المغني لابن قدامة
موفق الدين ابن قدامة
مقدمة الكتاب
[مُقَدِّمَة الْكتاب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَامِلُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، قُدْوَةُ الْأَنَامِ، مَجْمُوعُ الْفَضَائِلِ، مُوَفَّقُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ، قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ، وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ بَارِئِ الْبَرِيَّاتِ، وَغَافِرِ الْخَطِيَّاتِ، وَعَالِمِ الْخَفِيَّاتِ، الْمُطَّلِعِ عَلَى الضَّمَائِرِ وَالنِّيَّاتِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَحِلْمًا، وَقَهَرَ كُلَّ مَخْلُوقٍ عِزَّةً وَحُكْمًا {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] ، لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ، وَلَا تُغَيِّرُهُ الْأَعْصَارُ، وَلَا تَتَوَهَّمُهُ الْأَفْكَارُ، {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8] ، أَتْقَنَ مَا صَنَعَ وَأَحْكَمَهُ، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ وَعَلِمَهُ، وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ وَعَلَّمَهُ، وَرَفَعَ قَدْرَ الْعِلْمِ وَعَظَّمَهُ، وَحَظَرَهُ عَلَى مَنْ اسْتَرْذَلَهُ وَحَرَّمَهُ، وَخَصَّ بِهِ مَنْ خَلَقَهُ مِنْ كَرَمِهِ، وَحَضَّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى النَّفِيرِ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، فَقَالَ تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] ، نَدَبَهُمْ إلَى إنْذَارِ بَرِيَّتِهِ، كَمَا نَدَبَ إلَى ذَلِكَ أَهْلَ رِسَالَتِهِ، وَمَنَحَهُمْ مِيرَاثَ أَهْلِ نُبُوَّتِهِ، وَرَضِيَهُمْ لِلْقِيَامِ بِحُجَّتِهِ، وَالنِّيَابَةِ عَنْهُ فِي الْإِخْبَارِ بِشَرِيعَتِهِ، وَاخْتَصَّهُمْ مِنْ بَيْنِ عِبَادِهِ بِخَشْيَتِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] ، ثُمَّ أَمَرَ سَائِرَ النَّاسِ بِسُؤَالِهِمْ، وَالرُّجُوعِ إلَى أَقْوَالِهِمْ، وَجَعَلَ عَلَامَةَ زَيْغِهِمْ وَضَلَالِهِمْ ذَهَابَ عُلَمَائِهِمْ، وَاِتِّخَاذَ الرُّءُوسِ مِنْ جُهَّالِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا مِنْ النَّاسِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ، وَسَيِّدِ الْأَصْفِيَاءِ، وَإِمَامِ الْعُلَمَاءِ، وَأَكْرَمِ مَنْ مَشَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، الدَّاعِي إلَى سَبِيلِ رَبِّهِ بِالْحِكْمَةِ، وَالْكَاشِفِ بِرِسَالَتِهِ جَلَابِيبَ الْغُمَّةِ، وَخَيْرِ نَبِيٍّ بُعِثَ إلَى خَيْرِ أُمَّةٍ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 46] ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ وَطَوْلِهِ، وَقُوَّتِهِ وَحَوْلِهِ، ضَمِنَ بَقَاءَ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَجَعَلَ السَّبَبَ فِي بَقَائِهِمْ بَقَاءَ عُلَمَائِهِمْ، وَاقْتِدَاءَهُمْ
بِأَئِمَّتِهِمْ وَفُقَهَائِهِمْ، وَجَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ مَعَ عُلَمَائِهَا، كَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ مَعَ أَنْبِيَائِهَا، وَأَظْهَرَ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ مِنْ فُقَهَائِهَا أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهَا، وَيُنْتَهَى إلَى رَأْيِهَا، وَجَعَلَ فِي سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَئِمَّةً مِنْ الْأَعْلَامِ، مُهْدٍ بِهِمْ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ، وَأَوْضَحَ بِهِمْ مُشْكِلَاتِ الْأَحْكَامِ، اتِّفَاقُهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، وَاخْتِلَافُهُمْ رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ، تَحْيَا الْقُلُوبُ بِأَخْبَارِهِمْ، وَتَحْصُلُ السَّعَادَةُ بِاقْتِفَاءِ آثَارِهِمْ، ثُمَّ اخْتَصَّ مِنْهُمْ نَفَرًا أَعْلَى أَقْدَارَهُمْ وَمَنَاصِبَهُمْ وَأَبْقَى ذِكْرَهُمْ وَمَذَاهِبَهُمْ فَعَلَى أَقْوَالِهِمْ مَدَارُ الْأَحْكَامِ، وَبِمَذَاهِبِهِمْ يُفْتِي فُقَهَاءُ الْإِسْلَامِ. وَكَانَ إمَامُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، مِنْ أَوْفَاهُمْ فَضِيلَةً، وَأَقْرَبِهِمْ إلَى اللَّهِ وَسِيلَةً، وَأَتْبَعِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْلَمِهِمْ بِهِ، وَأَزْهَدِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَأَطْوَعِهِمْ لِرَبِّهِ، فَلِذَلِكَ وَقَعَ اخْتِيَارُنَا عَلَى مَذْهَبِهِ. وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَشْرَحَ مَذْهَبَهُ وَاخْتِيَارَهَ، لِيَعْلَمَ ذَلِكَ مَنْ اقْتَفَى آثَارَهُ، وَأُبَيِّنَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِمَّا أُجْمِعَ عَلَيْهِ، وَأَذْكُرَ لِكُلِّ إمَامٍ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ، تَبَرُّكًا بِهِمْ، وَتَعْرِيفًا لِمَذَاهِبِهِمْ، وَأُشِيرَ إلَى دَلِيلِ بَعْضِ أَقْوَالِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ، وَالِاقْتِصَارِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَأَغْزُوَ مَا أَمْكَنَنِي غَزْوُهُ مِنْ الْأَخْبَارِ، إلَى كُتُبِ الْأَئِمَّةِ مِنْ عُلَمَاءِ الْآثَارِ، لِتَحْصُلَ الثِّقَةُ بِمَدْلُولِهَا، وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ صَحِيحِهَا وَمَعْلُولِهَا، فَيُعْتَمَدَ عَلَى مَعْرُوفِهَا، وَيُعْرَضَ عَنْ مَجْهُولِهَا. ثُمَّ رَتَّبْتُ ذَلِكَ عَلَى شَرْحِ مُخْتَصَرِ أَبِي الْقَاسِمِ عُمَرَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخِرَقِيِّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَحِمَهُ
، لِكَوْنِهِ كِتَابًا مُبَارَكًا نَافِعًا، وَمُخْتَصَرًا مُوجَزًا جَامِعًا، وَمُؤَلِّفُهُ إمَامٌ كَبِيرٌ، صَالِحٌ ذُو دِينٍ، أَخُو وَرَعٍ، جَمَعَ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ، فَنَتَبَرَّكُ بِكِتَابِهِ، وَنَجْعَلُ الشَّرْحَ مُرَتَّبًا عَلَى مَسَائِلِهِ وَأَبْوَابِهِ، وَنَبْدَأُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِشَرْحِهَا وَتَبْيِينِهَا، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بِمَنْطُوقِهَا وَمَفْهُومِهَا وَمَضْمُونِهَا، ثُمَّ نَتْبَعُ مَا يُشَابِهُهَا مِمَّا لَيْسَ بِمَذْكُورٍ فِي الْكِتَابِ، فَتَحْصُلُ الْمَسَائِلُ كَتَرَاجُمِ الْأَبْوَابِ. وَبِاَللَّهِ أَعْتَصِمُ وَأَسْتَعِينُ فِيمَا أَقْصِدُهُ، وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ فِيمَا أَعْتَمِدُهُ، وَإِيَّاهُ أَسْأَلُ أَنْ يُوَفِّقَنَا وَيَجْعَلَ سَعْيَنَا مُقَرِّبًا إلَيْهِ، وَمُزْلِفًا لَدَيْهِ، بِرَحْمَتِهِ. فَنَقُولُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْخِرَقِيُّ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو يَعْلَى، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كَانَ الْخِرَقِيُّ عَلَّامَةً، بَارِعًا فِي مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ ذَا دِينٍ، وَأَخَا وَرَعٍ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: كَانَتْ لَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْكَثِيرَةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَمْ يَنْشُرْ مِنْهَا إلَّا " الْمُخْتَصَرَ " فِي الْفِقْهِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَدِينَةِ السَّلَامِ لَمَّا ظَهَرَ سَبُّ الصَّحَابَةِ بِهَا، وَأَوْدَعَ كُتُبَهُ فِي دَرْبِ سُلَيْمَانَ، فَاحْتَرَقَتْ الدَّارُ وَالْكُتُبُ فِيهَا. قَرَأَ الْعِلْمَ عَلَى مَنْ قَرَأَهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الْمَرُّوذِيِّ، وَحَرْبٍ الْكَرْمَانِيِّ، وَصَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ أَحْمَدَ. وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ أَبِي عَلِيٍّ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ فَقِيهًا صَحِبَ أَصْحَابَ أَحْمَدَ، وَأَكْثَرُ صُحْبَتِهِ لِأَبِي بَكْرٍ الْمَرُّوذِيِّ. وَقَرَأَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ الْخِرَقِيِّ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ؛ مِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ، وَأَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ سَمْعُونَ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ: تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ الْخِرَقِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَدُفِنَ بِدِمَشْقَ، وَزُرْتُ قَبْرَهُ. وَسَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّ سَبَبَ مَوْتِهِ أَنَّهُ أَنْكَرَ مُنْكَرًا بِدِمَشْقَ، فَضُرِبَ، فَكَانَ مَوْتُهُ بِذَلِكَ قَالَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (اخْتَصَرْتُ هَذَا الْكِتَابَ) . يَعْنِي قَرَّبْتُهُ، وَقَلَّلْتُ أَلْفَاظَهُ، وَأَوْجَزْتُهُ، وَالِاخْتِصَارُ: هُوَ تَقْلِيلُ الشَّيْءِ، وَقَدْ يَكُونُ اخْتِصَارُ الْكِتَابِ بِتَقْلِيلِ مَسَائِلِهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِتَقْلِيلِ أَلْفَاظِهِ مَعَ تَأْدِيَةِ الْمَعْنَى، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَاخْتُصِرَ لِي الْكَلَامُ اخْتِصَارًا» ، وَمِنْ ذَلِكَ مُخْتَصَرَاتُ الطَّرِيقِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «الْجِهَادُ مُخْتَصَرُ طَرِيقِ الْجَنَّةِ» ، وَقَدْ نَهَى عَنْ اخْتِصَارِ السُّجُودِ، وَمَعْنَاهُ جَمْعُ آيِ السَّجَدَاتِ فَيَقْرَؤُهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَحْذِفَ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ وَلَا يَقْرَؤُهَا. وَفَائِدَةُ الِاخْتِصَارِ التَّقْرِيبُ وَالتَّسْهِيلُ عَلَى مَنْ أَرَادَ تَعَلُّمَهُ وَحِفْظَهُ، فَإِنَّ الْكَلَامَ يُخْتَصَرُ لِيُحْفَظَ، وَيُطَوَّلُ لِيُفْهَمْ. وَقَدْ ذَكَرَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَقْصُودَهُ بِالِاخْتِصَارِ، فَقَالَ: (لِيَقْرَبَ عَلَى مُتَعَلِّمِهِ) ، أَيْ يَسْهُلَ عَلَيْهِ، وَيَقِلَّ تَعَبُهُ فِي تَعَلُّمِهِ. وَقَوْلُهُ: (عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ) فَهُوَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أَسَدِ بْنِ إدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَيَّانَ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذُهَلِ بْنِ شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفْصَى بْنِ دَعْمِيِّ بْنِ جُدَيْلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ، يَلْتَقِي نَسَبُهُ وَنَسَبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِزَارٍ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَلَدِ مُضَرَ بْنِ نِزَارٍ، وَأَحْمَدُ مِنْ وَلَدِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: قَالَ أَبِي: وُلِدْتُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَمَاتَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَهُ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً. حَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ بِمَرْوٍ، وَوَلَدَتْهُ بِبَغْدَادَ، وَنَشَأَ بِهَا، وَسَافَرَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ أَسْفَارًا كَثِيرَةً، ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَغْدَادَ، وَتُوُفِّيَ بِهَا، بَعْدَ أَنْ سَادَ أَهْلُ عَصْرِهِ، وَنَصَرَ اللَّهُ بِهِ دِينَهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: لَيْسَ فِي شَرْقٍ وَلَا غَرْبٍ مِثْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ مِنْهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، رَحْمَةُ اللَّهِ وَرِضْوَانُهُ عَلَيْهِ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إمَامٌ فِي ثَمَانِ خِصَالٍ؛ إمَامٌ فِي الْحَدِيثِ، إمَامٌ فِي الْفِقْهِ، إمَامٌ فِي الْقُرْآنِ، إمَامٌ فِي اللُّغَةِ، إمَامٌ فِي الْفَقْرِ، إمَامٌ فِي الزُّهْدِ، إمَامٌ فِي الْوَرَعِ، إمَامٌ فِي السُّنَّةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ فِيهِ، وَهُوَ صَغِيرٌ: لَقَدْ كَادَ هَذَا الْغُلَامُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ. وَقَالَ أَبُو عُمَيْرِ بْنُ النَّحَّاسِ الرَّمْلِيُّ، وَذَكَرَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ: - رَحِمَهُ اللَّهُ -، مَا كَانَ أَصْبَرَهُ، وَبِالْمَاضِينَ مَا كَانَ أَشَبَهَهُ، وَبِالصَّالِحِينَ مَا كَانَ أَلْحَقَهُ، عُرِضَتْ لَهُ الدُّنْيَا فَأَبَاهَا، وَالْبِدَعُ فَنَفَاهَا، وَاخْتَصَّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِنَصْرِ دِينِهِ، وَالْقِيَامِ بِحِفْظِ سُنَّتِهِ، وَرَضِيَهُ لِإِقَامَةِ حُجَّتِهِ، وَنَصْرِ كَلَامِهِ حِينَ عَجَزَ عَنْهُ النَّاسُ. قِيلَ لِبِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ، حِينَ ضَرَبَ أَحْمَدَ: يَا أَبَا نَصْرٍ، لَوْ أَنَّكَ خَرَجْتَ فَقُلْتَ: إنِّي عَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ؟ فَقَالَ بِشْرٌ: أَتُرِيدُونَ أَنْ أَقُومَ مَقَامَ الْأَنْبِيَاءِ؟ إنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَدْ قَامَ مَقَامَ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ الوسي: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عِنْدَنَا الْمَثَلَ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّهُ كَائِنٌ فِي أُمَّتِي مَا كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ، حَتَّى إنَّ الْمِنْشَارَ لَيُوضَعُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِ أَحَدِهِمْ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ» ، وَلَوْلَا أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قَامَ بِهَذَا الشَّأْنِ لَكَانَ عَارًا وَشَنَارًا عَلَيْنَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَنَّ قَوْمًا سُئِلُوا فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَفَضَائِلُهُ، وَمَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ فِي مَدْحِهِ كَثِيرٌ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ اسْتِقْصَائِهِ، وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ كُتُبًا مُفْرَدَةً، وَإِنَّمَا غَرَضُنَا هَاهُنَا الْإِشَارَةُ إلَى نُكْتَةٍ مِنْ فَضْلِهِ، وَذِكْرُ نَسَبِهِ، وَمَوْلِدِهِ، وَمَبْلَغِ عُمْرِهِ، إذْ لَا يَحْسُنُ مِنْ مُتَمَسِّكٍ بِمَذْهَبِهِ، وَمُتَفَقِّهٍ عَلَى طَرِيقَتِهِ، أَنْ يَجْهَلَ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ إمَامِهِ. وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنْ جَنَّتِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَمَلَنَا صَالِحًا، وَيَجْعَلَهُ لِوَجْهِهِ خَالِصًا، وَيَجْعَلَ سَعْيَنَا مُقَرِّبًا إلَيْهِ، مُبَلِّغًا إلَى رِضْوَانِهِ، إنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ.
كتاب الطهارة
[كِتَابُ الطَّهَارَةِ] [بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ] قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ، التَّقْدِيرُ: هَذَا بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ، فَحَذَفَ الْمُبْتَدَأَ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَقَوْلُهُ " مَا تَكُونُ الطَّهَارَةُ بِهِ "، أَيْ تَحْصُلُ وَتَحْدُثُ، وَهِيَ هَاهُنَا تَامَّةٌ غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ إلَى خَبَرٍ. وَمَتَى كَانَتْ تَامَّةً كَانَتْ بِمَعْنَى الْحَدَثِ وَالْحُصُولِ، تَقُولُ: كَانَ الْأَمْرُ، أَيْ حَدَثَ وَوَقَعَ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] أَيْ: إنْ وُجِدَ ذُو عُسْرَةٍ. وَقَالَ الشَّاعِرُ إذَا كَانَ الشِّتَاءُ فَأَدْفِئُونِي ... فَإِنَّ الشَّيْخَ يُهْرِمُهُ الشِّتَاءُ أَيْ إذَا جَاءَ الشِّتَاءُ. وَفِي نُسْخَةٍ مَقْرُوءَةٍ عَلَى ابْنِ عَقِيلٍ: (بَابُ مَا تَجُوزُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ) وَمَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ. وَالطَّهَارَةُ فِي اللُّغَةِ: النَّزَاهَةُ عَنْ الْأَقْذَارِ، وَفِي الشَّرْعِ: رَفْعُ مَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ مِنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَاسَةٍ بِالْمَاءِ، أَوْ رَفْعُ حُكْمِهِ بِالتُّرَابِ. فَعِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ الطَّهَارَةِ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ أَوْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَالَهُ مَوْضُوعٌ شَرْعِيٌّ وَلُغَوِيٌّ، إنَّمَا يَنْصَرِفُ الْمُطْلَقُ مِنْهُ إلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ كَالْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ التَّكَلُّمُ بِمَوْضُوعَاتِهِ. وَالطُّهُورُ - بِضَمِّ الطَّاءِ -: الْمَصْدَرُ، قَالَهُ الْيَزِيدِيُّ وَالطَّهُورُ - بِالْفَتْحِ - مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَعَدِّيَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُطَهِّرُ غَيْرَهُ، مِثْلُ الْغَسُولِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ اللَّازِمَةِ، بِمَعْنَى الطَّاهِرِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فِي التَّعَدِّي وَاللُّزُومِ، فَمَا كَانَ فَاعِلُهُ لَازِمًا كَانَ فَعُولُهُ لَازِمًا. بِدَلِيلِ قَاعِدٍ وَقَعُودٍ، وَنَائِمٍ وَنَئُومٍ، وَضَارِبٍ وَضَرُوبٍ. وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] ، وَرَوَى جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي؛ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَرَادَ بِهِ الطَّاهِرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَزِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ. وَسُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَنْ التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْبَحْرِ، فَقَالَ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» . وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الطَّهُورُ مُتَعَدِّيًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَوَابًا لِلْقَوْمِ، حَيْثُ سَأَلُوهُ عَنْ التَّعَدِّي، إذْ لَيْسَ كُلُّ طَاهِرٍ مُطَهِّرًا، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ فَرَّقَتْ بَيْنَ
الْفَاعِلِ وَالْفَعُولِ، فَقَالَتْ: قَاعِدٌ لِمَنْ وُجِدَ مِنْهُ الْقُعُودُ، وَقَعُودُ لِمَنْ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا هَاهُنَا، وَلَيْسَ إلَّا مِنْ حَيْثُ التَّعَدِّي وَاللُّزُومُ. (1) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَالطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَا يُضَافُ إلَى اسْمِ شَيْءٍ غَيْرِهِ: مِثْلُ مَاءِ الْبَاقِلَّا، وَمَاءِ الْوَرْدِ، وَمَاءِ الْحِمَّصِ وَمَاءِ الزَّعْفَرَانِ، وَمَا أَشْبَهَهُ، مِمَّا لَا يُزَايِلُ اسْمُهُ اسْمَ الْمَاءِ فِي وَقْتٍ) . قَوْلُهُ " " وَالطَّهَارَةُ " مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وَالطَّهَارَةُ مُبَاحَةٌ، أَوْ جَائِزَةٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَكُلُّ طَهَارَةٍ جَائِزَةٌ بِكُلِّ مَاءٍ طَاهِرٍ مُطْلَقٍ، وَالطَّاهِرُ: مَا لَيْسَ بِنَجِسٍ. وَالْمُطْلَقُ: مَا لَيْسَ بِمُضَافٍ إلَى شَيْءٍ غَيْرِهِ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ " لَا يُضَافُ إلَى اسْمِ شَيْءٍ غَيْرِهِ ". وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ صِفَةً لَهُ وَتَبْيِينًا، ثُمَّ مَثَّلَ الْإِضَافَةَ، فَقَالَ: " مِثْلُ مَاءِ الْبَاقِلَّا، وَمَاءِ الْوَرْدِ، وَمَاءِ الْحِمَّصِ، وَمَاءِ الزَّعْفَرَانِ، وَمَا أَشْبَهَهُ ". وَقَوْلُهُ: " مِمَّا لَا يُزَايِلُ اسْمُهُ اسْمَ
الْمَاءِ فِي وَقْتٍ "، صِفَةٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي يُضَافُ إلَيْهِ الْمَاءُ، وَمَعْنَاهُ: لَا يُفَارِقُ اسْمُهُ اسْمَ الْمَاءِ. وَالْمُزَايَلَةُ: الْمُفَارَقَةُ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 25] ، وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ وَقَدْ طَاوَعُوا أَمْرَ الْعَدُوِّ الْمُزَايِلِ أَيْ الْمُفَارِقِ. أَيْ: لَا يُذْكَرُ الْمَاءُ إلَّا مُضَافًا إلَى الْمُخَالِطِ لَهُ فِي الْغَالِبِ. وَيُفِيدُ هَذَا الْوَصْفُ الِاحْتِرَازَ مِنْ الْمُضَافِ إلَى مَكَانِهِ وَمَقَرِّهِ، كَمَاءِ النَّهْرِ وَالْبِئْرِ؛ فَإِنَّهُ إذَا زَالَ عَنْ مَكَانِهِ زَالَتْ النِّسْبَةُ فِي الْغَالِبِ، وَكَذَلِكَ مَا تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ تَغَيُّرًا يَسِيرًا، فَإِنَّهُ لَا يُضَافُ فِي الْغَالِبِ. وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا احْتِرَازٌ مِنْ الْمُتَغَيِّرِ بِالتُّرَابِ؛ لِأَنَّهُ يَصْفُو عَنْهُ، وَيُزَايِلُ اسْمُهُ اسْمَهُ. وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَحْكَامٍ مِنْهَا إبَاحَةُ الطَّهَارَةِ بِكُلِّ مَاءٍ مَوْصُوفٍ بِهَذِهِ الصُّفَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، مِنْ الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ، وَالْعُذُوبَةِ وَالْمُلُوحَةِ، نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ، أَوْ نَبَعَ مِنْ الْأَرْضِ، فِي بَحْرٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ غَدِيرٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» ، وَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» . وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْبَحْرِ: التَّيَمُّمُ أَعْجَبُ إلَيْنَا مِنْهُ. هُوَ نَارٌ. وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] وَمَاءُ الْبَحْرِ مَاءٌ، لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِهِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ مَاءُ الْبَحْرِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ " وَلِأَنَّهُ مَاءٌ بَاقٍ عَلَى أَصِلْ خِلْقَتِهِ، فَجَازَ الْوُضُوءُ بِهِ كَالْعَذْبِ. وَقَوْلُهُمْ: " هُوَ نَارٌ " إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ نَارٌ فِي الْحَالِ فَهُوَ خِلَافُ الْحِسِّ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَصِيرُ نَارًا، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْوُضُوءَ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ مَاءً. وَمِنْهَا أَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ النَّجَاسَةِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ طَهَارَةُ الْحَدَثِ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الطَّهَارَةِ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَزُفَرُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ مُزِيلٍ لِلْعَيْنِ وَالْأَثَرِ، كَالْخَلِّ، وَمَاءِ الْوَرْدِ، وَنَحْوِهِمَا. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا» . أَطْلَقَ الْغَسْلَ،
فصل غير النبيذ من المائعات غير الماء
فَتَقْيِيدُهُ بِالْمَاءِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ؛ وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ طَاهِرٌ مُزِيلٌ، فَجَازَتْ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهِ، كَالْمَاءِ، فَأَمَّا مَا لَا يُزِيلُ كَالْمَرَقِ وَاللَّبَنِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تُزَالُ بِهِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ إذَا أَصَابَ ثَوْبَ إحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيهِ.» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ، فَلَا تَحْصُلُ بِغَيْرِ الْمَاءِ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَمُطْلَقُ حَدِيثِهِمْ مُقَيَّدٌ بِحَدِيثِنَا، وَالْمَاءُ يَخْتَصُّ بِتَحْصِيلِ إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ، فَكَذَلِكَ الْأُخْرَى. [فَصْلٌ غَيْرُ النَّبِيذِ مِنْ الْمَائِعَاتِ غَيْرِ الْمَاءِ] وَمِنْهَا اخْتِصَاصُ حُصُولِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ، لِتَخْصِيصِهِ إيَّاهُ بِالذِّكْرِ، فَلَا يَحْصُلُ بِمَائِعٍ سِوَاهُ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو يُوسُفَ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَيْسَ بِثَابِتٍ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ عِكْرِمَةُ النَّبِيذُ وَضُوءُ مَنْ لَمْ يَجِدُ الْمَاءَ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: النَّبِيذُ حُلْوًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ التَّيَمُّمِ، وَجَمْعُهُمَا أَحَبُّ إلَيَّ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِ عِكْرِمَةَ وَقِيلَ عَنْهُ: يَجُوزُ الْوَضُوءُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ، إذَا طُبِخَ وَاشْتَدَّ، عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ فِي السَّفَرِ؛ لِمَا رَوَى «ابْنُ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ، فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَقَالَ: أَمَعَكَ وَضُوءٌ؟ فَقَالَ: لَا، مَعِي إدَاوَةٌ فِيهَا نَبِيذٌ. فَقَالَ: تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» . وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] وَهَذَا نَصٌّ فِي الِانْتِقَالِ إلَى التُّرَابِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ فِي الْحَضَرِ، أَوْ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، فَأَشْبَهَ الْخَلَّ وَالْمَرَقَ، وَحَدِيثُهُمْ لَا يَثْبُتُ، وَرَاوِيهِ أَبُو زَيْدٍ مَجْهُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، لَا يُعْرَفُ لَهُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَا يُعْرَفُ بِصُحْبَةِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ كُنْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ مَعَهُ مِنَّا أَحَدٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: لَمْ أَكُنْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ، وَوَدِدْت أَنِّي كُنْت مَعَهُ. (2) فَصْلٌ: فَأَمَّا غَيْرُ النَّبِيذِ مِنْ الْمَائِعَاتِ، غَيْرِ الْمَاءِ، كَالْخَلِّ، وَالدُّهْنِ، وَالْمَرَقِ، وَاللَّبَنِ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِيمَا نَعْلَمُ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِهَا وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْبَتَ الطَّهُورِيَّةَ لِلْمَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] ، وَهَذَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ.
وَمِنْهَا، أَنَّ الْمُضَافَ لَا تَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا؛ مَا لَا تَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا، مَا اُعْتُصِرَ مِنْ الطَّاهِرَاتِ كَمَاءِ الْوَرْدِ، وَمَاءِ الْقَرَنْفُلِ، وَمَا يَنْزِلُ مِنْ عُرُوقِ الشَّجَرِ إذَا قُطِعَتْ رَطْبَةً. الثَّانِي، مَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ اسْمَهُ، وَغَلَبَ عَلَى أَجْزَائِهِ، حَتَّى صَارَ صِبْغًا، أَوْ حِبْرًا، أَوْ خَلًّا، أَوْ مَرَقًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ. الثَّالِثُ، مَا طُبِخَ فِيهِ طَاهِرٌ فَتَغَيَّرَ بِهِ، كَمَاءِ الْبَاقِلَّا الْمَغْلِيِّ. فَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهَا، وَلَا الْغُسْلُ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالْأَصَمِّ فِي الْمِيَاهِ الْمُعْتَصَرَةِ، أَنَّهَا طَهُورٌ يَرْتَفِعُ بِهَا الْحَدَثُ، وَيُزَالُ بِهَا النَّجَسُ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهٌ فِي مَاءِ الْبَاقِلَّا الْمَغْلِيِّ، وَسَائِرُ مَنْ بَلَغَنَا قَوْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِمْ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْوُضُوءَ غَيْرُ جَائِزٍ بِمَاءِ الْوَرْدِ، وَمَاءِ الشَّجَرِ، وَمَاءِ الْعُصْفُرِ، وَلَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ إلَّا بِمَاءٍ مُطْلَقٍ، يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ إنَّمَا تَجُوزُ بِالْمَاءِ، وَهَذَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ بِإِطْلَاقِهِ الضَّرْبُ الثَّانِي مَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَغَيَّرَ إحْدَى صِفَاتِهِ، طَعْمَهُ، أَوْ لَوْنَهُ، أَوْ رِيحَهُ، كَمَاءِ الْبَاقِلَّا، وَمَاءِ الْحِمَّصِ، وَمَاءِ الزَّعْفَرَانِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْوُضُوءِ بِهِ، وَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ إمَامِنَا، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي ذَلِكَ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ: لَا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِهِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَهِيَ أَصَحُّ، وَهِيَ الْمَنْصُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي الْخِلَافِ. وَنَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْهُمْ أَبُو الْحَارِثِ، وَالْمَيْمُونِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، جَوَازَ الْوُضُوءِ بِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَاءٍ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَالنَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْي تَعُمُّ، فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِهِ، وَأَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: «التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ» . وَهَذَا وَاجِدٌ لِلْمَاءِ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُسَافِرُونَ، وَغَالِبُ أَسْقِيَتِهِمْ الْأُدْمُ، وَالْغَالِبُ أَنَّهَا تُغَيِّرُ الْمَاءَ، فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ تَيَمُّمٌ مَعَ وُجُودِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمِيَاهِ؛ وَلِأَنَّهُ طَهُورٌ خَالَطَهُ طَاهِرٌ لَمْ يَسْلُبْهُ اسْمَ الْمَاءِ، وَلَا رِقَّتَهُ، وَلَا جَرَيَانَهُ، فَأَشْبَهَ الْمُتَغَيِّرَ بِالدُّهْنِ. وَوَجْهُ الْأُولَى: أَنَّهُ مَاءٌ تَغَيَّرَ بِمُخَالَطَةِ مَا لَيْسَ بِطَهُورٍ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، فَلَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ، كَمَاءِ الْبَاقِلَّا الْمَغْلِيِّ؛ وَلِأَنَّهُ زَالَ عَنْ إطْلَاقِهِ، فَأَشْبَهَ الْمَغْلِيَّ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ أَصْحَابَنَا لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمَذْرُورِ فِي الْمَاءِ مِمَّا يُخْلَطُ بِالْمَاءِ كَالزَّعْفَرَانِ وَالْعُصْفُرِ وَالْأُشْنَانِ وَنَحْوِهِ، وَبَيْنَ الْحُبُوبِ مِنْ الْبَاقِلَّا وَالْحِمَّصِ، وَالثَّمَرِ كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْوَرَقِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
فصل الماء الآجن
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: مَا كَانَ مَذْرُورًا مُنِعَ إذَا غَيَّرَ الْمَاءَ، وَمَا عَدَاهُ لَا يُمْنَعُ إلَّا أَنْ يَنْحَلَّ فِي الْمَاءِ، وَإِنْ غَيَّرَهُ مِنْ غَيْرِ انْحِلَالٍ لَمْ يَسْلُبْ طَهُورِيَّتَهُ؛ لِأَنَّهُ تَغَيُّرُ مُجَاوَرَةٍ، أَشْبَهَ تَغْيِيرَ الْكَافُورِ. وَوَافَقَهُمْ أَصْحَابُنَا فِي الْخَشَبِ وَالْعِيدَانِ، وَخَالَفُوهُمْ فِي سَائِرِ مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ الْمَاءِ بِهِ إنَّمَا كَانَ لِانْفِصَالِ أَجْزَاءٍ مِنْهُ إلَى الْمَاءِ وَانْحِلَالِهَا فِيهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ كَمَا لَوْ طُبِخَ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ مَاءٌ تَغَيَّرَ بِمُخَالَطَةِ طَاهِرٍ يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أُغْلِيَ فِيهِ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ مِنْ الْمُضَافِ مَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: مَا أُضِيفَ إلَى مَحَلِّهِ وَمَقَرِّهِ، كَمَاءِ النَّهْرِ وَالْبِئْرِ وَأَشْبَاهِهِمَا؛ فَهَذَا لَا يَنْفَكُّ مِنْهُ مَاءٌ وَهِيَ إضَافَةٌ إلَى غَيْرِ مُخَالِطٍ. وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. الثَّانِي: مَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، كَالطُّحْلُبِ وَالْخَزِّ وَسَائِرِ مَا يَنْبُتُ فِي الْمَاءِ، وَكَذَلِكَ وَرَقُ الشَّجَرِ الَّذِي يَسْقُطُ فِي الْمَاءِ، أَوْ تَحْمِلُهُ الرِّيحُ فَتُلْقِيهِ فِيهِ، وَمَا تَجْذِبُهُ السُّيُولُ مِنْ الْعِيدَانِ وَالتِّبْنِ وَنَحْوِهِ، فَتُلْقِيهِ فِي الْمَاءِ، وَمَا هُوَ فِي قَرَارِ الْمَاءِ كَالْكِبْرِيتِ وَالْقَارِ وَغَيْرِهِمَا، إذَا جَرَى عَلَيْهِ الْمَاءُ فَتَغَيَّرَ بِهِ، أَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي يَقِفُ فِيهَا الْمَاءُ. فَهَذَا كُلُّهُ يُعْفَى عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَإِنْ أُخِذَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَأُلْقِيَ فِي الْمَاءِ وَغَيْرِهِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، مِنْ الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ مِنْهُ مُمْكِنٌ. الثَّالِثُ: مَا يُوَافِقُ الْمَاءَ فِي صِفَتَيْهِ الطَّهَارَةِ، وَالطَّهُورِيَّةِ، كَالتُّرَابِ إذَا غَيَّرَ الْمَاءَ لَا يَمْنَعُ الطَّهُورِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ كَالْمَاءِ، فَإِنْ ثَخُنَ بِحَيْثُ لَا يَجْرِي عَلَى الْأَعْضَاءِ لَمْ تَجُزْ الطَّهَارَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ طِينٌ وَلَيْسَ بِمَاءٍ، وَلَا فَرْقَ فِي التُّرَابِ بَيْنَ وُقُوعِهِ فِي الْمَاءِ عَنْ قَصْدٍ أَوْ غَيْرِ قَصْدٍ. وَكَذَلِكَ الْمِلْحُ الَّذِي أَصْلُهُ الْمَاءُ كَالْبَحْرِيِّ، وَالْمِلْحُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي يُرْسَلُ عَلَى السَّبْخَةِ فَيَصِيرُ مِلْحًا، فَلَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ الْمَاءُ، فَهُوَ كَالْجَلِيدِ وَالثَّلْجِ، وَإِنْ كَانَ مَعْدِنًا لَيْسَ أَصْلُهُ الْمَاءَ فَهُوَ كَالزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِ. الرَّابِعُ: مَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْمَاءُ بِمُجَاوَرَتِهِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَطَةٍ، كَالدُّهْنِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، وَالطَّاهِرَاتُ الصُّلْبَةِ كَالْعُودِ وَالْكَافُورِ وَالْعَنْبَرِ، إذَا لَمْ يَهْلِكْ فِي الْمَاءِ، وَلَمْ يَمِعْ فِيهِ، لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ إطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرُ مُجَاوَرَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَوَّحَ الْمَاءُ بِرِيحِ شَيْءٍ عَلَى جَانِبِهِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ خِلَافًا. وَفِي مَعْنَى الْمُتَغَيِّرِ بِالدُّهْنِ مَا تَغَيَّرَ بِالْقَطِرَانِ وَالزِّفْتِ وَالشَّمْعِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ دُهْنِيَّةً يَتَغَيَّرُ بِهَا الْمَاءُ تَغَيُّرَ مُجَاوَرَةٍ، فَلَا يُمْنَعُ كَالدُّهْنِ. [فَصْلُ الْمَاءِ الْآجِنِ] (3) فَصْلٌ وَالْمَاءُ الْآجِنُ، وَهُوَ الَّذِي يَتَغَيَّرُ بِطُولِ مُكْثِهِ فِي الْمَكَانِ، مِنْ غَيْرِ مُخَالَطَةِ شَيْءٍ يُغَيِّرُهُ، بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الْآجِنِ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ حَلَّتْ فِيهِ جَائِزٌ، غَيْرَ ابْنِ سِيرِينَ فَإِنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ. وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أُولَى، فَإِنَّهُ يُرْوَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرٍ كَأَنَّ مَاءَهُ نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ» وَلِأَنَّهُ تَغَيَّرَ مِنْ غَيْرِ مُخَالَطَةٍ.
فصل إذا كان على العضو طاهر فتغير به الماء
[فَصْلٌ إذَا كَانَ عَلَى الْعُضْوِ طَاهِرٌ فَتَغَيَّرَ بِهِ الْمَاءُ] (4) فَصْلٌ وَإِذَا كَانَ عَلَى الْعُضْوِ طَاهِرٌ، كَالزَّعْفَرَانِ وَالْعَجِينِ، فَتَغَيَّرَ بِهِ الْمَاءُ وَقْتَ غَسْلِهِ، لَمْ يَمْنَعْ حُصُولَ الطَّهَارَةِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَغَيُّرٌ فِي مَحَلِّ التَّطْهِيرِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ الَّذِي تُزَالُ بِهِ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلِّهَا. [مَسْأَلَةٌ الْوُضُوءُ بِمَاءٍ خَالَطَهُ طَاهِرٌ لَمْ يُغَيِّرْهُ] (5) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَمَا سَقَطَ فِيهِ مِمَّا ذَكَرْنَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَكَانَ يَسِيرًا فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ طَعْمٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا رَائِحَةٌ كَثِيرَةٌ حَتَّى يُنْسَبَ الْمَاءُ إلَيْهِ تُوُضِّئَ بِهِ) قَوْلُهُ: " مِمَّا ذَكَرْنَا "، يَعْنِي الْبَاقِلَّا وَالْحِمَّصَ وَالْوَرْدَ وَالزَّعْفَرَانَ وَغَيْرَهُ، يَعْنِي مِنْ الطَّاهِرَاتِ سِوَاهُ. وَقَوْلُهُ: " حَتَّى يُنْسَبَ الْمَاءُ إلَيْهِ " أَيْ: يُضَافَ إلَيْهِ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا، وَاعْتُبِرَ الْكَثْرَةُ فِي الرَّائِحَةِ، دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّ لَهَا سِرَايَةً وَنُفُوذًا، فَإِنَّهَا تَحْصُلُ عَنْ مُجَاوَرَةٍ تَارَةً، وَعَنْ مُخَالَطَةٍ أُخْرَى، فَاعْتُبِرَ الْكَثْرَةُ فِيهَا لِيُعْلَمَ أَنَّهَا عَنْ مُخَالَطَةٍ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ غَيْرُ الْخِرَقِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا، ذَهَبَ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الرَّائِحَةِ وَاللَّوْنِ وَالطَّعْمِ؛ لِأَنَّهَا صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمَاءِ، فَأَشْبَهَتْ اللَّوْنَ وَالطَّعْمَ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الرَّائِحَةِ وَاللَّوْنِ وَالطَّعْمِ، فَإِنْ عُفِيَ عَنْ الْيَسِيرِ فِي بَعْضِهَا عُفِيَ عَنْهُ فِي بَقِيَّتِهَا، وَإِنْ لَمْ يُعْفَ عَنْ الْيَسِيرِ فِي بَعْضِهَا لَمْ يُعْفَ عَنْهُ فِي بَقِيَّتِهَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنًى يَقْتَضِي الْفَرْقَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي جَوَازِ الْوُضُوءِ بِمَاءٍ خَالَطَهُ طَاهِرٌ، لَمْ يُغَيِّرْهُ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، فِي مَاءٍ بُلَّ فِيهِ خُبْزٌ: لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ. وَلَعَلَّهَا أَرَادَتْ مَا تَغَيَّرَ بِهِ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي كِسَرٍ بُلَّتْ بِالْمَاءِ، غَيَّرَتْ لَوْنَهُ أَوْ لَمْ تُغَيِّرْ لَوْنَهُ، لَمْ يُتَوَضَّأْ بِهِ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ لَمْ يُغَيِّرْ صِفَةَ الْمَاءِ، فَلَمْ يُمْنَعْ كَبَقِيَّةِ الطَّاهِرَاتِ إذَا لَمْ تُغَيِّرْهُ، وَقَدْ «اغْتَسَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَوْجَتُهُ مِنْ جَفْنَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْأَثْرَمُ. [فَصْلٌ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ مَائِعٌ] (6) فَصْلٌ وَإِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ مَائِعٌ، لَا يُغَيِّرُهُ لِمُوَافَقَةِ صِفَتِهِ، وَهَذَا يَبْعُدُ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَنْفَرِدَ عَنْهُ بِصِفَةٍ، فَيُعْتَبَرُ التَّغَيُّرُ بِظُهُورِ تِلْكَ الصِّفَةِ. فَإِنْ اتَّفَقَ ذَلِكَ اعْتَبَرْنَاهُ بِغَيْرِهِ مِمَّا لَهُ صِفَةٌ تَظْهَرُ عَلَى الْمَاءِ، كَالْحُرِّ إذَا جُنِيَ عَلَيْهِ دُونَ الْمُوضِحَةِ قَوَّمْنَاهُ كَأَنَّهُ عَبْدٌ، وَإِنْ شَكَّ فِي كَوْنِهِ يَمْنَعُ بُنِيَ عَلَى يَقِينِ الطَّهُورِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، فَلَا يَزُولُ عَنْهَا بِالشَّكِّ. [فَصْلٌ كَانَ الْوَاقِعُ فِي الْمَاءِ مَاءً مُسْتَعْمَلًا] (7) فَصْلٌ وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ فِي الْمَاءِ مَاءً مُسْتَعْمَلًا عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ. قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْت لِأَحْمَدَ الرَّجُلُ يَتَوَضَّأُ، فَيَنْتَضِحُ مِنْ وَضُوئِهِ فِي إنَائِهِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ. وَنَحْوُهُ عَنْ الْحَسَنِ. وَهَذَا ظَاهِرُ حَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ مِنْ الْأَقْدَاحِ
فصل كان معه ماء لا يكفيه لطهارته فكمله بمائع لم يغيره
وَالْأَتْوَارِ، وَيَغْتَسِلُونَ مِنْ الْجِفَانِ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ هُوَ وَمَيْمُونَةُ مِنْ جَفْنَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ» «وَاغْتَسَلَ هُوَ وَعَائِشَةُ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِيهِمَا فِيهِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: أَبْقِ لِي» . وَمِثْلُ هَذَا لَا يَسْلَمُ مِنْ رَشَاشٍ يَقَعُ فِي الْمَاءِ، وَإِنْ كَثُرَ الْوَاقِعُ وَتَفَاحَشَ مُنِعَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَ الْأَكْثَرُ الْمُسْتَعْمَلَ مُنِعَ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ لَمْ يُمْنَعْ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ كَانَ الْوَاقِعُ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ خَلًّا غَيَّرَ الْمَاءَ مُنِعَ وَإِلَّا فَلَا. وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ، وَظَاهِرُ حَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ، يَمْنَعُ مِنْ اعْتِبَارِهِ بِالْخَلِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَسْرَعِ الْمَائِعَاتِ نُفُوذًا، وَأَبْلَغِهَا سِرَايَةً، فَيُؤَثِّرُ قَلِيلُهُ فِي الْمَاءِ، وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِهِ، فَإِذًا يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ، فَمَا كَانَ كَثِيرًا مُتَفَاحِشًا مُنِعَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ شَكَّ فَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى الطَّهُورِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ. [فَصْلٌ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ لَا يَكْفِيهِ لَطَهَارَتِهِ فَكَمَّلَهُ بِمَائِعٍ لَمْ يُغَيِّرْهُ] (8) فَصْلٌ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ، لَا يَكْفِيهِ لَطَهَارَتِهِ، فَكَمَّلَهُ بِمَائِعٍ لَمْ يُغَيِّرْهُ، جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ لَمْ يُغَيِّرْ الْمَاءَ، فَلَمْ يُمْنَعْ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَاءُ قَدْرًا يُجْزِئُ فِي الطَّهَارَةِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّنَا نَتَيَقَّنُ حُصُولَ غَسْلِ بَعْضِ أَعْضَائِهِ بِالْمَائِعِ. وَالْأُولَى أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تَظْهَرْ صِفَةُ الْمَائِعِ عَلَى الْمَاءِ صَارَ حُكْمُ الْجَمِيعِ حُكْمَ الْمَاءِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ لِلرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يَبْطُلُ بِمَا إذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرًا يُجْزِئُ فِي الطَّهَارَةِ فَخَلَطَهُ بِمَائِعٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ بِهِ، وَبَقِيَ قَدْرُ الْمَائِعِ أَوْ دُونَهُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ بَعْضُ الْمَاءِ وَبَعْضُ الْمَائِعِ، وَكَذَلِكَ الْبَاقِي، لِاسْتِحَالَةِ انْفِرَادِ الْمَاءِ عَنْ الْمَائِعِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ بِطَاهِرٍ] (9) فَصْلٌ: وَلَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ بِطَاهِرٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَارًّا يَمْنَعُ إسْبَاغَ الْوُضُوءِ لِحَرَارَتِهِ. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ عُمَرُ وَابْنُهُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ جَمِيعِهِمْ غَيْرَ مُجَاهِدٍ، وَلَا مَعْنَى لَقَوْلِهِ، فَإِنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ رَوَى: أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَهُ قُمْقُمَةٌ يُسَخِّنُ فِيهَا الْمَاءَ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ دَخَلَ حَمَّامًا بِالْجُحْفَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ حَدِيثًا عَنْ شَرِيكٍ رَحَّالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَجْنَبْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَمَعْت حَطَبًا، فَأَحْمَيْت الْمَاءَ، فَاغْتَسَلْت. فَأَخْبَرْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ» ؛ وَلِأَنَّهَا صِفَةٌ، خُلِقَ عَلَيْهَا الْمَاءُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَرَّدَهُ. [فَصْلٌ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ] (10) فَصْلٌ وَلَا تُكْرَهُ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُكْرَهُ الطَّهَارَةُ بِمَاءٍ قُصِدَ إلَى تَشْمِيسِهِ فِي الْأَوَانِي،
فصل الماء المسخن بالنجاسة
وَلَا أَكْرَهُهُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ سَخَّنْت لَهُ الْمَاءَ فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ، فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ. وَلَنَا أَنَّهُ سُخِّنَ بِطَاهِرٍ، أَشْبَهَ مَا فِي الْبِرَكِ وَالْأَنْهَارِ، وَمَا سُخِّنَ بِالنَّارِ وَمَا لَمْ يُقْصَدْ تَشْمِيسُهُ، فَإِنَّ الضَّرَرَ لَا يَخْتَلِفُ بِالْقَصْدِ وَعَدَمِهِ، وَالْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ، يَرْوِيهِ، خَالِدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَعَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْسَمُ، وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ، قَالَ: وَلَا يَصِحُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ. وَحُكِيَ عَنْ أَهْلِ الطِّبِّ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ لِذَلِكَ تَأْثِيرًا فِي الضَّرَرِ. [فَصْلٌ الْمَاءُ الْمُسَخَّنُ بِالنَّجَاسَةِ] (11) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمَاءُ الْمُسَخَّنُ بِالنَّجَاسَةِ، فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَتَحَقَّقَ وُصُولُ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ إلَى الْمَاءِ، فَيُنَجِّسَهُ إذَا كَانَ يَسِيرًا. وَالثَّانِي، أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ وُصُولُ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ إلَى الْمَاءِ وَالْحَائِلُ غَيْرُ حَصِينٍ، فَالْمَاءُ عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ، وَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُكْرَهُ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ حَمَّامًا بِالْجُحْفَةِ» . وَلَنَا، أَنَّهُ مَاءٌ تَرَدَّدَ بَيْنَ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ مَعَ وُجُودِ سَبَبِهَا، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ، وَالْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْوَقُودَ كَانَ نَجِسًا، وَلَا أَنَّ الْحَائِلَ كَانَ غَيْرَ حَصِينٍ، وَالْحَدِيثُ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ لَا يَثْبُتُ بِهِ نَفْيُ الْكَرَاهَةِ إلَّا فِي مِثْلِهَا، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ نَفْيُ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ، إذَا كَانَ الْحَائِلُ حَصِينًا، فَقَالَ الْقَاضِي: يُكْرَهُ، وَاخْتَارَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَابْنُ
فصل الوضوء والغسل بماء زمزم
عَقِيلٍ، أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَرَدَّدٍ فِي نَجَاسَتِهِ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي كَرَاهَةِ الْمُسَخَّنِ بِالنَّجَاسَةِ رِوَايَتَيْنِ، عَلَى الْإِطْلَاقِ. [فَصْلٌ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ بِمَاءِ زَمْزَمَ] (12) فَصْلٌ: وَلَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ بِمَاءِ زَمْزَمَ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ طَهُورٌ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْمِيَاهِ. وَعَنْهُ: يُكْرَهُ لِقَوْلِ الْعَبَّاسِ لَا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ، لَكِنْ لِمُحْرِمٍ حَلَّ وَبَلَّ؛ وَلِأَنَّهُ يُزِيلُ بِهِ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِهِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَقَوْلُ الْعَبَّاسِ لَا يُؤْخَذُ بِصَرِيحِهِ فِي التَّحْرِيمِ، فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى، وَشَرَفُهُ لَا يُوجِبُ الْكَرَاهَةَ لِاسْتِعْمَالِهِ، كَالْمَاءِ الَّذِي وَضَعَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَفَّهُ، أَوْ اغْتَسَلَ مِنْهُ. [فَصْلٌ الذَّائِبُ مِنْ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ طَهُورٌ] (13) فَصْلٌ الذَّائِبُ مِنْ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ طَهُورٌ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ، وَفِي دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ أَخَذَ الثَّلْجَ فَأَمَرَّهُ عَلَى أَعْضَائِهِ لَمْ تَحْصُلْ الطَّهَارَةُ، وَلَوْ انْبَلَّ بِهِ الْعُضْوُ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْغَسْلُ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ يُجْرِيَ الْمَاءَ عَلَى الْعُضْوِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا فَيَذُوبَ وَيَجْرِيَ مَاؤُهُ عَلَى الْأَعْضَاءِ، فَيَحْصُلَ بِهِ الْغَسْلُ، فَيُجْزِئُهُ. [مَسْأَلَةٌ لَا يُتَوَضَّأُ بِمَاءٍ قَدْ تُوُضِّئَ بِهِ] (14) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُتَوَضَّأُ بِمَاءٍ قَدْ تُوُضِّئَ بِهِ) يَعْنِي: الْمَاءَ الْمُنْفَصِلَ عَنْ أَعْضَاءِ الْمُتَوَضِّئِ، وَالْمُغْتَسِلُ فِي مَعْنَاهُ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ، لَا يَرْفَعُ حَدَثًا، وَلَا يُزِيلُ نَجَسًا، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لِمَالِكٍ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي أُمَامَةَ فِيمَنْ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ، إذَا وَجَدَ بَلَلًا فِي لِحْيَتِهِ، أَجْزَأَهُ أَنْ يَمْسَحَ رَأْسَهُ بِذَلِكَ الْبَلَلِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ» ، وَقَالَ: «الْمَاءُ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ» ، وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ، فَرَأَى لُمْعَةً لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَعَصَرَ شَعَرَهُ عَلَيْهَا» . رَوَاهُمَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ " وَابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُمَا وَلِأَنَّهُ غُسِلَ بِهِ مَحَلٌّ طَاهِرٌ، فَلَمْ تَزُلْ بِهِ طَهُورِيَّتُهُ، كَمَا لَوْ غُسِلَ بِهِ الثَّوْبُ؛ وَلِأَنَّهُ لَاقَى مَحَلًّا طَاهِرًا، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِهِ بِتَأْدِيَةِ الْفَرْضِ بِهِ، كَالثَّوْبِ يُصَلَّى فِيهِ مِرَارًا.
فصل الطهارة بالماء المستعمل
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ نَجِسٌ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَاقْتَضَى أَنَّ الْغُسْلَ فِيهِ، كَالْبَوْلِ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى طَهَارَةً وَالطَّهَارَةُ لَا تَكُونُ إلَّا عَنْ نَجَاسَةٍ، إذْ تَطْهِيرُ الطَّاهِرِ لَا يُعْقَلُ. وَلَنَا: عَلَى طَهَارَتِهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ «وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبَّ عَلَى جَابِرٍ مِنْ وَضُوئِهِ إذْ كَانَ مَرِيضًا» وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يَجُزْ فِعْلُ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ وَنِسَاءَهُ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ فِي الْأَقْدَاحِ وَالْأَتْوَارِ وَيَغْتَسِلُونَ فِي الْجِفَانِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَسْلَمُ مِنْ رَشَاشٍ يَقَعُ فِي الْمَاءِ مِنْ الْمُسْتَعْمَلِ، وَلِهَذَا قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ. فَلَوْ كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ نَجِسًا لَنَجَّسَ الْمَاءَ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَدَّمَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ قَصْعَةً لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: إنِّي غَمَسْت يَدِي فِيهَا، وَأَنَا جُنُبٌ. فَقَالَ: الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ» ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي " الْمُسْنَدِ ": " الْمَاءُ لَا يَنْجُسُ ". وَعِنْدَهُمْ الْحَدَثُ يَرْتَفِعُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ؛ وَلِأَنَّهُ مَاءٌ طَاهِرٌ لَاقَى مَحَلًّا طَاهِرًا، فَكَانَ طَاهِرًا، كَاَلَّذِي غُسِلَ بِهِ الثَّوْبُ الطَّاهِرُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُحْدِثَ طَاهِرٌ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: «لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا جُنُبٌ، فَانْخَنَسْت مِنْهُ فَاغْتَسَلْت ثُمَّ جِئْت، فَقَالَ: أَيْنَ كُنْت يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ: كُنْت جُنُبًا، فَكَرِهْت أَنْ أُجَالِسَكَ، فَذَهَبْت فَاغْتَسَلْت ثُمَّ جِئْت. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ غَمَسَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ لَمْ يُنَجِّسْهُ، وَلَوْ مَسَّ شَيْئًا رَطْبًا لَمْ يُنَجِّسْهُ، وَلَوْ حَمَلَهُ مُصَلٍّ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ نَهَى عَنْ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، كَنَهْيِهِ عَنْ الْبَوْلِ فِيهِ. قُلْنَا: النَّهْيُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي الْمَاءِ، وَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ التَّوَضُّؤِ بِهِ، وَالِاقْتِرَانُ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ، لَا فِي تَفْصِيلِهِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ طَهَارَةً لِكَوْنِهِ يُنَقِّي الذُّنُوبَ وَالْآثَامَ، كَمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَالدَّلِيلُ عَلَى خُرُوجِهِ عَنْ الطَّهُورِيَّةِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، مَنَعَ مِنْ الْغُسْلِ فِيهِ كَمَنْعِهِ مِنْ الْبَوْلِ فِيهِ، فَلَوْلَا أَنَّهُ يُفِيدُهُ مَنْعًا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ أُزِيلَ بِهِ مَانِعٌ مِنْ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهُ فِي طَهَارَةٍ أُخْرَى، كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. [فَصْلٌ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ] (15) فَصْلٌ: وَجَمِيعُ الْأَحْدَاثِ سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا؛ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ، وَالْجَنَابَةُ، وَالْحَيْضُ، وَالنِّفَاسُ، وَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ إذَا قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ، وَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ فِي الْمُنْفَصِلِ عَنْ غُسْلِ الذِّمِّيَّةِ مِنْ الْحَيْضِ؛ فَرُوِيَ أَنَّهُ مُطَهِّرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُزِلْ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ مَاءً تَبَرَّدَ بِهِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ؛ لِأَنَّهَا أَزَالَتْ
فصل المستعمل في تعبد من غير حدث
بِهِ الْمَانِعَ مِنْ وَطْءِ الزَّوْجِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اغْتَسَلَتْ بِهِ مُسْلِمَةٌ، فَإِنْ اغْتَسَلَتْ بِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ كَانَ مُطَهِّرًا وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُزِلْ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ، وَلَا اُسْتُعْمِلَ فِي عِبَادَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَبَرَّدَ بِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُمْنَعَ اسْتِعْمَالُهُ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اغْتَسَلَتْ بِهِ مُسْلِمَةٌ. (16) فَصْلٌ: وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي طَهَارَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ، كَالتَّجْدِيدِ، وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فِي الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنَّهُ كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مَشْرُوعَةٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اغْتَسَلَ بِهِ مِنْ جَنَابَةٍ. وَالثَّانِيَةُ؛ لَا يُمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُزِلْ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَبَرَّدَ بِهِ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ الطَّهَارَةُ مَشْرُوعَةً لَمْ يُؤَثِّرْ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِيهَا شَيْئًا، وَكَانَ كَمَا لَوْ تَبَرَّدَ بِهِ، أَوْ غَسَلَ بِهِ ثَوْبَهُ، وَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ أَنَّ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي التَّبَرُّدِ وَالتَّنْظِيفِ، أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. [فَصْلٌ الْمُسْتَعْمَلُ فِي تَعَبُّدٍ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ] (17) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُسْتَعْمَلُ فِي تَعَبُّدٍ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ، كَغَسْلِ الْيَدَيْنِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، فَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ لَمْ يُؤَثِّرْ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَاءِ، وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا؛ أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ إطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي طَهَارَةِ تَعَبُّدٍ، أَشْبَهَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ؛ «وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَغْمِسَ الْقَائِمُ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا.» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يُفِيدُ مَنْعًا. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثًا، أَشْبَهَ الْمُتَبَرَّدَ بِهِ، وَعَلَى قِيَاسِهِ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَسْلِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ مِنْ الْمَذْيِ، إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ. [فَصْلٌ إذَا انْغَمَسَ الْجُنُبُ أَوْ الْمُحْدِثُ فِيمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ] (18) فَصْلٌ: إذَا انْغَمَسَ الْجُنُبُ أَوْ الْمُحْدِثُ فِيمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا، وَلَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِارْتِفَاعِ حَدَثِهِ فِيهِ. وَلَنَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ بِانْفِصَالِ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْمَاءِ عَنْ بَدَنِهِ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا، فَلَمْ يَرْتَفِعْ الْحَدَثُ عَنْ سَائِرِ الْبَدَنِ، كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ فِيهِ شَخْصٌ آخَرُ. فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا ارْتَفَعَ حَدَثُهُ، وَلَمْ يَتَأَثَّرْ بِهِ الْمَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ. [فَصْلٌ إذَا اجْتَمَعَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ إلَى قُلَّتَيْنِ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ] (19) فَصْلٌ: إذَا اجْتَمَعَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ إلَى قُلَّتَيْنِ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ صَارَ الْكُلُّ طَهُورًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ نَجِسًا
مسألة كان الماء قلتين فوقعت فيه نجاسة
لَكَانَ الْكُلُّ طَهُورًا، فَالْمُسْتَعْمَلُ أَوْلَى. وَإِنْ انْضَمَّ إلَى مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ وَكَثُرَ الْمُسْتَعْمَلُ وَلَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ مُنِعَ، وَإِنْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ بِاجْتِمَاعِهِ فَكَذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَزُولَ الْمَنْعُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ.» وَإِنْ انْضَمَّ مُسْتَعْمَلٌ إلَى مُسْتَعْمَلٍ وَلَمْ يَبْلُغْ الْقُلَّتَيْنِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى الْمَنْعِ، وَإِنْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَوَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ] (20) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ، وَهُوَ خَمْسُ قِرَبٍ، فَوَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَلَمْ يُوجَدْ لَهَا طَعْمٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا رَائِحَةٌ، فَهُوَ طَاهِرٌ) . وَالْقُلَّةُ: هِيَ الْجَرَّةُ، سُمِّيت قُلَّةً لِأَنَّهَا تُقَلُّ بِالْأَيْدِي، أَيْ تُحْمَلُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا} [الأعراف: 57] وَيَقَعُ هَذَا الِاسْمُ عَلَى الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ. وَالْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا قُلَّتَانِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ، وَهُمَا خَمْسُ قِرَبٍ، كُلُّ قِرْبَةٍ مِائَةُ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ، فَتَكُونُ الْقُلَّتَانِ خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ. هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ، الْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا. فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يُجْعَلَ قِرْبَتَيْنِ وَنِصْفًا. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ أَرْبَعُ قِرَبٍ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ فِي " كِتَابِهِ "؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، قَالَ: رَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ، وَأَظُنُّ كُلَّ قِلَّةٍ تَأْخُذُ قُرْبَيْنِ. وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ. وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِتَحْدِيدِ الْمَاءِ بِالْقِرَبِ عَلَى تَقْدِيرِ كُلِّ قِرْبَةٍ بِمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ، لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِمَّنْ اخْتَبَرَ قِرَبَ الْحِجَازِ، وَعَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ مِقْدَارُهَا. وَإِنَّمَا خَصَصْنَا هَذَا بِقِلَالِ هَجَرَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مُبَيَّنًا، رَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ، فِي " مَعَالِمِ السُّنَنِ " بِإِسْنَادِهِ إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَالثَّانِي أَنَّ قِلَالَ هَجَرَ أَكْبَرُ مَا يَكُونُ مِنْ الْقِلَالِ، وَأَشْهُرُهَا فِي عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ قَالَ: وَهِيَ مَشْهُورَةُ الصَّنْعَةِ، مَعْلُومَةُ الْمِقْدَارِ. لَا تَخْتَلِفُ كَمَا لَا تَخْتَلِفُ الصِّيعَانُ وَالْمَكَايِيلُ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَقَعُ بِالْمَجْهُولِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هِيَ الْحَبَابُ، وَهِيَ مُسْتَفِيضَةٌ مَعْرُوفَةٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ لَفْظُ الْقُلَّتَيْنِ عَلَيْهَا؛ لِشُهْرَتِهَا وَكِبَرِهَا، فَإِنَّ كُلَّ مَعْدُودٍ جُعِلَ مِقْدَارًا وَاحِدًا لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا أَكْبَرَهَا؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الْعِلْمِ، وَأَقَلُّ فِي الْعَدَدِ، وَلِذَلِكَ جُعِلَ نِصَابُ الزَّكَاةِ بِالْأَوْسُقِ، دُونَ الْآصُعِ وَالْأَمْدَادِ.
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِصَرِيحِهَا عَلَى أَنَّ مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِمَا وَقَعَ فِيهِ لَا يَنْجُسُ، وَبِمَفْهُومِهَا عَلَى أَنَّ مَا تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ نَجِسٌ وَإِنْ كَثُرَ، وَأَنَّ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ. فَأَمَّا نَجَاسَةُ مَا تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتْ لِلْمَاءِ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رَائِحَةً، أَنَّهُ نَجِسٌ مَا دَامَ كَذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ حَرْبُ بْنُ إسْمَاعِيلَ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمَاءِ إذَا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ، قَالَ: لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَشْرَبُ، وَلَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْمَيْتَةَ، فَإِذَا صَارَتْ الْمَيْتَةُ فِي الْمَاءِ فَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ، فَذَلِكَ طَعْمُ الْمَيْتَةِ وَرِيحُهَا، فَلَا يَحِلُّ لَهُ، وَذَلِكَ أَمْرٌ ظَاهِرٌ. وَقَالَ الْخَلَّالُ: إنَّمَا قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَرْوِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ عُمَرَ، وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ، وَابْنُ مَاجَهْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ رِشْدِينُ. وَأَمَّا مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ إذَا لَاقَتْهُ النَّجَاسَةُ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَنْجُسُ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، قَالُوا: الْمَاءُ لَا يَنْجُسُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ؛ لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ. وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ؟ - وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ، وَالنَّتِنُ - فَقَالَ: إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. قَالَ الْخَلَّالُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ الْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَالْكِلَابُ وَالْحُمُرُ، وَعَنْ الطَّهَارَةِ بِهَا، فَقَالَ: لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا، وَلَنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ» وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ إحْدَى صِفَاتُ النَّجَاسَةِ، فَلَمْ يَنْجُسْ بِهَا كَالزَّائِدِ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ، فَقَالَ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ
مَاجَهْ، وَفِي لَفْظٍ: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» . وَتَحْدِيدُهُ بِالْقُلَّتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا دُونَهُمَا يَنْجُسُ، إذْ لَوْ اسْتَوَى حُكْمُ الْقُلَّتَيْنِ وَمَا دُونَهُمَا لَمْ يَكُنْ التَّحْدِيدُ مُفِيدًا. وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» . فَلَوْلَا أَنَّهُ يُفِيدُهُ مَنْعًا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ. أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ، وَإِرَاقَةِ سُؤْرِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا تَغَيَّرَ وَمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ التَّغَيُّرِ، وَخَبَرُ أَبِي أُمَامَةَ ضَعِيفٌ، وَخَبَرُ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَالْخَبَرُ الْآخَرُ مَحْمُولَانِ عَلَى الْمَاءِ الْكَثِيرِ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَا تَغَيَّرَ نَجِسٌ، أَوْ نَخُصُّهُمَا بِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ، فَإِنَّهُ أَخُصُّ مِنْهُمَا، وَالْخَاصُّ يُقَدَّمَ عَلَى الْعَامِّ. وَأَمَّا الزَّائِدُ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ، إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَلَمْ تَكُنْ النَّجَاسَةُ بَوْلًا أَوْ عَذِرَةً، فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي طَهَارَتِهِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ حَكَيْنَا عَنْهُمْ أَنَّ الْيَسِيرَ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَ الْمَاءُ ذَنُوبَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَى أَنَّ الْكَثِيرَ يَنْجُسُ بِالنَّجَاسَةِ، إلَّا أَنْ يَبْلُغَ حَدًّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّهِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا إذَا حُرِّكَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ لَمْ يَتَحَرَّكْ الْآخَرُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا بَلَغَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ فِي عَشَرَةِ أَذْرُعٍ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ يَنْجُسُ، وَإِنْ بَلَغَ أَلْفَ قُلَّةٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَنَهَى عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ الْمَاءِ الرَّاكِدِ بَعْدَ الْبَوْلِ فِيهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ مَاءٌ حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا يُؤْمَنُ انْتِشَارُهَا إلَيْهِ، فَيَنْجُسُ بِهَا كَالْيَسِيرِ. وَلَنَا خَبَرُ الْقُلَّتَيْنِ، وَبِئْرِ بُضَاعَةَ، اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» ، مَعَ قَوْلِهِمْ لَهُ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحَيْضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتِنُ؟ وَبِئْرُ بُضَاعَةَ لَا يَبْلُغُ الْحَدَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ. قَالَ أَبُو دَاوُد: قَدَّرْت بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي، مَدَدْته عَلَيْهَا، ثُمَّ ذَرَعْته، فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ، وَسَأَلْت الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ: هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا. وَسَأَلْت قَيِّمَهَا عَنْ عُمْقِهَا، فَقُلْت: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ؟ قَالَ: إلَى الْعَانَةِ. قُلْت: فَإِذَا نَقَصَ. قَالَ: دُونَ الْعَوْرَةِ؛ وَلِأَنَّهُ مَاءٌ يَبْلُغُ الْقُلَّتَيْنِ، فَأَشْبَهَ مَا زَادَ عَلَى عَشَرَةِ أَذْرُعٍ، وَحَدِيثُهُمْ عَامٌّ وَحَدِيثُنَا خَاصٌّ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ.
الثَّانِي، أَنَّ حَدِيثَهُمْ لَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِهِ، فَإِنَّ مَا زَادَ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْوُضُوءِ بِهِ اتِّفَاقًا، وَإِذَا وَجَبَ تَخْصِيصُهُ كَانَ تَخْصِيصُهُ بُقُولِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى مِنْ تَخْصِيصِهِ بِالرَّأْيِ وَالتَّشَهِّي مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ، وَلَا دَلِيلٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحَدِّ تَقْدِيرٌ طَرِيقُهُ التَّوْقِيفُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ؛ وَلِأَنَّ حَدِيثَهُمْ خَاصٌّ فِي الْبَوْلِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَنَقْصُرُ الْحُكْمَ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ النَّصُّ، وَهُوَ الْبَوْلُ؛ لِأَنَّ لَهُ مِنْ التَّأْكِيدِ وَالِانْتِشَارِ فِي الْمَاءِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» . أَيْ لَمْ يَدْفَعْ الْخَبَثَ عَنْ نَفْسِهِ، أَيْ أَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْوَاقِعِ فِيهِ. قُلْنَا هَذَا فَاسِدٌ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ «لَمْ يَنْجُسْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنَّ مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ فِي الْقِلَّةِ يَنْجُسُ لَكَانَ مَا فَوْقَهُمَا لَا يَنْجُسُ، لِتَحَقُّقِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْقُلَّتَيْنِ فَصْلًا بَيْنَ مَا يَتَنَجَّسُ وَمَا لَمْ يَتَنَجَّسْ؛ فَلَوْ سَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا لَمْ يَبْقَ فَصْلٌ. الثَّالِثُ أَنَّ مُقْتَضَاهُ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ يَدْفَعُ الْخَبَثَ عَنْ نَفْسِهِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ لَا يَحْتَمِلُ الضَّيْمَ. أَيْ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (21) فَصْلٌ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ الْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ تَحْدِيدًا أَوْ تَقْرِيبًا؟ قَالَ: أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهَا تَحْدِيدٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ كَانَ احْتِيَاطًا، وَمَا اُعْتُبِرَ احْتِيَاطًا كَانَ وَاجِبًا، كَغَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ، وَإِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ مَعَ النَّهَارِ فِي الصَّوْمِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْرٌ يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ، فَاعْتُبِرَ تَحْقِيقُهُ كَالْعَدَدِ فِي الْغَسَلَاتِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ نَقَلُوا تَقْدِيرَ الْقِلَالِ لَمْ يَضْبِطُوهُمَا بِحَدٍّ، إنَّمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُقَيْلٍ: أَظُنُّهَا تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ. وَهَذَا لَا تَحْدِيدَ فِيهِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا قَرَّبَا الْأَمْرَ، وَالشَّيْءُ الزَّائِدُ عَنْ الْقِرْبَتَيْنِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، مَعَ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْمَجْهُولِ، وَالظَّاهِرُ قِلَّتُهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَدُلُّ عَلَى تَقَارُبِ مَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَكُلَّمَا قَلَّ الشَّيْءُ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْقِرْبَتَيْنِ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْقُلَّةَ قِرْبَتَانِ، وَرُوِيَ قِرْبَتَانِ وَنِصْفٌ، وَرُوِيَ: وَثُلُثٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا. ثُمَّ لَيْسَ لِلْقِرْبَةِ حَدٌّ مَعْلُومٌ؛ فَإِنَّ الْقِرَبَ تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَلَا يَكَادُ قِرْبَتَانِ يَتَّفِقَانِ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا مُقَدَّرًا بِالْقِرَبِ، أَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ مَحْدُودٍ بِالْقِرَبِ؛ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَلِمَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَكِيلُونَ الْمَاءَ وَلَا يَزِنُونَهُ، فَلَمْ يَكُنْ لِيُعَرِّفَهُمْ الْحَدَّ بِمَا لَا يُعَرَّفُ بِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ مَاءً فِيهِ نَجَاسَةٌ فَظَنَّهُ مُقَارِبًا لِلْقُلَّتَيْنِ تَوَضَّأَ مِنْهُ، وَإِنْ ظَنَّهُ نَاقِصًا عَنْهُمَا مِنْ غَيْرِ مُقَارَبَةٍ لَهُمَا تَرَكَهُ.
فصل غير الماء من المائعات إذا وقعت فيه نجاسة
وَفَائِدَةُ هَذَا، أَنَّ مَنْ اعْتَبَرَ التَّحْدِيدَ، فَنَقَصَ عَنْ الْحَدِّ شَيْئًا يَسِيرًا، لَمْ يُعْفَ عَنْهُ، وَنَجِسَ بِوُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَالَ بِالتَّقْرِيبِ عُفِيَ عَنْ النَّقْصِ الْيَسِيرِ عِنْدَهُ، وَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِمَا يُقَارِبُ الْقُلَّتَيْنِ، إنْ شَكَّ فِي بُلُوغِ الْمَاءِ قَدْرًا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ أَوْ لَا يَدْفَعُهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا قَبْلَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَشَكَّ هَلْ يَنْجُسُ بِهِ أَوْ لَا؟ فَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ. وَالثَّانِي يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ قِلَّةُ الْمَاءِ، فَنَبْنِي عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ النَّجَاسَةُ. [فَصْلُ غَيْرِ الْمَاءِ مِنْ الْمَائِعَاتِ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ] (22) فَصْلٌ: فَأَمَّا غَيْرُ الْمَاءِ مِنْ الْمَائِعَاتِ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إحْدَاهُنَّ، أَنَّهُ يَنْجُسُ بِالنَّجَاسَةِ وَإِنْ كَثُرَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، قَالَ: إنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. فِي " مُسْنَدِهِ، إسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ " الصَّحِيحَيْنِ "، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ كَثِيرِهِ وَقَلِيلِهِ، وَلِأَنَّهَا لَا قُوَّةَ لَهَا عَلَى دَفْعِ النَّجَاسَةِ، فَإِنَّهَا لَا تُطَهِّرُ غَيْرَهَا، فَلَا تَدْفَعُهَا عَنْ نَفْسِهَا كَالْيَسِيرِ. وَالثَّانِيَةُ أَنَّهَا كَالْمَاءِ، لَا يَنْجُسُ مِنْهَا مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ. قَالَ حَرْبٌ: سَأَلْت أَحْمَدَ، قُلْت: كَلْبٌ وَلَغَ فِي سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ؟ قَالَ: إذَا كَانَ فِي آنِيَةٍ كَبِيرَةٍ مِثْلِ جُبٍّ أَوْ نَحْوِهِ، رَجَوْت أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ وَيُؤْكَلُ، وَإِنْ كَانَ فِي آنِيَةٍ صَغِيرَةٍ فَلَا يُعْجِبُنِي وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَثِيرٌ، فَلَمْ يَنْجُسْ بِالنَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ كَالْمَاءِ. وَالثَّالِثَةُ مَا أَصْلُهُ الْمَاءُ، كَالْخَلِّ التَّمْرِيِّ، يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ الْمَاءُ، وَمَا لَا فَلَا وَالْأُولَى أَوْلَى. [فَصْلُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ] (23) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ، وَمَا كَانَ طَاهِرًا غَيْرَ مُطَهِّرٍ مِنْ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ إذَا كَثُرَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا.» وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْجُسَ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ، فَأَشْبَهَ الْخَلَّ. [فَصْلٌ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا فَوَقَعَ فِي جَانِبٍ مِنْهُ نَجَاسَةٌ] (24) فَصْلٌ: إذَا كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا، فَوَقَعَ فِي جَانِبٍ مِنْهُ نَجَاسَةٌ، فَتَغَيَّرَ بِهَا، نَظَرْت فِيمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَإِنْ نَقَصَ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ الْمُتَغَيِّرَ نَجِسٌ بِالتَّغَيُّرِ، وَالْبَاقِيَ تَنَجَّسَ بِمُلَاقَاتِهِ، وَإِنْ زَادَ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ فَهُوَ طَاهِرٌ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَكُونُ نَجِسًا أَيْضًا، وَإِنْ كَثُرَ وَتَبَاعَدَتْ أَقْطَارُهُ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ رَاكِدٌ بَعْضُهُ
فصل لا فرق بين يسير النجاسة وكثيرها
نَجِسٌ، فَكَانَ جَمِيعُهُ نَجِسًا، كَمَا لَوْ تَقَارَبْت أَقْطَارُهُ؛ وَلِأَنَّ الْمُتَغَيِّرَ مَائِعٌ نَجِسٌ، فَيَنْجُسُ مَا يُلَاقِيهِ، ثُمَّ تَنَجَّسَ بِذَلِكَ مَا يُلَاقِيهِ إلَى آخِرِهِ. فَإِنْ اضْطَرَبَ فَزَالَ التَّغَيُّرُ زَالَ التَّنْجِيسُ؛ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ.» وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وَغَيْرُ الْمُتَغَيِّرِ قَدْ بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَحَادِيثِ؛ وَلِأَنَّهُ مَاءٌ كَثِيرٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِالنَّجَاسَةِ، فَكَانَ طَاهِرًا، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ؛ وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ التَّغَيُّرِ فَقَطْ، فَيَخْتَصُّ التَّنْجِيسُ بِمَحَلِّ الْعِلَّةِ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ بَعْضُهُ بِطَاهِرٍ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى مَا إذَا كَانَ غَيْرُ الْمُتَغَيِّرِ نَاقِصًا عَنْ الْقُلَّتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَلِيلٌ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ لِلنَّجَاسَةِ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ. وَأَمَّا تَبَاعُدُ الْأَقْطَارِ وَتَقَارُبُهَا فَلَا عِبْرَةَ بِهَا، إنَّمَا الْعِبْرَةُ بِكَوْنِ غَيْرِ الْمُتَغَيِّرِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، فَلَا يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُلَاصِقِ لِلنَّجَاسَةِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانَ فِيهِ كَلْبٌ أَوْ مَيْتَةٌ، فَإِنَّ الْمُلَاصِقَ لَهُ طَاهِرٌ، وَإِنْ مُنِعَتْ طَهَارَتُهُ فَالْمُلَاصِقُ لِلْمُلَاصِقِ طَاهِرٌ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَنَجَّسَ الْبَحْرُ إذَا تَغَيَّرَ جَانِبِهِ وَالْمَاءُ الْجَارِي وَكُلُّ مَا تَغَيَّرَ بَعْضُهُ وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَصَانِعِ الَّتِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ: لَا يُنَجِّسُ تِلْكَ شَيْءٌ. [فَصْلٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ وَكَثِيرِهَا] (25) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ وَكَثِيرِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْيَسِيرُ مِمَّا يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ أَوْ لَا يُدْرِكُهُ مِنْ جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ، إلَّا أَنَّ مَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فِي الثَّوْبِ، كَالدَّمِ وَنَحْوِهِ، حُكْمُ الْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ بِهِ حُكْمُهُ فِي الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِهِ، وَكُلُّ نَجَاسَةٍ يَنْجُسُ بِهَا الْمَاءُ يَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَهَا؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْمَاءِ نَاشِئَةٌ عَنْ نَجَاسَةِ الْوَاقِعِ، وَفَرَّعَ عَلَيْهَا، وَالْفَرْعُ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ أَصْلِهِ. وَقِيلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ: إنَّ مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ مِنْ النَّجَاسَةِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ؛ لِلْمَشَقَّةِ اللَّاحِقَةِ بِهِ. وَنَصَّ فِي مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّ الذُّبَابَ إذَا وَقَعَ عَلَى خَلَاءٍ رَقِيقٍ، أَوْ بَوْلٍ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَى الثَّوْبِ، غُسِلَ مَوْضِعُهُ، وَنَجَاسَةُ الذُّبَابِ مِمَّا لَا يُدْرِكُهَا الطَّرَفُ؛ وَلِأَنَّ دَلِيلَ التَّنْجِيسِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ وَكَثِيرِهَا، وَلَا بَيْنَ مَا يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ وَمَا لَا يُدْرِكُهُ، فَالتَّفْرِيقُ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَشَقَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّنَا إنَّمَا نَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ مَا عَلِمْنَا وُصُولَ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ، وَمَعَ الْعِلْمِ لَا يَفْتَرِقَانِ فِي الْمَشَقَّةِ، ثُمَّ إنَّ الْمَشَقَّةَ حِكْمَةٌ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهَا بِمُجَرَّدِهَا. وَجَعْلُ مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ ضَابِطًا لَهَا غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُعْرَفُ بِتَوْقِيفٍ، أَوْ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ لَهُ فِي مَوْضِعٍ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. [فَصْلٌ الْغَدِيرَانِ إذَا اتَّصَلَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ بِسَاقِيَةٍ بَيْنَهُمَا] (26) فَصْلٌ: وَالْغَدِيرَانِ إذَا اتَّصَلَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ بِسَاقِيَةٍ بَيْنَهُمَا، فِيهَا مَاءٌ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ، فَهُمَا مَاءٌ وَاحِدٌ، حُكْمُهُمَا حُكْمُ الْغَدِيرِ الْوَاحِدِ، إنْ بَلَغَا جَمِيعًا قُلَّتَيْنِ لَمْ يَتَنَجَّسْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَّا بِالتَّغَيُّرِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغَاهَا تَنَجَّسَ كُلُّ وَاحِدٍ
فصل في الماء الجاري
مِنْهُمَا بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ رَاكِدٌ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، أَشْبَهَ الْغَدِيرَ الْوَاحِدَ [فَصْلٌ فِي الْمَاءِ الْجَارِي] (27) فَصْلٌ فِي الْمَاءِ الْجَارِي: نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، مَا يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَاءِ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَوْضِ الْحَمَّامِ: قَدْ قِيلَ إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي. وَقَالَ فِي الْبِئْرِ يَكُونُ لَهَا مَادَّةٌ: هُوَ وَاقِفٌ لَا يَجْرِي، لَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَجْرِي. فَعَلَى هَذَا لَا يَتَنَجَّسُ الْجَارِي إلَّا بِتَغَيُّرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ، وَلَا نَعْلَمُ فِي تَنْجِيسِهِ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا، فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ؛ وَلِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» ، وَقَوْلِهِ: " الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ ". فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَنْجِيسِ قَلِيلِهِ؛ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» . قُلْنَا: هَذَا حُجَّةٌ عَلَى طَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّ مَاءَ السَّاقِيَةِ بِمَجْمُوعِهِ قَدْ بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ، فَلَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ، وَتَخْصِيصُ الْجِرْيَةِ مِنْهُ بِهَذَا التَّقْدِيرِ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ الْخَبَرُ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْجَارِي عَلَيْهِ، لِقُوَّتِهِ بِجَرَيَانِهِ وَاتِّصَالِهِ بِمَادَّتِهِ، ثُمَّ الْخَبَرُ إنَّمَا يَدُلُّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى نَفْيِ النَّجَاسَةِ عَمَّا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ هَاهُنَا بِمَفْهُومِهِ، وَقَضَاءُ حَقِّ الْمَفْهُومِ يَحْصُلُ بِمُخَالَفَةِ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ لِمَا بَلَغَهُمَا، وَقَدْ حَصَلْت الْمُخَالَفَةُ بِكَوْنِ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَفْتَرِقُ فِيهِ الْمَاءُ الْجَارِي وَالرَّاكِدُ فِي التَّنْجِيسِ، وَمَا بَلَغَهُمَا لَا يَخْتَلِفُ، وَهَذَا كَافٍ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ: كُلُّ جِرْيَةٍ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي مُعْتَبَرَةٌ بِنَفْسِهَا، فَإِذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ جَارِيَةً مَعَ الْمَاءِ، فَمَا أَمَامَهَا طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ، وَمَا خَلْفَهَا طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا، وَالْجِرْيَةُ الَّتِي فِيهَا النَّجَاسَةُ إنْ بَلَغَتْ قُلَّتَيْنِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ، إلَّا أَنْ تَتَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ، وَإِنْ كَانَتْ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَهِيَ نَجِسَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ وَاقِفَةً فِي جَانِبِ النَّهْرِ، أَوْ قَرَارِهِ، أَوْ فِي وَهْدَةٍ مِنْهُ، فَكُلُّ جِرْيَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَهِيَ نَجِسَةٌ، وَإِنْ بَلَغَتْ قُلَّتَيْنِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ، إلَّا أَنْ تَتَغَيَّرَ. وَالْجِرْيَةُ: هِيَ الْمَاءُ الَّذِي فِيهِ النَّجَاسَةُ، وَمَا قَرُبَ مِنْهَا مِنْ خَلْفِهَا وَأَمَامِهَا، مِمَّا الْعَادَةُ انْتِشَارُهَا إلَيْهِ إنْ كَانَتْ مِمَّا يَنْتَشِرُ، مَعَ مَا يُحَاذِي ذَلِكَ كُلَّهُ مِمَّا بَيْنَ طَرَفَيْ النَّهْرِ. فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُمْتَدَّةً فَلِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا مِثْلُ تِلْكَ الْجِرْيَةِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلنَّجَاسَةِ الْقَلِيلَةِ، وَلَا يُجْعَلُ جَمِيعُ مَا يُحَاذِيهَا جِرْيَةً وَاحِدَةً، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَنْجِيسِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ بِالنَّجَاسَةِ الْقَلِيلَةِ، وَنَفْيِ التَّنْجِيسِ عَنْ الْكَثِيرِ مَعَ وُجُودِ النَّجَاسَةِ الْكَثِيرَةِ، فَإِنَّ الْمُحَاذِيَ لِلْكَثِيرَةِ كَثِيرٌ فَلَا يَتَنَجَّسُ، وَالْمُحَاذِي لِلْقَلِيلَةِ قَلِيلٌ فَيَتَنَجَّسُ، فَإِنَّنَا لَوْ فَرَضْنَا كَلْبًا فِي جَانِبِ نَهْرٍ، وَشَعْرَةٌ مِنْهُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ، لَكَانَ الْمُحَاذِي لِلشَّعْرَةِ لَا يَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ؛ لِقِلَّةِ مَا يُحَاذِيهَا، وَالْمُحَاذِي لِلْكَلْبِ يَبْلُغُ قِلَالًا، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، أَنَّ الْجِرْيَةَ الْمُحَاذِيَةَ لِلنَّجَاسَةِ فِيمَا بَيْنَ طَرَفَيْ النَّهْرِ وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، لِمَا بَيَّنَّاهُ.
فصل كان في جانب النهر ماء واقف مائل عن سنن الماء
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يُفْضِي إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ النَّجَاسَةِ الْكَثِيرَةِ وَالْقَلِيلَةِ، قُلْنَا: الشَّرْعُ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَهُوَ أَصْلٌ، فَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْجَارِي، الَّذِي هُوَ فَرْعٌ. [فَصْلٌ كَانَ فِي جَانِبِ النَّهْرِ مَاءٌ وَاقِفٌ مَائِلٌ عَنْ سُنَنِ الْمَاءِ] (28) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ فِي جَانِبِ النَّهْرِ مَاءٌ وَاقِفٌ، مَائِلٌ عَنْ سَنَنِ الْمَاءِ، مُتَّصِلٌ بِالْجَارِي، أَوْ كَانَ فِي أَرْضِ النَّهْرِ وَهْدَةٌ، فِيهَا مَاءٌ وَاقِفٌ وَكَانَ ذَلِكَ مَعَ الْجِرْيَةِ الْمُقَابِلَةِ لَهُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، نَجِسَا جَمِيعًا بِوُجُودِ النَّجَاسَةِ فِي أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ مُتَّصِلٌ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، فَيَنْجُسُ بِهَا جَمِيعُهُ كَالرَّاكِدِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَا دَامَا مُتَلَاقِيَيْنِ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ؛ لِأَنَّ الْقُلَّتَيْنِ تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهَا، وَعَمَّا لَاقَتْهُ. ثُمَّ لَا يَخْلُو مِنْ كَوْنِ النَّجَاسَةِ فِي النَّهْرِ، أَوْ فِي الْوَاقِفِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي النَّهْرِ وَهُوَ قُلَّتَانِ فَهُوَ طَاهِرٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَكَذَلِكَ الْوَاقِفُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَهُوَ نَجِسٌ قَبْلَ مُلَاقَاتِهِ لِلْوَاقِفِ، فَإِذَا حَاذَاهُ طَهُرَ بِاتِّصَالِهِ بِهِ، فَإِذَا فَارَقَهُ عَادَ إلَى التَّنَجُّسِ؛ لِقِلَّتِهِ مَعَ وُجُودِ النَّجَاسَةِ فِيهِ. وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي الْوَاقِفِ لَمْ يَنْجُسْ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزَالُ هُوَ وَمَا لَاقَاهُ قُلَّتَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، وَالْجِرْيَةُ كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُمَا بِمَجْمُوعِهِمَا يَزِيدَانِ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ، وَكَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي الْوَاقِفِ، لَمْ يَنْجُسْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهَا مَعَ مَا تُلَاقِيهِ أَكْثَرُ مِنْ قُلَّتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي النَّهْرِ، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنْ يَنْجُسَ الْوَاقِفُ، وَالْجِرْيَةُ الَّتِي فِيهَا النَّجَاسَةُ، وَكُلُّ مَا يَمُرُّ بَعْدَهَا بِالْوَاقِفِ؛ لِأَنَّ الْجِرْيَةَ الَّتِي فِيهَا النَّجَاسَةُ كَانَتْ نَجِسَةً قَبْلَ مُلَاقَاةِ الْوَاقِفِ، ثُمَّ نَجِسَ بِهَا الْوَاقِفُ؛ لِكَوْنِهِ مَاءً دُونَ الْقُلَّتَيْنِ وَرَدَ عَلَيْهِ مَاءٌ نَجِسٌ، وَلَمْ تَطْهُرْ الْجِرْيَةُ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ مَاءٍ نَجِسٍ صُبَّ عَلَى مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، فَلَمَّا صَارَ الْوَاقِفُ نَجِسًا نَجَّسَ مَا يَمُرُّ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْكَمَ بِطَهَارَةِ الْجِرْيَةِ حَالَ مُلَاقَاتِهَا لِلْوَاقِفِ، وَلَا يَتَنَجَّسُ الْوَاقِفُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ كَثِيرٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَلَا يَنْجُسُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» . وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَإِنْ تَغَيَّرَ فَهُوَ نَجِسٌ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ أَعْيَانِ النَّجَاسَةِ، فَإِذَا كَانَ الْوَاقِفُ مُتَغَيِّرًا وَحْدَهُ فَالْجِرْيَةُ الَّتِي تَمُرُّ بِهِ إنْ كَانَتْ قُلَّتَيْنِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَهِيَ نَجِسَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِرْيَةُ مُتَغَيِّرَةً، وَالْوَاقِفُ قُلَّتَانِ، فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ نَجِسٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْوَاقِفِ مُتَغَيِّرًا وَبَعْضُهُ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ، وَكَانَ غَيْرُ الْمُتَغَيِّرِ مَعَ الْجِرْيَةِ الْمُلَاقِيَةِ لَهُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ زَائِدٌ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَكَانَ طَاهِرًا، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِرْيَةُ قُلَّتَيْنِ. وَإِنْ كَانَ الْمُتَغَيِّرُ مِنْهُ الْوَاقِفُ يَلِي الْجَارِيَ وَغَيْرُ الْمُتَغَيِّرِ لَا يَلِيهِ وَلَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ أَعْلَى الْمَاءِ وَلَا أَسْفَلِهِ، وَلَا مِنْ نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِيهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ نَجِسًا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يُلَاقِي الْمَاءَ النَّجِسَ لَا يَبْلُغُ الْقُلَّتَيْنِ، وَإِنْ اتَّصَلَ بِهِ مِنْ نَاحِيَةٍ فَكُلُّ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ طَاهِرٌ إذَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ كَالْغَدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ بَيْنَهُمَا سَاقِيَةٌ، وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فصل في تطهير الماء النجس وهو ثلاثة أقسام
(29) فَصْلٌ: إذَا اجْتَمَعْت الْجِرْيَاتُ فِي مَوْضِعٍ، فَإِنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا بِالنَّجَاسَةِ فَهُوَ نَجِسٌ، وَإِنْ كَثُرَ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ الْجِرْيَاتِ مَاءٌ طَاهِرٌ مُتَوَالٍ يَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ، إمَّا سَابِقًا وَإِمَّا لَاحِقًا، فَالْجَمِيعُ طَاهِرٌ. مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ؛ لِأَنَّ الْقُلَّتَيْنِ تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهَا، وَعَمَّا اجْتَمَعَتْ مَعَهُ. وَإِنْ كَانَ الْمُجْتَمِعُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، وَفِي بَعْضِ الْجِرْيَاتِ شَيْءٌ نَجِسٌ، فَالْكُلُّ نَجِسٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ إلَّا أَنَّ الْجِرْيَاتِ كُلَّهَا نَجِسَةٌ، أَوْ بَعْضَ الْجِرْيَاتِ طَاهِرٌ وَبَعْضَهَا نَجِسٌ، وَلَا يَتَوَالَى مِنْ الطَّاهِرِ قُلَّتَانِ،، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْجَمِيعَ نَجِسٌ، وَإِنْ كَثُرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» ؛ وَلِأَنَّهُ مَاءٌ كَثِيرٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِالنَّجَاسَةِ، فَكَانَ طَاهِرًا، كَمَا لَوْ كَانَ مُتَغَيِّرًا فَزَالَ تَغَيُّرُهُ بِمُكْثِهِ. وَلَنَا أَنَّهُ انْضَمَّ النَّجِسُ إلَى النَّجِسِ، فَصَارَ الْجَمِيعُ نَجِسًا كَغَيْرِ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْجِرْيَاتِ طَاهِرًا، لَكِنَّهُ قَلِيلٌ، فَهُوَ مِمَّا لَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ، فَعَنْ غَيْرِهِ أَوْلَى. فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا مُتَغَيِّرًا بِالنَّجَاسَةِ، فَزَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ، طَهُرَ الْجَمِيعُ، وَإِنْ زَالَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، أَوْ بِاجْتِمَاعِ مَاءٍ نَجِسٍ إلَيْهِ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَا يَدْفَعُهَا عَنْ غَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَطْهُرَ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ عِلَّةَ التَّنْجِيسِ، فَأَزَالَ التَّنْجِيسَ، كَمَا لَوْ زَالَ بِنَزَحٍ أَوْ بِمُكْثِهِ. [فَصْلٌ فِي تَطْهِيرِ الْمَاءِ النَّجِسِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ] (30) فَصْلٌ: فِي تَطْهِيرِ الْمَاءِ النَّجِسِ. وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، فَتَطْهِيرُهُ بِالْمُكَاثَرَةِ بِقُلَّتَيْنِ طَاهِرَتَيْنِ، إمَّا أَنْ يُصَبَّ فِيهِ، أَوْ يَنْبُعَ فِيهِ، فَيَزُولَ بِهِمَا تَغَيُّرُهُ إنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَغَيِّرًا طَهُرَ بِمُجَرَّدِ الْمُكَاثَرَةِ؛ لِأَنَّ الْقُلَّتَيْنِ لَا تَحْمِلُ الْخَبَثَ، وَلَا تَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ، وَلِذَلِكَ لَوْ وَرَدَ عَلَيْهَا مَاءٌ نَجِسٌ لَمْ يُنَجِّسْهَا مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ بِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ وَارِدَةً، وَمِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهِمَا طَهَارَةُ مَا اخْتَلَطَتَا بِهِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ وَفْقَ الْقُلَّتَيْنِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ بِالنَّجَاسَةِ، فَيَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا غَيْرُ، الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُتَغَيِّرًا فَيَطْهُرَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ؛ بِالْمُكَاثَرَةِ الْمَذْكُورَةِ إذَا أَزَالَتْ التَّغَيُّرَ، أَوْ بِتَرْكِهِ حَتَّى يَزُولَ تَغَيُّرُهُ بِطُولِ مُكْثِهِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ، الزَّائِدُ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ، فَلَهُ حَالَانِ، أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ نَجِسًا بِغَيْرِ التَّغَيُّرِ، فَلَا طَرِيقَ إلَى تَطْهِيرِهِ بِغَيْرِ الْمُكَاثَرَةِ، الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُتَغَيِّرًا بِالنَّجَاسَةِ، فَتَطْهِيرُهُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ؛ الْمُكَاثَرَةُ، أَوْ زَوَالُ تَغَيُّرِهِ بِمُكْثِهِ، أَوْ أَنْ يُنْزَحَ مِنْهُ مَا يَزُولُ بِهِ التَّغَيُّرُ، وَيَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ قُلَّتَانِ فَصَاعِدًا، فَإِنَّهُ إنْ بَقِيَ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، قَبْلَ زَوَالِ تَغَيُّرِهِ، لَمْ يَبْقَ التَّغَيُّرُ عِلَّةَ تَنْجِيسِهِ؛ لِأَنَّهُ تَنَجَّسَ بِدُونِهِ، فَلَا يَزُولُ التَّنْجِيسُ
بِزَوَالِهِ، وَلِذَلِكَ طَهُرَ الْكَثِيرُ بِالنَّزْحِ وَطُولِ الْمُكْثِ، وَلَمْ يَطْهُرْ الْقَلِيلُ، فَإِنَّ الْكَثِيرَ لَمَّا كَانَتْ عِلَّةُ تَنْجِيسِهِ التَّغَيُّرَ زَالَ تَنْجِيسُهُ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ، كَالْخَمْرَةِ إذَا انْقَلَبَتْ خَلًّا، وَالْقَلِيلُ عِلَّةُ تَنْجِيسِهِ الْمُلَاقَاةُ لَا التَّغَيُّرُ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ زَوَالُهُ فِي زَوَالِ التَّنْجِيسِ. (31) فَصْلٌ: وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُكَاثَرَةِ صَبُّ الْمَاءِ دُفْعَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنْ يُوصِلُ الْمَاءَ عَلَى مَا يُمْكِنُهُ مِنْ الْمُتَابَعَةِ، إمَّا مِنْ سَاقِيَةٍ، وَإِمَّا دَلْوًا فَدَلْوًا، أَوْ يَسِيلُ إلَيْهِ مَاءُ الْمَطَرِ، أَوْ يَنْبُعُ قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ فَيَحْصُلُ بِهِ التَّطْهِيرُ. (32) فَصْلٌ: فَإِنْ كُوثِرَ بِمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، فَزَالَ تَغَيُّرُهُ، أَوْ طُرِحَ فِيهِ تُرَابٌ أَوْ مَائِعٌ غَيَّرَ الْمَاءَ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَزَالَ تَغَيُّرُهُ بِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَطْهُرُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ، فَعَنْ غَيْرِهِ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَهُورٍ، فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ كَالْمَاءِ النَّجِسِ. وَالثَّانِي، يَطْهُرُ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ نَجَاسَتِهِ التَّغَيُّرُ، وَقَدْ زَالَ، فَيَزُولُ التَّنْجِيسُ، كَمَا لَوْ زَالَ بِمُكْثِهِ، وَكَالْخَمْرَةِ إذَا انْقَلَبَتْ خَلًّا. (33) فَصْلٌ: وَلَا يَطْهُرُ غَيْرُ الْمَاءِ مِنْ الْمَائِعَاتِ بِالتَّطْهِيرِ، فِي قَوْلِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إلَّا الزِّئْبَقَ؛ فَإِنَّهُ لِقُوَّتِهِ وَتَمَاسُكِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْجَامِدِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ السَّمْنِ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ الْفَأْرَةُ، فَقَالَ: إنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلَوْ كَانَ إلَى تَطْهِيرِهِ طَرِيقٌ لَمْ يَأْمُرْ بِإِرَاقَتِهِ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ مَا يَتَأَتَّى تَطْهِيرُهُ كَالزَّيْتِ، يَطْهُرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ فَيَطْهُرُ بِهِ، كَالْجَامِدِ، وَطَرِيقُ تَطْهِيرِهِ جَعْلُهُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ، وَيُخَاضُ فِيهِ حَتَّى يُصِيبَ الْمَاءُ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ، ثُمَّ يُتْرَكُ حَتَّى يَعْلُوَ عَلَى الْمَاءِ، فَيُؤْخَذُ، وَإِنْ تَرَكَهُ فِي جَرَّةٍ وَصَبَّ عَلَيْهِ مَاءً، فَخَاضَهُ بِهِ، وَجَعَلَ لَهَا بُزَالًا يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ، جَازَ، وَالْخَبَرُ وَرَدَ فِي السَّمْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُمْكِنَ تَطْهِيرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَجْمُدُ فِي الْمَاءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ الْأَمْرَ بِتَطْهِيرِهِ لِمَشَقَّةِ ذَلِكَ، وَقِلَّةِ وُقُوعِهِ. (34) فَصْلٌ: وَإِذَا وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ وَكَانَ مَائِعًا نَجِسَ، وَإِنْ كَانَ جَامِدًا كَالسَّمْنِ الْجَامِدِ أُخِذَتْ النَّجَاسَةُ بِمَا حَوْلَهَا فَأُلْقِيَتْ، وَالْبَاقِي طَاهِرٌ: لِمَا رَوَتْ مَيْمُونَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ
فصل تنجس العجين ونحوه
فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» أَخْرُجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " مُسْنَدِهِ "، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ " الصَّحِيحَيْنِ ". وَحَدُّ الْجَامِدِ الَّذِي لَا تَسْرِي النَّجَاسَةُ إلَى جَمِيعِهِ، هُوَ الْمُتَمَاسِكُ الَّذِي فِيهِ قُوَّةٌ تَمْنَعُ انْتِقَالَ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ عَنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ إلَى مَا سِوَاهُ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الدُّوشَابِ. يَعْنِي: يَقَعُ فِيهِ نَجَاسَةٌ؟ قَالَ: إذَا كَانَ كَثِيرًا أَخَذُوا مَا حَوْلَهُ، مِثْلُ السَّمْنِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ حَدُّ الْجَامِدِ مَا إذَا فُتِحَ وِعَاؤُهُ لَمْ تَسِلْ أَجْزَاؤُهُ. وَظَاهِرُ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ أَحْمَدَ خِلَافُ هَذَا؛ فَإِنَّ الدُّوشَابَ لَا يَكَادُ يَبْلُغُ هَذَا، وَسَمْنُ الْحِجَازِ لَا يَكَادُ يَبْلُغُهُ، وَالْمَقْصُودُ بِالْجُمُودِ أَنْ لَا تَسْرِيَ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ، وَهَذَا حَاصِلٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ تَنَجُّسُ الْعَجِينِ وَنَحْوِهِ] (35) فَصْلٌ: وَإِنْ تَنَجَّسَ الْعَجِينُ وَنَحْوُهُ فَلَا سَبِيلَ إلَى تَطْهِيرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ نُقِعَ السِّمْسِمُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ الْحُبُوبِ فِي الْمَاءِ النَّجِسِ، حَتَّى انْتَفَخَ وَابْتَلَّ، لَمْ يَطْهُرْ. قِيلَ لِأَحْمَدَ فِي سِمْسِمٍ نُقِعَ فِي تِيغَارٍ، فَوَقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ، فَمَاتَتْ؟ قَالَ: لَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ. قِيلَ: أَفَيُغْسَلُ مِرَارًا حَتَّى يَذْهَبَ ذَلِكَ الْمَاءُ؟ قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ ابْتَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ؛ لَا يُنَقَّى مِنْهُ وَإِنْ غُسِلَ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي الْعَجِينِ وَالسِّمْسِمِ: يُطْعَمُ النَّوَاضِحَ، وَلَا يُطْعَمُ لِمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ. يَعْنِي لِمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ قَرِيبًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ: يُطْعَمُ الدَّجَاجَ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يُطْعَمُ الْبَهَائِمَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يُطْعَمُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ شُحُومِ الْمَيْتَةِ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ. وَلَنَا: مَا رَوَى أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، «أَنَّ قَوْمًا اخْتَبَزُوا مِنْ آبَارِ الَّذِينَ ظَلَمُوا
مسألة إلا أن تكون النجاسة بولا أو عذرة مائعة
أَنْفُسَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَعْلِفُوهُ النَّوَاضِحَ» وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. وَقَالَ فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ: " أَطْعِمْهُ نَاضِحَك أَوْ رَقِيقَك ". وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ هَذَا بِمَيْتَةٍ. يَعْنِي أَنَّ نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا تَنَاوَلَ الْمَيْتَةَ، وَلَيْسَ هَذَا بِدَاخِلٍ فِي النَّهْيِ، وَلَا فِي مَعْنَاهَا؛ وَلِأَنَّ اسْتِعْمَالَ شُحُومِ الْمَيْتَةِ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْضِي إلَى تَعَدِّي نَجَاسَتِهَا، وَاسْتِعْمَالِ مَا دُهِنَتْ بِهِ مِنْ الْجُلُودِ، فَيَكُونُ مُسْتَعْمِلًا لِلنَّجَاسَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَاهُنَا؛ فَإِنَّ نَجَاسَةَ هَذَا لَا تَتَعَدَّى أَكْلَهُ. قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا يُطْعَمُ لِشَيْءٍ يُؤْكَلُ فِي الْحَالِ، وَلَا يُحْلَبُ لَبَنُهُ، لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ بِهِ، وَيَصِيرَ كَالْجَلَّالِ. [مَسْأَلَةٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ بَوْلًا أَوْ عَذِرَةً مَائِعَةً] (36) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (إلَّا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ بَوْلًا أَوْ عَذِرَةً مَائِعَةً فَإِنَّهُ يَنْجُسُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْمَصَانِعِ الَّتِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ نَزْحُهَا، فَذَاكَ الَّذِي لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) يَعْنِي بِالْمَصَانِعِ: الْبِرَكَ الَّتِي صُنِعَتْ مَوْرِدًا لِلْحَاجِّ، يَشْرَبُونَ مِنْهَا، يَجْتَمِعُ فِيهَا مَاءٌ كَثِيرٌ وَيَفْضُلُ عَنْهُمْ، فَتِلْكَ لَا تَتَنَجَّسُ بِشَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ، مِثْلُ الرِّجْلِ مِنْ الْبَحْرِ وَنَحْوِهِ، إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، فَلَمْ تُغَيِّرْ لَهُ لَوْنًا وَلَا طَعْمًا وَلَا رِيحًا، أَنَّهُ بِحَالِهِ يُتَطَهَّرُ مِنْهُ، فَأَمَّا مَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِشَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ، إلَّا بِبَوْلِ الْآدَمِيِّينَ، أَوْ عَذِرَتِهِمْ الْمَائِعَةِ؛ فَإِنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، أَشْهَرُهُمَا: أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِذَلِكَ. رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَحَدَّثَنَا عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَبِيٍّ بَالَ فِي بِئْرٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْزِفُوهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَوَجْهُ ذَلِكَ: مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ: " ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ ". صَحِيحٌ. وَلِلْبُخَارِيِّ: «ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ.» وَهَذَا مُتَنَاوِلٌ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَهُوَ خَاصٌّ فِي الْبَوْلِ، وَأَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ» . وَلِأَنَّ بَوْلَ الْآدَمِيِّ لَا تَزِيدُ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ الْكَلْبِ، وَهُوَ لَا يُنَجِّسُ الْقُلَّتَيْنِ، فَبَوْلُ الْآدَمِيِّ أَوْلَى، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِهِ، بِدَلِيلِ مَا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ، أَوْ يُخَصُّ بِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ، فَإِنَّ تَخْصِيصَهُ بِخَبَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى مِنْ تَخْصِيصِهِ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ تَسَاوَى الْحَدِيثَانِ لَوَجَبَ الْعُدُولُ إلَى الْقِيَاسِ عَلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ.
فَصْلٌ: وَلَمْ أَجِدْ عَنْ إمَامِنَا، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَلَا عَنْ أَصْحَابِنَا، تَحْدِيدَ مَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ، بِأَكْثَرَ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِمَصَانِعِ مَكَّةَ. قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الرَّاكِدِ مِنْ آبَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى قِلَّةِ مَا فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمَصَانِعَ لَمْ تَكُنْ، إنَّمَا أُحْدِثَتْ. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْمَصَانِعِ الَّتِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ؟ فَقَالَ: لَيْسَ يُنَجِّسُ تِلْكَ عِنْدِي بَوْلٌ وَلَا شَيْءٌ إذَا كَثُرَ الْمَاءُ، حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ تِلْكَ الْمَصَانِعِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ بِئْرٍ بَالَ فِيهَا إنْسَانٌ " قَالَ تُنْزَحُ حَتَّى تَغْلِبَهُمْ. قُلْت: مَا حَدُّهُ؟ قَالَ: لَا يَقْدِرُونَ عَلَى نَزْحِهَا. وَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْغَدِيرُ يُبَالُ فِيهِ؟ قَالَ: الْغَدِيرُ أَسْهَلُ. وَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا، وَقَالَ فِي الْبِئْرِ، يَكُونُ لَهَا مَادَّةٌ: هُوَ وَاقِفٌ لَا يَجْرِي لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَجْرِي. يَعْنِي أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِالْبَوْلِ فِيهِ إذَا أَمْكَنَ نَزْحُهُ. (38) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَوْلِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ بِئْرٍ غَزِيرَةٍ وَقَعَتْ فِيهَا خِرْقَةٌ أَصَابَهَا بَوْلٌ؟ قَالَ: تُنْزَحُ. وَقَالَ فِي قَطْرَةِ بَوْلٍ وَقَعَتْ فِي مَاءٍ: لَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ سَائِرَ النَّجَاسَاتِ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا. (39) فَصْلٌ: إذَا كَانَتْ بِئْرُ الْمَاءِ مُلَاصِقَةً لَبِئْرٍ فِيهَا بَوْلٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ، وَشُكَّ فِي وُصُولِهَا إلَى الْمَاءِ، فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ فِي الطَّهَارَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: يَكُونُ بَيْنَ الْبِئْرِ وَالْبَالُوعَةِ مَا لَمْ يُغَيِّرْ طَعْمًا وَلَا رِيحًا - وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ - فَلَا بَأْسَ أَنْ يُتَوَضَّأَ مِنْهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ، وَإِنْ أَحَبَّ عِلْمَ حَقِيقَةِ ذَلِكَ فَلْيَطْرَحْ فِي الْبِئْرِ النَّجِسَةِ نَفْطًا، فَإِنْ وَجَدَ رَائِحَتَهُ فِي الْمَاءِ عَلِمَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ تَغَيُّرًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَلَمْ يَعْلَمْ لَهُ سَبَبًا آخَرَ، فَهُوَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ الْمُلَاصَقَةَ سَبَبٌ، فَيُحَالُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَمَا عَدَاهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَلَوْ وَجَدَ مَاءً مُتَغَيِّرًا فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَلَمْ يَعْلَمْ سَبَبَ تَغَيُّرِهِ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ نَجَاسَتُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ. وَإِنْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ
فصل توضأ من ماء كثير ثم وجده متغيرا بنجاسة
فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا تَغَيُّرًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا فَهُوَ نَجِسٌ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّغَيُّرُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْ النَّجَاسَةِ الْوَاقِعَةِ فِيهِ، لِكَثْرَتِهِ وَقِلَّتِهَا، أَوْ لِمُخَالَفَتِهِ لَوْنَهَا أَوْ طَعْمَهَا، فَهُوَ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ لِلنَّجَاسَةِ سَبَبًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَقَعْ فِيهِ شَيْءٌ. [فَصْلٌ تَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ كَثِيرٍ ثُمَّ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا بِنَجَاسَةٍ] (40) فَصْلٌ: وَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْ الْمَاءِ الْقَلِيلِ، وَصَلَّى، ثُمَّ وَجَدَ فِيهِ نَجَاسَةً، أَوْ تَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ كَثِيرٍ، ثُمَّ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا بِنَجَاسَةٍ، وَشَكَّ هَلْ كَانَ قَبْلَ وُضُوئِهِ، أَوْ بَعْدَهُ؟ فَالْأَصْلُ صِحَّةُ طَهَارَتِهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ وُضُوئِهِ بِأَمَارَةٍ أَعَادَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ النَّجَاسَةَ قَبْلَ وُضُوئِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَكَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، أَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَنَقَصَ بِالِاسْتِعْمَالِ أَعَادَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ نَقْصُ الْمَاءِ. [فَصْلٌ إذَا نُزِحَ مَاءُ الْبِئْرِ النَّجِسِ فَنَبَعَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَاءٌ أَوْ صُبَّ فِيهِ] (41) فَصْلٌ: إذَا نُزِحَ مَاءُ الْبِئْرِ النَّجِسِ، فَنَبَعَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَاءٌ، أَوْ صُبَّ فِيهِ فَهُوَ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ أَرْضَ الْبِئْرِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَرْضِ الَّتِي تَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ بِمُرُورِ الْمَاءِ عَلَيْهَا، وَإِنْ نَجِسَتْ جَوَانِبُ الْبِئْرِ، فَهَلْ يَجِبُ غَسْلُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ نَجَسٍ، فَأَشْبَهَ رَأْسَ الْبِئْرِ. وَالثَّانِيَةُ لَا يَجِبُ؛ لِلْمَشَقَّةِ اللَّاحِقَةِ بِذَلِكَ، فَعُفِيَ عَنْهُ، كَمَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ، وَأَسْفَلِ الْحِذَاءِ. فَصْلٌ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قُبُورِ الْحِجَارَةِ الَّتِي لِلرُّومِ يَجِيءُ الْمَطَرُ فَيَصِيرُ فِيهَا، وَيَشْرَبُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَيَتَوَضَّئُونَ؟ قَالَ: لَوْ غُسِلَتْ كَيْفَ تُغْسَلُ وَالْمَاءُ يَجِيءُ الْمَطَرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ غَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ. وَالْأَوْلَى الْحُكْمُ بِطَهَارَتِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ قَدْ أَصَابَهَا الْمَاءُ مَرَّاتٍ لَا يُحْصَى عَدَدُهَا، وَجَرَى عَلَى حِيطَانِهَا مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ مَا يُطَهِّرُهَا بَعْضُهُ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ يَشُقُّ غَسْلُهَا، فَأَشْبَهَتْ الْأَرْضَ الَّتِي تَطْهُرُ بِمَجِيءِ الْمَطَرِ عَلَيْهَا. (43) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ الْيَسِيرِ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ مِثْلُ الذُّبَابِ وَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا يُنَجِّسُهُ) النَّفْسُ هَاهُنَا: الدَّمُ يَعْنِي: مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الدَّمَ نَفْسًا، قَالَ الشَّاعِرُ: أُنْبِئْت أَنَّ بَنِي سُحَيْمٍ أَدْخَلُوا ... أَبْيَاتَهُمْ تَامُورَ نَفْسِ الْمُنْذِرِ يَعْنِي: دَمَهُ. وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمَرْأَةِ: نُفَسَاءُ؛ لِسَيَلَانِ دَمِهَا عِنْدَ الْوِلَادَةِ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: نَفِسَتْ الْمَرْأَةُ. إذَا حَاضَتْ، وَنَفِسَتْ مِنْ النِّفَاسِ. وَكُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ: كَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ مِنْ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ، أَوْ
فصل ضرب حيوانا مأكولا فوقع في ماء ثم وجده ميتا
حَيَوَانِ الْبَحْرِ، مِنْهُ الْعَلَقُ، وَالدِّيدَانُ، وَالسَّرَطَانُ، وَنَحْوُهَا، لَا يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ، وَلَا يَتَنَجَّسُ الْمَاءُ إذَا مَاتَ فِيهِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ؛ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، إلَّا مَا كَانَ مِنْ أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، قَالَ فِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَنْجُسُ قَلِيلُ الْمَاءِ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: وَهُوَ الْقِيَاسُ وَالثَّانِي: لَا يَنْجُسُ وَهُوَ الْأَصْلَحُ لِلنَّاسِ فَأَمَّا الْحَيَوَانُ فِي نَفْسِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ نَجِسٌ، قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُؤْكَلُ لَا لِحُرْمَتِهِ، فَيَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، كَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، وَلَنَا: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَمْقُلْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَفِي لَفْظٍ: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سُمًّا، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً» . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَقْلُهُ لَيْسَ بِقَتْلِهِ. قُلْنَا: اللَّفْظُ عَامٌّ فِي كُلِّ شَرَابٍ بَارِدٍ، أَوْ حَارٍّ، أَوْ دُهْنٍ، مِمَّا يَمُوتُ بِغَمْسِهِ فِيهِ، فَلَوْ كَانَ يُنَجِّسُ الْمَاءَ كَانَ أَمْرًا بِإِفْسَادِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لِسَلْمَانَ: يَا سَلْمَانُ، أَيُّمَا طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ مَاتَتْ فِيهِ دَابَّةٌ لَيْسَتْ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ، فَهُوَ الْحَلَالُ: أَكْلُهُ، وَشُرْبُهُ، وَوُضُوءُهُ» . وَهَذَا صَرِيحٌ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: يَرْوِيهِ بَقِيَّةُ، وَهُوَ مُدَلِّسٌ، فَإِذَا رَوَى عَنْ الثِّقَاتِ جَوَّدَ وَلِأَنَّهُ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، لَمْ يَتَوَلَّدْ مِنْ النَّجَاسَةِ، فَأَشْبَهَ دُودَ الْخَلِّ إذَا مَاتَ فِيهِ، فَإِنَّهُمْ سَلَّمُوا ذَلِكَ وَنَحْوَهُ، أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَائِعَ الَّذِي تَوَلَّدَ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يُؤْخَذَ ثُمَّ يُطْرَحَ فِيهِ، أَوْ يَشُقَّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، أَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ، لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ نَجِسًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَنَجَّسَ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ. (44) فَصْلٌ: فَإِنْ غَيَّرَ الْمَاءَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الطَّاهِرَاتِ؛ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، كَالْجَرَادِ يَتَسَاقَطُ فِي الْمَاءِ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ كَوَرَقِ الشَّجَرِ الْمُتَنَاثِرِ فِي الْمَاءِ، يُعْفَى عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، كَاَلَّذِي يُلْقَى فِي الْمَاءِ قَصْدًا، فَهُوَ كَالْوَرَقِ الَّذِي يُلْقَى فِي الْمَاءِ، وَلَوْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِحَيَوَانٍ مُذَكًّى، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصِيبَ نَجَاسَةً، فَقَدْ نَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ شَاةٍ مَذْبُوحَةٍ، وَقَعَتْ فِي مَاءٍ فَتَغَيَّرَ رِيحُ الْمَاءِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ، إنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَ مِنْ نَجَاسَةٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: قَالَ أَبِي: وَأَمَّا السَّمَكُ إذَا غَيَّرَ الْمَاءَ، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. [فَصْلٌ ضَرَبَ حَيَوَانًا مَأْكُولًا فَوَقَعَ فِي مَاءٍ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا] (45) فَصْلٌ: ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيمَنْ ضَرَبَ حَيَوَانًا مَأْكُولًا، فَوَقَعَ فِي مَاءٍ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا، وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ مَاتَ
بِالْجِرَاحَةِ، أَوْ بِالْمَاءِ، فَالْمَاءُ عَلَى أَصْلِهِ فِي الطَّهَارَةِ، وَالْحَيَوَانُ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْحَظْرِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ مُوجِبَةً، فَيَكُونُ الْحَيَوَانُ أَيْضًا مُبَاحًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَوْتُهُ بِالْجِرَاحِ وَالْمَاءُ طَاهِرٌ، إلَّا أَنْ يَقَعَ فِيهِ دَمٌ. (46) فَصْلٌ: الْحَيَوَانُ ضَرْبَانِ: مَا لَيْسَتْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، وَهُوَ نَوْعَانِ: مَا يَتَوَلَّدُ مِنْ الطَّاهِرَاتِ، فَهُوَ طَاهِرٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. الثَّانِي، مَا يَتَوَلَّدُ مِنْ النَّجَاسَاتِ، كَدُودِ الْحُشِّ وَصَرَاصِرِهِ، فَهُوَ نَجِسٌ حَيًّا وَمَيِّتًا؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ النَّجَاسَةِ فَكَانَ نَجِسًا، كَوَلَدِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: صَرَاصِرُ الْكَنِيفِ وَالْبَالُوعَةِ، إذَا وَقَعَ فِي الْإِنَاءِ أَوْ الْحَبِّ، صُبَّ وَصَرَاصِرُ الْبِئْرِ لَيْسَتْ بِقَذِرَةٍ، وَلَا تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ. الضَّرْبُ الثَّانِي مَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا مَا تُبَاحُ مَيْتَتُهُ، وَهُوَ السَّمَكُ وَسَائِرُ حَيَوَانِ الْبَحْرِ الَّذِي لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْمَاءِ، فَهُوَ طَاهِرٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُبَحْ أَكْلُهُ، وَإِنْ غَيَّرَ الْمَاءَ لَمْ يَمْنَعْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. النَّوْعُ الثَّانِي مَا لَا تُبَاحُ مَيْتَتُهُ غَيْرَ الْآدَمِيِّ؛ كَحَيَوَانِ الْبَرِّ الْمَأْكُولِ، وَغَيْرِهِ، كَحَيَوَانِ الْبَحْرِ الَّذِي يَعِيشُ فِي الْبَرِّ، كَالضِّفْدَعِ، وَالتِّمْسَاحِ، وَشَبَهِهِمَا، فَكُلُّ ذَلِكَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، وَيُنَجِّسُ الْمَاءَ الْقَلِيلَ إذَا مَاتَ فِيهِ، وَالْكَثِيرَ إذَا غَيَّرَهُ. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، فِي الضِّفْدَعِ: إذَا مَاتَتْ فِي الْمَاءِ لَا تُفْسِدُهُ؛ لِأَنَّهَا تَعِيشُ فِي الْمَاءِ أَشْبَهَتْ السَّمَكَ. وَلَنَا أَنَّهَا تُنَجِّسُ غَيْرَ الْمَاءِ، فَتُنَجِّسُ الْمَاءَ، كَحَيَوَانِ الْبَرِّ؛ وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، لَا تُبَاحُ مَيْتَتُهُ فَأَشْبَهَ طَيْرَ الْمَاءِ، وَيُفَارِقُ السَّمَكُ؛ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ، وَلَا يُنَجِّسُ غَيْرَ الْمَاءِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ، الْآدَمِيُّ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ طَاهِرٌ حَيًّا وَمَيِّتًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بِئْرٍ وَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ، فَمَاتَ؟ قَالَ: يُنْزَحُ حَتَّى يَغْلِبَهُمْ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالَ: يَنْجُسُ وَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، فَنَجُسَ بِالْمَوْتِ، كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ. كَالرِّوَايَتَيْنِ وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا؛ لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ، فَلَمْ
مسألة لا يتوضأ بسؤر كل بهيمة لا يؤكل لحمها إلا السنور
يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، كَالشَّهِيدِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ نَجِسَ بِالْمَوْتِ لَمْ يَطْهُرْ بِالْغَسْلِ؛ كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تَنْجُسُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْآدَمِيَّةِ، وَفِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْجُسَ الْكَافِرُ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْمُسْلِمِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْكَافِرِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ حُرْمَةٌ كَحُرْمَةِ الْمُسْلِمِ. (47) فَصْلٌ: وَحُكْمُ أَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ وَأَبْعَاضِهِ حُكْمُ جُمْلَتِهِ، سَوَاءٌ انْفَصَلَتْ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهَا أَجْزَاءٌ مِنْ جُمْلَةٍ. فَكَانَ حُكْمُهَا كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ وَالنَّجِسَةِ؛ وَلِأَنَّهَا يُصَلَّى عَلَيْهَا، فَكَانَتْ طَاهِرَةً كَجُمْلَتِهِ. وَذِكْرُ الْقَاضِي أَنَّهَا نَجِسَةٌ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهَا لَا حُرْمَةَ لَهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا. وَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ فَإِنَّ لَهَا حُرْمَةً، بِدَلِيلِ أَنَّ كَسْرَ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ، وَيُصَلَّى عَلَيْهَا إذَا وُجِدَتْ مِنْ الْمَيِّتِ، ثُمَّ تَبْطُلُ بِشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ طَاهِرٌ. (48) فَصْلٌ وَفِي الْوَزَغِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً، أَشْبَهَ الْعَقْرَبَ؛ وَلِأَنَّهُ إنْ شُكَّ فِي نَجَاسَتِهِ فَالْمَاءُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِهِ فِي الطَّهَارَةِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ يَنْجُسُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ. إنْ مَاتَتْ الْوَزَغَةُ أَوْ الْفَأْرَةُ فِي الْجُبِّ يُصَبُّ مَا فِيهِ، وَاذَا مَاتَتْ فِي بِئْرٍ فَانْزَحْهَا حَتَّى تَغْلِبَك. (49) فَصْلٌ: وَإِذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ حَيَوَانٌ لَا يُعْلَمُ، هَلْ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ أَمْ لَا؟ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ، وَالنَّجَاسَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا، فَلَا نُزُولَ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ شَرِبَ مِنْهُ حَيَوَانٌ يُشَكُّ فِي نَجَاسَةِ سُؤْرِهِ وَطَهَارَتِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. [مَسْأَلَةٌ لَا يُتَوَضَّأُ بِسُؤْرِ كُلِّ بَهِيمَةٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا إلَّا السِّنَّوْرَ] (50) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَا يُتَوَضَّأُ بِسُؤْرِ كُلِّ بَهِيمَةٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا، إلَّا السِّنَّوْرَ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ) . السُّؤْرُ فَضْلَةُ الشُّرْبِ. وَالْحَيَوَانُ قِسْمَانِ: نَجِسٌ وَطَاهِرٌ. فَالنَّجِسُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا مَا هُوَ نَجِسٌ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَهُوَ الْكَلْبُ، وَالْخِنْزِيرُ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَهَذَا نَجِسٌ، عَيْنُهُ، وَسُؤْرُهُ، وَجَمِيعُ مَا خَرَجَ مِنْهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُرْوَةَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي السُّؤْرِ خَاصَّةً. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَدَاوُد: سُؤْرُهُمَا طَاهِرٌ، يُتَوَضَّأُ بِهِ وَيُشْرَبُ، وَإِنْ وَلَغَا فِي طَعَامٍ لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: يَتَوَضَّأُ بِهِ إذَا لَمْ يَجِدْ
غَيْرَهُ. وَقَالَ عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَابْنُ مَسْلَمَةَ: يَتَوَضَّأُ وَيَتَيَمَّمُ. قَالَ مَالِكٌ: وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ تَعَبُّدًا. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ عَلَى طَهَارَتِهِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4] وَلَمْ يَأْمُرْ بِغَسْلِ مَا أَصَابَهُ فَمُهُ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ الْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَالْكِلَابُ وَالْحُمُرُ، وَعَنْ الطَّهَارَةِ بِهَا؟ فَقَالَ: لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا، وَلَنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ» ؛ وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ فَكَانَ طَاهِرًا كَالْمَأْكُولِ. وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ: «فَلْيُرِقْهُ، ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» ، وَلَوْ كَانَ سُؤْرُهُ طَاهِرًا لَمْ تَجُزْ إرَاقَتُهُ، وَلَا وَجَبَ غَسْلُهُ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا وَجَبَ غَسْلُهُ تَعَبُّدًا، كَمَا تُغْسَلُ أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ وَتُغْسَلُ الْيَدُ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ. قُلْنَا: الْأَصْلُ وُجُوبُ الْغَسْلِ مِنْ النَّجَاسَةِ؛ بِدَلِيلِ سَائِرِ الْغَسْلِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ تَعَبُّدًا لَمَا أَمَرَ بِإِرَاقَةِ الْمَاءِ، وَلَمَا اخْتَصَّ الْغَسْلَ بِمَوْضِعِ الْوُلُوغِ؛ لِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي الْإِنَاءِ كُلِّهِ. وَأَمَّا غَسْلُ الْيَدِ مِنْ النَّوْمِ فَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ لِلِاحْتِفَاظِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ قَدْ أَصَابَتْهَا نَجَاسَةٌ، فَيَتَنَجَّسُ الْمَاءُ، ثُمَّ تُنَجَّسُ أَعْضَاؤُهُ بِهِ، وَغَسْلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ شُرِعَ لِلْوَضَاءَةِ وَالنَّظَافَةِ لِيَكُونَ الْعَبْدُ فِي حَالِ قِيَامِهِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ وَأَكْمَلِهَا، ثُمَّ إنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، فَإِنَّمَا عَهِدْنَا التَّعَبُّدَ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ. أَمَّا الْآنِيَةُ وَالثِّيَابُ فَإِنَّمَا يَجِبُ غَسْلُهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي لَفْظٍ: «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَلَا يَكُونُ الطَّهُورُ إلَّا فِي مَحَلِّ الطَّهَارَةِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِأَكْلِ مَا أَمْسَكَهُ الْكَلْبُ قَبْلَ غَسْلِهِ، قُلْنَا: اللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِأَكْلِهِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِغَسْلِهِ، فَيُعْمَلُ بِأَمْرِهِمَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ فَلِأَنَّهُ يَشُقُّ، فَعُفِيَ عَنْهُ، وَحَدِيثُهُمْ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَاءَ الْمَسْئُولَ عَنْهُ كَانَ كَثِيرًا، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، حِينَ سُئِلَ عَنْ الْمَاءِ، وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ السِّبَاعِ: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» ؛ وَلِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ عَلَى رِوَايَةٍ لَنَا، وَشُرْبُهَا مِنْ الْمَاءِ لَا يُغَيِّرُهُ، فَلَمْ يُنَجِّسْهُ ذَلِكَ النَّوْعُ الثَّانِي مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَهُوَ سَائِرُ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ، إلَّا السِّنَّوْرَ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ، وَكَذَلِكَ جَوَارِحُ الطَّيْرِ، وَالْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ وَالْبَغْلُ؛ فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ سُؤْرَهَا نَجِسٌ، إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ تَيَمَّمَ، وَتَرَكَهُ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَرِهَ سُؤْرَ الْحِمَارِ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَحَمَّادٍ، وَإِسْحَاقَ وَعَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ: إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَ سُؤْرِهِمَا تَيَمَّمَ مَعَهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ سُؤْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَمْ تَجُزْ الطَّهَارَةُ بِهِ وَرُوِيَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ: لَا بَأْسَ بِسُؤْرِ السِّبَاعِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَالَ فِي السِّبَاعِ: تَرِدُ عَلَيْنَا، وَنَرِدُ عَلَيْهَا. وَرَخَّصَ فِي سُؤْرِ جَمِيعِ ذَلِكَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَبُكَيْر بْنُ الْأَشَجِّ، وَرَبِيعَةُ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْحِيَاضِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ: أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتْ الْحُمُرُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَبِمَا أَفْضَلَتْ السِّبَاعُ كُلُّهَا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي " مُسْنَدِهِ "، وَهَذَا نَصٌّ؛ وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَكَانَ طَاهِرًا كَالشَّاةِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الْمَاءِ، وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ السِّبَاعِ؟ فَقَالَ: " إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ ". وَلَوْ كَانَتْ طَاهِرَةً لَمْ يَحُدَّهُ بِالْقُلَّتَيْنِ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي الْحُمُرِ يَوْمَ خَيْبَرَ: إنَّهَا رِجْسٌ» وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ حَرُمَ أَكْلُهُ، لَا لِحُرْمَتِهِ، يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ غَالِبًا، أَشْبَهَ الْكَلْبَ؛ وَلِأَنَّ السِّبَاعَ وَالْجَوَارِحَ الْغَالِبُ عَلَيْهَا أَكْلُ الْمَيْتَاتِ وَالنَّجَاسَاتِ، فَتُنَجَّسُ أَفْوَاهُهَا، وَلَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُ مُطَهِّرٍ لَهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى بِنَجَاسَتِهَا، كَالْكِلَابِ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ قَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَاءِ الْكَثِيرِ، عِنْدَ مَنْ يَرَى نَجَاسَةَ سُؤْرِ الْكَلْبِ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ يَرْوِيهِ ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ، وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. قَالَهُ الْبُخَارِيُّ. وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى، وَهُوَ كَذَّابٌ. وَالصَّحِيحُ عِنْدِي: طَهَارَةُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْكَبُهَا، وَتُرْكَبُ فِي زَمَنِهِ، وَفِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، فَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَبَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُمَا لِمُقْتَنِيهِمَا. فَأَشْبَهَا السِّنَّوْرَ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " إنَّهَا رِجْسٌ ". أَرَادَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْأَنْصَابِ وَالْأَزْلَامِ إنَّهَا " رِجْسٌ "، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ لَحْمَهَا الَّذِي كَانَ فِي قُدُورِهِمْ، فَإِنَّهُ رِجْسٌ، فَإِنَّ ذَبْحَ مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لَا يُطَهِّرُهُ. الْقِسْمُ الثَّانِي طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ، وَسُؤْرِهِ وَعَرَقِهِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: الْأَوَّلُ، الْآدَمِيُّ، فَهُوَ طَاهِرٌ، وَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا، عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ سُؤْرَ الْحَائِضِ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، لَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» . وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا كَانَتْ تَشْرَبُ مِنْ الْإِنَاءِ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَيَأْخُذُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيهَا فَيَشْرَبُ، وَتَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ فَيَأْخُذُهُ
فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيهَا.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، «وَكَانَتْ تَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ حَائِضٌ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِعَائِشَةَ: نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ قَالَتْ: إنِّي حَائِضٌ. قَالَ: إنَّ حَيْضَتَك لَيْسَتْ فِي يَدِك» . الضَّرْبُ الثَّانِي مَا أُكِلَ لَحْمُهُ؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ سُؤْرَ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ يَجُوزُ شُرْبُهُ، وَالْوُضُوءُ بِهِ. فَإِنْ كَانَ جَلَّالًا يَأْكُلُ النَّجَاسَاتِ. فَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ نَجِسٌ. وَالثَّانِيَةُ: طَاهِرٌ فَيَكُونُ هَذَا مِنْ النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ السِّنَّوْرُ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ؛ كَالْفَأْرَةِ، وَابْنِ عِرْسٍ، فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ سُؤْرُهُ طَاهِرٌ، يَجُوزُ شُرْبُهُ وَالْوُضُوءُ بِهِ. وَلَا يُكْرَهُ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالشَّامِ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ بِسُؤْرِ الْهِرِّ، فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَهُ، وَكَذَلِكَ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، يُغْسَلُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ: يُغْسَلُ مَرَّةً. وَقَالَ طَاوُسٌ: يُغْسَلُ سَبْعًا، كَالْكَلْبِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ: «إذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً» . وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا، قَالَتْ: فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟ فَقُلْت: نَعَمْ. فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي الْبَابِ. وَقَدْ دَلَّ بِلَفْظِهِ عَلَى نَفْيِ الْكَرَاهَةِ عَنْ سُؤْرِ الْهِرِّ، وَبِتَعْلِيلِهِ عَلَى نَفْيِ الْكَرَاهَةِ عَمَّا دُونَهَا مِمَّا يَطُوفُ عَلَيْنَا. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كُنْت أَتَوَضَّأُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ، قَدْ أَصَابَتْ مِنْهُ الْهِرَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ» . وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ. وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فصل أكلت الهرة نجاسة ثم شربت من ماء يسير
[فَصْلٌ أَكَلَتْ الْهِرَّةُ نَجَاسَةً ثُمَّ شَرِبَتْ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ] (51) فَصْلٌ: إذَا أَكَلَتْ الْهِرَّةُ نَجَاسَةً ثُمَّ شَرِبَتْ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ بَعْدَ أَنْ غَابَتْ، فَالْمَاءُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَى عَنْهَا النَّجَاسَةَ، وَتَوَضَّأَ بِفَضْلِهَا، مَعَ عِلْمِهِ بِأَكْلِهَا النَّجَاسَاتِ. وَإِنْ شَرِبَتْ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ، فَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: يَنْجُسُ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَصَابَهُ بَوْلٌ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ طَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ تَغِبْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَفَى عَنْهَا مُطْلَقًا، وَعَلَّلَ بِعَدَمِ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهَا؛ وَلِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِطَهَارَةِ سُؤْرِهَا مَعَ الْغَيْبَةِ فِي مَكَان لَا يُحْتَمَلُ وُرُودُهَا عَلَى مَاءٍ كَثِيرٍ يُطَهِّرُ فَاهَا، وَلَوْ احْتَمَلَ ذَلِكَ فَهُوَ شَكٌّ لَا يُزِيلُ يَقِينَ النَّجَاسَةِ، فَوَجَبَ إحَالَةُ الطَّهَارَةِ عَلَى الْعَفْوِ عَنْهَا، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا قَبْلَ الْغَيْبَةِ. [فَصْلٌ وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ أَوْ الْهِرَّةُ وَنَحْوُهُمَا فِي مَائِعٍ أَوْ مَاءٍ يَسِيرٍ ثُمَّ خَرَجَتْ حَيَّةً] (52) فَصْلٌ: وَإِنْ وَقَعْت الْفَأْرَةُ أَوْ الْهِرَّةُ وَنَحْوُهُمَا، فِي مَائِعٍ، أَوْ مَاءٍ يَسِيرٍ، ثُمَّ خَرَجَتْ حَيَّةٌ، فَهُوَ طَاهِرٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ الذَّائِبِ، فَلَمْ تَمُتْ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: إذَا كَانَ حَيًّا فَلَا شَيْءَ، إنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْمَيِّتِ. وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَنْجُسَ إذَا أَصَابَ الْمَاءُ مَخْرَجَهَا؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ النَّجَاسَةِ نَجِسٌ، فَيَنْجُسُ بِهِ الْمَاءُ. وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، وَإِصَابَةُ الْمَاءِ لِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَإِنَّ الْمَخْرَجَ يَنْضَمُّ إذَا وَقَعَ الْحَيَوَانُ فِي الْمَاءِ، فَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ. [فَصْلٌ حُكْمُ جِلْدِ الْحَيَوَانِ وَشَعْرِهِ وَعَرَقِهِ وَدَمْعِهِ وَسُؤْرِهِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ] فَصْلٌ: كُلُّ حَيَوَانٍ حُكْمُ جِلْدِهِ وَشَعْرِهِ وَعَرَقِهِ وَدَمْعِهِ وَلُعَابِهِ حُكْمُ سُؤْرِهِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ السُّؤْرَ إنَّمَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ النَّجَاسَةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَنْجُسُ لِمُلَاقَاتِهِ لُعَابَ الْحَيَوَانِ وَجِسْمَهُ، فَلَوْ كَانَ طَاهِرًا كَانَ سُؤْرُهُ طَاهِرًا، وَإِذَا كَانَ نَجِسًا كَانَ سُؤْرُهُ نَجِسًا. [مَسْأَلَةٌ إنَاءٌ حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ مِنْ وُلُوغِ كَلْبٍ أَوْ بَوْلٍ] (54) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَكُلُّ إنَاءٍ حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ؛ مِنْ وُلُوغِ كَلْبٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يُغْسَلُ سَبْعَ مَرَّاتٍ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) النَّجَاسَةُ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا؛ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمُتَوَلِّدِ مِنْهُمَا، فَهَذَا لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا سَبْعًا، إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا ثَمَانِيًا، إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ: إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحُّ، وَيُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ عَدَّ التُّرَابَ ثَامِنَةً؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ مَعَ إحْدَى الْغَسَلَاتِ فَهُوَ جِنْسٌ آخَرُ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ
الْخَبَرَيْنِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ الْعَدَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ، وَإِنَّمَا يُغْسَلُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ نَقَاؤُهُ مِنْ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي الْكَلْبِ يَلَغُ فِي الْإِنَاءِ: «يُغْسَلُ ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا» فَلَمْ يُعَيِّنْ عَدَدًا؛ وَلِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا الْعَدَدُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الْأَرْضِ. وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُد: «أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» . وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ، الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الضَّحَّاكِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقَدْ رَوَى غَيْرُهُ مِنْ الثِّقَاتِ: (فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا. وَعَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الشَّكَّ مِنْ الرَّاوِي، فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَوَقَّفَ فِيهِ، وَيُعْمَلَ بِغَيْرِهِ. وَأَمَّا الْأَرْضُ فَإِنَّهُ سُومِحَ فِي غَسْلِهَا لِلْمَشَقَّةِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا. (55) فَصْلٌ: فَإِنْ جَعَلَ مَكَانَ التُّرَابِ غَيْرَهُ؛ مِنْ الْأُشْنَانِ، وَالصَّابُونِ، وَالنُّخَالَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ غَسَلَهُ غَسْلَةً ثَامِنَةً، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ أُمِرَ فِيهَا بِالتُّرَابِ، فَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، كَالتَّيَمُّمِ؛ وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ تَعَبُّدٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ، فَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِيهِ. وَالثَّانِي: يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أَبْلَغُ مِنْ التُّرَابِ فِي الْإِزَالَةِ، فَنَصُّهُ عَلَى التُّرَابِ تَنْبِيهٌ عَلَيْهَا؛ وَلِأَنَّهُ جَامِدٌ أُمِرَ بِهِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، فَأُلْحِقَ بِهِ مَا يُمَاثِلُهُ كَالْحَجَرِ فِي الِاسْتِجْمَارِ. فَأَمَّا الْغَسْلَةُ الثَّامِنَةُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَقُومُ مَقَامَ التُّرَابِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْقَصْدُ بِهِ تَقْوِيَةُ الْمَاءِ فِي الْإِزَالَةِ فَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالثَّامِنَةِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا أَبْلَغُ فِي الْإِزَالَةِ، وَإِنْ وَجَبَ تَعَبُّدًا امْتَنَعَ إبْدَالُهُ، وَالْقِيَاسُ عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّمَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِ التُّرَابِ عِنْدَ عَدَمِهِ، أَوْ إفْسَادِ الْمَحَلِّ الْمَغْسُولِ بِهِ، فَأَمَّا مَعَ وُجُودِهِ وَعَدَمِ الضَّرَرِ فَلَا وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ. الْقِسْمُ الثَّانِي: نَجَاسَةُ غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا يَجِبُ الْعَدَدُ فِيهَا قِيَاسًا عَلَى نَجَاسَةِ الْوُلُوغِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ،، أَنَّهُ قَالَ: «أُمِرْنَا بِغَسْلِ الْأَنْجَاسِ سَبْعًا.» فَيَنْصَرِفُ إلَى أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَالثَّانِيَةُ، لَا يَجِبُ الْعَدَدُ، بَلْ يُجْزِئُ فِيهَا الْمُكَاثَرَةُ بِالْمَاءِ مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ، بِحَيْثُ تَزُولُ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَتْ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ، وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَالْغَسْلُ مِنْ الْبَوْلِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُ حَتَّى جُعِلَتْ الصَّلَاةُ خَمْسًا، وَالْغَسْلُ
مِنْ الْبَوْلِ مَرَّةً، وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ مَرَّةً» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " مُسْنَدِهِ " وَأَبُو دَاوُد، فِي " سُنَنِهِ " وَهَذَا نَصٌّ، إلَّا أَنَّ فِي مُرَاجَعَةِ أَيُّوبَ بْنِ جَابِرٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَصَابَ إحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِعَدَدٍ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ، «أَنَّ امْرَأَةً رَكِبَتْ رِدْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نَاقَتِهِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ إذَا عَلَى حَقِيبَتِهِ شَيْءٌ مِنْ دَمِهَا، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَجْعَلَ فِي الْمَاءِ مِلْحًا، ثُمَّ تَغْسِلَ بِهِ الدَّمَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِعَدَدٍ «، وَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ سَجْلٌ مِنْ مَاءٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْعَدَدِ. وَلِأَنَّهَا نَجَاسَةُ غَيْرِ الْكَلْبِ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا الْعَدَدُ، وَرُوِيَ أَنَّ الْعَدَدَ لَا يُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ مِنْ الْبَدَنِ، وَيُعْتَبَرُ فِي مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَقِيَّةِ الْمَحَالِّ، قَالَ الْخَلَّالُ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَهَمٌ. وَلَمْ يُثْبِتْهَا. فَإِذَا قُلْنَا: بِوُجُوبِ الْعَدَدِ، فَفِي قَدْرِهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا سَبْعٌ؛ لِمَا قَدَّمْنَا. وَالثَّانِيَةُ، ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. إلَّا قَوْلَهُ " ثَلَاثًا " انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ، أَمَرَ بِغَسْلِهَا ثَلَاثًا؛ لِيَرْتَفِعَ وَهْمُ النَّجَاسَةِ، وَلَا يَرْفَعُ وَهْمَ النَّجَاسَةِ إلَّا مَا يَرْفَعُ حَقِيقَتَهَا. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّجَاسَةَ فِي مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ تَطْهُرُ بِثَلَاثٍ، وَفِي غَيْرِهِ تَطْهُرُ بِسَبْعٍ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِنْجَاءِ تَتَكَرَّرُ فِيهِ النَّجَاسَةُ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ التَّخْفِيفَ، وَقَدْ اُجْتُزِئَ فِيهَا بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، مَعَ أَنَّ الْمَاءَ أَبْلَغُ فِي الْإِزَالَةِ، فَأَوْلَى أَنْ يَجْتَزِئَ فِيهَا بِثَلَاثِ غَسَلَاتٍ. قَالَ الْقَاضِي: الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ مَا اخْتَارَ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ وُجُوبُ الْعَدَدِ فِي جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ. فَإِنْ قُلْنَا لَا يَجِبُ الْعَدَدُ لَمْ يَجِبْ التُّرَابُ، وَكَذَلِكَ إنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ الْغَسْلُ سَبْعًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِهِ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ إلَّا فِي نَجَاسَةِ الْوُلُوغِ. وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ السَّبْعِ، فَفِي وُجُوبِ التُّرَابِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَجِبُ؛ قِيَاسًا عَلَى الْوُلُوغِ. وَالثَّانِي لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْغَسْلِ لِلدَّمِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالتُّرَابِ إلَّا فِي نَجَاسَةِ الْوُلُوغِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَصَرَ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ التُّرَابَ إنْ أُمِرَ بِهِ تَعَبُّدًا وَجَبَ قَصْرُهُ عَلَى مَحَلِّهِ، وَإِنْ أُمِرَ بِهِ لِمَعْنًى فِي الْوُلُوغِ لِلزَّوْجَةِ فِيهِ لَا تَنْقَلِعُ إلَّا بِالتُّرَابِ، فَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ،
فصل أصاب المحل نجاسات متساوية في الحكم
وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ التُّرَابَ فِي الْغَسْلَةِ الْأُولَى؛ لِمُوَافَقَتِهِ لَفْظَ الْخَبَرِ، وَلِيَأْتِيَ الْمَاءُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ فَيُنَظِّفُهُ، وَمَتَى غَسَلَ بِهِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ: " إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ". وَفِي حَدِيثٍ: " أُولَاهُنَّ "، وَفِي حَدِيثٍ: " فِي الثَّامِنَةِ "، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ التُّرَابِ مِنْ الْغَسَلَاتِ غَيْرُ مَقْصُودٍ. [فَصْلٌ أَصَابَ الْمَحَلَّ نَجَاسَاتٌ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْحُكْمِ] (56) فَصْلٌ: إذَا أَصَابَ الْمَحَلَّ نَجَاسَاتٌ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْحُكْمِ فَهِيَ كَنَجَاسَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَغْلَظَ، كَالْوُلُوغِ مَعَ غَيْرِهِ، فَالْحُكْمُ لِأَغْلَظِهَا، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا دُونَهُ. وَلَوْ غَسَلَ الْإِنَاءَ دُونَ السَّبْعِ، ثُمَّ وَلَغَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى، فَغَسَلَهُ سَبْعًا، أَجْزَأَ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَجْزَأَ عَمَّا يُمَاثِلُ فَعَمَّا دُونَهُ أَوْلَى. [فَصْلٌ غَسَلَ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ فَأَصَابَ مَاءُ بَعْضِ الْغَسَلَاتِ مَحَلًّا آخَرَ] (57) فَصْلٌ: وَإِذَا غَسَلَ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ فَأَصَابَ مَاءُ بَعْضِ الْغَسَلَاتِ مَحَلًّا آخَرَ، قَبْلَ تَمَامِ السَّبْعِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَجِبُ غَسْلُهُ سَبْعًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ، فَلَا يُرَاعَى فِيهَا حُكْمُ الْمَحَلِّ الَّذِي انْفَصَلَتْ عَنْهُ، كَنَجَاسَةِ الْأَرْضِ وَمَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ. وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا بِالتُّرَابِ، وَإِنْ كَانَ الْمَحَلُّ الَّذِي انْفَصَلَتْ عَنْهُ قَدْ غُسِلَ بِالتُّرَابِ؛ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ أَصَابَتْ غَيْرَ الْأَرْضِ، فَأَشْبَهْت الْأُولَى. وَالثَّانِي: يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ الْأُولَى سِتًّا، وَمِنْ الثَّانِيَةِ خَمْسًا، وَمِنْ الثَّالِثَةِ أَرْبَعًا، كَذَلِكَ إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ تَطْهُرُ فِي مَحَلِّهَا بِدُونِ السَّبْعِ، فَطَهُرَتْ فِي مِثْلِهِ، كَالنَّجَاسَةِ عَلَى الْأَرْضِ؛ وَلِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ بَعْضُ الْمُتَّصِلِ، وَالْمُتَّصِلُ يَطْهُرُ بِذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ، وَتُفَارِقُ الْمُنْفَصِلَ عَنْ الْأَرْضِ وَمَحَلَّ الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي خِفَّتهَا الْمَحَلُّ، وَقَدْ زَالَتْ عَنْهُ، فَزَالَ التَّخْفِيفُ، وَالْعِلَّةُ فِي تَخْفِيفِهَا هَاهُنَا قُصُورُ حُكْمِهَا بِمَا مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ الْغَسْلِ. وَهَذَا لَازِمٌ لَهَا حَسَبَ مَا كَانَ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ قَدْ انْفَصَلَتْ عَنْ مَحَلِّ غَسْلٍ بِالتُّرَابِ غُسِلَ مَحَلُّهَا بِغَيْرِ تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى بِغَيْرِ تُرَابٍ غُسِلَتْ هَذِهِ بِالتُّرَابِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَهُوَ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (58) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ النَّجَاسَةِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ، أَوْ يَدِهِ، أَوْ رِجْلِهِ، أَوْ شَعْرِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَجْزَائِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ حُكْمُ بَقِيَّةِ أَجْزَائِهِ، عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ، وَحُكْمُ الْخِنْزِيرِ حُكْمُ الْكَلْبِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَقَعَ فِي الْكَلْبِ، وَالْخِنْزِيرُ شَرٌّ مِنْهُ وَأَغْلَظُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَحَرُمَ اقْتِنَاؤُهُ.
فصل غسل النجاسة يختلف باختلاف محلها
[فَصْلٌ غَسْلُ النَّجَاسَةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَحَلِّهَا] (59) فَصْلٌ: وَغَسْلُ النَّجَاسَةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَحَلِّهَا؛ إنْ كَانَتْ جِسْمًا لَا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ كَالْآنِيَةِ، فَغَسْلُهُ بِمُرُورِ الْمَاءِ عَلَيْهِ كُلَّ مَرَّةٍ غَسْلَةٌ، سَوَاءٌ كَانَ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِ فِعْلِهِ، مِثْلُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ مَاءُ الْمَطَرِ، أَوْ يَكُونَ فِي نَهْرٍ جَارٍ، فَتَمُرُّ عَلَيْهِ جِرْيَاتُ النَّهْرِ، فَكُلُّ جِرْيَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهِ غَسْلَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَبَّهُ آدَمِيٌّ بِغَيْرِ قَصْدٍ، وَإِنْ وَقَعَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ رَاكِدٍ نَجَّسَهُ وَلَمْ يَطْهُرْ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا اُحْتُسِبَ بِوَضْعِهِ فِيهِ وَمُرُورِ الْمَاءِ عَلَى أَجْزَائِهِ غَسْلَةً، فَإِنْ خَضْخَضَهُ فِي الْمَاءِ وَحَرَّكَهُ بِحَيْثُ يَمُرُّ عَلَيْهِ أَجْزَاءٌ غَيْرُ الَّتِي كَانَتْ مُلَاقِيَةً لَهُ، اُحْتُسِبَ بِذَلِكَ غَسْلَةً ثَانِيَةً، كَمَا لَوْ مَرَّتْ عَلَيْهِ جِرْيَاتٌ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي. وَإِنْ كَانَ الْمَغْسُولُ إنَاءً فَطُرِحَ فِيهِ الْمَاءُ، لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ غَسْلَةٌ حَتَّى يُفْرِغَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ فِي غَسْلِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسَعُ قُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا، فَمَلَأَهُ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ إدَارَةَ الْمَاءِ فِيهِ تَجْرِي مَجْرَى الْغَسَلَاتِ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَهُ تَمُرُّ عَلَيْهَا جِرْيَاتٌ مِنْ الْمَاءِ غَيْرُ الَّتِي كَانَتْ مُلَاقِيَةً لَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَرَّتْ عَلَيْهَا جِرْيَاتٌ مِنْ مَاءٍ جَارٍ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَكُونُ غَسْلُهُ إلَّا بِتَفْرِيغِهِ مِنْهُ أَيْضًا. وَإِنْ كَانَ الْمَغْسُولُ جِسْمًا تَدْخُلُ فِيهِ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ، لَمْ يُحْتَسَبْ بِرَفْعِهِ مِنْ الْمَاءِ غَسْلَةً، إلَّا بَعْدَ عَصْرِهِ، وَعَصْرِ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، فَإِنْ كَانَ بِسَاطًا ثَقِيلًا أَوْ زِلِّيًّا فَعَصْرُهُ بِتَقْلِيبِهِ وَدَقِّهِ. [فَصْلٌ مَا أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ] (60) فَصْلٌ: مَا أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ، إنْ انْفَصَلَ مُتَغَيِّرًا بِالنَّجَاسَةِ، أَوْ قَبْلَ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ، فَهُوَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ مَاءٌ قَلِيلٌ لَاقَى مَحَلًّا نَجِسًا لَمْ يُطَهِّرْهُ، فَكَانَ نَجِسًا، كَمَا لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ. وَإِنْ انْفَصَلَ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ مِنْ الْغَسْلَةِ الَّتِي طَهُرَ بِهَا الْمَحَلُّ، فَإِنْ كَانَ الْمَحَلُّ أَرْضًا فَهُوَ طَاهِرٌ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ذَنُوبٌ مِنْ مَاءٍ، لِيُطَهِّرَ الْأَرْضَ الَّتِي بَالَ عَلَيْهَا، فَلَوْ كَانَ الْمُنْفَصِلُ نَجِسًا لَنَجَّسَ بِهِ مَا انْتَشَرَ إلَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ، فَتَكْثُرُ النَّجَاسَةُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْأَرْضِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ. وَهُوَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ انْفَصَلَ عَنْ مَحَلٍّ مَحْكُومٍ بِطَهَارَتِهِ، فَكَانَ طَاهِرًا، كَالْغَسْلَةِ الثَّامِنَةِ، وَأَنَّ الْمُنْفَصِلَ بَعْضُ الْمُتَّصِلِ وَالْمُتَّصِلَ طَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَجِسٌ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَاخْتَارَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ قَلِيلٌ، لَاقَى مَحَلًّا نَجِسًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُطَهِّرْهَا. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنَّمَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْمُنْفَصِلُ مِنْ الْأَرْضِ إذَا كَانَتْ قَدْ نَشِفَتْ أَعْيَانُ الْبَوْلَةِ، فَإِنْ كَانَتْ أَعْيَانُهَا قَائِمَةً، فَجَرَى الْمَاءُ عَلَيْهَا، طَهَّرَهَا. وَفِي الْمُنْفَصِلِ رِوَايَتَانِ، كَالْمُنْفَصِلِ عَنْ غَيْرِ الْأَرْضِ. قَالَ: وَكَوْنُهُ نَجِسًا أَصَحُّ فِي كَلَامِهِ. وَالْأَوْلَى الْحُكْمُ بِطَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِغَسْلِ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ عَقِيبَ بَوْلِهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ نُشَافَهَ.
فصل غسل بعض الثوب النجس
[فَصْلُ غَسْلِ بَعْضِ الثَّوْبِ النَّجِسِ] (61) فَصْلٌ: إذَا غُسِلَ بَعْضُ الثَّوْبِ النَّجِسِ، جَازَ، وَيَطْهُرُ الْمَغْسُولُ دُونَ غَيْرِهِ؛ فَإِنْ كَانَ يُغْمَسُ بَعْضُهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ رَاكِدٍ يَعْرُكُهُ فِيهِ، نَجِسَ الْمَاءُ، وَلَمْ يَطْهُرْ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ بِغَمْسِهِ فِي الْمَاءِ صَارَ نَجِسًا، فَلَمْ يُطَهِّرْ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ يَصُبُّ عَلَى بَعْضِهِ فِي جَفْنَةٍ طَهُرَ مَا طَهَّرَهُ، وَكَانَ الْمُنْفَصِلُ نَجِسًا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُلَاقِيَ الْمَاءَ الْمُنْفَصِلَ جُزْءٌ غَيْرُ الْمَغْسُولِ، فَيَنْجُسُ بِهِ. [فَصْلٌ أَصَابَ ثَوْبَ الْمَرْأَةِ دَمُ حَيْضِهَا] (62) فَصْلٌ: إذَا أَصَابَ ثَوْبَ الْمَرْأَةِ دَمُ حَيْضِهَا، اُسْتُحِبَّ أَنْ تَحُتَّهُ بِظُفُرِهَا، لِتَذْهَبَ خُشُونَتُهُ، ثُمَّ تَقْرُصَهُ لِيَلِينَ لِلْغَسْلِ، ثُمَّ تَغْسِلَهُ بِالْمَاءِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِأَسْمَاءِ فِي دَمِ الْحَيْضِ: حُتِّيهِ، ثُمَّ اُقْرُصِيهِ، ثُمَّ غَسِّلِيهِ بِالْمَاءِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ اقْتَصَرَتْ عَلَى إزَالَتِهِ بِالْمَاءِ جَازَ، فَإِنْ لَمْ يَزُلْ لَوْنُهُ، وَكَانَتْ إزَالَتُهُ تَشُقُّ أَوْ يَتْلَفُ الثَّوْبُ وَيَضُرُّهُ، عُفِيَ عَنْهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ» . وَإِنْ اسْتَعْمَلَتْ فِي إزَالَتِهِ شَيْئًا يُزِيلُهُ كَالْمِلْحِ وَغَيْرِهِ، فَحَسَنٌ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ «امْرَأَةٍ مِنْ غِفَارٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْدَفَهَا عَلَى حَقِيبَتِهِ، فَحَاضَتْ، قَالَتْ: فَنَزَلْت، فَإِذَا بِهَا دَمٌ مِنِّي، فَقَالَ: مَا لَكِ؟ لَعَلَّك نُفِسْتِ؟ . قُلْت: نَعَمْ. قَالَ: فَأَصْلِحِي مِنْ نَفْسِك، ثُمَّ خُذِي إنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِي فِيهِ مِلْحًا، ثُمَّ اغْسِلِي مَا أَصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنْ الدَّمِ» . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ؛ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الْمِلْحِ، وَهُوَ مَطْعُومٌ، فِي غَسْلِ الثَّوْبِ وَتَنْقِيَتِهِ مِنْ الدَّمِ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ غَسْلُ الثِّيَابِ بِالْعَسَلِ، إذَا كَانَ يُفْسِدُهَا الصَّابُونُ، وَبِالْخَلِّ إذَا أَصَابَهَا الْحِبْرُ، وَالتَّدَلُّكُ بِالنُّخَالَةِ، وَغَسْلُ الْأَيْدِي بِهَا، وَالْبِطِّيخِ وَدَقِيقِ الْبَاقِلَّا، وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَهَا قُوَّةُ الْجَلَاءِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ كَانَ فِي الْإِنَاءِ خَمْرٌ أَوْ شِبْهُهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ الَّتِي يَتَشَرَّبُهَا الْإِنَاءُ] (63) فَصْلٌ: فَإِذَا كَانَ فِي الْإِنَاءِ خَمْرٌ أَوْ شِبْهُهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ الَّتِي يَتَشَرَّبُهَا الْإِنَاءُ ثُمَّ مَتَى جُعِلَ فِيهِ مَائِعٌ سِوَاهُ ظَهَرَ فِيهِ طَعْمُ النَّجَاسَةِ، أَوْ لَوْنُهَا لَمْ يَطْهُرْ بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ لَا يَسْتَأْصِلُ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ مِنْ جِسْمِ الْإِنَاءِ، فَلَمْ يُطَهِّرْهُ، كَالسِّمْسِمِ إذَا ابْتَلَّ بِالنَّجَاسَةِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيُّ فِي " الْمُبْهِجِ ": آنِيَةُ الْخَمْرِ مِنْهَا الْمُزَفَّتُ، فَتَطْهُرُ بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ الزِّفْتَ يَمْنَعُ وُصُولَ النَّجَاسَةِ إلَى جِسْمِ الْإِنَاءِ، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بِمُزَفَّتٍ، فَيَتَشَرَّبُ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ، فَلَا يَطْهُرُ بِالتَّطْهِيرِ، فَإِنَّهُ مَتَى تُرِكَ فِيهِ مَائِعٌ ظَهَرَ فِيهِ طَعْمُ الْخَمْرِ وَلَوْنُهُ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ مَعَهُ فِي السَّفَرِ إنَاءَانِ نَجِسٌ وَطَاهِرٌ وَاشْتَبَهَا عَلَيْهِ] (64) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِذَا كَانَ مَعَهُ فِي السَّفَرِ إنَاءَانِ؛ نَجِسٌ وَطَاهِرٌ، وَاشْتَبَهَا عَلَيْهِ، أَرَاقَهُمَا، وَيَتَيَمَّمُ) . إنَّمَا خَصَّ حَالَةَ السَّفَرِ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهَا الْحَالَةُ الَّتِي يَجُوزُ التَّيَمُّمُ فِيهَا، وَيُعْدَمُ فِيهَا الْمَاءُ غَالِبًا، وَأَرَادَ: إذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً غَيْرَ الْإِنَاءَيْنِ الْمُشْتَبِهَيْنِ، فَإِنَّهُ مَتَى وَجَدَ مَاءً طَهُورًا غَيْرَهُمَا تَوَضَّأَ بِهِ، وَلَمْ يَجُزْ التَّحَرِّي وَلَا التَّيَمُّمُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ. وَلَا تَخْلُو الْآنِيَةُ الْمُشْتَبِهَةُ مِنْ حَالَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَزِيدَ عَدَدُ الطَّاهِرِ عَلَى النَّجِسِ، فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِيهِمَا. وَالثَّانِي أَنْ يَكْثُرَ عَدَدُ الطَّاهِرَاتِ؛ فَذَهَبَ أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ، مِنْ أَصْحَابِنَا، إلَى جَوَازِ التَّحَرِّي فِيهَا. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إصَابَةُ الطَّاهِرِ؛ وَلِأَنَّ جِهَةَ الْإِبَاحَةِ قَدْ تَرَجَّحَتْ، فَجَازَ التَّحَرِّي، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهُ فِي نِسَاءِ مِصْرَ.، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِيهَا بِحَالٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ. وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَتَحَرَّى وَيَتَوَضَّأُ بِالْأَغْلَبِ عِنْدَهُ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، فَجَازَ التَّحَرِّي مِنْ أَجْلِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهْت الْقِبْلَةُ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ تُؤَدَّى بِالْيَقِينِ تَارَةً، وَبِالظَّنِّ أُخْرَى، وَلِهَذَا جَازَ التَّوَضُّؤُ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ الْمُتَغَيِّرِ، الَّذِي لَا يُعْلَمُ سَبَبُ تَغَيُّرِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَتَوَضَّأُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُضُوءًا، وَيُصَلِّي بِهِ. وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ فَرْضِهِ بِيَقِينٍ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ طَاهِرٌ بِطَهُورٍ، وَكَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، أَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الثِّيَابُ. وَلَنَا أَنَّهُ اشْتَبَهَ الْمُبَاحُ بِالْمَحْظُورِ، فِيمَا لَا تُبِيحُهُ الضَّرُورَةُ، فَلَمْ يَجُزْ التَّحَرِّي، كَمَا لَوْ اسْتَوَى الْعَدَدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَوْلًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَدْ سَلَّمَهُ، وَاعْتَذَرَ أَصْحَابُهُ بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الطَّهَارَةِ. قُلْنَا: وَهَذَا الْمَاءُ قَدْ زَالَ عَنْهُ أَصْلُ الطَّهَارَةِ، وَصَارَ نَجِسًا، فَلَمْ يَبْقَ لِلْأَصْلِ الزَّائِلِ أَثَرٌ، عَلَى أَنَّ الْبَوْلَ قَدْ كَانَ مَاءً، فَلَهُ أَصْلٌ فِي الطَّهَارَةِ، كَهَذَا الْمَاءِ النَّجِسِ. وَقَوْلُهُمْ: إذَا كَثُرَ الطَّاهِرُ تَرَجَّحَتْ الْإِبَاحَةُ. يَبْطُلُ بِمَا إذَا اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ فِي مِائَةٍ أَوْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّيَاتٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي، وَإِنْ كَثُرَ الْمُبَاحُ، وَأَمَّا إذَا اشْتَبَهَتْ فِي نِسَاءِ مِصْرٍ، فَإِنَّهُ يَشُقُّ اجْتِنَابُهُنَّ جَمِيعًا، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ النِّكَاحُ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ. وَأَمَّا الْقِبْلَةُ فَيُبَاحُ تَرْكُهَا لِلضَّرُورَةِ، كَحَالَةِ الْخَوْفِ، وَيَجُوزُ أَيْضًا فِي السَّفَرِ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ؛ وَلِأَنَّ قِبْلَتَهُ مَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ بِظَنِّهِ، وَلَوْ بَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. وَأَمَّا الْمُتَغَيِّرُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يَعْلَمُهُ، فَيَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ اسْتِنَادًا إلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ نَجَاسَتُهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَحَرٍّ. وَفِي مَسْأَلَتِنَا عَارَضَ يَقِينُ الطَّهَارَةِ يَقِينَ النَّجَاسَةِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حُكْمٌ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ. ثُمَّ يَبْطُلُ قِيَاسُهُمْ بِمَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا بَوْلًا وَالْآخَرُ مَاءً. وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا: أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ مِنْ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ وَصَلَّى، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْآخَرَ هُوَ الطَّاهِرُ، فَتَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى مِنْ غَيْرِ غَسْلِ أَثَرِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ يَقِينًا، وَإِنْ غَسَلَ أَثَرَ الْأَوَّلِ فَفِيهِ حَرَجٌ وَنَقْضٌ لِاجْتِهَادِهِ بِاجْتِهَادِهِ، وَنَعْلَمُ أَنَّ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ بَاطِلَةٌ، لَا بِعَيْنِهَا فَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهُمَا، فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْ الْأَوَّلِ فَقَدْ تَوَضَّأَ بِمَا يَعْتَقِدُهُ نَجِسًا. وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فَبَاطِلٌ؛ فَإِنَّهُ يُفْضِي إلَى تَنْجِيسِ نَفْسِهِ يَقِينًا، وَبُطْلَانِ صَلَاتِهِ إجْمَاعًا. وَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْلَمَةَ فَفِيهِ حَرَجٌ، وَيَبْطُلُ بِالْقِبْلَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ.
فصل اشتبه ماء طهور بماء قد بطلت طهوريته
(65) فَصْلٌ: وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ قَبْلَ إرَاقَتِهِمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَعَهُ مَاءً طَاهِرًا بِيَقِينٍ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِهِ. فَإِنْ خَلَطَهُمَا، أَوْ أَرَاقَهُمَا، جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ. وَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ قَبْلَ ذَلِكَ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى اسْتِعْمَالِ الطَّاهِرِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي بِئْرٍ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِقَاؤُهُ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِمَا لِلشُّرْبِ لَمْ تَجِبْ إرَاقَتُهُمَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ لَوْ كَانَا طَاهِرَيْنِ، فَمَعَ الِاشْتِبَاهِ أَوْلَى. وَإِذَا أَرَادَ الشُّرْبَ تَحَرَّى وَشَرِبَ مِنْ الطَّاهِرِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ تُبِيحُ الشُّرْبَ مِنْ النَّجِسِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، فَمِنْ الَّذِي يَظُنُّ طَهَارَتَهُ أَوْلَى. وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ طَهَارَةُ أَحَدِهِمَا شَرِبَ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَصَارَ هَذَا كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ، وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، فَإِنَّهُ إذَا جَازَ اسْتِعْمَالُ النَّجِسِ فَاسْتِعْمَالُ مَا يَظُنُّ طَهَارَتَهُ أَوْلَى. وَإِذَا شَرِبَ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ أَكَلَ مِنْ الْمُشْتَبِهَاتِ، ثُمَّ وَجَدَ مَاءً طَهُورًا، فَهَلْ يَلْزَمُهُ غُسْلٌ فِيهِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةٌ فِيهِ، فَلَا تَزُولُ عَنْ ذَلِكَ بِالشَّكِّ. وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ مُنِعَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ أَجْلِ النَّجَاسَةِ، فَلَزِمَهُ غَسْلُ أَثَرِهِ، كَالْمُتَيَقِّنِ. (66) فَصْلٌ: وَإِذَا عَلِمَ عَيْنَ النَّجِسِ اُسْتُحِبَّ إرَاقَتُهُ لِيُزِيلَ الشَّكَّ عَنْ نَفْسِهِ. وَإِنْ احْتَاجَ إلَى الشُّرْبِ شَرِبَ مِنْ الطَّاهِرِ، وَيَتَيَمَّمُ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَ النَّجِسِ. وَإِنْ خَافَ الْعَطَشَ فِي ثَانِي الْحَالِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ وَيَحْبِسُ النَّجِسَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى شُرْبِهِ فِي الْحَالِ، فَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِهِ. وَالصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنَّهُ يَحْبِسُ الطَّاهِرَ وَيَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّ وُجُودَ النَّجِسِ كَعَدَمِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الشُّرْبِ فِي الْحَالِ، وَكَذَلِكَ فِي الْمَآلِ، وَخَوْفُ الْعَطَشِ فِي إبَاحَةِ التَّيَمُّمِ كَحَقِيقَتِهِ. [فَصْلٌ اشْتَبَهَ مَاءٌ طَهُورٌ بِمَاءٍ قَدْ بَطَلَتْ طُهُورِيَّتُهُ] (67) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَبَهَ مَاءٌ طَهُورٌ بِمَاءٍ قَدْ بَطَلَتْ طُهُورِيَّتُهُ، تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُضُوءًا كَامِلًا، وَصَلَّى بِالْوُضُوءَيْنِ صَلَاةً وَاحِدَةً. لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ فَرْضِهِ بِيَقِينٍ، مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ فِيهِ، فَيَلْزَمُهُ، كَمَا لَوْ كَانَا طَاهِرَيْنِ وَلَمْ يَكْفِهِ أَحَدُهُمَا، وَفَارَقَ مَا إذَا كَانَ نَجِسًا؛ لِأَنَّهُ يُنَجِّسُ أَعْضَاءَهُ يَقِينًا، وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ النَّجِسُ هُوَ الثَّانِي، فَيَبْقَى نَجِسًا، وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَى أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ لِلشُّرْبِ تَحَرَّى، فَتَوَضَّأَ بِالطَّهُورِ عِنْدَهُ، وَتَيَمَّمَ مَعَهُ لِيَحْصُلَ لَهُ الْيَقِينُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فصل اشتبهت عليه ثياب طاهرة بنجسة
[فَصْلٌ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةٍ] (68) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةِ، لَمْ يَجُزْ التَّحَرِّي، وَصَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ بِعَدَدِ النَّجِسِ، وَزَادَ صَلَاةً. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَالْمُزَنِيُّ: لَا يُصَلِّي فِي شَيْءٍ مِنْهَا كَالْأَوَانِي، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: يَتَحَرَّى فِيهَا، كَقَوْلِهِمْ فِي الْأَوَانِي وَالْقِبْلَةِ. وَلَنَا أَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ فَرْضِهِ بِيَقِينٍ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ فَيَلْزَمُهُ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ الطَّهُورُ بِالطَّاهِرِ، وَكَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْأَوَانِي النَّجِسَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ اسْتِعْمَالَ النَّجِسِ يَتَنَجَّسُ بِهِ، وَيَمْنَعُ صِحَّةَ صَلَاتِهِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ. الثَّانِي أَنَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَالْمَاءُ النَّجِسُ بِخِلَافِهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّ الْقِبْلَةَ يَكْثُرُ الِاشْتِبَاهُ فِيهَا، فَيَشُقُّ اعْتِبَارُ الْيَقِينِ، فَسَقَطَ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ. الثَّانِي أَنَّ الِاشْتِبَاهَ هَاهُنَا حَصَلَ بِتَفْرِيطِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ تَعْلِيمُ النَّجِسِ أَوْ غَسْلُهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فِي الْقِبْلَةِ. الثَّالِثُ أَنَّ الْقِبْلَةَ عَلَيْهَا أَدِلَّةٌ مِنْ النُّجُومِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِهَا، فَيَصِحُّ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِهَا، وَيَقْوَى دَلِيلُ الْإِصَابَةِ لَهَا، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى احْتِمَالُ الْخَطَأِ إلَّا وَهْمًا ضَعِيفًا، بِخِلَافِ الثِّيَابِ. (69) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَدَدَ النَّجِسِ، صَلَّى فِيمَا يَتَيَقَّنُ بِهِ أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ، فَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ وَشَقَّ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَتَحَرَّى فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ؛ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ. وَالثَّانِي لَا يَتَحَرَّى؛ لِأَنَّ هَذَا يَنْدُرُ جِدًّا، فَلَا يُفْرَدُ بِحُكْمٍ، وَيُحْسَبُ عَلَيْهِ دَلِيلُ الْغَالِبِ. [فَصْلٌ وَرَدَ مَاءً فَأَخْبَرَهُ بِنَجَاسَتِهِ صَبِيٌّ أَوْ كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ] (70) فَصْلٌ: وَإِنْ وَرَدَ مَاءً فَأَخْبَرَهُ بِنَجَاسَتِهِ صَبِيٌّ أَوْ كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُ خَبَرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَلَا الرِّوَايَةِ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ خَبَرِهِ، كَالطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ، وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ بَالِغًا عَاقِلًا مُسْلِمًا غَيْرَ مَعْلُومٍ فِسْقُهُ، وَعَيَّنَ سَبَبَ النَّجَاسَةِ، لَزِمَ قَبُولُ خَبَرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مَعْلُومَ الْعَدَالَةِ أَوْ مَسْتُورَ الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ، فَأَشْبَهَ الْخَبَرَ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ سَبَبَهَا، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَلْزَمُ قَبُولُ خَبَرِهِ؛ لِاحْتِمَالِ اعْتِقَادِهِ نَجَاسَةَ الْمَاءِ بِسَبَبٍ لَا يَعْتَقِدُهُ الْمُخْبَرُ، كَالْحَنَفِيِّ يَرَى نَجَاسَةَ الْمَاءِ الْكَثِيرِ، وَالشَّافِعِيُّ يَرَى نَجَاسَةَ الْمَاءِ الْيَسِيرِ بِمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، وَالْمُوَسْوَسُ الَّذِي يَعْتَقِدُ نَجَاسَتَهُ بِمَا لَا يُنَجِّسُهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَ قَبُولَ خَبَرِهِ، إذَا انْتَفَتْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ فِي حَقِّهِ.
فصل أخبره أن كلبا ولغ في هذا الإناء
[فَصْلٌ أَخْبَرَهُ أَنَّ كَلْبًا وَلَغَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ] (71) فَصْلٌ: فَإِنْ أُخْبِرْهُ أَنَّ كَلْبًا وَلَغَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ، لَزِمَ قَبُولُ خَبَرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ بَصِيرًا أَوْ ضَرِيرًا؛ لِأَنَّ لِلضَّرِيرِ طَرِيقًا إلَى الْعِلْمِ بِذَلِكَ بِالْخَبَرِ وَالْحِسِّ. وَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّ كَلْبًا وَلَغَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ وَلَمْ يَلَغْ فِي هَذَا. وَقَالَ آخَرُ: لَمْ يَلَغْ فِي الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا وَلَغَ فِي الثَّانِي. وَجَبَ اجْتِنَابُهُمَا، فَيَقْبَلُ قَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْإِثْبَاتِ دُونَ النَّفْيِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا خَفِيَ عَلَى الْآخَرِ، إلَّا أَنْ يُعَيِّنَا وَقْتًا مُعَيَّنًا، وَكَلْبًا وَاحِدًا، يَضِيقُ الْوَقْتُ عَنْ شُرْبِهِ مِنْهُمَا، فَيَتَعَارَضُ قَوْلَاهُمَا، وَيَسْقُطَانِ، وَيُبَاحُ اسْتِعْمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: شَرِبَ مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ، وَقَالَ الْآخَرُ: نَزَلَ وَلَمْ يَشْرَبْ قُدِّمَ قَوْلُ الْمُثْبِتِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَتَحَقَّقْ شُرْبُهُ، مِثْلُ الضَّرِيرِ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْ حِسِّهِ، فَيُقَدَّمُ قَوْلُ الْبَصِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ سَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ مِنْ طَرِيقٍ مَاءٌ هَلْ يَسْأَلُ عَنْ طَهَارَتِهِ أَمْ لَا] (72) فَصْلٌ: إذَا سَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ مِنْ طَرِيقٍ مَاءٌ، لَمْ يَلْزَمْهُ السُّؤَالُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ، قَالَ صَالِحٌ: سَأَلْت أَبِي عَنْ الرَّجُلِ يَمُرُّ بِالْمَوْضِعِ، فَيَقْطُرُ عَلَيْهِ قَطْرَةٌ أَوْ قَطْرَتَانِ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ مَخْرَجًا - يَعْنِي خَلَاءً - فَاغْسِلْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَخْرَجًا فَلَا يُسْأَلُ عَنْهُ؛ فَإِنَّ عُمَرَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرَّ هُوَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى حَوْضٍ، فَقَالَ عَمْرٌو: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ، أَتَرِدُ عَلَى حَوْضِك السِّبَاعُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ، لَا تُخْبِرْنَا، فَإِنَّا نَرِدُ عَلَيْهَا، وَتَرِدُ عَلَيْنَا. رَوَاهُ مَالِكٌ، فِي " الْمُوَطَّأِ ". فَإِنْ سَأَلَ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَلْزَمُ الْمَسْئُولَ رَدُّ الْجَوَابِ؛ لِخَبَرِ عُمَرَ، وَيَحْتَمِلَ أَنْ يَلْزَمَهُ؛ لِأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَرْطِ الصَّلَاةِ، فَلَزِمَهُ الْجَوَابُ، إذَا عَلِمَ، كَمَا لَوْ سَأَلَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ. وَخَبَرُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُؤْرَ السِّبَاعِ غَيْرُ نَجِسٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
باب الآنية
[بَابُ الْآنِيَةِ] [مَسْأَلَةٌ نَجَاسَةُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدَّبْغِ] (73) مَسْأَلَةٌ، قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَكُلُّ جِلْدِ مَيْتَةٍ دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ فَهُوَ نَجِسٌ) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدَّبْغِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ، وَأَمَّا بَعْدَ الدَّبْغِ فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ نَجِسٌ أَيْضًا، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ يَطْهُرُ مِنْهَا جِلْدُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي حَالِ الْحَيَاةِ. وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ طَاهِرٌ فِي الْحَيَاةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ يَرَى طَهَارَةَ الْحَيَوَانَاتِ كُلِّهَا، إلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ، فَيَطْهُرُ عِنْدَهُ كُلُّ جِلْدٍ إلَّا جِلْدَهُمَا. وَلَهُ فِي جِلْدِ الْآدَمِيِّ وَجْهَانِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَطْهُرُ كُلُّ جِلْدٍ بِالدَّبْغِ إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَطْهُرُ كُلُّ جِلْدٍ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَمَذْهَبُ مَنْ حَكَمَ بِطَهَارَةِ الْحَيَوَانَاتِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَجَدَ شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنْ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟ قَالُوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ. قَالَ: إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا.» وَفِي لَفْظٍ: «أَلَا أَخَذُوا إهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا نَجُسَ بِاتِّصَالِ الدِّمَاءِ وَالرُّطُوبَاتِ بِهِ بِالْمَوْتِ، وَالدَّبْغُ يُزِيلُ ذَلِكَ، فَيَرْتَدُّ الْجِلْدُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ. وَلَنَا مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إلَى جُهَيْنَةَ إنِّي كُنْت رَخَّصْت لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هَذَا فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فِي " سُنَنِهِ "، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " مُسْنَدِهِ " وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إسْنَادٌ جَيِّدٌ، يَرْوِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ. وَفِي لَفْظٍ: «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ» وَهُوَ نَاسِخٌ لِمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي آخِرِ عُمُرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَفْظُهُ دَالٌّ عَلَى سَبْقِ التَّرْخِيصِ، وَأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ، لِقَوْلِهِ " كُنْت رَخَّصْت لَكُمْ " وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ كِتَابٍ لَا يُعْرَفُ حَامِلُهُ. قُلْنَا: كِتَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلَفْظِهِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكْتُبْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَحَدٍ، وَقَدْ كَتَبَ إلَى مُلُوكِ الْأَطْرَافِ، وَإِلَى غَيْرِهِمْ فَلَزِمَتْهُمْ الْحُجَّةُ بِهِ، وَحَصَلَ لَهُ الْبَلَاغُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لَمْ تَلْزَمْهُمْ الْإِجَابَةُ، وَلَا حَصَلَ بِهِ بَلَاغٌ، وَلَكَانَ لَهُمْ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْإِجَابَة؛ لِجَهْلِهِمْ بِحَامِلِ الْكِتَابِ وَعَدَالَتِهِ. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:
فصل دبغ جلود السباع
«لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ» . وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ؛ وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْمَيْتَةِ، فَكَانَ مُحَرَّمًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] فَلَمْ يَطْهُرْ بِالدَّبْغِ كَاللَّحْمِ؛ وَلِأَنَّهُ حَرُمَ بِالْمَوْتِ، فَكَانَ نَجِسًا كَمَا قَبْلَ الدَّبْغِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ إنَّمَا نَجِسَ لِاتِّصَالِ الدِّمَاءِ وَالرُّطُوبَاتِ بِهِ، غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لِذَلِكَ لَمْ يَنْجُسْ ظَاهِرُ الْجِلْدِ، وَلَا مَا ذَكَّاهُ الْمَجُوسِيُّ وَالْوَثَنِيُّ، وَلَا مَا قُدَّ نِصْفَيْنِ، وَلَا مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ؛ لِعَدَمِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ، وَلَوَجَبَ الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ الصَّيْدِ الَّذِي لَمْ تَنْسَفِحْ دِمَاؤُهُ وَرُطُوبَاتُهُ. ثُمَّ كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ يَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ وَالْعَظْمِ؟ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُطَهِّرُ جِلْدَ الْكَلْبِ وَهُوَ نَجِسٌ فِي الْحَيَاةِ. (74) فَصْلٌ: هَلْ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الْيَابِسَاتِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ؛ لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ» وَقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَلَا أَخَذُوا إهَابَهَا فَانْتَفَعُوا بِهِ» . وَفِي لَفْظٍ: «أَلَا أَخَذُوا إهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ؛» وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، لَمَّا فَتَحُوا فَارِسَ، انْتَفَعُوا بِسُرُوجِهِمْ وَأَسْلِحَتِهِمْ وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، أَشْبَهَ الِاصْطِيَادَ بِالْكَلْبِ، وَرُكُوبَ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ. [فَصْلٌ دَبْغُ جُلُودِ السِّبَاعِ] (75) فَصْلٌ: فَأَمَّا جُلُودُ السِّبَاعِ فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا قَبْلَ الدَّبْغِ، وَلَا بَعْدَهُ. وَبِذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، كَرَاهِيَةُ الصَّلَاةِ فِي جُلُودِ الثَّعَالِبِ، وَكَرِهَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَكَمُ، وَمَكْحُولٌ، وَإِسْحَاقُ وَكَرِهَ الِانْتِفَاعَ بِجُلُودِ السَّنَانِيرِ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ. وَرَخَّصَ فِي جُلُودِ السِّبَاعِ جَابِرٌ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَعُرْوَةَ أَنَّهُمْ رَخَّصُوا فِي الرُّكُوبِ عَلَى جُلُودِ النُّمُورِ، وَرَخَّصَ فِيهَا الزُّهْرِيُّ وَأَبَاحَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، الصَّلَاةَ فِي جُلُودِ الثَّعَالِبِ: لِأَنَّ الثَّعَالِبَ تُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ، فَكَانَتْ مُبَاحَةً، وَلِمَا ثَبَتَ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ. وَلَنَا: مَا رَوَى أَبُو رَيْحَانَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ.» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْ مُعَاوِيَةَ، وَالْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ، وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ افْتِرَاشِ جُلُودِ السِّبَاعِ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلَفْظُهُ أَنَّ النَّبِيَّ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ.» مَعَ مَا سَبَقَ مِنْ نَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الِانْتِفَاعِ بِشَيْءِ مِنْ الْمَيْتَةِ.
فصل أكل جلد الميتة بعد الدبغ
وَأَمَّا الثَّعَالِبُ فَيُبْنَى حُكْمُهَا عَلَى حِلِّهَا، وَفِيهَا رِوَايَتَانِ، كَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي جُلُودِهَا؛ فَإِنْ قُلْنَا بِتَحْرِيمِهَا فَحُكْمُ جُلُودِهَا حُكْمُ جُلُودِ بَقِيَّةِ السِّبَاعِ، وَكَذَلِكَ السَّنَانِيرُ الْبَرِّيَّةُ، فَأَمَّا الْأَهْلِيَّةُ فَمُحَرَّمَةٌ، وَهَلْ تَطْهُرُ جُلُودُهَا بِالدِّبَاغِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. (76) فَصْلٌ: إذَا قُلْنَا بِطَهَارَةِ الْجُلُودِ بِالدِّبَاغِ لَمْ يَطْهُرْ مِنْهَا جِلْدُ مَا لَمْ يَكُنْ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يَطْهُرُ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَطْهُرُ إلَّا مَا كَانَ مَأْكُولَ اللَّحْمِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ» . فَشَبَّهَ الدَّبْغَ بِالذَّكَاةِ؛ وَالذَّكَاةُ إنَّمَا تُعْمَلُ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُطَهِّرَيْنِ لِلْجِلْدِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي غَيْرِ مَأْكُولٍ كَالذَّبْحِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ كُلَّ طَاهِرٍ فِي الْحَيَاةِ يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ؛ لِعُمُومِ لَفْظِهِ فِي ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» يَتَنَاوَلُ الْمَأْكُولَ وَغَيْرَهُ وَخَرَجَ مِنْهُ مَا كَانَ نَجِسًا فِي الْحَيَاةِ؛ لِكَوْنِ الدَّبْغِ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي دَفْعِ نَجَاسَةٍ حَادِثَةٍ بِالْمَوْتِ، فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ. وَحَدِيثُهُمْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالذَّكَاةِ التَّطْيِيبَ، مِنْ قَوْلِهِمْ: رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ، أَيْ: طَيِّبَةٌ وَهَذَا يُطَيِّبُ الْجَمِيعَ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا: أَنَّهُ أَضَافَ الذَّكَاةَ إلَى الْجِلْدِ خَاصَّةً، وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ الْجِلْدُ هُوَ تَطْيِيبُهُ وَطَهَارَتُهُ، أَمَّا الذَّكَاةُ الَّتِي هِيَ الذَّبْحُ، فَلَا تُضَافُ إلَّا إلَى الْحَيَوَانِ كُلِّهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالذَّكَاةِ الطَّهَارَةَ، فَسَمَّى الطَّهَارَةَ ذَكَاةٌ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ عَامًّا فِي كُلِّ جِلْدٍ، فَيَتَنَاوَلُ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ. [فَصْلٌ أَكْلُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدَّبْغِ] (77) فَصْلٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ بَعْدَ الدَّبْغِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ: أَنَّهُ يَحِلُّ. وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ» وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُفِيدُ الطَّهَارَةَ فِي الْجِلْدِ، فَأَبَاحَ الْأَكْلَ كَالذَّبْحِ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] ، وَالْجِلْدُ مِنْهَا، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا حُرِّمَ مِنْ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْمَيْتَةِ، فَحَرُمَ أَكْلُهُ كَسَائِرِ أَجْزَائِهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الطَّهَارَةِ إبَاحَةُ الْأَكْلِ، بِدَلِيلِ الْخَبَائِثِ مِمَّا لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، ثُمَّ لَا يُسْمَعُ قِيَاسُهُمْ فِي تَرْكِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (78) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ بَيْعُهُ، وَإِجَارَتُهُ، وَالِانْتِفَاعُ بِهِ فِي كُلِّ مَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيهِ، سِوَى الْأَكْلِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُذَكَّى فِي غَيْرِ الْأَكْلِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ دَبْغِهِ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ، مُتَّفَقٌ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِهِ، فَأَشْبَهَ الْخِنْزِيرَ.
