْمُوَسَّعِ يُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ الْوَاجِبَاتِ لِتَأْخِيرِهِ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ، وَيُسَمَّى قَضَاءً فِيهِ، وَفِي الزَّكَاةِ، وَذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَجْهًا، ثُمَّ بَطَلَ بِمَا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إِلَى سَنَةٍ أُخْرَى، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهُ، وَإِذًا لَا يُسَمَّى قَضَاءً، وَقِيلَ: إِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُؤَخِّرْهُ؛ لِأَنَّهُ فُرِضَ سَنَةَ عَشْرٍ، وَالْأَشْهَرُ: سَنَةَ تِسْعٍ فَقِيلَ أَخَّرَهُ لِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقِيلَ: لِرُؤْيَةِ الْمُشْرِكِينَ حَوْلَ الْبَيْتِ عُرَاةً، وَقِيلَ: بِأَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِتَكُونَ حَجَّتُهُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فِي السَّنَةِ الَّتِي اسْتَدَارَ الزَّمَانُ فِيهَا كَهَيْئَتِهِ، وَتَتَعَلَّمَ مِنْهُ أُمَّتُهُ الْمَنَاسِكَ الَّتِي اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ عَلَيْهَا، وَيُصَادِفَ وَقْفَةَ الْجُمُعَةِ، وَيُكْمِلَ اللَّهُ دِينَهُ، وَيُقَالُ: اجْتَمَعَ
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ السَّعْيِ إِلَيْهِ لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرَ مِنْ بَلَدِهِ، وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ، وَإِنْ عُوفِيَ. وَمَنْ أَمْكَنَهُ السَّعْيُ إِلَيْهِ لَزِمَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَوْمَئِذٍ أَعْيَادُ أَهْلِ كُلِّ دِينٍ، وَلَمْ تَجْتَمِعْ قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ. فَإِنْ عَجَزَ عَنِ السَّعْيِ إِلَيْهِ أَيْ: إِلَى الْحَجِّ (لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ) كَزَمَانَةٍ، وَنَحْوِهَا (لَزِمَهُ) عَلَى (الْفَوْرِ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «إِنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ الْحَجُّ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لَوْ كَانَ نَضْوَ الْخَلْقِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ ثَقِيلَةً لَا يَقْدِرُ مِثْلُهَا يَرْكَبُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَأَطْلَقَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَمَاعَةٌ عَدَمَ الْقُدْرَةِ، وَيُسَمَّى: الْمَعْضُوبَ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهَا، فَجَازَ أَنْ يَقُومَ غَيْرُهُ فِيهِ كَالصَّوْمِ، وَشَرْطُهُ الِاسْتِطَاعَةُ، وَسَوَاءٌ وَجَبَ عَلَيْهِ حَالَ الْعَجْزِ أَوْ قَبْلَهُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ النَّوْعِ بَلْ تَنُوبُ امْرَأَةٌ عَنْ رَجُلٍ وَعَكْسُهُ، وَلَا كَرَاهِيَةَ فِي نِيَابَتِهَا عَنْهُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِفَوَاتِ رَمَلٍ وَحَلْقٍ وَرَفْعِ صَوْتِهِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ: لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ (مِنْ بَلَدِهِ) أَوْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَيْسَرَ فِيهِ، كَالِاسْتِنَابَةِ عَنِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ كَذَلِكَ، فَكَذَا النَّائِمُ كَقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَجِدَ مَالًا فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَافِيًا بِنَفَقَةِ رَاكِبٍ، فَإِنْ وَجَدَ نَفَقَةَ رَاجِلٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ وَجَدَ مَالًا وَلَمْ يَجِدْ نَائِبًا، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي إِمْكَانِ الْمَسِيرِ هَلْ هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلُزُومِ الْأَدَاءِ؛ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَسْقُطُ، وَعَلَى الثَّانِي: يَثْبُتُ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَالًا يَسْتَنِيبُ بِهِ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، (وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الْمَعْضُوبِ، (وَإِنْ عُوفِيَ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أُتِيَ بِمَا أَمَرَ بِهِ فَخَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ كَمَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ، وَسَوَاءٌ عُوفِيَ بَعْدَ فَرَاغِ النَّائِبِ أَوْ قَبْلَ فَرَاغِهِ فِي الْأَصَحِّ فِيهِ كَالْمُتَمَتِّعِ إِذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ، وَالثَّانِي لَا يُجْزِئُهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ
ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي وَقْتِ الْمَسِيرِ وَوَجَدَ طَرِيقًا آمِنًا لَا خِفَارَةَ فِيهِ، وَيُوجَدُ فِيهِ الْمَاءُ وَالْعَلَفُ عَلَى الْمُعْتَادِ. وَعَنْهُ: أَنَّ إِمْكَانَ الْمَسِيرِ، وَتَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ مِنْ شَرَائِطِ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَالْمُتَيَمِّمِ إِذَا، وَجَدَ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ، أَمَّا إِذَا حَصَلَ الْبُرْءُ قَبْلَ إِحْرَامِ النَّائِبِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ اتِّفَاقًا؛ لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْمُبْدَلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ كَالْمُتَيَمِّمِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَرِيضَ الْمَرْجُوَّ بُرْؤُهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ كَالْمَحْبُوسِ. (وَمَنْ أَمْكَنَهُ السَّعْيُ إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى الْوَاجِبِ مِنَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ (لَزِمَهُ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَاجِبٌ، كَالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ (إِذَا كَانَ فِي وَقْتِ الْمَسِيرِ) أَيْ: يَكُونُ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا لِلْخُرُوجِ إِلَيْهِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الْمَسِيرُ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، فَلَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسِيرَ سَيْرًا يُجَاوِزُ الْعَادَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ (وَوَجَدَ طَرِيقًا آمِنًا) ؛ لِأَنَّ فِي الْمَلْزُومِ بِدُونِهِ ضَرَرًا، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، وَسَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا، أَوْ بَعِيدًا، وَلَوْ غَيْرَ الطَّرِيقِ الْمُعْتَادِ بَرًّا كَانَ أَوْ بَحْرًا غَالِبُهُ السَّلَامَةُ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «وَلَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ مَقَالٌ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ سُلُوكُهُ بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى أَشْبَهَ الْبَرَّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَالِبٌ فَخِلَافٌ، وَخَرَّجَهُ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا اسْتَوَى الْحَرِيرُ، وَالْكَتَّانُ، أَمَّا إِذَا غَلَبَ الْهَلَاكُ، لَمْ يَلْزَمْهُ سُلُوكُهُ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ إِجْمَاعًا فِي الْبَحْرِ (لَا خِفَارَةَ فِيهِ) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ يَسِيرَةً، ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ فَلَمْ يَلْزَمْ بَذْلُهَا فِي الْعِبَادَةِ، (وَيُوجَدُ فِيهِ) أَيْ: فِي الطَّرِيقِ (الْمَاءُ وَالْعَلَفُ عَلَى الْمُعْتَادِ) أَيْ: يَجِدُ ذَلِكَ فِي الْمَنَازِلِ الَّتِي يَنْزِلُهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كُلِّفَ حَمْلَ مَائِهِ، وَعَلَفِ بَهَائِمِهِ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى مَكَّةَ لَأَدَّى إِلَى مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَلِأَنَّهُ مُتَعَذِّرُ الْإِمْكَانِ، بِخِلَافِ زَادِ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ. فَعَلَى هَذَا يَجِبُ حَمْلُ الْمَاءِ مِنْ مَنْهَلٍ إِلَى مَنْهَلٍ، وَحَمْلُ الْكَلَأِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ (وَعَنْهُ: أَنَّ إِمْكَانَ الْمَسِيرِ وَتَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ) مِنْ عُذْرٍ (مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ، وَلِتَعَذُّرِ فِعْلِ الْحَجِّ مَعَهُ؛ لِعَدَمِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَظَهَرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ أَمْنَ الطَّرِيقِ وَسِعَةَ الْوَقْتِ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ، اخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَسَّرَ السَّبِيلَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَلِأَنَّ إِمْكَانَ الْأَدَاءِ لَيْسَ شَرْطًا فِي وُجُوبِ
الْوُجُوبِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَتِ الْخِفَارَةُ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ لَزِمَهُ بَذْلُهَا وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَتُوُفِّيَ قَبْلَهُ، أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجَّةً وَعُمْرَةً، فَإِنْ ضَاقَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْعِبَادَةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ زَالَ الْمَانِعُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ مَا يُمْكِنُ الْأَدَاءُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْأَدَاءُ دُونَ الْقَضَاءِ، كَالْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ بُرْؤُهُ، وَعَدَمُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْجَمِيعُ. فَعَلَى هَذَا: هَلْ يَأْثَمُ إِنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْفِعْلِ؛ يَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ فِي الصَّلَاةِ. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَتِ الْخِفَارَةُ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ، لَزِمَهُ بَذْلُهَا) ؛ لِأَنَّهَا غَرَامَةٌ يَقِفُ إِمْكَانُ الْحَجِّ عَلَى بَذْلِهَا، فَلَمْ يُمْنَعِ الْوُجُوبُ مَعَ إِمْكَانِ بَذْلِهَا كَثَمَنِ الْمَاءِ، وَقَيَّدَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " عَنْهُ بِالْيَسِيرَةِ، وَجَوَّزَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا فِي الدَّفْعِ عَنِ الْمُخْفَرِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِهَا كَمَا يَأْخُذُهُ السُّلْطَانُ مِنَ الرَّعَايَا (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَتُوُفِّيَ قَبْلَهُ) وَجَبَ قَضَاؤُهُ، (وَأُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ) وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ كَالدَّيْنِ، وَيَكُونُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ فَوَجَبَ مُسَاوَاتُهُ لَهُ، وَسَوَاءٌ فَرَّطَ بِالتَّأْخِيرِ أَوْ لَا. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاجِبِ، وَأَصْلِ الشَّرْعِ أَوْ بِإِيجَابِ نَفْسِهِ، وَيَخْرُجُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ كَالصَّلَاةِ، وَيُسْتَنَابُ مِنْ أَقْرَبِ، وَطَنِهِ لِيَتَخَيَّرَ الْمَنُوبَ عَنْهُ، فَإِنْ لَزِمَهُ بِخُرَاسَانَ فَمَاتَ بِبَغْدَادَ أَوْ بِالْعَكْسِ فَقَالَ: أَحْمَدُ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ، لَا مِنْ حَيْثُ مَوْتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ أَقْرَبِ الْمَكَانَيْنِ، وَيُجْزِئُ دُونَ الْوَاجِبِ إِذَا كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ لِأَنَّهُ كَحَاضِرٍ، وَإِلَّا لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ لم يكْمل الْوَاجِبَ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ كَمَنْ أَحْرَمَ دُونَ مِيقَاتٍ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ بِحَجٍّ عَنْهُ مِنْ مِيقَاتِهِ، لَا مِنْ حَيْثُ وَجَبَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَقَعُ
[يشترط لوجوب الحج على المرأة وجود محرمها]
مَالُهُ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أُخِذَ لِلْحَجِّ بِحِصَّتِهِ، وَحُجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ. فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ وُجُودُ مَحْرَمِهَا وَهُوَ زَوْجُهَا، أَوْ مَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْحَجُّ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، فَإِنْ مَاتَ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ فِي الطَّرِيقِ حَجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ فِيمَا بَقِيَ، نَصَّ عَلَيْهِ، مَسَافَةً وَفِعْلًا وَقَوْلًا، وَإِنْ صُدَّ فَعَلَ مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ بَعْضَ الْوَاجِبِ (فَإِنْ ضَاقَ مَالُهُ عَنْ ذَلِكَ) بِأَنْ لَمْ يُخْلِفْ مَا يَكْفِي الْحَجَّ مِنْ بَلَدِهِ (أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ) وَتَزَاحَمُوا (أَخَذَ الْحَجُّ بِحِصَّتِهِ) كَمَا لَوْ خَلَّفَ مِائَةً، وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا، وَالْحَجُّ يَكْفِيهِ مِائَةٌ فَيَطْلُعُ لَهُ خَمْسُونَ، (وَحَجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى بَعْضِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَعَنْهُ: يَسْقُطُ الْحَجُّ عُيِّنَ فَاعِلُهُ أَمْ لَا، وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الدَّيْنُ لِتَأَكُّدِهِ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَوْصَى بِحَجٍّ نَفْلٍ أَوْ أُطْلِقَ جَازَ مِنَ الْمِيقَاتِ، نَصَّ عَلَيْهِ، مَا لَمْ تَمْنَعْ مِنْهُ قَرِينَةٌ، وَقِيلَ: مِنْ مَحَلِّ وَصِيَّتِهِ كَحَجٍّ وَاجِبٍ، فَإِنْ لَمْ يَفِ لَهُ بِالْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ حَجَّ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ أَوْ يُعَانُ بِهِ فِي الْحَجِّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: الْمُتَطَوِّعُ مَا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ كَانَ. أَصْلٌ: يَلْزَمُ الْأَعْمَى أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ كَالْبَصِيرِ بِخِلَافِ الْجِهَادِ، وَيُعْتَبَرُ لَهُ قَائِدٌ كَبَصِيرٍ يَجْهَلُ الطَّرِيقَ، وَهُوَ كَالْمُحْرِمِ، وَفِي " الْوَاضِحِ " يُشْتَرَطُ لِلْأَدَاءِ قَائِدٌ يُلَائِمُهُ أَيْ: يُوَافِقُهُ، وَيَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَقِيلَ: وَزِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ، فَلَوْ تَبَرَّعَ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ لِلْمِنَّةِ. [يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ وُجُودُ مَحْرَمِهَا] فَصْلٌ (وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ وُجُودُ مَحْرَمِهَا) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَقَالَ: رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ، فَقَالَ: اخْرُجْ مَعَهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ
تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ إِذَا كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا، وَعَنْهُ: أَنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَعَهَا حُرْمَةٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ «ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا» ، وَلَهُ أَيْضًا " ثَلَاثًا " وَهَذَا مَعَ ظَاهِرِ الْآيَةِ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ، وَخَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ خَاصٌّ، وَلِأَنَّهَا أَنْشَأَتْ سَفَرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ كَحَجِّ التَّطَوُّعِ، وَالزِّيَارَةِ وَالتِّجَارَةِ. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَجُوزِ، وَالشَّابَّةِ، لَكِنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ لِعَوْرَتِهَا حُكْمٌ، وَهِيَ بِنْتُ سَبْعٍ، وَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: لَا يَحِلُّ سَفَرُهَا إِلَّا لِمَحْرَمٍ قَالَ: إِذَا صَارَ لَهَا سَبْعُ سِنِينَ أَوْ تِسْعٌ. قُلْتُ: هُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعًا فَهِيَ امْرَأَةٌ، وَعَنْهُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْحَجِّ الْوَاجِبِ كَسَفَرِ الْهِجْرَةِ، وَلِأَنَّهَا تَخْرُجُ مَعَ كُلِّ مَنْ أَمِنَتْهُ، وَعَنْهُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَوَاعِدِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يُخْشَى مِنْهُنَّ، وَلَا عَلَيْهِنَّ فِتْنَةٌ، وَعَنْهُ: لَا يُعْتَبَرُ إِلَّا فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَمَا لَا يُعْتَبَرُ فِي أَطْرَافِ الْبَلَدِ مَعَ عَدَمِ الْخَوْفِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَحُجُّ كُلُّ امْرَأَةٍ آمِنَةً مَعَ عَدَمِ الْمَحْرَمِ، وَقَالَ: هَذَا مُتَوَجِّهٌ فِي كُلِّ سَفَرِ طَاعَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ لِاخْتِلَافِ السَّائِلِينَ وَسُؤَالِهِمْ، فَخَرَجَتْ جَوَابًا. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمُ اعْتِبَارُ الْمَحْرَمِ لِإِمَاءِ الْمَرْأَةِ، وَعُتَقَائِهَا، لَكِنْ قَالَ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِمَاءُ الْمَرْأَةِ يُسَافِرْنَ مَعَهَا، وَلَا يَفْتَقِرْنَ إِلَى مَحْرَمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَحْرَمَ لَهُنَّ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ، وَأَمَّا عُتَقَاؤُهَا فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُنَّ كَالْإِمَاءِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ مَحْرَمٌ، وَيُحْتَمَلُ عَكْسُهُ لِانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ وَمَلَكْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِالْعِتْقِ، (وَهُوَ زَوْجُهَا أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [أَنْ] تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فصاعدا إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوِ ابْنُهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأُطْلِقَ عَلَى الزَّوْجِ مَحْرَمًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ سَفَرِ الْمَحْرَمِ مَعَهَا صِيَانَتُهَا، وَحِفْظُهَا مَعَ الْخَلْوَةِ، وَالنَّظَرِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيهِ (بِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ) كَرَضَاعٍ، وَمُصَاهَرَةٍ، وَوَطْءٍ مُبَاحٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQبِنِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَدَخَلَ فِيهِ رَابُّهَا، وَهُوَ زَوْجُ أُمِّهَا، وَرَبِيبُهَا، وَهُوَ ابْنُ زَوْجِهَا، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَخَرَجَ مِنْهُ الزَّانِي، وَالْوَاطِئُ بِشُبْهَةٍ، فَلَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِأُمِّ الْمَوْطُوءَةِ، وَابْنَتِهَا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ غَيْرُ مُبَاحٍ، قَالَ: فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " كَالتَّحْرِيمِ بِاللِّعَانِ، وَفِي " الْفُرُوعِ " الْمَحْرَمِيَّةُ نِعْمَةٌ فَاعْتُبِرَ إِبَاحَةُ سَبَبِهَا كَسَائِرِ الرُّخَصِ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَاخْتَارَهُ فِي " الْفُصُولِ " فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ لَا الزِّنَا، لَكِنْ يُسْتَثْنَى، وَمُرَادُهُمْ بِالشُّبْهَةِ الْوَطْءُ الْحَرَامُ مَعَ الشُّبْهَةِ. ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ لَا يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ فَيَرِدُ عَلَى إِطْلَاقِهِ الْمُلَاعَنَةُ فَيُزَادُ فِيهِ سَبَبٌ مُبَاحٌ لِحُرْمَتِهَا، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ " الْوَجِيزِ " وَ " الْآدَمِيِّ " فَإِنَّ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ، وَتَغْلِيظٌ لَا لِحُرْمَتِهَا، وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فِي التَّحْرِيمِ دُونَ الْمَحْرَمِيَّةِ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى اسْتِثْنَائِهِنَّ لِانْقِطَاعِ حُكْمِهِنَّ، وَظَهَرَ أَنَّ زَوْجَ الْأُخْتِ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِأُخْتِهَا؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا لَيْسَ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِسَيِّدَتِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْرُمُ أَبَدًا، وَلَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ النَّظَرِ الْمَحْرَمِيَّةُ، وَعَنْهُ: هُوَ مَحْرَمٌ، وَذَكَرَ فِي " شَرْحِ الْمَذْهَبِ " أَنَّهُ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا كَذِي مَحْرَمِهَا، وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِالْقَوَاعِدِ مِنَ النِّسَاءِ، وَبِغَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ (إِذَا كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا) ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَا يَقُومَانِ بِأَنْفُسِهِمَا، فَكَيْفَ يَخْرُجَانِ مَعَ غَيْرِهِمَا، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمَحْرَمِ حِفْظُ الْمَرْأَةِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مِنْهُمَا، وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ فِي " الْفُرُوعِ ": ذَكَرًا وَيُشْتَرَطُ إِسْلَامُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا كَالْحَضَانَةِ، وَكَالْمَجُوسِ لِاعْتِقَادِهِ حِلَّهَا قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ مِثْلَهُ مُسْلِمٌ لَا يُؤْمَنُ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إِسْلَامُهُ إِنْ أُمِّرَ عَلَيْهَا، وَكَوْنُهُ بَاذِلًا لِلْخُرُوجِ مَعَهَا وَلَوْ عَبْدًا وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً لَهُمَا، وَلَوْ بَذَلَتِ النَّفَقَةَ، لَمْ يَلْزَمْهُ السَّفَرُ مَعَهَا وَكَانَتْ كَمَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا إِلَّا الْعَبْدَ إِذَا قُلْنَا: بِأَنَّهُ مَحْرَمٌ فَيَلْزَمُهُ السَّفَرُ مَعَهَا، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الزَّوْجَ بِالسَّفَرِ مَعَهَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَمْرٌ بَعْدَ حَظْرٍ أَوْ أَمْرُ تَخْيِيرٍ فَإِنْ أَرَادَ أَجْرَهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يَلْزَمُهَا،
الْمَحْرَمَ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ. وَإِنْ مَاتَ الْمَحْرَمُ فِي الطَّرِيقِ، مَضَتْ فِي حَجِّهَا، وَلَمْ تَصِرْ مُحْصَرَةً، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا نَذْرٌ وَلَا نَافِلَةٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَيَتَوَجَّهُ كَنَفَقَتِهِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي التَّغْرِيبِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَبَرَّعَ لَمْ يَلْزَمْهَا لِلْمِنَّةِ، (وَعَنْهُ: أَنَّ الْمَحْرَمَ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ) كَإِمْكَانِ الْمَسِيرِ، وَتَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ، وَلِوُجُودِ السَّبَبِ فَهُوَ كَسَلَامَتِهَا مِنْ مَرَضٍ، فَعَلَى هَذَا يَحُجُّ عَنْهَا كَمَوْتٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَيَلْزَمُهَا أَنْ تُوصِيَ بِهِ. وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ الْمَحْرَمَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ دُونَ أَمْنِ الطَّرِيقِ، وَسِعَةِ الْوَقْتِ، وَقَدَّمَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَشَرْطُهَا فِي " الْهِدَايَةِ " لِلْوُجُوبِ قَالَ الْمَجْدُ: وَالتَّفْرِقَةُ عَلَى كِلَا الطَّرِيقَيْنِ مُشْكِلَةٌ، وَالصَّحِيحُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ هَذِهِ الشُّرُوطِ إِمَّا نَفْيًا، وَإِمَّا إِثْبَاتًا. فَرْعٌ: إِذَا حَجَّتْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ حَرُمَ، وَأَجْزَأَ كَمَا لَوْ تَرَكَ حَقًّا يَلْزَمُهُ مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّتِهِ، وَيَصِحُّ مِنْ مَعْضُوبٍ، وَأَجِيرِ خِدْمَةٍ بِأُجْرَةٍ أَوَّلًا، وَتَاجِرٍ وَلَا إِثْمَ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ. 1 - (وَإِنْ مَاتَ الْمَحْرَمُ فِي الطَّرِيقِ، مَضَتْ فِي حَجِّهَا) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَفِيدُ بِالرُّجُوعِ لِكَوْنِهِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَمَحَلُّهُ إِذَا تَبَاعَدَتْ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، وَأَمْكَنَهَا الْإِقَامَةُ بِبَلَدٍ، فَهُوَ أَوْلَى مِنَ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَإِنْ مَاتَ وَهِيَ قَرِيبَةٌ رَجَعَتْ لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ فِي مَنْزِلِهَا؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَلَمْ تَصِرْ مُحْصَرَةً) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَفِيدُ بِالتَّحَلُّلِ زَوَالَ مَا بِهَا كَالْمَرِيضِ، (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ) فِي الصَّحِيحِ لِحَدِيثِ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَزْرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ قَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَلِأَنَّهُ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ حَجِّهِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا (وَلَا نَذْرٌ وَلَا نَافِلَةٌ) أَيْ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِنَذْرٍ ولا نافلة من عليه حجة الإسلام (فَإِنْ فَعَلَ انْصَرَفَ إِلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا فِي اخْتِيَارِ الْأَكْثَرِ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ
فَإِنْ فَعَلَ، انْصَرَفَ إِلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَعَنْهُ: يَقَعُ مَا نَوَاهُ. وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQبِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ «هَذِهِ عَنْكَ وَحُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» وَقَوْلُهُ أَوَّلًا «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ» أَيِ: اسْتَدِمْهُ، كَقَوْلِكَ لِلْمُؤْمِنِ: آمِنْ، وَلِأَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ مُلْغَاةٌ فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: يَنْعَقِدُ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، ثُمَّ يَقْلِبُهُ الْحَاجُّ عَنْ نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ أَرَادَ التَّلْبِيَةَ لِقَوْلِهِ هَذِهِ عَنْكَ، وَلَمْ يَجُزْ فَسْخُ حَجٍّ إِلَى حَجٍّ، وَعَنْهُ: يَقَعُ بَاطِلًا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي " الْخِلَافِ "؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ نَفْسَهُ فَلَا يَحْصُلُ لَهُ، وَغَيْرُهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الْإِحْرَامِ عَنْهُ فَلَا يَصِحُّ لارتكابه النهي، (وَعَنْهُ) : يَجُوزُ عَنْ غَيْرِهِ، (وَيَقَعُ مَا نَوَاهُ) قَالَ الْقَاضِي: هُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ مُحَمَّدِ بْنِ مَاهَانَ فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا مَالَ لَهُ، أَيَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ يَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، فَجَازَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ مَنْ لَمْ يُسْقِطْ فَرْضَ نَفْسِهِ، كَالزَّكَاةِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " رِوَايَةٌ يَقَعُ عَمَّا نَوَاهُ بِشَرْطِ عَجْزِهِ عَنْ حَجَّةٍ لِنَفْسِهِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَنُوبُ مَنْ لَمْ يُسْقِطْ فَرْضَ نَفْسِهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مَا قِيلَ يَنُوبُ فِي نَفْلِ عَبْدٍ، وَصَبِيٍّ، وَيَحْرُمُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " وَمَتَى وَقَعَ الْحَجُّ لِلْحَاجِّ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا، وَفِي " الْفُصُولِ " احْتِمَالٌ. فَرْعٌ: إِذَا اسْتَنَابَ عَنِ الْمَعْضُوبِ أَوْ عَنِ الْمَيِّتِ وَاحِدًا فِي فَرْضِهِ، وَآخَرَ فِي نَذْرِهِ فِي سَنَةٍ جَازَ، وَزَعَمَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ التَّأْخِيرِ لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَكِنْ يُحْرِمْ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَوَّلًا أَيُّهُمَا أَحْرَمَ أَوَّلًا، فَعَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ الْأُخْرَى عَنِ النَّذْرِ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ (وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهَا حَجَّةٌ لَا تَلْزَمُهُ بِنَفْسِهِ فَجَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا كَالْمَعْضُوبِ.
فصل ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالثَّانِيَةُ: لَا؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ كَالْفَرْضِ، وَمَحَلُّهُمَا: إِذَا أَدَّى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ. أَمَّا لَوْ كَانَ قَادِرًا وَلَمْ يُؤَدِّ الْفَرْضَ، لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ بِنَفْسِهِ فَنَائِبُهُ أَوْلَى، وَإِذَا أَدَّى فَرْضَهُ ثُمَّ عَجَزَ جَازَتِ الِاسْتِنَابَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ فِي الْفَرْضِ فَالنَّفْلُ أَوْلَى ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَيَكْفِي النَّائِبَ أَنْ يَنْوِيَ الْمُسْتَنِيبُ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَسْمِيَتُهُ لَفْظًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ جَهِلَ اسْمَهُ أَوْ نَسَبَهُ لَبَّى عَمَّنْ سَلَّمَ إِلَيْهِ الْمَالَ لِيَحُجَّ بِهِ عَنْهُ. فَصْلٌ: فِي مُخَالَفَةِ النَّائِبِ إِذَا أَمَرَهُ بِحَجٍّ فَاعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ حَجَّ فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَقَعُ عَنِ الْآمِرِ، وَيَرُدُّ كُلَّ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ: إِنْ أَحْرَمَ مِنْ مِيقَاتٍ، فَلَا، وَمِنْ مَكَّةَ يَرُدُّ مِنَ النَّفَقَةِ مَا بَيْنَهُمَا، وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَرْكِ مِيقَاتٍ، وَمَنْ أُمِرَ بِإِفْرَادٍ فَقَرَنَ، لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ زَادَ كَبَيْعٍ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى، وَقِيلَ: هَدَرٌ، وَكَذَا إِنْ تَمَتَّعَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَيْنِ، وَقَدْ أَمَرَهُ بِتَأْخِيرِ الْعُمْرَةِ فَيَرُدُّ حِصَّتَهَا، وَمَنْ أُمِرَ بِتَمَتُّعٍ فَقَرَنَ، لَمْ يَضْمَنْ، وَقَالَ الْقَاضِي يَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ لِفَوَاتِ فَضِيلَةِ التَّمَتُّعِ، وَعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ كَإِفْرَادِهِ، وَلَوِ اعْتَمَرَ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِهَا مِنَ الْمِيقَاتِ، وَمَنْ أُمِرَ بِقِرَانٍ فَتَمَتَّعَ أَوْ أَفْرَدَ فَلِلْآمِرِ، وَيَرُدُّ نَفَقَةً قَدْرَ مَا تَرَكَهُ مِنْ إِحْرَامِ النُّسُكِ الْمَتْرُوكِ مِنَ الْمِيقَاتِ ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَفِي " الْفُصُولِ " وَغَيْرِهَا: يَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ، وَأَنَّ مَنْ تَمَتَّعَ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا، وَإِنِ اسْتَنَابَهُ رَجُلٌ فِي حَجٍّ، وَآخَرُ فِي عُمْرَةٍ، وَأَذِنَا فِي الْقِرَانِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ مَشْرُوعٌ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنَا صَحَّا لَهُ، وَضَمِنَ الْجَمِيعَ لِمَنْ أَمَرَ بِحَجٍّ فَاعْتَمَرَ أَوْ عَكْسِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " يَقَعُ عَنْهُمَا فَإِنْ أَدَّى أَحَدَهُمَا رَدَّ عَلَى غَيْرِ الْآمِرِ نِصْفَ نَفَقَتِهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي صِفَتِهِ، وَإِنْ أُمِرَ بِحَجٍّ فَحَجَّ، ثُمَّ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ،
[باب المواقيت]
بَابُ الْمَوَاقِيتِ وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْغَرْبِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وَأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQصَحَّ وَلَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ نَفْسِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَرَادُوا إِقَامَةً تَمْنَعُ الْقَصْرَ فَظَاهِرُهُ يُخَالِفُ مَا سَبَقَ، وَإِنْ أُمِرَ بِالْإِحْرَامِ مِنْ مِيقَاتٍ فَأَحْرَمَ قَبْلَهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ بَلَدِهِ فَأَحْرَمَ مِنْ مِيقَاتٍ، أَوْ فِي عَامٍ، أَوْ فِي شَهْرٍ فَخَالَفَ، جَازَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِإِذْنِهِ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَسَاءَ لِمُخَالَفَتِهِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " لَوْ نَوَاهُ بِخِلَافِ مَا أَمَرَهُ بِهِ، وَجَبَ رَدُّ مَا أَخَذَهُ. مَسْأَلَةٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ، قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ، إِنْ لَمْ يَحُجَّا، وَقِيلَ: وَغَيْرِهِمَا، وَتُقَدَّمُ أُمُّهُ؛ لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالْإِكْرَامِ، وَيُقَدَّمُ وَاجِبُ أَبِيهِ عَلَى نَفْلِهَا، نَصَّ عَلَيْهِمَا، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يُقَدَّمُ دَيْنُ أَبِيهِ عَلَى نَفْلِهِ لِنَفْسِهِ فَأُمُّهُ أَوْلَى وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَنْعُ وَلَدِهِ مِنْ نَفْلٍ لَا تَحْلِيلُهُ لِلُزُومِهِ بِالشُّرُوعِ، وَيَلْزَمُهُ طَاعَتُهُمَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَيَحْرُمُ فِيهَا [بَابُ الْمَوَاقِيتِ] ِ هِيَ جَمْعُ مِيقَاتٍ، وَمَعْنَاهُ لُغَةً: الْحَدُّ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا: زَمَنُ الْعِبَادَةِ، وَمَكَانُهَا. (وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ اللَّامِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ، [وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ] مَسِيرَةُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، (وَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْغَرْبِ مِنَ الْجُحْفَةِ) بِضَمِّ الْجِيمِ، وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ اسْمُهَا " مَهْيَعَةَ " فَجَحَفَ السَّيْلُ بِأَهْلِهَا، وَهِيَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْبَحْرِ، وَثَمَانِ مَرَاحِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَثَلَاثٍ مِنْ مَكَّةَ، (وَأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ) وَهُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ عَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، وَالْيَاءُ بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ " أَلَمْلَمُ " وَلَيْسَتْ بِمَزِيدَةٍ، (وَأَهْلِ نَجْدٍ) هُوَ بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُونِ الْجِيمِ قَالَ صَاحِبُ " الْمَطَالِعِ ": هُوَ مَا بَيْنَ جُرَشَ إِلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ، وَكُلُّهَا مِنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQعَمَلِ الْيَمَامَةِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ خِلَافُ الْغَوْرِ، وَالْغَوْرُ: هُوَ تِهَامَةُ كُلُّهَا، وَكُلُّ مَا ارْتَفَعَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ فَنَجْدٌ انْتَهَى. فَنَجْدُ الْيَمَنِ وَنَجْدُ الْحِجَازِ وَالطَّائِفِ (قَرْنٌ) بِسُكُونِ الرَّاءِ فَقَطْ، وَيُقَالُ لَهُ قَرْنُ الْمَنَازِلِ، وَقَرْنُ الثَّعَالِبِ، وَهُوَ تِلْقَاءَ مَكَّةَ عَلَى يَوْمٍ، وَلَيْلَةٍ مِنْهَا، (وَأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ) هو منزل مَعْرُوفٌ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ عِرْقًا، وَهُوَ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ، وَقِيلَ: الْعِرْقُ الْأَرْضُ السَّبْخَةُ تُنْبِتُ الطُّرَفَاءَ، وَأَصْلُهُ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ، وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمَهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ. وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا نَحْوُهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَدَلَّ أَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ ": أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ بِاجْتِهَادِ عُمَرَ فَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَفِيَ النَّصُّ فَوَافَقَهُ بِرَأْيِهِ فَإِنَّهُ مُوَفَّقٌ لِلصَّوَابِ، وَلَيْسَ الْأَفْضَلُ لِلْعِرَاقِيِّ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْعَقِيقِ وَهُوَ وَادٍ وَرَاءَ ذَاتِ عِرْقٍ بِمَرْحَلَةٍ أَوْ مَرْحَلَتَيْنِ يَلِي الشَّرْقَ. وَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ» . تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، وَهُوَ شِيعِيٌّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَاتُ عِرْقٍ مِيقَاتُهُمْ بِإِجْمَاعٍ،
وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا، وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ وَمِنْ مَنْزِلِهِ دُونَ الْمِيقَاتِ، فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَأَهْلُ مَكَّةَ إِذَا أَرَادُوا الْعُمْرَةَ، فَمِنَ الْحِلِّ وَلَوْ أَرَادُوا الْحَجَّ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا) كَمَا سَلَفَ (وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ) كَالشَّامِيِّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ: يُهِلُّ مِنْ مِيقَاتِهِ مِنَ الْجُحْفَةِ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ. وَاحْتَجَّ بِالْخَبَرِ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ إِجْمَاعًا، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ وَعَطَاءً، وَأَبَا ثَوْرٍ قَالُوا: يُحْرِمُ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيَتَوَجَّهُ إِلَى مِثْلِهِ. قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَلَوْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ يَسْكُنُهَا جَازَ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ أَيِّ: جَوَانِبِهَا شَاءَ، وَالْأَوْلَى الْأَبْعَدُ، (وَأَهْلُ مَكَّةَ إِذَا أَرَادُوا الْعُمْرَةَ فَمِنَ الْحِلِّ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعَمِّرَ عَائِشَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ كُلَّهَا فِي الْحَرَمِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْحِلِّ لِيَجْتَمِعَ فِي إِحْرَامِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ بِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى عَرَفَةَ فَيَحْصُلُ الْجَمْعُ. وَظَاهِرُهُ مِنْ أَيِّ الْحِلِّ أَحْرَمَ، جَازَ، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: كُلَّمَا تَبَاعَدَ فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ قِيلَ: التَّنْعِيمُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْحِلِّ إِلَى مَكَّةَ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " الْجِعْرَانَةُ لِاعْتِمَارِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْهَا، ثُمَّ مِنْهُ، ثُمَّ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّ مَنْ بِمَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا إِذَا أَرَادَ عُمْرَةً وَاجِبَةً فَمِنَ الْمِيقَاتِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ دَمٌ لِمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ، وَأَحْرَمَ دُونَهُ، وَإِنْ أَرَادَ نَفْلًا، فَمِنْ أَدْنَى الْحِلِّ، فَلَوْ خَالَفَ فَأَحْرَمَ بِهَا مِنْ مَكَّةَ، صَحَّ، وَلَزِمَهُ دَمٌ لِمُخَالَفَةِ الْمِيقَاتِ، وَيُجْزِئُهُ إِنْ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ قَبْلَ طَوَافِهَا، وَكَذَا بَعْدَهُ، كَإِحْرَامِهِ دُونَ مِيقَاتِ الْحَجِّ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَهَا كَالْحَجِّ فَعَلَيْهِ لَا يُعْتَدُّ بِأَفْعَالِهِ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ، ثُمَّ يَأْتِي بِهَا، وَإِنْ أَتَى مَحْظُورًا فَدَى، وَبِالْوَطْءِ يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ وَقَضَاهَا بِعُمْرَةٍ مِنَ الْحِلِّ، وَيُجْزِئُهُ عَنْهَا، وَلَا يَسْقُطُ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ. فَرْعٌ: حُكْمُ مَنْ كَانَ بِالْحَرَمِ حُكْمُ مَنْ بِمَكَّةَ فِيمَا ذَكَرْنَا. 1 -
فَمِنْ مَكَّةَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ عَلَى مِيقَاتٍ، فَإِذَا حَاذَى أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إِلَيْهِ، أَحْرَمَ. وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ إِلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ، أَوْ حَاجَةٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَلَوْ أَرَادُوا الْحَجَّ فَمِنْ مَكَّةَ) «لِقَوْلِ جَابِرٍ أَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ مِنَ الْأَبْطَحِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَظَاهِرُهُ لَا تَرْجِيحَ لِمَوْضِعٍ عَلَى آخَرَ، وَنَقَلَ حَرْبٌ عَنْهُ: فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ أَجِدْ عَنْهُ خِلَافَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَصْحَابُ إِلَّا فِي " الْإِيضَاحِ " قَالَ: يُحْرِمُ بِهِ مِنَ الْمِيزَابِ، وَعَنْهُ: فِيمَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: يُهِلُّ بِالْحَجِّ مِنَ الْمِيقَاتِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَهِيَ ضعيفة عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَأَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ بِسُقُوطِ دَمِ الْمُتْعَةِ عَنِ الْآفَاقِيِّ بِخُرُوجِهِ إِلَى الْمِيقَاتِ، وَعَنْهُ: إِذَا أَحْرَمَ مِنَ الْمِيقَاتِ عَنْ غَيْرِهِ، وَدَخَلَ مَكَّةَ فَقَضَى نُسُكَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ نَفْسِهِ وَاجِبًا أَوْ نَفْلًا أَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ أَرَادَ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ عَنْ إِنْسَانٍ، ثُمَّ عَنْ آخَرَ، يَخْرُجُ يُحْرِمُ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ دَمٌ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ. وَفِي " التَّرْغِيبِ ": لَا خِلَافَ فِيهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إِلَيْهِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَجُوزُ مِنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، كَمَا لَوْ خَرَجَ إِلَى الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ، وَكَالْعُمْرَةِ، وَمَنَعُوا وُجُوبَ إِحْرَامِهِ مِنَ الْحَرَمِ وَمَكَّةَ. (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ عَلَى مِيقَاتٍ) كَعَنْدَابٍ فَإِنَّهَا فِي طَرَفِ الْمَغْرِبِ (فَإِذَا حَاذَى أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إِلَيْهِ أَحْرَمَ) لِقَوْلِ عُمَرَ: انْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ قَدِيدٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ، وَالتَّقْدِيرِ فَإِذَا اشْتَبَهَ دَخَلَهُ الِاجْتِهَادُ كَالْقِبْلَةِ، وَهَذَا فِيمَنْ عَلِمَ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَذْوَ الْمِيقَاتِ، أَحْرَمَ مِنْ بُعْدٍ؛ إِذِ الْإِحْرَامُ قَبْلَهُ جَائِزٌ، وَتَأْخِيرُهُ عَنْهُ حَرَامٌ فَإِنْ تَسَاوَى مِيقَاتَانِ فِي الْقُرْبِ إِلَيْهِ، أَحْرَمَ مِنْ أَبْعَدِهِمَا عَنْ مَكَّةَ، فَإِنْ لَمْ يُحَاذِ مِيقَاتًا، فَفِي " الرِّعَايَةِ " أَحْرَمَ بِقَدْرِ مَرْحَلَتَيْنِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ إِنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ الْمُحَاذَاةِ. 1 - (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ تَجَاوَزُ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ
مُكَرَّرَةٍ كَالْحَطَّابِ وَنَحْوِهِ. ثُمَّ إِنْ بَدَا لَهُ النُّسُكُ، أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَمَنْ جَاوَزَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالسَّلَامُ - وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ تَجَاوَزُوهُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ إِلَّا فِيمَا نَذْكُرُهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا يَدْخُلْ أَحَدٌ مَكَّةَ إِلَّا بِإِحْرَامٍ» فِيهِ ضَعْفٌ، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ نُسُكًا ذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ ظَاهِرَةٌ، وَيَنْبَنِي عَلَى عُمُومِ الْمَفْهُومِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَحُكْمُ مَنْ أَرَادَ دُخُولَ الْحَرَمِ كَمَكَّةَ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ دُخُولَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَصْحَابَهُ أَتَوْا بَدْرًا مَرَّتَيْنِ، وَكَانُوا يُسَافِرُونَ لِلْجِهَادِ فَيَمُرُّونَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَهَا لِتِجَارَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْحَجِّ، وَلِعَدَمِ تَكَرُّرِ حَاجَتِهِ، وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ: لَا يَلْزَمُهُ، وَحَكَاهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَعَلَى الْأُولَى إِذَا دَخَلَ طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ كُلَّ دَاخِلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ، فَلَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ لَمْ يَلْزَمْهُمُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ. فَلَوْ زَالَ الْمَانِعُ بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ لِمِيقَاتِهِمْ فَمِنْ مَوْضِعِهِمْ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ: بَلَى لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُ مَنْ أَسْلَمَ، نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّهُ حر بالغ عَاقِلٌ كَالْمُسْلِمِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ زَوَالِ الْمَانِعِ. (إِلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ) «لِدُخُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ» ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحْرَمَ، وَحُكْمُ الْخَوْفِ كَذَلِكَ. (أَوْ حَاجَةٍ مُكَرَّرَةٍ كَالْحَطَّابِ وَنَحْوِهِ) كَالْحَشَّاشِ لِمَا رَوَى حَرْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَدْخُلَنَّ إِنْسَانٌ مَكَّةَ إِلَّا مُحْرِمًا إِلَّا الْحَمَّالِينَ، وَالْحَطَّابِينَ، وَأَصْحَابَ مَنَافِعِهَا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَحُكْمُ الْمَكِّيُّ إِذَا تَرَدَّدَ إِلَى قَرْيَتِهِ بِالْحِلِّ كَذَلِكَ، إِذْ لَوْ وَجَبَ لَأَدَّى إِلَى ضَرَرٍ وَمَشَقَّةٍ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَكَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّ قَيِّمِهِ لِلْمَشَقَّةِ. (ثُمَّ إِنْ بَدَا لَهُ) أَيْ: مَنْ لَا تَلْزَمُهُ، أَوْ لَمْ يُرِدِ الْحَرَمَ (النُّسُكُ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ) ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ دُونَ الْمِيقَاتِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ فَكَانَ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ كَأَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَلِأَنَّ
مُرِيدًا لِلنُّسُكِ، رَجَعَ، فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ. وَالِاخْتِيَارُ أَلَّا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ وَلَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُحْرِمٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ لَوْ خَرَجَ إِلَيْهِ ثُمَّ عَادَ لَمْ يَلْزَمْهُ. وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ كَمَنْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ. (وَمَنْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ رَجَعَ) إِلَى الْمِيقَاتِ (فَأَحْرَمَ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ وَاجِبٌ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْوَاجِبِ لَزِمَهُ فِعْلُهُ، سَوَاءٌ تَجَاوَزَهُ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا، عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ، وَشَرْطُ الرُّجُوعِ مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَطْلَقَ فِي " الرِّعَايَةِ " وَجْهَيْنِ. (فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ) صَحَّ إِحْرَامُهُ. (وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ» ، وَلِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ. (وَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ) بَعْدَ إِحْرَامِهِ، لَمْ يَسْقُطِ الدَّمُ عَنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِتَرْكِ إِحْرَامِهِ مِنْ مِيقَاتِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ، وَعَنْهُ: يَسْقُطُ لِإِتْيَانِهِ بِالْوَاجِبِ. فَرْعٌ: إِذَا أَفْسَدَ نُسُكَهُ هَذَا، لَمْ يَسْقُطْ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ كَدَمٍ مَحْظُورٍ، وَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَنقلَ مهَنا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ. (وَالِاخْتِيَارُ) أَيِ: الْأَفْضَلُ (أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ) الْمَكَانِيِّ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا يُعْدَلُ عَنِ الْأَفْضَلِ، وَالْجَوَازُ حَصَلَ بِقَوْلِهِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: إِنْ نَوَى عَلَى ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ، وَاحْتَجَّ الْمُجِيزُ بِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَا تَأَخَّرَ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيَّتُهُمَا. قَالَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ يَرْوِيهِ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ ثِقَةٌ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQمُحْتَجٌّ بِهِ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَقَوْلُهُ فِي " الشَّرْحِ " وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ مَرْدُودٌ. وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ مَعْنَى أَهَلَّ، أَيْ: قَصَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَيَكُونُ إِحْرَامُهُ مِنَ الْمِيقَاتِ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَأَجَابَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الصلاتين مِنَ الْمَسْجِدَيْنِ فِي إِحْرَامٍ وَاحِدٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَحْرَمَ مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُحْرِمُ فِي غَيْرِهِ إِلَّا مِنَ الْمِيقَاتِ. (وَلَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا فَلَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا لِمِيقَاتِ الْمَكَانِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: أَحْرَمَ قَبْلَ مِيقَاتِ الْمَكَانِ، وَالزَّمَانِ (فَهُوَ مُحَرَّمٌ) حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الصِّحَّةَ فِي تَقَدُّمِهِ عَلَى مِيقَاتِ الْمَكَانِ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَبْلَ دَاوُدَ إِنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَلَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُعْظَمُ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُحْرِمْ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ» ، وَكَذَا عَامَّةُ أَصْحَابِهِ، وَأَنْكَرَهُ عُمَرُ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ حِينَ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرَ، وَعُثْمَانُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ حِينَ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ رَوَاهُمَا سَعِيدٌ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: كَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ، فَكُرِهَ كَالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، وَلِعَدَمِ أَمْنِهِ مِنْ مَحْظُورٍ، وَفِيهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَالْوِصَالُ، وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْأَمْنُ مَعَ احْتِمَالِ مَا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ، وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُورُ صِحَّةُ الْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ كَالْأَوَّلِ نَقَلَ طَالِبٌ وَسِنْدِيٌّ: يَلْزَمُهُ الْحَجُّ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ فَسْخَهُ بِعُمْرَةٍ، فَلَهُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ، وَعَنْهُ: يَنْعَقِدُ عُمْرَةً، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَابْنُ حَامِدٍ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ يُكْرَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الْعُكْبَرِيُّ رِوَايَةً لَا يَجُوزُ.
[باب الإحرام]
وَأَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. بَابُ الْإِحْرَامِ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَتَنَظَّفَ وَيَتَطَيَّبَ، وَيَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] وَكُلُّهَا مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ فَكَذَا لِلْحَجِّ، وَقَوْلُهُ {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] أَيْ: مُعْظَمُهُ فِي أَشْهُرٍ كَقَوْلِهِ «الْحَجُّ عَرَفَةُ» أَوْ أَرَادَ حَجَّ الْمُتَمَتِّعِ، وَإِنْ أَضْمَرَ الْإِحْرَامَ، أَضْمَرْنَا الْفَضِيلَةَ، وَالْخَصْمُ يُضْمِرُ الْجَوَازَ، وَالْمُضْمَرُ لَا يَعُمُّ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. «وَأَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) » رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَيَوْمُ النَّحْرِ مِنْهُ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَشْرَ بِإِطْلَاقِهِ لِلْأَيَّامِ كَالْعِدَّةِ، وَقَالَ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ: الْعَرَبُ تُغَلِّبُ التَّأْنِيثَ فِي الْعَدَدِ خَاصَّةً لِسَبْقِ اللَّيَالِي فَنَقُولُ: سِرْنَا عَشْرًا، وَإِنَّمَا فَاتَ الْحَجُّ بِفَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِخُرُوجِ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَقَطْ، وَالْجَمْعُ يُطْلَقُ عَلَى اثْنَيْنِ، وَعَلَى اثْنَتَيْنِ، وَبَعْضٍ آخَرَ كَعِدَّةِ ذَاتِ الْقُرُوءِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا يَفْسُدُ فِيهَا تَوْقِيتٌ بَلْ يُفْعَلُ فِي كُلِّ السَّنَةِ، وَهِيَ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ، لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ قَالَ: حَجَّةً مَعِي» ، وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ هِيَ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ، وَفِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ، وَلَا يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِهَا يَوْمَ عَرَفَةَ، وَالنَّحْرِ، وَالتَّشْرِيقِ كَالطَّوَافِ الْمُجَرَّدِ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، وَلَا دَلِيلَ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ. رَوَاهُ النَّجَّادُ عَنْ عَائِشَةَ. وَخَصَّهَا بَعْضُهُمْ بِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ. [بَابُ الْإِحْرَامِ] [مَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ] بَابُ الْإِحْرَامِ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: هُوَ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِي التَّحْرِيمِ كَأَنَّهُ يُحَرِّمُ عَلَى نَفْسِهِ النِّكَاحَ، وَالطِّيبَ، وَأَشْيَاءَ مِنَ اللِّبَاسِ كَمَا يُقَالُ أَشْتَى: إِذَا دَخَلَ فِي الشِّتَاءِ، وَأَرْبَعَ: إِذَا دَخَلَ فِي الرَّبِيعِ. وَشَرْعًا: هُوَ نِيَّةُ النُّسُكِ لَا بِنِيَّةٍ لِيَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ. (يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ أَنْ يَغْتَسِلَ) وَلَوْ حَائِضًا وَنُفَسَاءَ، وَيَتَيَمَّمَ لِعَدَمٍ، وَلَا
نَظِيفَيْنِ إِزَارًا وَرِدَاءً، وَيَتَجَرَّدَ عَنِ الْمَخِيطِ، وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيُحْرِمَ عَقِيبَهُمَا، وَيَنْوِيَ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَضُرُّ حَدَثُهُ بَعْدَ غُسْلِهِ قَبْلَ إِحْرَامِهِ، (وَيَتَنَظَّفَ) بِأَخْذِ شَعْرِهِ، وَظُفْرِهِ، وَقَطْعِ رَائِحَةٍ، لِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَلْبَسُونَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِمْ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ عِبَادَةٌ فَسُنَّ فِيهِ ذَلِكَ كَالْجُمُعَةِ، وَلِأَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ، (وَيَتَطَيَّبَ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُرَادُهُ فِي بَدَنِهِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ مَذْهَبًا، وَالْمَذْهَبُ يُكْرَهُ تَطْيِيبُ ثَوْبِهِ، وَحَرَّمَهُ الْآجُرِّيُّ فِيهِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ تَبْقَى عَيْنُهُ كَالْمِسْكِ أَوْ أَثَرُهُ كَالْبَخُورِ فَإِنِ اسْتَدَامَهُ فَلَا كَفَّارَةَ لِخَبَرِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عَامُ حُنَيْنٍ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَمَا سَبَقَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَامْرَأَةٌ كَرَجُلٍ، فَإِنْ نَقَلَهُ مِنْ بَدَنِهِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ أَوْ نَقَلَهُ عَنْهُ، ثُمَّ رَدَّهُ أَوْ نَزَعَهُ، ثُمَّ لَبِسَهُ فَدَى بِخِلَافِ مَا لَوْ سَالَ بِعَرَقٍ أَوْ شَمْسٍ، (وَيَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ نَظِيفَيْنِ إِزَارًا وَرِدَاءً) وَنَعْلَيْنِ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «لِيُحْرِمَ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ، وَرِدَاءٍ، وَنَعْلَيْنِ» . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْجَدِيدِ وَغَيْرِهِ، وَفِي " تَبْصِرَةِ " الْحُلْوَانِيِّ إِخْرَاجُ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ مِنَ الرِّدَاءِ أَوْلَى. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ إِحْرَامُهُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ " بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ. (وَيَتَجَرَّدَ) الرَّجُلُ (عَنِ الْمَخِيطِ) وَهُوَ كُلُّ مَا يُخَاطُ كَالْقَمِيصِ، وَالسَّرَاوِيلِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى اللُّبْسِ، لَكِنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ (وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيُحْرِمَ عَقِيبِهِمَا) «لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ، خَرَجَ حَاجًّا فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْهُمَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ اسْتِحْبَابِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَهُ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَرْكَعُهُمَا وَقْتَ نَهْيٍ، وَلَا مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُحْرِمُ عَقِيبَ
الْإِحْرَامَ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَيَشْتَرِطُ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ ـــــــــــــــــــــــــــــQصَلَاةٍ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَهَلَّ فِي دُبُرِ صَلَاةٍ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَعَنْهُ: عَقِبَهَا. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا رَكِبَ، وَإِذَا سَارَ سَوَاءٌ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَقِبَ فَرْضٍ إِنْ كَانَ وَقْتُهُ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لِلْإِحْرَامِ صَلَاةٌ تَخُصُّهُ، وَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ إِنْ كَانَ بِالْمِيقَاتِ مَسْجِدٌ اسْتُحِبَّ صَلَاةُ الرَّكْعَتَيْنِ فِيهِ، وَيُسْتَحَبُّ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ عند إِحْرَامُهُ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، (وَيَنْوِي الْإِحْرَامَ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَفِعْلِ مَنْ مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلِأَنَّ أَحْكَامَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، فَاسْتُحِبَّ تَعَيُّنُهُ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ، وَفِي عِبَارَتِهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ هُوَ نِيَّةُ النُّسُكِ فَكَيْفَ يَنْوِي النِّيَّةَ، وَحَمَلَهُ ابْنُ الْمَنْجَا عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ يَنْوِي بِنِيَّتِهِ نُسُكًا مُعَيَّنًا، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ شَرْطٌ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ كَنِيَّةِ الْوُضُوءِ، (وَلَا يَنْعَقِدُ النُّسُكُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ) لِقَوْلِهِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَلِأَنَّهُ عَمَلٌ وَعِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فَافْتَقَرَ إِلَيْهَا كَالصَّلَاةِ، وَنِيَّةُ النُّسُكِ كَافِيَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَفِي " الِانْتِصَارِ " رِوَايَةٌ مَعَ تَلْبِيَةٍ أَوْ سَوْقِ هَدْيٍ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ لَيْسَ فِي آخِرِهَا نُطْقٌ وَاجِبٌ، فَكَذَا أَوَّلُهَا كَالصَّوْمِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا الْهَدْيُ: فَإِيجَابُ مَالٍ كَالنَّذْرِ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا لَا يَجِبُ، فَكَذَا تَابَعَهُ، وَلَوْ سُلِّمَ فَهُوَ لِلنَّدْبِ، وَفِي " الْفُرُوعِ ": يَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ تَجِبُ التَّلْبِيَةُ. فَرْعٌ: إِذَا نَطَقَ بِغَيْرِ مَا نَوَاهُ، فَالْعِبْرَةُ بِالْمَنْوِيِّ، لَا بِمَا سَبَقَ لِسَانُهُ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَشْتَرِطَ) «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ حِينَ قَالَتْ لَهُ: إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، وَأَجِدُنِي وَجِعَةً فَقَالَ: حُجِّي، وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاسْتَحَبَّهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِلْخَائِفِ، خَاصَّةً جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
[التخيير بين التمتع والإفراد والقران]
النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي. وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي. وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ، وَأَفْضَلُهَا التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْإِفْرَادُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (فَيَقُولُ) هَذَا رَاجِعٌ إِلَى تَعْيِينِ النُّسُكِ، وَعِبَارَةُ " الْمُحَرَّرِ " أَوْلَى (اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ، فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي) وَلَمْ يَذْكُرُوا مِثْلَ هَذَا فِي الصَّلَاةِ؛ لِقِصَرِ مُدَّتِهَا، وَتَيْسِيرِهَا عَادَةً، (وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي) لِقَوْلِ عَائِشَةَ لِعُرْوَةَ: قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَإِنْ تَيَسَّرَ وَإِلَّا فَعُمْرَةً. وَيَسْتَفِيدُ بِهِ أَنَّهُ مَتَى حُبِسَ بِمَرَضٍ أَوَ عُذْرٍ أَوْ خَطَأٍ فِي طَرِيقٍ وَغَيْرِهِ، حَلَّ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ قَالَ: فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ هَدْيٌ فَيَلْزَمُهُ نَحْرُهُ، فَلَوْ قَالَ: فَلِي أَنْ أَحِلَّ خُيِّرَ، وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَحِلَّ مَتَى شَاءَ أَوْ إِنْ أَفْسَدَهُ لَمْ يَقْضِهِ لَمْ يَصِحَّ، ذَكَرُهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: يَصِحُّ اشْتِرَاطُهُ بِقَلْبِهِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْإِحْرَامِ، وَيَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ فَكَذَا هُوَ. فَرْعٌ: يَبْطُلُ إِحْرَامُهُ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ بِرِدَّتِهِ لَا بِجُنُونٍ، وَإِغْمَاءٍ، وَسُكْرٍ كَمَوْتٍ، وَلَا يَنْعَقِدُ مَعَ وُجُودِ أَحَدِهَا. [التَّخْيِيرُ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ] (وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ إِجْمَاعًا لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ، وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ. قَالَتْ: وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ، وَأَهَلَّ مَعَهُ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ، وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا التَّمَتُّعُ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ، النَّهْيُ عَنِ التَّمَتُّعِ، وَعَاقَبُوا مَنْ تَمَتَّعَ، وَكَرِهَ التَّمَتُّعَ عُمَرُ، عُثْمَانُ، وَمُعَاوِيَةُ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَبَعْضُهُمْ: وَالْقِرَانُ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهُ. (وَأَفْضَلُهَا التَّمَتُّعُ) فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَجَمْعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي رِوَايَةٍ صَالِحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَقَالَ: لِأَنَّهُ آخِرُ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ يَعْمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ. قَالَ: إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ كَانَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدُّخُولَ بِعُمْرَةٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ لَمَّا طَافُوا، وَسَعَوْا أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ سَاقَ هَدْيًا، وَثَبَتَ عَلَى إِحْرَامِهِ لِسَوْقِهِ الْهَدْيَ، وَتَأَسَّفَ» ، وَلَا يَنْقُلُهُمْ إِلَّا إِلَى الْأَفْضَلِ، وَلَا يَتَأَسَّفُ إِلَّا عَلَيْهِ لَا يُقَالُ: أَمَرَهُمْ بِالْفَسْخِ لَيْسَ لِفَضْلِ التَّمَتُّعِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِاعْتِقَادِهِمْ عَدَمَ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ، ثُمَّ لَوْ كَانَ لَمْ يَخُصَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ لِأَنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الِاعْتِقَادِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ لَمْ يَتَأَسَّفْ لِاعْتِقَادِهِ جَوَازَهَا فِيهَا، وَجَعَلَ الْعِلَّةَ فِيهِ سَوْقَ الْهَدْيِ، وَلِأَنَّ التَّمَتُّعَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلِإِتْيَانِهِ بِأَفْعَالِهِمَا كَامِلَةً عَلَى وَجْهِ الْيُسْرِ، وَالسُّهُولَةِ مَعَ زِيَادَةِ نُسُكٍ، وَهُوَ الدَّمُ قَالَ: فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إِذَا دَخَلَ بِعُمْرَةٍ يَكُونُ قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ عُمْرَةً وَحَجَّةً، وَمَا لَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ دَمُ نُسُكٍ لَمْ يَدْخُلْهُ كَالْهَدْيِ، وَالْأُضْحِيَةِ، وَلَا يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ الْمَنَاسِكِ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الصَّوْمِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ نُسُكًا؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ، وَالْقُرَبُ يَدْخُلُهَا الْإِبْدَالُ كَالْقِرَانِ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّ بِهِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، وَهُوَ الرَّفَهُ بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ (فَإِنْ أَعْرَضَ) بِأَنَّ النُّسُكَ الَّذِي لَا دَمَ فِيهِ أَفْضَلُ كَإِفْرَادٍ لَا دَمَ فِيهِ (رُدَّ) تَمَتُّعُ الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ عِنْدَكَ، وَإِنَّمَا كَانَ إِفْرَادٌ لَا دَمَ فِيهِ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّ مَا يَجِبُ فِيهِ دَمُ جَنَابَةٍ، وَإِفْرَادٌ فِيهِ دَمُ تَطَوُّعٍ أَفْضَلُ. (ثُمَّ الْإِفْرَادُ) لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ» ، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ الْحَجَّ» . وَقَالَ عُمَرُ،
وَعَنْهُ: إِنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ. وَصِفَةُ التَّمَتُّعِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعُثْمَانُ، وَجَابِرٌ: هُوَ أَفْضَلُ الْأَنْسَاكِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِإِتْيَانِهِ بِالْحَجِّ تَامًّا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى خَبَرٍ فَكَانَ أَوْلَى، وَشَرْطُ أَفْضَلِيَّتِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَعْتَمِرَ تِلْكَ السَّنَةَ، فَلَوْ أَخَّرَهَا عَنْ سَنَتِهِ فَالتَّمَتُّعُ، وَالْقِرَانُ أَفْضَلُ مِنْهُ لِكَرَاهَةِ تَأْخِيرِ الْعُمْرَةَ عَنْ سَنَةِ الْحَجِّ. وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنِ الْخَبَرِ أَنَّهُ أَفْرَدَ عَمَلَ الْحَجِّ عَنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ أَوْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فِيمَا بَعْدُ مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ جَابِرٍ ذَكَرَ أَصْحَابُهُ فَقَطْ. وَأَجَابَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ بِأَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِالْمَدِينَةِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ فَسَخَ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَتَأَسَّفَ عَلَى التَّمَتُّعِ لِأَجْلِ سَوْقِ الْهَدْيِ فَكَانَ الْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى. (وَعَنْهُ: إِن ساق الْهَدْيَ فَالْقِرَانَ أَفْضَلُ، ثُمَّ التَّمَتُّعَ) لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَلِأَنَّ فِيهِ مُسَارَعَةً إِلَى فِعْلِ الْعِبَادَتَيْنِ مَعَ زِيَادَةِ نُسُكٍ، وَهُوَ الدَّمُ فَكَانَ أَوْلَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ أَنَسًا سَمِعَهُ يُلَقِّنُ قَارِنًا تَلْبِيَتَهُ فَظَنَّ أَنَّهُ يُلَبِّي بِهِمَا عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ سَمِعَهُ فِي وَقْتَيْنِ، أَوْ وَقْتٍ وَاحِدٍ لَمَّا أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، أَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَيْ: فَعَلَ الْحَجَّ بَعْدَهَا، وَيُسَمَّى قِرَانًا لُغَةً. وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ لِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ بِهِ وَصِحَّتِهَا وَصَرَاحَتِهَا مَعَ أَنَّهُ قَوْلُهُ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى فِعْلِهِ لِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِهِ بِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا، فَرَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَتَّعَ فِي حَجَّة الوداع بالعمرة إِلَى الْحَجِّ، وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ» .
[صفة التمتع والقران]
أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهَا فِي عَامِهِ وَالْإِفْرَادُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ، وَأَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِهَا، وَقَالَ: سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَشُكُّ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، وَالْمُتْعَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَعَلَيْهِ مُتَقَدِّمُو الصَّحَابَةِ، وَهُوَ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. [صِفَةُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ] (وَصِفَةُ التَّمَتُّعِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ) كَذَا أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَأَحْرَمَ آخَرُونَ مِنَ الْمِيقَاتِ أَيْ: مِيقَاتِ بَلَدِهِ (مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ عِنْدَهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يُهِلُّ بِهَا فِيهِ، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرٍ، لَا الشَّهْرِ الَّذِي يَحِلُّ مِنْهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ يُحْرِمْ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا كَالْمُفْرِدِ، (وَيَفْرُغَ مِنْهَا) قَالَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، وَمَعْنَاهُ: يَتَحَلَّلُ مِنْهَا قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنَ الْعُمْرَةِ لَكَانَ قَارِنًا، وَاجْتِمَاعُ النُّسُكَيْنِ مُمْتَنِعٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْفَرَاغَ مِنْهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْمُغْنِي " وَذَكَرَ أَنَّ صِفَتَهَا: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ لِقَوْلِهِ {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] أَيْ: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ تَوَصُّلًا بِهَا إِلَى الْحَجِّ فَعَلَى قَوْلِهِ هُنَا الْمُرَادُ بِهِ التَّمَتُّعُ الْمُوجِبُ لِلدَّمِ، وَمِنْ هُنَا قُلْنَا إِنَّ تَمَتُّعَ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ صَحِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى لَا مُتْعَةَ لَهُمْ، وَحكي رِوَايَةً، وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ دَمُ مُتْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُتْعَةَ لَهُ لَا عَلَيْهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَدْ يُقَالُ إِنَّ هَذَا مِنَ الْإِمَامِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ فَلَا مُتْعَةَ عَلَيْهِمْ أَيِ: الْحَثُّ كَافِيهِمْ. (ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهَا) نَقَلَهُ حَرْبٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَإِنْ خَرَجَ وَرَجَعَ،
أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مُنْفَرِدًا، وَالْقِرَانُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا، أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ (فِي عَامِهِ) اتِّفَاقًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {فَمَنْ تَمَتَّعَ} [البقرة: 196] فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، فَلَأَنْ لَا يَكُونَ مُتَمَتِّعًا إِذَا لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ الْأَوْلَى. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لها غير ذَلِكَ، وَشَرَطَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ أَنْ يَنْوِيَ الْمُتَمَتِّعُ فِي ابْتِدَاءِ الْعُمْرَةِ أَوْ أَثْنَائِهَا؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ فَافْتَقَرَ إِلَى النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ. وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ هُوَ الرَّفَهُ بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ بِدُونِهَا. (وَالْإِفْرَادُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا) ثُمَّ يَعْتَمِرُ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ. قَالَ جَمَاعَةٌ: يُحْرِمُ بِهِ مِنَ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ يُحْرِمُ بِهَا مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ زَادَ بَعْضُهُمْ وَعَنْهُ: بَلْ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " أَنْ لَا يَأْتِيَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بِغَيْرِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ أَجْوَدُ وَفِيهِ نَظَرٌ، (وَالْقران أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْمِيقَاتِ (أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ) مِنْ مَكَّةَ أَوْ قُرْبِهَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ لِمَا «رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: أَهْلَلْنَا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلْنَا عَلَيْهَا الْحَجَّ» ، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَهُ، وَقَالَ: هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ أَمَرَ عَائِشَةَ بِذَلِكَ، وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ شَرَعَ فِي طَوَافِهَا فَإِنْ شَرَعَ فِيهِ، لَمْ يَصِحَّ الْإِدْخَالُ، كَمَا لَوْ سَعَى إِلَّا لِمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَيَصِحُّ وَيَصِيرُ قَارِنًا بِنَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ إِدْخَالِهِ الْإِحْرَامَ بِهِ فِي أَشْهُرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. (وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ، لَمْ يَصِحَّ إِحْرَامُهُ بِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ، وَلَمْ يَسْتَفِدْ بِهِ فَائِدَةً بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَعَلَى هَذَا لَا يَصِيرُ قَارِنًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْإِحْرَامِ الثَّانِي شَيْءٌ، وَفِيهِ خِلَافٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ عَمَلَ الْقَارِنِ كَالْمُفْرِدِ فِي الْإِجْزَاءِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ وَيسقط تَرْتِيبُ الْعُمْرَةِ وَيَصِيرُ التَّرْتِيبُ لِلْحَجِّ كَمَا يَتَأَخَّرُ الْحَلَّاقُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَوَطْؤُهُ قَبْلَ طَوَافِهِ لَا يُفْسِدُ عُمْرَتَهُ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ. «وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَكَعُمْرَةِ الْمُتَمَتِّعِ،
[وجوب دم نسك على المتمتع والقارن]
عَلَيْهَا الْحَجَّ. وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ لَمْ يَصِحَّ إِحْرَامُهُ بِهَا. وَيَجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ دَمُ نُسُكٍ إِذَا لَمْ يَكُونَا مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَنْهُ: عَلَى الْقَارِنِ طَوَافَانِ، وَسَعْيَانِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَالْأَثْرَمُ عَنْ عَلِيٍّ، وَفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَرَى إِدْخَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ. فَعَلَيْهَا يُقَدِّمُ الْقَارِنُ فِعْلَ الْعُمْرَةِ عَلَى فِعْلِ الْحَجِّ، كَالْمُتَمَتِّعِ إِذَا ساق هَديا، فَلَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طَوَافِهِ، وَسَعْيِهِ لَهَا فَقِيلَ: تُنْقَضُ عُمْرَتُهُ وَيَصِيرُ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ يُتِمُّهُ، ثُمَّ يَعْتَمِرُ، وَقِيلَ: لَا يَنْتَقِضُ فَإِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ طَافَ لَهَا، ثُمَّ سَعَى، ثُمَّ طَافَ ثُمَّ سَعَى. وَعَنْهُ: عَلَى الْقَارِنِ عُمْرَةٌ مُفْرَدَةٌ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو حَفْصٍ؛ لِعَدَمِ طَوَافِهَا، وَلِاعْتِمَارِ عَائِشَةَ. [وُجُوبُ دَمِ نُسُكٍ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ] (وَيَجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ دَمُ نُسُكٍ) أَمَّا دَمُ التَّمَتُّعِ فَلَازِمُهُ إِجْمَاعًا، وَقَدْ سَبَقَ فِي أَفْضَلِيَّتِهِ، وَأَمَّا دَمُ الْقِرَانِ، فَلَازِمٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ لَهُ جَمَاعَةٌ بِالْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ كَالْمُتَمَتِّعِ، وَنَقَلَ بَكْرٌ: عَلَيْهِ هَدْيٌ، وَلَيْسَ كَالْمُتَمَتِّعِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ هَدْيًا فِي كِتَابِهِ، وَالْقَارِنِ إِنَّمَا يُرْوَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُمَرَ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ لِقَوْلِ دَاوُدَ، وَتَبِعَ الْمُؤَلِّفُ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ فِي كَوْنِهِ دَمَ نُسُكٍ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " وَ " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " أَنَّهُ دَمُ جُبْرَانٍ. وَظَاهِرُهُ وُجُوبُهُ: وَلَوْ أَفْسَدَ النُّسُكَ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي الصَّحِيحِ، وَجَبَ فِي الْفَاسِدِ كَالطَّوَافِ، وَعَنْهُ: يَسْقُطُ لِعَدَمِ تَرَفُّهِهِ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ دَمُهُمَا بِفَوَاتِهِ، فَلَوْ قَضَى الْقَارِنُ قَارِنًا لَزِمَهُ دَمَانِ لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: دَمٌ لِقِرَانِهِ وَدَمٌ لِفَوَاتِهِ، وَلَوْ قَصَرَ مُفْرِدًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ كَالْأَدَاءِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِوَقْتِ لُزُومِهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ} [البقرة: 196] الْآيَةَ، وَعَنْهُ: بِإِحْرَامِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ غَايَةٌ فَكَفَى أَوَّلُهُ كَأَمْرِهِ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ إِلَى اللَّيْلِ، وَعَنْهُ: بِوُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَعَنْهُ: بِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ لِنِيَّتِهِ التَّمَتُّعَ إِذَنْ. وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ إِذَا مَاتَ بَعْدَ سَبَبِ الْوُجُوبِ، يُخْرَجُ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: فَائِدَتُهُ، إِذَا تَعَذَّرَ الدَّمُ، وَأَرَادَ الِانْتِقَالَ إِلَى الصَّوْمِ، فَمَتَى ثَبَتَ الْمُتَعَذِّرُ فِيهِ الرِّوَايَاتُ، وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهِ، جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، فَدَلَّ أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا وَجَبَ،
وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ كَانَ مِنْهَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَمَنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا أَحْبَبْنَا لَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَإِنَّمَا يَجِبُ بِشُرُوطٍ نَبَّهَ الْمُؤَلِّفُ عَلَى بَعْضِهَا فَقَالَ: إِذَا لَمْ يَكُونَا مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] ثَبَتَ ذَلِكَ فِي التَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانُ مِثْلُهُ لِتَرَفُّهِهِ بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ. (وَمَنْ كَانَ مِنْهَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَاضِرَ الشَّيْءِ مَنْ حَلَّ فِيهِ أَوْ قَرُبَ مِنْهُ، وَجَاوَرَهُ بِدَلِيلِ رُخَصِ السَّفَرِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُ دون مسافة قَصْر، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَهَذَا الشَّرْطُ لِوُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهِ، لَيْسَ لِكَوْنِهِ مُتَمَتِّعًا فَإِنَّ مُتْعَةَ الْمَكِّيِّ صَحِيحَةٌ، وَالْخِلَافُ فِيهِ سَبَقَ. ، فَلَوْ دَخَلَ الْآفَاقِيُّ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ بَعْدَ فَرَاغِ نُسُكِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَفِيهِ وَجْهٌ وَإِنْ اسْتَوْطَنَ أُفُقِيٌّ مَكَّةَ فَحَاضِرٌ، وَإِنِ اسْتَوْطَنَ مَكِّيٌّ الشَّامَ، ثُمَّ عَادَ مُقِيمًا مُتَمَتِّعًا فَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُصُولِ " خِلَافُهُ. فَرْعٌ: إِذَا كَانَ لَهُ مَنْزِلَانِ قَرِيبٌ، وَبِعِيدٌ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ أَهْلِهِ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَلَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ، وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْقَرِيبِ، وَاعْتَبَرَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُصُولِ " إِقَامَتَهُ أَكْثَرَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ بِمَالِهِ، ثُمَّ بِنِيَّتِهِ، ثُمَّ بِالَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ. (الثَّانِي) : أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَسَبَقَ كَلَامُ أَحْمَدَ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ نُسُكٌ مُعْتَبَرٌ لِلْعُمْرَةِ، أَوْ فِي أَعْمَالِهَا، فَاعْتُبِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَالطَّوَافِ. (الثَّالِثُ) : أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ لِمَا سَبَقَ. (الرَّابِعُ) : أَنْ لَا يُسَافِرَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنْ سَافَرَ مَسَافَةَ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ فَإِنْ فَعَلَ فَأَحْرَمَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ مُسَافِرٌ لَمْ يَتَرَفَّهْ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ لِمَحَلِّ الْوَفَاةِ. (الْخَامِسُ) : أَنْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ تَحَلَّلَ أَوْ لَا، فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ حِلِّهِ، صَارَ قَارِنًا.
أَنْ يَفْسَخَ إِذَا طَافَ وَسَعَى، وَيَجْعَلَهَا عُمْرَةً لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (السَّادِسُ) : أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الرِّعَايَةِ ": إِنْ بَقِيَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ فَأَحْرَمَ مِنْهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، بَلْ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ إِذَا أَحْرَمَ مِنْهُ، لَزِمَهُ الدَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِمْ، وَلَمْ يَنْوِهَا بِهِ، وَلَيْسَ بِسَاكِنٍ. (السَّابِعُ) : نِيَّةُ التَّمَتُّعِ فِي ابْتِدَاءِ الْعُمْرَةِ، أَوْ أَثْنَائِهَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ الْمُؤَلِّفُ بِخِلَافِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ، وُقُوعُ النُّسُكَيْنِ عَنْ وَاحِدٍ، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ تعتبر لِكَوْنِهِ مُتَمَتِّعًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " إِلَّا الشَّرْطَ السَّادِسَ فَإِنَّ الْمُتْعَةَ لِلْمَكِّيِّ كَغَيْرِهِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ ": أَنَّهَا لَا تُعْتَبَرُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُفْرِدَ لَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عُمْرَتَهُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ إِنْ أَحْرَمَ بِهِ مِنَ الْمِيقَاتِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةَ قَصْرٍ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": إِنْ سَافَرَ إِلَيْهِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ فَوَجْهَانِ. 1 - (وَمَنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا أَحْبَبْنَا لَهُ) وَكَذَا جَزَمَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الرِّعَايَةِ " بِالِاسْتِحْبَابِ، وَعَبَّرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَالْمَجْدُ بِالْجَوَازِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ فَلَمْ يَجُزْ فَسْخُهُ كَالْعُمْرَةِ (أَنْ يُفْسَخَ إِذَا طَافَ وَسَعَى، وَيَجْعَلَهَا عُمْرَةً لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ أَفْرَدُوا الْحَجَّ وَقَرَنُوا أَنْ يُحِلُّوا كُلُّهُمْ وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ لِأَحْمَدَ: كُلُّ شَيْءٍ مِنْكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ إِلَّا خَلَّةً وَاحِدَةً فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَقُولُ يُفْسَخُ الْحَجُّ قَالَ: كُنْتُ أَرَى أَنَّ لَكَ عَقْلًا! عِنْدِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحَاحًا جِيَادًا كُلُّهَا فِي فَسْخِ الْحَجِّ أَتْرُكُهَا لِقَوْلِكَ؛! ، وَلِأَنَّهُ قَلْبٌ لِلْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ فَاسْتُحِبَّ لِمَنْ لَحِقَهُ الْفَوَاتُ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " وَ " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " لَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ وُجُوبَ الْفَسْخِ لَمْ يَبْعُدْ مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَمَاعَةٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ. وَجَوَابُهُ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا قَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَصَلَّى الصُّبْحَ
قَدْ سَاقَ مَعَهُ هَدْيًا، فَيَكُونَ عَلَى إِحْرَامِهِ. وَلَوْ سَاقَ الْمُتَمَتِّعُ هَدْيًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحِلَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالْبَطْحَاءِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَجْعَلْهَا» ، وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وَرَدَّ بِأَنَّ الْفَسْخَ: نَقْلُهُ إِلَى غَيْرِهِ لَا إِبْطَالُهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ مَسْأَلَتِنَا، قَالَهُ الْقَاضِي، وَمَحِلُّهُ إِذَا اعْتَقَدَ فِعْلَ الْحَجِّ مِنْ عَامِهِ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ لَا بُدَّ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ لِيَسْتَفِيدَ فضيلة التَّمَتُّعَ، وَلِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَلَا يُؤَخِّرُهُ لَوْ لَمْ يُحْرِمْ فَكَيْفَ وَقَدْ أَحْرَمَ، وَشَرَطَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " إِذَا طَافَا وَسَعَيَا، وَنَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ: يَجْعَلُهَا عُمْرَةً إِذَا طَافَ وَسَعَى، وَلَا يَجْعَلُهَا، وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي مُوسَى: طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حِلَّ» فَعَلَى هَذَا يَنْوِيَانِ بِإِحْرَامِهَا ذَلِكَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً، فَإِذَا فَرَغَا مِنْهَا، وَحَلَّا مِنْهَا أَحْرَمَا بِالْحَجِّ لِيَصِيرَا مُتِمَّيْنِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَسَخَ قَبْلَهُ، وَاسْتَأْنَفَ عُمْرَةً لَعَرِيَ الْإِحْرَامُ الْأَوَّلُ عَنْ نُسُكٍ، قَالَهُ الْقَاضِي. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَجُوزُ فَيَنْوِي إِحْرَامَهُ بِالْحَجِّ عُمْرَةً، وَخَبَرُ أَبِي مُوسَى أَرَادَ أَنَّ الْحِلَّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا، وَلَيْسَ فِيهِ الْمَنْعُ مِنْ قَلْبِ النِّيَّةِ، وَكَلَامُ ابْنِ الْمَنْجَا يُوَافِقُهُ؛ لِأَنَّ " إِذا " ظَرْفٌ فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَحْبَبْنَا أَنْ يُفْسَخَ وَقْتَ طَوَافِهِ أَيْ: وَقْتَ جَوَازِهِ، وَصَرِيحُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ يُعَضِّدُهُ، وَهَذَا مَا لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا أَتَى بِمُعْظَمِ الْعِبَادَةِ، وَأَمِنَ فَوْتَهَا بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَتَرَكَهُ الْمُؤَلِّفُ وُضُوحه (إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَاقَ مَعَهُ هَدْيًا فَيَكُونَ عَلَى إِحْرَامِهِ) لِلنَّصِّ وَلِلْأَخْبَارِ، وَكَامْتِنَاعِهِ فِي زَمَنِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، (وَلَوْ سَاقَ الْمُتَمَتِّعُ هَدْيًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحِلَّ) «لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - – بالعمرة إِلَى الْحَجِّ فَقَالَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حُرِّمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ» فَعَلَى هَذَا: يُحْرِمُ بِالْحَجِّ إِذَا طَافَ، وَسَعَى لِعُمْرَتِهِ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ بِالْحَلْقِ، فَإِذَا ذَبَحَهُ يَوْمَ النَّحْرِ حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا، نَصَّ عَلَيْهِ، «وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَخَلَ فِي الْعَشْرِ، وَلَمْ يَحِلَّ» ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِيمَنْ يَعْتَمِرُ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا، وَمَعَهُ هَدْيٌ لَهُ أَنْ يَقُصَّ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ خَاصَّةً «لِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ قَصَّرْتُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الْمَرْوَةِ بِمِقَصٍّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي
وَالْمَرْأَةُ إِذَا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً، فَحَاضَتْ فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ، أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ وَصَارَتْ قَارِنَةً. وَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا، صَحَّ وَلَهُ صَرْفُهُ إِلَى مَا شَاءَ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ بِمِثْلِهِ وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ، انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ" الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " عَنْ مَالِكٍ: لَهُ التَّحَلُّلُ، وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَحَدُ نَوْعَيِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْإِحْرَامَيْنِ كَالْقِرَانِ. فَائِدَةٌ: حَيْثُ صَحَّ الْفَسْخُ، لَزِمَهُ دَمٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ عَنِ الْقَاضِي: لَا؛ لِعَدَمِ النِّيَّةِ فِي ابْتِدَائِهَا أَوْ أَثْنَائِهَا، وَرُدَّ بِأَنَّهُ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا. 1 - (وَالْمَرْأَةُ إِذَا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ) قَبْلَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ (فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ) أَوْ خَافَهُ غَيْرُهَا (أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ وَصَارَتْ قَارِنَةً) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَهِلِّي بِالْحَجِّ» ، وَلِأَنَّ إِدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ يَجُوزُ من غير خَشْيَة الْفَوَاتِ، فَمَعَهَا أَوْلَى؛ لِكَوْنِهَا مَمْنُوعَةً مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ. فَعَلَى هَذَا لَا تَقْضِي طَوَافَ الْقُدُومِ، لَكِنْ رَوَى عُرْوَةُ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، وَحَاضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ» . وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْأَئِمَّةَ الْأَثْبَاتَ رَوَوْهُ عَنْهَا بِغَيْرِهَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ رَفْضُ نُسُكٍ يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ، وَيَحْتَمِلُ: دَعِي الْعُمْرَةَ، وَأَهِلِّي مَعَهَا بِالْحَجِّ، وَدَعِي أَفْعَالَهَا. (وَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا) بِأَنْ نَوَى نَفْسَ الْإِحْرَامِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ نُسُكًا (صَحَّ) نَصَّ عَلَيْهِ، كَإِحْرَامِهِ عِنْدَ إِحْرَامِ فُلَانٍ، وَحَيْثُ صَحَّ مَعَ الْإِبْهَامِ صَحَّ مَعَ الْإِطْلَاقِ، (وَلَهُ صَرْفُهُ إِلَى مَا شَاءَ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، بِالنِّيَّةِ لَا بِاللَّفْظِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْإِحْرَامَ بِأَيِّهَا شَاءَ فَكَانَ لَهُ صَرْفُ الْمُطْلَقِ إِلَى ذَلِكَ فَعَلَى عِلَّةِ تَعْيِينِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ، فَإِنْ طَافَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ، لِوُجُودِهِ لَا فِي حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَصْرِفَهُ إِلَى الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ في غير أَشْهُر الْحَجِّ فَهُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا فَالْعُمْرَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يَجْعَلُهَا عُمْرَةً كَإِحْرَامِهِ بِمِثْلِ إِحْرَامِ فُلَانٍ، (وَإِنْ أَحْرَمَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ بِمِثْلِهِ)
وَإِنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَنَسِيَهُ، جَعَلَهُ عُمْرَةً، وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ صَرْفُهُ إِلَى مَا شَاءَ وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ عَلِيًّا قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِمَ أَهْلَلْتَ؛ قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: فَأَهْدِ، وَامْكُثْ حَرَامًا» . وَعَنْ أَبِي مُوسَى نَحْوُهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. فَإِنْ عَلِمَ انْعَقَدَ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ تَبَعًا، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَحُكْمُهُ سَبَقَ. وَظَاهِرُهُ: لَا يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ إِلَى مَا يصرف إِلَيْهِ، وَلَا إِلَى مَا كَانَ صَرَفَهُ إِلَيْهِ، وَأَطْلَقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا احْتِمَالَيْنِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ يُعْمَلُ بِقَوْلِهِ لَا بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ جَهِلَهُ فَكَالْمَنْسِيِّ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ أَمْ لَا، وَالْأَشْهَرُ: كَمَا لَوْ لَمْ يُحْرِمْ فَيَكُونُ إِحْرَامُهُ مُطْلَقًا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ إِحْرَامُهُ فَاسِدًا، فَيَتَوَجَّهُ لَنَا خِلَافٌ فِيمَا إِذَا نَذَرَ عِبَادَةً فَاسِدَةً هَلْ يَنْعَقِدُ بِصَحِيحَةٍ؛. فَرْعٌ: لَوْ قَالَ: إِنْ أَحْرَمَ زَيْدٌ، فَأَنَا مُحْرِمٌ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَصِحَّ، وَلَوْ قَالَ أَحْرَمْتُ يَوْمًا أَوْ بِنِصْفِ نُسُكٍ وَنَحْوِهِمَا فَيَتَوَجَّهُ خِلَافٌ. (وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا) ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ يَصْلُحُ لِأَدَاءِ وَاحِدَةٍ، فَيَصِحُّ بِهِ كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فَدَلَّ عَلَى خِلَافٍ هُنَا كَأَصْلِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِهِمَا كَبَقِيَّةِ أَفْعَالِهِمَا، وَكَنَذْرِهِمَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ تَجِبُ إِحْدَاهُمَا: دُونَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَا يَصْلُحُ لَهُمَا، وَكَنِيَّةِ صَوْمَيْنِ فِي يَوْمٍ، وَلَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ عُمْرَتَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قَضَاؤُهَا، (وَإِنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ، وَنَسِيَهُ جَعَلَهُ عُمْرَةً) نَقَلَهُ أَبُو دَاوُدَ؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ، وَلَهُ صَرْفُ الْحَجِّ، وَالْقِرَانِ إِلَيْهَا مَعَ الْعِلْمِ بِمَنْعِ الْإِبْهَامِ أَوَّلًا، وَالْمُرَادُ: أَنَّ لَهُ جَعْلَهُ عُمْرَةً، لَا أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ، (وَقَالَ الْقَاضِي) وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ (لَهُ صَرْفُهُ إِلَى مَا شَاءَ) ؛ لِأَنَّهُ إِنْ صَادَفَ مَا أَحْرَمَ بِهِ فَقَدْ أَصَابَ، وَإِنْ صَرَفَهُ إِلَى عُمْرَةٍ، وَكَانَ إِحْرَامُهُ بِغَيْرِهَا جَازَ لِجَوَازِ الْفَسْخِ إِلَيْهَا، وَيَلْزَمُهُ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَإِنْ صَرَفَهُ إِلَى قِرَانٍ، وَكَانَ الْمَنْسِيُّ عُمْرَةً، فَقَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا، فَقَدْ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ، وَهُوَ لَغْوٌ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ حَجِّهِ، وَإِنْ صَرَفَهُ
أَحْرَمَ عَنِ اثْنَيْنِ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَهُ صَرْفُهُ إِلَى أَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ، لَبَّى تَلْبِيَةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQإِلَى الْإِفْرَادِ، وَكَانَ مُتَمَتِّعًا، فَقَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَصَارَ قَارِنًا، وَلَا تَبْطُلُ الْعُمْرَةُ بِتَرْكِ نِيَّتِهَا إِذِ الشَّرْطُ وُجُودُهَا ابْتِدَاءً لَا دَوَامًا، وَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَكَذَلِكَ هُنَا إِذَا كَانَ قَبْلَ الطَّوَافِ، فَإِنْ كَانَ نُسُكُهُ بَعْدَهُ، تَعَيَّنَ جَعْلُهُ عُمْرَةً لِامْتِنَاعِ إِدْخَالِ الْحَجِّ، إِذَنْ لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ، فَإِذَا سَعَى أَوْ حَلَقَ، فَمَعَ بَقَاءِ وَقْتِ الْوُقُوفِ، يُحْرِمُ بِالْحَجِّ وَيُتِمُّهُ وَيُجْزِئُهُ وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِلْحَلْقِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، إِنْ كَانَ حَاجًّا، وَإِلَّا فَدَمُ الْمُتْعَةِ، وَإِنْ جَعْلَهُ حَجًّا أَوْ قِرَانًا، تَحَلَّلَ بِفِعْلِ الْحَجِّ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِلشَّكِّ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَنْسِيَّ عُمْرَةٌ، فَلَا يَصِحُّ إِدْخَالُهُ عَلَيْهَا بَعْدَ طَوَافِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ حَجٌّ، فَلَا يَصِحُّ إِدْخَالُهَا عَلَيْهِ وَلَا دَمٌ وَلَا قَضَاءٌ؛ لِلشَّكِّ فِي سَبَبِهِمَا. (وَإِنْ أَحْرَمَ عَنِ اثْنَيْنِ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تُجْزِئُ عَنِ اثْنَيْنِ كَالصَّلَاةِ، وَلَا أَوْلَوِيَّةَ، وَكَإِحْرَامِهِ عَنْ زَيْدٍ وَنَفْسِهِ، وَسَبَقَ إِحْرَامُهُ بِحَجِّهِ عَنْ أَبَوَيْهِ، (وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ، (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ) وَالْقَاضِي (لَهُ صَرْفُهُ إِلَى أَيِّهِمَا شَاءَ) لِصِحَّتِهِ بِمَجْهُولٍ فَصَحَّ عَنْهُ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: هُوَ الِاسْتِحْسَانُ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ، وَسِيلَةٌ إِلَى مَقْصُودٍ، وَالْمُبْهَمُ يَصْلُحُ، وَسِيلَةً بِوَاسِطَةِ التَّعْيِينِ، فَاكْتفي بِهِ شَرْطًا. فَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى طَافَ شَوْطًا أَوْ سَعَى أَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ جَعْلِهِ تَعَيَّنَ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ فَسْخٌ، وَلَا يَقَعُ عَنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَعَنْهُ: يَبْطُلُ إِحْرَامُهُ حَكَاهَا فِي " الرِّعَايَةِ " وَهُوَ غَرِيبٌ. تَنْبِيهٌ: إِذَا اسْتَنَابَهُ اثْنَانِ فِي نُسُكٍ فِي عَامٍ، فَأَحْرَمَ عَنْ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ نَسِيَهُ وَتَعَذَّرَ مَعْرِفَتُهُ، فَإِنْ فَرَّطَ أَعَادَ الْحَجَّ عَنْهُمَا، وَإِنْ فَرَّطَ الْمُوصى إِلَيْهِ بِذَلِكَ، غُرِّمَ، وَإِلَّا فَمِنْ تَرِكَةِ الْمُوصِيَيْنِ إِنْ كَانَ النَّائِبُ غَيْرَ مُسْتَأْجَرٍ لِذَلِكَ، وَإِلَّا لَزِمَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْسَهُ صَحَّ، فَلَوْ أَحْرَمَ لِلْآخَرِ بَعْدَهُ لَمْ يَصِحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ: وَيَضْمَنُ، وَيُؤَدَّبُ مَنْ أَخَذَ مِنَ اثْنَيْنِ حَجَّتَيْنِ لِيَحُجَّ عَنْهُمَا فِي عَامٍ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا. 1 - (وَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ لَبَّى) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَلَفْظُ
[حكم التلبية]
رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» . وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ، وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا، وَالْإِكْثَارُ مِنْهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ، وَأَنَسٍ أَهَلَّ أَيْ: رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ مِنْ قَوْلِهِمُ اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ إِذَا صَاحَ، وَقَدَّمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " أَنَّهَا تُسْتَحَبُّ عَقِبَ إِحْرَامِهِ، وَنَقَلَ حَرْبٌ يُلَبِّي مَتَى شَاءَ سَاعَةَ يُسَلِّمُ، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَ (تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) . رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» قَالَ الطَّحَاوِيُّ، وَالْقُرْطُبِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ لَبَّ بِالْمَكَانِ إِذَا لَزِمَهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ، وَكَرَّرَهُ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا إِقَامَةً بَعْدَ إِقَامَةٍ، وَلَمْ يُرِيدُوا حَقِيقَةَ التَّلْبِيَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ التَّكْبِيرُ كَحَنَانَيْكَ، وَالْحَنَانُ: الرَّحْمَةُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: إِجَابَةُ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ نَادَى بِالْحَجِّ، وَقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وَالْأَشْهَرُ: أَنَّهُ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَكَسْرُ هَمْزَةِ " إِنَّ " أَوْلَى عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ، وَحُكِيَ الْفَتْحُ عَنْ آخَرِينَ، قَالَ: ثَعْلَبٌ مَنْ كَسَرَ فَقَدْ عَمَّ يَعْنِي: حَمْدَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَنْ فَتَحَ فَقَدْ خَصَّ أَيْ: لِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، وَلَا تُكْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي " الْإِفْصَاحِ " تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ، وَقِيلَ لَهُ: الزِّيَادَةُ بَعْدَهَا لَا فِيهَا فَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ أَوْ مَرِيضًا اسْتُحِبَّ أَنْ يُلَبَّى عَنْهُمَا نَقَلَهُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ جَمَاعَةٌ: وَيُلَبَّى عَنْ مَجْنُونٍ، وَمُغْمًى عَلَيْهِ زَادَ بَعْضُهُمْ، وَنَائِمٍ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ. [حُكْمُ التَّلْبِيَةِ] (وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلِأَنَّهَا ذِكْرٌ فِيهِ فَلَمْ تَجِبْ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ. (وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا) لِخَبَرِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ مَرْفُوعًا: «أَتَانِي جِبْرِيلُ
وَالدُّعَاءُ بَعْدَهَا، وَيُلَبِّي إِذَا عَلَا نَشَزًا، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَأْمُرُنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ، وَالتَّلْبِيَةِ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ قَالَ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ» وَفِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَرْبُوعٍ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَالْعَجُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجُّ إِسَالَةُ الدِّمَاءِ بِالنَّحْرِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَسَاجِدُ الْحِلِّ وَأَمْصَارُهُ، وَطَوَافُ الْقُدُومِ وَالسَّعْيِ بَعْدَهُ، فَلَا يُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ: إِذَا أَحْرَمَ فِي مِصْرِهِ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُلَبِّيَ حَتَّى يَبْرُزَ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاحْتَجَّ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ أَنَّ إِخْفَاءَ التَّطَوُّعِ أَوْلَى خَوْفَ الرِّيَاءِ عَلَى مَنْ لَا يُشَارِكُهُ فِي تِلْكَ الْعِبَادَةِ بِخِلَافِ الْبَرَارِيِّ وَعَرَفَاتٍ، وَمَكَّةَ، وَالْحَرَمِ، (وَالْإِكْثَارُ مِنْهَا) لِخَبَرِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا، وَهَاهُنَا» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الْمَدَنِيِّينَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ لِلتِّرْمِذِيِّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَيُسَنُّ ذِكْرُ نُسُكِهِ فِيهَا، وَذِكْرُ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ لِلْقَارِنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يُسَنُّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُسَنُّ تَكْرَارُهَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَهُ أَحْمَدُ، وَاسْتَحَبَّهُ فِي " الْخِلَافِ " لِتَلَبُّسِهِ بِالْعِبَادَةِ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: حَسَنٌ فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، (وَالدُّعَاءُ بَعْدَهَا) لِمَا رَوَى خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا: «أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ اللَّهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَيَسْتَعِيذُ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَلِأَنَّهُ مَظِنَّةُ إِجَابَة الدعاء، ويصلي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهَا لِقَوْلِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: كَانَ يَسْتَحِبُّ ذَلِكَ " فِيهِ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ قَوَّاهُ أَحْمَدُ، وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُ، وَلِأَنَّهُ يُشْرَعُ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ كَصَلَاةٍ، وَأَذَانٍ (وَيُلَبِّي) أَيْ: يَتَأَكَّدُ فِي مَوَاضِعَ (إِذَا عَلَا نَشَزًا) وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وَسُكُونِهَا (أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ
[باب محظورات الإحرام]
وَإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَإِذَا الْتَقَتِ الرِّفَاقُ، وَلَا تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ صَوْتَهَا إِلَّا بِقَدْرِ مَا تَسْمَعُ رَفِيقَتُهَا. بَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَهِيَ تِسْعَةٌ: حَلْقُ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، فَمَنْ حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ ثَلَاثَةً، فَعَلَيْهِ دَمٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَكْتُوبَاتِ) أَيْ عند الفراغ مِنْهَا، (وَإِقْبَالِ اللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ) أَيْ: بِأَوَّلِهِمَا، (وَإِذَا الْتَقَتِ الرِّفَاقُ) لِقَوْلِ جَابِرٍ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُلَبِّي كَذَلِكَ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّلْبِيَةَ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، وَإِذَا هَبَطَ وَادِيًا، أَوْ عَلَا نَشَزًا، أَوْ لَقِيَ رَاكِبًا، أَوِ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. وَتُسْتَحَبُّ إِذَا أَتَى مَحْظُورًا نَاسِيًا أَوْ رَكِبَ زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ ": أَوْ نَزَلَ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " يُسْتَحَبُّ عِنْدَ تَنَقُّلِ الْأَحْوَالِ بِهِ، وَزَادَ: وَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ. (وَلَا تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ صَوْتَهَا بِهَا إِلَّا بِقَدْرِ مَا تَسْمَعُ رَفِيقَتُهَا) وَقَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ، فَلَمْ يُشْرَعْ لَهَا الرَّفْعُ إِلَّا بِمَا ذُكِرَ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الْمُزَامَلَةُ لَهَا، لَكِنَّ السُّنَّةَ أَنَّهَا لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِهَا، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا، وَيُكْرَهُ جَهْرُهَا أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ سَمَاعِ رَفِيقَتِهَا خَوْفَ الْفِتْنَةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا تَقْتَصِرُ عَلَى إِسْمَاعِ نَفْسِهَا قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ مُتَّجِهٌ. فَائِدَةٌ: لَا تُشْرَعُ التَّلْبِيَةُ إِلَّا بِالْعَرَبِيَّةِ إِنْ قَدَرَ كَأَذَانٍ، وَلَمْ يُجَوِّزْ أَبُو الْمَعَالِي الْأَذَانَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَّا لِنَفْسِهِ مَعَ الْعَجْزِ [بَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ] [الْأَوَّلُ وَالثَّانِي حَلْقُ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ] بَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ أَيِ: الْمَمْنُوعُ فِعْلُهُنَّ فِي الْإِحْرَامِ، (وَهِيَ تِسْعَةٌ: حَلْقُ الشَّعْرِ) إِجْمَاعًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] نَصَّ عَلَى حَلْقِ الرَّأْسِ، وَعُدِّيَ إِلَى سَائِرِ شَعْرِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، إِذْ حَلْقُهُ مُؤْذِنٌ بِالرَّفَاهِيَةِ، وَهُوَ يُنَافِي الْإِحْرَامَ لِكَوْنِ أَنَّ الْمُحْرِمَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ، وَلَيْسَ الْحُكْمُ خَاصًّا بِالْحَلْقِ بَلْ قَطْعُهُ، وَنَتْفُهُ
وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ إِلَّا فِي أَرْبَعٍ فَصَاعِدًا، وَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَعَنْهُ: قَبْضَةٌ، وَعَنْهُ: دِرْهَمٌ، وَإِنْ حَلَقَ رَأْسَهُ بِإِذْنِهِ فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا، ـــــــــــــــــــــــــــــQكَذَلِكَ، وَعَبَّرَ فِي " الْفُرُوعِ " بِتَرْكِهِ إِزَالَةَ الشَّعْرِ، وَهُوَ أَوْلَى، لَكِنَّ الْمُؤَلِّفَ تَبِعَ النَّصَّ، وَلِكَوْنِهِ هُوَ الْأَغْلَبُ، (وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ) ؛ لِأَنَّهُ تَحْصُلُ بِهِ الرَّفَاهِيَةُ أَشْبَهَ الْحَلْقَ، فَمَنْ حَلَقَ، أَوْ قَلَّمَ ثَلَاثَةً فَعَلَيْهِ دَمٌ، أَمَّا فِي حَلْقِ شَعْرِ الرَّأْسِ، فَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة: 196] الْآيَةَ، وَلِحَدِيثِ كَعْبٍ قَالَ: «حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، قَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى الْجُهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى تَجِدُ شَاةً؟ قَالَ: لَا قَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تَجِبُ فِي إِزَالَةِ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ، فَمَا فَوْقَهَا، قَالَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ جَمْعٌ، وَاعْتُبِرَتْ فِي مَوَاضِعَ كَمَحَلِّ الْوِفَاقِ بِخِلَافِ رُبْعِ الرَّأْسِ، وَمَا يُمَاطُ بِهِ الْأَذَى. وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الدَّمِ عَيْنًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ كَمَا يَأْتِي، وَلَعَلَّهُ وَكَّلَ التَّفْصِيلَ إِلَى بَابِهِ، وَحُكْمُ الْأَظَافِرِ كَالشَّعْرِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِلتَّرَفُّهِ. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ دَلَّ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمَعْذُورِ، فَغَيْرُهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي جَوَازِ الْإِقْدَامِ، وَعَدَمِهِ، (وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ إِلَّا فِي أَرْبَعٍ فَصَاعِدًا) نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَ كَثِيرٌ، وَلِأَنَّ الثَّالِثَ آخِرُ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ، وَآخِرُ الشَّيْءِ مِنْهُ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ كَالشَّعْرَتَيْنِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً فِي خَمْسٍ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي " التَّنْبِيهِ " قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ ": وَلَا وَجْهَ لَهَا، وَلَعَلَّهُ قَيَّدَ الْحُكْمَ بِأَطْرَافِ الْيَدِ كَامِلَةً، (وَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ) أَيِ: الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ عَلَى الْخِلَافِ (فِي كُلِّ وَاحِدٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ) أَيْ: إِطْعَامُ مِسْكِينٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا، وَجَبَ شَرْعًا فِدْيَةٌ، (وَعَنْهُ: قَبْضَةٌ) وَقَالَهُ عَطَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ، وَلِأَنَّهَا الْيَقِينُ، (وَعَنْهُ: دِرْهَمٌ) ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: فِي الشَّعْرَتَيْنِ دِرْهَمَانِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ إِيجَابُ جُزْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ،
أَوْ نَائِمًا، فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْحَالِقِ. وَإِنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حَلَالٍ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَقَطْعُ الشَّعْرِ، وَنَتْفُهُ كَحَلْقِهِ، وَشَعْرُ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ وَاحِدٌ، وَعَنْهُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمٌ مُفْرَدٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى الْقِيمَةِ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ فِي الْوَحْدَةِ، وَعَنْهُ: دِرْهَمٌ أَوْ نِصْفُهُ، ذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ، وَخَرَّجَهَا الْقَاضِي مِنْ لَيَالِي مِنًى. فَرْعٌ: إِزَالَةُ بَعْضِ الشَّعْرَةِ كَهِيَ، وَكَذَا فِي الظُّفْرِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِمِسَاحَةٍ، وَهُوَ يَجِبُ فِيهِمَا سَوَاءٌ طَالَا أَوْ قَصُرَا بَلْ كَالْمُوَضِّحَةِ يَجِبُ فِي كَبِيرِهَا، وَصَغِيرِهَا. وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا: يَجِبُ بِحِسَابِ الْمُتْلَفِ كَالْأُصْبُعِ فِي أُنْمُلَتِهَا ثُلُثُ دِيَتِهَا، (وَإِنْ حَلَقَ رَأْسَهُ بِإِذْنِهِ فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمَحْلُوقِ رَأَسُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِإِذْنِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاشَرَهُ، وَلِأَنَّهُ - تَعَالَى - أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ غَيْرَهُ يَحْلِقُهُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْحَالِقِ سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا، وَفِي " الْفُصُولِ " احْتِمَالُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ، كَشَعْرِ الصَّيْدِ، وَفِيهِ بُعْدٌ، فَإِنْ سَكَتَ وَلَمْ يَنْهَهُ، فَقِيلَ عَلَى الْحَالِقِ كَإِتْلَافِهِ مَا لَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، وَقِيلَ: عَلَى الْمَحْلُوقِ رَأَسُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ كَوَدِيعَةٍ (وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَائِمًا فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْحَالِقِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ مَا مُنِعَ مِنْ إِزَالَتِهِ، كَحَلْقِ مُحْرِمٍ رَأَسَ نَفْسِهِ، وَقِيلَ: عَلَى الْمَحْلُوقِ رَأَسُهُ، وَفِي " الْإِرْشَادِ ": وَجْهُ الْقَرَارِ عَلَى الْحَالِقِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ لَا فِدْيَةَ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَإِنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حَلَالٍ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ أَيْ: هَدْرٌ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَعْرٌ مُبَاحُ الْإِتْلَافِ فَلَمْ يَجِبْ بِإِتْلَافِهِ جُزْءًا كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ. وَفِي " الْفُصُولِ " احْتِمَالٌ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لِلْآدَمِيِّ كَالْحَرَمِ لِلصَّيْدِ، (وَقَطْعُ الشَّعْرِ، وَنَتْفُهُ كَحَلْقِهِ) وَكَذَا الظُّفْرُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي حُصُولِ الرَّفَاهِيَةِ، (وَشَعْرُ الرَّأْسِ، وَالْبَدَنِ وَاحِدٌ) عَلَى
وَإِنْ خَرَجَ فِي عَيْنِهِ شَعْرٌ، فَقَلَعَهُ أَوْ نَزَلَ شَعْرُهُ فَغَطَّى عَيْنَيْهِ، فَقَصَّهُ أَوِ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ، فَقَصَّهُ أَوْ قَلَعَ جِلْدًا عَلَيْهِ شَعْرٌ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ لَمْ يَخْتَلِفْ إِلَّا مَوْضِعُهُ، وَكَلُبْسِهِ سَرَاوِيلَ، وَقَمِيصًا، (وَعَنْهُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمٌ مُفْرَدٌ) لِأَنَّهُمَا كَجِنْسَيْنِ لِتَعَلُّقِ النُّسُكِ بِحَقِّ الرَّأْسِ فَقَطْ فَهُوَ كَحَلْقٍ، وَلُبْسٍ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ إِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ فِي رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ فَالرِّوَايَتَانِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وابن عقيل وَأبو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ إِتْلَافٌ فَهُوَ آكَدُ، وَالنُّسُكُ يَخْتَصُّ بِالرَّأْسِ فَعَلَى الْأُولَى لَوْ قَطَعَ مِنْ بَدَنِهِ شَعْرَتَيْنِ، وَفِي رَأْسِهِ وَاحِدَةٌ، وَجَبَتِ الْفِدْيَةُ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ يَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ خَرَجَ فِي عَيْنِهِ شَعْرٌ، فَقَلَعَهُ، أَوْ نَزَلَ شَعْرُهُ فَغَطَّى عَيْنَيْهِ فَقَصَّهُ) فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ آذَاهُ فَكَانَ لَهُ إِزَالَتُهُ مِنْ غَيْرِ فِدْيَةٍ كَقَتْلِ الصَّيْدِ الصَّائِلِ بِخِلَافِ مَا إِذَا حَلَقَ شَعْرَهُ لِقَمْلٍ أَوْ صُدَاعٍ، وَشِدَّةِ حَرٍّ فَإِنَّهَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّ الْإِيذَاءَ مِنْ غَيْرِ الشَّعْرِ (أَوِ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَقَصَّهُ) فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِيهِ بَقَاؤُهُ، وَكَذَا إِنْ، وَقَعَ بِظُفْرِهِ مَرْضٌ، فَأَزَالَهُ لَهُ، أَوْ قَلَعَ أُصْبُعًا بِظُفْرٍ فَهَدَرٌ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: فَقَصَّهُ أَيْ: قَصَّ مَا احْتَاجَهُ فَقَطْ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ إِنِ انْكَسَرَ فَآذَاهُ قَطَعَهُ وَفَدَى. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ مُدَاوَاةُ قُرْحِهِ إِلَّا بِقَصِّهِ قَصَّهُ، وَفَدَى (أَوْ قَلَعَ جِلْدًا عَلَيْهِ شَعْرٌ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ زَالَ تَابِعًا لِغَيْرِهِ، وَالتَّابِعُ لَا يُضْمَنُ كَمَا لَوْ قَلَعَ أَشْفَارَ عَيْنٍ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْهُدْبَ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " إِذَا زَالَ شَعْرُ الْأَنْفِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ دَمٌ لِعَدَمِ التَّرَفُّهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ إِذْ لَا فَرْقَ. فَوَائِدُ: لِلْمُحْرِمِ تَخْلِيلُ لِحْيَتِهِ، وَلَا فِدْيَةَ بِقَطْعِهِ بِلَا تَعَمُّدٍ، وَالْمَذْهَبُ إِنْ شَعَرَ أَنَّهُ انْفَصَلَ مِنْ مُشْطٍ أَوْ تَخْلِيلٍ فَدَى. قَالَ أَحْمَدُ إِنْ خَلَّلَهَا فَسَقَطَ إِنْ كَانَ شَعْرًا مَيِّتًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ نَفْيُ الضَّمَانِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَلَهُ غَسْلُ
[الفصل الثالث: تغطية الرأس]
فَصْل الثَّالِثُ: تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ فَمَتَى غَطَّاهُ بِعِمَامَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ قِرْطَاسٍ فِيهِ دَوَاءٌ أَوْ غَيْرُهُ، أَوْ عَصَبَهُ، أَوْ طَيَّنَهُ بِطِينٍ أَوْ حِنَّاءٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَإِنِ اسْتَظَلَّ بِالْمَحْمَلِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQرَأْسِهِ، وَبَدَنِهِ بِرِفْقٍ نَصَّ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يَقْطَعْهُ وَقِيلَ: غَيْرُ الْجُنُبِ، وَلَهُ غَسْلُهُ فِي حَمَّامٍ وَغَيْرِهِ بِلَا تَسْرِيحٍ فَإِنْ غَسَلَهُ بِسِدْرٍ أَوْ نَحْوِهِ، جَازَ، قَالَهُ الْقَاضِي وَجَمَعَ، وَجَزَمَ آخَرُونَ بِالْكَرَاهَةِ لِتَعَرُّضِهِ لِقَطْعِ الشَّعْرِ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ وَيَفْدِي، وَلَهُ أَنْ يَحْتَجِمَ، وَكَرِهَ الْخِرَقِيُّ، لِلْخَبَرِ، زَادَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ: مَا لَمْ يَقْطَعْ شَعْرًا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فِيمَنِ احْتَاجَ وَقَطَعَهُ لِحِجَامَةٍ أَوْ غُسْلٍ: لَمْ يَضُرَّ. [الْفَصْلُ الثَّالِثُ: تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ] (الثَّالِثُ: تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ) إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنْ لُبْسِ الْعَمَائِمِ» ، وَقَوْلُهُ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي مَرْفُوعًا، وَالْأُذُنَانِ مِنْهُ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ، وَعَنْهُ: عُضْوَانِ مُسْتَقِلَّانِ ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ: وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَدْخُلُ فِيهِ الْبَيَاضُ الَّذِي فَوْقَهُمَا دُونَ الشَّعْرِ بِدَلِيلِ الْمُوَضِّحَةِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي رَأْسٍ وَوَجْهٍ، وَلَيْسَ فِي الْوَجْهِ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، وَقِيلَ: لَيْسَ مِنْهُ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا ويدخل فِيهِ النَّزْعَتَانِ، وَالشَّعْرُ الَّذِي بَيْنَهُمَا، وَفِي الصُّدْغِ، وَالتَّحْذِيفِ خِلَافٌ (فَمَتَى غَطَّاهُ بِعِمَامَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ قِرْطَاسٍ فِيهِ دَوَاءٌ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ عَصَبَهُ، أَوْ طَيَّنَهُ بِطِينٍ أَوْ حِنَّاءٍ أَوْ غَيْرِهِ) جَمَعَ فِي ذِكْرِهَا بَيْنَ تَغْطِيَةٍ بِمُعْتَادٍ أَوْ غَيْرِهِ. قَالَ أَحْمَدُ: وَشَدِّ سَيْرٍ فِيهِ (فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا فِي الْإِحْرَامِ يَقْصِدُ بِهِ الرَّفَهَ أَشْبَهَ حَلْقَ الرَّأْسِ. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، (وَإِنِ اسْتَظَلَّ بِالْمَحْمَلِ) ضَبَطَهُ الْجَوْهَرِيُّ كَالْمَجْلِسِ، وَعَكَسَ ابْنُ مَالِكٍ (فَفِيهِ رِوَايَتَانِ) أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَيَلْزَمُهُ الْفِدَاءُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى عَلَى رَجُلٍ مُحْرِمٍ عُودًا يَسْتُرُهُ مِنَ الشَّمْسِ
فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ شَيْئًا، أَوْ نَصَبَ حِيَالَهُ ثَوْبًا أَوِ اسْتَظَلَّ بِخَيْمَةٍ أَوْ شَجَرَةٍ أَوْ بَيْتٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَفِي تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ رِوَايَتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَهُ بِمَا يَقْصِدُ بِهِ الرَّفَهَ كَتَغْطِيَتِهِ، وَعَنْهُ: لَا فِدْيَةَ إِنْ طَالَ زَمَنُهُ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَعَنِ الْأَوَّلِ لَوِ اسْتَظَلَّ بِثَوْبٍ رَاكِبًا وَنَازِلًا، لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ، وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ بِلَا فِدَاءٍ جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا سَبَقَ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ لَا يَرَى ذَلِكَ حَرَامًا، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ بِثَوْبٍ كَمَا سَيَأْتِي. (وَإِنْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ شَيْئًا) وَكَسَتْرِهِ بِيَدِهِ، وَلَا أَثَرَ لِلْقَصْدِ، وَعَدَمِهِ فِيمَا فِيهِ فِدْيَةٌ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ قَصَدَ بِهِ السَّتْرَ فَدَى كَجُلُوسِهِ عِنْدَ عَطَّارٍ لِقَصْدِ شَمِّ الطِّيبِ، فَلَوْ لَبَّدَهُ بِغُسْلٍ أَوْ صَمْغٍ وَنَحْوِهِ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ غُبَارٌ، وَلَا دَبِيبٌ جَازَ لِلْخَبَرِ (أَوْ نَصَبَ حِيَالَهُ ثَوْبًا) لِمَا رَوَتْ أُمُّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ «حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُ بِلَالًا، وَأُسَامَةَ وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَجَابَ أَحْمَدُ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ - بِأَنَّهُ يَسِيرٌ لَا يُرَادُ لِلِاسْتِدَامَةِ بِخِلَافِ الِاسْتِظْلَالِ بِالْمَحْمَلِ زَادَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَوْ كَانَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ بِهِ عُذْرٌ وَفَدَى أَوْ لَمْ يَعْمَلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ (أَوِ اسْتَظَلَّ بِخَيْمَةٍ أَوْ شَجَرَةٍ أَوْ بَيْتٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضُرِبَتْ لَهُ قُبَّةٌ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ الرَّفَهُ فِي الْبَدَنِ عَادَةً، بَلْ جَمْعُ الرَّحْلِ، وَحِفْظُهُ، وَفِيهِ شَيْءٌ، (وَفِي تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: تَجُوزُ، وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ سُنَّةُ التَّقْصِيرِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُرْمَةُ التَّخْمِيرِ كَسَائِرِ بَدَنِهِ، وَالثَّانِيَةُ - وَنَقَلَهَا الْأَكْثَرُ - لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَيَكُونُ كَالرَّأْسِ.