فصل ما يدبغ به جلد الميتة
[فَصْلٌ مَا يُدْبَغُ بِهِ جِلْدُ الْمَيْتَةِ] (79) فَصْلٌ: وَيَفْتَقِرُ مَا يُدْبَغُ بِهِ إلَى أَنْ يَكُونَ مُنَشِّفًا لِلرُّطُوبَةِ، مُنَقِّيًا لِلْخُبْثِ، كَالشَّبِّ وَالْقَرَظِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ طَاهِرًا، فَإِنْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يُطَهِّرْ الْجِلْدَ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مِنْ نَجَاسَةٍ، فَلَمْ تَحْصُلْ بِنَجِسٍ، كَالِاسْتِجْمَارِ وَالْغُسْلِ، وَهَلْ يَطْهُرُ الْجِلْدُ بِمُجَرَّدِ الدَّبْغِ قَبْلَ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا تَحْصُلُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جِلْدِ الشَّاةِ الْمَيْتَةِ: «يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّ مَا يُدْبَغُ بِهِ نَجِسَ بِمُلَاقَاةِ الْجِلْدِ، فَإِذَا انْدَبَغَ الْجِلْدُ بَقِيَتْ الْآلَةُ نَجِسَةً فَتَبْقَى نَجَاسَةُ الْجِلْدِ لِمُلَاقَاتِهَا لَهُ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِالْغَسْلِ. وَالثَّانِي: يَطْهُرُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ؛ وَلِأَنَّهُ طَهُرَ بِانْقِلَابِهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، كَالْخَمْرَةِ إذَا انْقَلَبَتْ خَلًّا. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَالْخَبَرُ وَالْمَعْنَى يَدُلَّانِ عَلَى طَهَارَةِ عَيْنِهِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوبِ غَسْلِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ تُلَاقِيهِ، كَمَا لَوْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ سِوَى آلَةِ الدَّبْغِ، أَوْ أَصَابَتْهُ آلَةُ الدَّبْغِ بَعْدَ فَصْلِهِ عَنْهَا. (80) فَصْلٌ وَلَا يَفْتَقِرُ الدَّبْغُ إلَى فِعْلٍ؛ لِأَنَّهَا إزَالَةُ نَجَاسَةٍ، فَأَشْبَهَتْ غَسْلَ الْأَرْضِ، فَلَوْ وَقَعَ جِلْدُ مَيْتَةٍ فِي مَدْبَغَةٍ، بِغَيْرِ فِعْلٍ، فَانْدَبَغَ، طَهُرَ، كَمَا لَوْ نَزَلَ مَاءُ السَّمَاءِ عَلَى أَرْضٍ نَجِسَةٍ طَهَّرَهَا. [فَصْلٌ حُكْمُ جِلْدِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ بَعْدَ الذَّبْحِ] (81) فَصْلٌ: وَإِذَا ذُبِحَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَانَ جِلْدُهُ نَجِسًا. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يَطْهُرُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ.» أَيْ: كَذَكَاتِهِ، فَشَبَّهَ الدَّبْغَ بِالذَّكَاةِ، وَالْمُشَبَّهُ بِهِ أَقْوَى مِنْ الْمُشَبَّهِ، فَإِذَا طَهَّرَ الدَّبْغُ مَعَ ضَعْفِهِ فَالذَّكَاةُ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الدَّبْغَ يَرْفَعُ الْعِلَّةَ بَعْدَ وُجُودِهَا، وَالذَّكَاةُ تَمْنَعُهَا، وَالْمَنْعُ أَقْوَى مِنْ الرَّفْعِ. وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ افْتِرَاشِ جُلُودِ السِّبَاعِ، وَرُكُوبِ النُّمُورِ» وَهُوَ عَامٌ فِي الْمُذَكَّى وَغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ ذَبْحٌ لَا يُطَهِّرُ اللَّحْمَ، فَلَمْ يُطَهِّرْ الْجِلْدَ، كَذَبْحِ الْمَجُوسِيِّ. أَوْ ذَبْحٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، فَأَشْبَهَ الْأَصْلَ، وَالْخَبَرُ قَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ فِيمَا مَضَى، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ الدَّبْغَ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ، فَكَذَلِكَ مَا شُبِّهَ بِهِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي تَطْهِيرِ غَيْرِهِ، فَلَا يَلْزَمُ حُصُولُ التَّطْهِيرِ بِالذَّكَاةِ، لِكَوْنِ الدَّبْغِ مُزِيلًا لِلْخُبْثِ وَالرُّطُوبَاتِ كُلِّهَا، مُطَيِّبًا لِلْجِلْدِ عَلَى وَجْهٍ يَتَهَيَّأُ بِهِ لِلْبَقَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَغَيَّرُ، وَالذَّكَاةُ لَا يَحْصُلُ بِهَا ذَلِكَ، فَلَا يُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ الدَّبْغِ. وَقَوْلُهُمْ: الْمُشَبَّهُ أَضْعَفُ مِنْ الْمُشَبَّهُ بِهِ. غَيْرُ لَازِمِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي صِفَةِ الْحُورِ
فصل لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة
{كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} [الصافات: 49] ، وَهُنَّ أَحْسَنُ مِنْ الْبَيْضِ، وَالْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ تُشَبَّهُ بِالظَّبْيَةِ وَبَقَرَةِ الْوَحْشِ، وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْهُمَا. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الدَّبْغَ يَرْفَعُ الْعِلَّةَ مَمْنُوعٌ فَإِنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْجِلْدَ لَمْ يَنْجُسْ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَإِنَّ الذَّبْحَ لَا يَمْنَعُ مِنْهَا ثُمَّ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِذَبْحِ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ وَالْمُحْرِمِ، وَبِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ، وَمَا شُقَّ بِنِصْفَيْنِ. [فَصْلٌ لَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِالِاسْتِحَالَةِ] (82) فَصْلٌ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِالِاسْتِحَالَةِ، إلَّا الْخَمْرَةَ، إذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا، وَمَا عَدَاهُ لَا يَطْهُرُ؛ كَالنَّجَاسَاتِ إذَا احْتَرَقَتْ وَصَارَتْ رَمَادًا، وَالْخِنْزِيرِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَلَّاحَةِ وَصَارَ مِلْحًا، وَالدُّخَانِ الْمُتَرَقِّي مِنْ وَقُودِ النَّجَاسَةِ، وَالْبُخَارِ الْمُتَصَاعِدِ مِنْ الْمَاءِ النَّجِسِ إذَا اجْتَمَعَتْ مِنْهُ نَدَاوَةٌ عَلَى جِسْمٍ صَقِيلٍ ثُمَّ قَطَّرَ، فَهُوَ نَجِسٌ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ تَطْهُرَ النَّجَاسَاتُ كُلُّهَا بِالِاسْتِحَالَةِ قِيَاسًا عَلَى الْخَمْرَةِ إذَا انْقَلَبَتْ، وَجُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ، وَالْجَلَّالَةِ إذَا حُبِسَتْ، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَقَدْ نَهَى إمَامُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ الْخَبْزِ فِي تَنُّورٍ شُوِيَ فِيهِ خِنْزِيرٌ. [مَسْأَلَةُ آنِيَةِ عِظَامِ الْمَيْتَةِ] (83) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَكَذَلِكَ آنِيَةُ عِظَامِ الْمَيْتَةِ) يَعْنِي: أَنَّهَا نَجِسَةٌ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ عِظَامَ الْمَيْتَةِ نَجِسَةٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَيْتَةَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، أَوْ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، كَالْفِيَلَةِ، وَلَا يَطْهُرُ بِحَالٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَكَرِهَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالْحَسَنُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عِظَامَ الْفِيَلَةِ، وَرَخَّصَ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَغَيْرُهُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ ثَوْبَانِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اشْتَرِ لِفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ» . وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] وَالْعَظْمُ مِنْ جُمْلَتِهَا، فَيَكُونُ مُحَرَّمًا، وَالْفِيلُ لَا يُؤْكَلُ
فصل الآنية من القرن والظفر والحافر
لَحْمُهُ فَهُوَ نَجِسٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْعَاجُ الذَّبْلُ، وَيُقَال: هُوَ عَظْمُ ظَهْرِ السُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ. وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الْفِيلَ إنَّ ذُكِّيَ فَعَظْمُهُ طَاهِرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ الْفِيلَ مَأْكُولٌ عِنْدَهُ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْفِيلُ أَعْظَمُهَا نَابًا فَأَمَّا عِظَامُ بَقِيَّةِ الْمَيْتَاتِ، فَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، إلَى طَهَارَتِهَا؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يُحِلُّهَا فَلَا تَنْجُسُ بِهِ، كَالشَّعْرِ؛ وَلِأَنَّ عِلَّةَ التَّنْجِيسِ فِي اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ اتِّصَالُ الدِّمَاءِ وَالرُّطُوبَاتِ بِهِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْعِظَامِ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 79] وَمَا يَحْيَا فَهُوَ يَمُوتُ؛ وَلِأَنَّ دَلِيلَ الْحَيَاةِ الْإِحْسَاسُ وَالْأَلَمُ، وَالْأَلَمُ فِي الْعَظْمِ أَشَدُّ مِنْ الْأَلَمِ فِي اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ، وَالضِّرْسُ يَأْلَمُ، وَيَلْحَقُهُ الضِّرْسُ، وَيُحِسُّ بِبَرْدِ الْمَاءِ وَحَرَارَتِهِ، وَمَا تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ يَحِلُّهُ الْمَوْتُ؛ إذْ كَانَ الْمَوْتُ مُفَارَقَةَ الْحَيَاةِ، وَمَا يَحُلُّهُ الْمَوْتُ يَنْجُسُ بِهِ كَاللَّحْمِ. قَالَ الْحَسَنُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، لَمَّا سَقَطَ ضِرْسُهُ: أُشْعِرْت أَنَّ بَعْضِي مَاتَ الْيَوْمَ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ سَبَبَ التَّنْجِيسِ اتِّصَالُ الدِّمَاءِ وَالرُّطُوبَاتِ، قَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ فِيمَا مَضَى. [فَصْلُ الْآنِيَةِ مِنْ الْقَرْنِ وَالظُّفْرِ وَالْحَافِرِ] (84) فَصْل: وَالْقَرْنُ وَالظُّفْرُ وَالْحَافِرُ كَالْعَظْمِ، إنْ أُخِذَ مِنْ مُذَكًّى فَهُوَ طَاهِرٌ؛ وَإِنْ أُخِذَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ نَجِسٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا يُقْطَعُ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَكَذَلِكَ مَا يَتَسَاقَطُ مِنْ قُرُونِ الْوُعُولِ فِي حَيَاتِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مُتَّصِلٌ، مَعَ عَدَمِ الْحَيَاةِ فِيهِ، فَلَمْ يَنْجُسُ بِفَصْلِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ، وَلَا بِمَوْتِ الْحَيَوَانِ كَالشَّعْرِ، وَالْخَبَرُ أُرِيدَ بِهِ مَا يُقْطَعُ مِنْ الْبَهِيمَةِ مِمَّا فِيهِ حَيَاةٌ؛ لِأَنَّهُ بِفَصْلِهِ يَمُوتُ، وَتُفَارِقُهُ الْحَيَاةُ، بِخِلَافِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَمُوتُ بِفَصْلِهِ، فَهُوَ أَشْبَهَ بِالشَّعْرِ، وَمَا لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ لَا بَأْسَ بِعِظَامِهِ كَالسَّمَكِ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ كَتَذْكِيَةِ الْحَيَوَانَاتِ الْمَأْكُولَةِ. [فَصْلٌ لَبَنُ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتُهَا] (85) فَصْل: وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتُهَا نَجِسٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَرُوِيَ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ،
فصل ماتت الدجاجة وفي بطنها بيضة قد صلب قشرها
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَدَاوُد؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَكَلُوا الْجُبْنَ لَمَّا دَخَلُوا الْمَدَائِنَ، وَهُوَ يُعْمَلُ بِالْإِنْفَحَةِ، وَهِيَ تُؤْخَذُ مِنْ صِغَارِ الْمَعْزِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللَّبَنِ، وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ. وَلَنَا أَنَّهُ مَائِعٌ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ، فَكَانَ نَجِسًا، كَمَا لَوْ حَلَبَ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَصَابَ الْمَيْتَةَ بَعْدَ فَصْلِهِ عَنْهَا لَكَانَ نَجِسًا، فَكَذَلِكَ قَبْلَ فَصْلِهِ، وَأَمَّا الْمَجُوسُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُمْ مَا كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ الذَّبْحَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ جَزَّارُوهُمْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَلَوْ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْهُمْ لَكَانَ الِاحْتِمَالُ مَوْجُودًا، فَقَدْ كَانَ فِيهِمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَالْأَصْلُ الْحِلُّ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِينَ قَدِمُوا الْعِرَاقَ مَعَ خَالِدٍ، كَسَرُوا جَيْشًا مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، بَعْدَ أَنْ نَصَبُوا الْمَوَائِدَ وَوَضَعُوا طَعَامَهُمْ لِيَأْكُلُوا، فَلَمَّا فَرَغَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ جَلَسُوا فَأَكَلُوا ذَلِكَ الطَّعَامَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ لَحْمًا، فَلَوْ حُكِمَ بِنَجَاسَةِ مَا ذُبِحَ بِبَلَدِهِمْ لَمَا أَكَلُوا مِنْ لَحْمِهِمْ شَيْئًا، وَإِذَا حَكَمُوا بِحِلِّ اللَّحْمِ فَالْجُبْنُ أَوْلَى، وَعَلَى هَذَا لَوْ دَخَلَ أَرْضًا فِيهَا مَجُوسٌ وَأَهْلُ كِتَابٍ، كَانَ لَهُ أَكْلُ جُبْنِهِمْ وَلَحْمِهِمْ، احْتِجَاجًا بِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَحَابَتِهِ. [فَصْلٌ مَاتَتْ الدَّجَاجَةُ وَفِي بَطْنِهَا بَيْضَةٌ قَدْ صَلُبَ قِشْرُهَا] (86) فَصْلٌ: وَإِنْ مَاتَتْ الدَّجَاجَةُ، وَفِي بَطْنِهَا بَيْضَةٌ قَدْ صَلُبَ قِشْرُهَا، فَهِيَ طَاهِرَةٌ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَكَرِهَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ الدَّجَاجَةِ. وَلَنَا أَنَّهَا بَيْضَةٌ صُلْبَةُ الْقِشْرِ، طَرَأَتْ النَّجَاسَةُ عَلَيْهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَعَتْ فِي مَاءٍ نَجِسٍ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا جُزْءٌ مِنْهَا. غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مُودَعَةٌ فِيهَا، غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِهَا، فَأَشْبَهَتْ الْوَلَدَ إذَا خَرَجَ حَيًّا مِنْ الْمَيْتَةِ؛ وَلِأَنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ حَيَوَانٍ يُخْلَقُ مِنْهَا مِثْلُ أَصْلِهَا، أَشْبَهَتْ الْوَلَدَ الْحَيَّ، وَكَرَاهَةُ الصَّحَابَةِ لَهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، اسْتِقْذَارًا لَهَا، وَلَوْ وُضِعَتْ الْبَيْضَةُ تَحْتَ طَائِرٍ، فَصَارَتْ فَرْخًا، كَانَ طَاهِرًا بِكُلِّ حَالٍ. فَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ الْبَيْضَةُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَا كَانَ قِشْرُهُ أَبْيَضَ، فَهُوَ طَاهِرٌ. وَمَا لَمْ يَبْيَضَّ قِشْرُهُ فَهُوَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ حَائِلٌ حَصِينٌ. وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ؛ لِأَنَّ الْبَيْضَةَ عَلَيْهَا غَاشِيَةٌ رَقِيقَةٌ كَالْجِلْدِ، وَهُوَ الْقِشْرُ قَبْلَ أَنْ يَقْوَى، فَلَا يَنْجُسُ مِنْهَا إلَّا مَا كَانَ لَاقَى النَّجَاسَةَ، كَالسَّمْنِ الْجَامِدِ إذَا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ تَطْهُرُ إذَا غَسَلَهَا؛ لِأَنَّ لَهَا مِنْ الْقُوَّةِ مَا يَمْنَعُ تَدَاخُلَ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهَا، بِخِلَافِ السَّمْنِ. [مَسْأَلَةُ الْوُضُوءِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ] (87) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) فَإِنْ فَعَلَ كُرِهَ. أَرَادَ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمَ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ اسْتِعْمَالَ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ، وَهُوَ
مسألة جعل آنية الذهب والفضة مصبا لماء الوضوء
مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ.» وَنَهَى عَنْ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ، وَقَالَ: «مَنْ شَرِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْ فِيهَا فِي الْآخِرَةِ.» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ. فَنَهَى وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ وَعِيدًا شَدِيدًا، يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَيُرْوَى " نَارُ جَهَنَّمَ " بِرَفْعِ الرَّاءِ وَنَصْبِهَا؛ فَمَنْ رَفَعَهَا نَسَبِ الْفِعْلَ إلَى النَّارِ، وَمَنْ نَصَبَهَا أَضْمَرَ الْفَاعِلَ فِي الْفِعْلِ، وَجَعَلَ النَّارَ مَفْعُولًا، تَقْدِيرُهُ: يُجَرْجِرُ الشَّارِبُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ. وَالْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِ الشُّرْبِ فِيهَا مَا يَتَضَمَّنُهُ ذَلِكَ مِنْ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الطَّهَارَةِ مِنْهَا وَاسْتِعْمَالِهَا كَيْفَمَا كَانَ، بَلْ إذَا حَرُمَ فِي غَيْرِ الْعِبَادَةِ فَفِيهَا أَوْلَى، فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْهَا، أَوْ اغْتَسَلَ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الطَّهَارَةِ وَمَاءَهَا لَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، أَشْبَهَ الطَّهَارَةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ. وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْمُحَرَّمَ فِي الْعِبَادَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَيُفَارِقُ هَذَا الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ مِنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ؛ مُحَرَّمٌ؛ لِكَوْنِهِ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَشُغْلًا لَهُ، وَأَفْعَالُ الْوُضُوءِ؛ مِنْ الْغَسْلِ، وَالْمَسْحِ، لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، إذْ لَيْسَ هُوَ اسْتِعْمَالًا لِلْإِنَاءِ، وَلَا تَصَرُّفًا فِيهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ بَعْدَ رَفْعِ الْمَاءِ مِنْ الْإِنَاءِ، وَفَصْلِهِ عَنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَرَفَ بِآنِيَةِ الْفِضَّةِ فِي إنَاءٍ غَيْرِهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ بِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَكَانَ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، إذْ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهَا فِي غَيْرِ مَكَان، وَالْإِنَاءُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى وَفِي يَدِهِ خَاتَمُ ذَهَبٍ. [مَسْأَلَة جَعَلَ آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَصَبًّا لِمَاءِ الْوُضُوءِ] مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ جَعَلَ آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَصَبًّا لِمَاءِ الْوُضُوءِ، يَنْفَصِلُ الْمَاءُ عَنْ أَعْضَائِهِ إلَيْهِ، صَحَّ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ الَّذِي يَقَعُ فِي الْآنِيَةِ قَدْ رَفَعَ الْحَدَثَ، فَلَمْ يَزُلْ ذَلِكَ بِوُقُوعِهِ فِي الْإِنَاء، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الْفَخْرَ وَالْخُيَلَاءَ وَكَسْرَ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ يَحْصُلُ بِاسْتِعْمَالِهِ هَاهُنَا؛ كَحُصُولِهِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَفِعْلُ الطَّهَارَةِ
فصل اتخاذ آنية الذهب والفضة
يَحْصُلُ هَاهُنَا قَبْلَ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْإِنَاءِ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا بَعْدَ فَصْلِهِ عَنْهُ، فَهِيَ مِثْلُهَا فِي الْمَعْنَى، وَإِنْ افْتَرَقَا فِي الصُّورَةِ. [فَصْلٌ اتِّخَاذُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ] (89) فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا وَرَدَ بِتَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ، فَلَا يَحْرُمُ الِاتِّخَاذُ، كَمَا لَوْ اتَّخَذَ الرَّجُلُ ثِيَابَ الْحَرِيرِ. وَلَنَا، أَنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا حَرُمَ اتِّخَاذُهُ عَلَى هَيْئَةِ الِاسْتِعْمَالِ، كَالطُّنْبُورِ، وَأَمَّا ثِيَابُ الْحَرِيرِ فَإِنَّهَا لَا تَحْرُمُ مُطْلَقًا، فَإِنَّهَا تُبَاحُ لِلنِّسَاءِ، وَتُبَاحُ التِّجَارَةُ فِيهَا، وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ الْآنِيَةِ مُطْلَقًا فِي الشُّرْبِ وَالْأَكْلِ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِتَحْرِيمِ الشُّرْبِ وَالْأَكْلِ، وَغَيْرُهُمَا فِي مَعْنَاهُمَا. وَيَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؛ لِعُمُومِ النَّصِّ فِيهِمَا، وَوُجُودِ مَعْنَى التَّحْرِيمِ فِي حَقِّهِمَا، وَإِنَّمَا أُبِيحَ التَّحَلِّي فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ؛ لِحَاجَتِهَا إلَى التَّزَيُّنِ لِلزَّوْجِ، وَالتَّجَمُّلِ عِنْدَهُ، وَهَذَا يَخْتَصُّ الْحُلِيَّ، فَتَخْتَصُّ الْإِبَاحَةُ بِهِ [فَصْل الْمُضَبَّبُ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ] (90) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُضَبَّبُ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهُوَ مُحَرَّمٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ ذَهَبًا كَانَ أَوْ فِضَّةً، لَحَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَأَبَاحَ أَبُو حَنِيفَةَ الْمُضَبَّبَ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ تَابِعًا لِلْمُبَاحِ، فَأَشْبَهَ الْمُضَبَّبَ بِالْيَسِيرِ وَلَنَا أَنَّ هَذَا فِيهِ سَرَفٌ وَخُيَلَاءُ، فَأَشْبَهَ الْخَالِصَ، وَيَبْطُلُ مَا قَالَهُ بِمَا إذَا اتَّخَذَ أَبْوَابًا مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، أَوْ رُفُوفًا، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ، وَإِنْ كَانَ تَابِعًا، وَفَارَقَ الْيَسِيرَ، فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ فِيهِ الْمَعْنَى الْمُحَرَّمُ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يُبَاحُ الْيَسِيرُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ الْيَسِيرُ مِنْ الذَّهَبِ، وَلَا يُبَاحُ مِنْهُ إلَّا مَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ، كَأَنْفِ الذَّهَبِ، وَمَا رَبَطَ بِهِ أَسْنَانَهُ. وَأَمَّا الْفِضَّةُ فَيُبَاحُ مِنْهَا الْيَسِيرُ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ، «أَنَّ قَدَحَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ
فصل الوضوء في الأواني النفيسة غير الذهب والفضة
الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِ سَرَفٌ وَلَا خُيَلَاءُ، فَأَشْبَهَ الضَّبَّةَ مِنْ الصُّفْرِ. قَالَ الْقَاضِي: وَيُبَاحُ ذَلِكَ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنَّ مَا يُسْتَعْمَلُ مِنْ ذَلِكَ لَا يُبَاحُ كَالْحَلْقَةِ، وَمَا لَا يُسْتَعْمَلُ كَالضَّبَّةِ يُبَاحُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا يُبَاحُ الْيَسِيرُ إلَّا لِحَاجَةٍ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا وَرَدَ فِي تَشْعِيبِ الْقَدَحِ فِي مَوْضِعِ الْكَسْرِ، وَهُوَ لِحَاجَةٍ، وَمَعْنَى الْحَاجَةِ أَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إلَى مَا فَعَلَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَتُكْرَهُ مُبَاشَرَةُ مَوْضِعِ الْفِضَّةِ بِالِاسْتِعْمَالِ؛ كَيْ لَا يَكُونَ مُسْتَعْمِلًا لَهَا، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِأَبْسَطِ مِنْ هَذَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [فَصْل الْوُضُوء فِي الْأَوَانَيْ النَّفِيسَة غَيْر الذَّهَب وَالْفِضَّة] (91) فَصْلٌ: فَأَمَّا سَائِرُ الْآنِيَةِ فَمُبَاحٌ اتِّخَاذُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ ثَمِينَةً، كَالْيَاقُوتِ وَالْبِلَّوْرِ وَالْعَقِيقِ وَالصُّفْرِ وَالْمَخْرُوطِ مِنْ الزُّجَاجِ، أَوْ غَيْرَ ثَمِينَةٍ، كَالْخَشَبِ وَالْخَزَفِ وَالْجُلُودِ. وَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ شَيْءٍ مِنْهَا فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ فِي الصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَاخْتَارَ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيُّ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَتَغَيَّرُ فِيهَا، وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَكْرَهُ رِيحَ النُّحَاسِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: مَا كَانَ ثَمِينًا لِنَفَاسَةِ جَوْهَرِهِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْأَثْمَانِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَحْرِيمِ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ سَرَفًا وَخُيَلَاءَ وَكَسْرَ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، فَكَانَ مُحَرَّمًا كَالْأَثْمَانِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ، فَتَوَضَّأَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي " سُنَنِهِ "، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَوْرٍ مِنْ شَبَهٍ» وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ، فَيَبْقَى عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْأَثْمَانِ؛ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا لَا يَعْرِفُهُ إلَّا خَوَاصُّ النَّاسِ، فَلَا تَنْكَسِرُ قُلُوبُ الْفُقَرَاءِ بِاسْتِعْمَالِهِ، بِخِلَافِ الْأَثْمَانِ. وَالثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الْجَوَاهِرَ لِقِلَّتِهَا لَا يَحْصُلُ اتِّخَاذُ الْآنِيَةِ مِنْهَا إلَّا نَادِرًا، فَلَا تُفْضِي إبَاحَتُهَا إلَى اتِّخَاذِهَا وَاسْتِعْمَالِهَا، وَتَعَلُّقُ التَّحْرِيمِ بِالْأَثْمَانِ الَّتِي هِيَ وَاقِعَةٌ فِي مَظِنَّةِ الْكَثْرَةِ، فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ، كَمَا تَعَلَّقَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فِي اللِّبَاسِ بِالْحَرِيرِ، وَجَازَ اسْتِعْمَالُ الْقَصَبِ مِنْ الثِّيَابِ، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى قِيمَةِ الْحَرِيرِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ
مسألة صوف الميتة وشعرها
جَعَلَ فَصَّ خَاتَمَهُ جَوْهَرَةً ثَمِينَةً جَازَ، وَخَاتَمُ الذَّهَبِ حَرَامٌ، وَلَوْ جَعَلَ فَصَّهُ ذَهَبًا كَانَ حَرَامًا، وَإِنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ. [مَسْأَلَة صُوفُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُهَا] (92) مَسْأَلَةٌ، قَالَ: (وَصُوفُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُهَا طَاهِرٌ) يَعْنِي شَعْرَ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي حَيَاتِهِ وَصُوفَهُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَأَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالُوا: إذَا غُسِلَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَجِسٌ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَنْمُو مِنْ الْحَيَوَانِ، فَيَنْجُسُ بِمَوْتِهِ، كَأَعْضَائِهِ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِمَسْكِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَ، وَصُوفِهَا وَشَعْرِهَا إذَا غُسِلَ.» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: لَمْ يَأْتِ بِهِ إلَّا يُوسُفُ بْنُ السَّفْرِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَفْتَقِرُ طَهَارَةٌ مُنْفَصِلَةٌ إلَى ذَكَاةِ أَصْلِهِ، فَلَمْ يَنْجُسْ بِمَوْتِهِ، كَأَجْزَاءِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَحُلُّهُ الْمَوْتُ فَلَمْ يَنْجُسُ بِمَوْتِ الْحَيَوَانِ، كَبَيْضِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ، أَنَّهُ لَا يُحِسُّ وَلَا يَأْلَمُ، وَهُمَا دَلِيلَا الْحَيَاةِ، وَلَوْ انْفَصَلَ فِي الْحَيَاةِ كَانَ طَاهِرًا، وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ لَنَجِسَ بِفَصْلِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ، وَمَا ذَكَرُوهُ يُنْتَقَضُ بِالْبَيْضِ، وَيُفَارِقُ الْأَعْضَاءَ، فَإِنَّ فِيهَا حَيَاةً، وَتَنْجُسُ بِفَصْلِهَا فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ، وَالنُّمُوُّ بِمُجَرَّدِهِ لَيْسَ بِدَلِيلِ الْحَيَاةِ، فَإِنَّ الْحَشِيشَ يَنْمُو، وَلَا يَنْجُسُ. (93) فَصْلٌ: وَالرِّيشُ كَالشَّعْرِ فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، فَأَمَّا أُصُولُ الرِّيشِ، وَالشَّعْرِ، إذَا كَانَ رَطْبًا إذَا نُتِفَ مِنْ الْمَيْتَةِ، فَهُوَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ رَطْبٌ فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ، وَهَلْ يَكُونُ طَاهِرًا بَعْدَ غَسْلِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ، كَرُءُوسِ الشَّعْرِ إذَا تَنَجَّسَ. وَالثَّانِي أَنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ اللَّحْمِ لَمْ يُسْتَكْمَلْ شَعْرًا وَلَا رِيشًا. [فَصْل شَعْرُ الْآدَمِيِّ طَاهِرٌ مُتَّصِلُهُ وَمُنْفَصِلُهُ] فَصْلٌ: (94) وَشَعْرُ الْآدَمِيِّ طَاهِرٌ مُتَّصِلُهُ وَمُنْفَصِلُهُ، فِي حَيَاةِ الْآدَمِيِّ وَبَعْدَ مَوْتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: إذَا انْفَصَلَ فَهُوَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْآدَمِيِّ انْفَصَلَ فِي حَيَاتِهِ، فَكَانَ نَجِسًا كَعُضْوِهِ. وَلَنَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ شَعْرَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، قَالَ أَنَسٌ: «لَمَّا رَمَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحَرَ نُسُكَهُ، نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ، فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الْأَيْسَرَ، فَقَالَ: احْلِقْهُ، فَحَلَقَهُ وَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد. وَرُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَوْصَى أَنْ يُجْعَلَ نَصِيبُهُ مِنْهُ فِي فِيهِ إذَا مَاتَ، وَكَانَتْ فِي قَلَنْسُوَةِ خَالِدٍ شَعَرَاتٌ مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ
فصل ما كان طاهرا فشعره طاهر
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا سَاغَ هَذَا وَلَمَا فَرَّقَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهُ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ، وَيَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ تَبَرُّكًا بِهِ، وَمَا كَانَ طَاهِرًا مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ طَاهِرًا مِمَّنْ سِوَاهُ كَسَائِرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ شَعْرٌ مُتَّصِلُهُ طَاهِرٌ، فَمُنْفَصِلُهُ طَاهِرٌ، كَشَعْرِ الْحَيَوَانَاتِ كُلِّهَا، وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي أَعْضَاءِ الْآدَمِيِّ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا نَجَاسَتَهَا، فَإِنَّهَا تَنْجُسُ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ بِفَصْلِهَا فِي حَيَاتِهِ، بِخِلَافِ الشَّعْر. [فَصْل مَا كَانَ طَاهِرًا فَشَعْرُهُ طَاهِر] (95) فَصْلٌ: وَكُلُّ حَيَوَانٍ فَشَعْرُهُ مِثْلُ بَقِيَّةِ أَجْزَائِهِ مَا كَانَ طَاهِرًا فَشَعْرُهُ طَاهِرٌ، وَمَا كَانَ نَجِسًا فَشَعْرُهُ كَذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَالَةِ الْحَيَاةِ وَحَالَةِ الْمَوْتِ، إلَّا أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهَا لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْهَا؛ كَالسِّنَّوْرِ، وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ، فِيهَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَجْهَانِ: أَحَدهمَا أَنَّهَا نَجِسَةٌ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ طَاهِرَةً مَعَ وُجُودِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ لِمُعَارِضٍ، وَهُوَ الْحَاجَةُ إلَى الْعَفْوِ
فصل الخرز بشعر الخنزير
عَنْهَا لِلْمَشَقَّةِ وَقَدْ انْتَفَتْ الْحَاجَةُ فَتَنْتَفِي الطَّهَارَةُ. وَالثَّانِي هِيَ طَاهِرَةٌ. وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ طَاهِرَةً فِي الْحَيَاةِ، وَالْمَوْتُ لَا يَقْتَضِي تَنْجِيسَهَا. فَتَبْقَى الطَّهَارَةُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّنَا لَا نُسَلِّمُ وُجُودَ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَاهُ غَيْرَ أَنَّ الشَّرْعَ أَلْغَاهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ اعْتِبَارُهُ فِي مَوْضِعٍ، فَلَيْسَ لَنَا إثْبَاتُ حُكْمِهِ بِالتَّحَكُّمِ. [فَصْل الْخَرَز بِشَعْرِ الْخِنْزِيرِ] (96) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْخَرْزِ بِشَعْرِ الْخِنْزِيرِ، فَرُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَتُهُ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَالْحَكَمِ، وَحَمَّادِ، وَإِسْحَاقَ، وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لِلْعَيْنِ النَّجِسَةِ، وَلَا يَسْلَمُ مِنْ التَّنَجُّسِ بِهَا، فَحَرُمَ الِانْتِفَاعُ بِهَا، كَجِلْدِهِ. وَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ الْخَرْزُ بِهِ. قَالَ: وَبِاللِّيفِ أَحَبُّ إلَيْنَا وَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ وَإِذَا خَرَزَ بِهِ شَيْئًا رَطْبًا، أَوْ كَانَتْ الشَّعْرَةُ رَطْبَةً نَجِسَ، وَلَمْ يَطْهُرْ إلَّا بِالْغَسْلِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ النَّاسُ مِنْهُ، وَفِي تَكْلِيفِ غَسْلِهِ إتْلَافُ أَمْوَالِ النَّاسِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا عَنَى لَا بَأْسَ بِالْخَرْزِ، فَأَمَّا الطَّهَارَةُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْل أَطْعِمَة أَهْل الْكِتَاب وَآنِيَتهمْ وَثِيَابهمْ] (97) فَصْلٌ: وَالْمُشْرِكُونَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَهْلُ كِتَابٍ وَغَيْرُهُمْ. فَأَهْلُ الْكِتَابِ يُبَاحُ أَكْلُ طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ، وَالْأَكْلُ فِي آنِيَتِهِمْ، مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ نَجَاسَتُهَا. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِي أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِيهِمْ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5] وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ، قَالَ: «دُلِّيَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَالْتَزَمْته، وَقُلْت: وَاَللَّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا مِنْهُ شَيْئًا. فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْتَسِمُ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ. وَرُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَضَافَهُ يَهُودِيٌّ بِخُبْزٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ.» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ " وَكِتَابِ " الزُّهْدِ "، وَتَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ. وَهَلْ يُكْرَهُ لَهُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِيهِمْ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: لَا يُكْرَهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَالثَّانِيَة يُكْرَهُ لِمَا رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ، قَالَ: قُلْت «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
فصل الصلاة في ثياب الصبيان
وَأَقَلُّ أَحْوَالِ النَّهْيِ الْكَرَاهَةُ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَا يَتَوَرَّعُونَ عَنْ النَّجَاسَةِ، وَلَا تَسْلَمُ آنِيَتُهُمْ مِنْ أَطْعِمَتِهِمْ، وَأَدْنَى مَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ الْكَرَاهَةُ، وَأَمَّا ثِيَابُهُمْ فَمَا لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ، أَوْ عَلَا مِنْهَا؛ كَالْعِمَامَةِ وَالطَّيْلَسَانِ وَالثَّوْبِ الْفَوْقَانِيِّ، فَهُوَ طَاهِرٌ، لَا بَأْسَ بِلُبْسِهِ، وَمَا لَاقَى عَوْرَاتِهِمْ؛ كَالسَّرَاوِيلِ وَالثَّوْبِ السُّفْلَانِيِّ وَالْإِزَارِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ، يَعْنِي: مَنْ صَلَّى فِيهِ. فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا وُجُوبُ الْإِعَادَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي. وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، الْإِزَارَ وَالسَّرَاوِيلَاتِ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَعَبَّدُونَ. بِتَرْكِ النَّجَاسَةِ، وَلَا يَتَحَرَّزُونَ مِنْهَا، فَالظَّاهِرُ نَجَاسَةُ مَا وَلِيَ مَخْرَجَهَا. وَالثَّانِي لَا يَجِبُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ. الضَّرْبُ الثَّانِي: غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهُمْ الْمَجُوسُ، وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ، وَنَحْوُهُمْ، فَحُكْمُ ثِيَابِهِمْ حُكْمُ ثِيَابِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَمَّا أَوَانِيهِمْ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُسْتَعْمَلُ مَا اسْتَعْمَلُوهُ مِنْ آنِيَتِهِمْ؛ لِأَنَّ أَوَانِيَهُمْ لَا تَخْلُو مِنْ أَطْعِمَتِهِمْ، وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ، فَلَا تَخْلُو أَوَانِيهِمْ مِنْ وَضْعِهَا فِيهَا. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ حُكْمُهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَثِيَابُهُمْ وَأَوَانِيهِمْ طَاهِرَةٌ، مُبَاحَةُ الِاسْتِعْمَالِ، مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ نَجَاسَتَهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، مِثْلُ قَوْلِ الْقَاضِي، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمَجُوسِ: لَا يُؤْكَلُ مِنْ طَعَامِهِمْ إلَّا الْفَاكِهَةُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ نَجَاسَةُ آنِيَتِهِمْ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي أَطْعِمَتِهِمْ، فَأَشْبَهَتْ السَّرَاوِيلَاتِ مِنْ ثِيَابِهِمْ. وَمَنْ يَأْكُلُ الْخِنْزِيرَ مِنْ النَّصَارَى، فِي مَوْضِعٍ يُمْكِنُهُمْ أَكْلُهُ، أَوْ يَأْكُلُ الْمِيتَةَ، أَوْ يَذْبَحُ بِالسِّنِّ وَالظُّفْرِ وَنَحْوِهِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِاتِّفَاقِهِمْ فِي نَجَاسَةِ أَطْعِمَتِهِمْ. وَمَتَى شَكَّ فِي الْإِنَاءِ؛ هَلْ اسْتَعْمَلُوهُ فِي أَطْعِمَتِهِمْ، أَوْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ، فَهُوَ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ. وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إبَاحَةِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الَّذِي يَنْسِجُهُ الْكُفَّارُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ، إنَّمَا كَانَ لِبَاسُهُمْ مِنْ نَسْجِ الْكُفَّارِ. فَأَمَّا ثِيَابُهُمْ، الَّتِي يَلْبَسُونَهَا، فَأَبَاحَ الصَّلَاةَ فِيهَا الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي ثَوْبِ الْكُفَّارِ: يَلْبَسُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنْ صَلَّى فِيهِ يُعِيدُ، مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ. وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، وَلَمْ تَتَرَجَّحْ جِهَةُ التَّنْجِيسِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا نَسَجَهُ الْكُفَّارُ. [فَصْل الصَّلَاةُ فِي ثِيَابِ الصِّبْيَانِ] (98) فَصْلٌ: وَتُبَاحُ الصَّلَاةُ فِي ثِيَابِ الصِّبْيَانِ، مَا لَمْ تَتَيَقَّنْ نَجَاسَتُهَا وَبِذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ
غسل الثوب المصبوغ
الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ رَوَى، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فَإِذَا سَجَدَ وَثَبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى ظَهْرِهِ.» وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ احْتِمَالِ غَلَبَةِ النَّجَاسَةِ لَهُ. وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي ثَوْبِ الْمَرْأَةِ الَّذِي تَحِيضُ فِيهِ؛ إذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ إصَابَةُ النَّجَاسَةِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، وَالتَّوَقِّي لِذَلِكَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ إصَابَةُ النَّجَاسَةِ إيَّاهُ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُصَلِّي فِي شُعُرِنَا وَلُحُفِنَا.» وَلُعَابُ الصِّبْيَانِ طَاهِرٌ، وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَامِلَ الْحُسَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ، وَلُعَابُهُ يَسِيلُ عَلَيْهِ.» وَحَمَلَ أَبُو بَكْرٍ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ وَلُعَابُهُ يَسِيلُ، وَعَلِيٌّ إلَى جَانِبِهِ، وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: وَا بِأَبِي شِبْهَ النَّبِيِّ لَا شَبِيهًا بِعَلِيٍّ وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ. [غَسْلُ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ] (99) فَصْلٌ: وَإِذَا صَبَغَ فِي حُبِّ صَبَّاغٍ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّبَّاغُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فَإِنْ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهُ طَهُرَ بِالْغَسْلِ، وَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الدَّمِ: «لَا يَضُرُّك أَثَرُهُ» . [فُصُول فِي الْفِطْرَة] [فَصْل فِي الْخِتَانُ] (100) فُصُولٌ فِي الْفِطْرَةِ: رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ» . قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: وَنَسِيت الْعَاشِرَةَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ. الِاسْتِحْدَادُ: حَلْقُ الْعَانَةِ، اسْتِفْعَالٌ مِنْ الْحَدِيدِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ: الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَقْطَعُ الْبَوْلَ وَيَرُدُّهُ. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ حَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالَ: خَمْسٌ كُلُّهَا فِي الرَّأْسِ ذَكَرَ مِنْهَا الْفَرْقَ وَلَمْ يَذْكُرْ إعْفَاءَ اللِّحْيَةِ، قَالَ أَحْمَدُ: الْفَرْقُ سُنَّةٌ. قِيلَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُشْهِرُ نَفْسَهُ، «قَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ فَرَقَ، وَأَمَرَ بِالْفَرْقِ.» (101)
فصل حلق العانة
فَصْلٌ: فَأَمَّا الْخِتَانُ فَوَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ، وَمَكْرُمَةٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِنَّ. هَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ أَحْمَدُ: الرَّجُلُ أَشَدُّ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا لَمْ يَخْتَتِنْ، فَتِلْكَ الْجِلْدَةُ مُدَلَّاةٌ عَلَى الْكَمَرَةِ، وَلَا يُنَقَّى مَا ثَمَّ، وَالْمَرْأَةُ أَهْوَنُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُشَدِّدُ فِي أَمْرِهِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا حَجَّ لَهُ وَلَا صَلَاةَ، يَعْنِي: إذَا لَمْ يَخْتَتِنْ، وَالْحَسَنُ يُرَخِّصُ فِيهِ يَقُولُ: إذَا أَسْلَمَ لَا يُبَالِي أَنْ لَا يَخْتَتِنَ وَيَقُولُ: أَسْلَمَ النَّاسُ الْأَسْوَدُ، وَالْأَبْيَضُ، لَمْ يُفَتَّشْ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَخْتَتِنُوا. وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهِ: أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ، فَلَوْلَا أَنَّ الْخِتَانَ وَاجِبٌ لَمْ يَجُزْ هَتْكُ حُرْمَةِ الْمَخْتُونِ بِالنَّظَرِ إلَى عَوْرَتِهِ مِنْ أَجْلِهِ؛ وَلِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ وَاجِبًا، كَسَائِرِ شِعَارِهِمْ، وَإِنْ أَسْلَمَ رَجُلٌ كَبِيرٌ فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْخِتَانِ سَقَطَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ وَغَيْرَهُمَا يَسْقُطُ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ، فَهَذَا أَوْلَى. وَإِنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ لَزِمَهُ فِعْلُهُ، قَالَ حَنْبَلُ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الذِّمِّيِّ إذَا أَسْلَمَ، تَرَى لَهُ أَنْ يُطَهَّرَ بِالْخِتَانَةِ؟ قَالَ: لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَاكَ. قُلْت: وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا أَوْ كَبِيرَةً؟ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَطَهَّرَ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ: «اخْتَتَنَ إبْرَاهِيمُ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً» ، قَالَ تَعَالَى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78] . وَيُشْرَعُ الْخِتَانُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ أَيْضًا، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» فِيهِ بَيَانُ أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَخْتَتِنَّ، وَحَدِيثُ عُمَرَ: إنَّ خَتَّانَةً خَتَنَتْ، فَقَالَ: " أَبْقِي مِنْهُ شَيْئًا إذَا خَفَضْت ". وَرَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ، وَمَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ» ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ مِثْلُ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ لِلْخَافِضَةِ: أَشِمِّي وَلَا تَنْهَكِي، فَإِنَّهُ أَحْظَى لِلزَّوْجِ، وَأَسْرَى لِلْوَجْهِ» . وَالْخَفْضُ: خِتَانَةُ الْمَرْأَةِ. [فَصْل حَلْقُ الْعَانَة] (102) فَصْلٌ: وَالِاسْتِحْدَادُ: حَلْقُ الْعَانَةِ. وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْفِطْرَةِ، وَيَفْحُشُ بِتَرْكِهِ، فَاسْتُحِبَّتْ إزَالَتُهُ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَزَالَهُ صَاحِبُهُ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إزَالَتُهُ، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: تَرَى أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ سِفْلَتَهُ بِالْمِقْرَاضِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَقْصِ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ. قِيلَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي الرَّجُلِ إذَا نَتَفَ عَانَتَهُ؟ قَالَ: وَهَلْ يَقْوَى عَلَى هَذَا أَحَدٌ وَإِنْ اطَّلَى بِنَوْرَةٍ فَلَا بَأْسَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَدَعُ أَحَدًا
فصل نتف الإبط سنة
يَلِي عَوْرَتَهُ، إلَّا مَنْ يَحِلُّ لَهُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا؛ مِنْ زَوْجَةٍ، أَوْ أَمَةٍ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ النَّسَائِيّ: ضَرَبْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ نُورَةً، وَنَوَّرْته بِهَا، فَلَمَّا بَلَغَ إلَى عَانَتِهِ نَوَّرَهَا هُوَ. وَرَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كُنْت أَطْلِي ابْنَ عُمَرَ، فَإِذَا بَلَغَ عَانَتَهُ نَوَّرَهَا هُوَ بِيَدِهِ. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ، وَإِذَا احْتَاجَ إلَى النُّورَةِ تَنَوَّرَ فِي الْبَيْتِ، وَأَصْلَحْت لَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ نُورَةً تَنَوَّرَ بِهَا، وَاشْتَرَيْت لَهُ جِلْدًا لِيَدَيْهِ، فَكَانَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِيهِ، وَيُنَوِّرُ نَفْسَهُ. وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ لِمُوَافَقَتِهِ الْخَبَرَ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ هُوَ مِمَّا أَحْدَثُوا مِنْ النَّعِيمِ، يَعْنِي: النُّورَةَ. [فَصْل نَتْفُ الْإِبْطِ سُنَّةٌ] (103) فَصْلٌ: وَنَتْفُ الْإِبْطِ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْفِطْرَةِ، وَيَفْحُشُ بِتَرْكِهِ. وَإِنْ أَزَالَ الشَّعْرَ بِالْحَلْقِ أَوْ النُّورَةِ جَازَ، وَنَتْفُهُ أَفْضَلُ لِمُوَافَقَتِهِ الْخَبَرَ، قَالَ حَرْبٌ: قُلْت لِإِسْحَاقَ: نَتْفُ الْإِبْطِ أَحَبُّ إلَيْك أَوْ بِنُورَةٍ؟ قَالَ: نَتْفُهُ إنْ قَدَرَ. [فَصْل تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ] (104) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْفِطْرَةِ، وَيَتَفَاحَشُ إذَا تَرَكَهَا، وَرُبَّمَا حَكَّ بِهِ الْوَسَخَ، فَيَجْتَمِعُ تَحْتَهَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمُنْتِنَةِ، فَتَصِيرُ رَائِحَةُ ذَلِكَ فِي رُءُوسِ الْأَصَابِعِ. وَرُبَّمَا مَنَعَ وُصُولَ الطَّهَارَةِ إلَى مَا تَحْتَهُ، وَقَدْ رُوِّينَا فِي خَبَرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَالِي لَا أَسْهُو وَأَنْتُمْ تَدْخُلُونَ عَلَيَّ قُلْحًا وَرُفْغُ أَحَدِكُمْ بَيْنَ ظُفْرِهِ وَأُنْمُلَتِهِ» . وَمَعْنَاهُ: أَنَّ أَحَدَكُمْ يُطِيلُ أَظْفَارَهُ ثُمَّ يَحُكُّ بِهَا رُفْغَهُ وَمَوَاضِعَ النَّتْنِ، فَتَصِيرُ رَائِحَةُ ذَلِكَ تَحْتَ أَظْفَارِهِ. وَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ مُسَلْسَلٍ قَدْ سَمِعْنَاهُ أَنَّ عَلِيًّا، قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَلِيٌّ، قَصُّ الظُّفْرِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَالْغُسْلُ وَالطِّيبُ وَاللِّبَاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» . وَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ «مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ مُخَالِفًا لَمْ يَرَ فِي عَيْنَيْهِ رَمَدًا» ، وَفَسَّرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ بِأَنْ يَبْدَأَ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْإِبْهَامِ ثُمَّ الْبِنْصِرِ ثُمَّ السَّبَّابَةِ ثُمَّ بِإِبْهَامِ الْيُسْرَى ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْخِنْصَرِ ثُمَّ السَّبَّابَةِ ثُمَّ الْبِنْصِرِ. [فَصْل غَسْلُ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ بَعْد قَصِّ الْأَظْفَارِ] (105) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ بَعْدَ قَصِّ الْأَظْفَارِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْحَكَّ بِالْأَظْفَارِ قَبْلَ غَسْلِهَا يَضُرُّ بِالْجَسَدِ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ " غَسْلُ الْبَرَاجِمِ " فِي تَفْسِيرِ الْفِطْرَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ:
فصل الرجل يتخذ الشعر أفضل من إزالته
الْبَرَاجِمُ: الْعُقَدُ الَّتِي فِي ظُهُورِ الْأَصَابِعِ، وَالرَّوَاجِبُ: مَا بَيْنَ الْبَرَاجِمِ. وَمَعْنَاهُ قَالَ: تَنْظِيفُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَتَشَنَّجُ وَيَجْتَمِعُ فِيهَا الْوَسَخُ. وَيُسْتَحَبُّ دَفْنُ مَا قَلَّمَ مِنْ أَظْفَارِهِ أَوْ أَزَالَ مِنْ شَعْرِهِ، لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ «عَنْ مِيلَ بِنْتِ مِشْرَحٍ الْأَشْعَرِيَّةِ قَالَتْ: رَأَيْت أَبِي يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَدْفِنُهَا، وَيَقُولُ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ذَلِكَ» . وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: كَانَ يُعْجِبُهُ دَفْنُ الدَّمِ» . وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ أَيَدْفِنُهُ أَمْ يُلْقِيهِ؟ قَالَ: يَدْفِنُهُ، قُلْت: بَلَغَك فِيهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدْفِنُهُ. وَرُوِّينَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ أَمَرَ بِدَفْنِ الشَّعْرِ وَالْأَظْفَارِ، وَقَالَ: لَا يَتَلَاعَبُ بِهِ سَحَرَةُ بَنِي آدَمَ» . [فَصْل الرَّجُل يَتَّخِذ الشَّعْر أَفْضَلُ مِنْ إزَالَته] (106) فَصْلٌ وَاِتِّخَاذُ الشَّعْرِ أَفْضَلُ مِنْ إزَالَتِهِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَتَّخِذُ الشَّعْرَ؟ فَقَالَ: سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، لَوْ أَمْكَنَنَا اتَّخَذْنَاهُ. وَقَالَ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُمَّةٌ.» وَقَالَ: تِسْعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ شَعْرٌ. وَقَالَ: عَشَرَةٌ لَهُمْ جُمَمٌ. وَقَالَ: فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ «إنَّ شَعْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ. وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: إلَى مَنْكِبَيْهِ» . وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، قَالَ: «مَا رَأَيْت مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «رَأَيْت ابْنَ مَرْيَمَ لَهُ لِمَّةٌ» . قَالَ الْخَلَّالُ سَأَلْت أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى - يَعْنِي ثَعْلَبًا - عَنْ اللِّمَّةِ؟ فَقَالَ: مَا أَلَمَّتْ بِالْأُذُنِ. وَالْجُمَّةُ: مَا طَالَتْ. وَقَدْ ذَكَرِ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فِي حَدِيثِهِ: «أَنَّ شَعْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ» ، وَقَدْ سَمَّاهُ لِمَّةً. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ شَعْرُ الْإِنْسَانِ عَلَى صِفَةِ شَعْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا طَالَ فَإِلَى مَنْكِبَيْهِ، وَإِنْ قَصُرَ فَإِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ. وَإِنْ طَوَّلَهُ فَلَا بَأْسَ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ كَانَتْ لَهُ عَقِيصَتَانِ وَعُثْمَانُ كَانَتْ لَهُ عَقِيصَتَانِ. وَقَالَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ: «أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِي شَعْرٌ طَوِيلٌ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: ذُبَابٌ ذُبَابٌ. فَرَجَعْتُ فَجَزَزْته، ثُمَّ أَتَيْته مِنْ الْغَدِ، فَقَالَ: لَمْ أَعْنِك» ، وَهَذَا حَسَنٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَيُسْتَحَبُّ تَرْجِيلُ الشَّعْرِ وَإِكْرَامُهُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَيُسْتَحَبُّ فَرْقُ الشَّعْرِ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَقَ شَعْرَهُ، وَذَكَرَهُ مِنْ الْفِطْرَةِ» فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي شُرُوطِ عُمَرَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ: أَنْ لَا يَفْرُقُوا شُعُورَهُمْ، لِئَلَّا يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ.
فصل حلق الرأس
[فَصْل حَلَقَ الرَّأْس] (107) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ. فَعَنْهُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ فِي الْخَوَارِجِ: سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ» . فَجَعَلَهُ عَلَامَةً لَهُمْ. وَقَالَ عُمَرُ لِصَبِيغٍ: لَوْ وَجَدْتُك مَحْلُوقًا لَضَرَبْت الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك بِالسَّيْفِ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُوضَعُ النَّوَاصِي إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، فِي الْأَفْرَادِ، وَرَوَى أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيس مِنَّا مَنْ حَلَقَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الَّذِي يَحْلِقُ رَأْسَهُ فِي الْمِصْرِ شَيْطَانٌ. قَالَ أَحْمَدُ كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْهُ: لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لَكِنْ تَرْكُهُ أَفْضَلُ. قَالَ حَنْبَلُ: كُنْت أَنَا وَأَبِي نَحْلِقُ رُءُوسَنَا فِي حَيَاةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَيَرَانَا وَنَحْنُ نَحْلِقُ فَلَا يَنْهَانَا، وَكَانَ هُوَ يَأْخُذُ رَأْسَهُ بِالْجَلَمَيْنِ وَلَا يُحْفِيهِ وَيَأْخُذُهُ وَسَطًا. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى غُلَامًا قَدْ حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ وَتَرَكَ بَعْضَهُ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي لَفْظٍ قَالَ: «احْلِقْهُ كُلَّهُ أَوْ دَعْهُ كُلَّهُ» . وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا جَاءَ نَعِيُّ جَعْفَرٍ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ، ثُمَّ قَالَ: اُدْعُوا بَنِي أَخِي، فَجِيءَ بِنَا، قَالَ: اُدْعُوا لِي الْحَالِقَ فَأَمَرَ بِنَا فَحَلَقَ رُءُوسَنَا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالطَّيَالِسِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ اسْتِئْصَالُ الشَّعْرِ بِالْمِقْرَاضِ. وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ» يَعْنِي فِي الْمُصِيبَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ " أَوْ صَلَقَ " أَوْ خَرَقَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إبَاحَةِ الْحَلْقِ، وَكَفَى بِهَذَا حُجَّةٌ. وَأَمَّا اسْتِئْصَالُ الشَّعْرِ بِالْمِقْرَاضِ فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ رِوَايَةً وَاحِدَةً. قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا كَرِهُوا الْحَلْقَ بِالْمُوسَى وَأَمَّا بِالْمِقْرَاضِ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ؛ لِأَنَّ أَدِلَّةَ الْكَرَاهَةِ تَخْتَصُّ بِالْحَلْقِ. [فَصْل حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ] فَصْلٌ: فَأَمَّا حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ فَمَكْرُوهٌ. وَيُسَمَّى الْقَزَعَ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلَفْظُهُ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْقَزَعِ وَقَالَ: احْلِقْهُ كُلَّهُ أَوْ دَعْهُ كُلَّهُ» . وَفِي شُرُوطِ عُمَرَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ: أَنْ يَحْلِقُوا مَقَادِمَ رُءُوسِهِمْ لِيَتَمَيَّزُوا بِذَلِكَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ. فَمَنْ فَعَلَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانَ مُتَشَبِّهًا بِهِمْ. [فَصْل حَلْقِ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ] (109) فَصْلٌ: وَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِي كَرَاهَةِ حَلْقِ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. قَالَ أَبُو مُوسَى: «بَرِئَ رَسُولُ اللَّهِ
فصل نتف الشيب
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا.» قَالَ الْحَسَنُ: هِيَ مُثْلَةٌ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ الْمَرْأَةِ تَعْجِزُ عَنْ شَعْرِهَا وَعَنْ مُعَالَجَتِهِ، أَتَأْخُذُهُ عَلَى حَدِيثِ مَيْمُونَةَ؟ قَالَ: لِأَيِّ شَيْءٍ تَأْخُذُهُ؟ قِيلَ لَهُ: لَا تَقْدِرُ عَلَى الدَّهْنِ وَمَا يُصْلِحُهُ وَتَقَعُ فِيهِ الدَّوَابُّ. قَالَ: إذَا كَانَ لِضَرُورَةٍ، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. [فَصْل نَتْفُ الشَّيْبِ] (110) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ، وَقَالَ: إنَّهُ نُورُ الْإِسْلَامِ.» وَعَنْ طَارِقِ بْنِ حَبِيبٍ، «أَنَّ حَجَّامًا أَخَذَ مِنْ شَارِبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَى شَيْبَةً فِي لِحْيَتِهِ فَأَهْوَى إلَيْهَا لِيَأْخُذَهَا، فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ، وَقَالَ: مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُمَا الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ. [فَصْل حَلْقُ الْقَفَا] (111) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ حَلْقُ الْقَفَا لِمَنْ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَلْقِ الْقَفَا. فَقَالَ: هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ. وَقَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يَحْلِقَ قَفَاهُ وَقْتَ الْحِجَامَةِ. وَأَمَّا حَفُّ الْوَجْهِ، فَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْحَفِّ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ لِلنِّسَاءِ، وَأَكْرَهُهُ لِلرِّجَالِ. [فَصْل خِضَابُ الشَّيْبِ] (112) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ خِضَابُ الشَّيْبِ بِغَيْرِ السَّوَادِ، قَالَ أَحْمَدُ إنِّي لَأَرَى الشَّيْخَ الْمَخْضُوبَ فَأَفْرَحُ بِهِ. وَذَاكَرَ رَجُلًا، فَقَالَ: لِمَ لَا تَخْتَضِبُ؟ فَقَالَ: أَسْتَحِي. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت: يُحْكَى عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ دَاوُد: خَضَّبْت؟ قُلْت: أَنَا لَا أَتَفَرَّغُ لِغَسْلِهَا فَكَيْفَ أَتَفَرَّغُ لَخِضَابِهَا، فَقَالَ: أَنَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ بِشْرٌ كَشَفَ عَمَلَهُ لِابْنِ دَاوُد، ثُمَّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «غَيِّرُوا الشَّيْبَ» ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ خَضَبَا، وَالْمُهَاجِرُونَ، فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَتَفَرَّغُوا لِغَسْلِهَا، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَمَرَ بِالْخِضَابِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَيْسَ مِنْ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَدِيثُ أَبِي رِمْثَةَ، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ. وَيُسْتَحَبُّ الْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ، وَابْنُ مَاجَهْ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ تَمِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
فصل يكتحل وترا ويدهن غبا وينظر في المرآة ويتطيب
بْنِ مَوْهَبٍ، قَالَ: «دَخَلْت عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَخْرَجَتْ إلَيْنَا شَعْرًا مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَخْضُوبًا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ.» وَخَضَّبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ. وَلَا بَأْسَ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ؛ لِأَنَّ أَبَا مَالِكٍ الْأَشْجَعِيَّ قَالَ: «كَانَ خِضَابُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَرْسَ وَالزَّعْفَرَانَ» . وَعَنْ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ، قَالَ: دَخَلْت أَنَا وَأَخِي رَافِعٌ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ وَأَنَا مَخْضُوبٌ بِالْحِنَّاءِ، وَأَخِي مَخْضُوبٌ بِالصُّفْرَةِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ هَذَا خِضَابُ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ لِأَخِي رَافِعٍ: هَذَا خِضَابُ الْإِيمَانِ. وَيُكْرَهُ الْخِضَابُ بِالسَّوَادِ. قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: تَكْرَهُ الْخِضَابَ بِالسَّوَادِ؟ قَالَ: إي وَاَللَّهِ. قَالَ: «وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيِّرُوهُمَا وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «يَكُونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يُخَضِّبُونَ بِالسَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ، لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» . وَرَخَّصَ فِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ لِلْمَرْأَةِ تَتَزَيَّنُ بِهِ لِزَوْجِهَا. [فَصْل يَكْتَحِلَ وِتْرًا وَيَدهنَّ غِبًّا وَيَنْظُرَ فِي الْمِرْآة وَيَتَطَيَّبَ] (113) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتَحِلَ وِتْرًا، وَيَدَّهِنَ غِبًّا، وَيَنْظُرَ فِي الْمِرْآةِ وَيَتَطَيَّبَ. قَالَ حَنْبَلُ: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَتْ لَهُ صِينِيَّةٌ فِيهَا مِرْآةٌ وَمُكْحُلَةٌ وَمِشْطٌ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حِزْبِهِ نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ وَاكْتَحَلَ وَامْتَشَطَ، وَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ» . قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ كَيْفَ يَكْتَحِلُ الرَّجُلُ؟ قَالَ: وِتْرًا. وَلَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» . وَالْوَتْرُ ثَلَاثٌ فِي كُلِّ عَيْنٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ فِي الْيُمْنَى وَاثْنَتَانِ فِي الْيُسْرَى، لِيَكُونَ الْوَتْرُ حَاصِلًا فِي الْعَيْنَيْنِ مَعًا. وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ التَّرَجُّلِ إلَّا غِبًّا.» قَالَ أَحْمَدُ مَعْنَاهُ يَدَّهِنُ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا. وَكَانَ أَحْمَدُ يُعْجِبُهُ الطِّيبُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُحِبُّ الطِّيبَ وَيَتَطَيَّبُ كَثِيرًا.»
فصل الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشرة والمستوشرة
[فَصْلٌ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَة وَالنَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَة وَالْوَاشِرَةَ والمستوشرة] (114) فَصْلٌ: وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالنَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ، وَالْوَاشِرَةَ وَالْمُسْتَوْشِرَةَ.» فَهَذِهِ الْخِصَالُ مُحَرَّمَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ فَاعِلَهَا وَلَا يَجُوزُ لَعْنُ فَاعِلِ الْمُبَاحِ. وَالْوَاصِلَةُ: هِيَ الَّتِي تَصِلُ شَعْرَهَا بِغَيْرِهِ، أَوْ شَعْرَ غَيْرِهَا. وَالْمُسْتَوْصِلَةُ: الْمَوْصُولُ شَعْرُهَا بِأَمْرِهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِلْخَبَرِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إنَّ ابْنَتِي عِرْسٌ وَقَدْ تَمَزَّقَ شَعْرُهَا، أَفَأَصِلُهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لُعِنَتْ الْوَاصِلَةُ، وَالْمُسْتَوْصِلَةُ» . فَلَا يَجُوزُ وَصْلُ شَعْرِ الْمَرْأَةِ بِشَعْرٍ آخَرَ؟ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ، أَنَّهُ «أَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعْرٍ، فَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا، وَقَالَ: إنَّمَا هَلَكَ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذَا نِسَاؤُهُمْ.» وَأَمَّا وَصْلُهُ بِغَيْرِ الشَّعْرِ، فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ مَا تَشُدُّ بِهِ رَأْسَهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، لِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ فِي تَخْصِيصِ الَّتِي تَصِلُهُ بِالشَّعْرِ، فَيُمْكِنُ جَعْلُ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلَّفْظِ الْعَامِّ، وَبَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَصِلُ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا الشَّعْرَ وَلَا الْقَرَامِلَ وَلَا الصُّوفَ، نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْوِصَالِ، فَكُلُّ شَيْءٍ يَصِلُ فَهُوَ وِصَالٌ، وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئًا» . وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُمَشِّطُونَ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَتْ: إنِّي أَصِلُ رَأْسَ الْمَرْأَةِ بِقَرَامِلَ وَأُمَشِّطُهَا، فَتَرَى لِي أَنْ أَحُجَّ مِمَّا اكْتَسَبْت؟ قَالَ: لَا وَكَرِهَ كَسْبَهَا، وَقَالَ لَهَا: يَكُونُ مِنْ مَالٍ أَطْيَبَ مِنْ هَذَا. وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْمُحَرَّمَ إنَّمَا هُوَ وَصْلُ الشَّعْرِ بِالشَّعْرِ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّدْلِيسِ وَاسْتِعْمَالِ الشَّعْرِ الْمُخْتَلَفِ فِي نَجَاسَتِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ لَا يَحْرُمُ، لِعَدَمِ هَذِهِ الْمَعَانِي فِيهَا، وَحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ مِنْ تَحْسِينِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (115) فَصْلٌ: فَأَمَّا النَّامِصَةُ: فَهِيَ الَّتِي تَنْتِفُ الشَّعْرَ مِنْ الْوَجْهِ، وَالْمُتَنَمِّصَةُ: الْمَنْتُوفُ شَعْرُهَا بِأَمْرِهَا، فَلَا يَجُوزُ لِلْخَبَرِ. وَإِنْ حَلَقَ الشَّعْرَ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا وَرَدَ فِي النَّتْفِ. نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ وَأَمَّا الْوَاشِرَةُ: فَهِيَ الَّتِي تَبْرُدُ الْأَسْنَانَ بِمِبْرَدٍ وَنَحْوِهِ؛ لِتُحَدِّدَهَا وَتُفَلِّجَهَا وَتُحَسِّنَهَا، وَالْمُسْتَوْشِرَةُ: الْمَفْعُولُ بِهَا ذَلِكَ بِإِذْنِهَا، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَةَ، وَالْمُسْتَوْشِمَةَ» . وَالْوَاشِمَةُ: الَّتِي تَغْرِزُ جِلْدَهَا بِإِبْرَةٍ، ثُمَّ تَحْشُوهُ كُحْلًا. وَالْمُسْتَوْشِمَةُ: الَّتِي يُفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ.
باب السواك وسنة الوضوء
[بَابُ السِّوَاكِ وَسُنَّةِ الْوُضُوءِ] [مَسْأَلَةٌ السِّوَاكُ سُنَّةٌ] مَسْأَلَةٌ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ وَالسِّوَاكُ سُنَّةٌ، يُسْتَحَبُّ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ السِّوَاكَ سُنَّةً غَيْرَ وَاجِبٍ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِوُجُوبِهِ إلَّا إِسْحَاقَ وَدَاوُد؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا وَغَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَمَرَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» . وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، يَعْنِي لَأَمَرْتهمْ أَمْرَ إيجَابٍ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ إنَّمَا تَلْحَقُ بِالْإِيجَابِ لَا بِالنَّدْبِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِي حَدِيثِهِمْ أَمْرُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاجِبًا فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْخُصُوصِ، جَمْعًا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، لِحَثِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ، وَتَرْغِيبِهِ فِيهِ وَنَدْبِهِ إلَيْهِ، وَتَسْمِيَتِهِ إيَّاهُ مِنْ الْفِطْرَةِ فِيمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي مُسْنَدِهِ، وَعَنْ عَائِشَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنِّي لَأَسْتَاكُ، حَتَّى لَقَدْ خَشِيت أَنْ أُحْفِيَ مَقَادِمَ فَمِي» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ فِي مَوَاضِعَ ثَلَاثَةٍ: عِنْدَ الصَّلَاةِ؛ لِلْخَبَرِ الْأَوَّلِ. وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ؛ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، يَعْنِي: يَغْسِلُهُ، يُقَالُ: شَاصَهُ، يَشُوصُهُ، وَمَاصَهُ: إذَا غَسَلَهُ، وَعَنْ عَائِشَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَيَسْتَيْقِظُ إلَّا تَسَوَّكَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّهُ إذَا نَامَ يَنْطَبِقُ فُوهُ فَتَتَغَيَّرُ رَائِحَتُهُ. وَعِنْدَ تَغَيُّرِ رَائِحَةِ فِيهِ بِمَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ السِّوَاكَ مَشْرُوعٌ لِإِزَالَةِ رَائِحَتِهِ وَتَطْيِيبِهِ. (117) فَصْلٌ: وَيَسْتَاكُ عَلَى أَسْنَانِهِ وَلِسَانِهِ، قَالَ أَبُو مُوسَى: «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَأَيْته يَسْتَاكُ عَلَى لِسَانِهِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنِّي لَأَسْتَاكُ حَتَّى لَقَدْ خَشِيت أَنْ أُحْفِيَ مَقَادِمَ فَمِي.» وَيَسْتَاكُ عَرْضًا، لَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اسْتَاكُوا عَرْضًا، وَادَّهِنُوا غِبًّا، وَاكْتَحِلُوا وِتْرًا» ؛ وَلِأَنَّ السِّوَاكَ طُولًا مِنْ أَطْرَافِ الْأَسْنَانِ إلَى عَمُودِهَا رُبَّمَا أَدْمَى اللِّثَةَ وَأَفْسَدَ الْعَمُودَ. وَيُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ فِي سِوَاكِهِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -
مسألة السواك بعد الزوال للصائم
قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيَغْسِلُهُ بِالْمَاءِ؛ لِيُزِيلَ مَا عَلَيْهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْطِينِي السِّوَاكَ لِأَغْسِلَهُ، فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ، ثُمَّ أَغْسِلُهُ، ثُمَّ أَدْفَعُهُ إلَيْهِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرُوِيَ عَنْهَا، قَالَتْ: «كُنَّا نُعِدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةَ آنِيَةٍ مُخَمَّرَةً مِنْ اللَّيْلِ: إنَاءً لِطَهُورِهِ، وَإِنَاءً لِسِوَاكِهِ، وَإِنَاءً لِشَرَابِهِ.» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. (118) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ السِّوَاكُ عُودًا لَيِّنًا يُنَقِّي الْفَمَ، وَلَا يَجْرَحُهُ، وَلَا يَضُرُّهُ، وَلَا يَتَفَتَّتُ فِيهِ، كَالْأَرَاكِ وَالْعُرْجُونِ، وَلَا يُسْتَاكُ بِعُودِ الرُّمَّانِ وَلَا الْآسِ وَلَا الْأَعْوَادِ الذَّكِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَخَلَّلُوا بِعُودِ الرَّيْحَانِ، وَلَا الرُّمَّانِ، فَإِنَّهُمَا يُحَرِّكَانِ عِرْقَ الْجُذَامِ» . رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَزْدِيُّ الْحَافِظُ بِإِسْنَادِهِ، وَقِيلَ: السِّوَاكُ بِعُودِ الرَّيْحَانِ يَضُرُّ بِلَحْمِ الْفَمِ. وَإِنْ اسْتَاكَ بِأُصْبُعِهِ أَوْ خِرْقَةٍ، فَقَدْ قِيلَ: لَا يُصِيبُ السُّنَّةَ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ، وَلَا يَحْصُلُ الْإِنْقَاءُ بِهِ حُصُولَهُ بِالْعُودِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصِيبُ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْإِنْقَاءِ، وَلَا يُتْرَكُ الْقَلِيلُ مِنْ السُّنَّةِ لِلْعَجْزِ عَنْ كَثِيرِهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أَخْبَرَنَا رِزْقُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بَشْرَانَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْبَخْتَرِيِّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِي، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّكَ رَغَّبْتَنَا فِي السِّوَاكِ، فَهَلْ دُونَ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: أُصْبُعَيْك، سِوَاكٌ عِنْدَ وُضُوئِك، أَمِرَّهُمَا عَلَى أَسْنَانِك، إنَّهُ لَا عَمَلَ لِمَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ، وَلَا أَجْرَ لِمَنْ لَا حَسَنَةَ لَهُ.» [مَسْأَلَة السِّوَاكُ بَعْدَ الزَّوَالِ لِلصَّائِمِ] (119) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا، فَيُمْسِكَ مِنْ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِلصَّائِمِ السِّوَاكُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَهَلْ يُكْرَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا يُكْرَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: يَسْتَاكُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظُّهْرِ، وَلَا يَسْتَاكُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ السِّوَاكَ إنَّمَا اُسْتُحِبَّ لِإِزَالَةِ رَائِحَةِ الْفَمِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَإِزَالَةُ الْمُسْتَطَابِ مَكْرُوهٌ، كَدَمِ الشُّهَدَاءِ وَشَعَثِ الْإِحْرَامِ. وَالثَّانِيَةُ لَا يُكْرَهُ، وَرَخَّصَ فِيهِ غَدْوَةً وَعَشِيًّا النَّخَعِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَعُرْوَةُ وَمَالِكٌ
مسألة غسل اليدين في أول الوضوء
وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي السِّوَاكِ، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [مَسْأَلَة غَسْلُ الْيَدَيْنِ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ] (120) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إذَا قَامَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الْإِنَاءَ ثَلَاثًا. غَسْلُ الْيَدَيْنِ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ مَسْنُونٌ فِي الْجُمْلَةِ، سَوَاءٌ قَامَ مِنْ النَّوْمِ أَوْ لَمْ يَقُمْ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تَغْمِسُ فِي الْإِنَاءِ وَتَنْقُلُ الْوُضُوءَ إلَى الْأَعْضَاءِ، فَفِي غَسْلِهِمَا إحْرَازٌ لِجَمِيعِ الْوُضُوءِ، «وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ، فَإِنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَصَفَ وُضُوءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: دَعَا بِالْمَاءِ فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ وَصَفَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ عِنْدَ غَيْرِ الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، فَأَمَّا عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي وُجُوبِهِ؛ فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبُهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ عَنْهُ، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الْإِنَاءَ ثَلَاثًا؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: " فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي وَضُوءٍ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا ". وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَنَهْيُهُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. وَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] . الْآيَةَ. قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي تَفْسِيرِهَا: إذَا قُمْتُمْ مِنْ نَوْمٍ. وَلِأَنَّ الْقِيَامَ مِنْ النَّوْمِ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَقَدْ أَمَرَهُ بِالْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ فِي أَوَّلِهِ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي حُصُولَ الْإِجْزَاءِ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ قَائِمٌ مِنْ نَوْمٍ، فَأَشْبَهَ الْقَائِمَ مِنْ نَوْمِ النَّهَارِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، لَتَعْلِيلِهِ بِمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» وَطَرَيَانُ الشَّكِّ عَلَى يَقِينِ الطَّهَارَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا، كَمَا لَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ النَّدْبَ. (121) فَصْلٌ: وَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا مِنْ نَوْمِ النَّهَارِ، وَسَوَّى الْحَسَنُ بَيْنَ نُومِ اللَّيْلِ وَنَوْمِ النَّهَارِ فِي الْوُجُوبِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: (إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ) . وَلَنَا أَنَّ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ نَوْمِ اللَّيْلِ؛ لِقَوْلِهِ: (فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدِهِ) ، وَالْمَبِيتُ يَكُون بِاللَّيْلِ خَاصَّةً، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ تَعَبُّدًا، فَلَا يَصِحُّ تَعْدِيَتُهُ. الثَّانِي أَنَّ اللَّيْلَ مَظِنَّةُ النَّوْمِ وَالِاسْتِغْرَاقِ فِيهِ وَطُولِ مُدَّتِهِ، فَاحْتِمَالُ إصَابَةِ يَدِهِ لِنَجَاسَةٍ
فصل غمس يده في الإناء قبل غسلها
لَا يَشْعُرُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ احْتِمَالِ ذَلِكَ فِي نَوْمِ النَّهَارِ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: الْحَدِيثُ فِي الْمَبِيتِ بِاللَّيْلِ، فَأَمَّا النَّهَارُ فَلَا بَأْسَ بِهِ. [فَصْل غَمَسَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا] (122) فَصْلٌ: فَإِنْ غَمَسَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يُوجِبْ غَسْلَهَا، لَا يُؤَثِّرُ غَمْسُهَا شَيْئًا، وَمَنْ أَوْجَبَهُ قَالَ: إنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ، لَمْ يُؤَثِّرْ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ الْخُبْثَ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، فَقَالَ أَحْمَدُ: أَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يُهْرِيقَ الْمَاءَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ إرَاقَتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ غَمْسِ الْيَدِ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى تَأْثِيرِهِ فِيهِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ الْمُسْلِمِ الْعُكْبَرِيُّ فِي الْخَبَرِ زِيَادَةً عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنْ أَدْخَلَهَا قَبْلَ الْغَسْلِ أَرَاقَ الْمَاءَ» . وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَزُولَ طُهُورِيَّتُهُ وَلَا تَجِبَ إرَاقَتُهُ؛ لِأَنَّ طُهُورِيَّةَ الْمَاءِ كَانَتْ ثَابِتَةً بِيَقِينٍ، وَالْغَمْسُ الْمُحَرَّمُ لَا يَقْتَضِي إبْطَالَ طُهُورِيَّةَ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لِوَهْمِ النَّجَاسَةِ، فَالْوَهْمُ لَا يَزُولُ بِهِ يَقِينُ الطُّهُورِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُزِلْ يَقِينَ الطَّهَارَةِ، فَكَذَلِكَ لَا يُزِيلُ الطُّهُورِيَّةَ، فَإِنَّنَا لَمْ نَحْكُمْ بِنَجَاسَةِ الْيَدِ وَلَا الْمَاءِ؛ وَلِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ فَبِالْوَهْمِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا فَنَقْتَصِرُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْغَسْلِ وَتَحْرِيمُ الْغَمْسِ، وَلَا يُعَدَّى إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِحَدَثٍ؛ وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ تَأْثِيرِ غَمْسِ الْمُحْدِثِ أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ، وَلَا فَرْقَ هَاهُنَا بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ أَوْ لَا يَنْوِيَ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ غَمَسَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا، فَهَلْ تَبْطُلُ طُهُورِيَّتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. [فَصْل حَدُّ الْيَدِ الْمَأْمُورِ بِغَسْلِهَا] (123) فَصْلٌ: وَحَدُّ الْيَدِ الْمَأْمُورِ بِغَسْلِهَا مِنْ الْكُوعِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ الْمُطْلَقَةَ فِي الشَّرْعِ تَتَنَاوَلُ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] وَإِنَّمَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ مِنْ مَفْصِلِ الْكُوعِ، وَكَذَلِكَ فِي التَّيَمُّمُ يَكُونُ فِي الْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعِ، وَالدِّيَةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْيَدِ تَجِبُ عَلَى مَنْ قَطَعَهَا مِنْ مَفْصِلِ الْكُوعِ. وَغَمْسُ بَعْضِهَا، وَلَوْ أُصْبُعٍ أَوْ ظُفْرٍ مِنْهَا، كَغَمْسِ جَمِيعِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ الْمَنْعُ بِجَمِيعِهِ تَعَلَّقَ بِبَعْضِهِ، كَالْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ. وَالثَّانِي لَا يَمْنَعُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ لِأَنَّ النَّهْيَ تَنَاوَلَ غَمْسَ جَمِيعِهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مَانِعًا كَوْنُ بَعْضِهِ مَانِعًا، كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا كَوْنُ بَعْضِهِ سَبَبًا، وَغَمْسُهَا بَعْدَ غَسْلِهَا دُونَ الثَّلَاثِ كَغَمْسِهَا قَبْلَ غَسْلِهَا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَزُولُ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا.
فصل إذا نام الرجل وعليه سراويله
[فَصْل إذَا نَامَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ سَرَاوِيلُهُ] (124) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ يَدِ النَّائِمِ مُطْلَقَةً أَوْ مَشْدُودَةً بِشَيْءٍ، أَوْ فِي جِرَابٍ، أَوْ كَوْنِ النَّائِمِ عَلَيْهِ سَرَاوِيلُهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ. قَالَ أَبُو دَاوُد: سُئِلَ أَحْمَدُ إذَا نَامَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ سَرَاوِيلُهُ؟ قَالَ: السَّرَاوِيلُ وَغَيْرُهُ وَاحِدٌ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا انْتَبَهَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا» . يَعْنِي أَنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ، فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِعُمُومِهِ. وَلِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا تَعَلَّقَ عَلَى الْمَظِنَّةِ لَمْ يُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ الْحِكْمَةِ، كَالْعِدَّةِ الْوَاجِبَةِ لِاسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ، تَجِبُ فِي حَقِّ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ، وَكَذَاك الِاسْتِبْرَاءُ، مَعَ أَنَّ احْتِمَالَ النَّجَاسَةِ لَا يَنْحَصِرُ فِي مَسِّ الْفَرْجِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْبَدَنِ بَثْرَةٌ أَوْ دُمَّلٌ، وَقَدْ يَحُكُّ جَسَدَهُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ دَمٌ بَيْنَ أَظْفَارِهِ، أَوْ يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ دَمٌ، وَقَدْ تَكُونُ نَجِسَةً قَبْلَ نَوْمِهِ فَيَنْسَى نَجَاسَتَهَا لِطُولِ نَوْمِهِ، عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ الْغَسْلَ أَنَّهُ تَعَبُّدٌ؛ لَا لِعِلَّةِ التَّنْجِيسِ، وَلِهَذَا لَمْ يَحْكُمْ بِنَجَاسَةِ الْيَدِ وَلَا الْمَاءِ، فَيَعُمُّ الْوُجُوبُ كُلَّ مَنْ تَنَاوَلَهُ الْخَبَرُ. [فَصْل كَانَ الْقَائِمُ مِنْ نَوْمِ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ كَافِرًا] (125) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْقَائِمُ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ كَافِرًا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَالْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ. وَالثَّانِي، أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ غَمْسُهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْغَمْسِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْخِطَابِ، وَلَا خِطَابَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ؛ وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْغَسْلِ هَاهُنَا تَعَبُّدٌ، وَلَا تَعَبُّدَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ؛ وَلِأَنَّ غَمْسَهُمْ لَوْ أَثَّرَ فِي الْمَاءِ لَأَثَّرَ فِي جَمِيعِ زَمَانِهِمْ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ الْمُزِيلَ مِنْ حُكْمِ الْمَنْعِ مِنْ شَرْطِهِ النِّيَّةُ، وَمَا هُمْ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَا نَعْلَمُ قَائِلًا بِذَلِكَ. [فَصْل النَّوْمُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَمْرُ بِغَسْلِ الْيَدِ] (126) فَصْلٌ: وَالنَّوْمُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَمْرُ بِغَسْلِ الْيَدِ مَا نَقَضَ الْوُضُوءَ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ فِي النَّوْمِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ مَا زَادَ عَلَى نِصْفِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بَائِتًا إلَّا بِذَلِكَ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ دَفَعَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ لَا يَكُونُ بَائِتًا بِهَا، وَلِهَذَا يَلْزَمُهُ دَمٌ، بِخِلَافِ مَنْ دَفَعَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا جَاءَ مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بَائِتًا بِهَا، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا بَاتَ بِهَا دُونَ النِّصْفِ. [فَصْل غَسْلُ الْيَدَيْنِ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ] (127) فَصْلٌ: وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ تَعَبُّدِيَّةٌ، فَأَشْبَهَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ. وَالثَّانِي: لَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِوَهْمِ النَّجَاسَةِ، وَلَا تُعْتَبَرُ فِي غَسْلِهَا النِّيَّةُ؛ وَلِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الْغَسْلُ، وَقَدْ أَتَى بِهِ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي حُصُولَ الْإِجْزَاءِ بِهِ. وَلَا يَفْتَقِرُ الْغَسْلُ إلَى تَسْمِيَةٍ.
فصل انغمس الجنب في ماء كثير
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَفْتَقِرُ إلَيْهَا قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ. وَهَذَا بَعِيدٌ؛ فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الْوُضُوءِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فِي الصَّحِيحِ، وَمَنْ أَوْجَبَهَا فَإِنَّمَا أَوْجَبَهَا تَعَبُّدًا، فَيَجِبُ قَصْرُهَا عَلَى مَحَلِّهَا، فَإِنَّ التَّعَبُّدَ بِهِ فَرْعُ التَّعْلِيلِ، وَمِنْ شَرْطِهِ كَوْنُ الْمَعْنَى مَعْقُولًا، وَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِهِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ آكَدُ، وَهُوَ فِي أَرْبَعَةِ أَعْضَاءَ، وَسَبَبُهُ غَيْرُ سَبَبِ غَسْلِ الْيَدِ. [فَصْل انْغَمَسَ الْجُنُبُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ] (128) فَصْلٌ: وَلَوْ انْغَمَسَ الْجُنُبُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ، أَوْ تَوَضَّأَ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ، يَغْمِسُ فِيهِ أَعْضَاءَهُ، وَلَمْ يَنْوِ غَسْلَ الْيَدَيْنِ مِنْ نُومِ اللَّيْلِ، صَحَّ غُسْلُهُ وَوُضُوءُهُ، وَلَمْ يُجْزِهِ عَنْ غَسْلِ الْيَدِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ النِّيَّةَ فِي غَسْلِهَا؛ لِأَنَّ بَقَاءَ النَّجَاسَةِ عَلَى الْعُضْوِ لَا يَمْنَعُ رَفْعَ الْحَدَثِ، فَلَوْ غَسَلَ أَنْفَهُ أَوْ يَدَهُ فِي الْوُضُوءِ، وَهُوَ نَجِسٌ، لَارْتَفَعَ حَدَثُهُ، وَبَقَاءُ الْحَدَثِ عَلَى الْوُضُوءِ لَا يَمْنَعُ رَفْعَ حَدَثٍ آخَرَ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَوَضَّأَ الْجُنُبُ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، أَوْ اغْتَسَلَ وَلَمْ يَنْوِ الطَّهَارَةَ الصُّغْرَى، صَحَّتْ الْمَنْوِيَّةُ دُونَ غَيْرِهَا، وَهَذَا لَا يَخْرُجُ عَنْ شَبَهِهِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ. [فَصْل وَجَدَ مَاءً قَلِيلًا لَيْسَ مَعَهُ مَا يَغْتَرِفُ بِهِ وَيَدَاهُ نَجِسَتَانِ] (129) فَصْلٌ: إذَا وَجَدَ مَاءً قَلِيلًا لَيْسَ مَعَهُ مَا يَغْتَرِفُ بِهِ وَيَدَاهُ نَجِسَتَانِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِفِيهِ وَيَصُبُّ عَلَى يَدِهِ. وَهَكَذَا لَوْ أَمْكَنَهُ غَمْسُ خِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَصَبُّهُ عَلَى يَدَيْهِ فَعَلَ ذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ تَيَمَّمَ وَتَرَكَهُ؛ لِئَلَّا يَنْجُسَ الْمَاءُ وَيَتَنَجَّسَ بِهِ. فَإِنْ كَانَ لَمْ يَغْسِلْ يَدَيْهِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ تَوَضَّأَ مِنْهُ، عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ الْمَاءَ بَاقِيًا عَلَى إطْلَاقِهِ. وَمَنْ جَعَلَهُ مُسْتَعْمَلًا، قَالَ: يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ مَعَهُ. وَلَوْ اسْتَيْقَظَ الْمَحْبُوسُ مِنْ نَوْمِهِ فَلَمْ يَدْرِ؛ أَهُوَ مِنْ نَوْمِ النَّهَارِ أَوْ اللَّيْلِ؟ لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُ يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، فَلَا نُوجِبُهُ بِالشَّكِّ. [مَسْأَلَة التَّسْمِيَة عِنْد الْوُضُوءِ] (130) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَالتَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْوُضُوءِ. ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّ التَّسْمِيَةَ مَسْنُونَةٌ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ كُلِّهَا. رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَقَالَ الْخَلَّالُ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. يَعْنِي إذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ. وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَعَنْهُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِيهَا كُلِّهَا؛ الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ، وَالتَّيَمُّمِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَمَذْهَبُ الْحَسَنِ وَإِسْحَاقَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَحْسَنُ. وَهَذَا نَفْيٌ فِي نَكِرَةٍ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ وُضُوءُهُ بِدُونِ التَّسْمِيَةِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى: أَنَّهَا طَهَارَةٌ، فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى التَّسْمِيَةِ، كَالطَّهَارَةِ مِنْ النَّجَاسَةِ، أَوْ عِبَادَةٌ، فَلَا تَجِبُ فِيهَا التَّسْمِيَةُ
مسألة المبالغة في الاستنشاق
كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ بِالشَّرْعِ وَالْأَحَادِيثِ، قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ يَثْبُتُ فِي هَذَا حَدِيثٌ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهَا حَدِيثًا لَهُ إسْنَادٌ جَيِّدٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ: ضَعَّفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثَ فِي التَّسْمِيَةِ، وَقَالَ: أَقْوَى شَيْءٍ فِيهِ حَدِيثُ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ رُبَيْحٍ - يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ - ثُمَّ ذَكَرَ رُبَيْحًا، أَيْ مَنْ هُوَ؟ وَمَنْ أَبُوهُ؟ فَقَالَ: يَعْنِي الَّذِي يَرْوِي حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ. يَعْنِي أَنَّهُمْ مَجْهُولُونَ، وَضَعَّفَ إسْنَادَهُ. وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَيُحْمَلُ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ وَنَفْيِ الْكَمَالِ بِدُونِهَا، كَقَوْلِهِ: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» . (131) فَصْلٌ: وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا فَتَرَكَهَا عَمْدًا، لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا فِي الطَّهَارَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ النِّيَّةَ. وَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا صَحَّتْ طَهَارَتُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد فَإِنَّهُ قَالَ. سَأَلْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ: إذَا نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي الْوُضُوءِ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ فَعَلَى هَذَا إذَا ذَكَرِ فِي أَثْنَاءِ طَهَارَتِهِ أَتَى بِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عُفِيَ عَنْهَا مَعَ السَّهْوِ فِي جُمْلَةِ الْوُضُوءِ فَفِي بَعْضِهِ أَوْلَى، وَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا حَتَّى غَسَلَ عُضْوًا لَمْ يَعْتَدَّ بِغَسْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ مَعَ الْعَمْدِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ: إذَا سَمَّى فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ. يَعْنِي عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى وُضُوئِهِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا تَسْقُطُ بِالسَّهْوِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَقِيَاسًا لَهَا عَلَى سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» ؛ وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ تَتَغَايَرُ أَفْعَالُهَا، فَكَانَ فِي وَاجِبَاتِهَا مَا يَسْقُطُ بِالسَّهْوِ كَالصَّلَاةِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى سَائِرِ وَاجِبَاتِ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ تَأَكَّدَ وُجُوبُهَا، بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ هِيَ قَوْلُ بِسْمِ اللَّهِ لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، كَالتَّسْمِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ، وَعِنْدَ أَكْلِ الطَّعَامِ وَشُرْبِ الشَّرَابِ، وَمَوْضِعُهَا بَعْدَ النِّيَّةِ قَبْلَ أَفْعَالِ الطَّهَارَةِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ قَوْلٌ وَاجِبٌ فِي الطَّهَارَةِ، فَيَكُونُ بَعْدَ النِّيَّةِ، لِتَشْمَلَ النِّيَّةَ جَمِيعَ وَاجِبَاتِهَا، وَقَبْلَ أَفْعَالِ الطَّهَارَةِ، لِيَكُونَ مُسَمِّيًا عَلَى جَمِيعِهَا، كَمَا يُسَمَّى عَلَى الذَّبِيحَةِ وَقْتَ ذَبْحِهَا. [مَسْأَلَة الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ] (132) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَالْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ: اجْتِذَابُ الْمَاءِ بِالنَّفَسِ إلَى أَقْصَى الْأَنْفِ، وَلَا يَجْعَلُهُ سَعُوطًا، وَذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ فِي الْوُضُوءِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا فَلَا يُسْتَحَبُّ، لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى عَاصِمُ بْنُ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ الْوُضُوءِ. قَالَ أَسْبِغْ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّهُ مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ، فَاسْتُحِبَّتْ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ كَسَائِرِ أَعْضَائِهَا.
فصل المبالغة مستحبة في سائر أعضاء الوضوء
[فَصْل الْمُبَالَغَةُ مُسْتَحَبَّةٌ فِي سَائِرِ أَعْضَاء الْوُضُوء] (133) فَصْلٌ: الْمُبَالَغَةُ مُسْتَحَبَّةٌ فِي سَائِرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَسْبِغْ الْوُضُوءَ.» وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ إدَارَةُ الْمَاءِ فِي أَعْمَاقِ الْفَمِ وَأَقَاصِيهِ وَأَشْدَاقِهِ، وَلَا يَجْعَلُهُ وَجُورًا لَمْ يَمُجَّهُ، وَإِنْ ابْتَلَعَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ قَدْ حَصَلَ. وَالْمُبَالَغَةُ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ بِالتَّخْلِيلِ، وَبِتَتَبُّعِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَنْبُو عَنْهَا الْمَاءُ بِالدَّلْكِ وَالْعَرْكِ وَمُجَاوَزَةِ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ بِالْغَسْلِ. وَقَدْ رَوَى نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى كَادَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَنْكِبَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو حَازِمٍ عَنْهُ قَرِيبًا مِنْ هَذَا، وَقَالَ: سَمِعْت خَلِيلِي يَقُولُ: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [مَسْأَلَة تَخْلِيلُ اللِّحْيَة] (134) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ اللِّحْيَةَ إنْ كَانَتْ خَفِيفَةً تَصِفُ الْبَشَرَةَ وَجَبَ غَسْلُ بَاطِنِهَا. وَإِنْ كَانَتْ كَثِيفَةً لَمْ يَجِبْ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا، وَيُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُهَا. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ: ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَأَنَسُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: إذَا تَرَكَ تَخْلِيلَ لِحْيَتِهِ عَامِدًا أَعَادَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ.» رَوَاهُ عَنْهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ وَقَالَ: هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ.» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَوَضَّأَ عَرَكَ عَارِضَيْهِ بَعْضَ الْعَرْكِ، ثُمَّ شَبَكَ لِحْيَتَهُ بِأَصَابِعِهِ مِنْ تَحْتِهَا.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَأَبُو ثَوْرٍ: يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِ شُعُورِ الْوَجْهِ وَإِنْ كَانَ كَثِيفًا كَمَا يَجِبُ فِي الْجَنَابَةِ؛ وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِغَسْلِ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ كَمَا أُمِرَ بِغَسْلِهِ فِي الْجَنَابَةِ، فَمَا وَجَبَ فِي أَحَدِهِمَا وَجَبَ فِي الْآخَرِ مِثْلُهُ. وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ، وَلَا يَجِبُ التَّخْلِيلُ؛ وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي تَرْكِ التَّخْلِيلِ ابْنُ عُمَرَ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَطَاوُسٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْقَاسِمِ، وَمُحَمَّدُ
مسألة أخذ ماء جديد للأذنين ظاهرهما وباطنهما
بْنُ عَلِيٍّ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغَسْلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ التَّخْلِيلَ، وَأَكْثَرُ مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحْكِهِ. وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا أَخَلَّ بِهِ فِي وُضُوءٍ، وَلَوْ فَعَلَهُ فِي كُلِّ وُضُوءٍ لَنَقَلَهُ كُلُّ مَنْ حَكَى وُضُوءَهُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ، وَتَرْكُهُ لِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَسْلَ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ الْكَثِيفِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ كَثِيفَ اللِّحْيَةِ فَلَا يَبْلُغُ الْمَاءُ مَا تَحْتَ شَعْرِهَا بِدُونِ التَّخْلِيلِ وَالْمُبَالَغَةِ، وَفِعْلُهُ لِلتَّخْلِيلِ فِي بَعْضِ أَحْيَانِهِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (135) فَصْلٌ: قَالَ يَعْقُوبُ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ التَّخْلِيلِ؟ فَأَرَانِي مِنْ تَحْتِ لِحْيَتِهِ، فَخَلَّلَ بِالْأَصَابِعِ. وَقَالَ حَنْبَلُ: مِنْ تَحْتِ ذَقَنِهِ مِنْ أَسْفَلِ الذَّقَنِ، يُخَلِّلُ جَانِبَيْ لِحْيَتِهِ جَمِيعًا بِالْمَاءِ، وَيَمْسَحُ جَانِبَيْهَا وَبَاطِنَهَا. وَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ: قَالَ أَحْمَدُ إنْ شَاءَ خَلَّلَهَا مَعَ وَجْهِهِ، وَإِنْ شَاءَ إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَهَّدَ بَقِيَّةَ شُعُورِ وَجْهِهِ وَيَمْسَحَ مَآقِيهِ؛ لِيَزُولَ مَا بِهِمَا مِنْ كُحْلٍ أَوْ غَمَصٍ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ «ذَكَرَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: كَانَ يَمْسَحُ الْمَأْقَيْنِ.» [مَسْأَلَة أَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلْأُذُنَيْنِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا] (136) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلْأُذُنَيْنِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا الْمُسْتَحَبُّ: أَنْ يَأْخُذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا. قَالَ أَحْمَدُ: أَنَا أَسْتَحِبُّ أَنْ يَأْخُذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا، كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هَذَا الَّذِي قَالُوهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْأَخْبَارِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» . رَوَاهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ، وَالْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً.» رَوَاهُنَّ أَبُو دَاوُد. وَلَنَا أَنَّ إفْرَادَهُمَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَدْ ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ إلَى أَنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا أَقْبَلَ مِنْهُمَا مِنْ الْوَجْهِ وَظَاهِرُهُمَا مِنْ الرَّأْسِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: لَيْسَا مِنْ الْوَجْهِ وَلَا مِنْ الرَّأْسِ. فَفِي إفْرَادِهِمَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ خُرُوجٌ مِنْ بَعْضِ الْخِلَافِ، فَكَانَ أَوْلَى. وَإِنْ مَسَحَهُمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ.
فصل ما يستحب في الوضوء
[فَصْل مَا يُسْتَحَبّ فِي الْوُضُوء] (137) فَصْلٌ: قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَسَحَ رَأْسَهُ، وَلَمْ أَرَهُ يَمْسَحُ عَلَى عُنُقِهِ، فَقُلْت لَهُ: أَلَّا تَمْسَحُ عَلَى عُنُقِك؟ قَالَ: إنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَقُلْت: أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: هُوَ مَوْضِعُ الْغُلِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ هَكَذَا يَمْسَحُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَفْعَلْهُ. وَقَالَ أَيْضًا: هُوَ زِيَادَةٌ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَنَّ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «امْسَحُوا أَعْنَاقَكُمْ مَخَافَةَ الْغُلِّ» . وَاَلَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: رَأَيْت أَبِي إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ فِي الْوُضُوءِ مَسَحَ قَفَاهُ. وَوَهَّنَ الْخَلَّالُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَقَالَ: هِيَ وَهْمٌ. وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ حَدِيثَ طَلْحَةَ بْنَ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ رَأْسَهُ حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ.» وَهُوَ أَوَّلُ الْقَفَا. وَذَكَرَ أَنَّ سُفْيَانَ كَانَ يُنْكِرُهُ، وَأَنْكَرَهُ، يَحْيَى أَيْضًا. وَخَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا نَعْرِفُهُ، وَلَمْ يَرَوْهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ. [فَصْل مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ] (138) فَصْلٌ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ غَسْلَ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عَمِيَ مِنْ كَثْرَةِ إدْخَالِ الْمَاءِ فِي عَيْنَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي الْغُسْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ أَبْلَغُ، فَإِنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ، وَتُغْسَلُ فِيهِ بَوَاطِنُ الشُّعُورِ الْكَثِيفَةِ، وَمَا تَحْتَ الْجَفْنَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، وَدَاخِلُ الْعَيْنَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ الْبَدَنِ الْمُمْكِنِ غَسْلُهُ فَإِذَا لَمْ تَجِبْ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَبًّا. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَسْنُونٍ فِي وُضُوءٍ وَلَا غُسْلٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْهُ، وَلَا أَمَرَ بِهِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ، وَمَا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِبَصَرِهِ، وَفِعْلُ مَا يُخَافُ مِنْهُ ذَهَابُ الْبَصَرِ أَوْ نَقْصُهُ مِنْ غَيْرِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا. [مَسْأَلَةُ تَخْلِيلُ مَا بَيْنَ الْأَصَابِع] (139) مَسْأَلَةٌ قَالَ وَتَخْلِيلُ مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ مَسْنُونٌ، وَهُوَ فِي الرِّجْلَيْنِ آكَدُ؛ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ: أَسْبِغْ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ الْأَصَابِعَ» . وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ الْمُسْتَوْرِدُ وَقَالَ الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ:: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَوَضَّأَ دَلَكَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَلِّلَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَيَبْدَأُ فِي تَخْلِيلِ الْيُمْنَى مِنْ خِنْصَرِهَا إلَى إبْهَامِهَا، وَفِي الْيُسْرَى مِنْ إبْهَامِهَا إلَى خِنْصَرِهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي وُضُوئِهِ. وَفِي هَذَا تَيَمُّنٌ
(140) فَصْلٌ: ` وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْرُكَ رِجْلَهُ بِيَدِهِ، وَيَتَعَهَّدَ عَقِبَيْهِ، وَالْمَوَاضِعَ الَّتِي يَزْلَقُ عَنْهَا الْمَاءُ، قَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت لِأَحْمَدَ: إذَا تَوَضَّأَ فَأَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْمَاءِ، فَأَخْرَجَهَا؟ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَى رِجْلِهِ، وَيُخَلِّلَ أَصَابِعَهُ. قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، يُجْزِئُهُ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ يُجْزِئُهُ مِنْ التَّخْلِيلِ أَنْ يُحَرِّكَ رِجْلَهُ فِي الْمَاءِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا زَلَقَ الْمَاءُ عَنْ الْجَسَدِ فِي الشِّتَاءِ. قِيلَ لَهُ: مَنْ تَوَضَّأَ يُحَرِّكُ خَاتَمَهُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ ضَيِّقًا لَا بُدَّ أَنْ يُحَرِّكَهُ، وَإِنْ كَانَ وَاسِعًا يَدْخُلُ فِيهِ الْمَاءُ أَجْزَأَهُ، وَقَدْ رَوَى أَبُو رَافِعٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا تَوَضَّأَ حَرَّكَ خَاتَمَهُ.» وَإِذَا شَكَّ فِي وُصُولِ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ وَجَبَ تَحْرِيكُهُ؛ لِيَتَيَقَّنَ وُصُولَ الْمَاءِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُصُولِهِ. وَإِنْ الْتَفَّ بَعْضُ أَصَابِعِهِ عَلَى بَعْضٍ وَكَانَ مُتَّصِلًا، لَمْ يَجِبْ فَصْلُ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا كَأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُلْتَصِقًا وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا بَيْنَهُمَا. (141) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَغَسْلُ الْمَيَامِنِ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ - فِيمَا عَلِمْنَا - فِي اسْتِحْبَابِ الْبُدَاءَةِ بِالْيُمْنَى، وَمِمَّنْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَأَهْلُ الشَّامِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ بَدَأَ بِيَسَارِهِ قَبْلَ يَمِينِهِ. وَأَصْلُ الِاسْتِحْبَابِ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ، وَيَفْعَلُهُ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ» . رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ. وَحَكَى عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، «وُضُوءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَبَدَأَ بِالْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى.» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد. وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْيَدَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ، وَكَذَا الرِّجْلَانِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: وَأَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ. وَلَمْ يُفَصِّلْ، وَالْفُقَهَاءُ يُسَمُّونَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ أَرْبَعَةً، يَجْعَلُونَ الْيَدَيْنِ عُضْوًا، وَالرَّجُلَيْنِ عُضْوًا، وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الْعُضْوِ الْوَاحِدِ.
باب فرض الطهارة
[بَابُ فَرْضِ الطَّهَارَةِ] [مَسْأَلَةٌ قَالَ فَرْضُ الطَّهَارَةِ مَاءٌ طَاهِرٌ وَإِزَالَةُ الْحَدَثِ] (142) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَفَرْضُ الطَّهَارَةِ مَاءٌ طَاهِرٌ، وَإِزَالَةُ الْحَدَثِ أَرَادَ بِالطَّاهِرِ: الطَّهُورَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالْمَاءِ الطَّهُورِ. وَعَنَى بِإِزَالَةِ الْحَدَثِ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْأَحْجَارِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَقَيَّدَ ذَلِكَ بِحَالَةِ وُجُودِ الْحَدَثِ، كَمَا تَقَيَّدَ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ بِحَالَةِ وُجُودِهِ. وَسَمَّى هَذَيْنِ فَرْضَيْنِ لِأَنَّهُمَا مِنْ شَرَائِطِ الْوُضُوءِ، وَشَرَائِطُ الشَّيْءِ وَاجِبَةٌ لَهُ، وَالْوَاجِبُ هُوَ الْفَرْضُ وَفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ اشْتِرَاطُ الِاسْتِنْجَاءِ لِصِحَّةِ الْوُضُوءِ، فَلَوْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ لَمْ يَصِحَّ كَالتَّيَمُّمِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ الْوُضُوءُ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ، وَيَسْتَجْمِرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْأَحْجَارِ، أَوْ يَغْسِلُ فَرْجَهُ بِحَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا يَمَسُّ الْفَرْجَ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ، وَهِيَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا إزَالَةُ نَجَاسَةٍ، فَلَمْ تُشْتَرَطْ لِصِحَّةِ الطَّهَارَةِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ الْفَرْجِ. فَأَمَّا التَّيَمُّمُ قَبْلَ الِاسْتِجْمَارِ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِلصَّلَاةِ، وَمَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ يُمْكِنُهُ إزَالَتُهَا لَا تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ، فَلَمْ تَصِحَّ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ كَالتَّيَمُّمِ قَبْلَ الْوَقْتِ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ فَأَشْبَهَتْ طَهَارَةَ الْوُضُوءِ، وَالْمَنْعُ مِنْ الْإِبَاحَةِ لِمَانِعٍ آخَرَ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ، كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ فِي مَوْضِعٍ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، أَوْ تَيَمَّمَ مَنْ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ أَوْ عَلَى بَدَنِهِ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى غَيْرِ الْفَرْجِ مِنْ بَدَنِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الْفَرْجِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعِلَّةِ. وَالْأَشْبَهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ افْتَرَقَا فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ؛ وَلِأَنَّ نَجَاسَةَ الْفَرْجِ سَبَبُ وُجُوبِ التَّيَمُّمِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ بَقَاؤُهَا مَانِعًا مِنْهُ، بِخِلَافِ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ. [مَسْأَلَة النِّيَّةُ لِلطَّهَارَةِ] (143) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالنِّيَّةُ لِلطَّهَارَةِ يَعْنِي نِيَّةَ الطَّهَارَةِ. وَالنِّيَّةُ: الْقَصْدُ، يُقَالُ: نَوَاك: اللَّهُ بِخَيْرٍ. أَيْ قَصَدَك بِهِ. وَنَوَيْت السَّفَرَ. أَيْ: قَصَدْته، وَعَزَمْت عَلَيْهِ. وَالنِّيَّةُ مِنْ شَرَائِطِ الطَّهَارَةِ لِلْأَحْدَاثِ كُلِّهَا، لَا يَصِحُّ وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ وَلَا تَيَمُّمٌ، إلَّا بِهَا. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ، وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ فِي التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] الْآيَةَ، ذَكَرَ الشَّرَائِطَ، وَلَمْ يَذْكُرْ النِّيَّةَ، وَلَوْ كَانَتْ شَرْطًا لَذَكَرَهَا؛ وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَمْرِ حُصُولُ الْإِجْزَاءِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَتَقْضِي الْآيَةُ حُصُولَ الْإِجْزَاءِ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى النِّيَّةِ كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ. وَلَنَا: مَا رَوَى عُمَرُ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ
فصل محل النية
مَا نَوَى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَنَفَى أَنْ يَكُونَ لَهُ عَمَلٌ شَرْعِيٌّ بِدُونِ النِّيَّةِ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ، فَلَمْ تَصِحَّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَالْآيَةُ حُجَّةٌ لَنَا؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] . أَيْ: لِلصَّلَاةِ، كَمَا يُقَالُ: إذَا لَقِيت الْأَمِيرَ فَتَرَجَّلْ. أَيْ: لَهُ وَإِذَا رَأَيْت الْأَسَدَ فَاحْذَرْ. أَيْ: مِنْهُ، وَقَوْلُهُمْ: ذَكَرَ كُلَّ الشَّرَائِطِ. قُلْنَا: إنَّمَا ذَكَرَ أَرْكَانَ الْوُضُوءِ، وَبَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرْطَهُ كَآيَةِ التَّيَمُّمِ. وَقَوْلُهُمْ: مُقْتَضَى الْأَمْرِ حُصُولُ الْإِجْزَاءِ. قُلْنَا: بَلْ مُقْتَضَاهُ وُجُوبُ الْفِعْلِ، وَهُوَ وَاجِبٌ. فَاشْتُرِطَ لِصِحَّتِهِ شَرْطٌ آخَرُ، بِدَلِيلِ التَّيَمُّمِ وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا طَهَارَةٌ. قُلْنَا: إلَّا أَنَّهَا عِبَادَةٌ، وَالْعِبَادَةُ لَا تَكُونُ إلَّا مَنْوِيَّةً؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَطَاعَةٌ لَهُ، وَامْتِثَالٌ لِأَمْرِهِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ. [فَصْل مَحَلُّ النِّيَّةِ] (144) فَصْلٌ: وَمَحَلُّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ؛ إذْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَصْدِ، وَمَحَلُّ الْقَصْدِ الْقَلْبُ، فَمَتَى اعْتَقَدَ بِقَلْبِهِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِلِسَانِهِ وَإِنْ لَمْ تَخْطِرْ النِّيَّةُ بِقَلْبِهِ لَمْ يُجْزِهِ. وَلَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى غَيْرِ مَا اعْتَقَدَهُ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّةَ مَا اعْتَقَدَهُ بِقَلْبِهِ. [فَصْلٌ صِفَةُ النِّيَّة] (145) فَصْلٌ: وَصِفَتُهَا أَنْ يَقْصِدَ بِطَهَارَتِهِ اسْتِبَاحَةَ شَيْءٍ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا بِهَا، كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَيَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ، وَمَعْنَاهُ إزَالَةُ الْمَانِعِ مِنْ كُلِّ فِعْلٍ يَفْتَقِرُ إلَى الطَّهَارَةِ. وَهَذَا قَوْلُ مَنْ وَافَقَنَا عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا. فَإِنْ نَوَى بِالطَّهَارَةِ مَا لَا تُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ؛ كَالتَّبَرُّدِ وَالْأَكْلِ وَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَنْوِ الطَّهَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ، لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الطَّهَارَةَ، وَلَا مَا يَتَضَمَّنُ نِيَّتَهَا، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ شَيْءٌ، كَاَلَّذِي لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا. وَإِنْ نَوَى تَجْدِيدَ الطَّهَارَةِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا، فَهَلْ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَا نَوَاهُ، وَلِلْخَبَرِ، وَقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ. وَالثَّانِيَةُ لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَلَا مَا تَضَمَّنَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى التَّبَرُّدَ. وَإِنْ نَوَى مَا تُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ وَلَا تُشْتَرَطُ، كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَذَانِ وَالنَّوْمِ، فَهَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَصْلُهُمَا، إذَا نَوَى تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ وَهُوَ مُحْدِثٌ، وَالْأَوْلَى صِحَّةُ طَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى شَيْئًا مِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةِ
فصل تقديم النية على الطهارة
الطَّهَارَةِ، وَهُوَ الْفَضِيلَةُ الْحَاصِلَةُ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ، فَصَحَّتْ طَهَارَتُهُ، كَمَا لَوْ نَوَى بِهَا مَا لَا يُبَاحُ إلَّا بِهَا؛ وَلِأَنَّهُ نَوَى طَهَارَةً شَرْعِيَّةً، فَصَحَّتْ لِلْخَبَرِ. فَإِنْ قِيلَ: يَبْطُلُ هَذَا بِمَا لَوْ نَوَى بِطَهَارَتِهِ مَا لَا تُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ. قُلْنَا: إنْ نَوَى طَهَارَةً شَرْعِيَّةً، مِثْلُ إنْ قَصَدَ أَنْ يَأْكُلَ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ طَهَارَةً شَرْعِيَّةً، أَوْ قَصَدَ أَنْ لَا يَزَالَ عَلَى وُضُوءٍ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا، وَتَصِحُّ طَهَارَتُهُ. وَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ نَظَافَةَ أَعْضَائِهِ مِنْ وَسَخٍ أَوْ طِينٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهَا، وَإِنْ نَوَى وُضُوءًا مُطْلَقًا أَوْ طَهَارَةً، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا صِحَّتُهُ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ وَالطَّهَارَةَ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إطْلَاقُهُمَا إلَى الْمَشْرُوعِ، فَيَكُونُ نَاوِيًا لَوُضُوءٍ شَرْعِيٍّ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ مَا يُبَاحُ بِدُونِ الطَّهَارَةِ، أَشْبَهَ قَاصِدَ الْأَكْلِ، وَالطَّهَارَةُ تَنْقَسِمُ إلَى مَا هُوَ مَشْرُوعٌ وَإِلَى غَيْرِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ مَعَ التَّرَدُّدِ. وَإِنْ نَوَى بِطَهَارَتِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَتَبْرِيدَ أَعْضَائِهِ، صَحَّتْ طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّ التَّبْرِيدَ يَحْصُلُ بِدُونِ النِّيَّةِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ هَذَا الِاشْتِرَاكُ، كَمَا لَوْ قَصَدَ بِالصَّلَاةِ الطَّاعَةَ وَالْخَلَاصَ مِنْ خَصْمِهِ. وَإِنْ قَصَدَ الْجُنُبُ بِالْغُسْلِ اللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِذَلِكَ. [فَصْلٌ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ] (146) فَصْلٌ وَيَجِبُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ لَهَا، فَيُعْتَبَرُ وُجُودُهَا فِي جَمِيعِهَا، فَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ وَاجِبَاتِ الطَّهَارَةِ قَبْلَ النِّيَّةِ لَمْ يُعْتَدُّ بِهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْوِيَ قَبْلَ غَسْلِ كَفَّيْهِ، لِتَشْمَلَ النِّيَّةُ مَسْنُونَ الطَّهَارَةِ وَمَفْرُوضَهَا. فَإِنْ غَسَلَ كَفَّيْهِ قَبْلَ النِّيَّةِ كَانَ كَمَنْ لَمْ يَغْسِلْهُمَا. وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، كَقَوْلِنَا فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ. وَيُسْتَحَبُّ اسْتِصْحَابُ ذِكْرِ النِّيَّةِ إلَى آخِرِ طَهَارَتِهِ؛ لِتَكُونَ أَفْعَالُهُ مُقْتَرِنَةً بِالنِّيَّةِ، فَإِنْ اسْتَصْحَبَ حُكْمَهَا أَجْزَأَهُ. وَمَعْنَاهُ: أَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا. وَإِنْ عَزَبَتْ عَنْ خَاطِرِهِ، وَذَهَلَ عَنْهَا، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي قَطْعِهَا؛ لِأَنَّ مَا اُشْتُرِطَتْ لَهُ النِّيَّةُ لَا يَبْطُلُ بِعُزُوبِهَا، وَالذُّهُولِ عَنْهَا، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ. وَإِنْ قَطَعَ نِيَّتَهُ فِي أَثْنَائِهَا مِثْلُ أَنْ يَنْوِيَ أَنْ لَا يُتِمَّ طَهَارَتَهُ، أَوْ إنْ نَوَى جَعْلَ الْغُسْلِ لِغَيْرِ الطَّهَارَةِ، لَمْ يَبْطُلْ مَا مَضَى مِنْ طَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا، فَلَمْ يَبْطُلْ بِقَطْعِ النِّيَّةِ بَعْدَهُ، كَمَا لَوْ نَوَى قَطْعَ النِّيَّةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْوُضُوءِ، وَمَا أَتَى بِهِ مِنْ الْغُسْلِ بَعْدَ قَطْعِ النِّيَّةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ بِغَيْرِ شَرْطِهِ. فَإِنْ أَعَادَ غُسْلَهُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ، صَحَّتْ طَهَارَتُهُ؛ لِوُجُودِ أَفْعَالِ الطَّهَارَةِ كُلِّهَا مَنْوِيَّةً مُتَوَالِيَةً. وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ فِي الْوُضُوءِ، فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ وَاجِبَةٌ. بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ؛ لِفَوَاتِهَا، وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ أَتَمَّهَا. (147) فَصْلٌ وَإِنْ شَكَّ فِي النِّيَّةِ فِي أَثْنَاءِ الطَّهَارَةِ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ شَكَّ فِي شَرْطِهَا وَهُوَ فِيهَا، فَلَمْ تَصِحَّ
كَالصَّلَاةِ، إلَّا أَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا هِيَ الْقَصْدُ، وَلَا يُعْتَبَرُ مُقَارَنَتُهَا، فَمَهْمَا عَلِمَ أَنَّهُ جَاءَ لِيَتَوَضَّأَ وَأَرَادَ فِعْلَ الْوُضُوءِ مُقَارِنًا لَهُ أَوْ سَابِقًا عَلَيْهِ قَرِيبًا مِنْهُ فَقَدْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ، وَإِنْ شَكَّ فِي وُجُودِ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الطَّهَارَةِ لَمْ يَصِحَّ مَا فَعَلَهُ مِنْهَا، وَهَكَذَا إنْ شَكَّ فِي غَسْلِ عُضْوٍ أَوْ مَسْحِ رَأْسِهِ، كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَهْمًا كَالْوَسْوَاسِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. وَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الطَّهَارَةِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى شَكِّهِ؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي الْعِبَادَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، أَشْبَهَ الشَّكَّ فِي شَرْطِ الصَّلَاةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا بَاقٍ، بِدَلِيلِ بُطْلَانِهَا بِمُبْطِلَاتِهَا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَحْكُومًا؛ بِصِحَّتِهَا قَبْلَ شَكِّهِ، فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِالشَّكِّ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي وُجُودِ الْحَدَثِ الْمُبْطِلِ. (148) فَصْلٌ وَإِذَا وَضَّأَهُ غَيْرُهُ اُعْتُبِرَتْ النِّيَّةُ مِنْ الْمُتَوَضِّئِ دُونَ الْمُوَضِّئِ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَضِّئَ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِالْوُضُوءِ، وَالْوُضُوءُ يَحْصُلُ لَهُ بِخِلَافِ الْمُوَضِّئِ، فَإِنَّهُ آلَةٌ لَا يُخَاطَبُ بِهِ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ فَأَشْبَهَ الْإِنَاءَ أَوْ حَامِلَ الْمَاءِ إلَيْهِ. (149) فَصْلٌ وَإِذَا تَوَضَّأَ وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ مَسْحَ رَأْسِهِ، أَوْ وَاجِبًا فِي الطَّهَارَةِ فِي أَحَدِ الْوُضُوءَيْنِ، لَزِمَهُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاتَيْنِ مَعًا؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ بُطْلَانَ أَحَدِ الصَّلَاتَيْنِ لَا بِعَيْنِهَا. وَكَذَا لَوْ تَرَكَ وَاجِبًا فِي وُضُوءِ إحْدَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهُ، لَزِمَهُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهِ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، فَلَزِمَتْهُ، كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً فِي يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، وَإِنْ كَانَ الْوُضُوءُ تَجْدِيدًا لَا عَنْ حَدَثٍ، وَقُلْنَا إنَّ التَّجْدِيدَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَرْفَعُ الْحَدَثَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا الْأُولَى؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْأُولَى إنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فَصَلَاتُهُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ لَمْ تَبْطُلْ بِالتَّجْدِيدِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَحِيحَةٍ فَقَدْ ارْتَفَعَ الْحَدَثُ بِالتَّجْدِيدِ. (150) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَغَسْلُ الْوَجْهِ، وَهُوَ مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ إلَى مَا انْحَدَرَ مِنْ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقَنِ وَإِلَى أُصُولِ الْأُذُنَيْنِ، وَيَتَعَاهَدُ الْمِفْصَلَ، وَهُوَ مَا بَيْنَ اللِّحْيَةِ وَالْأُذُنِ. غَسْلُ الْوَجْهِ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ، أَيْ فِي غَالِبِ النَّاسِ، وَلَا يُعْتَبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ بِنَفْسِهِ، بَلْ لَوْ كَانَ أَجْلَحَ يَنْحَسِرُ شَعْرُهُ عَنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، غَسَلَ إلَى حَدِّ مَنَابِتِ الشَّعْرِ فِي الْغَالِبِ، وَالْأَفْرَعُ الَّذِي يَنْزِلُ شَعْرُهُ إلَى الْوَجْهِ، يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الشَّعْرِ الَّذِي يَنْزِلُ عَنْ حَدِّ الْغَالِبِ. وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ إلَى أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ يُغْسَلَانِ مَعَهُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ.» أَضَافَ السَّمْعَ إلَيْهِ كَمَا أَضَافَ الْبَصَرَ. وَقَالَ مَالِكٌ مَا بَيْنَ اللِّحْيَةِ وَالْأُذُنِ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ، وَهَذَا لَا يُوَاجَهُ بِهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ هَذَا.
وَلَنَا عَلَى الزُّهْرِيِّ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالرُّبَيِّعِ، وَالْمِقْدَامِ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ أُذُنَيْهِ مَعَ رَأْسِهِ.» وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا. وَلَمْ يَحْكِ أَحَدٌ أَنَّهُ غَسَلَهُمَا مَعَ الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا أَضَافَهُمَا إلَى الْوَجْهِ لِمُجَاوَرَتِهِمَا لَهُ، وَالشَّيْءُ يُسَمَّى بِاسْمِ مَا جَاوَرَهُ. وَلَنَا عَلَى مَالِكٍ أَنَّ هَذَا مِنْ الْوَجْهِ فِي حَقِّ مَنْ لَا لِحْيَةَ لَهُ، فَكَانَ مِنْهُ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ لِحْيَةٌ كَسَائِرِ الْوَجْهِ. وَقَوْلُهُ: إنَّ الْوَجْهَ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ. قُلْنَا: وَهَذَا يَحْصُلُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ فِي الْغُلَامِ. وَيُسْتَحَبُّ تَعَاهُدُ هَذَا الْمَوْضِعِ بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ، قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: أَرَانِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَا بَيْنَ أُذُنِهِ وَصُدْغِهِ، وَقَالَ: هَذَا مَوْضِعٌ يَنْبَغِي أَنْ يُتَعَاهَدَ. وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِفْصَلُ اللَّحْيِ مِنْ الْوَجْهِ، فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ الْخِرَقِيِّ مِفْصَلًا. (151) فَصْلٌ وَيَدْخُلُ فِي الْوَجْهِ الْعِذَارُ، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى الْعَظْمِ النَّاتِئِ الَّذِي هُوَ سَمْتُ صِمَاخِ الْأُذُنِ، وَمَا انْحَطَّ عَنْهُ إلَى وَتَدِ الْأُذُنِ. وَالْعَارِضُ: وَهُوَ مَا نَزَلَ عَنْ حَدِّ الْعِذَارِ، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى اللَّحْيَيْنِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَالْمُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: مَا جَاوَزَ وَتَدَ الْأُذُنِ عَارِضٌ. وَالذَّقَنُ: مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ. فَهَذِهِ الشُّعُورُ الثَّلَاثَةُ مِنْ الْوَجْهِ يَجِبُ غَسْلُهَا مَعَهُ. وَكَذَلِكَ الشُّعُورُ الْأَرْبَعَةُ، وَهِيَ الْحَاجِبَانِ، وَأَهْدَابُ الْعَيْنَيْنِ، وَالْعَنْفَقَةُ، وَالشَّارِبُ. فَأَمَّا الصُّدْغُ، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي بَعْدُ انْتِهَاءِ الْعِذَارِ، وَهُوَ مَا يُحَاذِي رَأْسَ الْأُذُنِ وَيَنْزِلُ عَنْ رَأْسِهَا قَلِيلًا، وَالنَّزْعَتَانِ، وَهُمَا مَا انْحَسَرَ عَنْهُ الشَّعْرُ مِنْ الرَّأْسِ مُتَصَاعِدًا فِي جَانِبَيْ الرَّأْسِ، فَهُمَا مِنْ الرَّأْسِ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي الصُّدْغِ وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْعِذَارِ، أَشْبَهَ الْعَارِضَ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ، وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ، مَرَّةً وَاحِدَةً.» فَمَسَحَهُ مَعَ الرَّأْسِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ غَسَلَهُ مَعَ الْوَجْهِ؛ وَلِأَنَّهُ شَعْرٌ مُتَّصِلٌ بِشَعْرِ الرَّأْسِ لَا يَخْتَصُّ الْكَبِيرَ، فَكَانَ مِنْ الرَّأْسِ، كَسَائِرِ نَوَاحِيهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقِيَاسِ طَرْدِيٌّ لَا مَعْنَى تَحْتَهُ، وَلَيْسَ هُوَ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِنَا. فَأَمَّا التَّحْذِيفُ، وَهُوَ الشَّعْرُ الدَّاخِلُ فِي الْوَجْهِ مَا بَيْنَ انْتِهَاءِ الْعِذَارِ وَالنَّزْعَةِ، فَهُوَ مِنْ الْوَجْهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ شَعْرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَعْرٌ لَكَانَ مِنْ الْوَجْهِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ، كَسَائِرِ الْوَجْهِ. (152) فَصْلٌ: وَهَذِهِ الشُّعُورُ كُلُّهَا إنْ كَانَتْ كَثِيفَةً لَا تَصِفُ الْبَشَرَةَ، أَجْزَأَهُ غَسْلُ ظَاهِرِهَا. وَإِنْ كَانَتْ تَصِفُ الْبَشَرَةَ، وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَهُ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا كَثِيفًا وَبَعْضُهَا خَفِيفًا، وَجَبَ غَسْلُ بَشَرَةِ الْخَفِيفِ مَعَهُ وَظَاهِرِ الْكَثِيفِ. أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ ذَكَرَ فِي الشَّارِبِ، وَالْعَنْفَقَةِ، وَالْحَاجِبَيْنِ، وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ، وَلِحْيَةِ الْمَرْأَةِ، وَجْهًا آخَرَ فِي وُجُوبِ غَسْلِ بَاطِنِهَا، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيفَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتُرُ
فصل غسل ما استرسل من اللحية
مَا تَحْتَهَا عَادَةً، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ كَانَ نَادِرًا، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَنَا أَنَّهُ شَعْرٌ سَاتِرٌ لِمَا تَحْتَهُ، أَشْبَهَ لِحْيَةَ الرَّجُلِ، وَدَعْوَى النُّدْرَةِ فِي الْحَاجِبَيْنِ وَالشَّارِبِ وَالْعَنْفَقَةِ، غَيْرُ مُسَلَّمٍ، بَلْ الْعَادَةُ ذَلِكَ. (153) فَصْلٌ: وَمَتَى غَسَلَ هَذِهِ الشُّعُورَ، ثُمَّ زَالَتْ عَنْهُ، أَوْ انْقَلَعَتْ جِلْدَةٌ مِنْ يَدَيْهِ، أَوْ قَصَّ ظُفْرَهُ أَوْ انْقَلَعَ، لَمْ يُؤَثِّرْ فِي طَهَارَتِهِ. قَالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ مَا زَادَهُ ذَلِكَ إلَّا طَهَارَةً. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّ ظُهُورَ بَشَرَةِ الْوَجْهِ بَعْدَ غَسْلِ شَعْرِهِ يُوجِبُ غَسْلَهَا، قِيَاسًا عَلَى ظُهُورِ قَدَمِ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفِّ، وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ انْتَقَلَ إلَى الشَّعْرِ أَصْلًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ غَسَلَ الْبَشَرَةَ دُونَ الشَّعْرِ، لَمْ يُجْزِهِ، بِخِلَافِ الْخُفَّيْنِ فَإِنَّهُمَا بَدَلٌ يُجْزِئُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ دُونَهُمَا. [فَصْل غَسْلُ مَا اسْتَرْسَلَ مِنْ اللِّحْيَةِ] (154) فَصْلٌ وَيَجِبُ غَسْلُ مَا اسْتَرْسَلَ مِنْ اللِّحْيَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَجِبُ غَسْلُ مَا نَزَلَ مِنْهَا عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ طُولًا وَعَرْضًا؛ لِأَنَّهُ شَعْرٌ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَأَشْبَهَ مَا نَزَلَ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ عَنْهُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ، وَهُوَ اسْمٌ لِلْبَشَرَةِ الَّتِي تَحْصُلُ بِهَا الْمُوَاجَهَةُ، وَالشَّعْرُ لَيْسَ بِبَشَرَةٍ، وَمَا تَحْتَهُ لَا تَحْصُلُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ. وَقَدْ قَالَ الْخَلَّالُ الَّذِي ثَبَتَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي اللِّحْيَةِ أَنَّهُ لَا يَغْسِلُهَا وَلَيْسَتْ مِنْ الْوَجْهِ أَلْبَتَّةَ. قَالَ: وَرَوَى بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَيُّمَا أَعْجَبُ إلَيْك غَسْلُ اللِّحْيَةِ أَوْ التَّخْلِيلُ؟ فَقَالَ: غَسْلُهَا لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُخَلِّلْ أَجْزَأْهُ. وَهَذَا ظَاهِرٌ مِثْلُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ عَنْهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ مِنْهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عَلَيْهِ غَسْلَ الرُّبْعِ مِنْ اللِّحْيَةِ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وُجُوبُ غَسْلِ اللِّحْيَةِ كُلِّهَا مِمَّا هُوَ نَابِتٌ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، سَوَاءٌ حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ أَوْ تَجَاوَزَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ. وَقَوْلُ أَحْمَدَ فِي نَفْيِ الْغَسْلِ، أَرَادَ بِهِ غَسْلَ بَاطِنِهَا، أَيْ غَسْلُ بَاطِنِهَا لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا قَدْ غَطَّى لِحْيَتَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: اكْشِفْ وَجْهَكَ؛ فَإِنَّ اللِّحْيَةَ مِنْ الْوَجْهِ» ؛ وَلِأَنَّهُ نَابِتٌ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ يَدْخُلُ فِي اسْمِهِ ظَاهِرًا، فَأَشْبَهَ الْيَدَ الزَّائِدَةَ؛ وَلِأَنَّهُ يُوَاجَهُ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِي اسْمِ الْوَجْهِ، وَيُفَارِقُ شَعْرَ الرَّأْسِ، فَإِنَّ النَّازِلَ عَنْهُ لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِهِ، وَالْخُفُّ لَا يَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ. [فَصْل يُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ فِي مَاءِ الْوَجْهِ] (155) فَصْلٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ فِي مَاءِ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ غُضُونًا وَشُعُورًا وَدَوَاخِلَ وَخَوَارِجَ، لِيَصِلَ الْمَاءُ
مسألة الفم والأنف من الوجه
إلَى جَمِيعِهِ، وَقَدْ رَوَى عَلِيٌّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاءِ جَمِيعًا، فَأَخَذَ بِهِمَا حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَضَرَبَ بِهِمَا عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى قَبْضَةً مِنْ مَاءٍ فَتَرَكَهَا تَسْتَنُّ عَلَى وَجْهِهِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَوْلُهُ: (تَسْتَنُّ) أَيْ: تَسِيلُ وَتَنْصَبُّ. قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُؤْخَذُ لِلْوَجْهِ أَكْثَرُ مِمَّا يُؤْخَذُ لِعُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ: كَرِهَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ، ثُمَّ يَصُبَّهُ، ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ، وَقَالَ: هَذَا مَسْحٌ، وَلَكِنَّهُ يَغْسِلُ غَسْلًا. وَرَوَى أَبُو دَاوُد. عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ، وَقَالَ: هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ.» [مَسْأَلَةٌ الْفَمُ وَالْأَنْفُ مِنْ الْوَجْهِ] (156) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَالْفَمُ وَالْأَنْفُ مِنْ الْوَجْهِ. يَعْنِي أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ وَاجِبَانِ فِي الطَّهَارَتَيْنِ جَمِيعًا: الْغُسْلُ، وَالْوُضُوءُ؛ فَإِنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ وَاجِبٌ فِيهِمَا. هَذَا الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَإِسْحَاقُ وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي الِاسْتِنْشَاقِ وَحْدَهُ أَنَّهُ وَاجِبٌ. قَالَ الْقَاضِي: الِاسْتِنْشَاقُ وَاجِبٌ فِي الطَّهَارَتَيْنِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَسْتَنْثِرْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ» . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَرْفُوعًا «اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» . وَهَذَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ؛ وَلِأَنَّ الْأَنْفَ لَا يَزَالُ مَفْتُوحًا، وَلَيْسَ لَهُ غِطَاءٌ يَسْتُرُهُ، بِخِلَافِ الْفَمِ. وَقَالَ غَيْرُ الْقَاضِي، عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى: إنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ وَاجِبَانِ فِي الْكُبْرَى، مَسْنُونَانِ فِي الصُّغْرَى. وَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْكُبْرَى يَجِبُ فِيهَا غَسْلُ كُلِّ مَا أَمْكَنَ مِنْ الْبَدَنِ كَبَوَاطِنِ الشُّعُورِ الْكَثِيفَةِ، وَلَا يَمْسَحُ فِيهَا عَنْ الْحَوَائِلِ، فَوَجَبَا فِيهَا، بِخِلَافِ الصُّغْرَى. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجِبَانِ فِي الطَّهَارَتَيْنِ، وَإِنَّمَا هُمَا مَسْنُونَانِ فِيهِمَا. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَقَتَادَةَ وَرَبِيعَةَ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ وَاللَّيْثِ وَالْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ» ، وَذَكَرَ مِنْهَا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، وَالْفِطْرَةُ: السُّنَّةُ، وَذِكْرُهُ لَهُمَا مِنْ الْفِطْرَةِ يَدُلُّ عَلَى مُخَالَفَتِهِمَا لِسَائِرِ الْوُضُوءِ؛ وَلِأَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ عُضْوَانِ بَاطِنَانِ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا كَبَاطِنِ اللِّحْيَةِ وَدَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ؛ وَلِأَنَّ الْوَجْهَ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ، وَلَا تَحْصُلُ الْمُوَاجَهَةُ بِهِمَا. وَلَنَا مَا رَوَتْ عَائِشَةُ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنْ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ» . رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَقْصِيًا، ذَكَرَ
فصل يتمضمض ويستنشق بيمناه ثم يستنثر بيسراه
أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَمُدَاوَمَتُهُ عَلَيْهِمَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِمَا؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا وَتَفْصِيلًا لِلْوُضُوءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَكَوْنُهُمَا مِنْ الْفِطْرَةِ لَا يَنْفِي وُجُوبَهُمَا، لِاشْتِمَالِ الْفِطْرَةِ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ فِيهَا الْخِتَانَ، وَهُوَ وَاجِبٌ. (157) فَصْلٌ: وَالْمَضْمَضَةُ: إدَارَةُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ. وَالِاسْتِنْشَاقُ: اجْتِذَابُ الْمَاءِ بِالنَّفَسِ إلَى بَاطِنِ الْأَنْفِ. وَالِاسْتِنْثَارُ: إخْرَاجُ الْمَاءِ مِنْ أَنْفِهِ. وَلَكِنْ يُعَبَّرُ بِالِاسْتِنْثَارِ عَنْ الِاسْتِنْشَاقِ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ لَوَازِمِهِ. وَلَا يَجِبُ إدَارَةُ الْمَاءِ فِي جَمِيعِ الْفَمِ، وَلَا إيصَالَ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ بَاطِنِ الْأَنْفِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مُبَالَغَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الصَّائِمِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي سُنَنِ الطَّهَارَةِ. وَإِذَا أَدَارَ الْمَاءَ فِي فِيهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ مَجِّهِ وَبَلْعِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ حَصَلَ بِهِ، فَإِنْ جَعَلَهُ فِي فِيهِ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَنَوَى رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ، ارْتَفَعَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ إلَّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ، وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ قَدْ لَبِثَ فِي فِيهِ حَتَّى تَحَلَّلَ مِنْ رِيقِهِ مَاءٌ يُغَيِّرُهُ لَمْ يَمْنَعْ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ فِي مَحَلِّ الْإِزَالَةِ لَا يَمْنَعُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ عَلَى عُضْوِهِ بِعَجِينٍ عَلَيْهِ. [فَصْل يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ بِيُمْنَاهُ ثُمَّ يَسْتَنْثِرَ بِيُسْرَاهُ] فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ بِيُمْنَاهُ، ثُمَّ يَسْتَنْثِرَ بِيُسْرَاهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ «تَوَضَّأَ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَرَفَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ رَفَعَهَا إلَى فِيهِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِكَفٍّ وَاحِدَةٍ، وَاسْتَنْثَرَ بِيُسْرَاهُ، وَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا - ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ الْوُضُوءِ - ثُمَّ قَالَ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ لَنَا كَمَا تَوَضَّأْت لَكُمْ، فَمَنْ كَانَ سَائِلًا عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَذَا وُضُوءُهُ.» رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّهُ أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي الْإِنَاءِ، فَمَلَأَ كَفَّهُ فَتَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوءُ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي، وَالنَّسَائِيُّ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ: أَيُّمَا أَعْجَبُ إلَيْك؛ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَلَى حِدَةٍ؟ قَالَ: بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ. وَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي التَّوْرِ فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْثِرُ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ.» رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَفِي لَفْظٍ: «تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي لَفْظٍ: «فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ،
فصل الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وبين غسل بقية الوجه
فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ، «أَنَّهُ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ: «فَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ.» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَابْنُ مَاجَهْ. فَإِنْ شَاءَ الْمُتَوَضِّئُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ، وَإِنْ شَاءَ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ. وَإِنْ أَفْرَدَ الْمَضْمَضَةَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ، وَالِاسْتِنْشَاقَ بِثَلَاثٍ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّ الْكَيْفِيَّةَ فِي الْغَسْلِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ. [فَصْل التَّرْتِيبُ بَيْن الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وَبَيْنَ غَسْلِ بَقِيَّةِ الْوَجْهِ] (159) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَسْلِ بَقِيَّةِ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَجْزَائِهِ، وَلَكِنْ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِهِمَا قَبْلَ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ أَنَّهُ بَدَأَ بِهِمَا إلَّا شَيْئًا نَادِرًا. وَهَلْ يَجِبُ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ غَيْرِ الْوَجْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا تَجِبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ، فَوَجَبَ غَسْلُهُمَا قَبْلَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ لِلْآيَةِ، وَقِيَاسًا عَلَى سَائِرِ أَجْزَائِهِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا تَجِبُ، بَلْ لَوْ تَرَكَهُمَا فِي وُضُوئِهِ وَصَلَّى تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَأَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ؛ لِمَا رَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِوَضُوءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّ وُجُوبَهُمَا بِغَيْرِ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ التَّرْتِيبِ. وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِيهِمَا. قِيلَ لِأَحْمَدَ فَنَسِيَ الْمَضْمَضَةَ وَحْدَهَا؟ قَالَ: الِاسْتِنْشَاقُ عِنْدِي آكَدُ، وَذَلِكَ لِصِحَّةِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهِ بِخُصُوصِهِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَهَلْ يُسَمَّيَانِ فَرْضًا مَعَ وُجُوبِهِمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْوَاجِبِ، هَلْ يُسَمَّى فَرْضًا أَوْ لَا؟ وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُسَمَّى فَرْضًا، فَيُسَمَّيَانِ هَاهُنَا فَرْضًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَة غَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ] (160) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيُدْخِلُ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغَسْلِ. لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ فِي وُجُوبِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ فِي الطَّهَارَةِ، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] . وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ إدْخَالُ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغَسْلِ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَابْنُ دَاوُد: لَا يَجِبُ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ زَفَرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغَسْلِ إلَيْهِمَا، وَجَعَلَهُمَا غَايَتَهُ بِحَرْفِ إلَى، وَهُوَ لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ، فَلَا يَدْخُلُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] وَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ إلَى مِرْفَقَيْهِ.» وَهَذَا
فصل خلق له إصبع زائدة أو يد زائدة في محل الفرض
بَيَانٌ لِلْغَسْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْآيَةِ، فَإِنَّ " إلَى " تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى مَعَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52] . أَيْ مَعَ قُوَّتِكُمْ، {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] ، وَ {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52] . فَكَانَ فِعْلُهُ مُبَيِّنًا. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ " إلَى " لِلْغَايَةِ. قُلْنَا: وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى مَعَ، قَالَ الْمُبَرِّدُ: إذَا كَانَ الْحَدُّ مِنْ جِنْسِ الْمَحْدُودِ دَخَلَ فِيهِ، كَقَوْلِهِمْ: بِعْت هَذَا الثَّوْبَ مِنْ هَذَا الطَّرَفِ إلَى هَذَا الطَّرَفِ. [فَصْل خُلِقَ لَهُ إصْبَعٌ زَائِدَةٌ أَوْ يَدٌ زَائِدَةٌ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ] (161) فَصْلٌ: وَإِنْ خُلِقَ لَهُ إصْبَعٌ زَائِدَةٌ، أَوْ يَدٌ زَائِدَةٌ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا نَابِتَةٌ فِيهِ، أَشْبَهَتْ الثُّؤْلُولَ، وَإِنْ كَانَتْ نَابِتَةً فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ كَالْعَضُدِ أَوْ الْمَنْكِبِ، لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ قَصِيرَةً أَوْ طَوِيلَةً؛ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَأَشْبَهَتْ شَعْرَ الرَّأْسِ إذَا نَزَلَ عَنْ الْوَجْهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ وَابْنِ عَقِيلٍ وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ بَعْضُهَا يُحَاذِي مَحَلَّ الْفَرْضِ غَسَلَ مَا يُحَاذِيهِ مِنْهَا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ فِي ذَلِكَ، كَنَحْوٍ مِمَّا ذَكَرْنَا. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْأَصْلِيَّةَ مِنْهُمَا وَجَبَ غَسْلُهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ غَسْلَ إحْدَاهُمَا وَاجِبٌ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ يَقِينًا إلَّا بِغَسْلِهِمَا، فَوَجَبَ غَسْلُهُمَا، كَمَا لَوْ تَنَجَّسَتْ إحْدَى يَدَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهَا. [فَصْل وُضُوء مِنْ تَعَلَّقَتْ جِلْدَةٌ مِنْ غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ حَتَّى تَدَلَّتْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ] (162) فَصْلٌ: وَإِنْ انْقَلَعَتْ جِلْدَةٌ مِنْ غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، حَتَّى تَدَلَّتْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَجَبَ غَسْلُهَا؛ لِأَنَّ أَصْلَهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَأَشْبَهَتْ الْإِصْبَعَ الزَّائِدَةَ، وَإِنْ تَقَلَّعَتْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ حَتَّى صَارَتْ مُتَدَلِّيَةً مِنْ غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا؛ قَصِيرَةً كَانَتْ أَوْ طَوِيلَةً بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ مِنْ أَحَدِ الْمَحَلَّيْنِ، فَالْتَحَمَ رَأْسُهَا فِي الْآخَرِ، وَبَقِيَ وَسَطُهَا مُتَجَافِيًا، صَارَتْ كَالنَّابِتَةِ فِي الْمَحَلَّيْنِ، يَجِبُ غَسْلُ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ مِنْهَا مِنْ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا، وَغَسْلُ مَا تَحْتَهَا مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ. [فَصْل حُكْم الْوُضُوء لِمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ دُونِ الْمِرْفَقِ] (163) فَصْلٌ: وَإِنْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ دُونِ الْمِرْفَقِ، غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ. وَإِنْ قُطِعَتْ مِنْ الْمِرْفَقِ غَسَلَ الْعَظْمَ الَّذِي هُوَ طَرَفُ الْعَضُدِ؛ لِأَنَّ غَسْلَ الْعَظْمَيْنِ الْمُتَلَاقِيَيْنِ مِنْ الذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ وَاجِبٌ، فَإِذَا زَالَ أَحَدُهُمَا غَسَلَ الْآخَرَ. وَإِنْ كَانَ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقَيْنِ سَقَطَ الْغَسْلُ لِعَدَمِ مَحَلِّهِ. فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ فَوَجَدَ مَنْ يُوَضِّئُهُ مُتَبَرِّعًا لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُهُ إلَّا بِأَجْرٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ أَيْضًا كَمَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الْمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِئْجَارُ مَنْ يُقِيمُهُ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ. وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْأَجْرِ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، كَعَادِمِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ. وَإِنْ وَجَدَ
فصل كان يتوضأ من ماء يسير يغترف منه بيده
مَنْ يُيَمِّمُهُ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُهُ، لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ، كَعَادِمِ الْمَاءِ إذَا وَجَدَ التُّرَابَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. (164) فَصْلٌ: إذَا كَانَ تَحْتَ أَظْفَارِهِ وَسَخٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ حَتَّى يُزِيلَهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ مِنْ الْيَدِ اسْتَتَرَ بِمَا لَيْسَ مِنْ خِلْقَةِ الْأَصْلِ سَتْرًا مَنَعَ إيصَالَ الْمَاءِ إلَيْهِ، مَعَ إمْكَانِ إيصَالِهِ وَعَدَمِ الضَّرَرِ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ شَمْعٌ أَوْ غَيْرُهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا يَسْتُرُ عَادَةً، فَلَوْ كَانَ غَسْلُهُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَقَدْ عَابَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِمْ كَوْنَهُمْ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ قُلْحًا، وَرَفَعَ أَحَدِهِمْ بَيْن أُنْمُلَتِهِ وَظُفْرِهِ. يَعْنِي أَنَّ وَسَخَ أَرْفَاغِهِمْ تَحْت أَظْفَارِهِمْ يَصِلُ إلَيْهِ رَائِحَةُ نَتِنهَا، فَعَابَ عَلَيْهِمْ نَتِن رِيحِهَا، لَا بُطْلَانَ طَهَارَتهمْ، وَلَوْ كَانَ مُبْطِلًا لِلطَّهَارَةِ كَانَ ذَلِكَ أَهَمَّ مِنْ نَتْنِ الرِّيحِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِالْبَيَانِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا يَسْتَتِرُ عَادَةً، أَشْبَهَ مَا يَسْتُرُهُ الشَّعْرُ مِنْ الْوَجْهِ. [فَصْل كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ يَغْتَرِفُ مِنْهُ بِيَدِهِ] (165) فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ يَغْتَرِفُ مِنْهُ بِيَدِهِ، فَغَرَفَ مِنْهُ عِنْدَ غَسْلِ يَدَيْهِ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الْمَاءِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِغَرْفِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ غَسْلِ الْيَدِ، وَهُوَ نَاوٍ لِلْوُضُوءِ بِغُسْلِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَمَسَهَا فِي الْمَاءِ يَنْوِي غَسْلَهَا فِيهِ. وَلَنَا أَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ دَعَا بِمَاءٍ، فَذَكَرَ وُضُوءَهُ - إلَى أَنْ قَالَ - وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، وَغَسَلَ يَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، مَرَّتَيْنِ» وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ: «ثُمَّ غَرَفَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَصَبَّ عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُمْنَى، فَغَسَلَهَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَرَفَ بِيَمِينِهِ فَغَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى.» رَوَاهُمَا سَعِيدٌ. وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُ، وَكُلُّ مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحْكِ أَنَّهُ تَحَرَّزَ مِنْ اغْتِرَافِ الْمَاءِ بِيَدِهِ فِي مَوْضِعِ غَسْلِهَا، وَلَوْ كَانَ هَذَا يُفْسِدُ الْمَاءَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقَّ بِمَعْرِفَتِهِ، وَلَوَجَبَ عَلَيْهِ بَيَانُهُ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، إذْ كَانَ هَذَا لَا يُعْرَفُ بِدُونِ الْبَيَانِ، وَلَا يَتَوَقَّاهُ إلَّا مُتَحَذْلِقٌ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمُغْتَرِفَ لَمْ يَقْصِدْ بِغَمْسِ يَدِهِ إلَّا الِاغْتِرَافَ دُونَ غَسْلِهَا، فَأَشْبَهَ مَنْ يَغُوصُ فِي الْبِئْرِ لِتَرْقِيَةِ الدَّلْوِ وَعَلَيْهِ جَنَابَةٌ لَا يَقْصِدُ غَيْرَ تَرْقِيَتِهِ، وَنِيَّةُ الِاغْتِرَافِ عَارَضَتْ نِيَّةَ الطَّهَارَةِ فَصَرَفَتْهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَة وُجُوبِ مَسْحِ الرَّأْسِ] (166) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَسْحُ الرَّأْسِ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ مَسْحِ الرَّأْسِ، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] .
وَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ؛ فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبُ مَسْحِ جَمِيعِهِ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِهِ. قَالَ أَبُو الْحَارِثِ قُلْت لِأَحْمَدَ فَإِنْ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَتَرَكَ بَعْضَهُ؟ قَالَ: يُجْزِئُهُ. ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى الرَّأْسِ كُلِّهِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ، وَابْنُ عُمَرَ مَسَحَ الْيَافُوخَ. وَمِمَّنْ قَالَ بِمَسْحِ الْبَعْضِ الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وُجُوبُ الِاسْتِيعَابِ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ يُجْزِئُهَا مَسْحُ مُقَدَّمِ رَأْسِهَا. قَالَ الْخَلَّالُ الْعَمَلُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهَا إنْ مَسَحَتْ مُقَدَّمَ رَأْسِهَا أَجْزَأَهَا. وَقَالَ مُهَنَّا: قَالَ أَحْمَدُ: أَرْجُو أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ أَسْهَلَ. قُلْت لَهُ: وَلِمَ؟ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهَا. وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ مَسْحَ الْبَعْضِ بِأَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، رَوَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ.» «وَإِنَّ عُثْمَانَ مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ بِيَدِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَسْتَأْنِفْ لَهُ مَاءً جَدِيدًا، حِينَ حَكَى وُضُوءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» رَوَاهُ سَعِيدٌ؛ وَلِأَنَّ مَنْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ يُقَالُ: مَسَحَ بِرَأْسِهِ، كَمَا يُقَالُ: مَسَحَ بِرَأْسِ الْيَتِيمِ وَقَبَّلَ رَأْسَهُ. وَزَعَمَ بَعْضُ مَنْ يَنْصُرُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَاءَ لِلتَّبْعِيضِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَامْسَحُوا بَعْضَ رُءُوسِكُمْ، وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] ، وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَامْسَحُوا رُءُوسَكُمْ. فَيَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ. كَمَا قَالَ فِي التَّيَمُّمِ {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} [النساء: 43] . وَقَوْلُهُمْ: " الْبَاءُ لِلتَّبْعِيضِ " غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَا يَعْرِفُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبَاءَ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ فَقَدْ جَاءَ أَهْلُ اللُّغَةِ بِمَا لَا يَعْرِفُونَهُ. وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا تَوَضَّأَ مَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ، وَهَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُبَيِّنًا لِلْمَسْحِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ اللَّفْظِ مَجَازٌ لَا يُعْدَلُ إلَيْهِ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَّا بِدَلِيلٍ. (167) فَصْلٌ: وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ مَسْحِ الْبَعْضِ، فَمِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ مَسَحَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ رَأْسٌ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ عَنْ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُمَا تَبَعٌ، فَلَا يَجْتَزِئُ بِهِمَا عَنْ الْأَصْلِ، وَالظَّاهِرُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَسْحُهُمَا، وَإِنْ وَجَبَ الِاسْتِيعَابُ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ عِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِهِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا عَلَيْهِ الشَّعْرُ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قَدْرِ الْبَعْضِ الْمُجْزِئُ، فَقَالَ الْقَاضِي: قَدْرُ النَّاصِيَةِ؛ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ. أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ نَاصِيَتَهُ. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا مَسْحُ أَكْثَرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ الْكَامِلِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْزِئُ مَسْحُ رُبُعِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُجْزِئُ مَسْحُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ. وَحُكِيَ عَنْهُ: لَوْ مَسَحَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ، وَحُكِيَ عَنْهُ: لَوْ مَسَحَ شَعْرَةً، أَجْزَأَهُ، لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهَا. وَوَجْهُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي: إنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْلُحُ بَيَانًا لِمَا أَمَرَ بِهِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ.
فصل تكرار مسح الرأس
(168) فَصْلٌ: وَالْمُسْتَحَبُّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ أَنْ يَبُلَّ يَدَيْهِ ثُمَّ يَضَعَ طَرَفَ إحْدَى سَبَّابَتَيْهِ عَلَى طَرَفِ الْأُخْرَى وَيَضَعَهُمَا عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَيَضَعَ الْإِبْهَامَيْنِ عَلَى الصُّدْغَيْنِ، ثُمَّ يُمِرَّ يَدَيْهِ إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدَّهُمَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ. كَمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ «فِي وَصْفِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَمَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ وَصَفَ الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَإِنْ كَانَ ذَا شَعْرٍ يَخَافُ أَنْ يَنْتَفِشَ بِرَدِّ يَدَيْهِ لَمْ يَرُدَّهُمَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَنْ لَهُ شَعْرٌ إلَى مَنْكِبَيْهِ، كَيْفَ يَمْسَحُ فِي الْوُضُوءِ؟ فَأَقْبَلَ أَحْمَدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ مَرَّةً، وَقَالَ: هَكَذَا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَنْتَشِرَ شَعْرُهُ. يَعْنِي أَنَّهُ يَمْسَحُ إلَى قَفَاهُ وَلَا يَرُدُّ يَدَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ حَدِيثُ عَلِيٍّ هَكَذَا. وَإِنْ شَاءَ مَسَحَ، كَمَا رُوِيَ عَنْ الرُّبَيِّعِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ عِنْدَهَا، فَمَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ مِنْ فَرْقِ الشَّعْرِ كُلَّ نَاحِيَةٍ لِمَصَبِّ الشَّعْرِ لَا يُحَرِّكُ الشَّعْرَ عَنْ هَيْئَتِهِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَسُئِلَ أَحْمَدُ كَيْفَ تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ: هَكَذَا. وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ، ثُمَّ جَرَّهَا إلَى مُقَدَّمِهِ، ثُمَّ رَفَعَهَا فَوَضَعَهَا حَيْثُ مِنْهُ بَدَأَ، ثُمَّ جَرَّهَا إلَى مُؤَخَّرِهِ. وَكَيْفَ مَسَحَ بَعْدَ اسْتِيعَابِ قَدْرِ الْوَاجِبِ أَجْزَأَهُ. [فَصْلٌ تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ] (169) فَصْلٌ: وَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِهِ سَالِمٍ وَالنَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ وَالْحَكَمِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُسَنُّ تَكْرَارُهُ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِهِ الثَّلَاثُ أَفْضَلُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كُلُّهُمْ يَقُولُ: مَسْحُ الرَّأْسِ مَسْحَةً وَاحِدَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَمْسَحُ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ أَبَا دَاوُد رَوَى عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: «رَأَيْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ مِثْلَ هَذَا.» وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرَوَى عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَأَبُو مَالِكٍ، وَالرُّبَيِّعُ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا.» وَفِي حَدِيثِ أُبَيٍّ، قَالَ: «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْمُرْسَلِينَ قَبْلِي» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّ الرَّأْسَ أَصْلٌ فِي الطَّهَارَةِ، فَسُنَّ تَكْرَارُهَا فِيهِ كَالْوَجْهِ. وَلَنَا «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ عَنْ «عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ
النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى طُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلْيَنْظُرْ إلَى هَذَا.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. «وَكَذَلِكَ وَصَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، وَالرُّبَيِّعُ، كُلُّهُمْ، قَالُوا: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً.» وَحِكَايَتُهُمْ لِوُضُوءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إخْبَارٌ عَنْ الدَّوَامِ، وَلَا يُدَاوِمُ إلَّا عَلَى الْأَفْضَلِ الْأَكْمَلِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حِكَايَةَ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اللَّيْلِ حَالَ خَلْوَتِهِ، وَلَا يَفْعَلُ فِي تِلْكَ الْحَالِ إلَّا الْأَفْضَلَ؛ وَلِأَنَّهُ مَسْحٌ فِي طَهَارَةٍ، فَلَمْ يُسَنَّ تَكْرَارُهُ، كَالْمَسْحِ فِي التَّيَمُّمِ، وَالْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ، وَسَائِرِ الْمَسْحِ، وَلَمْ يَصِحَّ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ شَيْءٌ صَرِيحٌ. قَالَ أَبُو دَاوُد: أَحَادِيثُ عُثْمَانَ الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةً؛ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالُوا فِيهَا: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ. وَلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا، كَمَا ذَكَرُوا فِي غَيْرِهِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ: مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا. رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ آدَمَ، وَخَالَفَهُ وَكِيعٌ، فَقَالَ: تَوَضَّأَ ثَلَاثًا. فَقَطْ. وَالصَّحِيحُ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ «تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا.» هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَمَنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ سِوَى عُثْمَانَ، فَلَمْ يَصِحَّ، فَإِنَّهُمْ الَّذِينَ رَوَوْا أَحَادِيثَنَا وَهِيَ صِحَاحٌ، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ ضَعْفُ مَا خَالَفَهَا ، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرُوا فِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا. أَرَادُوا بِهَا مَا سِوَى الْمَسْحِ؛ فَإِنَّ رُوَاتَهَا حِينَ فَصَّلُوا قَالُوا: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَالتَّفْصِيلُ يُحْكَمُ بِهِ عَلَى الْإِجْمَالِ، وَيَكُونُ تَفْسِيرًا لَهُ، وَلَا يُعَارَضُ بِهِ، كَالْخَاصِّ مَعَ الْعَامِّ، وَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِالتَّيَمُّمِ. فَإِنْ قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ مَسَحَ مَرَّةً لِيُبَيِّنَ الْجَوَازَ، وَمَسَحَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا لِيُبَيِّنَ الْأَفْضَلَ، كَمَا فَعَلَ فِي الْغَسْلِ، فَنُقِلَ الْأَمْرَانِ نَقْلًا صَحِيحًا مِنْ غَيْرِ تَعَارُضٍ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ. قُلْنَا: قَوْلُ الرَّاوِي: هَذَا طُهُورُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ طُهُورُهُ عَلَى الدَّوَامِ؛ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، إنَّمَا ذَكَرُوا صِفَةَ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتَعْرِيفِ سَائِلِهِمْ وَمَنْ حَضَرَهُمْ كَيْفِيَّةُ وُضُوئِهِ فِي دَوَامِهِ، فَلَوْ شَاهَدُوا وُضُوءَهُ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى لَمْ يُطْلِقُوا هَذَا الْإِطْلَاقَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُمْ لَمْ يُشَاهِدُوا غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَدْلِيسًا وَإِيهَامًا بِغَيْرِ الصَّوَابِ، فَلَا يُظَنُّ ذَلِكَ بِهِمْ، وَتَعَيَّنَ حَمْلُ حَالِ الرَّاوِي لِغَيْرِ الصَّحِيحِ عَلَى الْغَلَطِ لَا غَيْرُ؛ وَلِأَنَّ الرُّوَاةَ إذَا رَوَوْا حَدِيثًا وَاحِدًا عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَاتَّفَقَ الْحُفَّاظُ مِنْهُمْ عَلَى صِفَةٍ، وَخَالَفَهُمْ فِيهَا وَاحِدٌ، حَكَمُوا عَلَيْهِ بِالْغَلَطِ، وَإِنْ كَانَ ثِقَةً حَافِظًا، فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ، (170) فَصْلٌ: إذَا وَصَلَ الْمَاءُ إلَى بَشَرَةِ الرَّأْسِ، وَلَمْ يَمْسَحْ عَلَى الشَّعْرِ، لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ انْتَقَلَ إلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ مَسْحُ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ أَوْصَلَ الْمَاءَ إلَى بَاطِنِ اللِّحْيَةِ وَلَمْ يَغْسِلْ ظَاهِرَهَا. وَإِنْ نَزَلَ شَعْرُهُ عَنْ مَنَابِتِ شَعْرِ
الرَّأْسِ، فَمَسَحَ عَلَى النَّازِلِ مِنْ مَنَابِتِهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ مَا تَرَأَّسَ وَعَلَا، وَلَوْ رَدَّ هَذَا النَّازِلَ وَعَقَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الرَّأْسِ، وَإِنَّمَا هُوَ نَازِلٌ رَدَّهُ إلَى أَعْلَاهُ. وَلَوْ نَزَلَ عَنْ مَنْبَتِهِ وَلَمْ يَنْزِلْ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ فَمَسَحَ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ شَعْرٌ عَلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَأَشْبَهَ الْقَائِمَ عَلَى مَحَلِّهِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِكُلِّ ذِي شَعْرٍ. وَلَوْ خَضَبَ رَأْسَهُ بِمَا يَسْتُرُهُ أَوْ طَيَّنَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْخِضَابِ وَالطِّينِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْخِضَابِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ عَلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ عَلَى رَأْسِهِ خِرْقَةً فَمَسَحَ عَلَيْهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (171) فَصْلٌ: وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ بِمَاءٍ جَدِيدٍ غَيْرِ مَا فَضَلَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَجَوَّزَهُ الْحَسَنُ وَعُرْوَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ إذَا قُلْنَا: إنَّ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يَخْرُجُ عَنْ طُهُورِيَّتِهِ، سِيَّمَا الْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ. وَلَنَا: مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: «مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ.» وَكَذَلِكَ حَكَى عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ رَوَاهُنَّ أَبُو دَاوُد، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا.» وَلِأَنَّ الْبَلَلَ الْبَاقِيَ فِي يَدِهِ مُسْتَعْمَلٌ، فَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ بِهِ، كَمَا لَوْ فَصَلَهُ فِي إنَاءٍ ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ. (172) فَصْلٌ: فَإِنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ مَسْحِهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْمَسْحِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ وَأَمَرَ بِالْمَسْحِ؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الطَّهَارَةِ، فَلَمْ يُجْزِئْ عَنْ النَّوْعِ الْآخَرِ، كَالْمَسْحِ عَنْ الْغَسْلِ. وَالثَّانِي يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جُنُبًا فَانْغَمَسَ فِي مَاءٍ يَنْوِي الطَّهَارَتَيْنِ، أَجْزَأهُ مَعَ عَدَمِ الْمَسْحِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ مُنْفَرِدًا؛ وَلِأَنَّ فِي صِفَةِ غَسْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَسْحًا؛ وَلِأَنَّ الْغَسْلَ أَبْلَغُ مِنْ الْمَسْحِ، فَإِذَا أَتَى بِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَهُ، كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ يَنْوِي بِهِ الْوُضُوءَ، وَهَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ. فَأَمَّا إنْ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مَعَ الْغَسْلِ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْمَسْحِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ «مُعَاوِيَةَ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِلنَّاسِ كَمَا رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ، فَلَمَّا بَلَغَ رَأْسَهُ غَرَفَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَتَلَقَّاهَا بِشِمَالِهِ، حَتَّى وَضَعَهَا عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ أَوْ كَادَ يَقْطُرُ، ثُمَّ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِهِ إلَى مُؤَخَّرِهِ، وَمِنْ مُؤَخَّرِهِ إلَى مُقَدَّمِهِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَوْ حَصَلَ عَلَى رَأْسِهِ مَاءُ الْمَطَرِ، أَوْ صَبَّ عَلَيْهِ إنْسَانٌ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ بِذَلِكَ الطَّهَارَةَ، أَوْ كَانَ قَدْ صَمَدَ لِلْمَطَرِ، أَجْزَأَهُ. وَإِنْ حَصَلَ الْمَاءُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَجْزَأَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ حُصُولَ الْمَاءِ عَلَى
فصل الأذنان من الرأس
رَأْسِهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْمَاءِ، فَمَتَى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى ذَلِكَ الْبَلَلِ وَمَسَحَ بِهِ فَقَدْ مَسَحَ بِمَاءٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ، فَصَحَّتْ طَهَارَتُهُ، كَمَا لَوْ حَصَلَ بِقَصْدِهِ. فَإِنْ لَمْ يَمْسَحْ بِيَدِهِ، وَقُلْنَا إنَّ الْغَسْلَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَسْحِ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ قَصَدَ حُصُولَ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ إذَا جَرَى الْمَاءُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ يُجْزِئْهُ. وَإِنْ قُلْنَا لَمْ يُجْزِئْ الْغَسْلُ عَنْ الْمَسْحِ، لَمْ يُجْزِئْهُ بِحَالٍ. (173) فَصْلٌ: وَإِنْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ، أَوْ خَشَبَةٍ، أَجْزَأَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْمَسْحِ، وَقَدْ فَعَلَهُ، فَأَجْزَأْهُ، كَمَا لَوْ مَسَحَ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ مَسْحَهُ بِيَدِهِ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَسَحَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ. وَالثَّانِي لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِيَدِهِ. وَإِنْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ خِرْقَةً مَبْلُولَةً فَابْتَلَّ بِهَا رَأْسُهُ، أَوْ وَضَعَ خِرْقَةً ثُمَّ بَلَّهَا حَتَّى ابْتَلَّ شَعْرُهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَسْحٍ وَلَا غَسْلٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّهُ بَلَّ شَعْرَهُ قَاصِدًا لِلْوُضُوءِ، فَأَجْزَأْهُ، كَمَا لَوْ غَسَلَهُ. وَإِنْ مَسَحَ بِإِصْبَعٍ أَوْ إصْبَعَيْنِ أَجْزَأَهُ إذَا مَسَحَ بِهِمَا مَا يَجِبُ مَسْحُهُ كُلُّهُ. وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِإِصْبَعِهِ، فَأَمَّا إنْ اسْتَوْعَبَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ بِبَعْضِ يَدِهِ، أَشْبَهَ مَسْحَهُ بِكَفِّهِ. [فَصْل الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ] (174) فَصْلٌ: وَالْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ مَسْحِهِمَا مَعَ مَسْحِهِ. وَقَالَ الْخَلَّالُ كُلُّهُمْ حَكَوْا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِيمَنْ تَرَكَ مَسْحَهُمَا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا تَبَعٌ لِلرَّأْسِ، لَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الرَّأْسِ دُخُولُهُمَا فِيهِ، وَلَا يُشْبِهَانِ بَقِيَّةَ أَجْزَاءِ الرَّأْسِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ مَسْحُهُمَا عَنْ مَسْحِهِ عِنْدَ مَنْ اجْتَزَأَ بِمَسْحِ بَعْضِهِ، وَالْأَوْلَى مَسْحُهُمَا مَعَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَهُمَا مَعَ رَأْسِهِ، فَرَوَتْ «الرُّبَيِّعُ، أَنَّهَا رَأَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ رَأْسَهُ، مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً» . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا.» وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثُ الرُّبَيِّعِ صَحِيحَانِ. وَرَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ. «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ، وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْخِلَ سَبَّابَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ، وَيَمْسَحَ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ بِإِبْهَامَيْهِ. وَلَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ بِالْغَضَارِيفِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ مِنْهُ بِالشَّعْرِ، وَالْأُذُنُ أَوْلَى.
مسألة غسل الرجلين إلى الكعبين
[مَسْأَلَة غَسْلُ الرَّجُلَيْنِ إلَى الْكَعْبَيْنِ] (175) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ إلَى الْكَعْبَيْنِ، وَهُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَاجِبٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا غَسْلَتَيْنِ وَمَسْحَتَيْنِ. وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الْحَجَّاجِ: اغْسِلُوا الْقَدَمَيْنِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا، وَخَلِّلُوا مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ابْنِ آدَمَ أَقْرَبَ إلَى الْخُبْثِ مِنْ قَدَمَيْهِ. فَقَالَ أَنَسٌ: صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ الْحَجَّاجُ. وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] . وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْوُضُوءُ مَغْسُولَانِ وَمَمْسُوحَانِ، فَالْمَمْسُوحَانِ يَسْقُطَانِ فِي التَّيَمُّمِ. وَلَمْ نَعْلَمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ بِالْمَسْحِ عَلَى الرِّجْلَيْنِ غَيْرَ مَنْ ذَكَرْنَا، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ، وَاحْتَجَّ بِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَبِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «تَوَضَّأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَصَبَّ عَلَى وَجْهِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ أَخَذَ مِلْءَ كَفٍّ مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ مُنْتَعِلٌ.» رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَوْسُ بْنُ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيُّ، أَنَّهُ رَأَى «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى كِظَامَةَ قَوْمٍ بِالطَّائِفِ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى قَدَمَيْهِ. قَالَ هُشَيْمٌ: كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ.» وَلَنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ، وَعُثْمَانَ، حَكَيَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَا: فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ: «ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ: «ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ.» وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ «حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا.» وَكَذَلِكَ قَالَتْ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. رَوَاهُنَّ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ. وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «، أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ، فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ مِنْ قَدَمِهِ، فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ. فَرَجَعَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي لَفْظٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي، وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرَ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ. قُلْت لَهُ: إسْنَادٌ جَيِّدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى قَوْمًا يَتَوَضَّئُونَ
وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ، فَقَالَ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ.» وَعَنْ عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ.» رَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَمْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَعْرُكُ أَصَابِعَهُ بِخِنْصَرِهِ بَعْضَ الْعَرْكِ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْغَسْلِ، فَإِنَّ الْمَمْسُوحَ لَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِيعَابِ وَالْعَرْكِ. وَأَمَّا الْآيَةُ، فَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ {وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] . قَالَ: عَادَ إلَى الْغَسْلِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَهَا كَذَلِكَ وَرَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ سَعِيدٌ، وَهِيَ قِرَاءَةُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْقُرَّاءِ، مِنْهُمْ ابْنُ عَامِرٍ، فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلَى الْيَدَيْنِ فِي الْغَسْلِ. وَمَنْ قَرَأَهَا بِالْجَرِّ فَلِلْمُجَاوَرَةِ، كَمَا قَالَ وَأَنْشَدُوا: كَأَنَّ ثَبِيرًا فِي عَرَانِينِ وَبْلِهِ ... كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلِ وَأَنْشَدَ: وَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ ... صَفِيفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ جَرَّ قَدِيرًا، مَعَ الْعَطْفِ لِلْمُجَاوَرَةِ. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 26] . جَرَّ أَلِيمًا، وَهُوَ صِفَةُ الْعَذَابِ الْمَنْصُوبِ، لِمُجَاوَرَتِهِ الْمَجْرُورَ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ. وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِيهَا مُحْتَمَلًا وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى بَيَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ: «ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» . فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَمَرَ بِالْغَسْلِ لَا بِالْمَسْحِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَسْحِ الْغَسْلَ الْخَفِيفَ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: الْعَرَبُ تُسَمِّي خَفِيفَ الْغَسْلِ مَسْحًا، فَيَقُولُونَ: تَمَسَّحْت لِلصَّلَاةِ. أَيْ تَوَضَّأْت. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ، وَتَحْدِيدُهُ بِالْكَعْبَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْغَسْلَ، فَإِنَّ الْمَسْحَ لَيْسَ بِمَحْدُودٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَعَطْفُهُ عَلَى الرَّأْسِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ حَقِيقَةَ الْمَسْحِ. قُلْنَا: قَدْ افْتَرَقَا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّ الْمَمْسُوحَ فِي الرَّأْسِ شَعْرٌ يَشُقُّ غَسْلُهُ، وَالرِّجْلَانِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَهُمَا أَشْبَهُ بِالْمَغْسُولَاتِ. وَالثَّانِي أَنَّهُمَا مَحْدُودَانِ بِحَدٍّ يَنْتَهِي إلَيْهِ، فَأَشْبَهَا الْيَدَيْنِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا مُعَرِّضَتَانِ لِلْخُبْثِ لِكَوْنِهِمَا يُوطَأُ بِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ، بِخِلَافِ الرَّأْسِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَوْسٍ فِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى قَدَمَيْهِ. فَإِنَّمَا أَرَادَ الْغَسْلَ الْخَفِيفَ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ،
فصل إدخال الكعبين في الغسل
وَلِذَلِكَ قَالَ: أَخَذَ مِلْءَ كَفٍّ مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى قَدَمَيْهِ. وَالْمَسْحُ يَكُونُ بِالْبَلَلِ لَا بِرَشِّ الْمَاءِ. فَأَمَّا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ: وَهُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ. فَأَرَادَ أَنَّ الْكَعْبَيْنِ. هُمَا اللَّذَانِ فِي أَسْفَلِ السَّاقِ مِنْ جَانِبَيْ الْقَدَمِ. وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: هُمَا فِي مُشْطِ الْقَدَمِ، وَهُوَ مَعْقِدُ الشِّرَاكِ مِنْ الرِّجْلِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] . فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي الرِّجْلَيْنِ كَعْبَيْنِ لَا غَيْرُ، وَلَوْ أَرَادَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ كَانَتْ كِعَابُ الرِّجْلَيْنِ أَرْبَعَةً، فَإِنَّ لِكُلِّ قَدَمٍ كَعْبَيْنِ. وَلَنَا: أَنَّ الْكِعَابَ الْمَشْهُورَةَ فِي الْعُرْفِ هِيَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْكَعْبُ الَّذِي فِي أَصْلِ الْقَدَمِ مُنْتَهَى السَّاقِ إلَيْهِ، بِمَنْزِلَةِ كِعَابِ الْقَنَا، كُلُّ عَقْدٍ مِنْهَا يُسَمَّى كَعْبًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الْجَدَلِيُّ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَانَ أَحَدُنَا يَلْزَقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَمَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ. رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَقَالَهُ الْبُخَارِيُّ. وَرُوِيَ «أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَرْمِي كَعْبَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَرَائِهِ حَتَّى تُدْمِيَهُمَا.» وَمُشْطُ الْقَدَمِ أَمَامَهُ. وقَوْله تَعَالَى: إلَى الْكَعْبَيْنِ حُجَّةٌ لَنَا؛ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنَّ كُلَّ رِجْلٍ تُغْسَلُ إلَى الْكَعْبَيْنِ، إذْ لَوْ أَرَادَ كِعَابَ جَمِيعِ الْأَرْجُلِ لَقَالَ: الْكِعَابَ، كَمَا قَالَ: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] . [فَصْل إدْخَالُ الْكَعْبَيْنِ فِي الْغَسْلِ] (176) فَصْلٌ: وَيَلْزَمُهُ إدْخَالُ الْكَعْبَيْنِ فِي الْغَسْلِ، كَقَوْلِنَا فِي الْمَرَافِقِ فِيمَا مَضَى. [مَسْأَلَة الطَّهَارَةِ عُضْوًا بَعْدَ عُضْوٍ فِي الْوُضُوء] (177) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيَأْتِي بِالطَّهَارَةِ عُضْوًا بَعْدَ عُضْوٍ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ عَلَى مَا فِي الْآيَةِ وَاجِبٌ عِنْدَ أَحْمَدَ لَمْ أَرَ عَنْهُ فِيهِ اخْتِلَافًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَمَكْحُولٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ فِيمَنْ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ، فَرَأَى فِي لِحْيَتِهِ بَلَلًا: يَمْسَحُ رَأْسَهُ بِهِ، وَلَمْ يَأْمُرُوهُ بِإِعَادَةِ غَسْلِ رِجْلَيْهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ،
فصل نكس وضوءه فبدأ بشيء من أعضائه قبل وجهه
وَعَطَفَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِوَاوِ الْجَمْعِ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فَكَيْفَمَا غَسَلَ كَانَ مُمْتَثِلًا. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ: مَا أُبَالِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْت. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا بَأْسَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلَيْك قَبْلَ يَدَيْك فِي الْوُضُوءِ. وَلَنَا أَنَّ فِي الْآيَةِ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا التَّرْتِيبُ؛ فَإِنَّهُ أَدْخَلَ مَمْسُوحًا بَيْنَ مَغْسُولَيْنِ، وَالْعَرَبُ لَا تَقْطَعُ النَّظِيرَ عَنْ نَظِيرِهِ إلَّا لِفَائِدَةٍ، وَالْفَائِدَةُ هَاهُنَا التَّرْتِيبُ. فَإِنْ قِيلَ: فَائِدَتُهُ اسْتِحْبَابُ التَّرْتِيبِ. قُلْنَا: الْآيَةُ مَا سِيقَتْ إلَّا لِبَيَانِ الْوَاجِبِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ السُّنَنِ؛ وَلِأَنَّهُ مَتَى اقْتَضَى اللَّفْظُ التَّرْتِيبَ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكَاهُ مُرَتَّبًا، وَهُوَ مُفَسِّرٌ لِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَوَضَّأَ مُرَتِّبًا، وَقَالَ: «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» . أَيْ بِمِثْلِهِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا عَنَيَا بِهِ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى؛ لِأَنَّ مَخْرَجَهُمَا مِنْ الْكِتَابِ وَاحِدٌ. ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَلِيًّا سُئِلَ، فَقِيلَ لَهُ: أَحَدُنَا يَسْتَعْجِلُ، فَيَغْسِلُ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ؟ قَالَ: لَا. حَتَّى يَكُونَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهَا أَصْلٌ. (178) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ مَخْرَجَهُمَا فِي الْكِتَابِ وَاحِدٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ. وَالْفُقَهَاءُ يَعُدُّونَ الْيَدَيْنِ عُضْوًا، وَالرِّجْلَيْنِ عُضْوًا، وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الْعُضْوِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ. [فَصْل نَكْسُ وُضُوءَهُ فَبَدَأَ بِشَيْءِ مِنْ أَعْضَائِهِ قَبْلَ وَجْهِهِ] (179) فَصْلٌ: وَإِذَا نَكَسَ وُضُوءَهُ، فَبَدَأَ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ قَبْلَ وَجْهِهِ، لَمْ يُحْتَسَبْ بِمَا غَسَلَهُ قَبْلَ وَجْهِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ مَعَ بَقَاءِ نِيَّتِهِ أَوْ بَعْدَهَا بِزَمَنٍ يَسِيرٍ اُحْتُسِبَ لَهُ بِهِ، ثُمَّ يُرَتِّبُ الْأَعْضَاءَ الثَّلَاثَةَ. وَإِنْ غَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، أَعَادَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَغَسْلَ رِجْلَيْهِ. وَإِنْ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، صَحَّ وُضُوءُهُ إلَّا غَسْلَ رِجْلَيْهِ. وَإِنْ نَكَسَ وُضُوءَهُ جَمِيعَهُ، لَمْ يَصِحَّ لَهُ إلَّا غَسْلُ وَجْهِهِ. وَإِنْ تَوَضَّأَ مُنَكِّسًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، صَحَّ وُضُوءُهُ، يَحْصُلُ لَهُ مِنْ كُلِّ مَرَّةٍ غَسْلُ عُضْوٍ إذَا كَانَ مُتَقَارِبًا.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا. وَلَوْ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يَصِحَّ لَهُ إلَّا غَسْلُ وَجْهِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَتِّبْ. وَإِنْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ جَارٍ فَلَمْ يَمُرَّ عَلَى أَعْضَائِهِ إلَّا جِرْيَةٌ وَاحِدَةٌ فَكَذَلِكَ. وَإِنْ مَرَّ عَلَيْهِ أَرْبَعُ جِرْيَاتٍ، وَقُلْنَا: الْغَسْلُ يُجْزِئُ عَنْ الْمَسْحِ. أَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ رَاكِدًا، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا أَخْرَجَ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْمَاءِ، أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ إنَّمَا يَرْتَفِعُ بِانْفِصَالِ الْمَاءِ عَنْ الْعُضْوِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ أَرَادَ الْوُضُوءَ فَانْغَمَسَ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْمَاءِ، فَعَلَيْهِ مَسْحُ رَأْسِهِ وَغَسْلُ رِجْلَيْهِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا كَانَ جَارِيًا فَمَرَّتْ عَلَيْهِ جِرْيَةٌ وَاحِدَةٌ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ مَسْحُ رَأْسِهِ وَغَسْلُ رِجْلَيْهِ. وَإِنْ اجْتَمَعَ الْحَدَثَانِ، سَقَطَ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ. عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (180) فَصْلٌ: وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِرَقِيِّ الْمُوَالَاةَ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهَا فِي مَوَاضِعَ. وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْقَاضِي: وَنَقَلَ حَنْبَلُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ، فَكَيْفَمَا غَسَلَ جَازَ؛ وَلِأَنَّهَا إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ، فَلَمْ تَجِبْ الْمُوَالَاةُ فِيهَا كَالْغُسْلِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ تَعَمَّدَ التَّفْرِيقَ بَطَلَ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَنَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرَ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» . وَلَوْ لَمْ تَجِبْ الْمُوَالَاةُ لَأَجْزَأَهُ غَسْلُ اللُّمْعَةِ؛ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الْحَدَثُ، فَاشْتُرِطَتْ لَهَا الْمُوَالَاةُ كَالصَّلَاةِ، وَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ الْغَسْلِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ كَيْفِيَّتَهُ، وَفَسَّرَ مُجْمَلَهُ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ إلَّا مُتَوَالِيًا، وَأَمَرَ تَارِكَ الْمُوَالَاةِ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ، وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ عُضْوٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. (181) فَصْلٌ: وَالْمُوَالَاةُ الْوَاجِبَةُ أَنْ لَا يَتْرُكَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَمْضِيَ زَمَنٌ يَجِفُّ فِيهِ الْعُضْوُ الَّذِي قَبْلَهُ فِي الزَّمَانِ الْمُعْتَدِلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْرِعُ جَفَافُ الْعُضْوِ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ دُونَ بَعْضٍ؛ وَلِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ طَرَفَيْ الطَّهَارَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، إنَّ حَدَّ التَّفْرِيقِ الْمُبْطِلَ مَا يَفْحُشُ فِي الْعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَدَّ فِي الشَّرْعِ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ، كَالْإِحْرَازِ وَالتَّفَرُّقِ فِي الْبَيْعِ. (182) فَصْلٌ: وَإِنْ نَشِفَتْ أَعْضَاؤُهُ لِاشْتِغَالِهِ بِوَاجِبٍ فِي الطَّهَارَةِ أَوْ مَسْنُونٍ، لَمْ يُعَدَّ تَفْرِيقًا، كَمَا لَوْ طَوَّلَ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ. قَالَ أَحْمَدُ إذَا كَانَ فِي عِلَاجِ الْوُضُوءِ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ لِوَسْوَسَةٍ تَلْحَقُهُ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ
مسألة الوضوء مرة مرة
فِي عِلَاجِ الْوُضُوءِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِعَبَثٍ أَوْ شَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى الْمَسْنُونِ وَأَشْبَاهِهِ، عُدَّ تَفْرِيقًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْوَسْوَسَةُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِمَا لَيْسَ بِمَفْرُوضٍ وَلَا مَسْنُونٍ. [مَسْأَلَة الْوُضُوءُ مَرَّةً مَرَّةً] (183) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالْوُضُوءُ مَرَّةً مَرَّةً يُجْزِئُ، وَالثَّلَاثُ أَفْضَلُ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا لَمْ يُوَقِّتْ مَرَّةً وَلَا ثَلَاثًا، قَالَ: إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: الْوُضُوءُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا إلَّا غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ، فَإِنَّهُ يُنَقِّيهِمَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «تَوَضَّأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً مَرَّةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ عَلِيٍّ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ. وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا سَلَّامٌ الطَّوِيلُ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيُّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ: هَذَا وَظِيفَةُ الْوُضُوءِ، وُضُوءُ مَنْ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً إلَّا بِهِ، ثُمَّ تَحَدَّثَ سَاعَةً، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ مَنْ تَوَضَّأَهُ ضَاعَفَ اللَّهُ لَهُ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ تَحَدَّثَ سَاعَةً، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فَقَالَ: هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ النَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلِي» . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَ هَذَا، وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، «أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ وَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانَ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ: هَذَا الْوُضُوءُ أَسْبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ أَحَدٌ لِلصَّلَاةِ. (184) فَصْلٌ: وَإِنْ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ مَرَّةً وَبَعْضَهَا أَكْثَرَ، جَازَ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ ذَلِكَ فِي الْكُلِّ جَازَ فِي الْبَعْضِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ إلَّا رَجُلٌ مُبْتَلًى. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ لَا آمَنُ مَنْ ازْدَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أَنْ يَأْثَمَ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ تَشْدِيدُ الْوُضُوءِ مِنْ الشَّيْطَانِ، لَوْ كَانَ هَذَا فَضْلًا لَأُوثِرَ
فصل المعاونة على الوضوء
بِهِ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ عَنْ الْوُضُوءِ، فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. (186) فَصْلٌ: وَإِذَا فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَرْفَعَ نَظَرَهُ إلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ يَقُولَ. مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ» . وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ، وَفِيهِ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إلَى السَّمَاءِ وَفِيهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ.» [فَصْلٌ الْمُعَاوَنَة عَلَى الْوُضُوءِ] (187) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْوُضُوءِ؛ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، أَنَّهُ «أَفْرَغَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وُضُوئِهِ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرُوِيَ عَنْ صَفْوَانِ بْنِ عَسَّالٍ، قَالَ: «صَبَبْت عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ» وَعَنْ أُمِّ عَيَّاشٍ، وَكَانَتْ أَمَةً لِرُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: «كُنْت أُوَضِّئُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا قَائِمَةٌ وَهُوَ قَاعِدٌ.» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ يُعِينَنِي عَلَى وُضُوئِي أَحَدٌ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَالَ ذَلِكَ. [فَصْل تَنْشِيفُ الْأَعْضَاءِ بِالْمِنْدِيلِ مِنْ بَلَلِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ] (188) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِتَنْشِيفِ أَعْضَائِهِ بِالْمِنْدِيلِ مِنْ بَلَلِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، قَالَ الْخَلَّالُ الْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالتَّنْشِيفِ بَعْدَ الْوُضُوءِ. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَخْذُ الْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ عُثْمَانُ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَنَسٌ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَنَهَى عَنْهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَكَرِهَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ مَيْمُونَةَ رَوَتْ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ فَأَتَيْته بِالْمِنْدِيلِ، فَلَمْ يُرِدْهَا، وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَتَرْكُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ كَمَا يَفْعَلُهُ، وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِرْقَةٌ يَتَنَشَّفُ بِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ.» وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: مُنْكَرٌ مُنْكَرٌ. وَرُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ بِمِلْحَفَةٍ وَرْسِيَّةٍ، فَالْتَحَفَ بِهَا.» إلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَالَ: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ. وَلَا يُكْرَهُ نَفْضُ الْمَاءِ عَنْ بَدَنِهِ بِيَدَيْهِ؛ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ.
مسألة وضوء النافلة يجزئ لصلاة الفريضة
[مَسْأَلَة وُضُوء النَّافِلَة يُجْزِئ لِصَلَاةِ الْفَرِيضَة] (189) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا تَوَضَّأَ لِنَافِلَةٍ صَلَّى فَرِيضَةً لَا أَعْلَمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّافِلَةَ تَفْتَقِرُ إلَى رَفْعِ الْحَدَثِ كَالْفَرِيضَةِ، وَإِذَا ارْتَفَعَ الْحَدَثُ تَحَقَّقَ شَرْطُ الصَّلَاةِ وَارْتَفَعَ الْمَانِعُ، فَأُبِيحَ لَهُ الْفَرْضُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يَفْتَقِرُ إلَى الطَّهَارَةِ، كَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَالطَّوَافِ، إذَا تَوَضَّأَ لَهُ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ، وَصَحَّتْ طَهَارَتُهُ، وَأُبِيحَ لَهُ سَائِرُ مَا يَحْتَاجُ إلَى الطَّهَارَةِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى. (190) فَصْل يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْوُضُوءِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: مَا بَأْسٌ بِهَذَا إذَا لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ، مَا ظَنَنْت أَنَّ أَحَدًا أَنْكَرَ هَذَا. وَقَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ.» وَرَوَى أَنَسٌ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قُلْت: وَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ، قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد. وَفِي مُسْلِمٍ، عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إنِّي رَأَيْتُك صَنَعْت شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ، قَالَ: عَمْدًا صَنَعْته.» (191) فَصْلٌ: وَتَجْدِيدُ الْوُضُوءِ مُسْتَحَبٌّ، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عِيسَى، وَنَقَلَ حَنْبَلُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ، وَعَنْ غُطَيْفٍ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: «رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يَوْمًا تَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَقُلْت: أَصْلَحَك اللَّهُ، أَفَرِيضَةٌ أَمْ سُنَّةٌ، الْوُضُوءُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ؟ فَقَالَ: لَا، لَوْ تَوَضَّأْت لِصَلَاةِ الصُّبْحِ لَصَلَّيْت بِهِ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا مَا لَمْ أُحْدِثْ، وَلَكِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ فَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ. وَإِنَّمَا رَغِبْت فِي الْحَسَنَاتِ.» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَدْ نَقَلَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَحْمَدَ: لَا فَضْلَ فِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. (192) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا بِوُضُوئِهِ، وَلَمْ يَبُلَّ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَبَاحَ ذَلِكَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، مِنْهُمْ: ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ حَزْمٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَعَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: وَبِهِ نَقُولُ، إلَّا أَنْ يَبُلَّ مَكَانًا يَجْتَازُ النَّاسُ فِيهِ، فَإِنِّي أَكْرَهُهُ، إلَّا أَنْ يَفْحَصَ الْحَصَى عَنْ الْبَطْحَاءِ، كَمَا فُعِلَ لِعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ فَإِذَا تَوَضَّأَ رَدَّ الْحَصَى عَلَيْهِ، فَإِنِّي لَا أَكْرَهُهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَكْرَهُهُ؛ صِيَانَةً لِلْمَسْجِدِ عَنْ الْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ فَضَلَاتِ الْوُضُوءِ.
مسألة لا يقرأ القرآن جنب ولا حائض ولا نفساء
[مَسْأَلَة لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ جُنُبٌ وَلَا حَائِضٌ وَلَا نُفَسَاءُ] (193) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ جُنُبٌ وَلَا حَائِضٌ وَلَا نُفَسَاءُ رُوِيت الْكَرَاهِيَةُ لِذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا يَقْرَأُ إلَّا آيَةَ الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} [الزخرف: 13] ، {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا} [المؤمنون: 29] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ وِرْدَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، أَلَيْسَ هُوَ فِي جَوْفِهِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ لِلْحَائِضِ الْقِرَاءَةُ دُونَ الْجُنُبِ؛ لِأَنَّ أَيَّامَهَا تَطُولُ، فَإِنْ مَنَعْنَاهَا مِنْ الْقِرَاءَةِ نَسِيَتْ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ، أَوْ قَالَ: يَحْجِزُهُ، عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ، لَيْسَ الْجَنَابَةُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: يَرْوِيهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ نَافِعٍ، وَقَدْ ضَعَّفَ، الْبُخَارِيُّ رِوَايَتَهُ عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَقَالَ: إنَّمَا رِوَايَتُهُ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْجُنُبِ فَفِي الْحَائِضِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ حَدَثَهَا آكَدُ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْوَطْءَ، وَمَنَعَ الصِّيَامَ، وَأَسْقَطَ الصَّلَاةَ، وَسَاوَاهَا فِي سَائِرِ أَحْكَامِهَا. (194) فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ قِرَاءَةُ آيَةٍ. فَأَمَّا بَعْضُ آيَةٍ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقُرْآنُ عَنْ غَيْرِهِ كَالتَّسْمِيَةِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسَائِرِ الذِّكْرِ، فَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْقُرْآنُ، فَلَا بَأْسَ؛ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ لَهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَحْتَاجُونَ إلَى التَّسْمِيَةِ عِنْدَ اغْتِسَالِهِمْ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ التَّحَرُّزُ مِنْ هَذَا. وَإِنْ قَصَدُوا بِهِ الْقِرَاءَةَ أَوْ كَانَ مَا قَرَءُوهُ شَيْئًا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقُرْآنُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْكَلَامِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَا يَجُوزُ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْجُنُبِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَا حَرْفًا. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِعُمُومِ الْخَبَرِ فِي النَّهْيِ؛ وَلِأَنَّهُ قُرْآنٌ، فَمُنِعَ مِنْ قِرَاءَتِهِ، كَالْآيَةِ. وَالثَّانِيَةُ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِعْجَازُ، وَلَا يُجْزِئُ فِي الْخُطْبَةِ، وَيَجُوزُ إذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْقُرْآنُ، وَكَذَلِكَ إذَا قُصِدَ.