[الفصل الرابع: لبس المخيط والخفين]
فَصْل الرَّابِعُ: لُبْسُ الْمَخِيطِ، وَالْخُفَّيْنِ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ إِزَارًا فَيَلْبَسَ سَرَاوِيلَ، أَوْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ، فَيَلْبَسَ خُفَّيْنِ، وَلَا يَقْطَعَهُمَا وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ مِنْطَقَةً وَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْفَصْلُ الرَّابِعُ: لُبْسُ الْمَخِيطِ وَالْخُفَّيْنِ] فصل (الرَّابِعُ: لُبْسُ الْمَخِيطِ) فِي بَدَنِهِ أَوْ بَعْضِهِ بِمَا عَمِلَ عَلَى قَدْرِهِ إِجْمَاعًا (وَالْخُفَّيْنِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ، وَرْسٌ، وَلَا الْخُفَّيْنِ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَتَنْصِيصُهُ عَلَى الْقَمِيصِ يُلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْجُبَّةِ، وَالدُّرَّاعَةِ، وَالْعِمَامَةِ، يُلْحَقُ بِهَا كُلُّ سَاتِرٍ مُلَاصِقٍ أَوْ سَاتِرٍ مُعْتَادٍ، وَالسَّرَاوِيلُ يُلْحَقُ بِهِ التُّبَّانُ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَخِيطًا أَوْ دِرْعًا مَنْسُوجًا، أَوْ لِبْدًا مَعْقُودًا. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ اللُّبْسِ وَكَثِيرِهِ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ فَاعْتُبِرَ فِيهِ مُجَرَّدُ الْفِعْلِ كَالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، لَكِنْ مَنْ بِهِ شَيْءٌ لَا يَجِبُ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْبَسُ وَيَفْدِي، نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ إِزَارًا فَيَلْبَسَ سَرَاوِيلَ أَوْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسَ خُفَّيْنِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ يَقُولُ: السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ، وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ الْأَثْبَاتُ، وَلَيْسَ فِيهِ بِعَرَفَاتٍ، وَقَالَ مُسْلِمٌ: انْفَرَدَ بِهَا شُعْبَةُ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: تَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَهُ بَدَلًا، وَهُوَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ، لَكِنْ مَتَى وُجِدَ الْإِزَارُ خَلَعَ السَّرَاوِيلَ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " احْتِمَالٌ يَلْبَسُ سَرَاوِيلَ لِلْعَوْرَةِ فَقَطْ، (وَلَا يَقْطَعَهُمَا) أَيْ: لَا يَلْزَمُهُ قَطْعُ خُفِّهِ فِي الْمَنْصُوصِ، وَالْمُخْتَارِ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ حَدِيثَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ فِيهِمَا بِقَطْعٍ، وَلَوْ وَجَبَ لَبَيَّنَهُ. يُؤَيِّدُهُ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ عَمِلُوا عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ أَحْمَدُ: قَطْعُهُمَا فَسَادٌ، وَاحْتَجَّ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ بِالنَّهْيِ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَلِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ أُبِيحَ لِعَدَمِ غَيْرِهِ أَشْبَهَ السَّرَاوِيلَ، وَلِأَنَّ قَطْعَهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حَالَةِ الْحَظْرِ، فَإِنَّ لُبْسَ الْمَقْطُوعِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّعْلَيْنِ، كَلُبْسِ الصَّحِيحِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يَقْطَعْهُمَا دُونَ كَعْبَيْهِ فَدَى، وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": وَهِيَ الْأَوْلَى عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَخُرُوجًا مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَأَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ زِيَادَةَ الْقَطْعِ لَمْ يَذْكُرْهَا جَمَاعَةٌ، وَرُوِيَ أَنَّهَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَوْ سُلِّمَ صِحَّةُ رَفْعِهَا فَهِيَ بِالْمَدِينَةِ، وَخَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ، فَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ، وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ لِلْجَمْعِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَمْ يَحْضُرْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ كَلَامَهُ فِي الْمَسْجِدِ فِي مَوْضِعِ الْبَيَانِ وَوَقْتِ الْحَاجَةِ فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْإِطْلَاقُ نَاسِخًا لِلتَّقْيِيدِ دَفْعًا لِمَحْذُورِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَحُكِيَ فِي " الْمُغْنِي " عَنِ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْعَجَبُ مِنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا أَيْ: فِي قَوْلِهِ بِعَدَمِ الْقَطْعِ قَالَ: فَإِنَّهُ لَا يُخَالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُهُ، وَقَلَّ سُنَّةٌ لَمْ تَبْلُغْهُ، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَإِنَّ أَحْمَدَ لَمْ يُخَالِفِ السُّنَّةَ، وَلَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ، قَالَ: الْمَرْوَزِيُّ احْتَجَجْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقُلْتُ: هُوَ زِيَادَةٌ فِي الْخَبَرِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ، وَذَاكَ حَدِيثٌ فَقَدْ اطلع - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى السُّنَّةِ، وَإِنَّمَا نَظَرَ نَظَرَ الْمُتَبَحِّرِينَ الَّذِينَ أَمَدَّهُمُ اللَّهُ بِعَوْنِهِ مَعَ أَنَّ خَبَرَنَا فِيهِ زِيَادَةُ حُكْمٍ، وَهُوَ جَوَازُ اللُّبْسِ بِلَا قَطْعٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَمْ يُشْرَعْ بِالسُّنَّةِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ أَحْسَنُ مِنَ ادِّعَاءِ النَّسْخِ، (وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) لِظَاهِرِ مَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهَا؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ. فَرْعٌ: الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ إِنْ لَبِسَ الْمَخِيطَ أَوْ غَطَّى وَجْهَهُ، وَجَسَدَهُ مِنْ غَيْرِ لُبْسٍ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَإِنْ غَطَّى وَجْهَهُ، وَرَأْسَهُ أَوْ غَطَّى وَجْهَهُ، وَلَبِسَ الْمَخِيطَ فَدَى، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ: يُغَطِّي رَأْسَهُ وَيَفْدِي، وَذَكَرَهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ ". (وَلَا يَعْقِدَ عَلَيْهِ مِنْطَقَةً، وَلَا رِدَاءً، وَلَا غَيْرَهُ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لِمُحْرِمٍ، وَلَا تَعْقِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَرَوَى هُوَ، وَمَالِكٌ أَنَّهُ كَانَ يُكْرَهُ لُبْسُ الْمِنْطَقَةِ لِلْمُحْرِمِ، وَلِأَنَّهُ يَتَرَفَّهُ بِذَلِكَ أَشْبَهَ اللِّبَاسَ. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ رَبْطِهِ بِالْعَقْدِ أَوْ بِشَوْكَةٍ أَوْ إِبْرَةٍ أَوْ
رِدَاءً وَلَا غَيْرَهُ إِلَّا إِزَارَهُ وَهِمْيَانَهُ الَّذِي فِيهِ نَفَقَتُهُ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِالْعَقْدِ، وَإِنْ طَرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ قِبَاءً، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ، أَثِمَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَفَدَى، وَكَذَا إِنْ كَانَ مَعَهَا كَوَجَعِ ظَهْرٍ وَنَحْوِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ فِيهَا بَعْضُهُ، فَحُكْمُهَا كَالْهِمْيَانِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا كَهِمْيَانٍ، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُمَا، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ: أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا النَّفَقَةُ، وَعَدَمُهَا، وَإِلَّا فَهُمَا سَوَاءٌ. فَرْعٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَّشِحَ بِالْقَمِيصِ، وَيَرْتَدِيَ بِهِ، وَبِرِدَاءٍ، وَلَا يَعْقِدُهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الْمَخِيطُ عَلَى قَدْرِ الْعُضْوِ (إِلَّا إِزَارَهُ) فَيَجُوزُ لَهُ عَقْدُهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُهُ لِسِتْرِ عَوْرَتِهِ فَأُبِيحَ كَاللِّبَاسِ لِلْمَرْأَةِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَوْ شَدَّ، وَسَطَهُ بِمِنْدِيلٍ وَنَحْوِهِ، جَازَ، مَا لَمْ يَعْقِدْهُ، قَالَ أَحْمَدُ: فِي مُحْرِمٍ حَزَّمَ عِمَامَةً عَلَى وَسَطِهِ، لَا يَعْقِدُهَا ويدخل بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ. قَالَ طَاوُسٌ: فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِشَدِّ، وَسَطِهِ بِحَبْلٍ وَنَحْوِهِ لِحَاجَةٍ، وَلَا يُسَنُّ شَقُّ أَسْفَلِ إِزَارِهِ نِصْفَيْنِ بِعَقْدِ، كُلِّ نِصْفٍ عَلَى سَاقٍ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ السَّرَاوِيلَ، (وَهِمْيَانَهُ الَّذِي فِيهِ نَفَقَتُهُ) فَيُبَاحُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجَازَهُ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ (إِذَا لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِالْعَقْدِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ أَوْثِقْ عَلَيْكَ نَفَقَتَكَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ مَعْنَاهُ بَلْ رَفَعَهُ بَعْضُهُمْ. وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى عَقْدِهِ، فَجَازَ كَعَقْدِ الْإِزَارِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: كَانُوا يُرَخِّصُونَ فِي عَقْدِهِ، لَا فِي عَقْدِ غَيْرِهِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ بِغَيْرِ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ أَدْخَلَ السُّيُورَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ، لَمْ يَجُزْ عَقْدُهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفَقَةٌ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " لَا يَعْقِدُ سُيُورَهُ، وَقِيلَ: لَا بَأْسَ احْتِيَاطًا لِلنَّفَقَةِ. مَسْأَلَةٌ: لَهُ حَمْلُ جِرَابِهِ، وَقِرْبَةِ الْمَاءِ، وَلَا يُدْخِلُهُ فِي صَدْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا (وَإِنْ طَرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ قَبَاءً فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مَرْفُوعًا أَنَّهُ «نَهَى عَنْ لُبْسِ الْأَقْبِيَةِ لِلْمُحْرِمِ» ، وَرَوَاهُ النَّجَّادُ عَنْ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّهُ مَخِيطٌ، وَهُوَ عَادَةُ لُبْسِهِ كَالْقَمِيصِ، (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي
[الخامس: الطيب]
فِي كُمَّيْهِ. وَيَتَقَلَّدَ بِالسَّيْفِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. فَصْلٌ الْخَامِسُ: الطِّيبُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَطْيِيبُ بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ وَشَمُّ الْأَدْهَانِ الْمُطَيَّبَةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــQكُمَّيْهِ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَاخْتَارَهَا فِي " التَّرْغِيبِ " وَرَجَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِيهِمَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ فَهُوَ كَالْقَمِيصِ إِذَا ارْتَدَى بِهِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا أَدْخَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَفِي " الْوَاضِحِ " بَلَى، (وَيَتَقَلَّدُ بِالسَّيْفِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ) لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: «لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ صَالِحَهُمْ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلْبَانِ السِّلَاحِ: الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي إِبَاحَتِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَأْمَنُونَ أَهْلَ مَكَّةَ أَنْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، عِنْدَ عَدَمِهَا لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: لَا يَحْمِلُ الْمُحْرِمُ السِّلَاحَ فِي الْحَرَمِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي إِبَاحَتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى اللُّبْسُ كَمَا لَوْ حَمَلَ قِرْبَةً فِي عُنُقِهِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ أَنْ يَتَقَلَّدَ بِالسَّيْفِ بِلَا حَاجَةٍ، اخْتَارَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ حَمْلَ السِّلَاحِ بِهَا لَا يَجُوزُ إِلَّا لِحَاجَةٍ. نَقَلَ الْأَثْرَمُ: لَا يُتَقَلَّدُ بِمَكَّةَ إِلَّا لِخَوْفٍ. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «لَا يَحِلُّ أَنْ يُحْمَلَ السِّلَاحُ بِمَكَّةَ» ، وَإِنَّمَا مَنَعَ أَحْمَدُ مِنْ تَقْلِيدِ السَّيْفِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى اللُّبْسِ. [الْخَامِسُ: الطِّيبُ] فَصْلٌ (الْخَامِسُ: الطِّيبُ) فَيَحْرُمُ إِجْمَاعًا لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ بِغَسْلِهِ «وَقَالَ فِي " الْمُحْرِمِ " الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ، " وَلَا تُحَنِّطُوهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَلِمُسْلِمٍ، «وَلَا
وَالِادِّهَانُ بِهَا، وَشَمُّ الْمِسْكِ، وَالْكَافُورِ، وَالْعَنْبَرِ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَالْوَرْسِ، وَأَكْلُ مَا فِيهِ طِيبٌ، يَظْهَرُ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ، وَإِنْ مَسَّ مِنَ الطِّيبِ مَا لَا يَعْلَقُ بِيَدِهِ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. وَلَهُ شَمُّ الْعُودِ وَالْفَوَاكِهِ وَالشِّيحِ وَالْخُزَامَى، وَفِي شَمِّ الرَّيْحَانِ وَالنَّرْجِسِ وَالْوَرْدِ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَمَسُّوهُ بِطِيبٍ» ، وَإِذَا مُنِعَ الْمُحْرِمُ الْمَيِّتُ مِنَ الطِّيبِ مَعَ اسْتِحْبَابِهِ لَهُ فَالْمُحْرِمُ الْحَيُّ أَوْلَى (فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَطْيِيبُ بَدَنِهِ) أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، (وَثِيَابِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ يُعَدُّ مُطَيِّبًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، (وَشَمُّ الْأَدْهَانِ الْمُطَيَّبَةِ) كَدُهْنِ الْوَرْدِ، وَالْبَنَفْسَجِ، وَنَحْوِهِمَا، (وَالِادِّهَانُ بِهَا) ؛ لِأَنَّهَا تُقْصَدُ رَائِحَتُهَا، وَتُتَّخَذُ لِلطِّيبِ أَشْبَهَ مَاءَ الْوَرْدِ، (وَشَمُّ الْمِسْكَ وَالْكَافُورِ وَالْعَنْبَرِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ) ؛ لِأَنَّهَا هَكَذَا تُسْتَعْمَلُ، وَكَذَا التَّبَخُّرُ بِالْعُودِ، وَالنَّدِّ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى وَجْهِ التَّطَيُّبِ، (وَأَكْلُ مَا فِيهِ طِيبٌ) كَمِسْكٍ، وَنَحْوِهِ (يَظْهَرُ طَعْمُهُ) ؛ لِأَنَّ الطَّعْمَ يَسْتَلْزِمُ الرَّائِحَةَ. وَقِيلَ: لَا فِدْيَةَ لِبَقَاءِ لَوْنِهِ، وَلَوْ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ (أَوْ رِيحُهُ) ؛ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ. وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ طُبِخَ أَوْ مَسَّهُ نَارٌ لِبَقَاءِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِالْمَأْكُولِ بَلِ الْمَشْرُوبُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ تَنَاوُلُ الطِّيبِ كَالِاكْتِحَالِ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لِلطِّيبِ أَشْبَهَ شَمَّهُ، وَمَتَى فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَرَّمَهُ الْإِحْرَامُ كَاللِّبَاسِ. مَسْأَلَةٌ: لِلْمُشْتَرِي حَمْلُهُ وَتَقْلِيبُهُ إِنْ لَمْ يَمَسَّهُ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ لَوْ ظَهَرَ رِيحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ لِلتَّطَيُّبِ، وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ: وَلَوْ عَلِقَ بِيَدِهِ لِعَدَمِ الْقَصْدِ، وَلِحَاجَةِ التِّجَارَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ حَمَلَهُ مَعَ ظُهُورِ رِيحِهِ لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا جَازَ، (وَإِنْ مَسَّ مِنَ الطِّيبِ مَا لَا يَعْلَقُ بِيَدِهِ) كَالْمِسْكِ غَيْرِ الْمَسْحُوقِ، وَقِطَعِ الْكَافُورِ، وَالْعَنْبَرِ (فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمِلٍ لِلطِّيبِ، وَشَمُّهُ سَبَقَ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا عَلِقَ بِيَدِهِ كَالْغَالِيَةِ، وَالْمِسْكِ، وَالْمَسْحُوقِ، عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لِلطِّيبِ (وَلَهُ شَمُّ الْعُودِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّبْخِيرُ (وَالْفَوَاكِهِ) كُلُّهَا كَالْأُتْرُجِّ، وَالتُّفَّاحِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَنَحْوِهِ، (وَالشِّيحِ وَالْخُزَامَى) مِنْ نَبَاتِ الصَّحْرَاءِ، وَكَذَا مَا يُنْبِتُهُ آدَمِيٌّ لِغَيْرِ قَصْدِ الطِّيبِ كَحِنَّاءٍ، وَعُصْفُرٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ، وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ، وَلَا يُسَمَّى مُتَطَيِّبًا عَادَةً، وَكَذَا لَهُ شَمُّ
وَالْبَنَفْسَجِ وَالْبَرَمِ وَنَحْوِهَا، وَالِادِّهَانِ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيَّبٍ فِي رَأْسِهِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ جَلَسَ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَرَنْفُلٍ وَدَارَ صِينِيٍّ وَنَحْوِهِمَا، (وَفِي شَمِّ الرَّيْحَانِ) هَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ مَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّ لِقَصْدِ شَمِّهِ، وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ كَرَيْحَانٍ فَارِسِيٍّ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيهِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالشَّامِ وَمَكَّةَ وَالْعِرَاقِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعَرَبِ فَالرَّيْحَانُ هُوَ الْآسُ، وَلَا فِدْيَةَ فِي شَمِّهِ قَطْعًا، (وَالنَّرْجِسِ) وَهُوَ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ (وَالْبَنَفْسِجِ) وَهُوَ مُعَرَّبٌ أَيْضًا، (وَالْوَرْدِ وَالْبَرَمِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ هُوَ الْعِضَاهُ، الْوَاحِدُ بَرَمَةٌ (وَنَحْوِهَا) كَنَمَامٍ، وَمَرْزُجَوْشَ، وَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ. إِحْدَاهُمَا: يُبَاحُ، اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا يَبِسَ ذَهَبَتْ رَائِحَتُهُ أَشْبَهَ نَبْتَ الْبَرَمَةِ. فَعَلَيْهَا: لَا فِدْيَةَ فِيهِ لِإِبَاحَتِهِ، وَالثَّانِيَةُ: يَحْرُمُ لِقَوْلِ جَابِرٍ لَا يَشُمُّهُ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَرِهَهُ ابْنُ عُمَرَ قَالَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّخَذُ لِلطِّيبِ كَالْوَرْدِ فَحِينَئِذٍ تَجِبُ الْفِدْيَةُ، وَلَكِنْ مَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّ تَارَةً يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ كَالْوَرْدِ، وَالْبَنَفْسَجِ، وَالْيَاسَمِينِ، وَهُوَ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْهُ الزِّئْبَقُ فَالْأَشْهَرُ: يَحْرُمُ وَيَفْدِي، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمُؤَلِّفُ، وَغَيْرُهُمَا، كَمَاءِ الْوَرْدِ، وَتَارَةً لَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ، كَالرَّيْحَانِ فَاخْتَارَ الْأَكْثَرُ إِبَاحَتَهُ، وَمَاءُ الرَّيْحَانِ كَهُوَ. وَفِي " الْفُصُولِ " احْتِمَالٌ بِالْمَنْعِ كَمَاءِ وَرْدٍ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ (وَالِادِّهَانُ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيَّبٍ) كَزَيْتٍ، وَشَيْرَجَ (فِي رَأْسِهِ رِوَايَتَانِ) أَنَصُّهُمَا: لَهُ فِعْلُهُ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَعَلَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عندهم وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ، وَالثَّانِيَةُ الْمَنْعُ، وَيَفْدِي، ذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، كَالْمُطَيَّبِ وَلِأَنَّهُمَا أَصْلُ الْأَدْهَانِ، وَلَمْ يَكْتَسِبِ الدُّهْنُ إِلَّا الرَّائِحَةَ، وَلَا أَثَرَ لَهَا مُنْفَرِدَةً، وَمَنَعَ الْقَاضِي ذَلِكَ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَلِأَنَّهُ يُزِيلُ الشَّعَثَ، وَيُسْكِنُ الشَّعْرَ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنَ الِادِّهَانِ بِهِ فِي بَقِيَّةِ بَدَنِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَقَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا نَعْلَمُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ مَنْعًا، وَحَكَى ابْنُ
[السادس: قتل صيد البر]
عِنْدَ الْعَطَّارِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ لِيَشَمَّ الطِّيبَ فَشَمَّهُ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَإِلَّا فَلَا. فصل السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ وَاصْطِيَادُهُ وَهُوَ مَا كَانَ وَحْشِيًّا مَأْكُولًا، أَوْ مُتَوَلِّدًا مِنْهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُنْذِرِ أَنَّ عَوَامَّ أَهْلِ الْعِلْمِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَدْهِنَ بَدَنَهُ بِشَحْمٍ وَزَيْتٍ وَسَمْنٍ، وَإِنَّمَا خَصَّ الرَّأْسَ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الشَّعْرِ بِالْوَجْهِ كَذَلِكَ فَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُمَا فِي دَهْنِ شَعْرِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَ " الْكَافِي " فِيهِ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي دَهْنِ بَدَنِهِ، كَرَأْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ. تَنْبِيهٌ: يُقَدَّمُ غَسْلُ طِيبٍ عَلَى نَجَاسَةٍ يُتَيَمَّمُ لَهَا، وَلَا يَحْرُمُ دَلَالَةٌ عَلَى طِيبٍ وَلِبَاسٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ شِهَابٍ لِعَدَمِ ضَمَانِهِ بِالسَّبَبِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا حُكْمٌ مُخْتَصٌّ بِخِلَافِ الدَّلَالَةِ عَلَى الصَّيْدِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مُخْتَصٌّ، وَهُوَ تَحْرِيمُ الْأَكْلِ وَالْإِثْمُ (وَإِنْ جَلَسَ عِنْدَ الْعَطَّارِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ) كَقَصْدِ الْكَعْبَةِ حَالَ تَجْمِيرِهَا أَوْ حَمَلَ مَعَهُ عُقْدَةً فِيهَا مِسْكٌ لِيَجِدَ رِيحَهَا (لِيَشُمَّ الطِّيبَ فَشَمَّهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَمَّهُ قَاصِدًا فَحَرُمَ كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُبَاحُ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا جَلَسَ عِنْدَ الْعَطَّارِ لِحَاجَتِهِ أَوْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ لِلتَّبَرُّكِ بِهَا، وَإِذَا اشْتَرَاهُ كَمَا سَبَقَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ. [السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ] فَصْلٌ (السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ) إِجْمَاعًا وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] (وَاصْطِيَادُهُ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] (وَهُوَ) أَيِ: الصَّيْدُ الْمُحَرَّمُ عَلَى الْمُحْرِمِ مَا جَمَعَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ (مَا كَانَ وَحْشِيًّا) ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِوَحْشِيٍّ لَا يَحْرُمُ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَالْخَيْلِ وَالدَّجَاجِ إِجْمَاعًا، وَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ الْأَصْلُ، فَلَوِ اسْتَأْنَسَ الْوَحْشِيُّ، وَجَبَ فِيهِ الْجَزَاءُ، وَعَكَسُهُ لَوْ تَوَحَّشَ الْأَهْلِيُّ لَمْ يَجِبْ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، فِي بَقَرَةٍ صَارَتْ وَحْشِيَّةً؛ لَأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الْإِنْسِيَّةُ، وَحَمَامٌ وَبَطٌّ وَحْشِيٌّ (مَأْكُولًا) ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَأْكُولٍ كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ، وَالْمُسْتَخْبَثِ مِنَ الْحَشَرَاتِ وَالطَّيْرِ يُبَاحُ قَتْلُهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ
وَمِنْ غَيْرِهِ، فَمَنْ أَتْلَفَ أَوْ أُتْلِفَ فِي يَدِهِ، أَوْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْهُ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَيَضْمَنُ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ: الْحَدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِهِ فَأَمَّا مَا اخْتُلِفَ فِيهِ كَالثَّعْلَبِ، وَالسِّنَّوْرِ الْوَحْشِيِّ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالْأَشْهَرُ: أَنَّهُ يَجِبُ فِي الثَّعْلَبِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي السِّنَّوْرِ الْوَحْشِيِّ؛ لِأَنَّهُ سَبُعٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا شَيَّ فِي الْأَهْلِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَحْشِيٍّ، وَلَا مَأْكُولٍ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَفْدِي أُمَّ حُبَيْنٍ بِجَدْيٍ، وَهِيَ دَابَّةٌ مُنْتَفِخَةُ الْبَطْنِ، وَهَذَا خِلَافُ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ لَا تُؤْكَلُ، حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: كُلْ مَا دَبَّ وَدَرَجَ، إِلَّا أُمَّ حُبَيْنٍ. (أَوْ مُتَوَلِّدًا مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ) كَالْمُتَوَلِّدِ مِنَ الْوَحْشِيِّ، وَالْأَهْلِيِّ، وَالْمُتَوَلِّدِ مِنَ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ كَالسَّمْعِ، فَفِيهِ الْجَزَاءُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ تَغْلِيبًا لِتَحْرِيمِ قَتْلِهِ كَمَا غَلَّبُوا التَّحْرِيمَ فِي أَكْلِهِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ فِيمَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "؛ لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا حَرَّمَ صَيْدَ الْبَرِّ، وَهَذَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ (فَمَنْ أَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْهُ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ) . فِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا أَتْلَفَهُ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] . الثَّانِيَةُ: إِذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ تَحْتَ يَدٍ عَادِيَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ، إِذِ الْوَاجِبُ إِمَّا إِرْسَالُهُ، أَوْ رَدُّهُ عَلَى مَالِكِهِ. الثَّالِثَةُ: إِذَا أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْهُ؛ لِأَنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ، فَيَضْمَنُ أَبْعَاضَهُ، كَالْآدَمِيِّ وَالْمَالِ، وَيَأْتِي حُكْمُ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ، لَكِنْ لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً، ثُمَّ أَحْرَمَ، أَوْ أَحْرَمَ ثُمَّ حَفَرَ بِئْرًا بِحَقٍّ، فَتَلَفَ بِهِ صَيْدٌ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَإِلَّا ضَمِنَ كَالْآدَمِيِّ فِيهِمَا، وَالْمُرَادُ: إِذَا لَمْ يَتَحَيَّلْ (وَيَضْمَنُ) مَعَ التَّحْرِيمِ (مَا دَلَّ عَلَيْهِ) نَقَلَهُ ابن منصور وأبُو الْحَارِثِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ ظَاهِرًا أَوْ خَفِيًّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا بِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ فِي " الْمُبْهِجِ " إِنْ كَانَتِ
مَا دَلَّ عَلَيْهِ، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ، أَوْ أَعَانَ عَلَى ذَبْحِهِ أَوْ كَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي ذَبْحِهِ؛ مِثْلَ أَنْ يُعِيرَهُ سِكِّينًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ مُحْرِمًا، فَيَكُونُ جَزَاؤُهُ بَيْنَهُمَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالدَّلَالَةُ مُلْجِئَةً لَزِمَ الْمُحْرِمَ الْجَزَاءُ، كَقَوْلِهِ: دَخَلَ فِي هَذِهِ الْمَغَارَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ، كَقَوْلِهِ: ذَهَبَ فِي هَذِهِ الْبَرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالسَّبَبِ مَعَ الْمُبَاشَرَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُلْجِئًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الْقَاتِلِ، وَالدَّافِعُ دُونَ الْمُمْسِكِ وَالْحَافِرِ. وَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّ الْمُمْسِكَ غَيْرُ مُلْجِئٍ، وَيَضْمَنُ بِهَا الْمُودِعُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ دَلَّهُ فَكَذَبَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَلَوْ دَلَّ حَلَالٌ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ فَكَدَلَالَةِ مُحْرِمٍ مُحْرِمًا عَلَيْهِ (أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ) نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ، لَكِنْ لَوْ رَأَى الصَّيْدَ قَبْلَ الدَّلَالَةِ وَالْإِشَارَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَى دَالٍّ وَمُشِيرٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ سَبَبًا فِي تَلَفِهِ، كَمَا لَوْ وُجِدَ مِنَ الْمُحْرِمِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ ضَحِكٌ، أَوِ اسْتِشْرَافٌ فَفَطِنَ لَهُ غَيْرُهُ فَصَادَهُ (أَوْ أَعَانَ عَلَى ذَبْحِهِ) نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ بِمُنَاوَلَتِهِ سِلَاحَهُ أَوْ سَوْطَهُ أَوْ أَمَرَهُ بِاصْطِيَادِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: أَوْ بِدَفْعِهِ إِلَيْهِ فَرَسًا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا بِهِ. (أَوْ كَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي ذَبْحِهِ مِثْلُ أَنْ يُعِيرَهُ سِكِّينًا) أَوْ نَحْوَهَا لِيَقْتُلَهُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ مَا يَقْتُلُهُ بِهِ أَوْ لَا، لِمَا «رَوَى أَبُو قَتَادَةَ أَنَّهُ لَمَّا صَادَ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ أَشَارَ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ أَوْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا لَا، وَفِيهِ أَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا فَلَمْ يُؤْذِنُونِي، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ، فَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ، ثُمَّ رَكِبْتُ، وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقُلْتُ: لَهُمْ نَاوِلُونِي، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إِنَّا مُحْرِمُونَ فَتَنَاوَلْتُهُ فَأَخَذْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْحِمَارَ مِنْ وَرَائِهِ فَعَقَرْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأْكُلُوا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كُلُوهُ هُوَ حَلَالٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَفَظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَلِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْحَرَامِ فَكَانَ حَرَامًا كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ. (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ مُحْرِمًا فَيَكُونُ جَزَاؤُهُ بَيْنَهُمَا) هَذَا هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي التَّحْرِيمِ فَكَذَا فِي الْجَزَاءِ، وَلِأَنَّهُ جَزَاءٌ عَنْ مَقْتُولٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ، وَيُحْتَمَلُ التَّبْعِيضُ، فَكَانَ وَاحِدًا كَقَيِّمِ الْعَبِيدِ وَعَنْهُ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ، وَعَنْهُ: جَزَاءٌ وَاحِدٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَوْمًا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ صَوْمٌ تَامٌّ، وَمَنْ
مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَكْلُ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَهْدَى فَبِحِصَّتِهِ، وَعَلَى الْآخَرِ صَوْمٌ تَامٌّ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ بَدَلٌ، لَا كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَطَفَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، وَالصَّوْمُ كَفَّارَتُهُ كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ، وَقِيلَ: لَا جَزَاءَ عَلَى مُحْرِمٍ مُمْسِكٍ مَعَ مَحْرَمٍ قَاتِلٍ، وَلَا يَلْزَمُ مُتَسَبِّبًا مَعَ مُبَاشِرٍ، وَقِيلَ: الْقَرَارُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ فِعْلَ الْمُمْسِكِ عِلَّةً. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْقَاتِلُ حَلَالًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِحِلِّهِ لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ الِاشْتِرَاكُ فِي الْحَرَمِ فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ كَالْأَوَّلِ، فَلَوْ كَانَ الدَّالُّ وَالشَّرِيكُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَالْمُحِلِّ فِي الْحِلِّ فَالْجَزَاءُ جَمِيعُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي الْأَشْهَرِ وَأَطْلَقَ أَحْمَدُ الْقَوْلَ فَيَحْتَمِلُ مَا قُلْنَا، وَيَحْتَمِلُ يُلْزِمُهُ بِحِصَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مُوجِبٌ، وَسَقَطٌ فَغَلَبَ الْإِيجَابُ كَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا الْخِلَافُ إِنْ كَانَ الشَّرِيكُ سَبُعًا، فَإِنْ سَبَقَ حَلَالٌ وَسَبُعٌ بِجُرْحِهِ فَعَلَى الْمُحْرِمِ جَزَاؤُهُ مَجْرُوحًا، وَإِنْ سَبَقَ هُوَ فَعَلَيْهِ أَرْشُ جُرْحِهِ، فَلَوْ كَانَا مُحْرِمَيْنِ ضِمْنَ الْجَارِحُ نَقْصَهُ، وَالْقَاتِلُ تَتِمَّةَ الْجَزَاءِ. (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: كُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَكَلُ مَا ذَبَحَهُ، وَمَا صِيدَ لِأَجْلِهِ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّهُ «أَهْدَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «لَحْمُ الصَّيْدِ لِلْمَرْءِ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» فِيهِ الْمُطَّلِبُ بْنُ حَنْطَبٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ أَتَى بِلَحْمِ صَيْدٍ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ:
أَتْلَفَ بَيْضَ صَيْدٍ، أَوْ نَقَلَهُ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَفَسَدَ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ، وَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQكُلُوا، فَقَالُوا: أَلَا تَأْكُلُ أَنْتَ، فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنَّمَا صِيدَ لِأَجْلِي. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " احْتِمَالٌ بِجَوَازِهِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَا حُرِّمَ عَلَى الْمُحْرِمِ لِكَوْنِهِ دَلَّ عَلَيْهِ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ أَوْ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ، لَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَلَالِ أَكْلُهُ، صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ لِحَدِيثِ الصَّعْبِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى مُحْرِمٍ آخَرَ فِي الْأَشْهَرِ، (وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ «كُلُوهُ هُوَ حَلَالٌ» ، وَأَفْتَى بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَقَالَ عُمَرُ لَهُ: لَوْ أَفْتَيْتَهُمْ بِغَيْرِهِ لَأَوْجَعْتُكَ. رَوَاهُ مَالِكٌ. وَعَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: يَحْرُمُ لِخَبَرِ الصَّعْبِ، وَكَمَا لَوْ دَلَّ عَلَيْهِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَمَا سَبَقَ أَخَصُّ، وَالْجَمْعُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنَّمَا تَرَكَ الْأَكْلَ مِنْ حَدِيثِ الصَّعْبِ؛ لِعِلْمِهِ أَوْ ظَنِّهِ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ. 1 - (وَإِنْ أَتْلَفْ بَيْضَ صَيْدٍ أَوْ نَقَلَهُ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَفَسَدَ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فِي بَيْضِ النَّعَامِ ثَمَنُهُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إِلَى إِتْلَافِهِ بِالنَّقْلِ فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَالْمُبَاشِرَةِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا صَحَّ، وَخَرَجَ لَا ضَمَانَ فِيهِ، لَكِنْ لَوْ بَاضَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَنَقَلَهُ بِرِفْقٍ فَفَسَدَ، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْجَرَادِ إِذَا انْفَرَشَ فِي طَرِيقِهِ. وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ الضَّمَانِ (بِقِيمَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ، وَلِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ فِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ مَعَ أَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَيْضَ لَا مِثْلَ لَهُ فَتَجِبُ فِيهِ الْقَيِّمَةُ كَصِغَارِ الطَّيْرِ، وَإِطْلَاقُ الثَّمَنِ فِي الْخَبَرِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ غَالِبُ الْأَشْيَاءِ تَعْدِلُ ثَمَنَهَا، وَهَذَا إِذَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ، فَإِنْ كَانَ هَدْرًا، فَلَا شَيْءَ فِيهِ. قَالَ الْأَصْحَابُ: إِلَّا بَيْضَ النَّعَامِ فَإِنَّ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَيَوَانٌ حَالًا أَوْ مَآلًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَحْجَارِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ كَسَرَهَا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَتْ، وَخَرَجَ مِنْهَا دَمٌ أَوْ خَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ حَيٌّ،
يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِغَيْرِ الْإِرْثِ، وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُهُ بِهِ أَيْضًا، وَإِنْ أَمْسَكَ صَيْدًا حَتَّى تَحَلَّلَ، ثُمَّ تَلِفَ أَوْ ذَبَحَهُ، ضَمِنَهُ، وَكَانَ مَيْتَةً. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَهُ أَكْلُهُ، وَإِنْ أَحْرَمَ، وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ، أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ، لَزِمَهُ إِزَالَةُ يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ عَنْهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَضْمَنَهُ إِلَّا أَنْ يَحْفَظَهُ إِلَى أَنْ يَنْهَضَ وَيَطِيرَ، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ كَمَا لَوْ أَمْسَكَ طَائِرًا أَعْرَجَ، ثُمَّ تَرَكَهُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ خُرُوجِهِ، فَفِيهِ مَا فِي صِغَارِ أَوْلَادِ الْمُتْلَفِ بَيْضُهُ، (وَلَا يَمْلِكُ الصَّيْدَ) ابْتِدَاءً (بِغَيْرِ الْإِرْثِ) وِفَاقًا لِخَبَرِ الصَّعْبِ السَّابِقِ فَلَيْسَ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ عَلَيْهِ كَالْخَمْرِ، فَلَوْ قَبَضَهُ مُشْتَرٍ، ثُمَّ تَلِفَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَقِيمَتُهُ لِمَالِكِهِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " لَا شَيْءَ لِوَاهِبٍ، وَإِنْ قَبَضَهُ رِضًا فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ فَقَطْ، وَعَلَيْهِ رَدُّهُ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ، ضَمِنَهُ لِمَالِكِهِ، وَلَا جَزَاءَ، وَيَرُدُّ الْمَبِيعَ، وَقِيلَ: يُرْسِلُهُ لِئَلَّا يُثْبِتَ مُدَّةَ الْمُشَاهِدَةِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ مُتَّهِبُهُ، وَصَرِيحُهُ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالْإِرْثِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا فِعْلَ مِنْهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَيَمْلِكُ بِهِ الْكَافِرُ فَجَرَى مَجْرَى الِاسْتِدَامَةِ، (وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُهُ بِهِ) أَيْضًا لِمَا قُلْنَاهُ فَهُوَ كَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ فَيَمْلِكُهُ إِذَا حَلَّ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَمْلِكُهُ بِشِرَاءٍ، وَاتِّهَابٍ. (وَإِنْ أَمْسَكَ صَيْدًا حَتَّى تَحَلَّلَ، ثُمَّ تَلِفَ أَوْ ذَبَحَهُ ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبٍ كَانَ فِي إِحْرَامِهِ فَضَمِنَهُ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ، فَمَاتَ بَعْدَ حِلِّهِ. وَلَمْ يَتَكَرَّرِ الضَّمَانُ بِأَكْلِهِ إِذَا ذَبَحَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِقَتْلِهِ لَا لِأَكْلِهِ لِكَوْنِهِ مَضْمُونًا بِالْجَزَاءِ، فَلَا يَتَكَرَّرُ كَإِتْلَافِهِ بِغَيْرِ أَكْلِهِ، وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُهُ مُحْرِمٌ آخَرُ، (وَكَانَ مَيْتَةً) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ يَلْزَمُهُ ضمانه فَلَمْ يَبُحْ بِذَبْحِهِ كَحَالَةِ الْإِحْرَامِ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَهُ أَكَلُهُ) وَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ ذَبَحَهُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ صَادَهُ بَعْدَ حِلِّهِ فَأُبِيحَ لَهُ كَغَيْرِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لَأَنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ ضمانه بِخِلَافِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، (وَإِنْ أَحْرَمَ، وَفِي يَدِهِ) أَيْ: مِلْكِهِ (صَيْدٌ أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ لَزِمَهُ إِزَالَةُ يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ عَنْهُ) كَمَا لَوْ كَانَ فِي رَحْلِهِ أَوْ خَيْمَتِهِ أَوْ قَفَصِهِ، وَيَلْزَمُهُ إِرْسَالُهُ؛ لَأَنَّ فِي عَدَمِ إِزَالَةِ يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ إِمْسَاكًا لِلصَّيْدِ، فَلَمْ يَجُزْ كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ بِدَلِيلِ الْيَمِينِ، وَمِلْكُهُ بَاقٍ عَلَيْهِ فَرَدَّهُ مَنْ أَخَذَهُ، وَيَضْمَنُهُ مَنْ قَتَلَهُ، وَلَا يَصِحُّ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ (دُونَ الْحُكْمِيَّةِ) كَمَا
دُونَ الْحُكْمِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَتَلِفَ فَعَلَيْهِ ضمانه، وَإِنْ أَرْسَلَهُ إِنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْسِلِ. وَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا صَائِلًا عَلَيْهِ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَوْ كَانَ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي يَدِ نَائِبٍ لَهُ في غير مَكَانَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إِمْسَاكُ الصَّيْدِ فَلَمْ يُلْزَمْ بِإِزَالَتِهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا. فَعَلَى هَذَا لَا يَضْمَنُهُ، وَلَهُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ بِكُلِّ نَوْعٍ، وَمِنْ غَصَبَهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أَيْ: لَمْ يُزِلْ يَدَهُ الْمُشَاهَدَةُ (فَتَلِفَ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ الْعَادِيَّةِ فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ كَمَالِ الْآدَمِيِّ، وَجَزَمَ الْمُؤَلِّفُ: وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُصُولِ " إِنْ أَمْكَنَهُ، وَإِلَّا فَلَا لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ، (وَإِنْ أَرْسَلَهُ إِنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْسِلِ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِعْلُهُ فِي هَذِهِ الْعَيْنِ خَاصَّةً كَالْمَغْصُوبِ، وَلِأَنَّ الْيَدَ قَدْ زَالَ حُكْمُهَا وَحُرْمَتُهَا، فَلَوْ أَمْسَكَهُ حَتَّى تَحَلَّلَ فَمِلْكُهُ بَاقٍ عَلَيْهِ، وَاعْتَبَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِعَصِيرٍ تَخَمَّرَ، ثُمَّ تَخَلَّلَ قَبْلَ إِرَاقَتِهِ، وَفِي " الْكَافِي " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " يُرْسِلُهُ بَعْدَ حِلِّهِ كَمَا لَوْ صَادَهُ. تَنْبِيهٌ: إِذَا مَلَكَ صَيْدًا فِي الْحِلِّ، وَأَدْخَلَهُ الْحَرَمَ لَزِمَهُ رَفْعُ يَدِهِ، وَإِرْسَالُهُ فَإِنْ أَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ضَمِنَهُ كَصَيْدِ الْحِلِّ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِرْسَالُهُ، وَلَهُ ذَبْحُهُ، وَنَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا نَهَى عَنْ تَنْفِيرِ صَيْدِ مَكَّةَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ فِعْلَ هَذَا الْحُكْمِ الْخَفِيِّ مَعَ كَثْرَةِ، وُقُوعِهِ، وَالصَّحَابَةُ مُخْتَلِفُونَ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الْإِحْرَامِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ، وَكَذَا إِنْ أَمْسَكَ صَيْدَ حَرَمٍ، وَخَرَجَ بِهِ إِلَى الْحِلِّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِرْسَالُهُ، وَلَوْ تَلِفَ ضَمِنَهُ، كَالْمُحْرِمِ إِذَا أَمْسَكَهُ حَتَّى تَحَلَّلَ. 1 - (وَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا صَائِلًا عَلَيْهِ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ) لَمْ يَضْمَنْهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ لِدَفْعِ شَرِّهِ فَلَمْ يَضْمَنْهُ كَآدَمِيٍّ، وَكَجَمَلٍ صَائِلٍ مَعَ أَنَّ الشَّارِعَ أَذِنَ فِي قَتْلِ الْفَوَاسِقِ لِدَفْعِ أَذًى مُتَوَهَّمٍ فَالْمُتَحَقَّقُ أَوْلَى، وَسَوَاءٌ خَشِيَ مِنْهُ تَلَفًا أَوْ مَضَرَّةً أَوْ عَلَى بَعْضِ
بِتَخْلِيصِهِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ شَبَكَةٍ لِيُطْلِقَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَقِيلَ: يَضْمَنْهُ فِيهِمَا، وَلَا تَأْثِيرَ لِلْحَرَمِ وَلَا لِلْإِحْرَامِ فِي تَحْرِيمِ حَيَوَانٍ إِنْسِيٍّ، وَلَا مُحَرَّمِ الْأَكْلِ إِلَّا الْقَمْلَ فِي رِوَايَةٍ، وَأَيُّ شَيْءٍ تُصُدِّقَ بِهِ كَانَ خَيْرًا مِنْهُ، وَلَا يَحْرُمُ صَيْدُ الْبَحْرِ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQمَاله (أَوْ بِتَخْلِيصِهِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ شَبَكَةٍ) أَوْ أَخَذَهُ لِيُخَلِّصَ مِنْ رِجْلِهِ خَيْطًا وَنَحْوِهِ (لِيُطْلِقَهُ) فَتَلِفَ قَبْلَ إِرْسَالِهِ (لَمْ يَضْمَنْهُ) عَلَى الْأَشْهَرِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ أُبِيحَ لِحَاجَةِ الْحَيَوَانِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ كَمُدَاوَاةِ الْوَلِيِّ مُوَلِّيهِ، (وَقِيلَ: يَضْمَنْهُ فِيهِمَا) أَمَّا أَوَّلًا فَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ فَهُوَ كَقَتْلِهِ لِحَاجَةِ أَكْلِهِ فِي الْأَصَحِّ خِلَافًا لِلْأَوْزَاعِيِّ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَأَمَا ثَانِيًا فَلِعُمُومِ الْآيَةِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ عُدِمَ فِيهِ الْقَصْدُ أَشْبَهَ قَتْلَ الْخَطَأِ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَخَذَهُ لِيُدَاوِيَهِ، فَوَدِيعَةٌ، فَلَوْ تَأَكَّلَتْ يَدُهُ، فَلَهُ إِزَالَتُهَا، وَإِنْ أَزْمَنَهُ فَجَزَاؤُهُ، وَلِأَنَّهُ كَتَالِفٍ، وَكَجُرْحٍ تَيَقَّنَ بِهِ مَوْتَهُ، وَقِيلَ: مَا نَقَصَ (وَلَا تَأْثِيرَ لِلْمُحْرِمِ، وَلَا لِلْإِحْرَامِ فِي تَحْرِيمِ حَيَوَانٍ إِنْسِيٍّ) أَيْ: أَهْلِيٍّ مُبَاحٍ إِجْمَاعًا كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ، وَالْمُحَرَّمُ إِنَّمَا هُوَ الصَّيْدُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِذَبْحِ ذَلِكَ فِي إِحْرَامِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: «أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ» (وَلَا مُحَرَّمِ الْأَكْلِ) إِلَّا الْمُتَوَلِّدَ كَالْخَمْسِ الْفَوَاسِقِ الَّتِي أَبَاحَ الشَّارِعُ قَتْلَهَا مُطْلَقًا، وَصَرَّحَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قَتْلُ كُلُّ مُؤْذٍ مِنْ حَيَوَانٍ وَطَيْرٍ، وَهُوَ مُرَادُ مَنْ أَبَاحَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْغُرَابِ غُرَابُ الْبَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ، وَيَعْدُو عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ. وَظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ " لَا، فَإِنَّهُ مُثِّلَ بِالْغُرَابِ الْأَبْقَعِ فَقَطْ لِلْخَبَرِ الْخَاصِّ فِيهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ غَيْرَهُ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ وَيَدْخُلُ فِي الْإِبَاحَةِ الْبَازِي وَالصَّقْرُ وَالذُّبَابُ وَالْبَعُوضُ وَالْبَقُّ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، فَأَمَّا مَا لَا يُؤْذِي بِطَبْعِهِ كَالرَّخَمِ، فَكَذَلِكَ، وَلِإِحْرَامِهِ وَيَجُوزُ قَتْلُهُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَلِأَصْحَابِنَا فِي النَّمْلِ وَجْهَانِ نَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا بَأْسَ بِقَتْلِ الذَّرِّ، وَنَقَلَ مُهَنَّا: يَقْتُلُ النَّمْلَةَ إِذَا عَضَّتْهُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِيهَا لُقْمَةٌ أَوْ تَمْرَةٌ إِذَا لَمْ تُؤْذِهِ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَيَتَخَرَّجُ فِي النَّحْلَةِ كَذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ فِي ضِفْدَعٍ، وَجَعَلَ فِيهِ ابْنُ أَبِي مُوسَى حُكُومَةً، وَلَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا أَبَاحَهُ الشَّارِعُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُهُ كَمَا أَنَّ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ مُبَاحٌ قَتْلُهُ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ (إِلَّا الْقَمْلَ) عَلَى الْمُحْرِمِ (فِي رِوَايَةٍ) فَإِنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَفَّهُ بِإِزَالَتِهِ فَحَرُمَ كَقَطْعِ الشَّعْرِ، (وَأَيُّ شَيْءٍ تُصُدِّقَ بِهِ كَانَ خَيْرًا مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ، وَعَنْهُ: لَا شَيْءَ فِيهِ،
الْمُحْرِمِ، وَفِي إِبَاحَتِهِ فِي الْحَرَمِ رِوَايَتَانِ. وَيَضْمَنُ الْجَرَادَ بِقِيمَتِهِ، فَإِنِ انْفَرَشَ فِي طَرِيقِهِ، فَقَتَلَهُ بِالْمَشْيِ عَلَيْهِ، فَفِي الْجَزَاءِ وَجْهَانِ، وَعَنْهُ: لَا ضَمَانَ فِي الْجَرَادِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلِخَبَرِ كَعْبٍ، وَلِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ كَسَائِرِ الْمُحَرَّمِ الْمُؤْذِي. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَحْرُمُ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ، وَيُؤْذِي أَشْبَهُ الْبَرَاغِيثِ. وَظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ يُبَاحُ فِي الْحَرَمِ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ قَتْلُهُ، وَهُوَ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا حُرِّمَ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّرَفُّهِ فَأُبِيحَ فِيهِ لِغَيْرِهِ. تَكْمِلَةٌ: الصِّئْبَانُ كَالْقَمْلِ؛ لِأَنَّهُ بَيْضُهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَتْلِهِ، وَرَمْيِهِ لِحُصُولِ الرَّفَهِ بِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: الرِّوَايَتَانِ فِيمَا أَزَالَهُ مِنْ شَعْرِهِ وَبَدَنِهِ، وَبَاطِنِ ثَوْبِهِ، وَيَجُوزُ فِي ظَاهِرِهِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُمَا فِيمَا أَزَالَهُ مِنْ شَعْرِهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الْبَرَاغِيثَ كَالْقَمْلِ، وَلَهُ قَتْلُ الْقَرَادِ عَنْ بَعِيرِهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ كَسَائِرِ الْمُؤْذِي، (وَلَا يَحْرُمُ صَيْدُ الْبَحْرِ عَلَى الْمُحْرِمِ) إِجْمَاعًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة: 96] وَالْبَحْرُ الْمِلْحُ، وَالْعَذْبُ، وَالْأَنْهَارُ، وَالْعُيُونُ سَوَاءٌ، وَصَيْدُهُ مَا يَعِيشُ فِيهِ كَالسَّمَكِ فَإِنْ كَانَ يَعِيشُ فِيهِمَا كَسُلَحْفَاةٍ، وَسَرَطَانٍ فَكَذَلِكَ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ فِيهِ الْجَزَاءَ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ لَهُ حُكْمُهُ، وَمَا يَعِيشُ فِي الْبَحْرِ لَهُ حُكْمُهُ كَالْبَقَرِ أَهْلِيٌّ وَوَحْشِيٌّ، فَأَمَّا طَيْرُ الْمَاءِ فَبَرِّيٌّ؛ لِأَنَّهُ يُفْرِخُ، وَيَبِيضُ فِيهِ، (وَفِي إِبَاحَتِهِ فِي الْحَرَمِ) كَصَيْدِهِ مِنْ آبَارِ الْحَرَمِ (رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: الْمَنْعُ صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ حَرَمِيٌّ أَشَبَهَ صَيْدَ الْحَرَمِ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ لِلْمَكَانِ فَلَا فَرْقَ، وَالثَّانِيَةُ، وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ ": يَحِلُّ لِإِطْلَاقِ حِلِّهِ فِي الْآيَةِ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يُحَرِّمُهُ كَحَيَوَانٍ أَهْلِيٍ وَسَبُعٍ (وَيَضْمَنُ الْجَرَادَ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ طَيْرٌ فِي الْبَرِّ يُتْلِفُهُ الْمَاءُ كَالْعَصَافِيرِ (بِقِيمَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُتْلَفٌ غَيْرُ مِثْلِيٍّ، وَعَنْهُ: يَتَصَدَّقُ بِتَمْرَةٍ عَنْ جَرَادَةٍ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (فَإِنِ انْفَرَشَ فِي طَرِيقِهِ فَقَتَلَهُ) أَوْ أَتْلَفَ بَيْضَ طَيْرٍ (بِالْمَشْيِ عَلَيْهِ فَفِي الْجَزَاءِ وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا: فِيهِ الْجَزَاءُ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ لِمَنْفَعَتِهِ أَشْبَهُ مَا لَوِ اضْطُرَّ إِلَى أَكْلِهِ، وَالثَّانِي:
[السابع: عقد النكاح]
وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى أَكْلِ الصَّيْدِ، أَوِ احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ، فَلَهُ فِعْلُهُ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. فصل السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ وَفِي الرَّجْعَةِ رِوَايَتَانِ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا؛ لِأَنَّهُ اضْطَرَّهُ إِلَى إِتْلَافِهِ كَصَائِلٍ، (وَعَنْهُ: لَا ضَمَانَ فِي الْجَرَادِ) رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ لِأَنَّ كَعْبًا أَفْتَى بِأَخْذِهِ وَأَكْلِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا حَمَلَكَ أَنْ تُفْتِيَهُمْ بِهِ؛ قَالَ: هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ؛ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ هُوَ إِلَّا نَثْرَةُ حُوتٍ تُنْثَرُ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، وَقَالَ: الْحَدِيثَانِ وَهْمٌ. (وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى أَكْلِ الصَّيْدِ) أُبِيحَ لَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] فَإِذَا ذَبَحَهُ كَانَ مَيْتَةً، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَحْمَدَ: كَلُّ مَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ قَتَلَهُ فَإِنَّمَا هُوَ قَتْلٌ قَتَلَهُ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ حِلُّهُ لِحِلِّ فِعْلِهِ (أَوِ احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ فَلَهُ فِعْلُهُ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) ؛ لِأَنَّ كَعْبًا لَمَّا احْتَاجَ إِلَى الْحَلْقِ أَبَاحَهُ الشَّارِعُ لَهُ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ، وَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّ أَكْلَ الصَّيْدِ إِتْلَافٌ فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوِ اضْطُرَّ إِلَى طَعَامِ غَيْرِهِ. [السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ] فَصْلٌ (السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ) فَإِنَّهُ مَحْظُورٌ إِلَّا فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (لَا يَصِحُّ مِنْهُ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ» وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQكَانَ يَقُولُ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَرَفَعَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ يُزَوِّجَ مُحْرِمَةً أَوْ يَكُونَ وَكِيلًا أَوْ وَلِيًّا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَسَوَاءٌ تَعَمَّدَ أَوْ لَا، وَأَجَازَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لِرِوَايَتِهِ أَنَّهُ - «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ: وَهُمَا مُحْرِمَانِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ مَلَكَ بِهِ الِاسْتِمْتَاعَ فَلَمْ يُحَرِّمْهُ الْإِحْرَامُ كَشِرَاءِ الْإِمَاءِ. وَجَوَابُهُ: مَا رَوَى يَزِيدُ عَنْ مَيْمُونَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَهَا حَلَالًا، وَبَنَى بِهَا حَلَالًا، وَمَاتَتْ بِسَرِفَ» إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ يَزِيدَ بن الأصم عَنْ مَيْمُونَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَكَانَتْ خَالَتِي، وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ» . وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ حَلَالًا، وَبَنَى بِهَا حَلَالًا، وَكُنْتُ الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا» إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: وَهَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَهِمَ، رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ. وَبِالْجُمْلَةِ فَقِصَّةُ مَيْمُونَةَ مُخْتَلِفَةٌ، وَرِوَايَةُ الْحِلِّ أَكْثَرُ، وَفِيهَا صَاحِبُ الْقِصَّةِ، وَالسَّفِيرُ فِيهَا، وَلَا مَطْعَنَ فِيهَا مَعَ مُوَافَقَتِهَا لِمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهَا زِيَادَةٌ مَعَ صِغَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَنْ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: وَهُوَ مُحْرِمٌ أَيْ: فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ أَوِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ كَقَوْلِهِمْ: قُتِلَ عُثْمَانُ مُحْرِمًا، أَوْ تَزَوَّجَهَا حَلَالًا، وَظَهَرَ تَزْوِيجُهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ. ثُمَّ لَوْ وَقَعَ التَّعَارُضُ فَحَدِيثُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ فِعْلُهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِهِ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ، وَعَقْدُ النِّكَاحِ يُخَالِفُ شِرَاءَ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ بِالْعِدَّةِ، وَالرِّدَّةِ، وَاخْتِلَافُ الدِّينِ، وَكَوْنِ الْمَنْكُوحَةِ أُخْتًا لَهُ مِنَ الرِّضَاعِ، وَالنِّكَاحُ يُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ غَالِبًا، بِخِلَافِ شِرَاءِ الْأَمَةِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفَافْتَرَقَا، وَعَنْهُ: إِنْ زَوَّجَ الْمُحْرِمُ غَيْرَهُ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِبَاحَةِ مَحْظُورٍ لِحَلَالٍ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ الْإِحْرَامُ كَحَلْقِهِ رَأْسَ حَلَالٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَفْسَخْهُ، [وَهُوَ] مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ الِاعْتِبَارُ بِحَالَةِ الْعَقْدِ، فَلَوْ وَكَّلَ مُحْرِمٌ حَلَالًا فِيهِ فَعَقَدَهُ بَعْدَ حِلِّهِ صَحَّ فِي الْأَشْهَرِ، وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ وَلَوْ وَكَّلَ، ثُمَّ أَحْرَمَ، لَمْ يَنْعَزِلْ وَكِيلُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَهُ عَقْدُهُ إِذَا حَلَّ، فَلَوْ وَكَّلَ حَلَالٌ مِثْلَهُ فَعَقَدَهُ، فَأَحْرَمَ الْمُوَكَّلُ، وَاخْتَلَفَا، فَقَالَتْ: عَقَدَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَقَالَ هُوَ: قَبْلَهُ، قُبِلَ قَوْلُهُ، وَكَذَا فِي عَكْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَسْخَ الْعَقْدِ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ، لَكِنْ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَيَصِحُّ مَعَ جَهْلِهِمَا وُقُوعَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّتُهُ. تَتِمَّةٌ: دَخَلَ فِي كَلَامِهِ مَا لَوْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنَ التَّزْوِيجِ لِنَفْسِهِ، وَسَائِرِ أَقَارِبِهِ، وَهَلْ يُمْنَعُ أَنْ يُزَوِّجَ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ وَاخْتَارَ الْجَوَازَ لِحِلِّهِ حَالَ وِلَايَتِهِ، وَالِاسْتِدَامَةُ أَقْوَى؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَبْطُلُ بِفِسْقٍ طَرَأَ، وَفِي " التَّعْلِيقِ " لَمْ يَجُزْ أَنْ يُزَوِّجَ وَيُزَوِّجَ خُلَفَاؤُهُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بِوِلَايَةِ الْحُكْمِ مَا لَا يَجُوزُ بِوِلَايَةِ النَّسَبِ بِدَلِيلِ تَزْوِيجِ الْكَافِرَةِ، وَإِنْ أَحْرَمَ نَائِبُهُ فَكَهُوَ، قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. (وَفِي الرَّجْعَةِ رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ [إحداهما] " الْمَنْعُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ وَضْعٍ لِإِبَاحَةِ الْبُضْعِ، أَشْبَهَ النِّكَاحَ. وَالثَّانِيَةُ: الْإِبَاحَةُ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهَا إِمْسَاكٌ، وَلِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ قَبْلَ الرَّجْعَةِ فَلَا إِحْلَالَ، وَلَوْ قُلْنَا بأنها محرمة لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ رَجَعَتْهَا، كَالتَّكْفِيرِ لِلْمَظَاهِرِ وَتَعَقَّبَهُ الْقَاضِي، (وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ
[الثامن: الجماع في الفرج]
فَصْلٌ الثَّامِنُ: الْجِمَاعُ فِي الْفَرْجِ قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فَسَدَ نُسُكُهُ عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا، وَعَلَيْهِمَا الْمُضِيُّ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَسَدَ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ فِدْيَةٌ كَشِرَاءِ الصَّيْدِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ، وَالْفَاسِدِ قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ". مَسْأَلَةٌ: يُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ الْخِطْبَةُ كَخِطْبَةِ الْعَقْدِ وَشُهُودِهِ، وَحَرَّمَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، كَتَحْرِيمِ دَوَاعِي الْجِمَاعِ، وَتُكْرَهُ شَهَادَتُهُ فِيهِ، وَحَرَّمَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهَا الْقَاضِي، وَاحْتَجَّ بِنَقْلِ حَنْبَلٍ: لَا يَخْطُبُ. قَالَ: مَعْنَاهُ: لَا يَشْهَدُ النِّكَاحَ، وَمَا رُوِيَ فِيهِ: " وَلَا تَشْهَدْ " فَلَا يَصِحُّ. [الثَّامِنُ: الْجِمَاعُ فِي الْفَرْجِ] فَصْلٌ (الثَّامِنُ: الْجِمَاعُ فِي الْفَرْجِ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ} [البقرة: 197] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْجِمَاعُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] يَعْنِي الْجِمَاعَ، وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَفْسُدُ النُّسُكُ بِهِ، وَفِي " الْمُوَطَّأِ ": بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا وَأَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالُوا: يَنْفُذَانِ لِوَجْهِهِمَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا، ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجٌّ مِنْ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ: إِذَا كَانَ أَصْلِيًّا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " (قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ) لِوُجُوبِ الْحَدِّ وَالْغُسْلِ، وَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ: لَا يَفْسُدُ بِوَطْءِ بَهِيمَةٍ مِنْ عَدَمِ الْحَدِّ، أَشْبَهَ الْوَطْءَ دُونَ الْفَرْجِ، وَأَطْلَقَ الْحُلْوَانِيُّ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، لَا يَفْسُدُ، وَعَلَيْهِ شَاةٌ (فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فَسَدَ نُسُكُهُ) لِمَا قُلْنَا. وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ مُطْلَقٌ، وَلِأَنَّهُ جِمَاعٌ صَادَفَ إِحْرَامًا تَامًّا كَقَبْلَ الْوُقُوفِ. وَقَوْلُهُ «الْحَجُّ عَرَفَةُ» أَيْ: مُعْظَمُهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَمْنِ الْفَوَاتِ أَمْنُ الْفَسَادِ، بِدَلِيلِ الْعُمْرَةِ، وَإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنَ الْجُمُعَةِ (عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ
فَاسِدِهِ وَالْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَا أَوَّلًا، وَنَفَقَةُ الْمَرْأَةِ فِي الْقَضَاءِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالصَّحَابَةِ قَضَوْا بِفَسَادِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحَالُ لَوَجَبَ الْبَيَانُ، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ فَاسْتَوَيَا كَالْفَوَاتِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ تَرْكُ رُكْنٍ فَأُفْسِدَ، وَالْوَطْءُ فِعْلٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالْجَاهِلُ بِالتَّحْرِيمِ، وَالْمُكْرَهُ كَالنَّاسِي. وَفِي " الْفُصُولِ " رِوَايَةٌ " لَا يُفْسِدُ " اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُطَاوِعَةَ كَالرَّجُلِ لِوُجُودِ الْجِمَاعِ مِنْهُمَا، بِدَلِيلِ الْحَدِّ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُمَا هَدْيٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ جِمَاعٌ وَاحِدٌ، وَعَنْهُ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا وَطْءَ مِنْهَا، ذَكَرَ جَمَاعَةٌ كَالصَّوْمِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى مُكْرَهَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَالصَّوْمِ (وَعَلَيْهِمَا الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ) وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَحُكْمُهُ كَإِحْرَامٍ صَحِيحٍ نَقَلَهُ الْجُمْهُورُ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَنْ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ أَمَرَ الْمُجَامِعَ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ مَعْنَى يَجِبُ بِهِ الْقَضَاءُ فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْهُ كَالْفَوَاتِ، وَنَقَلَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَعْتَمِرُ مِنَ التَّنْعِيمِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْحَجَّ عُمْرَةً، (وَ) يَلْزَمُهُمَا (الْقَضَاءُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ رَجُلًا جَامَعَ امْرَأَتَهُ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُمَا: أَتِمَّا حَجَّكُمَا ثُمَّ ارْجِعَا وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى قَابِلَ حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتَهَا فَأَحْرِمَا وَتَفَرَّقَا وَلَا يُؤَاكِلْ وَاحِدٌ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ أَتِمَّا مَنَاسِكَكُمَا وَأَهْدِيَا» وَرِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ صَحِيحَةٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ وَهَذَا مِنْهَا، وَرَوَى سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ، وَلَا فَرْقَ فِي الَّذِي أَفْسَدَهَا أَنْ تَكُونَ فَرْضًا بِأَصْلِ الشَّرْعِ أَوِ النَّذْرِ أَوْ قَضَاءً، لَكِنْ إِذَا أَفْسَدَهُ، فَإِنَّهُ يَقْضِي الْوَاجِبَ، لَا الْقَضَاءَ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ النَّفْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَ بِالدُّخُولِ فِيهِ، وَعَنْهُ: لَا قَضَاءَ فِيهِ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ هُوَ (عَلَى الْفَوْرِ) لِتَعَيُّنِهِ بِالدُّخُولِ فِيهِ (مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَا أَوَّلًا) أَيْ: يَلْزَمُ الْإِحْرَامُ بِالْقَضَاءِ مِنْ أَبْعَدِ الْمَوْضِعَيْنِ الْمِيقَاتِ أَوْ إِحْرَامِهِ الْأَوَّلِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمِيقَاتُ أَبْعَدَ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَجَاوُزُهُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ إِحْرَامِهِ أَبْعَدَ لَزِمَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ، وَإِلَّا لَزِمَهُمَا مِنَ الْمِيقَاتِ نصا، (وَنَفَقَةُ الْمَرْأَةِ فِي الْقَضَاءِ عَلَيْهَا إِنْ طَاوَعَتْ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ:
عَلَيْهَا إِنْ طَاوَعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً فَعَلَى الزَّوْجِ، وَيَتَفَرَّقَانِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ إِلَى أَنْ يُحِلَّا. وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَيَمْضِي إِلَى التَّنْعِيمِ فَيُحْرِمُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَأَهْدِيَا هَدْيًا أَضَافَ الْفِعْلَ إِلَيْهِمَا، وَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَهْدِ نَاقَةً، وَلْتَهْدِ نَاقَةً. وَلِأَنَّهَا بِمُطَاوَعَتِهَا أَفْسَدَتْ نُسُكَهَا فَكَانَتِ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا كَالرَّجُلِ، (وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً فَعَلَى الزَّوْجِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُفْسِدُ لِنُسُكِهَا فَكَانَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا كَنَفَقَةِ نُسُكِهِ (وَيَتَفَرَّقَانِ) فِي الْقَضَاءِ (مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِمَا سَلَفَ، وَعَنْهُ: مِنْ حَيْثُ يُحْرِمَانِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَيَتَفَرَّقَانِ مِنْ حَيْثُ يُحْرِمَانِ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا (إِلَى أَنْ يُحِلَّا) ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ خَوْفُ الْمَحْظُورِ فَجَمِيعُ الْإِحْرَامِ سَوَاءٌ، وَمُرَادُهُ بِالتَّفْرِيقِ: أَنْ لَا يَرْكَبَ مَعَهَا فِي مَحْمَلٍ، وَلَا يَنْزِلُ مَعَهَا فِي فُسْطَاطٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفِ: أَنَّهُ يَكُونُ بِقُرْبِهَا يُرَاعِي حَالَهَا؛ لِأَنَّهُ مَحْرَمُهَا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَحْرَمُهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا مَحْرَمٌ غَيْرُهُ، (وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ عَلَى وَجْهَيْنِ) الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ذَكَرَ إِذَا بَلَغَ الْمَوْضِعَ فَسَوَّقَ نَفْسَهُ فَوَاقَعَ الْمَحْذُورَ وَهَذَا وَهْمٌ لَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلَمْ يَتَفَرَّقَا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ إِذَا أَفْسَدَاهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ أَبْلَغُ فِي مَنْعِ الدَّاعِي لِمَنْعِهِ مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ، وَالطِّيبِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ. وَالثَّانِي: يَجِبُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ذَكَرَهُ حُكْمًا لِلْمُجَامِعِ فَكَانَ، وَاجِبًا كَالْقَضَاءِ. تَنْبِيهٌ: الْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ النُّسُكَيْنِ كَالْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ مَكِّيًّا، أَوْ مُجَاوِرًا بِهَا، أَحْرَمَ لِلْقَضَاءِ مِنَ الْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ مِيقَاتُهَا سَوَاءٌ أَحَرَمَ بِهَا مِنْهُ، أَوْ مِنَ الْحَرَمِ، وَإِنْ أَفَسَدَ الْمُتَمَتِّعُ عُمْرَتَهُ، وَمَضَى فِيهَا فَأَتَمَّهَا قَالَ أَحْمَدُ: يَخْرُجُ مِنَ الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ، فَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْمِيقَاتَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ، أَحْرَمَ مِنَ الْمِيقَاتِ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ الَّتِي أَفْسَدَهَا، وَعَلَيْهِ دَمٌ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ؛ لِمَا أَفْسَدَ مِنْ عُمْرَتِهِ. (وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ) أَيْ: بَعْدَ زَمَنِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ) فِي
لِيَطُوفَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَهَلْ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ يَوْمَ النَّحْرِ: يَنْحَرَانِ جَزُورًا بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَهَا تَحَلُّلَانِ، فَوُجُودُ الْمُفْسِدِ بَعْدَ أَوَّلِهِمَا لَا يُفْسِدُهَا، كَمَا بَعْدَ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ يَفْسُدُ كَالْأَوَّلِ إِنْ بَقِيَ إِحْرَامُهُ، وَفَسَدَ بِوَطْئِهِ، وَقَوْلِهِ فِي " التَّنْبِيهِ ": مَنْ وَطِئَ مِنَ الْحَجِّ قَبْلَ الطَّوَافِ، فَسَدَ حَجُّهُ، مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ التَّحَلُّلِ، فَإِنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ، وَلَمْ يَرْمِ، فَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " وَقَدَّمَهُ غَيْرُهُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْحَجَّ قَدْ تَمَّتْ أَرْكَانُهُ كُلُّهَا. وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ خِلَافُهُ، لِوُجُودِهِ قَبْلَ مَا يَتِمُّ بِهِ التَّحَلُّلُ، (وَيَمْضِي إِلَى التَّنْعِيمِ) وَهُوَ مِنَ الْحِلِّ بَيْنَ مَكَّةَ، وَسَرِفَ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، وَسُمِّي بِهِ؛ لِأَنَّ جَبَلًا عَنْ يَمِينِهِ اسْمُهُ نُعَيْمٌ، وَآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ اسْمُهُ نَاعِمٌ، وَالْوَادِي نَعْمَانُ بِفَتْحِ النُّونِ (فَيُحْرِمَ لِيَطُوفَ) ؛ لِأَنَّ إِحْرَامَهُ قَدْ فَسَدَ بِالْوَطْءِ فَلَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنَ الْحِلِّ؛ لِيَقَعَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ فِي إِحْرَامٍ صَحِيحٍ، وَلَيْسَ الْإِحْرَامُ مِنَ التَّنْعِيمِ شَرْطًا فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْحِلِّ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَامِ، وَلَكِنَّ الْمُؤَلِّفَ تَبِعَ الْخِرَقِيَّ، وَهُوَ لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْحِلِّ إِلَى مَكَّةَ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ الطَّوَافِ إِذَا كَانَ قَدْ سَعَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَعي طَافَ لِلزِّيَارَةِ وَسَعَى وَتَحَلَّلَ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ إِنَّمَا وَجَبَ لِيَأْتِيَ بِمَا بَقِيَ مِنَ الْحَجِّ. هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمُ الْخِرَقِيُّ فَقَوْلُ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ: إِنَّهُ يَعْتَمِرُ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا هَذَا وَسَمَّوْهُ عُمْرَةً؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَفْعَالُهَا، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ". وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا عُمْرَةً حَقِيقةً فَيَلْزَمُهُ سَعْيٌ وَيُقَصِّرُ وَعَلَى هَذَا نُصُوصُ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، لِمَا سَبَقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ إِحْرَامٌ مُسْتَأْنَفٌ فَكَانَ فِيهِ طَوَافٌ، وَسَعْيٌ، وَتَقْصِيرٌ كَالْعُمْرَةِ تَجْرِي مَجْرَى الْحَجِّ، بِدَلِيلِ الْقِرَانِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ أَيْ: أَنَّهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ مُحْرِمٌ، وَذَكَرَهُ
[التاسع: المباشرة]
فَصْلٌ التَّاسِعُ: الْمُبَاشِرَةُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لِشَهْوَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ، فَأَنْزَلَ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا، لِبَقَاءِ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ الْمُنَافِي وَجُودُهُ صِحَّةَ الْإِحْرَامِ، وَفِي " فُنُونِ " ابْنِ عَقِيلٍ: يَبْطُلُ إِحْرَامُهُ عَلَى احْتِمَالٍ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي مَسْأَلَةِ مَا يُبَاحُ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ يَنْفِي أَنَّهُ مُحْرِمٌ، وَإِنَّمَا بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْإِحْرَامِ. وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَالْمَيْمُونِيُّ: مَنْ وَطِئَ بَعْدَ الرَّمْيِ يَنْتَقِضُ إِحْرَامُهُ، وَيَعْتَمِرُ مِنَ التَّنْعِيمِ فَيَكُونُ إِحْرَامٌ مَكَانَ إِحْرَامٍ، فَهَذَا الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَفْسُدُ الْإِحْرَامُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ فَسَادُ مَا بَقِيَ مِنْهُ لَا مَا مَضَى، إِذْ لَوْ فَسَدَ كُلُّهُ لَوَقَعَ الْوُقُوفُ في غير إِحْرَامٌ. (وَهَلْ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ، أَوْ شَاةٌ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرِّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: يَلْزَمُهُ شَاةً، وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِعَدَمِ إِفْسَادِهِ لِلْحَجِّ، كَوَطْءٍ دُونَ الْفَرْجِ بِلَا إِنْزَالٍ، وَلِخِفَّةِ الْجَنَايَةُ فِيهِ، وَالثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاخْتَارَهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ فِي الْحَجِّ فَأَوْجَبَهَا كَمَا قَبْلَ الرَّمْيِ. فَرْعٌ: الْقَارِنُ كَالْمُفْرِدِ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ لِلْحَجِّ لَا لِلْعُمْرَةِ، بِدَلِيلِ تَأْخِيرِ الْحَلْقِ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ. تَنْبِيهٌ: الْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ وَطِئَ قبل الفراغ مِنَ الطَّوَافِ فَسَدَتْ، وَكَذَا قَبْلَ سَعْيِهَا، إِنْ قُلْنَا هُوَ رُكْنٌ أَوْ وَاجِبٌ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " إِنْ وَطِئَ قَبْلَهُ، خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي كَوْنِهِ رُكْنًا أَوْ غَيْرَهُ، وَلَا تَفْسُدُ قَبْلَ الْحَلْقِ إِنْ لَمْ يَجِبْ، وَكَذَا إِنْ وَجَبَ، وَيُلْزِمُهُ دَمٌ، وَقَدَّمَ فِي " التَّرْغِيبِ " تَفْسُدُ، وَيَجِبُ بِإِفْسَادِهَا شَاةٌ نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ؛ لِنَقْصِهَا عَنِ الْحَجِّ، وَفِي " الْمُوجَزِ " لِلْحُلْوَانِيِّ الْأَشْبَهُ بَدَنَةٌ كَالْحَجِّ. [التَّاسِعُ: الْمُبَاشِرَةُ] فَصْلٌ (التَّاسِعُ: الْمُبَاشِرَةُ) أَيِ: الْوَطْءُ (فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لِشَهْوَةٍ) وَكَذَا إِنْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ بِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْوَطْءِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ، فَكَانَ حَرَامًا (فَإِنْ
وَهَلْ يَفْسُدُ نُسُكُهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، لَمْ يَفْسُدْ. فَصْلٌ وَالْمَرْأَةُ إِحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ إِلَّا فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQفَعَلَ فَأَنْزَلَ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ أُقْرِنَ بِهَا الْإِنْزَالُ فَأَوْجَبَتْهَا كَالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ، وَعَنْهُ: شَاةٌ ذَكَرَهَا الْقَاضِي إِنْ لَمْ تَفْسُدْ وأطلقها الحلواني كَمَا لَوْ لَمْ يُنْزِلْ، وَفِي الْقِيَاسَيْنِ نَظَرٌ. (وَهَلْ يَفْسُدُ نُسُكُهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ". إِحْدَاهُمَا: يَفْسُدُ، نَصَرَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ فِي الْوَطْءِ دُونَهُ (وَأَنْزَلَ) ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الْإِنْزَالُ، فَأَفْسَدَهَا الْإِنْزَالُ عَنْ مُبَاشَرَةٍ كَالصَّوْمِ. وَالثَّانِيَةُ لَا يَفْسُدُ صَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِعَدَمِ الدَّلِيلِ، وَلِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ لَمْ يَجِبْ بِنَوْعِهِ الْحَدُّ، فَلَمْ يُفْسِدْهُ كَمَا لَوْ لَمْ يُنْزِلْ، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَالْأَوْلَى أَنَّ الصَّوْمَ يُفْسِدُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ، وَالْحَجُّ بِالْجِمَاعِ فَقَطْ، وَالرَّفَثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَمْ نَقُلْ بِجَمِيعِهِ، مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَوْلَ بِهِ فِي الْفُسُوقِ، وَالْجِدَالِ، وَعَنْهُ ثَالِثَةٌ: إِنْ أَمْنَى بِالْمُبَاشِرَةِ فَسَدَ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَفْسُدْ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ عَرِيَتْ عَنْ إِنْزَالٍ فَلَمْ يَفْسُدْ بِهِ كَاللَّمْسِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْحُلْوَانِيِّ أَنَّ لَنَا فِيهِ خِلَافًا، وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لِرَجُلٍ قَبَّلَ زَوْجَتَهُ أَفْسَدْتَ حَجَّكَ، وَنَحْوَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مَحْمُولٌ عَلَى الْإِنْزَالِ، وَإِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ، فَأَمْنَى لَمْ يَفْسُدْ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ، وَكَالْإِنْزَالِ بِالْفِكْرِ، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ فِي الْمَنْصُوصِ، وَسَيَأْتِي. 1 - فَصْلٌ (وَالْمَرْأَةُ إِحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا) فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا تَغْطِيَتُهُ بِبُرْقُعٍ أَوْ نِقَابٍ أَوْ غَيْرِهِ، لِمَا
اللِّبَاسِ، وَتَظْلِيلِ الْمَحْمَلِ، وَلَا تَلْبِسُ الْقُفَّازَيْنِ، وَلَا الْخَلْخَالَ وَنَحْوَهُ وَلَا تَكْتَحِلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQرَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ إِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا، وَإِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا تَغْطِيَةُ رَأْسِهَا كُلِّهِ، وَلَا يُمْكِنُهَا إِلَّا بِجُزْءٍ مِنَ الْوَجْهِ، وَلَا يُمْكِنُهَا كَشْفُ جَمِيعِ الْوَجْهِ إِلَّا بِجُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى سَتْرِ الرَّأْسِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ آكَدُ لِوُجُوبِ سَتْرِهُ مُطْلَقًا، وَأَلْحَقَ أَبُو الْفَرَجِ بِهِ الْكَفَّيْنِ، وَحَكَاهُ فِي " الْمُبْهِجِ " رِوَايَةً، فَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى سَتْرِ وَجْهِهَا لِمُرُورِ الرِّجَالِ قَرِيبًا مِنْهَا، جَازَ أَنْ تُسْدِلَ الثَّوْبَ فَوْقَ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا لِفِعْلِ عَائِشَةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا، وَشَرْطُ الْقَاضِي فِي السَّاتِرِ أَنْ لَا يُصِيبَ بَشَرَتَهَا فَإِنْ أَصَابَهَا، ثُمَّ ارْتَفَعَ بِسُرْعَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَدَتْ لِاسْتِدَامَةِ السَّتْرِ، وَرَدَّهُ الْمُؤَلَّفِ بِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَيْسَ عَنْ أَحْمَدَ وَلَا هُوَ مِنَ الْخَبَرِ بَلِ الظَّاهِرُ مِنْهُ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ الْمَسْدُولُ مِنْ إِصَابَةِ الْبَشْرَةِ، فَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَبَيَّنَ. (وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ) مِنْ قَطْعِ الشَّعْرِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ، وَنَحْوِهَا (إِلَّا فِي اللِّبَاسِ، وَتَظْلِيلِ الْمَحْمَلِ) لِحَاجَتِهَا إِلَى السَّتْرِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا، وَكَعَقْدِ الْإِزَارِ لِلرَّجُلِ، وَلِأَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا السُّكَّ وَالْمُطَيَّبَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يُنْكِرُهُ عَلَيْهَا» . وَإِنَّمَا كُرِهَ فِي الْجُمُعَةِ خَوْفَ الْفِتْنَةِ لِقُرْبِهَا مِنَ الرِّجَالِ، وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهَا بِخِلَافِ الْحَجِّ، (وَلَا تَلْبَسُ) أَيْ: يَحْرُمُ عَلَيْهَا لُبْسُ (الْقُفَّازَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ، وَكَالرَّجُلِ، وَهُمَا شَيْءٌ يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ كَمَا يُعْمَلُ لِلْبُزَاةِ، وَفِي لُبْسِهِمَا الْفِدْيَةُ كَالنِّقَابِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَغْطِيَتِهِمَا بِكُمِّهَا لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ جَوَازُهُ بِهِمَا بِدَلِيلِ تَغْطِيَةِ الرَّجُلِ قَدَمَيْهِ بِإِزَارِهِ لَا بِخُفٍّ، وَإِنَّمَا جَازَ تَغْطِيَةُ قَدَمَيْهَا بِكُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَمِثْلُهُمَا إِنْ لَفَّتْ عَلَى يَدَيْهَا خِرْقَةً أَوْ خِرَقًا، وَشَدَّتْهَا عَلَى
بِالْإِثْمِدِ وَيَجُوزُ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ وَالْكُحْلِيِّ، وَالْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ وَالنَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ لَهُمَا جَمِيعًا. ـــــــــــــــــــــــــــــQحِنَّاءٍ أَولا، كَشَدِّهِ عَلَى جَسَدِهِ شَيْئًا، وَذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " عَنْ أَحْمَدَ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ لَا يَحْرُمُ، وَإِنْ لَفَّتْهَا بِلَا شَدٍّ فَلَا؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ اللُّبْسُ لَا التَّغْطِيَةُ كَبَدَنِ الرَّجُلِ، (وَلَا الْخَلْخَالَ، وَنَحْوَهُ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَحَمَلَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " عَلَى الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي الزِّينَةِ كَالْكُحْلِ، وَلَا فِدْيَةَ، فِيهِ بِخِلَافِ الْقُفَّازَيْنِ. وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهَا لُبْسَ الْحَلْيِ كَالسِّوَارِ، وَالدُّمْلُجِ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ. قَالَ نَافِعٌ: كُنَّ نِسَاءُ ابْنِ عُمَرَ يَلْبَسْنَ الْحَلْيَ، وَالْمُعَصْفَرَ، وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَفِي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ: وَتَلْبَسُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ، وَلَا دَلِيلَ لِلْمَنْعِ، وَلَا يَحْرُمُ لِبَاسُ زِينَةٍ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يُكْرَهُ. قَالَ أَحْمَدُ: الْمُحْرِمَةُ، وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا يَتْرُكَانِ الطِّيبَ، وَالزِّينَةَ، وَلَهُمَا سِوَى ذَلِكَ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ " يَحْرُمُ، وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالِ كَحَلْيٍ، (وَلَا تَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ) نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ لَا تَكْتَحِلُ بِالْأَسْوَدِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ لِامْرَأَةٍ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا وهي محرمة: اكْتَحِلِي بِأَيِّ كُحْلٍ شِئْتِ غَيْرِ الْإِثْمِدِ وَالْأَسْوَدِ، وَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلزِّينَةِ، وَيَجِبُ الْفِدْيَةُ بِهِ. قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: هُوَ كَاللِّبَاسِ، وَالطِّيبِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَجُوزُ إِلَّا لِزِينَةٍ فَيُكْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ. وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، لَكِنْ إِنَّمَا خُصَّتِ الْمَرْأَةُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الزِّينَةِ، وَالْكَرَاهَةُ فِي حَقِّهَا أَكْثَرُ، وَتَقْيِيدِهِمْ بِالْإِثْمِدِ وَالْأَسْوَدِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الزِّينَةُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَيْسَ بِزِينَةٍ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ، كَالَّذِي يُتَدَاوَى بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ، وَلِهَذَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ لَا يَرَى بِالدُّرُورِ الْأَحْمَرِ بَأْسًا، (وَيَجُوزُ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ، وَالْكُحْلِيُّ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي حَقِّ الْمُحْرِمَةِ: «وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ مُعَصْفَرٍ أَوْ خَزٍّ أَوَحَلْيٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعَنْ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ: أَنَّهُمَا كَانَا يُحْرِمَانِ فِي الْمُعَصْفَرَاتِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ فَلَمْ يُكْرَهِ الْمَصْبُوغُ بِهِ كَالسَّوَادِ فَإِنْ كَانَ مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ، أَوْ زَعْفَرَانٍ، فَلَا؛ لِأَنَّهُ طِيبٌ، وَأَمَّا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَصْبُوغُ بِالرَّيَاحِينِ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا، لَكِنْ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ لِكَرَاهَتِهِ لَهُ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ (وَالْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ) لِمَا رَوَى عِكْرِمَةُ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ، وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْتَضِبْنَ بِالْحِنَّاءِ، وَهُنَّ حُرُمٌ. رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ كَالْكُحْلِ بِالْإِثْمِدِ فَإِذَا اخْتَضَبَتْ وَشَدَّتْ يَدَيْهَا بِخِرْقَةٍ فَدَتْ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ لَوْنُهُ لَا رِيحُهُ عَادَةً كَخِضَابٍ بِسَوَادٍ، وَلَا بَأْسَ بِهِ لِلرَّجُلِ فِيمَا لَا يَتَشَبَّهُ فِيهِ بِالنِّسَاءِ. ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَلَا دَلِيلَ لِلْمَنْعِ. وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَنَّهُ كَالْمَرْأَةِ فِي الْحِنَّاءِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لَهُ الْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَرِهَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ هُوَ بِلَا حَاجَةٍ مُخْتَصٌّ بِالنِّسَاءِ، وَاحْتَجَّ بِلَعْنِ الْمُتَشَبِّهِينَ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ فَأَمَّا خِضَابُهَا بِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَمُسْتَحَبٌّ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ فَاسْتُحِبَّ عِنْدَ الْإِحْرَامِ كَالطِّيبِ. فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُزَوَّجَةِ أَنْ تَخْتَضِبَ بِالْحِنَّاءِ لِمَا فِيهِ مِنَ الزِّينَةِ، وَالتَّحَبُّبِ لِلزَّوْجِ كَالطِّيبِ، وَيُكْرَهُ لِلْأَيِّمِ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، مَعَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا، وَقَدْ رَوَى أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «يَا مَعَاشِرَ النِّسَاءِ اخْتَضِبْنَ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَخْتَضِبُ لِزَوْجِهَا، وَإِنَّ الْأَيِّمَ تَخْتَضِبُ تَعَرَّضُ لِلرِّزْقِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -» (وَالنَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ لَهُمَا جَمِيعًا) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُمَا كَانَا يَنْظُرَانِ فِي الْمِرْآةِ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْقَصْدُ مِنْهُ إِزَالَةَ شَعَثٍ أَوْ تَسْوِيَةَ شَعْرٍ أَوْ شَيْءٍ مِنَ الزِّينَةِ، كُرِهَ. ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَدَبٌ، وَفِي قَوْلٍ: يَحْرُمُ، وَقَوْلُهُ: (لَهُمَا) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ متعلق بالنظر لِقُرْبِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ " يَجُوزُ " وَهُوَ الظَّاهِرُ. تَنْبِيهٌ: يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَّجِرَ، وَيَصْنَعَ الصَّنَائِعَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ مَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ وَاجِبٍ أَوْ مُسْتَحَبٍّ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ: وَيَلْبَسُ الْخَاتَمَ، لَكِنْ يُكْرَهُ إِنْ كَانَ لِزِينَةٍ كَحَلْيٍ وَنَظَرٍ فِي مِرْآةٍ
[باب الفدية]
بَابُ الْفِدْيَةِ وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ، أَحَدُهَا: مَا هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: يُخَيَّرُ بَيْنَ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدُّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ ذَبْحُ شَاةٍ، وَهِيَ فِدْيَةُ حَلْقِ الرَّأْسِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظَّافِرِ، وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَاللُّبْسِ وَالطِّيبِ وَعَنْهُ: يَجِبُ الدَّمُ إِلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ لِعُذْرٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابُ الْفِدْيَةِ] [أَنْوَاعُ الفدية في الحج] ِ قَالَ: الْجَوْهَرِيُّ فَدَاهُ، وَفَادَاهُ: إِذَا أَعْطَى فَدَاءَهُ، وَفَدَاهُ بِنَفْسِهِ، وَفَدَّاهُ: إِذَا قَالَ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ. انْتَهَى. وَهِيَ مَا تَجِبُ بِسَبَبِ نُسُكٍ أَوْ حُرُمٍ، (وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَضْرُبٍ) مِنْهَا مَا وَرَدَ النَّصُّ بِالتَّخْيِيرِ فِيهِ، وَمِنْهَا مَا وَرَدَ بِالتَّرْتِيبِ، وَمِنْهَا مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَخْيِيرٌ، وَلَا تَرْتِيبٌ كَفِدْيَةِ الْفَوَاتِ (أَحَدُهَا مَا هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَهُوَ نَوْعَانِ) ؛ لِأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ فِدْيَةَ الْأَذَى وَنَحْوِهِ، وَتَارَةً جَزَاءُ صَيْدٍ فَأَشَارَ إِلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (أَحَدُهُمَا: يُخَيَّرُ بَيْنَ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدُّ بُرٍّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ ذَبْحُ شَاةٍ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} [البقرة: 184] وَلِحَدِيثِ كَعْبٍ السَّابِقِ، وَفِي لَفْظِ «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أَوِ انْسُكْ شَاةً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَقَدْ دَلَّا عَلَى وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى صِفَةِ التَّخْيِيرِ مِنَ الصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةُ، وَالذَّبْحُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ ذِكْرُ الْحَلْقِ؛ لِأَنَّهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] أَيْ: فَأَفْطَرَ (وَهِيَ فِدْيَةُ حَلْقِ الرَّأْسِ) الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ، وَقِسْنَا الْبَاقِي عَلَيْهِ، (وَ) هُوَ (تَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ، وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، وَاللُّبْسُ وَالطِّيبُ) لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي كَوْنِهِ حُرِّمَ فِي الْإِحْرَامِ لِأَجْلِ التَّرَفُّهِ، فَالصَّوْمُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْإِطْعَامِ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ، وَهُوَ أَشْهَرُ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ مِنْ غَيْرِهِ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَعَنْهُ: نِصْفُ صَاعٍ كَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فَيَعْتَبِرُ بِالتَّمْرِ
فَيُخَيَّرُ. الثَّانِي: جَزَاءُ الصَّيْدِ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْمِثْلِ أَوْ يَقُوِّمُهُ بِدَرَاهِمَ، فَيَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا، أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالزَّبِيبِ الْمَنْصُوصِ كَالشَّعِيرِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمَعْذُورِ مِثْلُهُ فِي التَّخْيِيرِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْمَعْذُورِ، وَالتَّبَعُ لَا يُخَالِفُ أَصْلَهُ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ كَفَّارَةٍ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ فِيهَا مَعَ الْعُذْرِ ثَبَتَ مَعَ عَدَمِهِ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ. وَالشَّرْطُ لِجَوَازِ الْحَلْقِ لَا للتَّخْيِيرِ، (وَعَنْهُ: يَجِبُ الدَّمُ) عَيْنًا، فَإِنْ عَدِمَهُ، أَطْعَمَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ صَامَ (إِلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ لِعُذْرٍ فَيُخَيَّرُ) جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ يَتَعَلَّقُ بِمَحْظُورٍ يَخْتَصُّ الْإِحْرَامَ كَدَمٍ يَجِبُ بِتَرْكِ رَمْيٍ، وَمُجَاوَزَةِ مِيقَاتٍ. (الثَّانِي جَزَاءُ الصَّيْدِ يُخَيَّرُ فِيهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] فَعَطَفَ هَذِهِ الْخِصَالَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِـ " أَوْ " الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّخْيِيرِ كَفِدْيَةِ الْأَذَى وَالْيَمِينِ، بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَهَدْيِ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةُ إِتْلَافٍ مُنِعَ مِنْهُ لِلْإِحْرَامِ أَوْ فِيهَا أَجْنَاسٌ كَالْحَلْقِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الطَّعَامَ فِيهَا لِلْمَسَاكِينِ فَكَانَ مِنْ خِصَالِهَا كَغَيْرِهَا فَعَلَى هَذَا يُخَيَّرُ فِيهِ (بَيْنَ الْمِثْلِ) وَسَيَأْتِي فَإِنِ اخْتَارَهُ ذَبَحَهُ، وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَلَهُ ذَبْحُهُ مَتَى شَاءَ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ حَيًّا (أَوْ يَقُوِّمَهُ) أَيِ: الْمِثْلَ (بِدَرَاهِمَ فَيَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُتْلَفٍ وَجَبَ مِثْلُهُ إِذَا قُوِّمَ، وَجَبَ قِيمَةُ مِثْلِهِ كَالْمِثْلِيِّ فِي مَالِ الْآدَمِيِّ، فَعَلَى هَذَا يَقَوِّمُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أَتْلَفَهُ فِيهِ وَبِقُرْبِهِ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ آخَرُونَ يَقَوِّمُ بِالْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ ذَبْحِهِ، وَعَنْهُ: يَقَوِّمُ مَكَانَ إِتْلَافِهِ أَوْ بِقِرْبِهِ لَا الْمِثْلُ عَمَّا لَا مِثْلَ لَهُ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ لَهُ الصَّدَقَةُ بِالدَّرَاهِمِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا، وَالْقِيمَةُ لَيْسَتْ مِمَّا خَيَّرَ اللَّهُ فِيهِ، وَالطَّعَامُ الْمُخْرَجُ هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى وَالْفِطْرَةِ وَالْكَفَّارَةِ، وَقِيلَ: يُجْزِئِ كُلُّ مَا يُسَمَّى طَعَامًا، جَزَمَ بِهِ فِي " الْخِلَافِ " وَذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " احْتِمَالًا لِإِطْلَاقِ لَفْظِهِ (فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا) أَيْ: مِنَ الْبُرِّ، وَمِنْ غَيْرِهِ مُدَّانِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَالْمُؤَلِّفُ أَطْلَقَ الْعِبَارَةَ كَالْخِرَقِيِّ (أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا)
[دم المتعة والقران]
لَهُ، خُيِّرَ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ وَعَنْهُ: أنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَيَجِبُ الْمِثْلُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ لَزِمَهُ الْإِطْعَامُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ صَامَ. فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّانِي عَلَى التَّرْتِيبِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، أَحَدُهَا: دَمُ الْمُتْعَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَحَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي " رِوَايَةً؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ دَخَلَهَا الصَّوْمُ وَالْإِطْعَامُ مَكَانَ الْيَوْمِ فِي مُقَابَلَةِ الْمُدِّ، كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَعَنْهُ: يَصُومُ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وَحَمَلَ الْقَاضِي الْأُولَى عَلَى الْحِنْطَةِ، وَالثَّانِيَةَ عَلَى التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، إِذِ الصِّيَامُ مُقَابِلُ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَغَيْرِهَا فَكَذَا هُنَا. وَبِالْجُمْلَةِ فَيُعْتَبَرُ كُلُّ مَذْهَبٍ عَلَى أَصْلِهِ فَعِنْدَنَا مِنَ الْبُرِّ مُدٌّ، وَمِنْ غَيْرِهِ مُدَّانِ. فَرْعٌ: إِذَا بَقِيَ مِنَ الطَّعَامِ مَا لَا يَعْدِلُ يَوْمًا، صَامَ يَوْمًا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ عَنْ بَعْضِ الْجَزَاءِ، وَيُطْعِمَ عَنْ بَعْضِهِ، كَبَقِيَّةِ الْكَفَّارَاتِ، (وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ خُيِّرَ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ) ؛ لِأَنَّ النَّصَّ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فَإِذَا عَدِمَ أَحَدَهَا، بَقِيَ التَّخْيِيرُ ثابتا بَيْنَ التَّالِيَيْنِ، فَإِذَا اخْتَارَ الْإِطْعَامَ يَوْمَ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ متلف غير مِثْل فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ كَمَالِ الْآدَمِيِّ فَيَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا فَيُطْعِمُهُ الْمَسَاكِينَ، وَإِذَا اخْتَارَ الصِّيَامَ، فَعَلَى مَا سَبَقَ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي ظَاهِرِ نَقْلِ حَنْبَلٍ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَالَّذِي لَهُ مِثْلٌ، وَقِيلَ: بَلَى، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَطَاءٍ (وَعَنْهُ: أَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ عَلَى التَّرْتِيبِ) نَقَلَهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالثَّوْرِيِّ كَالْمُتْعَةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ (فَيَجِبُ الْمِثْلُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ لَزِمَهُ الْإِطْعَامُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ صَامَ) كَمَا ذَكَرْنَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: لَا إِطْعَامَ فِيهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْآيَةِ لِيَعَدِلَ بِهِ الصِّيَامَ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْإِطْعَامِ، قَدَرَ عَلَى الذَّبْحِ، وَكَذَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. [دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ] فَصْلٌ (الضَّرْبُ الثَّانِي: عَلَى التَّرْتِيبِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أَحَدُهَا دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ،
وَالْقِرَانِ، فَيَجِبُ الْهَدْيُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَإِنْ صَامَهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَجْزَأَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQفَيَجِبُ الْهَدْيُ) فِي الْمُتْعَةِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] وَفِي الْقِرَانِ قِيَاسًا عَلَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ) الْهَدْيَ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَوْ وَجَدَهُ بِبَلَدِهِ أَوْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ مُؤَقَّتٌ، فَاعْتُبِرَتْ لَهُ الْقُدْرَةُ فِي مَوْضِعِهِ، كَمَاءِ الْوُضُوءِ، بِخِلَافِ رَقَبَةِ الْكَفَّارَةِ (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) لِمَا سَبَقَ (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ) هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُنَا لِيُكُونَ إِثْبَاتُهَا أَوْ بَعْضُهَا بَعْدَ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، وَاسْتَحَبَّا صَوْمَ عَرَفَةَ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّ عَدَمَ اسْتِحْبَابِ صَوْمِهِ يَخْتَصُّ بِالنَّقْلِ، وَعَلَيْهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ لِيُصُومَهَا فِي الْحَجِّ، وَعَنْهُ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَفِي " الْمُجَرَّدِ " أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ؛ لِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ لَهُ، وَلَعَلَّهُ أَظْهَرُ مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يُلْزِمُ نَفْسَهُ الْمُخَالَفَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ وَوَقْتُ جَوَازِهَا إِذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَالنِّصَابِ وَالْحَوْلِ، وَعَنْهُ: بِالْحَلِّ مِنْهَا، وَعَنْهُ: وَقَبْلَ إِحْرَامِهَا، وَأَنْكَرَهَا جَمَاعَةٌ، وَالْمُرَادُ: فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَنَقَلَهُ الْأَثْرَمُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نِسُكَيِ التَّمَتُّعِ، فَجَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ كَالْحَجِّ، وَأَمَّا وَقْتُ وُجُوبِهَا، فَوَقْتُ وُجُوبِ الْهَدْيِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ، (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الْأَهْلِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَرْفُوعُ: «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. شَاهِدٌ بِذَلِكَ، وَلِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ (فَإِنْ صَامَهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَجْزَأَ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ صَوْمٍ وَاجِبٍ جَازَ فِي وَطَنِ فَاعِلِهِ، جَازَ فِي غَيْرِهِ كَسَائِرِ الْفُرُوضِ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَمَحَلُّهُ إِذَا كَانَ طَافَ لِلزِّيَارَةِ. قَالَهُ الْقَاضِي فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ إِذَا رَجَعْتُمْ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ، وَمُعْتَبَرٌ لِجَوَازِ الصَّوْمِ، وَتَأْخِيرُهَا إِنَّمَا كَانَ رُخْصَةً، وَتَخْفِيفًا كَتَأْخِيرِ رَمَضَانَ
وَإِنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى، وَعَنْهُ: لَا يُصُومُهَا، وَيَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَعَلَيْهِ دَمٌ. وَعَنْهُ: إِنْ تَرَكَ الصَّوْمَ لِعُذْرٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قَضَاؤُهُ، وَإِنْ تَرْكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَعَلَيْهِ مَعَ فِعْلِهِ دَمٌ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ أَخَّرَ الْهَدْيَ وَالصَّوْمَ لِعُذْرٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قَضَاؤُهُ، وَإِنْ أَخَّرَ الْهَدْيَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ آخَرُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَعَ الصَّوْمِ دَمٌ بِحَالٍ. وَلَا يَجِبُ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِسَفَرٍ وَمَرَضٍ، وَلِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُهُ (وَإِنْ لَمْ يَصُمْ) الثَّلَاثَةَ (قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ صَامَ أَيَّامَ مِنًى، وَعَنْهُ: لَا يُصُومُهَا) وَالتَّرْجِيحُ مُخْتَلَفٌ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَالسَّبْعَةُ لَا يَجُوزُ صَوْمُهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ لِبَقَاءِ أَعْمَالٍ مِنَ الْحَجِّ (وَيَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ) لِوُجُوبِ قَضَائِهَا بِفَوَاتِهِ كَرَمَضَانَ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا بِعَدَمِ جَوَازِ صَوْمِهَا أَوْ بِجَوَازِهِ، وَلَمْ يَصُمْهَا (وَعَلَيْهِ دَمٌ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ الْوَاجِبَ عَنْ وَقْتِهِ فَلَزِمَهُ كَرَمْيِ الْجِمَارِ، فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُؤَخَّرِ لِلْعُذْرِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ، وَعَلَّلَهُ فِي " الْخِلَافِ " بِأَنَّهُ نُسُكٌ أَخَّرَهُ فِي وَقْتِ جَوَازِ فِعْلِهِ كَالْوُقُوفِ إِلَى اللَّيْلِ، وَفِيهِ شَيْءٌ. (وَعَنْهُ: إِنْ تَرَكَ الصَّوْمَ لِعُذْرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قَضَاؤُهُ) ؛ لِأَنَّ الدَّمَ الَّذِي هُوَ الْمُبْدَلُ لَوْ أَخَّرَهُ لَعُذْرٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَأْخِيرِهِ، وَالْبَدَلُ أَوْلَى، (وَإِنْ تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ مَعَ فِعْلِهِ دَمٌ) فَعَلَى أَنَّهُ إِنْ صَامَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِهِ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ ": بِتَأْخِيرِ الصَّوْمِ عَنْ أَيَّامِ الْحَجِّ، (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ إِنْ أَخَّرَ الْهَدْيَ) الْوَاجِبَ لِعُذْرٍ مِثْلِ إنْ ضَاعَتْ نَفَقَتُهُ (أَوِ الصَّوْمَ لِعُذْرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قَضَاؤُهُ) كَسَائِرِ الْهَدَايَا الْوَاجِبَةِ، (وَإِنْ أَخَّرَ الْهَدْيَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ آخَرُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ زَائِدٌ كَالْهَدَايَا الْوَاجِبَةِ، وَالثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ دَمٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: أَحْمَدُ مَنْ تَمَتَّعَ فَلَمْ يَهْدِ إِلَى قَابِلٍ يَهْدِي هَدْيَيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّمَ فِي الْمُتْعَةِ نُسُكٌ مُؤَقَّتٌ فَلَزِمَ الدَّمُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ، كَتَأْخِيرِ رَمْيِ الْجِمَارِ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَعَ الصَّوْمِ دَمٌ بِحَالٍ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ، وَاجِبٌ يَجِبُ الْقَضَاءُ
التَّتَابُعُ فِي الصِّيَامِ وَمَتَى وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، فَشَرَعَ فِيهِ، قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ، وَإِنْ وَجَبَ وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. النَّوْعُ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِفَوَاتِهِ، فَلَمْ يَجِبْ بِفَوَاتِهِ دَمٌ كَصَوْمِ رَمَضَانَ، (وَلَا يَجُبِ التَّتَابُعُ) وَلَا التَّفْرِيقُ (فِي الصِّيَامِ) لَا فِي الثَّلَاثَةِ وَلَا السَّبْعَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وِفَاقًا لِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي جَمْعًا، وَلَا تَفْرِيقًا، وَيَشْمَلُ مَا إِذَا قَضَاهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ التَّفْرِيقُ كَسَائِرِ الصَّوْمِ، وَأَوْجَبَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَتَبِعَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِأَنَّ وُجُوبَ التَّفْرِيقِ فِي الْأَدَاءِ إِذَا صَامَ أَيَّامَ مِنًى، وَأَتْبَعَهَا السَّبْعَةَ، ثُمَّ إِنَّمَا كَانَ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ كَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الصلاتين بِخِلَافِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مِنْ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلِ فَلَمْ يَسْقُطْ. فَرْعٌ: إِذَا مَاتَ، وَلَمْ يَصُمْ فَكَصَوْمِ رَمَضَانَ، نَصَّ عَلَيْهِ، تَمَكَّنَ مِنْهُ أَمْ لَا. (وَمَتَى وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، فَشَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ) وَأَجْزَأَهُ الصَّوْمُ كَمَا لَوْ وَجَدَ الرَّقَبَةَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ الِانْتِقَالَ إِلَى الْهَدْيِ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ، وَفِي " الْفُصُولِ " تَخْرِيجٌ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ اعْتِبَارًا بِالْأَغْلَظِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُظَاهِرَ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا فَنَاسَبَهُ الْمُعَاقَبَةُ، بِخِلَافِ الْحَاجِّ، فَإِنَّهُ فِي طَاعَةٍ، فَنَاسَبَهُ التَّخْفِيفُ، وَقِيلَ: إِنْ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ أَنْ مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ، أَجْزَأَهُ الصِّيَامُ؛ لِكَوْنِهِ قَدَرَ عَلَى الْمُبْدَلِ فِي وَقْتِ وُجُوبِهِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ الْبَدَلُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَصُمْ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ فَفَرْقٌ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ إِنْ قُلْنَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْمُبْدَلِ هُنَاكَ يُبْطِلُ حُكْمَ الْبَدَلِ مِنْ أَصْلِهِ، وَيُبْطِلُ مَا مَضَى منها، وَهُنَا صَوْمُهُ صَحِيحٌ يُثَابُ عَلَيْهِ (وَإِنْ وَجَبَ، وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ، نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ حَالَ وُجُودِ السَّبَبِ الْمُتَّصِلِ بِشَرْطِهِ، وَهُوَ عَدَمُ الْهَدْيِ. وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، نَقَلَهَا يَعْقُوبُ، وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ.