فصل حكم اللبث في المسجد للجنب والحائض والنفساء
[فَصْل حُكْم اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِد لِلْجَنْبِ وَالْحَائِض وَالنُّفَسَاء] (195) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لَهُمْ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] وَرَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: «جَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبُيُوتُ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ؛ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَيُبَاحُ الْعُبُورُ لِلْحَاجَةِ، مِنْ أَخْذِ شَيْءٍ، أَوْ تَرْكِهِ، أَوْ كَوْنِ الطَّرِيقِ فِيهِ، فَأَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ بِحَالٍ. وَمِمَّنْ نُقِلَتْ عَنْهُ الرُّخْصَةُ فِي الْعُبُورِ: ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ لَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ بُدًّا، فَيَتَيَمَّمَ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ.» وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: (إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إبَاحَةٌ. وَعَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا: نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ. قَالَتْ: إنِّي حَائِضٌ، قَالَ إنَّ حَيْضَتَك لَيْسَتْ فِي يَدِك» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ وَنَحْنُ جُنُبٌ. رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ جُنُبٌ رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا. وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا. (196) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، فَلَهُمْ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْعُبُورُ إذَا أَمِنُوا تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ «امْرَأَةً مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَكَفَتْ مَعَهُ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، وَرُبَّمَا وَضَعَتْ الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِأَنَّهُ حَدَثٌ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ فَلَمْ يَمْنَعْ اللُّبْثَ، كَخُرُوجِ الدَّمِ الْيَسِيرِ مِنْ أَنْفِهِ. فَإِنْ خَافَ تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ فَلَيْسَ لَهُ الْعُبُورُ؛ فَإِنَّ الْمَسْجِدَ يُصَانُ عَنْ هَذَا، كَمَا يُصَانُ عَنْ الْبَوْلِ فِيهِ. وَلَوْ خَشِيَتْ الْحَائِضُ تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ بِالْعُبُورِ فِيهِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ. (197) فَصْلٌ: وَإِنْ خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ، أَوْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا غَيْرَهُ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْغُسْلُ وَلَا الْوُضُوءُ، تَيَمَّمَ، ثُمَّ أَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ
فصل حكم اللبث في المسجد للجنب إذا توضأ
بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَنَّاق فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى: {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43] . يَعْنِي مُسَافِرِينَ لَا يَجِدُونَ مَاءً، فَيَتَيَمَّمُونَ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَلْبَثُ بِغَيْرِ تَيَمُّمٍ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ. وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ قَوْلَ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ يُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ فَوَجَبَ التَّيَمُّمُ لَهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا، كَالصَّلَاةِ وَسَائِرِ مَا يُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ. وَقَوْلُهُمْ: لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ. قُلْنَا: إلَّا أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ مَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، فِي إبَاحَةِ مَا يُسْتَبَاحُ بِهِ. [فَصْل حُكْم اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْجَنْبِ إذَا تَوَضَّأَ] (198) فَصْلٌ: إذَا تَوَضَّأَ الْجُنُبُ فَلَهُ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا وَإِسْحَاقَ وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا يَجُوزُ؛ لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَحَدَّثُونَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ جُنُبًا فَيَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَدْخُلُ، فَيَتَحَدَّثُ. وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ خَفَّ حُكْمُ الْحَدَثِ، فَأَشْبَهَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَدَلِيلُ خِفَّتِهِ أَمْرُ النَّبِيِّ الْجُنُبَ بِهِ إذَا أَرَادَ النَّوْمَ، وَاسْتِحْبَابُهُ لِمَنْ أَرَادَ الْأَكْلَ وَمُعَاوَدَةَ الْوَطْءِ. فَأَمَّا الْحَائِضُ إذَا تَوَضَّأَتْ فَلَا يُبَاحُ لَهَا اللُّبْثُ؛ لِأَنَّ وُضُوءَهَا لَا يَصِحُّ. [مَسْأَلَة لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ إلَّا طَاهِرٌ] (199) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ إلَّا طَاهِرٌ يَعْنِي طَاهِرًا مِنْ الْحَدَثَيْنِ جَمِيعًا. رُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُمْ إلَّا دَاوُد فَإِنَّهُ أَبَاحَ مَسَّهُ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ فِي كِتَابِهِ آيَةً إلَى قَيْصَرَ.» وَأَبَاحَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ مَسَّهُ بِظَاهِرِ الْكَفِّ؛ لِأَنَّ آلَةَ الْمَسِّ بَاطِنُ الْيَدِ، فَيَنْصَرِفُ النَّهْيُ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ. وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] . وَفِي «كِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو
بْنِ حَزْمٍ أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ.» وَهُوَ كِتَابٌ مَشْهُورٌ، رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ، وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ، فَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي كَتَبَ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّمَا قَصَدَ بِهَا الْمُرَاسَلَةَ، وَالْآيَةُ فِي الرِّسَالَةِ أَوْ كِتَابِ فِقْهٍ أَوْ نَحْوِهِ لَا تَمْنَعُ مَسَّهُ، وَلَا يَصِيرُ الْكِتَابُ بِهَا مُصْحَفًا، وَلَا تَثْبُتُ لَهُ حُرْمَتُهُ إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مَسُّهُ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جَسَدِهِ، فَأَشْبَهَ يَدَهُ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَسَّ إنَّمَا يَخْتَصُّ بِبَاطِنِ الْيَدِ؛ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَاقَى شَيْئًا فَقَدْ مَسَّهُ. (200) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ حَمْلُهُ بِعِلَاقَتِهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالْقَاسِمِ وَأَبِي وَائِلٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَمَنَعَ مِنْهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ قَالَ مَالِكٌ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت أَنَّهُ لَا يَحْمِلُ الْمُصْحَفَ بِعَلَّاقَتِهِ وَلَا فِي غِلَافِهِ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ؛ وَلِيس ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُدَنِّسُهُ، وَلَكِنْ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ مُحْدِثٌ قَاصِدٌ لِحَمْلِ الْمُصْحَفِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ حَمَلَهُ مَعَ مَسِّهِ. وَلَنَا: أَنَّهُ غَيْرُ مَاسٍّ لَهُ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ، كَمَا لَوْ حَمَلَهُ فِي رَحْلِهِ؛ وَلِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمَسَّ، وَالْحَمْلُ لَيْسَ بِمَسٍّ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّهْيُ، وَقِيَاسُهُمْ فَاسِدٌ؛ فَإِنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ مَسُّهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْفَرْعِ، وَالْحَمْلُ لَا أَثَرَ لَهُ، فَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ حَمَلَهُ بِعَلَّاقَةٍ أَوْ بِحَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مِمَّا لَا يَتْبَعُهُ فِي الْبَيْعِ، جَازَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَعِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ. وَوَجْهُ الْمَذْهَبَيْنِ مَا تَقَدَّمَ. وَيَجُوزُ تَقْلِيبُهُ بِعُودٍ وَمَسُّهُ بِهِ، وَكَتْبُ الْمُصْحَفِ بِيَدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّهُ، وَفِي تَصَفُّحِهِ بِكُمِّهِ رِوَايَتَانِ. وَخَرَّجَ الْقَاضِي فِي مَسِّ غِلَافِهِ وَحَمْلِهِ بِعَلَّاقَتِهِ رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ بِنَاءً عَلَى مَسِّهِ بِكُمِّهِ. وَالصَّحِيحُ: جَوَازُهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَسَّهُ، وَالْحَمْلُ لَيس بِمَسٍّ. (201) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ مَسُّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهَا، وَالرَّسَائِلِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إلَى قَيْصَرَ كِتَابًا فِيهِ آيَةٌ؛ وَلِأَنَّهَا لَا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ مُصْحَفٍ، وَلَا تَثْبُتُ لَهَا حُرْمَتُهُ. وَفِي مَسِّ صِبْيَانِ الْكَتَاتِيبِ أَلْوَاحَهُمْ الَّتِي فِيهَا الْقُرْآنُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، فَلَوْ اشْتَرَطْنَا الطَّهَارَةَ أَدَّى إلَى تَنْفِيرِهِمْ عَنْ حِفْظِهِ. وَالثَّانِي الْمَنْعُ؛ لِدُخُولِهِمْ فِي عُمُومِ الْآيَةِ. وَفِي الدَّرَاهِمِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَرِهَهُ عَطَاءٌ وَالْقَاسِمُ وَالشَّعْبِيُّ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا، فَأَشْبَهَتْ الْوَرَقَ. وَالثَّانِي الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ الْمُصْحَفِ، فَأَشْبَهَتْ كُتُبَ الْفِقْهِ؛ وَلِأَنَّ فِي الِاحْتِرَازِ مِنْهَا مَشَقَّةٌ، أَشْبَهْت أَلْوَاحَ الصِّبْيَانِ. (202) فَصْلٌ: وَإِنْ احْتَاجَ الْمُحْدِثُ إلَى مَسِّ الْمُصْحَفِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، تَيَمَّمَ، وَجَازَ مَسُّهُ. وَلَوْ غَسَلَ الْمُحْدِثُ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ مَسُّهُ بِهِ قَبْلَ إتْمَامِ وُضُوئِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَطَهِّرًا إلَّا بِغَسْلِ الْجَمِيعِ. (203) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ الْمُسَافَرَةُ بِالْمُصْحَفِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ.»
باب الاستطابة والحدث
[بَابُ الِاسْتِطَابَةِ وَالْحَدَثِ] ِ الِاسْتِطَابَةُ: هِيَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْأَحْجَارِ، يُقَالُ اسْتَطَابَ، وَأَطَابَ: إذَا اسْتَنْجَى؛ سُمِّيَ اسْتِطَابَةً لِأَنَّهُ يُطَيِّبُ جَسَدَهُ بِإِزَالَةِ الْخُبْثِ عَنْهُ، قَالَ الشَّاعِرُ يَهْجُو رَجُلًا: يَا رَخَمًا قَاظَ عَلَى عُرْقُوبِ ... يُعْجِلُ كَفَّ الْخَارِئِ الْمُطِيبِ وَالِاسْتِنْجَاءُ: اسْتِفْعَالٌ مِنْ نَجَوْت الشَّجَرَةَ أَيْ: قَطَعْتهَا، فَكَأَنَّهُ قَطَعَ الْأَذَى عَنْهُ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّجْوَةِ، وَهِيَ مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ اسْتَتَرَ بِهَا. وَالِاسْتِجْمَارُ: اسْتِفْعَالٌ مِنْ الْجِمَارِ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهَا فِي اسْتِجْمَارِهِ. (204) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ أَوْ خَرَجَتْ مِنْهُ رِيحٌ اسْتِنْجَاءٌ وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَيْسَ فِي الرِّيحِ اسْتِنْجَاءٌ؛ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ، إنَّمَا عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ فَلَيْسَ مِنَّا.» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الصَّغِيرِ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] . إذَا قُمْتُمْ مِنْ النَّوْمِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ بِالِاسْتِنْجَاءِ هُنَا نَصٌّ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ إنَّمَا شُرِعَ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَلَا نَجَاسَةَ هَاهُنَا. [مَسْأَلَة الِاسْتِنْجَاءُ لِمَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ] (205) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالِاسْتِنْجَاءُ لِمَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ هَذَا فِيهِ إضْمَارٌ، وَتَقْدِيرُهُ: وَالِاسْتِنْجَاءُ وَاجِبٌ، فَحَذَفَ خَبَرَ الْمُبْتَدَإِ اخْتِصَارًا، وَأَرَادَ مَا خَرَجَ غَيْرَ الرِّيحِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ حُكْمَهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَارِجُ مُعْتَادًا، كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، أَوْ نَادِرًا، كَالْحَصَى وَالدُّودِ وَالشَّعْرِ، رَطْبًا أَوْ يَابِسًا. وَلَوْ احْتَقَنَ فَرَجَعَتْ أَجْزَاءٌ خَرَجَتْ مِنْ الْفَرْجِ، أَوْ وَطِئَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ دُونَ الْفَرْجِ فَدَبَّ مَاؤُهُ إلَى فَرْجِهَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ، فَعَلَيْهِمَا الِاسْتِنْجَاءُ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَلَوْ أَدْخَلَ الْمِيلَ فِي ذَكَرِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ، لَزِمَهُ الِاسْتِنْجَاءُ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ، فَأَشْبَهَ الْغَائِطَ الْمُسْتَحْجِرَ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبَ مِنْ نَاشِفٍ لَا يُنَجِّسُ الْمَحَلَّ، لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الرِّيحِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الطَّاهِرِ، وَهُوَ الْمَنِيُّ إذَا حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ. وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْجَاءِ فِي الْجُمْلَةِ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ فِيمَنْ صَلَّى بِقَوْمٍ وَلَمْ يَسْتَنْجِ: لَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا. وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيمَنْ لَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِنْجَاءُ، كَمَنْ لَزِمَهُ الْوُضُوءُ لِنَوْمٍ أَوْ خُرُوجِ رِيحٍ، أَوْ مَنْ تَرَكَ الِاسْتِنْجَاءَ نَاسِيًا، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ الْجَمَاعَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ وُجُوبَ الِاسْتِنْجَاءِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
فصل الاستنجاء بالماء أو الأحجار
«مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ يُكْتَفَى فِيهَا بِالْمَسْحِ، فَلَمْ تَجِبْ إزَالَتُهَا كَيَسِيرِ الدَّمِ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: «لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ.» فَأَمَرَ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَقَالَ: فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ. وَالْإِجْزَاءُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبِ، وَنَهَى عَنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَإِذَا حَرُمَ تَرْكُ بَعْضِ النَّجَاسَةِ فَتَرْكُ جَمِيعِهَا أَوْلَى. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ دُونَ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ.» وَأَمَرَ بِالْعَدَدِ فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ، وَقَوْلُهُ: (لَا حَرَجَ) يَعْنِي فِي تَرْكِ الْوِتْرِ، لَا فِي تَرْكِ الِاسْتِجْمَارِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الْخَبَرِ الْوِتْرُ، فَيَعُودُ نَفْيُ الْحَرَجِ إلَيْهِ، وَأَمَّا الِاجْتِزَاءُ بِالْمَسْحِ فِيهِ فَلِمَشَقَّةِ الْغَسْلِ، لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ فِي مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ. [فَصْلٌ الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ أَوْ الْأَحْجَارِ] (206) فَصْلٌ: وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ أَوْ الْأَحْجَارِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَحُكِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا أَنْكَرَا الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَهَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا النِّسَاءُ، وَقَالَ عَطَاءٌ غَسْلُ الدُّبُرُ مُحْدَثٌ. وَكَانَ الْحَسَنُ لَا يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ. وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ ثُمَّ فَعَلَهُ، وَقَالَ لِنَافِعٍ: جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ صَالِحًا. وَهُوَ مَذْهَبُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّهَا قَالَتْ: مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَطِيبُوا بِالْمَاءِ؛ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108] قَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّهُ يُطَهِّرُ الْمَحَلَّ، وَيُزِيلُ النَّجَاسَةَ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى مَحَلٍّ آخَرَ. وَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالْمَاءُ أَفْضَلُ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ؛ وَلِأَنَّهُ يُطَهِّرُ الْمَحَلَّ، وَيُزِيلُ الْعَيْنَ وَالْأَثَرَ، وَهُوَ أَبْلُغُ فِي التَّنْظِيفِ. وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْحَجَرِ أَجْزَأَهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ؛ وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَجْمِرَ بِالْحَجَرِ، ثُمَّ يُتْبِعَهُ الْمَاءَ. قَالَ أَحْمَدُ: إنْ جَمَعَهُمَا
مسألة الاستنجاء بما دون الثلاثة أحجار
فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يُتْبِعْنَ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ مِنْ أَثَرِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ؛ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ، كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ.» احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ سَعِيدٌ؛ وَلِأَنَّ الْحَجَرَ يُزِيلُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ فَلَا تُصِيبُهَا يَدُهُ، ثُمَّ يَأْتِي بِالْمَاءِ فَيُطَهِّرُ الْمَحَلَّ، فَيَكُونُ أَبْلَغَ فِي التَّنْظِيفِ وَأَحْسَنَ. [مَسْأَلَةٌ الِاسْتِنْجَاء بِمَا دُون الثَّلَاثَة أَحْجَار] (207) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَعْدُوَا مَخْرَجَهُمَا أَجْزَأَهُ أَحْجَارٌ إذَا أَنْقَى بِهِنَّ، فَإِنْ أَنْقَى بِدُونِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يُجْزِهِ، حَتَّى يَأْتِيَ بِالْعَدَدِ، وَإِنْ لَمْ يُنْقِ بِالثَّلَاثَةِ زَادَ حَتَّى يُنْقِيَ قَوْلُهُ: يَعْدُوَا مَخْرَجَهُمَا يَعْنِي الْخَارِجَيْنِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ إذَا لَمْ يَتَجَاوَزَا مَخْرَجَهُمَا. يُقَالُ: عَدَاك الشَّرُّ أَيْ: تَجَاوَزَك. وَالْمُرَاد، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، إذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ الْمَخْرَجَ بِمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ، فَإِنَّ الْيَسِيرَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ مُنْقِيَةٍ. وَمَعْنَى الْإِنْقَاءِ إزَالَةُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَبَلَّتِهَا، بِحَيْثُ يَخْرُجُ الْحَجَرُ نَقِيًّا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَثَرٌ إلَّا شَيْئًا يَسِيرًا. وَيُشْتَرَطُ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا؛ الْإِنْقَاءُ، وَإِكْمَالُ الثَّلَاثَةِ، أَيُّهُمَا وُجِدَ دُونَ صَاحِبِهِ لَمْ يَكْفِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٌ. وَقَالَ مَالِكٌ وَدَاوُد: الْوَاجِبُ الْإِنْقَاءُ دُونَ الْعَدَدِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» . وَلَنَا: قَوْلُ سَلْمَانَ: «لَقَدْ نَهَانَا - يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» . وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَحَدِيثُهُمْ قَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ فِيمَا مَضَى. (208) فَصْلٌ: وَإِذَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ اُسْتُحِبَّ أَنْ لَا يَقْطَعَ إلَّا عَلَى وِتْرٍ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَيَسْتَجْمِرُ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا أَوْ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى شَفْعٍ مُنْقِيَةٍ، فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ جَازَ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» . (209) فَصْلٌ: وَكَيْفَمَا حَصَلَ الْإِنْقَاءِ فِي الِاسْتِجْمَارِ أَجْزَأَهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُمِرَّ الْحَجَرَ الْأَوَّلَ مِنْ مُقَدَّمِ صَفْحَتِهِ الْيُمْنَى إلَى مُؤَخَّرِهَا، ثُمَّ يُدِيرَهُ عَلَى الْيُسْرَى، ثُمَّ يَرْجِعَ بِهِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ؛ ثُمَّ يُمِرَّ الثَّانِيَ مِنْ مُقَدَّمِ صَفْحَتِهِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ؛ ثُمَّ يُمِرَّ الثَّالِثَ عَلَى الْمَسْرُبَةِ وَالصَّفْحَتَيْنِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَوَ لَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ حَجَرَيْنِ لِلصَّفْحَتَيْنِ وَحَجَرًا لِلْمَسْرُبَةِ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَقَالَ: إسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ الْمَحَلَّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَحْجَارِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعُمَّ بِهِ كَانَ ذَلِكَ تَلْفِيقًا، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَسْحَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يَكُونُ تَكْرَارًا. ذَكَرَ هَذَا الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ وَقَالَا: مَعْنَى الْحَدِيثِ الْبِدَايَةُ بِهَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ لِكُلِّ جِهَةٍ مَسْحَةٌ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(210) فَصْلٌ: وَيُجْزِئُهُ الِاسْتِجْمَارُ فِي النَّادِرِ، كَمَا يُجْزِئُ فِي الْمُعْتَادِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهٌ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي النَّادِرِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ مَالِكٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مِنْ الْمَذْيِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْآثَارَ كُلَّهَا عَلَى اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهَا وَأَسَانِيدِهَا لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ اسْتِنْجَاءٍ، إنَّمَا هُوَ الْغَسْلُ؛ وَلِأَنَّ النَّادِرَ لَا يَتَكَرَّرُ، فَلَا يَبْقَى اعْتِبَارُ الْمَاءِ فِيهِ، فَوَجَبَ، كَغَسْلِ غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ. وَلَنَا أَنَّ الْخَبَرَ عَامٌّ فِي الْجَمِيعِ؛ وَأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ فِي النَّادِرِ إنَّمَا وَجَبَ مَا صَحِبَهُ مِنْ بِلَّةِ الْمُعْتَادِ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَشُقَّ فَهُوَ فِي مَحَلِّ الْمَشَقَّةِ، فَتُعْتَبَرُ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا، كَمَا جَازَ الِاسْتِجْمَارُ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ، وَأَمَّا الْمَذْيُ فَمُعْتَادٌ كَثِيرٌ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي بَعْضِ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ الْبَوْلِ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ذَاكَ مَاءُ الْفَحْلِ، وَلِكُلِّ فَحْلٍ مَاءٌ.» وَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً فَكُنْت أُكْثِرُ مِنْهُ الِاغْتِسَالَ؛ وَلِهَذَا أَوْجَبَ مَالِكٌ مِنْهُ الْوُضُوءَ، وَهُوَ لَا يُوجِبُهُ مِنْ النَّادِرِ، فَلَيْسَ هُوَ مِنْ مَسْأَلَتِنَا، وَيَجِبُ غَسْلُ الذَّكَرِ مِنْهُ وَالْأُنْثَيَيْنِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ تَعَبُّدًا. وَالْأُخْرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَأَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَسْلِهِ لِلِاسْتِحْبَابِ، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ مَا يَخْرُجُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (211) فَصْلٌ: وَلَا يَسْتَجْمِرُ بِيَمِينِهِ، لِقَوْلِ سَلْمَانَ فِي حَدِيثِهِ: «إنَّهُ لَيَنْهَانَا أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِهِ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ، رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنْ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ يَسْتَنْجِي مِنْ غَائِطٍ أَخَذَ الْحَجَرَ بِشِمَالِهِ فَمَسَحَ بِهِ. وَإِنْ كَانَ يَسْتَنْجِي مِنْ الْبَوْلِ، وَكَانَ الْحَجَرُ كَبِيرًا، أَخَذَ ذَكَرَهُ بِشِمَالِهِ فَمَسَحَ بِهِ. وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَأَمْكَنَهُ أَنْ يَضَعَهُ بَيْنَ عَقِبَيْهِ، أَوْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَيَمْسَحُ ذَكَرَهُ عَلَيْهِ فَعَلَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، أَمْسَكَهُ بِيَمِينِهِ، وَمَسَحَ بِيَسَارِهِ؛ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ. وَقِيلَ: يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَيَمْسَحُ بِشِمَالِهِ؛ لِيَكُونَ الْمَسْحُ بِغَيْرِ الْيَمِينِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ» . وَإِذَا أَمْسَكَ الْحَجَرَ بِالْيَمِينِ، وَمَسَحَ الذَّكَرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ مَاسِحًا بِالْيَمِينِ، وَلَا مُمْسِكًا لِلذَّكَرِ بِهَا، وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيُسْرَى، أَوْ بِهَا مَرَضٌ، اسْتَجْمَرَ بِيَمِينِهِ؛ لِلْحَاجَةِ. وَلَا يُكْرَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِهَا فِي الْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ. وَإِنْ اسْتَجْمَرَ بِيَمِينِهِ مَعَ الْغِنَى عَنْهُ، أَجْزَأَهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَلَمْ يُفِدْ مَقْصُودَهُ، كَمَا لَوْ اسْتَنْجَى بِالرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ، فَإِنَّ النَّهْيَ يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَيْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الرَّوْثَ آلَةُ الِاسْتِجْمَارِ الْمُبَاشِرَةُ لِلْمَحَلِّ
فصل يبدأ الرجل في الاستنجاء بالقبل
وَشَرْطُهُ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِيهَا، وَالْيَدُ لَيْسَتْ الْمُبَاشِرَةَ لِلْمَحَلِّ وَلَا شَرْطًا فِيهِ، إنَّمَا يَتَنَاوَلُ بِهَا الْحَجَرَ الْمُلَاقِي لِلْمَحَلِّ، فَصَارَ النَّهْيُ عَنْهَا نَهْيَ تَأْدِيبٍ، لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ. [فَصْل يَبْدَأُ الرَّجُلُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْقُبُلِ] (212) فَصْلٌ: وَيَبْدَأُ الرَّجُلُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْقُبُلِ؛ لِئَلَّا تَتَلَوَّثَ يَدُهُ إذَا شَرَعَ فِي الدُّبُرِ؛ لِأَنَّ قُبُلَهُ بَارِزٌ تُصِيبُهُ الْيَدُ إذَا مَدَّهَا إلَى الدُّبُرِ، وَالْمَرْأَةُ مُخَيَّرَةٌ فِي الْبِدَايَةِ بِأَيِّهِمَا شَاءَتْ، لِعَدَمِ ذَلِكَ فِيهَا. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْكُثَ بَعْدَ الْبَوْلِ قَلِيلًا، وَيَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَصْلِ الذَّكَرِ مِنْ تَحْتِ الْأُنْثَيَيْنِ، ثُمَّ يَسْلِتَهُ إلَى رَأْسِهِ فَيَنْتُرُ ذَكَرَهُ ثَلَاثًا بِرِفْقٍ. قَالَ أَحْمَدُ إذَا تَوَضَّأْت فَضَعْ يَدَك فِي سِفْلَتِك، ثُمَّ اسْلِتْ مَا ثَمَّ حَتَّى يَنْزِلَ، وَلَا تَجْعَلْ ذَلِكَ مِنْ هَمِّك، وَلَا تَلْتَفِت إلَى ظَنِّك. وَقَدْ رَوَى يَزْدَادُ الْيَمَانِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَإِذَا اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ ثُمَّ فَرَغَ، اُسْتُحِبَّ لَهُ دَلْكُ يَدِهِ بِالْأَرْضِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ «مَيْمُونَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ اسْتَنْجَى مِنْ تَوْرٍ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ.» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَإِنْ اسْتَنْجَى عَقِيبَ انْقِطَاعِ الْبَوْلِ، جَازَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ انْقِطَاعُهُ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْمَاءَ يَقْطَعُ الْبَوْلَ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الِاسْتِنْجَاءُ انْتِقَاصَ الْمَاءِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْضَحَ عَلَى فَرْجِهِ وَسَرَاوِيلِهِ؛ لِيُزِيلَ الْوَسْوَاسَ عَنْهُ. قَالَ حَنْبَلُ: سَأَلْت أَحْمَدَ قُلْت: أَتَوَضَّأُ وَأَسْتَبْرِئُ، وَأَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَحْدَثْت بَعْدُ، قَالَ: إذَا تَوَضَّأْت فَاسْتَبْرِئْ، وَخُذْ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَرُشَّهُ عَلَى فَرْجِك، وَلَا تَلْتَفِت إلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إذَا تَوَضَّأْت فَانْتَضِحْ» . وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [مَسْأَلَة الِاسْتِنْجَاء بِالْخَشَبِ وَالْخِرَقُ وَكُلُّ مَا أَنْقَيْ بِهِ] (213) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالْخَشَبُ وَالْخِرَقُ وَكُلُّ مَا أُنْقِي بِهِ فَهُوَ كَالْأَحْجَارِ هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَا يُجْزِئُ إلَّا الْأَحْجَارُ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُد لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْأَحْجَارِ، وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ؛ وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ رُخْصَةٍ وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهَا بِآلَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا، كَالتُّرَابِ فِي التَّيَمُّمِ. وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ خُزَيْمَةَ، قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الِاسْتِطَابَةِ، فَقَالَ: بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ.» فَلَوْلَا أَنَّهُ أَرَادَ الْحَجَرَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهَا الرَّجِيعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الرَّجِيعِ بِالذِّكْرِ مَعْنًى. وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
«إنَّهُ لَيَنْهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَأَنْ نَسْتَجْمِرَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَتَخْصِيصُ هَذَيْنِ بِالنَّهْيِ عَنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْحِجَارَةَ، وَمَا قَامَ مَقَامَهَا. وَرَوَى طَاوُسٌ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْبَرَازَ فَلْيُنَزِّهْ قِبْلَةَ اللَّهِ، وَلَا يَسْتَقْبِلْهَا وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَعْوَادٍ، أَوْ ثَلَاثِ حَثَيَاتٍ مِنْ تُرَابٍ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ وَرَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ مَوْقُوفًا عَلَى طَاوُسٍ. وَلِأَنَّهُ مَتَى وَرَدَ النَّصُّ بِشَيْءٍ لِمَعْنًى مَعْقُولٍ، وَجَبَ تَعْدِيَتُهُ إلَى مَا وُجِدَ فِيهِ الْمَعْنَى، وَالْمَعْنَى هَاهُنَا إزَالَةُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ الْأَحْجَارِ، كَحُصُولِهِ بِهَا، وَبِهَذَا يَخْرُجُ التَّيَمُّمُ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَا يُسْتَجْمَرُ بِهِ مُنَقِّيًا؛ لِأَنَّ الْإِنْقَاءَ مُشْتَرَطٌ فِي الِاسْتِجْمَارِ، فَأَمَّا الزَّلِجُ كَالزُّجَاجِ وَالْفَحْمِ الرِّخْوِ وَشِبْهِهِمَا مِمَّا لَا يُنَقِّي، فَلَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ طَاهِرًا، فَإِنْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يُجْزِهِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ يُجَفِّفُ كَالطَّاهِرِ. وَلَنَا «أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ يَسْتَجْمِرُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذِهِ رِكْسٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: إنَّهَا رِكْسٌ. يَعْنِي نَجَسًا، وَهَذَا تَعْلِيلٌ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ، فَلَا يَحْصُلُ بِالنَّجَاسَةِ كَالْغَسْلِ، فَإِنْ اسْتَنْجَى بِنَجِسٍ احْتَمَلَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ الِاسْتِجْمَارُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ تَنَجَّسَ بِنَجَاسَةٍ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجِ، فَلَمْ يُجْزِئْ فِيهَا غَيْرُ الْمَاءِ، كَمَا لَوْ تَنَجَّسَ ابْتِدَاءً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ النَّجَاسَةَ تَابِعَةٌ لِنَجَاسَةِ الْمَحَلِّ، فَزَالَتْ بِزَوَالِهَا. (214) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: إلَّا الرَّوْثَ وَالْعِظَامَ وَالطَّعَامَ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِالرَّوْثِ وَلَا الْعِظَامِ، وَلَا يُجْزِئُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَأَبَاحَ أَبُو حَنِيفَةَ الِاسْتِنْجَاءَ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يُجَفِّفَانِ النَّجَاسَةَ، وَيُنَقِّيَانِ الْمَحَلَّ، فَهُمَا كَالْحَجَرِ. وَأَبَاحَ مَالِكٌ الِاسْتِنْجَاءَ بِالطَّاهِرِ مِنْهُمَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا نَهْيَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُمَا، وَرَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ؛ فَإِنَّهُ زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَوْثٍ أَوْ عَظْمٍ وَقَالَ: إنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ» . وَقَالَ: إسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «، أَنَّهُ قَالَ لِرُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ، أَبِي بَكْرَةَ: أَخْبِرْ النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ.» وَهَذَا عَامٌّ فِي الطَّاهِرِ مِنْهَا. وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَعَدَمَ الْإِجْزَاءِ فَأَمَّا الطَّعَامُ فَتَحْرِيمُهُ مِنْ طَرِيقِ التَّنْبِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّلَ النَّهْيَ عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ، فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِكَوْنِهِمَا زَادَ إخْوَانِنَا مِنْ الْجِنِّ، فَزَادُنَا مَعَ عِظَمِ حُرْمَتِهِ أَوْلَى.
فصل الاستنجاء بما له حرمة
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ نَهَى عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ، كَنَهْيِهِ هَاهُنَا، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْإِجْزَاءَ ثَمَّ، كَذَا هَاهُنَا. قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّهْيَ هُنَا لِمَعْنًى فِي شَرْطِ الْفِعْلِ، فَمَنَعَ صِحَّتَهُ، كَالنَّهْيِ عَنْ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ، وَثَمَّ لِمَعْنًى فِي آلَةِ الشَّرْطِ، فَلَمْ يَمْنَعْ كَالْوُضُوءِ مِنْ إنَاءٍ مُحَرَّمٍ. [فَصْل الِاسْتِنْجَاءُ بِمَا لَهُ حُرْمَةٌ] (215) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِمَا لَهُ حُرْمَةٌ كَشَيْءٍ كُتِبَ فِيهِ فِقْهٌ أَوْ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ الشَّرِيعَةِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِحُرْمَتِهَا، فَهُوَ فِي الْحُرْمَةِ أَعْظَمُ مِنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ. وَلَا يَجُوزُ بِمُتَّصِلٍ بِحَيَوَانٍ كَيَدِهِ وَعَقِبِهِ وَذَنَبِ بَهِيمَةٍ وَصُوفِهَا الْمُتَّصِلِ بِهَا. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَجْمَعُ الْمُسْتَجْمِرُ بِهِ سِتَّ خِصَالٍ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا جَامِدًا مُنَقِّيًا غَيْرَ مَطْعُومٍ وَلَا حُرْمَةَ لَهُ وَلَا مُتَّصِلٍ بِحَيَوَانٍ. [مَسْأَلَة الْحَجَرُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَهُ ثَلَاثُ شُعَبٍ يَقُومَ مَقَامَ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فِي الِاسْتِجْمَارِ] (216) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالْحَجَرُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَهُ ثَلَاثُ شُعَبٍ يَقُومُ مَقَامَ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ. وَلَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ دُونَ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» وَلِأَنَّهُ إذَا اسْتَجْمَرَ بِحَجَرٍ تَنَجَّسَ؛ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِهِ ثَانِيًا كَالصَّغِيرِ. وَلَنَا: أَنَّهُ إنْ اسْتَجْمَرَ ثَلَاثًا مُنَقِّيَةً بِمَا وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ الِاسْتِجْمَارِ، أَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ فَصَلَهُ ثَلَاثَةً صِغَارًا وَاسْتَجْمَرَ بِهَا، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ إلَّا فَصْلُهُ وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ فِي التَّطْهِيرِ، وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي ثَلَاثَ مَسَحَاتٍ بِحَجَرٍ دُونَ عَيْنِ الْأَحْجَارِ كَمَا يُقَالُ ضَرَبْته ثَلَاثَةَ أَسْوَاطٍ أَيْ ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ بِسَوْطٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَعْقُولٌ وَمُرَادَهُ مَعْلُومٌ، وَلِذَلِكَ لَمْ نَقْتَصِرْ عَلَى لَفْظِهِ فِي غَيْرِ الْأَحْجَارِ، بَلْ أَجَزْنَا الْخَشَبَ وَالْخِرَقَ وَالْمَدَرَ وَالْمَعْنَى مِنْ ثَلَاثَةٍ حَاصِلٌ مِنْ ثَلَاثِ شُعَبٍ أَوْ مَسْحِهِ ذَكَرَهُ فِي صَخْرَةٍ عَظِيمَةٍ، بِثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْهَا أَوْ فِي حَائِطٍ أَوْ أَرْضٍ فَلَا مَعْنَى لِلْجُمُودِ عَلَى اللَّفْظِ مَعَ وُجُودِ مَا يُسَاوِيهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَقَوْلُهُمْ: تَنَجَّسَ قُلْنَا: إنَّمَا تَنَجَّسَ مَا أَصَابَ النَّجَاسَةَ، وَالِاسْتِجْمَارُ. حَاصِلٌ بِغَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَنَجَّسَ جَانِبُهُ بِغَيْرِ الِاسْتِجْمَارِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ اسْتَجْمَرَ بِهِ ثَلَاثَةٌ لَحَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَسْحَةٌ وَقَامَ مَقَامَ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَجْمَرَ بِهِ الْوَاحِدُ، وَلَوْ اسْتَجْمَرَ ثَلَاثَةٌ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لِكُلِّ حَجَرٍ مِنْهَا ثَلَاثُ شُعَبٍ، فَاسْتَجْمَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ كُلِّ حَجَرٍ بِشُعْبَةٍ، أَجْزَأَهُمْ وَيَحْتَمِلُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنْ لَا يُجْزِئَهُمْ. [فَصْل اسْتَجْمَرَ بِحَجَرِ ثُمَّ غَسَلَهُ أَوْ كَسَرَ مَا تَنَجَّسَ مِنْهُ وَاسْتَجْمَرَ بِهِ ثَانِيًا] (217) فَصْلٌ: وَلَوْ اسْتَجْمَرَ بِحَجَرٍ، ثُمَّ غَسَلَهُ أَوْ كَسَرَ مَا تَنَجَّسَ مِنْهُ وَاسْتَجْمَرَ بِهِ ثَانِيًا ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ وَاسْتَجْمَرَ بِهِ ثَالِثًا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ حَجَرٌ يُجْزِئُ غَيْرَهُ الِاسْتِجْمَارُ بِهِ فَأَجْزَأَهُ كَغَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ؛ مُحَافَظَةً عَلَى صُورَةِ اللَّفْظِ وَهُوَ بَعِيدٌ.
مسألة الاستنجاء في ما عدا المخرج لا يجزئ فيه إلا الماء
[مَسْأَلَة الِاسْتِنْجَاء فِي مَا عَدَا الْمَخْرَجِ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ] (218) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَا عَدَا الْمَخْرَجِ فَلَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ. وَبِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ يَعْنِي إذَا تَجَاوَزَ الْمَحَلَّ بِمَا لَمْ تَجْرِ بِهِ الْعَادَةُ مِثْلُ أَنْ يَنْتَشِرَ إلَى الصَّفْحَتَيْنِ وَامْتَدَّ فِي الْحَشَفَةِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا الْمَاءُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ فِي الْمَحَلِّ الْمُعْتَادِ رُخْصَةٌ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ فِي غَسْلِهِ لِتَكَرُّرِ النَّجَاسَةِ فِيهِ فَمَا لَا تَتَكَرَّرُ النَّجَاسَةُ فِيهِ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْغَسْلُ كَسَاقِهِ وَفَخِذِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّكُمْ كُنْتُمْ تَبْعَرُونَ بَعْرًا، وَأَنْتُمْ الْيَوْمَ تَثْلِطُونَ ثَلْطًا فَأَتْبِعُوا الْمَاءَ الْأَحْجَارَ وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يَكْفِي أَحَدَكُمْ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ» أَرَادَ مَا لَمْ يَتَجَاوَزْ مَحَلَّ الْعَادَةِ لِمَا ذَكَرْنَا. (219) فَصْلٌ: وَالْمَرْأَةُ الْبِكْرُ كَالرَّجُلِ؛ لِأَنَّ عُذْرَتَهَا تَمْنَعُ انْتِشَارَ الْبَوْلِ. فَأَمَّا الثَّيِّبُ فَإِنْ خَرَجَ الْبَوْلُ بِحِدَةٍ فَلَمْ يَنْتَشِرْ فَكَذَلِكَ. وَإِنْ تَعَدَّى إلَى مَخْرَجِ الْحَيْضِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَجِبُ غَسْلُهُ لِأَنَّ مَخْرَجَ الْحَيْضِ وَالْوَلَدِ غَيْرُ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ؛ لِأَنَّ هَذَا عَادَةٌ فِي حَقِّهَا فَكَفَى فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ كَالْمُعْتَادِ فِي غَيْرِهَا؛ وَلِأَنَّ الْغَسْلَ لَوْ لَزِمَهَا مَعَ اعْتِيَادِهِ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَزْوَاجِهِ لِكَوْنِهِ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ، وَإِنْ شَكَّ فِي انْتِشَارِ الْخَارِجِ إلَى مَا يُوجِبُ الْغَسْلَ، لَمْ يَجِبْ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَالْمُسْتَحَبُّ الْغَسْلُ احْتِيَاطًا. (220) فَصْلٌ: وَالْأَقْلَفُ إنْ كَانَ مُرْتَتِقًا لَا تَخْرُجُ بَشَرَتُهُ مِنْ قُلْفَتِهِ فَهُوَ كَالْمُخْتَتِنِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ كَشْفُهَا كَشَفَهَا فَإِذَا بَالَ وَاسْتَجْمَرَ أَعَادَهَا فَإِنْ تَنَجَّسَتْ بِالْبَوْلِ لَزِمَهُ غَسْلُهَا كَمَا لَوْ انْتَشَرَ إلَى الْحَشَفَةِ. (221) فَصْلٌ: وَإِنْ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ وَانْفَتَحَ آخَرُ، لَمْ يُجْزِهِ الِاسْتِجْمَارُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ السَّبِيلِ الْمُعْتَادِ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُعْتَادًا. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا نَادِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ النَّاسِ فَلَمْ تَثْبُتْ فِيهِ أَحْكَامُ الْفَرْجِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَسُّهُ، وَلَا يَجِبُ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ حَدٌّ وَلَا مَهْرٌ وَلَا غُسْلٌ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْبَدَنِ. (222) فَصْلٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِجْمَارِ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ طَاهِرٌ، فَإِنَّ أَحْمَدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، قَالَ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَبُولُ فَيَسْتَبْرِئُ وَيَسْتَجْمِرُ يَعْرَقُ فِي سَرَاوِيلِهِ؟ قَالَ إذَا اسْتَجْمَرَ ثَلَاثًا فَلَا بَأْسَ. وَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ إذَا اسْتَنْجَيْت مِنْ الْغَائِطِ يُصِيبُ ذَلِكَ الْمَاءُ مَوْضِعًا مِنِّي آخَرَ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ: قَدْ جَاءَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ، فَاسْتَنْجِ أَنْتَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ثُمَّ لَا تُبَالِي مَا أَصَابَك مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ. قَالَ: وَسَأَلْت أَحْمَدَ
فصول في أدب التخلي
عَنْ رَشِّ الْمَاءِ عَلَى الْخُفِّ إذَا لَمْ يَسْتَجْمِرْ الرَّجُلُ؟ قَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَغْسِلَهُ ثَلَاثًا. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ نَجِسٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ فَلَوْ قَعَدَ الْمُسْتَجْمِرُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ نَجَّسَهُ وَلَوْ عَرِقَ كَانَ عَرَقُهُ نَجِسًا؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ لِلنَّجَاسَةِ، فَلَمْ يَطْهُرْ بِهِ مَحَلُّهَا كَسَائِرِ الْمَسْحِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَسْتَنْجُوا بِرَوْثٍ وَلَا عَظْمٍ، فَإِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ» فَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَهُمَا يُطَهِّرُ؛ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ الِاسْتِجْمَارُ، حَتَّى إنَّ جَمَاعَةً مِنْهُمْ أَنْكَرُوا الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ، وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ بِدْعَةً وَبِلَادُهُمْ حَارَّةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يَسْلَمُونَ مِنْ الْعَرَقِ، فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ تَوَقِّي ذَلِكَ، وَلَا الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَلَا ذِكْرُ ذَلِكَ أَصْلًا وَقَدْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ بَالَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَنَضَحَ فَرْجَهُ مِنْ تَحْتِ ثِيَابِهِ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ، وَلَوْلَا أَنَّهُمَا اعْتَقَدَا طَهَارَتَهُ مَا فَعَلَا ذَلِكَ. (223) فَصْلٌ: إذَا اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى تُرَابٍ قَالَ أَحْمَدُ يُجْزِئُهُ الْمَاءُ وَحْدَهُ. وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ التُّرَابَ مَعَ الْمَاءِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَلَا أَمَرَ بِهِ، فَأَمَّا عَدَدُ الْغَسَلَاتِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا؛ فَقَالَ، فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صَالِحٍ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْمَاءِ سَبْعُ مَرَّاتٍ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ: وَلَكِنْ الْمَقْعَدَةُ يُجْزِئُ أَنْ تُمْسَحَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ يَغْسِلُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَا يُجْزِئُ عِنْدِي إذَا كَانَ فِي الْجَسَدِ أَنْ يَغْسِلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْسِلُ مَقْعَدَتَهُ ثَلَاثًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ أَبُو دَاوُد سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ حَدِّ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ؟ فَقَالَ يُنَقِّي. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا عَدَدَ فِيهِ إنَّمَا الْوَاجِبُ الْإِنْقَاءُ، وَهَذَا أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ عَدَدٌ، وَلَا أَمَرَ بِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِنْقَاءِ عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، وَهُوَ أَنْ تَذْهَبَ لُزُوجَةُ النَّجَاسَةِ وَآثَارُهَا. [فُصُولٌ فِي أَدَبِ التَّخَلِّي] لَا يَجُوزُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي الْفَضَاءِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا» وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَدَاوُد:
يَجُوزُ اسْتِقْبَالُهَا وَاسْتِدْبَارُهَا لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْته قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى النَّسْخِ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ. وَلَنَا أَحَادِيثُ النَّهْيِ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْبُنْيَانِ، أَوْ مُسْتَتِرًا بِشَيْءٍ وَلَا يَثْبُتُ النَّسْخُ بِالِاحْتِمَالِ وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي نَذْكُرُهَا، فَأَمَّا فِي الْبُنْيَانِ، أَوْ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا لَا يَجُوزُ أَيْضًا. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ فِي النَّهْيِ. وَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ اسْتِقْبَالُهَا وَاسْتِدْبَارُهَا فِي الْبُنْيَانِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْعَبَّاسِ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ: وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَقَدْ حَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْبُنْيَانِ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذُكِرَ لَهُ أَنَّ قَوْمًا يَكْرَهُونَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِفُرُوجِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَ قَدْ فَعَلُوهَا اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي الْقِبْلَةَ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الْمَسَانِيدِ، مِنْهُمْ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ، رَوَاهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ الصَّلْتِ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَحْسَنُ مَا رُوِيَ فِي الرُّخْصَةِ حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَإِنَّ مَخْرَجَهُ حَسَنٌ. قَالَ أَحْمَدُ: عِرَاكُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ. فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ مُرْسَلًا. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْبُنْيَانِ، وَهُوَ خَاصٌّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ. وَعَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْأَصْفَرِ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إلَيْهَا. فَقُلْت: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى إنَّمَا نُهِيَ عَنْ هَذَا فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَك وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُك فَلَا بَأْسَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَامِّ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ. وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِدْبَارُ الْكَعْبَةِ فِي الْبُنْيَانِ وَالْفَضَاءِ جَمِيعًا؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «رَقِيت يَوْمًا عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ، فَرَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى حَاجَتِهِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (225) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بِفَرْجِهِ؛ لِمَا فِيهِمَا مِنْ نُورِ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنْ اسْتَتَرَ عَنْهُمَا بِشَيْءٍ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَتَرَ عَنْ الْقِبْلَةِ جَازَ فَهَاهُنَا أَوْلَى. وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الرِّيحَ؛ لِئَلَّا تَرُدَّ عَلَيْهِ رَشَاشَ الْبَوْلِ، فَيُنَجِّسَهُ. (226) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَتِرَ عَنْ النَّاسِ، فَإِنْ وَجَدَ حَائِطًا أَوْ كَثِيبًا أَوْ شَجَرَةً أَوْ بَعِيرًا اسْتَتَرَ بِهِ
وَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا أَبْعَدَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ الرَّمْلِ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ» وَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَنَّهُ خَرَجَ وَمَعَهُ دَرَقَةٌ، ثُمَّ اسْتَتَرَ بِهَا، ثُمَّ بَالَ» . وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ.» وَالْبَرَازُ: الْمَوْضِعُ الْبَارِزُ، سُمِّيَ قَضَاءُ الْحَاجَةِ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تُقْضَى فِيهِ. وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا ذَهَبَ أَبْعَدَ» ، رَوَى أَحَادِيثَ هَذَا الْفَصْلِ كُلَّهَا أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ: «كَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَيْهِ لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (227) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْتَادَ لِبَوْلِهِ مَوْضِعًا رَخْوًا؛ لِئَلَّا يَتَرَشَّشَ عَلَيْهِ، «قَالَ أَبُو مُوسَى كُنْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَبَوَّلَ، فَأَتَى دَمِثًا فِي أَصْلِ حَائِطٍ، فَبَالَ ثُمَّ قَالَ إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَبَوَّلَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبُولَ قَاعِدًا؛ لِئَلَّا يَتَرَشَّشَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنْ الْجَفَاءِ أَنْ تَبُولَ وَأَنْتَ قَائِمٌ. وَكَانَ سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ مَنْ بَالَ قَائِمًا، «قَالَتْ عَائِشَةُ: مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إلَّا قَاعِدًا.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ وَقَدْ رُوِيت الرُّخْصَةُ فِيهِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُرْوَةَ. وَرَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَلَعَلَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ لِتَبْيِينِ الْجَوَازِ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْجُلُوسِ فِيهِ. وَقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ لِعِلَّةٍ كَانَتْ بِمَأْبِضِهِ. وَالْمَأْبِضُ مَا تَحْتِ الرُّكْبَةِ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ. (228) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَرْفَعَ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «كَانَ
إذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ» ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهُ فَيَكُونُ أَوْلَى. (229) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبُولَ فِي طَرِيقِ النَّاسِ، وَلَا مَوْرِدِ مَاءٍ، وَلَا ظِلٍّ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ؛ لِمَا رَوَى مُعَاذٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ - الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ. قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْمَوْرِدُ طَرِيقٌ. وَلَا يَبُولُ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ، فِي حَالِ كَوْنِ الثَّمَرَةِ عَلَيْهَا لِئَلَّا تَسْقُطَ عَلَيْهِ الثَّمَرَةُ فَتَتَنَجَّسَ بِهِ. فَأَمَّا فِي غَيْرِ حَالِ الثَّمَرَةِ فَلَا بَأْسَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ إلَيْهِ لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ. وَلَا يَبُولُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ الْمَاءَ إنْ كَانَ قَلِيلًا تَنَجَّسَ بِهِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، فَرُبَّمَا تَغَيَّرَ بِتَكْرَارِ الْبَوْلِ فِيهِ، فَأَمَّا الْجَارِي فَلَا يَجُوزُ التَّغَوُّطُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِي مَنْ يَمُرُّ بِهِ، وَإِنْ بَالَ فِيهِ وَهُوَ كَثِيرٌ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْبَوْلُ، فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّاكِدَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَارِيَ بِخِلَافِهِ، وَلَا يَبُولُ عَلَى مَا نُهِيَ عَنْ الِاسْتِجْمَارِ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَبْلُغُ مِنْ الِاسْتِجْمَارِ بِهِ فَالنَّهْيُ ثَمَّ تَنْبِيهٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْبَوْلِ عَلَيْهِ. وَيُكْرَهُ عَلَى أَنْ يَبُولَ فِي شَقٍّ أَوْ ثَقْبٍ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُغَفَّلِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ» وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَيَوَانٌ يَلْسَعُهُ أَوْ يَكُونَ مَسْكَنًا لِلْجِنِّ فَيَتَأَذَّى بِهِمْ، فَقَدْ حُكِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بَالَ فِي جُحْرٍ بِالشَّامِ ثُمَّ اسْتَلْقَى مَيِّتًا فَسُمِعَتْ الْجِنُّ تَقُولُ: نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ ... سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ ... فَلَمْ نُخْطِئْ فُؤَادَهْ وَلَا يَبُولُ فِي مُسْتَحِمِّهِ فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ: سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيَّ يَقُولُ: إنَّمَا هَذَا فِي الْحَفِيرَةِ؛ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَمُغْتَسَلَاتُهُمْ الْجِصُّ وَالصَّارُوجُ وَالْقِيرُ فَإِذَا بَالَ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْبُصَاقَ عَلَى الْبَوْلِ يُورِثُ
الْوَسْوَاسَ، وَإِنَّ الْبَوْلَ عَلَى النَّارِ يُورِثُ السَّقَمَ، وَتَوَقِّي ذَلِكَ كُلِّهِ أَوْلَى. وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ عَلَى مَوْضِعِ بَوْلِهِ، أَوْ يَسْتَنْجِيَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ بِهِ. (230) فَصْلٌ: وَيَعْتَمِدُ فِي حَالِ جُلُوسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، لِمَا رَوَى سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَتَوَكَّأَ عَلَى الْيُسْرَى وَأَنْ نَنْصِبَ الْيُمْنَى» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ؛ وَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ، وَلَا يُطِيلُ الْمُقَامَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّهُ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُورِثُ الْبَاسُورَ وَقِيلَ: إنَّهُ يُدْمِي الْكَبِدَ، وَرُبَّمَا آذَى مَنْ يَنْتَظِرُهُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ، أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وَلِأَنَّهُ حَالَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فَيَسْتَحْيِي فِيهَا. وَيَلْبَسُ حِذَاءَهُ؛ لِئَلَّا تَتَنَجَّسَ رِجْلَاهُ. وَلَا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى حَاجَتِهِ إلَّا بِقَلْبِهِ وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَحْمُودٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَلَنَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ فِي هَذِهِ الْحَالِ، فَذِكْرُ اللَّهِ أَوْلَى. فَإِذَا عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، إنَّهُ يَحْمَدُ اللَّهَ بِلِسَانِهِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ الْوَاجِبَ، فَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَوْلَى. وَلَا يُسَلِّمُ وَلَا يَرُدُّ عَلَى مُسَلِّمٍ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَأَيْتَنِي عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيَّ؛ فَإِنَّك إنْ فَعَلْت ذَلِكَ لَمْ أَرُدَّ عَلَيْك» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَلَا يَتَكَلَّمُ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ، سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتَيْهِمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (231) فَصْلٌ: إذَا أَرَادَ دُخُولَ الْخَلَاءِ وَمَعَهُ شَيْءٌ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى اُسْتُحِبَّ وَضْعُهُ. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَقِيلَ: إنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضَعُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ، فَإِنْ احْتَفَظَ بِمَا مَعَهُ مِمَّا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَاحْتَرَزَ عَلَيْهِ مِنْ السُّقُوطِ، أَوْ أَدَارَ فَصَّ الْخَاتَمِ إلَى بَاطِنِ كَفِّهِ فَلَا بَأْسَ. قَالَ أَحْمَدُ. الْخَاتَمُ إذَا كَانَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ يَجْعَلُهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ، وَيَدْخُلُ الْخَلَاءَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: اقْلِبْهُ هَكَذَا فِي بَاطِنِ كَفِّك فَاقْبِضْ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَرَخَّصَ فِيهِ ابْنُ الْمُسَيِّبِ،
وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ وَمَعَهُ الدَّرَاهِمُ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. (232) فَصْلٌ: وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي الدُّخُولِ، وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوجِ وَيَقُولُ عِنْدَ دُخُولِهِ بِسْمِ اللَّهِ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ، وَمِنْ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. قَالَ أَحْمَدُ يَقُولُ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ، وَمَا دَخَلْت قَطُّ الْمُتَوَضَّأَ وَلَمْ أَقُلْهَا إلَّا أَصَابَنِي مَا أَكْرَهُ، وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سِتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ» وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إذَا دَخَلَ مِرْفَقَهُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الرِّجْسِ النَّجِسِ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» . رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْخُبْثُ بِسُكُونِ الْبَاءِ الشَّرُّ وَالْخَبَائِثُ الشَّيَاطِينُ. وَقِيلَ الْخُبْثُ، بِضَمِّ الْبَاءِ وَالْخَبَائِثُ: ذُكْرَانُ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثُهُمْ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ غُفْرَانَك الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي. وَرَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ غُفْرَانَك الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ غُفْرَانَك» قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. (233) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبُولَ فِي الْإِنَاءِ قَالَتْ أُمَيْمَةُ بِنْتُ رُقَيْقَةَ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ يَبُولُ فِيهِ، وَيَضَعُهُ تَحْتَ السَّرِيرِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
باب ما ينقض الطهارة
[بَابُ مَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ] [مَسْأَلَة الَّذِي يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ مَا خَرَجَ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ] َ (234) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: وَاَلَّذِي يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ مَا خَرَجَ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ. وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُعْتَادٍ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالرِّيحِ، فَهَذَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إجْمَاعًا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الْغَائِطِ مِنْ الدُّبُرِ وَخُرُوجَ الْبَوْلِ مِنْ ذَكَرِ الرَّجُلِ وَقُبُلِ الْمَرْأَةِ وَخُرُوجَ الْمَذْيِ، وَخُرُوجَ الرِّيحِ مِنْ الدُّبُرِ أَحْدَاثٌ يَنْقُضُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا الطَّهَارَةَ، وَيُوجِبُ الْوُضُوءَ، وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا فِي قَوْلِ رَبِيعَةَ. الضَّرْبُ الثَّانِي: نَادِرٌ كَالدَّمِ وَالدُّودِ وَالْحَصَا وَالشَّعْرِ فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَيْضًا، وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَكَانَ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَأَبُو مِجْلَزٍ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ، يَرَوْنَ الْوُضُوءَ مِنْ الدُّودِ يَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ، وَلَمْ يُوجِبْ مَالِكٌ الْوُضُوءَ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ لِأَنَّهُ نَادِرٌ، أَشْبَهَ الْخَارِجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ. وَلَنَا أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ أَشْبَهَ الْمَذْيَ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ بِلَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ، فَيَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِهَا، وَقَدْ «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُسْتَحَاضَةَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَدَمُهَا نَادِرٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ.» [فَصْل الْمَرْأَةِ يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِهَا الرِّيحُ هَلْ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ] (235) فَصْلٌ: وَقَدْ نَقَلَ صَالِحٌ، عَنْ أَبِيهِ " فِي الْمَرْأَةِ يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِهَا الرِّيحُ: مَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ فَفِيهِ الْوُضُوءُ. وَقَالَ الْقَاضِي: خُرُوجُ الرِّيحِ مِنْ الذَّكَرِ وَقُبُلِ الْمَرْأَةِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. وَقَالَ ابْنُ عُقَيْلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا فِي الرِّيحِ يَخْرُجُ مِنْ الذَّكَرِ أَنْ لَا يَنْقُضَ؛ لِأَنَّ الْمَثَانَةَ لَيْسَ لَهَا مَنْفَذٌ إلَى الْجَوْفِ، وَلَا جَعَلَهَا أَصْحَابُنَا جَوْفًا، وَلَمْ يُبْطِلُوا الصَّوْمَ بِالْحُقْنَةِ فِيهِ، وَلَا نَعْلَمُ لِهَذَا وُجُودًا، وَلَا نَعْلَمُ وُجُودَهُ فِي حَقِّ أَحَدٍ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُعْلَمُ وُجُودُهُ بِأَنْ يُحِسَّ الْإِنْسَانُ فِي ذَكَرِهِ دَبِيبًا. وَهَذَا لَا يَصِحُّ فَإِنَّ هَذَا لَا يَحْصُلُ بِهِ الْيَقِينُ وَالطَّهَارَةُ لَا تَنْتَقِضُ بِالشَّكِّ. فَإِنْ قُدِّرَ وُجُودُ ذَلِكَ يَقِينًا نَقَضَ الطَّهَارَةَ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ، فَنَقَضَ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْخَوَارِجِ. [فَصْل قَطَّرَ فِي إحْلِيلِهِ دُهْنًا ثُمَّ عَادَ فَخَرَجَ] (236) فَصْلٌ: وَإِنْ قَطَّرَ فِي إحْلِيلِهِ دُهْنًا، ثُمَّ عَادَ فَخَرَجَ نَقَضَ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ، وَلَا يَخْلُو مِنْ بِلَّةٍ نَجِسَةٍ تَصْحَبُهُ فَيَنْتَقِضُ بِهَا الْوُضُوءُ، كَمَا لَوْ خَرَجَتْ مُنْفَرِدَةً. وَلَوْ احْتَشَى قُطْنًا فِي ذَكَرِهِ ثُمَّ خَرَجَ وَعَلَيْهِ بَلَلٌ، نَقَضَ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ مُنْفَرِدًا لَنَقَضَ، فَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ مَعَ غَيْرِهِ. فَإِنْ خَرَجَ نَاشِفًا، فَفِيهِ وَجْهَانِ
فصل رجل به علة ربما ظهرت مقعدته هل ينتقض وضوئه
أَحَدُهُمَا، يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْخَوَارِجِ. وَالثَّانِي لَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْمَثَانَةِ وَالْجَوْفِ مَنْفَذٌ، فَلَا يَكُونُ خَارِجًا مِنْ الْجَوْفِ. وَلَوْ احْتَقَنَ فِي دُبُرِهِ، فَرَجَعَتْ أَجْزَاءٌ خَرَجَتْ مِنْ الْفَرْجِ، نَقَضَتْ الْوُضُوءَ. وَهَكَذَا لَوْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ دُونَ الْفَرْجِ فَدَبَّ مَاؤُهُ، فَدَخَلَ الْفَرْجَ، ثُمَّ خَرَجَ نَقَضَ الْوُضُوءَ، وَعَلَيْهِمَا الِاسْتِنْجَاءُ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ لَا يَخْلُو مِنْ بِلَّةٍ تَصْحَبُهُ مِنْ الْفَرْجِ. فَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهُ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، النَّقْضُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْخُرُوجِ، فَنَقَضَ كَالنَّوْمِ. وَالثَّانِي لَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مُتَيَقَّنَةٌ، فَلَا تَزُولُ عَنْهَا بِالشَّكِّ لَكِنْ إنْ كَانَ الْمُحْتَقِنُ قَدْ أَدْخَلَ رَأْسَ الزَّرَّاقَةِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ، نَقَضَ الْوُضُوءَ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَدْخَلَ فِيهِ مِيلًا أَوْ غَيْرَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ نَقَضَ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ، فَنَقَضَ، كَسَائِرِ الْخَارِجِ. [فَصْل رَجُلٌ بِهِ عِلَّةٌ رُبَّمَا ظَهَرَتْ مَقْعَدَتُهُ هَلْ يُنْتَقَضُ وُضُوئِهِ] (237) فَصْلٌ: قَالَ أَبُو الْحَارِثِ سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ بِهِ عِلَّةٌ رُبَّمَا ظَهَرَتْ مَقْعَدَتُهُ؟ قَالَ: إنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَظْهَرُ مَعَهَا نَدًى تَوَضَّأَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَرَادَ نَدًى يَنْفَصِلُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ مُتَّصِلٌ فَنَقَضَ كَالْخَارِجِ عَلَى الْحَصَى، فَأَمَّا الرُّطُوبَةُ اللَّازِمَةُ لَهَا فَلَا تَنْقُضُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْ رُطُوبَةٍ، فَلَوْ نَقَضَتْ لَنَقَضَ خُرُوجُهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ وَلِأَنَّهُ شَيْءٌ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهَا، فَلَمْ يَنْقُضْ كَسَائِرِ أَجْزَائِهَا، وَقَدْ قَالُوا فِيمَنْ أَخْرَجَ لِسَانَهُ وَعَلَيْهِ بَلَلٌ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ وَابْتَلَعَ ذَلِكَ الْبَلَلَ: أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الِانْفِصَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْل الْمَذْي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ] (238) فَصْلٌ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَذْيَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَهُوَ مَا يَخْرُجُ زَلِجًا مُتَسَبْسِبًا عِنْدَ الشَّهْوَةِ، فَيَكُونُ عَلَى رَأْسِ الذَّكَرِ. وَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ فِي حُكْمِهِ فَرُوِيَ أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَغَسْلَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَيْت أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْت الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ، وَيَتَوَضَّأُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ: " يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَك " وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ؛ وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ، فَأَوْجَبَ غَسْلًا زَائِدًا عَلَى مُوجِبِ الْبَوْلِ كَالْمَنِيِّ، فَعَلَى هَذَا يُجْزِئُهُ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ غَسْلٌ مُطْلَقٌ فَيُوجِبُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْغَسْلِ، وَقَدْ ثَبَتَ
مسألة خروج البول والغائط من غير مخرجهما
فِي قَوْلِهِ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ: " وَانْضَحْ فَرْجَك وَسَوَاءٌ غَسَلَهُ قَبْلَ الْوُضُوءِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ غَسْلٌ غَيْرُ مُرْتَبِطٍ بِالْوُضُوءِ، فَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ، كَغُسْلِ النَّجَاسَةِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ وَالْوُضُوءِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، قَالَ «كُنْت أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ شِدَّةً وَعَنَاءً، فَكُنْت أُكْثِرُ مِنْهُ الِاغْتِسَالَ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّمَا يُجْزِئُك مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ لَا يُوجِبُ الِاغْتِسَالَ، فَأَشْبَهَ الْوَدْيَ، وَالْأَمْرُ بِالنَّضْحِ وَغَسْلِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ. وَقَوْلُهُ " إنَّمَا يُجْزِئُك مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ ". صَرِيحٌ فِي حُصُولِ الْإِجْزَاءِ بِالْوُضُوءِ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ. فَأَمَّا الْوَدْيُ، فَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ ثَخِينٌ، يَخْرُجُ بَعْدَ الْبَوْلِ كَدِرًا، فَلَيْسَ فِيهِ وَفِي بَقِيَّةِ الْخَوَارِجِ إلَّا الْوُضُوءُ. رُوِيَ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْمَنِيُّ وَالْوَدْيُ وَالْمَذْيُ أَمَّا الْمَنِيُّ فَفِيهِ الْغُسْلُ، وَأَمَّا الْمَذْيُ وَالْوَدْيُ فَفِيهِمَا إسْبَاغُ الطُّهُورِ. [مَسْأَلَة خُرُوجُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِهِمَا] (239) مَسْأَلَةٌ: قَالَ وَخُرُوجُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِهِمَا لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ أَنَّ الْغَائِطَ وَالْبَوْلَ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِخُرُوجِهِمَا مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَمِنْ غَيْرِهِمَا، وَيَسْتَوِي قَلِيلُهُمَا وَكَثِيرُهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ السَّبِيلَانِ مُنْسَدَّيْنِ أَوْ مَفْتُوحَيْنِ مِنْ فَوْقِ الْمَعِدَةِ أَوْ مِنْ تَحْتِهَا وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ، وَانْفَتَحَ آخَرُ دُونَ الْمَعِدَةِ، لَزِمَ الْوُضُوءُ بِالْخَارِجِ مِنْهُ قَوْلًا وَاحِدًا. وَإِنْ انْفَتَحَ فَوْقَ الْمَعِدَةِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا، يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَالثَّانِي لَا يَنْقُضُهُ. وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَادُ بَاقِيًا، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِالْخَارِجِ مِنْ غَيْرِهِ، وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا يَنْقُضُ. وَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6] وَقَوْلُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ، أَوْ سَفْرًا، أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَحَقِيقَةُ الْغَائِطِ: الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ، سُمِّيَ الْخَارِجُ بِهِ لِمُجَاوَرَتِهِ إيَّاهُ. فَإِنَّ الْمُتَبَرِّزَ يَتَحَرَّاهُ لِحَاجَتِهِ، كَمَا سُمِّيَ عَذِرَةً، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ فِنَاءُ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُطْرَحُ بِالْأَفْنِيَةِ، فَسُمِّيَ بِهَا لِلْمُجَاوَرَةِ. وَهَذَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ الَّتِي صَارَ الْمَجَازُ فِيهَا أَشْهَرَ مِنْ الْحَقِيقَةِ، وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَجَازُ وَيُحْمَلُ
مسألة زوال العقل هل ينقض الوضوء
عَلَيْهِ الْكَلَامُ لِشُهْرَتِهِ؛ وَلِأَنَّ الْخَارِجَ غَائِطٌ وَبَوْلٌ، فَنَقَضَ، كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ السَّبِيلِ. [مَسْأَلَة زَوَالُ الْعَقْلِ هَلْ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ] (240) مَسْأَلَةٌ: (قَالَ: وَزَوَالُ الْعَقْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِنَوْمٍ يَسِيرٍ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا) زَوَالُ الْعَقْلِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: نَوْمٍ، وَغَيْرِهِ فَأَمَّا غَيْرُ النَّوْمِ، وَهُوَ الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاء وَالسُّكْرُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الْمُزِيلَةِ لِلْعَقْلِ، فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ يَسِيرُهُ وَكَثِيرُهُ إجْمَاعًا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ هَؤُلَاءِ حِسُّهُمْ أَبْعَدُ مِنْ حِسِّ النَّائِمِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ لَا يَنْتَبِهُونَ بِالِانْتِبَاهِ، فَفِي إيجَابِ الْوُضُوءِ عَلَى النَّائِمِ تَنْبِيهٌ عَلَى وُجُوبِهِ بِمَا هُوَ آكَدُ مِنْهُ. الضَّرْبُ الثَّانِي: النَّوْمُ، وَهُوَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ فِي الْجُمْلَةِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَحُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ مِرَارًا مُضْطَجِعًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ. وَلَعَلَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِي نَفْسِهِ، وَالْحَدَثُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ. وَلَنَا: قَوْلُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ: " لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ " وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ صَحِيحٌ وَرَوَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّ النَّوْمَ مَظِنَّةُ الْحَدَثِ، فَأُقِمْ مَقَامَهُ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ أُقِيمَ مَقَامَ الْإِنْزَالِ. (241) فَصْلٌ: وَالنَّوْمُ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ نَوْمُ الْمُضْطَجِعِ، فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ يَسِيرُهُ وَكَثِيرُهُ، فِي قَوْلِ كُلِّ مَنْ يَقُولُ بِنَقْضِهِ بِالنَّوْمِ. الثَّانِي نَوْمُ الْقَاعِدِ، إنْ كَانَ كَثِيرًا نَقَضَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يَنْقُضْ. وَهَذَا قَوْلُ حَمَّادٍ وَالْحَكَمِ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَنْقُضُ وَإِنْ كَثُرَ إذَا كَانَ الْقَاعِدُ مُتَّكِئًا مُفْضِيًا بِمَحَلِّ الْحَدَثِ إلَى الْأَرْضِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ، قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. يَنَامُونَ ثُمَّ يَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ، وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي لَفْظٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِهِمْ وَبِهِ يَتَخَصَّصُ عُمُومُ الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ. وَلِأَنَّهُ مُتَحَفِّظٌ عَنْ خُرُوجِ الْحَدَثِ، فَلَمْ يَنْقُضْ وُضُوءَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ نَوْمُهُ يَسِيرًا. وَلَنَا: عُمُومُ الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَإِنَّمَا خَصَّصْنَاهُمَا فِي الْيَسِيرِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ، وَلَيْسَ فِيهِ بَيَانُ كَثْرَةٍ وَلَا قِلَّةٍ فَإِنَّ النَّائِمَ يَخْفِقُ رَأْسُهُ مِنْ يَسِيرِ النَّوْمِ، فَهُوَ يَقِينٌ فِي الْيَسِيرِ، فَيُعْمَلُ بِهِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ
مُحْتَمَلٌ لَا يُتْرَكُ لَهُ الْعُمُومُ الْمُتَيَقَّنُ؛ وَلِأَنَّ نَقْضَ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ يُعَلَّلُ بِإِفْضَائِهِ إلَى الْحَدَثِ وَمَعَ الْكَثْرَةِ وَالْغَلَبَةِ يُفْضِي إلَيْهِ، وَلَا يُحِسُّ بِخُرُوجِهِ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْيَسِيرِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْكَثِيرِ عَلَى الْيَسِيرِ، لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْإِفْضَاءِ إلَى الْحَدَثِ. الثَّالِثُ مَا عَدَا هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ وَهُوَ نَوْمُ الْقَائِمِ وَالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا يَنْقُضُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي تَخْصِيصِهِ مِنْ عُمُومِ أَحَادِيثِ النَّقْضِ نَصٌّ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، لِكَوْنِ الْقَاعِدِ مُتَحَفِّظًا، لِاعْتِمَادِهِ بِمَحَلِّ الْحَدَثِ إلَى الْأَرْضِ، وَالرَّاكِعُ وَالسَّاجِدُ يَنْفَرِجُ مَحَلُّ الْحَدَثِ مِنْهُمَا. وَالثَّانِيَةُ لَا يَنْقُضُ إلَّا إذَا كَثُرَ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ النَّوْمَ فِي حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ لَا يَنْقُضُ وَإِنْ كَثُرَ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْجُدُ وَيَنَامُ وَيَنْفُخُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي، فَقُلْت لَهُ: صَلَّيْت وَلَمْ تَتَوَضَّأْ وَقَدْ نِمْت، فَقَالَ: إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا؛ فَإِنَّهُ إذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّهُ حَالٌ مِنْ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ. فَأَشْبَهَتْ حَالَ الْجُلُوسِ، وَالظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْتَبِهَانِ فِي الِانْخِفَاضِ وَاجْتِمَاعِ الْمَخْرَجِ، وَرُبَّمَا كَانَ الْقَائِمُ أَبْعَدَ مِنْ الْحَدَثِ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِثْقَالِ فِي النَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَثْقَلَ لَسَقَطَ. وَالظَّاهِرُ عَنْهُ فِي السَّاجِدِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُضْطَجِعِ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَرِجُ مَحَلُّ الْحَدَثِ، وَيَعْتَمِدُ بِأَعْضَائِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَتَهَيَّأُ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ فَأَشْبَهَ الْمُضْطَجِعَ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرُوهُ مُنْكَرٌ. قَالَهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ، وَهُوَ مُرْسَلٌ يَرْوِيهِ قَتَادَةُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ. قَالَ شُعْبَةُ: لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ إلَّا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا. (242) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْقَاعِدِ الْمُسْتَنِدِ وَالْمُحْتَبِي. فَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ يَسِيرُهُ. قَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْت أَحْمَدَ قِيلَ لَهُ: الْوُضُوءُ مِنْ النَّوْمِ؟ قَالَ إذَا طَالَ. قِيلَ: فَالْمُحْتَبِي؟ قَالَ: يَتَوَضَّأُ. قِيلَ: فَالْمُتَّكِئُ؟ قَالَ. الِاتِّكَاءُ شَدِيدٌ، وَالْمُتَسَانِدُ كَأَنَّهُ أَشَدُّ. يَعْنِي مِنْ الِاحْتِبَاءِ. وَرَأَى مِنْهَا كُلِّهَا الْوُضُوءَ، إلَّا أَنْ يَغْفُوَ. يَعْنِي قَلِيلًا. وَعَنْهُ: يَنْقُضُ. يَعْنِي بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَمِدٌ عَلَى شَيْءٍ، فَهُوَ كَالْمُضْطَجِعِ. وَالْأَوْلَى أَنَّهُ مَتَى كَانَ مُعْتَمِدًا بِمَحَلِّ الْحَدَثِ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ لَا يَنْقُضَ مِنْهُ إلَّا الْكَثِيرُ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ انْتِفَاءِ النَّقْضِ فِي الْقَاعِدِ لَا تَفْرِيقَ فِيهِ فَيُسَوِّي بَيْنَ أَحْوَالِهِ. (243) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَحْدِيدِ الْكَثِيرِ مِنْ النَّوْمِ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لِلْقَلِيلِ حَدٌّ
مسألة الارتداد عن الإسلام ينقض الوضوء
يُرْجَعُ إلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ. وَقِيلَ: حَدُّ الْكَثِيرِ مَا يَتَغَيَّرُ بِهِ النَّائِمُ عَنْ هَيْئَتِهِ، مِثْلُ أَنْ يَسْقُطَ عَلَى الْأَرْضِ، وَمِنْهَا أَنْ يَرَى حُلْمًا. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ لِأَنَّ التَّحْدِيدَ إنَّمَا يُعْلَمُ بِتَوْقِيفٍ، وَلَا تَوْقِيفَ فِي هَذَا، فَمَتَى وَجَدْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ، مِثْلُ سُقُوطِ الْمُتَمَكِّنِ وَغَيْرِهِ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ. وَإِنْ شَكَّ فِي كَثْرَتِهِ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مُتَيَقِّنَةٌ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ. (244) فَصْلٌ: وَمَنْ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى عَقْلِهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ الْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} [البقرة: 255] السِّنَةُ: ابْتِدَاءُ النُّعَاسِ فِي الرَّأْسِ، فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْقَلْبِ صَارَ نَوْمًا قَالَ الشَّاعِرُ: وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ ... فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ وَلِأَنَّ النَّاقِضَ زَوَالُ الْعَقْلِ، وَمَتَى كَانَ الْعَقْلُ ثَابِتًا وَحِسُّهُ غَيْرَ زَائِلٍ مِثْلُ مَنْ يَسْمَعُ مَا يُقَالُ عِنْدَهُ وَيَفْهَمُهُ، فَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُ النَّقْضِ فِي حَقِّهِ. وَإِنْ شَكَّ هَلْ نَامَ أَمْ لَا، أَوْ خَطِرَ بِبَالِهِ شَيْءٌ لَا يَدْرِي أَرُؤْيَا أَوْ حَدِيثُ نَفْسٍ، فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ. [مَسْأَلَة الِارْتِدَادُ عَنْ الْإِسْلَامِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ] (245) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالِارْتِدَادُ عَنْ الْإِسْلَامِ. وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرِّدَّةَ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَتُبْطِلُ التَّيَمُّمَ. وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ. وَهِيَ الْإِتْيَانُ بِمَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ؛ إمَّا نُطْقًا، أَوْ اعْتِقَادًا، أَوْ شَكًّا يَنْقُلُ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَمَتَى عَاوَدَ إسْلَامَهُ وَرَجَعَ إلَى دِينِ الْحَقِّ، فَلَيْسَ لَهُ الصَّلَاةُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا قَبْلَ رِدَّتِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَبْطُلُ الْوُضُوءُ بِذَلِكَ، وَلِلشَّافِعِيِّ فِي بُطْلَانِ التَّيَمُّمِ بِهِ قَوْلَانِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [البقرة: 217] فَشَرَطَ الْمَوْتَ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ فَلَا تَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ، كَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ. وَلَنَا: قَوْله تَعَالَى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] وَالطَّهَارَةُ عَمَلٌ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ حُكْمًا تَبْطُلُ بِمُبْطِلَاتِهَا فَيَجِبُ أَنْ تَحْبَطَ بِالشِّرْكِ؛ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الْحَدَثُ فَأَفْسَدَهَا الشِّرْكُ، كَالصَّلَاةِ وَالتَّيَمُّمِ؛ وَلِأَنَّ الرِّدَّةَ حَدَثٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْحَدَثُ حَدَثَانِ؛ حَدَثُ اللِّسَانِ، وَحَدَثُ الْفَرْجِ، وَأَشَدُّهُمَا حَدَثُ اللِّسَانِ. وَإِذَا أَحْدَثَ لَمْ تُقْبَلْ صَلَاتُهُ بِغَيْرِ وُضُوءٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمَا ذَكَرُوهُ تَمَسُّكٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ شَرَطَ الْمَوْتَ لِجَمِيعِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ، وَهُوَ حُبُوطُ الْعَمَلِ وَالْخُلُودُ فِي النَّارِ، وَأَمَّا غُسْلُ الْجَنَابَةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْإِبْطَالُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ يُوجِبُهُ، وَهُنَا يَجِبُ الْغُسْلُ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ الْغُسْلَ.
فصل لا ينقض الوضوء ما عدا الردة من الكلام
[فَصْل لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَا عَدَا الرِّدَّةَ مِنْ الْكَلَامِ] (246) فَصْلٌ: وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَا عَدَا الرِّدَّةَ مِنْ الْكَلَامِ مِنْ الْكَذِبِ، وَالْغِيبَةِ، وَالرَّفَثِ وَالْقَذْفِ وَغَيْرِهَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ مَنْ نَحْفَظُ قَوْلَهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْقَذْفَ، وَقَوْلَ الزُّورِ، وَالْكَذِبَ، وَالْغِيبَةَ لَا تُوجِبُ طَهَارَةً، وَلَا تَنْقُضُ وُضُوءًا، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوَائِلِ أَنَّهُمْ أَمَرُوا بِالْوُضُوءِ مِنْ الْكَلَامِ الْخَبِيثِ، وَذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ عِنْدَنَا مِمَّنْ أَمَرَ بِهِ، وَلَا نَعْلَمُ حُجَّةً تُوجِبُ وُضُوءًا فِي شَيْءٍ مِنْ الْكَلَامِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِاَللَّاتِي وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . وَلَمْ يَأْمُرْ فِي ذَلِكَ بِوُضُوءِ. [فَصْل لَيْسَ فِي الْقَهْقَهَةِ وُضُوءٌ] فَصْلٌ: وَلَيْسَ فِي الْقَهْقَهَةِ وُضُوءٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُرْوَةَ وَعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ الْقَهْقَهَةِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ دُونَ خَارِجِهَا. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ؛ لِمَا رَوَى أَبُو الْعَالِيَةِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي، فَجَاءَ ضَرِيرٌ فَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَضَحِكَ طَوَائِفُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِينَ ضَحِكُوا أَنْ يُعِيدُوا الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» . وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ بِأَسَانِيدَ ضِعَافٍ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى أَبِي الْعَالِيَةِ، كَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَلَنَا: أَنَّهُ مَعْنًى لَا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَلَمْ يُبْطِلْهُ دَاخِلَهَا كَالْكَلَامِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَلَا يُفْضِي إلَيْهِ. فَأَشْبَهَ سَائِرَ مَا لَا يُبْطِلُ؛ وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّارِعِ، وَلَمْ يُنَصَّ عَنْ الشَّارِعِ فِي هَذَا إيجَابُ الْوُضُوءِ، وَلَا فِي شَيْءٍ يُقَاسُ هَذَا عَلَيْهِ، وَمَا رَوَوْهُ مُرْسَلٌ لَا يَثْبُتُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا تَأْخُذُوا بِمَرَاسِيلِ الْحَسَنِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ فَإِنَّهُمَا لَا يُبَالِيَانِ عَمَّنْ أَخَذَا. وَالْمُخَالِفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَرُدُّ الْأَخْبَارَ الصَّحِيحَةَ لِمُخَالَفَتِهَا الْأُصُولَ، فَكَيْفَ يُخَالِفُهَا هَاهُنَا بِهَذَا الْخَبَرِ الضَّعِيفِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ. [مَسْأَلَة مَسُّ الْفَرْجِ] (248) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَسُّ الْفَرْجِ. الْفَرْجُ اسْمٌ لِمَخْرَجِ الْحَدَثِ، وَيَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالدُّبُرَ وَقُبُلَ الْمَرْأَةِ، وَفِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ؛ فَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ مُفَصَّلًا: وَنَبْدَأُ بِالْكَلَامِ فِي مَسِّ الذَّكَرِ، فَإِنَّهُ آكَدُهَا. فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ،
وَعُرْوَةَ وَسُلَيْمَانِ بْنِ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ سِيرِينَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا وُضُوءَ فِيهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَعِمْرَانِ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ لِمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «قَدِمْنَا عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَمَا يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ وَهَلْ هُوَ إلَّا بِضْعَةٌ مِنْك أَوْ مُضْغَةٌ مِنْك» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْهُ، فَكَانَ كَسَائِرِهِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا رَوَتْ بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَعَنْ جَابِرٍ مِثْلُ ذَلِكَ وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَأَبِي أَيُّوبَ قَالَا: سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ أَحْمَدُ حَدِيثُ بُسْرَةَ وَحَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ صَحِيحَانِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ بُسْرَةَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ بُسْرَةَ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ أَيْضًا صَحِيحٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -. فَأَمَّا خَبَرُ قَيْسٍ فَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ: قَيْسٌ مِمَّنْ لَا تَقُومُ بِرِوَايَتِهِ حُجَّةٌ ثُمَّ إنَّ حَدِيثَنَا مُتَأَخِّرٌ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ رَوَاهُ، وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، صَحِبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَ سِنِينَ، وَكَانَ قُدُومُ طَلْقٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ يُؤَسِّسُونَ الْمَسْجِدَ أَوَّلَ زَمَنِ الْهِجْرَةِ، فَيَكُونُ حَدِيثُنَا نَاسِخًا لَهُ. وَقِيَاسُ الذَّكَرِ عَلَى سَائِرِ الْبَدَنِ لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّهُ تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ يَنْفَرِدُ بِهَا؛ مِنْ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِإِيلَاجِهِ وَالْحَدِّ وَالْمَهْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. (249) فَصْلٌ: فَعَلَى رِوَايَةِ النَّقْضِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَغَيْرِهِ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو أَيُّوبَ وَأَبُو خَيْثَمَةَ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ إلَّا بِمَسِّهِ قَاصِدًا مَسَّهُ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: قِيلَ لِأَحْمَدَ الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ: فَقَالَ: هَكَذَا - وَقَبَضَ عَلَى يَدِهِ - يَعْنِي إذَا قَبَضَ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَكْحُولٍ وَطَاوُسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالُوا: إنْ مَسَّهُ يُرِيدُ وُضُوءًا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْسٌ، فَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَلَمْسِ النِّسَاءِ. (250) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَطْنِ الْكَفِّ وَظَهْرِهِ. وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ
وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ: لَا يَنْقُضُ مَسُّهُ إلَّا بِبَاطِنِ كَفِّهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْكَفِّ لَيْسَ بِآلَةٍ لِلْمَسِّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَسَّهُ بِفَخِذِهِ. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إلَى فَرْجِهِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَفِي لَفْظٍ: «إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ إلَى ذَكَرِهِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَظَاهِرُ كَفِّهِ مِنْ يَدِهِ، وَالْإِفْضَاءُ: اللَّمْسُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ؛ وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ يَدِهِ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ الْمُعَلَّقَةُ عَلَى مُطْلَقِ الْيَدِ، فَأَشْبَهَ بَاطِنَ الْكَفِّ. (251) فَصْلٌ: وَلَا يَنْقُضُ مَسُّهُ بِذِرَاعِهِ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ يَدِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ عَلَى مُطْلَقِ الْيَدِ فِي الشَّرْعِ لَا يَتَجَاوَزُ الْكُوعَ، بِدَلِيلِ قَطْعِ السَّارِقِ، وَغَسْلِ الْيَدِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، وَالْمَسْحِ فِي التَّيَمُّمِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ غَسْلُهُ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَهُ بِالْمَرَافِقِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِآلَةٍ لِلْمَسِّ، أَشْبَهَ الْعَضُدَ، وَكَوْنُهُ مِنْ يَدِهِ يَبْطُلُ بِالْعَضُدِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ. (252) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَكَرِهِ وَذَكَرِ غَيْرِهِ، وَقَالَ دَاوُد: لَا يَنْقُضُ مَسُّ ذَكَرِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَالْأَخْبَارُ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي ذَكَرِ نَفْسِهِ، فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ مَسَّ ذَكَرِ غَيْرِهِ مَعْصِيَةٌ، وَأَدْعَى إلَى الشَّهْوَةِ، وَخُرُوجُ الْخَارِجِ، وَحَاجَةُ الْإِنْسَانِ تَدْعُو إلَى مَسِّ ذَكَرِ نَفْسِهِ، فَإِذَا انْتَقَضَ بِمَسِّ ذَكَرِ نَفْسِهِ فَبِمَسِّ ذَكَرِ غَيْرِهِ أَوْلَى، وَهَذَا تَنْبِيهٌ يُقَدَّمُ عَلَى الدَّلِيلِ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ خَبَرِ بُسْرَةَ: " مَنْ مَسَّ الذَّكَرَ فَلْيَتَوَضَّأْ ". (253) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَكَرِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَعَنْ الزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ: لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ مَسَّ ذَكَرَ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ مَسُّهُ وَالنَّظَرُ إلَيْهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَبَّلَ زُبَيْبَةَ الْحَسَنِ، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَّ زُبَيْبَةَ الْحَسَنِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» . وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ: " مَنْ مَسَّ الذَّكَرَ فَلْيَتَوَضَّأْ " وَلِأَنَّهُ ذَكَرٌ آدَمِيٌّ مُتَّصِلٌ بِهِ، أَشْبَهَ الْكَبِيرَ، وَالْخَبَرُ لَيْسَ بِثَابِتٍ. ثُمَّ إنَّ نَقْضَ اللَّمْسِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ الْقُبْلَةِ نَاقِضَةً. ثُمَّ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ فِي مَجْلِسِهِ، وَجَوَازُ اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ يَبْطُلُ بِذَكَرِ نَفْسِهِ. (254) فَصْلٌ: وَفَرْجُ الْمَيِّتِ كَفَرْجِ الْحَيِّ لِبَقَاءِ الِاسْمِ وَالْحُرْمَةِ، لِاتِّصَالِهِ بِجُمْلَةِ الْآدَمِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ. وَفِي الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَنْقُضُ؛ لِبَقَاءِ اسْمِ الذَّكَرِ. وَالْآخَرُ لَا يَنْقُضُ؛ لِذَهَابِ الْحُرْمَةِ، وَعَدَمِ الشَّهْوَةِ بِمَسِّهِ، فَأَشْبَهَ
ثِيلَ الْجَمَلِ. وَلَوْ مَسَّ الْقُلْفَةَ الَّتِي تُقْطَعُ فِي الْخِتَانِ قَبْلَ قَطْعِهَا، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِلْدَةِ الذَّكَرِ. وَإِنْ مَسَّهَا بَعْدَ الْقَطْعِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ؛ لِزَوَالِ الِاسْمِ وَالْحُرْمَةِ. (255) فَصْلٌ: فَأَمَّا مَسُّ حَلْقَةِ الدُّبُرِ، فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ أَيْضًا: إحْدَاهُمَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. قَالَ الْخَلَّالُ: الْعَمَلُ وَالْأَشْيَعُ فِي قَوْلِهِ وَحُجَّتِهِ، أَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ مَسِّ الدُّبُرِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ الْحَدِيثِ: " مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ " وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ مَسَّهُ، وَلَا يُفْضِي إلَى خُرُوجِ خَارِجٍ. وَالثَّانِيَةُ يَنْقُضُ. نَقَلَهَا أَبُو دَاوُد. وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: " مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ " وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْفَرْجَيْنِ، أَشْبَهَ الذَّكَرَ. (256) فَصْلٌ: وَفِي مَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا أَيْضًا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا يَنْقُضُ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: " مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ " وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ» وَلِأَنَّهَا آدَمِيٌّ مَسَّ فَرْجَهُ، فَانْتَقَضَ وُضُوءُهُ كَالرَّجُلِ. وَالْأُخْرَى لَا يَنْتَقِضُ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَالْجَارِيَةُ إذَا مَسَّتْ فَرْجَهَا أَعَلَيْهَا وُضُوءٌ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِي هَذَا بِشَيْءٍ. قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ " فَتَبَسَّمَ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ الزُّبَيْدِيِّ، وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بِذَاكَ؛ وَلِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ فِي مَسِّ الذَّكَرِ، وَلَيْسَ مَسُّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا فِي مَعْنَاهُ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَدْعُو إلَى خُرُوجِ خَارِجٍ، فَلَمْ يَنْقُضْ. (257) فَصْلٌ: فَأَمَّا لَمْسُ فَرْجِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ اللَّمْسُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ؛ فَإِنْ كَانَ اللَّمْسُ مِنْهُ فَلَمَسَ أَحَدَ فَرْجَيْهِ، لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَلْمُوسُ خِلْقَةً زَائِدَةً. وَإِنْ لَمَسَهُمَا جَمِيعًا، وَقُلْنَا: لَا يَنْقُضُ وُضُوءَ الْمَرْأَةِ مَسُّ فَرْجِهَا. لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً مَسَّتْ فَرْجَهَا، أَوْ خِلْقَةً زَائِدَةً، وَإِنْ قُلْنَا: يَنْقُضُ. انْتَقَضَ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فَرْجًا، وَإِنْ كَانَ اللَّامِسُ رَجُلًا، فَمَسَّ الذَّكَرَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ. وَإِنْ مَسَّهُ لِشَهْوَةِ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ فِي ظَاهِرِ
فصل لا ينتقض الوضوء بمس ما عدا الفرجين من سائر البدن
الْمَذْهَبِ؛ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ مَسَّهُ وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ مَسَّهَا لِشَهْوَةِ. وَإِنْ مَسَّ قُبُلَ الْمَرْأَةِ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ خِلْقَةً زَائِدَةً مِنْ رَجُلٍ. وَإِنْ مَسَّهُمَا جَمِيعًا لِشَهْوَةِ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الذَّكَرِ. وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ فِي الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَسَّ ذَكَرَ رَجُلٍ أَوْ فَرْجَ امْرَأَةٍ. وَإِنْ كَانَ اللَّامِسُ امْرَأَةً، فَلَمَسَتْ أَحَدَهُمَا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهَا. وَإِنْ لَمَسَتْ الذَّكَرَ لِشَهْوَةٍ، لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهَا؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ خِلْقَةً زَائِدَةً مِنْ امْرَأَةٍ. فَإِنْ مَسَّتْ فَرْجَ الْمَرْأَةِ لِشَهْوَةٍ، انْبَنَى عَلَى مَسِّ الْمَرْأَةِ الرَّجُلَ لِشَهْوَةٍ، فَإِنْ قُلْنَا يَنْقُضُ. انْتَقَضَ وُضُوءُهَا هَاهُنَا لِذَلِكَ. وَإِلَّا لَمْ يَنْتَقِضْ. وَإِنْ مَسَّتْهُمَا جَمِيعًا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَقُلْنَا: إنَّ مَسَّ فَرْجِ الْمَرْأَةِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. انْتَقَضَ وُضُوءُهَا هَاهُنَا، وَإِلَّا فَلَا. وَإِنْ كَانَ اللَّامِسُ خُنْثَى مُشْكِلًا لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ، إلَّا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْفَرْجَيْنِ فِي اللَّمْسِ. وَلَوْ مَسَّ أَحَدُ الْخُنْثَيَيْنِ ذَكَرَ الْآخَرِ، وَمَسَّ الْآخَرُ فَرْجَهُ، وَكَانَ اللَّمْسُ مِنْهُمَا لِشَهْوَةٍ، أَوْ لِغَيْرِهَا فَلَا وُضُوءَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ يَقِينُ الطَّهَارَةِ بَاقٍ فِي حَقِّهِ، وَالْحَدَثُ مَشْكُوكٌ فِيهِ. فَلَا نَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا امْرَأَتَيْنِ، فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ لَامِسِ الذَّكَرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ، فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ لَامِسِ الْفَرْجِ. وَإِنْ مَسَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَكَرَ الْآخَرِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَا امْرَأَتَيْنِ، وَقَدْ مَسَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خِلْقَةً زَائِدَةً مِنْ الْآخَرِ. وَإِنْ مَسَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُبُلَ الْآخَرِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ. [فَصْل لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّ مَا عَدَا الْفَرْجَيْنِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ] (258) فَصْلٌ: وَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّ مَا عَدَا الْفَرْجَيْنِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ، كَالرَّفْغِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَالْإِبْطِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: مَنْ مَسَّ أُنْثَيَيْهِ فَلْيَتَوَضَّأْ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَنْ مَسَّ مَا بَيْنَ الْفَرْجَيْنِ فَلْيَتَوَضَّأْ. وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي هَذَا وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ، وَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا وَرَدَتْ السُّنَّةُ فِي اللَّامِسِ. وَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّ فَرْجِ بَهِيمَةٍ، وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: مَنْ مَسَّ قُنْبَ (1) حِمَارٍ، عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَمَنْ مَسَّ ثِيلَ جَمَلٍ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ. وَمَا قُلْنَاهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَى النَّقْضِ بِهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِهِ. [مَسْأَلَة الْقَيْءُ الْفَاحِشُ وَالدَّمُ وَالدُّودُ الْفَاحِشُ يَخْرُجُ مِنْ الْجُرُوحِ هَلْ يَنْقَضِ الْوُضُوء] (259) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: الْقَيْءُ الْفَاحِشُ، وَالدَّمُ الْفَاحِشُ وَالدُّودُ الْفَاحِشُ يَخْرُجُ مِنْ الْجُرُوحِ.
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ الْبَدَنِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: طَاهِرًا وَنَجِسًا؛ فَالطَّاهِرُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عَلَى حَالٍ مَا، وَالنَّجِسُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فِي الْجُمْلَةِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَلْقَمَةَ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَكَانَ مَالِكٌ وَرَبِيعَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، لَا يُوجِبُونَ مِنْهُ وُضُوءًا، وَقَالَ مَكْحُولٌ: لَا وُضُوءَ إلَّا فِيمَا خَرَجَ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجِ، مَعَ بَقَاءِ الْمَخْرَجِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ نَقْضُ الطَّهَارَةِ، كَالْبُصَاقِ وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى مَحَلِّ النَّصِّ، وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ، لِكَوْنِ الْحُكْمِ فِيهِ غَيْرَ مُعَلَّلٍ وَلِأَنَّهُ لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَطَاهِرِهِ وَنَجِسِهِ؛ وَهَا هُنَا بِخِلَافِهِ، فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ. وَلَنَا: مَا رَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاءَ فَتَوَضَّأَ، فَلَقِيت ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ ثَوْبَانُ: صَدَقَ، أَنَا صَبَبْت لَهُ وَضُوءَهُ.» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ قِيلَ لِأَحْمَدَ: حَدِيثُ ثَوْبَانَ ثَبَتَ عِنْدَك؟ قَالَ: نَعَمْ. وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " إذَا قَلَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ " قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ ذَلِكَ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، فَنَقَضَ الْوُضُوءَ كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلِ. وَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا انْفَتَحَ مَخْرَجٌ دُونَ الْمَعِدَةِ. (260) فَصْلٌ: وَإِنَّمَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِالْكَثِيرِ مِنْ ذَلِكَ دُونَ الْيَسِيرِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الْيَسِيرَ يَنْقُضُ. وَلَا نَعْرِفُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْخَلَّالُ فِي " جَامِعِهِ " إلَّا فِي الْقَلْسِ، وَاطَّرَحَهَا وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَنْقُضُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الصَّحَابَةِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الدَّمِ: إذَا كَانَ فَاحِشًا فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. وَابْنُ أَبِي أَوْفَى بَزَقَ دَمًا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. وَابْنُ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ دَمٌ، وَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: عِدَّةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ تَكَلَّمُوا فِيهِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ كَانَ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أَنْفِهِ، وَابْنُ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً وَابْنُ أَبِي أَوْفَى عَصَرَ دُمَّلًا وَابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا كَانَ فَاحِشًا. وَجَابِرٌ أَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِي أَنْفِهِ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ أَدْخُلَ أَصَابِعَهُ الْعَشَرَةَ فِي أَنْفِهِ، وَأَخْرَجَهَا مُتَلَطِّخَةً بِالدَّمِ. يَعْنِي: وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا سَالَ الدَّمُ فَفِيهِ الْوُضُوءُ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ، لَمْ يَجِبْ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ.» وَلَنَا مَا رَوَيْنَا عَنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا. وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ الْوُضُوءُ مِنْ الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ» وَحَدِيثُهُمْ لَا تُعْرَفُ صِحَّتُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَقَدْ تَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إذَا كَانَ دُونَ مِلْءِ الْفَمِ، لَمْ يَجِبْ الْوُضُوءُ مِنْهُ. (261) فَصْلٌ: وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّ الْكَثِيرَ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لَا حَدَّ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهُ يَكُونَ فَاحِشًا وَقِيلَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا قَدْرُ الْفَاحِشِ؟ قَالَ: مَا فَحُشَ فِي قَلْبِك وَقِيلَ لَهُ: مِثْلُ أَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ الْفَاحِشُ؟ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا فَحُشَ فِي قَلْبِك وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ: كَمْ الْكَثِيرُ؟ فَقَالَ: شِبْرٌ فِي شِبْرٍ وَفِي مَوْضِعٍ قَالَ: قَدْرُ الْكَفِّ فَاحِشٌ. وَفِي مَوْضِعٍ قَالَ: الَّذِي يُوجِبُ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ مِقْدَارَ مَا يَرْفَعُهُ الْإِنْسَانُ بِأَصَابِعِهِ الْخَمْسِ مِنْ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ وَالْقَيْءِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. فَقِيلَ لَهُ: إنْ كَانَ مِقْدَارَ عَشْرَةِ أَصَابِعَ؟ فَرَآهُ كَثِيرًا. قَالَ الْخَلَّالُ: وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْفَاحِشِ، أَنَّهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْتَفْحِشُهُ كُلُّ إنْسَانٍ فِي نَفْسِهِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنَّمَا يُعْتَبَرُ مَا يَفْحُشُ فِي نُفُوسِ أَوْسَاطِ النَّاسِ، لَا الْمُتَبَذِّلِينَ، وَلَا الْمُوَسْوِسِينَ، كَمَا رَجَعْنَا فِي يَسِيرِ اللُّقَطَةِ الَّذِي لَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ إلَى مَا لَا تَتْبَعُهُ نُفُوسُ أَوْسَاطِ النَّاسِ. وَنَصُّ أَحْمَدَ فِي هَذَا كَمَا حَكَيْنَاهُ، وَذَهَبَ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (262) فَصْلٌ: وَالْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ كَالدَّمِ فِيمَا ذَكَرْنَا، وَأَسْهَلُ وَأَخَفُّ مِنْهُ حُكْمًا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ لِوُقُوعِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا الْقَيْحَ وَالصَّدِيدَ كَالدَّمِ. وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ فِي الصَّدِيدِ: لَا شَيْءَ، إنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي قُرْحَةٍ سَالَ مِنْهَا كَغُسَالَةِ اللَّحْمِ: لَا وُضُوءَ فِيهِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: كُلُّ مَا سِوَى الدَّمِ لَا يُوجِبُ وُضُوءًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَعُرْوَةُ وَالشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَالْحَكَمُ وَاللَّيْثُ: الْقَيْحُ بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ. فَلِذَلِكَ خَفَّ حُكْمُهُ عِنْدَهُ، وَاخْتِيَارُهُ مَعَ ذَلِكَ إلْحَاقُهُ بِالدَّمِ وَإِثْبَاتُ مِثْلِ حُكْمِهِ فِيهِ، وَلَكِنْ الَّذِي يَفْحُشُ مِنْهُ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي يَفْحُشُ مِنْ الدَّمِ. (263) فَصْلٌ: وَالْقَلْسُ كَالدَّمِ، يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مِنْهُ مَا فَحُشَ. قَالَ الْخَلَّالُ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ، أَنَّهُ إذَا كَانَ فَاحِشًا أَعَادَ الْوُضُوءَ مِنْهُ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ فِيهِ الْوُضُوءُ إذَا مَلَأَ الْفَمَ. وَقِيلَ عَنْهُ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الْفَمِ لَا يَتَوَضَّأُ. وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الدُّودِ الْخَارِجِ مِنْ الْجَسَدِ، إذَا كَانَ كَثِيرًا نَقَضَ الْوُضُوءَ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، لَمْ يَنْقُضْ، وَالْكَثِيرُ مَا فَحُشَ فِي النَّفْسِ.
فصل الجشاء لا وضوء فيه
[فَصْل الْجُشَاءُ لَا وُضُوءَ فِيهِ] (264) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْجُشَاءُ فَلَا وُضُوءَ فِيهِ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ الرِّيحُ مِثْلُ الْجُشَاءِ الْكَثِيرِ؟ قَالَ. لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ النُّخَاعَةُ لَا وُضُوءَ فِيهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الرَّأْسِ أَوْ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ، أَشْبَهَتْ الْبُصَاقَ. [مَسْأَلَة أَكْلُ لَحْمِ الْإِبِلِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ] (265) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَأَكْلُ لَحْمِ الْجَزُورِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ أَكْلَ لَحْمِ الْإِبِلِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عَلَى كُلِّ حَالٍ نِيئًا وَمَطْبُوخًا، عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا. وَبِهَذَا قَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو خَيْثَمَةَ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَهَبَ إلَى هَذَا عَامَّةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْوُضُوءُ مِمَّا يَخْرُجُ لَا مِمَّا يَدْخُلُ» وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ مَأْكُولٌ أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَأْكُولَاتِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: فِي الَّذِي يَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ: إنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ لَيْسَ عَلَيْهِ وُضُوءٌ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ قَدْ عَلِمَ وَسَمِعَ، فَهَذَا عَلَيْهِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ، فَلَيْسَ هُوَ كَمَنْ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَدْرِي. قَالَ الْخَلَّالُ: وَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذَا الْبَابِ. وَلَنَا: مَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، فَقَالَ: تَوَضَّئُوا مِنْهَا وَسُئِلَ عَنْ لُحُومِ الْغَنَمِ، فَقَالَ: لَا يُتَوَضَّأُ مِنْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد، وَرَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ.» وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَابْنُ رَاهْوَيْهِ: فِيهِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ حَدِيثُ الْبَرَاءِ وَحَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ. وَحَدِيثُهُمْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ صَحَّ لَوَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثِنَا عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ أَصَحَّ مِنْهُ وَأَخَصَّ وَالْخَاصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ لَا يُعَارِضُ حَدِيثَنَا أَيْضًا؛ لِصِحَّتِهِ وَخُصُوصِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَحَدِيثُ جَابِرٍ مُتَأَخِّرٌ، فَيَكُونُ نَاسِخًا. قُلْنَا: لَا يَصِحُّ النَّسْخُ بِهِ لِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ نَسْخِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ، أَوْ مُقَارِنٌ لَهُ؛
بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَرَنَ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ بِالنَّهْيِ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ، وَهِيَ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ حَصَلَ بِهَذَا النَّهْيِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِشَيْءٍ قَبْلَهُ؛ فَإِنْ كَانَ بِهِ، فَالْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ مُقَارِنٌ لِنَسْخِ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتْ النَّارُ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا بِهِ؟ وَمِنْ شُرُوطِ النَّسْخِ تَأَخُّرُ النَّاسِخِ، وَإِنْ كَانَ النَّسْخُ قَبْلَهُ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْسَخَ بِمَا قَبْلَهُ. الثَّانِي، أَنَّ أَكْلَ لُحُومِ الْإِبِلِ إنَّمَا نَقَضَ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، لَا لِكَوْنِهِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ، وَلِهَذَا يَنْقُضُ وَإِنْ كَانَ نِيئًا، فَنَسْخُ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ لَا يَثْبُتُ بِهِ نَسْخُ الْجِهَةِ الْأُخْرَى، كَمَا لَوْ حَرَّمَتْ الْمَرْأَةُ لِلرَّضَاعِ، وَلِكَوْنِهَا رَبِيبَةً، فَنَسْخُ التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ لَمْ يَكُنْ نَسْخًا لِتَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ. الثَّالِثُ، أَنَّ خَبَرَهُمْ عَامٌّ وَخَبَرَنَا خَاصٌّ، وَالْعَامُّ لَا يُنْسَخُ بِهِ الْخَاصُّ؛ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ النَّسْخِ تَعَذُّرَ الْجَمْعِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ مُمْكِنٌ بِتَنْزِيلِ الْعَامِّ عَلَى مَا عَدَا مَحَلِّ التَّخْصِيصِ. الرَّابِعُ: أَنَّ خَبَرَنَا صَحِيحٌ مُسْتَفِيضٌ، ثَبَتَتْ لَهُ قُوَّةُ الصِّحَّةِ وَالِاسْتِفَاضَةِ وَالْخُصُوصِ، وَخَبَرَهُمْ ضَعِيفٌ؛ لِعَدَمِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: الْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ فِي خَبَرِكُمْ يَحْتَمِلُ الِاسْتِحْبَابَ، فَنَحْمِلُهُ عَلَيْهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ غَسْلَ الْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ إذَا أُضِيفَ إلَى الطَّعَامِ، اقْتَضَى غَسْلَ الْيَدِ، كَمَا كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَأْمُرُ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ، وَخُصَّ ذَلِكَ بِلَحْمِ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مِنْ الْحَرَارَةِ وَالزُّهُومَةِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ. قُلْنَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَمُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْوُجُوبُ. الثَّانِي، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ حُكْمِ هَذَا اللَّحْمِ، فَأَجَابَ بِالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَلْبِيسًا عَلَى السَّائِلِ، لَا جَوَابًا. الثَّالِثُ، أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَرَنَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ هَاهُنَا نَفْيُ الْإِيجَابِ لَا التَّحْرِيمِ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الْإِيجَابِ، لِيَحْصُلَ الْفَرْقُ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا يَصِحُّ لِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَإِنَّ غَسْلَ الْيَدِ بِمُفْرَدِهِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ. الثَّانِي: أَنَّ الْوُضُوءَ إذَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ الشَّارِعِ، وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ، أَنَّهُ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِمَوْضُوعَاتِهِ.
فصل شرب لبن الإبل
الثَّالِثُ: أَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا لِسُؤَالِ السَّائِلِ عَنْ حُكْمِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِهَا، وَالصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِهَا فَلَا يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ سِوَى الْوُضُوءِ الْمُرَادِ لِلصَّلَاةِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ غَسْلَ الْيَدِ لَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَحْمِ الْغَنَمِ؛ فَإِنَّ غَسْلَ الْيَدِ مِنْهُمَا مُسْتَحَبٌّ وَلِهَذَا قَالَ: " مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ رِيحُ غَمَرٍ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ، فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ ". وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ زِيَادَةِ الزُّهُومَةِ فَأَمْرٌ يَسِيرٌ، لَا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ نَصْرِفُ بِهِ اللَّفْظَ عَنْ ظَاهِرِهِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ لَهُ مِنْ الْقُوَّةِ بِقَدْرِ قُوَّةِ الظَّوَاهِرِ الْمَتْرُوكَةِ، وَأَقْوَى مِنْهَا، وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ، وَقِيَاسُهُمْ فَاسِدٌ؛ فَإِنَّهُ طَرْدِيٌّ لَا مَعْنَى فِيهِ، وَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ فِي سَائِرِ الْمَأْكُولَاتِ لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي، لَا لِكَوْنِهِ مَأْكُولًا، فَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ مَأْكُولًا، وَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ. وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ مُخَالِفِينَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَوْجَبُوا الْوُضُوءَ بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ تُخَالِفُ الْأُصُولَ؛ فَأَبُو حَنِيفَةَ أَوْجَبَهُ بِالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ دُونَ خَارِجِهَا، بِحَدِيثٍ مِنْ مَرَاسِيلِ أَبِي الْعَالِيَةِ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ أَوْجَبَاهُ بِمَسِّ الذَّكَرِ، بِحَدِيثٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، مُعَارَضٍ بِمِثْلِهِ دُونَ مَسِّ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ، وَتَرَكُوا هَذَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ الَّذِي لَا مُعَارِضَ لَهُ، مَعَ بُعْدِهِ عَنْ التَّأْوِيلِ، وَقُوَّةِ الدَّلَالَةِ فِيهِ، لِمُخَالَفَتِهِ لِقِيَاسٍ طَرْدِيٍّ. [فَصْل شُرْبِ لَبَنِ الْإِبِلِ] (266) فَصْلٌ: وَفِي شُرْبِ لَبَنِ الْإِبِلِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لِمَا رَوَى أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَفِي لَفْظٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ، فَقَالَ: تَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِهَا " وَسُئِلَ عَنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ، فَقَالَ: " لَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِهَا ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. وَالثَّانِيَةُ، لَا وُضُوءَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ إنَّمَا وَرَدَ فِي اللَّحْمِ. وَقَوْلُهُمْ: فِيهِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ. يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا صَحِيحَ فِيهِ سِوَاهُمَا، وَالْحُكْمُ هَاهُنَا غَيْرُ مَعْقُولٍ، فَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ فِيهِ. وَفِيمَا سِوَى اللَّحْمِ مِنْ أَجْزَاءِ الْبَعِيرِ، مِنْ كَبِدِهِ، وَطِحَالِهِ وَسَنَامِهِ، وَدُهْنِهِ، وَمَرَقِهِ، وَكَرِشِهِ، وَمُصْرَانِهِ، وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ،
فصل ما عدا لحم الجزور من الأطعمة لا وضوء فيه
وَالثَّانِي يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْجَزُورِ. وَإِطْلَاقُ اللَّحْمِ فِي الْحَيَوَانِ يُرَادُ بِهِ جُمْلَتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا فِيهِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، كَانَ تَحْرِيمًا لِجُمْلَتِهِ، كَذَا هَاهُنَا. [فَصْل مَا عَدَا لَحْمِ الْجَزُورِ مِنْ الْأَطْعِمَةِ لَا وُضُوءَ فِيهِ] (267) فَصْلٌ: وَمَا عَدَا لَحْمَ الْجَزُورِ مِنْ الْأَطْعِمَةِ لَا وُضُوءَ فِيهِ، سَوَاءٌ مَسَّتْهُ النَّارُ أَوْ لَمْ تَمَسَّهُ. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ، الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي أُمَامَةَ، وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَلَا نَعْلَمُ الْيَوْمَ فِيهِ خِلَافًا. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ إلَى إيجَابِ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتْ النَّارُ، مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو طَلْحَةَ وَأَبُو مُوسَى وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَنَسٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبُو مِجْلَزٍ وَأَبُو قِلَابَةَ وَالْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، وَزَيْدٌ، وَعَائِشَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ» وَفِي لَفْظٍ «إنَّمَا الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ» رَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ. وَلَنَا: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ» وَقَوْلُ جَابِرٍ «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ. [مَسْأَلَة الْوُضُوء مِنْ غَسْل الْمَيِّت] (268) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَغَسْلُ الْمَيِّتِ. اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ؛ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ بِوُجُوبِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَغْسُولُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا. وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَالنَّخَعِيِّ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَأْمُرَانِ غَاسِلَ الْمَيِّتِ بِالْوُضُوءِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَقَلُّ مَا فِيهِ الْوُضُوءُ. وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ. وَلِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ أَنْ تَقَعَ يَدُهُ عَلَى فَرْجِ الْمَيِّتِ، فَكَانَ مَظِنَّةُ ذَلِكَ قَائِمًا مَقَامَ حَقِيقَتِهِ، كَمَا أُقِيمَ النَّوْمُ مَقَامَ الْحَدَثِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ: لَا وُضُوءَ فِيهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ. وَلَمْ يَرِدْ فِي هَذَا نَصٌّ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ. وَلِأَنَّهُ غَسْلُ آدَمِيٍّ. فَأَشْبَهَ غَسْلَ الْحَيِّ. وَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْإِيجَابِ؛ فَإِنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي نَفْيَ الْوُجُوبِ، فَإِنَّهُ تَرَكَ الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ. فَإِذَا لَمْ يُوجِبْ الْغَسْلَ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَأَنْ لَا يُوجِبَ الْوُضُوءَ بِقَوْلِهِ، مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ، أَوْلَى وَأَحْرَى. [مَسْأَلَة مُلَاقَاةُ جِسْمِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ لِشَهْوَةِ] (269) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمُلَاقَاةُ جِسْمِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ لِشَهْوَةٍ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّ لَمْسَ النِّسَاءِ لِشَهْوَةٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلَا يَنْقُضُهُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ.
وَهَذَا قَوْلُ عَلْقَمَةَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَالشَّعْبِيِّ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ قَبَّلَ لِشَهْوَةٍ، وَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ قَبَّلَ لِرَحْمَةٍ. وَمِمَّنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ فِي الْقُبْلَةِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَالزُّهْرِيُّ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَمَكْحُولٌ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ وَرَبِيعَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالشَّافِعِيُّ قَالَ أَحْمَدُ: الْمَدَنِيُّونَ وَالْكُوفِيُّونَ مَا زَالُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْقُبْلَةَ مِنْ اللَّمْسِ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، حَتَّى كَانَ بِآخِرَةٍ وَصَارَ فِيهِمْ أَبُو حَنِيفَةَ، فَقَالُوا: لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ. وَيَأْخُذُونَ بِحَدِيثِ عُرْوَةَ، وَنَرَى أَنَّهُ غَلَطٌ. وَعَنْ أَحْمَدَ. رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، لَا يَنْقُضُ اللَّمْسُ بِحَالٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَمَسْرُوقٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إلَّا أَنْ يَطَأَهَا دُونَ الْفَرْجِ فَيَنْتَشِرَ فِيهَا لِمَا رَوَى حَبِيبٌ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبَّلَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَخَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُمَا. وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ رَوَاهُ إبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا، وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ بِهَذَا شَرْعٌ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ، وَقَوْلُهُ: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة: 6] أَرَادَ بِهِ الْجِمَاعَ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَسَّ أُرِيدَ بِهِ الْجِمَاعُ فَكَذَلِكَ اللَّمْسُ؛ وَلِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمُفَاعَلَةِ، وَالْمُفَاعَلَةُ لَا تَكُونُ مِنْ أَقَلِّ مِنْ اثْنَيْنِ، وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّ اللَّمْسَ يَنْقُضُ بِكُلِّ حَالٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة: 6] وَحَقِيقَةُ اللَّمْسِ مُلَاقَاةُ الْبَشَرَتَيْنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ الْجِنِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ} [الجن: 8] وَقَالَ الشَّاعِرُ: لَمَسْت بِكَفِّي كَفَّهُ أَطْلُبُ الْغِنَى وَقَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة: 6] وَأَمَّا حَدِيثُ الْقُبْلَةِ فَكُلُّ طُرُقِهِ مَعْلُولَةٌ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: احْكِ عَنِّي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ شِبْهُ لَا شَيْءَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: نَرَى أَنَّهُ غَلَّطَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا - يَعْنِي حَدِيثَ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَحَدِيثَ عُرْوَةَ فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْ عَائِشَةَ، وَعُرْوَةُ الْمَذْكُورُ هَاهُنَا عُرْوَةُ الْمُزَنِيّ، وَلَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ، كَذَلِكَ قَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ: مَا حَدَّثَنَا حَبِيبٌ إلَّا عَنْ عُرْوَةَ الْمُزَنِيّ لَيْسَ هُوَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: لَا تَظُنُّوا أَنَّ حَبِيبًا لَقِيَ عُرْوَةَ. وَقَالَ: وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَبِّلَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ بِرًّا بِهَا، وَإِكْرَامًا لَهَا، وَرَحْمَةً، أَلَا تَرَى إلَى مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَقَبَّلَ فَاطِمَةَ. فَالْقُبْلَةُ تَكُونُ لِشَهْوَةٍ وَلِغَيْرِ شَهْوَةٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَبَّلَهَا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ، وَاللَّمْسُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَا يَنْقُضُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَمَسُّ زَوْجَتَهُ فِي الصَّلَاةِ وَتَمَسُّهُ. وَلَوْ كَانَ نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ لَمْ يَفْعَلْهُ. «قَالَتْ عَائِشَةُ. إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُصَلِّي وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ اعْتِرَاضَ الْجِنَازَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ
غَمَزَنِي فَقَبَضْت رِجْلِي.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ مَسَّنِي بِرِجْلِهِ وَرَوَى الْحَسَنُ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسًا فِي مَسْجِدِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَبَضَ عَلَى قَدَمِ عَائِشَةَ غَيْرَ مُتَلَذِّذٍ» رَوَاهُ إِسْحَاقُ بِإِسْنَادِهِ، وَالنَّسَائِيُّ. وَعَنْ عَائِشَةَ «قَالَتْ فَقَدْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ فَجَعَلْت أَطْلُبُهُ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، وَهُوَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك» رَوَاهُمَا النَّسَائِيّ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ «وَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَامِلًا أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، إذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ مَسِّهَا؛ وَلِأَنَّهُ لَمْسٌ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَمْ يَنْقُضْ، كَلَمْسِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ. يُحَقِّقُهُ أَنَّ اللَّمْسَ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا نَقَضَ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى خُرُوجِ الْمَذْيِ أَوْ الْمَنِيِّ، فَاعْتُبِرَتْ الْحَالَةُ الَّتِي تُفْضِي إلَى الْحَدَثِ فِيهَا، وَهِيَ حَالَةُ الشَّهْوَةِ. (270) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّةِ وَذَاتِ الْمَحْرَمِ، وَالْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَنْقُضُ لَمْسُ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، وَلَا الصَّغِيرَةِ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ لَمْسَهُمَا لَا يُفْضِي إلَى خُرُوجِ خَارِجٍ، أَشْبَهَ لَمْسَ الرَّجُلِ الرَّجُلَ. وَلَنَا، عُمُومُ النَّصِّ، وَاللَّمْسُ النَّاقِضُ تُعْتَبَرُ فِيهِ الشَّهْوَةُ، وَمَتَى وُجِدَتْ الشَّهْوَةُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَمِيعِ. فَأَمَّا لَمْسُ الْمَيِّتَةِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَنْقُضُ لِعُمُومِ الْآيَةِ. وَالثَّانِي، لَا يَنْقُضُ. اخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ، فَهِيَ كَالرَّجُلِ. (271) فَصْلٌ: وَلَا يَخْتَصُّ اللَّمْسُ النَّاقِضُ بِالْيَدِ، بَلْ أَيُّ شَيْءٍ مِنْهُ لَاقَى شَيْئًا مِنْ بَشَرَتِهَا مَعَ الشَّهْوَةِ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عُضْوًا أَصْلِيًّا، أَوْ زَائِدًا. وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ: لَا يَنْقُضُ اللَّمْسُ إلَّا بِأَحَدِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ. وَلَنَا، عُمُومُ النَّصِّ، وَالتَّخْصِيصُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ تَحَكُّمٌ لَا يُصَارُ إلَيْهِ. وَلَا يَنْقُضُ مَسُّ شَعْرِ الْمَرْأَةِ، وَلَا ظُفْرِهَا، وَلَا سِنِّهَا، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَلَا يَنْقُضُ لَمْسُهَا بِشَعْرِهِ وَلَا سِنِّهِ وَلَا ظُفْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِتَطْلِيقِهِ وَلَا الظِّهَارُ. وَلَا يَنْجُسُ الشَّعْرُ بِمَوْتِ الْحَيَوَانِ، وَلَا بِقَطْعِهِ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ. (272) فَصْلٌ: وَإِنْ لَمَسَهَا مِنْ وَرَاءُ حَائِلٍ، لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ يَنْقُضُ إنْ كَانَ ثَوْبًا رَقِيقًا. وَكَذَلِكَ قَالَ رَبِيعَةُ: إذَا غَمَزَهَا مِنْ وَرَاءِ ثَوْبٍ رَقِيقٍ لِشَهْوَةٍ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ مَوْجُودَةٌ. وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ ذَلِكَ غَيْرَ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ.
مسألة تيقن الطهارة وشك في الحدث
لَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَلْمَسْ جِسْمَ الْمَرْأَةِ؛ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمَسَ ثِيَابَهَا، وَالشَّهْوَةُ بِمُجَرَّدِهَا لَا تَكْفِي، كَمَا لَوْ مَسَّ رَجُلًا بِشَهْوَةٍ، أَوْ وُجِدَتْ الشَّهْوَةُ مِنْ غَيْرِ لَمْسٍ. (273) فَصْلٌ: وَإِنْ لَمَسَتْ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَوُجِدَتْ الشَّهْوَةُ مِنْهُمَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ نَقْضُ وُضُوئِهِمَا، بِمُلَاقَاةِ بَشَرَتِهِمَا. وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمَرْأَةِ إذَا مَسَّتْ زَوْجَهَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ هِيَ شَقِيقَةُ الرَّجُلِ. يُعْجِبُنِي أَنْ تَتَوَضَّأَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَحَدُ الْمُشْتَرِكَيْنِ فِي اللَّمْسِ، فَهِيَ كَالرَّجُلِ. وَيَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ إذَا وُجِدَتْ مِنْهُ الشَّهْوَةُ؛ لِأَنَّ مَا يَنْتَقِضُ بِالْتِقَاءِ الْبَشَرَتَيْنِ، لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ اللَّامِسِ وَالْمَلْمُوسِ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْمَرْأَةِ، وَلَا وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ. وَوَجْهُ عَدَمِ النَّقْضِ أَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ بِالنَّقْضِ بِمُلَامَسَةِ النِّسَاءِ، فَيَتَنَاوَلُ اللَّامِسَ مِنْ الرِّجَالِ، فَيَخْتَصُّ بِهِ النَّقْضُ، كَلَمْسِ الْفَرْجِ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَالْمَلْمُوسَ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّ اللَّمْسَ مِنْ الرَّجُلِ مَعَ الشَّهْوَةِ مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِ الْمَذْيِ النَّاقِضِ، فَأُقِيمَ مَقَامَهُ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، وَالشَّهْوَةُ مِنْ اللَّامِسِ أَشَدُّ مِنْهَا فِي الْمَلْمُوسِ، وَأَدْعَى إلَى الْخُرُوجِ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِمَا، وَإِذَا امْتَنَعَ النَّصُّ وَالْقِيَاسُ لَمْ يَثْبُتْ الدَّلِيلُ. (274) فَصْلٌ: وَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِلَمْسِ عُضْوٍ مَقْطُوعٍ مِنْ الْمَرْأَةِ؛ لِزَوَالِ الِاسْمِ، وَخُرُوجِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ وَلَا بِمَسِّ رَجُلٍ وَلَا صَبِيٍّ، وَلَا بِمَسِّ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْآيَةِ؛ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَا فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَحَلٌّ لِشَهْوَةِ الرَّجُلِ شَرْعًا وَطَبْعًا، وَهَذَا بِخِلَافِهِ. وَلَا بِمَسِّ الْبَهِيمَةِ؛ لِذَلِكَ. وَلَا بِمَسِّ خُنْثَى مُشْكِلٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً. وَلَا بِمَسِّ الْخُنْثَى لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ؛ لِذَلِكَ، وَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ خِلَافًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمْ. [مَسْأَلَةٌ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ] (275) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ، فَهُوَ عَلَى مَا تَيَقَّنَ مِنْهُمَا يَعْنِي: إذَا عَلِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، وَشَكَّ هَلْ أَحْدَثَ، أَوْ لَا، بَنَى عَلَى أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ. وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَشَكَّ؛ هَلْ تَوَضَّأَ، أَوْ لَا، فَهُوَ مُحْدِثٌ. يَبْنِي فِي الْحَالَتَيْنِ عَلَى مَا عَلِمَهُ قَبْلَ الشَّكِّ، وَيُلْغِي الشَّكَّ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ
فصل تيقن الطهارة والحدث معا ولم يعلم الآخر منهما
وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِيمَا عَلِمْنَا إلَّا الْحَسَنَ وَمَالِكًا، فَإِنَّ الْحَسَنَ قَالَ: إنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ، مَضَى فِيهَا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا، تَوَضَّأَ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ إنْ كَانَ يَلْحَقُهُ كَثِيرًا، فَهُوَ عَلَى وُضُوئِهِ. وَإِنْ كَانَ لَا يَلْحَقُهُ كَثِيرًا، تَوَضَّأَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الشَّكِّ. وَلَنَا مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: «شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ، قَالَ: لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ، أَخَرَجَ مِنْهُ أَمْ لَمْ يَخْرُجْ فَلَا يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا شَكَّ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ، فَيَجِبُ سُقُوطُهُمَا، كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا، وَيَرْجِعُ إلَى التَّيَقُّنِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَحَدُهُمَا، أَوْ يَتَسَاوَى الْأَمْرَانِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ إذَا لَمْ تَكُنْ مَضْبُوطَةً بِضَابِطٍ شَرْعِيٍّ، لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا، كَمَا لَا يَلْتَفِتُ الْحَاكِمُ إلَى قَوْلِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ [فَصْلٌ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ مَعًا وَلَمْ يَعْلَمْ الْآخِرَ مِنْهُمَا] (276) فَصْلٌ: إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ مَعًا، وَلَمْ يَعْلَمْ الْآخِرَ مِنْهُمَا، مِثْلُ مَنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ مُتَطَهِّرًا مَرَّةً وَمُحْدِثًا أُخْرَى، وَلَا يَعْلَمُ أَيَّهُمَا كَانَ بَعْدَ صَاحِبِهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى حَالِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ؛ فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ قَدْ انْتَقَلَ عَنْ هَذَا الْحَدَثِ إلَى الطَّهَارَةِ، وَلَمْ يَتَيَقَّنْ زَوَالَهَا، وَالْحَدَثُ الْمُتَيَقَّنُ بَعْدَ الزَّوَالِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الطَّهَارَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهَا، فَوُجُودُهُ بَعْدَهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَزُولُ عَنْ طَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ بِشَكٍّ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِرَجُلٍ أَنَّهُ وَفَّى زَيْدًا حَقَّهُ وَهُوَ مِائَةٌ، فَأَقَامَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِإِقْرَارِ خَصْمِهِ لَهُ بِمِائَةٍ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ بِهَا حَقٌّ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ إقْرَارُهُ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ. [فَصْلٌ تَيَقَّنَ أَنَّهُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ نَقَضَ طَهَارَتَهُ وَتَوَضَّأَ عَنْ حَدَثٍ وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا] (277) فَصْلٌ: وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ نَقَضَ طَهَارَتَهُ وَتَوَضَّأَ عَنْ حَدَثٍ، وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، نَظَرَ؛ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا، فَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ نَقَضَ تِلْكَ الطَّهَارَةَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَضَّأَ عَنْ حَدَثٍ مَعَ بَقَاءِ تِلْكَ الطَّهَارَةِ، وَنَقْضُ هَذِهِ الطَّهَارَةِ الثَّانِيَةِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُحْدِثًا، فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْهُ إلَى الطَّهَارَةِ ثُمَّ نَقَضَهَا، وَالطَّهَارَةُ بَعْدَ نَقْضِهَا مَشْكُوكٌ فِيهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَهَذَا جَمِيعُ نَوَاقِضِ الطَّهَارَةِ وَلَا تَنْتَقِضُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ حُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ: فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الْإِبْطِ، الْوُضُوءُ. وَقَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ بِخِلَافِهِمْ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ فِيمَا يَقُولُونَ حُجَّةً، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
باب ما يوجب الغسل
[بَابُ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ] [مَسْأَلَةٌ الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ خُرُوجُ الْمَنِيِّ] َ قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّيٍّ النَّحْوِيُّ: غَسْلُ الْجَنَابَةِ، بِفَتْحِ الْغَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الْغُسْلُ: الْمَاءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ. وَالْغِسْلُ: مَا غُسِلَ بِهِ الرَّأْسُ. . (278) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ، - رَحِمَهُ اللَّهُ - (: وَالْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ خُرُوجُ الْمَنِيِّ) الْأَلِفُ وَاللَّامُ هُنَا لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ جَمِيعَ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ هَذِهِ السِّتَّةُ الْمُسَمَّاةُ: أَوَّلُهَا؛ خُرُوجُ الْمَنِيِّ، وَهُوَ الْمَاءُ الْغَلِيظُ الدَّافِقُ الَّذِي يَخْرُجُ عِنْدَ اشْتِدَادِ الشَّهْوَةِ، وَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ. وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ «أُمَّ سُلَيْمٍ حَدَّثَتْ، أَنَّهَا سَأَلَتْ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَأَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ فَلْتَغْتَسِلْ. فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: وَاسْتَحْيَيْت مِنْ ذَلِكَ. وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ، مَاءُ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ، فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا، أَوْ سَبَقَ، يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ وَفِي لَفْظٍ أَنَّهَا قَالَتْ. هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَمْ، إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَخُرُوجُ الْمَنِيِّ الدَّافِقِ بِشَهْوَةٍ، يُوجِبُ الْغُسْلَ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي يَقَظَةٍ أَوْ فِي نَوْمٍ. وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ. قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. [فَصْلٌ خَرَجَ شَبِيهُ الْمَنِيِّ لِمَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ لَا عَنْ شَهْوَةٍ] (279) فَصْلٌ: فَإِنْ خَرَجَ شَبِيهُ الْمَنِيِّ؛ لِمَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ لَا عَنْ شَهْوَةٍ، فَلَا غُسْلَ فِيهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيَجِبُ بِهِ الْغُسْلُ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إذَا رَأَتْ الْمَاءَ ". وَقَوْلِهِ: «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» ؛ وَلِأَنَّهُ مَنِيٌّ خَارِجٌ فَأَوْجَبَ الْغُسْلَ، كَمَا لَوْ خَرَجَ حَالَ الْإِغْمَاءِ. وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَفَ الْمَنِيَّ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ بِكَوْنِهِ أَبْيَضَ غَلِيظًا، وَقَالَ لِعَلِيٍّ «إذَا فَضَخْت الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ «إذَا رَأَيْت فَضْخَ الْمَاءِ فَاغْتَسِلْ» . وَالْفَضْخُ: خُرُوجُهُ عَلَى وَجْهِ الشَّدَّةِ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: خُرُوجُهُ بِالْعَجَلَةِ. وَقَوْلُهُ: " إذَا " رَأَتْ الْمَاءَ ". يَعْنِي الِاحْتِلَامَ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ فِي الِاحْتِلَامِ بِالشَّهْوَةِ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ مَنْسُوخٌ، عَلَى أَنَّ هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَهُ مَنِيًّا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَفَ الْمَنِيَّ بِصِفَةٍ غَيْرِ مَوْجُودَةٍ فِي هَذَا.
فصل أحس بانتقال المني عند الشهوة فأمسك ذكره فلم يخرج
[فَصْلٌ أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ عِنْدَ الشَّهْوَةِ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ] (280) فَصْلٌ: فَإِنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ عِنْدَ الشَّهْوَةِ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبُ الْغُسْلِ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ يَرْجِعُ، وَأُحِبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ خِلَافًا، قَالَ: لِأَنَّ الْجَنَابَةَ تُبَاعِدُ الْمَاءَ عَنْ مَحَلِّهِ، وَقَدْ وُجِدَ، فَتَكُونُ الْجَنَابَةُ مَوْجُودَةً، فَيَجِبُ الْغُسْلُ بِهَا؛ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ تُرَاعَى فِيهِ الشَّهْوَةُ، وَقَدْ حَصَلَتْ بِانْتِقَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَهَرَ وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّقَ الِاغْتِسَالَ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَفَضْخِهِ، بِقَوْلِهِ: " إذَا رَأَتْ الْمَاءَ " وَ " إذَا فَضَخْت الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ " فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِدُونِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاشْتِقَاقِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى جُنُبًا لِمُجَانَبَتِهِ الْمَاءَ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِخُرُوجِهِ مِنْهُ أَوْ لِمُجَانَبَتِهِ الصَّلَاةَ أَوْ الْمَسْجِدَ أَوْ غَيْرَهُمَا؛ مِمَّا مُنِعَ مِنْهُ، وَلَوْ سُمِّيَ بِذَلِكَ مَعَ الْخُرُوجِ، لَمْ يَلْزَمْهُ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ، فَإِنَّ الِاشْتِقَاقَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِاطِّرَادُ، وَمُرَاعَاةُ الشَّهْوَةِ لِلْحُكْمِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ اسْتِقْلَالُهَا بِهِ، فَإِنَّ أَحَدَ وَصْفَيْ الْعِلَّةِ وَشَرْطَ الْحُكْمِ مُرَاعًى لَهُ، وَلَا يَسْتَقِلُّ بِالْحُكْمِ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِلَمْسِ النِّسَاءِ، وَبِمَا إذَا وُجِدَتْ الشَّهْوَةُ هَاهُنَا مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ؛ فَإِنَّ الشَّهْوَةَ لَا تَسْتَقِلُّ بِالْحُكْمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَعَ مُرَاعَاتِهَا فِيهِ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ هَاهُنَا إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا انْتَقَلَ، لَزِمَ مِنْهُ الْخُرُوجُ. وَإِنَّمَا يَتَأَخَّرُ، وَلِذَلِكَ يَتَأَخَّرُ الْغُسْلُ إلَى حِينِ خُرُوجِهِ، فَعَلَى هَذَا إذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ، سَوَاءٌ اغْتَسَلَ قَبْلَ خُرُوجِهِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ؛ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ خَرَجَ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ، فَأَوْجَبَ الْغُسْلَ، كَمَا لَوْ خَرَجَ حَالَ انْتِقَالِهِ. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي الرَّجُلِ يُجَامِعُ وَلَمْ يُنْزِلْ، فَيَغْتَسِلُ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ: عَلَيْهِ الْغُسْلُ. وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يُجَامِعُ فَاسْتَيْقَظَ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَلَمَّا مَشَى خَرَجَ مِنْهُ، الْمَنِيُّ، قَالَ: يَغْتَسِلُ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الَّذِي أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ، فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ مِنْ غَيْرِ مُقَارَنَةِ شَهْوَةٍ بَعْدَ الْبَوْلِ: فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ. رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْبَوْلِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْبَوْلِ غَيْرُ الْمَنِيِّ الْمُنْتَقِلِ خَرَجَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَأَشْبَهَ الْخَارِجَ لِمَرَضٍ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَهُوَ ذَلِكَ الْمَنِيُّ الَّذِي انْتَقَلَ. وَوَجْهُ مَا قُلْنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْغُسْلِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ وَفَضْخِهِ، وَقَدْ وُجِدَ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْمُجَامِعِ الَّذِي يَرَى الْمَاءَ بَعْدَ غُسْلِهِ، وَهَذَا مِثْلُهُ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ وَلَمْ يَخْرُجْ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَيْهِ بِظُهُورِهِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، مَعَ انْتِقَالِ الْمَنِيِّ لِشَهْوَةٍ وَخُرُوجِهِ. [فَصْلٌ احْتَلَمَ أَوْ جَامَعَ فَأَمْنَى ثُمَّ اغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ مَنِيٌّ] (281) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ احْتَلَمَ، أَوْ جَامَعَ، فَأَمْنَى، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ مَنِيٌّ، فَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا غُسْلَ
فصل رأى أنه قد احتلم ولم يجد منيا فلا غسل عليه
عَلَيْهِ، قَالَ الْخَلَّالُ: تَوَاتَرَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْوُضُوءُ، بَالَ أَوْ لَمْ يَبُلْ، فَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ قَوْلُهُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ شَهْوَةٍ وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: إنْ خَرَجَ بَعْدَ الْبَوْلِ، فَلَا غُسْلَ فِيهِ، وَإِنْ خَرَجَ قَبْلَهُ اغْتَسَلَ. وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَّةُ مَاءٍ خَرَجَ بِالدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ، فَأَوْجَبَ الْغُسْلَ كَالْأَوَّلِ وَبَعْدَ الْبَوْلِ خَرَجَ بِغَيْرِ دَفْقٍ وَشَهْوَةٍ، وَلَا نَعْلَمُ أَنَّهُ بَقِيَّةُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَقِيَّتَهُ لَمَا تَخَلَّفَ بَعْدَ الْبَوْلِ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِكُلِّ حَالٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِخُرُوجِهِ كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ. رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ جَنَابَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ غُسْلَانِ، كَمَا لَوْ خَرَجَ دُفْعَةً وَاحِدَةً. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ يَصْلُحُ مُوجِبًا لِلْغُسْلِ، وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا جَامَعَ فَلَمْ يُنْزِلْ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ أَنْزَلَ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهِ بِالْإِنْزَالِ مَعَ وُجُوبِهِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ. [فَصْلٌ رَأَى أَنَّهُ قَدْ احْتَلَمَ وَلَمْ يَجِدْ مَنِيًّا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ] (282) فَصْلٌ: إذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ احْتَلَمَ، وَلَمْ يَجِدْ مَنِيًّا، فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَكِنْ إنْ مَشَى فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ، أَوْ خَرَجَ بَعْدَ اسْتِيقَاظِهِ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ كَانَ انْتَقَلَ، وَتَخَلَّفَ خُرُوجُهُ إلَى مَا بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ. وَإِنْ انْتَبَهَ فَرَأَى مَنِيًّا، وَلَمْ يَذْكُرْ احْتِلَامًا، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ لَا نَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا أَيْضًا. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ لَاحْتِلَامٍ نَسِيَهُ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ صَلَّى الْفَجْرَ بِالْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْجُرْفِ فَرَأَى فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا، فَقَالَ: مَا أَرَانِي إلَّا قَدْ احْتَلَمْت، فَاغْتَسَلَ، وَغَسَلَ ثَوْبَهُ، وَصَلَّى. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُثْمَانَ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا؟ قَالَ: يَغْتَسِلُ وَعَنْ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدْ احْتَلَمَ، وَلَا يَجِدُ بَلَلًا فَقَالَ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، «أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ تَرَى الْمَاءَ [فَصْلٌ انْتَبَهَ مِنْ النَّوْمِ فَوَجَدَ بَلَلًا لَا يَعْلَمُ هَلْ هُوَ مَنِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ] (283) فَصْلٌ: إذَا انْتَبَهَ مِنْ النَّوْمِ فَوَجَدَ بَلَلًا لَا يَعْلَمُ هَلْ هُوَ مَنِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ: إذَا وَجَدَ بِلَّةً اغْتَسَلَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ إبْرِدَةٌ، أَوْ لَاعَبَ أَهْلَهُ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا خَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ.
فصل رأى في ثوبه منيا وكان مما لا ينام فيه غيره
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ انْتَشَرَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ بِتَذَكُّرٍ أَوْ رُؤْيَةٍ، لَا غُسْلَ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَذْيٌ، وَقَدْ وُجِدَ سَبَبُهُ، فَلَا يُوجِبُ الْغُسْلَ مَعَ الشَّكِّ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُجِدَ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ؛ لِخَبَرِ عَائِشَةَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ احْتِلَامٌ. وَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوَاضِعَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ حَتَّى يُوقِنَ الدَّافِقَ. قَالَ قَتَادَةُ: يَشُمُّهُ. وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ؛ وَلِأَنَّ الْيَقِينَ بَقَاءُ الطَّهَارَةِ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ. وَالْأَوْلَى الِاغْتِسَالُ؛ لِمُوَافَقَةِ الْخَبَرِ، وَإِزَالَةِ الشَّكِّ. [فَصْلٌ رَأَى فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا وَكَانَ مِمَّا لَا يَنَامُ فِيهِ غَيْرُهُ] (284) فَصْلٌ: فَإِنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا، وَكَانَ مِمَّا لَا يَنَامُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ اغْتَسَلَا حِينَ رَأَيَاهُ فِي ثَوْبِهِمَا؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إلَّا مِنْهُ، وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِيهِ إلَّا أَنْ يَرَى أَمَارَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَهَا فَيُعِيدُ مِنْ أَدْنَى نَوْمَةٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْهَا. وَإِنْ كَانَ الرَّائِي لَهُ غُلَامًا يُمْكِنُ وُجُودُ الْمَنِيِّ مِنْهُ، كَابْنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فَهُوَ كَالرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ دَلِيلُهُ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْوُجُودِ. وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ، فَيَتَعَيَّنُ، حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ. فَأَمَّا إنْ وَجَدَ الرَّجُلُ مَنِيًّا فِي ثَوْبٍ يَنَامُ فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَحْتَلِمُ، فَلَا غُسْلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ مُفْرَدًا يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ، فَوُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْثَمَ بِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا جُنُبٌ يَقِينًا، فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُمَا، كَمَا لَوْ سَمِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَوْتَ رِيحٍ، يَظُنُّ أَنَّهَا مِنْ صَاحِبِهِ، أَوْ لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هِيَ. [فَصْلٌ وَطِئَ امْرَأَتَهُ دُونَ الْفَرَجِ فَدَبَّ مَاؤُهُ إلَى فَرْجِهَا ثُمَّ خَرَجَ] (285) فَصْلٌ: إذَا وَطِئَ امْرَأَتَهُ دُونَ الْفَرْجِ، فَدَبَّ مَاؤُهُ إلَى فَرْجِهَا ثُمَّ خَرَجَ، أَوْ وَطِئَهَا فِي الْفَرْجِ، فَاغْتَسَلَتْ، ثُمَّ خَرَجَ مَاءُ الرَّجُلِ مِنْ فَرْجِهَا، فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا. وَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تَغْتَسِلُ؛ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ خَرَجَ فَأَشْبَهَ مَاءَهَا. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنِيَّهَا، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمَنِيِّ. [مَسْأَلَةُ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ] (286) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ) يَعْنِي: تَغْيِيبَ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ، سَوَاءٌ كَانَا مُخْتَتِنَيْنِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ أَصَابَ مَوْضِعُ الْخِتَانِ مِنْهُ مَوْضِعَ خِتَانِهَا أَوْ لَمْ يُصِبْهُ. وَلَوْ مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ مِنْ غَيْرِ إيلَاجٍ فَلَا غُسْلَ بِالِاتِّفَاقِ وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجِبُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، يَقُولُونَ: لَا غُسْلَ عَلَى
فصل وجوب الغسل على كل واطئ وموطوء إذا كان من أهل الغسل
مَنْ جَامَعَ فَأَكْسَلَ. يَعْنِي: لَمْ يُنْزِلْ. وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ أَحَادِيثَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَكَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَمَرَ بِالْغُسْلِ، قَالَ سَهْلُ ابْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنِي أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ «أَنَّ الْمَاءَ مِنْ الْمَاءِ كَانَ رُخْصَةً أَرْخَصَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ نَهَى عَنْهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهْطٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّونَ: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إلَّا مِنْ الْمَاءِ الدَّافِقِ أَوْ مِنْ الْمَاءِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: بَلْ إذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى فَأَنَا أَشْفِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَقُمْت فَاسْتَأْذَنْت عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْت: يَا أُمَّاهُ، أَوْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَك عَنْ شَيْءٍ، وَأَنَا أَسْتَحْيِيك، فَقَالَتْ: لَا تَسْتَحْيِي أَنْ تَسْأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ كُنْت سَائِلًا عَنْهُ أُمَّك الَّتِي وَلَدَتْك، فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّك. قُلْت: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثٍ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ جَعَلْته نَكَالًا. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، وَجَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ مُسْلِمٌ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ " قَالَ الْأَزْهَرِيُّ أَرَادَ بَيْنَ شُعْبَتَيْ رِجْلَيْهَا وَشُعْبَتَيْ شَفْرَيْهَا. وَحَدِيثُهُمْ مَنْسُوخٌ بِدَلِيلِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. [فَصْلُ وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى كُلِّ وَاطِئٍ وَمَوْطُوءٍ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْغُسْلِ] (287) فَصْلٌ: وَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى كُلِّ وَاطِئٍ وَمَوْطُوءٍ، إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْغُسْلِ، سَوَاءٌ كَانَ الْفَرْجُ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا، مِنْ كُلِّ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ، حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا، نَائِمًا أَوْ يَقْظَانَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِوَطْءِ الْمَيِّتَةِ وَالْبَهِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ. وَلَنَا أَنَّهُ إيلَاجٌ فِي فَرْجٍ، فَوَجَبَ بِهِ الْغُسْلُ، كَوَطْءِ الْآدَمِيَّةِ فِي حَيَاتِهَا، وَوَطْءُ الْآدَمِيَّةِ الْمَيِّتَةِ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِوَطْءِ الْعَجُوزِ وَالشَّوْهَاءِ. [فَصْلٌ أَوْلَجَ بَعْضَ الْحَشَفَةِ أَوْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ] (288) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْلَجَ بَعْضَ الْحَشَفَةِ، أَوْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ فِي السُّرَّةِ، وَلَمْ يُنْزِلْ، فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُ. وَإِنْ انْقَطَعَتْ الْحَشَفَةُ، فَأَوْلَجَ الْبَاقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ، وَكَانَ
فصل أولج في قبل خنثى مشكل
بِقَدْرِ الْحَشَفَةِ، وَجَبَ الْغُسْلُ، وَتَعَلَّقَتْ، بِهِ أَحْكَامُ الْوَطْءِ؛ مِنْ الْمَهْرِ وَغَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ [فَصْلٌ أَوْلَجَ فِي قُبُلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ] (289) فَصْلٌ: فَإِنْ أَوْلَجَ فِي قُبُلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ، أَوْ أَوْلَجَ الْخُنْثَى ذَكَرَهُ فِي فَرْجٍ، أَوْ وَطِئَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي قُبُلِهِ، فَلَا غُسْلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ خِلْقَةً زَائِدَةً. فَإِنْ أَنْزَلَ الْوَاطِئُ أَوْ أَنْزَلَ الْمَوْطُوءُ مِنْ قُبُلِهِ، فَعَلَى مَنْ أَنْزَلَ الْغُسْلُ. وَيَثْبُتُ لِمَنْ أَنْزَلَ مِنْ ذَكَرِهِ حُكْمُ الرِّجَالِ، وَلِمَنْ أَنْزَلَ مِنْ قُبُلِهِ حُكْمُ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ بِذَلِكَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ، أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِالذُّكُورِيَّةِ بِالْإِنْزَالِ مِنْ ذَكَرِهِ، وَلَا بِالْأُنُوثِيَّةِ بِالْحَيْضِ مِنْ فَرْجِهِ، وَلَا بِالْبُلُوغِ بِهَذَا. وَلَنَا أَنَّهُ أَمْرٌ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَحَدَ الصِّنْفَيْنِ، فَكَانَ دَلِيلًا عَلَيْهِ، كَالْبَوْلِ مِنْ ذَكَرِهِ أَوْ مِنْ قُبُلِهِ؛ وَلِأَنَّهُ أَنْزَلَ الْمَاءَ الدَّافِقَ لِشَهْوَةٍ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ ". وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَنْ تَثْبُتُ لَهُ الذُّكُورِيَّةُ أَوْ الْأُنُوثِيَّةُ. [فَصْلٌ كَانَ الْوَاطِئُ أَوْ الْمَوْطُوءُ صَغِيرًا فَهَلْ عَلَيْهِمَا غُسْلٌ] (290) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ أَوْ الْمَوْطُوءُ صَغِيرًا، فَقَالَ أَحْمَدُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ. وَقَالَ: إذَا أَتَى عَلَى الصَّبِيَّةِ تِسْعُ سِنِينَ، وَمِثْلُهَا يُوطَأُ، وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ. وَسُئِلَ عَنْ الْغُلَامِ يُجَامِعُ مِثْلُهُ وَلَمْ يَبْلُغْ، فَجَامَعَ الْمَرْأَةَ، يَكُونُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا الْغُسْلُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ لَهُ: أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ: تَرَى عَائِشَةَ حِينَ كَانَ يَطَؤُهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ تَكُنْ تَغْتَسِلُ، وَيُرْوَى عَنْهَا: " إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ ". وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْمَأْثَمُ، وَلَا هِيَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ. وَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ الَّتِي تَجِبُ الطَّهَارَةُ لَهَا، فَأَشْبَهَتْ الْحَائِضَ. وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِتَصْرِيحِهِ بِالْوُجُوبِ، وَذَمِّهِ قَوْلَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَقَوْلِهِ:
مسألة الغسل للكافر إذا أسلم
هُوَ قَوْلُ سَوْءٍ. وَاحْتَجَّ بِفِعْلِ عَائِشَةَ وَرِوَايَتِهَا لِلْحَدِيثِ الْعَامِّ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ؛ وَلِأَنَّهَا أَجَابَتْ بِفِعْلِهَا وَفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهَا: فَعَلْته أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاغْتَسَلْنَا. فَكَيْفَ تَكُونُ خَارِجَةً مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعْنَى وُجُوبِ الْغُسْلِ فِي الصَّغِيرِ التَّأْثِيمُ بِتَرْكِهِ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَالطَّوَافِ، وَإِبَاحَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ الْبَالِغُ بِتَأْخِيرِهِ فِي مَوْضِعٍ يَتَأَخَّرُ الْوَاجِبُ بِتَرْكِهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَخَّرَهُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، لَمْ يَأْثَمْ، وَالصَّبِيُّ لَا صَلَاةَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَأْثَمْ بِالتَّأْخِيرِ، وَبَقِيَ فِي حَقِّهِ شَرْطًا، كَمَا فِي حَقِّ الْكَبِيرِ، وَإِذَا بَلَغَ كَانَ حُكْمُ الْحَدَثِ فِي حَقِّهِ بَاقِيًا، كَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي حَقِّ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةُ الْغُسْلِ لِلْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ] (291) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، سَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًّا، أَوْ مُرْتَدًّا، اغْتَسَلَ قَبْلَ إسْلَامِهِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ، وُجِدَ مِنْهُ فِي زَمَنِ كُفْرِهِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ أَوْ لَمْ يُوجَدْ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وُجِدَتْ مِنْهُ جَنَابَةٌ زَمَنَ كُفْرِهِ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ إذَا أَسْلَمَ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ اغْتَسَلَ فِي زَمَنِ كُفْرِهِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ الْغُسْلَ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ وَالْجَمَّ الْغَفِيرَ أَسْلَمُوا، فَلَوْ أُمِرَ كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ بِالْغُسْلِ، لَنُقِلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا أَوْ ظَاهِرًا؛ وَلِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ قَالَ: اُدْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» . وَلَوْ كَانَ الْغُسْلُ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ. وَلَنَا: مَا رَوَى «قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرِيدُ الْإِسْلَامَ فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ قِلَّةِ النَّقْلِ، فَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ أَوْجَبَ الْغُسْلَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْجَنَابَةِ فِي شِرْكِهِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَالِغَ لَا يَسْلَمُ مِنْهَا، ثُمَّ إنَّ الْخَبَرَ إذَا صَحَّ كَانَ حُجَّةً مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ شَرْطٍ آخَرَ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ، حِينَ أَرَادَا الْإِسْلَامَ، سَأَلَا مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وَأَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إذَا دَخَلْتُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَا: نَغْتَسِلُ، وَنَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُسْتَفِيضًا؛ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ جَنَابَةٍ تَلْحَقُهُ، وَنَجَاسَةٍ تُصِيبُهُ، وَهُوَ لَا يَغْتَسِلُ، وَلَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ إذَا اغْتَسَلَ، فَأُقِيمَتْ مَظِنَّةُ ذَلِكَ مَقَامَ حَقِيقَتِهِ، كَمَا أُقِيمَ النَّوْمُ مَقَامَ الْحَدَثِ، وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ مَقَامَ الْإِنْزَالِ.
فصل أجنب الكافر ثم أسلم
[فَصْلٌ أَجْنَبَ الْكَافِرُ ثُمَّ أَسْلَمَ] (292) فَصْلٌ: فَإِنْ أَجْنَبَ الْكَافِرُ ثُمَّ أَسْلَمَ، لَمْ يَلْزَمْهُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ، سَوَاءٌ اغْتَسَلَ فِي كُفْرِهِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ. وَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ غُسْلَ الْإِسْلَامِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ الْغُسْلُ فِي الْحَالَيْنِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّكْلِيفِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْغُسْلِ، كَالصِّبَا وَالْجُنُونِ، وَاغْتِسَالُهُ فِي كُفْرِهِ لَا يَرْفَعُ حَدَثَهُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَدَثَيْنِ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ فِي حَالِ كُفْرِهِ كَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَرْفَعُ حَدَثَهُ؛ لِأَنَّهُ أَصَحُّ نِيَّةً مِنْ الصَّبِيِّ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فَلَمْ تَصِحَّ مِنْ كَافِرٍ، كَالصَّلَاةِ. وَلَنَا - عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ - أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَمَرَ أَحَدًا بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْبَالِغِينَ الْمُتَزَوِّجِينَ؛ وَلِأَنَّ الْمَظِنَّةَ أُقِيمَتْ مُقَامَ حَقِيقَةِ الْحَدَثِ، فَسَقَطَ حُكْمُ الْحَدَثِ كَالسَّفَرِ مَعَ الْمَشَقَّةِ. [فَصْلٌ اسْتِحْبَابُ الِاغْتِسَالِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ] (293) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ الْمُسْلِمُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، كَمَا فِي حَدِيثِ قَيْسٍ. وَيُسْتَحَبُّ إزَالَةُ شَعْرِهِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ رَجُلًا أَسْلَمَ، فَقَالَ: احْلِقْ. وَقَالَ لِآخَرَ مَعَهُ: أَلْقِ عَنْك شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ. [مَسْأَلَةٌ الطُّهْرُ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ] (294) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالطُّهْرُ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا تَجَوُّزٌ؛ فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ فِي التَّحْقِيقِ هُوَ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْحَدَثُ، وَانْقِطَاعُهُ شَرْطُ وُجُوبِ الْغُسْلِ وَصِحَّتِهِ، فَسَمَّاهُ مُوجِبًا لِذَلِكَ، وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ: انْقِطَاعُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ
فصل الولادة إذا عريت عن دم
مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ. وَالْمُبْطِلُ إنَّمَا هُوَ الْحَدَثُ الْخَارِجُ، لَكِنْ عُفِيَ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ زَالَتْ الضَّرُورَةُ، فَظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ حِينَئِذٍ وَأُضِيفَ الْحُكْمُ إلَى الِانْقِطَاعِ؛ لِظُهُورِهِ عِنْدَهُ. وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ فِي أَحَادِيثَ، كَثِيرَةٍ «، فَقَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ، وَأَمَرَ بِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَسَهْلَةِ بِنْتِ سُهَيْلٍ، وَحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَغَيْرِهِنَّ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: 222] يَعْنِي: إذَا اغْتَسَلْنَ. مُنِعَ الزَّوْجُ وَطْأَهَا قَبْلَ الْغُسْلِ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَيْهَا. وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ سَوَاءٌ؛ فَإِنَّ دَمَ النِّفَاسِ هُوَ دَمُ الْحَيْضِ، وَإِنَّمَا كَانَ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ يَنْصَرِفُ إلَى غِذَاءِ الْوَلَدِ، فَحِينَ خَرَجَ الْوَلَدُ خَرَجَ الدَّمُ لِعَدَمِ مَصْرِفِهِ، وَسُمَيٌّ نِفَاسًا [فَصْلُ الْوِلَادَةِ إذَا عَرِيَتْ عَنْ دَمٍ] (295) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْوِلَادَةُ إذَا عَرِيَتْ عَنْ دَمٍ، فَلَا يَجِبُ فِيهَا الْغُسْلُ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فِيهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةٌ لِلنِّفَاسِ الْمُوجِبِ، فَقَامَتْ مَقَامَهُ فِي الْإِيجَابِ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ؛ وَلِأَنَّهَا يُسْتَبْرَأُ بِهَا الرَّحِمُ أَشْبَهَتْ الْحَيْضَ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ. وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ؛ فَإِنَّ الْوُجُوبَ بِالشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ بِالْغُسْلِ هَاهُنَا، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ وَلَا مَنِيٍّ؛ وَإِنَّمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْإِيجَابِ بِهَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ مَظِنَّةٌ. قُلْنَا: الْمَظَانُّ إنَّمَا يُعْلَمُ جَعْلُهَا مَظِنَّةً بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، وَلَا نَصَّ فِي هَذَا وَلَا إجْمَاعَ، وَالْقِيَاسُ الْآخَرُ مُجَرَّدُ طَرْدٍ لَا مَعْنَى تَحْتَهُ، ثُمَّ قَدْ اخْتَلَفَا فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، فَلَيْسَ تَشْبِيهُهُ بِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ أَوْلَى مِنْ مُخَالَفَتِهِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ. [فَصْلٌ إذَا كَانَ عَلَى الْحَائِضِ جَنَابَةٌ] (296) فَصْلٌ: إذَا كَانَ عَلَى الْحَائِضِ جَنَابَةٌ، فَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ حَتَّى يَنْقَطِعَ حَيْضُهَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغُسْلَ لَا يُفِيدُ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ، فَإِنْ اغْتَسَلَتْ لِلْجَنَابَةِ فِي زَمَنِ حَيْضِهَا، صَحَّ غُسْلُهَا، وَزَالَ حُكْمُ الْجَنَابَةِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ: تَزُولُ الْجَنَابَةَ، وَالْحَيْضُ لَا يَزُولُ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ. قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: لَا تَغْتَسِلُ. إلَّا عَطَاءً، فَإِنَّهُ قَالَ: الْحَيْضُ أَكْبَرُ. قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: تَغْتَسِلُ. وَهَذَا لِأَنَّ أَحَدَ الْحَدَثَيْنِ لَا يَمْنَعُ ارْتِفَاعَ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ. [فَصْلٌ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ] (297) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ
فصل لا يجب الغسل على المجنون والمغمى عليه
وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَعَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُمَا قَالَا: مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ. وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَ مَيِّتًا فَلْيَتَوَضَّأْ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ، فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ الْكَافِرَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَغْتَسِلَ لَمَّا غَسَّلَ أَبَاهُ.» وَلَنَا قَوْلُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الرَّازِيّ، قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ» ؛ وَلِأَنَّهُ غُسْلُ آدَمِيٍّ فَلَمْ يُوجِبْ الْغُسْلَ كَغُسْلِ الْحَيِّ، وَحَدِيثُهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَيْسَ فِي هَذَا حَدِيثٌ يَثْبُتُ، وَلِذَلِكَ لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ حَمَلُهُ. وَقَدْ ذُكِرَ لِعَائِشَةِ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ " وَمَنْ حَمَلِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ " قَالَتْ: وَهَلْ هِيَ إلَّا أَعْوَادٌ حَمَلَهَا، ذَكَرَهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ فِي الْوُضُوءِ مِنْ حَمْلِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ غَسَّلَ أَبَا طَالِبٍ، إنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اذْهَبْ فَوَارِهِ، وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي. قَالَ: فَأَتَيْته فَأَخْبَرْته، فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْت.» وَقَدْ قِيلَ: يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْكَافِرِ الْحَيِّ. وَلَا نَعْلَمُ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ حُجَّةً تُوجِبُهُ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ. [فَصْلٌ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ] (298) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا أَفَاقَا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ مِنْ الْإِغْمَاءِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ وَلِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ فِي نَفَسِهِ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْغُسْلِ، وَوُجُودُ الْإِنْزَالِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا نَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ، فَإِنْ تَيَقَّنَ مِنْهُمَا الْإِنْزَالَ فَعَلَيْهِمَا الْغُسْلُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ احْتِلَامٍ، فَيَدْخُلُ فِي جُمْلَةِ الْمُوجِبَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَيُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ مِنْ جَمِيعِ مَا نَفَيْنَا وُجُوبَ الْغُسْلِ مِنْهُ؛ لِوُجُودِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ، وَالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ. [مَسْأَلَةُ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَالْمُشْرِكِ إذَا غَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِي الْمَاءِ] (299) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ وَالْمُشْرِكُ إذَا غَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِي الْمَاءِ، فَهُوَ طَاهِرٌ) أَمَّا طَهَارَةُ الْمَاءِ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَاسَةٌ، فَإِنَّ أَجْسَامَهُمْ طَاهِرَةٌ، وَهَذِهِ الْأَحْدَاثُ لَا تَقْتَضِي تَنْجِيسَهَا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَرَقَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ، ثَبَتَ
فصل الحائض والكافر إذا غمسا أيديهما في الماء
ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ عَرَقُ الْحَائِضِ طَاهِرٌ. وَكُلُّ ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُمْ. وَقَدْ رَوَى «أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، قَالَ: فَانْخَنَسْت مِنْهُ فَاغْتَسَلْت، ثُمَّ جِئْت؛ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْت يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْت جُنُبًا فَكَرِهْت أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّمَ إلَيْهِ بَعْضُ نِسَائِهِ قَصْعَةً لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا. فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: إنِّي غَمَسْت يَدِي فِيهَا وَأَنَا جُنُبٌ. فَقَالَ: الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ وَقَالَ لِعَائِشَةَ: نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ. فَقَالَتْ: إنِّي حَائِضٌ، قَالَ إنَّ حَيْضَتَك لَيْسَتْ فِي يَدِك وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْرَبُ مِنْ سُؤْرِ عَائِشَةَ وَهِيَ حَائِضٌ، وَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيهَا. وَتَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَيَأْخُذُهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيهَا. وَكَانَتْ تَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ حَائِضٌ، وَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَتَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ «. وَأَجَابَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَهُودِيًّا دَعَاهُ إلَى خُبْزٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ» ؛ وَلِأَنَّ الْكُفْرَ مَعْنًى فِي قَلْبِهِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي نَجَاسَةِ ظَاهِرِهِ كَسَائِرِ مَا فِي الْقَلْبِ، وَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ. وَيَتَخَرَّجُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْكِتَابِيِّ الَّذِي لَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ، وَمَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ، كَمَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُمْ فِي آنِيَتِهِمْ وَثِيَابِهِمْ. [فَصْلٌ الْحَائِضُ وَالْكَافِرُ إذَا غَمَسَا أَيْدِيَهُمَا فِي الْمَاءِ] (300) فَصْلٌ: وَأَمَّا طُهُورِيَّةُ الْمَاءِ، فَإِنَّ الْحَائِضَ وَالْكَافِرَ لَا يُؤَثِّرُ غَمْسُهُمَا يَدَيْهِمَا فِي الْمَاءِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ حَدَثَهُمَا لَا يَرْتَفِعُ. وَأَمَّا الْجُنُبُ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِغَمْسِ يَدِهِ فِي الْمَاءِ رَفْعَ الْحَدَثِ مِنْهَا فَهُوَ بَاقٍ عَلَى طُهُورِيَّتِهِ؛ بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْمَرْأَةِ الَّتِي قَالَتْ: غَمَسْت يَدِي فِي الْمَاءِ وَأَنَا جُنُبٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ ". وَلِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يَرْتَفِعُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، فَأَشْبَهَ غَمْسَ الْحَائِضِ وَإِنْ نَوَى رَفْعَ حَدَثِهَا، فَحُكْمُ الْمَاءِ حُكْمُ مَا لَوْ اغْتَسَلَ الْجُنُبُ فِيهِ لِلْجَنَابَةِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ، ثُمَّ غَمَسَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ لِيَغْتَرِفَ بِهَا، صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا. وَالصَّحِيحُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - أَنَّهُ إذَا نَوَى الِاغْتِرَافَ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّ قَصْدَ الِاغْتِرَافِ مَنَعَ قَصْدَ غَسْلِهَا، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْمُتَوَضِّئِ إذَا اغْتَرَفَ مِنْ الْإِنَاءِ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ.
مسألة لا يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة
وَإِنْ انْقَطَعَ حَيْضُ الْمَرْأَةِ وَلَمْ تَغْتَسِلْ، فَهِيَ كَالْجُنُبِ، فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ، فِي الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ: إذَا كَانَا نَظِيفَيْنِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: كُنْت لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، ثُمَّ حُدِّثْت عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَكَأَنِّي تَهَيَّبْته. وَسُئِلَ عَنْ جُنُبٍ وُضِعَ لَهُ مَاءٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ يَنْظُرُ حَرَّهُ مِنْ بَرْدِهِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ إصْبَعًا فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ أَجْمَعَ فَكَأَنَّهُ كَرِهَهُ. وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَلَا مَا يَصُبُّ بِهِ عَلَى يَدِهِ، أَتَرَى لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِفَمِهِ؟ قَالَ: لَا، يَدُهُ وَفَمُهُ وَاحِدٌ. وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ الْمُجَرَّدَةِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ أَدْخَلَ الْجُنُبُ يَدَهُ فِي الْمَاءِ لَمْ يَفْسُدْ، وَإِنْ أَدْخَلَ رِجْلَهُ فَسَدَ؛ لِأَنَّ الْجُنُبَ نَجِسٌ، وَعُفِيَ عَنْ يَدِهِ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ. وَكَرِهَ النَّخَعِيُّ الْوُضُوءَ بِسُؤْرِ الْحَائِضِ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ. لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ لِلصَّلَاةِ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ بِسُؤْرِهَا بَأْسًا؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ. وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى طَهَارَةِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِيمَا إذَا أَصَابَتْهُمَا نَجَاسَةٌ، فَاسْتَوَيَا فِي الْجَنَابَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ نَقُولَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ يُرَادُ بِهَا الِاغْتِرَافُ وَقَصْدُهُ هُوَ الْمَانِعُ مِنْ جَعْلِ الْمَاءِ مُسْتَعْمَلًا، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الرِّجْلِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُغْتَرَفُ بِهَا، فَكَانَ غَمْسُهَا بَعْدَ إرَادَةِ الْغَسْلِ اسْتِعْمَالًا لِلْمَاءِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [مَسْأَلَةٌ لَا يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ] (301) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ إذَا خَلَتْ بِالْمَاءِ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي وُضُوءِ الرَّجُلِ بِفَضْلِ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ إذَا خَلَتْ بِهِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ وَالْحَسَنِ وَغُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ. قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ كَرِهَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَّا إذَا كَانَ جَمِيعًا فَلَا بَأْسَ. وَالثَّانِيَةُ، يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ وَضُوءِ مَيْمُونَةَ وَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: اغْتَسَلْت مِنْ جَفْنَةٍ، فَفَضَلَتْ فِيهَا فَضْلَةٌ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْتَسِلُ، فَقُلْت: إنِّي قَدْ اغْتَسَلْت مِنْهُ، فَقَالَ: الْمَاءُ لَيْسَ عَلَى جَنَابَةٍ» وَلِأَنَّهُ مَاءٌ طَهُورٌ، جَازَ لِلْمَرْأَةِ الْوُضُوءُ بِهِ، فَجَازَ لِلرَّجُلِ كَفَضْلِ الرَّجُلِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرَوَاهُ، أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ: خَبَرُ الْأَقْرَعِ لَا يَصِحُّ. وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا خَبَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ، وَمَنْ رَفَعَهُ فَقَدْ أَخْطَأَ. قُلْنَا: قَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَهَذَا يُقَدَّمُ عَلَى التَّضْعِيفِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ خَفِيٍّ عَلَى مَنْ ضَعَّفَهُ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، قَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ: إذَا خَلَتْ بِالْمَاءِ فَلَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ. فَأَمَّا حَدِيثُ مَيْمُونَةَ فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: أَنْفِيهِ؛ لِحَالِ سِمَاكٍ، لَيْسَ أَحَدٌ يَرْوِيهِ غَيْرُهُ. وَقَالَ: هَذَا فِيهِ اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ، بَعْضُهُمْ يَرْفَعُهُ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَرْفَعُهُ. وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا لَمْ تَخْلُ بِهِ، فَيُجْعَلُ عَلَيْهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ. (302) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَفْسِيرِ الْخَلْوَةِ بِهِ، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ قَوْلًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ هِيَ أَنْ لَا يَحْضُرَهَا مَنْ لَا تَحْصُلُ الْخَلْوَةُ فِي النِّكَاحِ بِحُضُورِهِ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا، أَوْ امْرَأَةً، أَوْ صَبِيًّا عَاقِلًا؛ لِأَنَّهَا إحْدَى الْخَلْوَتَيْنِ، فَنَافَاهَا حُضُورُ أَحَدِ هَؤُلَاءِ كَالْأُخْرَى. وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ أَنْ لَا يُشَاهِدَهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، فَإِنْ شَاهَدَهَا صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ رَجُلٌ كَافِرٌ، لَمْ تَخْرُجْ بِحُضُورِهِمْ عَنْ الْخَلْوَةِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ إلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ اسْتِعْمَالُهَا لِلْمَاءِ مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةِ الرَّجُلِ فِي اسْتِعْمَالِهِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَغْتَسِلَ هُوَ بِهِ. وَإِذَا شَرَعَا فِيهِ جَمِيعًا فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ: اغْتَسِلَا جَمِيعًا؛ هُوَ هَكَذَا، وَأَنْتِ هَكَذَا - قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ فِي إشَارَتِهِ: كَانَ الْإِنَاءُ بَيْنَهُمَا - وَإِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبَنَّهُ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَقَدْ «كَانَتْ عَائِشَةُ تَغْتَسِلُ هِيَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، يَغْتَرِفَانِ مِنْهُ جَمِيعًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَيُخَصُّ بِهَذَا عُمُومُ النَّهْيِ وَبَقِينَا فِيمَا عَدَاهُ عَلَى الْعُمُومِ. (303) فَصْلٌ: فَإِنْ خَلَتْ بِهِ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهَا، أَوْ فِي تَجْدِيدِ طَهَارَةٍ، أَوْ اسْتِنْجَاءٍ، أَوْ غَسْلِ نَجَاسَةٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ. وَالثَّانِي لَا يُمْنَعُ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْمُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلَى طَهَارَةِ الْحَدَثِ الْكَامِلَةِ. وَإِنْ خَلَتْ بِهِ ذِمِّيَّةٌ فِي اغْتِسَالِهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا. هُوَ كَخَلْوَةِ الْمُسْلِمَةِ؛ لِأَنَّهَا أَدْنَى حَالًا مِنْ الْمُسْلِمَةِ وَأَبْعَدُ مِنْ الطَّهَارَةِ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِغُسْلِهَا حُكْمٌ، شَرْعِيٌّ، وَهُوَ حِلُّ وَطْئِهَا إذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ الْحَيْضِ وَأَمْرُهَا بِهِ إذَا كَانَ مِنْ جَنَابَةٍ؛ وَالثَّانِي لَا يُؤَثِّرُ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا لَا تَصِحُّ، فَهِيَ كَتَبَرُّدِهَا. وَإِنْ خَلَتْ الْمَرْأَةُ بِالْمَاءِ فِي تَبَرُّدِهَا، أَوْ تَنْظِيفِهَا، أَوْ غَسْلِ ثَوْبِهَا مِنْ الْوَسَخِ، لَمْ يُؤَثِّرْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَهَارَةٍ.
(304) فَصْلٌ: وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ خَلْوَتُهَا فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ، وَمَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ لَا تُؤَثِّرُ خَلْوَتُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ النَّجَاسَةِ وَالْحَدَثِ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ، فَوَهْمُ ذَلِكَ أَوْلَى. (305) فَصْلٌ: وَمَنْعُ الرَّجُلِ مِنْ اسْتِعْمَالِ فَضْلَةِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ تَعَبُّدِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَلِذَلِكَ يُبَاحُ لِامْرَأَةٍ سِوَاهَا التَّطَهُّرُ بِهِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَغَسْلِ النَّجَاسَةِ، وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ اخْتَصَّ الرَّجُلَ وَلَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ، فَيَجِبُ قَصْرُهُ عَلَى مَحَلِّ النَّهْيِ، وَهَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ غَسْلُ النَّجَاسَةِ بِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ لَا يَرْفَعُ حَدَثَهُ، فَلَمْ يُزِلْ النَّجَسَ، كَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ. وَالثَّانِي يَجُوزُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ يُطَهِّرُ الْمَرْأَةَ مِنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ، وَيُزِيلُهَا مِنْ الْمَحَالِّ كُلِّهَا إذَا فَعَلَتْهُ، فَيُزِيلُهَا إذَا فَعَلَهُ الرَّجُلُ كَسَائِرِ الْمِيَاهِ؛ وَلِأَنَّهُ مَاءٌ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بِمُبَاشَرَةِ الْمَرْأَةِ، فَيُزِيلُهَا إذَا فَعَلَهُ الرَّجُلُ، كَسَائِرِ الْمِيَاهِ، وَالْحَدِيثُ لَا نَعْقِلُ عِلَّتَهُ، فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ لَفْظُهُ، وَنَحْوُ هَذَا يُحْكَى عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
باب الغسل من الجنابة
[بَابُ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ] [مَسْأَلَةٌ كَيْفِيَّةُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ] ِ (306) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ (وَإِذَا أَجْنَبَ غَسَلَ مَا بِهِ مِنْ أَذًى، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا، يَرْوِي أُصُولَ الشَّعْرِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ) . قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَال جَنَبَ الرَّجُلُ وَأَجْنَبَ وَتَجَنَّبَ وَاجْتَنَبَ، مِنْ الْجَنَابَةِ. وَلِغُسْلِ الْجَنَابَةِ صِفَتَانِ: صِفَةُ إجْزَاءٍ، وَصِفَةُ كَمَالٍ، فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا صِفَةُ الْكَمَالِ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْكَامِلُ يَأْتِي فِيهِ بِعَشَرَةِ أَشْيَاءَ النِّيَّةِ، وَالتَّسْمِيَةِ، وَغَسْلِ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، وَغَسْلِ مَا بِهِ مِنْ أَذًى، وَالْوُضُوءِ، وَيُحْثِي عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا يَرْوِي بِهَا أُصُولَ الشَّعْرِ، وَيُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، وَيَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيَدْلُكُ بَدَنَهُ بِيَدِهِ، وَيَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعِ غُسْلِهِ فَيَغْسِلُ قَدَمَيْهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَلِّلَ أُصُولَ شَعْرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ بِمَاءٍ قَبْلَ إفَاضَتِهِ عَلَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ: الْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُخَلِّلُ شَعْرَهُ بِيَدِهِ، حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: «وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضُوءَ الْجَنَابَةِ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ أَوْ الْحَائِطَ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، فَأَتَيْته بِالْمِنْدِيلِ، فَلَمْ يُرِدْهَا، وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ كَثِيرٌ مِنْ الْخِصَالِ الْمُسَمَّاةِ، وَأَمَّا الْبِدَايَةُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي طُهُورِهِ، وَفِي حَدِيثٍ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوِ الْحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفَّيْهِ، ثُمَّ بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ بَعْدَ الْغُسْلِ، فَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَوْضِعِهِ؛ فَقَالَ فِي رِوَايَةٍ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَغْسِلَهُمَا بَعْدَ الْوُضُوءِ؛ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ: الْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ. وَفِيهِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ اغْتِسَالِهِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: غَسْلُ رِجْلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ وَبَعْدَهُ وَقَبْلَهُ سَوَاءٌ. وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَحَادِيثِ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ الْغُسْلِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَصْلُ الْغَسْلِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ غَسَلَ مَرَّةً وَعَمَّ بِالْمَاءِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ] (307) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ غَسَلَ مَرَّةً، وَعَمَّ بِالْمَاءِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، أَجْزَأَهُ، بَعْدَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ وَيَنْوِيَ بِهِ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ، وَكَانَ تَارِكًا لِلِاخْتِيَارِ) هَذَا الْمَذْكُورُ صِفَةُ الْإِجْزَاءِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُخْتَارُ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ: " وَكَانَ تَارِكًا لِلِاخْتِيَارِ ". يَعْنِي إذَا
فصل إمرار يده على جسده في الغسل والوضوء
اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا أَجْزَأَهُ مَعَ تَرْكِهِ لِلْأَفْضَلِ وَالْأَوْلَى. وَقَوْلُهُ: " وَيَنْوِيَ بِهِ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ ". يَعْنِي أَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْغُسْلُ عَنْهُمَا إذَا نَوَاهُمَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا يُجْزِئُهُ الْغُسْلُ عَنْ الْوُضُوءِ، حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ قَبْلَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَهُ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ الْجَنَابَةَ وَالْحَدَثَ وُجِدَا مِنْهُ، فَوَجَبَتْ لَهُمَا الطَّهَارَتَانِ، كَمَا لَوْ كَانَا مُفْرَدَيْنِ. وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] . جَعَلَ الْغُسْلَ غَايَةً لِلْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ، فَإِذَا اغْتَسَلَ يَجِبُ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْهَا؛ وَلِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَتَدْخُلُ الصُّغْرَى فِي الْكُبْرَى، كَالْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْمُغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ إذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ وَعَمَّ جَمِيعَ جَسَدِهِ، فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا افْتَرَضَ عَلَى الْجُنُبِ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ، دُونَ الْوُضُوءِ، بِقَوْلِهِ {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] . وَهُوَ إجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، إلَّا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ، تَأَسِّيًا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَلِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى الْغُسْلِ، وَأَهْذَبُ فِيهِ. وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ. فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْوُضُوءَ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا عَنْ الْغُسْلِ. فَإِنْ نَوَاهُمَا ثُمَّ أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ غُسْلِهِ، أَتَمَّ غُسْلَهُ، وَيَتَوَضَّأُ» . وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَالثَّوْرِيُّ. وَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَسْتَأْنِفُ الْغُسْلَ. وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يُنَافِي الْغُسْلَ، فَلَا يُؤَثِّرُ وُجُودُهُ فِيهِ، كَغَيْرِ الْحَدَثِ. [فَصْلٌ إمْرَارُ يَدِهِ عَلَى جَسَدِهِ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ] (308) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إمْرَارُ يَدِهِ عَلَى جَسَدِهِ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ، إذَا تَيَقَّنَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُصُولُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَحَمَّادٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَقَالَ مَالِكٌ: إمْرَارُ يَدِهِ إلَى حَيْثُ تَنَالُ يَدُهُ وَاجِبٌ. وَنَحْوُهُ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، فِي الْجُنُبِ يُفِيضُ عَلَيْهِ الْمَاءَ، قَالَ: لَا، بَلْ يَغْتَسِلُ غُسْلَانِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] وَلَا يُقَالُ: اغْتَسَلَ إلَّا لِمَنْ دَلَكَ نَفْسَهُ؛ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ، فَوَجَبَ إمْرَارُ الْيَدِ فِيهَا، كَالتَّيَمُّمِ. وَلَنَا مَا رَوَتْ «أُمُّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: لَا، إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْك الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّهُ غُسْلٌ وَاجِبٌ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ إمْرَارُ الْيَدِ، كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ، وَمَا ذَكَرُوهُ فِي
فصل حكم الترتيب والموالاة في أعضاء الوضوء
الْغُسْلِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَإِنَّهُ يُقَالُ: غَسَلَ الْإِنَاءَ وَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ، وَيُسَمَّى السَّيْلُ الْكَبِيرُ غَاسُولًا، وَالتَّيَمُّمُ أُمِرْنَا فِيهِ بِالْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ بِالتُّرَابِ، وَيَتَعَذَّرُ فِي الْغَالِبِ إمْرَارُ التُّرَابِ إلَّا بِالْيَدِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ تُذْكَرْ فِيهِ النِّيَّةُ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَلَا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَهُمَا وَاجِبَانِ عِنْدَكُمْ. قُلْنَا: أَمَّا النِّيَّةُ فَإِنَّهَا سَأَلَتْهُ عَنْ الْجَنَابَةِ، وَلَا يَكُونُ الْغُسْلُ لِلْجَنَابَةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فَقَدْ دَخَلَا فِي عُمُومِهِ؛ لِقَوْلِهِ: " ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْك الْمَاءَ ". وَالْفَمُ وَالْأَنْفُ مِنْ جُمْلَتِهَا. [فَصْلٌ حُكْمُ التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ] فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ وَلَا الْمُوَالَاةُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إذَا قُلْنَا: الْغُسْلُ يُجْزِئُ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ دَخَلَتْ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى، فَسَقَطَ حُكْمُ الصُّغْرَى، كَالْعُمْرَةِ مَعَ الْحَجِّ. نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ، قَالَ حَنْبَلٌ: سَأَلْته عَنْ جُنُبٍ اغْتَسَلَ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ ضَيِّقٌ؟ قَالَ: يَغْسِلُ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ. قُلْت: فَإِنْ جَفَّ غُسْلُهُ؟ قَالَ: يَغْسِلُهُ، لَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوُضُوءِ، الْوُضُوءُ مَحْدُودٌ، وَهَذَا عَلَى الْجُمْلَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] قُلْت: فَإِنْ صَلَّى ثُمَّ ذَكَرَ؟ قَالَ: يَغْسِلُ مَوْضِعَهُ، ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ. وَأَكْثُرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ تَفْرِيقَ الْغُسْلِ مُبْطِلًا لَهُ، إلَّا أَنَّ رَبِيعَةَ قَالَ: مَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَأَرَى عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْغُسْلَ. وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ لَا يَجِبُ فِيهِ التَّرْتِيبُ، فَلَا تَجِبُ الْمُوَالَاةُ، كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ، فَلَوْ اغْتَسَلَ إلَّا أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ، لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ فِيهَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْجَنَابَةِ بَاقٍ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْآمِدِيُّ، فِيمَنْ غَسَلَ جَمِيعَ بَدَنِهِ إلَّا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَحْدَثَ: يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ؛ لِانْفِرَادِهَا بِالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الرِّجْلَيْنِ؛ لِاجْتِمَاعِ الْحَدَثَيْنِ فِيهِمَا. [فَصْلٌ وَاجِبَاتُ الْغُسْلِ شَيْئَانِ] (310) فَصْلٌ: فَعَلَى هَذَا تَكُونُ وَاجِبَاتُ الْغُسْلِ شَيْئَيْنِ لَا غَيْرُ؛ النِّيَّةُ، وَغَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ، فَأَمَّا التَّسْمِيَةُ فَحُكْمُهَا حُكْمُ التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ عَلَى مَا مَضَى، بَلْ حُكْمُهَا فِي الْجَنَابَةِ أَخَفُّ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ التَّسْمِيَةِ إنَّمَا تَنَاوَلَ بِصَرِيحِهِ الْوُضُوءَ لَا غَيْرُ. [فَصْلٌ إذَا اجْتَمَعَ شَيْئَانِ يُوجِبَانِ الْغُسْلَ كَالْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ] (311) فَصْلٌ: إذَا اجْتَمَعَ شَيْئَانِ يُوجِبَانِ الْغُسْلَ، كَالْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ، أَوْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَالْإِنْزَالِ، وَنَوَاهُمَا بِطَهَارَتِهِ، أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا. قَالَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَأَبُو الزِّنَادِ وَرَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَيُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ، فِي الْحَائِضِ الْجُنُبِ، يَغْتَسِلُ غُسْلَيْنِ. وَلَنَا أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَغْتَسِلُ مِنْ الْجِمَاعِ إلَّا غُسْلًا وَاحِدًا» ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ، إذْ هُوَ لَازِمٌ
فصل بقيت لمعة من جسده لم يصبها الماء
لِلْإِنْزَالِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ؛ وَلِأَنَّهُمَا سَبَبَانِ يُوجِبَانِ الْغُسْلَ، فَأَجْزَأَ الْغُسْلُ الْوَاحِدُ عَنْهُمَا، كَالْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ. وَهَكَذَا الْحُكْمُ إنْ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ تُوجِبُ الطَّهَارَةَ الصُّغْرَى كَالنَّوْمِ، وَخُرُوجِ النَّجَاسَةِ، وَاللَّمْسِ، فَنَوَاهَا بِطَهَارَتِهِ أَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ، أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْجَمِيعِ. وَإِنْ نَوَى أَحَدَهَا، أَوْ نَوَتْ الْمَرْأَةُ الْحَيْضَ دُونَ الْجَنَابَةِ، فَهَلْ تُجْزِئُهُ عَنْ الْآخَرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا تُجْزِئُهُ عَنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ صَحِيحٌ نَوَى بِهِ الْفَرْضَ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ. وَالثَّانِي يُجْزِئُهُ عَمَّا نَوَاهُ دُونَ مَا لَمْ يَنْوِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " إنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ". وَكَذَلِكَ لَوْ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ، هَلْ تُجْزِئُهُ عَنْ الْجَنَابَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، مَضَى تَوْجِيهُهُمَا فِيمَا مَضَى. [فَصْلٌ بَقِيَتْ لُمْعَةٌ مِنْ جَسَدِهِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ] (312) فَصْلٌ: إذَا بَقِيَتْ لُمْعَةٌ مِنْ جَسَدِهِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ، فَرَأَى لُمْعَةً لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَدَلَكَهَا بِشَعْرِهِ» . قَالَ: نَعَمْ، آخُذُ بِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي اغْتَسَلْت مِنْ الْجَنَابَةِ، وَصَلَّيْت، ثُمَّ أَضْحَيْت فَرَأَيْت قَدْرَ مَوْضِعِ الظُّفْرِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ كُنْت مَسَحْت عَلَيْهِ بِيَدِك أَجْزَأَك» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا. قَالَ مُهَنَّا: وَذَكَرَ لِي أَحْمَدُ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ رَأَى عَلَى رَجُلٍ مَوْضِعًا لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْصِرَ شَعْرَهُ عَلَيْهِ» . وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: يَأْخُذُ مَاءً جَدِيدًا، فِيهِ حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ بِعَصْرِ شَعْرِهِ. وَذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَصَرَ لِمَّتَهُ عَلَى لُمْعَةٍ كَانَتْ فِي جَسَدِهِ. قَالَ: ذَاكَ وَلَمْ يُصَحِّحْهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ إذَا كَانَ مِنْ بَلَلِ الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ، وَجَرَى مَاؤُهُ عَلَى تِلْكَ اللُّمْعَةِ؛ لِأَنَّ غَسْلَهَا بِذَلِكَ الْبَلَلِ كَغَسْلِهَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ يُتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيُغْتَسَلُ بِالصَّاعِ] (313) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ) . لَيْسَ فِي حُصُولِ الْإِجْزَاءِ بِالْمُدِّ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّاعِ فِي الْغُسْلِ خِلَافٌ نَعْلَمُهُ، وَقَدْ رَوَى سَفِينَةُ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْسِلُهُ الصَّاعُ مِنْ الْمَاءِ مِنْ الْجَنَابَةِ؛ وَيُوَضِّئُهُ الْمُدُّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرُوِيَ أَنَّ قَوْمًا سَأَلُوا جَابِرًا عَنْ الْغُسْلِ، فَقَالَ: يَكْفِيك صَاعٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي. فَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى شَعْرًا مِنْك، وَخَيْرٌ مِنْك. يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ صِحَاحٌ، وَالصَّاعُ: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلْثٌ بِالْعِرَاقِيِّ، وَالْمُدُّ: رُبُعُ ذَلِكَ، وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الصَّاعُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ؛ لِأَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ - وَهُوَ رِطْلَانِ - وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ» . وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ»
مسألة إسباغ الوضوء والغسل بدون المد والصاع
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَعْلَمُهُ فِي أَنَّ الْفَرَقَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ، وَالْفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، فَثَبَتَ أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ. وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ الصَّاعِ؟ فَقَالُوا: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلْثٌ. فَطَالَبَهُمْ بِالْحُجَّةِ فَقَالُوا: غَدًا. فَجَاءَ مِنْ الْغَدِ سَبْعُونَ شَيْخًا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ آخِذٌ صَاعًا تَحْتَ رِدَائِهِ، فَقَالَ: صَاعِي وَرِثْته عَنْ أَبِي، وَوَرِثَهُ أَبِي عَنْ جَدِّي، حَتَّى انْتَهَوْا بِهِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ قَوْلِهِ. وَهَذَا إسْنَادٌ مُتَوَاتِرٌ يُفِيدُ الْقَطْعَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ» . وَلَمْ يَثْبُتْ لَنَا تَغْيِيرُهُ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا انْفَرَدَ بِهِ مُوسَى بْنُ نَصْرٍ، وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ. قَالَهُ. الدَّارَقُطْنِيّ (314) فَصْلٌ: وَالرِّطْلُ الْعِرَاقِيُّ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ تِسْعُونَ مِثْقَالًا. وَالْمِثْقَالُ دِرْهَمٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ. هَكَذَا كَانَ قَدِيمًا، ثُمَّ إنَّهُمْ زَادُوا فِيهِ مِثْقَالًا، فَجَعَلُوهُ إحْدَى وَتِسْعِينَ مِثْقَالًا وَكَمُلَ بِهِ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا، وَقَصَدُوا بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ إزَالَةَ كَسْرِ الدِّرْهَمِ. وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ تَقْدِيرِ الْعُلَمَاءِ الْمُدَّ بِهِ، فَيَكُونُ الْمُدُّ حِينَئِذٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَإِحْدَى وَسَبْعِينَ دِرْهَمًا وَثَلَاثَةَ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَذَلِكَ بِالرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ، الَّذِي وَزْنُهُ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ، ثَلَاثَةُ أَوَاقِيِ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ. وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ فَيَكُنْ رِطْلًا وَأُوقِيَّةً وَخَمْسَةَ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ، وَإِنْ شِئْت قُلْت: هُوَ رِطْلٌ وَسُبُعُ رِطْلٍ [مَسْأَلَةٌ إسْبَاغُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلُ بِدُونِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ] (315) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (فَإِنْ أَسْبَغَ بِدُونِهِمَا أَجْزَأَهُ) مَعْنَى الْإِسْبَاغِ أَنْ يَعُمَّ جَمِيعَ الْأَعْضَاءِ بِالْمَاءِ بِحَيْثُ يَجْرِي عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْغُسْلُ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْغُسْلِ: قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا هُوَ الْغَسْلُ لَيْسَ الْمَسْحَ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَغْسِلَ غُسْلًا وَإِنْ كَانَ مُدًّا أَوْ أَقَلَّ مِنْ مُدٍّ، أَجْزَأَهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ قِيلَ: لَا يُجْزِئُ دُونَ الصَّاعِ فِي الْغُسْلِ وَالْمُدِّ فِي الْوُضُوءِ. وَحُكِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُجْزِئُ مِنْ الْوُضُوءِ مُدٌّ، وَمِنْ الْجَنَابَةِ صَاعٌ» . وَالتَّقْدِيرُ بِهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ بِدُونِهِ. وَلَنَا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغُسْلِ وَقَدْ أَتَى بِهِ، فَيَجِبُ أَنْ يُجْزِئَهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ بِثُلُثَيْ مُدٍّ. وَحَدِيثُهُمْ إنَّمَا دَلَّ بِمَفْهُومِهِ. وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ سِوَى تَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِهِ، وَهَاهُنَا إنَّمَا خَصَّهُ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْغَالِبِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مَنْطُوقٌ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ اتِّفَاقًا. وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ الْقَعْنَبِيِّ،
فصل زاد على المد في الوضوء والصاع في الغسل
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطَاءٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَرَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يَسْأَلُهُ عَمَّا يَكْفِي الْإِنْسَانَ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: إنَّ لِي تَوْرًا يَسَعُ مُدَّيْنِ مِنْ مَاءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَأَغْتَسِلُ بِهِ، وَيَكْفِينِي، وَيَفْضُلُ مِنْهُ فَضْلٌ. فَقَالَ الرَّجُلُ: فَوَاَللَّهِ إنِّي لَأَسْتَنْثِرُ وَأَتَمَضْمَضُ بِمُدَّيْنِ مِنْ مَاءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: فَبِمَ تَأْمُرُنِي إنْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَلْعَبُ بِك؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: فَإِنْ لَمْ يَكْفِنِي، فَإِنِّي رَجُلٌ كَمَا تَرَى عَظِيمٌ. فَقَالَ لَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: ثَلَاثَةُ أَمْدَادٍ. فَقَالَ: ثَلَاثَةُ أَمْدَادٍ قَلِيلٌ. فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ فَصَاعٌ. وَقَالَ سَعِيدٌ: إنَّ لِي رَكْوَةً أَوْ قَدَحًا مَا يَسَعُ إلَّا نِصْفَ الْمُدِّ مَاءً أَوْ نَحْوَهُ، ثُمَّ أَبُولُ ثُمَّ أَتَوَضَّأُ وَأُفْضِلُ مِنْهُ فَضْلًا. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَذَكَرْت هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي سَمِعْت مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ لِسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: وَأَنَا يَكْفِينِي مِثْلُ ذَلِكَ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَذَكَرْت ذَلِكَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَهَكَذَا سَمِعْنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إنِّي لَأَتَوَضَّأُ مِنْ كُوزِ الْحَبِّ مَرَّتَيْنِ. [فَصْلٌ زَادَ عَلَى الْمُدِّ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّاعِ فِي الْغُسْلِ] (316) فَصْلٌ: وَإِنْ زَادَ عَلَى الْمُدِّ فِي الْوُضُوءِ، وَالصَّاعِ فِي الْغُسْلِ، جَازَ؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ الْفَرَقُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ، وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا. وَيُكْرَهُ الْإِسْرَافُ فِي الْمَاءِ، وَالزِّيَادَةُ الْكَثِيرَةُ فِيهِ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْآثَارِ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِسَعْدٍ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: «مَا هَذَا السَّرَفُ؟ . فَقَالَ أَفِي الْوُضُوءِ إسْرَافٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْت عَلَى نَهْرٍ جَارٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا، يُقَالُ لَهُ وَلْهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ» . وَكَانَ يُقَالُ: مِنْ قِلَّةِ فِقْهِ الرَّجُلِ وُلُوعُهُ بِالْمَاءِ. [مَسْأَلَةٌ قَالَ تَنْقُضُ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا لِغُسْلِهَا مِنْ الْحَيْضِ] (317) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَتَنْقُضُ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا لِغُسْلِهَا مِنْ الْحَيْضِ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا نَقْضُهُ مِنْ الْجَنَابَةِ إذَا أَرْوَتْ أُصُولَهُ) نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَنْقُضُ شَعْرَهَا إذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْت لَهُ: فِي هَذَا شَيْءٌ قَالَ: نَعَمْ، حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ قُلْت: فَتَنْقُضُ شَعْرَهَا مِنْ الْحَيْضِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت لَهُ: وَكَيْفَ تَنْقُضُهُ مِنْ الْحَيْضَةِ، وَلَا تَنْقُضُهُ مِنْ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ حَدِيثُ أَسْمَاءَ عَنْ النَّبِيِّ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ " لَا تَنْقُضُهُ. " وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ نَقْضُهُ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَرَوَى أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ "، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ. «بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ إذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ، فَقَالَتْ: يَا عَجَبًا لِابْنِ عُمَرَ، يَأْمُرُ النِّسَاءَ إذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ، أَفَلَا يَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ، رُءُوسَهُنَّ، لَقَدْ كُنْت أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَغْتَسِلُ فَلَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ إفْرَاغَاتٍ» . وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ نَقْضَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ؛ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ «أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِلْجَنَابَةِ؟ قَالَ: لَا، إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْك الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي رَأْسِهَا حَشْوٌ أَوْ سِدْرٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ، فَيَجِبُ إزَالَتُهُ، وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا لَا يَمْنَعُ، لَمْ يَجِبْ، وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ الْمَرْأَةُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ اخْتِصَاصُهَا بِكَثْرَةِ الشَّعْرِ وَتَوْفِيرِهِ وَتَطْوِيلِهِ. وَأَمَّا نَقْضُهُ لِلْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا إذْ كَانَتْ حَائِضًا: «خُذِي مَاءَك وَسِدْرَك، وَامْتَشِطِي» . وَلَا يَكُونُ الْمَشْطُ إلَّا فِي شَعْرٍ غَيْرِ مَضْفُورٍ، وَلِلْبُخَارِيِّ: «اُنْقُضِي رَأْسَك وَامْتَشِطِي» . وَلِابْنِ مَاجَهْ: «اُنْقُضِي شَعْرَك وَاغْتَسِلِي» ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ نَقْضِ الشَّعْرِ لِيَتَحَقَّقَ وُصُولُ الْمَاءِ إلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ، فَعُفِيَ عَنْهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ فَيَشُقُّ ذَلِكَ فِيهِ، وَالْحَيْضُ بِخِلَافِهِ، فَبَقِيَ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ فِي الْوُجُوبِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ «أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضَةِ وَلِلْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: لَا، إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْك الْمَاءَ، فَتَطْهُرِينَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ وَرَوَتْ «، أَسْمَاءُ، أَنَّهَا سَأَلْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ، فَقَالَ: تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا، حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلَوْ كَانَ النَّقْضُ وَاجِبًا لَذَكَرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ؛ وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مِنْ الْبَدَنِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْحَيْضُ وَالْجَنَابَةُ، كَسَائِرِ الْبَدَنِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ، الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ بِالْغُسْلِ، وَلَوْ أُمِرَتْ بِالْغُسْلِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ غُسْلَ الْحَيْضِ، إنَّمَا أُمِرَتْ بِالْغُسْلِ فِي حَالِ الْحَيْضِ لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ؛ فَإِنَّهَا قَالَتْ: أَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْت ذَلِكَ
فصل غسل بشرة الرأس واجب
إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " دَعِي عُمْرَتَك، وَانْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي ". وَإِنْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِالْغُسْلِ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ، وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهَا بِالْمَشْطِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَتِهِ أَوْلَى. [فَصْلٌ غَسْلُ بَشَرَةِ الرَّأْسِ وَاجِبٌ] (318) فَصْلٌ: وَغَسْلُ بَشَرَةِ الرَّأْسِ وَاجِبٌ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّعْرُ كَثِيفًا أَوْ خَفِيفًا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ، كَجِلْدِ اللِّحْيَةِ، وَغَيْرِهَا؛ لِمَا رَوَتْ «أَسْمَاءُ، أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، فَقَالَ: تَأْخُذُ مَاءً، فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أَوْ تَبْلُغُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ» . وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فُعِلَ بِهِ مِنْ النَّارِ كَذَا وَكَذَا» . قَالَ عَلِيٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْت شَعْرِي. قَالَ: وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ بَشَرَةٌ أَمْكَنَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَلَزِمَهُ كَسَائِرِ بَشَرَتِهِ. [فَصْلٌ غَسْلُ مَا اسْتَرْسَلَ مِنْ الشَّعْرِ وَبَلُّ مَا عَلَى الْجَسَدِ مِنْهُ] (319) فَصْلٌ: فَأَمَّا غَسْلُ مَا اسْتَرْسَلَ مِنْ الشَّعْرِ، وَبَلُّ مَا عَلَى الْجَسَدِ مِنْهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَجِبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْأَصْحَابِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَبُلُّوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّهُ شَعْرٌ نَابِتٌ فِي مَحَلِّ الْغُسْلِ، فَوَجَبَ غَسْلُهُ، كَشَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ. وَالثَّانِي لَا يَجِبُ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ". مَعَ إخْبَارِهَا إيَّاهُ بِشَدِّ ضَفْرِ رَأْسِهَا، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَبُلُّ الشَّعْرَ الْمَشْدُودَ ضَفْرُهُ فِي الْعَادَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ بَلُّهُ لَوَجَبَ نَقْضُهُ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْغُسْلَ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الشَّعْرَ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ بِمَوْتِهِ، وَلَا حَيَاةَ فِيهِ، وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَسُّهُ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَلَا تَطْلُقُ بِطَلَاقِهِ، فَلَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ لِلْجَنَابَةِ كَثِيَابِهَا. وَأَمَّا حَدِيثُ: " بُلُّوا الشَّعْرَ ". فَيَرْوِيهِ الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ وَحْدَهُ، وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ. وَأَمَّا الْحَاجِبَانِ فَيَجِبُ غَسْلُهُمَا؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ غَسْلِ بَشَرَتِهِمَا غَسْلُهُمَا. وَكَذَا كُلُّ شَعْرٍ مِنْ ضَرُورَةِ غَسْلِ بَشَرَتِهِ غَسْلُهُ، فَيَجِبُ غَسْلُهُ؛ ضَرُورَةَ أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ. وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ غَسْلِهِ، فَتَرَكَ غَسْلَ بَعْضِهِ، لَمْ يَتِمَّ غُسْلُهُ.