[النوع الثاني المحصر يلزمه الهدي]
الثَّانِي: الْمَحْصَرُ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ حَلَّ. الثَّالِثُ: فِدْيَةُ الْوَطْءِ يَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ كَدَمِ الْمُتْعَةِ، لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ بِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ لَمْ يَجِدِ الْبَدَنَةَ، أَخْرَجَ بَقَرَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَسَبْعًا مِنَ الْغَنَمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَخْرَجَ بِقِيمَتِهَا طَعَامًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ، فَبِأَيِّهَا كَفَّرَ أَجْزَأَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [النَّوْعُ الثَّانِي الْمُحْصَرُ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ] (النَّوْعُ الثَّانِي: الْمَحْصَرُ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ) ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ وَاجِبٌ، فَكَانَ ذَلِكَ بَدَلَهُ كَدَمِ الْمُتْعَةِ، (ثُمَّ حَلَّ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَبْلَ ذَلِكَ، وَفِيهِ خِلَافٌ يُذْكَرُ، وَأَنَّهُ لَا إِطْعَامَ فِيهِ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَعَنْهُ: بَلَى قَالَ الْآجُرِّيُّ: إِنْ عَدِمَ الْهَدْيَ مَكَانَهُ قَوَّمَهُ طَعَامًا، وَصَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَحَلَّ. [فِدْيَةُ الْوَطْءِ يَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ] (الثَّالِثُ: فِدْيَةُ الْوَطْءِ يَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ الصَّحَابَةِ، وَكَسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ كَدَمِ الْمُتْعَةِ؛ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ بِهِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ أَنَّ الْعَبَادِلَةَ أَفْتَوْا بِهِ، (وَقَالَ الْقَاضِي إِنْ لَمْ يَجِدِ الْبَدَنَةَ أَخْرَجَ بَقَرَةً) ؛ لِأَنَّهَا تُشَارِكُهُ فِي الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ، وَقَدْ رَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَنْحَرُ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ فَقِيلَ لَهُ: وَالْبَقَرَةُ فَقَالَ: وَهَلْ هِيَ إِلَّا مِنَ الْبُدْنِ؛ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَسَبْعًا مِنَ الْغَنَمِ) لِقِيَامِهَا مَقَامَهَا فِي الْأَضَاحِي، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَخْرَجَ بِقِيمَتِهَا أَيْ: قِيمَةِ الْبَدَنَةِ (طَعَامًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا) كَجَزَاءِ الصَّيْدِ فِي أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْإِطْعَامِ مَعَ وُجُودِ الْمِثْلِ، وَلَا إِلَى الصِّيَامِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِطْعَامِ، وَهَذَا رِوَايَةٌ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهَا، وَمَا تَقَدَّمَ صَرِيحٌ فِي التَّرْتِيبِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى خَصْلَةٍ إِلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الَّتِي قَبْلَهَا. (وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ فَبِأَيِّهَا كَفَّرَ أَجْزَأَهُ) ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَجِبُ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ فَكَانَ مُخَيَّرًا فِيهَا كَفِدْيَةِ الْأَذَى، وَعَلَّلَه ابْنُ الْمُنَجَّا فَقَالَ: بَعْضُهَا قَرِيبٌ مِنْ بَعْضٍ، وَذَكَرَ فِي " النِّهَايَةِ " أَنَّ مَنْشَأَ الْخِلَافِ بَيْنَ الْخِرَقِيِّ، وَالْقَاضِي أَنَّ الْوَطْءَ هَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِمْتَاعَاتِ أَوْ الِاسْتِهْلَاكَاتِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ
وَيَجِبُ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ بَدَنَةٌ إِنْ كَانَ فِي الْحَجِّ، وَشَاةٌ إِنْ كَانَ فِي الْعُمْرَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِثْلُ ذَلِكَ إِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً، وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً، فَلَا فِدْيَةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَالطِّيبِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ كَقَتْلِ الصَّيْدِ فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ عَلَى التَّرْتِيبِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَقَدْ عُورِضَ الْمُؤَلِّفُ فِيمَا نَقَلَهُ عَنِ الْخِرَقِيِّ فَإِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ فِي " مُخْتَصَرِهِ " إِلَّا بِإِجْزَاءِ سَبْعٍ مِنَ الْغَنَمِ مَعَ وُجُودِ الْبَدَنَةِ، وَاعْتَذَرَ عَنْهُ فِي " الشَّرْحِ " بِأَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي غَيْرِ كِتَابِهِ وَفِيهِ بَحْثٌ. تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ: مِنْ الِانْتِقَالِ إِلَى الصَّوْمِ إِذَا عَدِمَ الْبَدَنَةَ هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَقَالَ: لَمْ يَجِدْه قَوْلًا لِأَحْمَدَ وَلَا لِأَحَدٍ مِنَ الْأَصْحَابِ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " فِي الْمُحْرِمِ إِذَا جَامَعَ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ حَجُّهُمَا وَعَلَيْهِ بدنة وَعَلَى الْمُجَامِعِ أُخْرَى، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَشَاةٌ، وَبَأَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنِ الْعَبَادِلَةِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا عَدِمَ الْهَدْيَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ عَدِمَ الْبَدَنَةَ: عَدِمَ الْهَدْيَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجِدُ بَقَرَةً أَوْ شَاةً، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْبَدَنَةِ تَبَعًا لِلْمَرْوِيِّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَبِأَنَّ الْبَقَرَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَهَا، وَالسَّبُعُ مِنَ الْغَنَمِ كَذَلِكَ (وَيَجِبُ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ بدنة إَنْ كَانَ فِي الْحَجِّ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، (وَشَاةٌ إِنْ كَانَ فِي الْعُمْرَةِ) ؛ لِأَنَّهَا أحد النُّسُكَيْنِ فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ بِالْوَطْءِ فِيهَا شَيْءٌ كَالْآخَرِ، وَإِنَّمَا كَانَ شَاةً؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعُمْرَةِ أَخَفُّ، (وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِثْلُ ذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ مَا عَلَى الرَّجُلِ (إِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَمَعَ، لِوُجُودِ الْجِمَاعِ مِنْهُمَا بِدَلِيلِ الْحَدِّ، وَلِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ كَمَا لَوْ قَتَلَا رَجُلًا، وَكَنَفَقَةِ الْقَضَاءِ، وَلِأَنَّهُ آكَدُ مِنَ الصَّوْمِ. وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُمَا هَدْيٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ جِمَاعٌ وَاحِدٌ، وَعَنْهُ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا، ذَكَرَهَا وَصَحَّحَهَا جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا وَطْءَ مِنْهَا وَكَالصَّوْمِ، وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ، وَلِأَنَّهُ لَا يُضَافُ إِلَيْهِ
[الدماء الواجبة للفوات]
عَلَيْهَا، وَقِيلَ: يَلْزَمُهَا كَفَّارَةٌ يَتَحَمَّلُهَا الزَّوْجُ عَنْهَا. فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ لِلْفَوَاتِ، أَوْ لِتَرْكِ وَاجِبٍ، أَوِ الْمُبَاشَرَةِ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ، فَمَا أَوْجَبَ مِنْهُ بَدَنَةً، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ وَمَا عَدَاهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: مَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ مُلْحَقٌ بِدَمِ الْمُتْعَةِ، وَمَا وَجَبَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْفِعْلُ وَكَالصَّوْمِ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهَا كَالْمُطَاوِعَةِ، (وَقِيلَ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (يَلْزَمُهَا كَفَّارَةٌ) لِحُصُولِ الْوَطْءِ (يَتَحَمَّلُهَا الزَّوْجُ عَنْهَا) ؛ لِأَنَّ الْإِفْسَادَ مِنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ كَإِفْسَادِ حَجِّهِ، وَكَنَفَقَةِ الْقَضَاءِ، نَقَلَ الْأَثْرَمُ عَلَى الزَّوْجِ حَمْلُهَا، وَلَوْ طُلِّقَتْ، وَتَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ، وَيُخَيَّرُ الزَّوْجُ الثَّانِي عَلَى أَنْ يَدَعَهَا، وَأَغْرَبَ فِي " الرَّوْضَةِ " فَقَالَ: الْمُكْرَهَةُ يَفْسُدُ صَوْمُهَا، وَلَا يَلْزَمُهَا كَفَّارَةٌ، وَلَا يَفْسُدُ حَجُّهَا، وَعَلَيْهَا بَدَنَةٌ. [الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ لِلْفَوَاتِ] فَصْلٌ (الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ لِلْفَوَاتِ) أَيْ فَوَاتِ الْحَجِّ، وَتَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ فِي الْأَصَحِّ (أَوْ لِتَرْكِ وَاجِبٍ) كَالْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ، وَنَحْوِهَا (أَوِ الْمُبَاشِرَةِ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ) كَمَا يَأْتِي. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْهَدْيَ الْوَاجِبَ بِغَيْرِ النَّذْرِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ، مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِدْيَةُ الْأَذَى، وَجَزَاءُ الصَّيْدِ، وَدَمُ الْإِحْصَارِ، وَالْمُتْعَةُ، وَالْبَدَنَةُ الْوَاجِبَةُ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مَقِيسٌ فَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ إِلَى ذَلِكَ فَقَالَ: (فَمَا أَوْجَبَ مِنْهُ بدنة) كَالْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْمُبَاشِرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ أَيْ هِيَ مَقِيسَةٌ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِسَبَبٍ فِي إِحْرَامِهِ، أَشْبَهَتِ الْبَدَنَةَ الْوَاجِبَةَ بِالْوَطْءِ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا، انْتَقَلَ إِلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي يَجِبُ الْبَدَنَةُ، ثُمَّ بَقَرَةٌ، ثُمَّ سَبْعٌ مِنَ الْغَنَمِ، ثُمَّ قِيمَةُ الْبَدَنَةِ طَعَامًا، ثُمَّ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ يُخَيَّرُ فِيهَا، (وَمَا عَدَاهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: مَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ) كَالْمَبِيتِ بِمِنًى، وَمُزْدَلِفَةَ، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ (مُلْحَقٌ بِدَمِ الْمُتْعَةِ) ؛ لِأَنَّ دَمَ الْمُتْعَةِ وَجَبَ لِتَرَفُّهِهِ بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ دَمٍ وَاجِبٍ لِتَرْكِ وَاجِبٍ (وَمَا
لِلْمُبَاشَرَةِ مُلْحَقٌ بِفِدْيَةِ الْأَذَى، وَمَتَى أَنْزَلَ بِالْمُبَاشِرَةِ دُونَ الْفَرْجِ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَعَنْهُ: بَدَنَةٌ، وَإِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ، فَأَنْزَلَ، أَوِ اسْتَمْنَى، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهَلْ هُوَ بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَإِنْ فَدَى بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِنْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَجَبَ لِلْمُبَاشَرَةِ) كَالْقُبْلَةِ، وَاللَّمْسِ، وَالْوَطْءِ مِنَ الْعُمْرَةِ، وَفَى الْحَجِّ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (مُلْحَقٌ بِفِدْيَةِ الْأَذَى) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الشَّاةُ الْوَاجِبَةُ فَيُخَيَّرُ فِيهَا كَمَا يُخَيَّرُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى لِلتَّرَفُّهِ، (وَمَتَى أَنْزَلَ بِالْمُبَاشِرَةِ دُونَ الْفَرْجِ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ، (وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) جَزَمَ بِهِ فِي الْخِرَقِيِّ، وَالْوَجِيزِ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ مِنْهُمُ الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّهُ هَتَكَ إِحْرَامَهُ بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورِ كَالطِّيبِ، (وَعَنْهُ: بَدَنَةٌ) نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ كَالْوَطْءِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَسَوَاءٌ مَذَى أَوْ لَمْ يُمْذِ، وَاللَّمْسُ لِشَهْوَةٍ كَالْقُبْلَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا لِكَوْنِهِ اسْتِمْتَاعًا يُلْتَذُّ بِهِ. (وَإِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ) أَيْ: أَمْنَى (أَوِ اسْتَمْنَى فَعَلَيْهِ دَمٌ) ؛ لِأَنَّهُ هَتَكَ إِحْرَامَهُ بِذَلِكَ، أَشْبَهُ مَا لَوْ أَنْزَلَ بِالْمُبَاشِرَةِ، (وَهَلْ هُوَ بَدَنَةٌ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَنَصَّ عَلَيْهِ، فِيمَا إِذَا أَمْنَى بِتَكْرَارِ النَّظَرِ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ كَالْقُبْلَةِ، (أَوْ شَاةٌ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ إِنْزَالٌ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ فَوَجَبَتْ كَالْإِنْزَالِ بِاللَّمْسِ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) هُمَا قَوْلَانِ لِابْنِ عَبَّاسٍ، (وَإِنْ مَذَى بِذَلِكَ) أَيْ: بِتَكْرَارِ النَّظَرِ أَوِ الِاسْتِمْنَاءِ (فَعَلَيْهِ شَاةٌ) ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَالْمُحَرَّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْمَنِيِّ لِكَوْنِهِ خَارِجًا بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ، وَلِأَنَّهُ حَصَلَ بِهِ لَذَّةٌ فَهُوَ كَاللَّمْسِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " أَوْ مَذَى بِنَظْرَةٍ فَكَذَلِكَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ خِلَافُهُ، وَفِي " الْكَافِي ": لَا فِدْيَةَ بِمَذْيٍ بِتَكْرَارِ نَظَرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ تَخْرِيجٌ، وَلَا هَدْيَ بِغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْآدَمِيُّ إِنْ مَذَى بِاسْتِمْتَاعِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً: يَفْدِي بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ أَنْزَلَ أَوْ لَا، وَمُرَادُهُ: إِنْ كَرَّرَهُ، وَأَخَذَهَا مِنْ نَقْلِ
[حكم تكرر المحظور من جنس]
فَصْلٌ وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسٍ مِثْلَ أَنْ حَلَقَ ثُمَّ حَلَقَ، أَوْ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنِ الْأَوَّلِ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ، لَزِمَهُ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ، وَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا بَعْدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَثْرَمِ فِيمَنْ جَرَّدَ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يَكُنِ مِنْهُ غَيْرُ التَّجْرِيدِ: عَلَيْهِ شَاةٌ، وَحَمَلَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " عَلَى أَنَّهُ لَمْسٌ، فَإِنَّ التَّجْرِيدَ لَا يَخْلُو عَنْ لَمْسِ ظَاهِرٍ أَوْ أَنَّهُ أَمْنَى أَوْ أَمْذَى إِذْ مُجَرَّدُهُ لَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَنْظُرُ إِلَى نِسَائِهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ، (وَإِنْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ يَعْرِضُ لِلْمَرْءِ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ وَلَا اخْتِيَارٍ؛ لِأَنَّهُ دُونَ النَّظَرِ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ: حُكْمُهُ حُكْمُ تَكْرَارِ النَّظَرِ إِذَا اقْتَرَنَ بِهِ الْإِنْزَالُ لِقُدْرَتِهِ، وَفِيهِ شَيْءٌ. تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ هُنَا لِذِكْرِ النِّسْيَانِ، وَذَكَرَهُ فِي مُفْسِدَاتِ الصَّوْمِ، وَالْمَذْهَبُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ، وَالنَّاسِي، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ نِسْيَانٌ غَالِبًا، وَيُفْسِدُ الْعِبَادَةَ أَيْ: الصَّوْمَ بِمُجَرَّدِهِ، وَالْجَاهِلُ وَالْمُكْرَهُ كَالنَّاسِي، وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ مَعَ سَهْوِهِ. [حُكْمُ تَكَرُّرِ الْمَحْظُورِ مَنْ جِنْسٍ] فَصْلٌ (وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسٍ مِثْلَ أَنْ حَلَقَ، ثُمَّ حَلَقَ، أَوْ وَطِئَ، ثُمَّ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنِ الْأَوَّلِ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ سَوَاءٌ تَابَعَهُ أَوْ فَرَّقَ أَوْ وَطِئَهَا أَوْ غَيْرَهَا. فَظَاهِرُهُ لَوْ قَلَّمَ خَمْسَةَ أَظْفَارٍ فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ لَزِمَهُ دَمٌ قَالَهُ الْقَاضِي، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ لَمَّا بُنِيَتِ الْجُمْلَةُ فِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ فِي تَدَاخُلِ الْفِدْيَةِ كَذَا الْوَاحِدُ عَلَى الْوَاحِدِ فِي تَكْمِيلِ الدَّمِ، وَلِأَنَّ مَا تَدَاخَلَ مُتَتَابِعًا تَدَاخَلَ مُتَفَرِّقًا كَالْأَحْدَاثِ وَالْحُدُودِ، وَلِأَنَّهُ - تَعَالَى - أَوَجَبَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ فِدْيَةً، وَلَمْ يُفَرِّقْ، (وَإِنْ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ لَزِمَهُ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ إِحْرَامًا فَوَجَبَتْ كَالْأَوَّلِ، وَيُعْتَبَرُ بِالْحُدُودِ، وَالْأَيْمَانِ، وَعَنْهُ: لِكُلِّ وَطْءٍ كَفَّارَةٌ؛
صَيْدٍ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُمَا، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُورًا مِنْ أَجْنَاسٍ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِدَاءٌ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ أَوْ وَطِئَ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَامِدًا أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَنَّهُ سَبَبٌ لَهَا، كَالْأَوَّلِ فَيَطَّرِدُ فِي غَيْرِهِ، وعَنْهُ. وَإِنْ تَعَدَّدَ سَبَبُ الْمَحْظُورِ فَلَبِسَ لِلْحَرِّ، ثُمَّ لِلْبَرْدِ، ثُمَّ لِلْمَرَضِ فَكَفَّارَاتٌ، وَإِلَّا فَوَاحِدَةٌ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِذَا لَبِسَ وَغَطَّى رَأْسَهُ مُتَفَرِّقًا، فَكَفَّارَتَانِ، وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَرِوَايَتَانِ. (وَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا بَعْدَ صَيْدٍ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُمَا) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ صَيْدًا لَزِمَهُ مِثْلُهُ، وَمَنْ قَتَلَ أَكْثَرَ، لَزِمَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَ صُيُودًا مَعًا تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ، فَكَذَا مُتَفَرِّقًا، بَلْ أَوْلَى، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةُ قَتْلٍ كَقَتْلِ الْآدَمِيِّ أَوْ بَدَلُ مُتْلَفٍ كَبَدَلِ مَالِ الْآدَمِيِّ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95] وَلَمْ يُوجِبْ جَزَاءً ثَانِيًا، وَلِأَنَّهُ مَحْظُورٌ أَشْبَهَ غَيْرَهُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا تَتَعَدَّدُ إِنْ لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الْأَوَّلِ، وَنَقَلَ أَيْضًا: إِنْ تَعَمَّدَ قَتْلَهُ ثَانِيًا فَلَا جَزَاءَ، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْعُقُوبَةِ فِي الثَّانِي لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ لِقَوْلِهِ {وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275] وَلِلْعَامِدِ مَا سَلَفَ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، بَلْ وَقِيَاسُهُ عَلَى غَيْرِهِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ مُقَدَّرٌ بِهِ، وَيَخْتَلِفُ بِكِبَرِهِ وَصِغَرِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. (وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُورًا مِنْ أَجْنَاسٍ) كَحَلَقَ وَلَبِسَ وَطَيَّبَ (فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِدَاءٌ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ فَلَمْ تَتَدَاخَلْ كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَسَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا، (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ مَحْظُورٍ فَلَمْ يَتَعَدَّدْ كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَعَنْهُ: إِنْ كَانَتْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَإِلَّا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ، وَقَالَهُ إِسْحَاقُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. قَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: لِأَنَّهَا أَفْعَالٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَمُوجِبَاتُهَا مُخْتَلِفَةٌ كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَقِيلَ: إِنْ قَرُبَ الْوَقْتُ لَمْ يَتَعَدَّدِ الْفِدَاءُ، وَإِلَّا تَعَدَّدَ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمَحْظُورَاتُ تَتَّحِدُ كَفَّارَتُهَا فَإِنْ تَعَدَّدَتْ فَلَا تَدَاخُلَ. (وَإِنْ حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ أَوْ، وَطِئَ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَامِدًا أَوْ مُخْطِئًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) نَصَّ عَلَيْهِ،
مُخْطِئًا، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَعَنْهُ فِي الصَّيْدِ: لَا كَفَّارَةَ إِلَّا فِي الْعَمْدِ وَيَتَخَرَّجُ فِي الْحَلْقِ مِثْلُهُ. وَإِنْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ نَاسِيًا، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ فَاسْتَوَى عَمْدُهُ، وَسَهْوُهُ كَإِتْلَافِ مَالِ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى مَنْ حَلَقَ لِأَذًى بِهِ، وَهُوَ مَعْذُورٌ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى مَعْذُورٍ بِنَوْعٍ آخَرَ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: تَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى مَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا بِالْكِتَابِ، وَمُخْطِئًا بِالسُّنَّةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَنْبَأَنَا سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: فَمَنْ قَتَلَهُ خَطَأً أَيَغْرَمُ؟ قَالَ: نَعَمْ يُعَظِّمُ بِذَلِكَ حُرُمَاتِ اللَّهِ، وَمَضَتْ بِهِ السُّنَنُ. وَقَالَ عُمَرُ: لِيَحْكُمْ عَلَيْهِ فِي الْخَطَأِ، وَالْعَمْدِ. رَوَاهُ النَّجَّادُ. (وَعَنْهُ: فِي الصَّيْدِ: لَا كَفَّارَةَ إِلَّا فِي الْعَمْدِ) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَلَا يَشْغَلُهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْجَبَ فِيهِ الْجَزَاءَ، وَفِي بَيْضِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ. وَأَجَابَ الْقَاضِي عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّهَا حُجَّةٌ لَنَا مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّ مَنْ نَسِيَ الْإِحْرَامَ فَقَتَلَ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا، لَزِمَهُ الْجَزَاءُ، وَعِنْدَهُمْ لَا يَلْزَمُهُ، وَخَصَّ الْعَمْدَ بِالذِّكْرِ لِأَجْلِ الْوَعِيدِ فِي آخِرِهَا، وَلِأَنَّ مَا سَبَقَ أَخَصُّ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ، وَحُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ يَجِبُ الْجَزَاءُ فِي الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ دُونَ الْعَمْدِ، وَهُوَ غَرِيبٌ. (وَيَتَخَرَّجُ فِي الْحَلْقِ مِثْلُهُ) هَذَا وَجْهٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ، أَيْ: لَا تَجُبِ الْكَفَّارَةُ إِلَّا فِي الْعَمْدِ لِعُمُومِ " إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ "، وَلِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِسَبَبٍ فِي إِحْرَامِهِ أَشْبَهَ الصَّيْدَ، وَقَصَرَ الْمُؤَلِّفُ التَّخْرِيجَ فِي الْحَلْقِ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الثَّانِي مِثْلُهُ. فَرْعٌ: الْمُكْرَهُ عِنْدَنَا كَالْمُخْطِئِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى الْمُكْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، (وَإِنْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ نَاسِيًا) أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا، (فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ) ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» قَالَ: عَبْدُ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيُّ رَوَيْتُهُ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. . . . . . وَذَكَرَهُ،
وَمَنْ رَفَضَ إِحْرَامَهُ، ثُمَّ فَعَلَ مَحْظُورًا، فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ. وَمِنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ فِي بَدَنِهِ فَلَهُ اسْتِدَامَةُ ذَلِكَ فِي إِحْرَامِهِ. وَلَيْسَ لَهُ لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ، وَإِنْ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ فَأَمَرَهُ بِخَلْعِهَا وَغَسْلِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِفِدْيَةٍ» ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) نَصَرَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ جَرِيمَةَ الْإِحْرَامِ فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ كَقَتْلِ الصَّيْدِ وَالْحَلْقِ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّ الْحَالِقَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ لَا يُمْكِنُ تَلَافِي مَا فَعَلَهُ بِخِلَافِ اللَّابِسِ، وَالْمُتَطَيِّبِ، وَالْمُغَطِّي رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِإِزَالَتِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى لَا يُمْكِنُ تَلَافِيهِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعَمْدَ مَحَلُّ وِفَاقٍ، لَكِنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بَعْدَ إِحْرَامِهِ خَطَأٌ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ، (وَمَنْ رَفَضَ إِحْرَامَهُ) أَيْ: قَطَعَ مِنْهُ النُّسُكَ، (ثُمَّ فَعَلَ مَحْظُورًا) فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِحْرَامِ بَاقٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِالرَّفْضِ وِفَاقًا، لِكَوْنِ أَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِالْفَسَادِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ. فَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ مَا فَعَلَهُ فِي الْمَحْظُورِ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ الْإِحْرَامَ كَفِعْلِهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الرَّفْضِ، وَعَنْهُ: كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ ذَكَرَهَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ". وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِرَفْضِهِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ نِيَّةٍ لَمْ تُفِدْ شَيْئًا، وَفِي التَّرْغِيبِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ ": يَلْزَمُهُ دَمٌ لِرَفْضِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ الْإِحْرَامُ بِالْجُنُونِ، وَالْإِغْمَاءِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهَيْنِ، وَفِي مُفْرَدَاتِهِ مَبْنَاهُ عَلَى التَّوْسِعَةِ، وَسُرْعَةُ الْحُصُولِ فَلِهَذَا لَوْ أَحْرَمَ مُجَامِعًا انْعَقَدَ، وَحُكْمُهُ كَالصَّحِيحِ، (وَمَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ فِي بَدَنِهِ فَلَهُ اسْتِدَامَةُ ذَلِكَ فِي إِحْرَامِهِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتَدَامَتُهُ، لَكِنْ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " إِنْ طَيَّبَ ثَوْبَهُ لَهُ لُبْسُهُ مَا لَمْ يَنْزِعْهُ عَنْهُ، لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ مِنِ ابْتِدَاءِ الطِّيبِ دُونَ اسْتَدَامَتِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ مَا يَقْتَضِي جَوَازَ اسْتِدَامَةِ لُبْسِ الْمُطَيَّبِ، (وَلَيْسَ لَهُ لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ) أَيْ: بَعْدَ إِحْرَامِهِ؛ لِقَوْلِهِ: «لَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانُ» (وَإِنْ أَحْرَمَ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ) أَوْ سَرَاوِيلُ
قَمِيصٌ، خَلَعَهُ وَلَمْ يَشُقُّهُ فَإِنِ اسْتَدَامَ لُبْسُهُ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. وَإِنْ لَبِسَ ثَوْبًا كَانَ مُطَيَّبًا، وَانْقَطَعَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ إِذَا رَشَّ فِيهِ مَاءً، هَاجَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQأَوْ جُبَّةٌ، وَلَوْ عَبَرَ بِالْمَخِيطِ لَعَمَّ (خَلَعَهُ وَلَمْ يَشُقُّهُ) لِحَدِيثِ يَعْلَى، وَلَوْ وَجَبَ شَقُّهَا أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ لَأَمَرَهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَلِمَا فِي الشَّقِّ مِنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا (فَإِنِ اسْتَدَامَ لُبْسُهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) ؛ لِأَنَّ خَلْعَهُ وَاجِبٌ، لِلْأَمْرِ بِهِ فَوَجَبَتِ الْفِدْيَةُ كَمَا لَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ، وَلِأَنَّ اسْتِدَامَةَ اللُّبْسِ تُسَمَّى لُبْسًا لِقَوْلِهِمْ لَبَسْتُ شَهْرًا. لَا يُقَالُ قَدْ أَمَرَهُ بِغَسْلِ الطِّيبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ، وَرَدَ مَا يَقْتَضِي اسْتِدَامَةَ الطِّيبِ دُونَ لُبْسِهِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ رَاجِعٌ عَلَى حَدِيثِ صَاحِبِ الْجُبَّةِ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ عَلَيْهِ جُبَّةٌ بِهَا أَثَرُ الْخَلُوقِ، وَفِي بَعْضِهَا، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ، وَفِي بَعْضِهَا «عَلَيْهِ رَدَعٌ مِنْ زَعْفَرَانَ» فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ كَانَ مِنْ زَعْفَرَانَ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ فَفِيهِ أَوْلَى؛ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْهُ، الثَّانِي أَنَّهُ كَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ عَامَ الْجِعْرَانَةِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ سَنَةَ عَشْرٍ فَهُوَ مُتَأَخِّرٌ، وَالْحُكْمُ لَهُ. (وَإِنْ لَبِسَ ثَوْبًا كَانَ مُطَيَّبًا، وَانْقَطَعَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ إِذَا رَشَّ فِيهِ مَاءً هَاجَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) ؛ لِأَنَّهُ مُطَيَّبٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ رَائِحَتَهُ تَظْهَرُ عند رَشَّ الْمَاءَ، والماء لَا رَائِحَةَ لَهُ أَشْبَهُ مَا لَوْ ظَهَرَ بِنَفْسِهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ رِيحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ الْآنَ، أَشْبَهَ الَّذِي لَمْ يَتَطَيَّبْ أَصْلًا. تَنْبِيهٌ: الْقَارِنُ كَغَيْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، لِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِأَنَّهُمَا حُرْمَتَانِ كَحُرْمَةِ الْحَرَمِ، وَحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ إِحْرَامَانِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِحُرْمَةِ الْحَرَمِ، وَحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ النُّسُكِ، وَنِيَّةَ الْحَجِّ غَيْرُ نِيَّةِ الْعُمْرَةِ، وَاخْتَارَ جَمْعٌ أَنَّهُ إِحْرَامٌ وَاحِدٌ كَبَيْعِ دَارٍ وَعَبْدٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ بِفِعْلِ الْمَحْظُورِ جَزَاءَانِ ذَكَرَهَا فِي " الْوَاضِحِ " وَذَكَرَ الْقَاضِي تَخْرِيجًا إِنْ لَزِمَهُ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ، وَخَصَّهَا ابْنُ عَقِيلٍ بِالصَّيْدِ كَمَا لَوْ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ بِإِحْرَامٍ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَكَمَا لَوْ وَطِئَ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ.
[كل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم]
فَصْلٌ وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ، فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ إِنْ قَدَرَ عَلَى إِيصَالِهِ إِلَيْهِمْ إِلَّا فِدْيَةَ الْأَذَى وَاللُّبْسِ وَنَحْوِهَا إِذَا وُجِدَ سَبَبُهَا فِي الْحِلِّ، فَيُفَرِّقُهَا حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهَا. وَدَمُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [كُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ] فَصْلٌ (وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ) مُتَعَلِّقٌ بِالْحَرَمِ أَوِ الْإِحْرَامِ (فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ إِنْ قَدَرَ عَلَى إِيصَالِهِ إِلَيْهِمْ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] وَقَوْلِهِ {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33] وَيَجِبُ نَحْرُهُ بِالْحَرَمِ، وَيُجْزِئُ جَمِيعُهُ قَالَ: أَحْمَدُ: مَكَّةُ وَمِنًى وَاحِدٌ، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ فِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ الَّتِي عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» وَفِي " الْفُرُوعِ " تَوْجِيهٌ: لَا يُنْحَرُ فِي الْحَجِّ إِلَّا بِمِنًى، وَلَا فِي الْعُمْرَةِ إِلَّا بِمَكَّةَ، وَيَجِبُ تَفْرِقَةُ لَحْمِهِ بِالْحَرَمِ أَوْ إِطْلَاقُهُ لِمَسَاكِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ كَالذَّبْحِ، وَالتَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ مَقْصُودَةٌ، فَلَوْ سَلَّمَهُ لِلْفُقَرَاءِ سَلِيمًا فَذَبَحُوهُ أَجْزَأَ، وَإِلَّا اسْتَرَدَّهُ، وَنَحَرَهُ، فَإِنْ أَبَى أَوْ عَجَزَ ضَمِنَهُ، وَالطَّعَامُ كَالْهَدْيِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " الْهَدْيُ وَالْإِطْعَامُ بِمَكَّةَ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إِلَى الْمَسَاكِينِ فَاخْتُصَّ بِهِمْ كَالْهَدْيِ، وَمَسَاكِينُ الْحَرَمِ مَنْ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ مُقِيمًا كَانَ أَوْ مُجْتَازًا مِنَ الْحَاجِّ وَغَيْرِهِمْ فَإِنْ بَانَ بَعْدَ الدَّفْعِ غِنَاهُ فَكَالزَّكَاةِ، وَمَا جَازَ تَفْرِيقُهُ لَمْ يَجُزْ دَفْعُهُ إِلَى فُقَرَاءِ الذِّمَّةِ كَالْحَرْبِيِّ، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُغَدِّيَ الْمَسَاكِينَ أَوْ يُعَشِّيَهُمْ إِنْ جَازَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ؛ فِيهِ احْتِمَالَانِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ إِيصَالُهُ إِلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَبْحُهُ، وَتَفْرِيقُهُ فِي غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] (إِلَّا فِدْيَةَ الْأَذَى وَاللُّبْسِ وَنَحْوِهَا) كَالتَّقْلِيمِ، وَالطِّيبِ (إِذَا وُجِدَ سَبَبُهَا فِي الْحِلِّ فَيُفَرِّقُهَا حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهَا) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ كَعْبًا بِهَا بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَهِيَ فِي الْحِلِّ، وَاشْتَكَى الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَأْسَهُ فَحَلَقَهُ عَلِيٌّ، وَنَحَرَ عَنْهُ جَزُورًا بِالسُّقْيَا. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْحَرَمِ، وَقَالَهُ الْخِرَقِيُّ: فِي غَيْرِ الْحَلْقِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ خُولِفَ فِيهِ لِمَا سَبَقَ، وَاعْتَبَرَ فِي " الْمُجَرَّدِ " وَ " الْفُصُولِ " الْعُذْرَ فِي الْمَحْظُورِ، وَإِلَّا فَغَيْرُ الْمَعْذُورِ كَسَائِرِ الْهَدْيِ، وَعَنْهُ: فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ حَيْثُ قَتَلَهُ كَحَلْقِ الرَّأْسِ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ لِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ. فَرْعٌ: وَقْتُ ذَبْحِهِ حِينَ فِعْلِهِ، وَلَهُ الذَّبْحُ قَبْلَهُ لِعُذْرٍ كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ. (وَدَمُ
[تجزئ البقرة مكان البدنة]
الْإِحْصَارِ يُخْرِجُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ، وَأَمَّا الصِّيَامُ، فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ وَكُلُّ دَمٍ ذَكَرْنَاهُ يُجْزِئُ فِيهِ شَاةٌ أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ. وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ، أَجْزَأَتْهُ بَقَرَةٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْإِحْصَارِ يُخْرِجُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ) مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا أُحْصِرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا هَدْيَهُمْ، وَحَلُّوا، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ تَحَلُّلِهِ فَكَانَ مَوْضِعَ ذَبْحِهِ كَالْحَرَمِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَطْرَافِ الْحَرَمِ فَوَجْهَانِ، وَعَنْهُ: لَيْسَ لِلْمُحْصَرِ نَحْرُ هَدْيِهِ إِلَّا فِي الْحَرَمِ فَيَبْعَثُهُ إِلَى الْحَرَمِ، وَيُوَاطِئُ رَجُلًا عَلَى نَحْرِهِ فِي وَقْتِ تَحَلُّلِهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ النَّحْرُ فِي الْحَرَمِ أَشْبَهُ مَا لَوْ حُصِرَ فِيهِ، وَحَمَلَهُ فِي " الْمُغْنِي " عَلَى مَا إِذَا كَانَ حَصْرُهُ خَاصًّا، وَأَمَّا الْحَصْرُ الْعَامُّ فَلَا، وَقَوْلُهُ {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] وَقَوْلُهُ {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33] فِي حق غير الْمُحْصَرِ، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَحَلُّلَ الْمَحْصَرِ مِنَ الْحِلِّ، وَتَحَلُّلَ غَيْرِهِ مِنَ الْحَرَمِ فَكَلٌّ يَنْحَرُ فِي مَوْضِعِ تَحَلُّلِهِ. (وَأَمَّا الصِّيَامُ) وَالْحَلْقُ وَهَدْيُ تَطَوُّعٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَمَا سُمِّيَ نُسُكًا (فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ لِعَدَمِ تَعَدِّي نَفْعِهِ، وَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِ بِمَكَانٍ بِخِلَافِ الْهَدْيِ. (وَكُلُّ دَمٍ ذَكَرْنَاهُ يُجْزِئُ فِيهِ شَاةٌ أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ، وَفَسَّرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - النُّسُكَ فِي خَبَرِ كَعْبٍ بِذَبْحِ شَاةٍ، وَالْبَاقِي مَقِيسٌ، فَإِنِ اخْتَارَ ذَبْحَ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَرُ لَحْمًا، وَأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، وَيَلْزَمُهُ كُلُّهَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَمَا لَوِ اخْتَارَ الْأَعْلَى مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، وَقِيلَ: سُبُعُهَا، وَالْبَاقِي لَهُ أَكْلُهُ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَذَبْحِ سَبْعِ شِيَاهٍ، وَهُوَ كَالْأُضْحِيَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَلَا يُجْزِئُ مَا لَا يُضَحَّى بِهِ. [تُجْزِئُ الْبَقَرَةُ مَكَانَ الْبَدَنَةِ] (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ أَجْزَأَتْهُ بَقَرَةٌ) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «كُنَّا نَنْحَرُ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ فَقِيلَ لَهُ: وَالْبَقَرَةُ؟ فَقَالَ: وَهَلْ هِيَ إِلَّا مِنَ الْبُدْنِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَبِعَكْسِهَا. وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَتْ مَنْذُورَةً، وَنَصَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَرِوَايَتَانِ
[باب جزاء الصيد]
بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَهُوَ ضَرْبَانِ، أَحَدُهُمَا: مَالَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ، فَيَجِبُ فِيهِ مِثْلُهُ، وَهُوَ نَوْعَانِ: ـــــــــــــــــــــــــــــQإِحْدَاهُمَا: يُجْزِئُهُ بَقَرَةٌ، وَالثَّانِيَةُ: يُجْزِئُهُ مَعَ عَدَمِ الْبَدَنَةِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنْ كَانَتْ جَزَاءَ صَيْدٍ أَجْزَأَتْ أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُشْبِهُ النَّعَامَةَ، وَيُجْزِئُ عَنْهَا سَبْعُ شِيَاهٍ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهَا مَعْدُولَةٌ بِسُبُعٍ بدنة، وَهِيَ دَمٌ كَامِلٌ، وَأَطْيَبُ لَحْمًا، وَعَنْهُ: ثُمَّ عَدِمَهَا؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ، وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا عَشْرُ شِيَاهٍ لِقَوْلِ رَافِعٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْعَلُ فِي قَسْمِ الْغَنَمِ عَشْرًا مِنَ الشِّيَاهِ بِبَعِيرٍ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَالَ: الْخَلَّالُ، وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَمَنْ لَزِمَهُ سَبْعُ شِيَاهٍ أَجْزَأَهُ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " لِإِجْزَائِهِمَا عَنْ سَبْعَةٍ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ إِلَّا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَفِي " الْمُغْنِي " أَنَّهُ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ أَطْيَبُ، وَالْبَقَرَةُ كَالْبَدَنَةِ فِي إِجْزَاءِ سَبْعِ شِيَاهٍ عَنْهَا [بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ] [مَا قَضَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ في جزاء الصيد] بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَهُوَ وَاجِبٌ، لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] فَجَزَاءٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ، وَمَنْ نَوَّنَ " جَزَاءٌ " - وَقُرِئَ بِهِ فِي السَّبْعَةِ - فَـ " مِثْلُ " صِفَةٌ، " و {مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] " صِفَةٌ أُخْرَى لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ " مِثْلُ " بَدَلًا، وَقُرِئَ شَاذًّا بِنَصْبِ " مِثْلُ " أَيْ: يُخْرِجُ مِثْلَ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَدَّى بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَقُرِئَ بِإِضَافَةِ الْجَزَاءِ إِلَى " مِثْلِ " فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الزَّائِدِ كَقَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لَا يَبْخَلُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ " {مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] " بِقَوْلِهِ " فَجَزَاءٌ " إِنْ نَصَبْتَ " مِثْلًا " لِعَمَلِهِ فِيهِمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ صِلَتِهِ لَا إِنْ رَفَعْتَهُ؛ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ صِلَتِهِ، وَلَا يُفْصَلُ بَيْنَ الصِّلَةِ وَالْمَوْصُولِ بِصِفَةٍ أَوْ بَدَلٍ، وَيَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِهِ إِنْ أَضَفْتَهُ، وَيَجُوزُ جَعْلُهُ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ " قَتَلَ "؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ يَكُونُ مِنَ النَّعَمِ، " و {يَحْكُمُ بِهِ} [المائدة: 95] " صِفَةٌ لِجَزَاءٍ إِذَا نَوَّنْتَهُ، وَإِذَا أَضَفْتَهُ فَفِي مَوْضِعِ حَالٍ عَامِلُهَا مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ الْمُقَدَّرِ فِي الْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ. (وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَالَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ حَقِيقَةَ الْمُمَاثَلَةِ فَإِنَّهَا لَا
أَحَدُهُمَا قَضَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ، فَفِيهِ مَا قَضَتْ فَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ وَبَقَرَتِهِ وَالْإِيَّلِ وَالثَّيْتَلِ وَالْوَعْلِ بَقَرَةٌ، وَفِي الضَّبُعِ كَبْشٌ وَفِي الْغَزَالِ وَالثَّعْلَبِ عَنْزٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــQتَتَحَقَّقُ بَيْنَ الْأَنْعَامِ وَالصَّيْدِ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهَا مِنْ حَيْثُ الصُّورَةِ (فَيَجِبُ فِيهِ مِثْلُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، (وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: قَضَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ كُلَّهُمْ (فَفِيهِ: مَا قَضَتْ) «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» وَلِقَوْلِهِ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: «اقْتَدَوْا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ» ، وَلِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ، وَأَعْرَفُ بِمَوَاقِعِ الْخِطَابِ، فَكَانَ حُكْمُهُمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ كَالْعَالِمِ مَعَ الْعَامِّيِّ، فَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ حَكَمَ بِهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْبَعِيرَ فِي خَلْقِهِ، فَكَانَ مِثْلًا لَهَا، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ، وَجَعَلَهَا الْخِرَقِيُّ مِنْ أَقْسَامِ الطَّيْرِ؛ لِأَنَّ لَهَا جَنَاحَيْنِ فَيُعَايَا بِهَا، فَيُقَالُ: طَائِرٌ تَجِبُ فِيهِ بَدَنَةٌ، (وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ) بَقَرَةٌ، قَضَى بِهِ عُمَرُ، وَقَالَهُ عُرْوَةُ، وَمُجَاهِدٌ؛ لِأَنَّهَا شَبِيهٌ بِهِ، وَعَنْهُ: بَدَنَةٌ، وَقَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، (وَبَقَرَتِهِ) أَيْ: فِي بَقَرَةِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ قَضَى بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَالَهُ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ، وَعَنْهُ: لَا جْزَاءَ لِبَقَرَةِ وَحْشٍ، كَجَامُوسٍ، (وَالْإِيَّلِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ مُشَدَّدَةً: الذَّكَرُ مِنَ الْأَوْعَالِ فِيهِ بَقَرَةٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، (وَالثَّيْتَلِ) هُوَ الْوَعِلُ الْمُسِنُّ، (وَالْوَعْلِ) هُوَ تَيْسُ الْجَبَلِ وَجَمْعُهُ: وُعُولٌ (بَقَرَةٌ) قَالَ الْأَصْحَابُ: كَالْإِيَّلِ، وَعَنْهُ: فِي كُلٍّ مِنْهَا بَدَنَةٌ، ذَكَرَهَا فِي " الْوَاضِحِ " وَفِي " صِحَاحِ
وَفِي الْوَبْرِ وَالضَّبِّ جَدْيٌ، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالْجَوْهَرِيِّ " وَالْوَعْلُ هِيَ: الْأَرْوَى، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: فِيهَا بَقَرَةٌ، وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ الْبَقَرة: مَا بَلَغَ أَنْ يُقْبَضَ عَلَى قَرْنِهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَكُونَ ثَوْرًا، (وَفِي الضَّبُعِ كَبْشٌ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ «عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلَتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الضَّبُعِ، فَقَالَ: هُوَ صَيْدٌ وَفِيهِ كَبْشٌ إِذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ» وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ جَابِرٍ، وَنَحْوِهِ مَرْفُوعًا، وَقَضَى بِهِ عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كَانَ الْعُلَمَاءُ بِالشَّامِ يَعُدُّونَهَا مِنَ السِّبَاعِ، وَيَكْرَهُونَ أَكْلَهَا، قَالَ: فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": وَهُوَ الْقِيَاسُ إِلَّا أَنَّ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ، وَالْآثَارِ أَوْلَى، (وَفِي الْغَزَالِ) عَنْزٌ قَضَى بِهِ عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَقَالَهُ عَطَاءٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ شَبَهًا بِالْعَنْزِ؛ لِأَنَّهُ أَجْرَدُ الشَّعْرِ مُتَقَلِّصُ الذَّنَبِ، (وَالثَّعْلَبِ عَنْزٌ) ؛ لِأَنَّهُ كَالْغَزَالِ، وَسَبَقَ أَنَّ الْأَشْهَرَ يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ، وَإِنْ حَرَّمْنَا أَكْلَهُ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ، كَمَا وَجَبَ الْجَزَاءُ فِي الْمُتَوَلَّدِ مِنَ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ: فِيهِ شَاةٌ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مِنَ الْغَزَالِ إِذَا قُلْنَا بِإِبَاحَتِهِ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ فِيهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، (وَفِي الْوَبْرِ) بِسُكُونِ الْبَاءِ دُوَيْبَّةٌ أَصْغَرُ مِنَ السِّنَّوْرِ طَحْلَاءُ، وَلَا ذَنَبَ لَهَا، (وَالضَّبُّ) حَيَوَانٌ صَغِيرٌ لَهُ ذَنَبٌ شَبِيهٌ بِالْحِرْذَوْنِ (جَدْيٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الضَّبِّ، وَعَنْهُ: شَاةٌ، وَقَالَهُ جَابِرٌ وَعَطَاءٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْجَدْيَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الشَّاةِ، وَأَمَّا الْوَبْرُ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى الضَّبِّ، وَفِي " الْمُغْنِي ": فِيهِ شَاةٌ، وَحَكَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ جَفْرَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْبَرَ مِنْهَا (وَفِي الْيَرْبُوعِ) قَالَ أَبُو السَّعَادَاتِ: هُوَ الْحَيَوَانُ الْمَعْرُوفُ، وَقِيلَ: هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْفَأْرِ (جَفْرَةٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٌ، وَهِيَ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ (لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: هِيَ الَّتِي فُطِمَتْ، وَرَعَتْ (وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ عَنْهُ، وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - –
[ما لم تقض فيه الصحابة في جزاء الصيد]
وَفِي الْحَمَامِ وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ شَاةٌ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كُلُّ مُطَوَّقٍ حَمَامٌ. النَّوْعُ الثَّانِي: مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَحَدَهُمَا، وَيَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالصَّحِيحِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ: فِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْعَنَاقُ: الْأُنْثَى مَنْ وَلَدِ الْمَعْزِ أَصْغَرُ مِنَ الْجَفْرَةِ (وَفِي الْحَمَامِ وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ شَاةٌ) حَكَمَ بِهِ عُمَرُ، وَابْنُهُ، وَعُثْمَانُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ الْأَصْحَابُ: هُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْقِيمَةِ لِمَا سَبَقَ وَلِاخْتِلَافِ الْقِيمَةِ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالسِّعْرِ وَصِفَةِ الْمُتْلَفِ وَلَمْ يُوصَفْ، وَلَمْ يَسْأَلُوا عَنْهُ، مَعَ أَنَّ مَالِكًا، وَافَقَ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ دُونَ الْإِحْرَامِ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي الْقِيمَةَ فِي كُلِّ طَيْرٍ تَرَكْنَاهُ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ لِمَا تَقَدَّمَ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ قُلْنَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَضَى فِي حَمَامَةٍ حَالَ الْإِحْرَامِ بِشَاةٍ؛ لِأَنَّهَا حَمَامَةٌ مَضْمُونَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ فَضُمِّنَتْ بِشَاةٍ كَحَمَامَةِ الْحَرَمِ، وَقَوْلُهُ: كُلُّ مَا عَبَّ. بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: وَضَعَ مِنْقَارَهُ فِي الْمَاءِ فَيَكْرَعُ كَمَا تَكْرَعُ الشَّاةُ، وَلَا يَأْخُذُ قَطْرَةً قَطْرَةً كَالدَّجَاجِ وَالْعَصَافِيرِ. وَهَدَرَ أَيْ صَوَّتَ، وَإِنَّمَا أَوْجَبُوا فِيهِ شَاةً لِشَبَهِهِ فِي كَرْعِ الْمَاءِ، وَلَا يَشْرَبُ كَبَقِيَّةِ الطُّيُورِ، وَمِنْ هُنَا قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَنَدِي: كُلُّ طَيْرٍ يَعُبُّ الْمَاءَ كَالْحَمَامِ فِيهِ شَاةٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْفَوَاخِتُ، وَالْقَمَرِيُّ، وَالْقَطَا، وَنَحْوُهَا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّيهَا حَمَامًا، (وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كُلُّ مُطَوَّقٍ حَمَامٌ) فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحَجَلُ مِنَ الْحَمَامِ؛ لِأَنَّهُ مُطَوَّقٌ. [مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ في جزاء الصيد] (النَّوْعُ الثَّانِي: مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ) بِشَيْءٍ (فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] . وَظَاهِرُهُ لَا يَكْفِي وَاحِدٌ، (مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْحُكْمِ بِالْمِثْلِ إِلَّا بِهَا، وَلِاعْتِبَارِهَا بِكُلِّ مَا يُحْكَمُ بِهِ فَيَعْتَبِرَانِ الشَّبَهَ خِلْقَةً لَا قِيمَةً لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ. وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ، (وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَحَدَهُمَا) نَصَّ عَلَيْهِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْجَرَادَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَادَهُمَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ كَتَقْوِيمِهِ عَرْضَ التِّجَارَةِ لِإِخْرَاجِهَا، وَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا الْقَاتِلَيْنِ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ عَقِيلٍ بِمَا إِذَا قَتَلَهُ خَطَأً؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ يُنَافِي الْعَدَالَةَ أَوْ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ لِعَدَمِ فِسْقِهِ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَعَلَى قِيَاسِهِ قَتَلَهُ لِحَاجَةِ أَكْلِهِ.
وَالْمَعِيبِ مِثْلُهُ إِلَّا الْمَاخِضَ تُفْدَى بِقِيمَةِ مِثْلِهَا، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجِبُ فِيهَا مِثْلُهَا وَيَجُوزُ فِدَاءُ أَعْوَرَ مِنْ عَيْنٍ بِأَعْوَرَ مِنْ أُخْرَى، وَفِدَاءُ الذَّكَرِ بِالْأُنْثَى، وَفِي فِدَائِهَا بِهِ وَجْهَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَيَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَالصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ) وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْحَائِلِ (مِثْلُهُ) لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْيَدِ، وَالْجِنَايَةِ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ كَالْبَهِيمَةِ، وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ فِي الزَّكَاةِ يَضَمَنُ مَعِيبًا بِصَحِيحٍ، ذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ، وَخَرَّجَهُ فِي " الْفُصُولِ " احْتِمَالًا مِنَ الرِّوَايَةِ هُنَاكَ، وَفِيهَا يَتَعَيَّنُ الْكَبِيرُ أَيْضًا فَمِثْلُهُ هُنَا. وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْهَدْيَ فِي الْآيَةِ مُقَيِّدٌ بِالْمَثَلِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى إِيجَابِ مَا لَا يَصْلُحُ هَدْيًا كَالْجَفْرَةِ، وَالْعَنَاقِ، وَلَا يَجْرِي مَجْرَى الضَّمَانِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ فِي أَبْعَاضِهِ، لَكِنْ إِنْ فَدَى الْمَعِيبَ بِصَحِيحٍ فَهُوَ أَفْضَلُ بِلَا نِزَاعٍ (إِلَّا الْمَاخِضَ) أَيِ: الْحَامِلَ الَّتِي دَنَا وَقْتُهَا، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ بَلِ الْعِبْرَةُ بِالْحَمْلِ (تُفْدَى بِقِيمَةِ مِثْلِهَا) قَالَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ قِيمَتَهَا أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ لَحْمِهَا، (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجِبُ فِيهَا مِثْلُهَا) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّ إِيجَابَ الْقِيمَةِ عُدُولٌ عَنِ الْمِثْلِ مَعَ إِمْكَانِهِ، وَذَلِكَ خِلَافُ الْمَنْصُوصِ، وَقِيلَ: يُفْدِي بِحَائِلٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ لَا تَزِيدُ فِي لَحْمِهَا كَلَوْنِهَا. تَنْبِيهٌ: إِذَا جَنَى عَلَى مَاخِضٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا مَيِّتًا ضَمِنَ نَقْصَ الْأُمِّ فَقَطْ، كَمَا لَوْ جَرَحَهَا؛ لَأَنَّ الْحَمْلَ مِنَ الْبَهَائِمِ زِيَادَةٌ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " إِذَا صَادَ حَامِلًا فَإِنْ تَلِفَ حَمْلُهَا ضَمِنَهُ، وَفِي " الْفُصُولِ " يَضْمَنُهُ إِنْ تَهَيَّأَ لِنَفْخِ الرُّوحِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَصِيرُ حَيَوَانًا كَمَا يَضْمَنُ جَنِينَ امْرَأَةٍ بِغُرَّةٍ، وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ وَجَبَ جَزَاؤُهُ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَمِثْلُهُ يَعِيشُ، وَقِيلَ: يَضْمَنُهُ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ إِلَى أَنْ يَطِيرَ؛ لأنه مضمون وَلَيْسَ بِمُمْتَنَعٍ. (وَيَجُوزُ فِدَاءُ أَعْوَرَ مِنْ عَيْنٍ بِأَعْوَرَ مِنْ أُخْرَى) ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ يَسِيرٌ، وَنَوْعُ الْعَيْبِ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ مَحَلُّهُ، وَمِثْلُهُ أَعْرَجُ مِنْ قَائِمَةٍ بِأَعْرَجَ مِنْ أُخْرَى. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِدَاءُ أَعْوَرَ بِأَعْرَجَ، وَعَكْسِهِ، لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ، (وَفِدَاءُ الذَّكَرِ بِالْأُنْثَى) ؛ لِأَنَّ لَحْمَهَا أَطْيَبُ،
[ما لا مثل له]
فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا مِثْلَ لَهُ وَهُوَ سَائِرُ الطَّيْرِ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ إِلَّا مَا كَانَ أَكْبَرَ مِنَ الْحَمَامِ، فَهَلْ تَجِبُ فِيهِ قِيمَتُهُ أَوْ شَاةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ أَتْلَفْ جُزْءًا مِنْ صَيْدٍ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ قِيمَةِ مَثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا. وَإِنْ نَفَّرَ صَيْدًا فَتَلِفَ بِشَيْءٍ ضَمِنَهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَأَرْطَبُ قَالَ: جَمَاعَةٌ بَلْ هُوَ أَفْضَلُ، (وَفِي فِدَائِهَا بِهِ وَجْهَانِ) كَذَا فِي " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا يَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ لَحْمَهُ أَوْفَرُ، وَهِيَ أَطْيَبُ فَيَتَسَاوَيَانِ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ زِيَادَتَهُ لَيْسَتْ مَنْ جِنْسِ زِيَادَتِهَا، أَشْبَهَ فِدَاءَ الْمَعِيبِ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، وَكَالزَّكَاةِ. [مَا لَا مِثْلَ لَهُ] فَصْلٌ (الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا مِثْلَ لَهُ، وَهُوَ سَائِرُ الطَّيْرِ) إِذَا كَانَ دُونَ الْحَمَامِ (فَفِيهِ قِيمَتُهُ) لِمَا رَوَى النَّجَّادُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أُصِيبَ مِنَ الطَّيْرِ دُونَ الْحَمَامِ فَفِيهِ الدِّيَةُ أَيْ: يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي أَتْلَفَهُ فِيهِ كَمَالِ الْآدَمِيِّ (إِلَّا مَا كَانَ أَكْبَرَ مِنَ الْحَمَامِ) كَالْكُرْكِيِّ، وَالْأوزِّ، وَالْحُبَارَى (فَهَلْ تَجِبُ فِيهِ قِيمَتُهُ أَوْ شَاةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ الْقِيَاسُ تَرَكْنَاهُ فِي الْحَمَامِ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ، وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ، بَلْ طَعَامًا، وَقِيلَ: بَلَى، وَالثَّانِي: يَجِبُ شَاةٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَكَالْحَمَامِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، (وَإِنْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ صَيْدٍ) أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ (فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ) إِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا؛ لِأَنَّ مَا ضُمِنَتْ جُمْلَتُهُ؛ ضُمِنَتْ أَبْعَاضُهُ كَالْآدَمِيِّ فَيَقَوَّمُ الصَّيْدُ سَلِيمًا، ثُمَّ مَجْنِيًّا عَلَيْهِ، فَيَجِبُ مَا بَيْنَهُمَا بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَوَّلًا عَشَرَةً، وَثَانِيًا ثَمَانِيَةً، فَالْوَاجِبُ دِرْهَمَانِ (أَوْ قِيمَةُ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا) هَذَا هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ عند الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ يَشُقُّ إِخْرَاجُهُ فَيَمْتَنِعُ إِيجَابُهُ، وَلِهَذَا عَدَلَ الشَّارِعُ فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ إِلَى الشَّاةِ، فَيُقَوِّمُ الْمِثْلَ سَلِيمًا بِعَشَرَةٍ مَثَلًا، وَمَعِيبًا بِسِتَّةٍ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ سِتَّةً، وَظَهَرَ بِذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّقْوِيمَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ قَدْ يَنْقُصُ شَيْئًا لَا يَنْقُصُ الصَّيْدُ بِقَدْرِهِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ لَوْ جَنَى عَلَى نَعَامَةٍ، قِيمَتُهَا صَحِيحَةٌ عِشْرُونَ، وَمَقْطُوعَةٌ يَدُهَا عَشْرٌ، فَالنُّقْصَانُ الرُّبْعُ، وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى مِثْلِهَا وَهِيَ الْبَدَنَةُ، فَقِيمَتُهَا مَثَلًا سَلِيمَةً مِائَةٌ، وَمَقْطُوعَةٌ يَدُهَا خَمْسُونَ فَالنُّقْصَانُ النِّصْفُ، فَلَوِ اعْتَبَرَ نَفْسَ الصَّيْدِ كَانَ الْوَاجِبُ خَمْسَةً،
وَإِنْ جَرَحَهُ، فَغَابَ وَلَمْ يَعْلَمْ خَبَرَهُ، فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ وَكَذَلِكَ إِنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَلَمْ يَعْلَمْ مَوْتَهُ بِجِنَايَتِهِ. وَإِنِ انْدَمَلَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ فَعَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ، وَإِنْ نَتَفَ رِيشَهُ فَعَادَ، فَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَوِ اعْتَبَرَ الْمِثْلَ كَانَ الْوَاجِبُ خَمْسِينَ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْمَنُ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ ضَمَانُ جُمْلَتِهِ بِالْمِثْلِ، وَجَبَ فِي بَعْضِ مِثْلِهِ كَالْمَكِيلَاتِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ هنا غير ثَابِتَةٌ لِوُجُودِ الْخِيَرَةِ لَهُ فِي الْعُدُولِ عَنِ الْمِثْلِ إِلَى عِدْلِهِ مِنَ الطَّعَامِ أَوِ الصِّيَامِ فَيَنْتَفِي الْمَانِعُ. (وَإِنْ نَفَّرَ صَيْدًا فَتَلِفَ بِشَيْءٍ ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ دَخَلَ دَارَ النَّدْوَةِ فَعَلَّقَ رِدَاءَهُ فَوَقَعَ عَلَيْهِ الْحَمَامُ، فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ فَقَتَلَتْهُ، فَسَأَلَ مَنْ مَعَهُ فَحَكَمَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ بِشَاةٍ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَذَا إِنْ جَرَحَهُ فَتَحَامَلَ فَوَقَعَ فِي شَيْءٍ تَلِفَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِهِ أَمَّا إِنْ نَفَّرَهُ إِلَى مَكَانٍ فَسَكَنَ بِهِ، ثُمَّ تَلِفَ فَلَا ضَمَانَ فِي الْأَشْهَرِ (وَإِنْ جَرَحَهُ فَغَابَ، وَلَمْ يَعْلَمْ خَبَرَهُ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ) إِذَا كَانَ الْجُرْحُ غَيْرَ مُوحٍ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ حُصُولَ التَّلَفِ بِفِعْلِهِ فَنُقَوَّمَهُ صَحِيحًا، وَجَرِيحًا جِرَاحَةً غَيْرَ مُنْدَمِلَةٍ، فَيَجِبُ مَا بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ سُدْسَهُ، وَهُوَ مِثْلِيٌّ فَقِيلَ: يَجِبُ سدس مِثْلُهُ، وَقِيلَ: قِيمَةُ سُدْسِ مِثْلِهِ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ كُلَّهُ، فَلَوْ كَانَ مُوحِيًا وَغَابَ غَيْرَ مُنْدَمِلٍ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ كَقَتْلِهِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ: إِذَا جَرَحَهُ وَغَابَ وَجَهِلَ خَبَرَهُ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ (وَكَذَلِكَ إِنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا، وَلَمْ يَعْلَمْ مَوْتَهُ بِجِنَايَتِهِ) لِمَا ذَكَرْنَا، وَقِيلَ: يَضْمَنُ كُلَّهُ إِحَالَةً لِلْحُكْمِ عَلَى السَّبَبِ الْمَعْلُومِ كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَاسَةٌ، فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا بِهَا، وَهَذَا أَقْيَسُ كَنَظَائِرِهِ، (وَإِنِ انْدَمَلَ) أَيْ: صَلُحَ (غَيْرَ مُمْتَنِعٍ فَعَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَطَّلَهُ فَصَارَ كَتَالِفٍ وَكَجُرْحٍ تَيَقَّنَ بِهِ مَوْتَهُ. وَقِيلَ: يَضْمَنُ مَا نَقَصَ؛ لِئَلَّا يَجِبَ جَزَاءَانِ لَوْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ، فَلَوْ جَرْحَهُ جُرْحًا غَيْرَ مُوحٍ فَوَقَعَ فِي مَاءٍ، أَوْ تَرَدَّى فَمَاتَ ضَمِنَهُ كُلَّهُ لِتَلَفِهِ بِسَبَبِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الصَّيْدَ يُضْمَنُ مِمَّا يَضْمَنُ بِهِ الْآدَمِيُّ مِنْ مُبَاشَرَةٍ، أَوْ سَبَبٍ (وَإِنْ نَتَفَ رِيشَهُ) أَوْ شَعْرَهُ أَوْ وَبَرَهُ (فَعَادَ) بِأَنْ حَفِظَهُ وَأَطْعَمَهُ، وَسَقَاهُ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ زَالَ، أَشْبَهُ مَا لَوِ
شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ الرِّيشِ، وَكُلَّمَا قَتَلَ صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ، وَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَعَنْهُ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ، وَعَنْهُ: إِنْ كَفَّرُوا بِالْمَالِ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَفَّرُوا بِالصِّيَامِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQانْدَمَلَ الْجُرْحُ (وَقِيلَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ الرِّيشِ) ؛ لِأَنَّ الثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ فَإِنْ صَارَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ بِنَتْفِ الرِّيشِ فَهُوَ كَالْجُرْحِ، وَإِنْ غَابَ فَفِيهِ مَا نَقَصَ لَا كُلُّ الْجَزَاءِ، (وَكُلَّمَا قَتَلَ صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ) بِجَزَائِهِ؛ لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَدَّدَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِالضَّمَانِ بِتَعَدُّدِ الْإِتْلَافِ كَمَالِ الْآدَمِيِّ، وَالْأَوْلَى حَمْلُ كَلَامِهِ هُنَا عَلَى مَا إِذَا تَعَدَّدَ قَتْلُ الصَّيْدِ، وَكَانَ الْجَزَاءُ مُخْتَلِفًا كَالْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ وَالْكَبْشِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَدَاخُلُهُ كَالْحُدُودِ، وَخَوْفًا لَهُ مِنَ التَّكْرَارِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِيهِ. فَرْعٌ: يَجُوزُ إِخْرَاجُ جَزَاءِ الصَّيْدِ بَعْدَ جُرْحِهِ، وَقَبْلَ مَوْتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةُ قَتْلٍ، فَجَازَ تَقْدِيمُهَا، كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ (وَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - أَوْجَبَ الْمِثْلَ بِقَتْلِهِ فَلَا يَجِبُ غَيْرُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ، وَالْقَتْلُ هُوَ الْفِعْلُ الْمُؤَدِّي إِلَى خُرُوجِ الرُّوحِ، وَهُوَ فِعْلُ الْجَمَاعَةِ، لَا كُلِّ وَاحِدٍ، كَقَوْلِهِ: مَنْ جَاءَ بِعَبْدِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، فَجَاءَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ فِي الضَّبُعِ كَبْشًا، وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يُعَرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّهُ جَزَاءٌ عَنْ مَقْتُولٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ، وَيُحْتَمَلُ التَّبْعِيضُ فَكَانَ وَاحِدًا كَقِيَمِ الْمَتْلَفَاتِ، وَكَذَا الدِّيَةُ لَا كَفَّارَةُ الْقَتْلِ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا، وَمَتَى ثَبَتَ اتِّحَادُ الْجَزَاءِ فِي الْهَدْيِ ثَبَتَ فِي الصَّوْمِ لِلنَّصِّ (وَعَنْهُ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، أَشْبَهَ كَفَّارَةَ قَتْلِ الْآدَمِيِّ، (وَعَنْهُ: إِنْ كَفَّرُوا بِالْمَالِ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَيْسَ بِكَفَّارَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بَدَلُ مُتْلَفٍ فَلَمْ يُكَمَّلْ كَالدِّيَةِ، (وَإِنْ كَفَّرُوا بِالصِّيَامِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ) نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ، وَنَصَرَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وذكرها الحلواني عَنِ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ كَفَّارَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكَمُلَ فِي حَقِّ الْفَاعِلِ، كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ - تَعَالَى - عَطَفَ عَلَى الْبَدَلِ الْكَفَّارَةَ، وَقِيلَ: لَا جَزَاءَ عَلَى مُحْرِمٍ مُمْسِكٍ مَعَ مُحْرِمٍ قَاتِلٍ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ لُزُومِ الْمُتَسَبِّبِ مَعَ الْمُبَاشِرِ. وَقِيلَ: الْقَرَارُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ فِعْلَ الْمُمْسِكِ عِلَّةً. قَالَ
[باب صيد الحرم ونباته]
بَابُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ، فَمَنْ أَتْلَفَ مِنْ صَيْدِهِ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْرِمِ فِي مِثْلِهِ، وَإِنْ رَمَى الْحَلَالُ مِنَ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ، أَوْ أَرْسَلَ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي " الْفُرُوعِ ": وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّهُ عَلَى الْمُمْسِكِ، لِتَأَكُّدِهِ، وَإِنَّ عَكْسَهُ الْمَالُ، وَفِيهِ نَظَرٌ. [بَابُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ] [حُكْمُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ] بَابُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ (وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعَضَّدُ شَوْكُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لَقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخِرَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيَحْرُمُ عَلَى دَالٍّ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَكَّةَ كَانَتْ حَرَامًا قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا حُرِّمَتْ بِسُؤَالِ إِبْرَاهِيمَ وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَهَا أَيْ: أَظْهَرَ تَحْرِيمَهَا، وَبَيَّنَهُ. (فَمَنْ أَتْلَفَ مِنْ صَيْدِهِ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْرِمِ فِي مِثْلِهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَصَيْدِ الْإِحْرَامِ، وَلِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْجَزَاءِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ الصَّيْدُ مِثْلِيًّا، ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ، وَإِلَّا بِقِيمَتِهِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يُضْمَنُ مِنَ الْإِحْرَامِ يُضْمَنُ فِي الْحَرَمِ إِلَّا الْقَمْلَ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ فِي الْحَرَمِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ حُرِّمَ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ لِأَجْلِ الرَّفَهِ، وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الْحَرَمِ كَالطِّيبِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَلَا يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ جَزَاءَانِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلَى. فَرْعٌ: إِذَا دَلَّ مُحِلٌّ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ، فَقَتَلَهُ، ضَمِنَاهُ بِجَزَاءٍ وَاحِدٍ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ.