فصل غسل الحيض كغسل الجنابة
فَإِنْ قَطَعَ الْمَتْرُوكَ، ثَمَّ غَسَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي بَدَنِهِ شَيْءٌ غَيْرُ مَغْسُولٍ، وَلَوْ غَسَلَهُ، ثُمَّ انْقَطَعَ، لَمْ يَجِبْ غَسْلُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ. وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي غُسْلِهِ. [فَصْلٌ غُسْلُ الْحَيْضِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ] (320) فَصْلٌ: وَغُسْلُ الْحَيْضِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، إلَّا فِي نَقْضِ الشَّعْرِ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ تَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَتَأْخُذَ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَتَّبِعُ بِهَا مَجْرَى الدَّمِ، وَالْمَوْضِعَ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ الْمَاءُ مِنْ فَرْجِهَا؛ لِيَقْطَعَ عَنْهَا زُفُورَةَ الدَّمِ وَرَائِحَتَهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مِسْكًا فَغَيْرُهُ مِنْ الطِّيبِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَالْمَاءُ شَافٍ كَافٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - اللَّهُ عَنْهَا «. إنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ، قَالَ: تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ سِدْرَتَهَا وَمَاءَهَا، فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَتَطَهَّرُ بِهَا. فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، تَطَهَّرِي بِهَا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ: تَتَبَّعِي أَثَرَ الدَّمِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الْفِرْصَةُ: هِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. [فَصْلٌ الْجُنُبُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَوْ يَطَأَ ثَانِيًا أَوْ يَأْكُلَ يَغْسِلَ فَرْجَهُ وَيَتَوَضَّأُ] (321) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، أَوْ يَطَأَ ثَانِيًا، أَوْ يَأْكُلَ، أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ وَيَتَوَضَّأَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَتَوَضَّأُ إلَّا غَسْلَ قَدَمَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ يَغْسِلُ كَفَّيْهِ وَيَتَمَضْمَضُ. وَحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ إمَامِنَا وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَغْسِلُ كَفَّيْهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ يَدَيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ مَالِكٌ يَغْسِلُ يَدَيْهِ. إنْ كَانَ أَصَابَهُمَا أَذًى. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَنَامُ وَلَا يَمَسُّ مَاءً؛ لِمَا رَوَى الْأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنَامُ، وَهُوَ جُنُبٌ، وَلَا يَمَسُّ مَاءً» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُمَا. وَرَوَى أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ ": حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُجْنِبُ، ثُمَّ يَنَامُ، وَلَا يَمَسُّ مَاءً حَتَّى يَقُومَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَغْتَسِلَ.» وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ حَدَثٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَلَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مَعَ بَقَائِهِ، كَالْحَيْضِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا، وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ
فصول في الحمام
يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ. يَعْنِي وَهُوَ جُنُبٌ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ: «يَنَامُ، وَهُوَ جُنُبٌ، وَلَا يَمَسُّ مَاءً» . فَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَوَضَّأُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ» . رَوَاهُ شُعْبَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ غَلَطٌ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ أَحْمَدُ: أَبُو إِسْحَاقَ رَوَى عَنْ الْأَسْوَدِ حَدِيثًا خَالَفَ فِيهِ النَّاسَ، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ عَنْ الْأَسْوَدِ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ، فَلَوْ أَحَالَهُ عَلَى غَيْرِ الْأَسْوَدِ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ ، عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْجَوَازِ، وَأَحَادِيثُنَا تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَالْحَائِضُ حَدَثُهَا قَائِمٌ، فَلَا وُضُوءَ مَعَ مَا يُنَافِيهِ، فَلَا مَعْنَى لِلْوُضُوءِ. [فُصُولٌ فِي الْحَمَّامِ] بِنَاءُ الْحَمَّامِ، وَبَيْعُهُ، وَشِرَاؤُهُ، وَكِرَاؤُهُ، مَكْرُوهٌ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ فِي الَّذِي يَبْنِي حَمَّامًا لِلنِّسَاءِ: لَيْسَ بِعَدْلٍ. قَالَ أَبُو دَاوُد: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ كَرْيِ الْحَمَّامِ؟ قَالَ: أَخْشَى. كَأَنَّهُ كَرِهَهُ. وَقِيلَ لَهُ، فَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَى الْمُكْتَرِي أَنْ لَا يَدْخُلَهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ إزَارٍ. فَقَالَ: وَيُضْبَطُ هَذَا؟ وَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ. وَإِنَّمَا كَرِهَهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ فِعْلِ الْمُنْكَرَاتِ، مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ، وَمُشَاهَدَتِهَا، وَدُخُولِ النِّسَاءِ إيَّاهُ [فَصْلٌ كَانَ الدَّاخِلُ لِلْحَمَّامِ رَجُلًا] (323) فَصْلٌ: فَأَمَّا دُخُولُهُ؛ فَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ رَجُلًا يَسْلَمُ مِنْ النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَاتِ، وَنَظَرِ النَّاسِ إلَى عَوْرَتِهِ، فَلَا بَأْسَ بِدُخُولِهِ؛ فَإِنَّهُ يُرْوَى، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ حَمَّامًا بِالْجُحْفَةِ. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَيُرْوَى عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، أَنَّهُ دَخَلَ الْحَمَّامَ. وَكَانَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ يَدْخُلَانِ الْحَمَّامَ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ. وَإِنْ خَشِيَ أَنْ لَا يَسْلَمَ مِنْ ذَلِكَ، كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ وُقُوعَهُ فِي الْمَحْظُورِ، فَإِنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ وَمُشَاهَدَتَهَا حَرَامٌ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، «عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَك، إلَّا مِنْ زَوْجَتِك أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُك. قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ» وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ» «. وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَا تَمْشُوا عُرَاةً» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. قَالَ أَحْمَدُ: إنْ عَلِمْت أَنَّ كُلَّ مَنْ فِي الْحَمَّامِ عَلَيْهِ إزَارٌ فَادْخُلْهُ، وَإِلَّا فَلَا تَدْخُلْ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: دُخُولُ الْحَمَّامِ بِغَيْرِ إزَارٍ حَرَامٌ [فَصْلٌ النِّسَاءُ لَيْسَ لَهُنَّ دُخُولُ الْحَمَّامَاتِ] (324) فَصْلٌ: فَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَيْسَ لَهُنَّ دُخُولُهُ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ السَّتْرِ، إلَّا لِعُذْرٍ؛ مِنْ حَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ مَرَضٍ،
فصل اغتسل عريانا بين الناس
أَوْ حَاجَةٍ إلَى الْغُسْلِ، وَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فِي بَيْتِهَا؛ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهَا، أَوْ خَوْفِهَا مِنْ مَرَضٍ، أَوْ ضَرَرٍ، فَيُبَاحُ لَهَا ذَلِكَ، إذَا غَضَّتْ بَصَرَهَا، وَسَتَرَتْ عَوْرَتَهَا. وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ، فَلَا لِمَا رُوِيَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا حَمَّامَاتٍ، فَامْنَعُوا نِسَاءَكُمْ، إلَّا حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ» . وَرُوِيَ «أَنَّ عَائِشَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا نِسَاءٌ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ، فَقَالَتْ: لَعَلَّكُنَّ مِنْ النِّسَاءِ اللَّائِي يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَاتِ، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا خَلَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا هَتَكَتْ سِتْرَهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» . [فَصْلٌ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا بَيْنَ النَّاسِ] (325) فَصْلٌ: وَمَنْ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا بَيْنَ النَّاسِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَشْفَهَا لِلنَّاسِ مُحَرَّمٌ، لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ خَالِيًا جَازَ؛ لِأَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، اغْتَسَلَ عُرْيَانًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَيُّوبُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، اغْتَسَلَ عُرْيَانًا. وَإِنْ سَتَرَهُ إنْسَانٌ بِثَوْبٍ فَلَا بَأْسَ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَتِرُ بِثَوْبٍ، وَيَغْتَسِلُ، وَيُسْتَحَبُّ التَّسَتُّرُ، وَإِنْ كَانَ خَالِيًا؛ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ.» [فَصْلٌ الْغُسْلُ بِمَاءِ الْحَمَّامِ] (326) فَصْلٌ: وَيُجْزِئُهُ الْغُسْلُ بِمَاءِ الْحَمَّامِ. قَالَ الْخَلَّالُ: ثَبَتَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ مَاءَ الْحَمَّامِ يُجْزِئُ أَنْ يُغْتَسَلَ بِهِ، وَلَا يُغْتَسَلُ مِنْهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ الْحَمَّامِ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْأُنْبُوبَةِ. وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: مَاءُ الْحَمَّامِ عِنْدِي طَاهِرٌ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ، أَنَّهُ قَالَ: مِنْ النَّاسِ مَنْ يُشَدِّدُ فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي؛ لِأَنَّهُ يُنْزَفُ، يَخْرُجُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ. قُلْت: يَكُونُ كَالْجَارِي، وَهُوَ يَسْتَقِرُّ فِي مَكَان قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ؟ ، فَقَالَ: قَدْ قُلْت لَك فِيهِ اخْتِلَافٌ. وَأَرَاهُ قَدْ ظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْتَاطَ بِمَاءٍ آخَرَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ ذَلِكَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ لَا يُنَجِّسُهُ إلَّا التَّغَيُّرُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَتَنَجَّسُ لَمْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ جَارِيًا أَثَرٌ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ الِاحْتِيَاطَ مَعَ الْحُكْمِ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ مَاءَ الْحَمَّامِ طَاهِرٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي إذَا كَانَ الْمَاءُ يَفِيضُ مِنْ الْحَوْضِ وَيَخْرُجُ، فَإِنَّ الَّذِي يَأْتِي أَخِيرًا يَدْفَعُ مَا فِي الْحَوْضِ، وَيَثْبُتُ فِي مَكَانِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا فِي الْحَوْضِ كَدِرًا، وَتَتَابَعَتْ عَلَيْهِ دَفَعَ مِنْ الْمَاءِ صَافِيًا، لَزَالَتْ كُدُورَتُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ ذِكْرُ اللَّهِ فِي الْحَمَّامِ] (327) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ اللَّهِ فِي الْحَمَّامِ؛ فَإِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ حَسَنٌ فِي كُلِّ مَكَان، مَا لَمْ يَرِدْ الْمَنْعُ مِنْهُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ دَخَلَ الْحَمَّامَ فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. فَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَمْ يُبْنَ لِهَذَا. وَكَرِهَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِيهِ أَبُو وَائِلٍ،
فصل لا يدخل الماء إلا مستترا
وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ، وَمَكْحُولٌ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ. وَلَمْ يَكْرَهْهُ النَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي ذِكْرِ اللَّهِ فِيهِ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ مَحَلٌّ لِلتَّكَشُّفِ، وَيُفْعَلُ فِيهِ مَا لَا يُسْتَحْسَنُ عَمَلُهُ فِي غَيْرِهِ، فَاسْتُحِبَّ صِيَانَةُ الْقُرْآنِ عَنْهُ وَالْأَوْلَى جَوَازُ الْقِرَاءَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ حُجَّةً تَمْنَعُ مِنْ قِرَاءَتِهِ. فَأَمَّا التَّسْلِيمُ فِيهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ أَنَّنِي سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا. وَالْأَوْلَى جَوَازُهُ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ.» [فَصْلٌ لَا يَدْخُلُ الْمَاءَ إلَّا مُسْتَتِرًا] (328) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْخُلَ الْمَاءَ إلَّا مُسْتَتِرًا؛ إنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا. وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، أَنَّهُمَا دَخَلَا الْمَاءَ، وَعَلَيْهِمَا بُرْدَانِ، فَقِيلَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَا: إنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا. وَلِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَسْتُرُ، فَتَبْدُو عَوْرَةُ مَنْ دَخَلَهُ عُرْيَانًا
باب التيمم
[بَابُ التَّيَمُّمِ] التَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] . وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: تَيَمَّمْت لِلْعَيْنِ الَّتِي عِنْدَ ضَارِجٍ ... يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] . أَيْ: اقْصِدُوهُ. ثُمَّ نُقِلَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ إلَى مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّعِيدِ. وَهُوَ جَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] . وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَحَدِيثُ عَمَّارٍ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي الْجُمْلَةِ. [مَسْأَلَةٌ يُتَيَمَّمُ فِي قَصِيرِ السَّفَرِ وَطَوِيلِهِ] (329) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: أَبُو الْقَاسِمِ (وَيَتَيَمَّمُ فِي قَصِيرِ السَّفَرِ وَطَوِيلِهِ) . طَوِيلُ السَّفَرِ: مَا يُبِيحُ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ، وَقَصِيرُهُ: مَا دُونَ ذَلِكَ، مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ سَفَرٍ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْنِ أَوْ مُتَبَاعِدَتَيْنِ. قَالَ الْقَاضِي: لَوْ خَرَجَ إلَى ضَيْعَةٍ لَهُ، فَفَارَقَ الْبُنْيَانَ وَالْمَنَازِلَ، وَلَوْ بِخَمْسِينَ خُطْوَةً جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ، فَيُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ فِيهِمَا جَمِيعًا. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَقَدْ قِيلَ: لَا يُبَاحُ إلَّا فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ. وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [المائدة: 6] إلَى قَوْلِهِ: {فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] يَدُلُّ بِمُطْلَقِهِ عَلَى إبَاحَةِ التَّيَمُّمِ فِي كُلِّ سَفَرٍ؛ وَلِأَنَّ السَّفَرَ الْقَصِيرَ يَكْثُرُ، فَيَكْثُرُ عَدَمُ الْمَاءِ فِيهِ، فَيُحْتَاجُ إلَى التَّيَمُّمِ فِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ بِهِ الْفَرْضُ، كَالطَّوِيلِ. [فَصْلٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ سَفَرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ فِي التَّيَمُّمِ] (330) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ سَفَرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الرُّخَصِ؛ وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ، فَأُبِيحَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، كَمَسْحِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. [فَصْلٌ عَدَمُ الْمَاءِ فِي الْحَضَرِ] (331) فَصْلٌ: فَإِنْ عَدِمَ الْمَاءَ فِي الْحَضَرِ، بِأَنْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْهُمْ، أَوْ حُبِسَ فِي مِصْرٍ، فَعَلَيْهِ التَّيَمُّمُ وَالصَّلَاةُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: لَا يُصَلِّي؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى
فصل خرج من المصر لحاجة فحضرت الصلاة ولا ماء معه
شَرَطَ السَّفَرَ لِجَوَازِ التَّيَمُّمِ، فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حُبِسَ فِي دَارٍ، وَأُغْلِقَ عَلَيْهِ الْبَابُ بِمَنْزِلِ الْمُضِيفِ، أَيَتَيَمَّمُ؟ قَالَ: لَا. وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ. فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ. فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَيَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِهِ مَحَلُّ النِّزَاعِ؛ وَلِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ، فَأَشْبَهَ الْمُسَافِرَ. وَالْآيَةُ يُحْتَمَلُ أَنَّ يَكُونَ ذِكْرُ السَّفَرِ فِيهَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا يُعْدَمُ، فِيهِ كَمَا ذُكِرَ، فِي السَّفَرِ، وَعَدَمُ وُجُودُ الْكَاتِبِ فِي الرَّهْنِ، وَلَيْسَا شَرْطَيْنِ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ حُجَّةً فَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، عَلَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَرَى دَلِيلَ الْخِطَابِ حُجَّةً، وَالْآيَةُ إنَّمَا يُحْتَجُّ بِدَلِيلِ خِطَابِهَا. فَعَلَى هَذَا إذَا تَيَمَّمَ فِي الْحَضَرِ، وَصَلَّى، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ، فَهَلْ يُعِيدُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا يُعِيدُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ نَادِرٌ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْقَضَاءُ، كَالْحَيْضِ فِي الصَّوْمِ. وَالثَّانِيَةُ لَا يُعِيدُ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ عُهْدَتِهِ؛ وَلِأَنَّهُ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ الْمَشْرُوعِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ وَالْمُسَافِرَ، مَعَ أَنَّ عُمُومَ الْخَبَرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ حُبِسَ فِي الْمِصْرِ صَلَّى. وَلَمْ يَذْكُرْ إعَادَةً. وَذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي غَيْرِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَدَمَ الْمَاءَ لِعُذْرٍ نَادِرٍ، أَوْ يَزُولُ قَرِيبًا، كَرَجُلٍ أُغْلِقَ عَلَيْهِ الْبَابُ، مِثْلُ الضَّيْفِ وَنَحْوِهِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي لَا تَتَطَاوَلُ؛ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُتَشَاغِلِ بِطَلَبِ الْمَاءِ وَتَحْصِيلِهِ. وَإِنْ كَانَ عُذْرًا مُمْتَدًّا، وَيُوجَدُ كَثِيرًا، كَالْمَحْبُوسِ، أَوْ مَنْ انْقَطَعَ الْمَاءُ فِي قَرْيَتِهِ، وَاحْتَاجَ إلَى اسْتِقَاءِ الْمَاءِ مِنْ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، فَلَهُ التَّيَمُّمُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا عَادِمٌ لِلْمَاءِ بِعُذْرٍ مُتَطَاوِلٍ مُعْتَادٍ، فَهُوَ كَالْمُسَافِرِ؛ وَلِأَنَّ عَدَمَ هَذَا الْمَاءِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَمِ الْمُسَافِرِ لَهُ، فَالنَّصُّ عَلَى التَّيَمُّمِ لِلْمُسَافِرِ تَنْبِيهٌ عَلَى التَّيَمُّمِ هَاهُنَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ خَرَجَ مِنْ الْمِصْرِ لَحَاجَةٍ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَا مَاءَ مَعَهُ] (332) فَصْلٌ: وَمَنْ خَرَجَ مِنْ الْمِصْرِ إلَى أَرْضٍ مِنْ أَعْمَالِهِ لِحَاجَةٍ، كَالْحَرَّاثِ، وَالْحِصَادِ، وَالْحَطَّابِ، وَالصَّيَّادِ، وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ حَمْلُ الْمَاءِ مَعَهُ لِوُضُوئِهِ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَا مَاءَ مَعَهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ لِيَتَوَضَّأَ إلَّا بِتَفْوِيتِ حَاجَتِهِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالتَّيَمُّمِ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ، فَأَشْبَهَ الْخَارِجَ إلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؛ لِكَوْنِهِ فِي أَرْضٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمِصْرِ، فَأَشْبَهَ الْمُقِيمَ فِيهِ. فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ
مسألة دخل وقت الصلاة وطلب الماء فأعوزه
الَّتِي يَخْرُجُ إلَيْهَا مِنْ عَمَلِ قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ. [مَسْأَلَةٌ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَطَلَبَ الْمَاء فَأَعْوَزه] (333) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (إذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَطَلَبَ الْمَاءَ فَأَعْوَزَهُ) هَذِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ: أَحَدُهَا دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ. فَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مَكْتُوبَةً مُؤَدَّاةً لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا. وَإِنْ كَانَتْ نَافِلَةً لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ لَهَا فِي وَقْتٍ نُهِيَ عَنْ فِعْلِهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لَهَا. وَإِنْ كَانَتْ فَائِتَةً جَازَ التَّيَمُّمُ لَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَهَا جَائِزٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ التَّيَمُّمُ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تُبِيحُ الصَّلَاةَ، فَأُبِيحَ تَقْدِيمُهَا عَلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ، كَسَائِرِ الطِّهَارَاتِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: الْقِيَاسُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بِمَنْزِلَةِ الطَّهَارَةِ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ، أَوْ يُحْدِثَ. فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْوَقْتِ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، أَوْ نَقُولُ: يَتَيَمَّمُ لِلْفَرْضِ فِي وَقْتٍ هُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَيَمَّمَ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ. وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَيُفَارِقُ التَّيَمُّمُ سَائِرَ الطِّهَارَاتِ؛ لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ لِضَرُورَةٍ. الشَّرْطُ الثَّانِي طَلَبُ الْمَاءِ، وَهَذَا الشَّرْطُ وَإِعْوَازُ الْمَاءِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ لِمَنْ يَتَيَمَّمُ لِعُذْرِ عَدَمِ الْمَاءِ. وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ اشْتِرَاطُ طَلَبِ الْمَاءِ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: لَا يُشْتَرَطُ الطَّلَبُ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ» . وَلِأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِوُجُودِ الْمَاءِ قَرِيبًا مِنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَبَ فَلَمْ يَجِدْ. وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] ، وَلَا يَثْبُتُ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ إلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهِ مَاءٌ لَا يَعْلَمُهُ وَلِذَلِكَ لَمَّا أَمَرَ فِي الظِّهَارِ بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ، قَالَ: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) لَمْ يُبِحْ لَهُ الصِّيَامَ حَتَّى يَطْلُبَ الرَّقَبَةَ، وَلَمْ يُعَدَّ قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرَ وَاجِدٍ؛ وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلصَّلَاةِ مُخْتَصٌّ بِهَا، فَلَزِمَهُ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِهِ عِنْدَ الْإِعْوَازِ، كَالْقِبْلَةِ. (334) فَصْلٌ: وَصِفَةُ الطَّلَبِ أَنْ يَطْلُبَ فِي رَحْلِهِ، ثُمَّ إنْ رَأَى خُضْرَةً أَوْ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى الْمَاءِ قَصَدَهُ فَاسْتَبْرَأَهُ، وَإِنْ كَانَ بِقُرْبِهِ رَبْوَةٌ أَوْ شَيْءٌ قَائِمٌ أَتَاهُ وَطَلَبَ عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَظَرَ أَمَامَهُ وَوَرَاءَهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ رُفْقَةٌ يُدِلُّ عَلَيْهِمْ طَلَبَ مِنْهُمْ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْمَكَانِ سَأَلَهُ عَنْ مِيَاهِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَهُوَ عَادِمٌ. وَإِنْ دُلَّ عَلَى مَاءٍ لَزِمَهُ قَصْدُهُ إنْ كَانَ قَرِيبًا، مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ يَخْشَى فَوَاتَ رُفْقَتِهِ، وَلَمْ يَفُتْ الْوَقْتُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (335) فَصْلٌ: فَإِنْ طَلَبَ الْمَاءَ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَعَلَيْهِ إعَادَةُ الطَّلَبِ بَعْدَهُ. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهُ طَلَبٌ قَبْل الْمُخَاطَبَةِ بِالتَّيَمُّمِ،
فصل وجد الجنب ماء يكفي بعض أعضائه
فَلَمْ يَسْقُطْ فَرْضُهُ، كَالشَّفِيعِ إذَا طَلَبَ الشُّفْعَةَ قَبْلَ الْبَيْعِ. وَإِنْ طَلَبَ بَعْدَ الْوَقْتِ، وَلَمْ يَتَيَمَّمْ عَقِيبَهُ، جَازَ التَّيَمُّمُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ طَلَبٍ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: إعْوَازُ الْمَاءِ بَعْدَ الطَّلَبِ. وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] «. وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ» . فَاشْتَرَطَ أَنْ لَا يَجِدَ الْمَاءَ؛ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَمَعَ وُجُودِ الْمَاءِ لَا ضَرُورَةَ. [فَصْل وَجَدَ الْجُنُبُ مَاءً يَكْفِي بَعْضَ أَعْضَائِهِ] (336) فَصْلٌ: وَإِذَا وَجَدَ الْجُنُبُ مَا يَكْفِي بَعْضَ أَعْضَائِهِ، لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَيَتَيَمَّمُ لِلْبَاقِي. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِيمَنْ وَجَدَ مَا يَكْفِيهِ لِوُضُوئِهِ، وَهُوَ جُنُبٌ، قَالَ: يَتَوَضَّأُ وَيَتَيَمَّمُ. وَبِهِ قَالَ عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ وَمَعْمَرٌ، وَنَحْوَهُ قَالَ عَطَاءٌ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي: يَتَيَمَّمُ، وَيَتْرُكُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ لَا يُطَهِّرُهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِعْمَالُهُ، كَالْمُسْتَعْمَلِ. وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] ، وَخَبَرُ أَبِي ذَرٍّ، شَرَطَ فِي التَّيَمُّمِ عَدَمَ الْمَاءِ، وَهَذَا وَاجِدٌ وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «، إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي بَعْضِ جَسَدِهِ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ كَانَ أَكْثَرُ بَدَنِهِ صَحِيحًا وَبَاقِيهِ جَرِيحًا؛ وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الشَّرْطِ؛ فَلَزِمَهُ؛ كَالسُّتْرَةِ، وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ بَدَنِهِ صَحِيحًا، وَلَا يُسَلَّمُ الْحُكْمُ فِي الْمُسْتَعْمَلِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَلِأَنَّهُ لَا يُطَهِّرُ شَيْئًا مِنْهُ بِخِلَافِ هَذَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ قَبْلَ التَّيَمُّمِ؛ لِيَتَحَقَّقَ الْإِعْوَازُ الْمُشْتَرَطُ. [فَصْل وَجَدَ الْمُحْدِثُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ بَعْضَ مَا يَكْفِيه مِنْ الْمَاء] (337) فَصْلٌ: وَإِنْ وَجَدَ الْمُحْدِثُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْجُنُبِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ، فَلَزِمَهُ كَالْجُنُبِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ صَحِيحًا، وَبَعْضُهُ جَرِيحًا. وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ فِيهَا، فَإِذَا غَسَلَ بَعْضَ الْأَعْضَاءِ دُونَ بَعْضٍ، لَمْ يُفِدْ، بِخِلَافِ الْجَنَابَةِ، وَلِذَلِكَ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَجْزَأَهُ غَسْلُ مَا لَمْ يَغْسِلْهُ فَقَطْ، وَفِي الْحَدَثِ يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الطَّهَارَةِ، وَفَارَقَ مَا إذَا كَانَ بَعْضُ أَعْضَائِهِ صَحِيحًا وَبَعْضُهُ جَرِيحًا؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ بِبَعْضِ الْبَدَنِ يُخَالِفُ الْعَجْزَ بِبَعْضِ الْوَاجِبِ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ إذَا مَلَكَ رَقَبَةً لَزِمَهُ إعْتَاقُهَا فِي كَفَّارَتِهِ، وَلَوْ مَلَكَ الْحُرُّ بَعْضَ رَقَبَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إعْتَاقُهُ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْوَجْهَيْنِ. [فَصْل حَالَ بَيْنه وَبَيْن الْمَاءِ سَبْع أَوْ عَدُوٌّ أَوْ حَرِيقٌ أَوْ لِصٌّ] (338) فَصْلٌ: وَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ سَبُعٌ، أَوْ عَدُوٌّ، أَوْ حَرِيقٌ، أَوْ لِصٌّ، فَهُوَ كَالْعَادِمِ. وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ بِمَجْمَعِ
فصل كان مريضا لا يقدر على الحركة ولا يجد من يناوله الماء
الْفُسَّاقِ، تَخَافُ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْهُمْ، فَهِيَ عَادِمَتُهُ. وَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: تَتَيَمَّمُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهَا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَتَيَمَّمُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهَا، وَجْهًا وَاحِدًا، بَلْ لَا يَحِلُّ لَهَا الْمُضِيُّ إلَى الْمَاءِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلزِّنَا، وَهَتْكِ نَفْسِهَا وَعِرْضِهَا، وَتَنْكِيسِ رُءُوسِ أَهْلِهَا، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى قَتْلِهَا، وَقَدْ أُبِيحَ لَهَا التَّيَمُّمُ حِفْظًا لِلْقَلِيلِ مِنْ مَالِهَا، الْمُبَاحِ لَهَا بَذْلُهُ، وَحِفْظًا لِنَفْسِهَا مِنْ مَرَضٍ أَوْ تَبَاطُؤِ بُرْءٍ، فَهَاهُنَا أَوْلَى. وَمَنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ عِنْدَ رَحْلِهِ، فَخَافَ إنْ ذَهَبَ إلَى الْمَاءِ ذَهَبَ شَيْءٌ مِنْ رَحْلِهِ، أَوْ شَرَدَتْ دَابَّتُهُ، أَوْ سُرِقَتْ، أَوْ خَافَ عَلَى أَهْلِهِ لِصًّا، أَوْ سَبُعًا، خَوْفًا شَدِيدًا، فَهُوَ كَالْعَادِمِ. وَمَنْ كَانَ خَوْفُهُ جُبْنًا، لَا عَنْ سَبَبٍ يُخَافُ مِنْ مِثْلِهِ، لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ يَخَافُ بِاللَّيْلِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يُخَافُ مِنْهُ، قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَوَضَّأَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُبَاحَ لَهُ بِالتَّيَمُّمِ، وَيُعِيدُ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَشْتَدُّ خَوْفُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَائِفِ لِسَبَبٍ. وَمَنْ كَانَ خَوْفُهُ لِسَبَبٍ ظَنَّهُ، فَتَبَيَّنَ عَدَمُ السَّبَبِ، مِثْلُ مَنْ رَأَى سَوَادًا بِاللَّيْلِ ظَنَّهُ عَدُوًّا، فَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوٍّ، أَوْ رَأَى كَلْبًا فَظَنَّهُ أَسَدًا أَوْ نَمِرًا، فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى، ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا؛ لَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِهِ. وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، فَأَشْبَهَ مَنْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ، وَتَيَمَّمَ. [فَصْل كَانَ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْحَرَكَةِ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ الْمَاءَ] (339) فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْحَرَكَةِ، وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ الْمَاءَ، فَهُوَ كَالْعَادِمِ. قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْمَاءِ فَأَشْبَهَ مَنْ وَجَدَ بِئْرًا لَيْسَ لَهُ مَا يَسْتَقِي بِهِ مِنْهَا. وَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْ يُنَاوِلُهُ الْمَاءَ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، فَهُوَ كَالْوَاجِدِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَجِدُ مَا يَسْتَقِي بِهِ فِي الْوَقْتِ. وَإِنْ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ قَبْلَ مَجِيئِهِ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَهُ التَّيَمُّمُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ عَادِمٌ فِي الْوَقْتِ، فَأَشْبَهَ الْعَادِمَ مُطْلَقًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْتَظِرَ مَجِيءَ مَنْ يُنَاوِلُهُ؛ لِأَنَّهُ حَاضِرٌ يَنْتَظِرُ حُصُولَ الْمَاءِ قَرِيبًا، فَأَشْبَهَ الْمُشْتَغِلَ بِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ وَتَحْصِيلِهِ. [فَصْل وَجَدَ بِئْرًا وَقَدَرَ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى مَائِهَا] (340) فَصْلٌ: إذَا وَجَدَ بِئْرًا، وَقَدَرَ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى مَائِهَا بِالنُّزُولِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، أَوْ الِاغْتِرَافِ بِدَلْوٍ أَوْ ثَوْبٍ يَبُلُّهُ ثُمَّ يَعْصِرُهُ. لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ كَالِاشْتِغَالِ بِالْوُضُوءِ. وَحُكْمُ مَنْ فِي السَّفِينَةِ فِي الْمَاءِ كَحُكْمِ وَاجِدِ الْبِئْرِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْوُصُولُ إلَى مَائِهَا إلَّا بِمَشَقَّةٍ، أَوْ تَغْرِيرٍ بِالنَّفْسِ، فَهُوَ كَالْعَادِمِ. وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ. وَمَنْ كَانَ الْمَاءُ قَرِيبًا مِنْهُ، يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُهُ، إلَّا أَنَّهُ يَخَافُ فَوْتَ الْوَقْتِ، لَزِمَهُ السَّعْيُ إلَيْهِ وَالِاشْتِغَالُ بِتَحْصِيلِهِ، وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ، فَلَا يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6]
فصل بذل له ماء لطهارته
[فَصْل بُذِلَ لَهُ مَاءٌ لِطَهَارَتِهِ] (341) فَصْلٌ: وَإِنْ بُذِلَ لَهُ مَاءٌ لِطَهَارَتِهِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، وَلَا مِنَّةَ فِي ذَلِكَ فِي الْعَادَةِ. وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ إلَّا بِثَمَنٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَبُذِلَ لَهُ الثَّمَنُ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ الْمِنَّةَ تَلْحَقُ بِهِ. وَإِنْ وَجَدَهُ يُبَاعُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ فِي مَوْضِعِهِ، أَوْ زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ، يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ، لِقُوتِهِ وَمُؤْنَةِ سَفَرِهِ، لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ. وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ كَثِيرَةً تُجْحِفُ بِمَالِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا. وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً، لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيمَنْ بُذِلَ لَهُ مَاءٌ بِدِينَارٍ، وَمَعَهُ مِائَةٌ. فَيَحْتَمِلُ إذَنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ، قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ بِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] . وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي الزِّيَادَةِ الْكَثِيرَةِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهَا، كَمَا لَوْ خَافَ لِصًّا يَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ وَلَا كَثِيرَةٍ لِذَلِكَ. وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] . وَهَذَا وَاجِدٌ، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى ثَمَنِ الْعَيْنِ كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْعَيْنِ، فِي الْمَنْعِ مِنْ الِانْتِقَالِ إلَى الْبَدَلِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ بِيعَتْ بِثَمَنِ مِثْلِهَا، وَكَالرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ؛ وَلِأَنَّ ضَرَرَ الْمَالِ دُونَ ضَرَرِ النَّفْسِ، وَقَدْ قَالُوا فِي الْمَرِيضِ: يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ مَا لَمْ يَخَفْ التَّلَفَ. فَتَحَمُّلُ الضَّرَرِ الْيَسِيرِ فِي الْمَالِ أَحْرَى. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ثَمَنُهُ، فَبُذِلَ لَهُ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ فِي بَلَدِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهِ بِمَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، وَرُبَّمَا يَتْلَفُ مَالُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ مَا يُؤَدِّي ثَمَنَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا. وَإِنْ لَمْ يَبْذُلْهُ لَهُ، وَكَانَ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ مُكَاثَرَتُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَدْعُو إلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَهُ بَدَلٌ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ، بِخِلَافِ الطَّعَامِ فِي الْمَجَاعَةِ. [فَصْل كَانَ مَعَهُ مَاءٌ فَأَرَاقَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَعَدِمَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ] (342) فَصْلٌ: إذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ، فَأَرَاقَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ، أَوْ مَرَّ بِمَاءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَتَجَاوَزَهُ، وَعَدِمَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ. وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، إنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، كَقَوْلِنَا، وَإِلَّا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ.
فصل نسي الماء في رحله أو موضع يمكنه استعماله وصلى بالتيمم
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ. فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ. وَإِنْ أَرَاقَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، أَوْ مَرَّ بِهِ فِي الْوَقْتِ فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ، ثُمَّ عَدِمَ الْمَاءَ، يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي. وَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى بِتَيَمُّمٍ صَحِيحٍ، تَحَقَّقَتْ شَرَائِطُهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَرَاقَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ. وَالثَّانِي يُعِيدُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِوُضُوءٍ، وَهُوَ قَدْ فَوَّتَ الْقُدْرَةَ عَلَى نَفْسِهِ، فَبَقِيَ فِي عُهْدَةِ الْوَاجِبِ، وَإِنْ وَهَبَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ، وَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، فَلَوْ تَيَمَّمَ مَعَ بَقَاءِ الْمَاءِ، لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ. وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ الْمَوْهُوبُ لَهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَرَاقَهُ. [فَصْل نَسِيَ الْمَاء فِي رَحْلِهِ أَوْ مَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ] (343) فَصْلٌ: إذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ، أَوْ مَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ. فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَطَعَ فِي مَوْضِعٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو ثَوْرٍ: يُجْزِئُهُ. وَعَنْ مَالِكٍ كَالْمَذْهَبَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ النِّسْيَانِ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، فَهُوَ كَالْعَادِمِ. وَلَنَا أَنَّهَا طَهَارَةٌ تَجِبُ مَعَ الذِّكْرِ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالنِّسْيَانِ، كَمَا لَوْ صَلَّى نَاسِيًا لِحَدَثِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ، أَوْ صَلَّى الْمَاسِحُ، ثُمَّ بَانَ لَهُ انْقِضَاءُ مُدَّةِ الْمَسْحِ قَبْلَ صَلَاتِهِ، وَيُفَارِقُ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ، وَهَا هُنَا هُوَ مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ الطَّلَبِ. [فَصْل ضَلَّ عَنْ رَحْلِهِ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ أَوْ كَانَ يَعْرِفُ بِئْرًا فَضَاعَتْ عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهَا] (344) فَصْلٌ: وَإِنْ ضَلَّ عَنْ رَحْلِهِ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ، أَوْ كَانَ يَعْرِفُ بِئْرًا فَضَاعَتْ عَنْهُ، ثُمَّ وَجَدَهَا، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَالنَّاسِي. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِدٍ لِلْمَاءِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] ؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ، بِخِلَافِ النَّاسِي، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مَعَ عَبْدِهِ، فَنَسِيَهُ الْعَبْدُ حَتَّى صَلَّى سَيِّدُهُ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَالنَّاسِي، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُعِيدَ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ غَيْرِهِ. [فَصْل تَيَمُّم وَصَلَّى ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ بِقُرْبِهِ بِئْرًا أَوْ مَاءٌ] (345) فَصْلٌ: إذَا صَلَّى، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ بِقُرْبِهِ بِئْرٌ أَوْ مَاءٌ، نُظِرَتْ، فَإِنْ كَانَتْ خَفِيَّةً بِغَيْرِ عَلَامَةٍ، وَطَلَبَ فَلَمْ يَجِدْهَا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ. وَإِنْ كَانَتْ أَعْلَامُهُ ظَاهِرَةً، فَقَدْ فَرَّطَ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. [مَسْأَلَة تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ] (346) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالِاخْتِيَار تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ تَأْخِيرَ التَّيَمُّمِ أَوْلَى بِكُلِّ حَالٍ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ
مسألة تيمم في أول الوقت وصلى
عَنْ عَلِيٍّ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ إنْ رَجَا وُجُودَ الْمَاءِ، وَإِنْ يَئِسَ مِنْ وُجُودِهِ اُسْتُحِبَّ تَقْدِيمُهُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: التَّقْدِيمُ أَفْضَلُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَاثِقًا بِوُجُودِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَرْكُ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ، لِأَمْرٍ مَظْنُونٍ. وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْجُنُبِ: يَتَلَوَّمُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ الْوَقْتِ، فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ، وَإِلَّا تَيَمَّمَ. وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ لِلصَّلَاةِ إلَى بَعْدِ الْعِشَاءِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ كَيْ لَا يَذْهَبَ خُشُوعُهَا وَحُضُورُ الْقَلْبِ فِيهَا، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا لِإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ، فَتَأْخِيرُهَا لِإِدْرَاكِ الطَّهَارَةِ الْمُشْتَرَطَةِ أَوْلَى [مَسْأَلَة تَيَمَّمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَصَلَّى] (347) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ تَيَمَّمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَصَلَّى، أَجْزَأَهُ، وَإِنْ أَصَابَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَادِمَ لِلْمَاءِ فِي السَّفَرِ إذَا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ، إنْ وَجَدَهُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إجْمَاعًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، أَنْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَإِنْ وَجَدَهُ فِي الْوَقْتِ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَيْضًا إعَادَةٌ، سَوَاءٌ يَئِسَ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ، أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُجُودُهُ فِيهِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو سَلَمَةَ وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمَكْحُولٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ: يُعِيدُ الصَّلَاةَ. وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، «أَنَّ رَجُلَيْنِ خَرَجَا فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدْ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: أَصَبْت السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْك صَلَاتُك. وَقَالَ لِلَّذِي أَعَادَ: لَك الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ» . وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَيَمَّمَ، وَهُوَ يَرَى بُيُوتَ الْمَدِينَةِ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ؛ وَلِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ كَمَا أُمِرَ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ، كَمَا لَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْوَقْتِ؛ وَلِأَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ عُذْرٌ مُعْتَادٌ، فَإِذَا تَيَمَّمَ مَعَهُ يَجِبُ أَنْ يُسْقِطَ فَرْضَ الصَّلَاةِ كَالْمَرَضِ؛ وَلِأَنَّهُ أَسْقَطَ فَرْضَ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَعُدْ إلَى ذِمَّتِهِ، كَمَا لَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْوَقْتِ. [مَسْأَلَة التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ] (348) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالتَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ) الْمَسْنُونُ عِنْدَ أَحْمَدَ التَّيَمُّمُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ. فَإِنْ تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ جَازَ. وَقَالَ الْقَاضِي: الْإِجْزَاءُ يَحْصُلُ بِضَرْبَةٍ، وَالْكَمَالُ ضَرْبَتَانِ. وَالْمَنْصُوصُ مَا ذَكَرْنَاهُ، قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَمَنْ قَالَ ضَرْبَتَيْنِ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ زَادَهُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ؛ مِنْهُمْ عَلِيٌّ، وَعَمَّارٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ إلَّا
بِضَرْبَتَيْنِ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِهِ سَالِمٍ، وَالْحَسَنِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ الصِّمَّةِ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَيَمَّمَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ» . وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَأَبُو أُمَامَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ» ؛ وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ يُؤْتَى بِهِ فِي مَحَلِّ مُبْدَلِهِ، وَكَانَ حَدُّهُ عَنْهُمَا وَاحِدًا كَالْوَجْهِ. وَلَنَا مَا «رَوَى عَمَّارٌ، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْت، فَلَمْ أَجِدْ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْت فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْك هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ عُلِّقَ عَلَى مُطْلَقِ الْيَدَيْنِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الذِّرَاعُ، كَقَطْعِ السَّارِقِ، وَمَسِّ الْفَرْجِ، وَقَدْ احْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِهَذَا فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي التَّيَمُّمِ: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [المائدة: 6] وَقَالَ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] . وَكَانَتْ السُّنَّةُ فِي الْقَطْعِ مِنْ الْكَفَّيْنِ، إنَّمَا هُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ. يَعْنِي التَّيَمُّمَ. وَأَمَّا أَحَادِيثُهُمْ فَضَعِيفَةٌ. قَالَ الْخَلَّالُ: الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ جِدًّا، وَلَمْ يَرْوِ مِنْهَا أَصْحَابُ السُّنَنِ إلَّا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا هُوَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَبِهِ يُعْرَفُ، وَمِنْ أَجْلِهِ يَضْعُفُ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وَحَدِيثُ ابْنِ الصِّمَّةِ صَحِيحٌ، لَكِنْ إنَّمَا جَاءَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ. فَيَكُونُ حُجَّةً لَنَا؛ لِأَنَّ مَا عُلِّقَ عَلَى مُطْلَقِ الْيَدَيْنِ لَا يَتَنَاوَلُ الذِّرَاعَيْنِ. ثُمَّ أَحَادِيثُهُمْ لَا تُعَارِضُ حَدِيثَنَا؛ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِضَرْبَتَيْنِ، وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ جَوَازَ التَّيَمُّمِ بِضَرْبَةٍ، كَمَا أَنَّ وُضُوءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثًا ثَلَاثًا لَا يَنْفِي الْإِجْزَاءَ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ: إلَى الْمِرْفَقَيْنِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْكَفَّيْنِ الْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ. قُلْنَا: أَمَّا حَدِيثُهُ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، إنَّمَا رَوَاهُ سَلَمَةُ، وَشَكَّ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ مَنْصُورٌ: مَا تَقُولُ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يَذْكُرُ الذِّرَاعَيْنِ أَحَدٌ غَيْرُك؟ فَشَكَّ، وَقَالَ: لَا أَدْرِي، أَذَكَرَ الذِّرَاعَيْنِ، أَمْ لَا؟ قَالَ ذَلِكَ النَّسَائِيّ. فَلَا يَثْبُتُ مَعَ الشَّكِّ، وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِ، وَخَالَفَ بِهِ سَائِرَ الرُّوَاةِ الثِّقَاتِ، فَكَيْفَ يُلْتَفَتُ إلَى مِثْلِ هَذَا؟ وَهُوَ لَوْ انْفَرَدَ لَمْ يُعَوَّلْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُحْتَجَّ بِهِ. وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَبَاطِلٌ؛ لِوُجُوهٍ:
فصل التيمم بضربة واحدة وبضربتين
أَحَدُهَا، أَنَّ عَمَّارًا الرَّاوِيَ لَهُ الْحَاكِيَ لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْتَى بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ. وَقَدْ شَاهَدَ فِعْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْفِعْلُ لَا احْتِمَالَ فِيهِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُمْ يَقُولُونَ ضَرْبَتَانِ. وَالثَّالِثُ أَنَّنَا لَا نَعْرِفُ فِي اللُّغَةِ التَّعْبِيرَ بِالْكَفَّيْنِ عَنْ الذِّرَاعَيْنِ. وَالرَّابِعُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ جَائِزٌ أَقْرَبُ مِنْ تَأْوِيلِهِمْ وَأَسْهَلُ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالتَّيَمُّمِ عَنْ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ عَنْ الْمُبْدَلِ، وَكَذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ فِي أَرْبَعَةِ أَعْضَاءَ، وَالتَّيَمُّمُ فِي عُضْوَيْنِ، وَكَذَا نَقُولُ فِي الْوَجْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا تَحْتَ الشُّعُورِ الْخَفِيفَةِ، وَلَا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ. [فَصْل التَّيَمُّمُ بِضَرْبَةِ وَاحِدَةٍ وَبِضَرْبَتَيْنِ] (349) فَصْلٌ: وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَبِضَرْبَتَيْنِ، وَإِنْ تَيَمَّمَ بِأَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَتَيْنِ جَازَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إيصَالُ التُّرَابِ إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَكَيْفَمَا حَصَلَ جَازَ، كَالْوُضُوءِ [فَصْل وَصَلَ التُّرَابُ إلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ بِغَيْرِ ضَرْبٍ] (350) فَصْلٌ: فَإِنْ وَصَلَ التُّرَابُ إلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ بِغَيْرِ ضَرْبٍ، نَحْوُ أَنْ يَنْسِفَ الرِّيحُ عَلَيْهِ غُبَارًا يَعُمُّهُ، فَإِنْ كَانَ قَصَدَ ذَلِكَ، وَأَحْضَرَ النِّيَّةَ، احْتَمَلَ أَنْ يُجْزِئَهُ، كَمَا لَوْ صَمَدَ لِلْمَطَرِ حَتَّى جَرَى عَلَى أَعْضَائِهِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ بِهِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَسْحِ بِهِ. فَإِنْ مَسَحَ وَجْهَهُ بِمَا عَلَى وَجْهِهِ، احْتَمَلَ أَنْ يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ بِالتُّرَابِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقَصْدِ الصَّعِيدِ وَالْمَسْحِ بِهِ، وَلَمْ يَأْخُذْ الصَّعِيدَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَصَدَ الرِّيحَ، وَلَا صَمَدَ لَهَا، فَأَخَذَ غَيْرَ مَا عَلَى وَجْهِهِ، فَمَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ، جَازَ. وَإِنْ أَمَرَّ مَا عَلَى وَجْهِهِ، مِنْهُ عَلَى وَجْهِهِ، لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ التُّرَابَ لِوَجْهِهِ [فَصْل عَلَا عَلَى يَد الْمُتَيَمِّم تُرَابٌ كَثِيرٌ] (351) فَصْلٌ: إذَا عَلَا عَلَى يَدَيْهِ تُرَابٌ كَثِيرٌ، لَمْ يُكْرَهْ نَفْخُهُ؛ فَإِنَّ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَرَبَ بِكَفَّيْهِ
مسألة المتيمم يضرب بيديه على الصعيد الطيب
الْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا» . قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَضُرُّهُ فَعَلَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ. وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ نَفْخُهُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. فَإِنْ ذَهَبَ مَا عَلَيْهَا بِالنَّفْخِ، لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يُعِيدَ الضَّرْبَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْمَسْحِ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّعِيدِ. [مَسْأَلَة الْمُتَيَمِّمُ يَضْرِبُ بِيَدَيْهِ عَلَى الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ] (352) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَضْرِبُ بِيَدَيْهِ عَلَى الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، وَهُوَ التُّرَابُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلَّا بِتُرَابٍ طَاهِرٍ ذِي غُبَارٍ يَعْلَقُ بِالْيَدِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الصَّعِيدُ تُرَابُ الْحَرْثِ. وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقَا) تُرَابًا أَمْلَسَ. وَالطَّيِّبُ: الطَّاهِرُ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَدَاوُد. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ بِكُلِّ حَالٍ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ؛ كَالنُّورَةِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْحِجَارَةِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: الرَّمْلُ مِنْ الصَّعِيدِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِالرُّخَامِ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا نَكُونُ بِالرَّمْلِ فَتُصِيبُنَا الْجَنَابَةُ، وَالْحَيْضُ، وَالنِّفَاسُ، وَلَا نَجِدُ الْمَاءَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عَلَيْكُمْ بِالْأَرْضِ» . وَلِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ، فَجَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ كَالتُّرَابِ. وَلَنَا الْآيَةُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِالتَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ، وَهُوَ التُّرَابُ، فَقَالَ: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] ، وَلَا يَحْصُلُ الْمَسْحُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَا غُبَارٍ يَعْلَقُ بِالْيَدِ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، جُعِلَ لِي التُّرَابُ طَهُورًا» . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي " مُسْنَدِهِ "، وَلَوْ كَانَ غَيْرُ التُّرَابِ طَهُورًا لَذَكَرَهُ فِيمَا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ رَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرَابُهَا طَهُورًا» . فَخَصَّ تُرَابَهَا بِكَوْنِهِ طَهُورًا؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ اخْتَصَّتْ بِأَعَمِّ الْمَائِعَاتِ وُجُودًا، وَهُوَ الْمَاءُ، فَتَخْتَصُّ بِأَعَمِّ الْجَامِدَاتِ وُجُودًا، وَهُوَ التُّرَابُ، وَخَبَرُ أَبِي ذَرٍّ نَخُصُّهُ بِحَدِيثِنَا، وَخَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، وَهُوَ ضَعِيف [فَصْل التَّيَمُّم بِالسَّبَخَةِ وَالرَّمْلِ] (353) فَصْلٌ: وَعَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، رِوَايَةٌ أُخْرَى، فِي السَّبِخَةِ وَالرَّمْلِ، أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ. قَالَ أَبُو الْحَارِثِ: قَالَ أَحْمَدُ: أَرْضُ الْحَرْثِ أَحَبُّ إلَيَّ، وَإِنْ تَيَمَّمَ مِنْ أَرْضِ السَّبِخَةِ أَجْزَأَهُ. قَالَ الْقَاضِي: الْمَوْضِعُ الَّذِي أَجَازَ التَّيَمُّمَ بِهَا إذَا كَانَ لَهَا غُبَارٌ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي مَنَعَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا غُبَارٌ. قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الرَّمْلِ مِثْلُ
فصل التيمم بالخزف أو الطين المحرق بعد دقه
ذَلِكَ. وَعَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ الِاضْطِرَارِ خَاصَّةً. قَالَ: وَفِي رِوَايَةِ سِنْدِيٍّ: أَرْضُ الْحَرْثِ أَجْوَدُ مِنْ السَّبَخِ، وَمِنْ مَوْضِعِ النُّورَةِ وَالْحَصَا، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَى ذَلِكَ، فَإِنْ اُضْطُرَّ أَجْزَأَهُ. قَالَ الْخَلَّالُ: إنَّمَا سَهَّلَ أَحْمَدُ فِيهَا إذَا اُضْطُرَّ إلَيْهَا، إذَا كَانَتْ غَبَرَةً كَالتُّرَابِ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ قَلِحَةً كَالْمِلْحِ، فَلَا يَتَيَمَّمُ بِهَا أَصْلًا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يَتَيَمَّمُ عِنْدَ عَدَمِ التُّرَابِ بِكُلِّ طَاهِرٍ تَصَاعَدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، مِثْلُ الرَّمْلِ وَالسَّبِخَةِ وَالنُّورَةِ وَالْكُحْلِ، وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ، وَيُصَلِّي، وَهَلْ يُعِيدُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. [فَصْل التَّيَمُّم بِالْخَزَفِ أَوْ الطِّينُ الْمُحْرِق بَعْد دَقَّهُ] (354) فَصْلٌ: فَإِنْ دُقَّ الْخَزَفُ أَوْ الطِّينُ الْمُحْرَقُ، لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ لِأَنَّ الطَّبْخَ أَخْرَجَهُ عَنْ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ التُّرَابِ. وَكَذَا إنْ نُحِتَ الْمَرْمَرُ وَالْكَذَّانُ حَتَّى صَارَ غُبَارًا، لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ تُرَابٍ. وَإِنْ دُقَّ الطِّينُ الصُّلْبُ كَالْأَرْمَنِيِّ، جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تُرَابٌ. [فَصْل ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى لَبُدّ أَوْ ثَوْبٍ فَعَلِقَ بِيَدَيْهِ غُبَارٌ فَتَيَمَّمَ بِهِ] (355) فَصْلٌ: فَإِنْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى لِبْدٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ جَوَالِقَ أَوْ بَرْذَعَةٍ أَوْ فِي شَعِيرٍ، فَعَلِقَ بِيَدَيْهِ غُبَارٌ، فَتَيَمَّمَ بِهِ، جَازَ. نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ. وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ التُّرَابِ حَيْثُ كَانَ، فَعَلَى هَذَا لَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَخْرَةٍ، أَوْ حَائِطٍ، أَوْ حَيَوَانٍ، أَوْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، فَصَارَ عَلَى يَدَيْهِ غُبَارٌ، جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ بِهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غُبَارٌ، فَلَا يَجُوزُ وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَرَبَ يَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ، وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لَا يَتَيَمَّمُ بِالثَّلْجِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَضِفَّةُ سَرْجِهِ، أَوْ مَعْرِفَةُ دَابَّتِهِ. وَأَجَازَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، التَّيَمُّمَ بِصَخْرَةٍ لَا غُبَارَ عَلَيْهَا، وَتُرَابٍ نَدِيٍّ لَا يَعْلَقُ بِالْيَدِ مِنْهُ غُبَارٌ. وَأَجَازَ مَالِكٌ التَّيَمُّمَ بِالثَّلْجِ، وَالْجِبْسِ، وَكُلِّ مَا تَصَاعَدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ التَّيَمُّمُ بِغُبَارِ اللِّبْدِ وَالثَّوْبِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ضَرَبَ بِيَدِهِ نَفَخَهُمَا. وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] . " وَمِنْ " لِلتَّبْعِيضِ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَمْسَحَ بِجُزْءٍ مِنْهُ، وَالنَّفْخُ لَا يُزِيلُ الْغُبَارَ الْمُلَاصِقَ، وَذَلِكَ يَكْفِي. [فَصْل خَالَطَ التُّرَابُ مَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّم بِهِ] (356) فَصْلٌ: إذَا خَالَطَ التُّرَابُ مَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، كَالنُّورَةِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْجِصِّ، فَقَالَ الْقَاضِي: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَاءِ إذَا خَالَطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ، إنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلتُّرَابِ جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْمُخَالِطِ، لَمْ يَجُزْ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَمْنَعُ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَ فِي الْعُضْوِ، فَمَنَعَ وُصُولَ التُّرَابِ إلَيْهِ. وَهَذَا فِيمَا يَعْلَقُ بِالْيَدِ، فَأَمَّا مَا لَا يَعْلَقُ بِالْيَدِ، فَلَا يَمْنَعُ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مِنْ الشَّعِيرِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ عَلَى الْيَدِ مِنْهُ مَا يَحُولُ بَيْنَ الْغُبَارِ وَبَيْنَهَا.
فصل التيمم بالطين
[فَصْل التَّيَمُّم بِالطِّينِ] (357) فَصْلٌ: إذَا كَانَ فِي طِينٍ لَا يَجِدُ تُرَابًا، فَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَأْخُذُ الطِّينَ، فَيَطْلِي بِهِ جَسَدَهُ. فَإِذَا جَفَّ تَيَمَّمَ بِهِ. وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ قَبْلَ جَفَافِهِ، فَهُوَ كَالْعَادِمِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَجِفُّ قَرِيبًا انْتَظَرَ جَفَافَهُ، وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهُ كَطَالِبِ الْمَاءِ الْقَرِيبِ، وَالْمُشْتَغِلِ بِتَحْصِيلِهِ مِنْ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ. وَإِنْ لَطَّخَ وَجْهَهُ بِطِينٍ، لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّعِيدِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا غُبَارَ فِيهِ، أَشْبَهَ التُّرَابَ النَّدِيَّ. [فَصْل صَلَاة فَاقِد الطَّهُورَيْنِ] (358) فَصْلٌ: وَإِنْ عَدِمَ بِكُلِّ حَالٍ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا يُصَلِّي حَتَّى يَقْدِرَ، ثُمَّ يَقْضِيَ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا تُسْقِطُ الْقَضَاءَ، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، كَصِيَامِ الْحَائِضِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُصَلِّي وَلَا يَقْضِي؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الطَّهَارَةِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، كَالْحَائِضِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذِهِ رِوَايَةٌ مُنْكَرَةٌ عَنْ مَالِكٍ. وَذَكَرَ عَنْ أَصْحَابِهِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَيُعِيدُ. وَلَنَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ أُنَاسًا لِطَلَبِ قِلَادَةٍ أَضَلَّتْهَا عَائِشَةُ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ. وَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ، وَلَا أَمَرَهُمْ، بِإِعَادَةٍ» . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ، فَلَمْ تُؤَخَّرْ الصَّلَاةُ عِنْدَ عَدَمِهَا، كَالسُّتْرَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِذَا صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ أَوْ التُّرَابَ، لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ، فَخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ فَيَسْقُطُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ، كَسَائِرِ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا؛ وَلِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ عَلَى حَسَبِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ، كَالْعَاجِزِ عَنْ السُّتْرَةِ إذَا صَلَّى عُرْيَانًا، وَالْعَاجِزِ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ إذَا صَلَّى إلَى غَيْرِهَا، وَالْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ إذَا صَلَّى جَالِسًا، وَقِيَاسُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الْحَائِضِ فِي تَأْخِيرِ الصِّيَامِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ يَدْخُلُهُ التَّأْخِيرُ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسَافِرَ يُؤَخِّرُ الصَّوْمَ دُونَ الصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ لَوْ قَامَ مَقَامَ الْحَيْضِ لَأَسْقَطَ الصَّلَاةَ بِالْكُلِّيَّةِ؛ وَلِأَنَّ قِيَاسَ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الصِّيَامِ، وَأَمَّا قِيَاسُ مَالِكٍ فَلَا يَصِحُّ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . وَقِيَاسُ الطَّهَارَةِ عَلَى سَائِرِ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الْحَائِضِ، فَإِنَّ الْحَيْضَ أَمْرٌ مُعْتَادٌ يَتَكَرَّرُ عَادَةً، وَالْعَجْزُ هَاهُنَا عُذْرٌ نَادِرٌ غَيْرُ
مسألة التيمم لا يصح إلا بنية
مُعْتَادٍ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْحَيْضِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ نَادِرٌ فَلَمْ يُسْقِطْ الْفَرْضَ، كَنِسْيَانِ الصَّلَاةِ وَفَقْدِ سَائِرِ الشُّرُوطِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ [مَسْأَلَة التَّيَمُّمَ لَا يَصِحُّ إلَّا بُنَيَّة] (359) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَنْوِي بِهِ الْمَكْتُوبَةَ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةٍ، غَيْرَ مَا حُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ يَصِحُّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ. وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إيجَابِ النِّيَّةِ فِيهِ. وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ: رَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْوُضُوءِ، وَيَنْوِي اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ. فَإِنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ لَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ، بَلْ مَتَى وَجَدَهُ أَعَادَ الطَّهَارَةَ، جُنُبًا كَانَ أَوْ مُحْدِثًا. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ يُبِيحُ الصَّلَاةَ، فَيَرْفَعُ الْحَدَثَ، كَطَهَارَةِ الْمَاءِ. وَلَنَا أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ التَّيَمُّمِ، إنْ كَانَ جُنُبًا، أَوْ مُحْدِثًا، أَوْ امْرَأَةً حَائِضًا، وَلَوْ رَفَعَ الْحَدَثَ لَاسْتَوَى الْجَمِيعُ؛ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْوِجْدَانِ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، فَلَمْ تَرْفَعْ الْحَدَثَ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْمَاءَ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ فَرِيضَةً، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ مِنْ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، سَوَاءٌ نَوَى فَرِيضَةً مُعَيَّنَةً أَوْ مُطْلَقَةً. فَإِنْ نَوَى نَفْلًا أَوْ صَلَاةً مُطْلَقَةً، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ إلَّا نَافِلَةً. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ يَصِحُّ بِهَا النَّفَلُ، فَصَحَّ بِهَا الْفَرْضُ، كَطَهَارَةِ الْمَاءِ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . وَهَذَا لَمْ يَنْوِي الْفَرْضَ، فَلَا يَكُونُ لَهُ، وَفَارَقَ طَهَارَةَ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ الْمَانِعَ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ، فَيُبَاحُ لَهُ جَمِيعُ مَا يَمْنَعُهُ الْحَدَثُ. وَلَا يَلْزَمُ اسْتِبَاحَةُ النَّفْلِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَعْلَى مَا فِي الْبَابِ، فَنِيَّتُهُ تَضَمَّنَتْ نِيَّةَ مَا دُونَهُ، وَإِذَا اسْتَبَاحَهُ اسْتَبَاحَ مَا دُونَهُ تَبَعًا. [فَصْل إذَا نَوَى الْفَرْضَ اسْتَبَاحَ كُلَّ مَا يُبَاحُ بِالتَّيَمُّمِ مِنْ النَّفْلِ قَبْلَ الْفَرْضِ وَبَعْدَهُ] (360) فَصْلٌ: إذَا نَوَى الْفَرْضَ اسْتَبَاحَ كُلَّ مَا يُبَاحُ بِالتَّيَمُّمِ مِنْ النَّفْلِ، قَبْلَ الْفَرْضِ وَبَعْدَهُ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَتَطَوَّعُ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ بِصَلَاةٍ غَيْرِ رَاتِبَةٍ. وَحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ تَبَعٌ لِلْفَرْضِ، فَلَا يَتَقَدَّمُ الْمَتْبُوعَ. وَلَنَا أَنَّهُ تَطَوُّعٌ، فَأُبِيحَ لَهُ فِعْلُهُ إذَا نَوَى الْفَرْضَ، كَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ وَكَمَا بَعْدَ الْفَرْضِ.
فصل تيمم الصبي لإحدى الصلوات الخمس ثم بلغ
وَقَوْلُهُ: إنَّهُ تَبَعٌ قُلْنَا: إنَّمَا هُوَ تَبَعٌ فِي الِاسْتِبَاحَةِ، لَا فِي الْفِعْلِ، كَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَغَيْرِهِمَا. وَإِنْ نَوَى نَافِلَةً أُبِيحَتْ لَهُ، وَأُبِيحَ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَمَسُّ الْمُصْحَفِ، وَالطَّوَافُ؛ لِأَنَّ النَّافِلَةَ آكَدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَتَيْنِ مُشْتَرَطَتَانِ لَهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي اشْتِرَاطِهِمَا لِمَا سِوَاهَا خِلَافٌ، فَيَدْخُلُ الْأَدْنَى فِي الْأَعْلَى، كَدُخُولِ النَّافِلَةِ فِي الْفَرِيضَةِ؛ وَلِأَنَّ النَّفَلَ يَشْتَمِلُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَنِيَّةُ النَّفْلِ تَشْمَلُهُ وَإِنْ نَوَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّنَفُّلُ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى، فَلَا يَسْتَبِيحُ الْأَعْلَى بِنِيَّتِهِ، كَالْفَرْضِ مَعَ النَّفْلِ. وَإِنْ تَيَمَّمَ لِلطَّوَافِ أُبِيحَ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَاللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ صَلَاةٌ، وَيُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَتَانِ، وَلَهُ نَفْلٌ وَفَرْضٌ، وَيَدْخُلُ فِي ضِمْنِهِ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ. وَإِنْ نَوَى أَحَدَهُمَا لَمْ يَسْتَبِحْ الطَّوَافَ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى مِنْهُمَا. وَإِنْ نَوَى فَرْضَ الطَّوَافِ، اسْتَبَاحَ نَفْلَهُ. وَإِنْ نَوَى نَفْلَهُ، لَمْ يَسْتَبِحْ فَرْضَهُ كَالصَّلَاةِ. وَإِنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لِكَوْنِهِ جُنُبًا، أَوْ اللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ مَسَّ الْمُصْحَفِ، لَمْ يَسْتَبِحْ غَيْرَ مَا نَوَاهُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى " وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ، وَلَا مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ، فَلَمْ يَسْتَبِحْهُ، كَمَا لَا يَسْتَبِيحُ الْفَرْضَ إذَا لَمْ يَنْوِهِ. [فَصْل تَيَمَّمَ الصَّبِيُّ لِإِحْدَى الصَّلَوَات الْخَمْسِ ثُمَّ بَلَغَ] (361) فَصْلٌ: وَإِنْ تَيَمَّمَ الصَّبِيُّ لِإِحْدَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، ثُمَّ بَلَغَ، لَمْ يَسْتَبِحْ بِتَيَمُّمِهِ فَرْضًا؛ لِأَنَّ مَا نَوَاهُ كَانَ نَفْلًا، وَيُبَاحُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بِهِ، كَمَا لَوْ نَوَى بِهِ الْبَالِغُ النَّفَلَ. فَأَمَّا إنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الْبُلُوغِ، ثُمَّ بَلَغَ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ فَرْضًا وَنَفْلًا؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لِلنَّفْلِ يُبِيحُ فِعْلَ الْفَرْضِ. [مَسْأَلَة يَمْسَحُ الْمُتَيَمِّم وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ] (362) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] وَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ، وَاسْتِيعَابُ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْمَاءُ مِنْهَا، لَا يَسْقُطُ مِنْهَا إلَّا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَمَا تَحْتَ الشُّعُورِ الْخَفِيفَةِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد: يُجْزِئُهُ إنْ لَمْ يُصِبْ إلَّا بَعْضَ وَجْهِهِ وَبَعْضَ كَفَّيْهِ. وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: فَامْسَحُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ. فَيَجِبُ تَعْمِيمُهُمَا، كَمَا يَجِبُ تَعْمِيمُهُمَا بِالْغَسْلِ؛ لِقَوْلِهِ: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] . فَيَضْرِبُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ إلَى الْكُوعَيْنِ بِبَاطِنِ رَاحَتَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، وَيُخَلِّلَ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الرَّاحَتَيْنِ قَدْ سَقَطَ بِإِمْرَارِ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: رَأَيْت التَّيَمُّمَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ قَدْ أَسْقَطَ تَرْتِيبًا مُسْتَحَقًّا فِي الْوُضُوءِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَعْتَدُّ بِمَسْحِ بَاطِنِ يَدَيْهِ قَبْلَ
فصل تيمم بضربتين للوجه واليدين إلى المرفقين
مَسْحِ وَجْهِهِ، وَكَيْفَمَا مَسَحَ بَعْدَ اسْتِيعَابِ مَحَلِّ الْفَرْضِ أَجْزَأَهُ، سَوَاءٌ كَانَ بِضَرْبَةٍ، أَوْ ضَرْبَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَكْثَرَ. [فَصْل تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ] (363) فَصْلٌ: وَإِنْ تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ بِالْأُولَى وَجْهَهُ، وَيَمْسَحُ بِالثَّانِيَةِ يَدَيْهِ، فَيَضَعُ بُطُونَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى ظُهُورِ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى، وَيُمِرُّهَا عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ، فَإِذَا بَلَغَ الْكُوعَ قَبَضَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى حَرْفِ الذِّرَاعِ، وَيُمِرُّهَا إلَى مِرْفَقِهِ، ثُمَّ يُدِيرُ بَطْنَ كَفِّهِ إلَى بَطْنِ الذِّرَاعِ، وَيُمِرُّهَا عَلَيْهِ، وَيَرْفَعُ إبْهَامَهُ، فَإِذَا بَلَغَ الْكُوعَ أَمَرَّ الْإِبْهَامَ عَلَى ظَهْرِ إبْهَامِ يَدِهِ الْيُمْنَى، وَيَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى يَدَهُ الْيُسْرَى كَذَلِكَ، وَيَمْسَحُ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، وَيُخَلِّلُ بَيْنَ أَصَابِعِهِمَا، وَلَوْ مَسَحَ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَكْثَرَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ مَحَلَّ التَّيَمُّمِ بِالْغُبَارِ، فَجَازَ كَمَا لَوْ مَسَحَهُ بِضَرْبَتَيْنِ. [فَصْل بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ لَمْ يَصِلْهُ التُّرَابُ] فَصْلٌ: فَإِنْ بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ لَمْ يَصِلْهُ التُّرَابُ، أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِمَا، مَا لَمْ يَفْصِلْ رَاحَتَهُ، فَإِنْ فَصَلَ رَاحَتَهُ، وَكَانَ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهَا غُبَارٌ، جَازَ أَنْ يَمْسَحَ بِهَا. وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهَا غُبَارٌ، احْتَاجَ إلَى ضَرْبَةٍ أُخْرَى. وَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنْ الْوَجْهِ مَسَحَهُ، وَأَعَادَ مَسْحَ يَدَيْهِ، لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ. وَإِنْ تَطَاوَلَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا، وَقُلْنَا بِوُجُوبِ الْمُوَالَاةِ، اسْتَأْنَفَ التَّيَمُّمَ، لِتَحْصُلَ الْمُوَالَاةُ. وَيُرْجَعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إلَى الْقَدْرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ فَرْعٌ عَلَيْهَا. وَالْحُكْمُ فِي التَّسْمِيَةِ كَالْحُكْمِ فِي التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ، مَا مَضَى مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْهُ. [فَصْل مَسْحُ الْيَدَيْنِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقْطَعُ مِنْهُ السَّارِقُ] (365) فَصْلٌ: وَيَجِبُ مَسْحُ الْيَدَيْنِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقْطَعُ مِنْهُ السَّارِقُ، أَوْمَأَ أَحْمَدُ إلَى هَذَا لَمَّا سُئِلَ عَنْ التَّيَمُّمِ، فَأَوْمَأَ إلَى كَفِّهِ وَلَمْ يُجَاوِزْهُ، وَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] . مِنْ أَيْنَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ؟ أَلَيْسَ مِنْ هَاهُنَا؟ وَأَشَارَ إلَى الرُّسْغِ. وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ هَذَا، فَعَلَى هَذَا، إنْ كَانَ أَقْطَعَ مِنْ فَوْقِ الرُّسْغِ سَقَطَ مَسْحُ الْيَدَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ دُونِهِ مَسَحَ مَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمِفْصَلِ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَمْسَحُ مَوْضِعَ الْقَطْعِ. قَالَ: وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الرُّسْغَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ كَالْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، فَكَمَا أَنَّهُ إذَا قُطِعَ مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، غَسَلَ مَا بَقِيَ، كَذَا هَاهُنَا يَمْسَحُ الْعَظْمَ الْبَاقِيَ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَسْقُطُ الْفَرْضُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ الْكَفُّ الَّذِي يُؤْخَذُ فِي السَّرِقَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ التُّرَابِ عَلَيْهِ. وَمَسْحُ الْعَظْمِ الْبَاقِي مَعَ بَقَاءِ الْكَفِّ إنَّمَا كَانَ ضَرُورَةَ اسْتِيعَابِ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ، فَإِذَا زَالَ الْأَصْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ، سَقَطَ مَا وَجَبَ لِضَرُورَتِهِ، كَمَنْ
فصل أوصل التراب إلى محل الفرض بخرقة أو خشبة
سَقَطَ عَنْهُ غَسْلُ الْوَجْهِ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ، وَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ الصِّيَامُ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ. [فَصْل أَوْصَلَ التُّرَابَ إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ بِخِرْقَةِ أَوْ خَشَبَةٍ] (366) فَصْلٌ: فَإِنْ أَوْصَلَ التُّرَابَ إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ بِخِرْقَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْمَسْحِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ آلَتَهُ، فَلَا يَتَعَيَّنُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ بِخِرْقَةٍ رَطْبَةٍ. وَإِنْ مَسَحَ مَحَلَّ الْفَرْضِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ بِبَعْضِ يَدِهِ، أَجْزَأَهُ، إذْ كَانَتْ يَدُهُ أَقْرَبَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهَا. وَإِنْ يَمَّمَهُ غَيْرُهُ جَازَ، كَمَا لَوْ وَضَّأَهُ غَيْرُهُ، وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ فِي الْمُتَيَمِّمِ دُونَ الْمُيَمِّمِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ الْإِجْزَاءُ وَالْمَنْعُ بِهِ. [مَسْأَلَة كَانَ مَا ضَرَبَ بِيَدَيْهِ غَيْرَ طَاهِرٍ] (367) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَ مَا ضَرَبَ بِيَدَيْهِ غَيْرَ طَاهِرٍ لَمْ يُجْزِهِ) لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي، إلَّا أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ، قَالَ: إنْ تَيَمَّمَ بِتُرَابِ الْمَقْبَرَةِ وَصَلَّى، مَضَتْ صَلَاتُهُ. وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] . وَالنَّجِسُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ؛ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ طَاهِرٍ، كَالْوُضُوءِ، فَأَمَّا الْمَقْبَرَةُ فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُنْبَشْ، فَتُرَابُهَا طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ نَبْشُهَا وَالدَّفْنُ فِيهَا تَكَرَّرَ، لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِتُرَابِهَا؛ لِاخْتِلَاطِهِ بِصَدِيدِ الْمَوْتَى وَلُحُومِهِمْ. وَإِنْ شَكَّ فِي تَكَرُّرِ الدَّفْنِ فِيهَا، أَوْ فِي نَجَاسَةِ التُّرَابِ الَّذِي تَيَمَّمَ بِهِ، جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ. [فَصْل تَيَمَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ] (368) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَتَيَمَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَضَّأَ جَمَاعَةٌ مِنْ حَوْضٍ وَاحِدٍ. فَأَمَّا مَا تَنَاثَرَ مِنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بَعْدَ مَسْحِهِمَا بِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ الْحَدَثَ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي طَهَارَةٍ أَبَاحَتْ الصَّلَاةَ، أَشْبَهَ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي الطَّهَارَةِ وَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ. [مَسْأَلَة كَانَ بِهِ قُرْح أَوْ مَرَضٌ مَخُوفٌ وَأَجْنَبِ فَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ إنْ أَصَابَهُ الْمَاءُ] (369) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا كَانَ بِهِ قَرْحٌ أَوْ مَرَضٌ مَخُوفٌ، وَأَجْنَبَ، فَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ إنْ أَصَابَهُ الْمَاءُ، غَسَلَ الصَّحِيحَ مِنْ جَسَدِهِ، وَتَيَمَّمَ لِمَا لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَحْكَامٍ مِنْهَا: إبَاحَةُ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ: عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَأَبُو مُوسَى، وَعَمَّارٌ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ،
فصل الخوف المبيح للتيمم
وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَا يَرَى التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ، وَنَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا مُوسَى نَاظَرَ ابْنَ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عَمَّارٍ، وَبِالْآيَةِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ، قَالَ: فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ، فَقَالَ: إنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكَ إذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمْ الْمَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ: مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، مَا مَنَعَك أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟ . فَقَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ. قَالَ: عَلَيْك بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيك» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي الَّذِي أَصَابَتْهُ الشَّجَّةُ؛ لِأَنَّهُ حَدَثٌ فَيَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، كَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْجَرِيحَ وَالْمَرِيضَ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَطَاوُسٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ عَطَاءٌ فِي التَّيَمُّمِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ؛ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَنَحْوُهُ عَنْ الْحَسَنِ فِي الْمَجْدُورِ الْجُنُبِ، قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ الْغُسْلِ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] . وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حِينَ تَيَمَّمَ مِنْ خَوْفِ الْبَرْدِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ فِي الَّذِي أَصَابَتْهُ الشَّجَّةُ؛ وَلِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا خَافَ الْعَطَشَ، أَوْ خَافَ مِنْ سَبُعٍ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، فَإِنَّ الْخَوْفَ لَا يَخْتَلِفُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ جِهَاتُهُ. [فَصْل الْخَوْفِ الْمُبِيحِ لِلتَّيَمُّمِ] (370) فَصْلٌ: وَاخْتُلِفَ فِي الْخَوْفِ الْمُبِيحِ لِلتَّيَمُّمِ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: لَا يُبِيحُهُ إلَّا خَوْفُ التَّلَفِ. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ، أَوْ تَبَاطُؤَ الْبُرْءِ، أَوْ خَافَ شَيْئًا
فَاحِشًا، أَوْ أَلَمًا غَيْرَ مُحْتَمَلٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ. وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا خَافَ ذَهَابَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ ضَرَرًا فِي نَفْسِهِ؛ مِنْ لِصٍّ، أَوْ سَبُعٍ، أَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ كَثِيرَةٍ؛ فَلَأَنْ يَجُوزَ هَاهُنَا أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَتَأْخِيرَ الصِّيَامِ، لَا يَنْحَصِرُ فِي خَوْفِ التَّلَفِ، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الِاسْتِقْبَالِ، فَكَذَا هَاهُنَا فَأَمَّا الْمَرِيضُ أَوْ الْجَرِيحُ الَّذِي لَا يَخَافُ الضَّرَرَ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، مِثْلُ مَنْ بِهِ الصُّدَاعُ وَالْحُمَّى الْحَارَّةُ، أَوْ أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الْحَارِّ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ التَّيَمُّمِ لِنَفْيِ الضَّرَرِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ هَاهُنَا. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَدَاوُد إبَاحَةُ التَّيَمُّمِ لِلْمَرِيضِ مُطْلَقًا؛ لِظَاهِرِ الْآيَةِ. وَلَنَا أَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ، لَا يَسْتَضِرُّ بِاسْتِعْمَالِهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ، كَالصَّحِيحِ، وَالْآيَةُ اُشْتُرِطَ فِيهَا عَدَمُ الْمَاءِ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْ مَحَلَّ النِّزَاعِ، عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ إضْمَارِ الضَّرُورَةِ، وَالضَّرُورَةُ إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ الضَّرَر، وَمِنْهَا أَنَّ الْجَرِيحَ وَالْمَرِيضَ إذَا أَمْكَنَهُ غَسْلُ بَعْضِ جَسَدِهِ دُونَ بَعْضٍ، لَزِمَهُ غَسْلُ مَا أَمْكَنَهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: إنْ كَانَ أَكْثَرُ بَدَنِهِ صَحِيحًا غَسَلَهُ، وَلَا تَيَمُّمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُ جَرِيحًا، تَيَمَّمَ وَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ لَا يَجِبُ، كَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ. وَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا شَجَّةٌ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَك رُخْصَةً، وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ، فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمْ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا، إذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ. وَلِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْجَسَدِ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ بِشَيْءٍ إذَا اسْتَوَى الْجِسْمُ كُلُّهُ فِي الْمَرَضِ أَوْ الصِّحَّةِ. فَيَجِبُ ذَلِكَ فِيهِ وَإِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَكْثَرِ، فَإِنَّ حُكْمَهُ لَا يَسْقُطُ بِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقِضٌ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَعَ غَسْلِ بَقِيَّةِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَيُفَارِقُ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ هَذَا، فَإِنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَمَّا لَا يُصِيبُهُ الْمَاءُ، دُونَ مَا أَصَابَهُ
فصل ما لا يمكن غسله من الصحيح إلا بانتشار الماء إلى الجريح
[فَصْل مَا لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ مِنْ الصَّحِيحِ إلَّا بِانْتِشَارِ الْمَاءِ إلَى الْجَرِيحِ] (371) فَصْلٌ: مَا لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ مِنْ الصَّحِيحِ إلَّا بِانْتِشَارِ الْمَاءِ إلَى الْجَرِيحِ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْجَرِيحِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ضَبْطُهُ، وَقَدَرَ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَضْبِطُهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَأَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ غَسْلِهِ، فَأَجْزَأَهُ التَّيَمُّمُ عَنْهُ كَالْجَرِيحِ. [فَصْل كَانَ الْجَرِيحُ جُنُبًا] (372) فَصْلٌ: إذَا كَانَ الْجَرِيحُ جُنُبًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ قَدَّمَ التَّيَمُّمَ عَلَى الْغُسْلِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ التَّيَمُّمُ لِعَدَمِ مَا يَكْفِيهِ لِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لِلْعَدَمِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ الْمَاءِ، وَهَا هُنَا التَّيَمُّمُ لِلْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْجَرِيحِ، وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ وَلِأَنَّ الْجَرِيحَ يَعْلَمُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ الْجُرْحِ، وَالْعَادِمُ لِمَا يَكْفِي جَمِيعَ أَعْضَائِهِ لَا يَعْلَمُ الْقَدْرَ الَّذِي يَتَيَمَّمُ لَهُ إلَّا بَعْدَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَفَرَاغِهِ، فَلَزِمَهُ تَقْدِيمُ اسْتِعْمَالِهِ. وَإِنْ كَانَ الْجَرِيحُ يَتَطَهَّرُ لِلْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ فَيَجْعَلُ التَّيَمُّمَ فِي مَكَانِ الْغُسْلِ الَّذِي يَتَيَمَّمُ بَدَلًا عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ فِي وَجْهِهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ غَسْلُ شَيْءٍ مِنْهُ، لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ أَوَّلًا، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلْوُضُوءِ. وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ وَجْهِهِ خُيِّرَ بَيْنَ غَسْلِ صَحِيحِ وَجْهِهِ ثُمَّ تَيَمَّمَ، وَبَيْنَ أَنْ يَتَيَمَّمَ ثُمَّ يَغْسِلَ صَحِيحَ وَجْهِهِ وَيُتَمِّمَ وُضُوءَهُ. وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ فِي عُضْوٍ آخَرَ، لَزِمَهُ غَسْلُ مَا قَبْلَهُ، ثُمَّ كَانَ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْوَجْهِ. وَإِنْ كَانَ فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، احْتَاجَ فِي كُلِّ عُضْوٍ إلَى تَيَمُّمٍ فِي مَحَلِّ غَسْلِهِ، لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ. وَلَوْ غَسَلَ صَحِيحَ وَجْهِهِ، ثُمَّ تَيَمَّمَ لَهُ وَلِيَدَيْهِ تَيَمُّمًا وَاحِدًا، لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْ جُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: يَبْطُلُ هَذَا بِالتَّيَمُّمِ عَنْ جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ، حَيْثُ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ جُمْلَةً وَاحِدَةً.
فصل تيمم الجريح لجرح في بعض أعضائه ثم خرج الوقت
قُلْنَا: إذَا كَانَ عَنْ جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ، فَالْحُكْمُ لَهُ دُونَهَا، وَإِنْ كَانَ عَنْ بَعْضِهَا، نَابَ عَنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يَنُوبُ عَنْهُ مِنْ التَّرْتِيبِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ هَذَا التَّرْتِيبُ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ، فَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الطَّهَارَةِ الْأُخْرَى، كَمَا لَوْ كَانَ الْجَرِيحُ جُنُبًا؛ وَلِأَنَّهُ تَيَمَّمَ عَنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، فَلَمْ يَجِبْ أَنْ يَتَيَمَّمَ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ فِي مَوْضِعِ غَسْلِهِ، كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ عَنْ جُمْلَةِ الْوُضُوءِ؛ وَلِأَنَّ فِي هَذَا حَرَجًا وَضَرَرًا، فَيَنْدَفِعُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] . وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ، عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مِثْلَ هَذَا. وَحَكَى ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْهُ مِثْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. [فَصْل تَيَمَّمَ الْجَرِيحُ لِجُرْحِ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ] (373) وَإِنْ تَيَمَّمَ الْجَرِيحُ لِجُرْحٍ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، وَلَمْ تَبْطُلُ طَهَارَتُهُ بِالْمَاءِ إنْ كَانَتْ غُسْلًا لِجَنَابَةٍ أَوْ نَحْوِهَا؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ وَالْمُوَالَاةَ غَيْرُ وَاجِبَيْنِ فِيهَا. وَإِنْ كَانَتْ وُضُوءًا، وَكَانَ الْجُرْحُ فِي وَجْهِهِ، خُرِّجَ بُطْلَانُ الْوُضُوءِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا؛ فَمَنْ أَوْجَبَ التَّرْتِيبَ أَبْطَلَ الْوُضُوءَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْعُضْوِ الَّذِي نَابَ التَّيَمُّمُ عَنْهُ بَطَلَتْ، فَلَوْ لَمْ يَبْطُلْ فِيمَا بَعْدَهُ لَتَقَدَّمَتْ طَهَارَةُ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ، فَيَفُوتُ التَّرْتِيبُ. [وَمَنْ] لَمْ يُوجِبْ التَّرْتِيبَ لَمْ يُبْطِلْ الْوُضُوءَ، وَجَوَّزَ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ لَا غَيْرُ. وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ فِي إحْدَى رِجْلَيْهِ، أَوْ فِيهِمَا، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ، لَا تَجِبُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا أَيْضًا، وَعَلَيْهِ التَّيَمُّمِ وَحْدَهُ. وَمَنْ أَوْجَبَ التَّرْتِيبَ، فَقِيَاسُ قَوْلِهِ: أَنْ يَكُونَ فِي الْمُوَالَاةِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى الْمُوَالَاةِ فِي الْوُضُوءِ، وَفِيهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، تَجِبُ، فَتَجِبُ هَاهُنَا، وَيَبْطُلُ الْوُضُوءُ لِفَوَاتِهَا. وَالثَّانِيَةُ لَا تَجِبُ، فَيَكْفِيهِ التَّيَمُّمُ وَحْدَهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُمَا طَهَارَتَانِ، فَلَمْ تَجِبْ الْمُوَلَّاةُ بَيْنَهُمَا، كَسَائِرِ الطِّهَارَاتِ؛ وَلِأَنَّ فِي إيجَابِهَا حَرَجًا، فَيَنْتَفِي بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] . [فَصْل خَافَ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يُسَخِّنَ الْمَاءَ] (374) فَصْلٌ: وَإِنْ خَافَ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يُسَخِّنَ الْمَاءَ، أَوْ يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَأْمَنُ الضَّرَرَ، مِثْلُ أَنْ يَغْسِلَ عُضْوًا عُضْوًا، وَكُلَّمَا غَسَلَ شَيْئًا سَتَرَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ، تَيَمَّمَ وَصَلَّى فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ: يَغْتَسِلُ، وَإِنْ مَاتَ، لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ عُذْرًا. وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكَ أَحَدُهُمْ إذَا بَرَدَ عَلَيْهِ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَدَعَهُ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] ، وقَوْله تَعَالَى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] . وَرَوَى أَبُو دَاوُد، وَأَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِمَا «، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: احْتَلَمْت
مسألة قال إذا تيمم صلى الصلاة التي حضر وقتها وصلى به فوائت
فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَشْفَقْت إنْ اغْتَسَلْت أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْت، ثُمَّ صَلَّيْت بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا عَمْرُو، أَصَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ، وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ فَأَخْبَرْته بِاَلَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ، وَقُلْت: إنِّي سَمِعْت اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] . فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» . وَسُكُوتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ؛ وَلِأَنَّهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَأُبِيحَ لَهُ التَّيَمُّمُ كَالْجَرِيحِ وَالْمَرِيضِ، وَكَمَا لَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ عَطَشًا أَوْ لِصًّا أَوْ سَبُعًا فِي طَلَبِ الْمَاءِ. وَإِذَا تَيَمَّمَ وَصَلَّى، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، لَا يَلْزَمُهُ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِحَدِيثِ عَمْرٍو، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَأَمَرَهُ بِهَا؛ وَلِأَنَّهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ، أَشْبَهَ الْمَرِيضَ؛ وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ مَنْ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ. وَالثَّانِيَةُ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْإِعَادَةَ كَنِسْيَانِ الطَّهَارَةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَيُفَارِقُ نِسْيَانَ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَإِنَّمَا ظَنَّ أَنَّهُ أَتَى بِهِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُسَافِرًا، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَضَرَ مَظِنَّةُ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْخِينِ الْمَاءِ، وَدُخُولِ الْحَمَّامَاتِ، بِخِلَافِ السَّفَرِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُعِيدُ إنْ كَانَ حَاضِرًا، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَعَلَى قَوْلَيْنِ. [مَسْأَلَة قَالَ إذَا تَيَمَّمَ صَلَّى الصَّلَاةَ الَّتِي حَضَرَ وَقْتُهَا وَصَلَّى بِهِ فَوَائِتَ] (375) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا تَيَمَّمَ صَلَّى الصَّلَاةَ الَّتِي حَضَرَ وَقْتُهَا، وَصَلَّى بِهِ فَوَائِتَ إنْ كَانَتْ عَلَيْهِ، وَالتَّطَوُّعَ إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى) الْمَذْهَبُ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَدُخُولِهِ، وَلَعَلَّ الْخِرَقِيِّ إنَّمَا عَلَّقَ بُطْلَانَهُ، بِدُخُولِ وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى تَجَوُّزًا مِنْهُ، إذَا كَانَ خُرُوجُ وَقْتِ الصَّلَاةِ مُلَازِمًا لِدُخُولِ وَقْتِ الْأُخْرَى، إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ وَقْتُ الْفَجْرِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مُنْفَكًّا عَنْ دُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَإِسْحَاقَ. وَرَوَى الْمَيْمُونِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمُتَيَمِّمِ، قَالَ: إنَّهُ لَيُعْجِبُنِي أَنْ يَتَيَمَّمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَلَكِنَّ الْقِيَاسَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الطَّهَارَةِ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ، أَوْ يُحْدِثَ؛ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجُنُبِ. يَعْنِي قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا أَبَا ذَرٍّ، «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ بَشَرَتَك» . وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي جَعْفَرٍ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تُبِيحُ الصَّلَاةَ، فَلَمْ تَتَقَدَّرْ بِالْوَقْتِ كَطَهَارَةِ الْمَاءِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى الْحَارِثُ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَابْنُ عُمَرَ قَالَ: تَيَمَّمْ لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ؛ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَطَهَارَةُ الْمَاءِ لَيْسَتْ لِلضَّرُورَةِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. وَالْحَدِيثُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ يُشْبِهُ الْوُضُوءَ فِي إبَاحَةِ الصَّلَاةِ، وَيَلْزَمُهُ التَّسَاوِي فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا نَوَى بِتَيَمُّمِهِ مَكْتُوبَةً، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ الصَّلَوَاتِ، فَيُصَلِّي الْحَاضِرَةَ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَيَقْضِي فَوَائِتَ، وَيَتَطَوَّعُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا. هَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُصَلِّي بِهِ فَرْضَيْنِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: لَا يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ إلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلْأُخْرَى. وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمَا؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ بِالتَّيَمُّمِ إلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلْأُخْرَى. وَهَذَا مُقْتَضَى سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ فَلَا يَجْمَعُ بِهَا بَيْنَ فَرِيضَتَيْنِ، كَمَا لَوْ كَانَا فِي وَقْتَيْنِ. وَلَنَا أَنَّهَا طَهَارَةٌ صَحِيحَةٌ، أَبَاحَتْ فَرْضًا، فَأَبَاحَتْ فَرْضَيْنِ، كَطَهَارَةِ الْمَاءِ؛ وَلِأَنَّهُ بَعْدَ الْفَرْضِ الْأَوَّلِ تَيَمُّمٌ صَحِيحٌ مُبِيحٌ لِلتَّطَوُّعِ، نَوَى بِهِ الْمَكْتُوبَةَ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ فَرْضًا، كَحَالَةِ ابْتِدَائِهِ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ فِي الْأُصُولِ، إنَّمَا تَتَقَيَّدُ بِالْوَقْتِ دُونَ الْفِعْلِ، كَطَهَارَةِ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفِّ، وَهَذِهِ فِي النَّوَافِلِ، وَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ تَيَمُّمٍ أَبَاحَ صَلَاةً أَبَاحَ مَا هُوَ مِنْ نَوْعِهَا، بِدَلِيلِ صَلَوَاتِ النَّوَافِلِ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيَرْوِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يُصَلِّيَ بِهِ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ صَلَوَاتٍ مِنْ التَّطَوُّعِ، وَيَجْمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فَرْضٍ وَنَفْلٍ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْجَمْعُ بَيْنَ فَرْضَيْ وَقْتَيْنِ، لِبُطْلَانِ التَّيَمُّمِ، بِخُرُوجِ وَقْتِ الْأُولَى مِنْهَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْخِرَقِيِّ إنَّمَا ذَكَرَ قَضَاءَ الْفَوَائِتِ وَالتَّطَوُّعِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَمْعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ، وَكَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ. وَالصَّحِيحُ جَوَازُ الْجَمْعِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَدِلَّةِ؛ وَلِأَنَّ مَا أَبَاحَ فَرْضَيْنِ فَائِتَيْنِ مَا أَبَاحَ فَرْضَيْنِ فِي الْجَمْعِ، كَسَائِرِ الطِّهَارَاتِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَيس لِلْمُتَيَمِّمِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ تَفْتَقِرُ إلَى تَيَمُّمٍ، وَالتَّيَمُّمُ يَفْتَقِرُ إلَى طَلَبٍ، وَالطَّلَبُ يَقْطَعُ الْجَمْعَ، وَمِنْ شَرْطِهِ الْمُوَالَاةُ - يَعْنِي عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَيَّدَ بِالْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى، فَأَمَّا الْجَمْعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فَلَا تُشْتَرَطُ لَهُ الْمُوَالَاةُ فِي الصَّحِيحِ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يُمْكِنُ قَضَاءُ الْفَوَائِتِ، وَالتَّرْتِيبُ شَرْطٌ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْفَائِتَةِ عَلَى الْحَاضِرَةِ فَكَيْفَ تَتَأَخَّرُ الْفَائِتَةُ عَنْهَا؟ قُلْنَا: يُمْكِنُ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنْ يُقَدِّمَ الْفَائِتَةَ عَلَى الْحَاضِرَةِ.
مسألة إذا خاف العطش حبس الماء وتيمم
الثَّانِي أَنْ يَنْسَى الْفَائِتَةَ، ثُمَّ يَذْكُرَهَا بَعْدَ الْحَاضِرَةِ. الثَّالِث أَنْ يَخْشَى فَوَاتَ وَقْتِ الْحَاضِرَةِ، فَيُصَلِّيَهَا، ثُمَّ يُصَلِّيَ فِي بَقِيَّةِ الْوَقْتِ فَوَائِتَ. الرَّابِع أَنَّهُ إذَا كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ قَضَاؤُهَا قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الْحَاضِرَةِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْحَاضِرَةَ فِي الْجَمَاعَةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَيُقَدِّمَهَا عَلَى الْفَوَائِتِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِهَا عَلَى بَعْضِ الْفَوَائِتِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي تَأْخِيرِهَا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَ تَأْخِيرُهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا، لَلَزِمَ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْحَاضِرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ [مَسْأَلَة إذَا خَافَ الْعَطَشَ حَبَسَ الْمَاءَ وَتَيَمَّمَ] (376) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا خَافَ الْعَطَشَ حَبَسَ الْمَاءَ وَتَيَمَّمَ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ، وَخَشِيَ الْعَطَشَ، أَنَّهُ يُبْقِي مَاءَهُ لِلشُّرْبِ، وَيَتَيَمَّمُ؛ مِنْهُمْ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَطَاوُسٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ وَلِأَنَّهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، فَأُبِيحَ لَهُ التَّيَمُّمُ، كَالْمَرِيضِ. [فَصْل الْمُتَيَمِّم إذَا خَافَ عَلَى رَفِيقِهِ أَوْ رَقِيقِهِ أَوْ بَهَائِمِهِ] (377) فَصْلٌ: وَإِنْ خَافَ عَلَى رَفِيقِهِ، أَوْ رَقِيقِهِ، أَوْ بَهَائِمِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ رَفِيقِهِ كَحُرْمَةِ نَفْسِهِ، وَالْخَائِفُ عَلَى بَهَائِمِهِ خَائِفٌ مِنْ ضَيَاعِ مَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَ مَاءً بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ لِصٌّ أَوْ سَبُعٌ يَخَافُهُ عَلَى بَهِيمَتِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ. وَإِنْ وَجَدَ عَطْشَانَ يَخَافُ تَلَفَهُ، لَزِمَهُ سَقْيُهُ، وَيَتَيَمَّمُ. قِيلَ لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ مَعَهُ إدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ لِلْوُضُوءِ، فَيَرَى قَوْمًا عِطَاشًا، أَحَبُّ إلَيْك أَنْ يَسْقِيَهُمْ أَوْ يَتَوَضَّأَ؟ قَالَ: يَسْقِيهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَيَمَّمُونَ، وَيَحْبِسُونَ الْمَاءَ لِشِفَاهِهِمْ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي: لَا يَلْزَمُهُ بَذْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ حُرْمَةَ الْآدَمِيِّ تُقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ رَأَى حَرِيقًا، أَوْ غَرِيقًا، فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهَا، لَزِمَهُ تَرْكُ الصَّلَاةِ، وَالْخُرُوجُ لِإِنْقَاذِهِ، فَلَأَنْ يُقَدِّمَهَا عَلَى الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ أَوْلَى، وَقَدْ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ، أَنَّ بَغِيًّا أَصَابَهَا الْعَطَشُ، فَنَزَلَتْ بِئْرًا فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَلَمَّا صَعِدَتْ رَأَتْ كَلْبًا يَلْحَسُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَقَالَتْ: لَقَدْ أَصَابَ هَذَا مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ مَا أَصَابَنِي. فَنَزَلَتْ فَسَقَتْهُ بِمُوقِهَا، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهَا. فَإِذَا كَانَ هَذَا الْأَجْرَ مِنْ سَقْيِ الْكَلْبِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى. [فَصْل وَجَدَ الْخَائِفُ مِنْ الْعَطَشِ مَاءً طَاهِرًا وَمَاءً نَجِسًا] (378) فَصْلٌ: وَإِذَا وَجَدَ الْخَائِفُ مِنْ الْعَطَشِ مَاءً طَاهِرًا، وَمَاءً نَجِسًا، يَكْفِيهِ أَحَدُهُمَا لِشُرْبِهِ فَإِنَّهُ يَحْبِسُ الْمَاءَ الطَّاهِرَ
فصل كان الماء موجودا إلا أنه إذا اشتغل بتحصيله واستعماله فات الوقت
لِشُرْبِهِ، وَيُرِيقُ النَّجِسَ إنْ اسْتَغْنَى عَنْ شُرْبِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَوَضَّأُ بِالطَّاهِرِ، وَيَحْبِسُ النَّجِسَ لِشُرْبِهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ مَاءً طَاهِرًا مُسْتَغْنًى عَنْ شُرْبِهِ. فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مَاءً كَثِيرًا طَاهِرًا، وَلَنَا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَلَا عَلَى مَا يَجُوزُ لَهُ شُرْبُهُ سِوَى هَذَا الطَّاهِرِ، فَجَازَ لَهُ حَبْسُهُ إذَا خَافَ الْعَطَشَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِوَاهُ. وَإِنْ وَجَدَهُمَا وَهُوَ عَطْشَانُ، شَرِبَ الطَّاهِرَ، وَأَرَاقَ النَّجِسَ إذَا اسْتَغْنَى عَنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَقْتِ، أَوْ قَبْلَهُ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ شَرِبَ النَّجِسَ؛ لِأَنَّ الطَّاهِرَ مُسْتَحِقُّ الطَّهَارَةِ، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ شُرْبَ النَّجِسِ حَرَامٌ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ الطَّاهِرُ مُسْتَحِقًّا لِلطَّهَارَةِ إذَا اسْتَغْنَى عَنْ شُرْبِهِ، وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَغْنٍ عَنْ شُرْبِهِ، وَوُجُودُ النَّجِسِ كَعَدَمِهِ؛ لِتَحْرِيمِ شُرْبِهِ. [فَصْل كَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا إلَّا أَنَّهُ إذَا اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ فَاتَ الْوَقْتُ] (379) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا إلَّا أَنَّهُ إذَا اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ فَاتَ الْوَقْتُ، لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّيَمُّمُ، سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا أَوْ مُسَافِرًا، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ: الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ: لَهُ التَّيَمُّمُ. رَوَاهُ عَنْهُمَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. قَالَ الْوَلِيدُ: فَذَكَرْت ذَلِكَ لِمَالِكٍ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالُوا: يَغْتَسِلُ، وَإِنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَهَذَا وَاجِدٌ لِلْمَاءِ؛ وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْمَاءِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْوَقْتِ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ، فَلَمْ يُبَحْ تَرْكُهَا خِيفَةَ فَوْتِ وَقْتِهَا، كَسَائِرِ شَرَائِطِهَا. وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْعِيدِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ فَوْتَهَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَأَشْبَهَ الْعَادِمَ، وَلَنَا الْآيَةُ وَالْخَبَرُ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْجِنَازَةِ فَكَذَلِكَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْأُخْرَى، يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَيُصَلِّي عَلَيْهَا. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَسَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، وَاللَّيْثُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا بِالْوُضُوءِ، فَأَشْبَهَ الْعَادِمَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: يُصَلِّي عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ؛ لِأَنَّهَا لَا رُكُوعَ فِيهَا وَلَا سُجُودَ، وَإِنَّمَا هِيَ دُعَاءٌ، فَأَشْبَهَتْ الدُّعَاءَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ. وَقَوْلُهُ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» . وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] الْآيَةَ ثُمَّ أَبَاحَ تَرْكَ الْغُسْلِ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْمَاءِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ [مَسْأَلَة نَسِيَ الْجَنَابَةَ وَتَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ] (380) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا نَسِيَ الْجَنَابَةَ وَتَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ لَمْ يُجْزِهِ)
فصل التيمم للجنابة لا يجزئ عن الحدث الأصغر
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُمَا وَاحِدَةٌ، فَسَقَطَتْ إحْدَاهُمَا بِفِعْلِ الْأُخْرَى كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، وَهَذَا لَمْ يَنْوِ الْجَنَابَةَ، فَلَمْ يُجْزِهِ عَنْهَا؛ وَلِأَنَّهُمَا سَبَبَانِ مُخْتَلِفَانِ، فَلَمْ تُجْزِ نِيَّةُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ وَلِأَنَّهُمَا طَهَارَتَانِ، فَلَمْ تَتَأَدَّ إحْدَاهُمَا بِنِيَّةِ الْأُخْرَى، كَطَهَارَةِ الْمَاءِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ، وَلِهَذَا تُجْزِئُ نِيَّةُ أَحَدِهِمَا عَنْ نِيَّةِ الْآخَرِ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ. [فَصْل التَّيَمُّم لِلْجَنَابَةِ لَا يُجْزِئ عَنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ] (381) فَصْلٌ: وَإِنْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ، لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْخِلَافُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، فَعَلَى هَذَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ مَا تَيَمَّمَ لَهُ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنَّجَاسَةِ؛ فَإِنْ نَوَى الْجَمِيعَ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ وَاحِدٌ، فَأَشْبَهَ طَهَارَةَ الْمَاءِ، وَإِنْ نَوَى بَعْضَهَا أَجْزَأَهُ عَنْ الْمَنْوِيِّ دُونَ مَا سِوَاهُ، وَإِنْ كَانَ التَّيَمُّمُ عَنْ جُرْحٍ فِي عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، نَوَى التَّيَمُّمَ عَنْ غَسْلِ ذَلِكَ الْعُضْوِ. [فَصْل التَّيَمُّم لِلْجَنَابَةِ دُونَ الْحَدَثِ] (382) فَصْلٌ: وَإِذَا تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ دُونَ الْحَدَثِ، أُبِيحَ لَهُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْدِثِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ تُبَحْ لَهُ الصَّلَاةُ، وَالطَّوَافُ، وَمَسُّ الْمُصْحَفِ. وَإِنْ أَحْدَثَ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي تَيَمُّمِهِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الْغُسْلِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ الْحَدَثُ فِيهِ، كَالْغُسْلِ. وَإِنْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ، ثُمَّ أَحْدَثَ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِلْحَدَثِ، وَبَقِيَ تَيَمُّمُ الْجَنَابَةِ بِحَالِهِ، وَلَوْ تَيَمَّمَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْ حَيْضِهَا لِحَدَثِ الْحَيْضِ، ثُمَّ أَجْنَبَتْ، لَمْ يَحْرُمْ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ تَيَمُّمِ الْحَيْضِ بَاقٍ، وَلَا يَبْطُلُ بِالْوَطْءِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ إنَّمَا يُوجِبُ حَدَثَ الْجَنَابَةِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَإِنْ قُلْنَا كُلُّ صَلَاةٍ تَحْتَاجُ إلَى تَيَمُّمٍ، احْتَاجَ كُلُّ وَطْءٍ إلَى تَيَمُّمٍ يَخُصُّهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. [مَسْأَلَة وَجَدَ الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ] (383) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا وَجَدَ الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، خَرَجَ فَتَوَضَّأَ، أَوْ اغْتَسَلَ إنْ كَانَ جُنُبًا، وَاسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ) الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجًا مِنْهَا؛ فَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ، لِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ، فَيَتَوَضَّأُ إنْ كَانَ مُحْدِثًا، وَيَغْتَسِلُ إنْ كَانَ جُنُبًا. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: إنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، مَضَى فِيهَا. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْهُ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قَالَ أَحْمَدُ: كُنْت أَقُولُ يَمْضِي. ثُمَّ تَدَبَّرْت، فَإِذَا أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ وَجَدَ الْمُبْدَلَ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِمَقْصُودِ الْبَدَلِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ
فصل المصلي بغير وضوء ولا تيمم إذا وجد ماء في الصلاة أو ترابا
الْخُرُوجُ، كَمَا لَوْ وَجَدَ الرَّقَبَةَ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالصِّيَامِ؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ قُدْرَتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى إبْطَالِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ إبْطَالِهَا، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَك» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. دَلَّ بِمَفْهُومِهِ: عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ طَهُورًا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَبِمَنْطُوقِهِ عَلَى وُجُوبِ إمْسَاسِهِ جِلْدَهُ عِنْدَ وُجُودِهِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، فَبَطَلَ تَيَمُّمُهُ، كَالْخَارِجِ مِنْ الصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، فَبَطَلَتْ بِزَوَالِ الضَّرُورَةِ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا. يُحَقِّقُهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِلْمُتَيَمِّمِ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ كَوْنِهِ مُحْدِثًا؛ لِضَرُورَةِ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ زَالَتْ الضَّرُورَةُ، فَظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ كَالْأَصْلِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُمْ؛ فَإِنَّ الصَّوْمَ هُوَ الْبَدَلُ نَفْسُهُ، فَنَظِيرُهُ إذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ، وَلَا خِلَافَ فِي بُطْلَانِهِ. ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مُدَّةَ الصِّيَامِ تَطُولُ، فَيَشُقُّ الْخُرُوجُ مِنْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ فَرْضَيْنِ شَاقَّيْنِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ الْمَاءَ قَرِيبٌ، وَآلَتَهُ صَحِيحَةٌ، وَالْمَوَانِعَ مُنْتَفِيَةٌ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ إبْطَالِ الصَّلَاةِ. قُلْنَا: لَا يَحْتَاجُ إلَى إبْطَالِ الصَّلَاةِ، بَلْ هِيَ تَبْطُلُ بِزَوَالِ الطَّهَارَةِ، كَمَا فِي نَظَائِرِهَا. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَتَى خَرَجَ فَتَوَضَّأَ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ. وَقِيلَ: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُبْنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْهَا، كَاَلَّذِي سَبَقَهُ الْحَدَثُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَبْنِي؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ، وَقَدْ فَاتَتْ بِبُطْلَانِ التَّيَمُّمِ، فَلَا يَجُوزُ بَقَاءُ الصَّلَاةِ مَعَ فَوَاتِ شَرْطِهَا، وَلَا يَجُوزُ بَقَاءُ مَا مَضَى صَحِيحًا مَعَ خُرُوجِهِ مِنْهَا قَبْلَ إتْمَامِهَا. وَكَذَا نَقُولُ فِيمَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَا مَضَى مِنْ الصَّلَاةِ انْبَنَى عَلَى طَهَارَةٍ ضَعِيفَةٍ هَاهُنَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ، كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، بِخِلَافِ مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ. [فَصْل الْمُصَلِّي بِغَيْرِ وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ إذَا وَجَدَ مَاءً فِي الصَّلَاةِ أَوْ تُرَابًا] (384) فَصْلٌ: وَالْمُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، وَلَا تَيَمُّمٍ، إذَا وَجَدَ مَاءً فِي الصَّلَاةِ، أَوْ تُرَابًا خَرَجَ مِنْهَا بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخَرَّجَ فِيهَا مِثْلُ مَا فِي التَّيَمُّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ؛ إذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ، فَأَشْبَهَتْ السُّتْرَةَ إذَا عَجَزَ عَنْهَا، فَصَلَّى عُرْيَانًا، ثُمَّ وَجَدَ السُّتْرَةَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ قَرِيبًا مِنْهُ، وَكُلُّ صَلَاةٍ يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا إذَا زَالَ الْعُذْرُ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِقْبَالُهَا. وَإِنْ قُلْنَا لَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا، فَإِنَّهَا تُشْبِهُ صَلَاةَ الْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْقَوْلِ فِيهَا [فَصْل يَمَّمَ الْمَيِّتَ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ] (385) فَصْلٌ: وَلَوْ يَمَّمَ الْمَيِّتَ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ الْخُرُوجُ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ مُمْكِنٌ، غَيْرُ
فصل رأى ماء في الصلاة ثم انقلب قبل استعماله
مُتَوَقِّفٍ عَلَى إبْطَالِ الْمُصَلِّي صَلَاتَهُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ كَمَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ وُجِدَ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ. (386) فَصْلٌ: وَإِذَا قُلْنَا لَا يَلْزَمُ الْمُصَلِّي الْخُرُوجُ لِرُؤْيَةِ الْمَاءِ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي مَقْصُودِ الْبَدَلِ، فَخُيِّرَ بَيْنَ الرُّجُوعِ إلَى الْمُبْدَلِ، وَبَيْنَ إتْمَامِ مَا شَرَعَ فِيهِ، كَمَنْ شَرَعَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ، ثُمَّ أَمْكَنَهُ الرَّقَبَةُ. وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُوجِبُ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ لَا يُبِيحُ الْخُرُوجَ مِنْهَا، كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ. [فَصْل رَأَى مَاءً فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ انْقَلَبَ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ] (387) فَصْلٌ: إذَا رَأَى مَاءً فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ انْقَلَبَ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ، فَإِنْ قُلْنَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ. فَقَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَتَيَمُّمُهُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ، وَإِنْ قُلْنَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. وَانْدَفَقَ وَهُوَ فِيهَا، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ صَلَاةً أُخْرَى. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ حَرَّمَتْ عَلَيْهِ افْتِتَاحَ صَلَاةٍ أُخْرَى. وَلَوْ تَلَبَّسَ بِنَافِلَةٍ، ثُمَّ رَأَى مَاءً؛ فَإِنْ كَانَ نَوَى عَدَدًا، أَتَى بِهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى عَدَدًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الصَّلَاةِ، عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. قَالَ الشَّيْخُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّنَا إذَا قُلْنَا لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ. فَلَهُ افْتِتَاحُ صَلَاةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ لَمْ تُبْطِلْ التَّيَمُّمَ، وَلَوْ بَطَلَ لَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ، وَمَا وُجِدَ بَعْدَهَا لَا يُبْطِلُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَآهُ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُ سَبُعٌ ثُمَّ انْدَفَقَ قَبْلَ زَوَالِ الْمَانِعِ، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا يَشَاءُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرَ الْمَاءَ. [فَصْل تَيَمَّمَ ثُمَّ رَأَى رَكْبًا يَظُنُّ أَنَّ مَعَهُ مَاءً] (388) فَصْلٌ: إذَا تَيَمَّمَ، ثُمَّ رَأَى رَكْبًا يَظُنُّ أَنَّ مَعَهُ مَاءً، وَقُلْنَا بِوُجُوبِ الطَّلَبِ، أَوْ رَأَى خُضْرَةً، أَوْ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى الْمَاءِ فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ فِيهِ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ رَأَى سَرَابًا ظَنَّهُ مَاءً، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الطَّلَبُ بَطَلَ التَّيَمُّمُ. وَسَوَاءٌ تَبَيَّنَ لَهُ خِلَافُ ظَنِّهِ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ. فَأَمَّا إنْ رَأَى الرَّكْبَ أَوْ الْخُضْرَةَ فِي الصَّلَاةِ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَلَا تَيَمُّمُهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا بِطَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَبْطُلَ تَيَمُّمُهُ أَيْضًا، إذَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْمُتَيَقَّنَةَ لَا تَبْطُلُ بِالشَّكِّ، كَطَهَارَةِ الْمَاءِ، وَوُجُوبُ الطَّلَبِ لَيْسَ بِمُبْطِلٍ لِلتَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مُبْطِلًا إنَّمَا يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَلَيْسَ فِي هَذَا نَصٌّ، وَلَا مَعْنَى نَصٍّ، فَيَنْتَفِي الدَّلِيلُ.
فصل يبطل التيمم عن الحدث بكل ما يبطل الوضوء
(389) فَصْلٌ: وَإِنْ خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَهُوَ فِيهَا، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ انْتَهَتْ بِانْتِهَاءِ وَقْتِهَا، فَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ، كَمَا لَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ. [فَصْل يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ عَنْ الْحَدَثِ بِكُلِّ مَا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ] (390) فَصْلٌ: وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ عَنْ الْحَدَثِ بِكُلِّ مَا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ، وَيَزِيدُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ الْمَقْدُورِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، وَخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَزَادَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ظَنَّ وُجُودِ الْمَاءِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَزَادَ بَعْضُهُمْ مَا لَوْ نَزَعَ عِمَامَةً أَوْ خُفًّا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ. وَذُكِرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُبْطِلٌ لِلْوُضُوءِ، فَأَبْطَلَ التَّيَمُّمَ، كَسَائِرِ مُبْطِلَاتِهِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُبْطِلٍ لِلتَّيَمُّمِ، وَهَذَا قَوْلُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ لَمْ يَمْسَحْ فِيهَا عَلَيْهِ، فَلَا يَبْطُلُ بِنَزْعِهِ، كَطَهَارَةِ الْمَاءِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْمَلْبُوسُ مِمَّا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ: إنَّهُ مُبْطِلٌ لِلْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ مُبْطِلَ الْوُضُوءِ نَزْعُ مَا هُوَ مَمْسُوحٌ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا؛ وَلِأَنَّ إبَاحَةَ الْمَسْحِ لَا يَصِيرُ بِهَا مَاسِحًا، وَلَا بِمَنْزِلَةِ الْمَاسِحِ، كَمَا لَوْ لَبِسَ عِمَامَةً يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ تَحْتَهَا، فَإِنَّهُ لَا تَبْطُلُ طَهَارَتُهُ بِنَزْعِهَا. فَأَمَّا التَّيَمُّمُ لِلْجَنَابَةِ، فَلَا يُبْطِلُهُ إلَّا رُؤْيَةُ الْمَاءِ، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ، وَمُوجِبَاتُ الْغُسْلِ، وَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ لِحَدَثِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، لَا يَزُولُ حُكْمُهُ إلَّا بِحَدَثِهِمَا، أَوْ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ. [فَصْل التَّيَمُّمُ لِكُلِّ مَا يَتَطَهَّر لَهُ مِنْ نَافِلَةٍ أَوْ مَسِّ مُصْحَفٍ] (391) فَصْلٌ: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ مَا يُتَطَهَّرُ لَهُ مِنْ نَافِلَةٍ، أَوْ مَسِّ مُصْحَفٍ، أَوْ قِرَاءَةِ قُرْآنٍ، أَوْ سُجُودِ تِلَاوَةٍ، أَوْ شُكْرٍ، أَوْ لُبْثٍ فِي مَسْجِدٍ. قَالَ أَحْمَدُ، يَتَيَمَّمُ وَيَقْرَأُ جُزْأَهُ. يَعْنِي الْجُنُبَ. وَبِذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ، وَمَكْحُولٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ أَبُو مَخْرَمَةَ: لَا يَتَيَمَّمُ إلَّا لِمَكْتُوبَةٍ. وَكَرِهَ الْأَوْزَاعِيُّ أَنْ يَمَسَّ الْمُتَيَمِّمُ الْمُصْحَفَ، وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ» ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» ؛ وَلِأَنَّهُ يُسْتَبَاحُ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ، فَيُسْتَبَاحُ بِالتَّيَمُّمِ، كَالْمَكْتُوبَةِ. [فَصْل كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ وَعَجَزَ عَنْ غَسْلِهَا] (392) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ، وَعَجَزَ عَنْ غَسْلِهَا؛ لِعَدَمِ الْمَاءِ، أَوْ خَوْفِ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ تَيَمَّمَ لَهَا وَصَلَّى. قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجُنُبِ، يَتَيَمَّمُ. وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ. وَرُوِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ،
فصل اجتمع عليه نجاسة وحدث ومعه ما لا يكفي إلا أحدهما
وَأَبِي ثَوْرٍ: يَمْسَحُهَا بِالتُّرَابِ، وَيُصَلِّي؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ النَّجَاسَةِ إنَّمَا تَكُونُ فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ دُونَ غَيْرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْجُنُبِ الَّذِي يَتَيَمَّمُ، أَيْ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ كَمَا يُصَلِّي الْجُنُبُ الَّذِي يَتَيَمَّمُ، وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِالتَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ، وَغَسْلُ النَّجَاسَةِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤْتَى بِهِ فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ، لَا فِي غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ مَقْصُودَ الْغُسْلِ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالتَّيَمُّمِ. وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ» ، وَقَوْلُهُ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ فِي الْبَدَنِ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ، فَجَازَ لَهَا التَّيَمُّمُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، أَوْ خَوْفِ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ كَالْحَدَثِ وَيُفَارِقُ الْغَسْلُ التَّيَمُّمَ فَإِنَّهُ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ يُؤْتَى بِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، فِيمَا إذَا تَيَمَّمَ لِجُرْحٍ فِي رِجْلِهِ، أَوْ مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ غَيْرِ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، بِخِلَافِ الْغَسْلِ، وَقَوْلُهُمْ: لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ. قُلْنَا: هُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَفِي مَعْنَى طَهَارَةِ الْحَدَثِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ وَصَلَّى، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ كَانَ عَلَى جُرْحِهِ نَجَاسَةٌ يَسْتَضِرُّ بِإِزَالَتِهَا، تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَإِنْ تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَصَلَّى، لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ عِنْدِي. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ «؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ» ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ نَابَ عَنْهَا التَّيَمُّمُ، فَلَمْ تَجِبْ الْإِعَادَةُ فِيهَا، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَكَمَا لَوْ تَيَمَّمَ لِنَجَاسَةٍ عَلَى جُرْحِهِ يَضُرُّهُ إزَالَتُهَا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ، فَمَعَ التَّيَمُّمِ أَوْلَى؛ فَأَمَّا إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى ثَوْبِهِ، أَوْ غَيْرِ بَدَنِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ لَهَا؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ فِي الْبَدَنِ، فَلَا يَنُوبُ عَنْ غَيْرِ الْبَدَنِ كَالْغَسْلِ؛ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْبَدَنِ لَا يَنُوبُ فِيهِ الْجَامِدُ عِنْدَ الْعَجْزِ، بِخِلَافِ الْبَدَنِ. [فَصْل اجْتَمَعَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَحَدَثٌ وَمَعَهُ مَا لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا] (393) فَصْلٌ: فَإِنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَحَدَثٌ، وَمَعَهُ مَا لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا، غَسَلَ النَّجَاسَةَ وَتَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ. نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ. وَقَالَ الْخَلَّالُ: اتَّفَقَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَسُفْيَانُ عَلَى هَذَا. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لِلْحَدَثِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ لِلنَّجَاسَةِ. وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى ثَوْبِهِ، قَدَّمَ غَسْلَهَا، وَتَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ، وَيَدَعُ الثَّوْبَ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ، وَالْوُضُوءُ أَشَدُّ مِنْ غَسْلِ الثَّوْبِ. وَحَكَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ، عَنْ حَمَّادٍ فِي الدَّمِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَدَّمَ غَسْلَ نَجَاسَةِ الْبَدَنِ مَعَ أَنَّ لِلتَّيَمُّمِ فِيهَا مَدْخَلًا، فَتَقْدِيمُ طَهَارَةِ الثَّوْبِ أَوْلَى،
فصل اجتمع جنب وميت ومن عليها غسل حيض ومعهم ماء لا يكفي إلا أحدهم
وَإِنْ اجْتَمَعَ نَجَاسَةٌ عَلَى الثَّوْبِ، وَنَجَاسَةٌ عَلَى الْبَدَنِ، وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا مَا يَكْفِي أَحَدَهُمَا، غَسَلَ الثَّوْبَ، وَتَيَمَّمَ لِنَجَاسَةِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ لِلتَّيَمُّمِ فِيهَا مَدْخَلًا. [فَصْل اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمَيِّتٌ وَمَنْ عَلَيْهَا غُسْلُ حَيْضٍ وَمَعَهُمْ مَاءٌ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمْ] (394) فَصْلٌ: وَإِذَا اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمَيِّتٌ وَمَنْ عَلَيْهَا غُسْلُ حَيْضٍ، وَمَعَهُمْ مَاءٌ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمْ؛ فَإِنْ كَانَ مِلْكًا لِأَحَدِهِمْ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَذْلُهُ لِغَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَالِكُهُ الْمَيِّتَ أَوْ أَحَدَ الْحَيَّيْنِ. وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ لِغَيْرِهِمْ، وَأَرَادَ أَنْ يَجُودَ بِهِ عَلَى أَحَدِهِمْ، فَعَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، الْمَيِّتُ أَحَقُّ بِهِ؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ خَاتِمَةُ طَهَارَتِهِ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ طَهَارَةً كَامِلَةً، وَالْحَيُّ يَرْجِعُ إلَى الْمَاءِ فَيَغْتَسِلُ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ تَنْظِيفُهُ، وَلَا يَحْصُلُ بِالتَّيَمُّمِ، وَالْحَيُّ يُقْصَدُ بِغُسْلِهِ إبَاحَةُ الصَّلَاةِ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِالتُّرَابِ. وَالثَّانِيَةُ الْحَيُّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُتَعَبِّدٌ بِالْغُسْلِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَالْمَيِّتُ قَدْ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ. اخْتَارَ هَذَا الْخَلَّالُ. وَهَلْ يُقَدَّمُ الْجُنُبُ أَوْ الْحَائِضُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا الْحَائِضُ؛ لِأَنَّهَا تَقْضِي حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَقَّ زَوْجِهَا فِي إبَاحَةِ وَطْئِهَا. وَالثَّانِي: الْجُنُبُ إذَا كَانَ رَجُلًا؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ مِنْ الْمَرْأَةِ؛ وَلِأَنَّهُ يَصْلُحُ إمَامًا لَهَا، وَهِيَ لَا تَصْلُحُ لِإِمَامَتِهِ. وَإِنْ كَانَ عَلَى أَحَدِهِمْ نَجَاسَةٌ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ. وَإِنْ وَجَدُوا الْمَاءَ فِي مَكَان فَهُوَ لِلْأَحْيَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَجِدُ شَيْئًا. وَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ، فَفَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلَةٌ، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ حَاضِرٌ، فَلِلْحَيِّ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ إتْلَافُهُ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ، فَيَأْخُذَهُ بِشَرْطِ الضَّمَانِ. وَإِنْ اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمُحْدِثٌ، فَالْجُنُبُ أَحَقُّ إنْ كَانَ الْمَاءُ يَكْفِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِهِ مَا لَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُحْدِثُ. وَإِنْ كَانَ وَفْقَ حَاجَةِ الْمُحْدِثِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِهِ طَهَارَةً كَامِلَةً. وَإِنْ كَانَ لَا يَكْفِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، فَالْجُنُبُ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِهِ تَطْهِيرَ بَعْضِ أَعْضَائِهِ. وَإِنْ كَانَ يَكْفِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيَفْضُلُ مِنْهُ فَضْلَةٌ لَا تَكْفِي الْآخَرَ، فَالْمُحْدِثُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فَضْلَتَهُ يُمْكِنُ لِلْجُنُبِ اسْتِعْمَالُهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْجُنُبَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِغُسْلِهِ مَا لَا يَسْتَفِيدُ الْمُحْدِثُ. وَإِذَا تَغَلَّبَ مَنْ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ عَلَى الْمَاءِ، فَاسْتَعْمَلَهُ، كَانَ مُسِيئًا وَأَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْآخَرَ لَمْ يَمْلِكُهُ، وَإِنَّمَا رَجَحَ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ.
فصل هل يكره لعادم الماء جماع زوجته
[فَصْل هَلْ يُكْرَهُ لِعَادِمِ الْمَاء جِمَاعُ زَوْجَتِهِ] (395) فَصْلٌ: وَهَلْ يُكْرَهُ لِلْعَادِمِ جِمَاعُ زَوْجَتِهِ إذَا لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا، يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَى نَفْسِهِ طَهَارَةً مُمْكِنًا بَقَاؤُهَا. وَالثَّانِيَةُ لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ أَرْبَعُ لَيَالٍ، فَلْيُصِبْ أَهْلَهُ، وَإِنْ كَانَ ثَلَاثٌ فَمَا دُونَهَا، فَلَا يُصِبْهَا. وَالْأَوْلَى جَوَازُ إصَابَتِهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ؛ لِأَنَّ «أَبَا ذَرٍّ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنِّي أَعْزُبُ عَنْ الْمَاءِ وَمَعِي أَهْلِي، فَتُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ فَأُصَلِّي بِغَيْرِ طَهُورٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَأَصَابَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ جَارِيَةٍ لَهُ رُومِيَّةٍ، وَهُوَ عَادِمٌ لِلْمَاءِ، وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ وَفِيهِمْ عَمَّارٌ، فَلَمْ يُنْكِرُوهُ. قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: هُوَ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَبِي ذَرٍّ وَعَمَّارٍ وَغَيْرِهِمَا. فَإِذَا فَعَلَا وَوَجَدَا مِنْ الْمَاءِ مَا يَغْسِلَانِ بِهِ فَرْجَيْهِمَا غَسَلَاهُمَا، ثُمَّ تَيَمَّمَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدَا، تَيَمَّمَا لِلْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالنَّجَاسَةِ، وَصَلَّيَا. [مَسْأَلَة إذَا شَدَّ الْكَسِيرُ الْجَبَائِرَ وَكَانَ طَاهِرًا وَلَمْ يَعْدُ بِهَا مَوْضِعَ الْكَسْرِ] (396) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا شَدَّ الْكَسِيرُ الْجَبَائِرَ، وَكَانَ طَاهِرًا وَلَمْ يَعْدُ بِهَا مَوْضِعَ الْكَسْرِ، مَسَحَ عَلَيْهَا كُلَّمَا أَحْدَثَ، إلَى أَنْ يَحُلَّهَا) الْجَبَائِرُ: مَا يُعَدُّ لِوَضْعِهِ عَلَى الْكَسْرِ؛ لِيَنْجَبِرَ. وَقَوْلُهُ: " وَلَمْ يَعْدُ بِهَا مَوْضِعَ الْكَسْرِ ". أَرَادَ لَمْ يَتَجَاوَزْ الْكَسْرَ إلَّا بِمَا لَا بُدَّ مِنْ وَضْعِ الْجَبِيرَةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْجَبِيرَةَ إنَّمَا تُوضَعُ عَلَى طَرَفَيْ الصَّحِيحِ؛ لِيَرْجِعَ الْكَسْرُ. قَالَ الْخَلَّالُ: كَأَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ اسْتَحَبَّ أَنْ يَتَوَقَّى أَنْ يَبْسُطَ الشَّدَّ عَلَى الْجُرْحِ بِمَا يُجَاوِزُهُ، ثُمَّ سَهَّلَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَيْمُونِيِّ وَالْمَرُّوذِيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ، وَهُوَ شَدِيدٌ جِدًّا، وَلَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْعَصَائِبِ، كَيْفَ شَدَّهَا. وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَدَّهَا عَلَى مَكَان يَسْتَغْنِي عَنْ شَدِّهَا عَلَيْهِ، كَانَ تَارِكًا لِغَسْلِ مَا يُمْكِنُهُ غَسْلُهُ، مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ شَدَّهَا عَلَى مَا لَا كَسْرَ فِيهِ، فَإِذَا شَدَّهَا عَلَى طَهَارَةٍ، وَخَافَ الضَّرَرَ بِنَزْعِهَا، فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، إلَى أَنْ يَحُلَّهَا. وَمِمَّنْ رَأَى الْمَسْحَ عَلَى الْعَصَائِبِ ابْنُ عُمَرَ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعَطَاءٌ. وَأَجَازَ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَالْمُزَنِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يُعِيدُ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغَسْلِ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ. وَلَنَا مَا رَوَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيَّ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي الَّذِي أَصَابَتْهُ الشَّجَّةُ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ
فصل يفارق مسح الجبيرة مسح الخف من خمسة أوجه
ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا؛ وَلِأَنَّهُ مَسَحَ عَلَى حَائِلٍ أُبِيحَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَجِبْ مَعَهُ الْإِعَادَةُ، كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ [فَصْل يُفَارِقُ مَسْحُ الْجَبِيرَةِ مَسْحَ الْخُفِّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ] (397) فَصْلٌ: وَيُفَارِقُ مَسْحُ الْجَبِيرَةِ مَسْحَ الْخُفِّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا إلَّا عِنْدَ الضَّرَرِ بِنَزْعِهَا، وَالْخُفُّ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَالثَّانِي، أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِيعَابُهَا بِالْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَعْمِيمِهَا بِهِ، بِخِلَافِ الْخُفِّ؛ فَإِنَّهُ يَشُقُّ تَعْمِيمُ جَمِيعِهِ، وَيُتْلِفُهُ الْمَسْحُ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَبَعْضُهَا فِي غَيْرِهِ، مَسَحَ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. الثَّالِثُ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ مَسْحَهَا لِلضَّرُورَةِ ، فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَالضَّرُورَةُ تَدْعُو فِي مَسْحِهَا إلَى حَلِّهَا، فَيُقَدَّرُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ. الرَّابِعُ، أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، بِخِلَافِ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بِنَزْعِهَا فِيهَا، بِخِلَافِ الْخُفِّ. الْخَامِسُ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ عَلَى شَدِّهَا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَقَالَ: قَدْ رَوَى حَرْبٌ، وَإِسْحَاقُ، وَالْمَرُّوذِيُّ، فِي ذَلِكَ سُهُولَةً عَنْ أَحْمَدَ. وَاحْتَجَّ بِابْنِ عُمَرَ، وَكَأَنَّهُ تَرَكَ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ، وَهُوَ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ، وَيَغْلُظُ عَلَى النَّاسِ جِدًّا، فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَيُقَوِّي هَذَا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الَّذِي أَصَابَتْهُ، الشَّجَّةُ، فَإِنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا كَانَ يُجْزِئُهُ أَنْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، وَيَمْسَحَ عَلَيْهَا.» وَلَمْ يَذْكُرْ الطَّهَارَةَ، وَكَذَلِكَ أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ طَهَارَةً؛ وَلِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا جَازَ دَفْعًا لِمَشَقَّةِ نَزْعِهَا، وَنَزْعُهَا، يَشُقُّ إذَا لَبِسَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، كَمَشَقَّتِهِ إذَا لَبِسَهَا عَلَى طَهَارَةٍ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يَشُدَّهَا عَلَى طَهَارَةٍ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ حَائِلٌ يَمْسَحُ عَلَيْهِ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ، كَسَائِرِ الْمَمْسُوحَاتِ. فَعَلَى هَذَا إذَا لَبِسَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، ثُمَّ خَافَ مِنْ نَزْعِهَا، تَيَمَّمَ لَهَا. وَكَذَا إذَا تَجَاوَزَ بِالشَّدِّ عَلَيْهَا مَوْضِعَ الْحَاجَةِ، وَخَافَ مِنْ نَزْعِهَا، تَيَمَّمَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يَخَافُ الضَّرَرَ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِيهِ، فَيَتَيَمَّمُ لَهُ كَالْجُرْحِ نَفْسِهِ. [فَصْل لَا يَحْتَاجُ مَعَ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ إلَى تَيَمُّمٍ] (398) فَصْلٌ: وَلَا يَحْتَاجُ مَعَ مَسْحِهَا إلَى تَيَمُّمٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَيَمَّمَ مَعَ مَسْحِهَا فِيمَا إذَا تَجَاوَزَ بِهَا مَوْضِعَ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ
فصل لا فرق في التيمم بين كون الشد على كسر أو جرح
مَا عَلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ يَقْتَضِي الْمَسْحَ، وَالزَّائِدُ يَقْتَضِي التَّيَمُّمَ، وَكَذَلِكَ فِيمَا إذَا شَدَّهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ؛ لِأَنَّهَا مُخْتَلَفٌ فِي إبَاحَةِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا. فَإِذَا قُلْنَا لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا. كَانَ فَرْضُهَا التَّيَمُّمَ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يَكُونُ فَرْضُهَا الْمَسْحَ، فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا خَرَجَ مِنْ الْخِلَافِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا قَوْلَانِ فِي الْجُمْلَةِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الَّذِي أَصَابَتْهُ الشَّجَّةُ. وَلَنَا أَنَّهُ مَحَلٌّ وَاحِدٌ، فَلَا يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ بَدَلَيْنِ، كَالْخُفِّ؛ وَلِأَنَّهُ مَمْسُوحٌ فِي طَهَارَةٍ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ التَّيَمُّمُ، كَالْخُفِّ، وَصَاحِبُ الشَّجَّةِ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَبِسَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. [فَصْل لَا فَرْقَ فِي التَّيَمُّم بَيْنَ كَوْنِ الشَّدِّ عَلَى كَسْرٍ أَوْ جُرْحٍ] (399) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الشَّدِّ عَلَى كَسْرٍ أَوْ جُرْحٍ، قَالَ أَحْمَدُ: إذَا تَوَضَّأَ، وَخَافَ عَلَى جُرْحِهِ الْمَاءَ، مَسَحَ عَلَى الْخِرْقَةِ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي صَاحِبِ الشَّجَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَسْحِ عَلَى عِصَابَةِ جُرْحٍ؛ لِأَنَّ الشَّجَّةَ اسْمٌ لِجُرْحِ الرَّأْسِ خَاصَّةً؛ وَلِأَنَّهُ حَائِلُ مَوْضِعٍ يَخَافُ الضَّرَرَ بِغَسْلِهِ، فَأَشْبَهَ الشَّدَّ عَلَى الْكَسْرِ. وَكَذَلِكَ إنْ وَضَعَ عَلَى جُرْحِهِ دَوَاءً، وَخَافَ مِنْ نَزْعِهِ، مَسَحَ عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْت أَبَا عَبْد اللَّهِ عَنْ الْجُرْحِ يَكُونُ بِالرَّجُلِ، يَضَعُ، عَلَيْهِ الدَّوَاءَ، فَيَخَافُ إنْ نَزَعَ الدَّوَاءَ إذَا أَرَادَ الْوُضُوءَ أَنْ يُؤْذِيَهُ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا يُؤْذِيهِ، وَلَكِنْ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ خُوِّفَ مِنْ ذَلِكَ، مَسَحَ عَلَيْهِ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ خَرَجَتْ بِإِبْهَامِهِ قُرْحَةٌ، فَأَلْقَمَهَا مَرَارَةً، فَكَانَ يَتَوَضَّأُ عَلَيْهَا. وَلَوْ انْقَطَعَ ظُفْرُ إنْسَانٍ، أَوْ كَانَ بِأُصْبُعِهِ جُرْحٌ خَافَ إنْ أَصَابَهُ الْمَاءُ أَنْ يَزْرَقَّ الْجُرْحُ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَقَالَ الْقَاضِي، فِي اللُّصُوقِ عَلَى الْجُرْحِ: إنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَزْعِهِ ضَرَرٌ نَزَعَهُ، وَغَسَلَ الصَّحِيحَ، وَيَتَيَمَّمُ لِلْجُرْحِ، وَيَمْسَحُ عَلَى مَوْضِعِ الْجُرْحِ، فَإِنْ كَانَ فِي نَزْعِهِ ضَرَرٌ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْجَبِيرَةِ، يَمْسَحُ عَلَيْهِ. [فَصْل كَانَ فِي رِجْلِ الْمُتَيَمِّم شَقٌّ فَجَعَلَ فِيهِ قِيرًا] (400) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ فِي رِجْلِهِ شَقٌّ، فَجَعَلَ فِيهِ قِيرًا، فَقَالَ أَحْمَدُ يَنْزِعُهُ وَلَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ. وَقَالَ: هَذَا أَهْوَنُ، هَذَا لَا يُخَافُ مِنْهُ. فَقِيلَ لَهُ: مَتَى يَسَعُ صَاحِبَ الْجُرْحِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجُرْحِ؟ فَقَالَ: إذَا خَشِيَ أَنْ يَزْدَادَ وَجَعًا أَوْ شِدَّةً. وَتَعْلِيلُ أَحْمَدَ فِي الْقِيرِ بِسُهُولَتِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَتَى كَانَ عَلَى شَيْءٍ يَخَافُ مِنْهُ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَمَا قُلْنَا فِي الْإِصْبَعِ الْمَجْرُوحَةِ إذَا جَعَلَ عَلَيْهَا مَرَارَةً أَوْ عَصَبَهَا، مَسَحَهَا. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الظُّفْرِ يَسْقُطُ: يَكْسُوهُ مُصْطَكَا، وَيَمْسَحُ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
فصل إذا لم يكن على جرح المتيمم عصاب
[فَصْل إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى جُرْحِ الْمُتَيَمِّم عِصَابٌ] (401) فَصْلٌ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْجُرْحِ عِصَابٌ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ، أَنَّهُ يَغْسِلُ الصَّحِيحَ، وَيَتَيَمَّمُ لِلْجُرْحِ. وَقَدْ رَوَى حَنْبَلٌ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي الْمَجْرُوحِ وَالْمَجْدُورِ يُخَافُ عَلَيْهِ، يَمْسَحُ مَوْضِعَ الْجُرْحِ، وَيَغْسِلُ مَا حَوْلَهُ. يَعْنِي يَمْسَحُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عِصَابٌ. [بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ] الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: لَيْسَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ اخْتِلَافٌ أَنَّهُ جَائِزٌ. وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ.» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، وَالْمُغِيرَةِ، وَعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ. «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ.» وَرَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ «جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا؟ قَالَ: مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَمْسَحَ، وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ، فَقِيلَ لَهُ: قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ أَوْ بَعْدَهُ؟ فَقَالَ: مَا أَسْلَمْت إلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ، أَنَّهُ قَالَ: إنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.» قَالَ إبْرَاهِيمُ: فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا؛ لِأَنَّ إسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ حُذَيْفَةُ، وَالْمُغِيرَةُ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي قَلْبِي مِنْ الْمَسْحِ شَيْءٌ، فِيهِ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا رَفَعُوا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا وَقَفُوا [فَصْل الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الْغَسْلِ] (402) فَصْلٌ: وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: الْمَسْحُ أَفْضَلُ. يَعْنِي مِنْ الْغَسْلِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا طَلَبُوا الْفَضْلَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَالْحَكَمِ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ» . «وَمَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا» ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةَ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِشُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ: لَا يَنْفَعُك مَا كَتَبْت، حَتَّى تَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَفْضَلَ مِنْ الْغَسْلِ. وَرَوَى حَنْبَلٌ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: كُلُّهُ جَائِزٌ، الْمَسْحُ وَالْغَسْلُ، مَا فِي قَلْبِي مِنْ الْمَسْحِ شَيْءٌ، وَلَا مِنْ الْغَسْلِ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى خِفَافِهِمْ، وَخَلَعَ خُفَّيْهِ، وَتَوَضَّأَ، وَقَالَ: حُبِّبَ إلَيَّ الْوُضُوءُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنِّي لَمُولَعٌ بِغَسْلِ قَدَمَيَّ، فَلَا تَقْتَدُوا بِي. وَقِيلَ: الْغَسْلُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ الْمَفْرُوضُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَسْحُ رُخْصَةٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُقْبَلَ رُخَصُهُ» .
مسألة لبس خفيه وهو كامل الطهارة ثم أحدث
[مَسْأَلَة لَبِسَ خُفَّيْهِ وَهُوَ كَامِلُ الطَّهَارَةِ ثُمَّ أَحْدَثَ] (403) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَمَنْ لَبِسَ خُفَّيْهِ، وَهُوَ كَامِلُ الطَّهَارَةِ، ثُمَّ أَحْدَثَ، مَسَحَ عَلَيْهِمَا) . لَا نَعْلَمُ فِي اشْتِرَاطِ تَقَدُّمِ الطَّهَارَةِ لِجَوَازِ الْمَسْحِ خِلَافًا. وَوَجْهُهُ: مَا رَوَى الْمُغِيرَةُ، قَالَ: «كُنْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْت لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَأَمَّا إنْ غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ، فَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ، ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ أَيْضًا. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ، وَنَحْوُهُ عَنْ مَالِكٍ. وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ. رَوَاهَا أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ آدَمَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ وَاللُّبْسِ، فَجَازَ الْمَسْحُ، كَمَا لَوْ نَزَعَ الْخُفَّ الْأَوَّلَ ثُمَّ عَادَ فَلَبِسَهُ، وَقِيلَ أَيْضًا، فِيمَنْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، وَلَبِسَ خُفَّيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ بَقِيَّةَ أَعْضَائِهِ: يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ. وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الْوُضُوءِ، وَقَدْ سَبَقَ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» . وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُد: «دَعْ الْخُفَّيْنِ، فَإِنِّي أَدْخَلْت الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ» . فَجَعَلَ الْعِلَّةَ وُجُودَ الطَّهَارَةِ فِيهِمَا جَمِيعًا وَقْتَ إدْخَالِهِمَا، وَلَمْ تُوجَدْ طَهَارَتُهُمَا وَقْتَ لُبْسِ الْأَوَّلِ؛ وَلِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَتْ لَهُ الطَّهَارَةُ اُعْتُبِرَ لَهُ كَمَالُهَا؛ كَالصَّلَاةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ؛ وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ خُفٌّ مَلْبُوسٌ قَبْلَ رَفْعِ الْحَدَثِ، فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَبِسَهُ قَبْلَ غَسْلِ قَدَمَيْهِ، وَدَلِيلُ بَقَاءِ الْحَدَثِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِالْعُضْوِ الْمَغْسُولِ، فَأَمَّا إذَا نَزَعَ الْخُفَّ الْأَوَّلَ، ثُمَّ لَبِسَهُ، فَقَدْ لَبِسَهُ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ. وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " ثُمَّ أَحْدَثَ " يَعْنِي الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ؛ فَإِنَّ جَوَازَ الْمَسْحِ مُخْتَصٌّ بِهِ، وَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ فِي جَنَابَةٍ، وَلَا غُسْلٍ وَاجِبٍ، وَلَا مُسْتَحَبٍّ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. وَقَدْ رَوَى صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ الْمُرَادِي، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ، أَوْ سَفْرًا، أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ يَنْدُرُ، فَلَا يَشُقُّ إيجَابُ غَسْلِ الْقَدَمِ، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، وَلِذَلِكَ وَجَبَ غَسْلُ مَا تَحْتَ الشُّعُورِ الْكَثِيفَةِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْعِمَامَةِ، وَسَائِرِ الْحَوَائِلِ، إلَّا الْجَبِيرَةَ وَمَا فِي مَعْنَاهَا. [فَصْل تَطَهَّرَ ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ فَأَحْدَثَ قَبْلَ بُلُوغِ الرِّجْلِ قَدَمَ الْخُفِّ] (404) فَصْلٌ: فَإِنْ تَطَهَّرَ، ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ فَأَحْدَثَ قَبْلَ بُلُوغِ الرِّجْلِ قَدَمَ الْخُفِّ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الرِّجْلَ حَصَلَتْ فِي مَقَرِّهَا وَهُوَ مُحْدِثٌ، فَصَارَ كَمَا لَوْ بَدَأَ اللُّبْسَ وَهُوَ مُحْدِثٌ [فَصْل تَيَمَّمَ ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ] (405) فَصْلٌ: فَإِنْ تَيَمَّمَ، ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ غَيْرِ كَامِلَةٍ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ،
فصل لبس خفين ثم أحدث ثم لبس فوقهما خفين أو جرموقين
بَطَلَتْ مِنْ أَصْلِهَا، فَصَارَ كَاللَّابِسِ لَهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ؛ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، فَقَدْ لَبِسَهُ وَهُوَ مُحْدِثٌ. وَإِنْ تَطَهَّرَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَشِبْهُهُمَا، وَلَبِسُوا خِفَافًا، فَلَهُمْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُمْ كَامِلَةٌ فِي حَقِّهِمْ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لِأَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ إلَى التَّرَخُّصِ، وَأَحَقُّ مَنْ يَتَرَخَّصُ الْمُضْطَرُّ. فَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ، وَزَالَتْ الضَّرُورَةُ، بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ مِنْ أَصْلِهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا الْمَسْحُ، كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ. [فَصْل لَبِسَ خُفَّيْنِ ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهُمَا خُفَّيْنِ أَوْ جرموقين] (406) فَصْلٌ: إذَا لَبِسَ خُفَّيْنِ، ثُمَّ أَحْدَثَ، ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهُمَا خُفَّيْنِ أَوْ جُرْمُوقَيْنِ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَهُمَا عَلَى حَدَثٍ. وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ، ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا أَيْضًا. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهٌ فِي تَجْوِيزِهِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ قَائِمٌ مَقَامَ غَسْلِ الْقَدَمِ. وَلَنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ لَمْ يُزِلْ الْحَدَثَ عَنْ الرِّجْلِ، فَكَأَنَّهُ لَبِسَهُ عَلَى حَدَثٍ؛ وَلِأَنَّ الْخُفَّ الْمَمْسُوحَ عَلَيْهِ بَدَلٌ وَالْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ غَيْرِ كَامِلَةٍ، فَأَشْبَهَ الْمُتَيَمِّمَ. وَإِنْ لَبِسَ الْفَوْقَانِيَّ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي تَحْتَهُ صَحِيحًا أَوْ مُخَرَّقًا. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى لُبْسِهِ فِي الْغَالِبِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ رُخْصَةٌ عَامَّةٌ، كَالْجَبِيرَةِ. وَلَنَا أَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، أَشْبَهَ الْمُفْرَدَ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الَّذِي تَحْتَهُ مُخَرَّقًا، وَقَوْلُهُ: " الْحَاجَةُ لَا تَدْعُو إلَيْهِ ". مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْبِلَادَ الْبَارِدَةَ لَا يَكْفِي فِيهَا خُفٌّ وَاحِدٌ غَالِبًا، وَلَوْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْحَاجَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِدَلِيلِهَا، وَهُوَ الْإِقْدَامُ عَلَى اللُّبْسِ، لَا بِنَفْسِهَا، فَهُوَ كَالْخُفِّ الْوَاحِدِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَتَى نَزَعَ الْفَوْقَانِيَّ قَبْلَ مَسْحِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ، وَكَانَ لُبْسُهُ كَعَدَمِهِ، وَإِنْ نَزَعَهُ بَعْدَ مَسْحِهِ، بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ، وَوَجَبَ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ؛ لِزَوَالِ مَحَلِّ الْمَسْحِ. وَنَزْعُ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ كَنَزْعِهِمَا؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بِهِمَا، فَصَارَ كَانْكِشَافِ الْقَدَمِ، وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْفَوْقَانِيِّ، وَمَسَحَ الَّذِي تَحْتَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحَلٌّ لِلْمَسْحِ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى مَا شَاءَ مِنْهُمَا، كَمَا يَجُوزُ غَسْلُ قَدَمِهِ فِي الْخُفِّ، مَعَ أَنَّ لَهُ الْمَسْحَ عَلَيْهِ. وَلَوْ لَبِسَ أَحَدَ الْجُرْمُوقَيْنِ فِي إحْدَى الرِّجْلَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْخُفِّ الَّذِي فِي الرِّجْلِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِهِ وَبِالْخُفِّ فِي الرِّجْلِ الْأُخْرَى، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ شَيْءٌ [فَصْل لَبِسَ خُفًّا مُخَرَّقًا فَوْقَ صَحِيحٍ] (407) فَصْلٌ: فَإِنْ لَبِسَ خُفًّا مُخَرَّقًا فَوْقَ صَحِيحٍ فَعَنْ أَحْمَدَ جَوَازُ الْمَسْحِ. قَالَ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: الْخُفُّ الْمُخَرَّقُ إذَا كَانَ فِي رِجْلَيْهِ جَوْرَبٌ مَسَحَ، وَإِنْ كَانَ الْخُفُّ مُنْخَرِقًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ تَحْتَهُ لَفَائِفُ أَوْ خِرَقٌ، فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ.
فصل لبس الخف بعد طهارة
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقَدَمَ مَسْتُورٌ بِمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، فَجَازَ الْمَسْحُ كَمَا لَوْ كَانَ السُّفْلَانِيُّ مَكْشُوفًا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ تَحْتَهُ لِفَافَةٌ، وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إلَّا عَلَى التَّحْتَانِيِّ؛ لِأَنَّ الْفَوْقَانِيَّ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ مُفْرَدًا، فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ مَعَ غَيْرِهِ، كَاَلَّذِي تَحْتَهُ لِفَافَةٌ، وَإِنْ لَبِسَ مُخَرَّقًا عَلَى مُخَرَّقٍ، فَاسْتَتَرَ الْقَدَمُ بِهِمَا، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الْقَدَمَ مَسْتُورٌ بِالْخُفَّيْنِ، فَأَشْبَهَ الْمَسْتُورَ بِالصَّحِيحَيْنِ، أَوْ صَحِيحٍ وَمُخَرَّقٍ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ الْقَدَمَ لَمْ يَسْتَتِرْ بِخُفٍّ صَحِيحٍ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا [فَصْل لَبِسَ الْخُفَّ بَعْدَ طَهَارَةٍ] (408) فَصْلٌ: وَإِنْ لَبِسَ الْخُفَّ بَعْدَ طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى الْعِمَامَةِ، أَوْ الْعِمَامَةَ بَعْدَ طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى الْخُفِّ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَ عَلَى طَهَارَةٍ مَمْسُوحٍ فِيهَا عَلَى بَدَلٍ، فَلَمْ يَسْتَبِحْ الْمَسْحَ بِاللُّبْسِ فِيهَا، كَمَا لَوْ لَبِسَ خُفًّا عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى خُفٍّ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ جَوَازَ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ الْآخَرِ، بِخِلَافِ الْخُفِّ الْمَلْبُوسِ عَلَى خُفٍّ مَمْسُوحٍ عَلَيْهِ. [فَصْل لَبِسَ الْجَبِيرَةَ عَلَى طَهَارَةٍ] (409) فَصْلٌ: وَإِنْ لَبِسَ الْجَبِيرَةَ عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى خُفٍّ أَوْ عِمَامَةٍ، وَقُلْنَا لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ، جَازَ الْمَسْحُ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِنْ اشْتَرَطْنَا لَهَا الطَّهَارَةَ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَالْعِمَامَةِ الْمَلْبُوسَةِ عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى الْخُفِّ، وَاحْتَمَلَ جَوَازَ الْمَسْحِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ مَسْحَهَا عَزِيمَةٌ، وَإِنْ لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى الْجَبِيرَةِ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا عَزِيمَةٌ؛ وَلِأَنَّهَا كَانَتْ نَاقِصَةً فَهُوَ لِنَقْصٍ لَمْ يَزَلْ، فَلَمْ يَمْنَعْ جَوَازَ الْمَسْحِ، كَنَقْصِ طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ قَبْلَ زَوَالِ عُذْرِهَا. وَإِنْ لَبِسَ الْجَبِيرَةَ عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى الْجَبِيرَةِ، جَازَ الْمَسْحُ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ [مَسْأَلَة مُدَّة الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ] (410) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ) . قَالَ أَحْمَدُ: التَّوْقِيتُ مَا أَثْبَتَهُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. قِيلَ لَهُ: تَذْهَبُ إلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ. وَبِهَذَا قَالَ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو زَيْدٍ، وَشُرَيْحٌ، وَعَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ اللَّيْثُ: يَمْسَحُ مَا بَدَا لَهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُسَافِرِ. وَلَهُ فِي الْمُقِيمِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا يَمْسَحُ، مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ. وَالثَّانِيَةُ لَا يَمْسَحُ؛ لِمَا رَوَى أُبَيّ بْنُ عُمَارَةَ، «قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْت: يَوْمًا؟ قَالَ: وَيَوْمَيْنِ قُلْت: وَثَلَاثَةً؟ قَالَ: وَمَا شِئْت» .
فصل انقضاء مدة المسح على الخفين
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّهُ مَسْحٌ فِي طَهَارَةٍ فَلَمْ يَتَوَقَّتْ، كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالْجَبِيرَةِ. وَلَنَا: مَا رَوَى عَلِيٌّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَحَدِيثُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: هُوَ أَجْوَدُ حَدِيثٍ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهِيَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ آخِرُ فِعْلِهِ، وَحَدِيثُهُمْ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. قَالَ أَبُو دَاوُد. وَفِي إسْنَادِهِ مَجَاهِيلُ مِنْهُمْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَزِينٍ، وَأَيُّوبُ بْنُ قَطَنٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَمْسَحُ مَا شَاءَ، إذَا نَزَعَهُمَا عِنْدَ انْتِهَاءِ مُدَّتِهِ ثُمَّ لَبِسَهُمَا. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَالَ: " وَمَا شِئْت " مِنْ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِأَحَادِيثِنَا؛ لِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ، لِكَوْنِ حَدِيثِ عَوْفٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَلَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالتَّيَمُّمِ [فَصْل انْقِضَاء مُدَّةُ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ] (411) فَصْلٌ: إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ بَطَلَ الْوُضُوءُ، وَلَيْسَ لَهُ الْمَسْحُ إلَّا أَنْ يَنْزِعَهُمَا ثُمَّ يَلْبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ، كَمَا لَوْ خَلَعَهُمَا، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ وَالْخِلَافَ فِيهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَبْطُلُ الْوُضُوءُ، وَيُصَلِّي حَتَّى يُحْدِثَ؛ ثُمَّ لَا يَمْسَحُ بَعْدُ حَتَّى يَنْزِعَهُمَا. وَقَالَ دَاوُد: يَنْزِعُ خُفَّيْهِ وَلَا يُصَلِّي فِيهِمَا، فَإِذَا نَزَعَهُمَا صَلَّى حَتَّى يُحْدِثَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَبْطُلُ إلَّا بِحَدَثٍ، وَنَزْعُ الْخُفِّ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَكَذَلِكَ انْقِضَاءُ الْمُدَّةِ. وَلَنَا أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا قَامَ الْمَسْحُ مَقَامَهُ فِي الْمُدَّةِ، فَإِذَا انْقَضَتْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهَا، فَيُمْنَعُ مِنْ اسْتَدَامَتْهَا، كَالْمُتَيَمِّمِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ. [مَسْأَلَة خَلَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا] (412) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ خَلَعَ قَبْلَ ذَلِكَ أَعَادَ الْوُضُوءَ) يَعْنِي قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ إذَا خَلَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا، بَطَلَ وُضُوءُهُ. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ مَسْحَ الْخُفَّيْنِ نَابَ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ خَاصَّةً، فَطُهُورُهُمَا يُبْطِلُ مَا نَابَ عَنْهُ، كَالتَّيَمُّمِ إذَا بَطَلَ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ وَجَبَ مَا نَابَ عَنْهُ. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ فِي الْوُضُوءِ، فَمَنْ أَجَازَ التَّفْرِيقَ جَوَّزَ غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ؛ لِأَنَّ سَائِرَ أَعْضَائِهِ مَغْسُولَةٌ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا غَسْلُ قَدَمَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَهُمَا كَمَّلَ وُضُوءَهُ. وَمَنْ مَنَعَ التَّفْرِيقَ أَبْطَلَ وُضُوءَهُ؛ لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ، فَعَلَى هَذَا، لَوْ خَلَعَ الْخُفَّيْنِ قَبْلَ جَفَافِ الْمَاءِ عَنْ يَدَيْهِ، أَجْزَأَهُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ، وَصَارَ
فصل نزع العمامة بعد مسحها
كَأَنَّهُ خَلَعَهُمَا قَبْلَ مَسْحِهِ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: لَا يَتَوَضَّأُ وَلَا يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَمْسُوحَ عَلَيْهِ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِ، أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ بَعْدَ غَسْلِهَا؛ وَلِأَنَّ النَّزْعَ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَالطَّهَارَةُ لَا تَبْطُلُ إلَّا بِالْحَدَثِ. وَلَنَا أَنَّ الْوُضُوءَ بَطَلَ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، فَبَطَلَ فِي جَمِيعِهَا، كَمَا لَوْ أَحْدَثَ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِنَزْعِ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ، فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الطَّهَارَةَ فِي الْقَدَمَيْنِ جَمِيعًا، وَإِنَّمَا نَابَ مَسْحُهُ عَنْ إحْدَاهُمَا. وَأَمَّا التَّيَمُّمُ عَنْ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ إذَا بَطَلَ، فَقَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا خَلَعَ خُفَّيْهِ، غَسَلَ قَدَمَيْهِ مَكَانَهُ، وَصَحَّتْ طَهَارَتُهُ. وَإِنْ أَخَّرَهُ، اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ كَانَتْ صَحِيحَةً فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ إلَى حِينِ نَزْعِ الْخُفَّيْنِ، أَوْ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَإِنَّمَا بَطَلَتْ فِي الْقَدَمَيْنِ خَاصَّةً، فَإِذَا غَسَلَهُمَا عَقِيبَ النَّزْعِ، لَمْ تَفُتْ الْمُوَالَاةُ؛ لِقُرْبِ غَسْلِهِمَا مِنْ الطَّهَارَةِ الصَّحِيحَةِ فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَاخَى غَسْلُهُمَا. وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ قَدْ بَطَلَ حُكْمُهُ، وَصَارَ إلَى أَنْ نُضِيفَ الْغَسْلَ إلَى الْغَسْلِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْمَسْحِ حُكْمٌ؛ وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْمُوَالَاةِ إنَّمَا هُوَ لِقُرْبِ الْغَسْلِ مِنْ الْغَسْلِ، لَا مِنْ حُكْمِهِ، فَإِنَّهُ مَتَى زَالَ حُكْمُ الْغَسْلِ بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ، وَلَمْ يَنْفَعْ قُرْبُ الْغَسْلِ شَيْئًا؛ لِكَوْنِ الْحُكْمِ لَا يَعُودُ بَعْدَ زَوَالِهِ إلَّا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ. [فَصْل نَزَعَ الْعِمَامَةَ بَعْدَ مَسْحِهَا] (413) فَصْلٌ: وَإِنْ نَزَعَ الْعِمَامَةَ بَعْدَ مَسْحِهَا، بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ أَيْضًا. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، يَلْزَمُهُ مَسْحُ رَأْسِهِ، وَغَسْلُ قَدَمَيْهِ؛ لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ. وَلَوْ نَزَعَ الْجَبِيرَةَ بَعْدَ مَسْحِهَا، فَهُوَ كَنَزْعِ الْعِمَامَةِ، إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ مَسَحَ عَلَيْهَا فِي غُسْلٍ يَعُمُّ الْبَدَنَ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى إعَادَةِ غُسْلٍ وَلَا وُضُوءٍ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ وَالْمُوَالَاةَ سَاقِطَانِ فِيهِ [فَصْل نَزْعُ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ كَنَزْعِهِمَا] (414) فَصْلٌ: وَنَزْعُ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ كَنَزْعِهِمَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَيَلْزَمُهُ نَزْعُ الْآخَرِ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: يَغْسِلُ الْقَدَمَ الَّذِي نَزَعَ الْخُفَّ مِنْهُ، وَيَمْسَحُ الْآخَرَ؛ لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ، فَأَشْبَهَا الرَّأْسَ وَالْقَدَمَ، وَلَنَا أَنَّهُمَا فِي الْحُكْمِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ تَرْتِيبُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَيَبْطُلُ مَسْحُ أَحَدِهِمَا بِظُهُورِ الْآخَرِ، كَالرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الرَّأْسَ وَالْقَدَمَ. [فَصْل انْكِشَافُ بَعْض الْقَدَمِ مِنْ خَرْقٍ كَنَزْعِ الْخُفِّ] (415) فَصْلٌ: وَانْكِشَافُ بَعْضِ الْقَدَمِ مِنْ خَرْقٍ كَنَزْعِ الْخُفِّ. فَإِنْ انْكَشَفَتْ ظِهَارَتُهُ، وَبَقِيَتْ بِطَانَتُهُ، لَمْ تَضُرَّ؛ لِأَنَّ الْقَدَمَ مَسْتُورَةٌ بِمَا يَتْبَعُ الْخُفَّ فِي الْبَيْعِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَنْكَشِطْ
فصل أخرج رجله إلى ساق الخف
[فَصْل أَخْرَجَ رِجْلَهُ إلَى سَاقِ الْخُفِّ] (416) فَصْلٌ: وَإِنْ أَخْرَجَ رِجْلَهُ إلَى سَاقِ الْخُفِّ، فَهُوَ كَخَلْعِهِ. وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَبِينُ لِي أَنَّ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّ الرِّجْلَ لَمْ تَظْهَرْ. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ فِي " رُءُوسِ الْمَسَائِلِ "، عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى كَذَلِكَ وَلَنَا، أَنَّ اسْتِقْرَارَ الرِّجْلِ فِي الْخُفِّ شَرْطُ جَوَازِ الْمَسْحِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَدْخَلَ الْخُفَّ، فَأَحْدَثَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهَا فِيهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمَسْحُ، فَإِذَا تَغَيَّرَ الِاسْتِقْرَارُ زَالَ شَرْطُ جَوَازِ الْمَسْحِ، فَيَبْطُلُ الْمَسْحُ لِزَوَالِ شَرْطِهِ، كَزَوَالِ اسْتِتَارِهِ وَإِنْ كَانَ إخْرَاجُ الْقَدَمِ إلَى مَا دُونَ ذَلِكَ، لَمْ يَبْطُلْ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَزُلْ عَنْ مُسْتَقَرِّهَا. [فَصْل لُبْسَ الْخُفَّيْنِ وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا] (417) فَصْلٌ: كَرِهَ أَحْمَدُ لُبْسَ الْخُفَّيْنِ وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَكْرُوهَةٌ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ، وَاللُّبْسُ يُرَادُ لِيَمْسَحَ عَلَيْهِ لِلصَّلَاةِ. وَكَانَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبُولَ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَلَا يَرَى الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ وَاسِعًا؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ كَامِلَةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَبِسَهُ إذَا خَافَ غَلَبَةَ النُّعَاسِ، وَإِنَّمَا كُرِهَتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ اشْتِغَالَ قَلْبِهِ بِمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ يَذْهَبُ بِخُشُوعِ الصَّلَاةِ، وَيَمْنَعُ الْإِتْيَانَ بِهَا عَلَى الْكَمَالِ، وَرُبَّمَا حَمَلُهُ ذَلِكَ عَلَى الْعَجَلَةِ فِيهَا، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي اللُّبْسِ. [مَسْأَلَة أَحْدَثَ وَهُوَ مُقِيمٌ فَلَمْ يَمْسَحْ عَلَى خُفَّيْهِ حَتَّى سَافَرَ] (418) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ أَحْدَثَ وَهُوَ مُقِيمٌ، فَلَمْ يَمْسَحْ حَتَّى سَافَرَ، أَتَمَّ عَلَى مَسْحِ مُسَافِرٍ مُنْذُ كَانَ الْحَدَثُ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، فِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَمْسَحْ حَتَّى سَافَرَ، أَنَّهُ يُتِمُّ مَسْحَ الْمُسَافِرِ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ» وَهُوَ حَالُ ابْتِدَائِهِ بِالْمَسْحِ كَانَ مُسَافِرًا. وَقَوْلُهُ: " مُنْذُ كَانَ الْحَدَثُ " يَعْنِي ابْتِدَاءَ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفِّ. هَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ حِينِ مَسَحَ بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ امْسَحْ إلَى مِثْلِ سَاعَتِك الَّتِي مَسَحْت، وَفِي لَفْظٍ، قَالَ: يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ إلَى السَّاعَةِ الَّتِي تَوَضَّأَ فِيهَا. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، قَوْلِهِ: يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ عَلَى خُفَّيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ ". وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الْمَسْحِ مُدَّةٌ لَمْ تُبَحْ الصَّلَاةُ بِمَسْحِ الْخُفِّ فِيهَا. فَلَمْ تُحْسَبْ مِنْ الْمُدَّةِ، كَمَا قَبْلَ الْحَدَثِ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقُ: يَمْسَحُ الْمُقِيمُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا. وَلَنَا: مَا نَقَلَهُ الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا الْمُطَرَّزُ، فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ: «مِنْ الْحَدَثِ إلَى الْحَدَثِ» ؛ وَلِأَنَّ مَا بَعْدَ الْحَدَثِ زَمَانٌ يُسْتَبَاحُ فِيهِ الْمَسْحُ، فَكَانَ مِنْ وَقْتِهِ، كَبَعْدِ الْمَسْحِ، وَالْخَبَرُ أَرَادَ أَنَّهُ يَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ دُونَ فِعْلِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مسألة أحدث مقيما ثم مسح على خفيه مقيما ثم سافر
وَأَمَّا تَقْدِيرُهُ بِعَدَدِ الصَّلَوَاتِ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا قَدَّرَهُ بِالْوَقْتِ دُونَ الْفِعْلِ، فَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ الْمُقِيمَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْمَسْحِ سِتَّ صَلَوَاتٍ، وَهُوَ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَمْسَحَ، وَيُصَلِّيَهَا، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي يُعَجِّلُهَا، فَيُصَلِّيهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْمَسْحِ. إنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْجَمْعَ مِنْ سَفَرٍ، أَوْ غَيْرِهِ، أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ سَبْعَ صَلَوَاتٍ [مَسْأَلَة أَحْدَثَ مُقِيمًا ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ] (419) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَلَوْ أَحْدَثَ مُقِيمًا، ثُمَّ مَسَحَ مُقِيمًا، ثُمَّ سَافَرَ، أَتَمَّ عَلَى مَسْحِ مُقِيمٍ، ثُمَّ خَلَعَ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ: مِثْلُ مَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ يَمْسَحُ مَسْحَ الْمُسَافِرِ، سَوَاءٌ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ لِصَلَاةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ لَا تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْمَسْحِ، وَهُوَ حَاضِرٌ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ.» وَهَذَا مُسَافِرٌ؛ وَلِأَنَّهُ سَافَرَ قَبْلَ كَمَالِ مُدَّةِ الْمَسْحِ، فَأَشْبَهَ مَنْ سَافَرَ قَبْلَ الْمَسْحِ بَعْدَ الْحَدَثِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ، وَصَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ. وَقَالَ الْخَلَّالُ: رَجَعَ أَحْمَدُ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ إلَى هَذَا وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وُجِدَ أَحَدُ طَرَفَيْهَا فِي الْحَضَرِ، فَغَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الْحَضَرِ، كَالصَّلَاةِ، وَالْخَبَرُ يَقْتَضِي أَنْ يَمْسَحَ الْمُسَافِرُ ثَلَاثًا فِي سَفَرِهِ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَنْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ فِي سَفَرِهِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا يَحْتَسِبُ بِالْمُدَّةِ الَّتِي مَضَتْ فِي الْحَضَرِ. [فَصْل شَكَّ هَلْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ فِي السَّفَرِ أَوْ الْحَضَر] (420) فَصْلٌ: فَإِنْ شَكَّ، هَلْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ فِي السَّفَرِ، أَوْ الْحَضَرِ، بَنَى عَلَى مَسْحِ حَاضِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ مَعَ الشَّكِّ فِي إبَاحَتِهِ. فَإِنْ ذَكَرَ بَعْدُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ فِي السَّفَرِ، جَازَ الْبِنَاءُ عَلَى مَسْحِ مُسَافِرٍ. وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى بَعْدَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَعَ الشَّكِّ، ثُمَّ تَيَقَّنَ، فَعَلَيْهِ إعَادَةُ مَا صَلَّى مَعَ الشَّكِّ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى بِطَهَارَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ صَلَّى يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُحْدِثٌ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ، كَانَتْ طَهَارَتُهُ صَحِيحَةً، وَعَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ. وَإِنْ كَانَ مَسَحَ مَعَ الشَّكِّ صَحَّ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ تَصِحُّ مَعَ الشَّكِّ فِي سَبَبِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ، فَتَوَضَّأَ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ، ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا أَجْزَأَهُ. وَعَكْسُهُ: مَا لَوْ شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ، فَصَلَّى، ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ دَخَلَ، لَمْ يُجْزِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ شَكَّ الْمَاسِحُ فِي وَقْتِ الْحَدَثِ، بَنَى عَلَى الْأَحْوَطِ عِنْدَهُ. وَهَذَا التَّفْرِيعُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، فَأَمَّا عَلَى الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ مَسْحَ الْمُسَافِرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ [مَسْأَلَة مَسَحَ مُسَافِرٌ أَقَلِّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ أَقَامَ أَوْ قَدِمَ] (421) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا مَسَحَ مُسَافِرٌ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ أَقَامَ أَوْ قَدِمَ أَتَمَّ عَلَى مَسْحِ مُقِيمٍ وَخَلَعَ، وَإِذَا مَسَحَ مُسَافِرٌ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَصَاعِدًا، ثُمَّ أَقَامَ أَوْ قَدِمَ خَلَعَ) وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ مَسْحَ الْمُسَافِرِ، كَمَحَلِّ الْوِفَاقِ؛ وَلِأَنَّ الْمَسْحَ عِبَادَةٌ يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَإِذَا ابْتَدَأَهَا فِي السَّفَرِ ثُمَّ حَضَرَ
مسألة لا يمسح إلا على خفين أو ما يقوم مقامهما
فِي أَثْنَائِهَا، غَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ، كَالصَّلَاةِ. فَعَلَى هَذَا لَوْ مَسَحَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، فَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَائِهَا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَطَلَ الْمَسْحُ، فَبَطَلَتْ طَهَارَتُهُ، فَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِبُطْلَانِهَا، وَلَوْ تَلَبَّسَ بِالصَّلَاةِ فِي سَفِينَةٍ، فَدَخَلَتْ الْبَلَدَ فِي أَثْنَائِهَا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِذَلِكَ. [مَسْأَلَة لَا يَمْسَحُ إلَّا عَلَى خُفَّيْنِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا] (422) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَمْسَحُ إلَّا عَلَى خُفَّيْنِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا؛ مِنْ مَقْطُوعٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، مِمَّا يُجَاوِزُ الْكَعْبَيْنِ) . مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، يَقُومُ مَقَامَ الْخُفَّيْنِ فِي سَتْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَإِمْكَانِ الْمَشْيِ فِيهِ، وَثُبُوتِهِ بِنَفْسِهِ. وَالْمَقْطُوعُ هُوَ الْخُفُّ الْقَصِيرُ السَّاقِ؛ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، لَا يُرَى مِنْهُ الْكَعْبَانِ؛ لِكَوْنِهِ ضَيِّقًا أَوْ مَشْدُودًا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَلَوْ كَانَ مَقْطُوعًا مِنْ دُونِ الْكَعْبَيْنِ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. وَهَذَا الصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ. وَحُكِيَ عَنْهُ، وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، جَوَازُ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ خُفٌّ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ السَّاتِرَ، وَلَنَا أَنَّهُ لَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ، فَأَشْبَهَ اللَّالَكَةَ وَالنَّعْلَيْنِ. [فَصْل لَوْ كَانَ لِلْخُفِّ قَدَمٌ وَلَهُ شَرَجٌ مُحَاذٍ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ] (423) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ لِلْخُفِّ قَدَمٌ وَلَهُ شَرَجٌ مُحَاذٍ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، إذَا كَانَ الشَّرَجُ مَشْدُودًا يَسْتُرُ الْقَدَمَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ خَلَلٌ يَبِينُ مِنْهُ مَحَلُّ الْفَرْضِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: لَا يَجُوزُ، وَلَنَا أَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ ذِي الشَّرَجِ. [فَصْل كَانَ الْخُفُّ مُحَرَّمًا كَالْقَصَبِ وَالْحَرِيرِ] (424) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْخُفُّ مُحَرَّمًا؛ كَالْقَصَبِ وَالْحَرِيرِ، لَمْ يُسْتَبَحْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ مَسَحَ عَلَيْهِ، وَصَلَّى، أَعَادَ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ بِلُبْسِهِ، فَلَمْ تُسْتَبَحْ بِهِ الرُّخْصَةُ، كَمَا لَا يَسْتَبِيحُ الْمُسَافِرُ رُخَصَ السَّفَرِ لِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ. وَلَوْ سَافَرَ لِمَعْصِيَةٍ لَمْ يَسْتَبِحْ الْمَسْحَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالسَّفَرِ، وَلَا هِيَ مِنْ رُخَصِهِ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الرُّخَصِ، بِخِلَافِ مَا زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ فَإِنَّهُ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ، فَلَمْ يَسْتَبِحْهُ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، كَالْقَصْرِ وَالْجَمْعِ. [فَصْل الْمَسْحُ عَلَى كُلِّ خُفٍّ سَاتِرٍ] (425) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى كُلِّ خُفٍّ سَاتِرٍ، يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جُلُودٍ أَوْ لُبُودٍ وَمَا أَشْبَهَهُمَا. فَإِنْ كَانَ خَشَبًا أَوْ حَدِيدًا أَوْ نَحْوَهُمَا، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ
المسح على الجورب الصفيق الذي لا يسقط إذا مشى فيه
الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي الْخِفَافِ الْمُتَعَارَفَةِ لِلْحَاجَةِ، وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذِهِ فِي الْغَالِبِ. وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ، أَشْبَهَ الْجُلُودَ. [الْمَسْح عَلَى الْجَوْرَبُ الصَّفِيقُ الَّذِي لَا يَسْقُطُ إذَا مَشَى فِيهِ] (426) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَكَذَلِكَ الْجَوْرَبُ الصَّفِيقُ الَّذِي لَا يَسْقُطُ إذَا مَشَى فِيهِ) إنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ بِالشَّرْطَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي الْخُفِّ، أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ صَفِيقًا، لَا يَبْدُو مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْقَدَمِ. الثَّانِي أَنْ يُمْكِنَ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ. هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ بِغَيْرِ نَعْلٍ: إذَا كَانَ يَمْشِي عَلَيْهِمَا، وَيَثْبُتَانِ فِي رِجْلَيْهِ، فَلَا بَأْسَ. وَفِي مَوْضِعٍ قَالَ: يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا إذَا ثَبَتَا فِي الْعَقِبِ. وَفِي مَوْضِعٍ قَالَ: إنْ كَانَ يَمْشِي فِيهِ فَلَا يَنْثَنِي، فَلَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إذَا انْثَنَى ظَهَرَ مَوْضِعُ الْوُضُوءِ. وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ، قَالَ أَحْمَدُ: يُذْكَرُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ سَبْعَةٍ، أَوْ ثَمَانِيَةٍ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَيُرْوَى إبَاحَةُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ عَلِيٍّ، وَعَمَّارٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَالْبَرَاءِ، وَبِلَالٍ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ، وَيَعْقُوبُ، وَمُحَمَّدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، إلَّا أَنْ يُنْعَلَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِمَا، فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، كَالرَّقِيقِينَ وَلَنَا: مَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّعْلَيْنِ لَمْ يَكُونَا عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا كَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ النَّعْلَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ: مَسَحْت عَلَى الْخُفِّ وَنَعْلِهِ؛ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، مَسَحُوا عَلَى الْجَوَارِبِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، يَثْبُتُ فِي الْقَدَمِ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَالنَّعْلِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ. قُلْنَا: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، وَيُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ. فَأَمَّا الرَّقِيقُ فَلَيْسَ بِسَاتِرٍ. [فَصْل الْمَسْح عَلَى جَوْرَبِ الْخِرَقِ] (427) فَصْلٌ: وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ جَوْرَبِ الْخِرَقِ، يُمْسَحُ عَلَيْهِ؟ فَكَرِهَ الْخِرَقَ. وَلَعَلَّ أَحْمَدَ كَرِهَهَا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ
مسألة إن كان يثبت بالنعل مسح فإذا خلع النعل انتقضت الطهارة
عَلَيْهَا الْخِفَّةُ، وَأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِأَنْفُسِهَا. فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ جَوْرَبِ الصُّوفِ فِي الصَّفَاقَةِ وَالثُّبُوتِ، فَلَا فَرْقَ. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَوْضِعٍ: لَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ حَتَّى يَكُونَ جَوْرَبًا صَفِيقًا، يَقُومُ قَائِمًا فِي رِجْلِهِ لَا يَنْكَسِرُ مِثْلَ الْخُفَّيْنِ، إنَّمَا مَسَحَ الْقَوْمُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْخُفِّ، يَقُومُ مَقَامَ الْخُفِّ فِي رِجْلِ الرَّجُلِ، يَذْهَبُ فِيهِ الرَّجُلُ وَيَجِيءُ [مَسْأَلَة إنْ كَانَ يَثْبُتُ بِالنَّعْلِ مَسَحَ فَإِذَا خَلَعَ النَّعْلَ انْتَقَضَتْ الطَّهَارَةُ] (428) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَ يَثْبُتُ بِالنَّعْلِ مَسَحَ، فَإِذَا خَلَعَ النَّعْلَ انْتَقَضَتْ الطَّهَارَةُ) . يَعْنِي أَنَّ الْجَوْرَبَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ بِنَفْسِهِ، وَثَبَتَ بِلُبْسِ النَّعْلِ، أُبِيحَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَتَنْتَقِضُ الطَّهَارَةُ بِخَلْعِ النَّعْلِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْجَوْرَبِ أَحَدُ شَرْطَيْ جَوَازِ الْمَسْحِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ بِلُبْسِ النَّعْلِ، فَإِذَا خَلَعَهَا زَالَ الشَّرْطُ، فَبَطَلَتْ الطَّهَارَةُ. كَمَا لَوْ ظَهَرَ الْقَدَمُ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ. وَقَوْلُهُ: " مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ ". قَالَ الْقَاضِي: وَيَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبِ وَالنَّعْلِ، كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا مَسَحَ عَلَى سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ، فَأَمَّا أَسْفَلُهُ وَعَقِبُهُ فَلَا يُسَنُّ مَسْحُهُ مِنْ الْخُفِّ، فَكَذَلِكَ مِنْ النَّعْلِ [مَسْأَلَة كَانَ فِي الْخُفِّ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ] (429) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا كَانَ فِي الْخُفِّ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ وَنَحْوِهِ، إذَا كَانَ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، فَإِنْ ظَهَرَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا مِنْ مَوْضِعِ الْخَرَزِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، إذَا كَانَ يُرَى مِنْهُ الْقَدَمُ. وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَقٌّ يَنْضَمُّ وَلَا يَبْدُو مِنْهُ الْقَدَمُ، لَمْ يَمْنَعْ جَوَازَ الْمَسْحِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَعْمَرٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى كُلِّ خُفٍّ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ، وَعَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ رِجْلِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ تَخَرَّقَ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ، جَازَ، وَنَحْوَهُ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَثُرَ وَتَفَاحَشَ، لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا جَازَ. وَتَعَلَّقُوا بِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَبِأَنَّهُ خُفٌّ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الصَّحِيحَ؛ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى خِفَافِ الْعَرَبِ كَوْنُهَا مُخَرَّقَةً. وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَسْحِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَيَنْصَرِفُ إلَى الْخِفَافَ الْمَلْبُوسَةِ عِنْدَهُمْ غَالِبًا، وَلَنَا أَنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ لِلْقَدَمِ، فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَثُرَ وَتَفَاحَشَ، أَوْ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِ الْخُفِّ؛ وَلِأَنَّ حُكْمَ مَا ظَهَرَ الْغَسْلُ، وَمَا اسْتَتَرَ الْمَسْحُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا، غَلَبَ حُكْمُ الْغَسْلِ، كَمَا لَوْ انْكَشَفَتْ إحْدَى قَدَمَيْهِ [فَصْل الْمَسْحُ عَلَى اللَّفَائِفِ وَالْخِرَقِ] (430) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى اللَّفَائِفِ وَالْخِرَقِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَقِيلَ لَهُ: إنَّ أَهْلَ الْجَبَلِ يَلُفُّونَ عَلَى
مسألة يمسح على ظاهر القدم
أَرْجُلِهِمْ لَفَائِفَ إلَى نِصْفِ السَّاقِ؟ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرَبًا. وَذَلِكَ أَنَّ اللِّفَافَةَ لَا تَثْبُتُ بِنَفْسِهَا، إنَّمَا تَثْبُتُ بِشَدِّهَا، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. [مَسْأَلَة يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِر الْقَدَمِ] (431) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ) . السُّنَّةُ مَسْحُ أَعْلَى الْخُفِّ دُونَ أَسْفَلِهِ وَعَقِبِهِ، فَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ الْأَصَابِعِ، ثُمَّ يَجُرُّهَا إلَى سَاقِهِ خَطًّا بِأَصَابِعِهِ. وَإِنْ مَسَحَ مِنْ سَاقِهِ إلَى أَصَابِعِهِ جَازَ، وَالْأَوَّلُ الْمَسْنُونُ وَلَا يُسَنُّ مَسْحُ أَسْفَلِهِ، وَلَا عَقِبِهِ. بِذَلِكَ قَالَ عُرْوَةُ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، الْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ عَنْ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى مَسْحَ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَكْحُولٍ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَالَ: «وَضَّأْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّهُ يُحَاذِي مَحَلَّ الْفَرْضِ، فَأَشْبَهَ ظَاهِرَهُ. وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِ، وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ ظَاهِرَ خُفَّيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ عُمَرَ، قَالَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِالْمَسْحِ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ إذَا لَبِسَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ.» رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ. وَلِأَنَّ بَاطِنَهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِفَرْضِ الْمَسْحِ، فَلَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِمَسْنُونِهِ، كَسَاقِهِ؛ وَلِأَنَّ مَسْحَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَلَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ مُبَاشَرَةِ أَذًى فِيهِ، تَتَنَجَّسُ يَدُهُ بِهِ، فَكَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى، وَحَدِيثُهُمْ مَعْلُولٌ، قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: وَسَأَلْت أَبَا زُرْعَةَ، وَمُحَمَّدًا - عَنْهُ فَقَالَا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ: هَذَا مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ، رَوَاهُ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ، وَلَمْ يَلْقَهُ. وَأَسْفَلُ الْخُفِّ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِفَرْضِ الْمَسْحِ، بِخِلَافِ أَعْلَاهُ. [فَصْل الْمُجَزِّئ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ] (432) فَصْلٌ: وَالْمُجْزِئُ فِي الْمَسْحِ أَنْ يَمْسَحَ أَكْثَرَ مُقَدَّمِ ظَاهِرِهِ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْزِئُهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ لَفْظَ الْمَسْحِ، وَلَمْ يُنْقَلْ فِيهِ تَقْدِيرٌ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُهُ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ؛ لِقَوْلِ الْحَسَنِ: سُنَّةُ الْمَسْحِ خِطَطٌ بِالْأَصَابِعِ. فَيَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَقَلُّ لَفْظِ الْجَمْعِ ثَلَاثٌ، وَلَنَا أَنَّ لَفْظَ الْمَسْحِ وَرَدَ مُطْلَقًا، وَفَسَّرَهُ النَّبِيُّ بِفِعْلِهِ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى تَفْسِيرِهِ، وَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَذَكَرَ وُضُوءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ثُمَّ «تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْمَنِ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ مَسَحَ
فصل المسح على الخفين بخرقة أو خشبة
أَعْلَاهُمَا مَسْحَةً وَاحِدَةً، حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ أَصَابِعِهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ» . قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: سُنَّةُ الْمَسْحِ هَكَذَا، أَنْ يَمْسَحَ خُفَّيْهِ بِيَدَيْهِ الْيُمْنَى لِلْيُمْنَى وَالْيُسْرَى لِلْيُسْرَى، وَقَالَ أَحْمَدُ: كَيْفَمَا فَعَلَهُ فَهُوَ جَائِزٌ، بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ أَوْ بِالْيَدَيْنِ، وَقَوْلُ الْحَسَنِ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا، لَا يَتَنَافَيَانِ. [فَصْل الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ بِخِرْقَةِ أَوْ خَشَبَةٍ] (433) فَصْلٌ: فَإِنْ مَسَحَ بِخِرْقَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ، احْتَمَلَ الْإِجْزَاءَ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، وَاحْتَمَلَ الْمَنْعَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِيَدِهِ. وَإِنْ مَسَحَ بِإِصْبَعٍ أَوْ إصْبَعَيْنِ، أَجْزَأَهُ إذَا كَرَّرَ الْمَسْحَ بِهَا، حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الْمَسْحِ بِأَصَابِعِهِ. وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: يَمْسَحُ بِالرَّاحَتَيْنِ أَوْ بِالْأَصَابِعِ؟ قَالَ: بِالْأَصَابِعِ. قِيلَ لَهُ: أَيُجْزِئُهُ بِإِصْبَعَيْنِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ. [فَصْل غَسَلَ الْخُفَّ] (434) فَصْلٌ: وَإِنْ غَسَلَ الْخُفَّ، فَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ، وَأَجَازَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ الْمَسْحِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِالْمَسْحِ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ، فَلَمْ يُجْزِهِ، كَمَا لَوْ طَرَحَ التُّرَابَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ فِي التَّيَمُّمِ، لَكِنْ إنْ أَمَرَّ يَدَيْهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي حَالِ الْغَسْلِ، أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَسَحَ. [مَسْأَلَة مَسَحَ أَسْفَلِ الْخُفّ دُونَ أَعْلَاهُ] (435) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ مَسَحَ أَسْفَلَهُ دُونَ أَعْلَاهُ، لَمْ يُجْزِهِ) لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: يُجْزِئُهُ مَسْحُ أَسْفَلِ الْخُفِّ، إلَّا أَشْهَبَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَبَعْضَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ بَعْضَ مَا يُحَاذِي مَحَلَّ الْفَرْضِ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ مَسَحَ ظَاهِرَهُ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِفَرْضِ الْمَسْحِ، فَلَمْ يُجْزِئْ مَسْحُهُ كَالسَّاقِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا مَسَحَ ظَاهِرَ الْخُفِّ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُجْزِئُ مَسْحُ ظَاهِرِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَقُولُ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ يَقُولُ: لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى أَعْلَى الْخُفِّ [فَصْل الْمَسْحِ عَلَى عَقِبِ الْخُفِّ] (436) فَصْلٌ: وَالْحُكْمُ فِي الْمَسْحِ عَلَى عَقِبِ الْخُفِّ كَالْحُكْمِ فِي مَسْحِ أَسْفَلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِفَرْضِ الْمَسْحِ، فَهُوَ كَأَسْفَلِهِ [مَسْأَلَة الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخِفَافِ سَوَاء] (437) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ يَعْنِي فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخِفَافِ، وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ وَشُرُوطِهِ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّهُ مَسْحٌ أُقِيمَ مُقَامَ الْغَسْلِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، كَالتَّيَمُّمِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَمْسَحَا عَلَى الْخُفِّ أَكْثَرَ مِنْ وَقْتِ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الَّتِي لَبِسَا الْخُفَّ عَلَيْهَا لَا يُسْتَبَاحُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ» . وَلِأَنَّ
فصل المسح على العمامة
الْمَسْحَ لَا يَبْطُلُ بِمُبْطِلَاتِ الطَّهَارَةِ فَلَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ. لَكِنْ إنْ زَالَ عُذْرُهُمَا كَمَّلَا فِي بَابِهِمَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا الْمَسْحُ بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ كَالتَّيَمُّمِ إذَا أَكْمَلَ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ، لَا يَمْسَحُ بِالْخُفِّ الْمَلْبُوسِ عَلَى التَّيَمُّمِ [فَصْل الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ] (438) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَمِمَّنْ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَمَكْحُولٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ عُرْوَةُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْقَاسِمُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ فِي نَزْعِهَا، فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا، كَالْكُمَّيْنِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَفِي " مُسْلِمٍ " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» . قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ مِنْ خَمْسَةِ وُجُوهٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ؛ وَلِأَنَّهُ حَائِلٌ فِي مَحَلٍّ وَرَدَ الشَّرْعُ بِمَسْحِهِ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَالْخُفَّيْنِ؛ وَلِأَنَّ الرَّأْسَ عُضْوٌ يَسْقُطُ فَرْضُهُ فِي التَّيَمُّمِ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلِهِ، كَالْقَدَمَيْنِ، وَالْآيَةُ لَا تَنْفِي مَا ذَكَرْنَاهُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُبَيِّنٌ لِكَلَامِ اللَّهِ، مُفَسِّرٌ لَهُ، وَقَدْ مَسَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْعِمَامَةِ، وَأَمَرَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ الْمَسْحُ عَلَى الرَّأْسِ، أَوْ حَائِلِهِ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ، أَنَّ الْمَسْحَ فِي الْغَالِبِ لَا يُصِيبُ الرَّأْسَ. وَإِنَّمَا يَمْسَحُ عَلَى الشَّعْرِ، وَهُوَ حَائِلٌ بَيْنَ الْيَدِ وَبَيْنَهُ، فَكَذَلِكَ الْعِمَامَةُ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِمَنْ لَمَسَ عِمَامَتَهُ أَوْ قَبَّلَهَا: قَبْلَ رَأْسَهُ وَلَمَسَهُ. وَكَذَلِكَ أَمَرَ بِمَسْحِ الرِّجْلَيْنِ، وَاتَّفَقْنَا عَلَى جَوَازِ مَسْحِ حَائِلِهِمَا. [فَصْل شُرُوطِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ] (439) فَصْلٌ: وَمِنْ شُرُوطِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ، أَنْ تَكُونَ سَاتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأْسِ، إلَّا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ، كَمُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ، وَشِبْهِهِمَا مِنْ جَوَانِبِ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ، بِخِلَافِ الْخَرْقِ الْيَسِيرِ فِي الْخُفِّ، فَإِنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَشْفَ جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَ الْعِمَامَةِ قَلَنْسُوَةٌ يَظْهَرُ بَعْضُهَا، فَالظَّاهِرُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا كَالْعِمَامَةِ الْوَاحِدَةِ.
فصل نزع العمامة بعد المسح عليها
وَمِنْ شُرُوطِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا، أَنْ تَكُونَ عَلَى صِفَةِ عَمَائِمِ الْمُسْلِمِينَ، بِأَنْ يَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ عَمَائِمُ الْعَرَبِ، وَهِيَ أَكْثَرُ سَتْرًا مِنْ غَيْرِهَا، وَيَشُقُّ نَزْعُهَا، فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ لَهَا ذُؤَابَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. قَالَهُ الْقَاضِي. وَسَوَاءٌ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلَا لَهَا ذُؤَابَةٌ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا عَلَى صِفَةِ عَمَائِمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يَشُقُّ نَزْعُهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّلَحِّي، وَنَهَى عَنْ الِاقْتِعَاطِ» . رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَ: وَالِاقْتِعَاطُ أَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ. وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَأَى رَجُلًا لَيْسَ تَحْتَ حَنَكِهِ مِنْ عِمَامَتِهِ شَيْءٌ، فَحَنَّكَهُ بِكَوْرٍ مِنْهَا، وَقَالَ: مَا هَذِهِ الْفَاسِقِيَّةُ؟ فَامْتَنَعَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا لِلنَّهْيِ عَنْهَا، وَسُهُولَةِ نَزْعِهَا. وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ ذُؤَابَةٍ، وَلَمْ تَكُنْ مُحَنَّكَةً، فَفِي الْمَسْحِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، جَوَازُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تُشْبِهُ عَمَائِمَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، إذْ لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِمْ الذُّؤَابَةُ. وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ النَّهْيِ، وَلَا يَشُقُّ نَزْعُهَا. (440) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الرَّأْسِ مَكْشُوفًا، مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ مَعَ الْعِمَامَةِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَنَاصِيَتِهِ، فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَهَلْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاجِبٌ؟ وَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْهُ، فَيُخَرَّجُ فِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، وُجُوبُهُ؛ لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ الْعِمَامَةَ نَابَتْ عَمَّا اسْتَتَرَ، فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ، كَالْجَبِيرَةِ. وَالثَّانِي، لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْعِمَامَةَ نَابَتْ عَنْ الرَّأْسِ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهَا، وَانْتَقَلَ الْفَرْضُ إلَيْهَا، فَلَمْ يَبْقَ لِمَا ظَهَرَ حُكْمٌ؛ وَلِأَنَّ وُجُوبَهُمَا مَعًا يُفْضِي إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ بَدَلٍ وَمُبْدَلٍ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَجُزْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كَالْخُفِّ. وَعَلَى هَذَا تُخَرَّجُ الْجَبِيرَةُ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأُذُنَيْنِ لَا يَجِبُ مَسْحُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ، وَلَيْسَا مِنْ الرَّأْسِ، إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ. [فَصْل نَزَعَ الْعِمَامَةَ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهَا] (441) فَصْلٌ: وَإِنْ نَزَعَ الْعِمَامَةَ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهَا، بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَكَذَلِكَ إنْ انْكَشَفَ رَأْسُهُ، إلَّا
فصل استيعاب العمامة بالمسح
أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، مِثْلُ إنْ حَكَّ رَأْسَهُ، أَوْ رَفَعَهَا لِأَجْلِ الْوُضُوءِ، فَلَا بَأْسَ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا زَالَتْ الْعِمَامَةُ عَنْ هَامَتِهِ، لَا بَأْسَ، مَا لَمْ يَنْقُضْهَا، أَوْ يَفْحُشَ ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ، فَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ عَنْهُ. وَإِنْ انْتَقَضَتْ الْعِمَامَةُ بَعْدَ مَسْحِهَا، بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ نَزْعِهَا. وَإِنْ انْتَقَضَ بَعْضُهَا، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ: إحْدَاهُمَا، لَا تَبْطُلُ طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَالَ بَعْضُ الْمَمْسُوحِ عَلَيْهِ، مَعَ بَقَاءِ الْعُضْوِ مَسْتُورًا، فَلَمْ تَبْطُلْ الطَّهَارَةُ، كَكَشْطِ الْخُفِّ، مَعَ بَقَاءِ الْبِطَانَةِ، وَالثَّانِيَةُ: تَبْطُلُ. قَالَ الْقَاضِي: لَوْ انْتَقَضَ مِنْهَا كَوْرٌ وَاحِدٌ، بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُ زَالَ الْمَمْسُوحُ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ نَزْعَ الْخُفِّ [فَصْل اسْتِيعَابِ الْعِمَامَةِ بِالْمَسْحِ] فَصْلٌ: وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ اسْتِيعَابِ الْعِمَامَةِ بِالْمَسْحِ؛ فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ، كَمَا يَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهِ. فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْبِيهَ فِي صِفَةِ الْمَسْحِ دُونَ الِاسْتِيعَابِ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِهَا؛ لِأَنَّهُ مَمْسُوحٌ عَلَى وَجْهِ الرُّخْصَةِ، فَأَجْزَأَ مَسْحُ بَعْضِهِ، كَالْخُفِّ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْبِيهَ فِي الِاسْتِيعَابِ، فَيَخْرُجُ فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ مَا فِي وُجُوبِ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ أَظْهَرُهُمَا وُجُوبُ اسْتِيعَابِهِ بِالْمَسْحِ. فَكَذَلِكَ فِي الْعِمَامَةِ؛ لِأَنَّ مَسْحَ الْعِمَامَةِ بَدَلٌ مِنْ الْجِنْسِ، فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِ الْمُبْدَلِ، كَقِرَاءَةِ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ مِنْ الْقُرْآنِ، بَدَلًا مِنْ الْفَاتِحَةِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِهَا، وَلَوْ كَانَ الْبَدَلُ تَسْبِيحًا، لَمْ يَتَقَدَّرْ بِقَدْرِهَا، وَمَسْحُ الْخُفِّ بَدَلٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ، فَلَمْ يَتَقَدَّرْ بِهِ، كَالتَّسْبِيحِ بَدَلًا عَنْ الْقُرْآنِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِهَا، كَإِجْزَاءِ الْمَسْحِ فِي الْخُفِّ عَلَى بَعْضِهِ، وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَكْوَارِهَا، وَهِيَ دَوَائِرُهَا دُونَ وَسَطِهَا. فَإِنْ مَسَحَ وَسَطَهَا وَحْدَهُ فَإِنْ مَسَحَ وَسَطَهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا يُجْزِئُهُ، كَمَا يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِ دَوَائِرِهَا. وَالثَّانِي، لَا يُجْزِئُهُ، كَمَا لَوْ مَسَحَ أَسْفَلَ الْخُفِّ. [فَصْل التَّوْقِيتُ فِي مَسْحِ الْعِمَامَةِ كَالتَّوْقِيتِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ] (443) فَصْلٌ: وَالتَّوْقِيتُ فِي مَسْحِ الْعِمَامَةِ كَالتَّوْقِيتِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ؛ لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ ثَلَاثًا فِي السَّفَرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ، إلَّا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ؛ وَلِأَنَّهُ مَمْسُوحٌ عَلَى وَجْهِ الرُّخْصَةِ، فَيُوَقَّتُ بِذَلِكَ، كَالْخُفِّ. [فَصْل الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ الْمُحَرَّمَةِ] (444) فَصْلٌ: وَالْعِمَامَةُ الْمُحَرَّمَةُ، كَعِمَامَةِ الْحَرِيرِ وَالْمَغْصُوبَةِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا، لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ
فصل المسح على القلنسوة،
وَإِنْ لَبِسَتْ الْمَرْأَةُ عِمَامَةً، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ، فَكَانَتْ مُحَرَّمَةً فِي حَقِّهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا عُذْرٌ، فَهَذَا يَنْدُرُ، فَلَمْ يَرْتَبِطْ الْحُكْمُ بِهِ [فَصْل الْمَسْحُ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ،] (445) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ، الطَّاقِيَّةِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، قَالَ هَارُونُ الْحَمَّالُ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْكَلْتَةِ؟ فَلَمْ يَرَهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تَسْتُرُ جَمِيعَ الرَّأْسِ فِي الْعَادَةِ، وَلَا يَدُومُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْقَلَانِسُ الْمُبَطَّنَاتُ، كَدَنِيَّاتِ الْقُضَاةِ، وَالنَّوْمِيَّاتِ، فَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَمْسَحُ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ، إلَّا أَنَّ أَنَسًا مَسَحَ عَلَى قَلَنْسُوَتِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا مَشَقَّةَ فِي نَزْعِهَا، فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا كَالْكَلْتَةِ؛ وَلِأَنَّهَا أَدْنَى مِنْ الْعِمَامَةِ غَيْرِ الْمُحَنَّكَةِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا ذُؤَابَةٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ: إنْ مَسَحَ إنْسَانٌ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ، فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ أَنَا أَتَوَقَّاهُ. وَإِنْ ذَهَبَ إلَيْهِ ذَاهِبٌ لَمْ يُعَنِّفْهُ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَكَيْفَ يُعَنِّفُهُ؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ، وَرِجَالٍ ثِقَاتٍ. فَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: إنْ شَاءَ حَسِرَ عَنْ رَأْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ مَسَحَ عَلَى قَلَنْسُوَتِهِ وَعِمَامَتِهِ. وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ، فَمَسَحَ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ؛ وَلِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ مُعْتَادٌ يَسْتُرُ الرَّأْسَ، فَأَشْبَهَ الْعِمَامَةَ الْمُحَنَّكَةَ، وَفَارَقَ الْعِمَامَةَ الَّتِي لَيْسَتْ مُحَنَّكَةً وَلَا ذُؤَابَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا مَنْهِيٌّ عَنْهَا. [فَصْل فِي مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى مُقَنَّعَة الْمَرْأَة] (446) فَصْلٌ: وَفِي مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى مِقْنَعَتِهَا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يَجُوزُ؛ لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَمَرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» ؛ وَلِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ لِلرَّأْسِ مُعْتَادٌ، يَشُقُّ نَزْعُهُ، فَأَشْبَهَ الْعِمَامَةَ. وَالثَّانِيَةُ، لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ: كَيْفَ تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى رَأْسِهَا؟ قَالَ: مِنْ تَحْتِ الْخِمَارِ، وَلَا تَمْسَحُ عَلَى الْخِمَارِ، قَالَ: وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا. وَمِمَّنْ قَالَ لَا تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا. نَافِعٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ لِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ لِرَأْسِ الْمَرْأَةِ، فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَالْوِقَايَةِ، وَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْوِقَايَةِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهَا لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا، فَهِيَ كَالطَّاقِيَّةِ لِلرَّجُلِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
باب الحيض
[بَابُ الْحَيْضِ] ِ الْحَيْضُ: دَمٌ يُرْخِيهِ الرَّحِمُ إذَا بَلَغْت الْمَرْأَةُ، ثُمَّ يَعْتَادُهَا فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ؛ لِحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ، فَإِذَا حَمَلَتْ انْصَرَفَ ذَلِكَ الدَّمُ بِإِذْنِ اللَّهِ إلَى تَغْذِيَتِهِ؛ وَلِذَلِكَ لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ، فَإِذَا وَضَعْت الْوَلَدَ قَلَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِحِكْمَتِهِ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ الطِّفْلُ؛ وَلِذَلِكَ قَلَّمَا تَحِيضُ الْمُرْضِعُ، فَإِذَا خَلَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ حَمْلٍ وَرَضَاعٍ. بَقِيَ ذَلِكَ الدَّمُ لَا مَصْرِفَ لَهُ، فَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَان، ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْغَالِبِ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، وَقَدْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَقِلُّ، وَيَطُولُ شَهْرُ الْمَرْأَةِ وَيَقْصُرُ، عَلَى حَسَبِ مَا رَكَّبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الطِّبَاعِ؛ وَسُمِّيَ حَيْضًا مِنْ قَوْلِهِمْ: حَاضَ السَّيْلُ. قَالَ عُمَارَةُ بْنُ عَقِيلٍ: أَجَالَتْ حَصَاهُنَّ الذَّوَارِي وَحَيَّضَتْ ... عَلَيْهِنَّ حَيْضَاتُ السُّيُولِ الطَّوَاحِمِ وَقَدْ عَلَّقَ الشَّرْعُ عَلَى الْحَيْضِ أَحْكَامًا؛ فَمِنْهَا أَنَّهُ يَحْرُمُ وَطْءُ الْحَائِضِ فِي الْفَرْجِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222] . وَمِنْهَا أَنَّهُ يَمْنَعُ فِعْلَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ؛ بِدَلِيلِ «قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَلَيْسَتْ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضَتْ لَا تَصُومُ وَلَا تُصَلِّي» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَتْ حَمْنَةُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً شَدِيدَةً مُنْكَرَةً، قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: «إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ» ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يُسْقِطُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ دُونَ الصِّيَامِ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَأَلْت عَائِشَةَ، فَقُلْت: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْت: لَسْت
مسألة أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما
بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. فَقَالَتْ: كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. إنَّمَا قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخَوَارِجَ يَرَوْنَ عَلَى الْحَائِضِ قَضَاءَ الصَّلَاةِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَمْنَعُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» . وَمِنْهَا أَنَّهُ يَمْنَعُ اللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ، وَالطَّوَافَ بِالْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَنَابَةِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يُحَرِّمُ الطَّلَاقَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] ، وَلَمَّا «طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجْعَتِهَا وَإِمْسَاكِهَا حَتَّى تَطْهُرَ» . وَمِنْهَا أَنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ حَدَثَهَا مُقِيمٌ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَمُكْثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ عَلَمٌ عَلَى الْبُلُوغِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» . وَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ فِي حَقِّ الْمُطَلَّقَةِ وَأَشْبَاهِهَا إلَّا بِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] . وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَيْضِ، لِيُعْلَمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ. قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْحَيْضُ يَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ: حَدِيثِ فَاطِمَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَحَمْنَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ: حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ. مَكَانَ حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ. وَسَنَذْكُرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَغَيْرَهَا فِي مَوَاضِعِهَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَة أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا] (447) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَأَقَلُّ الْحَيْضِ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ الْخَلَّالُ: مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ يَوْمٌ، وَأَكْثَرَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَقِيلَ عَنْهُ: أَكْثَرُهُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ فِي أَقَلِّهِ وَأَكْثَرِهِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: قَالَ عَطَاءٌ: الْحَيْضُ يَوْمٌ وَاحِدٌ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَكْثَرُهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَاهُ: أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ؛ لِمَا رَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ.» وَقَالَ أَنَسٌ: قُرْءُ الْمَرْأَةِ: ثَلَاثٌ، أَرْبَعٌ، خَمْسٌ، سِتٌّ، سَبْعٌ، ثَمَانٍ، تِسْعٌ، عَشَرَةٌ. وَلَا يَقُولُ أَنَسٌ
فصل أقل الطهر بين الحيضتين
ذَلِكَ إلَّا تَوْقِيفًا، وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: لَيْسَ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَاعَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ، لَكَانَتْ الْمَرْأَةُ لَا تَدَعُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَمْضِيَ ذَلِكَ الْحَدُّ. وَلَنَا أَنَّهُ وَرَدَ فِي الشَّرْعِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، وَلَا حَدَّ لَهُ فِي اللُّغَةِ، وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، كَمَا فِي الْقَبْضِ، وَالْإِحْرَازِ، وَالتَّفَرُّقِ، وَأَشْبَاهِهَا، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مُعْتَادٌ يَوْمًا، قَالَ عَطَاءٌ: رَأَيْت مِنْ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ يَوْمًا، وَتَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: سَمِعْت شَرِيكًا يَقُولُ: عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ كُلَّ شَهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَيْضًا مُسْتَقِيمًا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ غَدْوَةً وَتَطْهُرُ عَشِيًّا. يَرَوْنَ أَنَّهُ حَيْضٌ تَدَعُ لَهُ الصَّلَاةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَأَيْت امْرَأَةً أُثْبِتَ لِي عَنْهَا أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَحِيضُ يَوْمًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ، وَأُثْبِتَ لِي عَنْ نِسَاءٍ أَنَّهُنَّ لَمْ يَزَلْنَ يَحِضْنَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ، أَنَّهُ قَالَ: تَحِيضُ امْرَأَتِي يَوْمَيْنِ. قَالَ إِسْحَاقُ: وَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِنَا مَعْرُوفَةٌ: لَمْ أُفْطِرْ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إلَّا يَوْمَيْنِ. وَقَوْلُهُنَّ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228] فَلَوْلَا أَنَّ قَوْلَهُنَّ مَقْبُولٌ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِنَّ الْكِتْمَانَ، وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى قَوْلِهِ: {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} [البقرة: 283] . وَلَمْ يُوجَدْ حَيْضٌ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ عَادَةً مُسْتَمِرَّةً فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ، فَلَا يَكُونُ حَيْضًا بِحَالٍ. وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّامِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ الْمِنْهَالِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَحَدِيثُ أَنَسٍ يَرْوِيهِ الْجَلْدُ بْنُ أَيُّوبَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: هُوَ حَدِيثٌ لَا أَصْلَ لَهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: لَيْسَ هُوَ شَيْئًا هَذَا مِنْ قِبَلِ الْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ، قِيلَ: إنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ رَوَاهُ، وَقَالَ: مَا أَرَاهُ سَمِعَهُ إلَّا مِنْ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ. وَضَعَّفَهُ جِدًّا. قَالَ: وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ: ذَاكَ أَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَحْتَجَّ إلَّا بِالْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ، وَحَدِيثُ الْجَلْدِ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا يُعَارِضُهُ. فَإِنَّهُ قَالَ: مَا زَادَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ ، وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ [فَصْل أَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْن الْحَيْضَتَيْنِ] (448) فَصْلٌ: وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ لَا يَخْتَلِفُ أَنَّ الْعِدَّةَ تَصِحُّ أَنْ تَنْقَضِيَ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ إذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: تَوْقِيتُ هَؤُلَاءِ بِالْخَمْسَةِ عَشَرَ بَاطِلٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَقَلُّ الطُّهْرِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، فَإِنْ قُلْنَا أَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَإِنْ قُلْنَا أَكْثَرُهُ سَبْعَةَ عَشَرَ، فَأَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَهَذَا كَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ شَهْرَ الْمَرْأَةِ لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا، يَجْتَمِعُ لَهَا فِيهِ حَيْضٌ وَطُهْرٌ، وَأَمَّا إذَا زَادَ شَهْرُهَا عَلَى ذَلِكَ تَصَوَّرَ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا سَبْعَةَ عَشَرَ، وَطُهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ وَأَكْثَرَ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ. وَذَكَرَ أَبُو ثَوْرٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ،
مسألة من أطبق بها الدم فكانت ممن تميز
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ، وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ، طَهُرَتْ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ وَصَلَّتْ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ: قُلْ فِيهَا. فَقَالَ شُرَيْحٌ: إنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ، فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ. فَقَالَ عَلِيٌّ: " قالون. وَهَذَا بِالرُّومِيَّةِ. وَمَعْنَاهُ: جَيِّدٌ. وَهَذَا لَا يَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ، انْتَشَرَ، وَلَمْ نَعْلَمْ خِلَافَهُ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ، وَلَا يَجِيءُ إلَّا عَلَى قَوْلِنَا أَقَلُّهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. وَهَذَا فِي الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ، وَأَمَّا الطُّهْرُ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ فَلَا تَوْقِيتَ فِيهِ؛ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمَّا مَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَإِنَّهَا لَا تُصَلِّي، وَإِذَا رَأَتْ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ. وَرُوِيَ أَنَّ الطُّهْرَ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. لِقَوْلِ عَائِشَةَ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ؛ وَلِأَنَّ الدَّمَ يَجْرِي مَرَّةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى. فَلَا يَثْبُتُ الطُّهْرُ بِمُجَرَّدِ انْقِطَاعِهِ، كَمَا لَوْ انْقَطَعَ أَقَلَّ مِنْ سَاعَةٍ. [مَسْأَلَة مَنْ أَطْبَقَ بِهَا الدَّمُ فَكَانَتْ مِمَّنْ تُمَيِّزُ] (449) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَمَنْ أَطْبَقَ بِهَا الدَّمُ فَكَانَتْ مِمَّنْ تُمَيِّزُ، فَتَعْلَمُ إقْبَالَهُ بِأَنَّهُ أَسْوَدُ ثَخِينٌ مُنْتِنٌ، وَإِدْبَارَهُ رَقِيقٌ أَحْمَرُ، تَرَكَتْ الصَّلَاةَ فِي إقْبَالِهِ، فَإِذَا أَدْبَرَ، اغْتَسَلَتْ، وَتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَصَلَّتْ) قَوْلُهُ: " طَبَّقَ بِهَا الدَّمُ ". يَعْنِي امْتَدَّ وَتَجَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَهَذِهِ مُسْتَحَاضَةٌ، قَدْ اخْتَلَطَ حَيْضُهَا بِاسْتِحَاضَتِهَا، فَتَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَيْضِ مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ لِتُرَتِّبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمَهُ، وَلَا تَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: مُمَيِّزَةٍ لَا عَادَةَ لَهَا، وَمُعْتَادَةٍ لَا تَمْيِيزَ لَهَا، وَمَنْ لَهَا عَادَةٌ وَتَمْيِيزٌ، وَمَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ. أَمَّا الْمُمَيِّزَةُ: فَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ الَّتِي لِدَمِهَا إقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ، بَعْضُهُ أَسْوَدُ ثَخِينٌ مُنْتِنٌ، وَبَعْضُهُ أَحْمَرُ مُشْرِقٌ، أَوْ أَصْفَرُ، أَوْ لَا رَائِحَةَ لَهُ، وَيَكُونُ الدَّمُ الْأَسْوَدُ أَوْ الثَّخِينُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَلَا يَنْقُصُ عَنْ أَقَلِّهِ، فَحُكْمُ هَذِهِ أَنَّ حَيْضَهَا زَمَانُ الدَّمِ الْأَسْوَدِ أَوْ الثَّخِينِ أَوْ الْمُنْتِنِ، فَإِنْ انْقَطَعَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، تَغْتَسِلُ لِلْحَيْضِ، وَتَتَوَضَّأُ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَتُصَلِّي، وَذَكَرَ أَحْمَدُ الْمُسْتَحَاضَةَ فَقَالَ: لَهَا سُنَنٌ، وَذَكَرَ الْمُعْتَادَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَسُنَّةٌ أُخْرَى، إذَا جَاءَتْ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا تُسْتَحَاضُ فَلَا تَطْهُرُ، قِيلَ لَهَا: أَنْتِ الْآنَ لَيْسَ لَك أَيَّامٌ مَعْلُومَةٌ فَتَجْلِسِينَهَا، وَلَكِنْ اُنْظُرِي إلَى إقْبَالِ الدَّمِ وَإِدْبَارِهِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ - وَإِقْبَالُهَا أَنْ تَرَى دَمًا أَسْوَدَ يُعْرَفُ - فَإِذَا تَغَيَّرَ دَمُهَا وَكَانَ إلَى الصُّفْرَةِ وَالرِّقَّةِ، فَذَلِكَ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ، فَاغْتَسِلِي، وَصَلِّي. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا اعْتِبَارَ بِالتَّمْيِيزِ، إنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالْعَادَةِ خَاصَّةً؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ
فصل المميزة إذا عرفت التمييز
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لِتَنْظُرْ عِدَّةَ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكْ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنْ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَهُوَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إنَّ الْحَيْضَ يَدُورُ عَلَيْهَا. وَلَنَا مَا رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُسْتَحَاضُ، فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ، وَصَلِّي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلنَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُد: «إذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ» . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا مَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ. وَقَالَ: إنَّهَا وَاَللَّهِ لَنْ تَرَى الدَّمَ الَّذِي هُوَ الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِ مَحِيضِهَا إلَّا كَغُسَالَةِ مَاءِ اللَّحْمِ. وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَادَةِ، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ. وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ هُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا الْحَيْضُ. [فَصْل الْمُمَيَّزَة إذَا عَرَفَتْ التَّمْيِيزَ] (450) فَصْلٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْمُمَيِّزَةَ إذَا عَرَفَتْ التَّمْيِيزَ جَلَسَتْهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ تَكْرَارٍ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِيمَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّمْيِيزِ أَنْ يَتَمَيَّزَ أَحَدُ الدَّمَيْنِ عَنْ الْآخَرِ فِي الصِّفَةِ، وَهَذَا يُوجَدُ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: إنَّمَا تَجْلِسُ الْمُمَيِّزَةُ مِنْ التَّمْيِيزِ مَا تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الْعَادَةُ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ، وَصَلِّي» . أَمَرَهَا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ، ثُمَّ مَدَّهُ إلَى حِينِ إدْبَارِهِ؛ وَلِأَنَّ التَّمْيِيزَ أَمَارَةٌ بِمُجَرَّدِهِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ضَمِّ غَيْرِهِ إلَيْهِ، كَالْعَادَةِ، وَعِنْدَ الْقَاضِي: إنَّمَا تَجْلِسُ مِنْ التَّمْيِيزِ مَا وَافَقَ الْعَادَةَ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ التَّكْرَارَ، وَمَتَى تَكَرَّرَ صَارَ عَادَةً. [فَصْل فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّمُ الْأَسْوَدُ مُخْتَلِفًا] (451) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَسْوَدُ مُخْتَلِفًا، مِثْلُ أَنْ تَرَى فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةً أَسْوَدَ، ثُمَّ يَصِيرُ أَحْمَرَ، وَيَعْبُرُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَالْأَسْوَدُ وَحْدَهُ حَيْضٌ. وَلَوْ لَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ كَانَ جَمِيعُ الدَّمِ حَيْضًا؛ لِأَنَّهُ دَمٌ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، فَكَانَ حَيْضًا، كَمَا لَوْ كَانَ كُلُّهُ أَحْمَرَ. وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا، مِثْلُ أَنْ يَرَى فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ خَمْسَةً
فصل إذا رأت أسود بين أحمرين أو أحمر بين أسودين وانقطع لدون أكثر الحيض
أَسْوَدَ، وَفِي الثَّانِي أَرْبَعَةً، وَفِي الثَّالِثِ ثَلَاثَةً، أَوْ فِي الْأَوَّلِ خَمْسَةً، وَفِي الثَّانِي سِتَّةً، وَفِي الثَّالِثِ سَبْعَةً، أَوْ فِي الْأَوَّلِ خَمْسَةً، وَفِي الثَّانِي أَرْبَعَةً، وَفِي الثَّالِثِ سِتَّةً، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الِاخْتِلَافِ؛ فَعَلَى قَوْلِنَا الْأَسْوَدُ حَيْضٌ فِي كُلِّ حَالٍ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي الْأَسْوَدُ حَيْضٌ فِيمَا وَافَقَ الْعَادَةَ فَقَطْ، وَهُوَ ثَلَاثٌ فِي الْأُولَى، وَخَمْسٌ فِي الثَّانِيَةِ، وَأَرْبَعٌ فِي الثَّالِثَةِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ إنْ تَكَرَّرَ فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ. وَعَلَى قَوْلِهِ: لَا تَجْلِسُ مِنْهُ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي إلَّا الْيَقِينَ الَّذِي تَجْلِسُهُ مَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً لَمْ تَجْلِسْ إلَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً. وَهَلْ تَجْلِسُ الَّذِي يَتَكَرَّرُ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ أَوْ الرَّابِعِ؟ يَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الْعَادَةُ، وَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمُبْتَدَأَةِ الَّتِي تَرَى دَمًا لَا يَعْبُرُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، الْأَحْمَرُ هَاهُنَا كَالطُّهْرِ هُنَاكَ، وَالْأَسْوَدُ كَالدَّمِ هُنَاكَ. فَإِنْ كَانَتْ نَاسِيَةً، وَكَانَ الْأَسْوَدُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ، وَقُلْنَا إنَّهَا تَجْلِسُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، جَلَسَتْ هَاهُنَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ مَا تَجْلِسُهُ النَّاسِيَةُ وَإِنْ كَانَ أَحْمَرَ، وَلَا تَنْتَقِلُ إلَى الْأَسْوَدِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ، فَإِذَا تَكَرَّرَ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ، وَعَلِمْنَا أَنَّهُ حَيْضٌ، فَتَقْضِي مَا صَامَتْهُ مِنْ الْفَرْضِ فِيهِ. [فَصْل إذَا رَأَتْ أُسُودَ بَيْنَ أَحْمَرَيْنِ أَوْ أَحْمَرَ بَيْن أَسْوَدَيْنِ وَانْقَطَعَ لِدُونِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ] (452) فَصْلٌ: فَإِذَا رَأَتْ أَسْوَدَ بَيْنَ أَحْمَرَيْنِ أَوْ أَحْمَرَ بَيْنَ أَسْوَدَيْنِ، وَانْقَطَعَ لِدُونِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، فَالْجَمِيعُ حَيْضٌ إذَا تَكَرَّرَ؛ لِأَنَّ الْأَحْمَرَ أَشْبَهُ بِالْحَيْضِ مِنْ الطُّهْرِ. وَإِنْ عَبَرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَكَادَ الْأَسْوَدُ بِمُفْرَدِهِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، فَهُوَ حَيْضٌ، وَالْأَحْمَرُ كُلُّهُ اسْتِحَاضَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَحْمَرَ الْأَوَّلَ أَشْبَهُ بِالْأَحْمَرِ الثَّانِي الَّذِي حَكَمْنَا بِأَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ، وَتُلَفِّقُ الْأَسْوَدَ إلَى الْأَسْوَدِ، فَيَكُونُ حَيْضًا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْأَسْوَدِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا إذَا كَانَ بِانْضِمَامِهِ إلَى بَقِيَّةِ الْأَسْوَدِ يَبْلُغُ أَقَلَّ الْحَيْضِ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى أَكْثَرِهِ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا زَمَنٌ يَزِيدُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَكَذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْأَحْمَرِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا إذَا كَانَ زَمَنُهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ طُهْرًا. فَأَمَّا إنْ كَانَ زَمَنُهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ طُهْرًا، مِثْلُ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ أَوْ مَا دُونَ الْيَوْمِ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِالدَّمَيْنِ الَّذِي هُوَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّمُ مُنْقَطِعًا، لَمْ يُحْكَمْ بِكَوْنِهِ طُهْرًا، فَإِذَا كَانَ الدَّمُ جَارِيًا كَانَ أَوْلَى، فَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا أَسْوَدَ، ثُمَّ رَأَتْ الثَّانِيَ دَمًا أَحْمَرَ، ثُمَّ رَأَتْ الثَّالِثَ أَسْوَدَ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ وَعَبَرَ، لَفَّقَتْ الْأَسْوَدَ إلَى الْأَسْوَدِ، فَصَارَ حَيْضُهَا يَوْمَيْنِ وَبَاقِي الدَّمِ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنْ رَأَتْ نِصْفَ يَوْمٍ أَسْوَدَ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ، ثُمَّ رَأَتْ الثَّانِيَ كَذَلِكَ، ثُمَّ رَأَتْ الثَّالِثَ كُلَّهُ أَسْوَدَ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ وَعَبَرَ، فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الطُّهْرَ يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، لَفَّقَتْ الْأَسْوَدَ إلَى الْأَسْوَدِ فَكَانَ حَيْضُهَا يَوْمَيْنِ. وَإِنْ قُلْنَا لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، فَحَيْضُهَا الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ، وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ. وَإِنْ رَأَتْ نِصْفَ يَوْمٍ أَسْوَدَ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ وَعَبَرَ إلَى الْعَاشِرِ، ثُمَّ رَأَتْهُ كُلَّهُ أَسْوَدَ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ، وَعَبَرَ، فَالْأَسْوَدُ حَيْضٌ كُلُّهُ، وَنِصْفُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ. وَلَوْ رَأَتْ بَيْنَ الْأَسْوَدِ وَبَيْنَ الْأَحْمَرِ نَقَاءً
فصل إذا رأت الدم في شهر خمسة أسود ثم صار أحمر واتصل
يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ، لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْأَحْمَرَ مَحْكُومٌ بِأَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ، مَعَ اتِّصَالِهِ بِالْأَسْوَدِ، فَمَعَ انْفِصَالِهِ عَنْهُ أَوْلَى. [فَصْل إذَا رَأَتْ الدَّم فِي شَهْرٍ خَمْسَةً أَسْوَدِ ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ وَاتَّصَلَ] (453) فَصْلٌ: إذَا رَأَتْ فِي شَهْرٍ خَمْسَةً أَسْوَدَ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ، وَاتَّصَلَ، وَفِي الثَّانِي كَذَلِكَ، ثُمَّ صَارَ الثَّالِثُ كُلُّهُ أَحْمَرَ، ثُمَّ رَأَتْ فِي الرَّابِعِ مِثْلَ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَأَتْ فِي الْخَامِسِ خَمْسَةً أَحْمَرَ، ثُمَّ صَارَ أَسْوَدَ وَاتَّصَلَ، فَحَيْضُهَا الْأَسْوَدُ مِنْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالرَّابِعِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ وَالْخَامِسُ فَلَا تَمْيِيزَ لَهَا فِيهِمَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَسْوَدِ فِي الْخَامِسِ سَقَطَ لِعُبُورِهِ. فَإِنْ قُلْنَا الْعَادَةُ تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ جَلَسَتْ ذَلِكَ مِنْ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَإِنْ قُلْنَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِثَلَاثَةٍ، جَلَسَتْ ذَلِكَ مِنْ الْخَامِسِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ رَأَتْ ذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: لَا تَثْبُتُ لَهَا عَادَةٌ، وَتَجْلِسُ مَا تَجْلِسُهُ مِنْ الْخَامِسِ مِنْ الدَّمِ الْأَسْوَدِ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِدَمِ الْحَيْضِ. [فَصْل إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا دَمًا أُسُودَ وَخَمْسَةَ عَشْرَ أَحْمَرِ] (454) فَصْلٌ: إذَا رَأَتْ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا دَمًا أَسْوَدَ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ أَحْمَرَ، فَالْأَسْوَدُ كُلُّهُ حَيْضٌ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَقَدْ رَأَتْ فِيهِ أَمَارَةَ الْحَيْضِ، فَيَثْبُتُ كَوْنُهُ حَيْضًا. [مَسْأَلَة لَمْ يَكُنْ دَمُهَا مُنْفَصِلًا وَكَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ مِنْ الشَّهْرِ تَعْرِفُهَا] (455) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَمُهَا مُنْفَصِلًا، وَكَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ مِنْ الشَّهْرِ تَعْرِفُهَا، أَمْسَكَتْ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَاغْتَسَلَتْ إذَا جَاوَزَتْهَا) هَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهِيَ مَنْ لَهَا عَادَةٌ وَلَا تَمْيِيزَ لَهَا؛ لِكَوْنِ دَمِهَا غَيْرَ مُنْفَصِلٍ، أَيْ عَلَى صِفَةٍ لَا تَخْتَلِفُ وَلَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُمَيِّزَةِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مُنْفَصِلًا إلَّا أَنَّ الدَّمَ الَّذِي يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ دُونَ أَقَلِّ الْحَيْضِ أَوْ فَوْقَ أَكْثَرِهِ، فَهَذِهِ لَا تَمْيِيزَ لَهَا. فَإِذَا كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ قَبْلَ أَنْ تُسْتَحَاضَ، جَلَسَتْ أَيَّامَ عَادَتِهَا، وَاغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِضَائِهَا، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ بَعْدَ ذَلِكَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَتُصَلِّي. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ لَا اعْتِبَارَ بِالْعَادَةِ، إنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالتَّمْيِيزِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُمَيِّزَةً اسْتَطْهَرَتْ بَعْدَ زَمَانِ عَادَتِهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، إنْ لَمْ تُجَاوِزْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَاضَةٌ. وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَلَنَا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ، وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا: دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ قَالَ: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ، وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَتْ أُمُّ
فصل العادة في الحيض لا تثبت بمرة
حَبِيبَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الدَّمِ؟ فَقَالَ لَهَا «اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي «الْمُسْتَحَاضَةِ: تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي، وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى تَرْكِ الْعَادَةِ فِي حَقِّ مَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهَا. [فَصْلٌ الْعَادَةُ فِي الْحَيْضِ لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ] (456) فَصْلٌ: وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي اسْتَفْتَتْ لَهَا أَمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّهَا إلَى الشَّهْرِ الَّذِي يَلِي شَهْرَ الِاسْتِحَاضَةِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَيْهَا، فَوَجَبَ رَدُّهَا إلَيْهِ، وَلَنَا أَنَّ الْعَادَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُعَاوَدَةِ، وَلَا تَحْصُلُ الْمُعَاوَدَةُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لَنَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ «لِتَنْظُرْ عِدَّةَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا» . " وَكَانَ " يُخْبَرُ بِهَا عَنْ دَوَامِ الْفِعْلِ وَتَكْرَارِهِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمَرَّةٍ وَلَا يُقَالُ لِمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مَرَّةً: كَانَ يَفْعَلُ. وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا» . وَالْأَقْرَاءُ جَمْعٌ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ، وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعَادَةِ تَدُلُّ عَلَى هَذَا، وَلَا نَفْهَمُ مِنْ اسْمِ الْعَادَةِ فِعْلَ مَرَّةٍ بِحَالٍ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ: هَلْ تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ؟ فَعَنْهُ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُعَاوَدَةِ، وَقَدْ عَاوَدْتهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ. وَعَنْهُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِثَلَاثٍ؛ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ؛ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ لَا تُطْلَقُ إلَّا عَلَى مَا كَثُرَ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ؛ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُعْتَبَرُ لَهُ التَّكْرَارُ اُعْتُبِرَ ثَلَاثًا، كَأَيَّامِ الْخِيَارِ فِي الْمُصَرَّاةِ. [فَصْلٌ تَثْبُتُ الْعَادَةُ فِي الْحَيْضِ بِالتَّمْيِيزِ] (457) فَصْلٌ: وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِالتَّمْيِيزِ، فَإِذَا رَأَتْ دَمًا أَسْوَدَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، ثُمَّ صَارَ، أَحْمَرَ، وَاتَّصَلَ، ثُمَّ صَارَ فِي سَائِرِ الْأَشْهُرِ دَمًا مُبْهَمًا، كَانَتْ عَادَتُهَا زَمَنَ الدَّمِ الْأَسْوَدِ. [فَصْلٌ الْعَادَةُ فِي الْحَيْضِ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُتَّفِقَةٍ وَمُخْتَلِفَةٍ] (458) فَصْلٌ: وَالْعَادَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُتَّفِقَةٍ، وَمُخْتَلِفَةٍ، فَالْمُتَّفِقَةُ أَنْ تَكُونَ أَيَّامًا مُتَسَاوِيَةً، كَأَرْبَعَةٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ، فَإِذَا اُسْتُحِيضَتْ جَلَسَتْ الْأَرْبَعَةَ فَقَطْ، وَأَمَّا الْمُخْتَلِفَةُ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى تَرْتِيبٍ، مِثْلُ إنْ كَانَتْ تَرَى فِي شَهْرٍ ثَلَاثَةً، وَفِي الثَّانِي أَرْبَعَةً، وَفِي الثَّالِثِ خَمْسَةً، ثُمَّ تَعُودُ إلَى ثَلَاثَةٍ، ثُمَّ إلَى أَرْبَعَةٍ عَلَى مَا كَانَتْ، فَهَذِهِ إذَا اُسْتُحِيضَتْ فِي شَهْرٍ فَعَرَفَتْ نَوْبَتَهُ عَمِلَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَلَى الَّذِي بَعْدَهُ، ثُمَّ عَلَى الَّذِي بَعْدَهُ عَلَى الْعَادَةِ.
وَإِنْ نَسِيَتْ نَوْبَتَهُ حَيَّضْنَاهَا الْيَقِينَ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وَتُصَلِّي بَقِيَّةَ الشَّهْرِ. وَإِنْ أَيْقَنَتْ أَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَشَكَّتْ؛ هَلْ هُوَ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثُ؟ جَلَسَتْ أَرْبَعَةً؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ، ثُمَّ تَجْلِسُ مِنْ الشَّهْرَيْنِ الْآخَرَيْنِ ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً، ثُمَّ تَجْلِسُ فِي الرَّابِعِ أَرْبَعَةً ثُمَّ تَعُودُ إلَى الثَّلَاثَةِ كَذَلِكَ أَبَدًا، وَيُجْزِئُهَا غُسْلٌ وَاحِدٌ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي جَلَسَتْهَا، كَالنَّاسِيَةِ إذَا جَلَسَتْ أَقَلَّ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْيَقِينِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا نُوجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلَ بِالشَّكِّ، وَيَحْتَمِلُ وُجُوبَ الْغُسْلِ عَلَيْهَا أَيْضًا عِنْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِ عَادَتِهَا؛ لِأَنَّ يَقِينَ الْحَيْضِ ثَابِتٌ، وَحُصُولُ الطَّهَارَةِ بِالْغُسْلِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا تَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ مُتَيَقِّنَةٌ وُجُوبَ الْغُسْلِ عَلَيْهَا فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ فِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ، وَقَدْ اشْتَبَهَ عَلَيْهَا، وَصِحَّةُ صَلَاتِهَا تَقِفُ عَلَى الْغُسْلِ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا لِتَخْرُجَ عَلَى الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا. وَهَذَا الْوَجْهُ أَصَحُّ لِمَا ذَكَرْنَا، وَتُفَارِقُ النَّاسِيَةَ، فَإِنَّهَا لَا تَعْلَمُ لَهَا حَيْضًا زَائِدًا عَلَى مَا جَلَسَتْهُ، وَهَذِهِ تَتَيَقَّنُ لَهَا حَيْضًا زَائِدًا عَلَى مَا جَلَسَتْهُ تَقِفُ صِحَّةُ صَلَاتِهَا عَلَى غُسْلِهَا مِنْهُ، فَوَجَبَ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهَا غُسْلٌ ثَانٍ، عَقِيبَ الْيَوْمِ الْخَامِسِ فِي كُلِّ شَهْرٍ، وَإِنْ جَلَسَتْ فِي رَمَضَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، قَضَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ كَانَ فِي ذِمَّتِهَا، وَلَا نَعْلَمُ أَنَّ الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ صَامَتْهُمَا أَسْقَطَا الْفَرْضَ مِنْ ذِمَّتِهَا، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَغْسَالٍ: غُسْلٌ عَقِبَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَغُسْلٌ عَقِبَ الرَّابِعِ، وَغُسْلٌ عَقِبَ الْخَامِسِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا عَقِيبَ الرَّابِعِ غُسْلًا فِي أَحَدِ الْأَشْهُرِ، وَكُلُّ شَهْرٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الشَّهْرَ الَّذِي يَجِبُ الْغُسْلُ فِيهِ بَعْدَ الرَّابِعِ، فَيَلْزَمُهَا ذَلِكَ كَمَا قُلْنَا فِي الْخَامِسِ. وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبٍ، مِثْلُ أَنْ تَحِيضَ مِنْ شَهْرٍ ثَلَاثَةً، وَمِنْ الثَّانِي خَمْسَةً، وَمِنْ الثَّالِثِ أَرْبَعَةً، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ هَذَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ وَيَعْتَادُهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَخْتَلِفُ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَضْبُوطٍ، جَلَسَتْ الْأَقَلَّ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَهِيَ الثَّلَاثَةُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَقَلُّ مِنْهَا، وَاغْتَسَلَتْ عَقِيبَهُ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي هَذَا الْفَصْلِ، أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّ فِيهِ رِوَايَةً ثَانِيَةً، وَهِيَ إجْلَاسُهَا أَكْثَرَ عَادَتِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ، كَالنَّاسِيَةِ لِلْعَدَدِ، تَجْلِسُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ. وَهَذَا لَا يَصِحُّ، إذْ فِيهِ أَمْرُهَا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَإِسْقَاطُهَا عَنْهَا مَعَ يَقِينِ وُجُوبِهَا عَلَيْهَا، فَإِنَّنَا مَتَى أَمَرْنَاهَا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ وُجُوبَهَا عَلَيْهَا، فِي يَوْمَيْنِ مِنْهَا فِي شَهْرٍ، وَفِي يَوْمٍ فِي شَهْرٍ آخَرَ فَقَدْ أَمَرْنَاهَا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ يَقِينًا، فَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ، وَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ الْوَاجِبَةُ بِالِاشْتِبَاهِ، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، وَفَارَقَ النَّاسِيَةَ، فَإِنَّنَا لَا نَعْلَمُ عَلَيْهَا صَلَاةً وَاجِبَةً يَقِينًا، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَيْضِ، وَسُقُوطُ الصَّلَاةِ، فَتَبْقَى عَلَيْهِ.
فصل لا تكون المرأة معتادة حتى تعرف شهرها
[فَصْلٍ لَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ مُعْتَادَةً حَتَّى تَعْرِفَ شَهْرَهَا] (459) فَصْل: وَلَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ مُعْتَادَةً حَتَّى تَعْرِفَ شَهْرَهَا، وَوَقْتَ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا. وَشَهْرُ الْمَرْأَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُدَّةِ الَّتِي لَهَا فِيهَا حَيْضٌ وَطُهْرٌ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، تَحِيضُ يَوْمًا، وَتَطْهُرُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَإِنْ قُلْنَا: أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَأَقْصَرُ مَا يَكُونُ الشَّهْرُ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَكْثَرُهُ لَا حَدَّ لَهُ؛ لِكَوْنِ أَكْثَرِ الطُّهْرِ لَا حَدَّ لَهُ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ الشَّهْرُ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ النَّاسِ، فَإِذَا عَرَفَتْ أَنَّ شَهْرَهَا ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَأَنَّ حَيْضَهَا مِنْهُ خَمْسَةُ أَيَّامٍ، وَطُهْرَهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَعَرَفَتْ أَوَّلَهُ، فَهِيَ مُعْتَادَةٌ، وَإِنْ عَرَفَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا، وَأَيَّامَ طُهْرِهَا، فَقَدْ عَرَفَتْ شَهْرَهَا، وَإِنْ عَرَفَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا وَلَمْ تَعْرِفْ أَيَّامَ طُهْرِهَا، أَوْ أَيَّامَ طُهْرِهَا وَلَمْ تَعْرِفْ أَيَّامَ حَيْضِهَا، فَلَيْسَتْ مُعْتَادَةً لَكِنَّهَا مَتَى جَهِلَتْ شَهْرَهَا، رَدَدْنَاهَا إلَى الْغَالِبِ، فَحَيَّضْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً، كَمَا رَدَدْنَاهَا فِي عَدَدِ أَيَّامِ الْحَيْضِ إلَى سِتٍّ أَوْ إلَى سَبْعٍ، لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ. [فَصْلٌ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ مَنْ لَهَا عَادَةٌ وَتَمْيِيزٌ] (460) فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ: مَنْ لَهَا عَادَةٌ وَتَمْيِيزٌ وَهِيَ مَنْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ فَاسْتُحِيضَتْ، وَدَمُهَا مُتَمَيِّزٌ بَعْضُهُ أَسْوَدُ وَبَعْضُهُ أَحْمَرُ، فَإِنْ كَانَ الْأَسْوَدُ فِي زَمَنِ الْعَادَةِ فَقَدْ اتَّفَقَتْ الْعَادَةُ وَالتَّمْيِيزُ فِي الدَّلَالَةِ، فَيُعْمَلُ بِهِمَا. وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْعَادَةِ أَوْ أَقَلَّ وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ، فَيُعْمَلُ بِهِ، وَتَدَعُ الْعَادَةَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِهِ " فَكَانَتْ مِمَّنْ تُمَيِّزُ تَرَكَتْ الصَّلَاةَ فِي إقْبَالِهِ ". وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مُعْتَادَةٍ وَغَيْرِهَا. وَاشْتَرَطَ فِي رَدِّهَا إلَى الْعَادَةِ أَنْ لَا يَكُونَ دَمُهَا مُتَّصِلًا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الدَّمِ أَمَارَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ، وَالْعَادَةُ زَمَانٌ مُنْقَضٍ؛ وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَرَجَعَ إلَى صِفَتِهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ كَالْمَنِيِّ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ اعْتِبَارُ الْعَادَةِ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَالْمَرْأَةَ الَّتِي اسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ إلَى الْعَادَةِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ بَيْنَ كَوْنِهَا مُمَيِّزَةً أَوْ غَيْرَهَا، وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ قَدْ رُوِيَ فِيهِ رَدُّهَا إلَى الْعَادَةِ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ رَدُّهَا إلَى التَّمْيِيزِ، فَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَانِ وَبَقِيَتْ الْأَحَادِيثُ الْبَاقِيَةُ خَالِيَةً عَنْ مُعَارِضٍ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا. عَلَى أَنَّ حَدِيثَ فَاطِمَةَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ، وَحِكَايَةُ حَالٍ، يَحْتَمِلُ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا لَا عَادَةَ لَهَا، أَوْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهَا، أَوْ قَرِينَةِ حَالِهَا، وَحَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَامٌّ فِي كُلِّ مُسْتَحَاضَةٍ، فَيَكُونُ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ أَقْوَى؛ لِكَوْنِهَا لَا تَبْطُلُ دَلَالَتُهَا، وَاللَّوْنُ إذَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، بَطَلَتْ دَلَالَتُهُ، فَمَا لَا تَبْطُلُ دَلَالَتُهُ أَقْوَى وَأَوْلَى. [فَصْلٍ كَانَ حَيْضُهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ فَاسْتُحِيضَتْ وَصَارَتْ تَرَى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسْوَدَ] (461) فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ حَيْضُهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ، فَاسْتُحِيضَتْ، وَصَارَتْ تَرَى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسْوَدَ
مسألة كانت لها أيام تحيض فيها ثم نسيتها
فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ، فَمَنْ قَدَّمَ الْعَادَةَ قَالَ: تَجْلِسُ خَمْسَةً فِي كُلِّ شَهْرٍ، كَمَا كَانَتْ تَجْلِسُ قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ. وَمَنْ قَدَّمَ التَّمْيِيزَ جَعَلَ حَيْضَهَا الثَّلَاثَةَ الَّتِي تَرَى الدَّمَ الْأَسْوَدَ فِيهَا، إلَّا أَنَّهَا لَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ إلَّا بِتَجَاوُزِ الدَّمِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَلَا نَعْلَمُ ذَلِكَ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ، فَإِذَا عَبَرَ الدَّمُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ عَلِمْنَا أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ. فَلَا تَجْلِسُ فِي الثَّانِي مَا زَادَ عَلَى الدَّمِ الْأَسْوَدِ. فَإِنْ رَأَتْ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَشَرَةً دَمًا أَسْوَدَ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ وَاتَّصَلَ، فَمَنْ قَالَ: إنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ حَتَّى تَتَكَرَّرَ. لَمْ يُحَيِّضْهَا فِي الشَّهْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ إلَّا خَمْسَةً، قَدْرَ عَادَتِهَا. وَمَنْ قَالَ: إنَّهَا إذَا زَادَتْ عَلَى الْعَادَةِ جَلَسَتْهُ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ. أَجْلَسَهَا فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، وَفِي الثَّانِي تَجْلِسُ أَيَّامَ الْعَادَةِ، وَهِيَ الْخَمْسَةُ الْأُولَى مِنْ الشَّهْرِ عِنْدَ مَنْ يُقَدِّمُ الْعَادَةَ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَمَنْ قَدَّمَ التَّمْيِيزَ لَمْ يَعْتَبِرْ فِيهِ التَّكْرَارَ، أَجْلَسَهَا الْعَشَرَةَ كُلَّهَا. فَإِذَا تَكَرَّرَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ، فَقَالَ الْقَاضِي: تَجْلِسُ الْعَشَرَةَ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْعَادَةِ تَثْبُتُ بِتَكَرُّرِ الْأَسْوَدِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجْلِسَ زِيَادَةً عَلَى عَادَتِهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُقَدِّمُ الْعَادَةَ عَلَى التَّمْيِيزِ؛ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَا الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ مِنْ التَّمْيِيزِ حَيْضًا بِتَكَرُّرِهِ، لَجَعَلْنَا النَّاقِصَ عَنْهَا اسْتِحَاضَةً بِتَكَرُّرِهِ، فَكَانَتْ لَا تَجْلِسُ فِيمَا إذَا رَأَتْ ثَلَاثَةً أَسْوَدَ ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ، أَكْثَرَ مِنْ الثَّلَاثَةِ. وَالْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ (462) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ حَيْضُهَا خَمْسًا مِنْ أَوَّلِ شَهْرٍ فَاسْتُحِيضَتْ، فَصَارَتْ تَرَى خَمْسَةً أَسْوَدَ ثُمَّ يَصِيرُ أَحْمَرَ، وَيَتَّصِلُ، فَالْأَسْوَدُ حَيْضٌ بِلَا خِلَافٍ؛ لِمُوَافَقَتِهِ زَمَنَ الْعَادَةِ وَالتَّمْيِيزِ، وَإِنْ رَأَتْ مَكَانَ الْأَسْوَدِ أَحْمَرَ، ثُمَّ صَارَ أَسْوَدَ، وَعَبَرَ، سَقَطَ حُكْمُ الْأَسْوَدِ؛ لِعُبُورِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَكَانَ حَيْضُهَا الْأَحْمَرُ، لِمُوَافَقَتِهِ زَمَنَ الْعَادَةِ. وَإِنْ رَأَتْ مَكَانَ الْعَادَةِ أَحْمَرَ، ثُمَّ خَمْسَةً أَسْوَدَ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ وَاتَّصَلَ، فَمَنْ قَدَّمَ الْعَادَةَ حَيَّضَهَا أَيَّامَ الْعَادَةِ. وَإِذَا تَكَرَّرَ الْأَسْوَدُ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَصِيرُ حَيْضًا، وَأَمَّا مَنْ يُقَدِّمُ التَّمْيِيزَ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْأَسْوَدَ وَحْدَهُ حَيْضًا. [مَسْأَلَةٌ كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ تَحِيضُ فِيهَا ثُمَّ نَسِيَتْهَا] (463) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ أُنْسِيَتْهَا، فَإِنَّهَا تَقْعُدُ سِتًّا أَوْ سَبْعًا فِي كُلِّ شَهْرٍ) هَذِهِ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ مِنْ أَقْسَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَهِيَ مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ وَهَذَا الْقِسْمُ نَوْعَانِ: أَحَدَهُمَا النَّاسِيَةُ، وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا، أَنْ تَكُونَ نَاسِيَةً لِوَقْتِهَا وَعَدَدِهَا وَهَذِهِ يُسَمِّيهَا الْفُقَهَاءُ الْمُتَحَيِّرَةَ. وَالثَّانِيَةُ، أَنْ تَنْسَى عَدَدَهَا، وَتَذْكُرَ وَقْتَهَا. وَالثَّالِثَةُ، أَنْ تَذْكُرَ عَدَدَهَا، وَتَنْسَى وَقْتَهَا.
فَالنَّاسِيَةُ لَهُمَا، هِيَ الَّتِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ حُكْمَهَا، وَأَنَّهَا تَجْلِسُ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، يَكُونُ ذَلِكَ حَيْضَهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وَهِيَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَاضَةٌ، تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتَطُوفُ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَجْلِسُ أَقَلَّ الْحَيْضِ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ تَعْرِفُ شَهْرَهَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلشَّهْرِ الْمَعْرُوفِ، جَلَسَتْ ذَلِكَ مِنْ شَهْرِهَا، وَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ شَهْرَهَا، جَلَسَتْ مِنْ الشَّهْرِ الْمَعْرُوفِ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي النَّاسِيَةِ لَهُمَا: لَا حَيْضَ لَهَا بِيَقِينٍ، وَجَمِيعُ زَمَنِهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ، تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَتُصَلِّي وَتَصُومُ، وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا. وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ، أَنَّهَا تَجْلِسُ الْيَقِينَ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ، وَلَا يُمْكِنُ رَدُّهَا إلَى غَيْرِهَا، فَجَمِيعُ زَمَانِهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، لِكُلِّ صَلَاةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَنَا مَا رَوَتْ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، قَالَتْ: كُنْت أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْتَفْتِيهِ، فَوَجَدْته فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ. فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً. فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا؟ قَدْ مَنَعَتْنِي الصِّيَامَ وَالصَّلَاةَ، قَالَ: «أَنْعَتُ لَك الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ. قُلْت: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. إنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَآمُرُك أَمْرَيْنِ، أَيَّهُمَا صَنَعْت أَجْزَأَ عَنْك، فَإِنْ قَوِيت عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ، فَقَالَ إنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ فَتَحِيضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، فِي عِلْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي فَإِذَا رَأَيْت أَنَّك قَدْ طَهُرْت وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُك وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي، كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، فَإِنْ قَوِيت أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ حَتَّى تَطْهُرِينَ وَتُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَتَغْتَسِلِينَ لِلصُّبْحِ، فَافْعَلِي، وَصُومِي إنْ قَوِيت عَلَى ذَلِكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إلَيَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَسَأَلْت مُحَمَّدًا عَنْهُ، فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا. وَهُوَ بِظَاهِرِهِ يُثْبِتُ الْحُكْمَ فِي حَقِّ النَّاسِيَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَفْصِلْهَا، هَلْ هِيَ مُبْتَدَأَةٌ أَوْ نَاسِيَةٌ؟ وَلَوْ افْتَرَقَ الْحَالُ لَاسْتَفْصَلَ وَسَأَلَ. وَاحْتِمَالُ أَنْ تَكُونَ نَاسِيَةً أَكْثَرُ، فَإِنَّ حَمْنَةَ امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ، كَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ. وَلَمْ يَسْأَلْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَمْيِيزِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَرَى مِنْ كَلَامِهَا، مِنْ تَكْثِيرِ الدَّمِ وَصِفَتِهِ مَا أَغْنَى عَنْ السُّؤَالِ عَنْهُ، وَلَمْ يَسْأَلْهَا هَلْ لَهَا عَادَةٌ فَيَرُدُّهَا إلَيْهَا؟ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ ذَلِكَ، لِعِلْمِهِ إيَّاهُ، إذْ كَانَ مُشْتَهِرًا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ أُخْتَهَا أُمَّ حَبِيبَةَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تَكُونَ نَاسِيَةً؛ وَلِأَنَّ لَهَا حَيْضًا لَا تَعْلَمُ قَدْرَهُ، فَيُرَدُّ إلَى غَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ، كَالْمُبْتَدَأَةِ؛ وَلِأَنَّهَا لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ، فَأَشْبَهَتْ الْمُبْتَدَأَةَ. وَقَوْلُهُمْ: لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ. قُلْنَا: قَدْ زَالَتْ الْمَعْرِفَةُ، فَصَارَ وُجُودُهَا كَالْعَدَمِ. وَأَمَّا أَمْرُهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَإِنَّمَا هُوَ نَدْبٌ، كَأَمْرِهِ لِحَمْنَةَ فِي هَذَا الْخَبَرِ، فَإِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ كَانَتْ مُعْتَادَةً رَدَّهَا إلَى عَادَتِهَا، وَهِيَ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ أُمِّ حَبِيبَةَ إنَّمَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَأَنْكَرَهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، فَقَالَ: لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ. (464) فَصْلٌ: قَوْلُهُ: " سِتًّا أَوْ سَبْعًا " الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَدَّهَا إلَى اجْتِهَادِهَا وَرَأْيِهَا، فِيمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهَا أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى عَادَتِهَا أَوْ عَادَةِ نِسَائِهَا، أَوْ مَا يَكُونُ أَشْبَهَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ خَيَّرَهَا بَيْنَ سِتٍّ وَسَبْعٍ، لَا عَلَى طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ، كَمَا خُيِّرَ وَاطِئُ الْحَائِضِ بَيْنَ التَّكْفِيرِ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ حَرْفَ " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ. وَالْأَوَّلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهَا مُخَيَّرَةً أَفْضَى إلَى تَخْيِيرِهَا فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَاجِبَةً وَبَيْنَ كَوْنِهَا مُحَرَّمَةً، وَلَيْسَ لَهَا فِي ذَلِكَ خِيرَةٌ بِحَالٍ. أَمَّا التَّكْفِيرُ فَفِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ، يُمْكِنُ التَّخْيِيرُ فِيهِ بَيْنَ إخْرَاجِ دِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ، وَالْوَاجِبُ نِصْفُ دِينَارٍ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ. قُلْنَا: وَقَدْ يَكُونُ لِلِاجْتِهَادِ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4] . وَ " إمَّا " " كَأَوْ " فِي وَضْعِهَا، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ فِي الْأَسْرَى إلَّا فِعْلُ مَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ أَنَّهُ الْأَصْلَحُ.
فصل لا تخلو الناسية من أن تكون جاهلة بشهرها أو عالمة به
[فَصْلٌ لَا تَخْلُو النَّاسِيَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ جَاهِلَةً بِشَهْرِهَا أَوْ عَالِمَةً بِهِ] (465) فَصْلٌ: وَلَا تَخْلُو النَّاسِيَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ جَاهِلَةً بِشَهْرِهَا، أَوْ عَالِمَةً بِهِ، فَإِنْ كَانَتْ جَاهِلَةً بِشَهْرِهَا، رَدَدْنَاهَا إلَى الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ، فَحَيَّضْنَاهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً؛ لِحَدِيثِ حَمْنَةَ؛ وَلِأَنَّهُ الْغَالِبُ، فَتُرَدُّ إلَيْهِ، كَرَدِّهَا إلَى السِّتِّ وَالسَّبْعِ. وَإِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِشَهْرِهَا، حَيَّضْنَاهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنْ شُهُورِهَا حَيْضَةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَادَتُهَا، فَتُرَدُّ إلَيْهَا، كَمَا تُرَدُّ الْمُعْتَادَةُ إلَى عَادَتِهَا فِي عَدَدِ الْأَيَّامِ، إلَّا أَنَّهَا مَتَى كَانَ شَهْرُهَا أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا، لَمْ نُحَيِّضْهَا مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ الْفَاضِلِ عَنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ لِأَنَّهَا لَوْ حَاضَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لَنَقَصَ طُهْرُهَا عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ. وَهَلْ تَجْلِسُ أَيَّامَ حَيْضِهَا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ، أَوْ بِالتَّحَرِّي وَالِاجْتِهَادِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، تَجْلِسُهُ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ إذَا كَانَ يَحْتَمِلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِحَمْنَةَ «تَحِيضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، فِي عِلْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا» . فَقَدَّمَ حَيْضَهَا عَلَى الطُّهْرِ، ثُمَّ أَمَرَهَا بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِي بَقِيَّتِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمُبْتَدَأَةَ تَجْلِسُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، مَعَ أَنَّهُ لَا عَادَةَ لَهَا، فَكَذَلِكَ النَّاسِيَةُ؛ وَلِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمُ جِبِلَّةٍ، وَالِاسْتِحَاضَةُ عَارِضَةٌ، فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ، وَجَبَ تَغْلِيبُ دَمِ الْحَيْضِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي، أَنَّهَا تَجْلِسُ أَيَّامَهَا مِنْ الشَّهْرِ بِالتَّحَرِّي وَالِاجْتِهَادِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّهَا إلَى اجْتِهَادِهَا فِي الْقَدْرِ بِقَوْلِهِ: " سِتًّا أَوْ سَبْعًا ". فَكَذَلِكَ فِي الزَّمَانِ؛ وَلِأَنَّ لِلتَّحَرِّي مَدْخَلًا فِي الْحَيْضِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُمَيِّزَةَ تَرْجِعُ إلَى صِفَةِ الدَّمِ. فَكَذَلِكَ فِي زَمَنِهِ، فَإِنْ تَسَاوَى عِنْدَهَا الزَّمَانُ كُلُّهُ، وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهَا شَيْءٌ، تَعَيَّنَ إجْلَاسُهَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ؛ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ فِيمَا سِوَاهُ. الْقِسْمُ الثَّانِي، النَّاسِيَةُ لِعَدَدِهَا دُونَ وَقْتِهَا، كَاَلَّتِي تَعْلَمُ أَنَّ حَيْضَهَا فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ الشَّهْرِ، وَلَا تَعْلَمُ عَدَدَهُ، فَهِيَ فِي قَدْرِ مَا تَجْلِسُهُ كَالْمُتَحَيِّرَةِ، تَجْلِسُ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، إلَّا أَنَّهَا تَجْلِسُهَا مِنْ الْعَشْرِ دُونَ غَيْرِهَا، وَهَلْ تَجْلِسُهَا مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ، أَوْ بِالتَّحَرِّي؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ قَالَتْ: أَعْلَمُ أَنَّنِي كُنْت أَوَّلَ الشَّهْرِ حَائِضًا، وَلَا أَعْلَمُ آخِرَهُ. أَوْ إنَّنِي كُنْت آخِرَ الشَّهْرِ حَائِضًا وَلَا أَعْلَمُ أَوَّلَهُ. أَوْ لَا أَعْلَمُ هَلْ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ حَيْضِي أَوْ آخِرَهُ؟ حَيَّضْنَاهَا الْيَوْمَ الَّذِي عَلِمَتْهُ، وَأَتَمَّتْ بَقِيَّةَ حَيْضِهَا مِمَّا بَعْدَهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَمِمَّا قَبْلَهُ فِي الثَّانِيَةِ، وَبِالتَّحَرِّي فِي الثَّالِثَةِ، أَوْ مِمَّا يَلِي أَوَّلَ الشَّهْرِ، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ، النَّاسِيَةُ لِوَقْتِهَا دُونَ عَدَدِهَا، وَهَذِهِ تَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ لَا تَعْلَمَ لَهَا وَقْتًا أَصْلًا، مِثْلُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ حَيْضَهَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ خَمْسَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ؛ إمَّا مِنْ أَوَّلِهِ، أَوْ بِالتَّحَرِّي، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ. وَالثَّانِي، أَنْ تَعْلَمَ لَهَا وَقْتًا، مِثْلُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحِيضُ أَيَّامًا مَعْلُومَةً مِنْ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ كُلِّ
فصل لا يعتبر التكرار في الناسية لأيام الحيض
شَهْرٍ، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ عَدَدَ أَيَّامِهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ دُونَ غَيْرِهِ، ثُمَّ لَا يَخْلُو عَدَدُ أَيَّامِهَا؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَلَى نِصْفِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ لَا يَزِيدُ، فَإِنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى نِصْفِهِ، مِثْلُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ حَيْضَهَا سِتَّةُ أَيَّامٍ مِنْ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، أَضْعَفْنَا الزَّائِدَ، فَجَعَلْنَاهُ حَيْضًا بِيَقِينٍ، وَتَجْلِسُ بَقِيَّةَ أَيَّامِهَا بِالتَّحَرِّي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَفِي الْآخَرِ، مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ، فَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الزَّائِدُ يَوْمٌ وَهُوَ السَّادِسُ، فَنُضَعِّفُهُ وَيَكُونُ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ حَيْضًا بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّنَا مَتَى عَدَدْنَا لَهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ الْعَشْرِ، دَخَلَ فِيهِ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ، يَبْقَى لَهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَجْلَسْنَاهَا مِنْ الْأَوَّلِ، كَانَ حَيْضُهَا مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ إلَى آخِرِ السَّادِسِ، مِنْهَا يَوْمَانِ حَيْضٌ بِيَقِينٍ، وَالْأَرْبَعَةُ حَيْضٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَالْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَإِنْ أَجْلَسْنَاهَا بِالتَّحَرِّي، فَأَدَّاهَا اجْتِهَادُهَا إلَى أَنَّهَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، فَهِيَ كَالَّتِي ذَكَرْنَا. وَإِنْ جَلَسَتْ الْأَرْبَعَةَ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ، كَانَتْ حَيْضًا مَشْكُوكًا فِيهِ، وَالْأَرْبَعَةُ الْأُولَى طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ. وَإِنْ قَالَتْ: حَيْضِي سَبْعَةُ أَيَّامٍ مِنْ الْعَشْرِ الْأُوَلِ. فَقَدْ زَادَتْ يَوْمَيْنِ عَلَى نِصْفِ الْوَقْتِ، فَنُضَعِّفُهُمَا، فَيَصِيرُ لَهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ حَيْضًا بِيَقِينٍ، وَهِيَ مِنْ أَوَّلِ الرَّابِعِ إلَى آخِرِ السَّابِعِ، وَيَبْقَى لَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ تَجْلِسُهَا مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ، أَوْ بِالتَّحَرِّي، فَيَكُونُ ذَلِكَ حَيْضًا مَشْكُوكًا فِيهِ، وَيَبْقَى لَهَا ثَلَاثَةٌ، طُهْرًا مَشْكُوكًا فِيهِ، وَسَائِرُ الشَّهْرِ طُهْرٌ، وَحُكْمُ الْحَيْضِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ حُكْمُ الْحَيْضِ الْمُتَيَقَّنِ، فِي تَرْكِ الْعِبَادَاتِ. وَإِنْ كَانَ حَيْضُهَا نِصْفَ الْوَقْتِ فَمَا دُونَ، فَلَيْسَ لَهَا حَيْضٌ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّهَا مَتَى كَانَتْ تَحِيضُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ الْخَمْسَةَ الْأُولَى، وَأَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةَ، وَأَنْ تَكُونَ بَعْضُهَا مِنْ الْأُولَى وَبَاقِيهَا مِنْ الثَّانِيَةِ، فَتَجْلِسُ خَمْسَةً بِالتَّحَرِّي، أَوْ مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ. [فَصْلٌ لَا يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ فِي النَّاسِيَةِ لِأَيَّامِ الْحَيْضِ] (466) فَصْلٌ: وَلَا يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ فِي النَّاسِيَةِ؛ لِأَنَّهَا عَرَفَتْ اسْتِحَاضَتَهَا فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّكْرَارِ. (467) فَصْلٌ: وَإِذَا ذَكَرَتْ النَّاسِيَةُ عَادَتَهَا بَعْدَ جُلُوسِهَا فِي غَيْرِهِ، رَجَعَتْ إلَى عَادَتِهَا؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا لِعَارِضِ النِّسْيَانِ، فَإِذَا زَالَ الْعَارِضُ عَادَتْ إلَى الْأَصْلِ. وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ تَرَكَتْ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ عَادَتِهَا، لَزِمَهَا إعَادَتُهَا، وَيَلْزَمُهَا قَضَاءُ مَا صَامَتْهُ مِنْ الْفَرْضِ فِي عَادَتِهَا، فَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا ثَلَاثَةً مِنْ آخِرِ الْعَشْرِ الْأُوَلِ، فَجَلَسَتْ السَّبْعَةَ الَّتِي قَبْلَهَا مُدَّةً، ثُمَّ ذَكَرَتْ، لَزِمَهَا قَضَاءُ مَا تَرَكَتْ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ الْمَفْرُوضِ فِي السَّبْعَةِ، وَقَضَاءُ مَا صَامَتْ مِنْ الْفَرْضِ فِي الثَّلَاثَة؛ لِأَنَّهَا صَامَتْهُ فِي زَمَنِ حَيْضِهَا. [مَسْأَلَةٌ الْمُبْتَدَأُ بِهَا الدَّمُ تَحْتَاطُ] (468) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمُبْتَدَأُ بِهَا الدَّمُ تَحْتَاطُ، فَتَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَتَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي. فَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً. فَإِنْ كَانَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، عَمِلَتْ عَلَيْهِ وَأَعَادَتْ الصَّوْمَ، إنْ كَانَتْ صَامَتْ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ مِرَارٍ لِفَرْضٍ)
هَذَا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ؛ وَهِيَ مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ، وَهِيَ الَّتِي بَدَأَ بِهَا الْحَيْضُ وَلَمْ تَكُنْ حَاضَتْ قَبْلَهُ؛ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا أَنَّهَا تَجْلِسُ إذَا رَأَتْ الدَّمَ، وَهِيَ مِمَّنْ يُمْكِنُ أَنْ تَحِيضَ وَهِيَ الَّتِي لَهَا تِسْعُ سِنِينَ فَصَاعِدًا، فَتَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ؛ فَإِنْ زَادَ الدَّمُ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، اغْتَسَلَتْ عَقِيبَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَتُصَلِّي، وَتَصُومُ. فَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ فَمَا دُونَ، اغْتَسَلَتْ غُسْلًا ثَانِيًا عِنْدَ انْقِطَاعِهِ، وَصَنَعَتْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، فَإِنْ كَانَتْ أَيَّامُ الدَّمِ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ مُتَسَاوِيَةً، صَارَ ذَلِكَ عَادَةً؛ وَعَلِمْنَا أَنَّهَا كَانَتْ حَيْضًا فَيَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ مَا صَامَتْ مِنْ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا صَامَتْهُ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ. قَالَ الْقَاضِي: الْمَذْهَبُ عِنْدِي فِي هَذَا رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ: وَأَصْحَابُنَا يَجْعَلُونَ فِي قَدْرِ مَا تَجْلِسُهُ الْمُبْتَدَأَةُ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ أَرْبَعَ رِوَايَاتٍ: إحْدَاهُنَّ، أَنَّهَا تَجْلِسُ أَقَلَّ الْحَيْضِ، وَالثَّانِيَةُ غَالِبَهُ، وَالثَّالِثَةُ أَكْثَرَهُ، وَالرَّابِعَةُ عَادَةَ نِسَائِهَا. قَالَ: وَلَيْسَ هَاهُنَا مَوْضِعُ الرِّوَايَاتِ، وَإِنَّمَا مَوْضِعُ ذَلِكَ إذَا اتَّصَلَ الدَّمُ، وَحَصَلَتْ مُسْتَحَاضَةً فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْأَصْحَابِ؛ فَرَوَى صَالِحٌ، قَالَ: قَالَ أَبِي: أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ الدَّمُ بِالْمَرْأَةِ تَقْعُدُ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَهُوَ أَكْثَرُ مَا تَجْلِسُهُ النِّسَاءُ عَلَى حَدِيثِ حَمْنَةَ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا تَجْلِسُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ حَيْضِهَا. وَقَوْلُهُ: أَكْثَرُ مَا تَجْلِسُهُ النِّسَاءُ. يَعْنِي أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ النِّسَاءِ هَكَذَا يَحِضْنَ. وَرَوَى حَرْبٌ عَنْهُ قَالَ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قُلْت: امْرَأَةٌ أَوَّلَ مَا حَاضَتْ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، كَمْ يَوْمًا تَجْلِسُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ مِثْلُهَا مِنْ النِّسَاءِ مَنْ يَحِضْنَ، فَإِنْ شَاءَتْ جَلَسَتْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهَا حَيْضٌ وَوَقْتٌ، وَإِنْ أَرَادَتْ الِاحْتِيَاطَ، جَلَسَتْ يَوْمًا وَاحِدًا، أَوَّلَ مَرَّةٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَقْتُهَا. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: قَالُوا هَذَا، وَقَالُوا هَذَا، فَأَيُّهَا أَخَذَتْ فَهُوَ جَائِزٌ. وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ، فِي الْبِكْرِ تُسْتَحَاضُ، وَلَا تَعْلَمُ لَهَا قُرْءًا، قَالَ: لِتَنْظُرْ قُرْءَ أُمِّهَا أَوْ أُخْتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، فَلْتَتْرُكْ الصَّلَاةَ عِدَّةَ تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي. قَالَ حَنْبَلٌ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَا حَسَنٌ. وَاسْتَحْسَنَهُ جِدًّا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَ بِهِ، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهَا تَجْلِسُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ. إلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ مِثْلُ مَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ؛ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: تَجْلِسُ جَمِيعَ الْأَيَّامِ الَّتِي تَرَى الدَّمَ فِيهَا إلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، فَإِنْ انْقَطَعَ لِأَكْثَرِهِ فَمَا دُونَ، فَالْجَمِيعُ حَيْضٌ؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِأَنَّ ابْتِدَاءَ الدَّمِ حَيْضٌ مَعَ جَوَازِ أَنْ يَكُونَ اسْتِحَاضَةً، فَكَذَلِكَ أَثْنَاؤُهُ؛ وَلِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ حَيْضًا، فَلَا نَنْقُضُ مَا حَكَمْنَا بِهِ بِالتَّجْوِيزِ، كَمَا فِي الْمُعْتَادَةِ؛ وَلِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمُ جِبِلَّةٍ، وَالِاسْتِحَاضَةُ دَمٌ عَارِضٌ لِمَرَضٍ عَرَضَ؛ وَعِرْقٍ انْقَطَعَ، وَالْأَصْلُ فِيهَا الصِّحَّةُ وَالسَّلَامَةُ، وَأَنَّ دَمَهَا دَمُ الْجِبِلَّةِ دُونَ الْعِلَّةِ. وَلَنَا، أَنَّ فِي إجْلَاسِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ حُكْمًا بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا مِنْ عِبَادَةٍ وَاجِبَةٍ عَلَيْهَا؛ فَلَمْ يُحْكَمْ
فصل انقطع دم الحيض في الأشهر الثلاثة مختلفا
بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، كَالْمُعْتَدَّةِ لَا يُحْكَمُ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا مِنْ الْعِدَّةِ بِأَوَّلِ حَيْضَةٍ، وَلَا يَلْزَمُ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ، فَلَوْ لَمْ نُجْلِسْهَا ذَلِكَ أَدَّى إلَى أَنْ لَا نُجْلِسَهَا أَصْلًا؛ وَلِأَنَّهَا مِمَّنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ، فَلَمْ تَجْلِسْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، كَالنَّاسِيَةِ. (469) فَصْلٌ: وَالْمَنْصُوصُ فِي الْمُبْتَدَأَةِ اعْتِبَارُ التَّكْرَارِ ثَلَاثًا، فَعَلَى هَذَا لَا تَنْتَقِلُ عَنْ الْيَقِينِ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ، وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُعْتَادَةِ تَرَى الدَّمَ زِيَادَةً عَلَى عَادَتِهَا عَلَى جُلُوسِهَا الزَّائِدِ بِمَرَّتَيْنِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، فَكَذَا هَاهُنَا، وَقَدْ مَضَى تَوْجِيهُهُمَا. وَعَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ فَمَا دُونَ، وَكَانَ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ، انْتَقَلَتْ إلَيْهِ، وَعَمِلَتْ عَلَيْهِ، وَصَارَ ذَلِكَ عَادَةً لَهَا، وَأَعَادَتْ مَا صَامَتْهُ مِنْ الْفَرْضِ فِيهِ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا صَامَتْهُ فِي حَيْضِهَا. [فَصْلٌ انْقَطَعَ دَمُ الْحَيْضِ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ مُخْتَلِفًا] (470) فَصْلٌ: وَإِنْ انْقَطَعَ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ مُخْتَلِفًا، فَفِي شَهْرٍ انْقَطَعَ عَلَى سَبْعٍ، وَفِي شَهْرٍ عَلَى سِتٍّ، وَفِي شَهْرٍ عَلَى خَمْسٍ، نَظَرَتْ إلَى أَقَلِّ ذَلِكَ، وَهُوَ الْخَمْسُ، فَجَعَلَتْهُ حَيْضًا، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ حَيْضًا، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ التَّكْرَارُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَإِنْ جَاءَ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ سِتًّا أَوْ أَكْثَرَ، صَارَتْ السِّتَّةُ حَيْضًا؛ لِتَكَرُّرِهَا ثَلَاثًا، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي السَّابِعِ إذَا تَكَرَّرَ ثَلَاثًا. وَمَنْ قَالَ بِإِجْلَاسِهَا سِتًّا أَوْ سَبْعًا، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ، وَلَا تَجْلِسُ مَا زَادَ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ، وَلِذَلِكَ مَنْ أَجْلَسَهَا عَادَةَ نِسَائِهَا، فَإِنَّهُ يُجْلِسُهَا مَا وَافَقَ عَادَتَهُنَّ، مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ. (471) فَصْلٌ: وَمَتَى أَجْلَسْنَاهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً، أَوْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، أَوْ عَادَةَ نِسَائِهَا، فَرَأَتْ الدَّمَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لَمْ يَحِلَّ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا فِيهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ، أَوْ يَتَجَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا احْتِمَالًا ظَاهِرًا، وَإِنَّمَا أَمَرْنَاهَا بِالصَّوْمِ فِيهِ وَالصَّلَاةِ احْتِيَاطًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا، فَيَجِبُ تَرْكُ وَطْئِهَا احْتِيَاطًا أَيْضًا. وَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ، وَاغْتَسَلَتْ، حَلَّ وَطْؤُهَا. وَهَلْ يُكْرَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهَا رَأَتْ النَّقَاءَ الْخَالِصَ، أَشْبَهَ غَيْرَ الْمُبْتَدَأَةِ. وَالثَّانِيَةُ، يُكْرَهُ؛ لِأَنَّنَا لَا نَأْمَنُ مُعَاوَدَةَ الدَّمِ، فَكُرِهَ وَطْؤُهَا، كَالنُّفَسَاءِ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ فِي زَمَنِ الْعَادَةِ، لَمْ يَطَأْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ زَمَنٌ صَادَفَ زَمَنَ الْحَيْضِ، فَلَمْ يَجُزْ الْوَطْءُ فِيهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ. وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ بِوَطْئِهَا. قَالَ الْخَلَّالُ الْأَحْوَطُ فِي قَوْلِهِ، عَلَى مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ دُونَ الْأَنْفُسِ الثَّلَاثَةِ، أَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا.
مسألة استمر بها الدم ولم يتميز
[مَسْأَلَةٌ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ] (472) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ، قَعَدَتْ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتًّا أَوْ سَبْعًا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ النِّسَاءِ هَكَذَا يَحِضْنَ) قَوْلُهُ: " اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ ". يَعْنِي زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ. وَقَوْلُهُ: " لَمْ يَتَمَيَّزْ ". يَعْنِي لَمْ يَكُنْ دَمُهَا مُنْفَصِلًا، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. فَهَذِهِ حُكْمُهَا أَنْ تَجْلِسَ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً. وَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ عِلَّتَهُ، وَهِيَ أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ النِّسَاءِ هَكَذَا يَحِضْنَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ حَيْضَ هَذِهِ كَحَيْضِ غَالِبِ النِّسَاءِ، فَيَجِبُ رَدُّهَا إلَيْهِ، كَرَدِّهَا فِي الْوَقْتِ إلَى حَيْضَةٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ. فَلَا تَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّهَا تَجْلِسُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ زَمَانُ الْحَيْضِ، فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ فِيهِ جَلَسَتْهُ، كَالْمُعْتَادَةِ. وَعَنْهُ أَنَّهَا تَجْلِسُ عَادَةَ نِسَائِهَا، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا تُشْبِهُهُنَّ فِي عَادَتِهِنَّ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِحَدِيثِ حَمْنَةَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّهَا إلَى سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ، وَلَمْ يَرُدَّهَا إلَى الْيَقِينِ، وَلَا إلَى عَادَةِ نِسَائِهَا، وَلَا إلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ تُرَدُّ إلَى غَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ فِي وَقْتِهَا؛ لِكَوْنِهَا تَجْلِسُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً؛ فَكَذَلِكَ فِي عَدَدِ أَيَّامِهَا؛ وَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرْنَاهُ لِلْيَقِينِ، وَلِعَادَةِ نِسَائِهَا. (473) فَصْلٌ: وَهَلْ تُرَدُّ إلَى ذَلِكَ إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ أَوْ الثَّانِي؟ الْمَنْصُوصُ أَنَّهَا لَا تُرَدُّ إلَى سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ إلَّا فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ؛ لِأَنَّا لَمْ نُحَيِّضْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إذَا لَمْ تَكُنْ مُسْتَحَاضَةً. فَأَوْلَى أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً. قَالَ الْقَاضِي: وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَنْتَقِلَ إلَيْهَا فِي الشَّهْرِ الثَّانِي بِغَيْرِ تَكْرَارٍ؛ لِأَنَّنَا قَدْ عَلِمْنَا اسْتِحَاضَتَهَا، فَلَا مَعْنَى لِلتَّكْرَارِ فِي حَقِّهَا. [فَصْلٌ كَانَتْ الَّتِي اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ مُمَيَّزَةً عَادَةٌ] (474) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ الَّتِي اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ مُمَيِّزَةً، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى جَلَسَتْ بِالتَّمْيِيزِ فِيمَا بَعْدَ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ، وَتَجْلِسُ فِي الثَّلَاثَةِ الْيَقِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إلَّا أَنْ نَقُولَ: الْعَادَةُ تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ، فَإِنَّهَا تَعُودُ إلَى التَّمْيِيزِ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ، وَيُعْمَلُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تُرَدُّ إلَى التَّمْيِيزِ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا بَدَأَ بِهَا الْحَيْضُ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهَا الدَّمُ، وَلَمْ تَعْرِفْ أَيَّامَهَا قَعَدَتْ إقْبَالَ الدَّمِ إذَا أَقْبَلَ سَوَادُهُ وَغِلَظُهُ وَرِيحُهُ، فَإِذَا أَدْبَرَ وَصَفَا وَذَهَبَ رِيحُهُ صَلَّتْ وَصَامَتْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ مُمَيِّزَةٌ، فَتُرَدُّ إلَى تَمْيِيزِهَا، كَمَا فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ فِي التَّمْيِيزِ بَعْدَ أَنْ تَعْلَمَ كَوْنَهَا مُسْتَحَاضَةً، عَلَى مَا نَصَرْنَاهُ.
مسألة الصفرة والكدرة في أيام الحيض
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَجْلِسُ مِنْهُ إلَّا مَا تَكَرَّرَ. فَعَلَى هَذَا إذَا رَأَتْ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً أَحْمَرَ ثُمَّ خَمْسَةً أَسْوَدَ، ثُمَّ أَحْمَرَ وَاتَّصَلَ، جَلَسَتْ زَمَانَ الْأَسْوَدِ، فَكَانَ حَيْضَهَا، وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ. وَهَلْ تَجْلِسُ زَمَانَ الْأَسْوَدِ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ أَوْ الرَّابِعِ؟ يُخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ. وَلَوْ رَأَتْ عَشَرَةً أَحْمَرَ، ثُمَّ خَمْسَةً أَسْوَدَ، ثُمَّ أَحْمَرَ وَاتَّصَلَ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، فَإِنْ اتَّصَلَ الْأَسْوَدُ، وَعَبَرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَلَيْسَ لَهَا تَمْيِيزٌ، وَنُحَيِّضُهَا مِنْ الْأَسْوَدِ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِدَمِ الْحَيْضِ. وَلَوْ رَأَتْ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ دَمًا أَسْوَدَ، فَلَا تَمْيِيزَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْأَسْوَدَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، لِقِلَّتِهِ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ. وَإِنْ رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ أَحْمَرَ كُلَّهُ، وَفِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ خَمْسَةً أَسْوَدَ، ثُمَّ أَحْمَرَ وَاتَّصَلَ، وَفِي الْخَامِسِ كُلِّهِ أَحْمَرَ، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ الْيَقِينَ، وَفِي الرَّابِعِ أَيَّامَ الدَّمِ الْأَسْوَدِ، وَفِي الْخَامِسِ تَجْلِسُ خَمْسَةً أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ مُعْتَادَةً. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَجْلِسُ مِنْ الرَّابِعِ إلَّا الْيَقِينَ، إلَّا أَنْ نَقُولَ بِثُبُوتِ الْعَادَةِ بِمَرَّتَيْنِ. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا يُقَدَّرُ فِيهَا أَنَّهَا لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ، وَلَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ، لَجَلَسَتْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ، فَكَذَا هَاهُنَا وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ التَّكْرَارَ فِي التَّمْيِيزِ فَهَذِهِ مُمَيِّزَةٌ، وَمَنْ قَالَ إنَّ الْمُمَيِّزَةَ تَجْلِسُ بِالتَّمْيِيزِ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي، قَالَ إنَّهَا تَجْلِسُ الدَّمَ الْأَسْوَدَ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَعْلَمُ أَنَّهَا مُمَيِّزَةٌ قَبْلَهُ، وَلَوْ رَأَتْ فِي شَهْرٍ خَمْسَةً أَسْوَدَ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ وَاتَّصَلَ، وَفِي الثَّانِي كَذَلِكَ، وَفِي الثَّالِثِ كُلِّهِ أَحْمَرَ، وَالرَّابِعِ رَأَتْ خَمْسَةً أَحْمَرَ، ثُمَّ صَارَ أَسْوَدَ وَاتَّصَلَ، جَلَسَتْ الْيَقِينَ مِنْ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ، وَالرَّابِعُ لَا تَمْيِيزَ لَهَا فِيهِ، فَتَصِيرُ فِيهِ إلَى سِتَّةِ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٍ، فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ، إلَّا أَنْ نَقُولَ الْعَادَةُ تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ، فَتَجْلِسُ مِنْ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ خَمْسَةً خَمْسَةً. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَجْلِسُ فِي الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ إلَّا الْيَقِينَ، وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَلَوْ كَانَتْ رَأَتْ فِي الرَّابِعِ خَمْسَةً أَسْوَدَ، وَالْبَاقِيَ كُلَّهُ أَحْمَرَ، صَارَ عَادَةً بِذَلِكَ. [مَسْأَلَةُ الصُّفْرَةِ وَالْكَدِرَةِ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ] (475) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ مِنْ الْحَيْضِ) يَعْنِي إذَا رَأَتْ فِي أَيَّامِ عَادَتِهَا صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً، فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَبِهِ قَالَ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يَكُونُ حَيْضًا، إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ دَمٌ أَسْوَدُ؛ لِأَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ، وَكَانَتْ بَايَعَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: كُنَّا لَا نَعْتَدُّ بِالصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ بَعْدَ الْغُسْلِ شَيْئًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: بَعْدَ الطُّهْرِ. وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا كَانَتْ تَبْعَثُ إلَيْهَا النِّسَاءُ
مسألة يستمتع من الحائض بما دون الفرج
بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهَا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ، فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضَةِ. وَحَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا بَعْدَ الطُّهْرِ وَالِاغْتِسَالِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا كُنَّا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ حَيْضًا. مَعَ قَوْلِهَا الْمُتَقَدِّمِ، الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. (476) فَصْلٌ: وَحُكْمُ الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ حُكْمُ الدَّمِ الْعَبِيطِ فِي أَنَّهَا فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ، وَتَجْلِسُ مِنْهَا الْمُبْتَدَأَةُ كَمَا تَجْلِسُ مِنْ غَيْرِهَا. وَإِنْ رَأَتْهَا فِيمَا بَعْدَ الْعَادَةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ رَأَتْ غَيْرَهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَإِنْ طَهُرَتْ ثُمَّ رَأَتْ كُدْرَةً أَوْ صُفْرَةً، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا؛ لِخَبَرِ أُمِّ عَطِيَّةَ وَعَائِشَةَ، وَقَدْ رَوَى النَّجَّادُ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: كُنَّا فِي حِجْرِهَا مَعَ بَنَاتِ بِنْتِهَا، فَكَانَتْ إحْدَانَا تَطْهُرُ ثُمَّ تُصَلِّي، ثُمَّ تُنَكِّسُ بِالصُّفْرَةِ الْيَسِيرَةِ، فَنَسْأَلُهَا، فَتَقُولُ: اعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ حَتَّى لَا تَرَيْنَ إلَّا الْبَيَاضَ خَالِصًا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَقَوْلُ عَائِشَةَ وَأُمِّ عَطِيَّةَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَسْمَاءَ. وَقَالَ الْقَاضِي: مَعْنَى هَذَا أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ قَبْلَ التَّكْرَارِ، وَقَوْلُ أَسْمَاءَ فِيمَا إذَا تَكَرَّرَ، فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَخْبَارِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ يَسْتَمْتِعُ مِنْ الْحَائِضِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَسْتَمْتِعُ مِنْ الْحَائِضِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ مِنْ الْحَائِضِ فِيمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَدُونَ الرُّكْبَةِ جَائِزٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَالْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ مُحَرَّمٌ بِهِمَا. وَاخْتُلِفَ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا بَيْنَهُمَا؛ فَذَهَبَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى إبَاحَتِهِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَنَحْوَهُ قَالَ الْحَكَمُ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تَضَعَ عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا مَا لَمْ يَدْخُلْهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُبَاحُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ: فَوْقَ الْإِزَارِ» وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] ، وَالْمَحِيضُ: اسْمٌ لِمَكَانِ الْحَيْضِ،
فصل وطء الحائض في الفرج
كَالْمَقِيلِ وَالْمَبِيتِ، فَتَخْصِيصُهُ مَوْضِعَ الدَّمِ بِالِاعْتِزَالِ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَتِهِ فِيمَا عَدَاهُ. فَإِنْ قِيلَ: بَلْ الْمَحِيضُ الْحَيْضُ، مَصْدَرُ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ حَيْضًا وَمَحِيضًا، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْآيَةِ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] . وَالْأَذَى: هُوَ الْحَيْضُ الْمَسْئُولُ عَنْهُ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} [الطلاق: 4] . قُلْنَا: اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ، وَإِرَادَةُ مَكَانِ الدَّمِ أَرْجَحُ، بِدَلِيلِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْحَيْضَ لَكَانَ أَمْرًا بِاعْتِزَالِ النِّسَاءِ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالْإِجْمَاعُ بِخِلَافِهِ. وَالثَّانِي، أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ، أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ اعْتَزَلُوهَا، فَلَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُشَارِبُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبَيْتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ النِّكَاحِ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِمُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَتَحَقَّقُ مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ بِحَمْلِهَا عَلَى إرَادَةِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُوَافِقًا لَهُمْ، وَمِنْ السُّنَّةِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ النِّكَاحِ» ، وَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «اجْتَنِبْ مِنْهَا شِعَارَ الدَّمِ» . وَلِأَنَّهُ مَنَعَ الْوَطْءَ لِأَجْلِ الْأَذَى، فَاخْتَصَّ مَكَانُهُ كَالدُّبُرِ، وَمَا رَوَوْهُ عَنْ عَائِشَةَ دَلِيلٌ عَلَى حِلِّ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ، لَا عَلَى تَحْرِيمِ غَيْرِهِ، وَقَدْ يَتْرُكُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضَ الْمُبَاحِ تَقَذُّرًا، كَتَرْكِهِ أَكْلَ الضَّبِّ وَالْأَرْنَبِ، وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ مِنْ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مَنْطُوقٌ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْمَفْهُومِ. [فَصْلٌ وَطْءُ الْحَائِضِ فِي الْفَرْجِ] (478) فَصْلٌ: فَإِنْ وَطِئَ الْحَائِضَ فِي الْفَرْجِ أَثِمَ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى، وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، بِإِسْنَادِهِمَا، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ، فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ» . وَالثَّانِيَةُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا قَالَ، أَوْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا، أَوْ أَتَى حَائِضًا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ،
فصل في قدر كفارة وطء الحائض
وَلَمْ يَذْكُرْ كَفَّارَةً؛ وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ نُهِيَ عَنْهُ لِأَجْلِ الْأَذَى، فَأَشْبَهَ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ. وَحَدِيثُ الْكَفَّارَةِ مَدَارُهُ عَلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، وَقَدْ قِيلَ لِأَحْمَدَ: فِي نَفْسِك مِنْهُ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ لِأَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ فُلَانٍ. أَظُنُّهُ قَالَ: عَبْدُ الْحَمِيدِ وَقَالَ: لَوْ صَحَّ ذَلِكَ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُنَّا نَرَى عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَقَدْ رَوَى النَّاسُ عَنْهُ. فَاخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي الْكَفَّارَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي الْحَدِيثِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَتْ لَهُ مَقْدِرَةٌ تَصَدَّقَ بِمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ؛ كَفَّارَةُ وَطْءِ الْحَائِضِ تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا، أَوْ عَنْ بَعْضِهَا، كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ. [فَصْلٌ فِي قَدْرِ كَفَّارَةِ وَطْءِ الْحَائِضِ] (479) فَصْلٌ: وَفِي قَدْرِ الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، أَنَّهَا دِينَارٌ، أَوْ نِصْفُ دِينَارٍ، عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ، أَيَّهُمَا أَخْرَجَ أَجْزَأَهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالثَّانِيَةُ، أَنَّ الدَّمَ إنْ كَانَ أَحْمَرَ فَهِيَ دِينَارٌ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ، فَنِصْفُ دِينَارٍ. وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ: إنْ كَانَ فِي فَوْرِ الدَّمِ فَدِينَارٌ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ فَنِصْفُ دِينَارٍ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنْ كَانَ دَمًا أَحْمَرَ فَدِينَارٌ، وَإِنْ كَانَ دَمًا أَصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. قَالَ أَبُو دَاوُد الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ: " يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ ". وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْحَيْضِ، فَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، كَسَائِرِ أَحْكَامِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تُخَيَّرُ بَيْنَ شَيْءٍ وَنِصْفِهِ؟ قُلْنَا: كَمَا يُخَيَّرُ الْمُسَافِرُ بَيْنَ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَإِتْمَامِهَا، فَأَيُّهُمَا فَعَلَ كَانَ وَاجِبًا، كَذَا هَاهُنَا. [فَصْلٌ وَطِئَ بَعْدَ طُهْرِهَا وَقَبْلَ غُسْلِهَا] (480) فَصْلٌ: وَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ طُهْرِهَا، وَقَبْلَ غُسْلِهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: عَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ. وَلَوْ وَطِئَ فِي حَالِ جَرَيَانِ الدَّمِ، لَزِمَهُ دِينَارٌ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ، فَثَبَتَ قَبْلَ الْغُسْلِ، كَالتَّحْرِيمِ. وَلَنَا أَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِالشَّرْعِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ بِهَا الْخَبَرُ فِي الْحَائِضِ، وَغَيْرُهَا لَا يُسَاوِيهَا؛ لِأَنَّ الْأَذَى الْمَانِعَ مِنْ وَطْئِهَا قَدْ زَالَ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَطَأُ حَائِضًا، فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ بِالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ، وَلَا تَجِبُ فِي غَيْرِهِ. [فَصْلٌ هَلْ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي] (481) فَصْلٌ: وَهَلْ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
فصل هل تلزم المرأة الموطوءة وهي حائض كفارة
أَحَدُهُمَا، تَجِبُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَجِبُ بِالْوَطْءِ، أَشْبَهَتْ كَفَّارَةَ الْوَطْءِ فِي الصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ. وَالثَّانِي، لَا تَجِبُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» . وَلِأَنَّهَا تَجِبُ لِمَحْوِ الْمَأْثَمِ، فَلَا تَجِبُ مَعَ النِّسْيَانِ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ وَطِئَ طَاهِرًا، فَحَاضَتْ فِي أَثْنَاءِ وَطْئِهِ، لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، قَالَ: وَلَوْ وَطِئَ الصَّبِيُّ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَقِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْإِحْرَامِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ التَّكْلِيفِ لَا تَثْبُتُ فِي حَقِّهِ، وَهَذَا مِنْ فُرُوعِهَا، فَلَا تَثْبُتُ. [فَصْلٌ هَلْ تَلْزَمُ الْمَرْأَةَ الْمَوْطُوءَة وَهِيَ حائض كَفَّارَةٌ] (482) فَصْلٌ: وَهَلْ تَلْزَمُ الْمَرْأَةَ كَفَّارَةٌ؟ الْمَنْصُوصُ أَنَّ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ. قَالَ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ غَرَّتْ زَوْجَهَا: إنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ وَعَلَيْهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، فَأَوْجَبَهَا عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُطَاوِعَةِ، كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِي وُجُوبِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِإِيجَابِهَا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يَتَلَقَّى الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ. وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ غَيْرَ عَالِمَةٍ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . (483) فَصْلٌ: وَالنُّفَسَاءُ كَالْحَائِضِ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهَا تُسَاوِيهَا فِي سَائِرِ أَحْكَامِهَا، وَيُجْزِئُ نِصْفُ دِينَارٍ مِنْ أَيِّ ذَهَبٍ كَانَ إذَا كَانَ صَافِيًا مِنْ الْغِشِّ، وَيَسْتَوِي تِبْرُهُ وَمَضْرُوبُهُ، لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِ. وَهَلْ يَجُوزُ إخْرَاجُ قِيمَتِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِإِخْرَاجِ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْمَالِ، عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ مِنْ الْمَالِ، فَجَازَ بِأَيِّ مَالٍ كَانَ، كَالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ. وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ كَفَّارَةٌ، فَاخْتُصَّ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْمَالِ، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ هَلْ يَجُوزُ إخْرَاجُ الدَّرَاهِمِ مَكَانَ الدِّينَارِ فِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى إخْرَاجِهَا عَنْهُ فِي الزَّكَاةِ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يُجْزِئُ فِيهِ أَحَدُ الثَّمَنَيْنِ، فَأَجْزَأَ فِيهِ الْآخَرُ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. وَمَصْرِفُ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ إلَى مَصْرِفِ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ؛ لِكَوْنِهَا كَفَّارَةً؛ وَلِأَنَّ الْمَسَاكِينَ مَصْرِفُ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا مِنْهَا. [مَسْأَلَةٌ فَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فَلَا تُوطَأُ حَتَّى تَغْتَسِلَ] (484) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا، فَلَا تُوطَأُ حَتَّى تَغْتَسِلَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ وَطْءَ الْحَائِضِ قَبْلَ الْغُسْلِ حَرَامٌ، وَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ
مسألة لا توطأ مستحاضة إلا أن يخاف على نفسه
الْمُنْذِرِ: هَذَا كَالْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرُّوذِيُّ: لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ انْقَطَعَ الدَّمُ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ، حَلَّ وَطْؤُهَا، وَإِنْ انْقَطَعَ لِدُونِ ذَلِكَ، لَمْ يُبَحْ حَتَّى تَغْتَسِلَ، أَوْ تَتَيَمَّمَ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ بِالْجَنَابَةِ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222] . يَعْنِي إذَا اغْتَسَلْنَ. هَكَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي الْآيَةِ: {وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] . فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مِنْهُمْ أَثْنَى عَلَيْهِمْ بِهِ، وَفِعْلُهُمْ هُوَ الِاغْتِسَالُ دُونَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، فَشَرَطَ لِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ شَرْطَيْنِ: انْقِطَاعَ الدَّمِ، وَالِاغْتِسَالَ، فَلَا يُبَاحُ إلَّا بِهِمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] . لَمَّا اشْتَرَطَ لِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِمْ بُلُوغَ النِّكَاحِ وَالرُّشْدَ لَمْ يُبَحْ إلَّا بِهِمَا. كَذَا هَاهُنَا؛ وَلِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ لِحَدَثِ الْحَيْضِ، فَلَمْ يُبَحْ وَطْؤُهَا كَمَا لَوْ انْقَطَعَ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا انْقَطَعَ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ؛ وَلِأَنَّ حَدَثَ الْحَيْضِ آكَدُ مِنْ حَدَثِ الْجَنَابَةِ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ. [مَسْأَلَةٌ لَا تُوطَأُ مُسْتَحَاضَةٌ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ] (485) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا تُوطَأُ مُسْتَحَاضَةٌ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ) اُخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي وَطْءِ الْمُسْتَحَاضَةِ، فَرُوِيَ لَيْسَ لَهُ وَطْؤُهَا إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْحَاكِمِ؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: الْمُسْتَحَاضَةُ لَا يَغْشَاهَا زَوْجُهَا. وَلِأَنَّ بِهَا أَذًى، فَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا كَالْحَائِضِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ وَطْءَ الْحَائِضِ مُعَلِّلًا بِالْأَذَى بِقَوْلِهِ: {قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] . أَمَرَ بِاعْتِزَالِهِنَّ عَقِيبَ الْأَذَى مَذْكُورًا بِفَاءِ التَّعْقِيبِ؛ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا ذُكِرَ مَعَ وَصْفٍ يَقْتَضِيهِ وَيَصْلُحُ لَهُ، عُلِّلَ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] وَالْأَذَى يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً. فَيُعَلَّلُ بِهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ، فَيَثْبُتُ التَّحْرِيمُ فِي حَقِّهَا وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ إبَاحَةُ وَطْئِهَا مُطْلَقًا، مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، أَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً، وَكَانَ زَوْجُهَا يُجَامِعُهَا. وَقَالَ: كَانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ تُسْتَحَاضُ، وَكَانَ زَوْجُهَا يَغْشَاهَا؛ وَلِأَنَّ حَمْنَةَ كَانَتْ تَحْتَ طَلْحَةَ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَقَدْ سَأَلَتَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَحْكَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ، فَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَبَيَّنَهُ لَهُمَا. وَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ إنْ تَرَكَ الْوَطْءَ، أُبِيحَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ الْحَائِضِ، وَلَوْ وَطِئَهَا مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ بِإِيجَابِهَا فِي حَقِّهَا، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى الْحَائِضِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الِاخْتِلَافِ.
مسألة المبتلى بسلس البول وكثرة المذي
وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا، أُبِيحَ وَطْؤُهَا مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ؛ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا، أَشْبَهَ سَلَسَ الْبَوْلِ. [مَسْأَلَةٌ الْمُبْتَلَى بِسَلَسِ الْبَوْلِ وَكَثْرَةِ الْمَذْيِ] (486) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمُبْتَلَى بِسَلَسِ الْبَوْلِ، وَكَثْرَةِ الْمَذْيِ، فَلَا يَنْقَطِعُ، كَالْمُسْتَحَاضَةِ، يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، بَعْدَ أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ أَوْ الْمَذْيُ، أَوْ الْجَرِيحَ الَّذِي لَا يَرْقَأُ دَمُهُ، وَأَشْبَاهَهُمْ مِمَّنْ يَسْتَمِرُّ مِنْهُ الْحَدَثُ وَلَا يُمْكِنُهُ حِفْظُ طَهَارَتِهِ، عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَ غَسْلِ مَحَلِّ الْحَدَثِ، وَشَدِّهِ وَالتَّحَرُّزِ مِنْ خُرُوجِ الْحَدَثِ بِمَا يُمْكِنُهُ. فَالْمُسْتَحَاضَةُ تَغْسِلُ الْمَحَلَّ، ثُمَّ تَحْشُوهُ بِقُطْنٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، لِيَرُدَّ الدَّمَ؛ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَمْنَةَ، حِينَ شَكَتْ إلَيْهِ كَثْرَةَ الدَّمِ: أَنْعَتُ لَك الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ. فَإِنْ لَمْ يَرْتَدَّ الدَّمُ بِالْقُطْنِ، اسْتَثْفَرَتْ بِخِرْقَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَيْنِ، تَشُدُّهَا عَلَى جَنْبَيْهَا وَوَسَطُهَا عَلَى الْفَرْجِ» ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ " لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ. وَقَالَ لِحَمْنَةَ " تَلَجَّمِي ". لَمَّا قَالَتْ: إنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ الدَّمُ، فَإِنْ كَانَ لِرَخَاوَةِ الشَّدِّ، فَعَلَيْهَا إعَادَةُ الشَّدِّ وَالطَّهَارَةُ، وَإِنْ كَانَ لِغَلَبَةِ الْخَارِجِ وَقُوَّتِهِ وَكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ شَدُّهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لَمْ تَبْطُلْ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَتُصَلِّي وَلَوْ قَطَرَ الدَّمُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: «اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي حَدِيثٍ: «صَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» . وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، أَوْ كَثْرَةُ الْمَذْيِ، يَعْصِبُ رَأْسَ ذَكَرِهِ بِخِرْقَةٍ، وَيَحْتَرِسُ حَسَبَ مَا يُمْكِنُهُ، وَيَفْعَلُ مَا ذُكِرَ. وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ جُرْحٌ يَفُورُ مِنْهُ الدَّمُ، أَوْ بِهِ رِيحٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْدَاثِ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ قَطْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ عَصْبُهُ، مِثْلُ مَنْ بِهِ جُرْحٌ لَا يُمْكِنُ شَدُّهُ، أَوْ بِهِ بَاسُورٌ أَوْ نَاصُورٌ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ عَصْبِهِ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ حِينَ طُعِنَ صَلَّى وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا. (487) فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْوُضُوءُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَرَبِيعَةَ. وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، إلَّا أَنْ يُؤْذِيَهُ الْبَرْدُ، فَإِنْ آذَاهُ قَالَ: فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ ضِيقٌ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: «فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» . وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالْوُضُوءِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَى الْوُضُوءِ مِنْهُ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُعْتَادٍ، وَلَنَا مَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي «الْمُسْتَحَاضَةِ: تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي، وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ خَبَرَهَا، ثُمَّ قَالَ: اغْتَسِلِي، ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ وَصَلِّي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ، فَنَقَضَ الْوُضُوءَ، كَالْمَذْيِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ طَهَارَةَ هَؤُلَاءِ مُقَيَّدَةٌ بِالْوَقْتِ؛ لِقَوْلِهِ: " تَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ". وَقَوْلِهِ: " ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ". وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ، كَالتَّيَمُّمِ. (488) فَصْلٌ: فَإِنْ تَوَضَّأَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ يَخْرُجُ بِهِ الْوَقْتُ الَّذِي تَوَضَّأَ فِيهِ، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ مُبْطِلٌ لِهَذِهِ الطَّهَارَةِ، كَمَا قَرَّرْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَثَ مُبْطِلٌ لِلطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ مَعَ الْحَاجَةِ إلَى الطَّهَارَةِ. وَإِنْ تَوَضَّأَ بَعْدَ الْوَقْتِ صَحَّ، وَارْتَفَعَ حَدَثُهُ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ مَا يَتَجَدَّدُ مِنْ الْحَدَثِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. فَإِنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ عَقِيبَ طَهَارَتِهِ، أَوْ أَخَّرَهَا لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، كَلُبْسِ الثِّيَابِ، وَانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، جَازَ. وَإِنْ أَخَّرَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ أُرِيدَتْ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا، فَأَشْبَهَتْ التَّيَمُّمَ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ، كَالتَّيَمُّمِ. وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الصَّلَاةُ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ لِلْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ هَاهُنَا. وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْهَا شَيْءٌ، أَوْ أَحْدَثَتْ حَدَثًا سِوَى هَذَا الْخَارِجِ، بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ: إنَّمَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَتُصَلِّي بِذَلِكَ الْوُضُوءِ النَّافِلَةَ وَالصَّلَاةَ الْفَائِتَةَ، حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى، فَتَتَوَضَّأُ أَيْضًا. وَهَذَا يَقْتَضِي إلْحَاقَهَا بِالتَّيَمُّمِ، فِي أَنَّهَا بَاقِيَةٌ بِبَقَاءِ الْوَقْتِ، يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَطَوَّعَ بِهَا، وَتَقْضِيَ بِهَا الْفَوَائِتَ، وَتَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، مَا لَمْ تُحْدِثْ حَدَثًا آخَرَ، أَوْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ.
فصل للمستحاضة الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد
[فَصْلٌ لِلْمُسْتَحَاضَةِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ] (489) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَحَاضَةِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ حَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَأَمَرَ بِهِ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ» وَغَيْرُ الْمُسْتَحَاضَةِ مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ مَقِيسٌ عَلَيْهَا، وَمُلْحَقٌ بِهَا. [فَصْلٌ تَوَضَّأْت الْمُسْتَحَاضَةُ ثُمَّ انْقَطَعَ دَمُهَا] (490) فَصْلٌ: إذَا تَوَضَّأْت الْمُسْتَحَاضَةُ، ثُمَّ انْقَطَعَ دَمُهَا، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ انْقَطَعَ لِبُرْئِهَا بِاتِّصَالِ الِانْقِطَاعِ، تَبَيَّنَّا أَنَّ وُضُوءَهَا بَطَلَ بِانْقِطَاعِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ الْخَارِجَ مُبْطِلٌ لِلطَّهَارَةِ عُفِيَ عَنْهُ لِلْعُذْرِ، فَإِذَا زَالَ الْعُذْرُ زَالَتْ الضَّرُورَةُ، فَظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ. وَإِنْ عَادَ الدَّمُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَذَا الِانْقِطَاعِ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْت: إنَّ هَؤُلَاءِ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ، وَيُوَقِّتُونَ بِوَقْتٍ، يَقُولُونَ: إذَا تَوَضَّأَتْ لِلصَّلَاةِ، وَقَدْ انْقَطَعَ الدَّمُ ثُمَّ سَالَ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ، تُعِيدُ الْوُضُوءَ. وَيَقُولُونَ: إذَا كَانَ الدَّمُ سَائِلًا، فَتَوَضَّأَتْ، ثُمَّ انْقَطَعَ الدَّمُ، قَوْلًا آخَرَ. قَالَ: لَسْت أَنْظُرُ فِي انْقِطَاعِهِ حِينَ تَوَضَّأَتْ سَالَ أَمْ لَمْ يَسِلْ، إنَّمَا آمُرُهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَتُصَلِّي بِذَلِكَ الْوُضُوءِ النَّافِلَةَ وَالْفَائِتَةَ، حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَالتَّفْصِيلُ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ هَذَا يَشُقُّ، وَالْعَادَةُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَأَصْحَابِ هَذِهِ الْأَعْذَارِ أَنَّ الْخَارِجَ يَجْرِي وَيَنْقَطِعُ، وَاعْتِبَارُ مِقْدَارِ الِانْقِطَاعِ فِيمَا يُمْكِنُ فِعْلُ الْعِبَادَةِ فِيهِ يَشُقُّ، وَإِيجَابُ الْوُضُوءِ بِهِ حَرَجٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، وَلَا سَأَلَ عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُسْتَحَاضَةَ الَّتِي اسْتَفْتَتْهُ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ ظَاهِرًا عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ هَذَا التَّفْصِيلُ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: إنْ تَطَهَّرَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ حَالَ جَرَيَانِ دَمِهَا ثُمَّ انْقَطَعَ قَبْلَ دُخُولِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى تَتَوَضَّأَ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ عُفِيَ عَنْ الْحَدَثِ فِيهَا لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ زَالَتْ الضَّرُورَةُ، فَظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ، وَإِنْ دَخَلَتْ فِي الصَّلَاةِ فَاتَّصَلَ الِانْقِطَاعُ زَمَنًا يُمْكِنُ الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ فِيهِ، فَهِيَ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا بُطْلَانَ طَهَارَتِهَا بِانْقِطَاعِهِ. وَإِنْ عَادَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَطَهَارَتُهَا صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا عَدَمَ الطُّهْرِ الْمُبْطِلِ لِلطَّهَارَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ. وَفِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَصِحُّ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا صِحَّةَ طَهَارَتِهَا؛ لِبَقَاءِ اسْتِحَاضَتِهَا وَالثَّانِي، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا صَلَّتْ بِطَهَارَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِهَا فَلَمْ تَصِحَّ، كَمَا لَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ، فَصَلَّى، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا.
فصل كانت لها عادة بانقطاع الدم زمنا لا يتسع للطهارة والصلاة
وَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ قَبْلَ دُخُولِهَا فِي الصَّلَاةِ لِمُدَّةٍ تَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ، بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَتَّسِعُ، لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا عَدَمَ الطُّهْرِ الْمُبْطِلِ لِلطَّهَارَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ، وَإِنْ كَانَ انْقِطَاعُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَفِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ يَرَى الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ. ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَامِدٍ. وَإِنْ عَاوَدَ الدَّمُ، فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا مَضَى فِي انْقِطَاعِهِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ. وَإِنْ تَوَضَّأَتْ فِي زَمَنِ انْقِطَاعِهِ، ثُمَّ عَاوَدَهَا الدَّمُ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا، أَوْ كَانَتْ مُدَّةُ انْقِطَاعِهِ تَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ، بَطَلَتْ طَهَارَتُهَا بِعَوْدِ الدَّمِ؛ لِأَنَّهَا بِهَذَا الِانْقِطَاعِ صَارَتْ فِي حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ، فَصَارَ عَوْدُ الدَّمِ كَسَبْقِ الْحَدَثِ. وَإِنْ كَانَ انْقِطَاعًا لَا يَتَّسِعُ لِذَلِكَ، لَمْ يُؤَثِّرْ عَوْدُهُ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ، وَلَا حُكْمَ لِهَذَا الِانْقِطَاعِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَذَا الِانْقِطَاعِ، بَلْ مَتَى كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً أَوْ بِهَا عُذْرٌ مِنْ هَذِهِ الْأَعْذَارِ، فَتَحَرَّزَتْ وَتَطَهَّرَتْ، فَطَهَارَتُهَا صَحِيحَةٌ، وَصَلَاتُهَا بِهَا مَاضِيَةٌ، مَا لَمْ يَزُلْ عُذْرُهَا، وَتَبْرَأْ مِنْ مَرَضِهَا، أَوْ يَخْرُجْ وَقْتُ الصَّلَاةِ، أَوْ تُحْدِثْ حَدَثًا سِوَى حَدَثِهَا. [فَصْلٌ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ زَمَنًا لَا يَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ] (491) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ زَمَنًا لَا يَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ فَتَوَضَّأَتْ، ثُمَّ انْقَطَعَ دَمُهَا، لَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِ طَهَارَتِهَا، وَلَا صَلَاتِهَا، إنْ كَانَتْ فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الِانْقِطَاعَ لَا يُفِيدُ الْمَقْصُودَ. وَإِنْ اتَّصَلَ الِانْقِطَاعُ وَبَرَأَتْ، وَكَانَ قَدْ جَرَى مِنْهَا دَمٌ بَعْدَ الْوُضُوءِ، بَطَلَتْ طَهَارَتُهَا وَالصَّلَاةُ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا صَارَتْ فِي حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ بِذَلِكَ الِانْقِطَاعِ. وَإِنْ اتَّصَلَ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَالْحُكْمِ فِي الَّتِي لَمْ يَجْرِ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِهِ عَلَى مَا ذَكَرَ فِيهِ. وَإِنْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِهِ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ، لَمْ تُصَلِّ حَالَ جَرَيَانِ الدَّمِ، وَتَنْتَظِرُ إمْسَاكَهُ، إلَّا أَنْ تَخْشَى خُرُوجَ الْوَقْتِ، فَتَتَوَضَّأَ وَتُصَلِّيَ. فَإِنْ شَرَعَتْ فِي الصَّلَاةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ، فَأَمْسَكَ الدَّمُ عَنْهَا، بَطَلَتْ طَهَارَتُهَا؛ لِأَنَّهَا أَمْكَنَتْهَا الصَّلَاةُ بِطَهَارَةٍ غَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ، فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهَا بِغَيْرِهَا، كَغَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ. وَإِنْ كَانَ زَمَنُ إمْسَاكِهِ يَخْتَلِفُ، فَتَارَةً يَتَّسِعُ. وَتَارَةً لَا يَتَّسِعُ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، إلَّا أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ انْقِطَاعَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَا يَتَّسِعُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا إذَا شَرَعَتْ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ انْقَطَعَ الدَّمُ، لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّهَا شَرَعَتْ فِيهَا بِطَهَارَةٍ يَقِينِيَّةٍ، وَانْقِطَاعُ الدَّمِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُتَّسِعًا، فَتَبْطُلُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَيِّقًا، فَلَا تَبْطُلُ، وَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ. فَإِنْ اتَّصَلَ الِانْقِطَاعُ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ مُبْطِلًا، فَبَطَلَتْ الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ بِهِ. [مَسْأَلَةٌ أَكْثَرُ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا] (492) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَأَكْثَرُ النِّفَاسَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ
فصل زاد دم النفساء على أربعين يوما
بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَتَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو وَأَنَسٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: أَكْثَرُهُ سِتُّونَ يَوْمًا. وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ، عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةً مِثْلَ قَوْلِهِمَا لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَرَى النِّفَاسَ شَهْرَيْنِ. وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ وَجَدَهُ. وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْوُجُودِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ غَالِبُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا. وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو سَهْلٍ كَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُسَّةَ الْأَزْدِيَّةِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «كَانَتْ النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَهْلٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَثْنَى مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ. وَرَوَى الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنْ مُسَّةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا سَأَلَتْهُ: كَمْ تَجْلِسُ الْمَرْأَةُ إذَا وَلَدَتْ قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَقَدْ حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ إجْمَاعًا، وَنَحْوَهُ حَكَى أَبُو عُبَيْدٍ، وَمَا حَكَوْهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، يَحْتَمِلُ أَنَّ الزِّيَادَةَ كَانَتْ حَيْضًا أَوْ اسْتِحَاضَةً، كَمَا لَوْ زَادَ دَمُهَا عَنْ السِّتِّينَ، أَوْ كَمَا لَوْ زَادَ دَمُ الْحَائِضِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. [فَصْلٌ زَادَ دَمُ النُّفَسَاءِ عَلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا] (493) فَصْلٌ: فَإِنْ زَادَ دَمُ النُّفَسَاءِ عَلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَصَادَفَ عَادَةَ الْحَيْضِ، فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ عَادَةً، فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، فَإِنْ كَانَ فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا الَّذِي تَقْعُدُهُ أَمْسَكَتْ عَنْ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَأْتِهَا زَوْجُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَيَّامٌ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، يَأْتِيهَا زَوْجُهَا، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي إنْ أَدْرَكَهَا رَمَضَانُ، وَلَا تَقْضِي. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ مَا قُلْنَا. [مَسْأَلَةٌ لَيْسَ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ حَدٌّ] (494) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ، أَيَّ وَقْتٍ رَأَتْ الطُّهْرَ اغْتَسَلَتْ، وَهِيَ طَاهِرٌ، وَلَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا فِي الْفَرْجِ حَتَّى تُتِمَّ الْأَرْبَعِينَ اسْتِحْبَابًا) وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ: إذَا لَمْ تَرَ دَمًا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو ثَوْرٍ: أَقَلُّهُ سَاعَةٌ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَقَلُّهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ تَحْدِيدُهُ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ، وَقَدْ وُجِدَ قَلِيلًا وَكَثِيرًا، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ تَرَ دَمًا، فَسُمِّيَتْ ذَاتَ الْجُفُوفِ. قَالَ أَبُو دَاوُد: ذَاكَرْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثَ جَرِيرٍ: كَانَتْ امْرَأَةٌ تُسَمَّى الطَّاهِرَ، تَضَعُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَتَطْهُرُ آخِرَهُ فَجَعَلَ يَعْجَبُ مِنْهُ. وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يَحِلُّ لِلنُّفَسَاءِ إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ إلَّا أَنْ تُصَلِّيَ. وَلِأَنَّ
فصل ولدت ولم تر دما
الْيَسِيرَ دَمٌ وُجِدَ عَقِيبَ سَبَبِهِ وَهُوَ الْوِلَادَةُ، فَيَكُونُ نِفَاسًا كَالْكَثِيرِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهَا إذَا رَأَتْ النَّقَاءَ لِدُونِ الْيَوْمِ لَا تَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ الطَّاهِرَاتِ. قَالَ يَعْقُوبُ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَرْأَةِ إذَا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ، فَتَكُونُ أَيَّامُهَا عَشْرًا، فَتَرَى النَّقَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَتَغْتَسِلُ، ثُمَّ تَرَى الدَّمَ مِنْ يَوْمِهَا؟ قَالَ: هَذَا أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ، لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ. فَعَلَى هَذَا لَا تَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ الطَّاهِرَاتِ حَتَّى تَرَى الطُّهْرَ يَوْمًا كَامِلًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّمَ يَجْرِي تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ النِّفَاسِ بِمُجَرَّدِ انْقِطَاعِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى أَنْ لَا تَسْقُطَ الصَّلَاةُ عَنْهَا فِي نِفَاسِهَا، إذْ مَا مِنْ وَقْتِ صَلَاةٍ إلَّا يُوجَدُ فِيهِ طُهْرٌ يَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ بِهِ وَهَذَا يُخَالِفُ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ، وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ مُجَرَّدُ انْقِطَاعِ الدَّمِ فَلَا بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ لِلِانْقِطَاعِ الْمَعْدُودِ طُهْرًا، وَالْيَوْمُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ضَابِطًا لِذَلِكَ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ. [فَصْلٌ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ دَمًا] (495) فَصْلٌ: وَإِنْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ دَمًا، فَهِيَ طَاهِرٌ لَا نِفَاسَ لَهَا لِأَنَّ النِّفَاسَ هُوَ الدَّمُ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِيجَابِهِ عَلَى النُّفَسَاءِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ نُفَسَاءَ، وَلَا فِي مَعْنَاهَا؛ لِأَنَّ النُّفَسَاءَ قَدْ خَرَجَ مِنْهَا دَمٌ يَقْتَضِي خُرُوجُهُ وُجُوبَ الْغُسْلِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا. وَالثَّانِي، يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ مَظِنَّةٌ لِلنِّفَاسِ، فَتَعَلَّقَ الْإِيجَابُ بِهَا، كَتَعَلُّقِهِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْإِنْزَالُ. [فَصْلٌ إذَا طَهُرَتْ النُّفَسَاءُ لِدُونِ الْأَرْبَعِينَ اغْتَسَلَتْ] (496) فَصْلٌ: وَإِذَا طَهُرَتْ لِدُونِ الْأَرْبَعِينَ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ، وَصَامَتْ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ. قَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْتِيَهَا زَوْجُهَا، عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، أَنَّهَا أَتَتْهُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ، فَقَالَ لَا تَقْرَبِينِي؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ عَوْدَ الدَّمِ فِي زَمَنِ الْوَطْءِ، فَيَكُونُ وَاطِئًا فِي نِفَاسٍ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ، فَإِنَّا حَكَمْنَا لَهَا بِأَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ وَلِهَذَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ، وَتَصُومَ. وَإِنْ عَادَ دَمُهَا فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعِينَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ مِنْ نِفَاسِهَا، تَدَعُ لَهُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ. نَقَلَ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ، أَمْسَكَتْ عَنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، فَإِنْ طَهُرَتْ أَيْضًا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ وَصَامَتْ. وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ فِي زَمَنِ النِّفَاسِ، فَكَانَ نِفَاسًا كَالْأَوَّلِ، وَكَمَا لَوْ اتَّصَلَ. وَالثَّانِيَةُ، أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، تَصُومُ وَتُصَلِّي، ثُمَّ تَقْضِي الصَّوْمَ احْتِيَاطًا. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ
فصل رأت المرأة الدم بعد وضع شيء يتبين فيه خلق الإنسان فهو نفاس
عَنْهُ، نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ، وَغَيْرُهُ. وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا، وَإِنَّمَا أَلْزَمَهَا فِعْلَ الْعِبَادَاتِ فِي هَذَا الدَّمِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا مُتَيَقَّنٌ، وَسُقُوطَهَا بِهَذَا الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ، وَأَمَرَهَا بِالْقَضَاءِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مُتَيَقَّنٌ، وَسُقُوطَ الصَّوْمِ بِفِعْلِهِ فِي هَذَا الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الدَّمِ وَبَيْنَ الزَّائِدِ عَلَى السِّتِّ وَالسَّبْعِ فِي حَقِّ النَّاسِيَةِ، حَيْثُ لَا يَجِبُ قَضَاءُ مَا صَامَتْهُ فِيهِ مَعَ الشَّكِّ، أَنَّ الْغَالِبَ مَعَ عَادَاتِ النِّسَاءِ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ نَادِرٌ بِخِلَافِ النِّفَاسِ؛ وَلِأَنَّ الْحَيْضَ يَتَكَرَّرُ، فَيَشُقُّ إيجَابُ الْقَضَاءِ فِيهِ، وَالنِّفَاسُ بِخِلَافِهِ، وَكَذَلِكَ الدَّمُ الزَّائِدُ عَنْ الْعَادَةِ فِي الْحَيْضِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ رَأَتْ الدَّمَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَهُوَ نِفَاسٌ، وَإِنْ تَبَاعَدَ مَا بَيْنَهُمَا، فَهُوَ حَيْضٌ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ فِيمَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ يَوْمًا وَلَيْلَةً بَعْدَ طُهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا: أَحَدُهُمَا، يَكُونُ حَيْضًا، وَالثَّانِي، يَكُونُ نِفَاسًا. وَقَالَ الْقَاضِي إنْ رَأَتْ الدَّمَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بَعْدَ طُهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ تُصَلِّي وَتَصُومُ وَلَا تَقْضِي. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. وَإِنْ كَانَ الدَّمُ الثَّانِي يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا قُلْنَاهُ، مِنْ أَنَّهَا تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَنَا أَنَّهُ دَمٌ صَادَفَ زَمَنَ النِّفَاسِ، فَكَانَ نِفَاسًا، كَمَا لَوْ اسْتَمَرَّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَعْلِهِ حَيْضًا، فَإِنَّمَا خَالَفَ فِي الْعِبَارَةِ، فَإِنَّ حُكْمَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَاحِدٌ، وَأَمَّا مَا صَامَتْهُ فِي زَمَنِ الطُّهْرِ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهَا فِيهِ. [فَصْلٌ رَأَتْ الْمَرْأَةُ الدَّمَ بَعْدَ وَضْعِ شَيْءٍ يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ فَهُوَ نِفَاسٌ] (497) فَصْلٌ: إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الدَّمَ بَعْدَ وَضْعِ شَيْءٍ يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ، فَهُوَ نِفَاسٌ. نَصَّ عَلَيْهِ وَإِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ إلْقَاءِ نُطْفَةٍ أَوْ عَلَقَةٍ، فَلَيْسَ بِنِفَاسٍ. وَإِنْ كَانَ الْمُلْقَى بُضْعَةً لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، هُوَ نِفَاسٌ؛ لِأَنَّهُ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، فَكَانَ نِفَاسًا، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ فِيهَا خَلْقُ آدَمِيٍّ. وَالثَّانِي، لَيْسَ بِنِفَاسٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهَا خَلْقُ آدَمِيٍّ، فَأَشْبَهَتْ النُّطْفَةَ. [فَصْلٌ إذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ تَوْأَمَيْنِ] (498) فَصْلٌ: إذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ تَوْأَمَيْنِ، فَذَكَرَ أَصْحَابُنَا عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ فِيهَا: إحْدَاهُمَا، أَنَّ النِّفَاسَ مِنْ الْأَوَّلِ كُلِّهِ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، قَالُوا: وَهِيَ الصَّحِيحَةُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ. فَعَلَى هَذَا مَتَى انْقَضَتْ مُدَّةُ النِّفَاسِ مِنْ حِينِ وَضَعَتْ الْأَوَّلَ، لَمْ يَكُنْ مَا بَعْدَهُ نِفَاسًا؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ وِلَادَةِ الْأَوَّلِ دَمٌ بَعْدَ الْوِلَادَةِ، فَكَانَ نِفَاسًا، كَالْمُنْفَرِدِ، وَآخِرُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُ مِنْهُ، فَكَانَ آخِرُهُ مِنْهُ، كَالْمُنْفَرِدِ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " رُءُوسِ الْمَسَائِلِ "
فصل حكم النفساء حكم الحائض
هِيَ أَنَّ أَوَّلَهُ مِنْ الْأَوَّلِ وَآخِرَهُ مِنْ الثَّانِي. وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، فِي كِتَابِ " الرِّوَايَتَيْنِ " لِأَنَّ الثَّانِيَ وُلِدَ فَلَا تَنْتَهِي مُدَّةُ النِّفَاسِ قَبْلَ انْتِهَائِهَا مِنْهُ كَالْمُنْفَرِدِ، فَعَلَى هَذَا تَزِيدُ مُدَّةُ النِّفَاسِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فِي حَقِّ مَنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " مَسَائِلِهِ "، وَأَبُو الْخَطَّابِ. فِي " الْهِدَايَةِ ": الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ مِنْ الثَّانِي فَقَطْ. وَهَذَا قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ النِّفَاسِ مُدَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْوِلَادَةِ، فَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا وَانْتِهَاؤُهَا مِنْ الثَّانِي، كَمُدَّةِ الْعِدَّةِ. فَعَلَى هَذَا مَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ قَبْلَ وِلَادَةِ الثَّانِي لَا يَكُونُ نِفَاسًا. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، كَالْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّهُ مِنْهُمَا، رِوَايَةً وَاحِدَةً وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الدَّمِ الَّذِي بَيْنَ الْوِلَادَتَيْنِ، هَلْ هُوَ نِفَاسٌ، أَمْ لَا؟ وَهَذَا ظَاهِرُهُ إنْكَارٌ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّ آخِرَ النِّفَاسِ مِنْ الْأَوَّلِ. [فَصْلٌ حُكْمُ النُّفَسَاءِ حُكْمُ الْحَائِضِ] (499) فَصْلٌ: وَحُكْمُ النُّفَسَاءِ حُكْمُ الْحَائِضِ فِي جَمِيعِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا، وَيَسْقُطُ عَنْهَا، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ وَطْئِهَا وَحِلُّ مُبَاشَرَتِهَا، وَالِاسْتِمْتَاعُ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْهَا، وَالْخِلَافُ فِي الْكَفَّارَةِ بِوَطْئِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ دَمَ النِّفَاسِ هُوَ دَمُ الْحَيْضِ، إنَّمَا امْتَنَعَ خُرُوجُهُ مُدَّةَ الْحَمْلِ لِكَوْنِهِ يَنْصَرِفُ إلَى غِذَاءِ الْحَمْلِ، فَإِذَا وُضِعَ الْحَمْلُ، وَانْقَطَعَ الْعِرْقُ الَّذِي كَانَ مَجْرَى الدَّمِ، خَرَجَ مِنْ الْفَرْجِ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ الْحَائِضِ. وَيُفَارِقُ النِّفَاسُ الْحَيْضَ فِي أَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَحْصُلُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ قَبْلَهُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْبُلُوغِ؛ لِحُصُولِهِ بِالْحَمْلِ قَبْلَهُ. [مَسْأَلَةٌ كَانَتْ لَهَا أَيَّامُ حَيْضٍ فَزَادَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَعْرِفُ] (500) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ فَزَادَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَعْرِفُ، لَمْ تَلْتَفِتْ إلَى الزِّيَادَةِ، إلَّا أَنْ تَرَاهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَتَعْلَمَ حِينَئِذٍ أَنَّ حَيْضَهَا قَدْ انْتَقَلَ، فَتَصِيرَ إلَيْهِ فَتَتْرُكَ الْأَوَّلَ. وَإِنْ كَانَتْ صَامَتْ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ مِرَارًا أَعَادَتْهُ، إذَا كَانَ صَوْمًا وَاجِبًا، وَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ قَبْلَ أَيَّامِهَا الَّتِي كَانَتْ تَعْرِفُ، فَلَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ، حَتَّى يُعَاوِدَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فِي الْحَيْضِ، فَرَأَتْ الدَّمَ فِي غَيْرِ عَادَتِهَا، لَمْ تَعْتَدَّ بِمَا خَرَجَ مِنْ الْعَادَةِ حَيْضًا، حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، أَوْ مَرَّتَيْنِ فِي الْأُخْرَى. نَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي امْرَأَةٍ لَهَا أَيَّامٌ مَعْلُومَةٌ، فَتَقَدَّمَتْ الْحَيْضَةُ قَبْلَ أَيَّامِهَا، لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْهَا، تَصُومُ وَتُصَلِّي، فَإِنْ عَاوَدَهَا فِي الثَّانِيَةِ، مِثْلُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ دَمُ حَيْضٍ مُنْتَقِلٌ. وَنَقَلَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ: لَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ، فَلْتُمْسِكْ عَنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ. وَفِي لَفْظٍ لَهُ قَالَ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَرْأَةِ أَيَّامُ أَقْرَائِهَا مَعْلُومَةٌ، فَرُبَّمَا زَادَ فِي الْأَشْهُرِ الْكَثِيرَةِ عَلَى أَيَّامِ أَقْرَائِهَا، أَتُمْسِكُ عَنْ الصَّلَاةِ أَوْ تُصَلِّي؟ قَالَ: بَلْ تُصَلِّي، وَلَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا زَادَ عَلَى أَقْرَائِهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ دَمَ حَيْضٍ تَنْتَقِلُ إلَيْهِ أَوْ نَحْوَ هَذَا. قُلْت: أَفَتُصَلِّي إلَى أَنْ يُصِيبَهَا ثَلَاثَ مِرَارًا، ثُمَّ تَدَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ ثَلَاثٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَعْدَ ثَلَاثٍ.
فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا لَا تَعُدُّ الزِّيَادَةَ مِنْ حَيْضِهَا إلَّا فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ، وَأَنَّهَا تُصَلِّي وَتَصُومُ فِي الْمَرَّاتِ الثَّلَاثِ. وَفِي رِوَايَتِهِ الْأُولَى يَحْتَمِلُ أَنَّهَا تَحْتَسِبُهُ مِنْ حَيْضِهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ؛ لِقَوْلِهِ: لَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، وَفِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا، أَنَّهَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، وَتَحْتَسِبُهُ مِنْ حَيْضِهَا. وَالثَّانِي، أَنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ. وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ اعْتِبَارُ التَّكْرَارِ ثَلَاثًا فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ سَوَاءٌ رَأَتْ الدَّمَ قَبْلَ عَادَتِهَا، أَوْ بَعْدَهَا مَعَ بَقَاءِ الْعَادَةِ، أَوْ انْقِطَاعِ الدَّمِ فِيهَا، أَوْ فِي بَعْضِهَا، فَإِنَّهَا لَا تَجْلِسُ فِي غَيْرِ أَيَّامِهَا حَتَّى تَتَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَإِذَا تَكَرَّرَ عَلِمْنَا أَنَّهُ حَيْضٌ مُنْتَقِلٌ، فَتَصِيرُ إلَيْهِ، أَيْ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فِيهِ، وَتَصِيرُ عَادَةً لَهَا، وَتَتْرُكُ الْأَوَّلَ، أَيْ الْعَادَةَ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا قَدْ انْتَقَلَتْ عَنْهَا، وَصَارَتْ الْعَادَةُ أَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ غَيْرِهَا. ثُمَّ يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ مَا صَامَتْهُ مِنْ الْفَرْضِ فِي هَذِهِ الْمَرَّاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي أَمَرْنَاهَا بِالصِّيَامِ فِيهَا؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا صَامَتْهُ فِي حَيْضٍ، وَالصَّوْمُ فِي الْحَيْضِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّ الْحَائِضَ لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْتِيَهَا زَوْجُهَا فِي الْأَيَّامِ الَّتِي تُصَلِّي فِيهَا؛ لِأَنَّنَا لَا نَأْمَنُ كَوْنَهَا حَيْضًا، وَإِنَّمَا تُصَلِّي وَتَصُومُ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ، وَتَرْكُ الْوَطْءِ احْتِيَاطًا أَيْضًا، فَيَجِبُ كَمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ. وَإِنْ تَجَاوَزَتْ الزِّيَادَةُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَهِيَ اسْتِحَاضَةٌ، وَلَا تَجْلِسُ غَيْرَ أَيَّامِ الْعَادَةِ بِكُلِّ حَالٍ. وَمِثَالُ ذَلِكَ امْرَأَةٌ عَادَتُهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ، فَرَأَتْ خَمْسَةً فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ، أَوْ رَأَتْ يَوْمَيْنِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالثَّلَاثَةَ الْمُعْتَادَةَ، أَوْ طَهُرَتْ الثَّلَاثَةَ، وَرَأَتْ ثَلَاثَةً بَعْدَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا، أَوْ أَقَلَّ، قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا، أَوْ طَهُرَتْ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ وَرَأَتْ ثَلَاثَةً بَعْدَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا، أَوْ طَهُرَتْ يَوْمَيْنِ وَرَأَتْ يَوْمَيْنِ بَعْدَهُمَا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ رَأَتْ الدَّمَ يَوْمَيْنِ فِي آخِرِ الشَّهْرِ وَيَوْمًا فِي أَوَّلِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا لَا تَجْلِسُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ، مَا عَدَا الْأَوَّلَ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى تَتَكَرَّرَ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجْلِسِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك» . وَلِأَنَّ لَهَا عَادَةً، فَرُدَّتْ إلَيْهَا، كَالْمُسْتَحَاضَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا رَأَتْهُ قَبْلَ الْعَادَةِ لَيْسَ بِحَيْضٍ، حَتَّى يَتَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ، وَمَا تَرَاهُ بَعْدَهَا فَهُوَ حَيْضٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: جَمِيعُهُ حَيْضٌ، مَا لَمْ تَتَجَاوَزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ. وَهَذَا أَقْوَى عِنْدِي؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَانَتْ تَبْعَثُ إلَيْهَا النِّسَاءُ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ، فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ. وَمَعْنَاهُ لَا تَعْجَلْنَ بِالْغُسْلِ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ، وَتَذْهَبَ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنْ الْمَحَلِّ، بِحَيْثُ إذَا دَخَلَتْ فِيهِ قُطْنَةٌ خَرَجَتْ بَيْضَاءَ. وَلَوْ لَمْ تَعُدَّ الزِّيَادَةَ حَيْضًا لَلَزِمَهَا الْغُسْلُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعَادَةِ، وَإِنْ كَانَ الدَّمُ جَارِيًا؛ وَلِأَنَّ الشَّارِعَ عَلَّقَ عَلَى الْحَيْضِ أَحْكَامًا، وَلَمْ يَحُدُّهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ رَدَّ
فصل كانت لها عادة فرأت الدم أكثر منها
النَّاسَ فِيهِ إلَى عُرْفِهِمْ، وَالْعُرْفُ بَيْنَ النِّسَاءِ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَتَى رَأَتْ دَمًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، اعْتَقَدَتْهُ حَيْضًا، وَلَوْ كَانَ عُرْفُهُنَّ اعْتِبَارَ الْعَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَنُقِلَ، وَلَمْ يَجُزْ التَّوَاطُؤُ عَلَى كِتْمَانِهِ، مَعَ دُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا كَانَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ، فَجَاءَهَا الدَّمُ، فَانْسَلَّتْ مِنْ الْخَمِيلَةِ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مَا لَك؟ أَنَفِسْت؟ " قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَمَرَهَا أَنْ تَأْتَزِرَ. وَلَمْ يَسْأَلْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ وَافَقَ الْعَادَةَ أَوْ جَاءَ قَبْلَهَا؟ وَلَا هِيَ ذَكَرَتْ ذَلِكَ، وَلَا سَأَلَتْ عَنْهُ، وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّتْ عَلَى الْحَيْضَةِ بِخُرُوجِ الدَّمِ، فَأَقَرَّهَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَلِكَ حِينَ حَاضَتْ عَائِشَةُ فِي عُمْرَتِهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، إنَّمَا عَلِمَتْ الْحَيْضَةَ بِرُؤْيَةِ الدَّمِ لَا غَيْرُ، وَلَمْ تَذْكُرْ عَادَةً، وَلَا ذَكَرَهَا لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ اسْتَكْرَهَتْهُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا، وَبَكَتْ حِينَ رَأَتْهُ، وَقَالَتْ: وَدِدْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ حَجَجْت الْعَامَ. وَلَوْ كَانَتْ تَعْلَمُ لَهَا عَادَةً تَعْلَمُ مَجِيئَهُ فِيهَا وَقَدْ جَاءَ فِيهَا، مَا أَنْكَرَتْهُ، وَلَا صَعُبَ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ مُعْتَبَرَةً، عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَذْهَبِ، لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمَّتِهِ، وَلَمَا وَسِعَهُ تَأْخِيرُ بَيَانِهِ، إذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِهِ، وَأَزْوَاجُهُ وَغَيْرُهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ يَحْتَجْنَ إلَى بَيَانِ ذَلِكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِيُغْفِلَ بَيَانَهُ، وَمَا جَاءَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذِكْرُ الْعَادَةِ، وَلَا بَيَانُهَا، إلَّا فِي حَقِّ الْمُسْتَحَاضَةِ لَا غَيْرُ، وَأَمَّا امْرَأَةٌ طَاهِرٌ تَرَى الدَّمَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا ثُمَّ يَنْقَطِعُ عَنْهَا، فَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَقِّهَا عَادَةً أَصْلًا، وَلِأَنَّنَا لَوْ اعْتَبَرْنَا التَّكْرَارَ فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ أَدَّى إلَى خُلُوِّ نِسَاءٍ عَنْ الْحَيْضِ بِالْكُلِّيَّةِ، مَعَ رُؤْيَتِهِنَّ الدَّمَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، وَصَلَاحِيَةِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا؛ بَيَانُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ عَادَتِهَا، وَطَهُرَتْ أَيَّامَ عَادَتِهَا، لَمْ تُمْسِكْ عَنْ الصَّلَاةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا انْتَقَلَتْ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ إلَى أَيَّامٍ أُخَرَ لَمْ نُحَيِّضْهَا أَيْضًا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَكَذَلِكَ أَبَدًا، فَيُفْضِي إلَى إخْلَائِهَا مِنْ الْحَيْضِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَلَا سَبِيلَ إلَى هَذَا، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَجْلِسُ مَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ قَبْلَ عَادَتِهَا وَبَعْدَهَا، مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى أَكْثَرِهِ عَلِمْنَا أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ، فَرَدَدْنَاهَا إلَى عَادَتِهَا، وَيَلْزَمُهَا قَضَاءُ مَا تَرَكَتْهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فِيمَا زَادَ عَلَى عَادَتِهَا، لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحَاضَةٌ. [فَصْلٌ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ فَرَأَتْ الدَّمَ أَكْثَرَ مِنْهَا] (501) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ، فَرَأَتْ الدَّمَ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَجَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَحَيْضُهَا مِنْهُ قَدْرُ الْعَادَةِ لَا غَيْرُ، وَلَا تَجْلِسُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الشُّهُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ إلَّا قَدْرَ الْعَادَةِ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَ الْعَادَةَ. فَأَمَّا إنْ كَانَتْ عَادَتُهَا ثَلَاثَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، فَرَأَتْ فِي شَهْرٍ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ فِي الشَّهْرِ
مسألة كانت لها أيام فرأت الطهر قبل ذلك
الْآخَرِ، فَإِنَّهَا لَا تَجْلِسُ مِمَّا بَعْدَهُ مِنْ الشُّهُورِ إلَّا ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجْلِسُ خَمْسَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ، وَإِنْ رَأَتْ خَمْسَةً فِي شَهْرَيْنِ، فَهَلْ تَنْتَقِلُ عَادَتُهَا إلَى خَمْسَةٍ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الْعَادَةُ، وَإِنْ رَأَتْ الْخَمْسَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ، انْتَقَلَتْ إلَيْهَا، وَجَلَسَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ. [مَسْأَلَةُ كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ فَرَأَتْ الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ] (502) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ فَرَأَتْ الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهِيَ طَاهِرٌ، تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ، لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْهِ حَتَّى تَجِيءَ أَيَّامُهَا) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا، فِي الطُّهْرِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ. وَالثَّانِي، فِي حُكْمِ الدَّمِ الْعَائِدِ بَعْدَهُ. فَصْلٌ: أَمَّا الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ مَتَى رَأَتْ الطُّهْرَ فَهِيَ طَاهِرٌ تَغْتَسِلُ، وَتَلْزَمُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ، سَوَاءٌ رَأَتْهُ فِي الْعَادَةِ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ قَلِيلِ الطُّهْرِ وَكَثِيرِهِ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَّا مَا رَأَتْ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ. وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ انْقِطَاعَ الدَّمِ مَتَى نَقَصَ عَنْ الْيَوْمِ، فَلَيْسَ بِطُهْرٍ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا فِي النِّفَاسِ، أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا دُونَ الْيَوْمِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَجْرِي مَرَّةً، وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، وَفِي إيجَابِ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ تَطْهُرُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ حَرَجٌ يَنْتَفِي بِقَوْلِهِ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] . وَلِأَنَّنَا لَوْ جَعَلْنَا انْقِطَاعَ الدَّمِ سَاعَةً طُهْرًا، وَلَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ الدَّمِ، أَفْضَى إلَى أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ لَهَا حَيْضٌ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ انْقِطَاعُ الدَّمِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ طُهْرًا، إلَّا أَنْ تَرَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُهُ فِي آخِرِ عَادَتِهَا، أَوْ تَرَى الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ، وَهُوَ شَيْءٌ يَتْبَعُ الْحَيْضَ أَبْيَضُ، يُسَمَّى التَّرِيَّةَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ إمَامِنَا، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ هِيَ الْقُطْنَةُ الَّتِي تَحْشُوهَا الْمَرْأَةُ، إذَا خَرَجَتْ بَيْضَاءَ كَمَا دَخَلَتْ لَا تَغَيُّرَ عَلَيْهَا فَهِيَ الْقُصَّةُ الْبَيْضَاءُ بِضَمِّ الْقَافِ. حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ. وَرُوِيَ عَنْ إمَامِنَا أَيْضًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ النَّقَاءُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ طُهْرًا، بَلْ لَوْ صَامَتْ فِيهِ فَرْضًا لَمْ يَصِحَّ، وَلَزِمَهَا قَضَاؤُهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا فِيهِ صَلَاةٌ، وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا، فَيَكُونُ الدَّمَانِ وَمَا بَيْنَهُمَا حَيْضًا. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَسِيلُ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْحَيْضِ لَمْ يُحْتَسَبْ مِنْ مُدَّتِهِ، وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] . وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى، فَإِذَا ذَهَبَ الْأَذَى وَجَبَ أَنْ يَزُولَ الْحَيْضُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا مَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ
فَإِنَّهَا لَا تُصَلِّي، وَإِذَا رَأَتْ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ؛ وَلِأَنَّهَا صَامَتْ وَهِيَ طَاهِرٌ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعُدْ الدَّمُ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الدَّمَ يَجْرِي تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى. قُلْنَا؛ لَا عِبْرَةَ بِالِانْقِطَاعِ الْيَسِيرِ، وَإِنَّمَا إذَا وُجِدَ انْقِطَاعٌ كَبِيرٌ يُمْكِنُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ، وَتَتَأَدَّى الْعِبَادَةُ فِيهِ، وَجَبَتْ عَلَيْهَا؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ وَجُوبِهَا. (504) فَصْلٌ: الْفَصْلُ الثَّانِي، إذَا عَاوَدَهَا الدَّمُ، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُعَاوِدَهَا فِي الْعَادَةِ، أَوْ بَعْدَهَا، فَإِنْ عَاوَدَهَا فِي الْعَادَةِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ مِنْ حَيْضِهَا؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ زَمَنَ الْعَادَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِيَةُ، لَيْسَ بِحَيْضٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَمَذْهَبُ عَطَاءٍ؛ لِأَنَّهُ عَادَ بَعْدَ طُهْرٍ صَحِيحٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا عَشْرًا، فَقَعَدَتْ خَمْسًا، ثُمَّ رَأَتْ الطُّهْرَ، فَإِنَّهَا تُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ أَوْ الثَّامِنُ، فَرَأَتْ الدَّمَ، صَلَّتْ وَصَامَتْ، وَتَقْضِي الصَّوْمَ. وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ؛ لِوُجُودِ التَّرَدُّدِ فِي هَذَا الدَّمِ، فَأَشْبَهَ دَمَ النُّفَسَاءِ الْعَائِدَ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ. فَإِنْ رَأَتْهُ فِي الْعَادَةِ، وَتَجَاوَزَ الْعَادَةَ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَعْبُرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ أَوْ لَا يَعْبُرَ، فَإِنْ عَبَرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَلَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، فَيَكُونُ كُلُّهُ اسْتِحَاضَةً؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهِ، فَكَانَ أَقْرَبَ إلَيْهِ، فَإِلْحَاقُهُ بِالِاسْتِحَاضَةِ أَقْرَبُ مِنْ إلْحَاقِهِ بِالْحَيْضِ؛ لِانْفِصَالِهِ عَنْهُ، وَإِنْ انْقَطَعَ لِأَكْثَرِهِ فَمَا دُونَ، فَمَنْ قَالَ: إنَّ مَا لَمْ يَعْبُرْ الْعَادَةَ لَيْسَ بِحَيْضٍ. فَهَذَا أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ حَيْضًا، وَمَنْ قَالَ: هُوَ حَيْضٌ. فَفِي هَذَا عَلَى قَوْلِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّ جَمِيعَهُ حَيْضٌ، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ حَيْضٌ، مَا لَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ. وَالثَّانِي، أَنَّ مَا وَافَقَ الْعَادَةَ حَيْضٌ؛ لِمُوَافَقَتِهِ الْعَادَةَ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا لَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِخُرُوجِهِ عَنْهَا. وَالثَّالِثُ، أَنَّ الْجَمِيعَ لَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِاخْتِلَاطِهِ بِمَا لَيْسَ بِحَيْضٍ. فَإِنْ تَكَرَّرَ فَهُوَ حَيْضٌ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا. فَأَمَّا إنْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ لَا يُمْكِنَ كَوْنُهُ حَيْضًا. وَالثَّانِي، أَنْ يُمْكِنَ ذَلِكَ؛ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُ حَيْضًا لِعُبُورِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ أَقَلُّ الطُّهْرِ، فَهَذَا اسْتِحَاضَةٌ كُلُّهُ، سَوَاءٌ تَكَرَّرَ أَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ جَمِيعِهِ حَيْضًا، فَكَانَ جَمِيعُهُ اسْتِحَاضَةً؛ لِأَنَّ إلْحَاقَ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِغَيْرِهِ. وَالثَّانِي، أَنْ يُمْكِنَ جَعْلُهُ حَيْضًا، وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي حَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ بِضَمِّهِ إلَى الدَّمِ
الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِذَا تَكَرَّرَ جَعَلْنَاهُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً، وَيُلَفَّقُ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ، وَيَكُونُ الطُّهْرُ الَّذِي بَيْنَهُمَا طُهْرًا فِي خِلَالِ الْحَيْضِ. وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ، أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ، إمَّا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّمَيْنِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا بِمُفْرَدِهِ بِأَنْ يَكُونَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَصَاعِدًا، فَهَذَا إذَا تَكَرَّرَ كَانَ الدَّمَانِ حَيْضَتَيْنِ، وَإِنْ نَقَصَ أَحَدُهُمَا عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ، إذَا لَمْ يُمْكِنْ ضَمُّهُ إلَى مَا بَعْدَهُ. وَمِثَالُ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا عَشَرَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، فَرَأَتْ خَمْسَةً مِنْهَا دَمًا، وَطَهُرَتْ خَمْسَةً، ثُمَّ رَأَتْ خَمْسَةً دَمًا، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ. فَالْخَمْسَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ تُلَفِّقُ الدَّمَ الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ. وَإِنْ رَأَتْ الثَّانِيَ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً، لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا؛ لِأَنَّ بَيْنَ طَرَفَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ. وَإِنْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَتَكَرَّرَ هَذَا، كَانَا حَيْضَتَيْنِ، وَصَارَ شَهْرُهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَكَذَلِكَ إنْ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا، وَتَكَرَّرَ شَهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَإِنْ كَانَ الطُّهْرُ بَيْنَهُمَا أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا دُونَ وَتَكَرَّرَ، فَهُمَا حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَا بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ. وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا طُهْرًا، لَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُمَا جَمِيعًا حَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ كَوْنُهُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً؛ لِزِيَادَتِهِمَا بِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الطُّهْرِ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُمَا حَيْضَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ، فَيَكُونُ حَيْضُهَا مِنْهُمَا مَا وَافَقَ الْعَادَةَ، وَالْآخَرُ اسْتِحَاضَةٌ. وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا يَتَفَرَّعُ مِنْ الْمَسَائِلِ، إلَّا أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا رَأَتْهُ بَعْدَ الطُّهْرِ فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَكَرَّرَ، وَأَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا، فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِلَّا فَلَا. وَكُلُّ مَوْضِعٍ رَأَتْ الدَّمَ وَلَمْ تَتْرُكْ الْعِبَادَةَ فِيهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حَيْضًا، فَعَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ فِيهِ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ عَدَّتْهُ حَيْضًا وَتَرَكَتْ فِيهِ الْعِبَادَةَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ طُهْرٌ، فَعَلَيْهَا قَضَاءُ مَا تَرَكَتْهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فِيهِ. (505) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِ الْخِرَقِيِّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، بِقَوْلِهِ: " فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ فَلَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَالْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: أَرَادَ إذَا عَاوَدَهَا بَعْدَ الْعَادَةِ، وَعَبَرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَنَعَهَا أَنْ تَلْتَفِتَ إلَيْهِ مُطْلَقًا، وَلَوْ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ لَقَالَ: حَتَّى يَتَكَرَّرَ. قَالَ الْقَاضِي: وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا عَاوَدَهَا بَعْدَ الْعَادَةِ وَلَمْ يَعْبُرْ. فَإِنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ قَبْلَ التَّكْرَارِ. وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: أَرَادَ مُعَاوَدَةَ الدَّمِ فِي كُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْعَادَةِ أَوْ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ مُطْلَقٌ فَيَتَنَاوَلُ بِإِطْلَاقِهِ الزَّمَانَ كُلَّهُ. وَهَذَا أَظْهَرُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ.
فصل في ضم الدم إلى الدم الذين بينهما طهر
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّرْجِيحِ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُمْ يَحْتَاجُ إلَى إضْمَارِ عُبُورِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَلَيْسَ هَذَا أَوْلَى مِنْ إضْمَارِ التَّكْرَارِ، فَيَتَسَاوَيَانِ، وَيَسْلَمُ التَّرْجِيحُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. [فَصْل فِي ضَمِّ الدَّمِ إلَى الدَّمِ الَّذِينَ بَيْنَهُمَا طُهْرٌ] فَصْلٌ: فِي التَّلْفِيقِ وَمَعْنَاهُ ضَمُّ الدَّمِ إلَى الدَّمِ الَّذِينَ بَيْنَهُمَا طُهْرٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الطُّهْرَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ طُهْرٌ صَحِيحٌ، فَإِذَا رَأَتْ يَوْمًا طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا، وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَإِنَّهَا تَضُمُّ الدَّمَ إلَى الدَّمِ، فَيَكُونُ حَيْضًا، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ النَّقَاءِ طُهْرٌ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ زَمَنُ الدَّمِ أَكْثَرَ مِنْ زَمَنِ الطُّهْرِ أَوْ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ مِثْلُ أَنْ تَرَى يَوْمَيْنِ دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا، أَوْ يَوْمَيْنِ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّ جَمِيعَ الدَّمِ حَيْضٌ إذَا تَكَرَّرَ وَلَمْ يُجَاوِزْ لِمُدَّةِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، فَإِنْ كَانَ الدَّمُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ مِثْلُ أَنْ تَرَى نِصْفَ يَوْمٍ دَمًا وَنِصْفَهُ طُهْرًا، أَوْ سَاعَةً وَسَاعَةً فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ كَالْأَيَّامِ يُضَمُّ الدَّمُ إلَى الدَّمِ، فَيَكُونُ حَيْضًا، وَمَا بَيْنَهُمَا طُهْرٌ، إذَا بَلَغَ الْمُجْتَمِعُ مِنْهُ أَقَلَّ الْحَيْضِ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، لَا يَكُونُ الدَّمُ حَيْضًا، إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ حَيْضٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَهُ قَوْلٌ فِي النَّقَاءِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ أَنَّهُ حَيْضٌ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَذَكَرْنَا أَيْضًا وَجْهًا لَنَا فِي أَنَّ النَّقَاءَ مَتَى كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ طُهْرًا. فَعَلَى هَذَا مَتَى نَقَصَ النَّقَاءُ عَنْ يَوْمٍ كَانَ الدَّمُ وَمَا بَيْنَهُ حَيْضًا كُلَّهُ، فَإِنْ جَاوَزَ الدَّمُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، مِثْلُ أَنْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُعْتَادَةً، أَوْ مُمَيِّزَةً، أَوْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ، أَوْ يُوجَدُ فِي حَقِّهَا الْأَمْرَانِ. فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ، فَهَذِهِ تَجْلِسُ أَوَّلَ يَوْمٍ تَرَى الدَّمَ فِيهِ فِي الْعَادَةِ، وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ، وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الطُّهْرِ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ؛ هَلْ يَمْنَعُ مَا بَعْدَهُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، أَوْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا يَمْنَعُ، فَحَيْضُهَا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ خَاصَّةً وَمَا بَعْدَهُ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَمْنَعُ، فَحَيْضُهَا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ، وَالثَّالِثُ وَالْخَامِسُ، فَيَحْصُلُ لَهَا مِنْ عَادَتِهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ، وَفِي وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ يُلَفَّقُ لَهَا الْخَمْسَةُ مِنْ أَيَّامِ الدَّمِ جَمِيعِهَا، فَتَجْلِسُ السَّابِعَ وَالتَّاسِعَ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ لَيْسَا مِنْ عَادَتِهَا فَلَا. تَجْلِسُهُمَا كَغَيْرِ الْمُلَفِّقَةِ. وَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً جَلَسَتْ زَمَانَ الدَّمِ الْأُسُودِ مِنْ الْأَيَّامِ، فَكَانَ حَيْضَهَا وَبَاقِيهِ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً جَلَسَتْ الْيَقِينَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، مِنْ أَوَّلِ دَمٍ تَرَاهُ، أَوْ فِي شَهْرَيْنِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى سِتَّةِ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٍ. وَهَلْ يُلَفَّقُ لَهَا السَّبْعَةُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ تَجْلِسُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ مِنْ سَبْعَةِ أَيَّامٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ عَادَتُهَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ، فَإِذَا قُلْنَا تَجْلِسُ زَمَانَ الدَّمِ مِنْ سَبْعَةٍ، جَلَسَتْ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثَ وَالْخَامِسَ وَالسَّابِعَ.
مسألة الحامل لا تحيض
وَإِنْ أَجْلَسْنَاهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ سَقَطَ السَّابِعُ. وَإِنْ قُلْنَا تُلَفِّقُ لَهَا، زَادَتْ التَّاسِعَ وَالْحَادِي عَشَرَ إنْ قُلْنَا تَجْلِسُ سِتَّةً، وَإِنْ جَلَسَتْ سَبْعَةً زَادَتْ الثَّالِثَ عَشَرَ وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي النَّاسِيَةِ. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَا يُلَفِّقُ لَهَا عَدَدَ أَيَّامِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ الْقَاضِي، فِي الْمُعْتَادَةِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَفِي غَيْرِهَا: مَا عَبَرَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ وَأَيَّامُ الدَّمِ مِنْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ حَيْضٌ كُلُّهَا إذَا تَكَرَّرَ فَإِنْ كَانَ يَوْمًا وَيَوْمًا، فَلَهَا ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ حَيْضٌ، وَسَبْعَةٌ طُهْرٌ وَإِنْ كَانَتْ أَنْصَافًا فَلَهَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ وَنِصْفٌ حَيْضٌ وَمِثْلُهَا طُهْرٌ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ فِي الْيَوْمِ السَّادِسَ عَشَرَ يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَيْضِ وَمَا بَعْدَهُ، فَإِنَّهَا فِيمَا بَعْدَهُ فِي حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ، نَأْمُرُهَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ. وَلَنَا: أَنَّ الطُّهْرَ لَوْ مُيِّزَ بَعْدَ الْخَامِسَ عَشَرَ لَمُيِّزَ قَبْلَهُ، كَتَمَيُّزِ اللَّوْنِ، وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا كَانَ أَنْصَافًا أَوْ مُخْتَلِفًا، يَوْمًا دَمًا وَأَيَّامًا طُهْرًا أَوْ أَيَّامًا طُهْرًا وَأَيَّامًا دَمًا، كَالْحُكْمِ فِي الْأَيَّامِ الصِّحَاحِ الْمُتَسَاوِيَةِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْجُزْءُ الَّذِي تَرَى الدَّمَ فِيهِ أَوَّلًا أَقَلَّ مِنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ فَفِيهِ وَجْهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَيْضًا حَتَّى يَسْبِقَهُ دَمٌ مُتَّصِلٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا. وَإِنْ قُلْنَا الطُّهْرُ يَمْنَعُ مَا بَعْدَهُ مِنْ كَوْنِهِ حَيْضًا قَبْلَ التَّكْرَارِ، وَجَاءَ فِي الْعَادَةِ، فَإِنَّهَا تَضُمُّ إلَى الْأَوَّلِ مَا تُكْمِلُ بِهِ أَقَلَّ الْحَيْضِ؛ فَإِذَا كَانَتْ تَرَى الدَّمَ يَوْمًا وَيَوْمًا، ضَمَّتْ الثَّالِثَ إلَى الْأَوَّلِ. فَكَانَ حَيْضًا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى مَا تَكَرَّرَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِذَا رَأَتْ أَقَلَّ مِنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، ثُمَّ طَهُرَتْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَتْ دَمًا مِثْلَ ذَلِكَ، وَقُلْنَا أَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضَةً وَاحِدَةً لِفَصْلِ أَقَلِّ الطُّهْرِ بَيْنَهُمَا، وَلَا حَيْضَتَيْنِ؛ لِنُقْصَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، وَإِنْ قُلْنَا أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ، ضَمَمْنَا الْأَوَّلَ إلَى الثَّانِي، فَكَانَا حَيْضَةً وَاحِدَةً، إذَا بَلَغَا بِمَجْمُوعِهِمَا أَقَلَّ الْحَيْضِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّمَيْنِ يَبْلُغُ أَقَلَّ الْحَيْضِ، فَهُمَا حَيْضَتَانِ، إنْ قُلْنَا: أَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَإِنْ قُلْنَا أَقَلُّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ، ضَمَمْنَا الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ فَكَانَا حَيْضًا وَاحِدًا، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ يَكُنْ جَعْلُهُمَا جَمِيعًا حَيْضًا فَيَجْعَلُ أَحَدَهُمَا حَيْضًا وَالْآخَرَ اسْتِحَاضَةً وَعَلَى هَذَا فَقِسْ [مَسْأَلَة الْحَامِلُ لَا تَحِيضُ] (507) مَسْأَلَةٌ: قَالَ وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ، إلَّا أَنْ تَرَاهُ قَبْلَ وِلَادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ فَيَكُونُ دَمَ نِفَاسٍ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ، وَمَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ التَّابِعِينَ؛ مِنْهُمْ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَكْحُولٌ وَحَمَّادٌ وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَالصَّحِيحُ عَنْهَا أَنَّهَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ لَا تُصَلِّي. وَقَالَ
مسألة رأت الدم ولها خمسون سنة
مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَاللَّيْثُ: مَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ حَيْضٌ إذَا أَمْكَنَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَإِسْحَاقَ لِأَنَّهُ دَمٌ صَادَفَ عَادَةً، فَكَانَ حَيْضًا كَغَيْرِ الْحَامِلِ، وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» فَجَعَلَ وُجُودَ الْحَيْضِ عَلَمًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ. وَاحْتَجَّ إمَامُنَا بِحَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» فَجَعَلَ الْحَمْلَ عَلَمًا عَلَى عَدَمِ الْحَيْضِ، كَمَا جَعَلَ الطُّهْرَ عَلَمًا عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ زَمَنٌ لَا يَعْتَادُهَا الْحَيْضُ فِيهِ غَالِبًا، فَلَمْ يَكُنْ مَا تَرَاهُ فِيهِ حَيْضًا كَالْآيِسَةِ قَالَ أَحْمَدُ إنَّمَا يَعْرِفُ النِّسَاءُ الْحَمْلَ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ يُحْمَلُ عَلَى الْحُبْلَى الَّتِي قَارَبَتْ الْوَضْعَ، جَمْعًا بَيْنَ قَوْلَيْهَا، فَإِنَّ الْحَامِلَ إذَا رَأَتْ الدَّمَ قَرِيبًا مِنْ وِلَادَتِهَا فَهُوَ نِفَاسٌ، تَدَعُ لَهُ الصَّلَاةَ كَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ: وَقَالَ الْحَسَنُ: إذَا رَأَتْ الدَّمَ عَلَى الْوَلَدِ أَمْسَكَتْ عَنْ الصَّلَاةِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الْمَرْأَةِ إذَا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ تُعِيدُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: لَا وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إذَا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ فَرَأَتْ الدَّمَ قَالَ: هُوَ حَيْضٌ. وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ عَطَاءٌ: تُصَلِّي وَلَا تَعُدُّهُ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا. وَلَنَا: أَنَّهُ دَمٌ خَرَجَ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ فَكَانَ نِفَاسًا، كَالْخَارِجِ بَعْدَهُ وَإِنَّمَا يُعْلَمُ خُرُوجُهُ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهَا وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِرُؤْيَةِ أَمَارَاتِهَا؛ مِنْ الْمَخَاضِ وَنَحْوِهِ فِي وَقْتِهِ: وَأَمَّا إنْ رَأَتْ الدَّمَ مِنْ غَيْرِ عَلَامَةٍ عَلَى قُرْبِ الْوَضْعِ، لَمْ تَتْرُكْ لَهُ الْعِبَادَةَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ فَإِنْ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ قَرِيبًا مِنْ الْوَضْعِ، كَوَضْعِهِ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ أَعَادَتْ الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ إنْ صَامَتْهُ فِيهِ. وَإِنْ رَأَتْهُ عِنْدَ عَلَامَةٍ عَلَى الْوَضْعِ تَرَكَتْ الْعِبَادَةَ. فَإِنْ تَبَيَّنَ بُعْدُهُ عَنْهَا أَعَادَتْ مَا تَرَكَتْهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ؛ لِأَنَّهَا تَرَكَتْهَا مِنْ غَيْرِ حَيْضٍ وَلَا نِفَاسٍ. [مَسْأَلَة رَأَتْ الدَّمَ وَلَهَا خَمْسُونَ سَنَةً] (508) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ وَلَهَا خَمْسُونَ سَنَةً، فَلَا تَدَعُ الصَّوْمَ، وَلَا الصَّلَاةَ، وَتَقْضِي الصَّوْمَ احْتِيَاطًا، فَإِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ السِّتِّينَ، فَقَدْ زَالَ الْإِشْكَالُ؛ وَتُيُقِّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، فَتَصُومُ وَتُصَلِّي وَلَا تَقْضِي. اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَاَلَّذِي نَقَلَ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا، أَنَّهَا لَا تَيْأَسُ مِنْ الْحَيْضِ يَقِينًا إلَى سِتِّينَ سَنَةً، وَمَا تَرَاهُ فِيمَا بَيْنَ الْخَمْسِينَ وَالسِّتِّينَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، لَا تَتْرُكُ لَهُ الصَّلَاةَ، وَلَا الصَّوْمَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُمَا مُتَيَقَّنٌ فَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ، وَتَقْضِي الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ كَانَ مُتَيَقَّنًا، وَمَا صَامَتْهُ فِي زَمَنِ الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِي صِحَّتِهِ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ مَا تَيَقَّنَ وُجُوبُهُ. وَرُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا بَعْدَ الْخَمْسِينَ لَا تَحِيضُ. وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ لَا يَكُونُ حَيْضًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ، وَيَكُونُ حُكْمُهَا
فصل أقل سن تحيض له المرأة
فِيمَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ حُكْمَ الْمُسْتَحَاضَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: إذَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ. وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ نِسَاءَ الْأَعَاجِمِ يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ فِي خَمْسِينَ، وَنِسَاءَ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْعَرَبِ إلَى سِتِّينَ سَنَةً وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِمَا رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ فِي كِتَابِ النَّسَبِ عَنْ بَعْضِهِمْ، أَنَّهُ قَالَ: لَا تَلِدُ لِخَمْسِينَ سَنَةً إلَّا الْعَرَبِيَّةُ، وَلَا تَلِدُ لِسِتَّيْنِ إلَّا قُرَشِيَّةٌ. وَقَالَ: إنَّ هِنْدَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ وَلَدَتْ مُوسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَلَهَا سِتُّونَ سَنَةً. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ مِنْ الْعَرَبِ رَأَتْ الدَّمَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ إنْ عَاوَدَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَهُوَ حَيْضٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي هَذَا إلَى الْوُجُودِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مِنْ نِسَاءٍ ثِقَاتٍ أَخْبَرْنَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ بَعْدَ الْخَمْسِينَ، فَوَجَبَ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ حَيْضًا كَمَا قَبْلَ الْخَمْسِينَ؛ وَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا وُجِدَ مِنْ الْمَرْأَةِ دَمٌ فِي زَمَنِ عَادَتِهَا عَلَى وَجْهٍ كَانَتْ تَرَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَالْوُجُودُ هَاهُنَا دَلِيلُ الْحَيْضِ، كَمَا كَانَ قَبْلَ الْخَمْسِينَ دَلِيلًا، فَوَجَبَ جَعْلُهُ حَيْضًا، وَأَمَّا إيجَابُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِيهِ فَلِلِاحْتِيَاطِ، لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِنَّ لِأَنَّهُنَّ لَا يَخْتَلِفْنَ فِي سَائِرِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا، وَمَا ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْحَيْضِ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ، الْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ، وَالْوُجُودُ لَا عِلْمَ لَهَا بِهِ. ثُمَّ قَدْ وُجِدَ بِخِلَافِ مَا قَالَتْهُ؛ فَإِنَّ مُوسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ قَدْ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ بَعْدَ الْخَمْسِينَ، وَوُجِدَ الْحَيْضُ فِيمَا بَعْدَ الْخَمْسِينَ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَا يُمْكِنُ إنْكَارُهُ، فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الدَّمُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، مَعَ كَوْنِهِ عَلَى صِفَتِهِ، وَفِي وَقْتِهِ وَعَادَتِهِ، بِغَيْرِ نَصٍّ فَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا يُقْبَلُ فَأَمَّا بَعْدَ السِّتِّينَ فَقَدْ زَالَ الْإِشْكَالُ وَتُيُقِّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ حَالًا تَنْتَهِي فِيهِ إلَى الْإِيَاسِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ} [الطلاق: 4] قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ تَرَى الدَّمَ لَا يَكُونُ حَيْضًا، هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجُرْحِ وَإِنْ اغْتَسَلَتْ فَحَسَنٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ. وَمَعْنَى الْقَوْلَيْنِ وَاحِدٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الدَّمَ إذَا لَمْ يَكُنْ حَيْضًا فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، عَلَى مَا مَرَّ حُكْمُهُمَا [فَصْل أَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ] (509) فَصْلٌ وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِينَ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا تَحِيضُ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى
مسألة المستحاضة إن اغتسلت لكل صلاة
{وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4] ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ يَحِضْنَ عَادَةً فِيمَا دُونَ هَذَا السِّنِّ وَلِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ إنَّمَا خَلَقَهُ اللَّهُ لِحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الْحَمْلِ بِهِ فَمَنْ لَا تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ لَا تُوجَدُ فِيهَا حِكْمَتُهُ، فَيَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ حِكْمَتِهِ كَالْمَنِيِّ، فَإِنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ، وَالْآخَرُ يُرَبِّيهِ وَيُغَذِّيهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يُوجَدُ مِنْ صَغِيرٍ، وَوُجُودُهُ عَلَمٌ عَلَى الْبُلُوغِ، وَأَقَلُّ سِنٍّ تَبْلُغُ لَهُ الْجَارِيَةُ تِسْعُ سِنِينَ، فَكَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ «إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةُ» وَرُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُرَادُ بِهِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَرْأَةِ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت جَدَّةً بِنْتَ إحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا حَمَلَتْ لِدُونِ عَشْرِ سِنِينَ، وَحَمَلَتْ ابْنَتُهَا لِمِثْلِ ذَلِكَ. فَعَلَى هَذَا إذَا رَأَتْ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ دَمًا تَرَكَتْ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهَا رَأَتْهُ فِي زَمَنٍ يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ، فَإِنْ اتَّصَلَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَهُوَ حَيْضٌ، يَثْبُتُ بِهِ بُلُوغُهَا، وَنُثْبِتُ فِيهِ أَحْكَامَ الْحَيْضِ كُلِّهَا وَإِنْ انْقَطَعَ لِدُونِ ذَلِكَ، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ، لَا يَثْبُتُ بِهِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا. وَإِنْ رَأَتْ الدَّمَ لِدُونِ تِسْعِ سِنِينَ، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ، عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا. وَقَدْ رَوَى الْمَيْمُونِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي بِنْتِ عَشْرٍ رَأَتْ الدَّمَ، قَالَ: لَيْسَ بِحَيْضٍ فَعَلَى هَذَا لَيْسَ التِّسْعُ وَلَا الْعَشْرُ زَمَنًا لِلْحَيْضِ. قَالَ الْقَاضِي: فَيَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ: أَوَّلُ زَمَنٍ يَصِحُّ فِيهِ وُجُودُ الْحَيْضِ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَنَةً؛ لِأَنَّهُ الزَّمَانُ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ بُلُوغُ الْغُلَامِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ [مَسْأَلَة الْمُسْتَحَاضَةُ إنَّ اغْتَسَلَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ] (510) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالْمُسْتَحَاضَةُ، إنْ اغْتَسَلَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَهُوَ أَشَدُّ مَا قِيلَ فِيهَا؛ وَإِنْ تَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَجْزَأَهَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُتَحَيِّرَةِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ رَوَتْ، «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ، فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، لِكُلِّ صَلَاةٍ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد، «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ غُسْلًا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: تَغْتَسِلُ مِنْ ظُهْرٍ إلَى ظُهْرٍ. قَالَ مَالِكٌ: إنِّي أَحْسِبُ حَدِيثَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ إنَّمَا هُوَ: مِنْ طُهْرٍ إلَى طُهْرٍ. وَلَكِنَّ الْوَهْمَ دَخَلَ فِيهِ. يَعْنِي أَنَّ الطَّاءَ غَيْرَ الْمُعْجَمَةِ أُبْدِلَتْ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ.
فصل حكم طهارة المستحاضة
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَجْمَعُ بَيْنَ كُلِّ صَلَاتَيْ جَمْعٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَتَغْتَسِلُ لِلصُّبْحِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ حَمْنَةَ. وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَكَذَلِكَ أَمَرَ بِهِ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْحَيْضِ، ثُمَّ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَيُجْزِئُهَا ذَلِكَ وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عُرْوَةَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ إنَّمَا عَلَيْهَا الْغُسْلُ عِنْدَ انْقِضَاءِ حَيْضِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهَا لِلِاسْتِحَاضَةِ وُضُوءٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ الْغُسْلُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا: " فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي ". وَلَمْ يَذْكُرْ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَلَنَا: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِفَاطِمَةَ إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي، وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا. وَفِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُسْتَحَاضَةِ «تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» . وَلِأَنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ، فَأَوْجَبَ الْوُضُوءَ كَدَمِ الْحَيْضِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ مُسْتَحَبُّ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَالْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَفْضَلُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، وَالْأَخْذِ بِالثِّقَةِ وَالِاحْتِيَاطِ، وَهُوَ أَشَدُّ مَا قِيلَ، ثُمَّ يَلِيهِ فِي الْفَضْلِ وَالْمَشَقَّةِ الْجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ صَلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَالِاغْتِسَالُ لِلصُّبْحِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ: «وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إلَيَّ» . ثُمَّ يَلِيهِ الْغُسْلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً بَعْدَ الْغُسْلُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْحَيْضِ، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَهُوَ أَقَلُّ الْأُمُورِ وَيُجْزِئُهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْل حُكْمُ طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ] (511) فَصْلٌ: وَحُكْمُ طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ حُكْمُ التَّيَمُّمِ فِي أَنَّهَا إذَا تَوَضَّأَتْ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ، صَلَّتْ بِهَا الْفَرِيضَةَ، ثُمَّ قَضَتْ الْفَوَائِتَ، وَتَطَوَّعَتْ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ لَهَا الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجْمَعُ بَيْنَ فَرْضَيْنِ بِطَهَارَةٍ وَاحِدَةٍ. وَلَا تَقْضِي بِهِ فَوَائِتَ، وَلَا تَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ. كَقَوْلِهِ فِي التَّيَمُّمِ. وَيَحْتَمِلُهُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِهِ: «لِكُلِّ صَلَاةٍ» . وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ.» وَلَنَا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ: «تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ.» وَلِأَنَّهُ وُضُوءٌ يُبِيحُ النَّفَلَ، فَيُبِيحُ الْفَرْضَ، كَوُضُوءِ غَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَقْتِ، كَقَوْلِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيْنَمَا أَدْرَكَتْك الصَّلَاةُ فَصَلِّ» أَيْ وَقْتُهَا، وَحَدِيثُ حَمْنَةَ ظَاهِرٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهَا بِالْوُضُوءِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مِمَّا يَخْفَى وَيُحْتَاجُ إلَى بَيَانِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
فصل لا بأس أن تشرب المرأة دواء يقطع عنها الحيض
[فَصْل لَا بَأْسَ أَنْ تَشْرَبَ الْمَرْأَةُ دَوَاءً يَقْطَعُ عَنْهَا الْحَيْضَ] (512) فَصْلٌ: رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تَشْرَبَ الْمَرْأَةُ دَوَاءً يَقْطَعُ عَنْهَا الْحَيْضَ، إذَا كَانَ دَوَاءً مَعْرُوفًا.