كَلْبَهُ عَلَيْهِ، أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحَرَمِ أَصْلُهُ فِي الْحِلِّ، أَوْ أَمْسَكَ طَائِرًا فِيهِ، فَهَلَكَ فِرَاخُهُ فِي الْحَرَمِ، ضَمِنَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَإِنْ قَتَلَ مِنَ الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ بِسَهْمِهِ أَوْ كَلْبِهِ أَوْ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ، أَوْ أَمْسَكَ حَمَامَةً فِي الْحَرَمِ، فَهَلَكَ فِرَاخُهَا فِي الْحِلِّ، لَمْ يَضْمَنْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ مِنَ الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ، فَقَتَلَ صَيْدًا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَإِنْ رَمَى الْحَلَالُ مِنَ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ، أَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَيْهِ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحَرَمِ أَصْلُهُ فِي الْحِلِّ، أَوْ أَمْسَكَ طَائِرًا فِيهِ فَهَلَكَ فِرَاخُهُ فِي الْحَرَمِ ضَمِنَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَهَذَا مِنْ صَيْدِهِ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ صَيْدًا حَرَمِيًّا فَضَمِنَهُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْحَرَمِ، وَلِأَنَّ صَيْدَهُ مَعْصُومٌ مَحَلُّهُ بِحُرْمَةِ الْحَرَمِ، فَلَا يَخْتَصُّ مَنْ فِي الْحَرَمِ، وَحِينَئِذٍ يَضْمَنُ الْفِرَاخَ دُونَ أُمِّهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ صَيْدِ الْحِلِّ. وَالثَّانِيَةُ: لَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ إِذِ الْقَاتِلُ حَلَالٌ مِنَ الْحِلِّ، (وَإِنْ قَتَلَ مِنَ الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ بِسَهْمِهِ أَوْ كَلْبِهِ أَوْ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ أَمْسَكَ حَمَامَةً فِي الْحَرَمِ فَهَلَكَ فِرَاخُهَا فِي الْحِلِّ لَمْ يَضْمَنْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) لِلْعُمُومِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَلَيْسَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَلَيْسَ بِمَعْصُومٍ. وَالثَّانِيَةُ: يَضْمَنُهُ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا اعْتِبَارًا بِالْقَاتِلِ، وَلِأَنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الْحَرَمِ، وَالْغُصْنُ تَابِعٌ لِلْأَصْلِ، فَوَجَبَ الْجَزَاءُ احْتِيَاطًا، وَقَدَّمَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": يَجِبُ ضَمَانُ الْفَرْخِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ تَلَفِهِ، وَإِنْ فَرَّخَ فِي مَكَانٍ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلِهِ عَنْهُ بِالْخِلَافِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا وَقَفَ صَيْدٌ بَعْضُ قَوَائِمِهِ فِي الْحِلِّ، وَبَعْضُهَا فِي الْحَرَمِ، حُرِّمَ تَغْلِيبًا، وَعَنْهُ: لَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَإِنْ كَانَ رَأْسُهُ فَقَطْ فِيهِ، فَخَرَّجَهُ الْقَاضِي عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فِي الْحَرَمِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَهْمِهِ، ضَمِنَهُ فَصْلٌ وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ وَحَشِيشِهِ إِلَّا الْيَابِسَ وَالْإِذْخِرَ وَمَا زَرَعَهُ الْآدَمِيُّ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ مِنَ الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ، فَقَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ) . أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْهُ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ بَلْ دَخَلَ بِاخْتِيَارِهِ أَشْبَهُ مَا لَوِ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ. وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ صَيْدًا حَرَمِيًّا بِإِرْسَالِ طَيْرٍ عَلَيْهِ، أَشْبَهُ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِسَهْمٍ، وَحَكَى صَالِحٌ عَنْ أَحْمَدَ: إِنْ كَانَ الصَّيْدُ قَرِيبًا مِنَ الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ لِتَفْرِيطِهِ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ". فَعَلَى هَذَا لَا يَضْمَنُ صَيْدًا غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْهُ عَلَيْهِ كَاسْتِرْسَالِهِ، وَعَنْهُ: بَلَى لِتَفْرِيطِهِ (وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَهْمِهِ ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ صَيْدًا حَرَمِيًّا أَشْبَهُ مَا لَوْ رَمَى حجرا، فأصاب صَيْدًا، إِذِ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ وَاحِدٌ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَهَذَا لَا يَخْرُجُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَبِهِ فَارَقَ الْكَلْبُ؛ لِأَنَّ لَهُ اخْتِيَارًا وَقَصْدًا، وَفِي " الْفُرُوعِ ": إِنْ قَتَلَ السَّهْمُ صَيْدًا غَيْرَ الَّذِي قَصَدَهُ فَكَالْكَلْبِ، وَقِيلَ: يَضْمَنُهُ الرَّامِي. فَصْلٌ (وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ الْبَرِّيِّ) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ «وَلَا يُعَضَّدُ شَجَرُهَا» فَدَخَلَ مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ كَالشَّوْكِ، وَالْعَوْسَجِ قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ مُؤْذٍ بِطَبْعِهِ كَالسِّبَاعِ، (وَحَشِيشِهِ) لِقَوْلِهِ «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا» قَالَ: أَحْمَدُ لِلْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ لَا يُحْتَشُّ مِنْ حَشِيشِ الْحَرَمِ، وَيَعُمُّ الْأَرَاكَ، وَالْوَرَقَ (إِلَّا الْيَابِسَ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَكَذَا مَا انْكَسَرَ، وَلَمْ يُبْنَ فَإِنَّهُ كَظُفْرٍ مُنْكَسِرٍ، وَلَا بِأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِمَا
وَفِي جَوَازِ الرَّعْيِ وَجْهَانِ، وَمَنْ قَلَعَهُ ضَمِنَ الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَةَ بِبَقَرَةٍ، وَالْحَشِيشَ ـــــــــــــــــــــــــــــQزَالَ بِغَيْرِ فِعْلٍ آدَمِيٍّ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ فِي الْقَطْعِ، (وَالْإِذْخِرَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْعَبَّاسِ «إِلَّا الْإِذْخِرَ» وَيُلْحَقُ بِهِ الْكَمْأَةُ، وَالثَّمَرَةُ، (وَمَا زَرَعَهُ الْآدَمِيُّ) ؛ لِأَنَّ فِي تَحْرِيمِهِ ضَرَرًا عَلَى مَنْ زَرَعَهُ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرَعًا فَيَحْتَمِلُ اخْتِصَاصُهُ بِالزَّرْعِ مِنَ الْبَقْلِ وَالرَّيَاحِينِ وَالزَّرْعِ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ إِطْلَاقِ الزَّرْعِ، وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْمَنْعُ فِيمَا أَنْبَتَهُ الْآدَمِيُّ مِنَ الشَّجَرِ، وَهُوَ خِلَافُ الرَّاجِحِ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ عَلَى إِبَاحَتِهِ. فَعَلَى هَذَا لَا يُبَاحُ مَا أَنْبَتَهُ الْآدَمِيُّ مِنَ الْأَشْجَارِ، وَجَزَمَ ابْنُ الْبَنَّا فِي " خِصَالِهِ " بِالْجَزَاءِ لِلنَّهْيِ عَنْ قَطْعِ شَجَرِهَا، وَكَمَا لَوْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ أَنْبَتَهُ فِي الْحَرَمِ أَوَّلًا فَفِيهِ الْجَزَاءُ، وَإِنْ أَنْبَتَهُ فِي الْحِلِّ، ثُمَّ غَرَسَهُ فِي الْحَرَمِ فَلَا، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": إِنَّ مَا أَنْبَتَهُ مِنْ جِنْسِ شَجَرِهِمْ لَا يَحْرُمُ كَجَوْزٍ، وَنَخْلٍ كَالزَّرْعِ، وَالْآهِلُ مِنَ الْحَيَوَانِ، فإنا إِنَّمَا أَخْرَجْنَا مِنَ الصَّيْدِ مَا كَانَ أَصْلُهُ إِنْسِيًّا دُونَ مَا تَأْنَسُ مِنَ الْوَحْشِ، كَذَا هُنَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَحْتَمِلُ الْعُمُومَ فِي كُلِّ مَا أَنْبَتَهُ الْآدَمِيُّ فَيَعُمُّ الْأَشْجَارَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ وَأَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُمَا، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّهُ أَنْبَتَهُ آدَمِيٌّ، وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكُ الْأَصْلِ كَالْأَنْعَامِ، وَالْجَوَابُ عَنِ النَّهْيِ بِأَنَّ شَجَرَ الْحَرَمِ هُوَ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ، وَلَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ، وَهَذَا مُضَافٌ إِلَى مَالِكِهِ فَلَا يَعُمُّهُ الْخَبَرُ. (وَفِي جَوَازِ الرَّعْيِ) أَيْ: رَعْيِ حَشِيشِهِ (وَجْهَانِ) وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَجَمَاعَةٌ أَنَّهُمَا رِوَايَتَانِ: إحداهما: الْمَنْعُ نَصَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُهُ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الْبَنَّا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ مَا حَرُمَ إِتْلَافُهُ بِنَفْسِهِ حَرُمَ أَنْ يُرْسَلَ عَلَيْهِ مَا يُتْلِفُهُ كَالصَّيْدِ، وَعَكْسُهُ الْإِذْخِرُ. وَالثَّانِيَةُ: الْجَوَازُ، اخْتَارَهُ أَبُو حَفَصٍ الْعُكْبَرِيُّ؛ لِأَنَّ الْهَدَايَا كَانَتْ تَدْخُلُ الْحَرَمَ فَتَكْثُرُ فِيهِ فَلَمْ يُنْقَلْ شَدُّ أَفْوَاهِهَا، وَلِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ كَالْإِذْخِرِ، وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْخِلَافُ إِنْ أَدْخَلَهَا لِلرَّعْيِ، فَإِنْ أَدْخَلَهَا لِحَاجَتِهِ، فَلَا ضَمَانَ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " إِنِ احْتَشَّهُ لَهَا
بِقِيمَتِهِ، وَالْغُصْنَ بِمَا نَقَصَ، فَإِنِ اسْتَخْلَفَ سَقَطَ الضَّمَانُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَمَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَكَرَعْيِهِ (وَمَنْ قَلَعَهُ) أَيْ: شَجَرَ الْحَرَمِ وَحَشِيشَهُ (ضَمِنَ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ (الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَةَ بِبَقَرَةٍ) جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ، وَفِي الْجَزْلَةِ شَاةٌ، وَقَالَهُ عَطَاءٌ، وَالدَّوْحَةُ الشَّجَرَةُ الْعَظِيمَةُ، وَالْجَزْلَةُ: الصَّغِيرَةُ وَكَالْمُتَوَسِّطَةِ، وَعَنْهُ: فِي الْكَبِيرَةِ بَدَنَةٌ (وَالْحَشِيشَ) وَالْوَرَقَ (بِقِيمَتِهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْقِيمَةِ تَرَكَ فِيمَا تَقَدَّمَ لَفْظَ الصَّحَابَةِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ، (وَالْغُصْنُ مَا نَقَصَ) كَأَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ، وَلِأَنَّهُ نَقَصَ بِفِعْلِهِ فَوَجَبَ فِيهِ بمَا نَقَصَهُ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مَالِ آدَمِيٍّ فَنَقَصَ، وَعَنْهُ: فِي الْغُصْنِ الْكَبِيرِ شَاةٌ، وَعَنْهُ: يَضْمَنُ الْجَمِيعَ بِقِيمَتِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرِّرِ ". فَعَلَى هَذَا إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمِثْلَ قَوَّمَهُ، ثُمَّ صَامَ، نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَفِي " الْوَجِيزِ " يُخَيَّرُ بَيْنَهَا، وَبَيْنَ تَقْوِيمِهَا، وَيَفْعَلُ بِثَمَنِهَا كَجَزَاءِ صَيْدٍ، وَفِي " الْفُصُولِ " مَنْ لَمْ يَجِدْ، قَوَّمَ الْجَزَاءَ طَعَامًا كَصَيْدٍ (فَإِنِ اسْتَخَلَفَ سَقَطَ الضَّمَانُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا لَوْ قَطَعَ شَعْرَ آدَمِيٍّ، ثُمَّ نَبَتَ، وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ فَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَقَ الْمُحْرِمُ شَعْرًا ثُمَّ عَادَ، وَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالْمَقْطُوعِ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَالصَّيْدِ، وَقِيلَ: يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُ قَاطِعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ فَهُوَ كَقَلْعِ الرِّيحِ لَهُ. تَنْبِيهٌ: إِذَا قَلَعَ شَجَرَةً مِنَ الْحَرَمِ فَغَرَسَهَا فِيهِ فَنَبَتَتْ، فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْهَا، وَلَمْ يُزِلْ حُرْمَتَهَا، فَإِنْ نَقَصَتْ، ضَمِنَ نَقْصَهَا أَوْ يَبِسَتْ، ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا، وَإِنْ غَرَسَهَا فِي الْحِلِّ فَنَبَتَتْ، رَدَّهَا لِإِزَالَةِ حُرْمَتِهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ أَوْ يَبِسَتْ ضَمِنَهَا، وَإِنْ قَلَعَهَا غَيْرُهُ فِي الْحِلِّ فَقَالَ الْقَاضِي: يَضْمَنُهُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا بِخِلَافِ مَنْ نَفَّرَ صَيْدًا، فَخَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ الْمُنَفِّرُ لَا قَاتِلُهُ؛ لِتَفْوِيتِهِ حُرْمَتَهُ بِإِخْرَاجِهِ، وَيُحْتَمَلُ فِيمَنْ قَلَعَهُ أَنَّهُ كَدَالٍّ مَعَ قَاتِلٍ، فَظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ رُدَّ إِلَى الْحَرَمِ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ، وَإِلَّا ضَمِنَهُ.
قَطَعَ غُصْنًا فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ، وَإِنْ قَطَعَهُ فِي الْحَرَمِ، وَأَصْلُهُ فِي الْحِلِّ، لَمْ يَضْمَنْهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَمَنْ قَطَعَ غُصْنًا فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأَصْلِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ بَعْضُ الْأَصْلِ مِنَ الْحَرَمِ تَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ كَالصَّيْدِ، (وَإِنْ قَطَعَهُ فِي الْحَرَمِ، وَأَصْلُهُ فِي الْحِلِّ لَمْ يَضْمَنْهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأَصْلِهِ، وَالثَّانِي: يَضْمَنُهُ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَرَمِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ". فَائِدَةٌ: لَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ حَدَّ الْحَرَمِ، وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ بُيُوتِ السُّقْيَا، وَمِنَ الْيَمَنِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ إِضَاءَةِ لِينٍ، وَمِنَ الْعِرَاقِ كَذَلِكَ عَلَى ثَنِيَّةِ زُحَلَ جَبَلٍ بِالْمُنْقَطِعِ، وَمِنَ الطَّائِفِ وَعَرَفَاتٍ وَبَطْنِ نَمِرَةَ كَذَلِكَ عِنْدَ طَرَفِ عُرَنَةَ، وَمِنَ الْجِعْرَانَةُ تِسْعَةُ أَمْيَالٍ، وَمِنْ جُدَّةَ عَشَرَةُ أَمْيَالٍ عند مُنْقَطِعُ الْأَعْشَاشِ، وَمِنْ بَطْنِ عُرَنَةَ أَحَدَ عَشَرَ مِيلًا. مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُخْرِجُ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ، وَلَا يُدْخِلُ مِنَ الْحِلِّ كَذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا يُخْرِجُ مِنْ حِجَارَةِ مَكَّةَ إِلَى الْحِلِّ، وَالْخُرُوجُ أَشَدُّ وَاقْتَصَرَ فِي " الشَّرْحِ " عَلَى الْكَرَاهَةِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُكْرَهُ إِخْرَاجُهُ إِلَى الْحِلِّ، وَفِي إِدْخَالِهِ فِي الْحَرَمِ رِوَايَتَانِ، وَفِي " الْفُصُولِ ": لَا يَجُوزُ فِي تُرَابِ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهَا يُكْرَهُ أَيْضًا فِي تُرَابِ الْمَسْجِدِ، كَتُرَابِ الْحَرَمِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: يَحْرُمُ لِأَنَّ فِي تُرَابِ الْمَسْجِدِ انْتِفَاعًا بِالْمَوْقوفِ فِي غَيْرِ جِهَتِهِ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَشْفِيَ بِطِيبِ الْكَعْبَةِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، وَيُلْزِقُ عَلَيْهَا طِيبًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ، فَأَمَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَلَا يُكْرَهُ إِخْرَاجُهُ. قَالَ أَحْمَدُ: أَخْرَجَهُ كَعْبٌ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَتُخْبِرُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَحْمِلُهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَلِأَنَّهُ يُسْتَخْلَفُ كَالثَّمَرَةِ.
[يحرم صيد المدينة وشجرها وحشيشها]
فَصْلٌ وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ وَشَجَرُهَا وَحَشِيشُهَا إِلَّا مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ شَجَرِهَا لِلرَّحْلِ وَالْعَارِضَةِ وَالْقَائِمَةِ وَمِنْ حَشِيشِهَا لِلْعَلَفِ، وَمَنْ أَدْخَلَ إِلَيْهَا صَيْدًا، فَلَهُ إِمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــQ [يَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ وَشَجَرُهَا وَحَشِيشُهَا] فَصْلٌ (وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ (وَشَجَرُهَا وَحَشِيشُهَا) لِمَا رَوَى أَنَسٌ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» وَعَنْ سَعْدٍ مَرْفُوعًا: «إِنِّي أُحْرِمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: تَحْرِيمُ صَيْدِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ ذَكَاتُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ فَلِعَدَمِ تَأْثِيرِ هَذِهِ الْحُرْمَةِ فِي زَوَالِ مِلْكِ الصَّيْدِ، نَصَّ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الصِّحَّةِ احْتِمَالَيْنِ (إِلَّا مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ شَجَرِهَا لِلرَّحْلِ) أَيْ: رَحْلِ الْبَعِيرِ، وَهُوَ أَصْغَرُ مِنَ الْقَتْبِ، (وَالْعَارِضَةِ) أَيْ: مَا يُسْقَفُ بِهِ الْمَحْمَلُ، (وَالْقَائِمَةِ) إِحْدَى قَائِمَتَيِ الرَّحْلِ اللَّتَيْنِ فِي مُقَدَّمِهِ، وَمُؤَخَّرِهِ، لِقَوْلِ جَابِرٍ: «إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَرَّمَ الْمَدِينَةَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصْحَابُ عَمَلٍ وَأَصْحَابُ نَضْحٍ، وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَرْضًا غَيْرَ أَرْضِنَا فَرَخِّصْ لَنَا، فَقَالَ: " الْقَائِمَتَانِ وَالْوِسَادَةُ وَالْعَارِضَةُ وَالْمَسَدُ فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُعَضَّدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.» الْمَسَدُ: هُوَ عُودُ الْبَكَرَةِ فَاسْتَثْنَى الشَّارِعُ ذَلِكَ، وَجَعَلَهُ مُبَاحًا كَاسْتِثْنَاءِ الْإِذْخِرِ بِمَكَّةَ، (وَمِنْ حَشِيشِهَا لِلْعَلَفِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَلَا يَصْلُحُ أَنْ تُقْطَعَ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ بِقُرْبِهَا فَالْمَنْعُ مِنْهُ ضَرَرٌ بِخِلَافِ مَكَّةَ، (وَمَنْ أَدْخَلَ إِلَيْهَا صَيْدًا فَلَهُ إِمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، «لِقَوْلِ أَنَسٍ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عُمَيْرٍ قَالَ: أَحْسَبُهُ فَطِيمًا، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النَّغِيرُ لِنُغَرٍ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ» . مُتَّفَقٌ
وَلَا جَزَاءَ فِي صَيْدِ الْمَدِينَةِ، وَعَنْهُ: جَزَاؤُهُ سَلَبُ الْقَاتِلِ لِمَنْ أَخَذَهُ وَحَدُّ حَرَمِهَا مَا ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَيْهِ. وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: حُكْمُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ حُكْمُ حَرَمِ مَكَّةَ فِيمَا سَبَقَ، إِلَّا فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ (وَلَا جَزَاءَ فِي صَيْدِ الْمَدِينَةِ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ حَكَمُوا فِيهِ بِجَزَاءٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، أَوْ لَا يَصْلُحُ لِأَدَاءِ النُّسُكِ أَوْ لِذَبْحِ الْهَدَايَا، وَكَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ وَكَصَيْدِ وَجٍّ وَشَجَرِهِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْحُرْمَةِ الضَّمَانُ، وَلَا مِنْ عَدَمِهَا عَدَمُهُ (وَعَنْهُ: جَزَاؤُهُ سَلَبُ الْقَاتِلِ لِمَنْ أَخَذَهُ) نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ، وَالْمَيْمُونِيُّ، وَهِيَ الْمَنْصُورَةُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ مِنْ كُتِبِ الْخِلَافِ لِمَا سَبَقَ مِنْ تَحْرِيمِهَا كَمَكَّةَ، وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا، أَوْ يَخْبِطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَى أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ لِحُرْمَةِ ذَلِكَ كَحَرَمِ مَكَّةَ وَالْإِحْرَامِ، وَسَلَبُهُ: ثِيَابُهُ قَالَ جَمَاعَةٌ: وَالسَّرَاوِيلُ، زَادَ جَمَاعَةٌ: وَزِينَةٌ كَمِنْطَقَةٍ وَسِوَارٍ وَخَاتَمٍ وَآلَةِ اصْطِيَادٍ؛ لِأَنَّهَا آلَة لفِعْل الْمَحْظُورِ، وَلَيْسَتِ الدَّابَّةُ مِنْهُ، بِخِلَافِ قَاتِلِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا عَلَى الْأَشْهَرِ لِئَلَّا يَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الْحَرْبِ، فَعَلَيْهَا إِنْ لَمْ يَسْلُبْهُ أَحَدٌ لَزِمَهُ التَّوْبَةُ فَقَطْ، (وَحَدُّ حَرَمِهَا) مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. اللَّابَةُ: الْحَرَّةُ، وَهِيَ أَرْضٌ بِهَا حِجَارَةٌ سُودٌ قَالَ أَحْمَدُ: مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ، وَكَذَا فَسَّرَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَهَذَا حَدُّهَا مِنْ جِهَتِيِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَمَنْ رَوَى «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا» فَالْمُرَادُ بِهِ مِنْ جِهَتِيِ الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ،
بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عَيْرٍ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوْلَ الْمَدِينَةِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى. ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْمُؤَلِّفُ نَفْسُهُ يَقُولُهُ. (مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عَيْرٍ) لِمَا رَوَى عَلَيٌّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «حَرَمُ الْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عَيْرٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ عِيَاضٌ: أَكْثَرُ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ ذَكَرُوا عَيْرًا، فَأَمَّا ثَوْرٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَنَّى عَنْهُ بِكَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ مَكَانَهُ بَيَاضًا، لِأَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا ذِكْرَ ثَوْرٍ خَطَأً قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَصْلُ الْحَدِيثِ «مِنْ عَيْرٍ إِلَى أُحُدٍ» وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الرِّوَايَةَ صَحِيحَةٌ، وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ، حَرَمُ الْمَدِينَةِ قَدْرُ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ وَعَيْرٍ مِنْ مَكَّةَ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَمَنَعَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَجُودَهُمَا بِالْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ عَيْرًا جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِهَا وَكَذَا ثَوْرٌ، وَهُوَ جَبَلٌ خَلْفَ أُحُدٍ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الثِّقَاتُ، يُؤَيِّدُهُ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ ( «وَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوْلَ الْمَدِينَةِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. تَذْنِيبٌ: مَكَّةُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَدِينَةِ نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي سُوقِ مَكَّةَ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَلِمُضَاعَفَةِ الصَّلَاةِ. وَعَنْهُ: الْمَدِينَةُ أَفْضَلُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ، قَالَ: فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: وَسُئِلَ عَنِ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: بِالْمَدِينَةِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مُهَاجَرُ الْمُسْلِمِينَ. وَعَنْ رَافِعٍ مَرْفُوعًا: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى وَقْتِ كَوْنِ مَكَّةَ دَارَ حَرْبٍ، أَوْ عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيهَا، وَالشَّرْعُ يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَكَذَا لَا يُعْرَفُ «اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إِلَيَّ فَأَسْكِنِّي فِي أَحَبِّ الْبِقَاعِ إِلَيْكَ»
[باب ذكر دخول مكة]
بَابُ ذِكْرِ دُخُولِ مَكَّةَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ: بَعْدَ مَكَّةَ، وَمَا رُوِيَ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى تَفْضِيلِهَا لَا أَفْضَلِيَّتُهَا، وَكَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خُلِقَ مِنْهَا، وَهُوَ خَيْرُ الْبَشَرِ فَتَرْبَتُهُ خَيْرُ التُّرَبِ. وَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّ فَضْلَ الْخِلْقَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ التُّرْبَةِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَدُلَّ أَنَّ تُرْبَتَهُ أَفْضَلُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنَ الْحُجْرَةِ فَأَمَّا مَنْ هُوَ فِيهَا، فَلَا وَاللَّهِ وَلَا الْعَرْشُ وَحَمْلَتُهُ وَالْجَنَّةُ؛ لِأَنَّ بِالْحُجْرَةِ جَسَدًا لَوْ وُزِنَ بِهِ لَرَجَحَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَجَزَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ، وَالْمُجَاوَرَةُ بِالْمَدِينَةِ أَفْضَلُ، وَتَضَاعُفُ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ فَاضِلٌ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ أَنَّ الْحَسَنَاتِ تُضَاعَفُ، وَلَمْ يَذْكُرِ السَّيِّئَاتِ. [بَابُ ذِكْرِ دُخُولِ مَكَّةَ] [مَا يَقُولُ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ] بَابُ ذِكْرِ دُخُولِ مَكَّةَ وَهِيَ عَلَمٌ عَلَى جَمِيعِ الْبَلْدَةِ الْمُعَظَّمَةِ الْمَحْجُوجَةِ غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ، وَسُمِّيَتْ بِهِ لِقِلَّةِ مَائِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تَمُكُّ مَنْ ظَلَمَ فِيهَا أَيْ: تُهْلِكُهُ، وَيُزَادُ فِيهَا بَكَّةُ فِي قَوْلِ الضَّحَّاكِ، وَقِيلَ: بِالْبَاءِ اسْمٌ لِبُقْعَةِ الْبَيْتِ، وَبِالْمِيمِ: مَا حَوْلَهُ، وَقِيلَ: بَكَّةُ اسْمٌ لِلْمَسْجِدِ، وَالْبَيْتِ، وَمَكَّةُ لِلْحَرَمِ كُلِّهِ، وَلَهَا أَسْمَاءٌ. (يَسْتَحَبُّ) لِلْمُحْرِمِ (أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى، وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَظَاهِرُهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الشَّرْحِ "؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَخْلَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " نَهَارًا، وَإِنَّمَا
بَنِي شَيْبَةَ، فَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ، رَفَعَ يَدَيْهِ وَكَبَّرَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنًا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، وَزِدْ مِنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَرِهَهُ مِنَ السُّرَّاقِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِخُرُوجِهِ مِنْهَا، وَيُسْتَحَبُّ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى كُدَيٍّ بِضَمِّ الْكَافِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَالْأَوَّلُ بِفَتْحِ الْكَافِ، وَالدَّالِّ مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ مُتَصَرِّفٌ، وَغَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، وَالثَّنِيَّةُ فِي الْأَصْلِ: الطَّرِيقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، (ثُمَّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) «لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ ارْتِفَاعَ الضُّحَى، وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عِنْدَ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، ثُمَّ دَخَلَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَيَقُولُ حِينَ دُخُولِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَمِنَ اللَّهِ وَإِلَى اللَّهِ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» . ذَكَرَهُ " فِي أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ ". (فَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ» ، وَمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ (وَكَبَّرَ) وَذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ فَعَلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ آخَرُونَ، وَحَكَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا كَالتَّهْلِيلِ، (وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ حَيِّنًا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ» ؛ لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. وَمَعْنَى السَّلَامِ الْأَوَّلِ: اسْمُ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالثَّانِي: مَنْ أَكْرَمْتَهُ بِالسَّلَامِ فَقَدْ سَلِمَ، وَالثَّالِثُ: سَلِّمْنَا بِتَحِيَّتِكَ إِيَّانَا مِنْ جَمِيعِ الْآفَاتِ. ذَكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ «اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا» أَيْ: تَبْجِيلًا (وَتَشْرِيفًا) أَيْ: رِفْعَةً وَإِعْلَاءً (وَتَكْرِيمًا) أَيْ: تَفْضِيلًا (وَمَهَابَةً) أَيْ: تَوْقِيرًا وَإِجْلَالًا (وَبِرًّا) بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ ( «وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ، وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، «وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا
[أول ما يبدأ به عند زيارة البيت الطواف]
الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ، وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إِلَى حَجِّ بَيْتِكَ الْحَرَامِ، وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي، وَاعْفُ عَنِّي، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنَيْ كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ يَرْفَعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ. ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ إِنَّ كَانَ مُعْتَمِرًا، أَوْ طَوَافِ الْقُدُومِ إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارَنًا، وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ فَيَجْعَلُ وَسَطَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ، وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ اللَّهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إِلَى حَجِّ بَيْتِكَ الْحَرَامِ» سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ انْتَشَرَتْ، وَأُرِيدَ بِتَحْرِيمِ الْبَيْتِ سَائِرُ الْحَرَمِ، قَالَهُ الْعُلَمَاءُ، «وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ اللَّهُمَّ تَقَبُّلَ مِنِّي، وَاعْفُ عَنِّي، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنَيْ كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» ذَكَرَهُ الْأَثْرَمُ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " كَالْمُقْنِعِ، وَفِي " الْفُرُوعِ " وَدَعَا وَقَالَ: وَمِنْهُ وَلَمْ يَذْكِرِ الْأَخِيرَ، وَمَهْمَا زَادَ مِنَ الدُّعَاءِ فَحَسَنٌ (يَرْفَعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فَاسْتُحِبَّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ كَالتَّلْبِيَةِ، وَحَكَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا. [أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ عند زيارة البيت الطَوَاف] (ثُمَّ يَبْتَدِئُ) بِالطَّوَافِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ إِنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ تَحِيَّةٌ، فَاسْتُحِبَّ كَتَحِيَّةِ غَيْرِهِ بِالرَّكْعَتَيْنِ، وَمَحَلُّهُ: مَا لَمْ يَذْكُرْ صَلَاةَ فَرْضٍ أَوْ فَائِتَةٍ، أَوْ تُقَامُ الْمَكْتُوبَةُ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُهَا عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ خَافَ فَوْتَ رَكْعَتِيِ الْفَجْرِ أَوِ الْوَتْرِ، أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ (بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا) ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَمَرَهُمْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِفَسْخِ نُسُكِهِمْ إِلَيْهَا أَمْرَهُمْ أَنْ يَطُوفُوا لِلْعُمْرَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْحِلِّ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى طَوَافِ قُدُومٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّحِيَّةُ، وَقَدْ حَصَلَتْ بِفِعْلِهِ (أَوْ طَوَافُ الْقُدُومِ) وَيُسَمَّى الْوُرُودَ (إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا) لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا كَذَلِكَ، لَكِنْ ذُكِرَ فِي " الْفُصُولِ " وَ " التَّرْغِيبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. نَقَلَ حَنْبَلٌ: يُرَى لِمَنْ قَدِمَ مَكَّةَ أَنْ يَطُوفَ؛ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ، وَالطَّوَافُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَهِيَ بَعْدَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ: الطَّوَافُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَالصَّلَاةُ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ
تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَيُحَاذِيهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، ثُمَّ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ، وَإِنْ شَاءَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتَقْدِيمِ حَقِّ اللَّهِ عَلَى حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا. (وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ) فِي جَمِيعِ طَوَافِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ مُضْطَبِعًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَكَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " رِوَايَةٌ فِي رَمْلِهِ «فَيَجْعَلُ وَسَطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ» لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةَ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ سَوَّى رِدَاءَهُ؛ لِأَنَّ الِاضْطِبَاعَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ الْأَثْرَمُ: يُزِيلُهُ إِذَا فَرَغَ مِنَ الرَّمَلِ (ثُمَّ يَبْتَدِئُ) أَيْ: بِالطَّوَافِ (مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَدَأَ بِهِ (فَيُحَاذِيهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ) لِيَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ الْبَيْتِ بِالطَّوَافِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا حَاذَاهُ بِبَعْضِهِ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ مَا لَزِمَ اسْتِقْبَالُهُ لَزِمَهُ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْقِبْلَةِ، وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ الْإِجْزَاءُ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْبَدَنِ فَأَجْزَأَ بَعْضُهُ كَالْحَدِّ. فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ وَيَصِيرُ الثَّانِي أَوَّلَهُ (ثُمَّ يَسْتَلِمُهُ) أَيْ: يَمْسَحُهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى؛ لِأَنَّ الِاسْتِلَامَ افْتِعَالٌ مِنَ السَّلَامِ، وَهُوَ التَّحِيَّةُ، وَلِذَلِكَ يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْيَمَنِ: الْمُحَيَّا؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُحَيُّونَهُ، (وَيُقَبِّلُهُ) «لِمَا رَوَى عُمَرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ، وَوَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا فَقَالَ: يَا عُمَرُ هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ أَسْلَمَ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَبَّلَ الْحَجَرَ، وَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ، نَقَلَ الْأَثْرَمُ يَسْجُدُ عَلَيْهِ، وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ (وَإِنْ شَاءَ
أَشَارَ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: بِاسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ كُلَّمَا اسْتَلَمَهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِينِهِ، وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ عَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQاسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ الْيَدِ فَظَاهِرُهُ لَا يُسْتَحَبُّ قَالَهُ الْقَاضِي، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": هَلْ لَهُ أَنْ يُقَبِّلَ يَدَهُ؛ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، (وَإِنْ شَاءَ أَشَارَ إِلَيْهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ عَلَى بَعِيرِهِ فَلَمَّا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَكَبَّرَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْإِشَارَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا. وَظَاهِرُهُ اسْتِوَاءُ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الْمُسْتَحَبُّ أَوَّلًا: تَقْبِيلُهُ فَإِنْ شَقَّ اسْتَلَمَهُ بِشَيْءٍ، وَقَبَّلَهُ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَزَادَا: مَعَ اسْتِقْبَالِهِ بِوَجْهِهِ. قَالَ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ هُوَ السُّنَّةُ، وَيُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ، قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعُمَرَ: «إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ» . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَقْبِلُهُ بِوَجْهِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي وَجْهٍ. فَائِدَةٌ: قَوْلُ الْخِرَقِيِّ: ثُمَّ أَتَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ إِنْ كَانَ؛ لِأَنَّ فِي زَمَنِهِ أَخَذَتْهُ الْقَرَامِطَةُ، وَاسْتَمَرَّ بِأَيْدِيهِمْ مُدَّةً، ثُمَّ فَتَحَ اللَّهُ بِعَوْدِهِ، فَلَوْ قُدِّرَ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - عَدَمُهُ فِي مَحَلِّهِ وَقَفَ مُقَابِلًا لِمَكَانِهِ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَنْتَقِلُ النُّسُكُ مَعَهُ كَمَا فِي الْقِرَانِ. (وَيَقُولُ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ كُلَّمَا اسْتَلَمَهُ» لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ
يَسَارِهِ، فَإِذَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ اسْتَلَمَهُ، وَقَبَّلَ يَدَهُ. وَيَطُوفُ سَبْعًا، يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْهَا، وَهُوَ إِسْرَاعُ الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَا، وَلَا يَثِبُ وَثْبًا وَيَمْشِي ـــــــــــــــــــــــــــــQاسْتِلَامِهِ (ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِينِهِ، وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - طَافَ كَذَلِكَ، وَقَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وَيُقَرِّبُ جَانِبَهُ الْأَيْسَرُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِأَنَّ الْحَرَكَةَ الدَّوْرِيَّةَ تَعْتَمِدُ فِيهَا الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، فَلَمَّا كَانَ الْإِكْرَامُ فِي ذَلِكَ لِلْخَارِجِ، جَعَلَ لِلْيُمْنَى، فَأَوَّلُ رُكْنٍ بِهِ يُسَمَّى الشَّامِيَّ، وَالْعِرَاقِيَّ وَهُوَ جِهَةُ الشَّامِ، ثُمَّ يَلِيهِ الرُّكْنُ الْغَرْبِيُّ وَالشَّامِيُّ، وَهُوَ جِهَةُ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ الْيَمَانِيُّ جِهَةَ الْيَمَنِ، وَهُوَ آخِرُ مَا يمر عَلَيْهِ مِنَ الْأَرْكَانِ؛ لِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، وَهُوَ قِبْلَةُ أَهْلِ خُرَاسَانَ. (فَإِذَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ اسْتَلَمَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إِلَّا الْحَجَرَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا تَرَكَتُ اسْتِلَامَهُمَا مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُهُمَا فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ فَسَنَّ اسْتِلَامَهُ كَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، (وَقَبَّلَ يَدَهُ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " قَوْلًا كَمَا يَفْعَلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُقَبِّلُهُ، وَجَزَمَ الْخِرَقِيُّ وَصَاحِبُ " الْإِرْشَادِ " بِخِلَافِهِ لِمَا رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اسْتَلَمَهُ قَبَّلَهُ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ» . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا لَا يُعْرَفُ، وَإِنَّمَا التَّقْبِيلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتِمَّا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. 1 - (وَيَطُوفُ سَبْعًا يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْهَا) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي سُنِّيَّتِهِ؛ «لِأَنَّهُ
أَرْبَعًا، وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ اسْتَلَمَهُمَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِمَا، وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَبَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201] ، وَفِي سَائِرِ الطَّوَافِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ- عَلَيْهِ السَّلَامُ - طَافَ سَبْعًا رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا» . رَوَاهُ جَابِرٌ وَابْنَا عَبَّاسٍ وَعُمَرُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهما، وَهَذَا كَانَ لِسَبَبٍ زَالَ، وَبَقِيَ الْمُسَبَّبُ، وَيَكُونُ الرَّمَلُ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ (وَهُوَ إِسْرَاعُ الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَا وَلَا يَثِبُ وَثْبًا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَشْيٍ فَإِذَا فَعَلَهُ لَمْ يَكُنْ إِتْيَانًا بِالرَّمَلِ الْمَشْرُوعِ فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ فِي حَاشِيَةِ النَّاسِ لِلِازْدِحَامِ كَانَ أَوْلَى مِنَ الدُّنُوِّ مِنَ الْبَيْتِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ أَوْ يَخْتَلِطُ بِالنِّسَاءِ فَالدُّنُوُّ أَوْلَى مِنَ التَّأْخِيرِ، وَفِي " الْفُصُولِ ": لَا يَنْتَظِرُ لِلرَّمَلِ كَمَا لَا يَتْرُكُ الصَّفَّ الْأَوَّلَ لِتَعَذُّرِ التَّجَافِي فِي الصَّلَاةِ، وَبِالْجُمْلَةِ يَطُوفُ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَسَوَاءٌ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ قُبَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا، فَإِنْ تَرَكَ الرَّمَلَ لَمْ يَقْضِهِ، وَلَا بَعْضَهُ فِي غَيْرِهَا بَلْ إِنْ تَرَكَهُ فِي شَوْطٍ أَتَى بِهِ فِي الِاثْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ، وَفِي اثْنَيْنِ أَتَى بِهِ فِي الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ هَيْئَةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا فَسَقَطَ كَالْجَهْرِ فِي الصَّلَاةِ، (وَيَمْشِي أَرْبَعًا) لِمَا سَبَقَ، (وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ) وَنَصَّ عَلَيْهِ، فِي " الْمُحَرَّرِ " فِي رَمْلِهِ كَبَّرَ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ وَهَلَّلَ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: وَرَفَعَ يَدَيْهِ (وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ اسْتَلَمَهُمَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ، وَالْحَجَرَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ نَافِعٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. (أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِمَا) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا شَقَّ عَلَيْهِ اسْتِلَامُهُمَا أَشَارَ إِلَيْهِمَا، صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ (وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ) الْأَسْوَدَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عُمَرَ أَلَا فَاسْتَقْبِلْ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ (وَبَيْنَ الرُّكْنَيْنِ) أَيِ: الْيَمَانِيِّ وَالْأَسْوَدِ {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201]
حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ. وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا أَهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــQلِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللَّهَ، وَكَّلَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ لِمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ قَالُوا آمِينَ» (وَفِي سَائِرِ الطَّوَافِ «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوُزْ عَمَّا تَعْلَمُ وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ» ؛ لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْمَحَلِّ فَاسْتُحِبَّ ذِكْرُهُ كَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ اللَّائِقَةِ بِمِحَالِّهَا الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَفِي " الْفُرُوعِ ": «رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاهْدِنِي السَّبِيلَ الْأَقْوَمَ» وَذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّهُ يَقُولُهُ فِي سَعْيِهِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ خِلَافًا " لِلْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ وَفِيهِ يَقِفُ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، عِنْدَ الْمِيزَابِ وَالْمُلْتَزَمِ وَكُلِّ رُكْنٍ (وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) مِنَ الْحَوَائِجِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يُسْتَجَابُ فِيهِ الدُّعَاءُ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: رَبِّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ؛ لِتَغْلِيطِهِ الْمُصَلِّينَ، وَالْمَذْهَبُ لَهُ الْقِرَاءَةُ، فَيُسْتَحَبُّ، قَالَهُ الْآجُرِّيُّ، وَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَاسْتَحَبَّهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِلَا جَهْرٍ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: لِأَنَّهُ صَلَاةٌ، وَفِيهَا قِرَاءَةٌ وَدُعَاءٌ، فَيَجِبُ كَوْنُهَا مِثْلَهَا. (وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ، وَلَا أَهْلِ مَكَّةَ) وَلَا حَامِلٍ مَعْذُورٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا فِي النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شُرِعَ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ، وَلَيْسَ مَطْلُوبًا مِنْهُنَّ، بَلْ إِنَّمَا يُقْصَدُ فِيهِنَّ السَّتْرَ، وَكَذَا أَهْلُ مَكَّةَ لَا رَمَلَ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ إِظْهَارَ الْجَلَدِ مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِمْ، وَحُكْمُ مَنْ أَحْرَمَ مِنْهَا حُكْمُ أَهْلِهَا، وَلَوْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَلَوْ عَبَّرَ بُقُولِهِ: وَلَا مُحْرِمَ فِي مَكَّةَ لَعَمَّ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يُشْرَعُ لَهُ الرَّمَلُ لَا يُشْرَعُ لَهُ الِاضْطِبَاعُ،
وَلَيْسَ فِي غَيْرِ هَذَا الطَّوَافِ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ، وَمَنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا، أَجَزْأَهُ، وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا لِعُذْرٍ، وَلَا يُجْزِئُ عَنِ الْحَامِلِ وَإِنْ طَافَ مُنَكَّسًا، أَوْ عَلَى جِدَارِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَكَذَا إِنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا لِعُذْرٍ، فَلَا رَمَلَ فِيهِ، وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ يَرْمُلُ بِالْمَحْمُولِ (وَلَيْسَ فِي غَيْرِ هَذَا الطَّوَافِ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَصْحَابَهُ إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي الطَّوَافِ الْأَوَّلِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": إِذَا تَرَكَهُمَا بِهِ، أَوْ لَمْ يَسْعَ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَتَى بِهِمَا فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ أَوْ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ أَنَّ الرَّمَلَ وَالِاضْطِبَاعَ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَنَفَاهُمَا فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ (وَمَنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا أَجْزَأَهُ، وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا لِعُذْرٍ) أَمَّا مَعَ الْعُذْرِ فَيُجْزِئُ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «طَافَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ» . وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «شَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي أَشْتَكِي، قَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَجْزَأَ فِي رِوَايَةٍ قَدَّمَهَا الْمُؤَلِّفُ وَجَزَمَ بِهَا ابْنُ حَامِدٍ، وَأَبُو بَكْرٍ مِنَ الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ بِالطَّوَافِ مُطْلَقًا، وَلِطَوَافِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَاكِبًا، لَكِنَّ شَرْطَ صِحَّتِهِ فِي الْمَحْمُولِ بِنِيَّتِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الطَّوَافَ رَاجِلًا أَفْضَلُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَالثَّانِيَةُ: عَدَمُ الْإِجْزَاءِ، وَهِيَ الْأَشْهَرُ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي أَخِيرًا، وَالشَّرِيفُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَبَّهَ الطَّوَافَ بِالصَّلَاةِ، وَهِيَ لَا تَفْعَلُ كَذَلِكَ إِلَّا لِعُذْرٍ فَكَذَا هُوَ، وَأَجَابُوا عَنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِأَنَّهُ كَانَ لِعُذْرٍ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، أَوْ لِيَرَاهُ النَّاسُ. قَالَهُ أَحْمَدُ أَوْ لِيَشْرُفَ لِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشَوْهُ، وَأَخَذَ جَمَاعَةٌ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ لِيَرَاهُ الْجُهَّالُ، وَعَنْهُ: يَجْبُرُهُ بِدَمٍ حَكَاهَا الْمُؤَلِّفُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ. وَلَمْ أَرَهَا لِغَيْرِهِ. (وَلَا يُجْزِئُ عَنِ الْحَامِلِ) ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ أُدِّيَ بِهِ فَرْضُ غَيْرِه فَلَمْ يَقَعْ عَنْ
الْحَجَرِ، أَوْ شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ، أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوَافِ، وَإِنْ قَلَّ، أَوْ لَمْ يَنْوِهْ، لَمْ يُجْزِئْهُ. وَإِنْ طَافَ مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا أَوْ عُرْيَانًا، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَرْضِهِ، كَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ الْحَامِلَ آلَةٌ لِلْمَحْمُولِ فَكَانَ كَالرَّاكِبِ بِخِلَافِ حَمْلِهِ بِعَرَفَةَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْكَوْنُ فِيهَا، وَهُوَ حَاصِلٌ لَهُمَا، وَلَهُ أَحْوَالٌ: مِنْهَا أَنْ يَنْوِيَا جَمِيعًا عَنِ الْمَحْمُولِ، أَوْ يَنْوِيَ هُوَ دُونَ الْحَامِلِ، فَيُجْزِئُ عَنِ الْمَحْمُولِ لَا الْحَامِلِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَمِنْهَا أَنْ يَنْوِيَا جَمِيعًا عَنِ الْحَامِلِ، أَوْ يَنْوِيَ هُوَ فَقَطْ فَيَصِحُّ لَهُ وَحْدَهُ. وَمِنْهَا أَنْ يَنْوِيَ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ نَفْسِهِ فَيَصِحُّ الْمَحْمُولُ دُونَ حَامِلِهِ جَعْلًا لَهُ كَالْآلَةِ، وَحَسَّنَ الْمُؤَلَّفُ صِحَّتَهُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طَائِفٌ بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، كَالْعَمَلِ بِعَرَفَاتٍ، وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ ذَلِكَ احْتِمَالًا، وَفِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: لَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا أَوْلَوِيَّةَ، وَالْفِعْلُ الْوَاحِدُ لَا يَقَعُ عَنِ اثْنَيْنِ، وَمِنْهَا لَمْ يَنْوِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، أَوْ نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ، فَلَا يَصْحُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. مَسْأَلَةٌ: إِذَا سَعَى رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا، أَجْزَأَهُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي مَنَعَ الطَّوَافَ غَيْرُ مَوْجُودٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى الدَّوَابِّ لِضَرُورَةٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " حُكْمُهُ كَالطَّوَافِ (وَإِنْ طَافَ مُنَكَّسًا) يَجُوزُ فِيهِ كَسْرُ الْكَافِ، وَفَتْحُهَا فَعَلَيْهِ يَكُونُ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: طَافَ طَوَافًا مُنَكَّسًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ حَالًا مِنْ فَاعِلِ " طَافَ " وَالْمُرَادُ بِهِ: جَعْلُ الْبَيْتِ عَلَى يَمِينِهِ (أَوْ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ) وَهُوَ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ وَإِلَى جَانِبِ الْبَيْتِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَسُكُونِ الْجِيمِ لا غير (أَوْ شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ) هُوَ الْقَدْرُ الْخَارِجُ عَنْ عَرْضِ الْجِدَارِ مُرْتَفِعًا عَنِ الْأَرْضِ قَدْرُ ثُلْثَيْ ذِرَاعٍ (أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوَافِ، وَإِنْ قَلَّ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ) أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ فِعْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقَعَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلْيَطَّوَّفُوا} [الحج: 29] وَمِثْلُهُ يَتَعَيَّنُ، وَلِقَوْلِهِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ
[طواف المحدث]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQفَكَانَ، وَاجِبًا كَالصَّلَاةِ، وَأَمَا ثَانِيًا فَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْبَيْتِ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْبَيْتِ قَالَ: صَلِّ فِي الْحِجْرِ فَإِنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ فَإِذَا لَمْ يَطُفْ بِهِ لَمْ يَطُفْ بِكُلِّ الْبَيْتِ، وَالْحَالُ أَنَّ الطَّوَافَ بِجَمِيعِهِ، وَاجِبٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ، «وَطَافَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِجَمِيعِهِ، وَقَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الشَّاذَرْوَانُ لَيْسَ هُوَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا جُعِلَ عِمَادًا لِلْبَيْتِ. وَأَمَا ثَالِثًا، فَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَأَمَا رَابِعًا، فَلِقَوْلِهِ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَلَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ، فَاشْتَرَطَ لَهُ النِّيَّةَ كَالصَّلَاةِ، وَنَوَّهَ كَلَامَهُ أَنَّهُ إِذَا طَافَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِخِلَافِهِ، وَإِنْ طَافَ عَلَى سَطْحِهِ تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ لِصِلَاتِهِ إِلَيْهَا، وَكَذَا إِنْ قَصَدَ فِي طَوَافِهِ غَرِيمًا، وَقَصَدَ مَعَهُ طَوَافًا بِنِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا حُكْمِيَّةٍ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ كَعَاطِسٍ قَصَدَ بِحَمْدِهِ قِرَاءَةً، وَفِي الْإِجْزَاءِ عَنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَجْهَانِ. [طَوَافُ الْمُحْدِثِ] (وَإِنْ طَافَ مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا أَوْ عُرْيَانًا لَمْ يُجْزِئْهُ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِمَا تَقَدَّمَ، «وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَبِي بَكْرٍ حين بعثه فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَرَهُ فِيهَا " وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ فَكَانَتِ الطَّهَارَةُ، وَالسُّتْرَةُ شَرْطًا فِيهَا كَالصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الْوُقُوفِ. قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: الطَّوَافُ كَالصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إِلَّا فِي إِبَاحَةِ النُّطْقِ،
وَيَجْبُرُهُ بِدَمٍ وَإِنْ أَحْدَثَ فِي بَعْضِ طَوَافِهِ، أَوْ قَطَعَهُ بِفَصْلٍ طَوِيلٍ ابْتَدَأَهُ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، أَوْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ، صَلَّى وَبَنَى وَيَتَخَرَّجُ أَنَّ الْمُوَالَاةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ) ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الِاسْتِقْبَالُ فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا ذَلِكَ كَالسَّعْيِ، (وَيَجْبُرُهُ بِدَمٍ) ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فَهُو وَاجِبٌ، وَتَرْكُهُ يُوجِبُهُ. وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ أَمْكَنَهُ الطَّوَافُ بَعْدَ طَوَافِهِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَمْ لَا، (وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ) وَعَنْهُ: يَصِحُّ مِنْ نَاسٍ وَمَعْذُورٍ فَقَطْ. وَعَنْهُ: يَجْبُرُهُ دَمٌ. وَظَاهَرُهُ صِحَّتُهُ مِنْ حَائِضٍ بِدَمٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَنَّهُ لَا دَمَ لِعُذْرٍ، وَيَلْزَمُ النَّاسَ فِي الْأَصَحِّ انْتِظَارُهَا لِأَجْلِهِ إِنْ أَمْكَنَ. فَرْعٌ: إِذَا طَافَ فِيمَا لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ صَحَّ، وَفَدَى ذَكَرَهُ الْآجُرُّيُّ. (وَإِنْ أَحْدَثَ فِي بَعْضِ طَوَافِهِ أَوْ قَطَعَهُ بِفَصْلٍ طَوِيلٍ ابْتَدَأَ) أَمَّا أَوَّلًا، فَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ، فَأَبْطَلَهُ الْحَدَثُ كَالصَّلَاةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْعَمْدِ، فَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ تَطَهَّرَ، وَابْتَدَأَ فِي رِوَايَةٍ، وَجَزَمَ بِهَا الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ رِوَايَاتُ الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَمَحَلُّهُ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخِرَقِيُّ وَصَاحِبُ " الشَّرْحِ " - فِي طَوَافِ الْفَرْضِ، فَأَمَّا النَّفْلُ فَلَا تَجِبُ إِعَادَتُهُ كَالصَّلَاةِ، وَأَمَا ثَانِيًا، فَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالَى بَيْنَ طَوَافِهِ، وَقَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» فَعُلِمَ أَنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ فِيهِ فَمَتَى قَطَعَهُ بفصل طويل ابْتَدَأَهُ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ سَهَوًا، مِثْلَ أَنْ يَتْرُكَ شَوْطًا مِنْهُ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ، وَالْمَرْجِعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إِلَى الْعُرْفِ كَالْحِرْزِ، وَالْقَبْضِ (وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا) بَنَى؛ لِأَنَّهُ يُتَسَامَحُ بِمِثْلِهِ لِمَا فِي الِاتِّصَالِ مِنَ الْمَشَقَّةِ فَعُفِيَ عَنْهُ: (أَوْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ صَلَّى) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» ، وَالطَّوَافُ صَلَاةٌ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَسَالِمٍ وَعَطَاءٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، وَلِأَنَّ الْجِنَازَةَ صَلَاةٌ تَفُوتُ بِالتَّشَاغُلِ بِالطَّوَافِ، وَهِيَ أَوْلَى مِنْ قَطْعِهِ لَهَا بِالْمَكْتُوبَةِ لِعَدَمِ فَوَاتِهَا بِهِ، (وَبَنَى)
[صلاة ركعتين خلف المقام]
سُنَّةٌ. ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ خَلْفَ الْمَقَامِ يَقْرَأُ فِيهِمَا: " {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] " ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ إِلَّا الْحَسَنَ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَسْتَأْنِفُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا فِعْلٌ مَشْرُوعٌ فَلَمْ يَقْطَعْهُ كَالْيَسِيرِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ مِنَ الْحَجَرِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، (وَيَتَخَرَّجُ أَنَّ الْمُوَالَاةَ سُنَّةً) ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ غُشِيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ أَتَمَّهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ: لَيْسَ بِشَرْطٍ مَعَ الْعُذْرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. تَنْبِيهٌ: إِذَا شَكَّ فِي عَدَدِهِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ يَعْمَلُ بِظَنِّهِ، وَيَأْخُذُ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا لَمْ يَتَيَقَّنْ صَوَابَ نَفْسِهِ. وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " يَكْفِي ثِقَةٌ فَإِنْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ، وَهُوَ فِيهِ بَطَلَ لَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ. فَرْعٌ: إِذَا فَرَغَ الْمُتَمَتِّعُ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فِي أَحَدِ طَوَافَيْهِ وَجَهِلَهُ لَزِمَهُ الْأَشَدُّ وَهُوَ مِنَ الْحَجِّ، فَيَلْزَمُهُ طَوَافُهُ وَسَعْيُهُ وَدَمٌ، وَإِنْ كَانَ وَطِئَ بَعْدَ حِلِّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ، لَمْ يَصِحَّا؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ حَجًّا عَلَى عُمْرَةٍ فَاسِدَةٍ، وَتَحَلَّلَ بِطَوَافِهِ الَّذِي نَوَاهُ لِحَجِّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ الْفَاسِدَةِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِلْحَلْقِ، وَدَمٌ لِلْوَطْءِ فِي عُمْرَتِهِ. [صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ] (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَكَعَهُمَا وَفِي " أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ " أَنَّهُ يَأْتِي الْمُلْتَزَمَ قَبْلَهُمَا، (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ خَلْفَ الْمَقَامِ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ تَقْبِيلُ الْمَقَامِ، وَلَا مَسْحُهُ إِجْمَاعًا فَسَائِرُ الْمَقَامَاتِ أَوْلَى، وَنَقَلَ الْفَضْلُ عَنْهُ: كَرَاهَةَ مَسِّهِ، وَفِي " مَنْسَكِ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ ": فَإِذَا بَلَغَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَلْيَمَسَ الصَّخْرَةَ بِيَدِهِ، وَلِيُمَكِّنُ مِنْهَا كَفَّهُ، وَيَدْعُوَ (يَقْرَأُ فِيهِمَا) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ قَرَأَ فِيهِمَا {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] » وَظَاهِرُهُ جَوَازُ فِعْلِهِمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَيَقْرَأُ تِلْكَ الْقِرَاءَةَ؛
[السعي بين الصفا والمروة]
و " {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] " ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الرُّكْنِ، فَيَسْتَلِمُهُ. ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ، وَيَسْعَى سَبْعًا يَبْدَأُ بِالصَّفَا، فَيَرْقَى عَلَيْهِ حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ، فَيَسْتَقْبِلُهُ، وَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. ثُمَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَنَّ عُمَرَ رَكَعَهُمَا بِذِي طُوًى. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقِرَاءَةُ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ لَا يَتَعَيَّنُ فِي الْفَرْضِ، فَالنَّفْلُ أَوْلَى، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِلنُّصُوصِ. وَعَنْهُ: وُجُوبُهُمَا، وَهِيَ أَظْهَرُ، فَلَوْ صَلَّى الْفَرِيضَةَ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا كَرَكْعَتِيِ الْإِحْرَامِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَهُوَ أَقْيَسُ كَرَكْعَتِيِ الْفَجْرِ. تَنْبِيهٌ: لَهُ جَمْعُ أَسَابِيعَ، ثُمَّ يُصَلِّي لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفَصْلِهِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ، بِخِلَافِ تَكْبِيرِ تَشْرِيقٍ عَنْ فَرْضٍ وَسَجْدَةِ تِلَاوَةٍ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى إِسْقَاطِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِيَ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ قَطْعُهُ عَلَى شَفْعٍ، فَيُكْرَهُ الْجَمْعُ إِذَنْ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَفْعَلْهُ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْإِخْلَالُ بِالْمُوَالَاةِ بَيْنَهُمَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَهُ تَأْخِيرُ السَّعْيِ عَنِ الطَّوَافِ بِطَوَافٍ وَغَيْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الرُّكْنِ) وَهُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ (فَيَسْتَلِمُهُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. [السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ] (ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا) بِالْقَصْرِ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْحِجَارَةُ الصُّلْبَةُ، وَالْآنَ ثُمَّ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ (مِنْ بَابِهِ وَيَسْعَى سَبْعًا يَبْدَأُ بِالصَّفَا فَيَرْقَى عَلَيْهِ) وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ فَيَسْتَقْبِلَهُ، وَيُكَبِّرَ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَيْسَ فِيهِ «يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ» وَزَادَ «وَيَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثًا» ، «لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنَّهُ رَقَى عَلَى الصَّفَا وَقَرَأَ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا» وَالْأَحْزَابُ: هُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَهُمْ قُرَيْشٌ، وَغَطَفَانُ، وَالْيَهُودُ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ
يُلَبِّي وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ، ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ الصَّفَا وَيَمْشِي حَتَّى يَأْتِيَ الْعَلَمَ، فَيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا إِلَى الْعَلَمِ، ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَأْتِيَ الْمَرْوَةَ، فَيَفْعَلُ عَلَيْهَا مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعًا يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً، وَبِالرُّجُوعِ سَعْيَةً يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ، فَإِنْ بَدَأَ ـــــــــــــــــــــــــــــQمُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَزِيدُهُ عَلَى مَا سَبَقَ. رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ (ثُمَّ يُلَبِّي) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُلَبِّي عَلَى الصَّفَا لِعَدَمِ فِعْلِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُهَا إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ كَمَا يَأْتِي، وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ تُرْجَى فِيهِ الْإِجَابَةُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَالظَّاهِرُ بَلَى، لِلْخَبَرِ (ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ الصَّفَا وَيَمْشِي حَتَّى يَأْتِيَ الْعَلَمَ) وَهُوَ الْمَيْلُ الْأَخْضَرُ فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ: إِذَا كَانَ مِنْهُ نَحْوُ سِتَّةِ أَذْرُعٍ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ (فَيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا إِلَى الْعَلَمِ) وَهُوَ الْمَيْلُ الْأَخْضَرُ بفناء المسجد حِذَاءَ دَارِ الْعَبَّاسِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْمَلُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ كَالْمُؤَلِّفِ وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقِيلَ: بَلَى لِوُرُودِهِ فِي الْخَبَرِ (ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَأْتِيَ الْمَرْوَةَ) وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْحِجَارَةُ الْبِيضُ الْبَرَّاقَةُ الَّتِي يُقْدَحُ مِنْهَا النَّارَ، وَالْآنَ هُوَ الْمَكَانُ الْمَعْرُوفُ بِطَرَفِ السَّعْيِ (فَيَفْعَلُ عَلَيْهَا مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا) مِنَ الِاسْتِقْبَالِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالدُّعَاءِ «ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ يفعلِ ذَلِكَ سَبْعًا يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً، وَبِالرُّجُوعِ سَعْيَةً» لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَيُكْثِرُ الدُّعَاءَ، وَالذِّكْرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِذَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاعْفُ
بِالْمَرْوَةِ، لَمْ يَحْتَسِبْ بِذَلِكَ الشَّوْطِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْعَى طَاهِرًا مُسْتَتِرًا مُتَوَالِيًا، وَعَنْهُ: أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِهِ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَرْقَاهُ وَلَا تَرَمَلَ. وَإِذَا فَرَغَ مِنَ السَّعْيِ، فَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَمَّا تَعْلَمُ وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا: «إِنَّمَا جُعِلَ السَّعْيُ بَيْنَهُمَا لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ - تَعَالَى» وَيَجِبُ اسْتِيعَابُ مَا بَيْنَهُمَا فَيُلْصِقُ عَقِبَهُ بِأَصْلِهِمَا، فَلَوْ تَرَكَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، وَلَوْ ذِرَاعًا لَمْ يُجْزِئْهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَرْقَى كَمَا مَرَّ (يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا) لِقَوْلِهِ «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ الْآيَةَ، وَقَالَ: نَبْدَأُ بِالصَّفَا اتَّبِعُوا الْقُرْآنَ فَمَا بَدَأَ بِهِ الْقُرْآنُ فَابْدَءُوا بِهِ وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ لِقَوْلِ جَابِرٍ: فَلَمَّا كَانَ آخِرَ طَوَافِهِ قَالَ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْبُدَاءَةِ بِهِ الْخَتْمُ بِهَا (فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ، لَمْ يَحْتَسِبْ بِذَلِكَ الشَّوْطِ) لِمُخَالَفَةِ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمْرِهِ. فَعَلَى هَذَا إِذَا صَارَ إِلَى الصَّفَا اعْتَدَّ بِمَا يَأْتِي بَعْدَهُ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْعَى طَاهِرًا) مِنَ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ كَبَقِيَّةِ الْمَنَاسِكِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (مُسْتَتِرًا) ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ الطَّهَارَةَ مَعَ آكَدِيَّتِهَا فَغَيْرُهَا أَوْلَى (مُتَوَالِيًا) فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْبَيْتِ، فَلَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ الْمُوَالَاةَ كَالرَّمْيِ وَالْحَلْقِ، (وَعَنْهُ: أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِهِ) وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُوَالَاةِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ أَحَدُ الطَّوَافَيْنِ فَاشْتَرَطَ فِيهِ ذَلِكَ كَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُهُ أَنَّ السَّعْيَ بَعْدَ الطَّوَافِ، فَلَوْ عَكَسَ لَمْ يُجْزِئْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: بَلَى سَهْوًا وَجَهْلًا، وَعَنْهُ: مُطْلَقًا، وَعَنْهُ: مَعَ دَمٍ، وَفِي شَرْطِ النِّيَّةِ قَالَهُ فِي " الْمَذْهَبِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَزَادَ: وَأَنْ لَا يُقَدِّمَهُ عَلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ خِلَافُهُمَا، وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْأَخِيرَةِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مَنْعُهُ عَنْ أَحْمَدَ. (وَالْمَرْأَةُ لَا تَرْقَاهُ) لِئَلَّا
كَانَ مُعْتَمِرًا قَصَّرَ مِنْ شَعْرِهِ وَتَحَلَّلَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَمَتِّعُ قَدْ سَاقَ هَدْيًا فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحُجَّ. وَمَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQتُزَاحِمَ الرِّجَالَ، وَلِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، (وَلَا تَرْمُلُ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ لَهَا السَّتْرَ، وَفِيمَا ذُكِرَ انْكِشَافٌ لَهَا، وَكَذَا لَا تَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ، وَلَا يُسَنُّ فِيهِ اضْطِبَاعٌ، نَصَّ عَلَيْهِ. (وَإِذَا فَرَغَ مِنَ السَّعْيِ، فَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا، قَصَّرَ مِنْ شَعْرِهِ، وَتَحَلَّلَ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ سِوَى عُمْرَتِهِ الَّتِي مَعَ حَجِّهِ، وَكَانَ يُحِلُّ إِذَا سَعَى. وَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّقْصِيرَ لَهُ أَفْضَلُ مِنَ الْحَلْقِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِلْأَمْرِ بِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَلِيَتَوَفَّرَ الْحَلْقُ لِلْحَجِّ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " التَّرْغِيبِ " حَلْقُهُ، وَفِي كَلَامِهِ إِشْعَارٌ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ فِي اسْتِحْبَابِهِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ التَّقْصِيرِ، وَقُلْنَا: هُوَ نُسُكٌ صَارَ قَارِنًا، فَإِنْ تَرَكَهُمَا، فَعَلَيْهِ دَمٌ، إِنْ قُلْنَا هُمَا نُسُكٌ، فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَهُ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَعُمْرَتُهُ صَحِيحَةٌ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَمَتِّعُ قَدْ سَاقَ هَدْيًا فَلَا يُحِلُّ حَتَّى يَحُجَّ) بَلْ يُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ وَيُدْخِلُ عَلَيْهَا الْحَجَّ بَعْدَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ لَهَا، ثُمَّ لَا يُحِلُّ حَتَّى يُحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا يَوْمَ النَّحْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَعَنْهُ: مَنْ لَبَّدَ رَأَسَهُ أَوْ صَفَّرَهُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " هُوَ بِمَنْزِلَةٍ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، لِحَدِيثِ حَفْصَةَ، وَقِيلَ: يُحِلُّ كَمَنْ لَمْ يَهْدِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، وَعَنْهُ: إِنْ قَدِمَ فِي الْعَشْرِ، لَمْ يَنْحَرِ الْهَدْيَ حَتَّى يَنْحَرَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ الْعَشْرِ نَحَرَ الْهَدْيَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إِذَا قَدِمَ قَبْلَ الْعَشْرِ، حَلَّ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ لَمْ يُحِلَّ، وَاسْتِثْنَاءُ الْمُتَمَتِّعِ من المعتمر دَلِيلُ عُمُومِهِ (وَمَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ) وَالْمُرَادُ: إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ
[باب صفة الحج]
بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّعِ الَّذِي حَلَّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُحِلِّينَ بِمَكَّةَ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ جَازَ ثُمَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQالنَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُمْسِكُ عَنِ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. أَيْ: شَرَعَ فِي الطَّوَافِ، وَلِأَنَّ التَّلْبِيَةَ إِجَابَةٌ إِلَى الْعِبَادَةِ وَشِعَارُ الْإِقَامَةِ عَلَيْهَا، وَالْأَخْذُ فِي التَّحَلُّلِ يُنَافِيهَا، وَهُوَ يَحْصُلُ بِالطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ فَإِذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ فَقَدْ أَخَذَ فِي التَّحَلُّلِ فَيَقْطَعُهَا كَمَا يَقْطَعُ الْحَاجُّ التَّلْبِيَةَ إِذَا شَرَعَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لِحُصُولِ التَّحَلُّلِ بِهِ. وَظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ الْقَطْعِ بِالْمُتَمَتِّعِ كَالْخِرَقِيِّ، وَ " الْوَجِيزِ " وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُتَمَتِّعُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُعْتَمِرِينَ. [بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ] [صِفَةُ الْحَجِّ] بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ أَصْلُهُ حَدِيثِ جَابِرٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّعِ الَّذِي حَلَّ) مِنْ عُمْرَتِهِ (وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُحِلِّينَ بِمَكَّةَ) سَوَاءٌ كَانَ مُقِيمًا بِهَا مَنْ أَهْلِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ (الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ جَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْهُ: الْمَكِّيُّ يُهِلُّ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ، لِقَوْلِ عُمَرَ لِأَهْلِ مَكَّةَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ جَاوَزَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لَزِمَهُ دَمُ الْإِسَاءَةِ مَعَ دَمِ التَّمَتُّعِ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَفِي " الرِّعَايَةِ ": يُحْرِمُ يَوْمَ تَرْوِيَةٍ أَوْ عَرَفَةَ، فَإِنْ غَيَّرَهُ، فَدَمٌ، وَلَا يَطُوفُ بَعْدَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ: لَا يَخْرُجُ حَتَّى يُوَدِّعَهُ، وَطَوَافُهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى لِلْحَجِّ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَاضِحِ " وَ " الْكَافِي " فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ أَتَى بِهِ، وَسَعَى بَعْدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ، (وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَرَوُّونَ فِيهِ الْمَاءَ لِمَا بَعْدَهُ، وَقِيلَ: لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَصْبَحَ يَتَرَوَّى فِي أَمْرِ الرُّؤْيَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. (مِنْ مَكَّةَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ
يَخْرُجُ إِلَى مِنًى، فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ، وَيَبِيتُ بِهَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، سَارَ إِلَى عَرَفَةَ، وَأَقَامَ بِنَمِرَةَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَخْطُبُ الْإِمَامُ خُطْبَةً يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا الْوُقُوفَ وَوَقْتَهُ وَالدَّفْعَ مِنْهُ، وَالْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّي بِهِمُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، ثُمَّ يَرُوحُ إِلَى الْمَوْقِفِ. وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ ـــــــــــــــــــــــــــــQيُهِلُّونَ مِنْهَا» وَكَانَ عَطَاءٌ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ مُهِلًّا بِالْحَجِّ، وَالْأَفْضَلُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " وَ " الْإِيضَاحِ " مِنْ تَحْتِ الْمِيزَابِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِي إِحْرَامِهِ مَا يَفْعَلُهُ فِي إِحْرَامِهِ مِنَ الْمِيقَاتِ، مِنْ غُسْلٍ وَغَيْرِهِ، وَيَطُوفُ سَبْعًا وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ (وَمِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ مِنَ الْحَرَمِ جَازَ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ؛ لِأَنَّ الْأَبْطَحَ خَارِجٌ مِنَ الْبَلَدِ دَاخِلٌ فِي الْحَرَمِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ حَاصِلٌ بِهِ كَجَمْعِهِ فِي نُسُكِهِ بَيْنَ الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ (ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى مِنًى) قَبْلَ الزَّوَالِ (فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ) مَعَ الْإِمَامِ إِنْ أَمْكَنَهُ، وَبَقِيَّةَ الصَّلَوَاتِ إِلَى الْفَجْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، (وَيَبِيتُ بِهَا) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَحَلُّوا بِالْحَجِّ فَرَكِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ» . وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَبِيتَ بِهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى الْمُسْتَحَبَّاتِ، فَلَوْ صَادَفَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا، كَمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَأَقَامَ حَتَّى زَالَتِ الشَّمْسُ، وَإِلَّا لَمْ تَجِبْ (فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ سَارَ إِلَى عَرَفَةَ) هِيَ اسْمٌ لِمَوْضِعِ الْوُقُوفِ، (وَأَقَامَ بِنَمِرَةَ) هِيَ مَوْضِعٌ بِعَرَفَةَ. وَظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُ. قَالَ الْأَزْرُقِيُّ: هُوَ الْجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ أَنْصَابُ الْحَرَمِ عَنْ يَمِينِكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ مَأْزَمَيْ عَرَفَةَ (حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ» ، (ثُمَّ يَخْطُبُ الْإِمَامُ خِطْبَةً) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «ثُمَّ أَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ» ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِمَا، وَيُسَنُّ تَقْصِيرُهَا (يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا الْوُقُوفَ، وَوَقْتَهُ، وَالدَّفْعَ مِنْهُ، وَالْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ) يَتَذَكَّرُ الْعَالِمُ، وَيَتَعَلَّمُ الْجَاهِلُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَخْطُبُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِمَكَّةَ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ بَلَى يُعَلِّمُهُمْ مَا يَفْعَلُونَهُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ (ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّي بِهِمُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ
[عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة]
عُرَنَةَ وَهُوَ مِنَ الْجَبَلِ الْمُشْرِفِ عَلَى عُرَنَةَ مِنَ الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ لَهُ إِلَى مَا يَلِي حَوَائِطَ بَنِي عَامِرٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ رَاكِبًا وَقِيلَ: الرَّاجِلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَإِقَامَتَيْنِ) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، لَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُؤَذِّنُ إِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ، فَإِذَا فَرَغَ، قَامَ فَخَطَبَ وَقِيلَ: يُؤَذِّنُ فِي آخِرِ خُطْبَةِ الْإِمَامِ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَكَيْفَمَا فَعَلَ فَحَسَنٌ، فَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنْ فَلَا بَأْسَ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَ " الْخِرَقِيُّ "؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا رَوَى عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَظَاهِرُهُ يَشْمَلُ كُلَّ وَاقِفٍ بِعَرَفَةَ مِنْ مَكِّيٍّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ صَلَّى مَعَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِتَرْكِ الْجَمْعِ كَمَا أَمَرَهُمْ بِتَرْكِ الْقَصْرِ، فَقَالَ: «أَتِمُّوا فَإِنَّا سَفْرٌ» ، وَلَوْ حُرِّمَ لِبَيَّنَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَبِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ اتَّخَذَ بِمَكَّةَ أَهْلًا، وَلَمْ يَتْرُكِ الْجَمْعَ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ خِلَافُهُ، وَشَرَطَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِمَنْ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ السَّفَرُ الطَّوِيلُ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهُ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ كَالْقَصْرِ، وَالْقَصْرُ مُخْتَصٌّ بِمَنْ ذَكَرْنَا فَكَذَا الْجَمْعُ، وَقَالَ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ: يَجُوزُ لَهُمُ الْقَصْرُ كَالْجَمْعِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يُسَنُّ أَنْ يُعَجِّلَ، فَإِنْ فَاتَهُ الْجَمْعُ مَعَ الْإِمَامِ جَمَعَ فِي رَحْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، (ثُمَّ يَرُوحُ إِلَى الْمَوْقِفِ) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ» . [عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ] (وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كَلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ فَلَمْ تُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ وَقَفَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ الْفُقَهَاءِ، (وَهُوَ) أَيْ: حَدُّ عُرَنَةَ (مِنَ الْجَبَلِ الْمُشْرِفِ عَلَى عَرَفَةَ إِلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ لَهَا إِلَى مَا يَلِي حَوَائِطَ بَنِي عَامِرٌ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ» (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ
أَفْضَلُ. وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ، وَمِنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ اجْعَلْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالصَّخَرَاتِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ) وَاسْمُهُ " إِلَالٌ " عَلَى وَزْنِ هِلَالٌ (رَاكِبًا) مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ «لِقَوْلِ جَابِرٍ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءَ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» . وَلِأَنَّ الرُّكُوبَ أَعْوَنُ لَهُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَلَا يَشْرُعُ صُعُودُهُ إِجْمَاعًا، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَقِيلَ: الرَّاجِلُ أَفْضَلُ) ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - كَانُوا يَدْخُلُونَ الْحَرَمَ مُشَاةً، وَيَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، وَيَقْضُونَ الْمَنَاسِكَ مُشَاةً، وَرُوِيَ أَنَّ آدَمَ حَجَّ أَرْبَعِينَ مَرَّةً مِنَ الْهِنْدِ عَلَى رِجْلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ مَاشِيًا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَكَّةَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ قِيلَ لَهُ: وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ؟ قَالَ: بِكُلِّ حَسَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ» وَلِأَنَّهُ أَخَفُّ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَكَسَائِرِ الْمَنَاسِكِ وَالْعِبَادَاتِ، وَرُكُوبُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِيَعَلِّمَهُمُ الْمَنَاسِكَ وَيَرَوْهُ فَإِنَّهَا عِبَادَةٌ. وَقِيلَ: سَوَاءٌ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ وَالشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِحَسَبِ النَّاسِ. (وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ) رَافِعًا يَدَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمٌ تُرْجَى فِيهِ الْإِجَابَةٌ، (وَ) يُكْثِرُ (مِنْ قَوْلِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» لِمَا رَوَى عَلَيٌّ مَرْفُوعًا: «أَكْثَرُ دُعَاءِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي وَدُعَائِي عَشِيَّةَ عَرَفَةَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وَذَكَرَهُ إِلَّا قَوْلَهُ: «بِيَدِهِ الْخَيْرُ» ، وَعَنْ عَمْرُو
فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ فَمَنْ حَصَّلَ بِعَرَفَةَ فِي شَيْءٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQبْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عَرَفَةَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَسُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَفْضَلِ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، قِيلَ: لَهُ هَذَا ثَنَاءٌ، وَلَيْسَ بِدُعَاءٍ، فَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ أَأُذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ... حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مَنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي» رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَفِي " الْمُحَرَّرِ " كَ " الْمُقْنِعِ " وَفِي " الْفُرُوعِ " الِاقْتِصَارُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَفِي " الْوَجِيزِ ": يَدْعُو بِمَا وَرَدَ، فَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ دَعَا فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَرَى مَكَانِي، وَتَسْمَعُ كَلَامِي، وَتَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي، أَنَا الْبَائِسُ الْفَقِيرُ الْمُسْتَغِيثُ الْمُسْتَجِيرُ الْوَجِلُ الْمُشْفِقُ الْمُقِرُّ الْمُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمِسْكِينِ، وَأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ ابْتِهَالَ الْمُذْنِبِ الذَّلِيلِ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ مَنْ خَشَعَتْ لَكَ رَقَبَتُهُ، وَذَلَّ لَكَ جَسَدُهُ، وَفَاضَتْ لَكَ عَيْنُهُ، وَرَغِمَ لَكَ أَنْفُهُ» . (وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ) لِمَا رَوَى عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ الطَّائِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ ووقف معنا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» ، وَقَضَى تَفَثُهُ. رَوَاهُ
مِنْ هَذَا الْوَقْتِ وَلَوْ لَحْظَةً وَهُوَ مُسْلِمٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَمَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ، فَاتَهُ الْحَجُّ. وَمَنْ وَقَفَ بِهَا نَهَارًا وَدَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ وَإِنْ وَافَاهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQالْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَفَظُهُ لَهُ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ كَافَّةِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَكَانَ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ كَمَا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَتَرْكُ الْوُقُوفِ فِيهِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ وَقْتًا كَمَا بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ وَقْتُ الْفَضِيلَةِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّةَ وَأَبُو حَفَصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ: أَوَّلُهُ مِنَ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْقُرْطُبِيُّ إِجْمَاعًا، وَفِيهِ نَظَرٌ. (فَمَنْ حَصَّلَ بِعَرَفَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ، وَلَوْ لَحْظَةً، وَهُوَ مُسْلِمٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ) سَوَاءٌ كَانَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا، وَلَوْ نَائِمًا، صَحَّحَهُ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَجَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ، أَوْ مَارًّا مُجْتَازًا وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا عَرَفَةُ فِي الْأَصَحِّ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ سَكْرَانِ، وَمُغْمًى عَلَيْهِ فِي الْمَنْصُوصِ بِخِلَافِ إِحْرَامٍ وَطَوَافٍ. وَيَتَوَجَّهُ: فِي سَعْيٍ مِثْلُهُ، وَلَا مَجْنُونٍ بِخِلَافِ رَمْيِ جِمَارٍ وَمَبِيتٍ (وَمَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ فَاتَهُ الْحَجُّ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْحَجُّ عَرَفَةُ فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ رَكَنٌ لِلْعِبَادَةِ فَلَمْ يَتِمُّ بِدُونِهِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. فَرْعٌ: إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْقِفِ مِقْدَارُ صَلَاةٍ، صَلَّاهَا صَلَاةَ خَائِفٍ فِي الْأَظْهَرِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، (وَمَنْ وَقَفَ بِهَا) أَيْ: بِعَرَفَةَ نَهَارًا، (وَوَقَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) أَيْ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُقُوفُ بِهَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي ذَلِكَ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ بِهَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَقَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . وَظَاهِرُهُ صِحَّةُ حَجِّهِ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ قَالَ: لَا حَجَّ لَهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا
[الدفع إلى مزدلفة]
لَيْلًا، فَوَقَفَ بِهَا، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ. ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى مُزْدَلِفَةَ، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً، أَسْرَعَ، فَإِذَا وَصَلَ مُزْدَلِفَةَ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ. فَإِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الطَّرِيقِ، تَرَكَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَهُ، وَمَنْ فَاتَتْهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنَ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِقَوْلِهِ، وَمِمَّنْ أَوْجَبَ الدَّمَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَيُجْزِئُهُ شَاةٌ، وَمَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَعُدْ قَبْلَ الْغُرُوبِ إِلَيْهَا، وَفِي " الْإِيضَاحِ ": قَبْلَ الْفَجْرِ، وَقِيلَ: إِنْ عَادَ مُطْلَقًا، وَفِي " الْوَاضِحِ ": وَلَا عُذْرَ، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ دَمٌ لِوَاقِفٍ لَيْلًا، وَعَنْهُ: يَلْزَمُ مَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ (وَإِنْ وَافَاهَا لَيْلًا فَوَقَفَ بِهَا، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ) وَحَجُّهُ تَامٌّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا مِنَ النَّهَارِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ كَمَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ مِنْهُ [الدَّفْعُ إِلَى مُزْدَلِفَةَ] (ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى مُزْدَلِفَةَ) سُمِّيَتْ بِهِ مِنَ الزَّلَفِ، وَهُوَ التَّقَرُّبُ؛ لِأَنَّ الْحجاجَّ إِذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ ازْدَلَفُوا إِلَيْهَا أَيْ: تَقَرَّبُوا، وَمَضَوْا إِلَيْهَا، وَتُسَمَّى جَمْعًا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا، (وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ) قَالَ: أَبُو حَكِيمٍ مُسْتَغْفِرًا، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَكُونُ فِي طَرِيقِهِ مُلَبِّيًا، وَيَذْكُرُ اللَّهَ - تَعَالَى - لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، «وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ بِالزِّمَامِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، وَفِيهِ أَرْدَفَ الْفَضْلُ، وَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» (فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً أَسْرَعَ) لِقَوْلِ أُسَامَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ أَيْ: أَسْرَعَ» قَالَ: هِشَامٌ النَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (فَإِذَا وَصَلَ إِلَى مُزْدَلِفَةَ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. رَوَاهُ جَابِرٌ وَابْنُ عُمَرَ، وَأُسَامَةُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بِإِقَامَتَيْنِ فَقَطْ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى
الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ بِعَرَفَةَ، جَمَعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ يَبِيتُ بِهَا، فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ دَفَعَ بَعْدَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَافَاهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQإِقَامَةٍ لِلْأُولَى فَلَا بَأْسَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَمَعَ بَيْنِهِمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَإِنْ أَذَّنَ لِلْأُولَى، وَأَقَامَ لِلثَّانِيَةِ، فَحَسَنٌ قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " فَإِنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ جَابِرٍ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِزِيَادَةِ، وَكَسَائِرِ الْفَوَائِتِ، وَالْمَجْمُوعَاتِ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَاخْتَارَ الْخِرَقِيُّ الْأَوَّلُ، وَفِيهِ شَيْءٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ أُسَامَةَ أَعْلَمُ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رَدِيفَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِلْأُولَى؛ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا بِخِلَافِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ بِعَرَفَةَ، وَالسُّنَّةُ أَنْ لَا يَتَطَوَّعَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ (فَإِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الطَّرِيقِ تَرَكَ السُّنَّةَ) الْمَأْثُورَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، (وَأَجْزَأَهُ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ صَلَاتَيْنِ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جَازَ التَّفْرِيقُ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، (وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ بِعَرَفَةَ جَمَعَ وَحْدَهُ) لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ فِي الْأُولَى إِجْمَاعٌ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا تُصَلَّى فِي وَقْتِهَا، وَلِأَنَّ كُلَّ جَمْعٍ جَازَ مَعَ الْإِمَامِ جَازَ مُنْفَرِدًا كَالْجَمْعِ فِي السَّفَرِ، (ثُمَّ يَبِيتُ بِهَا) وَهُوَ، وَاجِبٌ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَاتَ بِهَا، وَقَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وَسَمَّاهَا مَوْقِفًا (فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) ؛ لِأَنَّ مَبِيتَ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْ أَكْثَرِهِ بِهَا وَاجِبٌ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَيَكُونُ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ فَيَجِبُ الدَّمُ إِذَا لَمْ يَعُدْ لَيْلًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُبْ كَرُعَاةٍ وَسُقَاةٍ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالسَّاهِي، وَالْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ لِتَرْكِهِ النُّسُكَ. (وَإِنْ دَفَعَ بَعْدَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «أَرْسَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ فَاتَ مُعْظَمُ اللَّيْلِ، وَالْمُعْظَمُ كَالْكُلِّ فَلَمْ يَكُنْ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ (وَإِنْ وَافَاهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَلَا شَيْءَ
شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ جَاءَ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَحَدُّ الْمُزْدَلِفَةِ: مَا بَيْنَ الْمَأْزِمَيْنِ، وَوَادِي مُحَسِّرٍ، فَإِذَا أَصْبَحَ، صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَيَرْقَى عَلَيْهِ، أَوْ يَقِفُ عِنْدَهُ وَيَحْمَدُ اللَّهَ وَيُكَبِّرُ وَيَدْعُو، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ كَمَا وَقَفْتَنَا فِيهِ، وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ، فَوُفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكَ وقولك الحق {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198] {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199] إِلَى أَنْ يُسْفِرَ ثُمَّ يَدْفَعُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسْرَعَ قَدْرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا مِنَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ، كَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ لَيْلًا، (وَإِنْ جَاءَ بَعْدَ الْفَجْرِ) أَيْ: طُلُوعِهِ (فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، وَهُوَ الْمَبِيتُ بِهَا، وَلَا بَأْسَ بِتَقْدِيمِ الضَّعَفَةِ وَالنِّسَاءِ لِقَوْلِ «ابْنِ عَبَّاسٍ: كُنْتُ فِيمَنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّفْقِ بِهِمْ، وَدَفْعِ الْمَشَقَّةِ عَنْهُمْ (وَحَدُّ الْمُزْدَلِفَةِ: مَا بَيْنَ الْمَأْزِمَيْنِ) أَيْ: مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ، وَهُمَا جَبَلَانِ، (وَوَادِي مُحَسِّرٍ) وَمَا عَلَى يَمِينِ ذَلِكَ، وَشِمَالِهِ مِنَ الشِّعَابِ، وَنَبَّهَ الْمُؤَلِّفُ عَلَى ذَلِكَ لِيُعَلِّمَكَ أَنَّ أَيَّ مَوْضِعٍ وَقَفَ مِنْهَا، أَجْزَأَهُ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَفَ بِجَمْعٍ، وَقَالَ: ارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ» (فَإِذَا أَصْبَحَ صَلَّى الصُّبْحَ) بِأَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ (بِغَلَسٍ) «لِقَوْلِ جَابِرٍ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الصُّبْحَ بِهَا حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ» ، وَلِيَتَتَبَّعَ وَقْتَ الْوُقُوفِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ. 1 - (ثُمَّ يَأْتِي الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ) سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَجِّ (فَيَرْقَى عَلَيْهِ) إِنْ أَمْكَنَهُ (أَوْ يَقِفُ عِنْدَهُ وَيَحْمَدُ اللَّهَ وَيُكَبِّرُهُ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198] وَفِي «حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ: النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَرَقِيَ عَلَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَهَلَّلَهُ وَكَبَّرَهُ» ، (وَيَدْعُو فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ كَمَا وَقَفْتَنَا فِيهِ، وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكَ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ» {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198] {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199] وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ (إِلَى أَنْ يُسْفِرَ) «لِحَدِيثِ جَابِرٍ: فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا» (ثُمَّ يَدْفَعُ) مِنْ مُزْدَلِفَةَ
رَمْيَةِ حَجَرٍ. ثُمَّ يَأْخُذُ حَصَى الْجِمَارِ مِنْ طَرِيقِهِ، أَوْ مِنْ مُزْدَلِفَةَ، وَمِنْ حَيْثُ أَخَذَهُ، جَازَ، وَيَكُونُ أَكْبَرَ مِنَ الْحِمَّصِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ، وَعَدَدُهُ سَبْعُونَ حَصَاةً، فَإِذَا وَصَلَ إِلَى مِنًى، وَحْدَهَا مِنْ وَادِي مُحَسِّرٍ إِلَى الْعَقَبَةِ بَدَأَ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِهِ، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَقَالَ عُمَرُ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالَفَهُمْ فَأَفَاضَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا) وَهُوَ وَادٍ بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، وَسُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْسَرُ سَالِكَهُ (أَسْرَعَ) إِنْ كَانَ رَاجِلًا أَوْ حَرَّكَ مَرْكُوبَهُ إِنْ كَانَ رَاكِبًا «لِقَوْلِ جَابِرٍ: فَلَمَّا أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ حَرَّكَ قَلِيلًا» . قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الْإِمْلَاءِ ": لَعَلَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِسِعَةِ الْمَوْضِعِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مَأْوَى الشَّيَاطِينِ (قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ) قَالَ الْأَصْحَابُ: وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَيُلَبِّي مَعَ ذَلِكَ. (وَيَأْخُذُ حَصَى الْجِمَارِ مِنْ طَرِيقِهِ، أَوْ مِنْ مُزْدَلِفَةَ) لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عِنْدَ قُدُومِهِ إِلَى مِنًى بِغَيْرِ الرَّمْيِ، فَإِنَّهُ تَحِيَّةُ مِنًى، كَمَا أَنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ الْبَيْتُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُهُ مَنْ جَمْعٍ، وَفَعَلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَلِأَنَّهُ إِذَا أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ مِنًى كَانَ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ رُمِيَ بِهِ (وَمِنْ حَيْثُ أَخَذَهُ جَازٌ) قَالَهُ أَحْمَدُ، وَلَا خِلَافَ فِي الْإِجْزَاءِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِابْنِ عَبَّاسٍ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ «الْقُطْ لِي حَصًا فَلَقَطْتُ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ مِنْ حَصَا الْخَذَفِ، فَجَعَلَ يُنَفُضْهُنَّ فِي كَفِّهِ، وَيَقُولُ: مِثْلِ هَذَا فَارْمُوا» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَيُكْرَهُ مِنَ الْحَرَمِ، وَتَكْسِيرِهِ، وَكَذَا مِنَ الْحَشِّ قَالَهُ فِي " الْفُصُولِ " (وَيَكُونُ أَكْبَرَ مِنَ الْحِمَّصِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ) كَحَصَى الْخَذَفِ لِقَوْلِ جَابِرٍ: كُلُّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلُ حَصَى الْخَذَفِ، (وَعَدَدُهُ سَبْعُونَ حَصَاةً) ؛ لِأَنَّهُ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ بِسَبْعٍ، وَبَاقِيهَا فِي أَيَّامِ مِنًى كُلَّ يَوْمٍ بِإِحْدَى وَعِشْرِينَ، كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعٍ، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ مَا ذَكَرَهُ. 1 - (فَإِذَا وَصَلَ إِلَى مِنًى) سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قُدِّرَ فِيهَا مَوْتُ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا (وَحَدُّهَا مِنْ وَادِي مُحَسِّرٍ إِلَى الْعَقَبَةِ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنَ مِنًى؛ لِأَنَّ الْحَدَّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ، وَيُسْتَحَبُّ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْوُسْطَى الَّتِي
حَصَيَاتٍ، وَاحِدَةٍ بَعْدَ وَاحِدَةٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَرْفَعُ يَدَهُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبِطِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (بَدَأَ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) هِيَ آخِرُ الْجَمَرَاتِ مِمَّا يَلِي مِنًى وَأَوَّلُهَا مِمَّا يَلِي مَكَّةَ، وَهِيَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ وَبِهَا سُمِّيَتْ فَصَارَ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَدَأَ بِهَا، وَلِأَنَّهَا تَحِيَّةٌ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْهَا شَيْءٌ كَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ (فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) رَاكِبًا إِنْ كَانَ، وَالْأَكْثَرُ مَاشِيًا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَاحِدَةٌ بَعْدَ وَاحِدَةٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَنَقَلَ حَرْبٌ: يَرْمِي ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا» ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَابْنَ عُمَرَ كَانَا يَقُولَانِ ذَلِكَ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا وَضَعَهَا مِنْ غَيْرِ رَمْيٍ لَا يُجْزِئُهُ لِعَدَمِ الرَّمْيِ بَلْ لَوْ طَرَحَهَا أَجْزَأَتْ. وَظَاهِرُ " الْفُصُولِ " لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْمِ، فَلَوْ رَمَاهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، لَمْ تُجْزِئْهُ عَنْها وَيُؤَدَّبُ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، فَيُجْزِئُهُ عَنْ وَاحِدَةٍ، وَيُكَمِّلُ السَّبْعَ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُهَا، وَاسْتَحَبَّهُ " الْخِرَقِيُّ " فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي حَجَرٍ كَبِيرٍ وَجْهَانِ، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِي، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَرْمِي عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ، لِفِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَلَهُ الرَّمْيُ مِنْ فَوْقِهَا لِفِعْلِ عُمَرَ، وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ، (وَيَرْفَعُ يَدَهُ) قَالَ: جَمَاعَةٌ يُمْنَاهُ (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبِطِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى الرَّمْيِ، وَأَمْكَنُ، وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ حُصُولِهَا فِي الْمَرْمَى، فَلَوْ رَمَاهَا فَوَقَعَتْ فِي غَيْرِ الْمَرْمَى فَتَدَحْرَجَتْ حَصَاةٌ بِسَبَبِهَا، فَوَقَعَتْ فِيهِ أَوِ الْتَقَطَهَا طَائِرٌ بَعْدَ رَمْيِهَا قَبْلَ وُصُولِهَا، لَمْ يُجْزِئْهُ فَلَوْ وَقَعَتْ فِي مَكَانٍ صُلْبٍ، ثُمَّ تَدَحْرَجَتْ إِلَيْهِ أَوْ وَقَعَتْ عَلَى ثَوْبِ إِنْسَانٍ فَنَفَضَهَا مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يُجْزِئُهُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْأَوَّلِ انْقَطَعَ، فَلَوْ رَمَاهَا وَشَكَّ
وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا. وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ، فَإِنْ رَمَى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِ الْحَصَى أَوْ حَجَرٍ رَمَى بِهِ مَرَّةً لَمْ يُجْزِئْهُ، وَيَرْمِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنْ رَمَى بَعْدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي وُقُوعِهَا فِيهِ، لَمْ يَسْقُطْ. وَعَنْهُ: بَلَى، ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّا، وَقِيلَ: يَكْفِي الظَّنُّ بِوُقُوعِهَا فِيهِ. فَرْعٌ: إِذَا عَجَزَ عَنِ الرَّمْيِ جَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ، فَإِذَا رَمَى، ثُمَّ تَرَكَ لَمْ يَلْزَمْهُ إِعَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ سَقَطَ عَنْهُ (وَلَا) يُسَنُّ أَنْ (يَقِفُ عِنْدَهَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ انْصَرَفَ، وَلَمْ يَقِفْ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مَعْنَاهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِضِيقِ الْمَكَانِ (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ) فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ لِمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» أَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَلِأَنَّهُ كَانَ رَدِيفَهُ، فَهُوَ أَعْلَمُ بِحَالِهِ، وَفِي لَفْظٍ: قَطَعَ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ. رَوَاهُ حَنْبَلٌ فِي " الْمَنَاسِكِ " وَلِأَنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِهِ فَشَرَعَ قَطْعَهَا فِي ابْتِدَائِهِ، كَالْمُعْتَمِرِ يَقْطَعُهَا بِالشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ (فَلَوْ رَمَى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَرْمِ إِلَّا بِالْحَصَى، وَهُوَ تَعَبُّدِيٌّ، وَعَنْهُ: بَلَى، فَإِنْ رَمَى بِخَاتَمٍ فَصُّهُ حَصَاةٌ، فَوَجْهَانِ (أَوْ غَيْرُ الْحَصَى) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ نَحْوَ الْكُحْلِ، وَالرُّخَامِ، وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ شُرَطَهُ الْحَجَرِيَّةُ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْجَوَاهِرُ الْمُنْطَبِعَةُ، وَالزَّبَرْدَجُ، وَالْيَاقُوتُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعَنْهُ: تُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَعَنْهُ: تُجْزِئُ مَعَ الْجَهْلِ لَا الْقَصْدِ، لَكِنَّ الرُّخَامَ وَالْكِدَانَ صَرَّحَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِالْإِجْزَاءِ، فِيهِ فَدَلَّ أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْأَحْجَارِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْحَجَرَ الْكَبِيرَ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِوُجُودِ الْحَجَرِيَّةِ، وَكَذَا الْقَوْلَانِ فِي الصَّغِيرِ قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " (أَوْ حَجَرٍ رمى بِهِ مَرَّةً لَمْ يُجْزِئْهُ) فِي
[نحر الهدي]
نِصْفِ اللَّيْلِ، أَجْزَأَهُ. ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ. وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ مِنْ جَمِيعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِي عِبَادَةٍ فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ ثَانِيًا كَمَاءِ الْوُضُوءِ، وَلِأَخْذِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ الْمَرْمى، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَمَا احْتِيجَ إِلَى أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ مَكَانِهِ، (وَيَرْمِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا لِقَوْلِ جَابِرٍ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى الْجَمْرَةَ ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: يُسَنُّ بَعْدَ الزَّوَالِ (فَإِنْ رَمَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ) أَيْ: لَيْلَةَ الْأَضْحَى (أَجْزَأَهُ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ، وَأَفَاضَتْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: نَصُّهُ لِلرِّعَاءِ خَاصَّةً الرَّمْيَ لَيْلًا، نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ فَكَانَ وَقْتًا لِلرَّمْيِ كَبَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالْأَخْبَارُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْاسْتِحْبَابِ فَإِنْ أَخَّرَهُ إِلَى آخَرِ النَّهَارِ جَازَ، فَإِنْ غَرَبَتْ قَبْلَهُ فَمِنْ غَدٍ بَعْدَ الزَّوَالِ. [نَحْرُ الْهَدْيِ] (ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا) وَاجِبًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا (إِنَّ كَانَ مَعَهُ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ أَيْ: بَقِيَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ» ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ وَاجِبٌ، اشْتَرَاهُ، وَنَحَرَهُ، وَإِلَّا فَإِنْ أَحَبَّ الْأُضْحِيَةَ اشْتَرَى مَا يُضَحِّي بِهِ. قَوْلُهُ " ثُمَّ يَنْحَرُ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْإِبِلِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ، فَيُذْبَحُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ أَنَّ الْأَوْلَى فِي الْهَدْيِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْإِبِلِ اقْتِدَاءً بِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا إِشْكَالَ فِي مَسْنُونِيَّتِهِ وَسَوْقِهِ وَوُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ؛ لِيَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَسَيَأْتِي. [حَلْقُ الشَّعْرِ] (وَيَحْلِقُ) بَعْدَ النَّحْرِ فَالْوَاوُ: بِمَعْنَى ثُمَّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مِنًى فَدَعَا بِذِبْحٍ فَذَبَحَ ثم دَعَا بِالْحَلَّاقِ فَأَخَذَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ فَجَعَلَ يُقَسِّمُهُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ، ثُمَّ حَلَقَ شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْسَرَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، فَمِنْ ثَمَّ تُسْتَحَبُّ الْبِدَاءَةُ بِأَيْمَنِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْلُغَ الْعَظْمَ الَّذِي عِنْدَ مُنْقَطَعِ الصُّدْغِ مِنَ الْوَجْهِ، وَيَسْتَقْبِلُ
شِعْرِهِ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ بَعْضُهُ كَالْمَسْحِ، وَالْمَرْأَةُ تَقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ، ثُمَّ قَدْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْقِبْلَةَ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: وَيَدْعُو، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": يِكَبِّرُ وَقْتَ الْحَلْقِ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ، قَالَ أَبُو حَكِيمٍ: وَلَا يُشَارِطُهُ عَلَى أُجْرَةٍ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ (أَوْ يُقَصِّرُ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِدُعَائِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْمُحَلِّقِينَ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ. وَظَاهِرُهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ حَلَقَ، وَبَعْضَهُمْ قَصَّرَ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَلَكِنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ بِلَا تَرَدُّدٍ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعِبَادَةِ، وَأَدَلُّ عَلَى صِدْقِ النِّيَّةِ، وَيَكُونُ التَّقْصِيرُ مِنْ جَمِيعِ الشَّعْرِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27] وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الْحَلْقِ فَاقْتَضَى التَّعْمِيمَ لِلْأَمْرِ بِالتَّأَسِّي قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ بِعَيْنِهَا قَالَ جَمَاعَةٌ: وَيَكُونُ مِقْدَارُ الْأُنْمُلَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ (وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ بَعْضُهُ كَالْمَسْحِ) قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيُجْزِئُ مَا نَزَلْ عَنْ رَأْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شَعْرِهِ بِخِلَافِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ رَأْسًا ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " وَ " الْخِلَافِ " قَالَ: وَلَا يُجْزِئُ شَعْرُ الْأُذُنِ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُجْزِئْ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ تَقْصِيرُ جَمِيعِهِ. فَائِدَةٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَالْأَكْثَرِ أَنَّ مَنْ لَبَّدَ أَوْ ضَفَّرَ أَوْ عَقَصَ، فَكَغَيْرِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيَحْلِقْ أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ: لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّقْصِيرُ مِنْ كُلِّهِ لِاجْتِمَاعِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ إِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى النَّدْبِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَظْفَارِهِ وَشَارِبِهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَلَّمَ أَظْفَارَهُ بَعْدَ حَلْقِ رَأَسِهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: وَلِحْيَتِهِ، فَإِنْ عَدِمَ ذَلِكَ اسْتَحَبَّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى، وَقَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي خِتَانٍ. (وَالْمَرْأَةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَيْسَ عَلَى
حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ، وَعَنْهُ: إِلَّا الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ، وَالْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ نُسُكٌ إِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالنِّسَاءِ حَلْقٌ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ الْحَلْقَ فِي حَقِّهِنَّ مُثْلَةٌ، فَعَلَى هَذَا تُقَصِّرُ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: تَجْمَعُ شَعْرَهَا إِلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ مِنْ أَطْرَافِهِ قَدْرَهَا، وَفِي مَنْسَكِ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ: يَجِبُ أُنْمُلَةٌ، وَالْأَشْهَرُ يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْهَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفِ لِحُكْمِ الْعَبْدِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي " الْوَجِيزِ " بِأَنَّ حُكْمَهُ كَالْمَرْأَةِ، وَأَنَّهُ يُقَصِّرُ، وَلَا يَحْلَقُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ تَنْقُصُ قِيمَتُهُ، (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ) بَعْدَ الرَّمْيِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ (كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَحَلَقَ رَأْسَهُ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَلِأَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مَعْنَاهُ. فَعَلَى هَذَا لَا يُبَاحُ لَهُ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ مِنْهُنَّ مِنَ الْقُبْلَةِ، وَاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ. قَالَ الْقَاضِي وَابْنُهُ وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ: وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَعَقْدُ النِّكَاحِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ حِلُّهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَهُ عَنْ أَحْمَدَ. (وَعَنْهُ) : يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ (إِلَّا الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ) ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْمَرْأَةِ ظَاهِرٌ فِي وَطْئِهَا، وَلِأَنَّهُ أَغْلَظُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَيُفْسِدُ النُّسُكَ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ فِي الْمُتَمَتِّعِ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ، حَلَّ لَهُ بِدُخُولِهِ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ. رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الْوَطْءِ أَشْبَهَ الْقُبْلَةَ (وَالْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ نُسُكٌ) مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27] فَوَصَفَهُمْ وَامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَدَلَّ أَنَّهُ مِنَ الْعِبَادَةِ مَعَ قَوْلِهِ {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: 29] قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْحَلْقُ، وَقِيلَ: بَقَايَا أَفْعَالِ الْحَجِّ مِنَ الرَّمْيِ وَنَحْوِهِ، وَلِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِقَوْلِهِ «فَلْيُقَصِّرْ أَوْ لِيُحَلِّلْ» وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا لَمْ يَتَوَقَّفِ الْحِلُّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ وَلِلْمُقَصِّرِينَ، وَفَاضَلَ
[يحصل التحلل بالرمي وحده]
أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ مِنًى، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهِ. وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِالرَّمْيِ وَحْدَهُ، فَإِنْ قَدَّمَ الْحَلَقَ عَلَى الرَّمْيِ أَوِ النَّحْرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQبَيْنَهُمْ فَلَوْلَا أَنَّهُ نُسُكٌ لَمَا اسْتَحَقُّوا لِأَجْلِهِ الدُّعَاءَ، وَلَمَا وَقَعَ التَّفَاضُلُ فِيهِ، إِذْ لَا مُفَاضَلَةَ فِي الْمُبَاحِ. فَعَلَى هَذَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَيُذَمُّ بِتَرْكِهِ (إِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامٍ مِنًى فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا دَمَ عَلَيْهِ قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] فَبَيَّنَ أَوَّلَ وَقْتِهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ آخِرَهُ فَمَتَى أَتَى بِهِ أَجْزَأَ كَالطَّوَافِ، وَالثَّانِيَةُ: عَلَيْهِ دَمٌ قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ النُّسُكَ فِي وَقْتِهِ أَشْبَهَ تَأْخِيرَ الرَّمْيِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ تَأْخِيرَهُ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ تَأْخِيرُ النَّحْرِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ فَتَأْخِيرُهُ أَوْلَى، وَلَكِنَّ عِبَارَةَ " الشَّرْحِ " أَخَصُّ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ) «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَبِي مُوسَى حِينَ قَالَ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حِلَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ مَعْنَاهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَأَمَرَ بِالْحِلِّ مِنْ غَيْرِ حَلْقٍ وَلَا تَقْصِيرٍ، وَلَوْ كَانَ نُسُكًا، لَمَا أَمَرَ بِهِ إِلَّا بَعْدَهُ فَهُوَ كَاللِّبَاسِ، وَالطِّيبِ (لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهِ) وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِدُونِهِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهِ فِي أَيَّامِ مِنًى، وَبَيْنَ تَأْخِيرِهِ وَتَرْكِهِ، وَالْأَخْذُ مِنْ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ كَغَيْرِهِ. [يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِالرَّمْيِ وَحْدَهُ] (وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِالرَّمْيِ وَحْدَهُ) يُحْتَمَلُ أَنْ هَذَا تَكْمِلَةُ الرِّوَايَةِ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ التَّحَلُّلُ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالرَّمْيِ وَالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ، لِأَمْرِهِ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَطُوفَ وَيُقَصِّرَ ثُمَّ يُحِلَّ.» وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالرَّمْيِ وَحْدَهُ، صَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " لِقَوْلِهِ: «إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ، حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» وَتَحْقِيقُهُ أَنْ يُقَالَ هَلِ الْأَنْسَاكُ ثَلَاثَةٌ أَمِ اثْنَانِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَلِيهِ رَمْيٌ وَحَلْقٌ
جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ فَعَلَهُ عَالِمًا فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ثُمَّ يَخْطُبُ الْإِمَامُ خُطْبَةً يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا النَّحْرَ وَالْإِفَاضَةَ وَالرَّمْيَ. ثُمَّ يُفِيضُ إِلَى مَكَّةَ، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَطَوَافٌ، وَالثَّانِيَةُ: هُمَا نُسُكَانِ رَمْيٌ وَطَوَافٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِاثْنَيْنِ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَيَحْصُلُ الثَّانِي: بِفِعْلِ الثَّالِثِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ يَحْصُلُ الْأَوَّلُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالثَّانِي بِالثَّانِي فَعَلَيْهَا الْحَلْقُ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ، وَفِي " التَّعْلِيقِ " نُسُكٌ كَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ يَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ نُسُكٌ، وَيُحِلُّ قَبْلَهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ. «وَالسُّنَّةُ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَرْمِيَ ثُمَّ يَنْحَرُ ثُمَّ يَحْلِقُ ثُمَّ يَطُوفُ، يُرَتِّبُهَا كَذَلِكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ (وَإِنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْيِ أَوِ النَّحْرِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ، وَقَالَ آخَرُ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ» وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مَعْنَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِ فَالنَّاسِي مِثْلُهُ، وَكَذَا إِذَا زَارَ أَوْ نَحَرَ قَبْلَ رَمْيِهِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، (وَإِنْ فَعَلَهُ عَالِمًا) عَامِدًا (فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَإِسْحَاقَ لِإِطْلَاقِ مَا تَقَدَّمَ، وَالثَّانِيَةُ نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ: يَلْزَمُهُ دَمٌ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَتَّبَهَا وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ حَالَةُ الْجَهْلِ، وَالنِّسْيَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: " لَمْ أَشْعُرْ " فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ. وَظَاهِرُ نَقْلِ الْمَيْمُونِيِّ: يَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا نَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْإِخْلَالَ بِالتَّرْتِيبِ لَا يُخْرِجُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ عَنِ الْإِجْزَاءِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ الدَّمِ، (ثُمَّ يَخْطُبُ الْإِمَامُ خُطْبَةً) بِهَا يَوْمَ النَّحْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «خَطَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ جَمَاعَةٌ: بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِمَا رَوَى رَافِعُ بْنُ عَمْرٍو الْمُزْنِيُّ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، وَعَلَيٌّ يُعَبِّرُ عَنْهُ وَالنَّاسُ بَيْنَ
[الإفاضة من منى إلى مكة وطواف الزيارة]
وَيَطُوفُ لِلزِّيَارَةِ، وَيُعَيِّنُهُ بِالنِّيَّةِ، وَهُوَ الطَّوَافُ الْوَاجِبُ الَّذِي بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ، وَأَوَّلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَائِمٍ وَقَاعِدٍ، وَيَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ» قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا النَّحْرَ وَالْإِفَاضَةَ وَالرَّمْيَ) لِقَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاذٍ: «خَطَبْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنًى فَطَفِقَ يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَهُمْ حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ. وَعَنْهُ: لَا يَخْطُبُ يَوْمَئِذٍ نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّهَا تُسَنُّ فِي الْيَوْمِ قَبْلَهُ فَلَا يُسَنُّ فِيهِ. [الْإِفَاضَةُ مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّةَ وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ] (ثُمَّ يُفِيضُ إِلَى مَكَّةَ) «لِقَوْلِ عَائِشَةَ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ فَأَرَادَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ! قَالَ: اخْرُجُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيَطُوفُ لِلزِّيَارَةِ) هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ مِنًى فَيَزُورُ الْبَيْتَ، وَلَا يُقِيمُ بِمَكَّةَ، بَلْ يَعُودُ إِلَى مِنًى، وَيُسَمَّى طَوَافَ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ عِنْدَ إِفَاضَتِهِ مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّةَ، وَيُسَمَّى: طَوَافَ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّهُ يُصَدَرُ إِلَيْهِ مِنْ مِنًى، وَقِيلَ: طَوَافُ الصَّدْرِ هُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ إِذِ الصَّدْرُ رُجُوعُ الْمُسَافِرِ مِنْ مَقْصِدِهِ، (وَيُعَيِّنُهُ بِالنِّيَّةِ) لِخَبَرِ «الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ» ، وَلِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، وَهِيَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ (وَهُوَ الطَّوَافُ الْوَاجِبُ الَّذِي بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ) إِجْمَاعًا قَالَهُ ابْنُ عَبْدُ الْبَرِّ، لِقَوْلِهِ {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] وَقَوْلِهِ: أَحَابِسَتُنَا؟ فَدَلَّ أَنَّ هَذَا الطَّوَافَ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَأَنَّهُ حَابِسٌ لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ، وَوَصَفَهُ بِالتَّمَامِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ سِوَاهُ فَإِذَا أَتَى بِهِ حَصَلَ تَمَامُ الْحَجِّ. لَا يُقَالُ: النَّصُّ الْوَارِدُ فِي عَرَفَةَ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الطَّوَافُ، وَإِنَّ الْحَجَّ يَتِمُّ بِالْوُقُوفِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَمْ يَبْقَ حَجُّهُ مُتَعَرِّضًا لِلْفَوَاتِ، وَالطَّوَافُ رَكَنٌ فِيهِ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ فَرَضِيَّتَهُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَا يَطُوفُ لِلْقُدُومِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَطُوفُ لِلْقُدُومِ كَعُمْرَتِهِ بِلَا رَمَلٍ، ثُمَّ لِلزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ عند دُخُولُهُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ قَبْلَ فِعْلِهِ الرُّجُوعُ
وَقْتِهِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ وَعَنْ أَيَّامِ مِنًى جَازَ، ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أَوْ لَمْ يَكُنْ سَعَى مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَعَى، لَمْ يَسْعَ، ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَيَفْعَلُهُ عَقِبَ الْإِحْرَامِ، وَمَنَعَ فِي " الْمُغْنِي " مَسْنُونِيَّةَ هَذَا الطَّوَافِ، وَقَالَ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا وَافَقَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَى هَذَا الطَّوَافِ، بَلِ الْمَشْرُوعُ طَوَافٌ وَاحِدٌ لِلزِّيَارَةِ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَأُقِيمَتِ الْمَكْتُوبَةُ، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِهَا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ بِالْكُلِّيَّةِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا قَالَتْ: طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا، وَهَذَا هُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمَذْكُورُ طَوَافَ الْقُدُومِ لَأَخَلَّتْ بِذِكْرِ الْفَرْضِ الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْحَجِّ، وَحُكْمُ الْمَكِّيِّ إِذَا أَحْرَمَ مِنْهَا وَالْمُنْفَرِدِ وَالْقَارِنِ إِذَا لَمْ يَأْتِيَا مَكَّةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ كَالْمُتَمَتِّعِ. (وَأَوَّلُ وَقْتِهِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ) ؛ لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَمَتْ، ثُمَّ طَافَتْ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَوَافَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ فَرْسَخَانِ، وَعَنْهُ: أَوَّلُ وَقْتِهِ طُلُوعُ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَوَّلِ وَقْتِ الرَّمْيِ (وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ يَوْمَ النَّحْرِ) بَعْدَ الرَّمْيِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ، لِقَوْلِ جَابِرٍ: «ثُمَّ أَفَاضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ» ، وَقَدْ سَبَقَ حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ (فَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: طَوَافَ الزِّيَارَةِ (عَنْهُ) أَيْ: يَوْمَ النَّحْرِ (وَعَنْ أَيَّامِ مِنًى جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: أُمِرَ بِالطَّوَافِ مُطْلَقًا، فَمَتَى أَتَى بِهِ، صَحَّ بِغَيْرِ خِلَافٍ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ". وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَاخْتَارَ فِي " الْوَاضِحِ " وُجُوبَهُ بِلَا عُذْرٍ، وَلَا عَنْ أَيَّامِ مِنًى كَالسَّعْيِ، وَخرج الْقَاضِي وَغَيْرُهُ رِوَايَةً مِنَ الْحَلْقِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي سَعْيٍ. (ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا) ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ أَوَّلًا لِعُمْرَتِهِ فَيَشْرَعُ أَنْ يَسْعَى لِلْحَجِّ (أَوْ لَمْ يَكُنْ سَعَى مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ) وَهُوَ الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ، فَيَسْعَى؛ لِأَنَّهُ إِمَّا رُكْنٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ طَوَافٍ، لِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِمُتَابَعَتِهِ (وَإِنْ كَانَ قَدْ سَعَى) مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ (لَمْ يَسْعَ) لِقَوْلِ جَابِرٍ: لَمْ يَطُفِ
فَيَشْرَبُ مِنْهَا لِمَا أَحَبَّ، وَيَتَضَلَّعُ مِنْهُ وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، ـــــــــــــــــــــــــــــQالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا طَوَافُهُ الْأَوَّلُ. وَلِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ التَّطَوُّعُ بِالسَّعْيِ كَسَائِرِ الْأَنْسَاكِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ بِخِلَافِ الطَّوَافِ فَإِنَّهُ صَلَاةٌ (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلِّ شَيْءٍ) «لِقَوْلِ عُمَرَ لَمْ يُحِلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ شَيْءِ حَرِمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَتَمَّ هَدْيُهُ يَوْمَ النَّحْرِ فَأَفَاضَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرِمَ مِنْهُ» ، وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحِلَّ مُتَوَقِّفٌ عَلَى السَّعْيِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِرُكْنِيَّتِهِ، وَكَذَا إِنْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " وَصَاحِبُ " الْمُغْنِي " وَحَكَاهُ فِي " التَّلْخِيصِ " رِوَايَةً، وَإِنْ قُلْنَا بِسُنِّيَّتِهِ، فَفِي حِلِّهِ قَبْلَهُ وَجْهَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي " احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَجْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَالثَّانِي: لَا، وَقَطَعَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ "؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ فَيَأْتِي بِهِ فِي إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ (ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ مِنْهَا) «لِقَوْلِ جَابِرٍ: ثُمَّ أَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُمْ يَسْقُونَ، فَنَاوَلُوهُ، فَشَرِبَ مِنْهُ» ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ " وَيَرُشُّ عَلَى بَدَنِهِ، وَثَوْبِهِ (لِمَا أَحَبَّ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَبِي ذَرٍّ «إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» أَيْ: تُشْبِعُ شَارِبَهَا كَالطَّعَامِ (وَيَتَضَلَّعُ مِنْهُ) لِقَوْلِ ابْنِ
[الرجوع إلى منى والبيتوتة فيها]
وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مَنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي، وَامْلَأْهُ مِنْ خَشْيَتِكَ. فَصْلٌ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنًى، وَلَا يَبِيتُ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى، وَيَرْمِي الْجَمَرَاتِ بِهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ، كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَيَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى، وَهِيَ أَبْعَدُهُنَّ مِنْ مَكَّةَ وَتَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَسَارِهِ وَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَبَّاسٍ لِرَجُلٍ: تَضَلَّعْ مِنْهَا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ آيَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَا شَرِبْتَ مِنْهَا فَاسْتَقْبِلِ الْكَعْبَةَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، (وَيَقُولُ: «بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وَرِيًّا وَشِبَعًا وَشِفَاءً مَنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي وَامْلَأْهُ مِنْ خَشْيَتِكَ» ؛ لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِهِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِخَيْرِ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ " فَيُرْجَى لَهُ حُصُولُهُ، وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا شَرِبَ مِنْهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ. قَالَ: الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ إِنْ سَلِمَ مِنَ الْجَارُودِيِّ. [الرُّجُوعُ إِلَى مِنًى وَالْبَيْتُوتَةُ فِيهَا] فَصْلٌ (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنًى) فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ يَوْمَ النَّحْرِ نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «أَفَاضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَا يَبِيتُ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى) بَلْ يَبِيتُ بِمِنًى ثَلَاثَ لَيَالٍ (وَيَرْمِي الْجَمَرَاتِ بِهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُسَنُّ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَفِي " الْوَاضِحِ " بِطُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَّا ثَالِثَ يَوْمٍ (كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَيَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى وَهِيَ أَبْعَدُهُنَّ مِنْ مَكَّةَ، وَتَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَسَارِهِ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا)
قَلِيلًا فَيَقِفُ يَدْعُو اللَّهَ - تَعَالَى - وَيُطِيلُ، ثُمَّ يَأْتِي الْوُسْطَى، فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعٍ وَيَقِفُ عِنْدَهَا فَيَدْعُو، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعٍ وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي الْجَمَرَاتِ كُلِّهَا، وَالتَّرْتِيبُ شَرْطٌ فِي الرَّمْيِ، وَفِي عَدَدِ الْحَصَى رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: سَبْعٌ، وَالْأُخْرَى: يُجْزِئُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQإِلَى مَكَانٍ لَا يُصِيبُهُ الْحَصَى (فَيَقِفُ يَدْعُو اللَّهَ - تَعَالَى - وَيُطِيلُ، ثُمَّ يَأْتِي الْوُسْطَى فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعٍ، وَيَقِفُ عِنْدَهَا فَيَدْعُو) وَقَيَّدَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ (ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعٍ، وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِيَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي الْجَمَرَاتِ كُلِّهَا) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، فَيُطِيلُ الْمَقَامَ، وَيَتَضَرَّعُ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْأَوْلَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ قِيَامًا طَوِيلًا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ قِيَامًا طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ، وَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ» ، فَلَوْ تَرَكَ الْوُقُوفَ عِنْدَهَا، وَالدُّعَاءَ بَعْدُ تَرَكَ السُّنَّةَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يُطْعِمُ شَيْئًا، وَإِنْ أَرَاقَ دَمًا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَعْنَاهُ. (وَالتَّرْتِيبُ شَرْطٌ فِي الرَّمْيِ) يَعْنِي يَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الْأَوْلَى، ثُمَّ بِالَّتِي تَلِيهَا؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ يَتَكَرَّرُ فَكَانَ التَّرْتِيبُ شَرْطًا فِيهِ كَالسَّعْيِ، فَلَوْ نَكَّسَ فَبَدَأَ بِجَمْرَةٍ العقبة، ثُمَّ الثَّانِيَةِ ثُمَّ الْأَوْلَى، أَوْ بَدَأَ بِالْوُسْطَى، لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا الْأُولَى، وَأَعَادَ الْوُسْطَى وَالْقُصْوَى، نَصَّ عَلَيْهِ (وَفِي عَدَدِ الْحَصَى رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: سَبْعٌ) وَهِيَ الْمَذْهَبُ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ
خَمْسٌ فَإِنْ أَخَلَّ بِحَصَاةٍ وَاجِبَةٍ مِنَ الْأُولَى، لَمْ يَصِحَّ رَمْيُ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيِّ الْجَمَرَاتِ تَرَكَهَا، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ. وَإِنْ أَخَّرَ الرَّمْيَ كُلَّهُ، فَرَمَاهُ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، أَجْزَأَهُ، وَيُرَتِّبُهُ بِنْيَتِهِ، وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَوْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى مِنْ لَيَالِيَهَا، فَعَلَيْهِ دَمٌ وَفِي حَصَاةٍ أَوْ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مَا فِي حَلْقِ شَعْرَةٍ، وَلَيْسَ ـــــــــــــــــــــــــــــQابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ، وَفِعْلُهُ خَرَجَ بَيَانًا لِصِفَةِ الرَّمْيِ الْمَشْرُوعِ (وَالْأُخْرَى: يُجْزِئُهُ خَمْسٌ) إِذِ الْأَكْثَرُ يُعْطَى حُكْمَ الْكُلِّ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الصَّحَابَةِ التَّسَاهُلُ فِي الْبَعْضِ. وَعَنْهُ: سِتٌّ، لِمَا رَوَى سَعْدٌ قَالَ: «رَجَعْنَا مِنَ الْحَجَّةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسِتٍّ، وَبَعْضٌ يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسَبْعٍ فَلَمْ يَعِبْ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَعْنَاهُ (فَإِنْ أَخَلَّ بِحَصَاةٍ وَاجِبَةٍ مِنَ الْأُولَى، لَمْ يَصِحَّ رَمْيُ الثَّانِيَةِ) لِإِخْلَالِهِ بِالتَّرْتِيبِ الْمُشْتَرَطِ، فَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ وَاجِبَةٍ لَمْ يُؤَثِّرْ (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيِّ الْجَمَرَاتِ تَرَكَهَا بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) لِيَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا (وَإِنْ أَخَّرَ الرَّمْيَ كُلَّهُ) وَمِنْ جُمْلَتِهِ رَمْيُ يَوْمِ النَّحْرِ (فَرَمَاهُ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَجْزَأَهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الرَّمْيِ فَإِذَا أَخَّرَهُ إِلَى آخِرِ وَقْتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهِ، لَكِنَّهُ تَرَكَ السُّنَّةَ، وَيَكُونُ أَدَاءً؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: قَضَاءٌ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الْفِعْلِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: 29] ، فَلَوْ أَخَّرَ رَمْيَ يَوْمٍ إِلَى الْغَدِ رَمَى رَمْيَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، (وَيرتبهُ بِنِيَّتِهِ) وَمَعْنَاهُ أَنْ يَنْوِي الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عِبَادَاتٌ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيهَا مَعَ فِعْلِهَا فِي أَيَّامِهَا، فَوَجَبَ تَرْتِيبُهَا كَالْمَجْمُوعَتَيْنِ وَالْفَوَاتِ فِي الصَّلَوَاتِ. (وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) فَعَلَيْهِ دَمٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ تَرَكَ نُسُكًا وَاجِبًا كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْإِحْرَامَ عَنِ الْمِيقَاتِ، وَلَا يَأْتِي بِهِ كَالْبَيْتُوتَةِ بِمِنًى (أَوْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى مِنْ لَيَالِيَهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ) ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِوُجُوبِهِ، وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «لَمْ يُرَخِّصِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَحَدٍ يَبِيتُ بِمَكَّةَ إِلَّا الْعَبَّاسَ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا رَمَيْتَ الْجَمْرَةَ فَبِتْ حَيْثُ شِئْتَ، وَلِأَنَّهُ قَدْ حَلَّ مِنْ حَجِّهِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْمَبِيتُ بِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ. (وَعَنْهُ: يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، قَالَهُ
عَلَى أَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ وَالرِّعَاءِ مَبِيتٌ بِمِنًى. فَإِنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَهُمْ بِمِنًى، لَزِمَ الرِّعَاءُ الْمَبِيتُ دُونَ أَهْلِ السِّقَايَةِ وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْقَاضِي، (وَفِي حَصَاةٍ أَوْ) مَبِيتِ (لَيْلَةٍ مَا فِي حَلْقِ شَعْرَةٍ) عَلَى الْخِلَافِ أَمَّا أَوَّلًا فَظَاهِرُ نَقْلِ الْأَثْرَمِ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ قَالَهُ الْقَاضِي، وَعَنْهُ: عَمْدًا، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ دَمٌ، قَطَعَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَهُوَ خِلَافُ نَقْلِ الْجَمَاعَةِ، وَالْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ: فِي ثِنْتَيْنِ كَثَلَاثٍ فِي الْمَنْصُوصِ. وَعَنْهُ: وَاحِدَةُ هَدَرٌ، وَعَنْهُ: وَثِنْتَانِ، وَأَمَّا ثَانِيًا، فَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ، وَعَنْهُ: كَشَعْرَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ نُسُكًا بِمُفْرَدِهَا، بِخِلَافِ مُزْدَلِفَةَ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ شَيْءٌ. (وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ، وَالرِّعَاءِ مَبِيتٌ بِمِنًى) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ الْعَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو الْبَدَّاحِ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ يَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّهُمَا يَشْتَغِلُونَ بِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ، وَالرَّعْيِ، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا لَهُمُ الرَّمْيُ بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ. فَائِدَةٌ: أَهْلُ السِّقَايَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، وَالرِّعَاءُ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَهَاءٍ فِي آخِرِهِ، وَبِكَسْرِ الرَّاءِ مَمْدُودًا بِلَا هَاءٍ، وَهِيَ لُغَةُ الْقُرْآنِ. (فَإِنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَهُمْ بِمِنًى، لَزِمَ الرِّعَاءَ الْمَبِيتُ) ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْمَبِيتِ بِهَا إِنَّمَا كَانَ لِلْحَاجَةِ فَإِذَا غَرَبَتْ زَالَتْ حَاجَةُ الرِّعَاءِ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ النَّهَارُ، وَصَارَ كَالْمَرِيضِ الَّذِي سَقَطَ عَنْهُ حُضُورُ الْجُمْعَةِ لِمَرَضِهِ، فَإِذَا حَضَرَهَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ (دُونَ أَهْلِ السِّقَايَةِ) لِأَنَّهُمْ يَسْقُونَ لَيْلًا وَنَهَارًا. فَرْعٌ: مَنْ لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ أَوْ مَوْتَ مَرِيضٍ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَكَذَا عُذْرُ خَوْفٍ أَوْ مَرِضٍ كَالرِّعَاءِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ لِلْمَعْنَى (وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خُطْبَةً) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ قَالَا: «رَأَيْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ بَيْنَ أَوْسَطَ
التَّشْرِيقِ خُطْبَةٌ يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا حُكْمَ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ وَتَوْدِيعِهِمْ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ، خَرَجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِنْ غَرَبَتْ وَهُوَ بِهَا، لَزِمَهُ الْمَبِيتُ وَالرَّمْيُ مِنَ الْغَدِ. فَإِذَا أَتَى مَكَّةَ، لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِالطَّوَافِ إِذَا فَرَغَ مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَنَحْنُ عِنْدَ رَاحِلَتِهِ (يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا حُكْمَ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ وَتَوْدِيعَهُمْ) » ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ لِيُذَكِّرَ الْعَالِمَ، وَيُعَلِّمَ الْجَاهِلَ، نَقَلَ الْأَثْرَمُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: يَزُورُ الْبَيْتَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ مِنًى، وَمِنْهُمُ من يختار الْإِقَامَةُ بِمِنًى، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُفِيضُ كُلَّ لَيْلَةٍ» (فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ) أَيْ: يُعَجِّلُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهُوَ النَّفْرُ الْأَوَّلُ (خَرَجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203] وَالتَّخْيِيرُ هُنَا لِجَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، وَإِنْ كَانَ التَّأْخِيرُ أَفْضَلَ. وَظَاهِرُهُ يَشْمَلُ مُرِيدَ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ وَغَيْرَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَعَنْهُ: لَا يُعْجِبُنِي لِمَنْ نَفَرَ الْأَوَّلَ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ لِقَوْلِ عُمَرَ، وَحَمَلَهُ فِي " الْمُغْنِي " عَلَى الاستحباب محافظة على الْعُمُومِ، فَلَوْ عَادَ فَلَا يَضُرُّ رجوعه لِحُصُولِ الرُّخْصَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَيَدْفِنُ بَقِيَّةَ الْحَصَا فِي الْأَشْهَرِ. زَادَ بَعْضُهُمْ: فِي الْمَرْمَى، وَفِي مَنْسَكِ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ: يَرْمِي بِهِنَّ كَفِعْلِهِ فِي اللَّوَاتِي قَبْلَهُ (فَإِنْ غَرَبَتْ وَهُوَ بِهَا لَزِمَهُ الْمَبِيتُ وَالرَّمْيُ مِنَ الْغَدِ) ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَوَّزَ التَّعْجِيلَ فِي الْيَوْمِ، وَهُوَ اسْمٌ لِتَأَخُّرِ النَّهَارِ، فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْيَوْمِ فَهُوَ مِمَّنْ تَأَخَّرَ، وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ غَرَبَتْ لَهُ الشَّمْسُ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ بِمِنًى، فَلَا يَنْفِرْ حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِنَ الْغَدِ. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَيَكُونُ الرَّمْيُ بَعْدَ الزَّوَالِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيِّ: إِنَّهَا رِوَايَةٌ مَرْجُوحَةٌ فِيهِ بَعْدُ. وَعَنْهُ: أَوْ قَبْلَهُ، وَهُوَ النَّفْرُ الثَّانِي، لَكِنْ لَيْسَ لِلْإِمَامِ الْمُقِيمِ لِلْمَنَاسِكِ التَّعْجِيلُ لِأَجْلِ مَنْ يَتَأَخَّرُ قَالَهُ الْأَصْحَابُ. فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ نَفَرَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُحَصَّبَ، وَهُوَ الْأَبْطَحُ، وَحْدَهُ: مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إِلَى الْمَقْبَرَةِ، فَيُصَلِّي بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَيَهْجَعُ يَسِيرًا، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ،
[طواف الوداع]
جَمِيعِ أُمُورِهِ، فَإِنْ وَدَّعَ، ثُمَّ اشْتَغَلَ فِي تِجَارَةٍ أَوْ أَقَامَ، أَعَادَ الْوَدَاعَ وَمَنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، فَطَافَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ، أَجْزَأَهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ، فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً، وَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَنْزِلُونَ بِالْأَبْطَحِ» ، قَالَ: التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ وُجُوبِهِ. [طَوَافُ الْوَدَاعِ] (فَإِذَا أَتَى مَكَّةَ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِالطَّوَافِ إِذَا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَزْمِ عَلَى الْخُرُوجِ، وَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ، لَا وَدَاعَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ نَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ النَّفْرِ أَوْ بَعْدَهُ. وَمَنْ مَنْزِلُهُ فِي الْحَرَمِ فَهُوَ كَالْمَكِّيِّ، وَذُكِرَ فِي " التَّعْلِيقِ " وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَيْسَ مِنَ الْحَجِّ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِيمَنْ وَطِئَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ. ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُقَبِّلُ الْحَجَرَ قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " كُلَّمَا دَخَلَ (فَإِنْ وَدَّعَ ثُمَّ اشْتَغَلَ فِي تِجَارَةٍ) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَوْ شِرَاءِ حَاجَةٍ بِطَرِيقِهِ (أَوْ أَقَامَ) بَعْدَ الْوَدَاعِ لِغَيْرِ شَدِّ رَحْلٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (أَعَادَ الْوَدَاعَ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ قِيلَ لَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: وَدَّعَ ثُمَّ نَفَرَ يَشْتَرِي طَعَامًا يَأْكُلُهُ؟ قَالَ: لَا يَقُولُونَ حَتَّى يَجْعَلَ الرَّدْمَ، وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: لَا يَلْتَفِتُ فَإِنِ الْتَفَتَ، وَدَّعَ قَدَّمَهُ فِي " التَّعْلِيقِ " وَغَيْرِهِ، وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى النَّدْبِ، وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَابْنُ عَقِيلٍ: لَا يُوَلِّي ظَهْرَهُ حَتَّى يَغِيبَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، وَقَطَعَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ إِنْ قَضَى حَاجَةً فِي طَرِيقِهِ أَوِ اشْتَرَى زَادًا أَوْ شَيْئًا لِنَفْسِهِ فِي طَرِيقِهِ لَمْ يُعِدْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِقَامَةٍ. (وَمَنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، فَطَافَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ أَجْزَأَهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ، وَقَدْ فَعَلَهُ، وَلِأَنَّ مَا شُرِعَ لِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ يُجْزِئُ عَنْهُ الْوَاجِبُ مِنْ حَقِّهِ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَرَكْعَتِيِ الطَّوَافِ وَالْإِحْرَامِ
[الوقوف في الملتزم بين الركن والباب]
الْوَدَاعِ، رَجَعَ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، فَعَلَيْهِ دَمٌ إِلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لَا وَدَاعَ عَلَيْهِمَا. فَصْلٌ وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْوَدَاعِ، وَقَفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQتُجْزِئُ عَنْهُمَا الْمَفْرُوضَةُ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، لِاخْتِلَافِهِمَا كَالصَّلَاتَيْنِ الْوَاجِبَتَيْنِ، وَكَمَا لَوْ نَوَى بِطَوَافِهِ الْوَدَاعَ عَنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ تَرَكَهُ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ فَإِذَا تَرَكَهُ، وَرَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ رَجَعَ حَرَامًا عَنِ النِّسَاءِ إِنْ كَانَ قَدْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَإِلَّا فَحَرَامًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ. (فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَدَاعِ رَجَعَ إِلَيْهِ) مَعَ إِمْكَانِهِ لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ أَوْ بُعْدِهَا، وَلَيْسَ هُنَاكَ خَوْفٌ عَلَى نَفْسٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا فَوَاتِ رُفْقَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُ، فَإِنْ رَجَعَ الْقَرِيبُ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِحْرَامٌ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ لِإِتْمَامِ نُسُكٍ مَأْمُورٍ بِهِ، كَرُجُوعِهِ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَالْبَعِيدُ يُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ، وَيَأْتِي بِهَا، ثُمَّ يَطُوفُ لِوَدَاعِهِ، وَلَا يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ إِنْ كَانَ إِلَّا مُحْرِمًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ، وَفِي سُقُوطِ الدَّمِ عَنْهُ خِلَافٌ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) الرُّجُوعُ (فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ فِي الْحَجِّ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَصَلَ إِلَى بَلْده (إِلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لَا وَدَاعَ عَلَيْهِمَا) وَلَا فِدْيَةَ لِذَلِكَ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لِلنَّصِّ السَّابِقِ فِي الْحَائِضِ، وَالنُّفَسَاءُ مِثْلُهَا فِيمَا يَجِبُ وَيَسْقُطُ، لَكِنْ يُسَنُّ أَنْ تَقِفَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَتَدْعُو فَإِنْ طَهُرَتْ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْبُنْيَانِ اغْتَسَلَتْ، وَوَدَّعَتْ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا الْإِقَامَةُ فَمَضَتْ أَوْ مَضَتْ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهَا دَمٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يَلْزَمْهَا الرُّجُوعُ لِخُرُوجِهَا عَنْ حُكْمِ الْحَضَرِ. فَرْعٌ: إِذَا وَدَّعَ ثُمَّ أَقَامَ بِمِنًى، وَلَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ، جَازَ، وَإِنْ خَرَجَ غَيْرَ حَاجٍّ فَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيُّ الدِّينِ لَا يُوَدِّعُ. [الْوُقُوفُ فِي الْمُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ] فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ دُخُولُ الْبَيْتِ، فَيُكَبِّرُ فِي نَوَاحِيهِ، وَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَدْعُو اللَّهَ - تَعَالَى - لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالْحِجْرُ مِنْهُ. مُتَجَرِّدًا مِنَ الْخُفِّ وَالنَّعْلِ وَالسِّلَاحِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، وَالنَّظَرُ إِلَيْهِ عِبَادَةٌ، وَإِذَا نُزِعَتْ ثِيَابُهَا تُصُدِّقَ بِهَا قَالَهُ أَحْمَدُ، (وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْوَدَاعِ وَقَفَ
بَيْتُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِي فِي بِلَادِكَ حَتَّى بَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ لِي بَيْتَكَ، وَأَعَنْتَنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي، فَازْدَدْ عَلَيَّ رِضًا، وَإِلَّا فَمُنَّ الْآنَ قَبْلَ أَنْ يَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنَتْ لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ، وَلَا بِبَيْتِكَ، وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي، وَالصِّحَّةَ فِي جِسْمِي، وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي، وَأَجْمِعْ لِي بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي الْمُلْتَزَمِ) وَذَرْعُهُ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ (بَيْنَ الرُّكْنِ) وَهُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، (وَالْبَابِ) أَيْ: بَابِ الْكَعْبَةِ، فَيَلْتَزِمُهُ، وَيُلْصِقُ بِهِ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ، وَجَمِيعَهُ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «طُفْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا جَاءَ دُبُرَ الْكَعْبَةِ قُلْتُ: أَلَا تَتَعَوَّذْ؛ قَالَ: نُعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، فَقَامَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَوَضَعَ صَدْرَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ هَكَذَا، وَبَسْطَهُمَا بَسْطًا، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّهُ يَأْتِي الْحَطِيمَ، وَهُوَ تَحْتَ الْمِيزَابِ، فَيَدْعُو. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يَأْتِي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ مِنْهَا، وَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَيَنْصَرِفُ. رَوَاهُ مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ فَقَالَ فِي الْتِزَامِهِ: (اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُكَ وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِي فِي بِلَادِكَ حَتَّى بَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ إِلَى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَلَيَّ رِضًا وَإِلَّا فَمُنَّ الْآنَ) الْوَجْهُ فِيهِ ضَمُّ الْمِيمِ، وَتَشْدِيدُ النُّونِ عَلَى أَنَّهُ صِيغَةُ أَمْرٍ مِنْ مَنَّ: يَمُنُّ، وَيَجُوزُ فِيهِ كَسْرُ الْمِيمِ، وَفَتْحُ النُّونِ عَلَى أَنَّهَا حَرْفُ جَرٍّ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَالْآنَ: الْوَقْتُ الْحَاضِرُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ (قَبْلَ أَنْ يَنْأَى) أَيْ: يَبْعُدُ (عَنْ بَيْتِكَ دَارِي فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنْتَ لِي غَيْرَ مُسْتَبْدَلٍ بِكَ وَلَا بِبَيْتِكَ، وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي، وَالصِّحَّةَ فِي جِسْمِي، وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي، وَاجْمَعْ لِي بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وَهَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَحَكَاهُ فِي " الشَّرْحِ " عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ لَائِقٌ
[استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم]
وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا لَمْ تَدْخُلِ الْمَسْجِدَ وَوَقَفَتْ عِنْدَ بَابِهِ وَدَعَتْ. وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ اسْتُحِبَّ لَهُ زِيَارَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالْمَحَلِّ (وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) وَأَيُّ شَيْءٍ دَعَا بِهِ فَحَسَنٌ (وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ لَا يُرَدُّ حَيْثُ اقْتُرِنَ بِهَا (إِلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا لَمْ تَدْخُلِ الْمَسْجِدَ) ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ دُخُولِهِ، (وَوَقَفَتْ عِنْدَ بَابِهِ وَدَعَتْ) بِذَلِكَ أَوْ بِغَيْرِهِ إِذْ لَا مَحْذُورَ مِنْ ذَلِكَ، وَلِمُسَاوَاتِهَا الرَّجُلَ فِيهِ. [اسْتِحْبَابُ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ اسْتُحِبَّ لَهُ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طُرُقٍ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مِنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي» وَفِي رِوَايَةٍ وَصَحِبَنِي، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ مُطْلَقًا، لَكِنْ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ إِذَا حَجَّ لِلْفَرْضِ لَمْ يَمُرَّ بِالْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثُ الْمَوْتِ كَانَ فِي سَبِيلِ الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا بَدَأَ بِالْمَدِينَةِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -» . وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ تَحْصُلُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي» فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُقْتَضَاهَا التَّخْصِيصُ، وَرُوِيَ عَنِ الْعُتْبِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64] وَقَدْ جِئْتُكَ مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذَنْبِي مُسْتَشْفِعًا بِكَ إِلَى رَبِّي. ثُمَّ أَنْشَدَ يَقُولُ: يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ ... فَطَابَ مَنْ طيبِهِنَّ الْقَاعُ وَالْأَكَمُ نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ ... فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ
[فصل في صفة العمرة]
قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزِيَارَةُ قَبْرِ صَاحِبَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْعُمْرَةِ مَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ، خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ، فَأَحْرَمُ مِنْهُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ ـــــــــــــــــــــــــــــQثُمَّ انْصَرَفَ الْأَعْرَابِيُّ فَغَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا عُتْبِيُّ الْحَقِ الْأَعْرَابِيَّ، وَبشِّرْهُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ وَيَكُونُ فِي سَلَامِهِ مُسْتَقْبِلًا لَهُ لَا لِلْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُهَا، وَيَجْعَلُ الْحُجْرَةَ عَنْ يَسَارِهِ، وَيَدْعُو، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُهُ، وَيَدْعُو. وَظَاهِرُهُ قَرُبَ مِنَ الْحُجْرَةِ أَوْ بَعُدَ مِنْهَا، وَلَا يُسْتَحَبُّ تَمَسُّحَهُ بِحَائِطِ الْقَبْرِ، نَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: يَدْنُو مِنْهُ، وَلَا يَتَمَسَّحُ بِهِ يَقُومُ حِذَاءَهُ، فَيُسَلِّمُ، لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَرَخَّصَ فِي الْمِنْبَرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَرْتَقِي عَلَيْهِ (وَزِيَارَةُ قَبْرِ صَاحِبَيْهِ) أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ السَّلَامِ عَلَى سَيِّدِ الْبَشَرِ، يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا عُمَرُ الْفَارُوقُ السَّلَامُ عَلَيْكُمَا يَا صَاحِبَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَجِيعَيْهِ وَوَزِيرَيْهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَبَرَكَاتُهُ، اللَّهُمَّ اجْزِهِمَا عَنْ نَبِيِّهِمَا، وَعَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبَى الدَّارِ، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ قَبْرِ نَبِيِّكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمِنْ مَسْجِدِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. أَصْلٌ: لَا تُرْفَعُ الْأَصْوَاتُ عِنْدَ حُجْرَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَمَا لَا يُرْفَعُ فَوْقَ صَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي التَّوْقِيرِ، وَالْحُرْمَةِ كَحَيَاتِهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّ هَذَا أَدَبٌ مُسْتَحَبٌّ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ خِلَافًا لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ. [فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْعُمْرَةِ] ِ. مَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ، خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ فَأَحْرَمَ مِنْهُ) وَكَانَ مِيقَاتًا لَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الْمَكِّيَّ كُلَّمَا تَبَاعَدَ فِيهَا، فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ. (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ التَّنْعِيمِ) ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنْهُ
التَّنْعِيمِ فَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا مِنَ الْحَرَمِ، لَمْ يُجْزِ، وَيَنْعَقِدُ وَعَلَيْهِ دَمٌ، ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، وَقَدْ حَلَّ، وَهَلْ يُحِلُّ قَبْلَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. فصل وَتُجْزِئُ عُمْرَةُ الْقَارِنِ وَالْعُمْرَةُ مِنَ التَّنْعِيمِ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ» ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: «بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ» ، وَهُوَ أَدْنَى الْحِلِّ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ الْجَمْعُ فِي النُّسُكِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَأَفْعَالُ الْعُمْرَةِ كُلُّهَا فِي الْحَرَمِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ الْحَجِّ، لِافْتِقَارِهِ إِلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَهِيَ مِنَ الْحِلِّ، ثُمَّ الْجِعْرَانَةَ، ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةَ (فَإِنْ أَحْرَمُ بِهَا مِنَ الْحَرَمِ لَمْ يُجْزِ) لِمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (وَيَنْعَقِدُ) إِحْرَامُهُ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ، (وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَرْكِهِ الْوَاجِبِ، فَلَوْ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ قَبْلَ الطَّوَافِ، ثُمَّ عَادَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَعُمْرَتُهُ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِأَرْكَانِهَا، وَإِنَّمَا أَخَلَّ بِالْإِحْرَامِ مِنْ مِيقَاتِهَا، وَقَدْ جَبَرَهُ (ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ وَقَدْ حَلَّ) ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ فَيُحِلُّ بِفِعْلِ مَا ذُكِرَ كَحِلِّهِ مِنَ الْحَجِّ بِأَفْعَالِهِ، (وَهَلْ يُحِلُّ) مِنْهَا بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ (قَبْلَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَصْلُهُمَا هَلِ الْحِلَاقُ أَوِ التَّقْصِيرُ نُسُكٌ فِي الْعُمْرَةِ كَالْحَجِّ، أَمْ لَا؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ نُسُكٌ، لَمْ يُحِلَّ قَبْلَهُ كَالطَّوَافِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِنُسُكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ حَلَّ قَبْلَهُ كَالطِّيبِ. 1 - فَصْلٌ لَا يُكْرَهُ الِاعْتِمَارُ فِي السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَيُكْرَهُ الْإِكْثَارُ، وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا بِاتِّفَاقِ السَّلَفِ قَالَ أَحْمَدُ: إِنْ شَاءَ كُلَّ شَهْرٍ، وَقَالَ لَا بُدَّ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، وَفِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ يُمْكِنُ، وَاسْتَحَبَّهُ جَمَاعَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ تَكْرَارَهَا فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهَا تَعْدِلُ حَجَّةً، وَكَرِهَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ لِعُمْرَةِ تَطَوُّعٍ، وَإِنَّهُ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا صَحَابِيٌّ عَلَى عَهْدِهِ سِوَى عَائِشَةَ، لَا فِي رَمَضَانَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ اتِّفَاقًا، وَفِيهِ نَظَرٌ. (وَتُجْزِئُ عُمْرَةُ الْقَارِنِ وَالْعُمْرَةُ مِنَ التَّنْعِيمِ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) أَمَّا
[فصل أركان الحج]
فَصْلٌ أَرْكَانُ الْحَجِّ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ: الْوُقُوفُ ـــــــــــــــــــــــــــــQعُمْرَةُ الْمُتَمَتِّعِ فَتُجْزِئُ عَنْهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَأَمَّا عُمْرَةُ الْقَارِنِ - وَهُوَ الَّذِي جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ أَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ - لَا تُجْزِئُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] وَإِتْمَامُهَمَا: الْإِتْيَانُ بِأَفْعَالِهِمَا عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَلِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَائِشَةَ أَنْ تَعْتَمِرَ مِنَ التَّنْعِيمِ، وَلَوْ كَانَتْ عُمْرَتُهَا فِي قِرَانِهَا أَجْزَأَتْهَا لَمَا أَعْمَرَهَا بَعْدَهَا، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَامِلَةً، إِذْ لَا طَوَافَ فِيهَا، وَالثَّانِيَةُ - وَهِيَ الْأَصَحُّ -: أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهَا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَائِشَةَ لَمَّا قَرَنَتْ، وَطَافَتْ: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ عُمْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ أَتَى بِهَا صَحِيحَةً فَأَجْزَأَتْ كَعُمْرَةِ الْمُتَمَتِّعِ، وَلِأَنَّ عُمْرَةَ الْقَارِنِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ لِلْقَارِنِ، فَأَجْزَأَتْ كَالْحَجِّ، وَأَمَّا عُمْرَةُ عَائِشَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ فَإِنَّمَا كَانَتْ لِتَطْيِيبِ قَلْبِهَا، وَإِجَابَةِ مَسْأَلَتِهَا، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً، لِأَمَرَهَا هُوَ بِهَا قَبْلَ سُؤَالِهَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعُمْرَةَ الْمُفْرَدَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ تُجْزِئُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّ الْحَجَّ يُجْزِئُ مِنْ مَكَّةَ، فَالْعُمْرَةُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ فِي حَقِّ الْمُفْرِدِ أَوْلَى. وَالثَّانِيَةُ: لَا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَحْرَمَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَرُوِيَ: مِنْ الْجِعْرَانَةَ، وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ " النِّهَايَةِ " فِي غَيْرِ سَنَةِ الْقَضَاءِ. وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ مَرَّ بِهَا، أَوْ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ. [فَصْلٌ أَرْكَانُ الْحَجِّ] ِّ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَفَةَ، فَجَاءَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الْحَجُّ؟ قَالَ: الْحَجُّ عَرَفَةُ فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: مَا
وَالطَّوَافُ وَالْإِحْرَامُ وَالسَّعْيُ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ، وَأَنَّ السَّعْيَ سُنَّةٌ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِرُكْنِ، وَوَاجِبَاتِهِ سَبْعَةٌ: الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَالْوُقُوفُ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَرَى لِلثَّوْرِيِّ حَدِيثًا أَشْرَفَ مِنْهُ (وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] وَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ فِي شَأْنِ صَفِيَّةَ، وَأَنَّ الطَّوَافَ حَابِسٌ لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ، وَلَوْ تَرَكَهُ رَجَعَ مُعْتَمِرًا، نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ. (وَعَنْهُ: أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ: الْوُقُوفُ وَالطَّوَافُ) وَقَدْ تَقَدَّمَا (والإحرام) لِحَدِيثِ «الْأَعْمَالِ» وَلِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ نِيَّةِ الدُّخُولِ فِي الْحَجِّ فَلَمْ يَتِمَّ إِلَّا بِهِ، كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ، هَلْ هُوَ رُكْنٌ؟ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْمُحَرَّرِ ": أَوْ شَرْطٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: لَا نَعْرِفُ أَحَدًا مِنَ الْأَصْحَابِ قَالَ بِهِ، وَفِي كَلَامِ جَمَاعَةٍ مَا ظَاهِرُهُ رِوَايَةٌ بِجَوَازِ تَرْكِهِ، وَفِي " الْإِرْشَادِ " سُنَّةٌ، وَفِيهِ بُعْدٌ (وَالسَّعْيُ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تَجْرَاةَ أحد نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ: «اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ فِي الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ فَكَانَ رُكْنًا فِيهِمَا كَالطَّوَافِ، (وَعَنْهُ: أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ وَأَنَّ السَّعْيَ مِنْهُ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] وَنَفْيُ الْحَرَجِ عَنْ فَاعِلِهِ دَلِيلُ عَدَمِ وُجُوبِهِ، وَفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ " فَلَا جَنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا " وَهَذَا - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا - فَلَا يَنْحَطُّ عَنْ رُتْبَةِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ ذُو عَدَدٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ، فَلَمْ يَكُنْ رُكْنًا كَالرَّمْيِ (وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ فَكَانَ، وَاجِبًا كَطَوَافِ الْوَدَاعِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ تَرَكَهُ أَجْبَرَهُ بِدَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالثَّوْرِيِّ. قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": قَوْلُ الْقَاضِي أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَفِي " الشَّرْحِ " وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ دَلِيلَ مَنْ أَوْجَبَهُ دَلَّ عَلَى مُطْلَقِ الْوُجُوبِ، لَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ، وَحَدِيثُ حَبِيبَةَ يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمِّلِ، وَفِيهِ كَلَامٌ، ثُمَّ هُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ
[أركان العمرة]
بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ، وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَالْمَبِيتُ بِمِنًى، وَالرَّمْيُ وَالْحِلَاقُ، وَطَوَافُ الْوَدَاعِ وَمَا عَدَا هَذَا سُنَنٌ. وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ: الطَّوَافُ وَفِي الْإِحْرَامِ وَالسَّعْيِ رِوَايَتَانِ، وَوَاجِبُهَا الْحِلَاقُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. فَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا، لَمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَكْتُوبٌ، وَالْوَاجِبُ كَذَلِكَ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ؛ لِأَنَّ نَاسًا تَحَرَّجُوا مِنَ السَّعْيِ لِأَجْلِ صَنَمَيْنِ كَانَا بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، كَذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ. (وَوَاجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ: الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ) الْمُعْتَبَرُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذِكَرَ الْمَوَاقِيتَ، وَقَالَ: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهِنَّ» ، (وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ) ؛ لِأَنَّهُ مَنْ أَدْرَكَهَا نَهَارًا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ جُزْءٍ مِنَ النَّهَارِ، وَجُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَلَوْ غَلَبَهُ نَوْمٌ بِعَرَفَةَ نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ، (وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ) عَلَى الْأَصَحِّ (إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ) ؛ لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مُزْدَلِفَةَ أَوَّلَ اللَّيْلِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَبِيتُ بِهَا مُعْظَمَ اللَّيْلَةِ، (وَالْمَبِيتُ بِمِنًى) لِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَفِي " الْوَاضِحِ " فِي مَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةَ، وَمِنًى، وَلَا عُذْرَ إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ، (وَالرَّمْيُ وَالْحِلَاقُ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ، (وَطَوَافُ الْوَدَاعِ) فِي الْأَصَحِّ، وَهُوَ الصَّدْرُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ، قَالَ الْآجُرِّيُّ: يَطُوفُهُ مَتَى أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنًى أَوْ مِنْ نَفْرٍ آخَرَ، قَالَ: فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْحَاجِّ، وَكَذَا التَّرْتِيبُ، وَاجِبٌ عَلَى الْأَصَحِّ، (وَمَا عَدَا هَذَا سُنَنٌ) كَالِاغْتِسَالِ، وَطَوَافِ الْقُدُومِ، وَالدَّفْعِ مَعَ الْإِمَامِ، وَفِيهِمَا رِوَايَةٌ، وَالْمَبِيتِ بِمِنًى لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهَا اسْتِرَاحَةٌ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَاجِبٌ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " يَجِبُ الرَّمَلُ وَالِاضْطِبَاعُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: إِذَا نَسِيَ الرَّمَلَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاسْتِلَامُ الرُّكْنَيْنِ، وَتَقْبِيلُ الْحَجَرِ، وَالْأَذْكَارُ، وَالْأَدْعِيَةُ، وَالصُّعُودُ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ [أَرْكَانُ الْعُمْرَةِ] (وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ: الطَّوَافُ) كَالْحَجِّ، (وَفِي الْإِحْرَامِ) بِهَا، وَإِحْرَامِهَا مِنْ مِيقَاتِهَا، (وَالسَّعْيِ رِوَايَتَانِ) جَزَمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " بِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِهَا رُكْنٌ، وَفِي " الْفُصُولِ " السَّعْيُ فِيهَا رُكْنٌ، بِخِلَافِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ النُّسُكَيْنِ فَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِرُكْنَيْنِ كَالْحَجِّ، (وَوَاجِبُهَا الْحِلَاقُ فِي
[باب الفوات والإحصار]
يَتِمَّ نُسُكُهُ إِلَّا بِهِ، وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. فصل بَابُ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ ـــــــــــــــــــــــــــــQإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحَجِّ، وَسُنَنُهَا الْغُسْلُ، وَالذِّكْرُ، وَالدُّعَاءُ. (فَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا) أَوِ النِّيَّةَ (لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ) أَيْ: لَمْ يَصِحَّ نُسُكُهُ، (وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا) وَلَوْ سَهْوًا (فَعَلَيْهِ دَمٌ) فَإِنْ عَدِمَهُ فَكَصَوْمِ الْمُتْعَةِ وَالْإِطْعَامِ عَنْهُ. وَفِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ: الْحِلَاقُ، وَالتَّقْصِيرُ لَا يَنُوبُ عَنْهُ: وَلَا يُحَلَّلُ إِلَّا بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، (وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ: هَدَرٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً، فَلَمْ يَجِبْ جَبْرُهَا كَسُنَنِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَذَكَرَ فِي " الْفُصُولِ " وَغَيْرِهِ: وَلَمْ يُشْرَعِ الدَّمُ عَنْهَا؛ لِأَنَّ جُبْرَانَ الصَّلَاةِ أَدْخَلُ فَيَتَعَدَّى إِلَى صَلَاتِهِ مِنْ صَلَاةِ غَيْرِهِ. 1 - فَصْلٌ يُعْتَبَرُ فِي أَمِيرِ الْحَاجِّ كَوْنُهُ مُطَاعًا، ذَا رَأْيٍ وَشَجَاعَةٍ وَهِدَايَةٍ، وَعَلَيْهِ جَمْعُهُمْ وَتَرْتِيبُهُمْ وَحِرَاسَتُهُمْ فِي الْمَسِيرِ وَالنُّزُولِ، وَالرِّفْقُ بِهِمْ، وَالنُّصْحُ لَهُمْ، وَيَلْزَمُهُمْ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ، وَيُصْلِحُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَلَا يَحْكُمُ إِلَّا أَنْ يُفَوَّضَ إِلَيْهِ، فَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ يَلْزَمُهُ عِلْمُ خُطَبِ الْحَجِّ، وَالْعَمَلُ بِهَا. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ جُرِّدَ مَعَهُمْ، وَجُمِعَ لَهُ مِنَ الْمُقْطَعِينَ مَا يُعِينُهُ عَلَى كُلْفَةِ الطَّرِيقِ أُبِيحَ لَهُ، وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ، وَلَهُ أَجْرُ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ، وَهَذَا كَأَخْذِ بَعْضِ الْإِقْطَاعِ لِيَصْرِفَهُ فِي الْمَصَالِحِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ، وَيَلْزَمُ الْمُعْطِي بَذْلُ مَا أُمِرَ بِهِ، وَشَهْرُ السِّلَاحِ عِنْدَ تَبُوكَ بِدْعَةٌ، وَلَيْسَ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ ضَرْبُ الْجَمَّالِينَ، خِلَافًا لِلْأَعْمَشِ، وَحَمَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى الْفَسَقَةِ. [بَابُ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ] ِ، الْفَوَاتُ: مَصْدَرُ فَاتَ يَفُوتُ فَوْتًا وَفَوَاتًا، إِذَا سَبَقَ وَلَمْ يُدْرَكْ، وَالْإِحْصَارُ مَصْدَرُ أَحْصَرَهُ مَرَضًا كَانَ أَوْ عَدُوًّا، وَحَصَرَهُ أَيْضًا، حَكَاهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ، وَعَنْهُ: يَنْقَلِبُ إِحْرَامُهُ لِعُمْرَةٍ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا، ـــــــــــــــــــــــــــــQوَأَصْلُ الْحَصْرِ: الْمَنْعُ، يُقَالُ: حَصَرَهُ فَهُوَ مَحْصُورٌ، وَأَحْصَرَهُ الْمَرَضُ فَهُوَ مُحْصَرٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْمَشْهُورُ. (وَمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ) لِعُذْرِ حَصْرٍ، أَوْ غَيْرِهِ (فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ) لَا خِلَافَ أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الْوُقُوفِ آخِرُ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَأَنَّ الْحَجَّ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ لِقَوْلِ جَابِرٍ: «لَا يَفُوتُ الْحَجُّ حَتَّى يطلع الْفَجْر مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ. قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَقُلْتُ لَهُ: أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. (وَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ) صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " زَادَ: وَحَلْقٍ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ عُمْرَةً؛ لِأَنَّ إِحْرَامَهُ انْعَقَدَ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ فَلَمْ يَنْقَلِبْ إِلَى الْآخَرِ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ. وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أَنَّهُ يَمْضِي فِي حَجٍّ فَاسِدٍ، وَيَقْضِيهِ، فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ أَفْعَالِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ مَا فَاتَ وَقْتُهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ مَا لَمْ يَفُتْ (وَعَنْهُ: يَنْقَلِبُ إِحْرَامُهُ لِعُمْرَةٍ) قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي أَيُّوبَ لَمَّا فَاتَهُ الْحَجُّ: اصْنَعْ مَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ، ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ فَإِنْ أَدْرَكَتَ الْحَجَّ قَابِلًا فَحُجَّ، وَاهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَرَوَى النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ فَوَاتٍ، فَمَعَهُ أَوْلَى، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَخْتَرِ الْبَقَاءَ عَلَى إِحْرَامِهِ لِيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَارِنَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ عُمْرَتَهُ لَا تَلْزَمُهُ أَفْعَالُهَا، وَلَا تُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ فِي الْمَنْصُوصِ، لِوُجُوبِهَا كَمَنْذُورَةٍ. وَعَنْهُ: لَا يَنْقَلِبُ، وَيَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ، فَيُدْخِلُ إِحْرَامَ الْحَجِّ عَلَى الْأَوَّلَةِ فَقَطْ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَعَلَى الثَّانِيَةِ يُدْخِلُ إِحْرَامَ الْعُمْرَةِ وَيَصِيرُ قَارِنًا (وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) إِذَا كَانَ نَفْلًا؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ
وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. وَهَلْ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: عَلَيْهِ هَدْيٌ يَذْبَحُهُ فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ إِنْ قُلْنَا عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَإِلَّا ذَبَحَهُ فِي عَامِهِ. وَإِنْ أَخْطَأَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْحَجَّ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَوْ وَجَبَ قَضَاءُ النَّافِلَةِ، كَانَ الْحَجُّ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَلِأَنَّهَا تَطَوُّعٌ فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا كَسَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا) فَيَجِبُ قَضَاؤُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهِ لِيَخْرُجَ عَنْ عُهْدَتِهِ، وَتَسْمِيَتُهُ قَضَاءً بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ) ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَالْمَذْهَبُ لُزُومُ قَضَاءِ النَّفْلِ كَالْإِفْسَادِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، فَيَصِيرُ كَالْمَنْذُورِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ التَّطَوُّعَاتِ، وَأَمَّا كَوْنُ الْحَجِّ مَرَّةً فَذَاكَ الْوَاجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ. 1 - (وَهَلْ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: عَلَيْهِ هَدْيٌ) صَحَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ " وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنَجَّا أَنَّهَا الْمَذْهَبُ لِحَدِيثِ عَطَاءٍ: «مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ دَمٌ» قِيلَ: مَعَ الْقَضَاءِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ فِي عَامِهِ، وَلَكِنْ يَلْزَمُهُ أَنْ (يَذْبَحَهُ فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ إِنْ قُلْنَا: عَلَيْهِ قَضَاءٌ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ حَجَّ مِنَ الشَّامِ فَقَدِمَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: انْطَلِقْ إِلَى الْبَيْتِ فَطُفْ بِهِ سَبْعًا، وَإِنْ كَانَ مَعَكَ هَدْيٌ فَانْحَرْهُ، ثُمَّ إِذَا كَانَ عَامُ قَابِلٍ فَاحْجُجْ، فَإِنْ وَجَدْتَ سَعَةً فَاهْدِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعْتَ فَعَلَى هَذَا يَذْبَحُهُ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ مِنَ الْقَضَاءِ كَدَمِ التَّمَتُّعِ. ومَحَلُّهُ: مَا لَمْ يَشْتَرِطْ أَوَّلًا، فَإِنِ اشْتَرَطَ فَلَا جَزْمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَإِلَّا ذَبَحَهُ فِي عَامِهِ) إِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، إِذْ لَا مَعْنَى لِتَأْخِيرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ سَاقَ هَدْيًا أَمْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَالْهَدْيُ: مَا اسْتَيْسَرَ كَهَدْيِ الْمُتْعَةِ، وَفِي " الْوَجِيزِ " بَدَنَةٌ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْعَبْدُ فَإِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، فَهُوَ كَالْمُعْسِرِ، وَيَجِبُ الصَّوْمُ، فَإِنْ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ هَدْيًا، وَأَذِنَ لَهُ فِي ذَبْحِهِ، خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا هَدْيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ ذَلِكَ لَزِمَهُ هَدْيَانِ: هَدْيٌ لِلْإِحْصَارِ، وَهَدْيٌ لِلْفَوَاتِ، وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمُحْصَرَ لَوْ كَانَ قَارِنًا، وَحَلَّ بِمَا قُلْنَا كَانَ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا أَهَلَّ بِهِ مِنْ قَابِلٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يُجْزِئُهُ مَا
النَّاسُ، فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَجْزَأَهُمْ وَإِنْ أَخْطَأَ بَعْضُهُمْ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ. وَمَنْ أَحْرَمَ فَحَصَرَهُ عَدُوٌّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى الْحَجِّ، ذَبَحَ هَدْيًا فِي مَوْضِعِهِ وَحَلَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَعَلَهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا قَضَاءُ الْحَجِّ فَقَطْ، وَيَلْزَمُهُ هَدْيَانِ لِقِرَانِهِ وَفَوَاتِهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ هَدْيٌ ثَالِثٌ لِلْقَضَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْفَوَاتِ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَأْمُرُوهُ بِأَكْثَرَ مِنْ هَدْيٍ وَاحِدٍ. (وَإِنْ أَخْطَأَ النَّاسُ فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ) كَالثَّامِنِ وَالْعَاشِرِ (أَجْزَأَهُمْ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِي يُعْرِفُ النَّاسُ فِيهِ» ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ خِلَافًا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، هَلْ هو يَوْمُ عَرَفَةَ بَاطِنًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْهِلَالَ اسْمٌ لِمَا يطلع فِي السَّمَاءِ، أَوْ لِمَا يَرَاهُ النَّاسُ وَيَعْلَمُونَهُ؟ وَالثَّانِي الصَّوَابُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ لَوْ أَخْطَئُوا لِغَلَطٍ فِي الْعَدَدِ أَوْ فِي الطَّرِيقِ، وَنَحْوِهِ فَوَقَفُوا الْعَاشِرَ، لَمْ يُجْزِئْهُمْ إِجْمَاعًا، وَذَكَرَ أَنَّ الْوُقُوفَ مَرَّتَيْنِ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهُ السَّلَفُ، فَلَوْ رَآهُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ لَمْ يَنْفَرِدُوا بِالْوُقُوفِ، بَلِ الْوُقُوفُ مَعَ الْجُمْهُورِ، وَاخْتَارَ فِي " الْفُرُوعِ " يَقِفُ مَرَّتَيْنِ إِنْ وَقَفَ بَعْضُهُمْ لَا سِيَّمَا مَنْ رَآهُ (وَإِنْ أَخْطَأَ بَعْضُهُمْ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ) وَفِي " الِانْتِصَارِ " عَدَدٌ يَسِيرٌ، وَفِي " التَّعْلِيقِ " الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ، وَفِي " الْكَافِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " نَفَرٌ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقَالُ: إِنَّ النَّفَرَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ لِقَوْلِ عُمَرَ لِهَبَّارٍ: مَا حَبَسَكَ؟ قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَلَمْ يَعْذُرْهُ بِذَلِكَ. (وَمَنْ أَحْرَمَ فَحَصَرَهُ عَدُوٌّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى الْحَجِّ ذَبَحَ هَدْيًا فِي مَوْضِعِهِ وَحَلَّ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَسَنَدُهُ {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَصْرِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعَنِ الْمِسْوَرِ بن مخرمة، وَمَرْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــQصُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، لَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ لِأَصْحَابِهِ: «قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى الْحِلِّ لِمَا فِي تَرْكِهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ شَرْعًا، وَلَا فَرْقَ فِي الْإِحْصَارِ بَيْنَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ أَوْ بِهِمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ حَلُّوا فِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَتْ عُمْرَةً، وَفِي كَلَامِهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْعُمْرَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْإِرْشَادِ " وَ " الْمُبْهِجِ " وَ " الْفُصُولِ "؛ لِأَنَّهَا لَا تَفُوتُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: " وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى الْحِلِّ " فَلَا إِشْكَالَ. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَجِّ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ، وَلَا قَبْلَ الْوُقُوفِ أَوْ بَعْدَهُ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ: بَلْ يَكُونُ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ الْأَوَّلِ. وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى مَا يُشْتَرَطُ لِلتَّحَلُّلِ. فَمِنْهَا: أَنْ لَا يَجِدَ طَرِيقًا آخَرَ آمِنًا، فَإِنْ وَجَدَهُ لَزِمَهُ سُلُوكُهُ، وَإِنْ بَعُدَ، وَخَافَ الْفَوَاتَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ، أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَحْصُرْهُ أَحَدٌ. وَمِنْهَا: أَنْ يَحْصُرَهُ ظُلْمًا، فَيَشْمَلُ مَا إِذَا أَحَاطَ بِهِ الْعَدُوُّ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ. قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَعِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ، فَهُوَ كَالْمَرَضِ، وَشَمَلَ الْحَصْرَ الْعَامَّ وَالْخَاصَّ، كَمَا لَوْ حُصِرَ مُنْفَرِدًا بِأَنْ أَخَذَتْه