كتاب الصلاة
[كِتَابُ الصَّلَاةِ] [فَصْلٌ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ] الصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103] أَيْ اُدْعُ لَهُمْ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيُطْعِمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» . وَقَالَ الشَّاعِرُ: تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْت مُرْتَحِلًا ... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا عَلَيْك مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي ... نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا وَهِيَ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَفْعَالِ الْمَعْلُومَةِ، فَإِذَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ أَمْرٌ بِصَلَاةٍ أَوْ حُكْمٌ مُعَلَّقٌ عَلَيْهَا، انْصَرَفَ بِظَاهِرِهِ إلَى الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعَ آيٍ وَأَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ، نَذْكُرُ بَعْضَهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ خَمْسِ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. (513) فَصْلٌ: وَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ خَمْسٌ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي وُجُوبِهَا، وَلَا يَجِبُ غَيْرُهَا إلَّا لِعَارِضٍ مِنْ نَذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْوِتْرُ وَاجِبٌ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ زَادَكُمْ صَلَاةً وَهِيَ الْوِتْرُ» وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ. وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْوِتْرُ حَقٌّ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً» فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، إلَى أَنْ قَالَ «فَرَجَعْت إلَى رَبِّي، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُنْقِصْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَهْدًا أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ وَقَدْ نَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» وَرُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، «أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ قَالَ: فَهَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهَا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْلَحَ الرَّجُلُ إنْ صَدَقَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَزِيَادَةُ الصَّلَاةِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي السُّنَنِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهَا فَرْضًا؛ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَكَانَتْ نَافِلَةً كَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ.
باب المواقيت
[بَابُ الْمَوَاقِيتِ] أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ مُؤَقَّتَةٌ بِمَوَاقِيتَ مَعْلُومَةٍ مَحْدُودَةٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ جِيَادٌ نَذْكُرُ أَكْثَرَهَا فِي مَوَاضِعِهَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (514) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَجَبَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ) بَدَأَ الْخِرَقِيِّ بِذِكْرِ صَلَاةِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ بَدَأَ بِهَا حِينَ أَمَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ وَبَدَأَ بِهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ عَلَّمَ الصَّحَابَةَ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ، فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَغَيْرِهِ، وَبَدَأَ بِهَا الصَّحَابَةُ حِينَ سُئِلُوا عَنْ الْأَوْقَاتِ فِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا تُسَمَّى الْأُولَى وَالْهَجِيرَ وَالظُّهْرَ. وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْهَجِيرَةَ الَّتِي يَدْعُونَهَا الْأُولَى حِينَ تُدْحَضُ الشَّمْسُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، يَعْنِي حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ. وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ: إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ. قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ، فَمِنْهَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا، حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتْ الشَّمْسُ، وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ، وَصَلَّى فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ الظُّهْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتِ الْأُولَى، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتْ الْأَرْضُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَيَّ جِبْرِيلُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِك، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَى جَابِرٌ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ «لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ» ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي الْمَوَاقِيتِ حَدِيثُ جَابِرٍ. وَرَوَى بُرَيْدَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ فَلَمَّا زَالَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ يُخَالِطْهَا صُفْرَةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ فَأَبْرَدَ فِي الظُّهْرِ، فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرَدَ بِهَا، وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ، آخِرُهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
فصل تجب صلاة الظهر بزوال الشمس
وَرَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ أَبِي مُوسَى نَحْوَهُ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: «بَدَأَ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، فَصَلَّى حِينَ كَانَ الرَّجُلُ لَا يَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ، أَوْ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَعْرِفُ مَنْ إلَى جَنْبِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى الْفَجْرَ وَانْصَرَفَ، فَقُلْنَا: طَلَعَتْ الشَّمْسُ.» وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ. (515) فَصْلٌ: وَمَعْنَى زَوَالِ الشَّمْسِ مَيْلُهَا عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِطُولِ ظِلِّ الشَّخْصِ بَعْدَ تَنَاهِي قِصَرِهِ، فَمَنْ أَرَادَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فَلْيُقَدِّرْ ظِلَّ الشَّمْسِ، ثُمَّ يَصْبِرْ قَلِيلًا، ثُمَّ يُقَدِّرْهُ ثَانِيًا، فَإِنْ كَانَ دُونَ الْأَوَّلِ فَلَمْ تَزُلْ، وَإِنْ زَادَ وَلَمْ يَنْقُصْ فَقَدْ زَالَتْ، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِالْأَقْدَامِ، فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الشُّهُورِ وَالْبُلْدَانِ، فَكُلَّمَا طَالَ النَّهَارُ قَصُرَ الظِّلُّ، وَإِذَا قَصُرَ طَالَ الظِّلُّ، فَكُلُّ يَوْمٍ يَزِيدُ أَوْ يَنْقُصُ، فَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي وَسَطِ كُلِّ شَهْرٍ، عَلَى مَا حَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ السِّنْجِيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، تَقْرِيبًا، قَالَ: إنَّ الشَّمْسَ تَزُولُ فِي نِصْفِ حُزَيْرَانَ عَلَى قَدَمٍ وَثُلُثٍ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا تَزُولُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَفِي نِصْفِ تَمُّوز وَنِصْفِ أَيَّارَ عَلَى قَدَمٍ وَنِصْفٍ وَثُلُثٍ، وَفِي نِصْفِ آبَ وَنَيْسَان عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْدَامٍ، وَفِي نِصْفِ آذَار وَأَيْلُول عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْدَامٍ وَنِصْفٍ. وَهُوَ وَقْتُ اسْتِوَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَفِي نِصْفِ تَشْرِينَ الْأَوَّلِ وَشُبَاطِ عَلَى سِتَّةِ أَقْدَامٍ وَنِصْفٍ، وَفِي نِصْفِ تَشْرِينَ الثَّانِي وَكَانُونَ الثَّانِي عَلَى تِسْعَةِ أَقْدَامٍ، وَفِي نِصْفِ كَانُونَ الْأَوَّل عَلَى عَشَرَةِ أَقْدَامٍ وَسُدْسٍ، وَهَذَا أَنْهَى مَا تَزُولَ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهَذَا مَا تَزُولُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فِي أَقَالِيمِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمَا سَامَتَهُمَا مِنْ الْبُلْدَانِ، فَإِذَا أَرَدْت مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فَقِفْ عَلَى مُسْتَوٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَعَلِّمْ الْمَوْضِعَ الَّذِي انْتَهَى إلَيْهِ ظِلُّك، ثُمَّ ضَعْ قَدَمَك الْيُمْنَى بَيْنَ يَدَيْ قَدَمِك الْيُسْرَى، وَأَلْصِقْ عَقِبَك بِإِبْهَامِك، فَمَا بَلَغَتْ مِسَاحَةُ هَذَا الْقَدْرِ بَعْدَ انْتِهَاءِ النَّقْصِ فَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَوَجَبَتْ بِهِ صَلَاةُ الظُّهْرِ. [فَصْل تَجِبُ صَلَاةُ الظُّهْرِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ] (516) فَصْلٌ: وَتَجِبُ صَلَاةُ الظُّهْرِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ تَجِبُ بِدُخُولِ وَقْتِهَا فِي حَقِّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، فَأَمَّا أَهْلُ الْأَعْذَارِ؛ كَالْحَائِضِ وَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ، فَتَجِبُ فِي حَقِّهِ بِأَوَّلِ جُزْءٍ أَدْرَكَهُ مِنْ وَقْتِهَا بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجِبُ تَأْخِيرُ وَقْتِهَا إذَا بَقِيَ مِنْهُ مَا لَا يَتَّسِعُ لِأَكْثَرَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهَا وَتَرْكِهَا، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً كَالنَّافِلَةِ.
فصل يستقر وجوب وقت صلاة الظهر بما وجبت به
وَلَنَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ عَلَى الْفَوْرِ؛ وَلِأَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ حِينَ وُجُودِهِ؛ وَلِأَنَّهَا يُشْتَرَطُ لَهَا نِيَّةُ الْفَرِيضَةِ، وَلَوْ لَمْ تَجِبْ لَصَحَّتْ بِدُونِ نِيَّةِ الْوَاجِبِ كَالنَّافِلَةِ، وَتُفَارِقُ النَّافِلَةَ؛ فَإِنَّهَا لَا يُشْتَرَطُ لَهَا ذَلِكَ، وَيَجُوزُ تَرْكُهَا غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى فِعْلِهَا، وَهَذِهِ إنَّمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا مَعَ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهَا، كَمَا تُؤَخَّرُ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ مُزْدَلِفَةَ عَنْ وَقْتِهَا، وَكَمَا تُؤَخَّرُ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ عَنْ وَقْتِهَا إذَا كَانَ مُشْتَغِلًا بِتَحْصِيلِ شَرْطِهَا. [فَصْل يَسْتَقِرُّ وُجُوبُ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِمَا وَجَبَتْ بِهِ] (517) فَصْلٌ: وَيَسْتَقِرُّ وُجُوبُهَا بِمَا وَجَبَتْ بِهِ. فَلَوْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا ثُمَّ جُنَّ، أَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ، لَزِمَهُمَا الْقَضَاءُ إذَا أَمْكَنَهُمَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ: لَا يَسْتَقِرُّ إلَّا بِمُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِعْلُهَا فِيهِ، وَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِمَا دُونَ ذَلِكَ. وَاخْتَارَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَلَمْ يَجِبْ الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ طَرَأَ الْعُذْرُ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَلَنَا أَنَّهَا صَلَاةٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ قَضَاؤُهَا إذَا فَاتَتْهُ، كَالَّتِي أَمْكَنَ أَدَاؤُهَا، وَفَارَقَتْ الَّتِي طَرَأَ الْعُذْرُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا؛ فَإِنَّهَا لَمْ تَجِبْ، وَقِيَاسُ الْوَاجِبِ عَلَى غَيْرِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ. [مَسْأَلَة آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ] (518) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فَهُوَ آخِرُ وَقْتِهَا) يَعْنِي أَنَّ الْفَيْءَ إذَا زَادَ عَلَى مَا زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ قَدْرَ ظِلِّ طُولِ الشَّخْصِ، فَذَلِكَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ. قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: وَأَيُّ شَيْءٍ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ؟ قَالَ: أَنْ يَصِيرَ الظِّلُّ مِثْلَهُ. قِيلَ لَهُ: فَمَتَى يَكُونُ الظِّلُّ مِثْلَهُ؟ قَالَ: إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، فَكَانَ الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ مِثْلَهُ، فَهُوَ ذَاكَ. وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يَضْبِطَ مَا زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَنْظُرَ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ قَدْرَ الشَّخْصِ، فَقَدْ انْتَهَى وَقْتُ الظُّهْرِ؛ وَمِثْلُ شَخْصِ الْإِنْسَانِ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَنِصْفٍ بِقَدَمِهِ، أَوْ يَزِيدُ قَلِيلًا، فَإِذَا أَرَدْت اعْتِبَارَ الزِّيَادَةِ بِقَدَمِك مَسَحْتَهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّوَالِ، ثُمَّ أَسْقَطْت مِنْهُ الْقَدْرَ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، فَإِذَا بَلَغَ الْبَاقِي سِتَّةَ أَقْدَامٍ وَنِصْفٍ فَقَدْ بَلَغَ الْمِثْلَ، فَهُوَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَأُوَلُ وَقْتِ الْعَصْرِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَنَحْوَهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا تَفْرِيطَ لِلظُّهْرِ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّمْسَ صُفْرَةٌ. وَقَالَ طَاوُسٌ: وَقْتُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إلَى اللَّيْلِ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ: وَقْتُ الِاخْتِيَارِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَوَقْتُ الْأَدَاءِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَدْرُ مَا يُؤَدَّى فِيهِ الْعَصْرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الْحَضَرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَقْتُ الظُّهْرِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
مسألة وقت العصر
قَالَ «إنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غَدْوَةٍ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ، ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ. فَغَضِبَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً؟ قَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا؟ قَالَ فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ الظُّهْرِ إلَى الْعَصْرِ أَكْثَرُ مِنْ الْعَصْرِ إلَى الْمَغْرِبِ. وَلَنَا «أَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ» وَحَدِيثُ مَالِكٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْعُذْرِ بِمَطَرٍ أَوْ مَرَضٍ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ. وَفِعْلُهَا يَكُونُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَتَكَامُلِ الشُّرُوطِ، عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَنَا قُصِدَ بِهَا بَيَانُ الْوَقْتِ، وَخَبَرُهُمْ قُصِدَ بِهِ ضَرْبُ الْمَثَلِ، فَالْأَخْذُ بِأَحَادِيثِنَا أَوْلَى. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ هَذَا الْآثَارَ وَالنَّاسَ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ. [مَسْأَلَة وَقْت الْعَصْرِ] (519) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا زَادَ شَيْئًا وَجَبَتْ الْعَصْرُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ مِنْ حِينِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْلِ أَدْنَى زِيَادَةٍ مُتَّصِلٌ بِوَقْتِ الظُّهْرِ، لَا فَصْلَ بَيْنَهُمَا، وَغَيْرُ الْخِرَقِيِّ قَالَ: إذَا صَارَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ فَهُوَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ. وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَالَ الْخِرَقِيِّ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا زَادَ عَلَى الْمِثْلَيْنِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَدِيثِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} [هود: 114] وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ لَكَانَ وَسَطَ النَّهَارِ. وَحُكِيَ عَنْ رَبِيعَةَ: أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ. وَقَالَ إِسْحَاقُ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ يَشْتَرِكَانِ فِي قَدْرِ الصَّلَاةِ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ يُصَلِّيَانِ مَعًا، أَحَدُهُمَا يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْآخَرُ الْعَصْرَ، حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُصَلِّيًا لَهَا فِي وَقْتِهَا. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «صَلَّى بِي الظُّهْرَ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ» . وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وقَوْله تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} [هود: 114] . لَا يَنْفِي مَا قُلْنَا؛ فَإِنَّ الطَّرَفَ مَا تَرَاخَى عَنْ الْوَسَطِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَتِنَا، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ» أَرَادَ مُقَارَنَةَ الْوَقْتِ، يَعْنِي أَنَّ ابْتِدَاءَ صَلَاتِهِ الْيَوْمَ الْعَصْرَ مُتَّصِلٌ بِوَقْتِ انْتِهَاءِ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، أَوْ مُقَارِبٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ بَيَانَ الْمَوَاقِيتِ، وَإِنَّمَا تَبَيَّنَ أَوَّلُ الْوَقْتِ بِابْتِدَاءِ فِعْلِ الصَّلَاةِ، وَتَبَيَّنَ آخِرُهُ بِالْفَرَاغِ مِنْهَا، وَقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
مسألة آخر وقت العصر
عَمْرٍو «وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ الْعَصْرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَآخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ [مَسْأَلَة آخَر وَقْت الْعَصْرِ] (520) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ خَرَجَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ. اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي آخِرِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ؛ فَرُوِيَ: حِينَ يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ: «الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ.» وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّ آخِرَهُ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. وَهِيَ أَصَحُّ عَنْهُ حَكَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ الْأَثْرَمُ، قَالَ: سَمِعَتْهُ يُسْأَلُ عَنْ آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ؟ فَقَالَ: هُوَ تَغَيُّرُ الشَّمْسِ. قِيلَ: وَلَا تَقُولُ بِالْمِثْلِ وَالْمِثْلَيْنِ؟ قَالَ: لَا، هَذَا عِنْدِي أَكْثَرُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَنَحْوُهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ» وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ تُخَالِطْهَا صُفْرَةٌ» . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، فَقَدْ صَلَّاهَا فِي وَقْتهَا. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُرَاعَاةَ الْمِثْلَيْنِ عِنْدَهُمْ اسْتِحْبَابٌ، وَلَعَلَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ يُوجَدُ أَحَدُهُمَا قَرِيبًا مِنْ الْآخَرِ. (521) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْعَصْرِ عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِمَا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ، حَتَّى إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ، فَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، أَوْ عَلَى قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، قَامَ، فَنَقَرَ أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا» وَلَوْ أُبِيحَ تَأْخِيرُهَا لَمَا ذَمَّهُ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ عَلَامَةَ النِّفَاقِ. [مَسْأَلَة أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ] (522) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا مَعَ الضَّرُورَةِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ ثُمَّ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَهُوَ مُدْرِكٌ لَهَا، وَمُؤَدٍّ لَهَا فِي وَقْتِهَا، سَوَاءٌ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا يُبَاحُ تَأْخِيرُهَا لِعُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، كَحَائِضٍ تَطْهُرُ، أَوْ كَافِرٍ يُسْلِمُ، أَوْ صَبِيٍّ يَبْلُغُ، أَوْ مَجْنُونٍ يُفِيقُ، أَوْ نَائِمٍ يَسْتَيْقِظُ، أَوْ مَرِيضٍ يَبْرَأُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: " مَعَ الضَّرُورَةِ ". فَأَمَّا إدْرَاكُهَا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنْهَا، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمَعْذُورُ وَغَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ
فصل هل يدرك الصلاة بإدراك ما دون ركعة
سَائِرُ الصَّلَوَاتِ يُدْرِكُهَا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنْهَا فِي وَقْتِهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا [فَصْل هَلْ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ بِإِدْرَاكِ مَا دُونَ رَكْعَةٍ] (523) فَصْلٌ: وَهَلْ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ بِإِدْرَاكِ مَا دُونَ رَكْعَةٍ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا لَا يُدْرِكُهَا بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، فَإِنَّ تَخْصِيصَهُ الْإِدْرَاكَ بِرَكْعَةٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِدْرَاكَ لَا يَحْصُلُ بِأَقَلَّ مِنْهَا؛ وَلِأَنَّهُ إدْرَاكٌ لِلصَّلَاةِ، فَلَا يَحْصُلُ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ كَإِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ. وَالثَّانِيَةُ، يُدْرِكُهَا بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْهَا، أَيِّ جُزْءٍ كَانَ. قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَكُونُ مُدْرِكًا لَهَا بِإِدْرَاكِهِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ مِقْدَارَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْوَقْتُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ. وَلِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِلنَّسَائِيِّ «فَقَدْ أَدْرَكَهَا» ؛ وَلِأَنَّ الْإِدْرَاكَ إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ فِي الصَّلَاةِ اسْتَوَى فِيهِ الرَّكْعَةُ وَمَا دُونَهَا، كَإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ، وَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ، وَالْمَنْطُوقُ أَوْلَى مِنْهُ، وَالْقِيَاسُ يَبْطُلُ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ دُونَ تَشَهُّدِهَا. [فَصْل الصَّلَاةُ الْوُسْطَى] (524) فَصْلٌ: وَصَلَاةُ الْعَصْرِ هِيَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ، مِنْهُمْ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَأَبُو سَعِيدٍ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَائِشَةَ أَنَّهَا صَلَاةُ الظُّهْرِ. وَبِهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا، فَنَزَلَتْ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] » رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَتْ عَائِشَةُ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَرَأَ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ طَاوُسٌ، وَعَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّافِعِيُّ: هِيَ الصُّبْحُ لِقَوْلِ اللَّهِ
تَعَالَى: {وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] وَالْقُنُوتُ طُولُ الْقِيَامِ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالصُّبْحِ؛ وَلِأَنَّهَا مِنْ أَثْقَلِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَلِهَذَا اُخْتُصَّتْ بِالْوَصِيَّةِ وَبِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: 39] يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ نَظَرَ إلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: أَمَّا إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تَغْلِبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلْبُخَارِيِّ (فَافْعَلُوا ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130] وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» يُرِيدُ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ. وَقَالَ: «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» مُتَّفَقٌ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ. وَقِيلَ: هِيَ الْمَغْرِبُ؛ لِأَنَّ الْأُولَى هِيَ الظُّهْرُ، فَتَكُونُ الْمَغْرِبُ الثَّالِثَةَ، وَالثَّالِثَةُ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ هِيَ الْوُسْطَى؛ وَلِأَنَّهَا وُسْطَى فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَوُسْطَى فِي الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّ عَدَدَ رَكَعَاتِهَا ثَلَاثٌ، فَهِيَ وُسْطَى بَيْنَ الْأَرْبَعِ وَالِاثْنَيْنِ، وَوَقْتُهَا فِي آخِرِ النَّهَارِ وَأَوَّلِ اللَّيْلِ، وَخُصَّتْ مِنْ بَيْنِ الصَّلَاةِ بِأَنَّهَا وِتْرٌ، وَاَللَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، وَبِأَنَّهَا تُصَلَّى فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ. وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْهُ، وَكَذَلِكَ صَلَّاهَا جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَوْمَيْنِ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلِذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إلَى أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ لِذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَزَالُ أُمَّتِي، أَوْ قَالَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ أَوْ قَالَ عَلَى الْفِطْرَةِ، مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقِيلَ: هِيَ الْعِشَاءُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: «مَكَثْنَا لَيْلَةً نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِصَلَاةِ
مسألة وقت المغرب
الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَخَرَجَ إلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ، فَقَالَ: إنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْت بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ. وَقَالَ: إنَّ أَثْقَلَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْغَدَاةِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْأَحْزَابِ: شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ.» وَعَنْ سَمُرَةَ مِثْلُهُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا نَصٌّ لَا يَجُوزُ التَّعْرِيجُ مَعَهُ عَلَى شَيْءٍ يُخَالِفُهُ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ: «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ» يَعْنِي النَّجْمَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَا ذُكِرَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَدْ شَارَكَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي أَكْثَرِهِ، وَرِوَايَةُ عَائِشَةَ " وَصَلَاةُ الْعَصْرِ " فَالْوَاوُ زَائِدَةٌ كَالْوَاوِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] وَفِي قَوْلِهِ {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] وَقَوْلِهِ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] فَالْقُنُوتُ قِيلَ: هُوَ الطَّاعَةُ. أَيْ قُومُوا لِلَّهِ مُطِيعِينَ. وَقِيلَ: الْقُنُوتُ السُّكُوتُ. قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ. ثُمَّ مَا رَوَيْنَا نَصٌّ صَرِيحٌ. فَكَيْفَ يُتْرَكُ بِمِثْلِ هَذَا الْوَهْمِ، أَوْ يُعَارَضُ بِهِ؟ [مَسْأَلَة وَقْتُ الْمَغْرِبِ] (525) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ وَجَبَتْ الْمَغْرِبُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ أَمَّا دُخُولُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ. لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِيهِ، وَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَيْهِ. وَآخِرُهُ: مَغِيبُ الشَّفَقِ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ، عِنْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَوْمَيْنِ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ، فِي بَيَانِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إلَى أَنْ يَشْتَبِكَ النَّجْمُ» ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُجْمِعُونَ عَلَى فِعْلِهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ. وَعَنْ طَاوُسٍ: لَا تَفُوتُ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ حَتَّى الْفَجْرِ. وَنَحْوُهُ عَنْ عَطَاءٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ.
مسألة وقت العشاء
وَلَنَا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ غَابَ الشَّفَقُ» وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: «فَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ إلَى أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ.» وَرَوَى أَبُو مُوسَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَّرَ الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَغِيبُ الْأُفُقُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَهَذِهِ نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ، لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا بِشَيْءٍ مُحْتَمَلٍ ؛ وَلِأَنَّهَا إحْدَى الصَّلَوَاتِ، فَكَانَ لَهَا وَقْتٌ مُتَّسِعٌ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ؛ وَلِأَنَّهَا إحْدَى صَلَاتَيْ جَمْعٍ، فَكَانَ وَقْتُهَا مُتَّصِلًا بِوَقْتِ الَّتِي تُجْمَعُ إلَيْهَا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؛ وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَقْتٌ لِاسْتِدَامَتِهَا، فَكَانَ وَقْتًا لِابْتِدَائِهَا كَأَوَّلِ وَقْتِهَا. وَأَحَادِيثُهُمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاخْتِيَارِ، وَكَرَاهَةِ التَّأْخِيرِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْخِرَقِيِّ " وَلَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا ". فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ فِيهَا تَأْكِيدٌ لِفِعْلِهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهَا تَأْكِيدُ الِاسْتِحْبَابِ. وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ مُتَعَارِضَةٌ وَجَبَ حَمْلُ أَحَادِيثِهِمْ عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ؛ لِأَنَّهَا فِي أَوَّلِ فَرْضِ الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ، وَأَحَادِيثُنَا بِالْمَدِينَةِ مُتَأَخِّرَةٌ، فَتَكُنْ نَاسِخَةً لِمَا قَبْلَهَا مِمَّا يُخَالِفُهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَة وَقْتُ الْعِشَاءِ] (526) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ، وَهُوَ الْحُمْرَةُ فِي السَّفَرِ، وَفِي الْحَضَرِ الْبَيَاضُ؛ لِأَنَّ فِي الْحَضَرِ قَدْ تَنْزِلُ الْحُمْرَةُ فَتُوَارِيهَا الْجُدْرَانُ، فَيُظَنُّ أَنَّهَا قَدْ غَابَتْ، فَإِذَا غَابَ الْبَيَاضُ فَقَدْ تُيُقِّنَ، وَوَجَبَتْ عِشَاءُ الْآخِرَةِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) لَا خِلَافَ فِي دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ بِغَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّفَقِ مَا هُوَ؟ فَمَذْهَبُ إمَامِنَا، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّ الشَّفَقَ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ وَقْتُ الْمَغْرِبِ، وَيَدْخُلُ بِهِ وَقْتُ الْعِشَاءِ، هُوَ الْحُمْرَةُ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعَنْ أَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ: الشَّفَقُ الْبَيَاضُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ حِينَ يَسْوَدُّ الْأُفُقُ» . وَلَنَا، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ بِالصَّلَاةِ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ غَيْرُكُمْ
مسألة إذا ذهب ثلث الليل ذهب وقت الاختيار
قَالَ: وَلَا يُصَلِّي يَوْمَئِذٍ إلَّا بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ الْأَوَّلُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالشَّفَقُ الْأَوَّلُ هُوَ الْحُمْرَةُ. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ فَوْرُ الشَّفَقِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرُوِيَ " ثَوْرُ الشَّفَقِ " وَفَوْرُ الشَّفَقِ: فَوَرَانُهُ وَسُطُوعُهُ. وَثَوْرُهُ: ثَوَرَانُ حُمْرَتِهِ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ هَذَا الْحُمْرَةَ، وَآخِرُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ أَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ، فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتْ الْعِشَاءُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَمَا رَوَوْهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ قَلِيلًا، وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَالْأَوْلَى، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «قَالَ لِبِلَالٍ: اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، وَالْمُتَوَضِّئُ مِنْ وُضُوئِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ إذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ» إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ فِي مَكَان يَظْهَرُ لَهُ الْأُفُقُ، وَيَبِينُ لَهُ مَغِيبُ الشَّفَقِ، فَمَتَى ذَهَبَتْ الْحُمْرَةُ وَغَابَتْ، دَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَكَان يَسْتَتِرُ عَنْهُ الْأُفُقُ بِالْجُدْرَانِ وَالْجِبَالِ، اسْتَظْهَرَ حَتَّى يَغِيبَ الْبَيَاضُ، لِيَسْتَدِلَّ بِغَيْبَتِهِ عَلَى مَغِيبِ الْحُمْرَةِ، فَيَعْتَبِرُ غَيْبَةَ الْبَيَاضِ، لِدَلَالَتِهِ عَلَى مَغِيبِ الْحُمْرَةِ لَا لِنَفْسِهِ. [مَسْأَلَة إذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ذَهَبَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ] (527) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ذَهَبَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ، وَوَقْتُ الضَّرُورَةِ مُبْقًى إلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ الثَّانِي، وَهُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي يُرَى مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، فَيَنْتَشِرُ، وَلَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي آخِرِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ثُلُثُ اللَّيْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٍ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثَ اللَّيْلِ، وَقَالَ: «الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ» وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ثُلُثَ اللَّيْلِ» وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلُّوا فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» وَفِي حَدِيثِهَا الْآخَرِ: وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ الْأَوَّلُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ. وَلِأَنَّ ثُلُثَ اللَّيْلِ يَجْمَعُ الرِّوَايَاتِ، وَالزِّيَادَةُ تَعَارَضْت الْأَخْبَارُ فِيهَا، فَكَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْلَى، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ آخِرَهُ نِصْفُ اللَّيْلِ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ، وَسَقَمُ السَّقِيمِ، لَأَمَرْت بِهَذِهِ الصَّلَاةِ أَنْ تُؤَخَّرَ إلَى شَطْرِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «وَقْتُ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ»
مسألة وقت الصبح
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا يُؤَخِّرَهَا عَنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَإِنْ أَخَّرَهَا إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ جَازَ، وَمَا بَعْدَ النِّصْفِ وَقْتُ ضَرُورَةٍ، الْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ وَقْتِ الضَّرُورَةِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، عَلَى مَا مَضَى شَرْحُهُ وَبَيَانُهُ، ثُمَّ لَا يَزَالُ الْوَقْتُ مُمْتَدًّا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ الثَّانِي. (528) فَصْلٌ: وَتُسَمَّى هَذِهِ الصَّلَاةُ الْعِشَاءَ، وَلَا يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَتُهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: الْعَتَمَةُ. صَاحَ وَغَضِبَ، وَقَالَ: إنَّمَا هُوَ الْعِشَاءُ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، فَإِنَّهَا الْعِشَاءُ، وَإِنَّهُمْ يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ. رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ وَإِنْ سَمَّاهَا الْعَتَمَةَ جَازَ؛ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُعَاذٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَبْقَيْنَا - يَعْنِي - انْتَظَرْنَا - رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا نِسْبَةٌ لَهَا إلَى الْوَقْتِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ، فَأَشْبَهَتْ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ وَسَائِرَ الصَّلَوَاتِ [مَسْأَلَة وَقْتُ الصُّبْحِ] (529) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي وَجَبَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَالْوَقْتُ مُبْقًى إلَى مَا قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ فَقَدْ أَدْرَكَهَا، وَهَذَا مَعَ الضَّرُورَةِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ وَقْتَ الصُّبْحِ يَدْخُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إجْمَاعًا، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ أَخْبَارُ الْمَوَاقِيتِ، وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُسْتَطِيرُ الْمُنْتَشِرُ فِي الْأُفُقِ، وَيُسَمَّى الْفَجْرَ الصَّادِقَ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَك عَنْ الصُّبْحِ وَبَيَّنَهُ لَك، وَالصُّبْحُ مَا جَمَعَ بَيَاضًا وَحُمْرَةً، وَمِنْهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي لَوْنِهِ بَيَاضٌ وَحُمْرَةٌ أَصْبَحَ، وَأَمَّا الْفَجْرُ الْأَوَّلُ، فَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُسْتَدَقُّ صَعِدًا مِنْ غَيْرِ اعْتِرَاضٍ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، وَيُسَمَّى الْفَجْرَ الْكَاذِبَ. ثُمَّ لَا يَزَالُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ إلَى أَنْ يُسْفِرَ النَّهَارُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ وَبُرَيْدَةَ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقْتُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «وَوَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ. وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ كَانَ مُدْرِكًا لَهَا» وَفِي إدْرَاكِهَا بِمَا دُونَ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، فِيمَنْ طَلَعْت الشَّمْسُ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَةً: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي وَقْتٍ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ. وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ
فصل إذا شك في دخول الوقت
قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، فَكَانَ مُدْرِكًا لَهَا فِي وَقْتِهَا، كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ النَّافِلَةِ، فَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَتُصَلَّى فِي كُلِّ وَقْتٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقْتُ نَهْيٍ أَيْضًا، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ فِعْلِ الْفَجْرِ فِيهِ [فَصْل إذَا شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ] (530) فَصْلٌ: إذَا شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ، لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَتَيَقَّنَ دُخُولَهُ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ، مِثْلُ مَنْ هُوَ ذُو صَنْعَةٍ جَرَتْ عَادَتُهُ بِعَمَلِ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ، أَوْ قَارِئٍ جَرَتْ عَادَتُهُ بِقِرَاءَةِ جُزْءٍ فَقَرَأَهُ، وَأَشْبَاهِ هَذَا، فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُ الْوَقْتِ، أُبِيحَتْ لَهُ الصَّلَاةُ، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا قَلِيلًا احْتِيَاطًا، لِتَزْدَادَ غَلَبَةُ ظَنِّهِ، إلَّا أَنْ يَخْشَى خُرُوجَ الْوَقْتِ، أَوْ تَكُونَ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي وَقْتِ الْغَيْمِ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ بِهَا؛ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةَ، قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فِي الْغَيْمِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَمَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - التَّبْكِيرُ بِهَا إذَا دَخَلَ وَقْتُ فِعْلِهَا، لِيَقِينٍ، أَوْ غَلَبَةِ ظَنٍّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ وَقْتَهَا الْمُخْتَارَ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ يَضِيقُ، فَيُخْشَى خُرُوجُهُ. (531) فَصْلٌ: وَمَنْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ عَنْ عِلْمٍ عَمِلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ، فَقُبِلَ فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ كَالرِّوَايَةِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادِهِ لَمْ يُقَلِّدْهُ، وَاجْتَهَدَ لِنَفْسِهِ، حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُصَلِّ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ، كَحَالَةِ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ. وَالْبَصِيرُ وَالْأَعْمَى وَالْمَطْمُورُ الْقَادِرُ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى الِاسْتِدْلَالِ سَوَاءٌ؛ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي إمْكَانِ التَّقْدِيرِ بِمُرُورِ الزَّمَانِ، كَمَا بَيَّنَّا، فَمَتَى صَلَّى فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، فَبَانَ أَنَّهُ وَافَقَ الْوَقْتَ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ، وَخُوطِبَ بِأَدَائِهِ، وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَةَ بِالصَّلَاةِ وَسَبَبَ الْوُجُوبِ وُجِدَ بَعْدَ فِعْلِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ حُكْمُهُ بِمَا وُجِدَ قَبْلَهُ. وَإِنْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مَعَ الشَّكِّ، لَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ، سَوَاءٌ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ لِأَنَّهُ صَلَّى مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَصَلَّى مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ. [فَصْل إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ مِنْ ثِقَةٍ عَالِمٍ بِالْوَقْتِ] (532) فَصْلٌ: وَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ مِنْ ثِقَةٍ عَالِمٍ بِالْوَقْتِ، فَلَهُ تَقْلِيدُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، فَجَرَى مَجْرَى خَبَرِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَوْلَا أَنَّهُ يُقَلِّدُ وَيُرْجَعُ إلَيْهِ مَا كَانَ مُؤْتَمَنًا، وَجَاءَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ فِي أَعْنَاقِ الْمُؤَذِّنِينَ لِلْمُسْلِمِينَ صَلَاتُهُمْ وَصِيَامُهُمْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّ الْآذَانَ مَشْرُوعٌ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُ
مسألة الصلاة في أول الوقت
الْمُؤَذِّنِ لَمْ تَحْصُلْ الْحِكْمَةُ الَّتِي شُرِعَ الْآذَانُ مِنْ أَجْلِهَا، وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَجْتَمِعُونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَجَوَامِعِهِمْ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا سَمِعُوا الْآذَانَ قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ، وَبَنَوْا عَلَى أَذَانِ الْمُؤَذِّنِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ فِي الْوَقْتِ، وَلَا مُشَاهَدَةِ مَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إجْمَاعًا. [مَسْأَلَة الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ] (533) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ، إلَّا عِشَاءَ الْآخِرَةِ، وَفِي شِدَّةِ الْحَرِّ الظُّهْرَ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْأَوْقَاتَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ، وَجَوَازٍ، وَضَرُورَةٍ. فَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ وَالضَّرُورَةِ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا، وَأَمَّا وَقْتُ الْفَضِيلَةِ فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ قَالَ أَحْمَدُ: أَوَّلُ الْوَقْتِ أَعْجَبُ إلَيَّ، إلَّا فِي صَلَاتَيْنِ: صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الظُّهْرِ يُبْرَدُ بِهَا فِي الْحَرِّ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَهَكَذَا كَانَ يُصَلِّي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ: دَخَلْت أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ فَسَأَلَهُ أَبِي: «كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ قَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ، الَّتِي يَدْعُونَهَا الْأُولَى، حِينَ تُدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَنَسِيت مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ. قَالَ: وَكَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ» . ، وَقَالَ جَابِرٌ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا إذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحُ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَقَدْ رَوَى الْأُمَوِيُّ، فِي " الْمَغَازِي " حَدِيثًا أَسْنَدَهُ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، قَالَ: «لَمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْيَمَنِ، قَالَ: أَظْهِرْ كَبِيرَ الْإِسْلَامِ وَصَغِيرَهُ، وَلْيَكُنْ مِنْ أَكْبَرِهَا الصَّلَاةُ، فَإِنَّهَا رَأْسُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالدِّينِ، إذَا كَانَ الشِّتَاءُ فَصَلِّ صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي أَوَّلِ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَطِلْ الْقِرَاءَةَ عَلَى قَدْرِ مَا تُطِيقُ، وَلَا تُمِلَّهُمْ، وَتُكَرِّهْ إلَيْهِمْ أَمْرَ اللَّهِ، ثُمَّ عَجِّلْ الصَّلَاةَ الْأُولَى بَعْدَ أَنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَصَلِّ الْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ عَلَى مِيقَاتٍ وَاحِدٍ؛ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ تَغِيبُ الشَّمْسُ، وَتَوَارَى بِالْحِجَابِ، وَصَلِّ الْعِشَاءَ فَأَعْتِمْ بِهَا، فَإِنَّ اللَّيْلَ طَوِيلٌ، فَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ فَأَسْفِرْ بِالصُّبْحِ، فَإِنَّ اللَّيْلَ قَصِيرٌ. وَإِنَّ النَّاسَ يَنَامُونَ، فَأَمْهِلْهُمْ حَتَّى يُدْرِكُوهَا، وَصَلِّ الظُّهْرَ بَعْدَ أَنْ يَنْقُصَ الظِّلُّ وَتَتَحَرَّكَ الرِّيحُ، فَإِنَّ النَّاسَ يَقِيلُونَ، فَأَمْهِلْهُمْ حَتَّى يُدْرِكُوهَا، وَصَلِّ الْعَتَمَةَ فَلَا تُعْتِمْ بِهَا، وَلَا تُصَلِّهَا حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ»
فصل تعجيل الظهر في غير الحر والغيم
وَرَوَى أَيْضًا فِي كِتَابِهِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: وَالصَّلَاةُ لَهَا وَقْتٌ شَرَطَهُ اللَّهُ، لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ؛ وَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ حِينَ يُزَايِلُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ وَيَحْرُمُ عَلَى الصَّائِمِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، فَأَعْطُوهَا نَصِيبَهَا مِنْ الْقِرَاءَةِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ إذَا كَانَ الْقَيْظُ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ، حِينَ يَكُونُ ظِلُّك مِثْلَك، وَذَلِكَ حِينَ يُهَجِّرُ الْمُهَجِّرُ وَذَلِكَ لِئَلَّا يَرْقُدَ عَنْ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ فِي الشِّتَاءِ فَحِينَ تَزِيغُ عَنْ الْفَلَكِ حَتَّى تَكُونَ عَلَى حَاجِبِك الْأَيْمَنِ، وَالْعَصْرُ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَبْلَ أَنْ تَصْفَرَّ، وَالْمَغْرِبُ حِينَ يُفْطِرُ الصَّائِمُ، وَالْعِشَاءُ حِينَ يَغْسِقُ اللَّيْلُ، وَتَذْهَبُ حُمْرَةُ الْأُفُقِ إلَى أَنْ يَذْهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، مَنْ نَامَ عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا أَرْقَدَ اللَّهُ عَيْنَهُ. هَذِهِ مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] [فَصْل تَعْجِيلِ الظُّهْرِ فِي غَيْرِ الْحَرِّ وَالْغَيْمِ] (534) فَصْلٌ: وَلَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الظُّهْرِ، فِي غَيْرِ الْحَرِّ وَالْغَيْمِ، خِلَافًا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ وَجَابِرٍ، وَغَيْرِهِمَا، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مَا رَأَيْت أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ تَعْجِيلًا لِلظُّهْرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَلَا مِنْ عُمَرَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْوَقْتُ الْأَوَّلُ مِنْ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَالْوَقْتُ الْأَخِيرُ عَفْوُ اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَأَمَّا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ الْإِبْرَادِ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. قَالَ الْأَثْرَمُ: وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ سَوَاءٌ، يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا فِي الشِّتَاءِ وَالْإِبْرَادُ بِهَا فِي الْحَرِّ. وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِظَاهِرِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحُرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذَا عَامٌّ. وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: شِدَّةُ الْحَرِّ، وَأَنْ يَكُونَ فِي الْبُلْدَانِ الْحَارَّةِ وَمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ، فَأَمَّا مَنْ صَلَّاهَا فِي بَيْتِهِ، أَوْ فِي مَسْجِدٍ بِفِنَاءِ بَيْتِهِ، فَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ لِيَنْكَسِرَ الْحَرُّ، وَيَتَّسِعَ فِي الْحِيطَانِ، وَيَكْثُرَ السَّعْيُ إلَى الْجَمَاعَاتِ، وَمَنْ لَا يُصَلِّي فِي جَمَاعَةٍ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى التَّأْخِيرِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبُلْدَانِ الْحَارَّةِ وَغَيْرِهَا وَلَا بَيْنَ كَوْنِ الْمَسْجِدِ يَنْتَابُهُ النَّاسُ أَوْ لَا، فَإِنَّ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، كَانَ يُؤَخِّرُهَا فِي مَسْجِدِهِ وَلَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وَالْأَخْذُ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ أَوْلَى. وَمَعْنَى الْإِبْرَادِ بِهَا، تَأْخِيرُهَا حَتَّى يَنْكَسِرَ الْحَرُّ، وَيَتَّسِعَ فِي الْحِيطَانِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّ
فصل تأخير الظهر والمغرب في الغيم وتعجيل العصر والعشاء فيه
النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَبْرِدْ، حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ» وَهَذَا إنَّمَا يَكُنْ مَعَ كَثْرَةِ تَأْخِيرِهَا، وَلَا يُؤَخِّرُهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا، بَلْ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتٍ إذَا فَرَغَ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ الْوَقْتِ فَضْلٌ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: «كَانَ قَدْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إلَى تِسْعَةِ أَقْدَامٍ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ فَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَيُسَنُّ تَعْجِيلُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ غَيْرِ إبْرَادٍ؛ لِأَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ، قَالَ: «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ أَخَّرَهَا، بَلْ كَانَ يُعَجِّلُهَا، حَتَّى قَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّ السُّنَّةَ التَّبْكِيرُ بِالسَّعْيِ إلَيْهَا، وَيَجْتَمِعُ النَّاسُ لَهَا، فَلَوْ أَخَّرَهَا لَتَأَذَّى النَّاسُ بِتَأْخِيرِ الْجُمُعَةِ. [فَصْل تَأْخِيرُ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ فِي الْغَيْمِ وَتَعْجِيلُ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ فِيهِ] (535) فَصْلٌ: ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ فِي الْغَيْمِ، وَتَعْجِيلُ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ فِيهِ. قَالَ: وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ؛ مِنْهُمْ الْمَرُّوذِيُّ فَقَالَ: يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ، وَيُعَجِّلُ الْعَصْرَ، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ، وَيُعَجِّلُ الْعِشَاءَ وَعَلَّلَ الْقَاضِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ وَقْتٌ يُخَافُ مِنْهُ الْعَوَارِضُ وَالْمَوَانِعُ؛ مِنْ الْمَطَرِ، وَالرِّيحِ، وَالْبَرْدِ، فَتَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ فِي الْخُرُوجِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَفِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ، وَتَعْجِيلِ الثَّانِيَةِ، دَفْعٌ لِهَذِهِ الْمَشَقَّةِ؛ لِكَوْنِهِ يَخْرُجُ إلَيْهِمَا خُرُوجًا وَاحِدًا، فَيَحْصُلُ بِهِ الرِّفْقُ، كَمَا يَحْصُلُ بِجَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِثْلُ ذَلِكَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: يُعَجِّلُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الظُّهْرِ فِي غَيْرِ الْحَرِّ، وَالْمَغْرِبِ فِي كُلِّ حَالٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَالَ: مَتَى غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُ الْوَقْتِ بِاجْتِهَادِهِ اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّعْجِيلُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إنَّمَا أَرَادَ بِتَأْخِيرِ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ لِيَتَيَقَّنَ دُخُولَ وَقْتِهِمَا، وَلَا يُصَلِّي مَعَ الشَّكِّ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ كَلَامًا يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَالَ: يَوْمُ الْغَيْمِ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ حَتَّى لَا يَشُكَّ أَنَّهَا قَدْ حَانَتْ، وَيُعَجِّلُ الْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبُ يُؤَخِّرُهَا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ سَوَادُ اللَّيْلِ، وَيُعَجِّلُ الْعِشَاءَ. [فَصْل تَعْجِيلُ صَلَاةِ الْعَصْرِ] (536) فَصْلٌ: وَأَمَّا الْعَصْرُ فَتَعْجِيلُهَا مُسْتَحَبٌّ بِكُلِّ حَالٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ، وَأَنَسٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَابْنِ شُبْرُمَةَ أَنَّهُمَا قَالَا: إنَّمَا سُمِّيت الْعَصْرُ لِتُعْصَرَ. يَعْنِيَانِ أَنَّ تَأْخِيرَهَا أَفْضَلُ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: الْأَفْضَلُ فِعْلُهَا
فصل استحباب تقديم المغرب
فِي آخِرِ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ؛ لِمَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ بِتَأْخِيرِ الْعَصْرِ. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ، قَالَ: «قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ مَا دَامَتْ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتَيْ جَمْعٍ، فَاسْتُحِبَّ تَأْخِيرُهَا كَصَلَاةِ الْعِشَاءِ. وَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ، وَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْعَصْرِ، ثُمَّ يُنْحَرُ الْجَزُورُ، فَيُقْسَمُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ يُطْبَخُ فَيُؤْكَلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: " صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَقُلْنَا يَا أَبَا عُمَارَةَ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْت؟ قَالَ: الْعَصْرُ وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ أَبِي بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا الصَّلَاةَ لِلْعَصْرِ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْوَقْتُ الْأَوَّلُ مِنْ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَالْوَقْتُ الْآخِرُ عَفْوُ اللَّهِ» يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ رَافِعٍ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ فَلَا يَصِحُّ. قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: يَرْوِيهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ نَافِعٍ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَلَا يَصِحُّ عَنْ رَافِعٍ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالصَّحِيحُ عَنْهُمْ تَعْجِيلُ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَالتَّبْكِيرُ بِهَا. [فَصْل اسْتِحْبَابُ تَقْدِيم الْمَغْرِبُ] (537) فَصْلٌ: وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِهَا فِي غَيْرِ حَالِ الْعُذْرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ. قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّيهَا إذَا وَجَبَتْ، وَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَنَسٍ مِثْلُهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْمَغْرِبَ سَاعَةَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، إذَا غَابَ حَاجِبُهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَفِعْلُ جِبْرِيلَ لَهَا فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ دَلِيلٌ عَلَى تَأْكِيدِ اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِهَا. [فَصْل اسْتِحْبَابُ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ] (538) فَصْلٌ: وَأَمَّا صَلَاةُ الْعِشَاءِ فَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا إنْ لَمْ يَشُقَّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ،
مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّابِعِينَ. قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُهَا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْوَقْتُ الْأَوَّلُ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَالْوَقْتُ الْآخِرُ عَفْوُ اللَّهِ» وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ غَنَّامٍ، عَنْ بَعْضِ أُمَّهَاتِهِ، عَنْ أُمِّ فَرْوَةَ، قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا» . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يُؤَخِّرُهَا، وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً، وَلَا يَفْعَلُ إلَّا الْأَفْضَلَ. وَلَنَا قَوْلُ أَبِي بَرْزَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ الَّتِي يَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ» وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَأَحَادِيثُهُمْ ضَعِيفَةٌ. أَمَّا خَبَرُ " الْوَقْتُ الْأَوَّلُ رِضْوَانُ اللَّهِ " فَيَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَحَدِيثُ أُمِّ فَرْوَةَ رُوَاتُهُ مَجَاهِيلُ، قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا أَعْلَمْ شَيْئًا ثَبَتَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ: أَوَّلُهَا كَذَا، وَأَوْسَطُهَا كَذَا، وَآخِرُهَا كَذَا يَعْنِي مَغْفِرَةً وَرِضْوَانًا، وَقَالَ: لَيْسَ ذَا ثَابِتًا. وَلَوْ ثَبَتَ فَالْأَخْذُ بِأَحَادِيثِنَا الْخَاصَّةِ أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِالْعُمُومِ، مَعَ صِحَّةِ أَخْبَارِنَا، وَضَعْفِ أَخْبَارِهِمْ. (539) فَصْلٌ: وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا لِلْمُنْفَرِدِ وَالْجَمَاعَةُ رَاضِينَ بِالتَّأْخِيرِ؛ فَأَمَّا مَعَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ أَوْ بَعْضِهِمْ فَلَا يُسْتَحَبُّ، بَلْ يُكْرَهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: كَمْ قَدْرُ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ؟ فَقَالَ مَا قَدْ بَعُدَ أَنْ لَا يَشُقَّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ. وَقَدْ تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَأْخِيرَ الْعِشَاءِ، وَالْأَمْرَ بِتَأْخِيرِهَا، كَرَاهِيَةَ الْمَشَقَّةِ عَلَى أُمَّتِهِ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ شَقَّ عَلَى أُمَّتِي شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» وَإِنَّمَا نُقِلَ التَّأْخِيرُ عَنْهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ لِشُغْلٍ، أَوْ إتْيَانِ آخِرِ الْوَقْتِ، وَأَمَّا فِي سَائِرِ أَوْقَاتِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا، عَلَى مَا رَوَاهُ جَابِرٌ أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا إذَا رَآهُمْ قَدْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ. وَعَلَى مَا رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ. فَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إحْدَى هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَلَا يُؤَخِّرُهَا تَأْخِيرًا يَشُقُّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ بِالتَّخْفِيفِ، رِفْقًا بِالْمَأْمُومِينَ، وَقَالَ: «إنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَا أُرِيدُ إطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأُخَفِّفُهَا كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فصل التغليس بصلاة الصبح أفضل
[فَصْلٌ التَّغْلِيسُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ أَفْضَلُ] (540) فَصْلٌ: وَأَمَّا صَلَاةُ الصُّبْحِ فَالتَّغْلِيسُ بِهَا أَفْضَلُ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُغَلِّسُونَ، وَمُحَالٌ أَنْ يَتْرُكُوا الْأَفْضَلَ، وَيَأْتُوا الدُّونَ، وَهُمْ النِّهَايَةُ فِي إتْيَانِ الْفَضَائِلِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ الْمَأْمُومِينَ، فَإِنْ أَسْفَرُوا فَالْأَفْضَلُ الْإِسْفَارُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْعِشَاءِ، كَمَا ذَكَرَ جَابِرٌ، فَكَذَلِكَ فِي الْفَجْرِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: الْأَفْضَلُ الْإِسْفَارُ؛ لِمَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي بَرْزَةَ، وَقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الصُّبْحَ، فَتَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَلَّسَ بِالصُّبْحِ، ثُمَّ أَسْفَرَ مَرَّةً، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْفَارِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «مَا صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةً لِوَقْتِهَا الْآخِرِ مَرَّتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ» . وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ. فَأَمَّا الْإِسْفَارُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِهِمْ، فَالْمُرَادُ بِهِ تَأْخِيرُهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَيَنْكَشِفَ يَقِينًا مِنْ قَوْلِهِمْ: أَسْفَرَتْ الْمَرْأَةُ، إذَا كَشَفَتْ وَجْهَهَا. [فَصْلٌ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا] (541) فَصْلٌ: وَلَا يَأْثَمُ بِتَعْجِيلِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا، وَلَا بِتَأْخِيرِ مَا يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ، إذَا أَخَّرَهُ عَازِمًا عَلَى فِعْلِهِ، مَا لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ، أَوْ يَضِيقُ عَنْ فِعْلِ الْعِبَادَةِ جَمِيعِهَا؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ، وَصَلَّاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ «وَقَالَا: الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ» وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مُوَسَّعٌ فَهُوَ كَالتَّكْفِيرِ، يَجِبُ مُوَسَّعًا بَيْنَ الْأَعْيَانِ، فَإِنْ أَخَّرَ غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى الْفِعْلِ أَثِمَ بِذَلِكَ التَّأْخِيرِ الْمُقْتَرِنِ بِالْعَزْمِ، وَإِنْ أَخَّرَهَا بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَتَّسِعُ لِجَمِيعِ الصَّلَاةِ أَثِمَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ الْوَقْتِ، كَالْأُولَى.
فصل صلى قبل الوقت
(542) فَصْلٌ: وَإِنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا بِنِيَّةِ فِعْلِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ فِعْلِهَا، لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا، لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ، وَالْمَوْتُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، فَلَا يَأْثَمُ بِهِ. [فَصْلٌ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ] (543) فَصْلٌ: وَمَنْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ، لَمْ يَجُزْ صَلَاتُهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، سَوَاءٌ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، كُلَّ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْضَهَا. وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مُوسَى أَنَّهُمَا أَعَادَا الْفَجْرَ، لِأَنَّهُمَا صَلَّيَاهَا قَبْلَ الْوَقْتِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُسَافِرٍ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ، يُجْزِئُهُ. وَنَحْوَهُ قَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ. وَعَنْ مَالِكٍ كَقَوْلِنَا. وَعَنْهُ فِيمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، يُعِيدُ مَا كَانَ فِي الْوَقْتِ، فَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ قَبْلَ عِلْمِهِ، أَوْ ذَكَرَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ الْخِطَابَ بِالصَّلَاةِ يَتَوَجَّهُ إلَى الْمُكَلَّفِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا، وَمَا وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُزِيلُهُ وَيُبْرِئُ الذِّمَّةَ مِنْهُ، فَيَبْقَى بِحَالِهِ. [مَسْأَلَة حُكْم الصَّلَاة إذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ] (544) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، صَلَّوْا الظُّهْرَ فَالْعَصْرَ، وَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَطَهُرَتْ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، صَلَّوْا الْمَغْرِبَ وَعِشَاءَ الْآخِرَةِ) وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَامَّةُ التَّابِعِينَ يَقُولُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ، إلَّا الْحَسَنَ وَحْدَهُ قَالَ: لَا تَجِبُ إلَّا الصَّلَاةُ الَّتِي طَهُرَتْ فِي وَقْتِهَا وَحْدَهَا. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْأُولَى خَرَجَ فِي حَالِ عُذْرِهَا، فَلَمْ تَجِبْ كَمَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ وَقْتِ الثَّانِيَةِ شَيْئًا. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ قَدْرَ خَمْسِ رَكَعَاتٍ مِنْ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَجَبَتْ الْأُولَى؛ لِأَنَّ قَدْرَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْخَمْسِ وَقْتٌ لِلصَّلَاةِ الْأُولَى فِي حَالِ الْعُذْرِ، فَوَجَبَتْ بِإِدْرَاكِهِ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَدْرَكَ دُونَ ذَلِكَ. وَلَنَا مَا رَوَى الْأَثْرَمُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرُهُمَا، بِإِسْنَادِهِمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِرَكْعَةٍ: تُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، فَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، صَلَّتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا. وَلِأَنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلْأُولَى حَالَ الْعُذْرِ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ الْمَعْذُورُ لَزِمَهُ فَرْضُهَا، كَمَا يَلْزَمُهُ فَرْضُ الثَّانِيَةِ.
فصل القدر الذي يتعلق به الوجوب في الصلاة
[فَصْل الْقَدْرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ فِي الصَّلَاة] (545) فَصْلٌ: وَالْقَدْرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ قَدْرُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قَدْرُ رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ إدْرَاكٌ تَعَلَّقَ بِهِ إدْرَاكُ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَكُنْ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ كَإِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ: خَمْسُ رَكَعَاتٍ. وَلَنَا أَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ تَجِبُ بِهِ الثَّانِيَةُ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْأُولَى، كَالرَّكْعَةِ وَالْخَمْسِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلِأَنَّهُ إدْرَاكٌ فَاسْتَوَى فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ، كَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ، فَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الرَّكْعَةُ بِكَمَالِهَا؛ لِكَوْنِ الْجَمَاعَةِ شَرْطًا فِيهَا فَاعْتُبِرَ إدْرَاكُ رَكْعَةٍ كَيْ لَا يَفُوتَهُ شَرْطُهَا فِي مُعْظَمِهَا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. [فَصْلٌ أَدْرَكَ الْمُكَلَّفُ مِنْ وَقْتِ الْأُولَى مِنْ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ قَدْرًا تَجِبُ بِهِ ثُمَّ جُنَّ] (546) فَصْلٌ: وَإِنْ أَدْرَكَ الْمُكَلَّفُ مِنْ وَقْتِ الْأُولَى مِنْ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ قَدْرًا تَجِبُ بِهِ، ثُمَّ جُنَّ أَوْ كَانَتْ امْرَأَةً فَحَاضَتْ، أَوْ نَفِسَتْ، ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ بَعْدَ وَقْتِهَا، لَمْ تَجِبْ الثَّانِيَةُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ. وَالْأُخْرَى: يَجِبُ وَيَلْزَمُ قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّهَا إحْدَى صَلَاتَيْ الْجَمْعِ، فَوَجَبَتْ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ وَقْتِ الْأُخْرَى، كَالْأُولَى. وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا مِنْ وَقْتِهَا، وَلَا وَقْتِ تَبَعِهَا، فَلَمْ تَجِبْ، كَمَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ وَقْتِ الْأُولَى شَيْئًا، وَفَارَقَ مُدْرِكَ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ أَدْرَكَ وَقْتَ تَبَعِ الْأُولَى، فَإِنَّ الْأُولَى تُفْعَلُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ مَتْبُوعَةً مَقْصُودَةً يَجِبُ تَقْدِيمُهَا، وَالْبِدَايَةُ بِهَا، بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ مَعَ الْأُولَى، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الْجَمْعَ إلَّا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ لَيْسَ وَقْتُ الْأُولَى عِنْدَهُ وَقْتًا لِلثَّانِيَةِ بِحَالٍ، فَلَا يَكُونُ مُدْرِكًا لَشَيْءٍ مِنْ وَقْتِهَا، وَوَقْتُ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لَهُمَا جَمِيعًا، لِجَوَازِ فِعْلِ الْأُولَى فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَمَنْ جَوَّزَ الْجَمْعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى، فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ الثَّانِيَةِ رُخْصَةً تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ، وَتَرْكِ التَّفْرِيقِ، وَمَتَى أَخَّرَ الْأُولَى إلَى الثَّانِيَةِ كَانَتْ مَفْعُولَةً لَا وَاجِبَةً، لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا، وَلَا يَجِبُ نِيَّةُ جَمْعِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ تَرْكُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا تَجِبَ صَلَاةٌ إلَّا بِإِدْرَاكِ وَقْتِهَا. [فَصْل الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا كَافِرٍ وَلَا حَائِضٍ] (547) فَصْلٌ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ، وَلَا كَافِرٍ، وَلَا حَائِضٍ؛ إذْ لَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الْقَضَاءِ بِهَذِهِ الْحَالِ مَعْنًى، وَهَذَا الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ. فَأَمَّا الْحَائِضُ، فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهَا فِي بَابِهَا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنْ كَانَ أَصْلِيًّا لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي حَالِ كُفْرِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] وَأَسْلَمَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَبَعْدَهُ، فَلَمْ يُؤْمَرْ
أَحَدٌ مِنْهُمْ بِقَضَاءٍ، وَلِأَنَّ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ تَنْفِيرًا عَنْ الْإِسْلَامِ، فَعُفِيَ عَنْهُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي خِطَابِهِ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ فِي حَالِ كُفْرِهِ، مَعَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ إسْلَامِهِ، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا رِوَايَتَانِ. وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ، فَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا عَنْ أَحْمَدَ، فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ، رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ فِي حَالِ كُفْرِهِ، وَلَا فِي حَالِ إسْلَامِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ. وَلَوْ كَانَ قَدْ حَجَّ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ قَدْ حَبِطَ بِكُفْرِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] . فَصَارَ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ. وَالثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ، وَإِسْلَامِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ إنَّمَا يَحْبَطُ بِالْإِشْرَاكِ مَعَ الْمَوْتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [البقرة: 217] . فَشَرَطَ الْأَمْرَيْنِ لِحُبُوطِ الْعَمَلِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ أَقَرَّ بِوُجُوبِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهِ، وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ وَقَدَرَ عَلَى التَّسَبُّبِ إلَى أَدَائِهَا، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ، كَالْمُحْدِثِ. وَلَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ الْمُرْتَدَّةُ لَمْ يَلْزَمْهَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ حَيْضِهَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً ثَالِثَةً، أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِمَا تَرَكَ فِي حَالِ رِدَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ فِي حَالٍ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِهَا لِكُفْرِهِ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَ فِي إسْلَامِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَمُخَاطَبًا بِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ، فَبَقِيَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ بِحَالِهِ. قَالَ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ، وَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الْحَجِّ إنْ كَانَ قَدْ حَجَّ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ بَرِئَتْ مِنْهُ بِفِعْلِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، كَالصَّلَاةِ الَّتِي صَلَّاهَا فِي إسْلَامِهِ؛ وَلِأَنَّ الرِّدَّةِ لَوْ أَسْقَطَتْ حَجَّهُ وَأَبْطَلَتْهُ، لَأَبْطَلَتْ سَائِرَ عِبَادَاتِهِ الْمَفْعُولَةِ قَبْلَ رِدَّتِهِ. (548) فَصْلٌ: فَأَمَّا الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَعَنْهُ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَ عَشْرًا وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَعَلَى قَوْلِنَا إنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، مَتَى صَلَّى فِي الْوَقْتِ، ثُمَّ بَلَغَ فِيهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، وَفِي أَثْنَائِهَا، فَعَلَيْهِ إعَادَتُهَا. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْزِئُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى وَظِيفَةَ الْوَقْتِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهَا، كَالْبَالِغِ. وَلَنَا، أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، وَقَبْلَ سَبَبِ وُجُوبِهَا، فَلَمْ تَجْزِهِ عَمَّا وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ،
فصل المجنون غير مكلف
وَلِأَنَّهُ صَلَّى نَافِلَةً، فَلَمْ تَجْزِهِ عَنْ الْوَاجِبِ، كَمَا لَوْ نَوَى نَفْلًا، وَلِأَنَّهُ بَلَغَ فِي وَقْتِ الْعِبَادَةِ وَبَعْدَ فِعْلِهَا، فَلَزِمَتْهُ إعَادَتُهَا كَالْحَجِّ، وَوَظِيفَةُ الْوَقْتِ فِي حَقِّ الْبَالِغِ ظُهْرًا وَاجِبَةٌ، وَلَمْ يَأْتِ بِهَا. [فَصْلٌ الْمَجْنُونُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ] (549) فَصْلٌ: وَالْمَجْنُونُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ فِي حَالِ جُنُونِهِ، إلَّا أَنْ يُفِيقَ وَقْتَ الصَّلَاةِ، فَيَصِيرَ كَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ. وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ، وَعَنْ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَلِأَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ غَالِبًا، فَوُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ يَشُقُّ، فَعُفِيَ عَنْهُ. [مَسْأَلَة الْمُغْمَى عَلَيْهِ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّائِمِ] (550) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يَقْضِي جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي كَانَتْ فِي حَالِ إغْمَائِهِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّائِمِ، لَا يَسْقُطُ عَنْهُ قَضَاءُ شَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي يَجِبُ قَضَاؤُهَا عَلَى النَّائِمِ؛ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يُفِيقَ فِي جُزْءٍ مِنْ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ «سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الرَّجُلِ يُغْمَى عَلَيْهِ، فَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ قَضَاءٌ إلَّا أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ، فَيُفِيقَ فِي وَقْتِهَا، فَيُصَلِّيَهَا» . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ قَضَاهَا، وَإِنْ زَادَتْ سَقَطَ فَرْضُ الْقَضَاءِ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي التَّكْرَارِ، فَأَسْقَطَ الْقَضَاءَ، كَالْجُنُونِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ، أَنَّ عَمَّارًا غُشِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا لَا يُصَلِّي، ثُمَّ اسْتَفَاقَ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ: هَلْ صَلَّيْتُ؟ فَقِيلَ: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلَاثٍ. فَقَالَ: أَعْطُونِي وَضُوءًا، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَرَوَى أَبُو مِجْلَزٍ، أَنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ، قَالَ: الْمُغْمَى عَلَيْهِ - يَتْرُكُ الصَّلَاةَ، أَوْ فَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ - يُصَلِّي مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَاةً مِثْلَهَا قَالَ: قَالَ عِمْرَانُ: زَعْمٌ، وَلَكِنْ لِيُصَلِّهِنَّ جَمِيعًا. وَرَوَى الْأَثْرَمُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي " سُنَنِهِ ". وَهَذَا فِعْلُ الصَّحَابَةِ وَقَوْلُهُمْ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمْ مُخَالِفًا، فَكَانَ إجْمَاعًا. وَلِأَنَّ الْإِغْمَاءَ لَا يُسْقِطُ فَرْضَ الصِّيَامِ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ النَّوْمَ. فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ فَبَاطِلٌ يَرْوِيهِ الْحَاكِمُ بْنُ سَعْدٍ، وَقَدْ نَهَى أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، عَنْ حَدِيثِهِ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: تَرَكُوهُ. وَفِي إسْنَادِهِ خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ. وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ تَتَطَاوَلُ مُدَّتُهُ غَالِبًا، وَقَدْ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ صِيَامٌ، وَلَا شَيْءٌ
فصل شرب دواء فزال عقله به
مِنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ، وَتَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -، وَالْإِغْمَاءُ بِخِلَافِهِ، وَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ الْخَمْسِ لَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ الزَّائِدِ عَلَيْهَا، كَالنَّوْمِ. [فَصْلٌ شَرِبَ دَوَاءً فَزَالَ عَقْلُهُ بِهِ] (551) فَصْلٌ: وَمَنْ شَرِبَ دَوَاءً فَزَالَ عَقْلُهُ بِهِ نَظَرْتَ؛ فَإِنْ كَانَ زَوَالًا لَا يَدُومُ كَثِيرًا، فَهُوَ كَالْإِغْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ يَتَطَاوَلُ، فَهُوَ كَالْجُنُونِ. وَأَمَّا السُّكْرُ، وَمَنْ شَرِبَ مُحَرَّمًا يُزِيلُ عَقْلَهُ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ التَّكْلِيفِ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَلِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِالنَّوْمِ الْمُبَاحِ، فَبِالسُّكْرِ الْمُحَرَّمِ أَوْلَى. [فَصْلٌ مَا فِيهِ السُّمُومُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ] (552) فَصْلٌ: وَمَا فِيهِ السُّمُومُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ؛ إنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ شُرْبِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ الْهَلَاكَ بِهِ، أَوْ الْجُنُونَ، لَمْ يُبَحْ شُرْبُهُ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْهُ السَّلَامَةَ وَيُرْتَجَى مِنْهُ الْمَنْفَعَةُ، فَالْأَوْلَى إبَاحَةُ شُرْبِهِ، لِدَفْعِ مَا هُوَ أَخْطَرُ مِنْهُ، كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَدْوِيَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُبَاحَ؛ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ، فَلَمْ يُبَحْ، كَمَا لَوْ لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّدَاوِيَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَدْوِيَةِ يُخَافُ مِنْهُ، وَقَدْ أُبِيحَ لِدَفْعِ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ، فَإِذَا قُلْنَا يَحْرُمُ شُرْبُهُ، فَهُوَ كَالْمُحَرَّمَاتِ مِنْ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ قُلْنَا يُبَاحُ، فَهُوَ كَسَائِرِ الْأَدْوِيَةِ الْمُبَاحَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
باب الأذان
[بَاب الْأَذَان] ِ الْأَذَانُ إعْلَامٌ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ. وَالْأَصْلُ فِي الْأَذَانِ الْإِعْلَامُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 3] أَيْ: إعْلَامٌ، وَ: {آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنبياء: 109] أَيْ أَعْلَمْتُكُمْ، فَاسْتَوَيْنَا فِي الْعِلْمِ. وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ أَيْ: أَعْلَمَتْنَا. وَالْأَذَانُ الشَّرْعِيُّ هُوَ اللَّفْظُ الْمَعْلُومُ الْمَشْرُوعُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ لِلْإِعْلَامِ بِوَقْتِهَا. وَفِيهِ فَضْلٌ كَثِيرٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ» . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «إذَا كُنْتَ فِي غَنَمِك، أَوْ بَادِيَتِك، فَأَذَّنْت بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. أَخْرَجَهُمَا الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ أُرَاهُ قَالَ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَغْبِطُهُمْ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، رَجُلٌ نَادَى بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ وَرَجُلٌ يَؤُمُّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَعَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [فَصْلٌ هَلْ الْأَذَانُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِمَامَةِ] (553) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ، هَلْ الْأَذَانُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِمَامَةِ، أَوْ لَا؟ فَرُوِيَ أَنَّ الْإِمَامَةَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ، وَلَمْ يَتَوَلَّوْا الْأَذَانَ، وَلَا يَخْتَارُونَ إلَّا الْأَفْضَلَ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَةَ يُخْتَارُ لَهَا مَنْ هُوَ أَكْمَلُ حَالًا وَأَفْضَلُ، وَاعْتِبَارُ فَضِيلَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ مَنْزِلَتِهِ. وَالثَّانِيَةُ: الْأَذَانُ أَفْضَلُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ فِي فَضِيلَتِهِ، وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدْ الْأَئِمَّةَ،
مسألة صفة الأذان
وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَالْأَمَانَةُ أَعْلَى مِنْ الضَّمَانِ، وَالْمَغْفِرَةُ أَعْلَى مِنْ الْإِرْشَادِ، وَلَمْ يَتَوَلَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا خُلَفَاؤُهُ؛ لِضِيقِ وَقْتِهِمْ عَنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " لَوْلَا الْخِلَافَةُ لَأَذَّنْتُ ". وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (554) فَصْلٌ: وَالْأَصْلُ فِي الْأَذَانِ، مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، قَالَ: «حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِجَمْعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ، طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْت: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ فَقَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى، فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: تَقُولُ إذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ: إنَّهَا رُؤْيَا حَقٌّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ، فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ، فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ، وَيُؤَذِّنُ بِهِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَأَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ.» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَأَبُو دَاوُد، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ آخِرَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ مَشْرُوعٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. [مَسْأَلَة صِفَة الْأَذَان] (555) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: (وَيَذْهَبُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهَ، إلَى أَذَانِ بِلَالٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ اخْتِيَارَ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، مِنْ الْأَذَانِ أَذَانُ بِلَالٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ كَمَا وَصَفَ الْخِرَقِيِّ. وَجَاءَ فِي خَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ خَمْسَ عَشْرَةَ كِلْمَةً، لَا تَرْجِيعَ فِيهِ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ
مسألة صفة الإقامة
الرَّأْيِ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمَنْ تَبِعَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ: الْأَذَانُ الْمَسْنُونُ أَذَانُ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَهُوَ مِثْلُ مَا وَصَفْنَا، إلَّا أَنَّهُ يُسَنُّ التَّرْجِيعُ، وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ الشَّهَادَتَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، يَخْفِضُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ، ثُمَّ يُعِيدُهُمَا رَافِعًا بِهِمَا صَوْتَهُ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: التَّكْبِيرُ فِي أَوَّلِهِ مَرَّتَانِ حَسْبُ، فَيَكُونُ الْأَذَانُ عِنْدَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً. وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى أَبُو مَحْذُورَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَّنَهُ الْأَذَانَ، وَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ تَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَك، ثُمَّ تَرْفَعُ صَوْتَك بِالشَّهَادَةِ. أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.» ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ الْأَذَانِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِأَنَّ ابْنَ مُحَيْرِيزٍ، قَالَ: كَانَ الْأَذَانُ الَّذِي يُؤَذِّنُ بِهِ أَبُو مَحْذُورَةَ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَنَا، حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَائِمًا، سَفَرًا وَحَضَرًا، وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَذَانِهِ بَعْدَ أَذَانِ أَبِي مَحْذُورَةَ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ: إلَى أَيِّ الْأَذَانِ يَذْهَبُ؟ قَالَ: إلَى أَذَانِ بِلَالٍ، رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، ثُمَّ وَصَفَهُ. قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَلَيْسَ حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ؟ فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمَدِينَةِ؛ فَأَقَرَّ بِلَالًا عَلَى أَذَانِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ؟ وَهَذَا مِنْ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ، فَإِنْ رَجَّعَ فَلَا بَأْسَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ فَإِنَّ الْأَمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَمَرَ أَبَا مَحْذُورَةَ بِذِكْرِ الشَّهَادَتَيْنِ سِرًّا، لِيَحْصُلَ لَهُ الْإِخْلَاصُ بِهِمَا، فَإِنَّ الْإِخْلَاصَ فِي الْإِسْرَارِ بِهِمَا أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِهِمَا إعْلَانًا لِلْإِعْلَامِ، وَخَصَّ أَبَا مَحْذُورَةَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِهِمَا حِينَئِذٍ، فَإِنَّ فِي الْخَبَرِ «أَنَّهُ كَانَ مُسْتَهْزِئًا يَحْكِي أَذَانَ مُؤَذِّنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَوْتَهُ، فَدَعَاهُ، فَأَمَرَهُ بِالْأَذَانِ، قَالَ: وَلَا شَيْءَ عِنْدِي أَبْغَضُ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مِمَّا يَأْمُرُنِي بِهِ» . فَقَصَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُطْقَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ سِرًّا لِيُسْلِمَ بِذَلِكَ وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي غَيْرِهِ، وَدَلِيلُ هَذَا الِاحْتِمَالِ كَوْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ بِهِ بِلَالًا، وَلَا غَيْرَهُ مِمَّنْ كَانَ مُسْلِمًا ثَابِتَ الْإِسْلَامِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَة صِفَة الْإِقَامَة] (556) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَالْإِقَامَةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةُ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْإِقَامَةُ مِثْلُ الْأَذَانِ، وَيَزِيدُ الْإِقَامَةَ مَرَّتَيْنِ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ
مسألة آداب الأذان ومستحباته
بْنِ زَيْدٍ، «أَنَّ الَّذِي عَلَّمَهُ الْأَذَانَ أَمْهَلَ هُنَيْهَةً، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرَوَى ابْنُ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُ الْإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْإِقَامَةُ عَشْرُ كَلِمَاتٍ، تَقُولُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَنَا، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ.» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ وَصَفَ الْإِقَامَةَ كَمَا ذَكَرْنَا، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: فَقَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا. فَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الصَّحِيحُ مِثْلُ مَا رَوَيْنَاهُ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: الصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ: " ثُمَّ اسْتَأْخَرَ غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، وَجَعَلَهَا وِتْرًا، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ ". وَهَذِهِ زِيَادَةُ بَيَانٍ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا، وَتَقْدِيمُ الْعَمَلِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمَشْرُوحَةِ. وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي مَحْذُورَةَ فِي تَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ، فَإِنْ ثَبَتَ كَانَ الْأَخْذُ بِخَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَذَانُ بِلَالٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا وُجُوبَ تَقْدِيمِهِ فِي الْأَذَانِ، وَكَذَا فِي الْإِقَامَةِ، وَخَبَرُ أَبِي مَحْذُورَةَ مَتْرُوكٌ بِالْإِجْمَاعِ فِي التَّرْجِيعِ فِي الْإِقَامَةِ، وَلِذَلِكَ عَمِلْنَا نَحْنُ وَأَبُو حَنِيفَةَ بِخَبَرِهِ فِي الْأَذَانِ، وَأَخَذَ بِأَذَانِهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَهُمَا يَرَيَانِ إفْرَادَ الْإِقَامَةِ. [مَسْأَلَة آدَابِ الْأَذَانِ وَمُسْتَحَبَّاته] (557) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَتَرَسَّلُ فِي الْأَذَانِ وَيَحْدُرُ الْإِقَامَةَ) التَّرَسُّلُ التَّمَهُّلُ وَالتَّأَنِّي. مِنْ قَوْلِهِمْ: جَاءَ فُلَانٌ عَلَى رِسْلِهِ. وَالْحَدْرُ: ضِدُّ ذَلِكَ، وَهُوَ الْإِسْرَاعُ، وَقَطْعُ التَّطْوِيلِ وَهَذَا مِنْ آدَابِ الْأَذَانِ وَمُسْتَحَبَّاتِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ: إذَا أَذَّنْت فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْذِمْ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: وَأَصْلُ الْحَذْمِ فِي الْمَشْيِ إنَّمَا هُوَ الْإِسْرَاعُ، وَأَنْ يَكُونَ مَعَ هَذَا كَأَنَّهُ يَهْوِي بِيَدَيْهِ إلَى خَلْفِهِ. وَلِأَنَّ هَذَا مَعْنًى يَحْصُلُ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، فَاسْتُحِبَّ، كَالْإِفْرَادِ، وَلِأَنَّ، الْأَذَانَ إعْلَامُ الْغَائِبِينَ، وَالتَّثْبِيتُ فِيهِ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ، وَالْإِقَامَةَ إعْلَامُ الْحَاضِرِينَ، فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّثَبُّتِ فِيهَا.
مسألة التثويب بين الأذان والإقامة
(558) فَصْلٌ: ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، أَنَّهُ حَالَ تَرَسُّلِهِ وَدَرَجِهِ، لَا يَصِلُ الْكَلَامَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مُعْرَبًا، بَلْ جَزْمًا. وَحَكَاهُ عَنْ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ، عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: شَيْئَانِ مَجْزُومَانِ كَانُوا لَا يُعْرِبُونَهُمَا؛ الْأَذَانُ، وَالْإِقَامَةُ، قَالَ: وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى جَمَاعَتِهِمْ. [مَسْأَلَة التَّثْوِيبُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ] (559) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَقُولُ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ. مَرَّتَيْنِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ. مَرَّتَيْنِ، بَعْدَ قَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. وَيُسَمَّى التَّثْوِيبَ. وَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: التَّثْوِيبُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْفَجْرِ، أَنْ يَقُولَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، مَرَّتَيْنِ. حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. مَرَّتَيْنِ. وَلَنَا، مَا رَوَى النَّسَائِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، قَالَ «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي سُنَّةَ الْأَذَانِ، فَذَكَرَهُ، إلَى أَنْ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ: فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، قُلْت: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، مَرَّتَيْنِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . وَمَا ذَكَرُوهُ، فَقَالَ إِسْحَاقُ: هَذَا شَيْءٌ أَحْدَثَهُ النَّاسُ. وَقَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا التَّثْوِيبُ الَّذِي كَرِهَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ. وَهُوَ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ مِنْ الْمَسْجِدِ لَمَّا سَمِعَهُ. [فَصْلٌ التَّثْوِيبُ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ] (560) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ التَّثْوِيبُ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ، سَوَاءٌ ثَوَّبَ فِي الْأَذَانِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ بِلَالٍ، أَنَّهُ قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُثَوِّبَ فِي الْفَجْرِ، وَنَهَانِي أَنْ أُثَوِّبَ فِي الْعِشَاءِ.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ، فَسَمِعَ رَجُلًا يُثَوِّبُ فِي أَذَانِ الظُّهْرِ، فَخَرَجَ، فَقِيلَ لَهُ: أَيْنَ؟ فَقَالَ: أَخْرَجَتْنِي الْبِدْعَةُ. وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ وَقْتٌ يَنَامُ فِيهِ عَامَّةُ النَّاسِ، وَيَقُومُونَ إلَى الصَّلَاةِ عَنْ نَوْمٍ، فَاخْتُصَّتْ بِالتَّثْوِيبِ، لِاخْتِصَاصِهَا بِالْحَاجَةِ إلَيْهِ. [فَصْل الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ] (561) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ إلَّا لِعُذْرٍ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ، أَنْ لَا يَخْرُجَ أَحَدٌ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ. قَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ: كُنَّا قُعُودًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْمَسْجِدِ يَمْشِي، فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ،
مسألة الأذان قبل الوقت في غير الفجر
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَهُ الْأَذَانُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ، لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ، فَهُوَ مُنَافِقٌ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. فَأَمَّا الْخُرُوجُ لِعُذْرٍ فَمُبَاحٌ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ خَرَجَ مِنْ أَجْلِ التَّثْوِيبِ فِي غَيْرِ حِينِهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ نَوَى الرَّجْعَةَ؛ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. [مَسْأَلَة الْأَذَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ] (562) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أَذَّنَ لِغَيْرِ الْفَجْرِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، أَعَادَ إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ) . (563) فَصْلٌ: الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي أَنَّ الْأَذَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ لَا يُجْزِئُ. وَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يُؤَذَّنَ لِلصَّلَوَاتِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا، إلَّا الْفَجْرَ. وَلِأَنَّ الْأَذَانَ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ، فَلَا يُشْرَعُ قَبْلَ الْوَقْتِ، لِئَلَّا يُذْهِبَ مَقْصُودَهُ. [فَصْلٌ الْأَذَانُ لِلْفَجْرِ قَبْلَ وَقْتِهَا] (564) فَصْلٌ: الْفَصْلُ الثَّانِي، أَنَّهُ يُشْرَعُ الْأَذَانُ لِلْفَجْرِ قَبْلَ وَقْتِهَا. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ. وَمَنَعَهُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ: أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ، أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ» وَعَنْ بِلَالٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَك الْفَجْرُ هَكَذَا وَمَدَّ يَدَيْهِ عَرْضًا» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد. وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ: إذَا كَانَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ، يُؤَذِّنُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالْآخَرُ بَعْدَهُ، فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ يُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ يَحْصُلُ إعْلَامُ الْوَقْتِ بِأَحَدِهِمَا، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى دَوَامِ ذَلِكَ مِنْهُ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ، فَثَبَتَ جَوَازُهُ وَرَوَى زِيَادُ بْنُ الْحَارِثِ الصُّدَائِيُّ، قَالَ «لَمَّا كَانَ أَوَّلُ أَذَانِ الصُّبْحِ أَمَرَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَذَّنْتُ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أُقِيمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَى نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ، وَيَقُولُ: لَا. حَتَّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نَزَلَ، فَبَرَزَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَيَّ وَقَدْ تَلَاحَقَ أَصْحَابُهُ، فَتَوَضَّأَ، فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ أَخَا صُدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ قَالَ: فَأَقَمْتُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ: وَهَذَا قَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَذَانِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ، فَإِنَّ زِيَادًا أَذَّنَ وَحْدَهُ. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، قَالَ أَبُو دَاوُد: لَمْ يَرْوِهِ إلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ،
فصل لا يؤذن في الوقت تارة وقبله أخرى
والدراوردي، فَخَالَفَاهُ، وَقَالَا: مُؤَذِّنٌ لِعُمَرَ. وَهَذَا أَصَحُّ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: أَخْطَأَ فِيهِ، يَعْنِي حَمَّادًا، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَحَدِيثُهُمْ الْآخَرُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَقُومُ بِهِ وَلَا بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ؛ لِضَعْفِهِ وَانْقِطَاعِهِ. وَإِنَّمَا اخْتَصَّ الْفَجْرُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ النَّوْمِ، لِيَنْتَبِهَ النَّاسُ، وَيَتَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ إلَى الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا، وَقَدْ رَوَيْنَا فِي حَدِيثٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ؛ لِيَنْتَبِهَ نَائِمُكُمْ، وَيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَدَّمَ ذَلِكَ عَلَى الْوَقْتِ كَثِيرًا، إذَا كَانَ الْمَعْنَى فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَيُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ مِنْهُ. وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ بِلَالًا كَانَ بَيْنَ أَذَانِهِ وَأَذَانِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَصْعَدَ هَذَا» . وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا أَنْ لَا يُؤَذِّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مُؤَذِّنٌ آخَرُ يُؤَذِّنُ إذَا أَصْبَحَ. كَفِعْلِ بِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ الْإِعْلَامُ بِالْوَقْتِ الْمَقْصُودِ بِالْأَذَانِ، فَإِذَا كَانَا مُؤَذِّنَيْنِ حَصَلَ الْإِعْلَامُ بِالْوَقْتِ بِالثَّانِي، وَبِقُرْبِهِ بِالْمُؤَذِّنِ الْأَوَّلِ. [فَصْلٌ لَا يُؤَذِّنُ فِي الْوَقْتِ تَارَةً وَقَبْلَهُ أُخْرَى] فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي لِمَنْ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ أَنْ يَجْعَلَ أَذَانَهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي اللَّيَالِي كُلِّهَا؛ لِيَعْلَمَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِ، فَيَعْرِفُوا الْوَقْتَ بِأَذَانِهِ، وَلَا يُؤَذِّنُ فِي الْوَقْتِ تَارَةً وَقَبْلَهُ أُخْرَى، فَيَلْتَبِسَ عَلَى النَّاسِ وَيَغْتَرُّوا بِأَذَانِهِ، فَرُبَّمَا صَلَّى بَعْضُ مَنْ سَمِعَهُ الصُّبْحَ بِنَاءً عَلَى أَذَانِهِ قَبْلَ وَقْتِهَا، وَرُبَّمَا، امْتَنَعَ الْمُتَسَحِّرُ مِنْ سَحُورِهِ، وَالْمُتَنَفِّلُ مِنْ صَلَاتِهِ، بِنَاءً عَلَى أَذَانِهِ وَمَنْ عَلِمَ لَا يَسْتَفِيدُ بِأَذَانِهِ فَائِدَةً؛ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ. وَلَا يُقَدِّمُ الْأَذَانَ كَثِيرًا تَارَةً وَيُؤَخِّرُهُ أُخْرَى، فَلَا يُعْلَمُ الْوَقْتُ بِأَذَانِهِ، فَتَقِلُّ فَائِدَتُهُ. [فَصْلٌ الْأَذَانُ لِلْفَجْرِ بَعْدَ نَصِفْ اللَّيْلِ] (566) فَصْلٌ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَيَجُوزُ الْأَذَانُ لِلْفَجْرِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَخْرُجُ وَقْتُ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارُ، وَيَدْخُلُ وَقْتُ الدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ؛ وَوَقْتُ رَمْيِ الْجَمْرَةِ، وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ دِمَشْقَ يُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي السَّحَرِ بِقَدْرِ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ سِتَّةَ أَمْيَالٍ، فَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ مَكْحُولٌ، وَلَا يَقُولُ فِيهِ شَيْئًا. [فَصْلٌ الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَان] (567) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، لِئَلَّا يَغْتَرَّ النَّاسُ بِهِ فَيَتْرُكُوا سَحُورَهُمْ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُكْرَهَ فِي حَقِّ مَنْ عَرَفَ عَادَتَهُ بِالْأَذَانِ فِي اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ
فصل يستحب أن يؤذن في أول الوقت
أُمِّ مَكْتُومٍ» . وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، لِيَنْتَبِهَ نَائِمُكُمْ وَيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ» . [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ] (568) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، لِيَعْلَمَ النَّاسُ، فَيَأْخُذُوا أُهْبَتَهُمْ لِلصَّلَاةِ. وَرَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ بِلَالٌ لَا يُؤَخِّرُ الْأَذَانَ عَنْ الْوَقْتِ، وَرُبَّمَا أَخَّرَ الْإِقَامَةَ شَيْئًا. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ إذَا مَالَتْ الشَّمْسُ، لَا يُؤَخِّرُ، ثُمَّ لَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا خَرَجَ أَقَامَ حِينَ يَرَاهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ ". وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، بِقَدْرِ الْوُضُوءِ وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ، يَتَهَيَّئُونَ فِيهَا، وَفِي الْمَغْرِبِ يَفْصِلَ بِجَلْسَةٍ خَفِيفَةٍ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ لَا يُسَنُّ فِي الْمَغْرِبِ. وَلَنَا، مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " مُسْنَدِهِ " بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا بِلَالُ، اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك نَفَسًا، يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ طَعَامِهِ فِي مَهَلٍ، وَيَقْضِي حَاجَتَهُ فِي مَهَلٍ» . وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلَالٍ: اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ إذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَرَوَى تَمَّامٌ فِي " فَوَائِدِهِ "، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «جُلُوسُ الْمُؤَذِّنِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْمَغْرِبِ سُنَّةٌ» . قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: رَأَيْت أَحْمَدَ خَرَجَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ، فَحِينَ انْتَهَى إلَى مَوْضِعِ الصَّفِّ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ، فَجَلَسَ. وَرَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ وَبِلَالٌ فِي الْإِقَامَةِ، فَقَعَدَ» وَقَالَ أَحْمَدُ: يَقْعُدُ الرَّجُلُ مِقْدَارَ رَكْعَتَيْنِ إذَا أُذِّنَ الْمَغْرِبُ. قِيلَ مِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ وَصَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ وَلِأَنَّ الْأَذَانَ مُشَرَّعٌ لِلْإِعْلَامِ، فَيُسَنُّ الِانْتِظَارُ لِيُدْرِكَ النَّاسُ الصَّلَاةَ وَيَتَهَيَّئُوا لَهَا، دَلِيلُهُ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ. [مَسْأَلَة لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْجَنَابَة] مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَلَا يَسْتَحِبُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يُؤَذِّنَ إلَّا طَاهِرًا، فَإِنْ أَذَّنَ جُنُبًا أَعَادَ) الْمُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْجَنَابَةِ جَمِيعًا؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرُوِيَ مَوْقُوفًا، عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ
فصل ممن يصح الأذان
أَصَحُّ مِنْ الْمَرْفُوعِ. فَإِنْ أَذَّنَ مُحْدِثًا جَازَ، لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالطَّهَارَةُ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ لَهُ. وَإِنْ أَذَّنَ جُنُبًا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، لَا يُعْتَدُّ بِهِ. وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ. وَالْأُخْرَى، يُعْتَدُّ بِهِ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَدَثَيْنِ، فَلَمْ يُمْنَعُ صِحَّتُهُ كَالْآخَرِ. وَوَجْهُ الْأُولَى مَا رُوِيَ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «حَقٌّ وَسُنَّةٌ أَنْ لَا يُؤَذِّنَ أَحَدٌ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ» ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ لِلصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ الْقُرْآنَ وَالْخُطْبَةَ. [فَصْلٌ مِمَّنْ يَصِحُّ الْأَذَانُ] (570) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إلَّا مِنْ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ ذَكَرٍ، فَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمَجْنُونُ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ. وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ يُشْرَعُ لَهُ الْأَذَانُ، فَأَشْبَهَتْ الْمَجْنُونَ، وَلَا الْخُنْثَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ رَجُلًا. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَهَلْ يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ وَالْبُلُوغُ لِلِاعْتِدَادِ بِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فِي الصَّبِيِّ، وَوَجْهَيْنِ فِي الْفَاسِقِ: إحْدَاهُمَا: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ صَبِيٍّ وَلَا فَاسِقٍ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلْإِعْلَامِ، وَلَا يَحْصُلُ الْإِعْلَامُ بِقَوْلِهِمَا، لِأَنَّهُمَا مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ وَلَا رِوَايَتُهُ. وَلِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ: «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ» . وَالثَّانِيَةُ: يُعْتَدُّ بِأَذَانِهِ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيِّ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ عُمُومَتِي يَأْمُرُونَنِي أَنْ أُؤَذِّنَ لَهُمْ وَأَنَا غُلَامٌ، وَلَمْ أَحْتَلِمْ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ شَاهِدٌ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ. وَهَذَا مِمَّا يَظْهَرُ وَلَا يَخْفَى، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ ذَكَرٌ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، فَاعْتُدَّ بِأَذَانِهِ، كَالْعَدْلِ الْبَالِغِ. وَلَا خِلَافَ فِي الِاعْتِدَادِ بِأَذَانِ مَنْ هُوَ مَسْتُورُ الْحَالِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنْ هُوَ ظَاهِرُ الْفِسْقِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ عَدْلًا أَمِينًا بَالِغًا لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَغُرَّهُمْ بِأَذَانِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يُؤَذِّنُ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ، فَلَا يُؤْمَنُ مِنْهُ النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَاتِ. وَفِي الْأَذَانِ الْمُلَحَّنِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ مِنْهُ، فَهُوَ كَغَيْرِ الْمُلَحَّنِ. وَالْآخَرُ، لَا يَصِحُّ؛ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُؤَذِّنٌ يُطْرِبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ الْأَذَانَ سَهْلٌ سَمْحٌ، فَإِنْ كَانَ أَذَانُك سَهْلًا سَمْحًا، وَإِلَّا فَلَا تُؤَذِّنْ» .
فصل أذان الأعمى
[فَصْلٌ أَذَان الْأَعْمَى] (571) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ بَصِيرًا؛ لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يَعْرِفُ الْوَقْتَ، فَرُبَّمَا غَلِطَ، فَإِنْ أَذَّنَ الْأَعْمَى صَحَّ أَذَانُهُ فَإِنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ يُؤَذِّنُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ابْنُ عَمْرٍو: كَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ " أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ بَصِيرٌ يُعَرِّفُهُ الْوَقْتَ، أَوْ يُؤَذِّنَ بَعْدَ مُؤَذِّنٍ بَصِيرٍ، كَمَا كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ بَعْدَ أَذَانِ بِلَالٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْأَوْقَاتِ؛ لِيَتَحَرَّاهَا، فَيُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَرُبَّمَا غَلِطَ وَأَخْطَأَ. فَإِنْ أَذَّنَ الْجَاهِلُ صَحَّ أَذَانُهُ، فَإِنَّهُ إذَا صَحَّ أَذَانُ الْأَعْمَى فَالْجَاهِلُ أَوْلَى. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ صَيِّتًا، يُسْمِعُ النَّاسَ «وَاخْتَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا مَحْذُورَةَ لِلْأَذَانِ» لِكَوْنِهِ صَيِّتًا، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ؛ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْك» وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الصَّوْتِ؛ لِأَنَّهُ أَرَقُّ لِسَامِعِهِ. [فَصْلٌ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ] (572) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَكَرِهَهُ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ لِفَاعِلِهِ، لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ مُسْلِمٍ، فَلَمْ يَسْتَأْجِرْهُ عَلَيْهِ كَالْإِمَامَةِ. وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ. وَرَخَّصَ فِيهِ مَالِكٌ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَعْلُومٌ، يَجُوزُ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، فَجَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ. وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةً إلَيْهِ، وَقَدْ لَا يُوجَدُ مُتَطَوِّعٌ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يُدْفَعْ الرِّزْقُ فِيهِ يُعَطَّلُ، وَيَرْزُقُهُ الْإِمَامُ مِنْ الْفَيْءِ؛ لِأَنَّهُ الْمُعَدُّ لِلْمَصَالِحِ، فَهُوَ كَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْغُزَاةِ، وَإِنْ وُجِدَ مُتَطَوِّعٌ بِهِ لَمْ يَرْزُقْ غَيْرَهُ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. [فَصْل يَتَوَلَّى الْإِقَامَةَ مَنْ تَوَلَّى الْأَذَانَ] (573) فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَلَّى الْإِقَامَةَ مَنْ تَوَلَّى الْأَذَانَ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: لَا فَرْقَ
فصل يستحب أن يقيم في موضع أذانه
بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّهُ رَأَى الْأَذَانَ فِي الْمَنَامِ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ، فَأَذَّنَ بِلَالٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَا رَأَيْتُهُ، وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ. قَالَ: أَقِمْ أَنْتَ» . وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ. فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَوَلَّاهُمَا مَعًا وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ «إنَّ أَخَا صُدَاءٍ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ» . وَلِأَنَّهُمَا فِعْلَانِ مِنْ الذِّكْرِ، يَتَقَدَّمَانِ الصَّلَاةَ، فَيُسَنُّ أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا وَاحِدٌ، كَالْخُطْبَتَيْنِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَهَذَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَإِنْ سُبِقَ الْمُؤَذِّنُ بِالْأَذَانِ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَوْ أَعَادَ الْأَذَانَ كَمَا صَنَعَ أَبُو مَحْذُورَةَ، كَمَا رَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، قَالَ: رَأَيْت رَجُلًا أَذَّنَ قَبْلَ أَبِي مَحْذُورَةَ قَالَ: فَجَاءَ أَبُو مَحْذُورَةَ فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ. أَخْرَجَهُ الْأَثْرَمُ. فَإِنْ أَقَامَ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ فَلَا بَأْسَ، وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقِيمَ فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ] (574) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقِيمَ فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ. قَالَ أَحْمَدُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُقِيمَ فِي مَكَانِهِ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي فِيهِ شَيْءٌ إلَّا حَدِيثَ بِلَالٍ: " لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ " يَعْنِي لَوْ كَانَ يُقِيمُ فِي مَوْضِعِ صَلَاتِهِ، لَمَا خَافَ أَنْ يَسْبِقَهُ بِالتَّأْمِينِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا كَانَ يُكَبِّرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْإِقَامَةِ، وَلِأَنَّ الْإِقَامَةَ شُرِعَتْ لِلْإِعْلَامِ، فَشُرِعَتْ فِي مَوْضِعِهِ، لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْإِعْلَامِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا إذَا سَمِعْنَا الْإِقَامَةَ تَوَضَّأْنَا ثُمَّ خَرَجْنَا إلَى الصَّلَاةِ. إلَّا أَنْ يُؤَذِّنَ فِي الْمَنَارَةِ أَوْ مَكَان بَعِيدٍ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَيُقِيمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، لِئَلَّا يَفُوتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ. [فَصْلٌ الْمُؤَذِّنُ أُمْلَكُ بِالْأَذَانِ وَالْإِمَامُ أُمْلَكُ بِالْإِقَامَةِ] (575) فَصْلٌ: وَلَا يُقِيمُ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ الْإِمَامُ، فَإِنَّ بِلَالًا كَانَ يَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُقِيمُ أُقِيمُ؟ . وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْمُؤَذِّنُ أَمْلَكُ بِالْأَذَانِ، وَالْإِمَامُ أَمْلَكُ بِالْإِقَامَةِ. [مَسْأَلَة حُكْم تَرْكُ الْأَذَانِ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ صَلَّى بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، كَرِهْنَا لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يُعِيدُ) يُكْرَهُ تَرْكُ الْأَذَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ صَلَوَاتُهُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ، وَأَمَرَ بِهِ، قَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَا وَرَجُلٌ نُوَدِّعُهُ، فَقَالَ: إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ الْأَذَانَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ تَرْكَهُ مَكْرُوهًا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ. وَهَذَا قَوْلُ
فصل النداء في مساجد الجماعة
أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَقَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: هُوَ فَرْضٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ مَالِكًا وَصَاحِبَهُ، وَدَاوَمَ عَلَيْهِ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ وَأَصْحَابُهُ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَمُدَاوَمَتُهُ عَلَى فِعْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، فَكَانَ فَرْضًا كَالْجِهَادِ فَعَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا؛ إذَا قَامَ بِهِ مَنْ تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ؛ لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكْتَفِي بِهِ. وَإِنْ صَلَّى مُصَلٍّ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ، أَنَّهُمَا قَالَا: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَصَلَّى بِنَا، بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي ذَلِكَ إلَّا عَطَاءً، قَالَ: وَمَنْ نَسِيَ الْإِقَامَةَ يُعِيدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ قَالَ مَرَّةً: يُعِيدُ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ، فَإِنْ مَضَى الْوَقْتُ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَهَذَا شُذُوذٌ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ الْإِقَامَةَ أَحَدُ الْأَذَانَيْنِ، فَلَمْ تَفْسُدْ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا، كَالْآخَرِ. [فَصْلٌ النِّدَاءُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ] (577) فَصْلٌ: وَمَنْ أَوْجَبَ الْأَذَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا فَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ. كَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي: لَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ غَيْرِ الْمِصْرِ مِنْ الْمُسَافِرِينَ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا يَجِبُ النِّدَاءُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا لِلصَّلَاةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا شُرِعَ فِي الْأَصْلِ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ، لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ إلَى الصَّلَاةِ، وَيُدْرِكُوا الْجَمَاعَةَ، وَيَكْفِي فِي الْمِصْرِ أَذَانٌ وَاحِدٌ، إذَا كَانَ بِحَيْثُ يُسْمِعُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَكْفِي أَذَانٌ وَاحِدٌ فِي الْمَحَلَّةِ، وَيَجْتَزِئُ بَقِيَّتُهُمْ بِالْإِقَامَةِ. وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي الَّذِي يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ: يُجْزِئُهُ أَذَانُ الْمِصْرِ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَسْوَدِ، وَأَبِي مِجْلَزٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَعِكْرِمَةَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ: تَكْفِيهِ الْإِقَامَةُ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ: إنْ شَاءَ أَقَامَ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلَّذِي عَلَّمَهُ الصَّلَاةَ: «إذَا أَرَدْتَ الصَّلَاةَ فَأَحْسِنْ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ» وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْأَذَانِ، وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ النَّسَائِيّ: " فَأَقِمْ، ثُمَّ كَبِّرْ " وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَالْأَفْضَلُ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ يُصَلِّي قَضَاءً أَوْ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْأَذَانِ، لَمْ يَجْهَرْ بِهِ. وَإِنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ، فِي بَادِيَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، اُسْتُحِبَّ لَهُ الْجَهْرُ بِالْأَذَانِ؛ لِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ: «إذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْت ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» وَعَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُغِيرُ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَكَانَ إذَا سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ،
فصل من فاتته صلوات استحب له أن يؤذن للأولى ثم يقيم لكل صلاة إقامة
وَإِلَّا أَغَارَ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْفِطْرَةِ. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجْتَ مِنْ النَّارِ، فَنَظَرُوا فَإِذَا صَاحِبُ مَعَزٍ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. [فَصْلٌ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلْأُولَى ثُمَّ يُقِيمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةً] فَصْلٌ: وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلْأُولَى، ثُمَّ يُقِيمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةً، وَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنْ فَلَا بَأْسَ. قَالَ الْأَثْرَمُ؛ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ يَقْضِي صَلَاةً، كَيْفَ يَصْنَعُ فِي الْأَذَانِ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، حَتَّى ذَهَبَ مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ لَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ هُشَيْمٌ، جَعَلَهَا إقَامَةً إقَامَةً. قُلْت فَكَأَنَّك تَخْتَارُ حَدِيثَ هُشَيْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ زِيَادَةٌ، أَيُّ شَيْءٍ يَضُرُّهُ؟ وَهَذَا فِي الْجَمَاعَةِ. فَإِنْ كَانَ يَقْضِي وَحْدَهُ كَانَ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ أَدْنَى فِي حَقِّهِ، لِأَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ لِلْإِعْلَامِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِعْلَامِ هَاهُنَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ فَقَضَاهَا: لِيُؤَذِّنْ، وَيُقِمْ مَرَّةً وَاحِدَةً، يُصَلِّيهَا كُلَّهَا. فَسَهَّلَ فِي ذَلِكَ، وَرَآهُ حَسَنًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ؛ وَلَهُ قَوْلَانِ آخَرَانِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ يُقِيمُ وَلَا يُؤَذِّنُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ؛ «حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ الصَّلَاةِ، حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بِهَوِيٍّ مِنْ اللَّيْلِ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا، فَأَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، فَصَلَّاهَا، ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ الْعَصْرَ، فَصَلَّاهَا» . وَلِأَنَّ الْأَذَانَ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ، وَقَدْ فَاتَ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إنْ رُجِيَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ أَذَّنَ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ مَشْرُوعٌ لِلْإِعْلَامِ، فَلَا يُشْرَعُ إلَّا مَعَ الْحَاجَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُؤَذِّنُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَيُقِيمُ؛ لِأَنَّ مَا سُنَّ لِلصَّلَاةِ فِي أَدَائِهَا سُنَّ فِي قَضَائِهَا، كَسَائِرِ الْمَسْنُونَاتِ. وَلَنَا، حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ، «أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَامُوا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا بِلَالُ، قُمْ فَأَذِّنْ النَّاسَ بِالصَّلَاةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَيْضًا. قَالَ: «فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ فَصَلَّيْنَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ، وَلِأَنَّ الثَّانِيَةَ مِنْ الْفَوَائِتِ صَلَاةٌ وَقَدْ أُذِّنَ لِمَا قَبْلَهَا، فَأَشْبَهَتْ الثَّانِيَةَ مِنْ الْمَجْمُوعَتَيْنِ، وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقَضٌ بِهَذَا.
فصل حكم الأذان عند الجمع بين صلاتين
[فَصْلٌ حُكْم الْأَذَان عِنْد الْجَمْع بَيْنَ صَلَاتَيْنِ] (579) فَصْلٌ: فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ أُولَاهُمَا، اُسْتُحِبَّ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلْأُولَى وَيُقِيمَ، ثُمَّ يُقِيمَ لِلثَّانِيَةِ. وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَهُمَا كَالْفَائِتَتَيْنِ، لَا يَتَأَكَّدُ الْأَذَانُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْأُولَى مِنْهُمَا تُصَلَّى فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، وَالثَّانِيَةَ مَسْبُوقَةٌ بِصَلَاةٍ قَبْلَهَا. وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا بَأْسَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَجْمُوعَتَيْنِ: لَا يُقِيمُ لِلثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ «ابْنَ عُمَرَ رَوَى أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِمُزْدَلِفَةَ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ. صَحِيحٌ» . وَقَالَ مَالِكٌ: يُؤَذِّنُ لِلْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَيُقِيمُ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا صَلَاةٌ يُشْرَعُ لَهَا الْأَذَانُ، وَهِيَ مَفْعُولَةٌ فِي وَقْتِهَا، فَيُؤَذِّنُ لَهَا كَالْأُولَى. وَلَنَا عَلَى الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى، مَا رَوَى جَابِرٌ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّ الْأُولَى مِنْهُمَا فِي وَقْتِهَا، فَيُشْرَعُ لَهَا الْأَذَانُ كَمَا لَوْ لَمْ يَجْمَعْهُمَا. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْجَمْعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ، فَلَا بَأْسَ؛ لِحَدِيثٍ آخَرَ، وَلِأَنَّ الْأُولَى مَفْعُولَةٌ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، فَأَشْبَهَتْ الْفَائِتَةَ، وَالثَّانِيَةَ مِنْهُمَا مَسْبُوقَةٌ بِصَلَاةٍ، فَلَا يُشْرَعُ لَهَا الْأَذَانُ، كَالثَّانِيَةِ مِنْ الْفَوَائِتِ، وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ يُخَالِفُ الْخَبَرَ الصَّحِيحَ، وَقَدْ رَوَاهُ فِي " مُوَطَّئِهِ " وَذَهَبَ إلَى مَا سِوَاهُ. [فَصْلٌ الْأَذَانُ فِي السَّفَرِ] (580) فَصْلٌ: وَيُشْرَعُ الْأَذَانُ فِي السَّفَرِ لِلرَّاعِي وَأَشْبَاهِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُقِيمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةً، إلَّا الصُّبْحَ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لَهَا وَيُقِيمُ، وَكَانَ يَقُولُ: إنَّمَا الْأَذَانُ عَلَى الْأَمِيرِ، وَالْإِقَامَةُ عَلَى الَّذِي يَجْمَعُ النَّاسَ، وَعَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ لَا يُقِيمُ فِي أَرْضٍ تُقَامُ فِيهَا الصَّلَاةُ وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: إنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ، وَالثَّوْرِيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ: تُجْزِئُهُ الْإِقَامَةُ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ فِي الْمُسَافِرِينَ: إذَا كَانُوا رِفَاقًا أَذَّنُوا وَأَقَامُوا، وَإِذَا كَانَ وَحْدَهُ أَقَامَ لِلصَّلَاةِ وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُؤَذِّنُ لَهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، وَعِمْرَانَ، وَزِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ، وَأَمَرَ بِهِ مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ وَصَاحِبَهُ، وَمَا نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ فِي هَذَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا الْوَاحِدَ وَحْدَهُ، وَقَدْ بَيَّنَهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِي كَلَامِهِ، وَالْأَذَانُ مَعَ ذَلِكَ أَفْضَلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ، وَرَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ الشَّظِيَّةِ لِلْجَبَلِ، يُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اُنْظُرُوا
فصل من دخل مسجدا قد صلي فيه
إلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَقَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ: إذَا كَانَ الرَّجُلُ بِأَرْضٍ فِي (1) فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، صَلَّى خَلْفَهُ مَلَكَانِ، فَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مَا لَا يُرَى قُطْرَاهُ (2) يَرْكَعُونَ بِرُكُوعِهِ، وَيَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ، وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ. [فَصْلٌ مَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ صُلِّيَ فِيهِ] (581) فَصْلٌ: وَمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ صُلِّيَ فِيهِ، فَإِنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ صَلَّوْا فِيهِ، فَأَمَرَ رَجُلًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى بِهِمْ فِي جَمَاعَةٍ. وَإِنْ شَاءَ صَلَّى مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ؛ فَإِنَّ عُرْوَةَ قَالَ: إذَا انْتَهَيْت إلَى مَسْجِدٍ قَدْ صَلَّى فِيهِ نَاسٌ أَذَّنُوا وَأَقَامُوا، فَإِنَّ أَذَانَهُمْ وَإِقَامَتَهُمْ تُجْزِئُ عَمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، إلَّا أَنَّ الْحَسَنَ، قَالَ: كَانَ أَحَبُّ إلَيْهِمْ أَنْ يُقِيمَ. وَإِذَا أَذَّنَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْفِيَ ذَلِكَ وَلَا يَجْهَرَ بِهِ؛ لِيَغُرَّ النَّاسَ بِالْأَذَانِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ. [فَصْلٌ لَيس عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ] (582) فَصْلٌ: وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَهَلْ يُسَنُّ لَهُنَّ ذَلِكَ؟ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ: إنْ فَعَلْنَ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْنَ فَجَائِزٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: هَلْ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْإِقَامَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّهَا تُقِيمُ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ أَذَّنَّ وَأَقَمْنَ فَلَا بَأْسَ. وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِّنُ وَتُقِيمُ. وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ لَهَا أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا وَيُقَامَ، وَتَؤُمَّ نِسَاءَ أَهْلِ دَارِهَا» . وَقِيلَ: إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَرْوِيهِ الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَرَوَى النَّجَّادُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ» . وَلِأَنَّ الْأَذَانَ فِي الْأَصْلِ لِلْإِعْلَامِ، وَلَا يُشْرَعُ لَهَا ذَلِكَ، وَالْأَذَانُ يُشْرَعُ لَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَلَا يُشْرَعُ لَهَا رَفْعُ الصَّوْتِ، وَمَنْ لَا يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ الْأَذَانُ لَا يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ الْإِقَامَةُ، كَغَيْرِ الْمُصَلِّي، وَكَمَنْ أَدْرَكَ بَعْضَ الْجَمَاعَةِ.
مسألة يجعل أصابعه مضمومة على أذنيه في الأذان
[مَسْأَلَة يَجْعَلُ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً عَلَى أُذُنَيْهِ فِي الْأَذَان] (583) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَجْعَلُ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً عَلَى أُذُنَيْهِ) الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَجْعَلُ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَجْعَلَ الْمُؤَذِّنُ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ؛ لِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ، «أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ وَوَضَعَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ سَعْدٍ، مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَجْعَلَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَقَالَ: إنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِك» . وَرَوَى أَبُو طَالِبٍ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْعَلَ يَدَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ، عَلَى حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ. وَضَمَّ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ وَوَضَعَهَا عَلَى أُذُنَيْهِ، وَحَكَى أَبُو حَفْصٍ، عَنْ ابْنِ بَطَّةَ، قَالَ: سَأَلْت أَبَا الْقَاسِمِ الْخِرَقِيِّ عَنْ صِفَةِ ذَلِكَ؟ فَأَرَانِيهِ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، فَضَمَّ أَصَابِعَهُ عَلَى رَاحَتَيْهِ، وَوَضَعَهُمَا عَلَى أُذُنَيْهِ. وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ الْقَاضِي بِمَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ إذَا بَعَثَ مُؤَذِّنًا يَقُولُ لَهُ: اُضْمُمْ أَصَابِعَك مَعَ كَفَّيْك، وَاجْعَلْهَا مَضْمُومَةً عَلَى أُذُنَيْك. وَبِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَضُمُّ أَصَابِعَهُ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَشُهْرَتِهِ وَعَمَلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ، وَأَيُّهُمَا فَعَلَ فَحَسَنٌ، وَإِنْ تَرَكَ الْكُلَّ فَلَا بَأْسَ. [فَصْلٌ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ] (584) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ؛ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي إعْلَامِهِ، وَأَعْظَمَ لِثَوَابِهِ، كَمَا ذُكِرَ فِي خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ، وَلَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ فِي رَفْعِ صَوْتِهِ زِيَادَةً عَلَى طَاقَتِهِ؛ لِئَلَّا يَضُرَّ بِنَفْسِهِ، وَيَنْقَطِعَ صَوْتُهُ: فَإِنْ أَذَّنَ لِعَامَّةِ النَّاسِ جَهَرَ بِجَمِيعِ الْأَذَانِ، وَلَا يَجْهَرُ بِبَعْضٍ، وَيُخَافِتُ بِبَعْضٍ؛ لِئَلَّا يَفُوتَ مَقْصُودُ الْأَذَانِ، وَهُوَ الْإِعْلَامُ. وَإِنْ أَذَّنَ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِجَمَاعَةٍ خَاصَّةٍ حَاضِرِينَ، جَازَ أَنْ يُخَافِتَ وَيَجْهَرَ، وَأَنْ يُخَافِتَ بِبَعْضٍ وَيَجْهَرَ بِبَعْضٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِ الْأَذَانِ. فَلَا يَجْهَرَ بِشَيْءٍ مِنْهُ؛ لِئَلَّا يَغُرَّ النَّاسَ بِأَذَانِهِ. [فَصْلٌ يَنْبَغِي أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا] (585) فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا. وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلَالٍ قُمْ فَأَذِّنْ» . وَكَانَ مُؤَذِّنُو رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤَذِّنُونَ قِيَامًا. وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ قَاعِدًا قَالَ الْحَسَنُ الْعَبْدِيُّ: رَأَيْت أَبَا زَيْدٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ رِجْلُهُ أُصِيبَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يُؤَذِّنُ قَاعِدًا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. فَإِنْ أَذَّنَ قَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ كَرِهَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَيَصِحُّ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِآكَدَ مِنْ الْخُطْبَةِ، وَتَصِحُّ مِنْ الْقَاعِدِ. قَالَ الْأَثْرَمُ: وَسَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْأَذَانِ عَلَى الرَّاحِلَةِ؟ فَسَهَّلَ
فصل يستحب أن يؤذن على شيء مرتفع
فِيهِ، وَقَالَ: أَمْرُ الْأَذَانِ عِنْدِي سَهْلٌ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُقِيمُ. وَإِذَا أُبِيحَ التَّنَفُّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَالْأَذَانُ أَوْلَى. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ] فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ؛ لِيَكُونَ أَبْلَغَ لِتَأْدِيَةِ صَوْتِهِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَالَتْ: كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الْفَجْرَ، فَيَأْتِي بِسَحَرٍ، فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ يَنْظُرُ إلَى الْفَجْرِ فَإِذَا رَآهُ تَمَطَّى، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَعِينُك وَأَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ، أَنْ يُقِيمُوا دِينَكَ. قَالَتْ: ثُمَّ يُؤَذِّنُ. وَفِي حَدِيثِ بَدْءِ الْأَذَانِ، فَقَالَ «رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْت رَجُلًا، كَأَنَّ عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ أَخْضَرَيْنِ، فَقَامَ عَلَى الْمَسْجِدِ فَأَذَّنَ، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ» . [فَصْلٌ الْكَلَامَ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ] (587) فَصْلٌ: وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ وَكَرِهَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا يَقْتَدِي بِهِ فَعَلَ ذَلِكَ. وَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ. فَإِنْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ يَسِيرٍ جَازَ. وَإِنْ طَالَ الْكَلَامُ بَطَلَ الْأَذَانُ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ الْمَشْرُوطَةَ فِي الْأَذَانِ، فَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ أَذَانٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ سَكَتَ سُكُوتًا طَوِيلًا، أَوْ نَامَ نَوْمًا طَوِيلًا، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أَوْ أَصَابَهُ جُنُونٌ يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ، بَطَلَ أَذَانُهُ. وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ يَسِيرًا مُحَرَّمًا كَالسَّبِّ وَنَحْوِهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا، لَا يَقْطَعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ، فَأَشْبَهَ الْمُبَاحَ. وَالثَّانِي؛ يَقْطَعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِيهِ. وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا يُسْتَحَبُّ حَدْرُهَا، وَأَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا. قَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ فِي أَذَانِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ لَهُ: يَتَكَلَّمُ فِي الْإِقَامَةِ؟ فَقَالَ: لَا. [فَصْلٌ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى أَذَانِ غَيْره] (588) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى أَذَانِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ شَخْصَيْنِ، كَالصَّلَاةِ. وَالرِّدَّةُ تُبْطِلُ الْأَذَانَ إنْ وُجِدَتْ فِي أَثْنَائِهِ، فَإِنْ وُجِدَتْ بَعْدَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ قَوْلِهِ فِي الطَّهَارَةِ أَنْ تُبْطِلَ أَيْضًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ؛ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ بَعْدَ فَرَاغِهِ، وَانْقِضَاءِ حُكْمِهِ، بِحَيْثُ لَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ مِنْ مُبْطِلَاتِهِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ إذَا وُجِدَتْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ، فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِمُبْطِلَاتِهَا، فَالْأَذَانُ أَشْبَهُ بِالصَّلَاةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ مِنْهُ بِالطَّهَارَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فصل لا يصح الأذان إلا مرتبا
[فَصْلٌ لَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إلَّا مُرَتَّبًا] (589) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إلَّا مُرَتَّبًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ يَخْتَلُّ بِعَدَمِ التَّرْتِيبِ، وَهُوَ الْإِعْلَامُ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُرَتَّبًا، لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ أَذَانٌ، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ فِي الْأَصْلِ مُرَتَّبًا، وَعَلَّمَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا مَحْذُورَةَ مُرَتَّبًا. [مَسْأَلَة يُدِيرَ الْمُؤَذِّن وَجْهِهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ عِنْد الْحَيْعَلَتَيْنِ] (590) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَيُدِيرُ وَجْهَهُ عَلَى يَمِينِهِ إذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَى يَسَارِهِ إذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. وَلَا يُزِيلُ قَدَمَيْهِ) الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ فَإِنَّ مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يُؤَذِّنُونَ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُدِيرَ وَجْهَهُ عَلَى يَمِينِهِ، إذَا قَالَ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " وَعَلَى يَسَارِهِ، إذَا قَالَ " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ". وَلَا يُزِيلُ قَدَمَيْهِ عَنْ الْقِبْلَةِ فِي الْتِفَاتِهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ، قَالَ: رَأَيْت بِلَالًا يُؤَذِّنُ، وَأَتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَا هُنَا وَأُصْبُعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ قَالَ: «أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، فَخَرَجَ بِلَالٌ فَأَذَّنَ، فَلَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَمْ يَسْتَدِرْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا يَسْتَدِيرُ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ فَوْقَ الْمَنَارَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا، عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ أَذَّنَ فِي الْمَنَارَةِ رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، لَا يَدُورُ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ، فَكُرِهَ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَالثَّانِيَةُ، يَدُورُ فِي مَجَالِهَا، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْإِعْلَامُ بِدُونِهِ، وَتَحْصِيلُ الْمَقْصُودِ بِالْإِخْلَالِ بِأَدَبٍ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ، وَلَوْ أَخَلَّ بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَشَى فِي أَذَانِهِ، لَمْ يَبْطُلْ، فَإِنَّ الْخُطْبَةَ آكَدُ مِنْ الْأَذَانِ، وَلَا تَبْطُلُ بِهَذَا. وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الرَّجُلِ يُؤَذِّنُ وَهُوَ يَمْشِي؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَمْرُ الْأَذَانِ عِنْدِي سَهْلٌ. وَسُئِلَ عَنْ الْمُؤَذِّنِ يَمْشِي وَهُوَ يُقِيمُ قَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ يَفْرُغَ ثُمَّ يَمْشِي. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: وَفِي الْمُسَافِرِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَأَرْجُو أَنْ يُجْزِئَ. [مَسْأَلَة يُسْتَحَبّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولُ كَمَا يَقُولُ] (591) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ) لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فَإِذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَابْنُهُ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ. وَقَالَ غَيْرُ الْخِرَقِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْحَيْعَلَةِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَنَّهُ كَانَ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ، قَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ، فَإِذَا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.» " وَرَوَى حَفْصُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ،
فصل الدعاء بين الأذان والإقامة
عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ: هَذَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْجِيَادِ - يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ - وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، أَوْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا. (592) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِي الْإِقَامَةِ مِثْلَ مَا يَقُولُ، وَيَقُولَ عِنْدَ كَلِمَةِ الْإِقَامَةِ: أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ بِلَالًا أَخَذَ فِي الْإِقَامَةِ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ. قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا» . وَقَالَ فِي سَائِرِ الْإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الْأَذَانِ. [فَصْلٌ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ] (593) فَصْلٌ: رَوَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، رَضِيتُ بِاَللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَسُولًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ. حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «عَلَّمَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقُولَ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ: اللَّهُمَّ هَذَا إقْبَالُ لَيْلِكَ وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دُعَائِكَ، فَاغْفِرْ لِي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى أَنَسٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، أَيْضًا [فَصْلٌ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ وَهُوَ فِي قِرَاءَة قَطَعَهَا] فَصْلٌ: وَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ، وَهُوَ فِي قِرَاءَةٍ، قَطَعَهَا، لِيَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ، وَالْقِرَاءَةُ لَا تَفُوتُ. وَإِنْ سَمِعَهُ فِي الصَّلَاةِ، لَمْ يَقُلْ مِثْلَ قَوْلِهِ؛ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عَنْ الصَّلَاةِ بِمَا لَيْسَ مِنْهَا، وَقَدْ رُوِيَ: " إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا ". وَإِنْ قَالَهُ مَا عَدَا الْحَيْعَلَةَ لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ، وَإِنْ قَالَ الدُّعَاءَ إلَى الصَّلَاةِ فِيهَا، بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ. [فَصْلٌ إذَا أَذَّنَ فَقَالَ كَلِمَةً مِنْ الْأَذَانِ قَالَ مِثْلَهَا سِرًّا] (595) فَصْلٌ: وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَذَّنَ، فَقَالَ كَلِمَةً مِنْ الْأَذَانِ، قَالَ مِثْلَهَا سِرًّا فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ
فصل الزيادة على مؤذنين
مُسْتَحَبًّا، لِيَكُونَ مَا يُظْهِرُهُ أَذَانًا وَدُعَاءً إلَى الصَّلَاةِ، وَمَا يُسِرُّهُ ذِكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَيَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَمِعَ الْأَذَانَ. (596) فَصْلٌ: قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يَقُومُ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ مُبَادِرًا يَرْكَعُ؟ فَقَالَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ رُكُوعُهُ بَعْدَمَا يَفْرُغُ الْمُؤَذِّنُ، أَوْ يَقْرُبُ مِنْ الْفَرَاغِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: إنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ حِينَ يَسْمَعُ الْأَذَانَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ بِالْقِيَامِ. وَإِنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَسَمِعَ الْمُؤَذِّنَ اُسْتُحِبَّ لَهُ انْتِظَارُهُ لِيَفْرُغَ، وَيَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ جَمْعًا بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ. وَإِنْ لَمْ يَقُلْ كَقَوْلِهِ وَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ، فَلَا بَأْسَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. [فَصْل الزِّيَادَةُ عَلَى مُؤَذِّنَيْنِ] (597) فَصْلٌ: وَلَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى مُؤَذِّنَيْنِ؛ لِأَنَّ الَّذِي حُفِظَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ، بِلَالٌ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ. إلَّا أَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا فَيَجُوزَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ. وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، كَانَ مَشْرُوعًا، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ؛ وَكَانَ الْوَاحِدُ يُسْمِعُ النَّاسَ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ لِأَنَّ مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَحَدُهُمَا يُؤَذِّنُ بَعْدَ الْآخَرِ. وَإِنْ كَانَ الْإِعْلَامُ لَا يَحْصُلُ بِوَاحِدٍ، أَذَّنُوا عَلَى حَسَبِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ؛ أَمَّا أَنْ يُؤَذِّنَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَنَارَةٍ أَوْ نَاحِيَةٍ، أَوْ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ: قَالَ أَحْمَدُ إنْ أَذَّنَ عِدَّةٌ فِي مَنَارَةٍ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ خَافُوا مِنْ تَأْذِينِ وَاحِدٍ بَعْدَ الْآخَرِ فَوَاتَ أَوَّلِ الْوَقْتِ، أَذَّنُوا جَمِيعًا دَفْعَةً وَاحِدَةً. [فَصْلٌ لَا يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ] (598) فَصْلٌ: وَلَا يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ، إلَّا أَنْ يَتَخَلَّفَ وَيُخَافُ فَوَاتِ وَقْتِ التَّأْذِينِ فَيُؤَذِّنَ غَيْرُهُ، كَمَا رُوِيَ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ، أَنَّهُ أَذَّنَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ غَابَ بِلَالٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَهُ. وَأَذَّنَ رَجُلٌ حِينَ غَابَ أَبُو مَحْذُورَةَ قَبْلَهُ. فَأَمَّا مَعَ حُضُورِهِ فَلَا يَسْبِقُ بِالْأَذَانِ، فَإِنَّ مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُمْ يَسْبِقُهُمْ بِالْأَذَانِ. [فَصْلٌ إذَا تَشَاحَّ نَفْسَانِ فِي الْأَذَانِ] (599) فَصْلٌ: وَإِذَا تَشَاحَّ نَفْسَانِ فِي الْأَذَانِ قُدِّمَ أَحَدُهُمَا فِي الْخِصَالِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّأْذِينِ، فَيُقَدَّمُ مَنْ كَانَ أَعْلَى صَوْتًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: «أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْك» . وَقَدَّمَ أَبَا مَحْذُورَةَ لِصَوْتِهِ. وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ مَنْ كَانَ أَبْلَغَ فِي مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ، وَأَشَدَّ مُحَافَظَةً عَلَيْهِ، وَمَنْ يَرْتَضِيهِ الْجِيرَانُ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ يَبْلُغُهُمْ صَوْتُهُ وَمَنْ هُوَ أَعَفُّ عَنْ النَّظَرِ. فَإِنْ تَسَاوَيَا مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ
فصل اللحن في الأذان
يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ، لَاسْتَهَمُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمَّا تَشَاحَّ النَّاسُ فِي الْأَذَانِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ. [فَصْل اللَّحْنُ فِي الْأَذَانِ] فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ اللَّحْنُ فِي الْأَذَانِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا غَيَّرَ الْمَعْنَى. فَإِنَّ مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَنَصَبَ لَامَ " رَسُولُ "، أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرًا. وَلَا يَمُدُّ لَفْظَةَ، " أَكْبَرُ " لِأَنَّهُ يَجْعَلُ فِيهَا أَلِفًا، فَيَصِيرُ جَمْعَ كَبَرٍ، وَهُوَ الطَّبْلُ. وَلَا تُسْقَطُ الْهَاءُ مِنْ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْمِ الصَّلَاةِ، وَلَا الْحَاءُ مِنْ الْفَلَاحِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُؤَذِّنُ لَكُمْ مَنْ يُدْغِمُ الْهَاءَ قُلْنَا: وَكَيْفَ يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْأَفْرَادِ. فَأَمَّا إنْ كَانَ أَلْثَغَ لُثْغَةً لَا تَتَفَاحَشُ، جَازَ أَذَانُهُ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يَقُولُ " أَسْهَدُ " يَجْعَلُ الشِّينَ سِينًا. وَإِنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ أَكْمَلَ وَأَحْسَنَ. [فَصْلٌ إذَا أَذَّنَ فِي الْوَقْتِ كَرِهَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ] (601) فَصْلٌ: وَإِذَا أَذَّنَ فِي الْوَقْتِ، كُرِهَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِحَاجَةٍ ثُمَّ يَعُودَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا اُحْتِيجَ إلَى إقَامَةِ الصَّلَاةِ فَلَا يُوجَدُ. وَإِنْ أَذَّنَ قَبْلَ الْوَقْتِ لِلْفَجْرِ، فَلَا بَأْسَ بِذَهَابِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى حُضُورِهِ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي الرَّجُلِ يُؤَذِّنُ فِي اللَّيْلِ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَيَدْخُلُ الْمَنْزِلَ، وَيَدَعُ الْمَسْجِدَ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ إذَا أَذَّنَ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَلَا أَرَى لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يُصَلِّيَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ الْحَاجَةُ. (602) فَصْلٌ: وَإِنْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فِي بَيْتِهِ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِدِ، فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَلَا؛ لِأَنَّ الْقَرِيبَ أَذَانُهُ مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ، فَيَأْتِيهِ السَّامِعُونَ لِلْأَذَانِ، وَالْبَعِيدَ رُبَّمَا سَمِعَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْمَسْجِدَ، فَيَغْتَرُّ بِهِ وَيَقْصِدُهُ، فَيَضِيعُ عَنْ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي الَّذِي يُؤَذِّنُ فِي بَيْتِهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ طَرِيقٌ يُسْمِعُ النَّاسَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. وَقَالَ، فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ، فِيمَنْ يُؤَذِّنُ فِي بَيْتِهِ عَلَى سَطْحٍ: مَعَاذَ اللَّهِ، مَا سَمِعْنَا أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا. فَالْأَوَّلُ الْمُرَادُ بِهِ الْقَرِيبُ، وَلِهَذَا كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَى سَطْحِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، لَمَّا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِدِ عَالِيًا. وَالثَّانِي مَحْمُولٌ عَلَى الْبَعِيدِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. [فَصْلٌ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَأَقَامَ] (603) فَصْلٌ: إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، وَأَقَامَ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لِسَائِرِ النَّاسِ أَنْ يُؤَذِّنَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ فِي نَفْسِهِ وَيُقِيمَ، بَعْدَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ، وَلَكِنْ يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا وَرَدَتْ بِهَذَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
باب استقبال القبلة
[بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ] ِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ إلَّا فِي الْحَالَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْخِرَقِيِّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] . يَعْنِي نَحْوَهُ، كَمَا أَنْشَدُوا أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنَّا رَسُولًا ... وَمَا تُغْنِي الرِّسَالَةُ شَطْرَ عَمْرِو أَيْ نَحْوَ عَمْرٍو. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يُشَاطِرُونَنَا. إذَا كَانَتْ بُيُوتُهُمْ تُقَابِلُ بُيُوتَهُمْ. وَقَالَ عَلِيٌّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: شَطْرَهُ قِبَلَهُ وَرُوِيَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ إنَّهُ وُجِّهَ إلَى الْكَعْبَةِ فَمَرَّ رَجُلٌ، وَكَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ وُجِّهَ إلَى الْكَعْبَةِ. فَانْحَرَفُوا إلَى الْكَعْبَةِ» . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ. [مَسْأَلَة إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ وَهُوَ مَطْلُوبٌ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ إلَى الْقِبْلَةِ] (604) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ (وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ وَهُوَ مَطْلُوبٌ، ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ إلَى الْقِبْلَةِ، وَصَلَّى إلَى غَيْرِهَا رَاجِلًا وَرَاكِبًا، يُومِئُ إيمَاءً عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ، وَيَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ، أَوْ احْتَاجَ إلَى الْمَشْيِ، أَوْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ؛ إمَّا لِهَرَبٍ مُبَاحٍ مِنْ عَدُوٍّ، أَوْ سَيْلٍ، أَوْ سَبُعٍ، أَوْ حَرِيقٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ إلَّا بِالْهَرَبِ، أَوْ الْمُسَابَقَةِ، أَوْ الْتِحَامِ الْحَرْبِ، وَالْحَاجَةِ إلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ وَالطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَالْمُطَارَدَةِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، رَاجِلًا وَرَاكِبًا إلَى الْقِبْلَةِ - إنْ أَمْكَنَ -، أَوْ إلَى غَيْرِهَا إنْ لَمْ يُمْكِنْ. وَإِذَا عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوْمَأَ بِهِمَا، وَيَنْحَنِي إلَى السُّجُودِ أَكْثَرَ مِنْ الرُّكُوعِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ، سَقَطَ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ أَوْ الْقُعُودِ أَوْ غَيْرِهِمَا، سَقَطَ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَالْكَرِّ وَالْفَرِّ، فَعَلَ ذَلِكَ. وَلَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] . وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ «ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ خَوْفًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا، قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْ رُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا» . قَالَ نَافِعٌ: لَا أَرَى ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَإِذَا أَمْكَنَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ، فَهَلْ يَجِبُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَجِبْ الِاسْتِقْبَالُ فِيهِ، كَبَقِيَّةِ أَجْزَائِهَا. قَالَ: وَبِهِ أَقُولُ وَالثَّانِيَةُ، يَجِبُ؛ لِمَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا كَانَ فِي السَّفَرِ، فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَلِأَنَّهُ
مسألة استقبال القبلة في صلاة الخوف
أَمْكَنَهُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ مُسْتَقْبِلًا فَلَمْ يَجُزْ بِدُونِهِ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ فِي رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ. وَتَمَامُ شَرْحِ هَذِهِ الصَّلَاةِ نَذْكُرُهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ. [مَسْأَلَة اسْتِقْبَال الْقِبْلَة فِي صَلَاة الْخَوْفِ] (605) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَسَوَاءٌ كَانَ مَطْلُوبًا أَوْ طَالِبًا يَخْشَى فَوَاتَ الْعَدُوِّ، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ إنْ كَانَ طَالِبًا، فَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا صَلَاةَ آمِنٍ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي طَالِبِ الْعَدُوِّ الَّذِي يَخَافُ فَوَاتَهُ، فَرُوِيَ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، كَالْمَطْلُوبِ سَوَاءً، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي إلَّا صَلَاةَ آمِنٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] . فَشَرَطَ الْخَوْفَ، وَهَذَا غَيْرُ خَائِفٍ. وَلِأَنَّهُ آمِنٌ فَلَزِمَتْهُ صَلَاةُ الْآمِنِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَخْشَ فَوْتَهُمْ. وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَنْ يَأْمَنُ رُجُوعَهُمْ عَلَيْهِ إنْ تَشَاغَلَ بِالصَّلَاةِ، وَيَأْمَنُ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَأَمَّا الْخَائِفُ مِنْ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَطْلُوبِ. وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، فِي " سُنَنِهِ " بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ، وَكَانَ نَحْوَ عُرَنَةَ أَوْ عَرَفَاتٍ، قَالَ: اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ. فَرَأَيْتُهُ، وَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَقُلْت: إنِّي لَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، فَانْطَلَقْتُ أَمْشِي، وَأَنَا أُصَلِّي أُومِئُ إيمَاءً نَحْوَهُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ، قَالَ لِي: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْت: رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ، بَلَغَنِي أَنَّك تَجْمَعُ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجِئْتُك لِذَلِكَ، قَالَ: إنِّي لَعَلَى ذَلِكَ. فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، حَتَّى إذَا أَمْكَنَنِي عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي حَتَّى بَرَدَ» . وَظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ كَانَ قَدْ عَلِمَ جَوَازَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ مُخْطِئًا، وَهُوَ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لَا يُخْبِرُهُ بِهِ، وَلَا يَسْأَلُهُ عَنْ حُكْمِهِ. وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ سَابِقٍ الْبَرْبَرِيِّ، عَنْ كِتَابِ الْحَسَنِ: أَنَّ الطَّالِبَ يَنْزِلُ فَيُصَلِّي بِالْأَرْضِ. فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: وَجَدْنَا الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ: لَا تُصَلُّوا الصُّبْحَ إلَّا عَلَى ظَهْرٍ. فَنَزَلَ الْأَشْتَرُ فَصَلَّى عَلَى الْأَرْضِ، فَمَرَّ بِهِ شُرَحْبِيلُ، فَقَالَ؛ مُخَالِفٌ، خَالَفَ اللَّهُ بِهِ. قَالَ: فَخَرَجَ الْأَشْتَرُ فِي الْفِتْنَةِ. وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَأْخُذُ بِهَذَا فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ؛ وَلِأَنَّهَا إحْدَى حَالَتَيْ الْحَرْبِ، أَشْبَهَتْ حَالَةَ الْهَرَبِ. وَالْآيَةُ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ لِأَنَّ مَدْلُولَهَا إبَاحَةُ الْقَصْرِ. وَقَدْ أُبِيحَ الْقَصْرُ حَالَةَ الْأَمْنِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَهُوَ أَيْضًا غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ، ثُمَّ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَقَدْ أُبِيحَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ فِتْنَةِ الْكُفَّارِ، لِلْخَوْفِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ سَيْلٍ أَوْ حَرِيقٍ، لِوُجُودِ مَعْنَى الْمَنْطُوقِ فِيهَا، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ، لِأَنَّ فَوَاتَ الْكُفَّارِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ، فَأُبِيحَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ عِنْدَ فَوْتِهِ، كَالْحَالَةِ الْأُخْرَى. [مَسْأَلَة التَّطَوُّعِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ] (606) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَلَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ)
فصل حكم الصلاة على الراحلة
لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إبَاحَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِكُلِّ مَنْ سَافَرَ سَفَرًا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَلَى دَابَّتِهِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ، يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ. وَأَمَّا السَّفَرُ الْقَصِيرُ وَهُوَ مَا لَا يُبَاحُ فِيهِ الْقَصْرُ، فَإِنَّهُ تُبَاحُ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ عِنْدَ إمَامِنَا، وَاللَّيْثِ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُبَاحُ إلَّا فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةُ سَفَرٍ، فَاخْتُصَّ بِالطَّوِيلِ كَالْقَصْرِ. وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً، حَيْثُ تَوَجَّهَ بِكَ بَعِيرُكَ. وَهَذَا مُطْلَقٌ يَتَنَاوَلُ بِإِطْلَاقِهِ مَحَلَّ النِّزَاعِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَلِلْبُخَارِيِّ: «إلَّا الْفَرَائِضَ» . وَلِمُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُد: «غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ» . وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَصِيرِ السَّفَرِ وَطَوِيلِهِ، وَلِأَنَّ إبَاحَةَ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ تَخْفِيفٌ فِي التَّطَوُّعِ، كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى قَطْعِهَا وَتَقْلِيلِهَا، وَهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ، وَالْقَصْرُ وَالْفِطْرُ يُرَاعَى فِيهِ الْمَشَقَّةُ، وَإِنَّمَا تُوجَدُ غَالِبًا فِي الطَّوِيلِ. قَالَ الْقَاضِي: الْأَحْكَامُ الَّتِي يَسْتَوِي فِيهَا الطَّوِيلُ مِنْ السَّفَرِ وَالْقَصِيرُ ثَلَاثَةٌ: التَّيَمُّمُ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ فِي الْمَخْمَصَةِ، وَالتَّطَوُّعُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَبَقِيَّةُ الرُّخَصِ تَخُصُّ الطَّوِيلَ؛ الْفِطْرُ، وَالْجَمْعُ، وَالْمَسْحُ ثَلَاثًا. [فَصْلٌ حُكْمُ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ] (607) فَصْلٌ: وَحُكْمُ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ حُكْمُ الصَّلَاةِ فِي الْخَوْفِ، فِي أَنَّهُ يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ. قَالَ جَابِرٌ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ، فَجِئْت وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْبَعِيرِ وَالْحِمَارِ وَغَيْرِهِمَا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى خَيْبَرَ.» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ. لَكِنْ إنْ صَلَّى عَلَى حَيَوَانٍ نَجِسٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ طَاهِرَةٌ. [فَصْلٌ الْمُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي مَكَان وَاسِعٍ] (608) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي مَكَان وَاسِعٍ، كَالْمُنْفَرِدِ فِي الْعِمَارِيَّةِ يَدُورُ فِيهَا كَيْفَ شَاءَ، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ
فصل الماشي في السفر لا تباح له الصلاة في حال مشيه
الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَعَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي صَلَاتِهِ، وَيَسْجُدُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَرَاكِبِ السَّفِينَةِ. وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَأَوْمَأَ بِهِمَا. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، كَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ الْعَامَّةَ تَعُمُّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ الْمَشَقَّةُ وَغَيْرَهُ، كَالْقَصْرِ وَالْجَمْعِ. وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ سَقَطَ بِغَيْرِ خِلَافٍ. وَإِنْ كَانَ يَعْجِزُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي ابْتِدَاءِ صَلَاتِهِ، كَرَاكِبِ رَاحِلَةٍ لَا تُطِيعُهُ، أَوْ كَانَ فِي قِطَارٍ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ. وَإِنْ أَمْكَنَهُ افْتِتَاحُهَا إلَى الْقِبْلَةِ، كَرَاكِبِ رَاحِلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ تُطِيعُهُ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ افْتِتَاحُهَا إلَى الْقِبْلَةِ؟ يُخَرَّجُ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَلْزَمُهُ لِمَا رَوَى أَنَسٌ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَافَرَ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ، اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وِجْهَةُ رِكَابِهِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " مُسْنَدِهِ " وَأَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ، كَالصَّلَاةِ كُلِّهَا. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ سَائِرَ أَجْزَائِهَا، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ مَشَقَّةٍ، فَسَقَطَ، وَخَبَرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحْمَلُ عَلَى الْفَضِيلَةِ وَالنَّدْبِ. (609) فَصْلٌ: وَقِبْلَةُ هَذَا الْمُصَلِّي حَيْثُ كَانَتْ وِجْهَتُهُ، فَإِنْ عَدَلَ عَنْهَا نَظَرْتَ، فَإِنْ كَانَ عُدُولُهُ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ، جَازَ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا جَازَ تَرْكُهَا لِلْعُذْرِ، فَإِذَا عَدَلَ إلَيْهَا أَتَى بِالْأَصْلِ، كَمَا لَوْ رَكَعَ فَسَجَدَ فِي مَكَانِ الْإِيمَاءِ. وَإِنْ عَدَلَ إلَى غَيْرِهَا عَمْدًا، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهُ عَمْدًا. وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَغْلُوبًا، أَوْ نَائِمًا، أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا جِهَةُ سَفَرِهِ، فَهُوَ عَلَى صَلَاتِهِ، وَيَرْجِعُ إلَى جِهَةِ سَفَرِهِ عِنْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ. لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ عَلَى ذَلِكَ. فَأَشْبَهَ الْعَاجِزَ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ. فَإِنْ تَمَادَى بِهِ ذَلِكَ بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ عَمْدًا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ جَمِيعِ التَّطَوُّعَاتِ فِي هَذَا، فَيَسْتَوِي فِيهِ النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ، وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ، وَالْمُعَيَّنَةُ، وَالْوِتْرُ، وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ، وَقَدْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ» ، «وَكَانَ يُسَبِّحُ عَلَى بَعِيرِهِ إلَّا الْفَرَائِضَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. [فَصْلٌ الْمَاشِي فِي السَّفَرِ لَا تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ فِي حَالِ مَشْيِهِ] (610) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمَاشِي فِي السَّفَرِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ فِي حَالِ مَشْيِهِ؛ لِقَوْلِهِ: " وَلَا يُصَلِّي فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ فَرْضًا، وَلَا نَافِلَةً، إلَّا مُتَوَجِّهًا إلَى الْكَعْبَةِ ". وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ:
فصل إذا دخل المصلي بلدا ناويا للإقامة فيه
مَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ فِي الْمَاشِي: يُصَلِّي، إلَّا عَطَاءً، وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ الْمَاشِي. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَاشِيًا. نَقَلَهَا مُثَنَّى بْنُ جَامِعٍ، وَذَكَرَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَنْحَرِفَ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ، وَيَقْرَأَ وَهُوَ مَاشٍ، وَيَرْكَعَ ثُمَّ يَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ. وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، كَالرَّاكِبِ؛ لِأَنَّهَا حَالَةٌ أُبِيحَ فِيهَا تَرْكُ الِاسْتِقْبَالِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ كَالرَّاكِبِ. وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ مُمْكِنٌ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعِهِ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ، فَلَزِمَهُ، كَالْوَقْفِ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الصَّلَاةَ أُبِيحَتْ لِلرَّاكِبِ، لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَنْ الْقَافِلَةِ فِي السَّفَرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْمَاشِي، وَلِأَنَّهُ إحْدَى حَالَتَيْ سَيْرِ الْمُسَافِرِ، فَأُبِيحَتْ الصَّلَاةُ فِيهَا كَالْأُخْرَى. وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْقُولِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ، وَمَشْيٍ مُتَتَابِعٍ، يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَيَقْتَضِي بُطْلَانَهَا، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الرَّاكِبِ، فَلَمْ يَصِحَّ إلْحَاقُهُ بِهِ، وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] . عَامٌّ تُرِكَ فِي مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ، بِشُرُوطٍ مَوْجُودَةٍ هَاهُنَا، فَيَبْقَى وُجُوبُ الِاسْتِقْبَالِ فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ. [فَصْلٌ إذَا دَخَلَ الْمُصَلِّي بَلَدًا نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ فِيهِ] (611) فَصْلٌ: وَإِذَا دَخَلَ الْمُصَلِّي بَلَدًا نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ فِيهِ، لَمْ يُصَلِّ بَعْدَ دُخُولِهِ إلَيْهِ إلَّا صَلَاةَ الْمُقِيمِ. وَإِنْ دَخَلَهُ مُجْتَازًا بِهِ، غَيْرَ نَاوٍ لِلْإِقَامَةِ فِيهِ، وَلَا نَازِلٍ بِهِ، أَوْ نَازِلًا بِهِ، ثُمَّ يَرْتَحِلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ إقَامَةِ مُدَّةٍ يَلْزَمُهُ بِهَا إتْمَامُ الصَّلَاةِ، اسْتَدَامَ الصَّلَاةَ مَا دَامَ سَائِرًا، فَإِذَا نَزَلَ فِيهِ صَلَّى إلَى الْقِبْلَةِ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ، كَقَوْلِنَا فِي الْخَائِفِ إذَا أَمِنَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ. وَلَوْ ابْتَدَأَهَا، وَهُوَ نَازِلٌ إلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ أَرَادَ الرُّكُوبَ، أَتَمَّ صَلَاتَهُ، ثُمَّ رَكِبَ. وَقِيلَ: يَرْكَبُ فِي الصَّلَاةِ وَيُتِمُّهَا إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ، كَالْآمِنِ إذَا خَافَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ حَالَةَ الْخَوْفِ حَالَةُ ضَرُورَةٍ أُبِيحَ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ، وَهَذِهِ رُخْصَةٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إلَيْهَا، فَلَا يُبَاحُ فِيهَا غَيْرُ مَا نُقِلَ فِيهَا، وَلَمْ يَرِدْ بِإِبَاحَةِ الرُّكُوبِ الَّذِي يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى عَمَلٍ وَتَوَجُّهٍ إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَلَا جِهَةِ سَيْرِهِ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [مَسْأَلَة اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ] (612) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُصَلِّي فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ فَرْضًا وَلَا نَافِلَةً إلَّا مُتَوَجِّهًا إلَى الْكَعْبَةِ؛ فَإِنْ كَانَ يُعَايِنُهَا فَبِالصَّوَابِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهَا فَبِالِاجْتِهَادِ بِالصَّوَابِ إلَى جِهَتِهَا) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْفَرْضُ وَالنَّفَلُ، كَالطَّهَارَةِ وَالسِّتَارَةِ، وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] عَامٌّ فِيهِمَا جَمِيعًا. ثُمَّ إنْ كَانَ مُعَايِنًا لِلْكَعْبَةِ، فَفَرْضُهُ الصَّلَاةُ إلَى عَيْنِهَا. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. قَالَ
فصل محاريب الكفار
ابْنُ عَقِيلٍ؛ إنْ خَرَجَ بَعْضُهُ عَنْ مُسَامَتَةِ الْكَعْبَةِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: النَّاسُ فِي اسْتِقْبَالِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَلْزَمُهُ الْيَقِينُ، وَهُوَ مَنْ كَانَ مُعَايِنًا لِلْكَعْبَةِ، أَوْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ نَاشِئًا بِهَا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ مُحْدَثٍ كَالْحِيطَانِ، فَفَرْضُهُ التَّوَجُّهُ إلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ يَقِينًا. وَهَكَذَا إنْ كَانَ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ صِحَّةَ قِبْلَتِهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ، وَقَدْ رَوَى أُسَامَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، قِبَلَ الْقِبْلَةِ، وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ» . الثَّانِي: مَنْ فَرْضُهُ الْخَبَرُ، وَهُوَ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ غَائِبًا عَنْ الْكَعْبَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَوَجَدَ مُخْبِرًا يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ أَوْ مُشَاهَدَةٍ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ، وَعَلَى الْحَائِلِ مَنْ يُخْبِرُهُ، أَوْ كَانَ غَرِيبًا نَزَلَ بِمَكَّةَ، فَأَخْبَرَهُ أَهْلُ الدَّارِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ، فَفَرْضُهُ التَّوَجُّهُ إلَى مَحَارِيبِهِمْ وَقِبْلَتِهِمْ الْمَنْصُوبَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقِبَلَ يَنْصِبُهَا أَهْلُ الْخِبْرَةِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْخَبَرِ، فَأَغْنَى عَنْ الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْقِبْلَةِ؛ أَمَّا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، صَارَ إلَى خَبَرِهِ، وَلَيْسَ لَهُ الِاجْتِهَادُ، كَمَا يَقْبَلُ الْحَاكِمُ النَّصَّ مِنْ الثِّقَةِ، وَلَا يَجْتَهِدُ. الثَّالِثُ: مَنْ فَرْضُهُ الِاجْتِهَادُ، وَهُوَ مَنْ عَدِمَ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَهُوَ عَالِمٌ بِالْأَدِلَّةِ. الرَّابِعُ: مَنْ فَرْضُهُ التَّقْلِيدُ، وَهُوَ الْأَعْمَى وَمَنْ لَا اجْتِهَادَ لَهُ، وَعَدِمَ الْحَالَتَيْنِ، فَفَرْضُهُ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِينَ. وَالْوَاجِبُ عَلَى هَذَيْنِ وَسَائِرِ مَنْ بَعُدَ مِنْ مَكَّةَ طَلَبُ جِهَةِ الْكَعْبَةِ، دُونَ إصَابَةِ الْعَيْنِ. قَالَ أَحْمَدُ: مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ، فَإِنْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ قَلِيلًا لَمْ يُعِدْ، وَلَكِنْ يَتَحَرَّى الْوَسَطَ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ كَقَوْلِنَا، وَالْآخَرِ: الْفَرْضُ إصَابَةُ الْعَيْنِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوَجُّهُ إلَى الْكَعْبَةِ، فَلَزِمَهُ التَّوَجُّهُ إلَى عَيْنِهَا، كَالْمُعَايِنِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ جَمِيعَ مَا بَيْنَهُمَا قِبْلَةٌ. وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفَرْضُ إصَابَةَ الْعَيْنِ، لَمَا صَحَّتْ صَلَاةُ أَهْلِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ عَلَى خَطٍّ مُسْتَوٍ، وَلَا صَلَاةُ اثْنَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ يَسْتَقْبِلَانِ قِبْلَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَى الْكَعْبَةِ مَعَ طُولِ الصَّفِّ إلَّا بِقَدْرِهَا. فَإِنْ قِيلَ: مَعَ الْبَعِيدِ يَتَّسِعُ الْمُحَاذِي. قُلْنَا: إنَّمَا يَتَّسِعُ مَعَ تَقَوُّسِ الصَّفِّ، أَمَّا مَعَ اسْتِوَائِهِ فَلَا. وَشَطْرَ الْبَيْتِ: نَحْوَهُ وَقِبَلَهُ. [فَصْلٌ مَحَارِيبُ الْكُفَّارِ] فَصْلٌ: فَأَمَّا مَحَارِيبُ الْكُفَّارِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ، فَمَحَارِيبُهُمْ أَوْلَى، إلَّا أَنْ نَعْلَمَ قِبْلَتَهُمْ كَالنَّصَارَى، نَعْلَمُ أَنَّ قِبْلَتَهُمْ الْمَشْرِقُ، فَإِذَا رَأَى مَحَارِيبَهُمْ فِي كَنَائِسِهِمْ عَلِمَ أَنَّهَا مُسْتَقْبِلَةٌ الْمَشْرِقَ.
فصل صلى على جبل عال يخرج عن مسامتة الكعبة
وَإِنْ وَجَدَ مِحْرَابًا لَا يَعْلَمُ هَلْ هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ لِغَيْرِهِمْ، اجْتَهَدَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ إنَّمَا يَجُوزُ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُعْلَمُ وُجُودُ ذَلِكَ. وَلَوْ رَأَى عَلَى الْمِحْرَابِ آثَارَ الْإِسْلَامِ، لَمْ يُصَلِّ إلَيْهِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْبَانِي لَهُ مُشْرِكًا مُسْتَهْزِئًا، يَغُرُّ بِهِ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الِاحْتِمَالُ، وَيَحْصُلَ لَهُ الْعِلْمُ أَنَّهُ مِنْ مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَسْتَقْبِلَهُ. [فَصْلٌ صَلَّى عَلَى جَبَلٍ عَالٍ يَخْرُجُ عَنْ مُسَامَتَةِ الْكَعْبَةِ] (614) فَصْلٌ: وَلَوْ صَلَّى عَلَى جَبَلٍ عَالٍ يَخْرُجُ عَنْ مُسَامَتَةِ الْكَعْبَةِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى فِي مَكَان يَنْزِلُ عَنْ مُسَامَتَتِهَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُهَا وَمَا يُسَامِتُهَا مِنْ فَوْقِهَا وَتَحْتِهَا، بِدَلِيلِ مَا لَوْ زَالَتْ الْكَعْبَةُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ إلَى مَوْضِعِ جِدَارِهَا. [فَصْلٌ الْمُجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ] (615) فَصْلٌ: وَالْمُجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ هُوَ الْعَالِمُ بِأَدِلَّتِهَا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ أَدِلَّةَ شَيْءٍ كَانَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهِ، وَإِنْ جَهِلَ غَيْرَهُ، وَلِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِقْبَالِهَا بِدَلِيلِهِ، فَكَانَ مُجْتَهِدًا فِيهَا كَالْفَقِيهِ، وَلَوْ جَهِلَ الْفَقِيهُ أَدِلَّتَهَا أَوْ كَانَ أَعْمَى، فَهُوَ مُقَلِّدٌ وَإِنْ عَلِمَ غَيْرَهَا. وَأَوْثَقُ أَدِلَّتِهَا النُّجُومُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] وَقَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 97] . وَآكَدُهَا الْقُطْبُ الشَّمَالِيُّ، وَهُوَ نَجْمٌ خَفِيٌّ حَوْلَهُ أَنْجُمٌ دَائِرَةٌ كَفَرَاشَةِ الرَّحَى، فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا الْفَرْقَدَانِ، وَفِي الْآخَرِ الْجَدْيُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أَنْجُمٌ صِغَارٌ، مَنْقُوشَةٌ كَنُقُوشِ الْفَرَاشَةِ، ثَلَاثَةٌ مِنْ فَوْقُ وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَسْفَلُ، تَدُورُ هَذِهِ الْفَرَاشَةُ حَوْلَ الْقُطْبِ، دَوَرَانَ فَرَاشَةِ الرَّحَى حَوْلَ سَفُّودِهَا، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دَوْرَةً، فِي اللَّيْلِ نِصْفُهَا وَفِي النَّهَارِ نِصْفُهَا، فَيَكُونُ الْجَدْيُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي مَكَانِ الْفَرْقَدَيْنِ عِنْدَ غُرُوبِهَا، وَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَأَوْقَاتِهِ، وَالْأَزْمِنَةِ، لِمَنْ عَرَفَهَا، وَعَلِمَ كَيْفِيَّةَ دَوَرَانِهَا، وَحَوْلَهَا بَنَاتُ نَعْشٍ مِمَّا يَلِي الْفَرْقَدَيْنِ تَدُورُ حَوْلَهَا، وَالْقُطْبُ لَا يَبْرَحُ مَكَانَهُ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، وَلَا يَتَغَيَّرُ كَمَا لَا يَتَغَيَّرُ سَفُّودُ الرَّحَى بِدَوَرَانِهَا. وَقِيلَ: إنَّهُ يَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا يَسِيرًا لَا يَتَبَيَّنُ، وَلَا يُؤَثِّرُ، وَهُوَ نَجْمٌ خَفِيٌّ يَرَاهُ حَدِيدُ النَّظَرِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَمَرُ طَالِعًا، فَإِذَا قَوِيَ نُورُ الْقَمَرِ خَفِيَ، فَإِذَا اسْتَدْبَرْتَهُ فِي الْأَرْضِ الشَّامِيَّةِ، كُنْتَ مُسْتَقْبِلًا الْكَعْبَةَ. وَقِيلَ: إنَّهُ يَنْحَرِفُ فِي دِمَشْقَ وَمَا قَارَبَهَا إلَى الْمَشْرِقِ قَلِيلًا، وَكُلَّمَا قَرُبَ إلَى الْمَغْرِبِ كَانَ انْحِرَافُهُ أَكْثَرَ. وَإِنْ كَانَ بِحَرَّانَ وَمَا يُقَارِبُهَا اعْتَدَلَ، وَجَعَلَ الْقُطْبَ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَدِلًا مِنْ غَيْرِ انْحِرَافٍ. وَقِيلَ: أَعْدَلُ الْقِبَلِ قِبْلَةُ حَرَّانَ. وَإِنْ كَانَ بِالْعِرَاقِ
جَعَلَ الْقُطْبَ حَذْوَ ظَهْرِ أُذُنِهِ الْيُمْنَى عَلَى عُلُوِّهَا، فَيَكُونُ مُسْتَقْبِلًا بَابَ الْكَعْبَةِ إلَى الْمَقَامِ، وَمَتَى اسْتَدْبَرَ الْفَرْقَدَيْنِ أَوْ الْجَدْيَ، فِي حَالِ عُلُوِّ أَحَدِهِمَا وَنُزُولِ الْآخَرِ، عَلَى الِاعْتِدَالِ، كَانَ ذَلِكَ كَاسْتِدْبَارِ الْقُطْبِ. وَإِنْ اسْتَدْبَرَهُ، فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالِ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْجِهَةِ، فَإِذَا اسْتَدْبَرَ الشَّرْقِيَّ مِنْهَا، كَانَ مُنْحَرِفًا إلَى الْغَرْبِ قَلِيلًا، وَإِذَا اسْتَدْبَرَ الْغَرْبِيَّ كَانَ مُنْحَرِفًا إلَى الشَّرْقِ، وَإِنْ اسْتَدْبَرَ بَنَاتَ نَعْشٍ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْجِهَةِ أَيْضًا، إلَّا أَنَّ انْحِرَافَهُ أَكْثَرُ فَصْلٌ: وَمَنَازِلُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلًا، وَهِيَ: السَّرَطَانُ، وَالْبُطَيْنُ، وَالثُّرَيَّا، وَالدَّبَرَانُ، وَالْهَقْعَةُ، وَالْهَنْعَةُ، وَالذِّرَاعُ، وَالنَّثْرَةُ، وَالطَّرْفُ، وَالْجَبْهَةُ، وَالزُّبْرَةُ، وَالصَّرْفَةُ، وَالْعَوَّاءُ، وَالسِّمَاكُ، وَالْغَفْرُ، وَالزُّبَانَى، وَالْإِكْلِيلُ، وَالْقَلْبُ، وَالشَّوْلَةُ، وَالنَّعَائِمُ، وَالْبَلْدَةُ، وَسَعْدٌ الذَّابِحُ، وَسَعْدُ بُلَعَ، وَسَعْدُ السُّعُودِ، وَسَعْدُ الْأَخْبِيَةِ، وَالْفَرْعُ الْمُقَدَّمُ؛ وَالْفَرْعُ الْمُؤَخَّرُ، وَبَطْنُ الْحُوتِ. مِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَامِيَّةٌ تَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ أَوْ مَائِلَةً عَنْهُ إلَى الشَّمَالِ قَلِيلًا، أَوَّلُهَا السَّرَطَانُ، وَآخِرُهَا السِّمَاكُ. وَمِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَمَانِيَّةٌ، تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ مَا يَلِيهِ إلَى التَّيَامُنِ، أَوَّلُهَا الْغَفْرُ؛ وَآخِرُهَا بَطْنُ الْحُوتِ. وَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ الشَّامِيَّةِ رَقِيبٌ مِنْ الْيَمَانِيَّةِ، إذَا طَلَعَ أَحَدُهُمَا غَابَ رَقِيبُهُ، وَيَنْزِلُ الْقَمَرُ كُلَّ لَيْلَةٍ بِمَنْزِلَةٍ مِنْهَا قَرِيبًا مِنْهُ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ إلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي يَلِيهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: 39] . وَالشَّمْسُ تَنْزِلُ بِكُلِّ مَنْزِلٍ مِنْهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ عَوْدُهَا إلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي نَزَلَتْ بِهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلٍ كَامِلٍ مِنْ أَحْوَالِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وَهَذِهِ الْمَنَازِلُ يَكُونُ مِنْهَا فِيمَا بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَطُلُوعِهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَنْزِلًا، وَمِنْ طُلُوعِهَا إلَى غُرُوبِهَا مِثْلُ ذَلِكَ، وَوَقْتُ الْفَجْرِ مِنْهَا مَنْزِلَانِ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَنْزِلٌ، وَهُوَ نِصْفُ سُدُسِ سَوَادِ اللَّيْلِ، وَسَوَادُ اللَّيْلِ اثْنَا عَشَرَ مَنْزِلًا، وَكُلُّهَا تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، إلَّا أَنَّ أَوَائِلَ الشَّامِيَّةِ وَآخِرَ الْيَمَانِيَّةِ تَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ، بِحَيْثُ إذَا طَلَعَ جَعَلَ الطَّالِعَ مِنْهَا مُحَاذِيًا لِكَتِفِهِ الْأَيْسَرِ كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْكَعْبَةِ، وَكَذَلِكَ آخِرُ الشَّامِيَّةِ. وَأَوَّلُ الْيَمَانِيَّةِ يَكُونُ مُقَارِبًا لِذَلِكَ، وَالْمُتَوَسِّطُ مِنْ الشَّامِيَّةِ، وَهُوَ الذِّرَاعُ وَمَا يَلِيهِ مِنْ جَانِبَيْهِ، يَمِيلُ مَطْلَعُهُ إلَى نَاحِيَةِ الشَّمَالِ، وَالْمُتَوَسِّطُ مِنْ الْيَمَانِيَّةِ - نَحْوُ الْعَقْرَبِ، وَالنَّعَائِمِ، وَالْبَلْدَةِ، وَالسُّعُودِ - تَمِيلُ مَطَالِعُهَا إلَى الْيَمِينِ، فَالْيَمَانِيُّ مِنْهَا يَجْعَلُهُ مِنْ أَمَامِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى، وَالشَّامِيُّ يَجْعَلُهُ خَلْفَ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ قَرِيبًا مِنْهَا، وَالْغَارِبُ مِنْهَا يَجْعَلُهُ عِنْدَ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ كَذَلِكَ. وَإِنْ عَرَفَ الْمُتَوَسِّطَ مِنْهَا بِأَنْ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُفُقِ السَّمَاءِ سَبْعَةً مِنْ هَاهُنَا وَسَبْعَةً مِنْ هَاهُنَا، اسْتَقْبَلَهُ، وَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ هَذِهِ الْمَنَازِلِ نُجُومٌ تُقَارِبُهُ، وَتَسِيرُ بِسَيْرِهِ، مِنْ عَنْ يَمِينِهِ، وَشِمَالِهِ، يَكْثُرُ عَدَدُهَا، حُكْمُهَا حُكْمُهُ،
وَيُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَيْهِ، وَعَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ، كَالنَّسْرَيْنِ والشعريين، وَالنَّظْمِ الْمُقَارِنِ لِلْهَقْعَةِ، وَالسِّمَاكِ الرَّامِحِ، وَالْفَكَّةِ، وَغَيْرِهَا، وَكُلُّهَا تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، وَسُهَيْلٌ نَجْمٌ كَبِيرٌ مُضِيءٌ يَطْلُعُ مِنْ نَحْوِ مَهَبِّ الْجَنُوبِ، ثُمَّ يَسِيرُ حَتَّى يَصِيرَ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، ثُمَّ يَتَجَاوَزُهَا، ثُمَّ يَغْرُبُ قَرِيبًا مِنْ مَهَبِّ الدَّبُورِ، وَالنَّاقَةُ أَنْجُمٌ عَلَى صُورَةِ النَّاقَةِ، تَطْلُعُ فِي الْمَجَرَّةِ مِنْ مَهَبِّ الصَّبَا، ثُمَّ تَغِيبُ فِي مَهَبِّ الشَّمَالِ. (617) فَصْلٌ: وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ، وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، وَتَخْتَلِفُ مَطَالِعُهَا وَمَغَارِبُهَا، عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ مَنَازِلِهَا، وَتَكُونُ فِي الشِّتَاءِ فِي حَالِ تَوَسُّطِهَا فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، وَفِي الصَّيْفِ مُحَاذِيَةً لِقِبْلَتِهِ. (618) فَصْلٌ: وَالْقَمَرُ يَبْدُو أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ هِلَالًا فِي الْمَغْرِبِ، عَنْ يَمِينِ الْمُصَلِّي، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ كُلَّ لَيْلَةٍ نَحْوَ الْمَشْرِقِ مَنْزِلًا، حَتَّى يَكُونَ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَقْتَ الْمَغْرِبِ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، أَوْ مَائِلًا عَنْهَا قَلِيلًا، ثُمَّ يَطْلُعُ لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ الْمَشْرِقِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، بَدْرًا تَامًّا، وَلَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ يَكُونُ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، وَقْتَ الْفَجْرِ، وَلَيْلَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ يَبْدُو عِنْدَ الْفَجْرِ كَالْهِلَالِ مِنْ الْمَشْرِقِ، وَتَخْتَلِفُ مَطَالِعُهُ بِاخْتِلَافِ مَنَازِلِهِ. (619) فَصْلٌ: وَالرِّيَاحُ كَثِيرَةٌ يُسْتَدَلُّ مِنْهَا بِأَرْبَعٍ، تَهُبُّ مِنْ زَوَايَا السَّمَاءِ؛ الْجَنُوبُ تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْمَشْرِقِ، مُسْتَقْبِلَةً بَطْنَ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْأَيْسَرِ، مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ إلَى يَمِينِهِ، وَالشَّمَالُ مُقَابِلَتُهَا، تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالشَّمَالِ؛ مَارَّةً إلَى مَهَبِّ الْجَنُوبِ. وَالدَّبُورُ تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْيَمَنِ، مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنَ، مَارَّةً إلَى الزَّاوِيَةِ الْمُقَابِلَةِ لَهَا. وَالصَّبَا مُقَابِلَتُهَا، تَهُبُّ مِنْ ظَهْرِ الْمُصَلِّي. وَرُبَّمَا هَبَّتْ الرِّيَاحُ بَيْنَ الْحِيطَانِ وَالْجِبَالِ فَتَدُورُ، فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا. وَبَيْنَ كُلِّ رِيحَيْنِ رِيحٌ تُسَمَّى النَّكْبَاءَ، لِتَنَكُّبِهَا طَرِيقَ الرِّيَاحِ الْمَعْرُوفَةِ، وَتُعْرَفُ الرِّيَاحُ بِصِفَاتِهَا وَخَصَائِصِهَا، فَهَذَا أَصَحُّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ. وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الِاسْتِدْلَالَ بِالْمِيَاهِ، وَقَالُوا: الْأَنْهَارُ الْكِبَارُ كُلُّهَا تَجْرِي عَنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَسْرَتِهِ، عَلَى انْحِرَافٍ قَلِيلٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَالنَّهْرَوَانِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْأَنْهَارِ الْمُحْدَثَةِ؛ لِأَنَّهَا تَحْدُثُ بِحَسَبِ الْحَاجَاتِ إلَى الْجِهَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلَا بِالسَّوَاقِي وَالْأَنْهَارِ الصِّغَارِ؛ لِأَنَّهَا لَا ضَابِطَ لَهَا، وَلَا بِنَهْرَيْنِ يَجْرِيَانِ مِنْ يَسْرَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَمِينِهِ، أَحَدُهُمَا الْعَاصِي بِالشَّامِ، وَالثَّانِي سَيْحُونُ بِالْمَشْرِقِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَنْضَبِطُ بِضَابِطٍ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَنْهَارِ الشَّامِ تَجْرِي عَلَى غَيْرِ السَّمْتِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، فَالْأُرْدُنُّ يَجْرِي نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا يَجْرِي نَحْوَ الْبَحْرِ، حَيْثُ كَانَ مِنْهَا حَتَّى يَصُبَّ فِيهِ. وَإِنْ اخْتَصَّتْ الدَّلَالَةُ بِمَا
فصل صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم أراد صلاة أخرى
ذَكَرُوهُ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي الشَّامِ سِوَى الْعَاصِي، وَالْفُرَاتُ حَدُّ الشَّامِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ. فَمَنْ عَلِمَ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ فَهُوَ مُجْتَهِدٌ، وَقَدْ يَسْتَدِلُّ أَهْلُ كُلِّ بَلْدَةٍ بِأَدِلَّةٍ تَخْتَصُّ بِبَلْدَتِهِمْ؛ مِنْ جِبَالِهَا، وَأَنْهَارِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِثْلُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ جَبَلًا بِعَيْنِهِ يَكُونُ فِي قِبْلَتِهِمْ، أَوْ عَلَى أَيْمَانِهِمْ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْجِهَاتِ. وَكَذَلِكَ إنْ عَلِمَ مَجْرَى نَهْرٍ بِعَيْنِهِ. فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، إذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فِي السَّفَرِ، وَلَمْ يَجِدْ مُخْبِرًا، فَفَرْضُهُ الصَّلَاةُ إلَى جِهَةٍ يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا. فَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ لِغَيْمٍ أَوْ ظُلْمَةٍ، تَحَرَّى فَصَلَّى، وَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ؛ لِمَا نَذْكُرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّهُ بَذَلَ وُسْعَهُ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَدِلَّتِهِ، فَأَشْبَهَ الْحَاكِمَ وَالْعَالِمَ إذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ. [فَصْلٌ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ ثُمَّ أَرَادَ صَلَاةً أُخْرَى] (620) فَصْلٌ: إذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ، ثُمَّ أَرَادَ صَلَاةً أُخْرَى، لَزِمَهُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ، كَالْحَاكِمِ إذَا اجْتَهَدَ فِي حَادِثَةٍ، ثُمَّ حَدَثَ مِثْلُهَا، لَزِمَهُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، عَمِلَ بِالثَّانِي، وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْحَاكِمِ عَمِلَ بِالثَّانِي فِي الْحَادِثَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ الْأَوَّلَ. وَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي الصَّلَاةِ، اسْتَدَارَ إلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْآمِدِيُّ: لَا يَنْتَقِلُ، وَيَمْضِي عَلَى اجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ؛ لِئَلَّا يَنْقُضَ الِاجْتِهَادَ بِالِاجْتِهَادِ. وَلَنَا أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ إلَى غَيْرِهَا، كَمَا لَوْ أَرَادَ صَلَاةً أُخْرَى، وَلِأَنَّهُ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ إلَيْهَا، كَسَائِرِ مَحَالِّ الْوِفَاقِ، وَلَيْسَ هَذَا نَقْضًا لِلِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا يَكُونُ نَقْضًا لِلِاجْتِهَادِ أَنْ لَوْ أَلْزَمْنَاهُ إعَادَةَ مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَمْ نَعْتَدَّ لَهُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ اجْتِهَادُهُ وَظَنُّهُ إلَى الْجِهَةِ الْأُولَى، وَلَمْ يُؤَدِّهِ اجْتِهَادُهُ إلَى الْجِهَةِ الْأُخْرَى، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ جِهَةٌ أُخْرَى يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا. وَإِنْ بَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ فِي الصَّلَاةِ، بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ خَبَرٍ عَنْ يَقِينٍ، اسْتَدَارَ إلَى جِهَةِ الصَّوَابِ، وَبَنَى كَأَهْلِ قُبَاءَ لَمَّا أُخْبِرُوا بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ اسْتَدَارُوا إلَيْهَا وَبَنَوْا. وَإِنْ شَكَّ فِي اجْتِهَادِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ ظَاهِرٌ، فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ. وَإِنْ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ، وَلَمْ يَعْرِفْ جِهَةَ الْقِبْلَةِ، كَرَجُلٍ كَانَ يُصَلِّي إلَى جِهَةٍ، فَرَأَى بَعْضَ مَنَازِلِ الْقَمَرِ فِي قِبْلَتِهِ، وَلَمْ يَدْرِ أَهُوَ فِي الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ، وَاحْتَاجَ إلَى الِاجْتِهَادِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَلَيْسَتْ لَهُ جِهَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا، فَبَطَلَتْ، لِتَعَذُّرِ إتْمَامِهَا. [مَسْأَلَة إذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ فِي الْقِبْلَة] (621) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ، لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا، فَفَرْضُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الصَّلَاةُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا
فصل اختلف اجتهاد رجلين فصلى كل واحد منهما إلى جهة
أَنَّهَا الْقِبْلَةُ، لَا يَسَعُهُ تَرْكُهَا، وَلَا تَقْلِيدُ صَاحِبِهِ، سَوَاءٌ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، كَالْعَالِمَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي الْحَادِثَةِ. وَلَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا اجْتَهَدَ، فَأَرَادَ الْآخَرُ تَقْلِيدَهُ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَسَعُهُ الصَّلَاةُ حَتَّى يَجْتَهِدَ، سَوَاءٌ اتَّسَعَ الْوَقْتُ، أَوْ كَانَ ضَيِّقًا يَخْشَى خُرُوجَ وَقْتِ الصَّلَاةِ، كَالْحَاكِمِ، لَا يَسُوغُ لَهُ الْحُكْمُ فِي حَادِثَةٍ بِتَقْلِيدِ غَيْرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، فِي الْمُجْتَهِدِ الَّذِي يَضِيقُ الْوَقْتُ عَنْ اجْتِهَادِهِ، أَنَّ لَهُ تَقْلِيدَ غَيْرِهِ. وَأَشَارَ إلَى قَوْلِ أَحْمَدَ، فِيمَنْ هُوَ فِي مَدِينَةٍ، فَتَحَرَّى، فَصَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ فِي بَيْتٍ يُعِيدُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ، قَالَ: فَقَدْ جَعَلَ فَرْضَ الْمَحْبُوسِ السُّؤَالَ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ. وَكَلَامُ أَحْمَدَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ فِي الْمِصْرِ الِاجْتِهَادُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّوَصُّلُ إلَى الْقِبْلَةِ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ، وَالِاسْتِدْلَالِ بِالْمَحَارِيبِ، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَسَعَتِهِ، مَعَ اتِّفَاقِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ، وَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي حَقِّهِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِضِيقِ الْوَقْتِ، مَعَ إمْكَانِهِ، كَسَائِرِ الشُّرُوطِ. [فَصْلٌ اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى جِهَةٍ] (622) فَصْلٌ: وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ، فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى جِهَةٍ، فَلَيْسَ لَأَحَدِهِمَا الِائْتِمَامُ بِصَاحِبِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَعْتَقِدُ خَطَأَ صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ، كَمَا لَوْ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا رِيحٌ، وَاعْتَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْتَمَّ بِصَاحِبِهِ. وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ ذَلِكَ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صَلَاةِ الْآخَرِ. فَإِنَّ فَرْضَهُ التَّوَجُّهُ إلَى مَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ اقْتِدَاءَهُ بِهِ اخْتِلَافُ جِهَتِهِ، كَالْمُصَلِّينَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ مُسْتَدِيرِينَ حَوْلَهَا، وَكَالْمُصَلِّينَ حَالَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُصَلِّي فِي جُلُودِ الثَّعَالِبِ، إذَا كَانَ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» . مَعَ كَوْنِ أَحْمَدَ لَا يَرَى طَهَارَتَهَا، وَفَارَقَ مَا إذَا اعْتَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدَثَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ، بِحَيْثُ لَوْ بَانَ لَهُ يَقِينًا حَدَثُ نَفْسِهِ، لَزِمَتْهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ؛ وَهَاهُنَا صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، بِحَيْثُ لَوْ بَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ، فَافْتَرَقَا. فَأَمَّا إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَمِيلُ يَمِينًا، وَيَمِيلُ الْآخَرُ شِمَالًا، مَعَ اتِّفَاقِهِمَا فِي الْجِهَةِ، فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ لَأَحَدِهِمَا الِائْتِمَامَ بِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ، وَقَدْ اتَّفَقَا فِيهَا. [مَسْأَلَة إذَا اخْتَلَفَ مُجْتَهِدَانِ فِي الْقِبْلَةِ وَمَعَهُمَا أَعْمَى] (623) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَتْبَعُ الْأَعْمَى أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ) يَعْنِي إذَا اخْتَلَفَ مُجْتَهِدَانِ فِي الْقِبْلَةِ، وَمَعَهُمَا أَعْمَى، قَلَّدَ أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُهُمَا عِنْدَهُ وَأَصْدَقُهُمَا قَوْلًا، وَأَشَدُّهُمَا تَحَرِّيًا؛ لِأَنَّ الصَّوَابَ إلَيْهِ أَقْرَبُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَصِيرِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ الْأَدِلَّةَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَعَلُّمِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، فَرْضُهُ أَيْضًا التَّقْلِيدُ، وَيُقَلِّدُ أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ قَلَّدَ الْمَفْضُولَ، فَظَاهِرُ
فصل المقلد من لا يمكنه الصلاة باجتهاد نفسه
قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الصَّوَابَ فِيهِ، فَلَمْ يَسُغْ لَهُ ذَلِكَ، كَالْمُجْتَهِدِ إذَا تَرَكَ جِهَةَ اجْتِهَادِهِ، وَالْأَوْلَى صِحَّتُهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِدَلِيلٍ لَهُ الْأَخْذُ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ. فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ، كَمَا لَوْ اسْتَوَيَا، وَلَا عِبْرَةَ بِظَنِّهِ، فَإِنَّهُ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمَفْضُولَ مُصِيبٌ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ تَقْلِيدِ الْأَفْضَلِ. فَأَمَّا إنْ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ، فَلَهُ تَقْلِيدُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، كَالْعَامِّيِّ مَعَ الْعُلَمَاءِ فِي بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ. [فَصْلٌ الْمُقَلِّدُ مَنْ لَا يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ] (624) فَصْلٌ: وَالْمُقَلِّدُ مَنْ لَا يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ، إمَّا لِعَدَمِ بَصَرِهِ، وَإِمَّا لِعَدَمِ بَصِيرَتِهِ، وَهُوَ الْعَامِّيُّ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ التَّعَلُّمُ وَالصَّلَاةُ بِاجْتِهَادِهِ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ. فَأَمَّا مَنْ يُمْكِنُهُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّعَلُّمُ، فَإِنْ صَلَّى قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ بِالتَّقْلِيدِ كَالْمُجْتَهِدِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْعَامِّيَّ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ تَعَلُّمُ الْفِقْهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفِقْهَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ. فَهُوَ كَاَلَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى تَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ فِي مَسْأَلَتِنَا. وَإِنْ أَخَّرَ هَذَا التَّعَلُّمَ وَالصَّلَاةَ إلَى حَالٍ يَضِيقُ وَقْتُهَا عَنْ التَّعَلُّمِ وَالِاجْتِهَادِ، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا، صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِالتَّقْلِيدِ، كَاَلَّذِي يَقْدِرُ عَلَى تَعَلُّمِ الْفَاتِحَةِ، فَيَضِيقُ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِهَا. [فَصْلٌ كَانَ الْمُجْتَهِدُ فِي اسْتِقْبَال الْقِبْلَة بِهِ رَمَدٌ أَوْ عَارِضٌ يَمْنَعُهُ رُؤْيَةَ الْأَدِلَّةِ] (625) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْمُجْتَهِدُ بِهِ رَمَدٌ، أَوْ عَارِضٌ يَمْنَعُهُ رُؤْيَةَ الْأَدِلَّةِ، فَهُوَ كَالْأَعْمَى، فِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الِاجْتِهَادِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي مَكَان لَا يَرَى فِيهِ الْأَدِلَّةَ، وَلَا يَجِدُ مُخْبِرًا إلَّا مُجْتَهِدًا آخَرَ فِي مَكَان يَرَى الْعَلَامَاتِ فِيهِ، فَلَهُ تَقْلِيدُهُ؛ لِأَنَّهُ كَالْأَعْمَى. [فَصْلٌ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِتَقْلِيدِ مُجْتَهِدٍ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ قَدْ أَخْطَأْت الْقِبْلَةَ] (626) فَصْلٌ: وَإِذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِتَقْلِيدِ مُجْتَهِدٍ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: قَدْ أَخْطَأْتَ الْقِبْلَةَ، وَإِنَّمَا الْقِبْلَةُ هَكَذَا. وَكَانَ يُخْبِرُ عَنْ يَقِينٍ، مِثْلُ مَنْ يَقُولُ: قَدْ رَأَيْتُ الشَّمْسَ، أَوْ الْكَوَاكِبَ، وَتَيَقَّنْتُ أَنَّك مُخْطِئٌ. فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِ، وَيَسْتَدِيرُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي أَخْبَرَهُ أَنَّهَا جِهَةُ الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ الَّذِي قَلَّدَهُ الْأَعْمَى، لَزِمَهُ قَبُولُ خَبَرِهِ، فَالْأَعْمَى أَوْلَى. وَإِنْ أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادِهِ، أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ أَخْبَرَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ أَوْثَقَ مِنْ الْأَوَّلِ، مَضَى عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِدَلِيلٍ يَقِينًا، فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَوْثَقَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْأَوَّلِ، وَقُلْنَا: لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ الْأَفْضَلِ. فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا: عَلَيْهِ تَقْلِيدُهُ خَاصَّةً، رَجَعَ إلَى قَوْلِهِ، كَالْبَصِيرِ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ. [فَصْلٌ إذَا شَرَعَ مُجْتَهِدٌ فِي الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادِهِ فَعَمِيَ فِيهَا] فَصْلٌ: وَلَوْ شَرَعَ مُجْتَهِدٌ فِي الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادِهِ، فَعَمِيَ فِيهَا، بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْكِنُهُ الْبِنَاءُ
مسألة صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم علم أنه قد أخطأ القبلة
عَلَى اجْتِهَادِ غَيْرِهِ، فَاجْتِهَادُهُ أَوْلَى، فَإِنْ اسْتَدَارَ عَنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَإِنْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ بِخَطَئِهِ عَنْ يَقِينٍ، رَجَعَ إلَيْهِ. وَإِنْ أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ، لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ شَرَعَ فِيهَا وَهُوَ أَعْمَى، فَأَبْصَرَ فِي أَثْنَائِهَا، فَشَاهَدَ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى صَوَابِ نَفْسِهِ، مِثْلُ أَنْ يَرَى الشَّمْسَ فِي قِبْلَتِهِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، مَضَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَيْنِ قَدْ اتَّفَقَا. وَإِنْ بَانَ لَهُ خَطَؤُهُ، اسْتَدَارَ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي أَدَّاهُ إلَيْهَا، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ. وَإِنْ لَمْ يَبِنْ لَهُ صَوَابُهُ وَلَا خَطَؤُهُ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَاجْتَهَدَ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ الِاجْتِهَادُ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَدَاءُ فَرْضِهِ بِالتَّقْلِيدِ، كَمَا لَوْ كَانَ بَصِيرًا فِي ابْتِدَائِهَا. وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، مَضَى فِي صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ إلَّا الدَّلِيلُ الَّذِي بَدَأَ بِهِ فِيهَا. [مَسْأَلَة صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ] (628) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ، ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّى إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْكَعْبَةِ يَقِينًا، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ. وَكَذَلِكَ الْمُقَلِّدُ الَّذِي صَلَّى بِتَقْلِيدِهِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَقَالَ فِي الْآخَرِ: يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ فِي شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، فَلَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ، كَمَا لَوْ بَانَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ، أَوْ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ أَوْ سِتَارَةٍ. وَلَنَا، مَا رَوَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ، فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ حِيَالَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] » . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ إلَّا أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ السَّمَّانِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ. وَعَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسِيرٍ، فَأَصَابَنَا غَيْمٌ، فَتَحَيَّرْنَا فَاخْتَلَفْنَا فِي الْقِبْلَةِ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا عَلَى حِدَةٍ، وَجَعَلَ أَحَدُنَا يَخُطُّ بَيْنَ يَدَيْهِ لِنَعْلَمَ أَمْكِنَتَنَا، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِالْإِعَادَةِ، وَقَالَ: قَدْ أَجْزَأَتْكُمْ صَلَاتُكُمْ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَيُرْوَى أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْد اللَّه الْعُمَرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ. وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ. وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يُرْوَى مَتْنُ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ. وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ "، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَنَزَلَتْ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] . فَمَرَّ رَجُلٌ بِبَنِي سَلَمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، فَنَادَى: أَلَا إنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ. فَمَالُوا كُلُّهُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ» . وَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْتَفِي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَتْرُكُ إنْكَارَهُ إلَّا وَهُوَ جَائِزٌ. وَقَدْ كَانَ مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمْ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ، فَخَرَجَ عَنْ الْعَهْدِ، كَالْمُصِيبِ، وَلِأَنَّهُ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ لِلْعُذْرِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، كَالْخَائِفِ يُصَلِّي إلَى غَيْرِهَا، وَلِأَنَّهُ
فصل إن بان له يقين الخطأ وهو في الصلاة استدار إلى جهة الكعبة
شَرْطٌ عَجَزَ عَنْهُ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الشُّرُوطِ. وَأَمَّا الْمُصَلِّي قَبْلَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَلَمْ يَأْتِ بِمَا أُمِرَ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَلَمْ يُؤْمَرْ إلَّا بِهَذِهِ الصَّلَاةِ، وَسَائِرُ الشُّرُوطِ، إذَا عَجَزَ عَنْهَا، سَقَطَتْ، كَذَا هَاهُنَا، وَأَمَّا إذَا ظَنَّ وُجُودَهَا فَأَخْطَأَ، فَلَيْسَتْ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، فَنَظِيرُهُ: إذَا اجْتَهَدَ فِي مَسْأَلَتِنَا فِي الْحَضَرِ، فَأَخْطَأَ. (629) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْأَدِلَّةُ ظَاهِرَةً مَكْشُوفَةً فَاشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ، أَوْ مَسْتُورَةً بِغَيْمٍ أَوْ شَيْءٍ يَسْتُرُهَا عَنْهُ، بِدَلِيلِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا، فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ اسْتَتَرَتْ عَنْهُمْ بِالْغَيْمِ، فَلَمْ يُعِيدُوا، وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ فِي الْحَالَيْنِ، وَعَجَزَ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَاسْتَوَيَا فِي عَدَمِ الْإِعَادَةِ. [فَصْلٌ إنْ بَانَ لَهُ يَقِين الْخَطَأ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ اسْتَدَارَ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ] (630) فَصْلٌ: وَإِنْ بَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، اسْتَدَارَ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى مِنْهَا كَانَ صَحِيحًا، فَجَازَ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَبِنْ لَهُ الْخَطَأُ. وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً، قَدْ أَدَّاهُمْ اجْتِهَادُهُمْ إلَى جِهَةٍ، فَقَدَّمُوا أَحَدَهُمْ، ثُمَّ بَانَ لَهُمْ الْخَطَأُ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، اسْتَدَارُوا إلَى الْجِهَةِ الَّتِي بَانَ لَهُمْ الصَّوَابُ فِيهَا، كَبَنِي سَلَمَةَ، لَمَّا بَانَ لَهُمْ تَحَوُّلُ الْكَعْبَةِ. وَإِنْ بَانَ لِلْإِمَامِ وَحْدَهُ، أَوْ لِلْمَأْمُومِينَ دُونَهُ، أَوْ لِبَعْضِهِمْ، اسْتَدَارَ مَنْ بَانَ لَهُ الصَّوَابُ وَحْدَهُ، وَيَنْوِي بَعْضُهُمْ مُفَارَقَةَ بَعْضٍ، إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا أَنَّ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِمَنْ خَالَفَهُ فِي الِاجْتِهَادِ. وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُقَلِّدٌ، تَبِعَ مَنْ قَلَّدَهُ وَانْحَرَفَ بِانْحِرَافِهِ. وَإِنْ قَلَّدَ الْجَمِيعَ، لَمْ يَنْحَرِفْ إلَّا بِانْحِرَافِ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ بِدَلِيلٍ يَقِينِيٍّ، فَلَا يَنْحَرِفُ بِالشَّكِّ إلَّا مَنْ يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُ أَوْثَقِهِمْ، فَإِنَّهُ يَنْحَرِفُ بِانْحِرَافِهِ. [مَسْأَلَة إذَا صَلَّى الْبَصِيرُ فِي حَضَرٍ أَوْ الْأَعْمَى فَأَخْطَأَ فِي اسْتِقْبَال الْقِبْلَة] (631) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا صَلَّى الْبَصِيرُ فِي حَضَرٍ، فَأَخْطَأَ، أَوْ الْأَعْمَى بِلَا دَلِيلٍ، أَعَادَا) . أَمَّا الْبَصِيرُ إذَا صَلَّى إلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ فِي الْحَضَرِ، ثُمَّ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، سَوَاءٌ إذَا صَلَّى بِدَلِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحَضَرَ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، لِأَنَّ مَنْ فِيهِ يَقْدِرُ عَلَى الْمَحَارِيبِ وَالْقِبَلِ الْمَنْصُوبَةِ، وَيَجِدُ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ غَالِبًا، فَلَا يَكُونُ لَهُ الِاجْتِهَادُ، كَالْقَادِرِ عَلَى النَّصِّ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، فَإِنْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَأَخْطَأَ، لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ؛ لِتَفْرِيطِهِ. وَإِنْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ، فَأَخْطَأَهُ، فَقَدْ غَرَّهُ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ خَبَرَهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ. فَإِنْ كَانَ مَحْبُوسًا، لَا يَجِدُ مَنْ يُخْبِرُهُ، فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ: هُوَ كَالْمُسَافِرِ، يَتَحَرَّى فِي مَحْبِسِهِ، وَيُصَلِّي، مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْخَبَرِ وَالْمَحَارِيبِ، فَهُوَ كَالْمُسَافِرِ. وَأَمَّا الْأَعْمَى، فَإِنْ كَانَ فِي حَضَرٍ، فَهُوَ كَالْبَصِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْخَبَرِ وَالْمَحَارِيبِ، فَإِنَّ الْأَعْمَى إذَا لَمَسَ الْمِحْرَابَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ مِحْرَابٌ، وَأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ، فَهُوَ كَالْبَصِيرِ. وَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ أَنَّ بَابَ الْمَسْجِدِ إلَى الشَّمَالِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْجِهَاتِ، جَازَ لَهُ الِاسْتِدْلَال بِهِ، وَمَتَى أَخْطَأَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. وَحُكْمُ الْمُقَلِّدِ حُكْمُ الْأَعْمَى فِي هَذَا. وَإِنْ كَانَ الْأَعْمَى، أَوْ الْمُقَلِّدُ مُسَافِرًا، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُخْبِرُهُ، وَلَا مُجْتَهِدًا يُقَلِّدُهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ يُعِيدُ،
مسألة لا يتبع دلالة مشرك بحال في استقبال القبلة
سَوَاءٌ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، فَلَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ وَإِنْ أَصَابَ، كَانَ كَالْمُجْتَهِدِ إذَا صَلَّى مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ، سَوَاءٌ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ: إحْدَاهُمَا: يُعِيدُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَالثَّانِيَةُ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ، فَأَشْبَهَ الْمُجْتَهِدَ وَلِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ غَيْرِ مَا أَتَى بِهِ، فَسَقَطَ عَنْهُ، كَسَائِرِ الْعَاجِزِينَ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ، وَلِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلدَّلِيلِ، فَأَشْبَهَ الْمُجْتَهِدَ، فِي الْغَيْمِ وَالْحَبْسِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ أَخْطَأَ أَعَادَ، وَإِنْ أَصَابَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ. وَحُكْمُ الْمُقَلِّدِ لِعَدَمِ بَصِيرَتِهِ كَعَادِمِ بَصَرِهِ. فَأَمَّا إنْ وَجَدَ مَنْ يُقَلِّدُهُ، أَوْ مَنْ يُخْبِرُهُ، فَلَمْ يَسْتَخْبِرْهُ وَلَمْ يُقَلِّدْ، أَوْ خَالَفَ الْمُخْبِرَ وَالْمُجْتَهِدَ، وَصَلَّى، فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ بِكُلِّ حَالٍ. وَكَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ إذَا صَلَّى مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ، فَأَصَابَ، أَوْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ، فَصَلَّى إلَى غَيْرِهَا، فَإِنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ سَوَاءٌ أَخْطَأَ أَوْ أَصَابَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ تَرَكَ التَّوَجُّهَ إلَى الْكَعْبَةِ، مَعَ عِلْمِهِ بِهَا. [مَسْأَلَة لَا يَتَّبِعُ دَلَالَةَ مُشْرِكٍ بِحَالِ فِي اسْتِقْبَال الْقِبْلَة] (632) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَتْبَعُ دَلَالَةَ مُشْرِكٍ بِحَالٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، وَلَا رِوَايَتُهُ، وَلَا شَهَادَتُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ أَمَانَةٍ) وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا تَأْتَمِنُوهُمْ بَعْدَ إذْ خَوَّنَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْفَاسِقِ؛ لِقِلَّةِ دِينِهِ، وَتَطَرُّقِ التُّهْمَةِ إلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ أَيْضًا لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَلَا شَهَادَتُهُ. وَلَا يَقْبَلُ خَبَرُ الصَّبِيِّ لِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ مَأْثَمٌ بِكَذِبِهِ، فَتَحَرُّزُهُ مِنْ الْكَذِبِ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ. وَقَالَ التَّمِيمِيُّ؛ يُقْبَلُ خَبَرُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ. وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ حَالَ الْمُخْبِرِ، فَإِنْ شَكَّ فِي إسْلَامِهِ وَكُفْرِهِ، لَمْ يَقْبَلْ خَبَرَهُ، كَمَا لَوْ وَجَدَ مَحَارِيبَ لَا يَعْلَمُ هَلْ هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَدَالَتَهُ وَفِسْقَهُ، قَبِلَ خَبَرَهُ؛ لِأَنَّ حَالَ الْمُسْلِمِ يُبْنَى عَلَى الْعَدَالَةِ، مَا لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهَا، وَيَقْبَلُ خَبَرَ سَائِرُ النَّاسِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْبَالِغِينَ الْعُقَلَاءِ، سَوَاءٌ كَانُوا رِجَالًا أَوْ نِسَاءً، وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ مِنْ أَخْبَارِ الدِّينِ، فَأَشْبَهَ الرِّوَايَةَ. وَيَقْبَلُ مِنْ الْوَاحِدِ كَذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
آدَابُ الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ، إذَا أَقْبَلَ إلَى الصَّلَاةِ، أَنْ يُقْبِلَ بِخَوْفٍ وَوَجَلٍ وَخُشُوعٍ وَخُضُوعٍ، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَإِنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ لَمْ يَسْعَ إلَيْهَا؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» . وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى، قَالَ: مَا شَأْنُكُمْ قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا، إذَا أَتَيْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَفِي رِوَايَةٍ " فَاقْضُوا ". قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: وَلَا بَأْسَ إذَا طَمِعَ أَنْ يُدْرِكَ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى أَنْ يُسْرِعَ شَيْئًا، مَا لَمْ يَكُنْ عَجَلَةً تُقَبَّحُ، جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَجِّلُونَ شَيْئًا إذَا خَافُوا فَوَاتَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَارِبَ بَيْنَ خُطَاهُ، لِتَكْثُرَ حَسَنَاتُهُ، فَإِنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ يُكْتَبُ لَهُ بِهَا حَسَنَةٌ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، فِي " مُسْنَدِهِ "، بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: «أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشِي وَأَنَا مَعَهُ، فَقَارَبَ فِي الْخُطَى، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرِي لِمَ فَعَلْتُ هَذَا؟ لِتَكْثُرَ خُطَانَا فِي طَلَبِ الصَّلَاةِ» . وَيُكْرَهُ أَنْ يُشَبِّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (633) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورًا، وَمِنْ أَمَامِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، وَأَعْطِنِي نُورًا» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ "، وَابْنُ مَاجَهْ فِي " السُّنَنِ "، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا، وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، وَخَرَجْتُ
فصل إذا أقيمت الصلاة لم يشتغل عنها بنافلة
اتِّقَاءَ سُخْطِكَ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِي مِنْ النَّارِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ. أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ. وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 78] إلَى قَوْلِهِ: {إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89] » . (634) فَصْلٌ: فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَقَالَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، أَوْ أَبِي أُسَيْدَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ فَضْلِكَ» ، وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك، وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ، وَقَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ثُمَّ يَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَيَشْتَغِلُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، أَوْ يَسْكُتُ، وَلَا يَخُوضُ فِي حَدِيثِ الدُّنْيَا، وَلَا يُشَبِّكُ أَصَابِعَهُ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ؛ فَإِنَّ التَّشْبِيكَ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ " [فَصْلٌ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ لَمْ يَشْتَغِلْ عَنْهَا بِنَافِلَةِ] (635) فَصْلٌ: وَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، لَمْ يَشْتَغِلْ عَنْهَا بِنَافِلَةٍ، سَوَاءٌ خَشِيَ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَمْ لَمْ يَخْشَ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعُرْوَةُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَسَنِ، وَمَكْحُولٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ رَكَعَهُمَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَرْكَعُهُمَا إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّ مَا يَفُوتُهُ مَعَ الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِمَّا يَأْتِي بِهِ، فَلَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ، كَمَا لَوْ خَافَ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: الْحُجَّةُ عِنْدَ التَّنَازُعِ السُّنَّةُ، فَمَنْ أَدْلَى بِهَا فَقَدْ فَلَحَ، وَمَنْ اسْتَعْمَلَهَا فَقَدْ نَجَا. قَالَ: وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ حِينَ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَرَأَى نَاسًا يُصَلُّونَ، فَقَالَ: أَصَلَاتَانِ مَعًا؟» . وَرَوَى نَحْوَ ذَلِكَ أَنَسٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ، وَابْنُ بُحَيْنَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَاهُنَّ
فصل دعاء الافتتاح
كُلَّهُنَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ " التَّمْهِيدِ ". قَالَ: وَكُلُّ هَذَا إنْكَارٌ مِنْهُ لِهَذَا الْفِعْلِ. فَأَمَّا إنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي النَّافِلَةِ، وَلَمْ يَخْشَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ، أَتَمَّهَا، وَلَمْ يَقْطَعْهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] . وَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، يُتِمُّهَا؛ لِذَلِكَ. وَالثَّانِيَةُ، يَقْطَعُهَا؛ لِأَنَّ مَا يُدْرِكُهُ مِنْ الْجَمَاعَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا وَأَكْثَرُ ثَوَابًا مِمَّا يَفُوتُهُ بِقَطْعِ النَّافِلَةِ، لِأَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً. [فَصْلٌ دُعَاء الِافْتِتَاح] (636) فَصْلٌ: قِيلَ لِأَحْمَدَ: قَبْلَ التَّكْبِيرِ يَقُولُ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا. يَعْنِي لَيْسَ قَبْلَهُ دُعَاءٌ مَسْنُونٌ، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ، وَلِأَنَّ الدُّعَاءَ يَكُونُ بَعْدَ الْعِبَادَةِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} [الشرح: 7] {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 8] .
باب صفة الصلاة
[بَاب صِفَةِ الصَّلَاةِ] ِ. رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ سَمِعْت أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ أَبُو قَتَادَةَ، فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ؛ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالُوا: فَاعْرِضْ. قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ، حَتَّى يَقِرَّ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا. ثُمَّ يَقْرَأُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ، فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَيَضَعُ رَاحَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَعْتَدِلُ، فَلَا يُصَوِّبُ رَأْسَهُ وَلَا يُقْنِعُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ مُعْتَدِلًا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ يَهْوِي إلَى الْأَرْضِ، فَيُجَافِي يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَيُثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا، وَيَفْتَحُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ إذَا سَجَدَ، وَيَسْجُدُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَيَرْفَعُ وَيُثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى، فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا، حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ إلَى مَوْضِعِهِ، ثُمَّ يَصْنَعُ فِي الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَةِ كَبَّرَ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ، حَتَّى إذَا كَانَتْ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ. قَالُوا: صَدَقْتَ، هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، قَالَ: «فَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى قَائِمًا حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، وَإِذَا سَجَدَ سَجَدَ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ، وَلَا قَابِضَهُمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْأُخْرَى، فَإِذَا كَانَتْ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَجَلَسَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ» . [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ عِنْد قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ] (637) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: عَلَى هَذَا أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقُومُ إذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَسَالِمٌ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَطَاءٌ، يَقُومُونَ فِي أَوَّلِ بَدْوَةٍ مِنْ الْإِقَامَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقُومُ إذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، فَإِذَا قَالَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ. كَبَّرَ. وَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ
يُكَبِّرُونَ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ. وَبِهِ قَالَ سُوَيْد بْنُ غَفَلَةَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ بِلَالٍ: لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ قَبْلَ فَرَاغِهِ. وَلَا يُسْتَحَبُّ عِنْدَنَا أَنْ يُكَبِّرَ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْإِقَامَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَيَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَعَلَيْهِ جُلُّ الْأَئِمَّةِ فِي الْأَمْصَارِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ يَقُومُ عِنْدَ قَوْلِهِ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَمَقْصُودُهُ الْإِعْلَامُ لِيَقُومُوا، فَيُسْتَحَبُّ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْقِيَامِ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ، وَتَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ، وَلَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا كَانَ يُكَبِّرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يُعَدِّلُ الصُّفُوفَ بَعْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ فِي الْإِقَامَةِ مِثْلَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ، فَرَوَى أَنَسٌ، قَالَ: «أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْهُ قَالَ، «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا، عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ: اسْتَوُوا وَاعْتَدِلُوا» . وَفِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ بِلَالًا أَخَذَ فِي الْإِقَامَةِ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ. قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا» . وَقَالَ فِي سَائِرِ الْإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الْأَذَانِ، فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ، فَإِنَّ بِلَالًا كَانَ يُقِيمُ فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ بَيْنَ لَفْظِ الْإِقَامَةِ وَالْفَرَاغِ مِنْهَا مَا يَفُوتُ بِلَالًا " آمِينَ "، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّمَا يَقُومُ الْمَأْمُومُونَ إذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَقَامِهِ. قَالَ أَحْمَدُ. فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ أَقَمْنَا الصُّفُوفَ» . إسْنَادٌ جَيِّدٌ؛ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ تُقَامَ الصُّفُوفُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ، فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقِفَ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَتْ الصَّلَاةُ تُقَامُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقَامَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَإِنْ أُقِيمَتْ، وَالْإِمَامُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا قُرْبَهُ، لَمْ يَقُومُوا؛ لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلْبُخَارِيِّ: " قَدْ خَرَجْتُ "، وَخَرَجَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَهُ قِيَامًا لِلصَّلَاةِ، فَقَالَ: " مَا لِي أَرَاكُمْ سَامِدِينَ؟ ".
فصل يستحب للإمام تسوية الصفوف
[فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ] (638) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ، يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ، فَيَقُولُ: اسْتَوُوا. رَحِمَكُمْ اللَّهُ. وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: «صَلَّيْت إلَى جَنْبِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَوْمًا، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي لِمَ صُنِعَ هَذَا الْعُودُ؟ قُلْت: لَا وَاَللَّهِ. فَقَالَ: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ أَخَذَهُ بِيَمِينِهِ، فَقَالَ: اعْتَدِلُوا، وَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ. ثُمَّ أَخَذَهُ بِيَسَارِهِ، وَقَالَ: اعْتَدِلُوا، وَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [مَسْأَلَة الصَّلَاةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِقَوْلِ اللَّهُ أَكْبَرُ] (639) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: (وَإِذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِقَوْلِ: " اللَّهُ أَكْبَرُ ". عِنْدَ إمَامِنَا، وَمَالِكٍ. وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَطَاوُسٌ، وَأَيُّوبُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، يَقُولُونَ: افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ. وَعَلَى هَذَا عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: تَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ الْأَكْبَرُ. لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لَمْ تُغَيِّرْهُ عَنْ بِنْيَتِهِ وَمَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا أَفَادَتْ التَّعْرِيفَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَنْعَقِدُ بِكُلِّ اسْمٍ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ، كَقَوْلِهِ: اللَّهُ عَظِيمٌ. أَوْ كَبِيرٌ، أَوْ جَلِيلٌ. وَسُبْحَانَ اللَّهِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. وَنَحْوِهِ. قَالَ الْحَاكِمُ: لِأَنَّهُ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ، أَشْبَهَ قَوْلَهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ. وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالْخُطْبَةِ، حَيْثُ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَفْظُهَا. وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. «وَقَالَ لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ: إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الْوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، فَيَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ» . «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ» . لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ عُدُولٌ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ، وَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ يُخَالِفُ دَلَالَةَ الْأَخْبَارِ، فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِقَوْلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا لَفْظٌ بِعَيْنِهِ فِي جَمِيعِ خُطَبِهِ، وَلَا أَمْرٌ بِهِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْكَلَامِ فِيهَا وَالتَّلَفُّظِ بِمَا شَاءَ مِنْ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ، وَالصَّلَاةُ بِخِلَافِهِ، وَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ عُدُولٌ عَنْ الْمَنْصُوصِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: اللَّهُ الْعَظِيمُ. وَقَوْلُهُمْ: لَمْ تُغَيَّرْ بِنْيَتُهُ وَلَا مَعْنَاهُ. لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَهُ عَنْ التَّنْكِيرِ إلَى التَّعْرِيفِ، وَكَانَ مُتَضَمِّنًا
فصل التكبير ركن في الصلاة
لَإِضْمَارٍ أَوْ تَقْدِيرٍ. فَزَالَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ " اللَّهُ أَكْبَرُ " التَّقْدِيرُ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَلَمْ يَرِدْ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا فِي كَلَامِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا فِي الْمُتَعَارَفِ فِي كَلَامِ الْفُصَحَاءِ إلَّا هَكَذَا، فَإِطْلَاقُ لَفْظِ التَّكْبِيرِ يَنْصَرِفُ إلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا، كَمَا أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ التَّسْمِيَةِ يَنْصَرِفُ إلَى قَوْلِ " بِسْمِ اللَّهِ " دُونَ غَيْرِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهَا لَيْسَ مِثْلًا لَهَا. [فَصْلٌ التَّكْبِيرُ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ] (640) فَصْلٌ: وَالتَّكْبِيرُ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ، لَا تَنْعَقِدُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ، سَوَاءٌ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَهَذَا قَوْلُ رَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالْحَكَمُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: مَنْ نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ، أَجْزَأَتْهُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» . يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ بِدُونِهِ. [فَصْلٌ لَا يَصِحُّ التَّكْبِيرُ إلَّا مُرَتَّبًا] (641) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ التَّكْبِيرُ إلَّا مُرَتَّبًا، فَإِنْ نَكَسَهُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ تَكْبِيرًا. وَيَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يُسْمِعَهُ نَفْسَهُ إمَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ عَارِضٌ مِنْ طَرَشٍ، أَوْ مَا يَمْنَعُهُ السَّمَاعَ، فَيَأْتِيَ بِهِ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ سَمِيعًا أَوْ لَا عَارِضَ بِهِ سَمِعَهُ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَحَلُّهُ اللِّسَانُ، وَلَا يَكُونُ كَلَامًا بِدُونِ الصَّوْتِ، وَالصَّوْتُ مَا يَتَأَتَّى سَمَاعُهُ، وَأَقْرَبُ السَّامِعِينَ إلَيْهِ نَفْسُهُ، فَمَتَى لَمْ يَسْمَعْهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ أَتَى بِالْقَوْلِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ] (642) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ، بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْمَأْمُومُونَ لِيُكَبِّرُوا، فَإِنَّهُمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّكْبِيرُ إلَّا بَعْدَ تَكْبِيرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إسْمَاعُهُمْ، جَهَرَ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ لِيَسْمَعَهُمْ، أَوْ لِيَسْمَعَ مَنْ لَا يَسْمَعُ الْإِمَامَ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ، فَإِذَا كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ؛ لِيُسْمِعَنَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ يُبَيِّنُ التَّكْبِيرَ وَلَا يَمُدُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْمَدِّ] (643) فَصْلٌ: وَيُبَيِّنُ التَّكْبِيرَ، وَلَا يَمُدُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْمَدِّ، فَإِنْ فَعَلَ بِحَيْثُ تَغَيَّرَ الْمَعْنَى، مِثْلُ أَنْ يَمُدَّ الْهَمْزَةَ الْأُولَى، فَيَقُولَ: آللَّهُ. فَيَجْعَلَهَا اسْتِفْهَامًا، أَوْ يَمُدَّ أَكْبَرَ. فَيَزِيدَ أَلِفًا، فَيَصِيرَ جَمْعَ كَبَرٍ،
فصل التكبير بغير العربية
وَهُوَ الطَّبْلُ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَتَغَيَّرُ بِهِ. وَإِنْ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ. وَنَحْوَهُ، لَمْ يُسْتَحَبَّ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَانْعَقَدَتْ الصَّلَاةُ بِالتَّكْبِيرَةِ الْأُولَى. [فَصْلٌ التَّكْبِيرُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ] فَصْلٌ: وَلَا يُجْزِئُهُ التَّكْبِيرُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15] . وَهَذَا قَدْ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ. وَلَنَا، مَا تَقَدَّمَ مِنْ النُّصُوصِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَعْدِلْ عَنْهَا، وَهَذَا يَخُصُّ مَا ذَكَرُوا. فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْعَرَبِيَّةَ، لَزِمَهُ تَعَلُّمُ التَّكْبِيرِ بِهَا، فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ كَبَّرَ بِلُغَتِهِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ ". وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ ": لَا يُكَبِّرُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأَخْرَسِ، كَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ لَا يُعَبِّرُ عَنْهَا بِغَيْرِهَا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ ذِكْرُ اللَّهِ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى يَحْصُلُ بِكُلِّ لِسَانٍ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ عَرَبِيٌّ، فَإِذَا عَبَّرَ عَنْهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا، وَالذِّكْرُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ ذِكْرًا. [فَصْلٌ فَإِنْ كَانَ أَخْرَسِ أَوْ عَاجِزًا عَنْ التَّكْبِيرِ بِكُلِّ لِسَانٍ] (645) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ أَوْ عَاجِزًا عَنْ التَّكْبِيرِ بِكُلِّ لِسَانٍ، سَقَطَ عَنْهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهِ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ يَلْزَمُهُ النُّطْقُ بِتَحْرِيكِ لِسَانِهِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ الْآخَرُ. وَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ عَجَزَ عَنْهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ فِي مَوْضِعِهِ كَالْقِرَاءَةِ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ بِالتَّكْبِيرِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ضَرُورَةً يُوقَفُ التَّكْبِيرُ عَلَيْهَا، فَإِذَا سَقَطَ التَّكْبِيرُ سَقَطَ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَتِهِ، كَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْقِيَامُ، سَقَطَ عَنْهُ النُّهُوضُ إلَيْهِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ تَحْرِيكَ اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ نُطْقٍ عَبَثٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، فَلَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ، كَالْعَبَثِ بِسَائِرِ جَوَارِحِهِ. [فَصْلٌ يَأْتِيَ بِالتَّكْبِيرِ قَائِمًا] (646) فَصْلٌ: وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّكْبِيرِ قَائِمًا. فَإِنْ انْحَنَى إلَى الرُّكُوعِ بِحَيْثُ يَصِيرُ رَاكِعًا قَبْلَ إنْهَاءِ التَّكْبِيرِ، لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ نَافِلَةً؛ لِسُقُوطِ الْقِيَامِ فِيهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَنْعَقِدَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ صِفَةَ الرُّكُوعِ غَيْرُ صِفَةِ الْقُعُودِ، وَلَمْ يَأْتِ التَّكْبِيرَ قَائِمًا وَلَا قَاعِدًا. وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ قَاعِدًا، كَانَ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِالتَّكْبِيرِ قَبْلَ وُجُودِ الرُّكُوعِ مِنْهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَبَّرَ فِي الْفَرِيضَةِ، فِي حَالِ انْحِنَائِهِ إلَى الرُّكُوعِ، انْعَقَدَتْ نَفْلًا؛ لِأَنَّهَا امْتَنَعَ وُقُوعُهَا فَرْضًا، وَأَمْكَنَ جَعْلُهَا نَفْلًا، فَأَشْبَهَ مَنْ أَحْرَمَ بِفَرِيضَةٍ، فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا. [فَصْلٌ لَا يُكَبِّرُ الْمَأْمُومُ حَتَّى يَفْرَغَ إمَامُهُ مِنْ التَّكْبِيرِ] (647) فَصْلٌ: وَلَا يُكَبِّرُ الْمَأْمُومُ حَتَّى يَفْرُغَ إمَامُهُ مِنْ التَّكْبِيرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُكَبِّرُ مَعَهُ، كَمَا يَرْكَعُ مَعَهُ.
فصل التكبير من الصلاة
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالرُّكُوعُ مِثْلُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَرْكَعُ بَعْدَهُ، إلَّا أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالرُّكُوعِ مَعَهُ، لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ. فَإِنْ كَبَّرَ قَبْلَ إمَامِهِ، لَمْ يَنْعَقِدْ تَكْبِيرُهُ، وَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ التَّكْبِيرِ بَعْدَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ. [فَصْلٌ التَّكْبِيرُ مِنْ الصَّلَاةِ] (648) فَصْلٌ: وَالتَّكْبِيرُ مِنْ الصَّلَاةِ. وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ. لَيْسَ هُوَ مِنْهَا؛ بِدَلِيلِ إضَافَتِهِ إلَيْهَا، بِقَوْلِهِ: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» ، وَلَا يُضَافُ الشَّيْءُ إلَى نَفْسِهِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ: «إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد. وَمَا ذَكَرُوهُ غَلَطٌ؛ فَإِنَّ أَجْزَاءَ الشَّيْءِ تُضَافُ إلَيْهِ، كَيَدِ الْإِنْسَانِ وَرَأْسِهِ وَأَطْرَافِهِ. [مَسْأَلَة وُجُوبِ النِّيَّةِ لِلصَّلَاةِ] (649) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَنْوِي بِهَا الْمَكْتُوبَةَ، يَعْنِي بِالتَّكْبِيرَةِ. وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ لِلصَّلَاةِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِهَا) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] . وَالْإِخْلَاصُ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَهُوَ النِّيَّةُ، وَإِرَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . وَمَعْنَى النِّيَّةِ الْقَصْدُ، وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ. وَإِنْ لَفَظَ بِمَا نَوَاهُ، كَانَ تَأْكِيدًا. فَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مَكْتُوبَةً، لَزِمَتْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا؛ ظُهْرًا، أَوْ عَصْرًا، أَوْ غَيْرَهُمَا، فَيَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ شَيْئَيْنِ؛ الْفِعْلِ، وَالتَّعْيِينِ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا، لِأَنَّ التَّعْيِينَ يُغْنِي عَنْهَا؛ لِكَوْنِ الظُّهْرِ مَثَلًا لَا يَكُونُ إلَّا فَرْضًا مِنْ الْمُكَلَّفِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُعَيَّنَةَ قَدْ تَكُونُ نَفْلًا، كَظُهْرِ الصَّبِيِّ وَالْمُعَادَةِ، فَيَفْتَقِرُ إلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ الْفِعْلِ، وَالتَّعْيِينِ، وَالْفَرْضِيَّةِ. وَيَحْتَمِلُ هَذَا كَلَامَ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِهِ: " يَنْوِي بِهَا الْمَكْتُوبَةَ " أَيْ الْوَاجِبَةَ الْمُعَيَّنَةَ. وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ هُنَا لِلْمَعْهُودِ، أَيْ أَنَّهَا الْمَكْتُوبَةُ الْحَاضِرَةُ. وَقَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَوَى الْمَفْرُوضَةَ انْصَرَفَتْ النِّيَّةُ إلَى الْحَاضِرَةِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ هُنَا لِلْمَعْهُودِ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَالْحُضُورُ لَا يَكْفِي عَنْ النِّيَّةِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يُغْنِ عَنْ نِيَّةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ، فَلَا تَتَعَيَّنُ إحْدَاهُنَّ بِدُونِ التَّعْيِينِ. فَأَمَّا الْفَائِتَةُ، فَإِنْ عَيَّنَهَا بِقَلْبِهِ أَنَّهَا ظُهْرُ الْيَوْمِ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَلَا الْأَدَاءِ، بَلْ لَوْ نَوَاهَا أَدَاءً، فَبَانَ أَنَّ وَقْتَهَا قَدْ خَرَجَ وَقَعَتْ قَضَاءً مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ. وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ خَرَجَ، فَنَوَاهَا قَضَاءً، فَبَانَ أَنَّهَا فِي وَقْتِهَا، وَقَعَتْ أَدَاءً مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، كَالْأَسِيرِ إذَا تَحَرَّى وَصَامَ شَهْرًا، يُرِيدُ بِهِ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَوَافَقَهُ، أَوْ مَا بَعْدَهُ، أَجْزَأَهُ.
فصل دخل في الصلاة بنية مترددة بين إتمامها وقطعها
وَإِنْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ ظُهْرًا فَائِتَةً، فَقَضَاهَا فِي وَقْتِ ظُهْرِ الْيَوْمِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، فَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنْ ظُهْرِ الْيَوْمِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُعَيَّنَةٌ، وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِي نِيَّةِ الْوَقْتِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ، كَمَا إذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ خَرَجَ، فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ، أَوْ كَمَا لَوْ نَوَى ظُهْرَ أَمْسِ، وَعَلَيْهِ ظُهْرُ يَوْمٍ قَبْلَهُ. وَالثَّانِي: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ عَيْنَ الصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى قَضَاءَ عَصْرٍ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الظُّهْرِ. وَلَوْ نَوَى ظُهْرَ الْيَوْمِ فِي وَقْتِهَا، وَعَلَيْهِ فَائِتَةٌ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْهَا، وَيَتَخَرَّجُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. فَأَمَّا إنْ كَانَتْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ، فَنَوَى صَلَاةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ وَاحِدَةٍ مِنْهَا؛ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ. وَلَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، لَزِمَهُ خَمْسُ صَلَوَاتٍ؛ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ أَدَّى الْفَائِتَةَ. وَلَوْ نَسِيَ صَلَاةً لَا يَدْرِي أَظُهْرٌ هِيَ أَمْ عَصْرٌ، لَزِمَهُ صَلَاتَانِ، فَإِنْ صَلَّى وَاحِدَةً يَنْوِي أَنَّهَا الْفَائِتَةُ، لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ. (650) فَصْلٌ: فَأَمَّا النَّافِلَةُ، فَتَنْقَسِمُ إلَى مُعَيَّنَةٍ، كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالتَّرَاوِيحِ، وَالْوِتْرِ، وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، فَيَفْتَقِرُ إلَى التَّعْيِينِ أَيْضًا، وَإِلَى مُطْلَقَةٍ، كَصَلَاةِ اللَّيْلِ، فَيُجْزِئُهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ لَا غَيْرُ؛ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ فِيهَا. [فَصْلٌ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بُنَيَّة مُتَرَدِّدَةٍ بَيْنَ إتْمَامِهَا وَقَطْعِهَا] (651) فَصْلٌ: وَإِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةٍ مُتَرَدِّدَةٍ بَيْنَ إتْمَامِهَا وَقَطْعِهَا، لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ عَزْمٌ جَازِمٌ، وَمَعَ التَّرَدُّدِ لَا يَحْصُلُ الْجَزْمُ. وَإِنْ تَلَبَّسَ بِهَا بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، ثُمَّ نَوَى قَطْعَهَا، وَالْخُرُوجَ مِنْهَا، بَطَلَتْ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ صَحَّ دُخُولُهُ فِيهَا، فَلَمْ تَفْسُدْ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا كَالْحَجِّ. وَلَنَا، أَنَّهُ قَطَعَ حُكْمَ النِّيَّةِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ، فَفَسَدَتْ، كَمَا لَوْ سَلَّمَ يَنْوِي الْخُرُوجَ مِنْهَا، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ قَطَعَهَا بِمَا حَدَثَ، فَفَسَدَتْ لِذَهَابِ شَرْطِهَا، وَفَارَقَتْ الْحَجَّ؛ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِمَحْظُورَاتِهِ، وَلَا بِمُفْسِدَاتِهِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ. فَأَمَّا إنْ تَرَدَّدَ فِي قَطْعِهَا، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا بِنِيَّةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ النِّيَّةِ شَرْطٌ مَعَ التَّرَدُّدِ لَا يَكُونُ مُسْتَدِيمًا لَهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى قَطْعَهَا [فَصْلٌ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ النِّيَّةِ دُون حَقِيقَتِهَا] (652) فَصْلٌ: وَالْوَاجِبُ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ النِّيَّةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَنْوِي قَطْعَهَا. وَلَوْ ذَهَلَ عَنْهَا وَعَزَبَتْ عَنْهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهَا؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تُعْتَبَرُ حَقِيقَتُهَا
فصل شك في أثناء الصلاة هل نوى أو لا أو شك في تكبيرة الإحرام
فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ، بِدَلِيلِ الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ حُصَاصٌ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اُذْكُرْ كَذَا، اُذْكُرْ كَذَا، حَتَّى يَظَلَّ أَحَدُكُمْ أَنْ لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ مَالِكٌ، فِي " الْمُوَطَّأِ ". وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً فَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّك لَمْ تَقْرَأْ. فَقَالَ: إنِّي جَهَّزْتُ جَيْشًا لِلْمُسْلِمِينَ، حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ وَادِيَ الْقُرَى [فَصْلٌ شَكَّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ هَلْ نَوَى أَوْ لَا أَوْ شَكَّ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ] (653) فَصْلٌ: فَإِنْ شَكَّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، هَلْ نَوَى أَوْ لَا؟ أَوْ شَكَّ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، اسْتَأْنَفَهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا شَكَّ فِيهِ؛ فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ نَوَى أَوْ كَبَّرَ قَبْلَ قَطْعِهَا، أَوْ أَخَذَ فِي عَمَلٍ، فَلَهُ الْبِنَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مُبْطِلٌ لَهَا. وَإِنْ عَمِلَ فِيهَا عَمَلًا مَعَ الشَّكِّ، فَقَالَ الْقَاضِي: تَبْطُلُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ عَرِيَ عَنْ النِّيَّةِ وَحُكْمِهَا، فَإِنَّ اسْتِصْحَابَ حُكْمِهَا مَعَ الشَّكِّ لَا يُوجَدُ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا تَبْطُلُ، وَيَبْنِي أَيْضًا؛ لِأَنَّ الشَّكَّ لَا يُزِيلُ حُكْمَ النِّيَّةِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ لَمْ يُحْدِثْ عَمَلًا، فَإِنَّهُ يَبْنِي، وَلَوْ زَالَ حُكْمُ النِّيَّةِ لَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ، كَمَا لَوْ نَوَى قَطْعَهَا. وَإِنْ شَكَّ هَلْ نَوَى فَرْضًا أَوْ نَفْلًا؟ أَتَمَّهَا نَفْلًا، إلَّا أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ عَمَلًا. وَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ إحْدَاثِ عَمَلٍ، خُرِّجَ فِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. فَإِنْ شَكَّ، هَلْ أَحْرَمَ بِظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ؟ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ شَكَّ؛ فِي النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ، وَقَدْ زَالَ بِالشَّكِّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُتِمَّهَا نَفْلًا، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ، فَبَانَ أَنَّهُ قَبْلَ وَقْتِهِ. [فَصْلٌ أَحْرَمَ بِفَرِيضَةِ ثُمَّ نَوَى نَقْلَهَا إلَى فَرِيضَةٍ أُخْرَى] (654) فَصْلٌ: وَإِذَا أَحْرَمَ بِفَرِيضَةٍ، ثُمَّ نَوَى نَقْلَهَا إلَى فَرِيضَةٍ أُخْرَى، بَطَلَتْ الْأُولَى، لِأَنَّهُ قَطَعَ نِيَّتَهَا، وَلَمْ تَصِحَّ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا مِنْ أَوَّلِهَا. فَإِنْ نَقَلَهَا إلَى نَفْلٍ لِغَيْرِ غَرَضٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَقَالَ فِي " الْجَامِعِ ": يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُكْرَهُ، وَيَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ يَدْخُلُ فِي نِيَّةِ الْفَرْضِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ، وَصِحَّةُ نَقْلِهَا إذَا كَانَ لِغَرَضٍ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْوَجْهَيْنِ. فَأَمَّا إنْ نَقَلَهَا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، مِثْلُ مَنْ أَحْرَمَ بِهَا مُنْفَرِدًا، فَحَضَرَتْ جَمَاعَةٌ، فَجَعَلَهَا نَفْلًا لِيُصَلِّيَ فَرْضَهُ فِي جَمَاعَةٍ. فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ رِوَايَتَانِ:
مسألة تقديم النية على التكبير
إحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ النَّفَلَ مِنْ أَوَّلِهَا. وَالثَّانِيَةُ، يَصِحّ؛ لِأَنَّهُ لِفَائِدَةٍ، وَهِيَ تَأْدِيَةُ فَرْضِهِ فِي الْجَمَاعَةِ مُضَاعَفَةً لِلثَّوَابِ، بِخِلَافِ مَنْ نَقَلَهَا لِغَيْرِ غَرَضٍ، فَإِنَّهُ أَبْطَلَ عَمَلَهُ لِغَيْرِ سَبَبٍ وَلَا فَائِدَةٍ. [مَسْأَلَة تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى التَّكْبِيرِ] (655) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ تَقَدَّمَتْ النِّيَّةُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَبَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ مَا لَمْ يَفْسَخْهَا أَجْزَأَهُ) قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى التَّكْبِيرِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ أَوْ فَسَخَ نِيَّتَهُ بِذَلِكَ، لَمْ يُجْزِئْهُ. وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَى هَذَا، وَفَسَّرَهُ بِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ يُشْتَرَطُ مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ لِلتَّكْبِيرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] . فَقَوْلُهُ (مُخْلِصِينَ) حَالٌ لَهُمْ فِي وَقْتِ الْعِبَادَةِ، فَإِنَّ الْحَالَ وَصْفُ هَيْئَةِ الْفَاعِلِ وَقْتَ الْفِعْلِ، وَالْإِخْلَاصُ هُوَ النِّيَّةُ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . وَلِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَخْلُوَ الْعِبَادَةُ عَنْهَا، كَسَائِرِ شُرُوطِهَا. وَلَنَا، أَنَّهَا عِبَادَةٌ فَجَازَ تَقْدِيمُ نِيَّتِهَا عَلَيْهَا، كَالصَّوْمِ، وَتَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى الْفِعْلِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مَنْوِيًّا، وَلَا يُخْرِجُ الْفَاعِلَ عَنْ كَوْنِهِ مُخْلِصًا، بِدَلِيلِ الصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ إذَا دَفَعَهَا إلَى وَكِيلِهِ، كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ. [مَسْأَلَة رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ] (656) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ، أَوْ إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أَبِي حُمَيْدٍ وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، وَبَعْدَمَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، وَلَا يَرْفَعُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي رَفْعِهِمَا إلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ أَوْ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَبْلُغَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، وَإِنَّمَا خُيِّرَ لِأَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالرَّفْعُ إلَى حَذْوِ الْمَنْكِبَيْنِ؛ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ وَابْنِ عُمَرَ، رَوَاهُ عَلِيٌّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ، وَالرَّفْعُ إلَى حَذْوِ الْأُذُنَيْنِ. رَوَاهُ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، وَمَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ بِهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَيْلُ أَحْمَدَ إلَيَّ الْأَوَّلِ أَكْثَرُ، قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إلَى أَيْنَ يَبْلُغُ بِالرَّفْعِ؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَذْهَبُ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ إلَى حَذْوِ أُذُنَيْهِ فَحَسَنٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّ رُوَاةَ الْأَوَّلِ أَكْثَرُ وَأَقْرَبُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَوَّزَ الْآخَرَ لِأَنَّ صِحَّةَ رِوَايَتِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً. (657) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمُدَّ أَصَابِعَهُ وَقْتَ الرَّفْعِ، وَيَضُمَّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
كَانَ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا» . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ أَنْ يُفَرِّقَ أَصَابِعَهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْشُرُ أَصَابِعَهُ لِلتَّكْبِيرِ» . وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ، وَحَدِيثُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا خَطَأٌ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَيْنَاهُ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ كَانَ مَعْنَاهُ مَدَّ أَصَابِعِهِ. قَالَ أَحْمَدُ: أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ قَالُوا: هَذَا الضَّمُّ. وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. وَهَذَا النَّشْرُ. وَمَدَّ أَصَابِعَهُ. وَهَذَا التَّفْرِيقُ. وَفَرَّقَ أَصَابِعَهُ. وَلِأَنَّ النَّشْرَ لَا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ كَنَشْرِ الثَّوْبِ، وَلِهَذَا يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَلَا تَفْرِيقَ فِيهِ. (658) فَصْلٌ: وَيَبْتَدِئُ رَفْعَ يَدَيْهِ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ، وَيَكُونُ انْتِهَاؤُهُ مَعَ انْقِضَاءِ تَكْبِيرِهِ، وَلَا يَسْبِقُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا انْقَضَى التَّكْبِيرُ حَطَّ يَدَيْهِ، فَإِنْ نَسِيَ رَفْعَ الْيَدَيْنِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ، لَمْ يَرْفَعْهُمَا؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحِلُّهَا. وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ التَّكْبِيرِ رَفَعَ؛ لِأَنَّ مَحِلَّهُ بَاقٍ. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَفْعُ يَدَيْهِ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ رَفَعَهُمَا قَدْرَ مَا يُمْكِنُهُ. وَإِنْ أَمْكَنَهُ رَفْعُ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى رَفَعَهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَفْعُهُمَا إلَّا بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمَسْنُونِ رَفَعَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالسُّنَّةِ وَزِيَادَةٍ مَغْلُوبٍ عَلَيْهَا. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ جَمِيعِهِ. (659) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ يَدَاهُ فِي ثَوْبِهِ، رَفَعَهُمَا بِحَيْثُ يُمْكِنُ؛ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشِّتَاءِ، فَرَأَيْتُ أَصْحَابَهُ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ فِي الصَّلَاةِ» . وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ فِي زَمَانٍ فِيهِ بَرْدٌ شَدِيدٌ فَرَأَيْتُ النَّاسَ عَلَيْهِمْ جُلُّ الثِّيَابِ، تَتَحَرَّكُ أَيْدِيهِمْ تَحْتَ الثِّيَابِ. رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَفِي رِوَايَةٍ؛ فَرَأَيْتُهُمْ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إلَى صُدُورِهِمْ. (660) فَصْلٌ: وَالْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ الْفَرِيضَةُ وَالنَّافِلَةُ، لِأَنَّ الْأَخْبَارَ لَا تَفْرِيقَ فِيهَا. فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهَا رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ إحْدَاهُمَا، تَرْفَعُ؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، وَحَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا كَانَتَا تَرْفَعَانِ أَيْدِيَهُمَا. وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ، وَلِأَنَّ مَنْ شُرِعَ فِي حَقِّهِ التَّكْبِيرُ شُرِعَ فِي حَقِّهِ الرَّفْعُ كَالرَّجُلِ، فَعَلَى هَذَا تَرْفَعُ قَلِيلًا. قَالَ أَحْمَدُ: رَفْعٌ دُونَ الرَّفْعِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يُشْرَعُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّجَافِي، وَلَا يُشْرَعُ ذَلِكَ لَهَا، بَلْ تَجْمَعُ نَفْسَهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَسَائِرِ صَلَاتِهَا.
مسألة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة
[مَسْأَلَة وَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ] (661) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِهِ الْيُسْرَى) أَمَّا وَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ، فَمِنْ سُنَّتِهَا فِي قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَأَبِي مِجْلَزٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ إرْسَالُ الْيَدَيْنِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْحَسَنِ. وَلَنَا: مَا رَوَى قَبِيصَةُ بْنُ هُلْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَؤُمُّنَا فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ: لَا أَعْلَمُهُ إلَّا يَنْمِي ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِهِ وَهُوَ وَاضِعٌ شِمَالَهُ عَلَى يَمِينِهِ فَأَخَذَ يَمِينَهُ فَوَضَعَهَا عَلَى شِمَالِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ. وَفِي (الْمُسْنَدِ) ، عَنْ غُطَيْفٍ، قَالَ: مَا نَسِيتُ مِنْ الْأَشْيَاءِ فَلَمْ أَنْسَ أَنِّي «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاضِعًا يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ» . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَهَا عَلَى كُوعِهِ، وَمَا يُقَارِبُهُ؛ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، أَنَّهُ وَصَفَ صَلَاةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ فِي وَصْفِهِ: ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ. [مَسْأَلَة وَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ فِي الصَّلَاة] (662) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي مَوْضِعِ وَضْعِهِمَا، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَضَعُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي مِجْلَزٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: مِنْ السُّنَّةِ وَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد. وَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ. وَعَنْ أَحْمَدَ؛ أَنَّهُ يَضَعُهُمَا فَوْقَ السُّرَّةِ. وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى صَدْرِهِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى» . وَعَنْهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَرْوِيٌّ،، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاسِعٌ [مَسْأَلَة الِاسْتِفْتَاح مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ] (663) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الِاسْتِفْتَاحَ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَانَ مَالِكٌ لَا يَرَاهُ، بَلْ يُكَبِّرُ وَيَقْرَأُ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِمَا سَنَذْكُرُهُ، وَعَمِلَ بِهِ الصَّحَابَةُ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَفْتِحُ بِهِ فِي صَلَاتِهِ، يَجْهَرُ بِهِ لِيَسْمَعَهُ النَّاسُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَرَادَ بِهِ الْقِرَاءَةَ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» . وَفَسَّرَ ذَلِكَ بِالْفَاتِحَةِ. وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» . وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْ الَّذِينَ رَوَى عَنْهُمْ أَنَسٌ الِاسْتِفْتَاحُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ أَحْمَدَ ذَهَبَ إلَى الِاسْتِفْتَاحِ بِهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ، وَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَفْتَحَ بِبَعْضِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الِاسْتِفْتَاحِ، كَانَ حَسَنًا. أَوْ قَالَ " جَائِزًا "، وَكَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ التَّابِعِينَ، وَغَيْرِهِمْ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، إلَى الِاسْتِفْتَاحِ بِمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَنَا عَبْدُك، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْك» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ أَسْكَتَ إسْكَاتَةً. حَسِبْته قَالَ: هُنَيْهَةً. بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَرَأَيْتَ إسْكَاتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَنَا، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ، قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ. رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَرَوَاهُ أَنَسٌ، وَإِسْنَادُ حَدِيثِهِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَعَمِلَ بِهِ السَّلَفُ وَكَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَسْتَفْتِحُ بِهِ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَوَى الْأَسْوَدُ، أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ عُمَرَ، فَسَمِعَهُ كَبَّرَ، فَقَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ. فَلِذَلِكَ اخْتَارَهُ أَحْمَدُ، وَجَوَّزَ الِاسْتِفْتَاحَ بِغَيْرِهِ، لِكَوْنِهِ
مسألة الاستعاذة قبل القراءة في الصلاة
قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ: بَعْضُهُمْ يَقُولُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ. وَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِ مَتْرُوكٌ، فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَسْتَفْتِحُ بِهِ كُلِّهِ، وَإِنَّمَا يَسْتَفْتِحُونَ بِأَوَّلِهِ. (664) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا يَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالِافْتِتَاحِ. وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَجْهَرْ بِهِ، وَإِنَّمَا جَهَرَ بِهِ عُمَرُ، لِيُعَلِّمَ النَّاسَ. وَإِذَا نَسِيَ الِاسْتِفْتَاحَ، أَوْ تَرَكَهُ عَمْدًا حَتَّى شَرَعَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ، لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحِلُّهَا. وَكَذَلِكَ إنْ نَسِيَ التَّعَوُّذَ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ لِذَلِكَ. [مَسْأَلَة الِاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ] (665) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (ثُمَّ يَسْتَعِيذُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ سُنَّةٌ. وَبِذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَسْتَعِيذُ؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ اسْتَفْتَحَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا أَشْهَرُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» . وَحَدِيثُ أَنَسٍ قَدْ مَضَى جَوَابُهُ. وَصِفَةُ الِاسْتِعَاذَةِ: أَنْ يَقُولَ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَقُولُ؛ أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ لِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 36] وَهَذَا مُتَضَمِّنٌ لَزِيَادَةٍ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْهُ: أَنَّهُ يَزِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. وَهَذَا كُلُّهُ وَاسِعٌ، وَكَيْفَمَا اسْتَعَاذَ فَهُوَ حَسَنٌ، وَيُسِرُّ الِاسْتِعَاذَةَ، وَلَا يَجْهَرُ بِهَا، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. [مَسْأَلَة قِرَاءَةَ الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة] (666) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يَقْرَأُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا، لَا تَصِحُّ إلَّا بِهَا فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ. نَقَلَهُ عَنْهُ الْجَمَاعَةُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ، وَتُجْزِئُ قِرَاءَةُ آيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ، مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ: «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ»
مسألة قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وَقَوْلِهِ {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] . وَلِأَنَّ الْفَاتِحَةَ وَسَائِرَ الْقُرْآنِ سَوَاءٌ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، فَكَذَا فِي الصَّلَاةِ. وَلَنَا مَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ، فَكَانَتْ مُعَيَّنَةً كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَأَمَّا خَبَرُهُمْ، فَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ» ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى الْفَاتِحَةِ، وَمَا تَيَسَّرَ مَعَهَا، مِمَّا زَادَ عَلَيْهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ. وَأَمَّا الْآيَةُ، فَتَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْفَاتِحَةَ وَمَا تَيَسَّرَ مَعَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ الْفَاتِحَةِ، لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَأْمُورٌ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَنَسَخَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِهَا، وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ، فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ كَانَ مُسِيئًا بِخِلَافِ بَقِيَّةِ السُّوَرِ. [مَسْأَلَة قِرَاءَةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاة] (667) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَبْتَدِئُهَا بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ قِرَاءَةَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . مَشْرُوعَةٌ فِي الصَّلَاةِ، فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَأَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَقْرَؤُهَا فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ. وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ، قَالَ: سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ؟ إيَّاكَ وَالْحَدَثَ. قَالَ: وَلَمْ أَرَ وَاحِدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَبْغَضَ إلَيْهِ الْحَدَثُ فِي الْإِسْلَامِ - يَعْنِي مِنْهُ. فَإِنِّي صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُهَا، فَلَا تَقُلْهَا، إذَا صَلَّيْتَ فَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ، أَنَّهُ قَالَ: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» . وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَعَدَّهَا آيَةً، وَ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] اثْنَيْنِ» . فَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ، فَقَدْ سَبَقَ جَوَابُهُ. ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى أَنَّ الَّذِي كَانَ يُسْمَعُ مِنْهُمْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ. وَرَوَى شُعْبَةُ، وَشَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ «صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» . وَفِي لَفْظٍ: فَكُلُّهُمْ يُخْفِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَفِي لَفْظٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يُسِرُّ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ. رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا أَيْضًا، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ
مسألة الجهر بالبسملة في الصلاة
وَلِأَنَّ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) يُسْتَفْتَحُ بِهَا سَائِرُ السُّوَرِ، فَاسْتِفْتَاحُ الْفَاتِحَةِ بِهَا أَوْلَى، لِأَنَّهَا أَوَّلُ الْقُرْآنِ وَفَاتِحَتُهُ، وَقَدْ سَلَّمَ مَالِكٌ هَذَا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ: لَا يَقْرَأُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَيَسْتَفْتِحُ بِهَا بَقِيَّةَ السُّوَرِ. [مَسْأَلَة الْجَهْرَ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاة] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَجْهَرُ بِهَا) يَعْنِي (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . وَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْجَهْرَ بِهَا غَيْرُ مَسْنُونٍ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ. وَذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَمَّارٍ. وَبِهِ يَقُولُ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَيُرْوَى عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، الْجَهْرُ بِهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَرَأَهَا فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَلَيْنَا أَخْفَيْنَاهُ عَلَيْكُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَنَسٍ، «أَنَّهُ صَلَّى وَجَهَرَ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَقَالَ: أَقْتَدِي بِصَلَاةِ
فصل البسملة هل هي آية من الفاتحة يجب قراءتها في الصلاة أو لا
رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهَا آيَةٌ مِنْ الْفَاتِحَةِ، فَيَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ، كَسَائِرِ آيَاتِهَا. وَلَنَا، حَدِيثُ أَنَسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ. وَعَنْ عَائِشَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي. وَذَكَرَ الْخَبَرَ.» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "، وَلَمْ يَجْهَرْ بِهَا. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ جَهَرَ بِهَا، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ حَالَ الْإِسْرَارِ، كَمَا سَمِعَ الِاسْتِفْتَاحَ وَالِاسْتِعَاذَةَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ إسْرَارِهِ بِهِمَا، وَقَدْ رَوَى أَبُو قَتَادَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسْمِعُهُمْ الْآيَةَ أَحْيَانًا فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ جَهَرَ بِهَا، وَسَائِرُ أَخْبَارِ الْجَهْرِ ضَعِيفَةٌ؛ فَإِنَّ رُوَاتَهَا هُمْ رُوَاةُ الْإِخْفَاءِ، وَإِسْنَادُ الْإِخْفَاءِ صَحِيحٌ ثَابِتٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِيهِ، فَدَلَّ عَلَى ضَعْفِ رِوَايَةِ الْجَهْرِ، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ: لَمْ يَصِحَّ فِي الْجَهْرِ حَدِيثٌ. [فَصْلٌ الْبَسْمَلَة هَلْ هِيَ آيَةٌ مِنْ الْفَاتِحَة يَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا] (669) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ؛ هَلْ هِيَ آيَةٌ مِنْ الْفَاتِحَةِ يَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَا؟ فَعَنْهُ أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ. وَذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ، وَأَبُو حَفْصٍ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَنْ تَرَكَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فَقَدْ تَرَكَ مِائَةً وَثَلَاثَ عَشْرَةَ آيَةً. وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ؛ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَرَأْتُمْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَاقْرَءُوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَإِنَّهَا أُمُّ الْكِتَابِ، وَإِنَّهَا
السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مِنْهَا» . وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، أَثْبَتُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ بِخَطِّهَا، وَلَمْ يُثْبِتُوا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ سِوَى الْقُرْآنِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَلَا آيَةً مِنْ غَيْرِهَا، وَلَا يَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ. وَهِيَ الْمَنْصُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ. وَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا، فَقِيلَ عَنْهُ: هِيَ آيَةٌ مُفْرَدَةٌ كَانَتْ تَنْزِلُ بَيْنَ سُورَتَيْنِ، فَصْلًا بَيْنَ السُّوَرِ. وَعَنْهُ: إنَّمَا هِيَ بَعْضُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ. كَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْبَدٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " إلَّا فِي سُورَةِ {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل: 30] . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. قَالَ اللَّهُ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. فَلَوْ كَانَتْ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) آيَةً لَعَدَّهَا، وَبَدَأَ بِهَا، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ التَّنْصِيفُ، لِأَنَّ آيَاتِ الثَّنَاءِ تَكُونُ أَرْبَعًا وَنِصْفًا، وَآيَاتِ الدُّعَاءِ اثْنَتَيْنِ وَنِصْفًا. وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ يَتَحَقَّقُ التَّنْصِيفُ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ سَمْعَانَ: «يَقُولُ عَبْدِي إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَيَذْكُرُنِي عَبْدِي» . قُلْنَا: ابْنُ سَمْعَانَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، لَا يُحْتَجُّ بِهِ. قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَاتِّفَاقُ الرُّوَاةِ عَلَى خِلَافِ رِوَايَتِهِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «سُورَةٌ هِيَ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِقَارِئِهَا، أَلَا وَهِيَ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» . وَهِيَ ثَلَاثُونَ آيَةً سِوَى " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "، وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْكَوْثَرِ ثَلَاثُ آيَاتٍ، بِدُونِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَلَوْ كَانَتْ مِنْهَا لَكَانَتْ أَرْبَعًا، وَلِأَنَّ مَوَاضِعَ الْآيِ تَجْرِي مَجْرَى
فصل قراءة الفاتحة في الصلاة مرتبة مشددة غير ملحون فيها
الْآيِ أَنْفُسِهَا، فِي أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالتَّوَاتُرِ، وَلَمْ يُنْقَلْ فِي ذَلِكَ تَوَاتُرٌ. فَأَمَّا قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ فَمِنْ رَأْيِهَا، وَلَا يُنْكَرُ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ. عَلَى أَنَّنَا نَقُولُ: هِيَ آيَةٌ مُفْرَدَةٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ نُوحِ بْنِ أَبِي بِلَالٍ، قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رَاجَعْتُ فِيهِ نُوحًا فَوَقَفَهُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَفْعَهُ كَانَ وَهْمًا مِنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ. وَأَمَّا إثْبَاتُهَا بَيْنَ السُّوَرِ فِي الْمُصْحَفِ، فَلِلْفَصْلِ بَيْنَهَا، وَلِذَلِكَ أُفْرِدَتْ سَطْرًا عَلَى حِدَتِهَا. [فَصْلٌ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاة مُرَتَّبَةً مُشَدَّدَةً غَيْرَ مُلِحُّونَ فِيهَا] فَصْلٌ: يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مُرَتَّبَةً مُشَدَّدَةً، غَيْرَ مَلْحُونٍ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى، فَإِنْ تَرَكَ تَرْتِيبَهَا، أَوْ شَدَّةً مِنْهَا، أَوْ لَحَنَ لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى، مِثْلُ أَنْ يَكْسِرَ كَافَ (إيَّاكَ) ، أَوْ يَضُمَّ تَاءَ (أَنْعَمْتَ) ، أَوْ يَفْتَحَ أَلِفَ الْوَصْلِ فِي (اهْدِنَا) ، لَمْ يَعْتَدَّ بِقِرَاءَتِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَاجِزًا عَنْ غَيْرِ هَذَا. ذَكَرَ الْقَاضِي نَحْوَ هَذَا فِي (الْمُجَرَّدِ) ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي (الْجَامِعِ) : لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ شَدَّةٍ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي خَطِّ الْمُصْحَفِ، هِيَ صِفَةٌ لِلْحَرْفِ، وَيُسَمَّى تَارِكُهَا قَارِئًا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْحَرْفَ الْمُشَدَّدَ أُقِيمَ مَقَامَ حَرْفَيْنِ، بِدَلِيلِ أَنَّ شَدَّةَ رَاءِ (الرَّحْمَنِ) أُقِيمَتْ مَقَامَ اللَّازِمِ، وَشَدَّةَ لَامِ (الَّذِينَ) أُقِيمَتْ مَقَامَ اللَّازِمِ أَيْضًا، فَإِذَا أَخَلَّ بِهَا أَخَلَّ بِالْحَرْفِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَغَيَّرَ الْمَعْنَى، إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ أَظْهَرَ الْمُدْغَمَ، مِثْلُ مَنْ يَقُولُ " الرَّحْمَنِ " مُظْهِرًا لِلَّامِ، فَهَذَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الْإِدْغَامَ، وَهُوَ مَعْدُودٌ لَحْنًا لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى. قَالَ: وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ، أَنَّهُ إذَا لَيَّنَهَا، وَلَمْ يُحَقِّقْهَا عَلَى الْكَمَالِ، أَنَّهُ لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ. وَلَعَلَّهُ إنَّمَا أَرَادَ فِي (الْجَامِعِ) هَذَا الْمَعْنَى، فَيَكُونُ قَوْلُهُ مُتَّفِقًا. وَلَا يُسْتَحَبُّ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّشْدِيدِ، بِحَيْثُ يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ حَرْفٍ سَاكِنٍ؛ لِأَنَّهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أُقِيمَتْ مَقَامَ حَرْفٍ سَاكِنٍ؛ فَإِذَا زَادَهَا عَلَى ذَلِكَ زَادَهَا عَمَّا أُقِيمَتْ مَقَامَهُ، فَيَكُونُ مَكْرُوهًا. وَفِي (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثَلَاثُ شَدَّاتٍ، وَفِيمَا عَدَاهَا إحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً، بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ
فصل أقل ما يجزئ في قراءة الفاتحة
[فَصْلٌ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِي قِرَاءَة الْفَاتِحَة] (671) فَصْلٌ: وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِيهَا قِرَاءَةٌ مَسْمُوعَةٌ، يُسْمِعُهَا نَفْسَهُ، أَوْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَسْمَعُهَا لَوْ كَانَ سَمِيعًا، كَمَا قُلْنَا فِي التَّكْبِيرِ، فَإِنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَيْسَ بِقِرَاءَةٍ. وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُرَتَّلَةً مُعْرَبَةً، يَقِفُ فِيهَا عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ، وَيُمَكِّنُ حُرُوفَ الْمَدِّ وَاللِّينِ، مَا لَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ إلَى التَّمْطِيطِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} [المزمل: 4] . وَرُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، «أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: كَانَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي (مُسْنَدِهِ) وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَدًّا ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ.» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. فَإِنْ انْتَهَى ذَلِكَ إلَى التَّمْطِيطِ وَالتَّلْحِينِ كَانَ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا جَعَلَ الْحَرَكَاتِ حُرُوفًا. قَالَ أَحْمَدُ: يُعْجِبُنِي مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ السَّهْلَةُ. وَقَالَ: قَوْلُهُ: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» قَالَ: يُحَسِّنُهُ بِصَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ. وَقَدْ رُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ: " أَحْسَنُ النَّاسِ قِرَاءَةً، مَنْ إذَا سَمِعْتَ قِرَاءَتَهُ رَأَيْتَ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ ". وَرُوِيَ: (إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ، فَاقْرَءُوهُ بِحُزْنٍ) [فَصْلٌ قَطَعَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة] (672) فَصْلٌ: فَإِنْ قَطَعَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ بِذِكْرٍ؛ مِنْ دُعَاءٍ، أَوْ قِرَاءَةٍ، أَوْ سُكُوتٍ يَسِيرٍ، أَوْ فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ الْفَاتِحَةِ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ، قَالَ: آمِينَ. وَلَا تَنْقَطِعُ قِرَاءَتُهُ؛ لِقَوْلِ أَحْمَدَ: إذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ عَذَابٍ اسْتَعَاذَ. وَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ اسْتَأْنَفَ قِرَاءَتَهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ مَأْمُورًا بِهِ، كَالْمَأْمُومِ يَشْرَعُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ، فَيُنْصِتُ لَهُ، فَإِذَا سَكَتَ الْإِمَامُ أَتَمَّ قِرَاءَتَهَا، وَأَجْزَأَتْهُ. أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ السُّكُوتُ نِسْيَانًا، أَوْ نَوْمًا، أَوْ لِانْتِقَالِهِ إلَى غَيْرِهَا غَلَطًا، لَمْ يَبْطُلْ، فَمَتَى ذَكَرَ أَتَى بِمَا بَقِيَ مِنْهَا. فَإِنْ تَمَادَى فِيمَا هُوَ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ، أَبْطَلَهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا، كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ بِذَلِكَ. فَإِنْ نَوَى قَطْعَ قِرَاءَتِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْطَعَهَا، لَمْ تَنْقَطِعْ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ مُخَالِفٌ لِنِيَّتِهِ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْفِعْلِ لَا بِالنِّيَّةِ. وَكَذَا إنْ سَكَتَ مَعَ النِّيَّةِ سُكُوتًا يَسِيرًا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالنِّيَّةِ، فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي (الْجَامِعِ) ، أَنَّهُ مَتَى سَكَتَ مَعَ النِّيَّةِ أَبْطَلَهَا، وَمَتَى عَدَلَ إلَى قِرَاءَةِ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ عَمْدًا، أَوْ دُعَاءٍ غَيْرِ مَأْمُورٍ بِهِ، بَطَلَتْ قِرَاءَتُهُ. وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ. وَإِنْ قَدَّمَ آيَةً مِنْهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا عَمْدًا، أَبْطَلَهَا. وَإِنْ كَانَ غَلَطًا، رَجَعَ إلَى مَوْضِعِ الْغَلَطِ فَأَتَمَّهَا. وَالْأَوْلَى، إنْ شَاءَ اللَّهُ، مَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِرَاءَةِ وُجُودُهَا، لَا نِيَّتُهَا، فَمَتَى قَرَأَهَا مُتَوَاصِلَةً تَوَاصُلًا قَرِيبًا صَحَّتْ، كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ غَلَطٍ.
فصل قراءة الفاتحة في كل ركعة
[فَصْلٌ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ] (673) فَصْلٌ: وَيَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ الصَّلَاةِ. وَنَحْوُهُ عَنْ النَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِمَا رُوِيَ، عَنْ عَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: اقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَسَبِّحْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ. وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَوْ وَجَبَتْ فِي بَقِيَّةِ الرَّكَعَاتِ، لَسُنَّ الْجَهْرُ بِهَا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، كَالْأُولَيَيْنِ. وَعَنْ الْحَسَنِ: أَنَّهُ إنْ قَرَأَ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، أَجْزَأَهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] . وَعَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ إنْ قَرَأَ فِي ثَلَاثٍ، أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهَا مُعْظَمُ الصَّلَاةِ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُطَوِّلُ الْأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ «. وَقَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» . وَعَنْهُ، وَعَنْ عُبَادَةَ، قَالَا: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ» . رَوَاهُمَا إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّالَنْجِيُّ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ كَيْفَ يُصَلِّي الرَّكْعَةَ الْأُولَى، ثُمَّ قَالَ: (وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا) . فَيَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ بِالْقِرَاءَةِ. وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: (مَنْ صَلَّى رَكْعَةً، فَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا فَلَمْ يُصَلِّ. إلَّا خَلْفَ الْإِمَامِ) رَوَاهُ مَالِكٌ، فِي " الْمُوَطَّأِ ". وَحَدِيثُ عَلِيٍّ يَرْوِيهِ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ كَذَّابًا. ثُمَّ هُوَ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ. وَقَدْ خَالَفَهُ عُمَرُ، وَجَابِرٌ، وَالْإِسْرَارُ لَا يَنْفِي الْوُجُوبَ؛ بِدَلِيلِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. [فَصْلٌ لَا تُجَزِّئهُ الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ فِي الصَّلَاة] (674) فَصْلٌ: وَلَا تُجْزِئُهُ الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا إبْدَالُ لَفْظِهَا بِلَفْظٍ عَرَبِيٍّ، سَوَاءٌ أَحْسَنَ قِرَاءَتَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ لَمْ يُحْسِنْ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ:
أَنَّمَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يُحْسِنْ الْعَرَبِيَّةَ. وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19] . وَلَا يُنْذَرُ كُلُّ قَوْمٍ إلَّا بِلِسَانِهِمْ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: 2] . وقَوْله تَعَالَى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195] . وَلِأَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزَةٌ؛ لَفْظَهُ، وَمَعْنَاهُ، فَإِذَا غُيِّرَ خَرَجَ عَنْ نَظْمِهِ، فَلَمْ يَكُنْ قُرْآنًا وَلَا مِثْلَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ تَفْسِيرًا لَهُ، وَلَوْ كَانَ تَفْسِيرُهُ مِثْلَهُ لَمَا عَجَزُوا عَنْهُ لَمَّا تَحَدَّاهُمْ بِالْإِتْيَانِ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، أَمَّا الْإِنْذَارُ، فَإِنَّهُ إذَا فَسَّرَهُ لَهُمْ كَانَ الْإِنْذَارُ بِالْمُفَسَّرِ دُونَ التَّفْسِيرِ. (675) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْقِرَاءَةَ بِالْعَرَبِيَّةِ، لَزِمَهُ التَّعَلُّمُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَوْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ، وَعَرَفَ مِنْ الْفَاتِحَةِ آيَةً، كَرَّرَهَا سَبْعًا. قَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ مِنْهَا أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا. وَكَذَلِكَ إنْ أَحْسَنَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، كَرَّرَهُ بِقَدْرِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَأْتِيَ بِبَقِيَّةِ الْآيِ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِقِرَاءَتِهَا، فَيَعْدِلُ عَنْ تَكْرَارِهَا إلَى غَيْرِهَا، كَمَنْ وَجَدَ بَعْضَ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ يَغْسِلُ بِهِ، وَيَعْدِلُ إلَى التَّيَمُّمِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي هَذَا الِاحْتِمَالَ فِي " الْجَامِعِ ". وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَمَا ذَكَرْنَا. فَأَمَّا إنْ عَرَفَ بَعْضَ آيَةٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَكْرَارُهَا، وَعَدَلَ إلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الْقُرْآنَ أَنْ يَقُولَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) وَغَيْرَهَا. وَهِيَ بَعْضُ آيَةٍ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِتَكْرَارِهَا. وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْهَا، وَكَانَ يَحْفَظُ غَيْرَهَا مِنْ الْقُرْآنِ، قَرَأَ مِنْهُ بِقَدْرِهَا إنْ قَدَرَ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ مَعَك قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ، وَإِلَّا فَاحْمَدْ اللَّهَ، وَهَلِّلْهُ، وَكَبِّرْهُ» وَلِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهَا، فَكَانَ أَوْلَى. وَيَجِبُ أَنْ يَقْرَأَ بِعَدَدِ آيَاتِهَا. وَهَلْ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ بِعَدَدِ حُرُوفِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّ الْآيَاتِ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي عَدَدُ الْحُرُوفِ دُونَهَا، فَأَشْبَهَ مَنْ فَاتَهُ صَوْمُ يَوْمٍ طَوِيلٍ، فَلَا يُعْتَبَرَ أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ فِي يَوْمٍ عَلَى قَدْرِ سَاعَاتِ الْأَدَاءِ. وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَرْفَ مَقْصُودٌ؛ بِدَلِيلِ تَقْدِيرِ الْحَسَنَاتِ بِهِ، وَيُخَالِفُ الصَّوْمَ، إذْ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمِقْدَارِ فِي السَّاعَاتِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ. فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إلَّا آيَةً، كَرَّرَهَا سَبْعًا. فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، وَلَا أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ،
مسألة التأمين عند فراغ الفاتحة في الصلاة
وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ. فَقَالَ: قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ قَالَ: هَذَا لِلَّهِ. فَمَا لِي؟ قَالَ: تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي» . وَلَا يَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْخَمْسِ الْأُوَلِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْتَصَرَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا زَادَهُ عَلَيْهَا حِينَ طَلَبَ الزِّيَادَةَ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسِ كَلِمَتَيْنِ، حَتَّى تَكُونَ مَقَامَ سَبْعِ آيَاتٍ. وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُ ذَلِكَ جَوَابًا لِقَوْلِهِ: عَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي. وَالسُّؤَالُ كَالْمُعْتَادِ فِي الْجَوَابِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يُجْزِئُكَ هَذَا. وَتُفَارِقُ الْقِرَاءَةَ مِنْ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، فَأَشْبَهَ التَّيَمُّمَ. فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ كُلَّهَا، قَالَ مَا يُحْسِنُ مِنْهَا. وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ تَكْرَارُ مَا يُحْسِنُ مِنْهَا بِقَدْرِهَا، كَمَنْ يُحْسِنُ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ التَّحْمِيدُ وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّكْبِيرُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ، وَإِلَّا فَاحْمَدْ اللَّهَ، وَهَلِّلْهُ، وَكَبِّرْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [مَسْأَلَة التَّأْمِينَ عِنْد فَرَاغِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاة] (676) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا قَالَ: وَلَا الضَّالِّينَ، قَالَ: آمِينَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ التَّأْمِينَ عِنْدَ فَرَاغِ الْفَاتِحَةِ سُنَّةٌ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: لَا يَحْسُنْ التَّأْمِينُ لِلْإِمَامِ؛ لِمَا رَوَى مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَالَ الْإِمَامُ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا: آمِينَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ» . وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقُولُهَا. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا قَالَ: وَلَا الضَّالِّينَ. قَالَ: آمِينَ، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ. وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَدْ قَالَ بِلَالٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ) . وَحَدِيثُهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهِ تَعْرِيفُهُمْ مَوْضِعَ تَأْمِينِهِمْ، وَهُوَ عَقِيبَ قَوْلِ الْإِمَامِ: (وَلَا الضَّالِّينَ) . لِأَنَّهُ مَوْضِعُ تَأْمِينِ الْإِمَامِ، لِيَكُونَ تَأْمِينُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مُوَافِقًا لِتَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا مُصَرَّحًا بِهِ، كَمَا قُلْنَا، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فِي " مُسْنَدِهِ ". عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إذَا قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ. فَقُولُوا: آمِينَ. فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ: آمِينَ. وَالْإِمَامُ يَقُولُ: آمِينَ. فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ: (إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ) . يَعْنِي إذَا شَرَعَ فِي التَّأْمِينِ
(677) فَصْلٌ: وَيُسَنُّ أَنْ يَجْهَرَ بِهِ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ، وَإِخْفَاؤُهَا فِيمَا يُخْفِي فِيهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: يُسَنُّ إخْفَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ. فَاسْتُحِبَّ إخْفَاؤُهُ كَالتَّشَهُّدِ. وَلَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: آمِينَ. وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ» وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالتَّأْمِينِ عِنْدَ تَأْمِينِ الْإِمَامِ، فَلَوْ لَمْ يَجْهَرْ بِهِ لَمْ يُعَلِّقْ عَلَيْهِ، كَحَالَةِ الْإِخْفَاءِ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِآخِرِ الْفَاتِحَةِ، فَإِنَّهُ دُعَاءٌ وَيُجْهَرُ بِهِ، وَدُعَاءُ التَّشَهُّدِ تَابِعٌ لَهُ. فَيَتْبَعُهُ فِي الْإِخْفَاءِ، وَهَذَا تَابِعٌ لِلْقِرَاءَةِ فَيَتْبَعُهَا فِي الْجَهْرِ. فَصْلٌ: فَإِنْ نَسِيَ الْإِمَامُ التَّأْمِينَ أَمَّنَ الْمَأْمُومُ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ؛ لِيُذَكِّرَ الْإِمَامَ، فَيَأْتِيَ بِهِ، لِأَنَّهُ سُنَّةٌ قَوْلِيَّةٌ إذَا تَرَكَهَا الْإِمَامُ أَتَى بِهَا الْمَأْمُومُ، كَالِاسْتِعَاذَةِ، وَإِنْ أَخْفَاهَا الْإِمَامُ جَهَرَ بِهَا الْمَأْمُومُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَإِنْ تَرَكَ التَّأْمِينَ نِسْيَانًا، أَوْ عَمْدًا، حَتَّى شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ السُّورَةِ، لَمْ يَأْتِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحِلُّهَا. (679) فَصْلٌ: فِي " آمِينْ " لُغَتَانِ: قَصْرُ الْأَلِفِ، وَمَدُّهَا، مَعَ التَّخْفِيفِ فِيهِمَا، قَالَ الشَّاعِرُ: تَبَاعَدَ مِنِّي فُطْحُلٌ إذْ دَعْوَتُهُ ... أَمِينَ فَزَادَ اللَّهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدَا وَأَنْشَدُوا فِي الْمَمْدُودِ: يَا رَبِّ لَا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدًا ... وَيَرْحَمُ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ آمِينَا وَمَعْنَى " آمِينَ " اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لِي. قَالَهُ الْحَسَنُ. وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَلَا يَجُوزُ التَّشْدِيدُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ يُحِيلُ مَعْنَاهَا، فَيَجْعَلُهُ بِمَعْنَى قَاصِدِينَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2] . (680) فَصْلٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْكُتَ الْإِمَامُ عَقِيبَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ سَكْتَةً يَسْتَرِيحُ فِيهَا، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَنْ خَلْفَهُ الْفَاتِحَةَ، كَيْ لَا يُنَازِعُوهُ فِيهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ. وَكَرِهَهُ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ أَنَّ، سَمُرَةَ، حَدَّثَ، أَنَّهُ حَفِظَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَكْتَتَيْنِ؛ سَكْتَةً إذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةً إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عِمْرَانُ، فَكَتَبَا فِي ذَلِكَ إلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَكَانَ فِي كِتَابِهِ إلَيْهِمَا، أَنَّ سَمُرَةَ قَدْ حَفِظَ. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لِلْإِمَامِ سَكْتَتَانِ، فَاغْتَنِمُوا فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَإِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ.
مسألة قراءة سورة مع الفاتحة في الركعتين الأوليين من كل صلاة
وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَمَّا أَنَا فَأَغْتَنِمُ مِنْ الْإِمَامِ اثْنَتَيْنِ، إذَا قَالَ (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) . فَأَقْرَأُ عِنْدَهَا، وَحِينَ يَخْتِمُ السُّورَةَ، فَأَقْرَأُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِهَارِ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. [مَسْأَلَة قِرَاءَةُ سُورَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ كُلّ صَلَاةٍ] (681) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً فِي ابْتِدَائِهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّهُ يُسَنُّ قِرَاءَةُ سُورَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ، وَيَجْهَرُ بِهَا فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ بِالْفَاتِحَةِ، وَيُسِرُّ فِيمَا يُسِرُّ بِهَا فِيهِ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَإِنَّ أَبَا قَتَادَةَ رَوَى «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: فِي الظُّهْرِ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى أَبُو بَرْزَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ مِنْ السِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ. وَقَدْ اشْتَهَرَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلسُّورَةِ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ، وَنُقِلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، وَأَمَرَ بِهِ مُعَاذًا، فَقَالَ: اقْرَأْ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَبِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُسَنُّ أَنْ يَفْتَتِحَ السُّورَةَ بِقِرَاءَةِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، وَافَقَ مَالِكٌ عَلَى هَذَا؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ: لَا يَقْرَأُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَيَسْتَفْتِحُ بِهَا فِي بَقِيَّةِ السُّوَرِ. وَيُسِرُّ بِهَا فِي السُّورَةِ كَمَا يُسِرُّ بِهَا فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَالْخِلَافُ هَاهُنَا كَالْخِلَافِ ثَمَّ، وَقَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ [فَصْلٌ يَقْرَأُ الْفَاتِحَة بِمَا فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ] (682) فَصْلٌ: وَيَقْرَأُ بِمَا فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ. وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَخْتَارُ قِرَاءَةَ نَافِعٍ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِرَاءَةُ عَاصِمٍ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ. وَأَثْنَى عَلَى قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ. وَلَمْ يَكْرَهْ قِرَاءَةَ أَحَدٍ مِنْ الْعَشْرِ، إلَّا قِرَاءَةَ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الْكَسْرِ وَالْإِدْغَامِ، وَالتَّكَلُّفِ، وَزِيَادَةِ الْمَدِّ. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالتَّفْخِيمِ» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ بِالتَّفْخِيمِ وَالتَّثْقِيلِ، نَحْوُ الْجُمُعَةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَنُقِلَ عَنْهُ التَّسْهِيلُ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ قِرَاءَتَهُمَا فِي الصَّلَاةِ جَائِزَةٌ. قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إمَامٌ كَانَ يُصَلِّي بِقِرَاءَةِ حَمْزَةَ أُصَلِّي خَلْفَهُ؟ قَالَ: لَا يَبْلُغُ بِهِ هَذَا كُلَّهُ، وَلَكِنَّهَا لَا تُعْجِبُنِي قِرَاءَةُ حَمْزَةَ. (683) فَصْلٌ: فَأَمَّا مَا يَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ، كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهَا، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ؛
فصل قراءة أواخر السور وأوساطها في الصلاة
لِأَنَّ الْقُرْآنَ ثَبَتَ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ، وَهَذِهِ لَمْ يَثْبُتْ التَّوَاتُرُ بِهَا، فَلَا يَثْبُتُ كَوْنُهَا قُرْآنًا، فَإِنْ قَرَأَ بِشَيْءٍ مِنْهَا مِمَّا صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ، وَاتَّصَلَ إسْنَادُهَا، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِذَلِكَ. وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ بِقِرَاءَتِهِمْ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعْدَهُ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُمْ صَحِيحَةً بِغَيْرِ شَكٍّ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَ وَهِشَامَ ابْنَ حَكِيمٍ حِينَ اخْتَلَفَا فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: «اقْرَءُوا كَمَا عُلِّمْتُمْ» . وَكَانَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَبْلَ جَمْعِ عُثْمَانَ الْمُصْحَفَ يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَاتٍ لَمْ يُثْبِتْهَا فِي الْمُصْحَفِ، وَيُصَلُّونَ بِهَا، لَا يَرَى أَحَدٌ مِنْهُمْ تَحْرِيمَ ذَلِكَ، وَلَا بُطْلَانَ صَلَاتِهِمْ بِهِ [فَصْلٌ قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا فِي الصَّلَاة] (684) فَصْلٌ: وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. نَقَلَهَا عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ، قَالَ: أُمِرْنَا أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَمَا تَيَسَّرَ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اُخْرُجْ، فَنَادِ فِي الْمَدِينَةِ، أَنَّهُ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقُرْآنٍ، وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» أَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُد وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الزِّيَادَةُ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، آخِرَ آلِ عِمْرَانَ وَآخِرَ الْفُرْقَانِ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُنَا يَقْرَءُونَ فِي الْفَرِيضَةِ مِنْ السُّورَةِ بَعْضَهَا، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَقْرَأُ فِي سُورَةٍ أُخْرَى. وَقَوْلُ أَبِي بَرْزَةَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ مِنْ السِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ» . دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْتَصِرُ عَلَى قِرَاءَةِ سُورَةٍ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يُكْرَهُ ذَلِكَ. نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ بِآخِرِ سُورَةٍ. وَقَالَ: سُورَةٌ أَعْجَبُ إلَيَّ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: وَكَانَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَرَابَةٌ يُصَلِّي بِهِ، فَكَانَ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ الْفَجْرِ بِآخِرِ السُّورَةِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: تَقَدَّمْ أَنْتَ فَصَلِّ. فَقُلْت لَهُ: هَذَا يُصَلِّي بِك مُنْذُ كَمْ، قَالَ: دَعْنَا مِنْهُ، يَجِيءُ بِآخِرِ السُّوَرِ. وَكَرِهَهُ وَلَعَلَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَحَبَّ اتِّبَاعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ. وَكَرِهَ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِرَاءَةُ السُّورَةِ أَوْ بَعْضِ سُورَةٍ مِنْ أَوَّلِهَا، فَأَعْجَبَهُ مُوَافَقَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَمْ يُعْجِبْهُ مُخَالَفَتُهُ. وَنُقِلَ عَنْهُ، فِي الرَّجُلِ يَقْرَأُ مِنْ أَوْسَطِ السُّوَرِ وَآخِرِهَا، فَقَالَ: أَمَّا آخِرُ السُّوَرِ فَأَرْجُو، وَأَمَّا أَوْسَطُهَا فَلَا وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ فِي آخِرِ السُّورَةِ، إلَى مَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَأَصْحَابِهِ. وَلَمْ يُنْقَلُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي أَوْسَطِهَا. وَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ الْأَثْرَمُ، قَالَ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الرَّجُلُ يَقْرَأُ آخِرَ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَةِ؟ قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ فِي هَذَا رُخْصَةٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، وَغَيْرِهِ؟
فصل الجمع بين السور في صلاة النافلة
وَأَمَّا قِرَاءَةُ بَعْضِ السُّورَةِ مِنْ أَوَّلِهَا فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ؛ «فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ مِنْ سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ إلَى ذِكْرِ مُوسَى وَهَارُونَ، ثُمَّ أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ، فَرَكَعَ، وَقَرَأَ سُورَةَ الْأَعْرَافِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، فَرَّقَهَا مَرَّتَيْنِ.» رَوَاهُ النَّسَائِيّ [فَصْلٌ الْجَمْعِ بَيْن السُّوَرِ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ] (685) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ السُّوَرِ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَرَأَ فِي رَكْعَةٍ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءِ» . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَقَدْ عَرَفْت النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ. فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ، سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَكَانَ عُثْمَانُ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ. وَأَمَّا الْفَرِيضَةُ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى سُورَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي أَكْثَرَ صَلَاتِهِ، وَأَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَقْرَأَ فِي صَلَاتِهِ كَذَلِكَ. وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يُكْرَهُ؛ لِذَلِكَ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مُطْلَقٌ فِي الصَّلَاةِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْفَرْضَ. وَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَكْتُوبَةِ بِالسُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ. وَإِنْ قَرَأَ فِي رَكْعَةٍ سُورَةً، ثُمَّ أَعَادَهَا فِي الثَّانِيَةِ، فَلَا بَأْسَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ، أَنَّهُ «سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إذَا زُلْزِلَتْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا» . (686) فَصْلٌ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ بَعْدَ السُّورَةِ الَّتِي قَرَأَهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فِي النَّظْمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَنْكُوسًا؟ قَالَ: ذَلِكَ مَنْكُوسُ الْقَلْبِ. وَفَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَنْ يَقْرَأَ سُورَةً، ثُمَّ يَقْرَأَ بَعْدَهَا أُخْرَى، هِيَ قَبْلَهَا فِي النَّظْمِ. فَإِنْ قَرَأَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ أَحْمَدُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: لَا بَأْسَ بِهِ، أَلَيْسَ يُعَلَّمُ الصَّبِيُّ عَلَى هَذَا؟ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: أَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ الْبَقَرَةِ إلَى أَسْفَلَ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْأَحْنَفَ قَرَأَ بِالْكَهْفِ فِي الْأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِيُوسُفَ. وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ الصُّبْحَ بِهِمَا، اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ. [فَصْلٌ يَثْبُتُ قَائِمًا وَيَسْكُتُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ نَفَسُهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ.] (687) فَصْلٌ: إذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ، قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَثْبُتُ قَائِمًا، وَيَسْكُتُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ نَفَسُهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ،
مسألة إذا فرغ من القراءة كبر للركوع
وَلَا يَصِلُ قِرَاءَتَهُ بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ، جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ لَهُ سَكْتَتَانِ؛ سَكْتَةٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، وَسَكْتَةٌ إذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ» . وَهَذَا هُوَ حَدِيثُ سَمُرَةَ. كَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ. [مَسْأَلَة إذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَة كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ] (688) مَسْأَلَةٌ: (فَإِذَا فَرَغَ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ) أَمَّا الرُّكُوعُ فَوَاجِبٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] . وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهِ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنْ يَبْتَدِئَ الرُّكُوعَ بِالتَّكْبِيرِ، وَأَنْ يُكَبِّرَ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، مِنْهُمْ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَقَيْسُ بْنُ عَبَّادٍ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ جَابِرٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَعَوَامُّ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْأَمْصَارِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسَالِمٍ، وَالْقَاسِمِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُتِمُّونَ التَّكْبِيرَ. وَلَعَلَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُعَلِّمْهُ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْهَا لَعَلَّمَهُ إيَّاهُ. وَلَمْ تَبْلُغْهُمْ السُّنَّةُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ، وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا. وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، وَيَقُولُ، أَنَا أَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . وَلِأَنَّهُ شُرُوعٌ فِي رُكْنٍ، فَشُرِعَ فِيهِ التَّكْبِيرُ، كَحَالَةِ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ رُكْنٍ إلَى رُكْنٍ، فَشُرِعَ فِيهِ ذِكْرٌ يَعْلَمُ بِهِ الْمَأْمُومُ انْتِقَالَهُ لِيَقْتَدِيَ بِهِ، كَحَالَةِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ. (689) فَصْلٌ: وَيُسَنُّ الْجَهْرُ بِهِ لِلْإِمَامِ لِيَسْمَعَ الْمَأْمُومُ، فَيَقْتَدِيَ بِهِ فِي حَالِ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ جَمِيعًا، كَقَوْلِنَا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ لَمْ يَجْهَرْ الْإِمَامُ بِحَيْثُ يُسْمِعُ الْجَمِيعَ، اُسْتُحِبَّ لِبَعْضِ الْمَأْمُومِينَ رَفْعُ صَوْتِهِ؛ لِيُسْمِعَهُمْ، كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، حِينَ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِمْ فِي مَرَضِهِ قَاعِدًا، وَأَبُو بَكْرٍ إلَى جَنْبِهِ يَقْتَدِي بِهِ، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِأَبِي بَكْرٍ.
مسألة رفع اليدين في الصلاة
[مَسْأَلَة رَفَعَ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة] (690) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَرَفْعِهِ الْأَوَّلِ) يَعْنِي يَرْفَعُهُمَا إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ، أَوْ إلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ، كَفِعْلِهِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ رَفْعِهِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ تَكْبِيرِهِ، وَانْتِهَاؤُهُ عِنْدَ انْتِهَائِهِ. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَنَسٌ، وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَالِمٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَمَالِكٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي الِافْتِتَاحِ. وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَلَا أُصَلِّي لَكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَصَلَّى، فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إلَّا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَسَنٌ رَوَى يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ لَا يَعُودُ» . قَالُوا وَالْعَمَلُ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَوْلَى لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ فَقِيهًا، مُلَازِمًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عَالِمًا بِأَحْوَالِهِ، وَبَاطِنِ أَمْرِهِ وَظَاهِرِهِ، فَتُقَدَّمُ رِوَايَتُهُ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ لَمْ يَكُنْ حَالُهُ كَحَالِهِ. قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ لِرَجُلٍ رَوَى حَدِيثَ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: لَعَلَّ وَائِلًا لَمْ يُصَلِّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا تِلْكَ الصَّلَاةَ. فَتَرَى أَنْ نَتْرُكَ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ، الَّذِي لَعَلَّهُ لَمْ يَفُتْهُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةٌ، وَنَأْخُذَ بِرِوَايَةِ هَذَا. أَوْ كَمَا قَالَ. وَلَنَا، مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ وَبَعْدَمَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ» . قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ - وَكَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ -: حَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، الَّذِي ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَقَدْ رَوَاهُ، فِي عَشَرَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ أَبُو قَتَادَةَ، فَصَدَّقُوهُ، وَقَالُوا: هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرَوَاهُ سِوَى هَذَيْنِ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَوَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، وَمَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو أُسَيْدَ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَأَبُو مُوسَى، وَجَابِرُ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ، فَصَارَ كَالْمُتَوَاتِرِ الَّذِي لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شَكٌّ مَعَ كَثْرَةِ رُوَاتِهِ، وَصِحَّةِ سَنَدِهِ، وَعَمِلَ بِهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَأَنْكَرُوا عَلَى مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: رَأَيْت أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إذَا كَبَّرُوا، وَإِذَا رَكَعُوا، وَإِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ كَأَنَّهَا الْمَرَاوِحُ. قَالَ أَحْمَدُ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الرَّفْعِ فَقَالَ: إي لَعَمْرِي. وَمَنْ يَشُكُّ فِي هَذَا، كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا رَأَى مَنْ لَا يَرْفَعُ، حَصَبَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْفَعَ. فَأَمَّا حَدِيثَاهُمْ فَضَعِيفَانِ. فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَمْ يَثْبُتْ. وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَلَمْ يَقُلْ: ثُمَّ لَا يَعُودُ. فَلَمَّا قَدِمْت الْكُوفَةَ
مسألة يستحب للراكع أن يضع يديه على ركبتيه
سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ بِهِ، فَيَقُولُ: لَا يَعُودُ. فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ لَقَّنُوهُ. وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ، وَغَيْرُهُ: يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ سَاءَ حِفْظُهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَخَلَّطَ. ثُمَّ لَوْ صَحَّا كَانَ التَّرْجِيحُ لِأَحَادِيثِنَا أَوْلَى لِخَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا أَصَحُّ إسْنَادًا، وَأَعْدَلُ رُوَاةً، فَالْحَقُّ إلَى قَوْلِهِمْ أَقْرَبُ. الثَّانِي: أَنَّهَا أَكْثَرُ رُوَاةً، فَظَنُّ الصِّدْقِ فِي قَوْلِهِمْ أَقْوَى، وَالْغَلَطِ مِنْهُمْ أَبْعَدُ. الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ مُثْبِتُونَ، وَالْمُثْبِتُ يُخْبِرُ عَنْ شَيْءٍ شَاهَدَهُ وَرَوَاهُ. فَقَوْلُهُ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ لِزِيَادَةِ عِلْمِهِ. وَالنَّافِي لَمْ يَرَ شَيْئًا، فَلَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ، وَلِذَلِكَ قَدَّمْنَا قَوْلَ الْجَارِحِ عَلَى الْمُعَدِّلِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ فَصَّلُوا فِي رِوَايَتِهِمْ، وَنَصُّوا عَلَى الرَّفْعِ فِي الْحَالَتَيْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِمَا،، وَالْمُخَالِفُ لَهُمْ عَمَّمَ بِرِوَايَتِهِ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ وَغَيْرَهُ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ أَحَادِيثِنَا لِنَصِّهَا وَخُصُوصِهَا، عَلَى أَحَادِيثِهِمْ الْعَامَّةِ، الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا كَمَا يُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ، وَالنَّصُّ عَلَى الظَّاهِرِ الْمُحْتَمَلِ. الْخَامِسُ: أَنَّ أَحَادِيثَنَا عَمِلَ بِهَا السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى قُوَّتِهَا. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ إمَامٌ. قُلْنَا: لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُ، لَكِنْ بِحَيْثُ يُقَدَّمُ عَلَى أَمِيرَيْ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَسَائِرِ مَنْ مَعَهُمْ، كَلًّا، وَلَا يُسَاوِي وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَكَيْفَ يُرَجَّحُ عَلَى جَمِيعِهِمْ؟ مَعَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَدْ تُرِكَ قَوْلُهُ فِي الصَّلَاةِ فِي أَشْيَاءَ، مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يُطَبِّقُ فِي الرُّكُوعِ، يَضَعُ يَدَيْهِ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، فَلَمْ يُؤْخَذْ بِفِعْلِهِ، وَأُخِذَ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ فِي وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ، وَتُرِكَتْ قِرَاءَتُهُ وَأُخِذَ بِقِرَاءَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَكَانَ لَا يَرَى التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ، فَتُرِكَ ذَلِكَ بِرِوَايَةِ مَنْ هُوَ أَقَلُّ مِنْ رُوَاةِ أَحَادِيثِنَا وَأَدْنَى مِنْهُمْ فَضْلًا، فَهَاهُنَا أَوْلَى. [مَسْأَلَة يُسْتَحَبُّ لِلرَّاكِعِ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ] (691) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ، وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ، وَلَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَلَا يَخْفِضُهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلرَّاكِعِ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَعَلَهُ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَسَعْدٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ. وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ السَّلَفِ إلَى التَّطْبِيقِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْمُصَلِّي إحْدَى كَفَّيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، ثُمَّ يَجْعَلَهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إذَا رَكَعَ. وَهَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ. قَالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ: «رَكَعْت، فَجَعَلْت يَدَيَّ بَيْنَ رُكْبَتَيَّ. فَنَهَانِي أَبِي، وَقَالَ: إنَّا كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَذَكَرَ أَبُو حُمَيْدٍ، فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَأَيْتُهُ إذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ. يَعْنِي عَصَرَهُ حَتَّى يَعْتَدِلَ، وَلَا يَبْقَى مُحْدَوْدِبًا، وَفِي لَفْظٍ:
فصل الطمأنينة في الركوع
ثُمَّ اعْتَدَلَ فَلَمْ يُصَوِّبْ وَلَمْ يُقْنِعْ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ» . وَقَالَتْ عَائِشَةُ،: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَكَعَ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ أَحْمَدُ: يَنْبَغِي لَهُ إذَا رَكَعَ أَنْ يُلْقِمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاحَتَيْهِ رُكْبَتَيْهِ، وَيُفَرِّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَيَعْتَمِدَ عَلَى ضَبْعَيْهِ وَسَاعِدَيْهِ، وَيُسَوِّيَ ظَهْرَهُ، وَلَا يَرْفَعَ رَأْسَهُ وَلَا يُنَكِّسَهُ، وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ إذَا رَكَعَ لَوْ كَانَ قَدَحُ مَاءٍ عَلَى ظَهْرِهِ مَا تَحَرَّكَ. وَذَلِكَ لِاسْتِوَاءِ ظَهْرِهِ. وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ الِانْحِنَاءُ، بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ مَسُّ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْقِيَامِ إلَى الرُّكُوعِ إلَّا بِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ وَضْعُهُمَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ، فَإِنْ كَانَتَا عَلِيلَتَيْنِ، لَا يُمْكِنُهُ وَضْعُهُمَا، انْحَنَى وَلَمْ يَضَعْهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا عَلِيلَةً وَضَعَ الْأُخْرَى. (692) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجَافِيَ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، فَإِنَّ أَبَا حُمَيْدٍ ذَكَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا، وَوَتَرَ يَدَيْهِ فَنَحَّاهُمَا عَنْ جَنْبَيْهِ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ. [فَصْلٌ الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوع] (693) فَصْلٌ: وَيَجِبُ أَنْ يَطْمَئِنَّ فِي رُكُوعِهِ. وَمَعْنَاهُ أَنْ يَمْكُثَ إذَا بَلَغَ حَدَّ الرُّكُوعِ قَلِيلًا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الطُّمَأْنِينَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] . وَلَمْ يَذْكُرْ الطُّمَأْنِينَةَ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي حُصُولَ الْإِجْزَاءِ بِهِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ: «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ. قِيلَ: وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا وَقَالَ: لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ صُلْبَهُ فِيهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَالْآيَةُ حُجَّةٌ لَنَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَّرَ الرُّكُوعَ بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ، فَالْمُرَادُ بِالرُّكُوعِ مَا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [فَصْلٌ رَفَعَ رَأْسَهُ وَشَكَّ هَلْ رَكَعَ أَوَّلًا أَوْ هَلْ أَتَى بِقَدْرِ الْإِجْزَاءِ أَوْ لَا] (694) فَصْلٌ: وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ، وَشَكَّ هَلْ رَكَعَ أَوْ لَا، أَوْ هَلْ أَتَى بِقَدْرِ الْإِجْزَاءِ أَوْ لَا؟ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فَيَرْكَعَ حَتَّى يَطْمَئِنَّ رَاكِعًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا شَكَّ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَسْوَاسًا، فَلَا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْأَرْكَانِ.
مسألة التسبيح في الركوع
[مَسْأَلَة التَّسْبِيحَ فِي الرُّكُوعِ] (695) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا. وَهُوَ أَدْنَى الْكَمَالِ، وَإِنْ قَالَ مَرَّةً أَجْزَأَهُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُشْرَعُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عِنْدَنَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ شَيْءٌ مَحْدُودٌ، وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ التَّسْبِيحَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَلَنَا، مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ. قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» . وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ. وَذَلِكَ أَدْنَاهُ.» أَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَى حُذَيْفَةُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إذَا رَكَعَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلَمْ يَقُلْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيُجْزِئُ تَسْبِيحَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالتَّسْبِيحِ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ أَدْنَاهُ، وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ " وَذَلِكَ أَدْنَاهُ ". قَالَ أَحْمَدُ فِي رِسَالَتِهِ: جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: التَّسْبِيحُ التَّامُّ سَبْعٌ، وَالْوَسَطُ خَمْسٌ، وَأَدْنَاهُ ثَلَاثٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: الْكَامِلُ فِي التَّسْبِيحِ، إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا، مَا لَا يُخْرِجُهُ إلَى السَّهْوِ، وَفِي حَقِّ الْإِمَامِ مَا لَا يَشُقُّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْكَمَالُ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ؛ لِأَنَّ أَنَسًا رَوَى، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي كَصَلَاةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَحَزَرُوا ذَلِكَ بِعَشْرِ تَسْبِيحَاتٍ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْكَمَالُ أَنْ يُسَبِّحَ مِثْلَ قِيَامِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ رَوَى عَنْهُ الْبَرَاءُ قَالَ: «قَدْ رَمَقْتُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي، فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ، فَرَكْعَتَهُ، فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالِانْصِرَافِ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ: مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ. (696) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ. فَلَا بَأْسَ، فَإِنَّ أَحْمَدَ بْنَ نَصْرٍ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ، أَعْجَبُ إلَيْك، أَوْ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ؟ فَقَالَ: قَدْ جَاءَ هَذَا وَجَاءَ هَذَا، وَمَا أَدْفَعُ مِنْهُ شَيْئًا. وَقَالَ أَيْضًا: إنْ قَالَ: " وَبِحَمْدِهِ ". فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ حُذَيْفَةَ رَوَى فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: (سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ) ، وَفِي سُجُودِهِ: (سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ) ، وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِهَا. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَقُولُ: وَبِحَمْدِهِ. وَحَكَى ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ قَالَ
فصل تكبير الخفض والرفع وتسبيح الركوع والسجود
أَبُو دَاوُد: نَخَافُ أَنْ لَا تَكُونَ مَحْفُوظَةً. وَقِيلَ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى. فَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَحْمَدَ تَرَكَهَا لِضَعْفِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عِنْدَهُ. [فَصْلٌ تَكْبِيرَ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَتَسْبِيحَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ] (697) فَصْلٌ: وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ تَكْبِيرَ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ، وَتَسْبِيحَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقَوْلَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَرَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، وَقَوْلَ: رَبِّي اغْفِرْ لِي - بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ -، وَالتَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، وَاجِبٌ. وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَدَاوُد. وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُعَلِّمْهُ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَسْقُطْ بِالسَّهْوِ، كَالْأَرْكَانِ. وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ - وَأَمْرُهُ لِلْوُجُوبِ -، وَفَعَلَهُ. وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ عَنْ عَمِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ إلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى يَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ. وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ. فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ» . وَهَذَا نَصٌّ فِي وُجُوبِ التَّكْبِيرِ، وَلِأَنَّ مَوَاضِعَ هَذِهِ الْأَذْكَارِ أَرْكَانُ الصَّلَاةِ. فَكَانَ فِيهَا ذِكْرٌ وَاجِبٌ كَالْقِيَامِ وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ تَعْلِيمُهُ ذَلِكَ، وَهِيَ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا، عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُعَلِّمْهُ كُلَّ الْوَاجِبَاتِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يُعَلِّمْهُ التَّشَهُّدَ وَلَا السَّلَامَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى تَعْلِيمِهِ مَا رَآهُ أَسَاءَ فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّسَاوِي فِي الْوُجُوبِ التَّسَاوِي فِي الْأَحْكَامِ، بِدَلِيلِ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ. [فَصْلٌ الزِّيَادَةُ فِي التَّسْبِيحِ فِي الصَّلَاة] (698) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ إمَامًا، لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ التَّطْوِيلُ، وَلَا الزِّيَادَةُ فِي التَّسْبِيحِ. قَالَ الْقَاضِي: لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّطْوِيلُ، وَلَا الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثٍ؛ كَيْ لَا يَشُقَّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ. وَهَذَا إذَا لَمْ يَرْضَوْا بِالتَّطْوِيلِ، فَإِنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ يَسِيرَةً، وَرَضُوا بِذَلِكَ، اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّسْبِيحُ الْكَامِلُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ وَحْدَهُ [فَصْلٌ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ] (699) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا وَسَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا الرَّبَّ فِيهِ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي
فصل أدرك الإمام في الركوع
الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَوْلُهُ (قَمِنٌ) مَعْنَاهُ: جَدِيرٌ وَحَرِيٌّ. [فَصْلٌ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ] (700) فَصْلٌ: وَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَقَدْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ مِنْ الْأَرْكَانِ إلَّا الْقِيَامُ، وَهُوَ يَأْتِي بِهِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ يُدْرِكُ مَعَ الْإِمَامِ بَقِيَّةَ الرَّكْعَةِ، وَهَذَا إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي طُمَأْنِينَةِ الرُّكُوعِ، أَوْ انْتَهَى إلَى قَدْرِ الْإِجْزَاءِ مِنْ الرُّكُوعِ قَبْلَ أَنْ يَزُولَ الْإِمَامُ عَنْ قَدْرِ الْإِجْزَاءِ. فَهَذَا يُعْتَدُّ لَهُ بِالرَّكْعَةِ، وَيَكُونُ مُدْرِكًا لَهَا. فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَأْمُومُ يَرْكَعُ وَالْإِمَامُ يَرْفَعُ لَمْ يَجْزِهِ؛ وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّكْبِيرَةِ مُنْتَصِبًا، فَإِنْ أَتَى بِهَا بَعْدَ أَنْ انْتَهَى فِي الِانْحِنَاءِ إلَى قَدْرِ الرُّكُوعِ أَوْ بِبَعْضِهَا، لَمْ يَجْزِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا، إلَّا فِي النَّافِلَةِ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُهُ الْقِيَامُ، وَهُوَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَأْتِي بِتَكْبِيرَةٍ أُخْرَى لِلرُّكُوعِ فِي حَالِ انْحِطَاطِهِ إلَيْهِ، فَالْأُولَى رُكْنٌ لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ، وَالثَّانِيَةُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَسْقُطُ هَاهُنَا، وَيُجْزِئُهُ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ. نَقَلَهَا أَبُو دَاوُد وَصَالِحٌ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْحَكَمِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: عَلَيْهِ تَكْبِيرَتَانِ. وَهُوَ قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا أَرَادَا أَنَّ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَتَيْنِ، فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُمَا مُخَالِفًا لِقَوْلِ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتِمُّ التَّكْبِيرَ، وَلِأَنَّهُ قَدْ نُقِلَتْ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ. فَيَكُونُ ذَلِكَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ وَاجِبَانِ مِنْ جِنْسٍ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَأَحَدُهُمَا رُكْنٌ، فَسَقَطَ بِهِ الْآخَرُ، كَمَا لَوْ طَافَ الْحَاجُّ طَوَافَ الزِّيَارَةِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ أَجْزَأَهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ. وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ نَوَى بِالتَّكْبِيرِ الْإِحْرَامَ وَحْدَهُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الْإِحْرَامَ وَالرُّكُوعَ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ شَرِكَ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ فِي النِّيَّةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَطَسَ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ، فَقَالَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، يَنْوِيهَا. وَقَالَ: وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ يُخَالِفُ نُصُوصَ أَحْمَدَ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صَالِحٍ، فِيمَنْ جَاءَ بِهِ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ: كَبَّرَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً. قِيلَ لَهُ: يَنْوِي بِهَا الِافْتِتَاحَ؟ قَالَ: نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ، أَلَيْسَ قَدْ جَاءَ وَهُوَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ؟ وَلِأَنَّ نِيَّةَ الرُّكُوعِ لَا تُنَافِي نِيَّةَ الِافْتِتَاحِ، وَلِهَذَا حَكَمْنَا بِدُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ، فَلَمْ تُؤَثِّرْ نِيَّةُ الرُّكُوعِ فِي فَسَادِهَا؛ وَلِأَنَّهُ وَاجِبٌ يُجْزِئُ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ إذَا نَوَاهُ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ نِيَّةِ الْوَاجِبَيْنِ، كَمَا لَوْ نَوَى بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ لَهُ وَلِلْوَدَاعِ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ نَصِّ الْإِمَامِ وَمُخَالَفَتُهُ بِقِيَاسِ مَا نَصَّهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، كَمَا لَا يُتْرَكُ نَصُّ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ بِقِيَاسٍ، وَالْمُسْتَحَبُّ تَكْبِيرَةٌ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ قَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت لِأَحْمَدَ يُكَبِّرُ مَرَّتَيْنِ أَحَبُّ إلَيْك؟ قَالَ: إنْ كَبَّرَ تَكْبِيرَتَيْنِ، لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ.
فصل أدرك الإمام في ركن غير الركوع
[فَصْلٌ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكْنٍ غَيْرِ الرُّكُوعِ] (701) فَصْلٌ:: وَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكْنٍ غَيْرِ الرُّكُوعِ، لَمْ يُكَبِّرْ إلَّا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ، وَيَنْحَطُّ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ، وَقَدْ فَاتَهُ مَحَلُّ التَّكْبِيرِ. وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي السُّجُودِ أَوْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ كَبَّرَ فِي حَالِ قِيَامِهِ مَعَ الْإِمَامِ إلَى الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُومٌ لَهُ، فَيُتَابِعُهُ فِي التَّكْبِيرِ، كَمَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ مِنْ أَوَّلِهَا، وَإِنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ إلَى الْقَضَاءِ بِتَكْبِيرٍ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَقُومُ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ، لِأَنَّهُ قَدْ كَبَّرَ فِي ابْتِدَاءِ الرَّكْعَةِ، وَلَا إمَامَ لَهُ يُتَابِعُهُ فِي التَّكْبِيرِ. وَلَنَا، أَنَّهُ قَامَ فِي الصَّلَاةِ إلَى رُكْنٍ مُعْتَدٍّ لَهُ بِهِ، فَيُكَبِّرُ، كَالْقَائِمِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَكَمَا لَوْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ، وَلَا يُسَلَّمُ أَنَّهُ كَبَّرَ فِي ابْتِدَاءِ الرَّكْعَةِ، فَإِنَّ مَا كَبَّرَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ مِنْ الرَّكْعَةِ، إذْ لَيْسَ فِي أَوَّلِ الرَّكْعَةِ سُجُودٌ وَلَا تَشَهُّدٌ، وَإِنَّمَا ابْتِدَاءُ الرَّكْعَةِ قِيَامُهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُكَبِّرَ فِيهِ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي حَالٍ مُتَابَعَتُهُ فِيهِ] (702) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي حَالِ مُتَابَعَتُهُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَدَّ لَهُ بِهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا جِئْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ، فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ» . وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا: إذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ سَاجِدٌ فَلْيَسْجُدْ، وَلَا تُجْزِئُهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَعَلَّهُ أَنْ لَا يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ [مَسْأَلَة إذَا فَرَغَ مِنْ الرُّكُوعِ] (703) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، كَرَفْعِهِ الْأَوَّلِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعَ رَأْسَهُ وَاعْتَدَلَ قَائِمًا حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عُضْوٍ إلَى مَوْضِعِهِ، وَيَطْمَئِنَّ، يَبْتَدِئُ الرَّفْعَ قَائِلًا: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. وَيَكُونُ انْتِهَاؤُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ رَفْعِهِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ. وَفِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا بَعْدَ اعْتِدَالِهِ قَائِمًا. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يَسْتَتِمَّ قَائِمًا. وَوَجْهُهُ أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَبَعْدَمَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ» . وَلِأَنَّهُ رَفْعٌ، فَلَا يُشْرَعُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْقِيَامِ، كَرَفْعِ الرُّكُوعِ وَالْإِحْرَامِ. وَالثَّانِيَةُ: يَبْتَدِئُهُ حِينَ يَبْتَدِئُ رَفْعَ رَأْسِهِ؛ لِأَنَّ أَبَا حُمَيْدٍ قَالَ «فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» . وَرَفَعَ يَدَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا
فصل يسن الجهر بالتسميع
افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا كَبَّرَ، لِلرُّكُوعِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ، وَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ أَخَذَ فِي رَفْعِ رَأْسِهِ. كَقَوْلِهِ: (إذَا كَبَّرَ) أَيْ أَخَذَ فِي التَّكْبِيرِ، وَلِأَنَّهُ حِينَ الِانْتِقَالِ، فَشُرِعَ الرَّفْعُ مِنْهُ كَحَالِ الرُّكُوعِ وَلِأَنَّهُ مَحَلُّ رَفْعِ الْمَأْمُومِ، فَكَانَ مَحَلًّا لِرَفْعِ الْإِمَامِ كَالرُّكُوعِ، وَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِي أَنَّ الْمَأْمُومَ يَبْتَدِئُ الرَّفْعَ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَقِّهِ ذِكْرٌ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ، وَالرَّفْعُ إنَّمَا جُعِلَ هَيْئَةً لِلذِّكْرِ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ، ثُمَّ يَنْتَصِبُ قَائِمًا وَيَعْتَدِلُ، قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى قَائِمًا، حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ إلَى مَكَانِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (704) فَصْلٌ: وَهَذَا الرَّفْعُ وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ وَاجِبٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِهِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ، فَلَا يَجِبُ غَيْرُهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَتَضَمَّنَ ذِكْرًا وَاجِبًا، كَالْقِيَامِ الْأَوَّلِ. وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ، وَدَاوَمَ عَلَى فِعْلِهِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . وَقَوْلُهُمْ: لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ. قُلْنَا قَدْ أَمَرَ بِالْقِيَامِ، وَهَذَا قِيَامٌ، ثُمَّ أَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجِبُ امْتِثَالُهُ، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ. وَقَوْلُهُمْ " لَا يَتَضَمَّنُ ذِكْرًا وَاجِبًا " مَمْنُوعٌ، ثُمَّ هُوَ بَاطِلٌ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَإِنَّهُمَا رُكْنَانِ، وَلَا ذِكْرَ فِيهِمَا وَاجِبٌ، عَلَى قَوْلِهِمْ. [فَصْلٌ يُسَنُّ الْجَهْرُ بِالتَّسْمِيعِ] (705) فَصْلٌ: وَيُسَنُّ الْجَهْرُ بِالتَّسْمِيعِ لِلْإِمَامِ، كَمَا يُسَنُّ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ عِنْدَ الِانْتِقَالِ مِنْ رُكْنٍ، فَيُشْرَعُ الْجَهْرُ بِهِ لِلْإِمَامِ، كَالتَّكْبِيرِ. [مَسْأَلَة قَوْلُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ فِي حَقَّ كُلِّ مُصَلٍّ] (706) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) وَجُمْلَتُهُ أَنْ يُشْرَعَ قَوْلُ (رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) فِي حَقِّ كُلِّ مُصَلٍّ، فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو بُرْدَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا يَقُولُهُ الْمُنْفَرِدُ. فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ
إِسْحَاقَ فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي وَحْدَهُ، فَإِذَا قَالَ: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) . قَالَ: (رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) ؟ فَقَالَ: إنَّمَا هَذَا لِلْإِمَامِ جَمْعُهُمَا، وَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ سِوَى الْإِمَامِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْخَبَرَ لَمْ يَرِدْ بِهِ فِي حَقِّهِ. فَلَمْ يُشْرَعْ لَهُ كَقَوْلِ: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) . فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُشْرَعُ قَوْلُ هَذَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَلَا الْمُنْفَرِدِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ حَالٌ مِنْ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ، فَيُشْرَعُ فِيهِ ذِكْرٌ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَمَا ذَكَرُوهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ إنْ تَرَكَ ذِكْرَهُ فِي حَدِيثِهِمْ، فَقَدْ ذَكَرَهُ فِي أَحَادِيثِنَا، وَرَاوِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ قَدْ صَرَّحَ بِذِكْرِهِ فِي رِوَايَتِهِ الْأُخْرَى، فَحَدِيثُهُمْ لَوْ انْفَرَدَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ، فَكَيْفَ نَتْرُكُ بِهِ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَقُولُ كَمَا يَقُولُ الْإِمَامُ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِبُرَيْدَةَ: يَا بُرَيْدَةَ: إذَا رَفَعْتَ رَأْسَك فِي الرُّكُوعِ، فَقُلْ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي أَوْفَى، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَكُلُّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ، وَلَمْ تُفَرِّقْ الرِّوَايَةُ بَيْنَ كَوْنِهِ إمَامًا وَمُنْفَرِدًا، وَلِأَنَّ مَا شُرِعَ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ شُرِعَ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ، كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ. (707) فَصْلٌ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقُولَ: " رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ". بِوَاوٍ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، قَالَ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُثْبِتُ أَمْرَ الْوَاوِ، وَقَالَ: رَوَى فِيهِ الزُّهْرِيُّ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ، عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الطَّوِيلِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَحْمَدَ، إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. فَإِنَّهُ لَا يَجْعَلُ فِيهَا الْوَاوَ، وَمَنْ قَالَ: " رَبَّنَا " قَالَ: " وَلَكَ الْحَمْدُ "، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ "،
مسألة لا يشرع للمأموم قول سمع الله لمن حمده
كَمَا نَقَلَ الْإِمَامُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ» ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ؛ فَاسْتُحِبَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ أَنْ يَقُولَ: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ، وَلَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ يُعْطَفُ عَلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ السُّنَّةَ الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ إثْبَاتَ الْوَاوِ أَكْثَرُ حُرُوفًا، وَيَتَضَمَّنُ الْحَمْدَ مُقَدَّرًا وَمُظْهَرًا، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ: رَبَّنَا حَمِدْنَاكَ وَلَكَ الْحَمْدُ. فَإِنَّ الْوَاوَ لَمَّا كَانَتْ لِلْعَطْفِ وَلَا شَيْءَ هَاهُنَا تَعْطِفُ عَلَيْهِ ظَاهِرًا، دَلَّتْ عَلَى أَنَّ فِي الْكَلَامِ مُقَدَّرًا، كَقَوْلِهِ: " سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ "، أَيْ وَبِحَمْدِك سُبْحَانَك، وَكَيْفَمَا قَالَ جَازَ، وَكَانَ حَسَنًا؛ لِأَنَّ كُلًّا قَدْ وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِهِ. [مَسْأَلَة لَا يُشْرَعُ لِلْمَأْمُومِ قَوْلُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ] (708) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا، لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) لَا أَعْلَمُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافًا أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لِلْمَأْمُومِ قَوْلُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ "، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَأَبُو بُرْدَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ: يَقُولُ ذَلِكَ كَالْإِمَامِ؛ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ شُرِعَ لِلْإِمَامِ فَيُشْرَعُ لِلْمَأْمُومِ، كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ " رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ " عَقِيبَ قَوْلِهِ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " بِغَيْرِ فَصْلٍ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَعَلَى حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، لِأَنَّ هَذَا صَحِيحٌ مُخْتَصٌّ بِالْمَأْمُومِ، وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ فِي إسْنَادِهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ، وَهُوَ عَامٌّ، وَتَقْدِيمُ الصَّحِيحِ الْخَاصِّ أَوْلَى، فَأَمَّا قَوْلُ: " مِلْءَ السَّمَاءِ " وَمَا بَعْدَهُ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْتَصَرَ عَلَى أَمْرِهِمْ بِقَوْلِ: " رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ ". فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ فِي حَقِّهِمْ سِوَاهُ. وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَسْنُونٌ، قَالَ: وَلَيْسَ يَسْقُطُ خَلْفَ الْإِمَامِ عَنْهُ غَيْرُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ". وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْأَذْكَارِ. [فَصْلٌ مَوْضِعُ قَوْلِ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ] فَصْلٌ: وَمَوْضِعُ قَوْلِ: " رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ " فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ، بَعْدَ الِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ رَفْعِهِ يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ قَوْلُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ "، فَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَفِي حَالِ رَفْعِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» . يَقْتَضِي تَعْقِيبَ قَوْلِ الْإِمَامِ قَوْلَ
فصل إذا زاد على الذكر المأثور بعد الرفع من الركوع
الْمَأْمُومِ، وَالْمَأْمُومُ يَأْخُذُ فِي الرَّفْعِ عَقِيبَ قَوْلِ الْإِمَامِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ حِينَئِذٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ إذَا زَادَ عَلَى الذَّكَر الْمَأْثُور بَعْد الرَّفْع مِنْ الرُّكُوع] (710) فَصْلٌ: إذَا زَادَ عَلَى قَوْلِ: " مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ "، فَقَدْ نَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إنْ شَاءَ قَالَ: أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَوَى، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ: «رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ: لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ. وَعَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَادَ: «اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَقَدْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُطِيلُ الْقِيَامَ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» ، وَقَالَ أَنَسٌ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ، ثُمَّ يَسْجُدُ وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلَيْسَتْ حَالَةَ سُكُوتٍ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدْ كَانَ يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، لِكَوْنِهَا لَا تَسْتَغْرِقُ هَذَا الْقِيَامَ كُلَّهُ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَفَلَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا فَيَقُولَ: أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ؟ فَقَالَ: قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ، وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ هَذَا، إلَى " مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ " فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ اتِّبَاعًا لِأَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. [فَصْلٌ إذَا قَالَ مَكَانَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَ لَهُ] (711) فَصْلٌ: إذَا قَالَ مَكَانَ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ": " مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَ لَهُ ". لَمْ يُجْزِئْهُ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى. وَلَنَا أَنَّهُ عَكَسَ اللَّفْظَ الْمَشْرُوعَ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ قَالَ فِي التَّكْبِيرِ: الْأَكْبَرُ اللَّهُ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَتَى بِالْمَعْنَى؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. صِيغَةُ خَبَرٍ، تَصْلُحُ دُعَاءً، وَاللَّفْظَ الْآخَرَ صِيغَةُ شَرْطٍ وَجَزَاءٍ، لَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، فَهُمَا مُتَغَايِرَانِ. [فَصْلٌ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَعَطَسَ فَقَالَ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ] (712) فَصْلٌ: إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، فَعَطَسَ، فَقَالَ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ. يَنْوِي بِذَلِكَ لِمَا عَطَسَ وَلِلرَّفْعِ، فَرُوِيَ
فصل إذا أتى بقدر الإجزاء من الركوع فاعترضته علة منعته من القيام
عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِصْهُ لِلرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا ذِكْرٌ لَا تُعْتَبَرُ لَهُ النِّيَّةُ، وَقَدْ أَتَى بِهِ فَأَجْزَأْهُ، كَمَا لَوْ قَالَ ذَاهِلًا وَقَلْبُهُ غَيْرُ حَاضِرٍ. وَقَوْلُ أَحْمَدَ يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، لَا عَلَى نَفْيِ الْإِجْزَاءِ حَقِيقَةً. [فَصْلٌ إذَا أَتَى بِقَدْرِ الْإِجْزَاءِ مِنْ الرُّكُوعِ فَاعْتَرَضَتْهُ عِلَّةٌ مَنَعَتْهُ مِنْ الْقِيَامِ] (713) فَصْلٌ: إذَا أَتَى بِقَدْرِ الْإِجْزَاءِ مِنْ الرُّكُوعِ، فَاعْتَرَضَتْهُ عِلَّةٌ مَنَعَتْهُ مِنْ الْقِيَامِ، سَقَطَ عَنْهُ الرَّفْعُ؛ لِتَعَذُّرِهِ، وَيَسْجُدُ عَنْ الرُّكُوعِ. فَإِنْ زَالَتْ الْعِلَّةُ قَبْلَ سُجُودِهِ فَعَلَيْهِ الْقِيَامُ لِإِمْكَانِهِ. فَإِنْ زَالَتْ بَعْدَ سُجُودِهِ إلَى الْأَرْضِ، سَقَطَ الْقِيَامُ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ قَدْ صَحَّ وَأَجْزَأَ، فَسَقَطَ مَا قَبْلَهُ. فَإِنْ قَامَ مِنْ سُجُودِهِ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَإِنْ فَعَلَهُ جَهْلًا أَوْ نِسْيَانًا، لَمْ تَبْطُلْ، وَيَعُودُ إلَى جَلْسَةِ الْفَصْلِ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. [فَصْلٌ أَرَادَ الرُّكُوعَ فَوَقَعَ إلَى الْأَرْضِ] فَصْلٌ: فَإِنْ أَرَادَ الرُّكُوعَ، فَوَقَعَ إلَى الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ يَقُومُ فَيَرْكَعُ. وَكَذَلِكَ إنْ رَكَعَ وَسَقَطَ قَبْلَ طُمَأْنِينَتِهِ، لَزِمَتْهُ إعَادَةُ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا يُسْقِطُ فَرْضَهُ. وَإِنْ رَكَعَ وَاطْمَأَنَّ، ثُمَّ سَقَطَ، فَإِنَّهُ يَقُومُ مُنْتَصِبًا، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الرُّكُوعِ، لِأَنَّ فَرْضَهُ قَدْ سَقَطَ، وَالِاعْتِدَالَ عَنْهُ قَدْ سَقَطَ بِقِيَامِهِ. [فَصْلٌ إذَا رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُسَبِّحْ فِي رُكُوعِهِ] (715) فَصْلٌ: إذَا رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُسَبِّحْ فِي رُكُوعِهِ، لَمْ يَعُدْ إلَى الرُّكُوعِ، سَوَاءٌ ذَكَرَهُ قَبْلَ اعْتِدَالِهِ قَائِمًا أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ قَدْ سَقَطَ بِرَفْعِهِ، وَالرُّكُوعَ قَدْ وَقَعَ صَحِيحًا مُجْزِئًا، فَلَوْ عَادَ إلَيْهِ، زَادَ رُكُوعًا فِي الصَّلَاةِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ، فَإِنْ فَعَلَهُ عَمْدًا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ، كَمَا لَوْ زَادَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَإِنْ فَعَلَهُ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ، كَمَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَرْكَعْ. وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. فَإِنْ أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي هَذَا الرُّكُوعِ، لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ فِي حَقِّهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رُكُوعَ الرَّكْعَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ رَاكِعًا. [مَسْأَلَة يُكَبِّرُ لِلسُّجُودِ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ] (716) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلسُّجُودِ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) أَمَّا السُّجُودُ فَوَاجِبٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الرُّكُوعِ، وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ رُكْنٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ: «ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا» . وَالْخِلَافُ فِيهِ كَالْخِلَافِ فِي طُمَأْنِينَةِ الرُّكُوعِ، وَيَنْحَطُّ إلَى السُّجُودِ مُكَبِّرًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّ الْهَوِيَّ إلَى السُّجُودِ رُكْنٌ، فَلَا يَخْلُو مِنْ ذِكْرٍ، كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ، وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ تَكْبِيرِهِ مَعَ ابْتِدَاءِ انْحِطَاطِهِ، وَانْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ؛ وَالْكَلَامُ فِي التَّكْبِيرِ وَوُجُوبِهِ قَدْ مَضَى. وَلَا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ يَدَيْهِ، فِي الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَنَقَلَ عَنْهُ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ. وَسُئِلَ عَنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَقَالَ: فِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي حُمَيْدٍ أَحَادِيثُ
مسألة أول ما يقع منه على الأرض عند السجود ركبتاه
صِحَاحٌ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ. فِي حَدِيثِهِ الصَّحِيحِ؛ وَلَمَّا وَصَفَ أَبُو حُمَيْدٍ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرْ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي السُّجُودِ، وَالْأَحَادِيثُ الْعَامَّةُ مُفَسَّرَةٌ بِالْأَحَادِيثِ الْمُفَصَّلَةِ، الَّتِي رَوَيْنَاهَا، فَلَا يَبْقَى فِيهَا اخْتِلَافٌ. [مَسْأَلَة أَوَّلُ مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الْأَرْضِ عِنْد السُّجُود رُكْبَتَاهُ] (717) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَكُونُ أَوَّلُ مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الْأَرْضِ رُكْبَتَاهُ، ثُمَّ يَدَاهُ، ثُمَّ جَبْهَتُهُ وَأَنْفُهُ) هَذَا الْمُسْتَحَبُّ فِي مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَبِهِ قَالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ وَلَا يَبْرُكْ بُرُوكَ الْبَعِيرِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَلَنَا، مَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: «كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ، فَأُمِرْنَا بِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ.» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ مَا تَقَدَّمَهُ، وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِرُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَلَا يَبْرُكْ بُرُوكَ الْفَحْلِ» . (718) فَصْلٌ: وَالسُّجُودُ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَاجِبٌ، إلَّا الْأَنْفَ، فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهَذَا قَالَ طَاوُسٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ: لَا يَجِبُ، السُّجُودُ عَلَى غَيْرِ الْجَبْهَةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (سَجَدَ وَجْهِي. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْوَجْهِ، وَلِأَنَّ السَّاجِدَ عَلَى الْوَجْهِ يُسَمَّى سَاجِدًا، وَوَضْعُ غَيْرِهِ عَلَى الْأَرْضِ لَا يُسَمَّى بِهِ سَاجِدًا، فَالْأَمْرُ بِالسُّجُودِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يُسَمَّى بِهِ سَاجِدًا دُونَ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ السُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لَوَجَبَ كَشْفُهَا كَالْجَبْهَةِ. وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ ": وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ قَدْ نَصَّ فِي الْمَرِيضِ يَرْفَعُ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ قَدْ أَخَلَّ بِالسُّجُودِ عَلَى يَدَيْهِ. وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِالسُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ؛ الْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ، وَالْجَبْهَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَفْعُهُ: «إنَّ الْيَدَيْنِ يَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ، فَإِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَهُ فَلْيَرْفَعْهُمَا» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ. وَسُجُودُ الْوَجْهِ لَا يَنْفِي سُجُودَ مَا عَدَاهُ، وَسُقُوطُ الْكَشْفِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ السُّجُودِ، فَإِنَّا نَقُولُ كَذَلِكَ فِي الْجَبْهَةِ عَلَى رِوَايَةٍ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَإِنَّ الْجَبْهَةَ هِيَ الْأَصْلُ،
فصل إذا سجد على كور العمامة أو كمه أو ذيله
وَهِيَ مَكْشُوفَةٌ عَادَةً، بِخِلَافِ غَيْرِهَا، فَإِنْ أَخَلَّ بِالسُّجُودِ بِعُضْوٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهُ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ، سَجَدَ عَلَى بَقِيَّتِهَا، وَقَرَّبَ الْعُضْوَ الْمَرِيضَ مِنْ الْأَرْضِ غَايَةَ مَا يُمْكِنُهُ؛ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ السُّجُودَ هُوَ الْهُبُوطُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِرَفْعِ الْمَسْجُودِ عَلَيْهِ، وَإِنْ سَقَطَ السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ، لِعَارِضٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، سَقَطَ عَنْهُ السُّجُودُ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَغَيْرُهُ تَبَعٌ لَهُ، فَإِذَا سَقَطَ الْأَصْلُ سَقَطَ التَّبَعُ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَرِيضِ يَرْفَعُ إلَى جَبْهَتِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ: إنَّهُ يُجْزِئُهُ. (719) فَصْلٌ: وَفِي الْأَنْفِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يَجِبُ السُّجُودُ عَلَيْهِ. وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي خَيْثَمَةَ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ؛ الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِشَارَتُهُ إلَى أَنْفِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَهُ، وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ النَّسَائِيّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ» . وَرَوَى عِكْرِمَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصِيبُ أَنْفُهُ مِنْ الْأَرْضِ مَا تُصِيبُ الْجَبْهَةُ.» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي الْأَفْرَادِ مُتَّصِلًا، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يَجِبُ السُّجُودُ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» . وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَنْفَ فِيهَا، وَرُوِيَ أَنَّ جَابِرًا قَالَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ بِأَعْلَى جَبْهَتِهِ عَلَى قِصَاصِ الشَّعَرِ.» رَوَاهُ تَمَّامٌ، فِي " فَوَائِدِهِ "، وَغَيْرُهُ، وَإِذَا سَجَدَ بِأَعْلَى الْجَبْهَةِ لَمْ يَسْجُدْ عَلَى الْأَنْفِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ إنْ سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ دُونَ جَبْهَتِهِ، أَجْزَأَهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَهُ إلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْجَبْهَةَ وَالْأَنْفَ عُضْوٌ وَاحِدٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ذَكَرَ الْجَبْهَةَ أَشَارَ إلَى أَنْفِهِ، وَالْعُضْوُ الْوَاحِدُ يُجْزِئُهُ السُّجُودُ عَلَى بَعْضِهِ. وَهَذَا قَوْلٌ يُخَالِفُ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ وَالْإِجْمَاعَ الَّذِي قَبْلَهُ، فَلَا يَصِحُّ. [فَصْلٌ إذَا سَجَدَ عَلَى كُورِ الْعِمَامَةِ أَوْ كُمِّهِ أَوْ ذَيْلِهِ] (720) فَصْلٌ: وَلَا تَجِبُ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلِّي بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ قَالَ الْقَاضِي: إذَا سَجَدَ عَلَى كُورِ الْعِمَامَةِ أَوْ كُمِّهِ
أَوْ ذَيْلِهِ، فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرَخَّصَ فِي السُّجُودِ عَلَى كُورِ الْعِمَامَةِ الْحَسَنُ، وَمَكْحُولٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ. وَسَجَدَ شُرَيْحٌ عَلَى بُرْنُسِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَجِبُ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلِّي بِشَيْءٍ مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ إلَّا الْجَبْهَةَ، فَإِنَّهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ، قَالَ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ السُّجُودِ عَلَى كُورِ الْعِمَامَةِ؟ فَقَالَ: لَا يَسْجُدُ عَلَى كُورِهَا، وَلَكِنْ يَحْسُرُ الْعِمَامَةَ. وَهَذَا يَحْتَمِلُ الْمَنْعَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ خَبَّابٍ، قَالَ: «شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا. فَلَمْ يُشْكِنَا.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّهُ سَجَدَ عَلَى مَا هُوَ حَامِلٌ لَهُ، أَشْبَهَ مَا إذَا سَجَدَ عَلَى يَدَيْهِ. وَلَنَا مَا رَوَى أَنَسٌ، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الصَّامِتِ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَعَلَيْهِ كِسَاءٌ مُلْتَفٌّ بِهِ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَيْهِ، يَقِيهِ بَرْدَ الْحَصَى» . وَفِي رِوَايَةٍ: «فَرَأَيْته وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى قَرْنِهِ إذَا سَجَدَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَرُوِيَعَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ سَجَدَ عَلَى كُورِ الْعِمَامَةِ» ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الْقَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ، وَيَدُهُ فِي كُمِّهِ. وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، فَجَازَ السُّجُودُ عَلَى حَائِلِهِ، كَالْقَدَمَيْنِ. فَأَمَّا حَدِيثُ خَبَّابٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ، أَوْ تَسْقِيفَ الْمَسْجِدِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، مِمَّا يُزِيلُ عَنْهُمْ ضَرَرَ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ، أَمَّا الرُّخْصَةُ فِي السُّجُودِ عَلَى كُورِ الْعِمَامَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَمْ يَطْلُبُوهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا طَلَبَهُ الْفُقَرَاءُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَمَائِمُ، وَلَا أَكْمَامٌ طِوَالٌ يَتَّقُونَ بِهَا الرَّمْضَاءَ، فَكَيْفَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الرُّخْصَةَ فِيهَا؟ وَلَوْ احْتَمَلَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ، فَلَمْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ؟ وَلِذَلِكَ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ فِي الْأَكُفِّ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ كَشْفُهُمَا. قَالَ: وَقَدْ قِيلَ فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ، إنَّهُ يَجِبُ. وَإِنْ سَجَدَ عَلَى يَدَيْهِ لَمْ يَصِحَّ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ سَجَدَ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، فَالسُّجُودُ يُؤَدِّي إلَى تَدَاخُلِ السُّجُودِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ ": لَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ نَصًّا
مسألة الاعتدال في السجود
فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلَى السُّجُودِ عَلَى غَيْرِ الْجَبْهَةِ. هَلْ هُوَ وَاجِبٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ جَازَ، كَمَا لَوْ سَجَدَ عَلَى الْعِمَامَةِ. وَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ لَمْ يَجُزْ؛ لِئَلَّا يَتَدَاخَلَ مَحَلُّ السُّجُودِ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ. وَالْمُسْتَحَبُّ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلِّي بِالْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، وَيَأْخُذَ بِالْعَزِيمَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي إلَّا فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ. وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ السُّجُودَ عَلَى كُورِ الْعِمَامَةِ، وَكَانَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ يَحْسُرُ عِمَامَتَهُ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ: أَسْجُدُ عَلَى جَبِينِي أَحَبُّ إلَيَّ. [مَسْأَلَة الِاعْتِدَالَ فِي السُّجُودِ] (721) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَكُونُ فِي سُجُودِهِ مُعْتَدِلًا) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَهْلُ الْعِلْمِ يَخْتَارُونَ الِاعْتِدَالَ فِي السُّجُودِ، وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِلْ، وَلَا يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ» . وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوُهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلَا يَسْجُدْ أَحَدُكُمْ وَهُوَ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ كَالْكَلْبِ» . وَهَذَا هُوَ الِافْتِرَاشُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَنْ يَضَعَ ذِرَاعَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، كَمَا تَفْعَلُ السِّبَاعُ، وَقَدْ كَرِهَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ: وَإِذَا سَجَدَ سَجَدَ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا. [مَسْأَلَة يُجَافِي عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ] (722) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُجَافِي عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَبَطْنِهِ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَفَخِذَيْهِ عَنْ سَاقَيْهِ، وَيَكُونُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يُجَافِيَ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَبَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ إذَا سَجَدَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي سُجُودِهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فِي " رِسَالَتِهِ ": جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَنَّهُ كَانَ إذَا سَجَدَ لَوْ مَرَّتْ بَهِيمَةٌ لَنَفِدَتْ» ، وَذَلِكَ لِشِدَّةِ مُبَالَغَتِهِ فِي رَفْعِ مَرْفِقَيْهِ وَعَضُدَيْهِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَجَدَ جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ» ، وَلِأَبِي دَاوُد «. ثُمَّ سَجَدَ فَأَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ، وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ» . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّعْبِيُّ: وَصَفَ لَنَا الْبَرَاءُ السُّجُودَ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ، وَرَفَعَ عَجِيزَتَهُ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ. وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَجَدَ جَخَّ. وَالْجَخُّ: الْخَاوِي. رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ، وَيَثْنِيهِمَا إلَى الْقِبْلَةِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: وَيَفْتَحُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ، لِيَكُونَ أَصَابِعُهُمَا إلَى الْقِبْلَةِ. وَيَسْجُدُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» . ذَكَرَ مِنْهَا أَطْرَافَ الْقَدَمَيْنِ، وَفِي لَفْظٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَجَدَ غَيْرَ
مسألة يقول سبحان ربي الأعلى ثلاثا في السجود
مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ» . مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ. وَمِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: وَفَتَحَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ. وَهَذَا مَعْنَاهُ. وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: سَجَدَ، فَانْتَصَبَ عَلَى كَفَّيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَصُدُورِ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ. (723) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَ رَاحَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، مَبْسُوطَتَيْنِ، مَضْمُومَتَيْ الْأَصَابِعِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، مُسْتَقْبِلًا بِهِمَا الْقِبْلَةَ، وَيَضَعَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ قَالَ: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سَجَدَ وَيَدَاهُ بِحِذَاءِ أُذُنَيْهِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ فَجَعَلَ كَفَّيْهِ بِحِذَاءِ أُذُنَيْهِ» ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَأَبُو دَاوُد، وَلَفْظُهُ: ثُمَّ سَجَدَ وَوَضَعَ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ. وَالْجَمِيعُ حَسَنٌ. (724) فَصْلٌ: وَالْكَمَالُ فِي السُّجُودِ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ يَضَعَ جَمِيعَ بَطْنِ كَفَّيْهِ، وَأَصَابِعِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَرْفَعَ مِرْفَقَيْهِ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ بَاطِنِهِمَا، أَجْزَأَهُ. قَالَ أَحْمَدُ: إنْ وَضَعَ مِنْ الْيَدَيْنِ بِقَدْرِ الْجَبْهَةِ، أَجْزَأَهُ. وَإِنْ جَعَلَ ظُهُورَ كَفَّيْهِ إلَى الْأَرْضِ، وَسَجَدَ عَلَيْهِمَا، أَوْ سَجَدَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ، فَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ عَلَى الْيَدَيْنِ، وَقَدْ سَجَدَ عَلَيْهِمَا. وَكَذَلِكَ لَوْ سَجَدَ عَلَى ظُهُورِ قَدَمَيْهِ، فَإِنَّهُ قَدْ سَجَدَ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، وَلَا يَخْلُو مِنْ إصَابَةِ بَعْضِ أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ الْأَرْضَ، فَيَكُونَ سَاجِدًا عَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ الْأَحْسَنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ. (725) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ وَرِجْلَيْهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ قَالَ: وَإِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ. (726) فَصْلٌ: وَإِذَا أَرَادَ السُّجُودَ فَسَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ، فَمَاسَّتْ جَبْهَتُهُ الْأَرْضَ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ. إلَّا أَنْ يَقْطَعَ نِيَّةَ السُّجُودِ، فَلَا يُجْزِئَهُ. وَإِنْ انْقَلَبَ عَلَى جَنْبِهِ، ثُمَّ انْقَلَبَ، فَمَاسَّتْ جَبْهَتُهُ الْأَرْضَ، لَمْ يَجْزِهِ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ السُّجُودَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ: أَنَّهُ هَاهُنَا خَرَجَ عَنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَهَيْئَاتِهَا، ثُمَّ كَانَ انْقِلَابُهُ الثَّانِي عَائِدًا إلَى الصَّلَاةِ، فَافْتَقَرَ إلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا هُوَ عَلَى هَيْئَةِ الصَّلَاةِ وَسُنَّتِهَا، فَاكْتُفِيَ بِاسْتِدَامَةِ النِّيَّةِ. [مَسْأَلَة يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا فِي السُّجُود] (727) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا، وَإِنْ قَالَ مَرَّةً، أَجْزَأَهُ) الْحُكْمُ فِي هَذَا التَّسْبِيحِ كَالْحُكْمِ فِي تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ، عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ،
فصل الزيادة على سبحان ربي الأعلى في السجود
قَالَ: «لَمَّا نَزَلَ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى. ثَلَاثًا، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» . وَعَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا سَجَدَ قَالَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» . رَوَاهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو دَاوُد، وَلَمْ يَقُلْ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ". وَالْحُكْمُ فِي عَدَدِهِ وَتَطْوِيلِ السُّجُودِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الرُّكُوعِ. [فَصْلٌ الزِّيَادَةُ عَلَى سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى فِي السُّجُود] (728) فَصْلٌ: وَإِنْ زَادَ دُعَاءً مَأْثُورًا، أَوْ ذِكْرًا - مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ «. أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا مُعَاذُ، إذَا وَضَعْتَ وَجْهَكَ سَاجِدًا فَقُلْ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى شُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» . وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَحَبُّ الْكَلَامِ إلَى اللَّهِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ - وَهُوَ سَاجِدٌ -: رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي. رَوَاهُمَا سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ ". وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجَلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَسِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ - فَحَسَنٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ. وَقَدْ قَالَ: «وَأَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» . حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى: " سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " فِي الْفَرْضِ، وَفِي التَّطَوُّعِ رِوَايَتَانِ؛ لِأَنَّهُ، لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ سِوَى الْأَمْرِ بِالتَّسْبِيحِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْأَخْبَارَ الصَّحِيحَةَ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ، وَالْأَمْرُ بِالتَّسْبِيحِ لَا يَنْفِي الْأَمْرَ بِغَيْرِهِ، كَمَا أَنَّ أَمْرَهُ بِالتَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَنْفِ كَوْنَ الدُّعَاءِ مَشْرُوعًا، وَلَوْ سَاغَ كَوْنُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ نَافِيًا لِغَيْرِهِ لَكَانَ الْأَمْرُ بِالدُّعَاءِ نَافِيًا لِلتَّسْبِيحِ؛ لِصِحَّةِ الْأَمْرِ بِهِ، وَفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ فِيهِ. [مَسْأَلَة إذَا قَضَى سُجُودَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا وَجَلَسَ وَاعْتَدَلَ] (729) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا) يَعْنِي إذَا قَضَى سُجُودَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا، وَجَلَسَ، وَاعْتَدَلَ، وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ تَكْبِيرِهِ مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِهِ، وَانْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ. وَهَذَا الرَّفْعُ وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ وَاجِبٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ بِوَاجِبٍ، بَلْ يَكْفِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِثْلَ حَدِّ السَّيْفِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ جَلْسَةُ فَصْلٍ بَيْنَ مُتَشَاكِلَيْنِ فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، كَجَلْسَةِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ.
مسألة يجلس بين السجدتين مفترشا
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ: «ثُمَّ اجْلِسْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَخَلَّ بِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ - تَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «- إذَا رَفَعَ مِنْ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ رَفْعٌ وَاجِبٌ، فَكَانَ الِاعْتِدَالُ عَنْهُ وَاجِبًا، كَالرَّفْعِ مِنْ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ، وَلَا يُسَلَّمُ لَهُمْ أَنَّ جَلْسَةَ التَّشَهُّدِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ. [مَسْأَلَة يَجْلِسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مُفْتَرِشًا] (730) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا جَلَسَ وَاعْتَدَلَ يَكُونُ جُلُوسُهُ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى) السُّنَّةُ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مُفْتَرِشًا، وَهُوَ أَنْ يَثْنِيَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، فَيَبْسُطَهَا، وَيَجْلِسَ عَلَيْهَا، وَيَنْصِبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَيُخْرِجَهَا مِنْ تَحْتِهِ، وَيَجْعَلَ بُطُونَ أَصَابِعِهِ عَلَى الْأَرْضِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا؛ لِتَكُونَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهَا إلَى الْقِبْلَةَ. قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ، فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ عَلَيْهَا، ثُمَّ اعْتَدَلَ حَتَّى رَجَعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ، ثُمَّ هَوَى سَاجِدًا. وَفِي حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي رَوَتْهُ عَائِشَةُ: «وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْتَحَ أَصَابِعَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى، فَيَسْتَقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَثْنِيَهَا نَحْوَ الْقِبْلَةِ. قَالَ الْأَثْرَمُ: تَفَقَّدْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَرَأَيْتُهُ يَفْتَحُ أَصَابِعَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى، فَيَسْتَقْبِلُ بِهَا الْقِبْلَةَ. وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كُنَّا نُعَلَّمُ إذَا جَلَسْنَا فِي الصَّلَاةِ، أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ مِنَّا قَدَمَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى عَلَى صَدْرِ قَدَمِهِ، فَإِنْ كَانَتْ إبْهَامُ أَحَدِنَا لَتَنْثَنِي فَيُدْخِلُ يَدَهُ حَتَّى يَعْدِلَهَا. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ يَنْصِبَ الْقَدَمَ الْيُمْنَى، وَاسْتِقْبَالُهُ بِأَصَابِعِهَا الْقِبْلَةَ. رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا صَلَّى اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِكُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى بِنَعْلَيْهِ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. [فَصْلٌ الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فِي السُّجُودِ] (731) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الْإِقْعَاءُ، وَهُوَ أَنْ يَفْرِشَ قَدَمَيْهِ، وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ. بِهَذَا وَصَفَهُ أَحْمَدُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالْإِقْعَاءُ عِنْدَ الْعَرَبِ: جُلُوسُ الرَّجُلِ عَلَى أَلْيَتَيْهِ نَاصِبًا فَخِذَيْهِ، مِثْلُ إقْعَاءِ الْكَلْبِ وَالسَّبُعِ. وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِاسْتِحْبَابِ الْإِقْعَاءِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَكَرِهَهُ عَلِيٌّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَقَالَ: لَا تَقْتَدُوا بِي، فَإِنِّي قَدْ كَبِرْتُ. وَقَدْ نَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَفْعَلُهُ، وَلَا أَعِيبُ مَنْ فَعَلَهُ. وَقَالَ: الْعَبَادِلَةُ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ. وَقَالَ طَاوُسٌ: رَأَيْت الْعَبَادِلَةَ يَفْعَلُونَهُ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تَمَسَّ أَلْيَتَاكَ قَدَمَيْك. وَقَالَ طَاوُسٌ: «قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فِي السُّجُودِ؟ فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ. قَالَ: قُلْنَا إنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ، فَقَالَ: هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.
مسألة يقول بين السجدتين رب اغفر لي رب اغفر لي
وَلَنَا، مَا رَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ» . وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا رَفَعْتَ رَأْسَك مِنْ السُّجُودِ فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ» . رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ. وَفِي صِفَةِ جُلُوسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ: ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ عَلَيْهَا. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْتَرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، وَيَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ» . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ، فَتَكُونُ أَوْلَى. وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِكِبَرِهِ، وَيَقُولُ: لَا تَقْتَدُوا بِي. [مَسْأَلَة يَقُولَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ رَبِّ اغْفِرْ لِي رَبِّ اغْفِرْ لِي] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي رَبِّ اغْفِرْ لِي) الْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي: يُكَرِّرُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَالْوَاجِبُ مِنْهُ مَرَّةٌ، وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثٌ، وَالْكَمَالُ مِنْهُ مِثْلُ الْكَمَالِ فِي تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا فِي تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى حُذَيْفَةُ «، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي» . احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي؛ وَارْزُقْنِي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ. وَإِنْ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لَنَا. أَوْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا، مَكَانَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي. جَازَ [مَسْأَلَة إذَا فَرَغَ مِنْ الْجَلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ] (733) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يُكَبِّرُ، وَيَخِرُّ سَاجِدًا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ الْجَلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، سَجَدَ سَجْدَةً أُخْرَى عَلَى صِفَةِ الْأُولَى، سَوَاءً. وَهِيَ وَاجِبَةٌ إجْمَاعًا. وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ. [فَصْلٌ شُرُوعُ الْمَأْمُومِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مِنْ الرَّفْعِ وَالْوَضْعِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ] (734) فَصْلٌ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ شُرُوعُ الْمَأْمُومِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ؛ مِنْ الرَّفْعِ وَالْوَضْعِ، بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْهُ، وَيُكْرَهُ فِعْلُهُ مَعَهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُهُ مَعَ أَفْعَالِ الْإِمَامِ. وَلَنَا، مَا رَوَى الْبَرَاءُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ نَزَلْ قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ نَتَّبِعُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلْبُخَارِيِّ: «لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ» . وَعَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَنَا، فَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا، وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا فَقَالَ: إذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا - إلَى قَوْلِهِ - فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَتِلْكَ بِتِلْكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي لَفْظٍ: «فَمَهْمَا
فصل ركع ورفع قبل ركوع إمامه
أَسْبِقْكُمْ بِهِ إذَا رَكَعْتُ تُدْرِكُونِي بِهِ إذَا رَفَعْتُ» . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا. وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ. وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: " فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا "، يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ رُكُوعُهُمْ بَعْدَ رُكُوعِهِ؛ لِأَنَّهُ عَقَّبَهُ بِهِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ، فَيَكُونُ بَعْدَهُ، كَقَوْلِك: جَاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو. أَيْ جَاءَ بَعْدَهُ. وَإِنْ وَافَقَ إمَامَهُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ مَعَهُ، أَسَاءَ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ. (735) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْبِقَ إمَامَهُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ؛ وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْبِقَهُ، كَمَا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. فَإِنْ سَبَقَ إمَامَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ لِيَأْتِيَ بِذَلِكَ مُؤْتَمًّا بِإِمَامِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا رَفَعَ أَحَدُكُمْ رَأْسَهُ، وَالْإِمَامُ سَاجِدٌ، فَلْيَسْجُدْ، وَإِذَا رَفَعَ الْإِمَامُ بِرَأْسِهِ فَلْيَمْكُثْ قَدْرَ مَا رَفَعَ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى لَحِقَهُ الْإِمَامُ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا سَبْقٌ يَسِيرٌ. وَإِنْ سَبَقَ إمَامَهُ عَمْدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِسَالَتِهِ: لَيْسَ لِمَنْ سَبَقَ الْإِمَامَ صَلَاةٌ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ» . وَلَوْ كَانَتْ لَهُ صَلَاةٌ لَرَجَا لَهُ الثَّوَابَ، وَلَمْ يَخْشَ عَلَيْهِ الْعِقَابَ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ نَظَرَ إلَى مَنْ سَبَقَ الْإِمَامَ، فَقَالَ: لَا وَحْدَك صَلَّيْتَ، وَلَا بِإِمَامِك اقْتَدَيْتَ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوٌ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ. لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالرُّكْنِ مُؤْتَمًّا بِإِمَامِهِ. فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَبَقَهُ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ أَوْ السَّلَامِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ. قَالَ الْقَاضِي: عِنْدِي أَنَّهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الرُّكْنِ، فَصَحَّتْ صَلَاتُهُ، كَمَا لَوْ رَكَعَ مَعَهُ ابْتِدَاءً. [فَصْلٌ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ] (736) فَصْلٌ: فَإِنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ. فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ فَعَلَهُ عَمْدًا فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ وَاحِدٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَكَعَ قَبْلَهُ حَسْبُ. وَإِنْ فَعَلَهُ سَهْوًا فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ. وَهَلْ يَعْتَدُّ بِتِلْكَ
فصل سبق الإمام المأموم بركن كامل
الرَّكْعَةِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. فَأَمَّا إنْ سَبَقَهُ بِرَكْعَتَيْنِ فَرَكَعَ قَبْلَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ سَجَدَ عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي أَكْثَرِ الرَّكْعَةِ. وَإِنْ فَعَلَهُ سَهْوًا، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ. وَلَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ؛ لِعَدَمِ اقْتِدَائِهِ بِإِمَامِهِ فِيهَا. [فَصْلٌ سَبَقَ الْإِمَامُ الْمَأْمُومَ بِرّكُنَّ كَامِلٍ] (737) فَصْلٌ: فَإِنْ سَبَقَ الْإِمَامُ الْمَأْمُومَ بِرُكْنٍ كَامِلٍ؛ مِثْلُ أَنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ الْمَأْمُومِ، لِعُذْرٍ مِنْ نُعَاسٍ أَوْ زِحَامٍ أَوْ عَجَلَةِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا سُبِقَ بِهِ، وَيُدْرِكُ إمَامَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْإِمَامُ إذَا سَجَدَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ أَسْجُدَ؟ قَالَ: إنْ كَانَتْ سَجْدَةً وَاحِدَةً فَأَتَّبِعُهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ. وَهَذَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَإِنْ سَبَقَهُ بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنَّهُ يَتَّبِعُ إمَامَهُ، وَيَقْضِي مَا سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِهِ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ نَعَسَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: كَأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ سَبَقَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ رُكْنٍ، وَأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَتَّبِعُ إمَامَهُ، وَلَا يَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ رَكَعَ إمَامُهُ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ لَا يَشْعُرُ، وَلَمْ يَرْكَعْ حَتَّى سَجَدَ الْإِمَامُ، فَقَالَ: يَسْجُدُ مَعَهُ، وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ مَكَانَهَا. وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْإِمَامُ إذَا سَجَدَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ أَسْجُدَ؟ قَالَ: إنْ كَانَتْ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ فَاتَّبِعْهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ، وَإِنْ كَانَ سَجْدَتَانِ فَلَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَتَى سَبَقَهُ بِرَكْعَتَيْنِ بَطَلَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ. وَإِنْ سَبَقَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَهُ وَأَدْرَكَ إمَامَهُ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا، فِيمَنْ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: يَنْتَظِرُ زَوَالَ الزِّحَامَ ثُمَّ يَسْجُدُ وَيَتَّبِعُ الْإِمَامَ، مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الرُّكُوعِ فِي الثَّانِيَةِ مَعَ الْإِمَامِ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَفْعَلُ مَا فَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ رُكْنٍ وَاحِدٍ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ بِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاةِ عُسْفَانَ، حِينَ أَقَامَهُمْ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَسَجَدَ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَالصَّفُّ الثَّانِي قَائِمٌ، حَتَّى قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الثَّانِيَةِ، فَسَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ تَبِعَهُ» . وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لِلْعُذْرِ. فَهَذَا مِثْلُهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ أَدْرَكَهُمْ الْمَسْبُوقُ فِي أَوَّلِ سُجُودِهِمْ سَجَدَ مَعَهُمْ، وَاعْتَدَّ بِهَا. وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوعِ، وَأَدْرَكَهُمْ فِي السُّجُودِ حَتَّى يَسْتَوُوا قِيَامًا، فَلْيَتَّبِعْهُمْ فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ، ثُمَّ يَقْضِي رَكْعَةً، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَنَحْوِهِ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ. وَالْأَوْلَى فِي هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، مَا كَانَ عَلَى قِيَاسِ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ؛ فَإِنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ يُرَدُّ إلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ بِهِ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الِائْتِمَامَ بِإِمَامِهِ عَمْدًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَة جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ فِي الصَّلَاة] (738) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا، وَيَقُومُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا قَضَى سَجْدَتَهُ الثَّانِيَةَ نَهَضَ لَلْقِيَامَ مُكَبِّرًا، وَالْقِيَامُ رُكْنٌ، وَالتَّكْبِيرُ وَاجِبٌ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ: هَلْ يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ؟ فَرُوِيَ عَنْهُ: لَا يَجْلِسُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى هَذَا. وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ: أَدْرَكْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ذَلِكَ. أَيْ لَا يَجْلِسُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: تِلْكَ السُّنَّةُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَجْلِسُ. اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. قَالَ الْخَلَّالُ: رَجَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إلَى هَذَا. يَعْنِي تَرَكَ قَوْلَهُ بِتَرْكِ الْجُلُوسِ؛ لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْلِسُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَذَكَرَهُ أَيْضًا أَبُو حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، فَيَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِهِ، وَالْمَصِيرُ إلَيْهِ. وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمُصَلِّي ضَعِيفًا جَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ؛ لِحَاجَتِهِ إلَى الْجُلُوسِ، وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا لَمْ يَجْلِسْ؛ لِغِنَاهُ عَنْهُ، وَحُمِلَ جُلُوسُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، عِنْدَ كِبَرِهِ وَضَعْفِهِ، وَهَذَا فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَتَوَسُّطٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ. فَإِذَا قُلْنَا: يَجْلِسُ؛ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا عَلَى صِفَةِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ، وَقَعَدَ، وَاعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عُضْوٍ فِي مَوْضِعِهِ، ثُمَّ نَهَضَ» . وَهَذَا صَرِيحٌ فِي كَيْفِيَّةِ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ. وَقَالَ الْخَلَّالُ: رَوَى عَنْ أَحْمَدَ مَنْ لَا أُحْصِيهِ كَثْرَةً، أَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى أَلْيَتَيْهِ. قَالَ الْقَاضِي: يَجْلِسُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَأَلْيَتَيْهِ، مُفْضِيًا بِهِمَا إلَى الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَلَسَ مُفْتَرِشًا لَمْ يَأْمَنْ السَّهْوَ، فَيَشُكَّ هَلْ جَلَسَ عَنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ؟ وَبِهَذَا يَأْمَنُ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَا يُلْصِقُ أَلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ فِي جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، بَلْ يَجْلِسُ مُعَلَّقًا عَنْ الْأَرْضِ. وَعَلَى كِلْتَيْ الرِّوَايَتَيْنِ يَنْهَضُ إلَى الْقِيَامِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى يَدَيْهِ. قَالَ الْقَاضِي: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ، أَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْأَرْضِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ أَوْ لَا يَجْلِسُ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدَيْهِ فِي النُّهُوضِ؛ لِأَنَّ مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ قَالَ فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، إنَّهُ لَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا، ثُمَّ اعْتَمَدَ عَلَى الْأَرْضِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَعْوَنُ لِلْمُصَلِّي. وَلَنَا مَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ
مسألة إذا شق عليه النهوض من السجود
قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَالْأَثْرَمُ، وَفِي لَفْظٍ: «وَإِذَا نَهَضَ نَهَضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى فَخِذَيْهِ» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد، وَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: «إنَّ مِنْ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، إذَا نَهَضَ الرَّجُلُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، أَنْ لَا يَعْتَمِدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: بِذَلِكَ جَاءَ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي الصَّلَاةِ يَنْهَضُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: يَرْوِيهِ خَالِدُ بْنُ إلْيَاسَ. قَالَ أَحْمَدُ: تَرَكَ النَّاسُ حَدِيثَهُ. وَلِأَنَّهُ أَشَقُّ فَكَانَ أَفْضَلَ، كَالتَّجَافِي وَالِافْتِرَاشِ. وَحَدِيثُ مَالِكٍ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَشَقَّةِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ لِضَعْفِهِ وَكِبَرِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنِّي قَدْ بَدَّنْتُ، فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ» [مَسْأَلَة إذَا شَقَّ عَلَيْهِ النُّهُوضِ مِنْ السُّجُود] (739) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (إلَّا أَنْ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَيَعْتَمِدَ بِالْأَرْضِ) يَعْنِي إذَا شَقَّ عَلَيْهِ النُّهُوضُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، فَلَا بَأْسَ بِاعْتِمَادِهِ عَلَى الْأَرْضِ بِيَدَيْهِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، وَقَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْخًا كَبِيرًا. وَمَشَقَّةُ ذَلِكَ تَكُونُ لِكِبَرٍ، أَوْ ضَعْفٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ سِمَنٍ، وَنَحْوِهِ. [فَصْلٌ ابْتِدَاءِ تَكْبِيرِهِ مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِ رَأْسه مِنْ السُّجُودِ وَانْتِهَاؤُهُ عِنْدَ اعْتِدَالِهِ] (740) فَصْلٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ تَكْبِيرِهِ مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ السُّجُودِ، وَانْتِهَاؤُهُ عِنْدَ اعْتِدَالِهِ قَائِمًا، لِيَكُونَ مُسْتَوْعِبًا بِالتَّكْبِيرِ جَمِيعَ الرُّكْنِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا بَقِيَّةُ التَّكْبِيرَاتِ، إلَّا مَنْ جَلَسَ جَلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ، فَإِنَّهُ يَنْتَهِي تَكْبِيرُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ جُلُوسِهِ، ثُمَّ يَنْهَضُ لِلْقِيَامِ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَنْهَضُ مُكَبِّرًا. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ فِي رُكْنٍ وَاحِدٍ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِجَمْعِهِمَا فِيهِ. [مَسْأَلَة يَصْنَعُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الصَّلَاةِ مِثْلَ مَا صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى] (741) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَفْعَلُ فِي الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْأُولَى) يَعْنِي يَصْنَعُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الصَّلَاةِ مِثْلَ مَا صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى عَلَى مَا وُصِفَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَفَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا» . وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ نَعْلَمُهُ، إلَّا أَنَّ الثَّانِيَةَ تَنْقُصُ النِّيَّةَ وَتَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَالِاسْتِفْتَاحَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَمْ يَسْكُتْ» . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَسْتَعِيذُ، وَلَا نَعْلَمُ فِي تَرْكِ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ خِلَافًا، فِيمَا عَدَا الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ.
فصل المسبوق إذا أدرك الإمام فيما بعد الركعة الأولى
فَأَمَّا الِاسْتِعَاذَةُ فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَعَنْهُ أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ فَالْقِرَاءَةُ فِيهَا كُلِّهَا كَالْقِرَاءَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلِذَلِكَ اعْتَبَرْنَا التَّرْتِيبَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَتِهِ. فَإِذَا أَتَى بِالِاسْتِعَاذَةِ فِي أَوَّلِهَا كَفَى ذَلِكَ كَالِاسْتِفْتَاحِ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، إذَا تَرَكَ الِاسْتِعَاذَةَ فِي الْأُولَى لِنِسْيَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَتَى بِهَا فِي الثَّانِيَةِ، وَالِاسْتِفْتَاحُ بِخِلَافِ ذَلِكَ. نُصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفْتَاحَ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا فَاتَ فِي أَوَّلِهَا فَاتَ مَحِلُّهُ. وَالِاسْتِعَاذَةُ لِلْقِرَاءَةِ، وَهُوَ يَسْتَفْتِحُهَا فِي الثَّانِيَةِ، وَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ قَبْلَ الِاسْتِعَاذَةِ، لَمْ يَأْتِ بِهَا فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ فَاتَ مَحِلُّهَا. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يَسْتَعِيذُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّافِعِيِّ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] . فَيَقْتَضِي ذَلِكَ تَكْرِيرَ الِاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ تَكْرِيرِ الْقِرَاءَةِ، وَلِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ لِلْقِرَاءَةِ، فَتُكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي صَلَاتَيْنِ. [فَصْلٌ الْمَسْبُوقُ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِيمَا بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى] فَصْلٌ: وَالْمَسْبُوقُ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِيمَا بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى لَمْ يَسْتَفْتِحْ، وَأَمَّا الِاسْتِعَاذَةُ، فَإِنْ قُلْنَا: تَخْتَصُّ بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى. لَمْ يَسْتَعِذْ؛ لِأَنَّ مَا يُدْرِكُهُ الْمَأْمُومُ مَعَ الْإِمَامِ آخِرُ صَلَاتِهِ فَإِذَا قَامَ لِلْقَضَاءِ اسْتَفْتَحَ وَاسْتَعَاذَ. نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ. وَإِنْ قُلْنَا: يَسْتَعِيذُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. اسْتَعَاذَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةِ كُلِّ رَكْعَةٍ، فَإِذَا أَرَادَ الْمَأْمُومُ الْقِرَاءَةَ اسْتَعَاذَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] [مَسْأَلَة إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ] (743) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا جَلَسَ فِيهَا لِلتَّشَهُّدِ يَكُونُ كَجُلُوسِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ، وَهَذَا الْجُلُوسُ وَالتَّشَهُّدُ فِيهِ مَشْرُوعَانِ بِلَا خِلَافٍ، وَقَدْ نَقَلَهُ الْخَلَفُ عَنْ السَّلَفِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، وَالْأُمَّةُ تَفْعَلُهُ فِي صَلَاتِهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا أَوْ رُبَاعِيَّةً، فَهُمَا وَاجِبَانِ فِيهَا، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَهُوَ مَذْهَبُ اللَّيْثِ، وَإِسْحَاقَ. وَالْأُخْرَى: لَيْسَا بِوَاجِبَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْقُطَانِ بِالسَّهْوِ، فَأَشْبَهَا السُّنَنَ. وَلَنَا، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ، وَدَاوَمَ عَلَى فِعْلِهِ، وَأَمَرَ بِهِ» فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: " قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ". وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ حِينَ نَسِيَهُ. وَقَدْ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي.» وَإِنَّمَا سَقَطَ بِالسَّهْوِ إلَى بَدَلٍ، فَأَشْبَهَ جُبْرَانَاتِ الْحَجِّ تُجْبَرُ بِالدَّمِ، بِخِلَافِ السُّنَنِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ التَّشَهُّدَيْنِ، فَكَانَ وَاجِبًا كَالْآخَرِ. وَصِفَةُ الْجُلُوسِ لِهَذَا التَّشَهُّدِ كَصِفَةِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ؛ يَكُونُ مُفْتَرِشًا كَمَا وَصَفْنَا. وَسَوَاءٌ كَانَ آخِرَ صَلَاتِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ مُتَوَرِّكًا
مسألة المصلي إذا جلس للتشهد
عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْلِسُ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ وَآخِرِهَا مُتَوَرِّكًا» . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا كَقَوْلِنَا، وَإِنْ كَانَ آخِرَ صَلَاتِهِ كَقَوْلِ مَالِكٍ. وَلَنَا، حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَلَسَ - يَعْنِي لِلتَّشَهُّدِ - فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ.» وَقَالَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ: قُلْت: لَأَنْظُرَنَّ إلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. «فَلَمَّا جَلَسَ - يَعْنِي لِلتَّشَهُّدِ - افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى» . وَهَذَانِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ حَسَنَانِ، يَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِهِمَا، وَتَقْدِيمُهُمَا عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِصِحَّتِهِمَا وَكَثْرَةِ رُوَاتِهِمَا، فَإِنَّ أَبَا حُمَيْدٍ ذَكَرَ حَدِيثَهُ فِي عَشَرَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَصَدَّقُوهُ، وَهُمَا مُتَأَخِّرَانِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو حُمَيْدٍ فِي حَدِيثِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ، فَتَكُونُ زِيَادَةً، وَالْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ وَاجِبٌ. [مَسْأَلَة الْمُصَلِّي إذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ] (744) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يَبْسُطُ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَيَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيُحَلِّقُ الْإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى؛ وَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي إذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ وَضْعُ الْيَدِ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِ الْيُسْرَى، مَبْسُوطَةً مَضْمُومَةَ الْأَصَابِعِ، مُسْتَقْبِلًا بِجَمِيعِ أَطْرَافِ أَصَابِعِهَا الْقِبْلَةَ، وَيَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، يَقْبِضُ مِنْهَا الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ، وَيُحَلِّقُ الْإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى، وَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ، وَهِيَ الْإِصْبَعُ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ؛ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٌ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَعَ مَرْفِقَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ عَقَدَ مِنْ أَصَابِعِهِ الْخِنْصَرَ وَاَلَّتِي تَلِيهَا، وَحَلَّقَ حَلْقَةً بِإِصْبَعِهِ الْوُسْطَى وَالْإِبْهَامِ، وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ مُشِيرًا بِهَا» . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ يَجْمَعُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ، وَيَعْقِدُ الْإِبْهَامَ كَعَقْدِ الْخَمْسِينَ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: وَرُوِيَ أَنَّهُ يَبْسُطُ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ؛ لِيَكُونَ مُسْتَقْبِلًا بِهِمَا الْقِبْلَةَ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَشَهُّدِهِ؛ لِمَا رَوَيْنَا، وَلَا يُحَرِّكُهَا؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ وَلَا يُحَرِّكُهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي لَفْظٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَعَدَ - يَدْعُو - وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ.» [مَسْأَلَة أَفْضَلُ التَّشَهُّدِ] (745) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَتَشَهَّدُ، فَيَقُولُ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ
وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَهُوَ التَّشَهُّدُ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -» ) هَذَا التَّشَهُّدُ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ إمَامِنَا، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ. قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ. وَقَالَ مَالِكٌ: أَفْضَلُ التَّشَهُّدِ تَشَهُّدُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ "، وَسَائِرُهُ كَتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَالَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَلَمْ يُنْكِرُوهُ، فَكَانَ إجْمَاعًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَفْضَلُ التَّشَهُّدِ: مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ، فَيَقُولُ: قُولُوا: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ " وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ". وَلَنَا، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّشَهُّدَ - كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ - كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» . وَفِي لَفْظٍ: «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ. وَفِيهِ: فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَفِي الْأَرْضِ. وَفِيهِ: فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَأَبُو مُوسَى، وَعَائِشَةُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَتَعَيَّنَ الْأَخْذُ بِهِ وَتَقْدِيمُهُ. فَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ إجْمَاعًا؟ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْخِلَافُ فِي إجْزَائِهِ فِي الصَّلَاةِ، إنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَوْلَى وَالْأَحْسَنِ، وَالْأَحْسَنُ تَشَهُّدُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي عَلَّمَهُ أَصْحَابَهُ وَأَخَذُوا بِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَانْفَرَدَ بِهِ، وَاخْتَلَفَ عَنْهُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ، فَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: " وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ " كَرِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ. ثُمَّ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَصَحُّ إسْنَادًا، وَأَكْثَرُ رُوَاةً، وَقَدْ اتَّفَقَ عَلَى رِوَايَتِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَيَكُونُ أَوْلَى، ثُمَّ هُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ، وَفِيهِ الْعَطْفُ بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَهُوَ أَشْهَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَفِيهِ السَّلَامُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَهُمَا لِلِاسْتِغْرَاقِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: وَكُنَّا نَتَحَفَّظُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا نَتَحَفَّظُ حُرُوفَ الْقُرْآنِ» الْوَاوَ وَالْأَلِفَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَبْطِهِ، فَكَانَ أَوْلَى. (746) فَصْلٌ: وَبِأَيِّ تَشَهُّدٍ تَشَهَّدَ مِمَّا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَازَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: تَشَهُّدُ عَبْدِ اللَّهِ أَعْجَبُ إلَيَّ، وَإِنْ تَشَهَّدَ بِغَيْرِهِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا عَلَّمَهُ الصَّحَابَةَ مُخْتَلِفًا دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْجَمِيعِ، كَالْقِرَاءَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْمُصْحَفُ. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَسْقَطَ لَفْظَةً هِيَ سَاقِطَةٌ فِي بَعْضِ التَّشَهُّدَاتِ الْمَرْوِيَّةِ صَحَّ تَشَهُّدُهُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَوْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: إذَا قَالَ: " وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ". وَلَمْ يَذْكُرْ " وَأَشْهَدُ " أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ. قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: رَأَيْت بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَقُولُ: لَوْ تَرَكَ وَاوًا أَوْ حَرْفًا أَعَادَ الصَّلَاةَ؛ لِقَوْلِ الْأَسْوَدِ: فَكُنَّا نَتَحَفَّظُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا نَتَحَفَّظُ حُرُوفَ الْقُرْآنِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَقَوْلُ الْأَسْوَدِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى وَالْأَحْسَنَ الْإِتْيَانُ بِلَفْظِهِ وَحُرُوفِهِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ الْمُخْتَارُ، وَعَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يُرَخِّصُ فِي إبْدَالِ لَفَظَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ، فَالتَّشَهُّدُ أَوْلَى، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ إنْسَانًا كَانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ} [الدخان: 43] {طَعَامُ الأَثِيمِ} [الدخان: 44] . فَيَقُولُ: طَعَامُ الْيَتِيمِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: قُلْ طَعَامُ الْفَاجِرِ. فَأَمَّا مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ التَّشَهُّدَاتُ كُلُّهَا فَيَتَعَيَّنُ الْإِتْيَانُ بِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. (747) فَصْلٌ: وَلَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى هَذَا التَّشَهُّدِ، وَلَا تَطْوِيلُهُ، وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ وَعَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ إذَا تَشَهَّدَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الْأَسْمَاءِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُسَمِّي فِي أَوَّلِهِ، وَقَالَ زِدْت فِيهِ: وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَأَبَاحَ الدُّعَاءَ فِيهِ بِمَا بَدَا لَهُ. وَقَالَ أَيُّوبُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَهِشَامٌ بِقَوْلِ عُمَرَ فِي التَّسْمِيَةِ، وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ قَالَ، «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ: بِسْمِ اللَّهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ. وَذَكَرَ التَّشَهُّدَ كَتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ» ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ وَاسِعٌ. وَسَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا يَقُولُ: " بِسْمِ اللَّهِ ". فَانْتَهَرَهُ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالشَّافِعِيُّ. وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْلِسُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَالرَّضْفُ: هِيَ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ. يَعْنِي لِمَا يُخَفِّفُهُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُطَوِّلْهُ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى التَّشَهُّدِ شَيْئًا.
مسألة إذا فرغ من التشهد الأول نهض قائما
وَرُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنَّا إذَا جَلَسْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَقَالَ حَنْبَلٌ: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي، فَإِذَا جَلَسَ فِي الْجَلْسَةِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ أَخَفَّ الْجُلُوسَ، ثُمَّ يَقُومُ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ الِاقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبِهِ. وَلِأَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ التَّشَهُّدَاتِ لَيْسَ فِيهِ تَسْمِيَةٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَاتِ، فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهَا، وَلَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَلَا غَيْرُهَا مِمَّا وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ، وَإِنْ فَعَلَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ. (748) فَصْلٌ: وَإِذَا أَدْرَكَ بَعْضَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ، فَجَلَسَ الْإِمَامُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، لَمْ يَزِدْ الْمَأْمُومُ عَلَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، بَلْ يُكَرِّرُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِيمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً، قَالَ: يُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ، وَلَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَدْعُو بِشَيْءٍ مِمَّا يُدْعَى بِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي التَّشَهُّدِ الَّذِي يُسَلِّمُ عَقِيبَهُ، وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ. [مَسْأَلَة إذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّد الْأَوَّل نَهَضَ قَائِمًا] (749) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يَنْهَضُ مُكَبِّرًا كَنُهُوضِهِ مِنْ السُّجُودِ) يَعْنِي إذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ نَهَضَ قَائِمًا عَلَى صَدْرِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي نُهُوضِهِ مِنْ السُّجُودِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَلَا يُقَدِّمُ إحْدَى رِجْلَيْهِ عِنْدَ النُّهُوضِ. كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَكَرِهَهُ إِسْحَاقُ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ. وَرَخَّصَ فِيهِ مُجَاهِدٌ، وَإِسْحَاقُ لِلشَّيْخِ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ كَرِهَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَيُمْكِنُ الشَّيْخَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدَيْهِ، فَيَسْتَغْنِيَ عَنْهُ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ، وَلَا وُجِدَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ. (750) فَصْلٌ: ثُمَّ يُصَلِّي الثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ كَالثَّانِيَةِ، إلَّا أَنَّهُ: لَا يَقْرَأُ فِيهِمَا شَيْئًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَلَا يَجْهَرُ فِيهِمَا فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَة التَّوَرُّكُ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي] (751) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ تَوَرَّكَ، فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَجَعَلَ بَاطِنَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى تَحْتَ فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) السُّنَّةُ عِنْدَ إمَامِنَا، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، التَّوَرُّكُ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا كَجُلُوسِهِ فِي الْأَوَّلِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَأَبِي حُمَيْدٍ، فِي صِفَةِ جُلُوسِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَنَا قَوْلُ أَبِي حُمَيْدٍ: حَتَّى «إذَا كَانَتْ الرَّكْعَةُ الَّتِي يَقْضِي فِيهَا صَلَاتَهُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَجَلَسَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ.» وَهَذَا بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ، وَزِيَادَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا وَالْمَصِيرُ إلَيْهَا، وَاَلَّذِي
فصل التشهد والجلوس
احْتَجُّوا بِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، لَا نِزَاعَ بَيْنَنَا فِيهِ، وَأَبُو حُمَيْدٍ - رَاوِي حَدِيثِهِمْ - بَيَّنَ فِي حَدِيثِهِ أَنَّ افْتِرَاشَهُ كَانَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّهُ تَوَرَّكَ فِي الثَّانِي، فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى قَوْلِهِ وَبَيَانِهِ. فَأَمَّا صِفَةُ التَّوَرُّكِ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ: يَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَيَجْعَلُ بَاطِنَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى تَحْتَ فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي مِثْلَ ذَلِكَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى تَحْتَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ، وَفَرَشَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، قَالَ: «جَلَسَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَلْيَتَيْهِ، وَجَعَلَ بَطْنَ قَدَمِهِ عِنْدَ مَأْبِضِ الْيُمْنَى، وَنَصَبَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى» . وَرَوَى الْأَثْرَمُ فِي صِفَتِهِ، قَالَ: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَتَوَرَّكُ فِي الرَّابِعَةِ فِي التَّشَهُّدِ، فَيُدْخِلُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، يُخْرِجُهَا مِنْ تَحْتِ سَاقِهِ الْأَيْمَنِ، وَلَا يَقْعُدُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، وَيَفْتَحُ أَصَابِعَهُ، وَيُنَحِّي عَجُزَهُ كُلَّهُ، وَيَسْتَقْبِلُ بِأَصَابِعِهِ الْيُمْنَى الْقِبْلَةَ، وَرُكْبَتُهُ الْيُمْنَى عَلَى الْأَرْضِ مُلْزَقَةٌ. وَهَكَذَا ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَإِنَّ أَبَا حُمَيْدٍ، قَالَ فِي صِفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إلَى الْأَرْضِ، وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأَيُّهُمَا فُعِلَ فَحَسَنٌ. [فَصْلٌ التَّشَهُّدُ وَالْجُلُوسُ] (752) فَصْلٌ: وَهَذَا التَّشَهُّدُ وَالْجُلُوسُ لَهُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ عُمَرُ، وَابْنُهُ وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّافِعِيُّ. وَلَمْ يُوجِبْهُ مَالِكٌ، وَلَا أَبُو حَنِيفَةَ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَوْجَبَ الْجُلُوسَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ. وَتَعَلُّقًا بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُعَلِّمْهُ الْأَعْرَابِيَّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَلَنَا، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ فَقَالَ: قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ.» وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَفَعَلَهُ، وَدَاوَمَ عَلَيْهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا نَقُولُ، قَبْلَ أَنْ يُفْرَضُ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ. وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ. إلَى آخِرِهِ» وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ فُرِضَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا، وَحَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَرَكَ تَعْلِيمَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ أَسَاءَ فِي تَرْكِهِ. [مَسْأَلَة التَّوَرُّكُ فِي كُلِّ تَشَهُّدٍ يُسَلَّمُ فِيهِ] (753) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُتَوَرَّكُ إلَّا فِي صَلَاةٍ فِيهَا تَشَهُّدَانِ فِي الْأَخِيرِ مِنْهُمَا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ جَمِيعَ جَلَسَاتِ الصَّلَاةِ لَا يُتَوَرَّكُ فِيهَا إلَّا فِي تَشَهُّدٍ ثَانٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُسَنُّ التَّوَرُّكُ فِي كُلِّ تَشَهُّدٍ يُسَلِّمُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَانِيًا، كَتَشَهُّدِ الصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ وَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّهُ تَشَهُّدٌ يُسَنُّ تَطْوِيلُهُ، فَسُنَّ فِيهِ التَّوَرُّكُ كَالثَّانِي. وَلَنَا، حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ
مسألة الصلاة على النبي في التشهد
رِجْلَهُ الْيُمْنَى. وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا يُسَلِّمُ فِيهِ وَمَا لَا يُسَلِّمُ.» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَانِ يَقْضِيَانِ عَلَى كُلِّ تَشَهُّدٍ بِالِافْتِرَاشِ، إلَّا مَا خَرَجَ مِنْهُ لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي، فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى قَضِيَّةِ الْأَصْلِ، وَلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَشَهُّدٍ ثَانٍ، فَلَا يَتَوَرَّكُ فِيهِ كَالْأَوَّلِ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّشَهُّدَ الثَّانِيَ، إنَّمَا تَوَرَّكَ فِيهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ، وَمَا لَيْسَ فِيهِ إلَّا تَشَهُّدٌ وَاحِدٌ لَا اشْتِبَاهَ فِيهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الْفَرْقِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى إنْ صَحَّ فَيُضَمُّ إلَيْهِ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَنُعَلِّلُ الْحُكْمَ بِهِمَا، وَالْحُكْمُ إذَا عُلِّلَ بِعِلَّتَيْنِ لَمْ يَجُزْ تَعَدِّيهِ لِتَعَدِّي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (754) فَصْلٌ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَمَا تَقُولُ فِي تَشَهُّدِ سُجُودِ السَّهْوِ؟ فَقَالَ " يُتَوَرَّكُ فِيهِ أَيْضًا، هُوَ مِنْ بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ. يَعْنِي إذَا كَانَ مِنْ السُّجُودِ فِي صَلَاةٍ رُبَاعِيَّةٍ؛ لِأَنَّ تَشَهُّدَهَا يُتَوَرَّكُ فِيهِ، وَهَذَا تَابِعٌ لَهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُتَوَرَّكُ فِي كُلِّ تَشَهُّدٍ لِسُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ رُبَاعِيَّةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَشَهُّدٌ ثَانٍ فِي الصَّلَاةِ، وَيُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَشَهُّدِ صُلْبِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيُدْرِكُ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً، فَيَجْلِسُ الْإِمَامُ فِي الرَّابِعَةِ، أَيَتَوَرَّكُ مَعَهُ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ فِي هَذِهِ الْجَلْسَةِ؟ فَقَالَ: إنْ شَاءَ تَوَرَّكَ. قُلْت: فَإِذَا قَامَ يَقْضِي، يَجْلِسُ فِي الرَّابِعَةِ هُوَ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَوَرَّكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، يَتَوَرَّكُ، هَذَا لِأَنَّهَا هِيَ الرَّابِعَةُ لَهُ، نَعَمْ يَتَوَرَّكُ، وَيُطِيلُ الْجُلُوسَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ. قَالَ الْقَاضِي: قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ تَوَرَّكَ. عَلَى سَبِيلِ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ مَسْنُونٌ. وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فِيمَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، لَا يَتَوَرَّكَ إلَّا فِي الْأَخِيرَتَيْنِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَانِ رِوَايَتَيْنِ. [مَسْأَلَة الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ فِي التَّشَهُّدِ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَتَشَهَّدُ بِالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يَتَشَهَّدُ بِالتَّشَهُّدِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي صَحِيحِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ. إنَّ ابْنَ رَاهْوَيْهِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. قَالَ: مَا أَجْتَرِئُ أَنْ أَقُولَ هَذَا. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: هَذَا شُذُوذٌ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهَا. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ قَوْلُ جُلِّ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا الشَّافِعِيَّ. وَكَانَ إِسْحَاقُ يَقُولُ: لَا يُجْزِئُهُ إذَا تَرَكَ ذَلِكَ عَامِدًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَقُولُ؛ لِأَنَّنِي لَا أَجِدُ الدَّلَالَةَ مَوْجُودَةً فِي إيجَابِ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِ. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ
ابْنِ مَسْعُودٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، ثُمَّ قَالَ: إذَا قُلْت هَذَا - أَوْ قَضَيْت هَذَا - فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك» . وَفِي لَفْظٍ: " وَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. أَمَرَنَا بِالِاسْتِعَاذَةِ عَقِيبَ التَّشَهُّدِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ. وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَقُولُونَ فِي التَّشَهُّدِ قَوْلًا، فَنَقَلَهُمْ عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى التَّشَهُّدِ وَحْدَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَيْرُهُ، وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ بِإِيجَابِهِ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وُجُوبُهُ؛ فَإِنَّ أَبَا زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيَّ نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَتَهَيَّبُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَبَيَّنْتُ، فَإِذَا الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ إلَى هَذَا؛ لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، قَالَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عُلِّمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْك، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك؟ قَالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ «سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدْ رَبَّهُ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عَجِلَ هَذَا. ثُمَّ دَعَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لِيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ» . وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ شُرِطَ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِالشَّهَادَةِ، فَشُرِطَ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالْأَذَانِ. فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الزِّيَادَةُ فِيهِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ. (756) فَصْلٌ: وَصِفَةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ، لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيّ كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: " كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ "، وَ " كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ " وَفِي رِوَايَةٍ: " كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ " وَ " كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ؛ فِي الْعَالَمِينَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ؛ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَالْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ. لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ كَعْبِ
بْنِ عُجْرَةَ، وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِيهَا. وَعَلَى أَيِّ صِفَةٍ أَتَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِمَّا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ، جَازَ، كَقَوْلِنَا فِي التَّشَهُّدِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا أَخَلَّ بِلَفْظٍ سَاقِطٍ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ، جَازَ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا أَغْفَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَسْبُ؛ لِقَوْلِهِ فِي خَبَرِ أَبِي زُرْعَةَ: الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْرٌ، مَنْ تَرَكَهَا أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الصَّلَاةَ عَلَى آلِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَلَهُمْ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى آلِهِ وَجْهَانِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فِي خَبَرِ كَعْبٍ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَمَرَهُمْ بِهَذَا حِينَ سَأَلُوهُ تَعْلِيمَهُمْ، وَلَمْ يَبْتَدِئْهُمْ بِهِ. (757) فَصْلٌ: آلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ} [غافر: 46] . يَعْنِي أَتْبَاعَهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَنَّهُ سُئِلَ: مَنْ آلُ مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَ: كُلُّ تَقِيٍّ» . أَخْرَجَهُ تَمَّامٌ فِي " فَوَائِدِهِ ". وَقِيلَ آلُهُ: أَهْلُهُ، الْهَاءُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ الْهَمْزَةِ، كَمَا يُقَالُ: أَرَقْتُ الْمَاءَ وَهَرَقْتُهُ. فَلَوْ قَالَ: وَعَلَى أَهْلِ مُحَمَّدٍ، مَكَانَ آلِ مُحَمَّدٍ، أَجْزَأَهُ عِنْدَ الْقَاضِي، وَقَالَ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَلِذَلِكَ لَوْ صُغِّرَ، قِيلَ: أُهَيْلٌ: قَالَ. وَمَعْنَاهُمَا جَمِيعًا أَهْلُ دِينِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ وَأَبُو حَفْصٍ: لَا يُجْزِئُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ لَفْظِ الْأَثَرِ، وَتَغْيِيرِ الْمَعْنَى، فَإِنَّ الْأَهْلَ إنَّمَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْقَرَابَةِ، وَالْآلَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْأَتْبَاعِ فِي الدِّينِ. (758) فَصْلٌ: وَأَمَّا تَفْسِيرُ التَّحِيَّاتِ، فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: التَّحِيَّةُ الْعَظَمَةُ، وَالصَّلَوَاتُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسِ، وَالطَّيِّبَاتُ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: التَّحِيَّاتُ الْمُلْكُ. وَأَنْشَدَ: وَلَكُلُّ مَا نَالَ الْفَتَى ... قَدْ نِلْتُهُ إلَّا التَّحِيَّةَ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: التَّحِيَّةُ الْبَقَاءُ. وَاسْتَشْهَدَ بِهَذَا الْبَيْتِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: التَّحِيَّاتُ السَّلَامُ، وَالصَّلَوَاتُ الرَّحْمَةُ، وَالطَّيِّبَاتُ مِنْ الْكَلَامِ.
مسألة يستحب أن يتعوذ من أربع بعد التشهد
(759) فَصْلٌ: وَالسُّنَّةُ إخْفَاءُ التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَجْهَرُ بِهِ، إذْ لَوْ جَهَرَ بِهِ لَنُقِلَ كَمَا نُقِلَتْ الْقِرَاءَةُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مِنْ السُّنَّةِ إخْفَاءُ التَّشَهُّدِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ غَيْرُ الْقِرَاءَةِ لَا يُنْتَقَلُ بِهِ مِنْ رُكْنٍ إلَى رُكْنٍ، فَاسْتُحِبَّ إخْفَاؤُهُ، كَالتَّسْبِيحِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. فَصْلٌ (760) : وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ التَّشَهُّدُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَيْرِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي التَّكْبِيرِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْعَرَبِيَّةِ تَشَهَّدَ بِلِسَانِهِ، كَقَوْلِنَا فِي التَّكْبِيرِ، وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَنْ لَا يَتَشَهَّدَ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَخْرَسِ. وَمَنْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ، فَلَزِمَهُ كَالْقِرَاءَةِ. فَإِنْ صَلَّى قَبْلَ تَعَلُّمِهِ مَعَ إمْكَانِهِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ، أَوْ عَجَزَ عَنْ تَعَلُّمِهِ، أَتَى بِمَا يُمْكِنُهُ مِنْهُ، وَأَجْزَأَهُ؛ لِلضَّرُورَةِ. وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا بِالْكُلِّيَّةِ، سَقَطَ كُلُّهُ. (761) فَصْلٌ: وَالسُّنَّةُ تَرْتِيبُ التَّشَهُّدِ، وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَأَتَى بِهِ مُنَكَّسًا مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرِ شَيْءٍ مِنْ مَعَانِيهِ، وَلَا إخْلَالٍ بِشَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبِ فِيهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يُجْزِئُهُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى، وَقَدْ حَصَلَ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ رَتَّبَهُ. وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِالتَّرْتِيبِ فِي ذِكْرٍ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ مُرَتَّبًا، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْأَذَانِ. [مَسْأَلَة يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذ مِنْ أَرْبَعٍ بَعْد التَّشَهُّد] (762) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذَ مِنْ أَرْبَعٍ. فَيَقُولَ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ أَرْبَعٍ» وَذَكَرَهُ. [مَسْأَلَة الدُّعَاءَ فِي الصَّلَاةِ بِمَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ] (763) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ دَعَا فِي تَشَهُّدِهِ بِمَا ذُكِرَ فِي الْأَخْبَارِ فَلَا بَأْسَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الدُّعَاءَ فِي الصَّلَاةِ بِمَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ جَائِزٌ. قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إنَّ هَؤُلَاءِ
يَقُولُونَ: لَا يَدْعُو فِي الْمَكْتُوبَةِ إلَّا بِمَا فِي الْقُرْآنِ. فَنَفَضَ يَدَهُ كَالْمُغْضَبِ، وَقَالَ: مَنْ يَقِفُ عَلَى هَذَا، وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ مَا قَالُوا، قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إذَا جَلَسَ فِي الرَّابِعَةِ يَدْعُو بَعْدَ التَّشَهُّدِ بِمَا شَاءَ؟ قَالَ: بِمَا شَاءَ لَا أَدْرِي، وَلَكِنْ يَدْعُو بِمَا يَعْرِفُ وَبِمَا جَاءَ. فَقُلْت: عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ، يَقُولُ: إذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، وَذَكَرَ التَّشَهُّدَ، ثُمَّ لِيَقُلْ: " اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ. اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَك عِبَادُك الصَّالِحُونَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ مِنْهُ عِبَادُك الصَّالِحُونَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِك وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ". رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ، قَالَ: وَعَلَّمَنَا أَنْ نَقُولَ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَأَخْرِجْنَا مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ، وَاصْرِفْ عَنَّا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَبْصَارِنَا وَأَسْمَاعِنَا وَقُلُوبِنَا وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّك أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِك، مُثْنِينَ عَلَيْك بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ «قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك، وَارْحَمْنِي، إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَجُلٍ: مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: أَتَشَهَّدُ، ثُمَّ أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ، أَمَا وَاَللَّهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَك، وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ. فَقَالَ: حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُمْ التَّشَهُّدَ، فَقَالَ فِي آخِرِهِ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ» . وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: بِمَا ذُكِرَ فِي الْأَخْبَارِ. يَعْنِي أَخْبَارَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَالسَّلَفِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ ذَهَبَ إلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الدُّعَاءِ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ: يَدْعُو بِمَا جَاءَ وَبِمَا يَعْرِفُ. وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: سَمِعْت أَبِي يَقُولُ فِي سُجُودِهِ:
اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ السُّجُودِ لِغَيْرِك فَصُنْ وَجْهِي عَنْ الْمَسْأَلَةِ لِغَيْرِك. وَقَالَ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُولُهُ فِي سُجُودِهِ. وَقَالَ: سَمِعْت الثَّوْرِيَّ يَقُولُهُ فِي سُجُودِهِ. (764) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ فِي صَلَاتِهِ بِمَا يُقْصَدُ بِهِ مَلَاذُّ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتُهَا، بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ وَأَمَانِيَّهُمْ، مِثْلُ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ، وَدَارًا قَوْرَاءَ، وَطَعَامًا طَيِّبًا، وَبُسْتَانًا أَنِيقًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَدْعُو بِمَا أَحَبَّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فِي التَّشَهُّدِ: " ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: " ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ أَوْ مَا أَحَبَّ ". وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ أَرْبَعٍ، ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ مَا بَدَا لَهُ» . وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، وَلِأَنَّهُ كَلَامُ آدَمِيٍّ يُخَاطَبُ بِمِثْلِهِ، أَشْبَهَ تَشْمِيتَ الْعَاطِسِ، وَرَدَّ السَّلَامِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ وَمَا أَشْبَهَهُ. (765) فَصْلٌ: فَأَمَّا الدُّعَاءُ بِمَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّا لَيْسَ بِمَأْثُورٍ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ مَلَاذُّ الدُّنْيَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ؛ لِقَوْلِهِ: وَلَكِنْ يَدْعُو بِمَا جَاءَ وَبِمَا يَعْرِفُ. وَحَكَى عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ الرَّجُلُ بِجَمِيعِ حَوَائِجِهِ؛ مِنْ حَوَائِجِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ "، وَقَوْلُهُ: " ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا بَدَا لَهُ ". وَقَوْلُهُ: " ثُمَّ لِيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ ". وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. فَقَالَ: احْمَدِي اللَّهَ عَشْرًا، وَسَبِّحِي اللَّهَ عَشْرًا، ثُمَّ سَلِي مَا شِئْتِ. يَقُولُ: نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ،
وَلِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَدْعُونَ فِي صَلَاتِهِمْ بِمَا لَمْ يَتَعَلَّمُوهُ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلرَّجُلِ: " مَا تَقُولُ فِي صَلَاتِك؟ " قَالَ: أَتَشَهَّدُ، ثُمَّ أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ. فَصَوَّبَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دُعَائِهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عَلَّمَهُ إيَّاهُ، وَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ» . لَمْ يُعَيِّنْ لَهُمْ مَا يَدْعُونَ بِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ كُلَّ الدُّعَاءِ، إلَّا مَا خَرَجَ مِنْهُ بِالدَّلِيلِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ إذَا قَرَأَتْ: «فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ» . قَالَتْ: مُنَّ عَلَيْنَا، وَقِنَا عَذَابَ السَّمُومِ. وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الدَّرْدَاءِ، وَهُوَ يَقُولُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، وَقَدْ فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النِّفَاقِ. وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَأَشْبَهَ الدُّعَاءَ الْمَأْثُورَ. (766) فَصْلٌ: وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ لَإِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ فِي صَلَاتِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا يَجُوزُ. قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ لِابْنِ الشَّافِعِيِّ: أَنَا أَدْعُو لِقَوْمٍ مُنْذُ سِنِينَ فِي صَلَاتِي؛ أَبُوك أَحَدُهُمْ. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ «؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قُنُوتِهِ: اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ» . وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ لِبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ. فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: " رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ". وَالْأُخْرَى لَا يَجُوزُ. وَكَرِهَهُ عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ؛ لِشَبَهِهِ بِكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ لِمُعَيَّنٍ، فَلَمْ يَجُزْ، كَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ. (767) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي نَافِلَةً إذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ أَنْ يَسْأَلَهَا، أَوْ آيَةُ عَذَابٍ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْهَا؛ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ، «أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ، وَفِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، وَمَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا وَسَأَلَ، وَلَا بِآيَةِ عَذَابٍ إلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا فَتَعَوَّذَ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً، فَقَامَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، لَا يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَّا وَقَفَ فَسَأَلَ، وَلَا يَمُرُّ بِآيَةِ عَذَابٍ إلَّا وَقَفَ فَتَعَوَّذَ. قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ بِقَدْرِ قِيَامِهِ، يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ. وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي فَرِيضَةٍ، مَعَ كَثْرَةِ مَنْ وَصَفَ قِرَاءَتَهُ فِيهَا.
مسألة إذا فرغ من صلاته وأراد الخروج منها
(768) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُرَتِّلَ الْقِرَاءَةَ وَالتَّسْبِيحَ وَالتَّشَهُّدَ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ مَنْ خَلْفَهُ مِمَّنْ يَثْقُلُ لِسَانُهُ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ، وَأَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، قَدْرَ مَا يَرَى أَنَّ الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ وَالثَّقِيلَ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ. فَإِنْ خَالَفَ وَأَتَى بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ، كُرِهَ وَأَجْزَأَهُ. وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّطْوِيلُ كَثِيرًا، فَيَشُقَّ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ» . وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَلَهُ الْإِطَالَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، مَا لَمْ يُخْرِجْهُ إلَى حَالٍ يَخَافُ السَّهْوَ، فَتُكْرَهَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً أَوْجَزَ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَنَا أُبَادِرُ الْوَسْوَاسَ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا عَرَضَ فِي الصَّلَاةِ عَارِضٌ لِبَعْضِ الْمَأْمُومِينَ، يَقْتَضِي خُرُوجَهُ، أَنْ يُخَفِّفَ؛ فَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [مَسْأَلَة إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَأَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهَا] (769) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ. وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَأَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهَا، سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، وَهَذَا التَّسْلِيمُ وَاجِبٌ لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَتَعَيَّنُ السَّلَامُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ، بَلْ إذَا خَرَجَ بِمَا يُنَافِي الصَّلَاةَ مِنْ عَمَلٍ أَوْ حَدَثٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، جَازَ، إلَّا أَنَّ السَّلَامَ مَسْنُونٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُعَلِّمْهُ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ، وَلَوْ وَجَبَ لَأَمَرَهُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَلِأَنَّ إحْدَى التَّسْلِيمَتَيْنِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَكَذَلِكَ الْأُخْرَى. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ مِنْ صَلَاتِهِ، وَيُدِيمُ ذَلِكَ وَلَا يُخِلُّ بِهِ، وَقَدْ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . وَلِأَنَّ الْحَدَثَ يُنَافِي الصَّلَاةَ، فَلَا يَجِبُ فِيهَا، وَحَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ أَجَبْنَا عَنْهُ فِيمَا مَضَى. [فَصْلٌ يُسَلِّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ] (770) فَصْلٌ: وَيُشْرَعُ أَنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعَلِيٍّ، وَعَمَّارٍ،
فصل الواجب تسليمة واحدة والثانية سنة
وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَبِهِ قَالَ نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ، وَعَلْقَمَةُ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَعَائِشَةُ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً. وَقَالَ عَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ: كَانَ مَسْجِدُ الْأَنْصَارِ يُسَلِّمُونَ فِيهِ تَسْلِيمَتَيْنِ، وَكَانَ مَسْجِدُ الْمُهَاجِرِينَ يُسَلِّمُونَ فِيهِ تَسْلِيمَةً. وَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ.» وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً» ، رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى قَدْ خَرَجَ بِهَا مِنْ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يُشْرَعْ مَا بَعْدَهَا كَالثَّانِيَةِ. وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَلِّمُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ.» وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظٍ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ يَرْوِيهِ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: يَرْوِي مَنَاكِيرَ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وَسَأَلَ الْأَثْرَمُ، أَحْمَدَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَقُولُ هِشَامٌ: كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً يُسْمِعُنَا. قِيلَ لَهُ: إنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ عَنْ هِشَامٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: تَسْلِيمًا. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: تَسْلِيمَةً. قَالَ: هَذَا أَجْوَدُ. فَقَدْ بَيَّنَ أَحْمَدُ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّهُ يُسْمِعُهُمْ التَّسْلِيمَةَ الْوَاحِدَةَ، وَمَنْ رَوَى: تَسْلِيمًا. فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ. عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَنَا تَتَضَمَّنُ زِيَادَةً عَلَى أَحَادِيثِهِمْ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. وَيَجُوزُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ؛ لِيُبَيِّنَ الْجَائِزَ وَالْمَسْنُونَ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَإِحْلَالٍ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ لَهَا تَحَلُّلَانِ كَالْحَجِّ. [فَصْلٌ الْوَاجِبُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ وَالثَّانِيَةُ سُنَّةٌ] (771) فَصْلٌ: وَالْوَاجِبُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالثَّانِيَةُ سُنَّةٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ صَلَاةَ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، جَائِزَةٌ، وَقَالَ الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الثَّانِيَةَ وَاجِبَةٌ. وَقَالَ: هِيَ أَصَحُّ؛ لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهَا وَيُدَاوِمُ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَهَا تَحَلُّلَانِ، فَكَانَا وَاجِبَيْنِ، كَتَحَلُّلَيْ الْحَجِّ، وَلِأَنَّهَا إحْدَى التَّسْلِيمَتَيْنِ، فَكَانَتْ وَاجِبَةً كَالْأُولَى. وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَلَيْسَ نَصُّ أَحْمَدَ بِصَرِيحٍ بِوُجُوبِ التَّسْلِيمَتَيْنِ، إنَّمَا قَالَ: التَّسْلِيمَتَانِ أَصَحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ أَذْهَبُ إلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ إلَيْهِ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ
فصل السنة أن يقول السلام عليكم ورحمة الله في الصلاة
وَالِاسْتِحْبَابِ، دُونَ الْإِيجَابِ كَمَا ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ غَيْرُهُ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: أَعْجَبُ إلَيَّ التَّسْلِيمَتَانِ. وَلِأَنَّ عَائِشَةَ، وَسَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ، وَسَهْلَ بْنَ سَعْدٍ. قَدْ رَوَوْا: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً» وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً فَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَخْبَارِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي أَنْ يَكُونَ الْمَشْرُوعُ وَالْمَسْنُونُ تَسْلِيمَتَيْنِ، وَالْوَاجِبُ وَاحِدَةً، وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْإِجْمَاعُ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فَلَا مَعْدِلَ عَنْهُ، وَفِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحْمَلُ عَلَى الْمَشْرُوعِيَّةِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ أَفْعَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ مَسْنُونَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَلَا يُمْنَعُ حَمْلُ فِعْلِهِ لِهَذِهِ التَّسْلِيمَةِ عَلَى السُّنَّةِ عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَةَ الْوَاحِدَةَ يَخْرُجُ بِهَا مِنْ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ فِيهَا، وَلِأَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ، فَتُجْزِئُهُ فِيهَا تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلِأَنَّ هَذِهِ وَاحِدَةٌ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالنَّافِلَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: «إنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ» فَإِنَّهُ يَعْنِي فِي إصَابَةِ السُّنَّةِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: أَنْ «يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ.» وَكُلُّ هَذَا غَيْرُ وَاجِبٍ. وَهَذَا الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، أَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، وَالنَّافِلَةِ، وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ، فَلَا خَوْفَ فِي أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا - رِوَايَةً وَاحِدَةً - نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ؛ وَلِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُسَلِّمُوا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إلَّا تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ السُّنَّةُ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فِي الصَّلَاة] (772) فَصْلٌ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ كَذَلِكَ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدْ رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهُ وَبَرَكَاتُهُ. وَعَنْ شِمَالِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فَحَسَنٌ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ رُوَاتَهُ أَكْثَرُ، وَطُرُقَهُ أَصَحُّ فَإِنْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. وَلَمْ يَزِدْ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ. قَالَ الْقَاضِي: وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ. وَالتَّسْلِيمُ يَحْصُلُ بِهَذَا الْقَوْلِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: «كُنْت أَرَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، حَتَّى أَرَى بَيَاضَ
فصل نكس السلام في الصلاة فقال عليكم السلام
خَدِّهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ نَحْوَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ.» رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.، وَلِأَنَّ ذِكْرَ الرَّحْمَةِ تَكْرِيرٌ لِلثَّنَاءِ، فَلَمْ يَجِبْ. كَقَوْلِهِ: وَبَرَكَاتُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَلِأَنَّهُ سَلَامٌ فِي الصَّلَاةِ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالرَّحْمَةِ، فَلَمْ يَجُزْ بِدُونِهَا، كَالتَّسْلِيمِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ. [فَصْلٌ نَكَّسَ السَّلَام فِي الصَّلَاة فَقَالَ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ] (773) فَصْلٌ: فَإِنْ نَكَّسَ السَّلَامَ فَقَالَ: عَلَيْكُمْ السَّلَامُ. لَمْ يَجْزِهِ. قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُجْزِئُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ، وَلَيْسَ هُوَ بِقُرْآنٍ يُعْتَبَرُ فِيهِ النَّظْمُ. وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ مُرَتَّبًا، وَأَمَرَ بِهِ كَذَلِكَ. وَقَالَ لِأَبِي تَمِيمَةَ: «لَا تَقُلْ عَلَيْك السَّلَامُ. فَإِنَّ عَلَيْك السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي الْمُسْنَدِ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ يُؤْتَى بِهِ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَجُزْ مُنَكَّسًا، كَالتَّكْبِيرِ. [فَصْلٌ قَالَ فِي الصَّلَاة سَلَامٌ عَلَيْكُمْ مُنْكَرًا مُنَوَّنًا] (774) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ: مُنَكِّرًا مُنَوِّنًا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يُجْزِئُهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ التَّنْوِينَ قَامَ مَقَامَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ السَّلَامِ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ} [الرعد: 24] . وَقَوْلِهِ: {يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ} [النحل: 32] . وَقَوْلِهِ: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ} [الزمر: 73] . وَلِأَنَّا أَجَزْنَا التَّشَهُّدَ بِتَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَفِيهِمَا: سَلَامٌ عَلَيْك. بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَالتَّسْلِيمَتَانِ وَاحِدٌ. وَالْآخَرُ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ صِيغَةَ السَّلَامِ الْوَارِدِ، وَيُخِلُّ بِحَرْفٍ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ، فَيَتَغَيَّرُ الْمَعْنَى، فَلَمْ يُجْزِئْ، كَمَا لَوْ أَثْبَتَ اللَّامَ فِي التَّكْبِيرِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُنَوِّنَ التَّسْلِيمَ أَوْ لَا يُنَوِّنَهُ؛ لِأَنَّ حَذْفَ التَّنْوِينِ لَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ يُسَنُّ أَنْ يَلْتَفِتَ عَنْ يَمِينِهِ فِي التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى وَعَنْ يَسَارِهِ فِي الثَّانِيَةِ] (775) فَصْلٌ: وَيُسَنُّ أَنْ يَلْتَفِتَ عَنْ يَمِينِهِ فِي التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى، وَعَنْ يَسَارِهِ فِي الثَّانِيَةِ، كَمَا جَاءَتْ السُّنَّةُ، فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَلِّمُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ» . وَيَكُونُ الْتِفَاتُهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْفَى؛ لِمَا رَوَى يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمَّارٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَإِذَا سَلَّمَ عَنْ يَسَارِهِ يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ
فصل الجهر بالتسليمة الأولى في الصلاة
الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ.» وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَبْتَدِئُ بِقَوْلِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ إلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ قَائِلًا: وَرَحْمَةُ اللَّهِ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، فِي قَوْلِهِ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَلِّمُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ.» مَعْنَاهُ ابْتِدَاءُ السَّلَامِ، وَ " رَحْمَةُ اللَّهِ " يَكُونُ فِي حَالِ الْتِفَاتِهِ [فَصْلٌ الْجَهْر بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى فِي الصَّلَاة] فَصْلٌ: وَقَدْ: رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَجْهَرُ بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى، وَتَكُونُ الثَّانِيَةُ أَخْفَى مِنْ الْأُولَى، يَعْنِي بِذَلِكَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ. قَالَ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ: سُئِلَ أَحْمَدُ: أَيُّ التَّسْلِيمَتَيْنِ أَرْفَعُ؟ قَالَ: الْأُولَى. وَفِي لَفْظٍ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: التَّسْلِيمَةُ الْأُولَى أَرْفَعُ مِنْ الْأُخْرَى. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ، وَأَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ وَحَمَلَ أَحْمَدُ حَدِيثَ عَائِشَةَ. أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً، عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِوَاحِدَةٍ، فَتُسْمَعُ مِنْهُ. وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ، أَنَّ الْجَهْرَ فِي غَيْرِ الْقِرَاءَةِ إنَّمَا شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِالِانْتِقَالِ مِنْ رُكْنٍ إلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِالْجَهْرِ بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى، فَلَا يُشْرَعُ الْجَهْرُ بِغَيْرِهَا. وَكَانَ ابْنُ حَامِدٍ يُخْفِي الْأُولَى وَيَجْهَرُ بِالثَّانِيَةِ، لِئَلَّا يَسْبِقَهُ الْمَأْمُومُونَ بِالسَّلَامِ [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ حَذْف السَّلَامِ] (777) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ حَذْفُ السَّلَامِ، وَهُوَ أَلَّا يُمَدَّ بِطُولِهِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد،، وَالتِّرْمِذِيُّ، بِإِسْنَادِهِمَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ» . قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَعْنَاهُ أَنْ لَا يَمُدَّهُ مَدًّا. قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهَذَا الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ أَهْلُ الْعِلْمِ. قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: التَّكْبِيرُ جَزْمٌ، وَالسَّلَامُ جَزْمٌ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ إخْفَاءُ التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْحَذْفَ إسْقَاطُ بَعْضِ الشَّيْءِ، وَالْجَزْمَ قَطْعٌ لَهُ، فَيَتَّفِقُ مَعْنَاهُمَا، وَالْإِخْفَاءُ بِخِلَافِهِ، وَيَخْتَصُّ بِبَعْضِ السَّلَامِ دُونَ جُمْلَتِهِ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْأَثْرَمِ سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، يَقُولُ: حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ، وَهُوَ أَنْ لَا يُطَوِّلَ بِهِ صَوْتَهُ. وَطَوَّلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ صَوْتَهُ. [فَصْلٌ يَنْوِي بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ] (778) فَصْلٌ: وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ. فَإِنْ لَمْ يَنْوِ؛ فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ نُطْقٌ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ الصَّلَاةِ؛ فَاعْتُبِرَتْ لَهُ النِّيَّةُ، كَالتَّكْبِيرِ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ قَدْ شَمِلَتْ جَمِيعَ الصَّلَاةِ، وَالسَّلَامُ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَلِأَنَّهُ
فصل ذكر الله تعالى والدعاء عقيب صلاته
لَوْ وَجَبَتْ النِّيَّةُ فِي السَّلَامِ لَوَجَبَ تَعْيِينُهَا، كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، فَلَمْ تَجِبْ النِّيَّةُ لِلْخُرُوجِ مِنْهَا، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَقِيَاسُ الطَّرَفِ الْأَخِيرِ عَلَى الطَّرَفِ الْأَوَّلِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ النِّيَّةَ اُعْتُبِرَتْ فِي الطَّرَفِ الْأَوَّلِ، لِيَنْسَحِبَ حُكْمُهَا عَلَى بَقِيَّةِ الْأَجْزَاءِ، بِخِلَافِ الْأَخِيرِ، وَلِذَلِكَ فُرِّقَ الطَّرَفَانِ فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَنْوِي بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ مَعًا الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ. فَإِنْ نَوَى مَعَ ذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ إنْ كَانَ إمَامًا، أَوْ عَلَى الْإِمَامِ وَمَنْ مَعَهُ إنْ كَانَ مَأْمُومًا، فَلَا بَأْسَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ، وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَنَظَرَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ، إذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْتَفِتْ إلَى صَاحِبِهِ وَلَا يُومِئْ بِيَدِهِ» ، وَفِي لَفْظٍ «إنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ» وَرَوَى أَبُو دَاوُد. قَالَ: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ.» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَنْوِيَ بِسَلَامِهِ عَلَى مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُصَلِّينً وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو حَفْصِ بْنُ الْمُسْلِمِ - مِنْ أَصْحَابِنَا -: يَنْوِي بِالْأُولَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ. وَيَنْوِي بِالثَّانِيَةِ السَّلَامَ عَلَى الْحَفَظَةِ وَالْمَأْمُومِينَ، إنْ كَانَ إمَامًا، وَالرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ وَالْحَفَظَةِ، إنْ كَانَ مَأْمُومًا. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ نَوَى فِي السَّلَامِ الرَّدَّ عَلَى الْمَلَائِكَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ النَّاسِ مَعَ نِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ، فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى السَّلَامَ عَلَى آدَمِيٍّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّمَ عَلَى مَنْ لَا يُصَلِّي مَعَهُ وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، قَالَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ: يُسَلِّمُ لِلصَّلَاةِ، وَيَنْوِي فِي سَلَامِهِ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ. رَوَاهَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِهِ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ هَانِئٍ: إذَا نَوَى بِتَسْلِيمِهِ الرَّدَّ عَلَى الْحَفَظَةِ أَجْزَأَهُ. وَقَالَ: أَيْضًا: يَنْوِي بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ. قِيلَ لَهُ: فَإِنْ نَوَى الْمَلَكَيْنِ، وَمَنْ خَلْفَهُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ، وَالْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ نَخْتَارُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَالدُّعَاءُ عَقِيبَ صَلَاتِهِ] (779) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالدُّعَاءُ عَقِيبَ صَلَاتِهِ، وَيُسْتَحَبُّ مِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ، مِثْلُ مَا رَوَى الْمُغِيرَةُ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ ثَوْبَانُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا،
فصل إذا كان مع الإمام رجال ونساء
وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «جَاءَ الْفُقَرَاءُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنْ الْأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلُ أَمْوَالٍ، يَحُجُّونَ بِهَا وَيَعْتَمِرُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ؟ فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثٍ إنْ أَخَذْتُمْ بِهِ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَمْ يُدْرِكُّمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِ إلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ؟ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ. فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا. فَقَالَ بَعْضُنَا: نُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ. فَرَجَعْتُ إلَيْهِ، فَقَالَ: تَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ» قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: يَقُولُ هَكَذَا وَلَا يَقْطَعُهُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. فَإِنْ عَدَلَ إلَى غَيْرِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَرَوَى مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَالْفَضْلُ وَالثَّنَاءُ الْحَسَنُ الْجَمِيلُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُهَلِّلُ بِهِنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ.» وَعَنْ سَعْدٍ، أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَيَقُولُ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ أَنْ أُرَدَّ إلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ» . مِنْ الصِّحَاحِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ «رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إذَا سَمِعْتُهُ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ [فَصْلٌ إذَا كَانَ مَعَ الْإِمَام رِجَالٌ وَنِسَاءٌ] ٌ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَثْبُتَ هُوَ وَالرِّجَالُ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُنَّ قَدْ انْصَرَفْنَ، وَيَقُمْنَ هُنَّ عَقِيبَ تَسْلِيمِهِ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: «إنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُنَّ إذَا سَلَّمَ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ صَلَّى مِنْ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ الرِّجَالُ.» قَالَ الزُّهْرِيُّ فَنَرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، لِكَيْ يَبْعُدَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنْ النِّسَاءِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِأَنَّ
فصل الانصراف من الصلاة
الْإِخْلَالَ بِذَلِكَ مِنْ أَحَدِهِمَا يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ نِسَاءٌ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إطَالَةُ الْجُلُوسِ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ الْبَرَاءِ، قَالَ: «رَمَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ؛ فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالِانْصِرَافِ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ» إلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ: مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ. فَإِنْ لَمْ يَقُمْ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْحَرِفَ عَنْ قِبْلَتِهِ، لَا يَلْبَثُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى بِهِ إلَى الشَّكِّ، هَلْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، أَوْ لَا؟ ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ.» وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفَجْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ انْحَرَفَ» . وَعَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ صَلَّى بِقَوْمٍ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَسْنَدَ ظَهْرَهُ إلَى الْقِبْلَةِ، فَاسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ. رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لَأَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ عَلَى رَضْفَةٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حِينَ يُسَلِّمُ وَلَا يَنْحَرِفُ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَاحْصِبُوهُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إذَا سَلَّمَ يَلْتَفِتُ وَيَتَرَبَّعُ وَقَالَ أَبُو دَاوُد: رَأَيْتُهُ إذَا كَانَ إمَامًا فَسَلَّمَ انْحَرَفَ عَنْ يَمِينِهِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد فِي السُّنَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَلَّى الْفَجْرَ يَتَرَبَّعُ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ.» وَفِي لَفْظٍ: «كَانَ إذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» . وَعَنْ سَعْدٍ، قَالَ: «كُنْت أَرَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعُ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ، وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَانَ لَا يَجْلِسُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَّا قَدْرَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ» . يَعْنِي فِي مَقْعَدِهِ حَتَّى يَنْحَرِفَ، قَالَ: لَا أَدْرِي. وَرَوَى الْأَثْرَمُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِينَ أَنْ لَا يَثِبُوا قَبْلَ الْإِمَامِ، لِئَلَّا يَذْكُرَ سَهْوًا فَيَسْجُدَ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنِّي إمَامُكُمْ، فَلَا تُبَادِرُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: فَلَا تَسْبِقُونِي. فَإِنْ خَالَفَ الْإِمَامُ السُّنَّةَ فِي إطَالَةِ الْجُلُوسِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ أَوْ انْحَرَفَ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُومَ الْمَأْمُومُ وَيَدَعَهُ. [فَصْلٌ الِانْصِرَاف مِنْ الصَّلَاة] (781) فَصْلٌ: وَيَنْصَرِفُ حَيْثُ شَاءَ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ؛ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ حَظًّا مِنْ صَلَاتِهِ، يَرَى حَقًّا عَلَيْهِ أَلَّا يَنْصَرِفَ إلَّا عَنْ يَمِينِهِ، «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرًا مَا يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ
فصل لا يتطوع الإمام في مكانه الذي صلي فيه المكتوبة
يَنْصَرِفُ عَنْ شِقَّيْهِ.» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. [فَصْلٌ لَا يَتَطَوَّعُ الْإِمَامُ فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلِّي فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ] (782) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ لَا يَتَطَوَّعُ الْإِمَامُ فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ: كَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ أَحْمَدُ وَمَنْ صَلَّى وَرَاءُ الْإِمَامِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَوَّعَ مَكَانَهُ، فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ. وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ حَدِيثَ عَلِيٍّ بِإِسْنَادِهِ وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَتَطَوَّعُ الْإِمَامُ فِي مَقَامِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ بِالنَّاسِ.» [مَسْأَلَة يَثْبُتَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ مَا يَثْبُتُ لِلرِّجَالِ] (783) مَسْأَلَةٌ: قَالَ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، إلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ تَجْمَعُ نَفْسَهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً أَوْ تَسْدُلُ رِجْلَيْهَا فَتَجْعَلُهُمَا فِي جَانِبِ يَمِينِهَا. الْأَصْلُ أَنْ يَثْبُتَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ مَا يَثْبُتُ لِلرِّجَالِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ يَشْمَلُهَا، غَيْرَ أَنَّهَا خَالَفَتْهُ فِي تَرْكِ التَّجَافِي، لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، فَاسْتُحِبَّ لَهَا جَمْعُ نَفْسِهَا، لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهَا، فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهَا شَيْءٌ حَالَ التَّجَافِي. وَكَذَلِكَ فِي الِافْتِرَاشِ، قَالَ أَحْمَدُ: وَالسَّدْلُ أَعْجَبُ إلَيَّ. وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ. قَالَ عَلِيٌّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: إذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ فَلْتَحْتَفِزْ وَلْتَضُمَّ فَخِذَيْهَا. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ أَنْ يَتَرَبَّعْنَ فِي الصَّلَاةِ. [مَسْأَلَة الْمَأْمُومُ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ فَلَا يَقْرَأُ بِالْحَمْدِ وَلَا بِغَيْرِهَا] (784) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالْمَأْمُومُ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ فَلَا يَقْرَأُ بِالْحَمْدِ، وَلَا بِغَيْرِهَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] . وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ؟ ، قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ أَنْ يَقْرَءُوا فِيمَا جَهَرَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، وَلَا تُسْتَحَبُّ عِنْدَ إمَامِنَا، وَالزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَنَحْوُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ قَالَ: يَقْرَأُ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ الْإِمَامُ. وَنَحْوُهُ عَنْ اللَّيْثِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ عَوْنٍ وَمَكْحُولٍ،
وَأَبِي ثَوْرٍ، لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: «كُنَّا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقَرَأَ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إمَامِكُمْ؟ قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا.» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَأَبُو دَاوُد. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ، غَيْرُ تَمَامٍ» . قَالَ الرَّاوِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إنِّي أَكُونُ أَحْيَانًا وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ قَالَ: فَغَمَزَ ذِرَاعِي، وَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِك يَا فَارِسِيُّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّهَا رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ تَسْقُطْ عَنْ الْمَأْمُومِ، كَسَائِرِ أَرْكَانِهَا، وَلِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ الْقِيَامُ لَزِمَتْهُ الْقِرَاءَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ، كَالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ. وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] . وَقَالَ أَحْمَدُ: فَالنَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذَا فِي الصَّلَاةِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالزُّهْرِيُّ: إنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ: كَانُوا يَقْرَءُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ، فَنَزَلَتْ: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] . وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ. وَلِأَنَّهُ عَامٌّ فَيَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهِ الصَّلَاةَ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ. فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْخِرَقِيِّ، رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ فَقَالَ: هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ. قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا جَهَرَ فِيهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ، حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، فِي الْمُوَطَّأِ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِلَفْظٍ آخَرَ، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةً، فَلَمَّا قَضَاهَا قَالَ: هَلْ قَرَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعِي بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: إنِّي أَقُولُ: مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ؟ إذَا أَسْرَرْتُ بِقِرَاءَتِي فَاقْرَءُوا، وَإِذَا جَهَرْتُ بِقِرَاءَتِي فَلَا يَقْرَأَنَّ مَعِي أَحَدٌ» . وَلِأَنَّهُ إجْمَاعٌ فَإِنَّهُ إجْمَاعٌ، قَالَ أَحْمَدُ، مَا سَمِعْنَا أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يَقُولُ: إنَّ الْإِمَامَ إذَا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ إذَا لَمْ يَقْرَأْ. وَقَالَ: هَذَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ، وَهَذَا مَالِكٌ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ وَهَذَا الثَّوْرِيُّ، فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَهَذَا الْأَوْزَاعِيُّ، فِي أَهْلِ الشَّامِ، وَهَذَا اللَّيْثُ،
فصل المأموم قرأ بفاتحة الكتاب ثم سمع قراءة الإمام
فِي أَهْلِ مِصْرَ، مَا قَالُوا لِرَجُلٍ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ، وَقَرَأَ إمَامُهُ، وَلَمْ يَقْرَأْ هُوَ: صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ. وَلِأَنَّهَا قِرَاءَةٌ لَا تَجِبُ عَلَى الْمَسْبُوقِ، فَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ، كَقِرَاءَةِ السُّورَةِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَى غَيْرِ الْمَسْبُوقِ لَوَجَبَتْ عَلَى الْمَسْبُوقِ، كَسَائِرِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ. فَأَمَّا حَدِيثُ عُبَادَةَ، الصَّحِيحُ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمَأْمُومِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ رَوَاهُ الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ، إلَّا أَنْ تَكُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ» وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا مَوْقُوفًا عَنْ جَابِرٍ. وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ. مِنْ كَلَامِهِ، وَقَدْ خَالَفَهُ جَابِرٌ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَغَيْرُهُمَا، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ: اقْرَأْ بِهَا فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ، أَوْ فِي حَالِ إسْرَارِهِ. فَإِنَّهُ يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ: «إذَا قَرَأَ الْإِمَامُ فَأَنْصِتُوا» ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ الْآخَرُ، لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ ابْنِ إِسْحَاقَ. كَذَلِكَ قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ. وَهُوَ أَدْنَى حَالًا مِنْ ابْنِ إِسْحَاقَ. فَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِالْمَسْبُوقِ. [فَصْلٌ الْمَأْمُومَ قَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثُمَّ سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ] (785) فَصْلٌ: قَالَ أَبُو دَاوُد: قِيلَ لِأَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَإِنَّهُ - يَعْنِي الْمَأْمُومَ - قَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، ثُمَّ سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ؟ قَالَ: يَقْطَعُ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ، وَيُنْصِتُ لِلْقِرَاءَةِ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ اتِّبَاعًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» . [فَصْلٌ هَلْ يَسْتَفْتِح الْمَأْمُوم وَيَسْتَعِيذ فِي الصَّلَاة] (786) فَصْلٌ: وَهَلْ يَسْتَفْتِحُ الْمَأْمُومُ وَيَسْتَعِيذُ؟ يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِي حَقِّهِ قِرَاءَةٌ مَسْنُونَةٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي يُسِرُّ فِيهَا الْإِمَامُ، أَوْ الَّتِي فِيهَا سَكَتَاتٌ يُمْكِنُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ، اسْتَفْتَحَ الْمَأْمُومُ وَاسْتَعَاذَ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُتْ أَصْلًا، فَلَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَسْتَعِيذُ، وَإِنْ سَكَتَ قَدْرًا يَتَّسِعُ لِلِافْتِتَاحِ فَحَسْبُ، اسْتَفْتَحَ وَلَمْ يَسْتَعِذْ. قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: قُلْت لِأَحْمَدَ: سُئِلَ سُفْيَانُ أَيَسْتَعِيذُ الْإِنْسَانُ خَلْفَ الْإِمَامِ؟ قَالَ: إنَّمَا يَسْتَعِيذُ مَنْ يَقْرَأُ. قَالَ أَحْمَدُ: صَدَقَ. وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: إنْ كَانَ مِمَّنْ يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] . وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ فِيهِ رِوَايَاتٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَعِيذُ فِي حَالِ جَهْرِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ سَمَاعَهُ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ قَامَ مَقَامَ قِرَاءَتِهِ، بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ وَالِاسْتِعَاذَةِ. وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ [مَسْأَلَة الِاسْتِحْبَابُ أَنْ يَقْرَأَ فِي سَكَتَات الْإِمَامِ] (787) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: الِاسْتِحْبَابُ أَنْ يَقْرَأَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ، وَفِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَهِشَامُ بْنُ عَامِرٍ يَقْرَءُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ
مسألة من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة
فِيمَا أَسَرَّ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إذَا جَهَرَ فَلَا تَقْرَأْ، وَإِذَا خَافَتَ فَاقْرَأْ. وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَكَمِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لِلْإِمَامِ سَكْتَتَانِ، فَاغْتَنِمُوا فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ؛ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا قَالَ: وَلَا الضَّالِّينَ. وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَمَّا أَنَا فَأَغْتَنِمُ مِنْ الْإِمَامِ اثْنَتَيْنِ، إذَا قَالَ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، فَأَقْرَأُ عِنْدَهَا، وَحِينَ يَخْتِمُ السُّورَةَ، فَأَقْرَأُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَقْرَأُ الْإِمَامُ بِحَالٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذَا. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِذَا أَسْرَرْت بِقِرَاءَتِي فَاقْرَءُوا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَلِأَنَّ عُمُومَ الْأَخْبَارِ يَقْتَضِي الْقِرَاءَةَ فِي حَقِّ كُلِّ مُصَلٍّ، فَخَصَّصْنَاهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِحَالِ الْجَهْرِ، وَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ، وَتَخْصِيصُ حَالَةِ الْجَهْرِ بِامْتِنَاعِ النَّاسِ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ فِي غَيْرِهَا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فِي الْإِمَامِ يَقْرَأُ وَهُوَ لَا يَسْمَعُ: يَقْرَأُ. قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] ؟ فَقَالَ: هَذَا إلَى أَيِّ شَيْءٍ يَسْتَمِعُ؟ . وَيُسَنُّ لَهُ قِرَاءَةُ السُّورَةِ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي مَوَاضِعِهَا. [مَسْأَلَة مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ] (788) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْمَأْمُومِ فِيمَا جَهَرَ بِهِ الْإِمَامُ، وَلَا فِيمَا أَسَرَّ بِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. وَبِذَلِكَ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَدَاوُد: يَجِبُ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» غَيْرَ أَنَّهُ خَصَّ فِي حَالِ الْجَهْرِ بِالْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ. وَلَنَا مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» . وَرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ، شُعْبَةَ، عَنْ مُوسَى، مُطَوَّلًا. وَأَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ الْبَطِّيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ الْبُحْتُرِيِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلَ رَجُلٌ يُومِئُ إلَيْهِ أَنْ لَا يَقْرَأَ، فَأَبَى إلَّا أَنْ يَقْرَأَ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ الرَّجُلُ: مَا لَكَ تَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: مَا لَكَ تَنْهَانِي أَنْ أَقْرَأَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذَا كَانَ لَك إمَامٌ يَقْرَأُ فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ لَك قِرَاءَةٌ» . وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ جَابِرٍ: " إلَّا وَرَاءَ الْإِمَامِ ". وَرَوَى الْخَلَّالُ، وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَكْفِيك قِرَاءَةُ الْإِمَامِ، خَافَتَ أَوْ جَهَرَ» وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَوْ كَانَتْ
فصل إذا قرأ بعض الفاتحة في سكتة الإمام ثم قرأ الإمام
وَاجِبَةً عَلَيْهِ لَمْ تَسْقُطْ كَبَقِيَّةِ أَرْكَانِهَا " [فَصْلٌ إذَا قَرَأَ بَعْض الْفَاتِحَةِ فِي سَكْتَةِ الْإِمَام ثُمَّ قَرَأَ الْإِمَامُ] (789) فَصْلٌ: وَإِذَا قَرَأَ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ فِي سَكْتَةِ الْإِمَامِ، ثُمَّ قَرَأَ الْإِمَامُ فَأَنْصَتَ لَهُ، وَقَطَعَ قِرَاءَتَهُ، ثُمَّ قَرَأَ بَقِيَّةَ الْفَاتِحَةِ فِي السَّكْتَةِ الثَّانِيَةِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ وَلَا تَنْقَطِعُ الْقِرَاءَةُ بِسُكُوتِهِ؛ لِأَنَّهُ سُكُوتٌ مَأْمُورٌ بِهِ، فَلَا يَكُونُ مُبْطِلًا لِقِرَاءَتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَبْطَلَهَا " لَمْ يَسْتَفِدْ فَائِدَةً، فَإِنَّهُ لَا يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ زِيَادَةً عَلَى مَا قَرَأَهُ فِي الْأُولَى [فَصْلٌ إذَا لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَةَ الْإِمَام وَنَغْمَته] (790) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لِبُعْدٍ، قَرَأَ. نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْأَثْرَمُ قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ. فَيَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ: إذَا لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ وَنَغْمَتَهُ قَرَأَ، فَإِذَا سَمِعَ فَلْيُنْصِتْ قِيلَ لَهُ: فَالْأَطْرَشُ؟ قَالَ لَا أَدْرِي فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُشْرَعَ فِي حَقِّهِ الْقِرَاءَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْمَعُ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْصَاتُ كَالْبَعِيدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقْرَأَ كَيْ لَا يُخَلِّطَ عَلَى الْإِمَامِ، فَإِنْ سَمِعَ هَمْهَمَتَهُ وَلَمْ يَفْهَمْ، فَقَالَ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ: لَا يَقْرَأُ وَنُقِلَ عَنْهُ، أَنَّهُ يَقْرَأُ إذَا سَمِعَ الْحَرْفَ بَعْدَ الْحَرْفِ [مَسْأَلَة الْإِسْرَار بِالْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ] (791) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُسِرُّ بِالْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَيَجْهَرُ بِهَا فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَفِي الصُّبْحِ كُلِّهَا. الْجَهْرُ فِي مَوَاضِعِ الْجَهْرِ، وَالْإِسْرَارُ فِي مَوَاضِعِ الْإِسْرَارِ، لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ، فَإِنْ جَهَرَ فِي مَوْضِعِ الْإِسْرَارِ، أَوْ أَسَرَّ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ، تَرَكَ السُّنَّةَ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ، إلَّا أَنَّهُ إنْ نَسِيَ فَجَهَرَ فِي مَوْضِعِ الْإِسْرَارِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي أَثْنَاءِ الْقِرَاءَةِ، بَنَى عَلَى قِرَاءَتِهِ، وَإِنْ أَسَرَّ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا يَمْضِي فِي قِرَاءَتِهِ. وَالثَّانِيَةُ يَعُودُ فِي قِرَاءَتِهِ. عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِيَارِ، لَا عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ إنَّمَا لَمْ يَعُدْ إذَا جَهَرَ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِزِيَادَةٍ. وَإِنْ خَافَتْ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ، أَعَادَ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِصِفَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ فِي الْقِرَاءَةِ، يُمْكِنْهُ أَنْ يَأْتِي بِهَا وَفَوَّتَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ سَمَاعَ الْقِرَاءَةِ [فَصْلٌ الْجَهْرُ مَشْرُوعٌ لِلْإِمَامِ وَلَا يُشْرَعُ لِلْمَأْمُومِ] (792) فَصْلٌ: وَهَذَا الْجَهْرُ مَشْرُوعٌ لِلْإِمَامِ، وَلَا يُشْرَعُ لِلْمَأْمُومِ بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ لِلْإِمَامِ وَالِاسْتِمَاعِ لَهُ، بَلْ قَدْ مُنِعَ مِنْ الْقِرَاءَةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ وَكَذَلِكَ مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فَقَامَ لِيَقْضِيَهُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: رَجُلٌ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ مَعَ الْإِمَامِ
فصل إن قضى الصلاة في جماعة
مِنْ الْمَغْرِبِ أَوْ الْعِشَاءِ، فَقَامَ لِيَقْضِيَ، أَيَجْهَرُ أَوْ يُخَافِتُ؟ قَالَ: إنْ شَاءَ جَهَرَ، وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ. ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا الْجَهْرُ لِلْجَمَاعَةِ، قُلْت لَهُ: وَكَذَلِكَ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، إنْ شَاءَ جَهَرَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَجْهَرْ؟ قَالَ: نَعَمْ، إنَّمَا الْجَهْرُ لِلْجَمَاعَةِ. وَكَذَلِكَ قَالَ طَاوُسٌ، فِيمَنْ فَاتَتْهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُسَنُّ لِلْمُنْفَرِدِ الْجَهْرُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالْإِنْصَاتِ إلَى أَحَدٍ، فَأَشْبَهَ الْإِمَامَ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنْ غَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ الْمَأْمُومَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ، وَيُفَارِقُ الْإِمَامَ، فَإِنَّهُ يَقْصِدُ إسْمَاعَ الْمَأْمُومِينَ، وَيَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنْهُمْ. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ أَحْمَدُ فِي قَوْلِهِ: إنَّمَا الْجَهْرُ لِلْجَمَاعَةِ، فَقَدْ تَوَسَّطَ الْمُنْفَرِدُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَفَارَقَهُمَا فِي كَوْنِهِ لَا يَقْصِدُ إسْمَاعَ غَيْرِهِ، وَلَا الْإِنْصَاتَ لَهُ، فَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْحَالَيْنِ. [فَصْلٌ إنَّ قَضَى الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ] (793) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ قَضَى الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ صَلَاةَ نَهَارٍ أَسَرَّ، سَوَاءٌ قَضَاهَا فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ لِأَنَّهَا صَلَاةُ نَهَارٍ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. فَإِنْ كَانَتْ الْفَائِتَةُ صَلَاةَ جَهْرٍ فَقَضَاهَا فِي لَيْلٍ، جَهَرَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، لِأَنَّهَا صَلَاةُ لَيْلٍ فَعَلَهَا لَيْلًا، فَيَجْهَرُ فِيهَا كَالْمُؤَدَّاةِ وَإِنْ قَضَاهَا نَهَارًا، فَقَالَ أَحْمَدُ: إنْ شَاءَ لَمْ يَجْهَرْ فَيَحْتَمِلُ الْإِسْرَارَ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ النَّهَارِ عَجْمَاءُ، وَهَذِهِ صَلَاةُ نَهَارٍ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ فَارْجُمُوهُ بِالْبَعْرِ» . رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ، بِإِسْنَادِهِ. وَهَذِهِ قَدْ صَارَتْ صَلَاةَ نَهَارٍ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَفْعُولَةٌ بِالنَّهَارِ، فَأَشْبَهَ الْأَدَاءَ فِيهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْهَرَ فِيهَا، لِيَكُونَ الْقَضَاءُ عَلَى وَفْقِ الْأَدَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَلَا فَرْقَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ بَيْنَ الْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، لِشَبَهِ الصَّلَاةِ الْمَقْضِيَّةِ بِالْحَالَيْنِ. [مَسْأَلَة قِرَاءَةَ السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ مَسْنُونَةٌ] (794) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى: بِنَحْوِ الثَّلَاثِينَ آيَةً، وَفِي الثَّانِيَةِ بِأَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي الْمَغْرِبِ، بِسُوَرِ آخِرِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ " وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا " وَمَا أَشْبَهَهَا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ قِرَاءَةَ السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ مَسْنُونَةٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي بَيَّنَ الْخِرَقِيِّ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاتِّبَاعًا لِسُنَّتِهِ، فَفِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق: 1] وَنَحْوِهَا، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدُ إلَى التَّخْفِيفِ» . وَقَالَ قُطْبَةُ بْنُ مَالِكٍ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَرَوَى النَّسَائِيّ، أَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا الرُّومَ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: «قَرَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِ الْمُؤْمِنُونَ. فَلَمَّا أَتَى عَلَى ذِكْرِ عِيسَى أَصَابَتْهُ شَرْقَةٌ، فَرَكَعَ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: «كَأَنِّي أَسْمَعُ صَوْتَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ»
مسألة ما قرأ به بعد أم الكتاب في ذلك كله أجزأه
فَأَمَّا صَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَرَوَى مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - يَعْنِي الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «اجْتَمَعَ ثَلَاثُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: تَعَالَوْا حَتَّى نَقِيسَ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا لَمْ يَجْهَرْ فِيهِ مِنْ الصَّلَاةِ، فَمَا اخْتَلَفَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ، فَقَاسُوا قِرَاءَتَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الظُّهْرِ بِقَدْرِ ثَلَاثِينَ آيَةً، وَفِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَاسُوا ذَلِكَ فِي الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ النِّصْفِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ.» هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد: «حَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً، قَدْرَ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ» وَلَفْظُ مُسْلِمٍ كَذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ قَدْرَ (الم تَنْزِيلُ) ، وَقَالَ: وَالْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ: وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى، وَفِي الْعَصْرِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَفِي الصُّبْحِ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ» . وَفِي حَدِيثٍ: «كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَفِي الصُّبْحِ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ» . أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ، وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَشَبَهِهِمَا» . فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» . وَعَنْ الْبَرَاءِ، «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فِي السَّفَرِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمُعَاذٍ: أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ وَيَكْفِيك أَنْ تَقْرَأَ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا {وَالضُّحَى} [الضحى: 1] {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} [الضحى: 2] ، وَ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] » . وَكَتَبَ عُمَرُ إلَى أَبِي مُوسَى، أَنْ اقْرَأْ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَأَقْرَأْ فِي الظُّهْرِ بِأَوَاسِطِ الْمُفَصَّلِ، وَاقْرَأْ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ. رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ [مَسْأَلَة مَا قَرَأَ بِهِ بَعْدَ أُمِّ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَجْزَأَهُ] (795) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَهْمَا قَرَأَ بِهِ بَعْدَ أُمِّ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَجْزَأَهُ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قِرَاءَةَ السُّورَةِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَالتَّقْدِيرُ أَوْلَى أَنْ لَا يَجِبَ، وَالْأَمْرُ فِي هَذَا وَاسِعٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ قَرَءُوا بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ. وَثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْمُرْسَلَاتِ» ، وَقَرَأَ فِيهَا بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، «أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَرَأَ فِيهَا بِالْأَعْرَافِ رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ. أَنَّهُ «سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ إذَا زُلْزِلَتْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْهُ «أَنَّهُ قَرَأَ فِي الصُّبْحِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ» .
فصل إطالة الركعة الأولى من كل صلاة
وَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُطِيلُ تَارَةً وَيُقَصِّرُ أُخْرَى، بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطِيلَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأُخَفِّفُ؛ مَخَافَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» [فَصْلٌ إطَالَة الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ] (796) فَصْلٌ:: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُطِيلَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ؛ لِيَلْحَقَهُ الْقَاصِدُ لِلصَّلَاةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَكُونُ الْأُولَيَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «حَزَرْنَا قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ قَدْرَ الثَّلَاثِينَ آيَةً» وَلِأَنَّ الْأُخْرَيَيْنِ مُتَسَاوِيَتَانِ فَكَذَلِكَ الْأُولَيَانِ. وَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي الصُّبْحِ، خَاصَّةً، وَوَافَقَ الشَّافِعِيُّ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد هَذَا الْحَدِيثَ، وَفِيهِ قَالَ: " فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يُدْرِكَ النَّاسُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُومُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ حَتَّى لَا يُسْمَعَ وَقْعُ قَدَمٍ» وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ: وَفِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُوَافِقُ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ، ثُمَّ لَوْ قَدَّرْنَا التَّعَارُضَ وَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ؛ لِأَنَّهُ أَصَحُّ، وَيَتَضَمَّنُ زِيَادَةً، وَهِيَ ضَبْطُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ. قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي الْإِمَامِ يُطَوِّلُ فِي الثَّانِيَةِ، يَعْنِي أَكْثَرَ مِنْ الْأُولَى: يُقَالُ لَهُ فِي هَذَا تَعَلُّمٌ. وَقَالَ أَيْضًا، فِي الْإِمَامِ يُقَصِّرُ فِي الْأُولَى وَيُطَوِّلُ فِي الْآخِرَةِ: لَا يَنْبَغِي هَذَا، يُقَالُ لَهُ، وَيُؤْمَرُ. [فَصْلٌ قِرَاءَة السُّورَةِ فِي رَكْعَتَيْنِ فِي الصَّلَاة] (797) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ: لَا بَأْسَ بِالسُّورَةِ فِي رَكْعَتَيْنِ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْأَعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا» وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْسِمُ الْبَقَرَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ» ، وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسٌ قَالَ: صَلَّى بِنَا أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَافْتَتَحَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَقَرَأَ بِهَا فِي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ إلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ مَا كِدْتَ تَفْرُغُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَالَ: لَوْ طَلَعَتْ لَأَلِفَتْنَا غَيْرَ غَافِلِينَ. وَقَدْ «قَرَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى ذِكْرِ عِيسَى أَخَذَتْهُ شَرْقَةٌ فَرَكَعَ»
فصل يقرأ في الركعة بسورة ثم يقوم فيقرأ بها في الركعة الأخرى
وَلَا بَأْسَ أَيْضًا بِقِرَاءَةِ بَعْضِ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَةِ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَهِيَ تَتَضَمَّنُ ذَلِكَ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ أَبْزَى قَالَ صَلَّيْت خَلْفَ عُمَرَ، فَقَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ حَتَّى إذَا بَلَغَ: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} [يوسف: 84] وَقَعَ عَلَيْهِ الْبُكَاءُ فَرَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ فِيهَا، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ: {إِذَا زُلْزِلَتِ} [الزلزلة: 1] وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قِرَاءَةِ آيَةٍ مِنْ السُّورَةِ فَهِيَ بَعْضُ السُّورَةِ [فَصْلٌ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ بِسُورَةِ ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ بِهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى] (798) فَصْلٌ: وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الرَّجُلِ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ بِسُورَةٍ ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ بِهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى؟ فَقَالَ: وَمَا بَأْسٌ بِذَلِكَ؟ وَقَدْ رَوَى النَّجَّادُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْمَغْرِبَ، فَقَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ، وَقَرَأَ مَعَهَا {إِذَا زُلْزِلَتِ} [الزلزلة: 1] ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَقَرَأَ {إِذَا زُلْزِلَتِ} [الزلزلة: 1] أَيْضًا.» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] فَرُفِعَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ» . [فَصْلٌ يَقْرَأُ عَلَى التَّأْلِيف فِي الصَّلَاةِ الْيَوْمَ سُورَةً وَغَدًا الَّتِي تَلِيهَا وَنَحْوَهُ] (799) فَصْلٌ: قَالَ حَرْبٌ: قُلْت لِأَحْمَدَ الرَّجُلُ يَقْرَأُ عَلَى التَّأْلِيفِ فِي الصَّلَاةِ الْيَوْمَ سُورَةً. وَغَدًا الَّتِي تَلِيهَا وَنَحْوَهُ؟ قَالَ: لَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ. إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ فِي الْفَرَائِضِ إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ حَيْثُ يَنْتَهِي جُزْؤُهُ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْفَرَائِضِ [فَصْلٌ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْقِيَامَ وَهُوَ يَنْظُرُ فِي الْمُصْحَفِ] (800) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ الْقِيَامَ وَهُوَ يَنْظُرُ فِي الْمُصْحَفِ قِيلَ لَهُ: فِي الْفَرِيضَةِ؟ قَالَ: لَا، لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا. وَقَالَ الْقَاضِي: يُكْرَهُ فِي الْفَرْضِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي التَّطَوُّعِ إذَا لَمْ يَحْفَظْ، فَإِنْ كَانَ حَافِظًا كُرِهَ أَيْضًا. قَالَ وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْإِمَامَةِ فِي الْمُصْحَفِ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: إذَا اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ. نَقَلَهُ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، وَصَالِحٌ، وَابْنُ مَنْصُورٍ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّ النَّفَلَ وَالْفَرْضَ فِي الْجَوَازِ سَوَاءٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَافِظًا؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ طَوِيلٌ، وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُد، فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَهَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ نَؤُمَّ النَّاسَ فِي الْمَصَاحِفِ، وَأَنْ يَؤُمَّنَا إلَّا مُحْتَلِمٌ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَنْظَلَةَ، وَالرَّبِيعِ، كَرَاهَةُ ذَلِكَ وَعَنْ سَعِيدٍ، وَالْحَسَنِ قَالَا: تُرَدِّدُ مَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا تَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ
مسألة زيادة القراءة على أم الكتاب في الركعتين غير الأوليين
وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ مَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ، وَابْنُ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ يَؤُمُّهَا عَبْدٌ لَهَا فِي الْمُصْحَفِ وَسُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنْ رَجُلٍ يَقْرَأُ فِي رَمَضَانَ فِي الْمُصْحَفِ فَقَالَ: كَانَ خِيَارُنَا يَقْرَءُونَ فِي الْمَصَاحِفِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ وَعَنْ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ فِي التَّطَوُّعِ وَلِأَنَّ مَا جَازَ قِرَاءَتُهُ ظَاهِرًا جَازَ نَظِيرُهُ كَالْحَافِظِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى عَمَلٍ طَوِيلٍ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهُوَ مُتَّصِلٌ وَاخْتَصَّتْ الْكَرَاهَةُ بِمَنْ يَحْفَظُ لِأَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِذَلِكَ عَنْ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَالنَّظَرِ إلَى مَوْضِعِ السُّجُودِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ. وَكُرِهَ فِي الْفَرْضِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِيهَا وَأُبِيحَتْ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ إلَى سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالْقِيَامِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [مَسْأَلَة زِيَادَة الْقِرَاءَة عَلَى أُمّ الْكِتَاب فِي الرَّكْعَتَيْنِ غَيَّرَ الْأُولَيَيْنِ] (801) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَلَا يَزِيدُ عَلَى قِرَاءَةِ أُمِّ الْكِتَابِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَالرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الْمَغْرِبِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا تُسَنُّ زِيَادَةُ الْقِرَاءَةِ عَلَى أُمِّ الْكِتَابِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ غَيْرِ الْأُولَيَيْنِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ. الشَّالَنْجِيُّ عَنْهُمْ بِإِسْنَادِهِ إلَّا حَدِيثَ جَابِرٍ فَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَمَرَّةً قَالَ كَذَلِكَ وَمَرَّةً قَالَ: يَقْرَأُ بِسُورَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. لِمَا رَوَى الصُّنَابِحِيُّ قَالَ: صَلَّيْت خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الْمَغْرِبَ، فَدَنَوْت مِنْهُ حَتَّى إنَّ ثِيَابِي تَكَادُ تَمَسُّ ثِيَابَهُ، فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ بِأُمِّ الْكِتَابِ، وَهَذِهِ الْآيَةِ {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا} [آل عمران: 8] وَلَنَا: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا» وَكَتَبَ عُمَرُ إلَى شُرَيْحٍ: أَنْ اقْرَأْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ. وَمَا فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا قَصَدَ بِهِ الدُّعَاءَ، لَا الْقِرَاءَةَ. لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ وَلَوْ قُدِّرَ
مسألة ستر العورة في الصلاة
أَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ الْقِرَاءَةَ فَلَيْسَ بِمُوجِبٍ تَرْكَ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلِهِ، ثُمَّ قَدْ ذَكَرْنَا مَذْهَبَ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِ هَذَا. فَأَمَّا إنْ دَعَا إنْسَانٌ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ بِآيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ مِثْلُ مَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إنْ شَاءَ قَالَهُ، وَلَا نَدْرِي أَكَانَ ذَلِكَ قِرَاءَةً مِنْ أَبِي بَكْرٍ أَوْ دُعَاءً؟ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يُكْرَهْ، كَالدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ [مَسْأَلَة سَتْرَ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاة] (802) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَمَنْ كَانَ مِنْ الرِّجَالِ وَعَلَيْهِ مَا يَسْتُرُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ عَنْ النَّظَرِ بِمَا لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ وَاجِبٌ، وَشَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: سَتْرُهَا وَاجِبٌ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ شَرْطٌ مَعَ الذِّكْرِ دُونَ السَّهْوِ. احْتَجُّوا عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا بِأَنَّ وُجُوبَهَا لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ، فَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا، كَاجْتِنَابِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ. وَلَنَا مَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَكُونُ فِي الصَّيْدِ فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ» . حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالْإِيمَانِ وَالطَّهَارَةِ، فَإِنَّهَا تَجِبُ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَمْنُوعَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: احْتَجَّ مَنْ قَالَ السَّتْرُ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ، بِالْإِجْمَاعِ عَلَى إفْسَادِ مَنْ تَرَكَ ثَوْبَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الِاسْتِتَارِ بِهِ، وَصَلَّى عُرْيَانًا، قَالَ: وَهَذَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ كُلُّهُمْ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْكَلَامُ فِي حَدِّ الْعَوْرَةِ، وَالصَّالِحُ فِي الْمَذْهَبِ، أَنَّهَا مِنْ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا الْفَرْجَانِ. قَالَ مُهَنَّا، سَأَلْت أَحْمَدَ مَا الْعَوْرَةُ؟ قَالَ: الْفَرْجُ وَالدُّبُرُ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَدَاوُد لِمَا رَوَى أَنَسٌ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ خَيْبَرَ، حَسَرَ الْإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ، حَتَّى إنِّي لَأَنْظُرُ إلَى بَيَاضِ فَخِذِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَقَالَ حَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ) ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِهِ كَاشِفًا عَنْ فَخِذِهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ.» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُخْرِجٍ لِلْحَدَثِ، فَلَمْ يَكُنْ عَوْرَةً، كَالسَّاقِ.
فصل انكشف من العورة يسير في الصلاة
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، مَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي (مُسْنَدِهِ) ؛ عَنْ جَرْهَدٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَآهُ قَدْ كَشَفَ عَنْ فَخِذِهِ، فَقَالَ: غَطِّ فَخِذَك؛ فَإِنَّ الْفَخِذَ مِنْ الْعَوْرَةِ» قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَلِيٍّ: لَا تَكْشِفْ فَخِذَك، وَلَا تَنْظُرْ فَخِذَ حَيٍّ، وَلَا مَيِّتٍ» وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الدَّلَالَةِ، فَكَانَ أَوْلَى. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَسْفَلُ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ مِنْ الْعَوْرَةِ» وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَمَتَهُ أَوْ أَجِيرَهُ، فَلَا يَنْظُرْ إلَى شَيْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ؛ فَإِنَّ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ» . وَفِي لَفْظٍ: «مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ مِنْ عَوْرَتِهِ» . رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ، وَفِي لَفْظٍ: «إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ، عَبْدَهُ، أَوْ أَجِيرَهُ، فَلَا يَنْظُرْ إلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَهَذِهِ نُصُوصٌ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهَا، وَالْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ تُحْمَلُ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْفَرْجَيْنِ عَوْرَةٌ غَيْرُ مُغَلَّظَةٍ، وَالْمُغَلَّظَةُ هِيَ الْفَرْجَانِ. وَهَذَا نَصٌّ، وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، لِتَنَاوُلِ النَّصِّ لَهُمَا جَمِيعًا. (803) فَصْلٌ: وَلَيْسَتْ سُرَّتُهُ وَرُكْبَتَاهُ مِنْ عَوْرَتِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ. وَهَذَا قَالَ بِهِ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الرُّكْبَةُ مِنْ الْعَوْرَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الرُّكْبَةُ مِنْ الْعَوْرَةِ» . وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ؛ وَلِأَنَّ الرُّكْبَةَ حَدٌّ فَلَمْ تَكُنْ مِنْ الْعَوْرَةِ كَالسُّرَّةِ. وَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيهِ أَبُو الْجَنُوبِ، لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ النَّقْلِ. وَقَدْ قَبَّلَ أَبُو هُرَيْرَةَ سُرَّةَ الْحَسَنِ، وَلَوْ كَانَتْ عَوْرَةً لَمْ يَفْعَلَا ذَلِكَ. (804) فَصْلٌ: وَالْوَاجِبُ السَّتْرُ بِمَا يَسْتُرُ لَوْنَ الْبَشَرَةِ، فَإِنْ كَانَ خَفِيفًا يَبِينُ لَوْنُ الْجِلْدِ مِنْ وَرَائِهِ، فَيُعْلَمُ بَيَاضُهُ أَوْ حُمْرَتُهُ، لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ يَسْتُرُ لَوْنَهَا، وَيَصِفُ الْخِلْقَةَ، جَازَتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ السَّاتِرُ صَفِيقًا. [فَصْلٌ انْكَشَفَ مِنْ الْعَوْرَةِ يَسِيرٌ فِي الصَّلَاة] (805) فَصْلٌ: فَإِنْ انْكَشَفَ مِنْ الْعَوْرَةِ يَسِيرٌ. لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَبْطُلُ لِأَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْعَوْرَةِ، فَاسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، كَالنَّظَرِ. وَلَنَا: مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ قَالَ: «انْطَلَقَ أَبِي وَافِدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَعَلَّمَهُمْ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ. فَكُنْت أَقْرَأَهُمْ فَقَدَّمُونِي، فَكُنْت أَؤُمُّهُمْ وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ لِي صَفْرَاءُ صَغِيرَةٌ، وَكُنْتُ إذَا سَجَدْتُ انْكَشَفَتْ عَنِّي،
فصل انكشفت عورته عن غير عمد في الصلاة فسترها في الحال
فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسَاءِ: وَارُوا عَنَّا عَوْرَةَ قَارِئِكُمْ. فَاشْتَرَوْا لِي قَمِيصًا عُمَانِيًّا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحِي بِهِ.» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد،، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: «فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ فِي بُرْدَةٍ مُوَصَّلَةٍ فِيهَا فَتْقٌ، فَكُنْتُ إذَا سَجَدْتُ فِيهَا خَرَجَتْ اسْتِي» . وَهَذَا يَنْتَشِرُ وَلَمْ يُنْكَرْ، وَلَا بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْكَرَهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ وَلِأَنَّ مَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ مَعَ كَثِيرِهِ حَالَ الْعُذْرِ، فُرِّقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فِي غَيْرِ حَالِ الْعُذْرِ، كَالْمَشْيِ، وَلِأَنَّ الِاحْتِرَازَ مِنْ الْيَسِيرِ يَشُقُّ، فَعُفِيَ عَنْهُ كَيَسِيرِ الدَّمِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ حَدَّ الْكَثِيرِ مَا فَحُشَ فِي النَّظَرِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْفَرْجَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. وَالْيَسِيرُ مَا لَا يَفْحُشُ، وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعَادَةِ، إلَّا أَنَّ الْمُغَلَّظَةَ يَفْحُشُ مِنْهَا مَا لَا يَفْحُشُ مِنْ غَيْرِهَا، فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الْمَانِعِ مِنْ الصَّلَاةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ انْكَشَفَ مِنْ الْمُغَلَّظَةِ قَدْرُ الدِّرْهَمِ أَوْ مِنْ الْمُخَفَّفَةِ أَقَلُّ مِنْ رُبُعِهَا، لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ. وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ، بَطَلَتْ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا شَيْءٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِهِ، فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ، كَالْكَثِيرِ مِنْ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّفَرُّقِ وَالْإِحْرَازِ، وَالتَّقْدِيرُ بِالتَّحَكُّمِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ لَا يَسُوغُ. [فَصْلٌ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ عَنْ غَيْرِ عَمْدٍ فِي الصَّلَاة فَسَتَرَهَا فِي الْحَالِ] (806) فَصْلٌ: فَإِنْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ عَنْ غَيْرِ عَمْدٍ، فَسَتَرَهَا فِي الْحَالِ، مِنْ غَيْرِ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ، لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ مِنْ الزَّمَانِ، أَشْبَهَ الْيَسِيرَ فِي الْقَدْرِ. وَقَالَ التَّمِيمِيُّ فِي " كِتَابِهِ ": إنْ بَدَتْ عَوْرَتُهُ وَقْتًا وَاسْتَتَرَتْ وَقْتًا، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ. وَلَمْ يُشْتَرَطْ الْيَسِيرُ، وَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِهِ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ يَفْحُشُ انْكِشَافُ الْعَوْرَةِ فِيهِ، وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَلَمْ يُعْفَ عَنْهُ، كَالْكَثِيرِ مِنْ الْقَدْرِ. [مَسْأَلَة كَانَ عَلَى عَاتِقِهِ شَيْءٌ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاة] (807) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: إذَا كَانَ عَلَى عَاتِقِهِ شَيْءٌ مِنْ اللِّبَاسِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَضَعَ الْمُصَلِّي عَلَى عَاتِقِهِ شَيْئًا مِنْ اللِّبَاسِ، إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُجْزِئُ مَنْ لَمْ يُخَمِّرْ مَنْكِبَيْهِ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِعَوْرَةٍ، فَأَشْبَهَا بَقِيَّةَ الْبَدَنِ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذَا نَهْيٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَيُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ بُرَيْدَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلِّيَ فِي لِحَافٍ لَا يَتَوَشَّحُ بِهِ وَأَنْ يُصَلِّيَ فِي سَرَاوِيلَ، لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ» . وَيُشْتَرَطُ ذَلِكَ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ تَرْكِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَلِأَنَّهَا سُتْرَةٌ وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ، وَالْإِخْلَالُ بِهَا يُفْسِدُهَا، كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَأَخَذَهُ مِنْ رِوَايَةِ مُثَنَّى بْنِ جَامِعٍ، عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ صَلَّى وَعَلَيْهِ سَرَاوِيلُ، وَثَوْبُهُ عَلَى إحْدَى عَاتِقَيْهِ، وَالْأُخْرَى مَكْشُوفَةٌ: يُكْرَهُ. قِيلَ لَهُ: يُؤْمَرُ أَنْ يُعِيدَ؟ فَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ إعَادَةً. وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ
فصل ستر المنكبين في الصلاة
عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ؛ لِسَتْرِهِ بَعْضَ الْمَنْكِبَيْنِ، فَاجْتُزِئَ بِسَتْرِ أَحْدِ الْعَاتِقَيْنِ عَنْ سَتْرِ الْآخَرِ، لِامْتِثَالِهِ لِلَفْظِ الْخَبَرِ. وَوَجْهُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ الصَّلَاةِ مَعَ كَشْفِ الْمَنْكِبَيْنِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَلِأَنَّهَا سُتْرَةٌ وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَالْإِخْلَالُ بِهَا يُفْسِدُهَا كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ. [فَصْلٌ سَتْرُ الْمَنْكِبَيْنِ فِي الصَّلَاة] (808) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ سَتْرُ الْمَنْكِبَيْنِ جَمِيعِهِمَا، بَلْ يُجْزِئُ سِتْرُ بَعْضِهِمَا، وَيُجْزِئُ سَتْرُهُمَا بِثَوْبٍ خَفِيفٍ يَصِفُ لَوْنَ الْبَشَرَةِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ سَتْرِهِمَا بِالْحَدِيثِ، وَلَفْظُهُ: «لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» . وَهَذَا يَقَعُ عَلَى مَا يَعُمُّ الْمَنْكِبَيْنِ، وَمَا لَا يَعُمُّهُمَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا نَصَّ أَحْمَدَ فِيمَنْ صَلَّى وَإِحْدَى مَنْكِبَيْهِ مَكْشُوفَةٌ، فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ. فَإِنْ طَرَحَ عَلَى كِتْفِهِ حَبْلًا أَوْ خَيْطًا وَنَحْوَهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِقَوْلِهِ شَيْئًا مِنْ اللِّبَاسِ، وَهَذَا لَا يُسَمَّى لِبَاسًا. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ، فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مُتَنَاوِلًا لَهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ كَأَنَّ عَلَى عَاتِقِهِ ذَنَبَ فَأْرَةٍ.» وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا لَمْ يَجِدْ أَحَدُهُمْ ثَوْبًا أَلْقَى عَلَى عَاتِقِهِ عِقَالًا وَصَلَّى. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ» . مِنْ الصِّحَاحِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِوَضْعِهِ عَلَى الْعَاتِقَيْنِ لِلسَّتْرِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِوَضْعِ خَيْطٍ وَلَا حَبْلٍ، وَلَا يُسَمَّى سُتْرَةً وَلَا لِبَاسًا. وَمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ لَمْ يَصِحَّ، وَمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ، إنْ صَحَّ عَنْهُمْ؛ فَلِعَدَمِ مَا سِوَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [فَصْلٌ مَا اُشْتُرِطَ لِلْفَرْضِ اُشْتُرِطَ لِلنَّفْلِ] (809) فَصْلٌ: وَلَمْ يُفَرِّقْ الْخِرَقِيِّ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ عَامٌّ فِيهِمَا، وَلِأَنَّ مَا اُشْتُرِطَ لِلْفَرْضِ اُشْتُرِطَ لِلنَّفْلِ، كَالطَّهَارَةِ. وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ فِي التَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ إنَّهُ يُجْزِئُهُ أَنْ يَأْتَزِرَ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، فِي التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّ النَّافِلَةَ مَبْنَاهَا عَلَى التَّخْفِيفِ. وَلِذَلِكَ يُسَامَحُ فِيهِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ. وَاسْتَدَلَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ» . قَالَ: هَذَا فِي التَّطَوُّعِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْفَرْضِ. [مَسْأَلَة كَانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ فِي الصَّلَاة بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ] [الْفَصْلُ الْأُوَلُ فِيمَا يُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ] (810) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ. وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي اللِّبَاسِ فِي أَرْبَعَةِ فُصُولٍ؛ الْفَصْلُ الْأُوَلُ: فِيمَا يُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ. وَالثَّانِي: فِي الْفَضِيلَةِ. وَالثَّالِثُ: فِيمَا يُكْرَهُ. وَالرَّابِعُ: فِيمَا يَحْرُمُ. (811) فَصْلٌ: أَمَّا الْأُوَلُ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَبَعْضُهُ أَوْ غَيْرُهُ عَلَى عَاتِقِهِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ
الفصل الثاني في الفضيلة وهو أن يصلي في ثوبين أو أكثر
«أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَغَيْرُهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، وَصَلَّى جَابِرٌ فِي قَمِيصٍ لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إنِّي «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي قَمِيصٍ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْفَضِيلَةِ وَهُوَ أَنْ يُصَلِّي فِي ثَوْبَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ] (812) الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي الْفَضِيلَةِ، وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ. فَإِنَّهُ إذًا أَبْلَغُ فِي السَّتْرِ. لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَوْسَعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ فِي إزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إزَارٍ وَقَبَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «إذَا كَانَ لِأَحَدِكُمْ ثَوْبَانِ فَلْيُصَلِّ فِيهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ فَلْيَتَّزِرْ بِهِ، وَلَا يَشْتَمِلْ اشْتِمَالَ الْيَهُودِ» . قَالَ التَّمِيمِيُّ: الثَّوْبُ الْوَاحِدُ يُجْزِئُ، وَالثَّوْبَانِ أَحْسَنُ، وَالْأَرْبَعُ أَكْمَلُ؛ قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَعِمَامَةٌ وَإِزَارٌ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى نَافِعًا يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، قَالَ: أَلَمْ تَكْتَسِ ثَوْبَيْنِ؟ قُلْت: بَلَى. قَالَ: فَلَوْ أُرْسِلْت فِي الدَّارِ، أَكُنْتَ تَذْهَبُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟ قُلْت لَا. قَالَ: فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لَهُ أَوْ النَّاسُ؟ قُلْت: بَلْ اللَّهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: وَذَلِكَ فِي الْإِمَامِ آكَدُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ يَدَيْ الْمَأْمُومِينَ، وَتَتَعَلَّقُ صَلَاتُهُمْ بِصَلَاتِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ فَالْقَمِيصُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ فِي السَّتْرِ، فَإِنَّهُ يَسْتُرُ جَمِيعَ الْجَسَدِ إلَّا الرَّأْسَ وَالرِّجْلَيْنِ، ثُمَّ الرِّدَاءُ؛ لِأَنَّهُ يَلِيهِ فِي السَّتْرِ، ثُمَّ الْمِئْزَرُ أَوْ السَّرَاوِيلُ. وَلَا يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا مَا سَتَرَ الْعَوْرَةَ عَنْ غَيْرِهِ وَعَنْ نَفْسِهِ، فَلَوْ صَلَّى فِي قَمِيصٍ وَاسِعِ الْجَيْبِ بِحَيْثُ لَوْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ رَأَى عَوْرَتَهُ، أَوْ كَانَتْ بِحَيْثُ يَرَاهَا، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ «سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ» . قَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الرَّجُلِ يُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ غَيْرَ مَزْرُورٍ عَلَيْهِ؟ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَزِرَّهُ. قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَتْ لِحْيَتُهُ تُغَطِّيهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُتَّسِعَ الْجَيْبِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ
الفصل الثالث ما يكره في الصلاة
يَسِيرًا فَجَائِزٌ. فَعَلَى هَذَا مَتَى ظَهَرَتْ عَوْرَتُهُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ. فَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ لِكَوْنِ جَيْبِ الْقَمِيصِ ضَيِّقًا، أَوْ شَدَّ وَسَطَهُ بِمِئْزَرٍ أَوْ حَبْلٍ فَوْقَ الثَّوْبِ، أَوْ كَانَ ذَا لِحْيَةٍ تَسُدُّ الْجَيْبَ فَتَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ، أَوْ شَدَّ إزَارَهُ، أَوْ أَلْقَى عَلَى جَيْبِهِ رِدَاءً أَوْ خِرْقَةً، فَاسْتَتَرَتْ عَوْرَتُهُ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. [الْفَصْلُ الثَّالِثُ مَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاة] (813) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، فِيمَا يُكْرَهُ؛ يُكْرَهُ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «نَهَى عَنْ لِبْسَتَيْنِ: اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ بِثَوْبٍ لَيْسَ بَيْنَ فَرْجِهِ وَبَيْنَ السَّمَاءِ شَيْءٌ.» وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُوَ أَنْ يَضْطَبِعَ بِالثَّوْبِ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَمَعْنَى، الِاضْطِبَاعِ: أَنْ يَضَعَ وَسَطَ الرِّدَاءِ تَحْتِ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، وَيَجْعَلَ طَرَفَيْهِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ، وَيَبْقَى مَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ مَكْشُوفًا، وَرَوَى حَنْبَلٌ، عَنْ أَحْمَدَ فِي اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ: أَنْ يَضْطَبِعَ الرَّجُلُ بِالثَّوْبِ وَلَا إزَارَ عَلَيْهِ. فَيَبْدُوَ مِنْهُ شِقُّهُ وَعَوْرَتُهُ، أَمَّا إنْ كَانَ عَلَيْهِ إزَارٌ فَتِلْكَ لِبْسَةُ الْمُحْرِمِ، فَلَوْ كَانَ لَا يُجْزِئُهُ لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَلْبَسَ الرَّجُلُ ثَوْبًا وَاحِدًا، يَأْخُذُ بِجَوَانِبِهِ عَنْ مَنْكِبِهِ، فَيُدْعَى تِلْكَ الصَّمَّاءَ.» وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: هُوَ أَنْ يَلْتَحِفَ بِالثَّوْبِ، ثُمَّ يُخْرِجَ يَدَيْهِ مِنْ قِبَلِ صَدْرِهِ، فَتَبْدُوَ عَوْرَتُهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ، عِنْدَ الْعَرَبِ: أَنْ يَشْتَمِلَ الرَّجُلُ بِثَوْبِهِ، يُجَلِّلُ بِهِ جَسَدَهُ كُلَّهُ، وَلَا يَرْفَعُ مِنْهُ جَانِبًا يُخْرِجُ مِنْهُ يَدَهُ. كَأَنَّهُ يَذْهَبُ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَعَلَّهُ يُصِيبُهُ شَيْءٌ يُرِيدُ الِاحْتِرَاسَ مِنْهُ. فَلَا يَقْدِرَ عَلَيْهِ. وَتَفْسِيرُ الْفُقَهَاءِ، أَنْ يَشْتَمِلَ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، ثُمَّ يَرْفَعَهُ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ، فَيَضَعَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَيَبْدُوَ مِنْهُ فَرْجُهُ، وَالْفُقَهَاءُ أَعْلَمُ بِالتَّأْوِيلِ. فَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ يَكُونُ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ، وَتَفْسُدُ الصَّلَاةُ مَعَهُ. وَيُكْرَهُ السَّدْلُ. وَهُوَ أَنْ يُلْقِيَ طَرَفَ الرِّدَاءِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَلَا يَرُدَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى، وَلَا يَضُمَّ الطَّرَفَيْنِ بِيَدَيْهِ. وَكَرِهَ السَّدْلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ. وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ الرُّخْصَةُ فِيهِ، وَعَنْ مَكْحُولٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ، وَعَنْ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا كَانَا يَسْدُلَانِ فَوْقَ قَمِيصِهِمَا، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ حَدِيثًا يَثْبُتُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ: أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ عَطَاءً يُصَلِّي سَادِلًا. وَيُكْرَهُ إسْبَالُ الْقَمِيصِ وَالْإِزَارِ وَالسَّرَاوِيلِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِرَفْعِ الْإِزَارِ. فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْخُيَلَاءِ حَرُمَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:
سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ أَسْبَلَ إزَارَهُ فِي صَلَاتِهِ خُيَلَاءَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَامٍ» . وَيُكْرَهُ أَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ وَجْهَهُ أَوْ فَمَهُ. لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ.» وَهَلْ يُكْرَهُ التَّلَثُّمُ عَلَى الْأَنْفِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَرِهَهُ. وَالْأُخْرَى، لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْفَمِ بِالنَّهْيِ عَنْ تَغْطِيَتِهِ تَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ تَغْطِيَةِ غَيْرِهِ. وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْمُزَعْفَرِ لِلرَّجُلِ، وَكَذَلِكَ الْمُعَصْفَرُ؛ لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا رَوَيَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى الرَّجُلَ عَنْ التَّزَعْفُرِ.» وَرَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «نَهَانِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لِبَاسِ الْمُعَصْفَرِ» . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهُ بْنُ عَمْرٍو: «رَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: إنَّ هَذَا مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهُمَا» . وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا أَرْكَبُ الْأُرْجُوَانَ، وَلَا أَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ» . فَأَمَّا شَدُّ الْوَسَطِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ بِمِنْطَقَةٍ أَوْ مِئْزَرٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ شَدِّ قَبَاءٍ، فَلَا يُكْرَهُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يُصَلِّي وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَأْتَزِرُ بِالْمِنْدِيلِ فَوْقَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ. وَإِنْ كَانَ بِخَيْطٍ أَوْ حَبْلٍ مَعَ سُرَّتِهِ وَفَوْقَهَا فَهَلْ يُكْرَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا، يُكْرَهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَقَالَ: «لَا تَشْتَمِلُوا اشْتِمَالَ الْيَهُودِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ، أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ مُحْتَزِمٌ» . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ مُحْتَزِمٌ» . قَالَ: كَأَنَّهُ مَنْ شَدَّ الْوَسَطَ. وَرَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ، شُدَّ حَقْوَكَ فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِعِقَالٍ " وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ مِثْلُهُ وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ لُبْسُهُ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ. وَقَدْ اشْتَرَى عُمَرُ ثَوْبًا، فَرَأَى فِيهِ خَيْطًا أَحْمَرَ، فَرَدَّهُ وَقَدْ رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، ثُمَّ
رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ وَصَلَّى الظُّهْرَ.» وَقَالَ الْبَرَاءُ: «مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ عَلَى بَغْلَةٍ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ أَحْمَرُ، وَعَلِيٌّ أَمَامَهُ يُعَبِّرُ عَنْهُ.» وَوَجْهُ كَرَاهَةِ ذَلِكَ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ عَلَيْهِ بُرْدَانِ أَحْمَرَانِ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَوَاحِلِنَا أَكْسِيَةً فِيهَا خُيُوطُ عِهْنٍ حُمْرٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَلَا أَرَى هَذِهِ الْحُمْرَةَ قَدْ عَلَتْكُمْ. فَقُمْنَا سِرَاعًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى نَفَرَ بَعْضُ إبِلِنَا، فَأَخَذْنَا الْأَكْسِيَةَ، فَنَزَعْنَاهَا عَنْهَا» وَالْأَحَادِيثُ الْأُوَلُ أَثْبَتُ وَأَبْيَنُ فِي الْحُكْمِ؛ فَإِنَّ تَرْكَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَعْنًى غَيْرِ الْحُمْرَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ مُعَصْفَرَةً، وَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَحَدِيثُ رَافِعٍ يَرْوِيهِ عَنْهُ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، وَلِأَنَّ الْحُمْرَةَ لَوْنٌ، فَهِيَ كَسَائِرِ الْأَلْوَانِ. (814) فَصْلٌ: وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ أَبِي رِمْثَةَ، قَالَ: «انْطَلَقْت مَعَ أَبِي نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدَيْنِ أَخْضَرَيْنِ.» وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «قُلْنَا لِأَنَسٍ: أَيُّ اللِّبَاسِ كَانَ أَحَبَّ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ الْحِبَرَةُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لِمَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ؟ فَقَالَ: إنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْبُغُ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْهَا، وَقَدْ كَانَ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ.» وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» . (815) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِيمَا يَحْرُمُ لُبْسُهُ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ وَهُوَ قِسْمَانِ؛ قِسْمٌ تَحْرِيمُهُ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَقِسْمٌ يَخْتَصُّ تَحْرِيمُهُ بِالرِّجَالِ. فَالْأَوَّلُ، مَا يَعُمُّ تَحْرِيمُهُ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا، النَّجِسُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَلَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ النَّجَاسَةِ شَرْطٌ، وَقَدْ فَاتَتْ. وَالثَّانِي، الْمَغْصُوبُ، لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ، وَلَا الصَّلَاةُ فِيهِ. وَهَلْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا تَصِحُّ. وَالثَّانِيَةُ تَصِحُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَخْتَصُّ الصَّلَاةَ،
فصل العلم الحرير في الثوب في الصلاة
وَلَا النَّهْيَ يَعُودُ إلَيْهَا، فَلَمْ يَمْنَعْ الصِّحَّةَ، كَمَا لَوْ غَسَلَ ثَوْبَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ، وَكَمَا لَوْ صَلَّى وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ مَغْصُوبَةٌ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ فِي شَرْطِ الْعِبَادَةِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ، فَلَمْ تَصِحَّ، كَمَا لَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَكَيْفَ يَتَقَرَّبُ بِمَا هُوَ عَاصٍ بِهِ، أَوْ يُؤْمَرُ بِمَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَأَمَّا إذَا صَلَّى فِي عِمَامَةٍ مَغْصُوبَةٍ، أَوْ فِي يَدِهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَعُودُ إلَى شَرْطِ الصَّلَاةِ، إذْ الْعِمَامَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا. وَإِنْ صَلَّى فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ، فَالْخِلَافُ فِيهَا كَالْخِلَافِ فِي الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ، إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي الْجُمُعَةِ: يُصَلِّي فِي مَوَاضِعِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، فَالْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ إذَا كَانَ غَصْبًا يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِهَا. فَلِذَلِكَ أَجَازَ فِعْلَهَا فِيهِ، كَمَا أَجَازَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْفُجُورِ، كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى تَعْطِيلِهَا. الْقِسْمُ الثَّانِي، مَا يَخْتَصُّ تَحْرِيمُهُ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَهُوَ الْحَرِيرُ، وَالْمَنْسُوجُ بِالذَّهَبِ، وَالْمُمَوَّهُ بِهِ، فَهُوَ حَرَامٌ لُبْسُهُ، وَافْتِرَاشُهُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا؛ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «حَرَامٌ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ؛ فَإِنَّ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي تَحْرِيمِ لُبْسِ ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ اخْتِلَافًا، إلَّا لِعَارِضٍ، أَوْ عُذْرٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا إجْمَاعٌ. فَإِنْ صَلَّى فِيهِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ الْخِلَافِ وَالرِّوَايَتَيْنِ. وَالِافْتِرَاشُ كَاللُّبْسِ فِي التَّحْرِيمِ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: «نَهَانَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَأَنْ نَلْبَسَ الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ.» [فَصْلٌ الْعَلَمُ الْحَرِيرُ فِي الثَّوْبِ فِي الصَّلَاة] (816) فَصْلٌ: وَيُبَاحُ الْعَلَمُ الْحَرِيرُ فِي الثَّوْبِ إذَا كَانَ أَرْبَعَ أَصَابِعَ فَمَا دُونَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي التَّنْبِيهِ. يُبَاحُ وَإِنْ كَانَ مُذَهَّبًا، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الرِّقَاعِ، وَلَبِنَةِ الْجَيْبِ، وَسُجُفِ الْفِرَاءِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِيمَا تَنَاوَلَهُ الْحَدِيثُ. فَصْلٌ: فَإِنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ لِلْقَمْلِ أَوْ الْحَكَّةِ أَوْ الْمَرَضِ يَنْفَعُهُ لُبْسُ الْحَرِيرِ جَازَ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ
فصل المنسوج من الحرير وغيره في الصلاة
أَنَسًا رَوَى «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، شَكَوَا الْقَمْلَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا» وَفِي رِوَايَةٍ: شَكَيَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَمْلَ فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ، وَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ صَحَابِيٍّ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ، وَغَيْرُ الْقَمْلِ الَّذِي يَنْفَعُ فِيهِ لُبْسُ الْحَرِيرِ فِي مَعْنَاهُ. فَيُقَاسُ عَلَيْهِ. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، لَا يُبَاحُ لُبْسُهُ لِلْمَرَضِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الرُّخْصَةُ خَاصَّةً لَهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الرُّخْصَةِ بِهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. فَأَمَّا لُبْسُهُ لِلْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ إلَيْهِ، كَأَنْ كَانَ بِطَانَةً لِبَيْضَةٍ أَوْ دِرْعٍ وَنَحْوِهِ، أُبِيحَ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ؛ كَدِرْعٍ مُمَوَّهٍ بِالذَّهَبِ، وَهُوَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ لُبْسِهِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ إلَيْهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُبَاحُ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ لُبْسِهِ لِلْخُيَلَاءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وَالْخُيَلَاءُ فِي وَقْتِ الْحَرْبِ غَيْرُ مَذْمُومٍ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ رَأَى بَعْضَ أَصْحَابِهِ يَمْشِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ: " إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ ". وَالثَّانِي، يَحْرُمُ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إبَاحَتُهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ؟ فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ كَانَ لَهُ يَلْمَقُ مِنْ دِيبَاجٍ، بِطَانَتُهُ سُنْدُسٌ، مَحْشُوٌّ قَزًّا، كَانَ يَلْبَسُهُ فِي الْحَرْبِ. [فَصْلٌ الْمَنْسُوجُ مِنْ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ فِي الصَّلَاة] (817) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمَنْسُوجُ مِنْ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ، كَثَوْبٍ مَنْسُوجٍ مِنْ قُطْنٍ وَإِبْرَيْسَمٍ، أَوْ قُطْنٍ وَكَتَّانٍ فَالْحُكْمُ لِلْأَغْلَبِ مِنْهُمَا. لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُسْتَهْلَكٌ فِيهِ، فَهُوَ كَالْبَيْضَةِ مِنْ الْفِضَّةِ، وَالْعَلَمِ مِنْ الْحَرِيرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ الْحَرِيرِ، وَأَمَّا الْعَلَمُ، وَسَدَى الثَّوْبِ، فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ، وَأَبُو دَاوُد قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ
فصل الثياب التي عليها تصاوير الحيوانات في الصلاة
أَهْلِ الْعِلْمِ. أَنَّ الْمُحَرَّمَ الْحَرِيرُ الصَّافِي، الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ غَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ الْحَرِيرَ فَهُوَ مُبَاحٌ، وَإِنْ كَانَ الْقُطْنَ فَهُوَ مُحَرَّمٌ. فَإِنْ اسْتَوَيَا فَفِي تَحْرِيمِهِ وَإِبَاحَتِهِ وَجْهَانِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ الْأَشْبَهُ التَّحْرِيمُ، لِأَنَّ النِّصْفَ كَثِيرٌ، فَأَمَّا الْجِبَابُ الْمَحْشُوَّةُ مِنْ إبْرَيْسَمٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْرُمُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، لِعَدَمِ الْخُيَلَاءِ فِيهِ. وَيَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ. وَهَكَذَا الْفُرُشُ الْمَحْشُوَّةُ بِالْحَرِيرِ. [فَصْلٌ الثِّيَابُ الَّتِي عَلَيْهَا تَصَاوِيرُ الْحَيَوَانَات فِي الصَّلَاة] (818) فَصْلٌ: فَأَمَّا الثِّيَابُ الَّتِي عَلَيْهَا تَصَاوِيرُ الْحَيَوَانَاتِ؛ فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُكْرَهُ لُبْسُهَا، وَلَيْسَ بِمُحَرَّمِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ هُوَ مُحَرَّمٌ؛ لِأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يَرَهُ مُحَرَّمًا أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ رَوَاهُ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ فِي آخِرِهِ: «إلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ يُبَاحُ إذَا كَانَ مَفْرُوشًا، أَوْ يَتَّكِئُ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَلْبُوسًا. [فَصْلٌ التَّصْلِيبُ فِي الثَّوْبِ] (819) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ التَّصْلِيبُ فِي الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حِطَّانَ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ لَا يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصْلِيبٌ إلَّا قَضَبَهُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد يَعْنِي قَطَعَهُ. [فَصْلٌ لُبْسِ الْخَزِّ] (820) فَصْلٌ: قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ لُبْسِ الْخَزِّ؟ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَيْسٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَغَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، وَشُبَيْلِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُمْ لَبِسُوا مَطَارِفَ الْخَزِّ. وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَعَائِذَ بْنَ عَمْرٍو، وَعِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا قَتَادَةَ، كَانُوا يَلْبَسُونَ الْخَزَّ. وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّهُمْ لَبِسُوا جِبَابَ الْخَزِّ. وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَشُرَيْحٍ، أَنَّهُمْ لَبِسُوا بَرَانِسَ الْخَزِّ، وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: أَتَتْ مَرْوَانَ مَطَارِفُ مِنْ خَزٍّ، فَكَسَاهَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَسَا أَبَا هُرَيْرَةَ مِطْرَفًا مِنْ خَزٍّ أَغْبَرَ، فَكَانَ يَلْبَسُهُ اثْنَانِ بِسَعَتِهِ. وَهَذَا اشْتَهَرَ فَلَمْ يَظْهَرْ بِخِلَافِهِ، فَكَانَ إجْمَاعًا. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّازِيّ، حَدَّثَنَا أَبِي،
فصل هل يجوز لولي الصبي أن يلبسه الحرير
قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعِيدٍ، قَالَ: «رَأَيْت رَجُلًا بِبُخَارَى عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ، عَلَيْهِ عِمَامَةُ خَزٍّ سَوْدَاءُ؛ فَقَالَ: كَسَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرَوَى مَالِكٌ، فِي مُوَطَّئِهِ، أَنَّ عَائِشَةَ كَسَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ مِطْرَفَ خَزٍّ كَانَتْ تَلْبَسُهُ. [فَصْلٌ هَلْ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ أَنْ يُلْبِسَهُ الْحَرِيرَ] (821) فَصْلٌ: وَهَلْ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ أَنْ يُلْبِسَهُ الْحَرِيرَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَشْبَهُهُمَا بِالصَّوَابِ تَحْرِيمُهُ؛ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا نَنْزِعُهُ عَنْ الْغِلْمَانِ، وَنَتْرُكُهُ عَلَى الْجَوَارِي. وَقَدِمَ حُذَيْفَةُ مِنْ سَفَرٍ، وَعَلَى صِبْيَانِهِ قُمُصٌ مِنْ حَرِيرٍ، فَمَزَّقَهَا عَلَى الصِّبْيَانِ، وَتَرَكَهَا عَلَى الْجَوَارِي، أَخْرَجَهُ الْأَثْرَمُ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْت رَابِعَ أَرْبَعَةٍ، أَوْ خَامِسَ خَمْسَةٍ، مَعَ عَبْدِ اللَّهِ، فَجَاءَ ابْنٌ لَهُ صَغِيرٌ عَلَيْهِ قُمُصٌ مِنْ حَرِيرٍ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ كَسَاك هَذَا؟ قَالَ: أُمِّي. فَأَخَذَهُ عَبْدُ اللَّهِ فَشَقَّهُ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، أَنَّهُ يُبَاحُ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ، فَلَا يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِلُبْسِهِمْ، كَمَا لَوْ أَلْبَسَهُ دَابَّةً، وَلِأَنَّهُمْ مَحَلٌّ لِلزِّينَةِ فَأَشْبَهُوا النِّسَاءَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ. وَيَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِتَمْكِينِهِمْ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ كَتَمْكِينِهِمْ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَكْلِ الرِّبَا، وَغَيْرِهِمَا، وَكَوْنُهُمْ مَحَلَّ الزِّينَةِ - مَعَ تَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِمْ - يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، لَا الْإِبَاحَةَ، بِخِلَافِ النِّسَاءِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَة لَمْ يَقْدِرْ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاة] (822) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ صَلَّى جَالِسًا يُومِئُ إيمَاءً وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ الْعَادِمَ لِلسُّتْرَةِ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ بِهِ عَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ يُصَلِّي قَائِمًا، بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَجَالِسًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ لِلْقِيَامِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ لَهُ كَالْقَادِرِ عَلَى السَّتْرِ. وَلَنَا مَا رَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، فِي قَوْمٍ انْكَسَرَتْ بِهِمْ مَرَاكِبُهُمْ، فَخَرَجُوا عُرَاةً، قَالَ: يُصَلُّونَ جُلُوسًا، يُومِئُونَ إيمَاءً بِرُءُوسِهِمْ. وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ، وَلِأَنَّ السَّتْرَ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ بِدَلِيلِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ يَسْقُطُ مَعَ الْقُدْرَةِ بِحَالٍ، وَالْقِيَامُ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ. وَالثَّانِي أَنَّ الْقِيَامَ يَخْتَصُّ الصَّلَاةَ، وَالسَّتْرَ يَجِبُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَرْكِ
فصل إذا وجد العريان جلدا طاهرا أو ورقا يمكنه خصفه عليه
أَحَدِهِمَا، فَتَرْكُ أَخَفِّهِمَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِ آكَدِهِمَا. وَلِأَنَّهُ إذَا اسْتَتَرَ أَتَى بِبَدَلٍ عَنْ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالسَّتْرُ لَا بَدَلَ لَهُ. وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالٍ لَا تَتَضَمَّنُ تَرْكَ السُّتْرَةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالسَّتْرُ لَا يَحْصُلُ كُلُّهُ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بَعْضُهُ، فَلَا يَفِي بِتَرْكِ الْقِيَامِ. قُلْنَا: إذَا قُلْنَا الْعَوْرَةُ الْفَرْجَانِ. فَقَدْ حَصَلَ السَّتْرُ. وَإِنْ قُلْنَا: الْعَوْرَةُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَقَدْ حَصَلَ سَتْرُ آكَدِهَا وُجُوبًا فِي السَّتْرِ، وَأَفْحَشِهَا فِي النَّظَرِ، فَكَانَ سَتْرُهُ أَوْلَى. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَيْسَ عَلَى مَنْ صَلَّى فِي هَذِهِ الْحَالِ إعَادَةٌ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ عَجَزَ عَنْهُ فَسَقَطَ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فَصَلَّى إلَى غَيْرِهَا. وَإِنْ صَلَّى الْعُرْيَانُ قَائِمًا، وَرَكَعَ وَسَجَدَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ أَيْضًا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَتَخَيَّرُونَ بَيْنَ الصَّلَاةِ قِيَامًا وَقُعُودًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ قِيَامًا وَقُعُودًا؛ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ فِي الْعُرَاةِ: يَقُومُ إمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ. وَرَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ، إنْ تَوَارَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَصَلَّوْا قِيَامًا، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ. قِيلَ لَهُ: فَيُومِئُونَ أَوْ يَسْجُدُونَ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، السُّجُودُ لَا بُدَّ مِنْهُ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُومِئُ بِالسُّجُودِ فِي حَالٍ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الْخَلْوَةِ الْقِيَامُ، إلَّا أَنَّ الْخَلَّالَ قَالَ: هَذَا تَوَهُّمٌ مِنْ الْأَثْرَمِ. قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ: يَقُومُ وَسَطَهُمْ. أَيْ يَكُونُ وَسَطَهُمْ، لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الْقِيَامِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَيَنْبَغِي لِمَنْ صَلَّى عُرْيَانًا أَنْ يَضُمَّ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ، وَيَسْتُرَ مَا أَمْكَنَ سَتْرُهُ قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يَتَرَبَّعُونَ أَوْ يَتَضَامُّونَ؟ قَالَ: لَا بَلْ يَتَضَامُّونَ. وَإِذَا قُلْنَا: يَسْجُدُونَ بِالْأَرْضِ. فَإِنَّهُمْ يَتَضَامُّونَ أَيْضًا. وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَتَرَبَّعُ مَوْضِعَ الْقِيَامِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. [فَصْلٌ إذَا وَجَدَ الْعُرْيَانُ جِلْدًا طَاهِرًا أَوْ وَرَقًا يُمْكِنُهُ خَصْفَهُ عَلَيْهِ] (823) فَصْلٌ: وَإِذَا وَجَدَ الْعُرْيَانُ جِلْدًا طَاهِرًا، أَوْ وَرَقًا يُمْكِنُهُ خَصْفُهُ عَلَيْهِ، أَوْ حَشِيشًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْبِطَهُ عَلَيْهِ فَيَسْتُرَ بِهِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ بِطَاهِرٍ لَا يَضُرُّهُ فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى سَتْرِهَا بِثَوْبٍ، وَقَدْ «سَتَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِجْلَيْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ بِالْإِذْخِرِ» لَمَّا لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً. فَإِنْ وَجَدَ طِينًا يَطْلِي بِهِ جَسَدَهُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجِفُّ وَيَتَنَاثَرُ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَلِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً وَلَمْ تَجْرِ بِهِ الْعَادَةُ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ جَسَدَهُ وَمَا تَنَاثَرَ سَقَطَ حُكْمُهُ، وَيَسْتَتِرُ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ مَشَقَّةً، وَيَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ كَمَالُ السَّتْرِ، فَإِنْ وَجَدَ مَاءً لَمْ يَلْزَمْهُ النُّزُولُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ كَدِرًا، لِأَنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا، وَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ
فصل إذا بذل له سترة في الصلاة
مِنْ السُّجُودِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَ حُفْرَةً لَمْ يَلْزَمْهُ النُّزُولُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَلْصَقُ بِجِلْدِهِ، فَهِيَ كَالْجِدَارِ. وَإِنْ وَجَدَ سُتْرَةً تَضُرُّ بِجِسْمِهِ كَبَارِيَّةِ الْقَصَبِ وَنَحْوِهَا، مِمَّا يَدْخُلُ فِي جِسْمِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِتَارُ بِهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ وَالْمَنْعِ مِنْ إكْمَالِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. [فَصْلٌ إذَا بُذِلَ لَهُ سُتْرَة فِي الصَّلَاة] (824) فَصْلٌ: وَإِذَا بُذِلَ لَهُ سُتْرَةٌ لَزِمَهُ قَبُولُهَا إذَا كَانَتْ عَارِيَّةً؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ. وَإِنْ وُهِبَ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ مِنَّةً. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَارَ فِي بَقَاءِ عَوْرَتِهِ مَكْشُوفَةً أَكْبَرُ مِنْ الضَّرَرِ فِي الْمِنَّةِ الَّتِي تَلْحَقُهُ. وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَبِيعُهُ ثَوْبًا بِثَمَنِ مِثْلِهِ، أَوْ يُؤَجِّرُهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ، أَوْ زِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا، وَقَدَرَ عَلَى ذَلِكَ الْعِوَضِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ، كَمَا قُلْنَا فِي شِرَاءِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ. [فَصْلٌ لَمْ يَجِدْ الْمُصَلَّيْ إلَّا ثَوْبًا نَجِسًا] (825) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا نَجِسًا، قَالَ أَحْمَدُ: يُصَلِّي فِيهِ، وَلَا يُصَلِّي عُرْيَانًا. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْمُزَنِيِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: يُصَلِّي عُرْيَانًا، وَلَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّهَا سُتْرَةٌ نَجِسَةٌ، فَلَمْ تَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا، كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ جَمِيعُهُ نَجِسًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْفِعْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَرْكِ وَاجِبٍ فِي كِلَا الْفِعْلَيْنِ، وَفِعْلِ وَاجِبٍ، فَاسْتَوَيَا. وَلَنَا أَنَّ السَّتْرَ آكَدُ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي الصَّلَاةِ جَالِسًا، فَكَانَ أَوْلَى، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «غَطِّ فَخِذَك» . وَهَذَا عَامٌّ، وَلِأَنَّ السُّتْرَةَ مُتَّفَقٌ عَلَى اشْتِرَاطِهَا، وَالطَّهَارَةَ مِنْ النَّجَاسَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَكَانَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوْلَى. وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدَرَ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ وَجَدَ ثَوْبًا طَاهِرًا إذَا انْفَرَدَ أَنَّهُ يُصَلِّي فِيهِ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ النَّجَاسَةِ شَرْطٌ قَدْ فَاتَتْ. وَقَدْ نَصَّ فِي مَنْ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ. فَكَذَا هَاهُنَا. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ عَجَزَ عَنْهُ، فَسَقَطَ كَالسُّتْرَةِ وَالِاسْتِقْبَالِ، بَلْ أَوْلَى، فَإِنَّ السُّتْرَةَ آكَدُ، بِدَلِيلِ تَقْدِيمِهَا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، ثُمَّ قَدْ صَحَّتْ الصَّلَاةُ وَأَجْزَأَتْ عِنْدَ عَدَمِهَا، فَهَاهُنَا أَوْلَى. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبَ حَرِيرٍ صَلَّى فِيهِ، وَلَا يُعِيدُ. وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا مَغْصُوبًا صَلَّى عُرْيَانًا، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْآدَمِيِّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ مَاءً يَتَوَضَّأُ بِهِ، إلَّا أَنْ يَغْصِبَهُ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ. كَذَا هَاهُنَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فصل لم يجد إلا ما يستر عورته أو منكبيه في الصلاة
[فَصْلٌ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ أَوْ مَنْكِبَيْهِ فِي الصَّلَاة] (826) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ أَوْ مَنْكِبَيْهِ، سَتَرَ عَوْرَتَهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» . وَهَذَا الثَّوْبُ ضَيِّقٌ. وَفِي الْمُسْنَدِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَنْ عُمَرَ، قَالَ: «لَا يَشْتَمِلْ أَحَدُكُمْ اشْتِمَالَ الْيَهُودِ، لِيَتَوَشَّحْ، وَمَنْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَأْتَزِرْ وَلْيَرْتَدِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَتَّزِرْ ثُمَّ لِيُصَلِّ» . وَلِأَنَّ السَّتْرَ لِلْعَوْرَةِ وَاجِبٌ مُتَّفَقٌ عَلَى وُجُوبِهِ مُتَأَكِّدٌ، وَسَتْرَ الْمَنْكِبَيْنِ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالتَّخْفِيفِ مَا فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ الثَّوْبُ اللَّطِيفُ، لَا يَبْلُغُ أَنْ يَعْقِدَهُ، يَرَى أَنْ يَتَّزِرَ بِهِ وَيُصَلِّيَ؟ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ مُجْزِئًا عَنْهُ. وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ لَطِيفًا صَلَّى قَاعِدًا، وَعَقَدَ مِنْ وَرَائِهِ. وَظَاهِرُ هَذَا، أَنَّهُ قَدْ سَتَرَ الْمَنْكِبَيْنِ عَلَى الْقِيَامِ، وَسَتَرَ مَا عَدَا الْفَرْجَيْنِ، وَلِأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِي سَتْرِ الْمَنْكِبَيْنِ أَصَحُّ مِنْهُ فِي سَتْرِ الْفَرْجَيْنِ، وَأَنَّ الْقِيَامَ لَهُ بَدَلٌ، وَسَتْرَ الْمَنْكِبَيْنِ لَا بَدَلَ لَهُ. وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ تَأَكُّدِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالْقِيَامِ، وَمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَفِيهِ قِصَّةٌ رَوَاهَا أَبُو دَاوُد، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «سِرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْت أُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، فَلَمْ تَبْلُغْ لِي، وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ، فَنَكَّسْتُهَا، ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا حَتَّى لَا تَسْقُطَ، ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَجَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، حَتَّى قَامَ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَنَا بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ. قَالَ: وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْمُقُنِي وَأَنَا لَا أَشْعُرُ، ثُمَّ فَطِنْتُ بِهِ، فَأَشَارَ إلَيَّ أَنْ اتَّزِرْ بِهَا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا جَابِرُ. قُلْت: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: إذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ» . [فَصْلٌ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ بَعْضَ الْعَوْرَة فِي الصَّلَاة] (827) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ بَعْضَ الْعَوْرَةِ سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا أَفْحَشُ، وَسَتْرَهُمَا آكَدُ، وَهُمَا مِنْ الْعَوْرَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. فَإِنْ كَانَ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا سَتَرَ أَيَّهُمَا شَاءَ. وَاخْتُلِفَ فِي أَوْلَاهُمَا بِالسَّتْرِ، فَقِيلَ: الدُّبُرُ؛ لِأَنَّهُ أَفْحَشُ، لَا سِيَّمَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَقِيلَ: الْقُبُلُ لِأَنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ بِهِ الْقِبْلَةَ، وَلَيْسَ لَهُ مَا يَسْتُرُهُ، وَالدُّبُرُ مَسْتُورٌ بِالْأَلْيَتَيْنِ. [مَسْأَلَة صَلَّى جَمَاعَةٌ عُرَاةٌ] (828) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: فَإِنْ صَلَّى جَمَاعَةٌ عُرَاةً، كَانَ الْإِمَامُ مَعَهُمْ فِي الصَّفِّ وَسَطًا، يُومِئُونَ إيمَاءً. وَيَكُونُ سُجُودُهُمْ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِمْ
مسألة العراة إذا صلوا قعودا
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ مَشْرُوعَةٌ لِلْعُرَاةِ. وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُصَلُّونَ فُرَادَى. قَالَ مَالِكٌ: وَيَتَبَاعَدُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ. وَإِنْ كَانُوا فِي ظُلْمَةٍ صَلَّوْا جَمَاعَةً، وَيَتَقَدَّمُهُمْ إمَامُهُمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ كَقَوْلِهِمْ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْجَمَاعَةُ وَالِانْفِرَادُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ فِي الْجَمَاعَةِ الْإِخْلَالَ بِسُنَّةِ الْمَوْقِفِ، وَفِي الِانْفِرَادِ الْإِخْلَالَ بِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ، فَيَسْتَوِيَانِ، وَوَافَقَنَا فِي أَنَّ إمَامَهُمْ يَقُومُ وَسَطَهُمْ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجَمَاعَةِ لِلنِّسَاءِ الْعُرَاةِ؛ لِأَنَّ مَوْقِفَ إمَامَتِهِنَّ فِي وَسَطِهِنَّ، فَمَا حَصَلَ فِي حَقِّهِنَّ إخْلَالٌ بِفَضِيلَةِ الْمَوْقِفِ، وَوَافَقَنَا فِي الرِّجَالِ إذَا كَانَ مَعَهُمْ مُكْتَسٍ يَصْلُحُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ، وَلَنَا، أَنَّهُ يُمْكِنُهُمْ الْجَمَاعَةُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَلَزِمَهُمْ كَالْمُسْتَتِرِينَ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمِيعِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» . عَامٌّ فِي كُلِّ مُصَلٍّ، وَلَا تَسْقُطُ الْجَمَاعَةُ لِتَعَذُّرِ سَبَبِهَا فِي الْمَوْقِفِ، كَمَا لَوْ كَانُوا فِي مَكَان ضَيِّقٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَدَّمَهُمْ إمَامُهُمْ. وَإِذَا شُرِعَتْ الْجَمَاعَةُ لِعُرَاةِ النِّسَاءِ، مَعَ أَنَّ السَّتْرَ فِي حَقِّهِنَّ آكَدُ، وَالْجَمَاعَةَ فِي حَقِّهِنَّ أَخَفُّ، فَلِلرِّجَالِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَغَضُّ الْبَصَرِ يَحْصُلُ بِكَوْنِهِمْ صَفًّا وَاحِدًا، يَسْتُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ صَفًّا وَاحِدًا، وَيَكُونُ إمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ، لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهُ، وَأَغَضَّ لِأَبْصَارِهِمْ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ سُنَّ لِإِمَامَةِ النِّسَاءِ الْقِيَامُ وَسَطَهُنَّ فِي كُلِّ حَالٍ. لِأَنَّهُنَّ عَوْرَاتٌ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الرِّجَالِ نِسَاءٌ عُرَاةٌ تَنَحَّيْنَ عَنْهُمْ؛ لِئَلَّا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيُصَلِّينَ جَمَاعَةً أَيْضًا كَالرِّجَالِ، إلَّا أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي حَقِّهِنَّ أَدْنَى مِنْهَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ، كَمَا لَوْ كَانُوا غَيْرَ عُرَاةٍ. فَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ فِي مَجْلِسٍ، أَوْ فِي مَكَان ضَيِّقٍ، صَلَّى الرِّجَالُ، وَاسْتَدْبَرَهُمْ النِّسَاءُ، ثُمَّ صَلَّى النِّسَاءُ وَاسْتَدْبَرَهُنَّ الرِّجَالُ؛ لِئَلَّا يَرَى بَعْضُهُمْ عَوْرَاتِ بَعْضٍ. فَإِنْ كَانَ الرِّجَالُ لَا يَسَعُهُمْ صَفٌّ وَاحِدٌ، وَالنِّسَاءُ وَقَفُوا صُفُوفًا، وَغَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّنْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ. [مَسْأَلَة الْعُرَاةِ إذَا صَلُّوا قُعُودًا] (829) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُمْ يَسْجُدُونَ بِالْأَرْضِ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي الْعُرَاةِ إذَا صَلَّوْا قُعُودًا؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُمْ يُومِئُونَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ سَقَطَ عَنْهُمْ لِحِفْظِ عَوْرَاتِهِمْ، فَيَسْقُطُ السُّجُودُ؛ لِأَنَّ ظُهُورَهَا بِالسُّجُودِ أَكْثَرُ وَأَفْحَشُ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ. وَرُوِيَ أَنَّهُمْ يَسْجُدُونَ بِالْأَرْضِ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ؛ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، وَلَا يَسْقُطُ فِيمَا يَسْقُطُ فِيهِ الْقِيَامُ، وَهُوَ صَلَاةُ النَّافِلَةِ، فَلِهَذَا لَمْ يَسْقُطْ وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي الْقِيَامِ أَيْضًا؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْعُرَاةَ يُصَلُّونَ قِيَامًا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْعُرَاةِ: يَقُومُ إمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ. وَرَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ أَنَّهُ قَالَ: إنْ تَوَارَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ؛ فَصَلَّوْا قِيَامًا، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ. قِيلَ: فَيُومِئُونَ أَمْ يَسْجُدُونَ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، السُّجُودُ لَا بُدَّ مِنْهُ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ لَا يَسْقُطْ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ الْقِيَامُ فِي الْخَلْوَةِ، إلَّا أَنَّ الْخَلَّالَ قَالَ: هَذَا تَوَهُّمٌ مِنْ الْأَثْرَمِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: يَقُومُ فِي وَسَطِهِمْ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) . لَمْ يُرِدْ بِهِ الْقِيَامَ عَلَى رِجْلٍ. [فَصْلٌ فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُرَاةِ وَاحِدٌ لَهُ ثَوْبٌ لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ فِيهِ] (830) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُرَاةِ وَاحِدٌ لَهُ ثَوْبٌ، لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ فِيهِ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى السُّتْرَةِ. فَإِنْ أَعَارَهُ وَصَلَّى عُرْيَانًا، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعِيرَهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ فِيهِ لِغَيْرِهِ، لِيُصَلِّيَ فِيهِ؛ لِقَوْلِ
مسألة كان في الطين والمطر ولم يمكنه السجود على الأرض إلا بالتلوث
اللَّهِ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] . وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ مَعَهُ طَعَامٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ، وَوُجِدَ مَنْ بِهِ ضَرُورَةٌ، لَزِمَ إعْطَاؤُهُ إيَّاهُ؛ لِأَنَّهَا حَالُ ضَرُورَةٍ، فَإِذَا بَذَلَهُ لَهُمْ صَلَّى فِيهِ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، وَلَمْ تَجُزْ لَهُمْ الصَّلَاةُ عُرَاةً؛ لِأَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى السَّتْرِ، إلَّا أَنْ يَخَافُوا ضِيقَ الْوَقْتِ، فَيُصَلِّيَ فِيهِ وَاحِدٌ وَالْبَاقُونَ عُرَاةٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عُرْيَانًا. وَيَنْتَظِرُ الثَّوْبَ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ. وَلَا يَصِحُّ، فَإِنَّ الْوَقْتَ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانُوا فِي سَفِينَةٍ فِي مَوْضِعٍ ضَيِّقٍ، لَا يُمْكِنُ جَمِيعَهُمْ الصَّلَاةُ فِيهِ قِيَامًا صَلَّى وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، إلَّا أَنْ يَخَافُوا فَوَاتَ الْوَقْتِ فَيُصَلُّونَ قُعُودًا، نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذَا. وَالْقِيَامُ آكَدُ مِنْ السُّتْرَةِ عِنْدَهُ. وَعَلَى رِوَايَةٍ لَنَا، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَقْيَسُ عِنْدِي، فَإِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الشَّرْطِ مَعَ إمْكَانِهِ أَوْلَى مَعَ إدْرَاكِ الْوَقْتِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ جَدَّ مَا لَا يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ إلَّا بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ، أَوْ سُتْرَةٌ يَخَافُ فَوَاتَ الْوَقْتِ إنْ تَشَاغَلَ بِالْمَخْشِيِّ إلَيْهَا، وَالِاسْتِتَارِ بِهَا. فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ مُقَدَّمًا عَلَى السَّتْرِ. فَإِنْ امْتَنَعَ صَاحِبُ الثَّوْبِ مِنْ إعَارَتِهِمْ، أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةٍ. فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَؤُمَّهُمْ صَاحِبُ الثَّوْبِ، وَيَقِفَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَإِنْ كَانَ أُمِّيًّا وَهُمْ قُرَّاءٌ، صَلَّى الْبَاقُونَ جَمَاعَةً عَلَى مَا أَسْلَفْنَا. قَالَ الْقَاضِي: يُصَلِّي هُوَ مُنْفَرِدًا، وَإِذَا أَرَادَ صَاحِبُ الثَّوْبِ إعَارَةَ ثَوْبِهِ، وَمَعَهُمْ نِسَاءٌ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَبْدَأَ بِهِنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ آكَدُ فِي السَّتْرِ. وَإِذَا صَلَّيْنَ فِيهِ أَخَذَهُ. فَإِذَا تَضَايَقَ الْوَقْتُ، وَفِيهِمْ قَارِئٌ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ؛ لِيَكُونَ إمَامَهُمْ. وَإِنْ أَعَادَهُ لِغَيْرِ الْقَارِئِ صَارَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ صَاحِبِ الثَّوْبِ. فَإِنْ اسْتَوَوْا، وَلَمْ يَكُنْ الثَّوْبُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَهُوَ أَحَقُّ. وَإِنْ لَمْ يَسْتَوُوا فَالْأَوْلَى بِهِ مَنْ تُسْتَحَبُّ الْبِدَايَةُ بِإِعَارَتِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا. [مَسْأَلَة كَانَ فِي الطِّينِ وَالْمَطَر وَلَمْ يُمَكِّنهُ السُّجُودُ عَلَى الْأَرْض إلَّا بِالتَّلَوُّثِ] (831) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ فِي مَاءٍ وَطِينٍ أَوْمَأَ إيمَاءً وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الطِّينِ وَالْمَطَرِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ عَلَى الْأَرْضِ إلَّا بِالتَّلَوُّثِ بِالطِّينِ وَالْبَلَلِ بِالْمَاءِ، فَلَهُ الصَّلَاةُ عَلَى دَابَّتِهِ، يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِنْ كَانَ رَاجِلًا أَوْمَأَ بِالسُّجُودِ أَيْضًا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ السُّجُودُ عَلَى الْأَرْضِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ. رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى دَابَّتِهِ فِي مَاءٍ وَطِينٍ. وَفَعَلَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَمَرَ بِهِ طَاوُسٌ، وَعُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْدُ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِأَجْلِ الْمَطَرِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَلِأَنَّ السُّجُودَ وَالْقِيَامَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَطَرِ، كَبَقِيَّةِ أَرْكَانِهَا. وَلَنَا، مَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ انْتَهَى إلَى مَضِيقٍ، وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَالْبِلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَصْحَابُهُ عَلَى ظُهُورِ دَوَابِّهِمْ، يُومِئُونَ إيمَاءً، يَجْعَلُونَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ.» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الرَّمَّاحِ الْبَلْخِيّ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيَّ، فَقَالَ: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي الْمَطَرِ وَالْمَرَضِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِأَجْلِ الْمَطَرِ وَالْمَرَضِ. وَعَنْ مَالِكٍ كَالْمَذْهَبَيْنِ. وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ
فصل الصلاة على الراحلة
رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ.» وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَلَنَا، مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ. وَفِعْلُ أَنَسٍ قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَدْ صَلَّى أَنَسٌ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى سَرَابِيطَ. فِي يَوْمِ مَطَرٍ الْمَكْتُوبَةَ عَلَى الدَّابَّةِ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ، وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ، فَيَكُونَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ الْمَطَرَ عُذْرٌ يُبِيحُ الْجَمْعَ، فَأَثَّرَ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ كَالسَّفَرِ يُؤَثِّرُ فِي الْقَصْرِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الطِّينَ كَانَ يَسِيرًا لَا يُؤَثِّرُ فِي تَلْوِيثِ الثِّيَابِ. [فَصْلٌ الصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَة] (832) فَصْلٌ: فَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِأَجْلِ الْمَرَضِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يَجُوزُ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ بِالنُّزُولِ فِي الْمَرَضِ أَشَدُّ مِنْهَا بِالنُّزُولِ فِي الْمَطَرِ، فَإِذَا أَثَّرَ الْمَطَرُ فِي إبَاحَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَالْمَرَضُ أَوْلَى. وَالثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. وَاحْتَجَّ لَهَا أَحْمَدُ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُنْزِلُ مَرْضَاهُ، وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْ عَلَى السُّجُودِ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ كَغَيْرِ الْمَرَضِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَطَرِ، أَنَّ النُّزُولَ فِي الْمَطَرِ يُبَلِّلُ ثِيَابَهُ وَيُلَوِّثُهَا، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْمَشَقَّةِ، وَنُزُولَ الْمَرِيضِ يُؤَثِّرُ فِي حُصُولِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَهُوَ أَسْكَنُ لَهُ وَأَمْكَنُ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى الظَّهْرِ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ الْمَشَقَّةِ، فَالْمَشَقَّةُ عَلَى الْمَرِيضِ فِي نَفْسِ جِهَةِ النُّزُولِ، لَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْأَرْضِ، وَالْمَشَقَّةُ عَلَى الْمَمْطُورِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْأَرْضِ، لَا فِي النُّزُولِ. وَمَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ لَا يَصِحُّ الْإِلْحَاقُ، فَإِنْ خَافَ الْمَرِيضُ مِنْ النُّزُولِ ضَرَرًا غَيْرَ مُحْتَمَلٍ، كَالِانْقِطَاعِ عَنْ الرُّفْقَةِ، أَوْ الْعَجْزِ عَنْ الرُّكُوبِ، أَوْ زِيَادَةِ الْمَرَضِ، وَنَحْوِ هَذَا، صَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ [فَصْلٌ صَلَّى عَلَى الرَّاحِلَة لِمَرَضِ أَوْ مَطَرٍ] (833) فَصْلٌ: وَمَتَى صَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ لِمَرَضٍ أَوْ مَطَرٍ، فَلَيْسَ لَهُ تَرْكُ الِاسْتِقْبَالِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، حَيْثُ قَالَ: وَلَا يُصَلِّي فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ فَرْضًا وَلَا نَافِلَةً، إلَّا مُتَوَجِّهًا إلَى الْكَعْبَةِ، وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] [سُورَةُ الْبَقَرَةِ] عَامٌّ، خَرَجَ مِنْهُ حَالُ الْخَوْفِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، مُحَافَظَةً عَلَى بَقَاءِ النَّفْسِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى الِاسْتِقْبَالُ لِعُمُومِ الْآيَةِ. [مَسْأَلَة إذَا انْكَشَفَ مِنْ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ شَيْءٌ سِوَى وَجْهِهَا أَعَادَتْ الصَّلَاةَ] (834) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا انْكَشَفَ مِنْ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ شَيْءٌ سِوَى وَجْهِهَا، أَعَادَتْ الصَّلَاةَ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ كَشْفُ وَجْهِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا كَشْفُ مَا عَدَا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، وَفِي الْكَفَّيْنِ رِوَايَتَانِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ؛ فَأَجْمَعَ أَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ مَكْشُوفَةَ الْوَجْهِ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ أَنْ تُخَمِّرَ رَأْسَهَا إذَا صَلَّتْ، وَعَلَى أَنَّهَا إذَا صَلَّتْ وَجَمِيعُ رَأْسِهَا مَكْشُوفٌ أَنَّ عَلَيْهَا الْإِعَادَةَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْقَدَمَانِ لَيْسَا مِنْ الْعَوْرَةِ؛ لِأَنَّهُمَا يَظْهَرَانِ غَالِبًا، فَهُمَا
كَالْوَجْهِ، وَإِنْ انْكَشَفَ مِنْ الْمَرْأَةِ أَقَلُّ مِنْ رُبُعِ شَعَرِهَا أَوْ رُبُعِ فَخِذِهَا أَوْ رُبُعِ بَطْنِهَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهَا. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ: جَمِيعُ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، وَمَا سِوَى ذَلِكَ يَجِبُ سَتْرُهُ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] قَالَ: الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى الْمُحْرِمَةَ عَنْ لُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ.» وَلَوْ كَانَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ عَوْرَةً لَمَا حَرُمَ سَتْرُهُمَا، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى كَشْفِ الْوَجْهِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَالْكَفَّيْنِ لِلْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْمَرْأَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلَكِنْ رُخِّصَ لَهَا فِي كَشْفِ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا؛ لِمَا فِي تَغْطِيَتِهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَأُبِيحَ النَّظَرُ إلَيْهِ لِأَجْلِ الْخِطْبَةِ؛ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: الْمَرْأَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ حَتَّى ظُفُرُهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ تَغْطِيَةِ الْقَدَمَيْنِ مَا رَوَتْ «أُمُّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَلَيْسَ عَلَيْهَا إزَارٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: وَقَفَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَوَقَفَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ. وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى مَنْ جَرَّ ذَيْلَهُ خُيَلَاءَ. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: كَيْفَ يَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: يُرْخِينَ شِبْرًا. فَقَالَتْ: إذَنْ تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ. قَالَ: فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا، لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَغْطِيَةِ الْقَدَمَيْنِ، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ لَا يَجِبُ كَشْفُهُ فِي الْإِحْرَامِ؛ فَلَمْ يَجِبْ كَشْفُهُ فِي الصَّلَاةِ، كَالسَّاقَيْنِ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَقْدِيرِ الْبُطْلَانِ بِزِيَادَةٍ عَلَى رُبُعِ الْعُضْوِ فَتَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ، وَقَدْ ثَبَتَ وُجُوبُ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَبِالْإِجْمَاعِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. فَأَمَّا الْكَفَّانِ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِيهِمَا رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: لَا يَجِبُ سَتْرُهُمَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَالثَّانِيَةُ: يَجِبُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ» . وَهَذَا عَامٌّ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ. قَدْ رَوَى أَبُو حَفْصٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ خِلَافَهُ، قَالَ: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] . قَالَ: الثِّيَابُ. وَلَا يَجِبُ كَشْفُ الْكَفَّيْنِ فِي الْإِحْرَامِ، إنَّمَا يَحْرُمُ أَنْ تَلْبَسَ فِيهِمَا شَيْئًا مَصْنُوعًا عَلَى قَدْرِهِمَا كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ، وَاَلَّذِي يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ.
فصل المستحب أن تصلي المرأة في درع
[فَصْلٌ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ تُصَلِّيَ الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ] (835) فَصْلٌ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ - وَهُوَ الْقَمِيصُ، لَكِنَّهُ سَابِغٌ يُغَطِّي قَدَمَيْهَا -، وَخِمَارٍ - يُغَطِّي رَأْسَهَا وَعُنُقَهَا -، وَجِلْبَابٍ - وَهُوَ الْمِلْحَفَةُ، تَلْتَحِفُ بِهِ مِنْ فَوْقِ الدِّرْعِ -؛ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَعَائِشَةَ، وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ اتَّفَقَ عَامَّتُهُمْ عَلَى الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ، وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ وَأَسْتَرُ، وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهَا جِلْبَابٌ، فَإِنَّهَا تُجَافِيهِ رَاكِعَةً وَسَاجِدَةً؛ لِئَلَّا تَصِفَهَا ثِيَابُهَا، فَتَبِينَ عَجِيزَتُهَا، وَمَوَاضِعُ عَوْرَاتِهَا الْمُغَلَّظَةِ. [فَصْلٌ يُجَزِّئهَا مِنْ اللِّبَاسِ السَّتْرُ الْوَاجِبُ] (836) فَصْلٌ: وَيُجْزِئُهَا مِنْ اللِّبَاسِ السِّتْرُ الْوَاجِبُ عَلَى مَا بَيَّنَّا بِحَدِيثِ «أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ، لَيْسَ عَلَيْهَا إزَارٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا» . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَيْمُونَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهُمَا كَانَتَا تُصَلِّيَانِ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ، لَيْسَ عَلَيْهِمَا إزَارٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ، فِي الْمُوَطَّأِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: قَدْ اتَّفَقَ عَامَّتُهُمْ عَلَى الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ. وَلِأَنَّهَا سَتَرَتْ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ، فَأَجْزَأَتْهَا صَلَاتُهَا كَالرَّجُلِ. [فَصْلٌ فَإِنْ انْكَشَفَ مِنْ الْمَرْأَةِ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ غَيْر الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ الصَّلَاة] (837) فَصْلٌ: فَإِنْ انْكَشَفَ مِنْ الْمَرْأَةِ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَلَا أَعْلَمُ فِيهَا قَوْلًا صَحِيحًا صَرِيحًا. وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ " إذَا انْكَشَفَ مِنْ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ شَيْءٌ سِوَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا أَعَادَتْ " يَقْتَضِي بُطْلَانَ الصَّلَاةِ بِانْكِشَافِ الْيَسِيرِ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ، يُمْكِنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى الْكَثِيرِ، لِمَا قَرَّرْنَا فِي عَوْرَةِ الرَّجُلِ أَنَّهُ يُعْفَى فِيهَا عَنْ الْيَسِيرِ. فَكَذَا هَاهُنَا. وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْ الْيَسِيرِ، فَعُفِيَ عَنْهُ قِيَاسًا عَلَى يَسِيرِ عَوْرَةِ الرَّجُلِ. [فَصْلٌ يُكْرَهُ أَنْ تَنْتَقِبَ الْمَرْأَةُ وَهِيَ تُصَلِّي] (838) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ أَنْ تَنْتَقِبَ الْمَرْأَةُ وَهِيَ تُصَلِّي لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِمُبَاشَرَةِ الْمُصَلَّى بِجَبْهَتِهَا وَأَنْفِهَا، وَيَجْرِي مَجْرَى تَغْطِيَةِ الْفَمِ لِلرَّجُلِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَكْشِفَ وَجْهَهَا فِي الصَّلَاةِ وَالْإِحْرَامِ. [فَصْلٌ صَلَاةُ الْأَمَةِ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ] (839) فَصْلٌ: قَالَ: وَصَلَاةُ الْأَمَةِ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ جَائِزَةٌ هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا إلَّا الْحَسَنَ، فَإِنَّهُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْجَبَ عَلَيْهَا الْخِمَارَ إذَا تَزَوَّجَتْ، أَوْ اتَّخَذَهَا الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَاسْتَحَبَّ لَهَا عَطَاءٌ أَنْ تُقَنِّعَ إذَا صَلَّتْ، وَلَمْ يُوجِبْهُ. وَلَنَا، أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ضَرَبَ أَمَةً لِآلِ أَنَسٍ رَآهَا مُتَقَنِّعَةً، وَقَالَ: اكْشِفِي رَأْسَكِ،
فصل صلاة المكاتبة والمدبرة والمعلق عتقها مكشوفة الرأس
وَلَا تَشَبَّهِي بِالْحَرَائِرِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ مَشْهُورًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ لَا يُنْكَرُ، حَتَّى أَنْكَرَ عُمَرُ مُخَالَفَتَهُ كَانَ يَنْهَى الْإِمَاءَ عَنْ التَّقَنُّعِ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ لَا يَدَعُ أَمَةً تُقَنِّعُ فِي خِلَافَتِهِ، وَقَالَ: إنَّمَا الْقِنَاعُ لِلْحَرَائِرِ. (840) فَصْلٌ: لَمْ يَذْكُرْ الْخِرَقِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنْهُ سِوَى كَشْفِ الرَّأْسِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: وَإِنْ صَلَّتْ الْأَمَةُ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ فَلَا بَأْسَ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ عَوْرَتُهَا كَعَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَقَدْ لَوَّحَ إلَيْهِ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: إنْ انْكَشَفَ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَالصَّلَاةُ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ انْكَشَفَ مَا عَدَا ذَلِكَ فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ، وَقَالَ فِي الْجَامِعِ: عَوْرَةُ الْأَمَةِ مَا عَدَا الرَّأْسَ وَالْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ إلَى الرُّكْبَتَيْنِ. وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ أَحْمَدَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُقَلِّبَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ إذَا أَرَادَ الشِّرَاءَ مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ، وَيَكْشِفَ الذِّرَاعَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ. وَلِأَنَّ هَذَا يَظْهَرُ عَادَةً عِنْدَ الْخِدْمَةِ، وَالتَّقْلِيبِ لِلشِّرَاءِ، فَلَمْ يَكُنْ عَوْرَةً كَالرَّأْسِ، وَمَا سِوَاهُ لَا يَظْهَرُ عَادَةً وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى كَشْفِهِ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَظْهَرُ عَنْهُمْ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: أَلَا لَا أَعْرِفُ أَحَدًا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً، فَيَنْظُرَ إلَى مَا فَوْقَ الرُّكْبَةِ أَوْ دُونَ السُّرَّةِ، لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدٌ إلَّا عَاقَبْتُهُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَمَتَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَلَا يَنْظُرْ إلَى شَيْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ؛» فَإِنَّ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إلَى رُكْبَتِهِ مِنْ الْعَوْرَةِ. يُرِيدُ الْأَمَةَ. فَإِنَّ الْأَجِيرَ وَالْعَبْدَ لَا يُنْظَرُ إلَى ذَلِكَ مِنْهُ مُزَوَّجًا وَغَيْرَ مُزَوَّجٍ. وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ رَأْسُهُ عَوْرَةً لَمْ يَكُنْ صَدْرُهُ عَوْرَةً، كَالرَّجُلِ. [فَصْلٌ صَلَاة الْمُكَاتَبَة وَالْمُدَبَّرَةُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهَا مَكْشُوفَة الرَّأْس] (841) فَصْلٌ: وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ كَالْأَمَةِ الْقِنِّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّهُنَّ إمَاءٌ يَجُوزُ بَيْعُهُنَّ وَعِتْقُهُنَّ. فَأَمَّا الْمُعْتَقُ بَعْضُهَا، فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا كَالْحُرَّةِ؛ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ. وَالثَّانِي كَالْأَمَةِ، لِعَدَمِ الْحُرِّيَّةِ الْكَامِلَةِ؛ وَلِذَلِكَ ضُمِنَتْ بِالْقِيمَةِ. [فَصْلٌ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ كَالرَّجُلِ فِي الصَّلَاة] (842) فَصْلٌ: وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ كَالرَّجُلِ؛ لِأَنَّ سَتْرَ مَا زَادَ عَلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ مُحْتَمَلٌ، فَلَا تُوجِبُ عَلَيْهِ حُكْمًا بأَمْرٍ
فصل إذا تلبست الأمة بالصلاة مكشوفة الرأس فعتقت في أثنائها
مُحْتَمَلٍ مُتَرَدِّدٍ، وَعَلَى قَوْلِنَا: الْعَوْرَةُ الْفَرْجَانِ اللَّذَانِ فِي قُبُلِهِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا فَرْجٌ حَقِيقِيٌّ، وَلَيْسَ يُمْكِنُهُ تَغْطِيَتُهُ يَقِينًا إلَّا بِتَغْطِيَتِهِمَا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَمَا يَجِبُ سَتْرُ مَا قَرُبَ مِنْ الْفَرْجَيْنِ، ضَرُورَةَ سَتْرِهِمَا. [فَصْلٌ إذَا تَلَبَّسَتْ الْأَمَةُ بِالصَّلَاةِ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ فَعَتَقَتْ فِي أَثْنَائِهَا] (843) فَصْلٌ: إذَا تَلَبَّسَتْ الْأَمَةُ بِالصَّلَاةِ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، فَعَتَقَتْ فِي أَثْنَائِهَا، فَهِيَ كَالْعُرْيَانِ يَجِدُ السُّتْرَةَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ، إنْ أَمْكَنَهَا أَوْ أَمْكَنَهُ السُّتْرَةُ، مِنْ غَيْرِ زَمَنٍ طَوِيلٍ وَلَا عَمَلٍ كَثِيرٍ، سَتَرَ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ الصَّلَاةِ، كَأَهْلِ قُبَاءَ لَمَّا عَلِمُوا بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ اسْتَدَارُوا إلَيْهَا وَبَنَوْا. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ السَّتْرُ إلَّا بِعَمَلٍ كَثِيرٍ، أَوْ زَمَنٍ طَوِيلٍ، بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، إذْ لَا يُمْكِنُ الْمُضِيُّ فِيهَا لِكَوْنِ السُّتْرَةِ شَرْطًا مَعَ الْقُدْرَةِ، وَوُجِدَتْ الْقُدْرَةُ، وَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ فِي الصَّلَاةِ كَثِيرًا، لِأَنَّهُ يُنَافِيهَا فَيُبْطِلُهَا. وَالْمَرْجِعُ فِي الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ إلَى الْعُرْفِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ بِالْخُطْوَةِ وَالْخُطْوَتَيْنِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَنْ وَجَدَتْ مَنْ يُنَاوِلُهَا السُّتْرَةَ فَانْتَظَرَتْ، احْتِمَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ صَلَاتُهَا. وَالثَّانِي: لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ انْتِظَارٌ وَاحِدٌ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ: طَالَ عَلَيْهَا وَهِيَ بَادِيَةُ الْعَوْرَةِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى السَّتْرِ، فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُنْتَظِرَةً. فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِالْعِتْقِ حَتَّى أَتَمَّتْ صَلَاتَهَا، لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا صَلَّتْ عَارِيَّةً جَهْلًا بِوُجُوبِ السَّتْرِ، فَلَمْ تَصِحَّ، كَمَا لَوْ عَلِمَتْ الْعِتْقَ وَجَهِلَتْ الْحُكْمَ. وَإِنْ عَتَقَتْ وَلَمْ تَجِدْ مَا تَسْتَتِرُ بِهِ، صَحَّتْ صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى الْحُرَّةِ الْأَصْلِيَّةِ الْعَاجِزَةِ عَنْ الِاسْتِتَارِ. [مَسْأَلَة يُسْتَحَبُّ لِأُمِّ الْوَلَدِ أَنْ تُغَطِّيَ رَأْسَهَا فِي الصَّلَاةِ] (844) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُسْتَحَبُّ لِأُمِّ الْوَلَدِ أَنْ تُغَطِّيَ رَأْسَهَا فِي الصَّلَاةِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ كَالْأَمَةِ فِي صَلَاتِهَا وَسُتْرَتِهَا، صَرَّحَ بِهَا الْخِرَقِيِّ فِي عِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، فَقَالَ: وَإِنْ صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ كُرِهَ لَهَا ذَلِكَ وَأَجْزَأَهَا. وَمِمَّنْ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهَا تَغْطِيَةَ رَأْسِهَا النَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَدْ نَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سَأَلَهُ كَيْفَ تُصَلِّي أُمُّ الْوَلَدِ؟ قَالَ: تُغَطِّي شَعَرَهَا وَقَدَمَهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُبَاعُ، وَهِيَ تُصَلِّي كَمَا تُصَلِّي الْحُرَّةُ. فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَيَكُونَ كَمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُبَاعُ، وَلَا يُنْقَلُ الْمِلْكُ فِيهَا، فَأَشْبَهَتْ الْحُرَّةَ، وَقَدْ انْعَقَدَ سَبَبُ حُرِّيَّتِهَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ إبْطَالُهُ، فَغَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ فِي الْعِبَادَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهَا أَمَةٌ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْإِمَاءِ، إلَّا فِي أَنَّهَا لَا يُنْقَلُ الْمِلْكُ فِيهَا، فَهِيَ كَالْمَوْقُوفَةِ، وَانْعِقَادُ السَّبَبِ لِلْحُرِّيَّةِ لَا يُوجِبُ السَّتْرَ، كَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهَا السَّتْرُ، وَيُكْرَهُ لَهَا كَشْفُ الرَّأْسِ، لِمَا فِيهَا مِنْ الشَّبَهِ بِالْحَرَائِرِ. [مَسْأَلَة ذَكَرَ أَنَّ عَلَيْهِ صَلَاةً وَهُوَ فِي أُخْرَى] (845) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ ذَكَرَ أَنَّ عَلَيْهِ صَلَاةً وَهُوَ فِي أُخْرَى، أَتَمَّهَا، وَقَضَى الْمَذْكُورَةَ، وَأَعَادَ الَّتِي كَانَ فِيهَا إذَا كَانَ الْوَقْتُ مُبْقًى وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ، قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد
فِيمَنْ تَرَكَ صَلَاةَ سَنَةٍ: يُصَلِّيهَا، وَيُعِيدُ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا وَهُوَ ذَاكِرٌ لِمَا تَرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ، وَنَحْوُهُ عَنْ النَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْفَرِيضَةِ فَائِتَةٌ، فَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيهِ، كَالصِّيَامِ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ، فَقَضَاهُنَّ مُرَتَّبَاتٍ. وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي جُمُعَةَ حَبِيبِ بْنِ سِبَاعٍ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْأَحْزَابِ صَلَّى الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْتُ الْعَصْرَ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتَهَا. فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَعَادَ الْمَغْرِبَ.» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ. وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لِيُعِدْ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ» . رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ، فِي مُسْنِدِهِ، بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ مُؤَقَّتَتَانِ، فَوَجَبَ التَّرْتِيبُ فِيهِمَا. كَالْمَجْمُوعَتَيْنِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيهَا وَإِنْ كَثُرَتْ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ وَلِأَنَّ اعْتِبَارَهُ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَشُقُّ، وَيُفْضِي إلَى الدُّخُولِ فِي التَّكْرَارِ، فَسَقَطَ، كَالتَّرْتِيبِ فِي قَضَاءِ صِيَامِ رَمَضَانَ. وَلَنَا أَنَّهَا صَلَوَاتٌ وَاجِبَاتٌ، تُفْعَلُ فِي وَقْتٍ يَتَّسِعُ لَهَا، فَوَجَبَ فِيهَا التَّرْتِيبُ كَالْخَمْسِ، وَإِفْضَاؤُهُ إلَى التَّكْرَارِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ، كَتَرْتِيبِ الرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَوْ أَخَلَّ بِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُمُعَةَ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ تَرْتِيبٌ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ، فَكَانَ شَرْطًا لِصِحَّتِهَا، كَتَرْتِيبِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ، وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا عُدْنَا إلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ، وَهِيَ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَاضِرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي أَثْنَائِهَا أَنَّ عَلَيْهِ فَائِتَةً، وَالْوَقْتُ مُتَّسِعٌ، فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا، وَيَقْضِي الْفَائِتَةَ، ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا، سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا. هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَإِسْحَاقَ، فِي الْمَأْمُومِ. وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَأْمُومِ، وَنَقَلَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ فِي الْمُنْفَرِدِ، أَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَيَقْضِي الْفَائِتَةَ. وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ فِي الْمُنْفَرِدِ وَغَيْرِهِ، وَرَوَى حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ، فِي الْإِمَامِ: يَنْصَرِفُ، وَيَسْتَأْنِفُ الْمَأْمُومُونَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَنْقُلُهَا غَيْرُ حَرْبٍ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ فِي الْمَأْمُومِ، أَنَّهُ يَقْطَعُ، وَفِي الْمُنْفَرِدِ، أَنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ. وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْإِمَامِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ، فَيَكُونَ فِي الْجَمِيعِ أَدَاءً رِوَايَتَانِ
فصل ذكر صلاة وهو في أخرى
إحْدَاهُمَا يُتِمُّهَا. وَقَالَ طَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: يُتِمُّ صَلَاتَهُ، وَيَقْضِي الْفَائِتَةَ لَا غَيْرُ. وَلَنَا عَلَى وُجُوبِ الْإِعَادَةِ، حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَحَدِيثُ أَبِي جُمُعَةَ، وَلِأَنَّهُ تَرْتِيبٌ وَاجِبٌ، فَوَجَبَ اشْتِرَاطُهُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، كَتَرْتِيبِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ. وَلَنَا عَلَى أَنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] . وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَحَدِيثُ أَبِي جُمُعَةَ أَيْضًا، قَالَ: يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَهَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ لَوْ نَسِيَهَا حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَكَرَ فِيهَا فَائِتَةً، فَلَمْ تَفْسُدْ كَمَا لَوْ كَانَ مَأْمُومًا، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَمْضِي فِيهَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَخْتَلِفُ كَلَامُ أَحْمَدَ، إذَا كَانَ وَرَاءَ الْإِمَامِ، أَنَّهُ يَمْضِي مَعَ الْإِمَامِ، وَيُعِيدُهُمَا جَمِيعًا ". وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ إذَا كَانَ وَحْدَهُ، قَالَ: وَاَلَّذِي أَقُولُ، أَنَّهُ يَمْضِي، لِأَنَّهُ يَشْنُعُ أَنْ يَقْطَعَ مَا دَخَلَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهُ، فَإِنْ مَضَى الْإِمَامُ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ، انْبَنَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ عَلَى ائْتِمَامِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَالْأَوْلَى أَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ؛ لِمَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِذَا قُلْنَا: يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَصِيرُ نَفْلًا فَلَا يَلْزَمُ ائْتِمَامُهُ. قَالَ مُهَنَّا: قُلْت لِأَحْمَدَ: إنِّي كُنْتُ فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ، فَذَكَرْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ الْمَغْرِبَ، فَصَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ، ثُمَّ أَعَدْتُ الْمَغْرِبَ وَالْعَتَمَةَ؟ قَالَ: أَصَبْتَ. فَقُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أَخْرُجَ حِينَ ذَكَرْتُهَا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَكَيْفَ أَصَبْتُ؟ قَالَ: كُلٌّ جَائِزٌ. [فَصْلٌ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ فِي أُخْرَى] (846) فَصْلٌ: وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ فِي أُخْرَى " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَتَى صَلَّى نَاسِيًا لِلْفَائِتَةِ أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، قَالَ: مَتَى ذَكَرَ الْفَائِتَةَ وَقَدْ سَلَّمَ، أَجْزَأَتْهُ، وَيَقْضِي الْفَائِتَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَجِبُ التَّرْتِيبُ مَعَ النِّسْيَانِ. وَلَعَلَّ مَنْ يَذْهَبُ إلَى ذَلِكَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ أَبِي جُمُعَةَ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَجْمُوعَتَيْنِ. وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» . وَلِأَنَّ الْمَنْسِيَّةَ لَيْسَ عَلَيْهَا أَمَارَةٌ، فَجَازَ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهَا النِّسْيَانُ، كَالصِّيَامِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جُمُعَةَ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَهَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ. وَأَمَّا الْمَجْمُوعَتَانِ فَإِنَّمَا لَمْ يُعْذَرْ بِالنِّسْيَانِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمَا أَمَارَةً، وَهُوَ اجْتِمَاعُ الْجَمَاعَةِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ ذِكْرُ الْفَائِتَةِ أَوْ لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ لَهَا ذِكْرٌ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الدَّلِيلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مسألة خشي فوات الوقت قبل قضاء الفائتة
[مَسْأَلَة خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ قَبْلَ قَضَاءِ الْفَائِتَة] (847) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ خَشِيَ خُرُوجَ الْوَقْتِ اعْتَقَدَ وَهُوَ فِيهَا أَنْ لَا يُعِيدَهَا، وَقَدْ أَجْزَأَتْهُ) يَعْنِي إذَا خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ، قَبْلَ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ، وَإِعَادَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، سَقَطَ عَنْهُ التَّرْتِيبُ حِينَئِذٍ، وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ، وَيَقْضِي الْفَائِتَةَ حَسْبُ. وَقَوْلُهُ " اعْتَقَدَ أَنْ لَا يُعِيدَهَا ". يَعْنِي لَا يُغَيِّرُ نِيَّتَهُ عَنْ الْفَرْضِيَّةِ وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُعِيدُهَا، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِيهَا، لَكِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِهَا قَدْرٌ يُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا فِيهِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ، وَيُقَدِّمُ الْحَاضِرَةَ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ وَضِيقِهِ. اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ. وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَمَالِكٍ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْحَاضِرَةُ جُمُعَةً أَوْ غَيْرَهَا. قَالَ أَبُو حَفْصٍ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ تُخَالِفُ مَا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَلَطًا فِي النَّقْلِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلًا قَدِيمًا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: وَعِنْدِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، أَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فِي رَجُلٍ نَسِيَ صَلَاةً وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ حُضُورِ الْجُمُعَةِ: يَبْدَأُ بِالْجُمُعَةِ، هَذِهِ يُخَافُ فَوْتُهَا. فَقِيلَ لَهُ: كُنْتُ أَحْفَظُ عَنْك أَنَّهُ إذَا صَلَّى وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَلَاةٍ فَائِتَةٍ أَنَّهُ يُعِيدُ هَذِهِ وَهَذِهِ. فَقَالَ: كُنْت أَقُولُ هَذَا. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، إنْ كَانَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ يَتَّسِعُ لِقَضَاءِ الْفَوَائِتِ وَجَبَ التَّرْتِيبُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَّسِعُ سَقَطَ التَّرْتِيبُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِي مَنْ يَقْضِي صَلَوَاتٍ فَوَائِتَ، فَتَحْضُرُ صَلَاةٌ، أَيُؤَخِّرُهَا إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، فَإِذَا صَلَّاهَا يُعِيدُهَا؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ يُصَلِّيهَا فِي الْجَمَاعَةِ إذَا حَضَرَتْ، إذَا كَانَ لَا يَطْمَعُ أَنْ يَقْضِيَ الْفَوَائِتَ كُلَّهَا إلَى آخِرِ وَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ الَّتِي حَضَرَتْ، فَإِنْ طَمِعَ فِي ذَلِكَ قَضَى الْفَوَائِتَ، مَا لَمْ يَخْشَ فَوْتَ هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إذَا صَلَّى مَرَّةً. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ الْعُكْبَرِيِّ. وَعَلَّلَ الْقَاضِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِأَنَّ الْوَقْتَ لَا يَتَّسِعُ لِقَضَاءِ مَا فِي الذِّمَّةِ، وَفِعْلِ الْحَاضِرَةِ، فَسَقَطَ التَّرْتِيبُ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ الْقَضَاءُ وَالشُّرُوعُ فِي أَدَاءِ الْحَاضِرَةِ، كَذَا هَاهُنَا. وَيُمْكِنُ أَنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى أَنَّهُ قَدَّمَ الْجَمَاعَةَ عَلَى التَّرْتِيبِ مَشْرُوطًا لِضِيقِ الْوَقْتِ عَنْ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ جَمِيعِهَا وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْجَمَاعَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ رِوَايَتَيْنِ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ. فَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إلَى تَقْدِيمِ التَّرْتِيبِ بِكُلِّ حَالٍ، فَحُجَّتُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا مَتَى ذَكَرَهَا» . وَهَذَا عَامٌّ فِي حَالِ ضِيقِ الْوَقْتِ وَسَعَتِهِ، وَلِأَنَّهُ تَرْتِيبٌ مُسْتَحَقٌّ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ فَيُسْتَحَقُّ مَعَ ضِيقِهِ، كَتَرْتِيبِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالطَّهَارَةِ. وَلَنَا أَنَّ الْحَاضِرَةَ صَلَاةٌ ضَاقَ وَقْتُهَا عَنْ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَأْخِيرُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ. وَلِأَنَّ الْحَاضِرَةَ آكَدُ مِنْ الْفَائِتَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِتَرْكِهَا، وَيُكَفَّرُ عَلَى رِوَايَةٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا، وَالْفَائِتَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ أَخَّرَهَا شَيْئًا، وَأَمَرَهُمْ
فصل ترك ظهرا وعصرا من يومين لا يدري أيهما أولا
فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ» ، وَلِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ مُؤَقَّتٌ، فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُ فَائِتَةٍ عَلَى حَاضِرَةٍ يُخَافُ فَوَاتُهَا كَالصِّيَامِ. وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا مَتَى ذَكَرَهَا» مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا ذُكِرَتْ فَوَائِتُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي الْحَالِ إلَّا الْأُولَى، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ مَا إذَا اجْتَمَعَتْ حَاضِرَةٌ - يُخَافُ فَوْتُهَا - وَفَائِتَةٌ، لِتَأَكُّدِ الْحَاضِرَةِ بِمَا بَيَّنَّاهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ» . قُلْنَا: هَذَا الْحَدِيثُ لَا أَصْلَ لَهُ. قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: قِيلَ لِأَحْمَدَ: حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا صَلَاةَ لِمَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ» فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا اللَّفْظَ. قَالَ إبْرَاهِيمُ: وَلَا سَمِعْت بِهَذَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، يَبْدَأُ فَيَقْضِي الْفَوَائِتَ عَلَى التَّرْتِيبِ حَتَّى إذَا خَافَ فَوْتَ الْحَاضِرَةِ، صَلَّاهَا، ثُمَّ عَادَ إلَى قَضَاءِ الْفَوَائِتِ. نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا. فَإِنْ حَضَرَتْ جَمَاعَةٌ فِي صَلَاةِ الْحَاضِرَةِ، فَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، فِي مَنْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ فَائِتَةٌ فَأَدْرَكَتْهُ الظُّهْرُ، وَلَمْ يَفْرُغْ مِنْ الصَّلَوَاتِ: يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ الظُّهْرَ وَيَحْسُبُهَا مِنْ الْفَوَائِتِ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ عَصْرٌ وَأُقِيمَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ، فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. فِي مَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ، وَخَشِيَ فَوَاتِ الْجَمَاعَةِ، رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ وَاجِبَانِ، التَّرْتِيبُ وَالْجَمَاعَةُ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَفْوِيتِ أَحَدِهِمَا، فَكَانَ مُخَيَّرًا فِيهِمَا. فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ الْحَاضِرَةِ عَلَى الْفَوَائِتِ إذَا كَثُرَتْ، فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، فَإِنَّهُ يُصَلِّي الْحَاضِرَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ مَتَى حَضَرَتْ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَتِهَا. وَهَذَا أَحْسَنُ وَأَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالثَّانِيَةُ، لَا يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ مِنْ الْجَمَاعَةِ بِدَلِيلِ اشْتِرَاطِهِ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الْجَمَاعَةِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ الْفَائِتَةَ خَلْفَ مَنْ يُؤَدِّي الظُّهْرَ ابْتَنَى ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ ائْتِمَامِ مَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ. وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، سَنَذْكُرُهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ سِنِينَ: يُعِيدُهَا، فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلَّاهَا، وَيَجْعَلُهَا مِنْ الْفَوَائِتِ الَّتِي يُعِيدُهَا، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ. وَقَالَ: لَا يُصَلِّي مَكْتُوبَةً إلَّا فِي آخِرِ وَقْتِهَا حَتَّى يَقْضِيَ الَّتِي عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ. [فَصْلٌ تَرَكَ ظُهْرًا وَعَصْرًا مِنْ يَوْمَيْنِ لَا يَدْرِي أَيّهمَا أَوَّلًا] (848) فَصْلٌ: إذَا تَرَكَ ظُهْرًا وَعَصْرًا مِنْ يَوْمَيْنِ، لَا يَدْرِي أَيَّهُمَا أَوَّلًا. فَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ يُجْزِئُ أَنْ يَتَحَرَّى أَيَّهُمَا نَسِيَ أَوَّلًا، فَيَقْضِيَهَا، ثُمَّ يَقْضِيَ الْأُخْرَى. نَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى أَكْثَرِ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ ثُمَّ يَقْضِي. يَعْنِي أَنَّهُ يَتَحَرَّى أَيَّهُمَا نَسِيَ أَوَّلًا فَيَقْضِيهَا، ثُمَّ يَقْضِي الْأُخْرَى. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ مِمَّا تُبِيحُ الضَّرُورَةُ تَرْكَهُ، بِدَلِيلِ مَا إذَا تَضَايَقَ الْوَقْتُ أَوْ نَسِيَ الْفَائِتَةَ، فَيَدْخُلُهُ التَّحَرِّي كَالْقِبْلَةِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ بِغَيْرِ تَحَرٍّ. نَقَلَهَا مُهَنَّا؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ فِيمَا فِيهِ أَمَارَةٌ، وَهَذَا لَا أَمَارَةَ فِيهِ يَرْجِعُ إلَيْهَا، فَرَجَعَ فِيهِ إلَى تَرْتِيبِ الشَّرْعِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ صَلَاةُ الظُّهْرِ، ثُمَّ الْعَصْرِ، ثُمَّ الظُّهْرِ
فصل ترك الترتيب بالجهل بوجوبه
أَوْ الْعَصْرِ ثُمَّ الظُّهْرِ ثُمَّ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ فَرْضِهِ بِيَقِينٍ، فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو دَاوُد، عَنْ أَحْمَدَ، فِي رَجُلٍ فَرَّطَ فِي صَلَاةِ يَوْمٍ الْعَصْرَ، وَيَوْمٍ الظُّهْرَ، صَلَوَاتٍ لَا يَعْرِفُهَا قَالَ: يُعِيدُ حَتَّى لَا يَكُونَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَقْضِي حَتَّى يَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ [فَصْلٌ تَرْكِ التَّرْتِيبِ بِالْجَهْلِ بِوُجُوبِهِ] (849) فَصْلٌ: وَلَا يُعْذَرُ فِي تَرْكِ التَّرْتِيبِ بِالْجَهْلِ بِوُجُوبِهِ، وَقَالَ زُفَرُ: يُعْذَرُ بِذَلِكَ. وَلَنَا أَنَّهُ تَرْتِيبٌ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَسْقُطُ بِالْجَهْلِ كَالتَّرْتِيبِ فِي الْمَجْمُوعَتَيْنِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَلِأَنَّ الْجَهْلَ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعِلْمِ لَا يُسْقِطُ أَحْكَامَهَا كَالْجَهْلِ بِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ. [فَصْلٌ إذَا كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ عَلَيْهِ يَتَشَاغَلُ بِالْقَضَاءِ] (850) فَصْلٌ: إذَا كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ عَلَيْهِ يَتَشَاغَلُ بِالْقَضَاءِ، مَا لَمْ يَلْحَقْهُ مَشَقَّةٌ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ، أَمَّا فِي بَدَنِهِ فَأَنْ يَضْعُفَ أَوْ يَخَافَ الْمَرَضَ، وَأَمَّا فِي الْمَالِ فَأَنْ يَنْقَطِعَ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ عَنْ مَعَاشِهِ، أَوْ يُسْتَضَرُّ بِذَلِكَ. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَعْنَى هَذَا. فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ مَا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، فِي الرَّجُلِ يُضَيِّعُ الصَّلَاةَ: يُعِيدُ حَتَّى لَا يَشُكَّ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِمَا قَدْ ضَيَّعَ. وَيَقْتَصِرُ عَلَى قَضَاءِ الْفَرَائِضِ، وَلَا يُصَلِّي بَيْنَهَا نَوَافِلَ، وَلَا سُنَنَهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتَتْهُ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ. وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ صَلَّى بَيْنَهُمَا سُنَّةً، وَلِأَنَّ الْمَفْرُوضَةَ أَهَمُّ، فَالِاشْتِغَالُ بِهَا أَوْلَى، إلَّا أَنْ تَكُونَ الصَّلَوَاتُ يَسِيرَةً، فَلَا بَأْسَ بِقَضَاءِ سُنَنِهَا الرَّوَاتِبِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْفَجْرِ، فَقَضَى سُنَّتَهَا قَبْلَهَا. فَصْلٌ: وَإِنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ، لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، أَعَادَ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَلَا يَتَوَصَّلُ إلَى ذَلِكَ هَاهُنَا إلَّا بِإِعَادَةِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَلَزِمَهُ. [فَصْلٌ نَامَ فِي مَنْزِل فِي السَّفَر فَاسْتَيْقَظَ بَعْد خُرُوج وَقْت الصَّلَاة] (851) فَصْلٌ: وَإِذَا نَامَ فِي مَنْزِلٍ فِي السَّفَرِ، فَاسْتَيْقَظَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَالْمُسْتَحَبُّ. لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ، فَيُصَلِّيَ فِي غَيْرِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «عَرَّسْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَ فِيهِ الشَّيْطَانُ. قَالَ فَفَعَلْنَا. ثُمَّ دَعَا بِالْمَاءِ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ» . وَرَوَى نَحْوَهُ أَبُو قَتَادَةَ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَدِيثِ. فَإِنْ أَرَادَ التَّطَوُّعَ بِصَلَاةٍ أُخْرَى، كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الصَّوْمِ، لَا يَتَطَوَّعُ بِهِ وَعَلَيْهِ فَرِيضَةٌ، فَإِنْ فَعَلَ صَحَّ تَطَوُّعُهُ؛ بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِي يَنْسَى فَرِيضَةً فَلَا يَذْكُرُهَا إلَّا وَرَاءَ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ يُتَمِّمُهَا، فَحُكِمَ لَهُ بِصِحَّتِهَا.
فصل قضاء الفوائت في جماعة
فَأَمَّا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ، فَلَا يُكْرَهُ قَضَاؤُهَا قَبْلَ الْفَرَائِضِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ. (852) فَصْلٌ: فَإِنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ لِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ إنْ تَشَاغَلَ بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِالْفَرْضِ، وَيُؤَخِّرُ الرَّكْعَتَيْنِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: أَبُو الْحَارِثِ، نَقَلَ عَنْهُ، إذَا انْتَبَهَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَخَافَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ بَدَأَ بِالْفَرِيضَةِ؛ فَإِنَّهُ إذَا قَدِمَتْ الْحَاضِرَةُ عَلَى الْفَائِتَةِ، مَعَ الْإِخْلَالِ بِالتَّرْتِيبِ الْوَاجِبِ مُرَاعَاةً لِوَقْتِ الْحَاضِرَةِ، فَتَقْدِيمُهَا عَلَى السُّنَّةِ أَوْلَى. وَهَكَذَا إنْ اسْتَيْقَظَ لَا يَدْرِي أَطَلَعَتْ الشَّمْسُ، أَوْ لَا، بَدَأَ بِالْفَرِيضَةِ أَيْضًا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ، وَإِمْكَانُ الْإِتْيَانِ بِالْفَرِيضَةِ فِيهِ. [فَصْلٌ قَضَاءُ الْفَوَائِتِ فِي جَمَاعَة] (853) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ قَضَاءُ الْفَوَائِتِ فِي جَمَاعَةٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَاتَهُ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ فَقَضَاهُنَّ فِي جَمَاعَةٍ، وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ، حِينَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَصَلَّى بِهِمْ جَمَاعَةً، وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ عِنْدَ اسْتِيقَاظِهِ، أَوْ ذِكْرِهِ لَهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى غَيْرَ مَرَّةٍ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» . لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، قَالَ: «سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَرَّسَ بِنَا مِنْ السَّحَرِ، فَمَا اسْتَيْقَظْنَا إلَّا بِحَرِّ الشَّمْسِ؛ قَالَ: فَقَامَ الْقَوْمُ دَهِشِينَ مُسْرِعِينَ؛ لِمَا فَاتَهُمْ مِنْ صَلَاتِهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ارْكَبُوا. فَرَكِبْنَا، فَسِرْنَا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَزَلَ وَنَزَلْنَا، وَقَضَى الْقَوْمُ مِنْ حَوَائِجِهِمْ، وَتَوَضَّئُوا، فَأَمَرَ بِلَالًا، فَأَذَّنَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَصَلَّيْنَا، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ، فَصَلَّى بِنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا؟ قَالَ: لَا، لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الرِّبَا وَيَقْبَلُهُ مِنْكُمْ. رَوَاهُ» الْأَثْرَمُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. [فَصْلٌ أَسْلَمَ فِي دَار الْحَرْب فَتَرَكَ صَلَوَات أَوْ صِيَامًا لَا يَعْلَم وُجُوبه] فَصْلٌ: وَمَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَتَرَكَ صَلَوَاتٍ، أَوْ صِيَامًا لَا يَعْلَمُ وُجُوبَهُ، لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ. وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُهُ. وَلَنَا أَنَّهَا عِبَادَةٌ تَجِبُ مَعَ الْعِلْمِ بِهَا، فَلَزِمَتْهُ مَعَ الْجَهْلِ كَمَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. [مَسْأَلَة يُؤَدِّب الْغُلَام عَلَى الطَّهَارَة وَالصَّلَاة إذَا تَمُتْ لَهُ عَشْر سِنِينَ] (855) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُؤَدَّبُ الْغُلَامُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ إذَا تَمَّتْ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ.) مَعْنَى التَّأْدِيبِ، الضَّرْبُ وَالْوَعِيدُ وَالتَّعْنِيفُ، قَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الصَّبِيِّ أَنْ يُعَلِّمَهُ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ وَيَأْمُرَهُ بِهَا، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُؤَدِّبَهُ عَلَيْهَا إذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ.
فصل يعتبر لصلاة الصبي من الشروط ما يعتبر في صلاة البالغ
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلَاةَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرٍ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَلَفْظُ حَدِيثِ غَيْرِهِ: «مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» . وَهَذَا الْأَمْرُ وَالتَّأْدِيبُ الْمَشْرُوعُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ لِتَمْرِينِهِ عَلَى الصَّلَاةِ، كَيْ يَأْلَفَهَا وَيَعْتَادَهَا، وَلَا يَتْرُكَهَا عِنْدَ الْبُلُوغِ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: تَجِبُ عَلَيْهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّ الْعُقُوبَةَ لَا تُشْرَعُ. إلَّا لِتَرْكِ وَاجِبٍ، وَلِأَنَّ حَدَّ الْوَاجِبِ: مَا عُوقِبَ عَلَى تَرْكِهِ، وَلِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ فِي ابْنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ: إذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ يُعِيدُ. وَلَعَلَّ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَمَرَ بِذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ قَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ» . وَلِأَنَّهُ صَبِيٌّ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَالصَّغِيرِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ ضَعِيفُ الْعَقْلِ وَالْبِنْيَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ يَضْبِطُ الْحَدَّ الَّذِي تَتَكَامَلُ فِيهِ بِنْيَتُهُ وَعَقْلُهُ، فَإِنَّهُ يَتَزَايَدُ تَزَايُدًا خَفِيَّ التَّدْرِيجِ، فَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَالْبُلُوغُ ضَابِطٌ لِذَلِكَ، وَلِهَذَا تَجِبُ بِهِ الْحُدُودُ، وَتُؤْخَذُ بِهِ الْجِزْيَةُ مِنْ الذِّمِّيِّ إذَا بَلَغَهُ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَكْثَرُ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ، فَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ. وَقَوْلُ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلَغَ، وَلِهَذَا قَيَّدَهُ بِابْنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَلَوْ أَرَادَ مَا قَالُوا لَمَا اُخْتُصَّ بِابْنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ دُونَ غَيْرِهِ. وَهَذَا التَّأْدِيبُ هَاهُنَا لِلتَّمْرِينِ وَالتَّعْوِيدِ، كَالضَّرْبِ عَلَى تَعَلُّمِ الْخَطِّ وَالْقُرْآنِ وَالصِّنَاعَةِ وَأَشْبَاهِهَا، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا تَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. [فَصْلٌ يَعْتَبِر لِصَلَاةِ الصَّبِيّ مِنْ الشُّرُوط مَا يَعْتَبِر فِي صَلَاة الْبَالِغ] (856) فَصْلٌ: وَيُعْتَبَرُ لِصَلَاةِ الصَّبِيِّ مِنْ الشُّرُوطِ مَا يُعْتَبَرُ فِي صَلَاةِ الْبَالِغِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ غَيْرِ الْحَائِضِ بِغَيْرِ الْخِمَارِ. [مَسْأَلَة سُجُودُ الْقُرْآن أَرْبَعَ عَشَرَةَ سَجْدَة] (857) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَسُجُودُ الْقُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً) الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ الْقُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ فِي الْمُفَصَّلِ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ أَبُو بَكْرٍ، وَعَلِيٌّ. وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَعَمَّارٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ،، وَعَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً مِنْهَا سَجْدَةُ (ص) . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو دَاوُد عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ، وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ» . وَقَالَ مَالِكٌ، فِي رِوَايَةٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ: عَزَائِمُ السُّجُودِ إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً، لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَابْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمَالِكٍ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ: «سَجَدْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إحْدَى عَشْرَةَ لَيْسَ فِيهَا مِنْ الْمُفَصَّلِ شَيْءٌ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إلَى الْمَدِينَةِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو رَافِعٍ، قَالَ: «صَلَّيْت خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ، فَقَرَأَ {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] . فَسَجَدَ، فَقُلْت: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ قَالَ: سَجَدْت بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ» . رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْأَثْرَمُ. وَرَوَى مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] /وَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] » وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ، فَسَجَدَ فِيهَا، وَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ الْقَوْمِ إلَّا سَجَدَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد. وَأَبُو هُرَيْرَةَ إنَّمَا أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سَبْعٍ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ. ثُمَّ إنَّ تَرْكَ السُّجُودِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَالسُّجُودَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَسْنُونٌ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا، وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ أَبُو دَاوُد إسْنَادُهُ وَاهٍ. ثُمَّ لَا دَلَالَةَ فِيهِ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُجُودُ غَيْرِ الْمُفَصَّلِ إحْدَى عَشْرَةَ فَيَكُونَ مَعَ سَجَدَاتِ الْمُفَصَّلِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. (858) فَصْلٌ: فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى لَيْسَتْ " ص " مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ مِنْ الْعَزَائِمِ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَعُثْمَانَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْجُدُونَ فِيهَا. وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ فِيهَا. وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَجَدَ فِيهَا. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ: «قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ص فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ، وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَشَزَّنْتُمْ لِلسُّجُودِ فَنَزَلَ، فَسَجَدَ، وَسَجَدُوا» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ فِي ص، وَقَالَ: سَجَدَهَا دَاوُد تَوْبَةً، وَنَحْنُ نَسْجُدُهَا شُكْرًا» . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَيْسَ " ص " مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ فِيهَا، فَيَكُونُ سُجُودًا لِلشُّكْرِ، كَمَا بَيَّنَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (859) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فِي الْحَجِّ مِنْهَا سَجْدَتَانِ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَمِمَّنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَأَبُو مُوسَى، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَزِرٌّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ،
فصل مواضع السجود في القرآن
وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَتْ الْأَخِيرَةُ سَجْدَةً؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهَا بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. فَقَالَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] فَلَمْ تَكُنْ سَجْدَةً، كَقَوْلِهِ {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] . وَلَنَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: «قُلْت لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا.» وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَسْجُدُونَ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ كُنْتُ تَارِكًا إحْدَاهُمَا لَتَرَكْتُ الْأُولَى. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأُولَى إخْبَارٌ، وَالثَّانِيَةَ أَمْرٌ، وَاتِّبَاعُ الْأَمْرِ أَوْلَى. وَذِكْرُ الرُّكُوعِ لَا يَقْتَضِي تَرْكَ السُّجُودِ، كَمَا ذُكِرَ الْبُكَاءُ فِي قَوْلِهِ {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58] ، وَقَوْلِهِ: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 109] . [فَصْلٌ مَوَاضِعُ السُّجُود فِي الْقُرْآن] (860) فَصْلٌ: وَمَوَاضِعُ السُّجُودِ: آخِرُ الْأَعْرَافِ: {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206] ، وَفِي الرَّعْدِ {وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [الرعد: 15] ، وَفِي النَّحْلِ: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50] وَفِي بَنِي إسْرَائِيلَ: {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 109] . وَفِي مَرْيَمَ: {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58] وَفِي الْحَجِّ: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18] وَقَوْلُهُ: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] . وَفِي الْفُرْقَانِ: {وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان: 60] . وَفِي النَّمْلِ: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 26] . وَفِي الم السَّجْدَةِ: {وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15] . وَفِي حم تَنْزِيلٌ: {وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38] . وَآخِرُ النَّجْمِ: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [النجم: 62] . وَفِي الِانْشِقَاقِ: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 21] . وَآخِرُ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] . وَقَالَ مَالِكٌ: السُّجُودُ فِي حم عِنْدَ: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37] . لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالسُّجُودِ هُنَاكَ فِيهَا. وَلَنَا، أَنَّ تَمَامَ الْكَلَامِ فِي الثَّانِيَةِ، فَكَانَ السُّجُودُ بَعْدَهَا، كَمَا فِي سُورَةِ النَّحْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50] وَذَكَرَ السُّجُودَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، كَذَا هَاهُنَا.
مسألة لا يسجد للتلاوة إلا وهو طاهر
[مَسْأَلَة لَا يَسْجُد لِلتِّلَاوَةِ إلَّا وَهُوَ طَاهِر] (861) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَسْجُدُ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلسُّجُودِ مَا يُشْتَرَطُ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ؛ مِنْ الطَّهَارَتَيْنِ مِنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَالنِّيَّةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْحَائِضِ تَسْمَعُ السَّجْدَةَ، تُومِئُ بِرَأْسِهَا. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، قَالَ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ فِي مَنْ سَمِعَ السَّجْدَةَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ يَسْجُدُ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ» . فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ السُّجُودُ. وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ فَيُشْتَرَطُ لَهُ ذَلِكَ، كَذَاتِ الرُّكُوعِ، وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ، فَيُشْتَرَطُ لَهُ ذَلِكَ كَسُجُودِ السَّهْوِ. (862) فَصْلٌ: وَإِذَا سَمِعَ السَّجْدَةَ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْوُضُوءُ وَلَا التَّيَمُّمُ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: يَتَيَمَّمُ، وَيَسْجُدُ. وَعَنْهُ: يَتَوَضَّأُ، وَيَسْجُدُ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَنَا أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِسَبَبٍ، فَإِذَا فَاتَ لَمْ يَسْجُدْ كَمَا لَوْ قَرَأَ سَجْدَةً فِي الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَسْجُدْ، فَإِنَّهُ لَا يَسْجُدُ بَعْدَهَا. [مَسْأَلَة يُكَبِّرُ إذَا سَجَدَ إذَا سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ] (863) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُكَبِّرُ إذَا سَجَدَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّهُ إذَا سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فَعَلَيْهِ التَّكْبِيرُ لِلسُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ فِي غَيْرِهَا. وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَالْحَسَنُ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ فِي صَلَاةٍ. وَاخْتُلِفَ عَنْهُ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ. وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ.» قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ الثَّوْرِيُّ يُعْجِبُهُ هَذَا الْحَدِيثُ. قَالَ أَبُو دَاوُد: يُعْجِبُهُ لِأَنَّهُ كَبَّرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ مُنْفَرِدٌ، فَشُرِعَ لَهُ التَّكْبِيرُ فِي ابْتِدَائِهِ، وَالرَّفْعُ مِنْهُ كَسُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَبَّرَ فِيهِ لِلسُّجُودِ وَالرَّفْعِ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِرَقِيِّ التَّكْبِيرَ لِلرَّفْعِ. وَقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الْقِيَاسُ كَمَا ذَكَرْنَا. وَلَا يُشْرَعُ فِي ابْتِدَاءِ السُّجُودِ أَكْثَرُ مِنْ تَكْبِيرَةٍ. قَالَ: يُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ وَاحِدَةً، وَلِلسُّجُودِ أُخْرَى. وَلَنَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَظَاهِرُهُ أَنْ يُكَبِّرَ وَاحِدَةً، وَقِيَاسُهُ عَلَى سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ. . [فَصْلٌ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ تَكْبِيرَة سُجُودِ التِّلَاوَة] (864) فَصْلٌ: وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ تَكْبِيرَةِ السُّجُودِ إنْ سَجَدَ. فِي غَيْرِ صَلَاةٍ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا تَكْبِيرَةُ افْتِتَاحٍ، وَإِنْ كَانَ السُّجُودُ فِي الصَّلَاةِ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ لِأَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ الرَّفْعُ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا،
فصل يقول في سجوده للتلاوة ما يقول في سجود الصلاة
فَكَذَلِكَ مَعَ غَيْرِهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا يَرْفَعُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الرَّفْعِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، لَيْسَ هَذَا مِنْهَا، وَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَفْعَلُهُ فِي السُّجُودِ. يَعْنِي رَفْعَ يَدَيْهِ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: «قُلْتُ لَأَنْظُرَنَّ إلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَكَانَ يُكَبِّرُ إذَا خَفَضَ وَرَفَعَ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرِ.» قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا يَدْخُلُ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَهُوَ قَوْلُ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. [فَصْلٌ يَقُول فِي سُجُوده لِلتِّلَاوَةِ مَا يَقُول فِي سُجُود الصَّلَاة] (865) فَصْلٌ: وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ مَا يَقُولُ فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ قَالَ أَحْمَدُ: أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى. وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ: سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ، فَقَرَأْتُ السَّجْدَةَ، فَسَجَدْتُ، فَسَجَدَتْ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فَسَمِعْتُهَا وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُد. فَقَرَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجْدَةً ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ مِثْلَ مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلِ الشَّجَرَةِ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَمَهْمَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ فَحَسَنٌ. [مَسْأَلَة التَّسْلِيمِ فِي سُجُودِ التِّلَاوَة] (866) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُسَلِّمُ إذَا رَفَعَ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي التَّسْلِيمِ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ، فَرَأَى أَنَّهُ وَاجِبٌ. وَبِهِ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَرُوِيَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ أَحْمَدُ، أَمَّا التَّسْلِيمُ فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ. قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ: لَيْسَ فِيهِ تَسْلِيمٌ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا الْخِرَقِيِّ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ، فَافْتَقَرَتْ إلَى سَلَامٍ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى تَشَهُّدٍ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَلِأَنَّهُ لَا رُكُوعَ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَشَهُّدٌ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ. وَيُجْزِئُهُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ قَالَ: يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً. قَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً. قَالَ إِسْحَاقُ: يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ فَقَطْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. وَقَالَ فِي الْمُجَرَّدِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ: إنَّ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى؛ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا اثْنَتَانِ.
مسألة لا يسجد في الأوقات التي لا يجوز أن يصلي فيها تطوعا
[مَسْأَلَة لَا يَسْجُد فِي الْأَوْقَات الَّتِي لَا يَجُوز أَنْ يُصَلِّي فِيهَا تَطَوُّعًا] (867) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَسْجُدُ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا تَطَوُّعًا.) قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَمَّنْ قَرَأَ سُجُودَ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ، أَيَسْجُدُ؟ قَالَ: لَا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَإِسْحَاقَ. وَكَرِهَ مَالِكٌ قِرَاءَةَ السَّجْدَةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَسْجُدُ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَسَالِمٍ، وَالْقَاسِمِ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ؛ وَرَخَّصَ فِيهِ أَصْحَابُ الرَّأْيِ قَبْلَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ. وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ، قَالَ: كُنْت أَقُصُّ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَأَسْجُدُ، فَنَهَانِي ابْنُ عُمَرَ، فَلَمْ أَنْتَهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: «إنِّي صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَلَمْ يَسْجُدُوا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» . وَرَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ: أَنَّ قَاصًّا كَانَ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَيَسْجُدُ، فَنَهَاهُ ابْنُ عُمَرَ، وَقَالَ: إنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ. [مَسْأَلَة سُجُودَ التِّلَاوَة سُنَّةٌ مُؤَكَّدَة] (868) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ سَجَدَ فَحَسَنٌ، وَمَنْ تَرَكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَ إمَامِنَا وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ، وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَوْجَبَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ. لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [الانشقاق: 20] {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 21] وَلَا يُذَمُّ إلَّا عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ. وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ يُفْعَلُ فِي الصَّلَاةِ، فَكَانَ وَاجِبًا كَسُجُودِ الصَّلَاةِ. وَلَنَا، مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: «قَرَأْت عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ مِنَّا أَحَدٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، وَالْأَثْرَمُ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ، حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ، فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إذَا جَاءَتْ السَّجْدَةُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ. وَفِي لَفْظٍ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْنَا السُّجُودَ إلَّا أَنْ نَشَاءَ. وَفِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكُمْ، إنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إلَّا أَنْ نَشَاءَ. فَقَرَأَهَا، وَلَمْ يَسْجُدْ، وَمَنَعَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا وَهَذَا بِحَضْرَةِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ، وَلَا نُقِلَ خِلَافُهُ. فَأَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّهُ ذَمَّهُمْ لِتَرْكِ السُّجُودِ غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ فَضْلَهُ، وَلَا مَشْرُوعِيَّتَهُ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِسُجُودِ السَّهْوِ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ وَاجِبٍ. [فَصْلٌ يُسَنُّ السُّجُودُ لِلتَّالِيَّ وَالْمُسْتَمِعِ] (869) فَصْلٌ: وَيُسَنُّ السُّجُودُ لِلتَّالِي وَالْمُسْتَمِعِ لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي رَوَيْنَاهَا. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ
فصل يشترط لسجود المستمع أن يكون التالي ممن يصلح أن يكون له إماما
فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَيَسْجُدُ، وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى لَا يَجِدَ أَحَدُنَا مَكَانًا لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ» . فَأَمَّا السَّامِعُ غَيْرُ الْقَاصِدِ لِلسَّمَاعِ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ، وَرَوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِمْرَانَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: عَلَيْهِ السُّجُودُ. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَنَافِعٍ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهُ سَامِعٌ لِلسَّجْدَةِ، فَكَانَ عَلَيْهِ السُّجُودُ كَالْمُسْتَمِعِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أُؤَكِّدُ عَلَيْهِ السُّجُودَ، وَإِنْ سَجَدَ فَحَسَنٌ وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّهُ مَرَّ بِقَاصٍّ، فَقَرَأَ الْقَاصُّ سَجْدَةً لِيَسْجُدَ عُثْمَانُ مَعَهُ، فَلَمْ يَسْجُدْ. وَقَالَ: إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَعِمْرَانُ: مَا جَلَسْنَا لَهَا. وَقَالَ سَلْمَانُ: مَا عَدَوْنَا لَهَا. وَنَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ نَعْلَمُهُ إلَّا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ: إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا. فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَنْ سَمِعَ عَنْ قَصْدٍ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُهُ جَمْعًا بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ؛ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ السَّامِعِ عَلَى الْمُسْتَمِعِ، لِافْتِرَاقِهِمَا فِي الْأَجْرِ ". [فَصْلٌ يَشْتَرِط لِسُجُودِ الْمُسْتَمِع أَنْ يَكُون التَّالِي مِمَّنْ يُصْلَح أَنْ يَكُون لَهُ إمَامًا] (870) فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ لِسُجُودِ الْمُسْتَمِعِ أَنْ يَكُونَ التَّالِي مِمَّنْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَهُ إمَامًا. فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً، فَلَا يَسْجُدُ السَّامِعُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ. وَمِمَّنْ قَالَ لَا يَسْجُدُ إذَا سَمِعَ الْمَرْأَةَ قَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: هِيَ إمَامُك. وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى إلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَرَأَ رَجُلٌ مِنْهُمْ سَجْدَةً، ثُمَّ نَظَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّكَ كُنْتَ إمَامَنَا، وَلَوْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، فِي " مُسْنَدِهِ "، وَالْجُوزَجَانِيُّ، فِي " الْمُتَرْجَمِ "، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَ التَّالِي أُمِّيًّا لَمْ يَسْجُدْ الْمُسْتَمِعُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَسْجُدُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمَاعَ مَوْجُودٌ، وَهُوَ سَبَبُ السُّجُودِ. وَلَنَا، الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ وَلِأَنَّهُ إمَامٌ لَهُ فَلَمْ يَسْجُدْ بِدُونِ إمَامِهِ كَمَا لَوْ كَانَا فِي صَلَاةٍ وَإِنْ قَرَأَ الْأُمِّيُّ سَجْدَةً فَعَلَى الْقَارِئِ الْمُسْتَمِعِ السُّجُودُ مَعَهُ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ فِي السُّجُودِ فَإِنْ كَانَ التَّالِي فِي صَلَاةٍ، وَالْمُسْتَمِعُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، سَجَدَ مَعَهُ. وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَمِعُ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى لَمْ يَسْجُدْ مَعَهُ إنْ كَانَتْ فَرْضًا، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَتْ نَفْلًا فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَمِعَ، بَلْ يَشْتَغِلُ بِصَلَاتِهِ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَا يَسْجُدُ إذَا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْجُدُ عِنْدَ فَرَاغِهِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ، لَوْ تَرَكَ السُّجُودَ لِتِلَاوَتِهِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَسْجُدْ إذَا فَرَغَ، فَلَأَنْ لَا يَسْجُدَ بِحُكْمِ سَمَاعِهِ أَوْلَى، وَهَكَذَا الْحَكَمُ إنْ كَانَ التَّالِي فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَالْمُسْتَمِعُ فِي الصَّلَاةِ.
فصل لا يقوم الركوع مقام سجود التلاوة
[فَصْلٌ لَا يَقُوم الرُّكُوعُ مَقَامَ سُجُودِ التِّلَاوَة] (871) فَصْلٌ: وَلَا يَقُومُ الرُّكُوعُ مَقَامَ السُّجُودِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقُومُ مَقَامَهُ اسْتِحْبَابًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24] وَلَنَا، أَنَّهُ سُجُودٌ مَشْرُوعٌ، فَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ الرُّكُوعُ، كَسُجُودِ الصَّلَاةِ، وَالْآيَةُ الْمُرَادُ بِهَا السُّجُودُ، لِأَنَّهُ قَالَ: (وَخَرَّ) وَلَا يُقَالُ لِلرَّاكِعِ: خَرَّ، وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ - السُّجُودُ لَا الرُّكُوعُ، إلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالرُّكُوعِ، عَلَى أَنَّ سَجْدَةَ " ص " لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ دَاوُد رَكَعَ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ دَاوُد إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَوْبَةً، لَا لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ [فَصْلٌ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي الصَّلَاةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ] (872) فَصْلٌ: وَإِنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي الصَّلَاةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ، فَإِنْ شَاءَ رَكَعَ؛ وَإِنْ شَاءَ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنْ شِئْتَ رَكَعْتَ وَإِنْ شِئْتَ سَجَدْتَ، وَبِهِ قَالَ. الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَنَحْوُهُ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، وَمَسْرُوقٍ،. قَالَ مَسْرُوقٌ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، إذَا قَرَأَ أَحَدُكُمْ سُورَةً وَآخِرُهَا سَجْدَةٌ، فَلْيَرْكَعْ إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ فَلْيَسْجُدْ؛ فَإِنَّ الرَّكْعَةَ مَعَ السَّجْدَةِ، وَإِنْ سَجَدَ فَلْيَقْرَأْ إذَا قَامَ سُورَةً، ثُمَّ لِيَرْكَعْ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَرَأَ بِالنَّجْمِ فَسَجَدَ فِيهَا، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ سُورَةً أُخْرَى. [فَصْلٌ إذَا كَانَ عَلَى الرَّاحِلَة فِي السَّفَر جَازَ أَنْ يُومِئ بِالسُّجُودِ حَيْثُ كَانَ وَجْهه] فَصْلٌ:: وَإِذَا كَانَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ، جَازَ أَنْ يُومِئَ بِالسُّجُودِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ. فَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ ابْنِ عُمَرَ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ عَامَ الْفَتْحِ سَجْدَةً، فَسَجَدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، مِنْهُمْ الرَّاكِبُ وَالسَّاجِدُ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى إنَّ الرَّاكِبَ لَيَسْجُدُ عَلَى يَدِهِ» . وَلِأَنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى صَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَهِيَ تُفْعَلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ. وَإِنْ كَانَ مَاشِيًا سَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ وَالْقِيَاسِ. وَقَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ: يُومِئُ. وَفَعَلَهُ عَلْقَمَةُ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَلَى مَا حَكَاهُ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ فِي صَلَاةِ الْمَاشِي فِي التَّطَوُّعِ، أَنَّهُ يُومِئُ فِيهَا بِالسُّجُودِ، وَلَا يَلْزَمُهُ السُّجُودُ بِالْأَرْضِ، وَيَكُونُ هَاهُنَا مِثْلَهُ. [فَصْلٌ يَكْرَه أَنْ يَنْتَزِع الْآيَات الَّتِي فِيهَا السُّجُود فَيَقْرَأهَا وَيَسْجُد فِيهَا] (874) فَصْلٌ: يُكْرَهُ اخْتِصَارُ السُّجُودِ وَهُوَ أَنْ يَنْتَزِعَ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا السُّجُودُ فَيَقْرَأَهَا وَيَسْجُدَ فِيهَا. وَكَرِهَهُ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَإِسْحَاقُ، وَرَخَّصَ فِيهِ النُّعْمَانُ وَصَاحِبُهُ مُحَمَّدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ.
فصل قراءة السجدة في صلاة لا يجهر فيها
وَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَرْوِيٍّ عَنْ السَّلَفِ فِعْلُهُ، بَلْ كَرَاهَتُهُ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ يُقَاسُ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ قِرَاءَة السَّجْدَة فِي صَلَاةٍ لَا يُجْهَرُ فِيهَا] (875) فَصْلٌ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ قِرَاءَةُ السَّجْدَةِ فِي صَلَاةٍ لَا يُجْهَرُ فِيهَا، وَإِنْ قَرَأَ لَمْ يَسْجُدْ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إيهَامًا عَلَى الْمَأْمُومِ. وَلَمْ يَكْرَهْهُ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَنَّهُ سَجَدَ فِي الظُّهْرِ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ، فَرَأَى أَصْحَابُهُ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ السَّجْدَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ فِيهِ إيهَامًا عَلَى الْمَأْمُومِ. وَاتِّبَاعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى. وَإِذَا سَجَدَ الْإِمَامُ سَجَدَ الْمَأْمُومُ مَعَهُ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابُنَا: الْمَأْمُومُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ اتِّبَاعِهِ أَوْ تَرْكِهِ وَالْأَوْلَى اتِّبَاعُهُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» . وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعِيدًا لَا يَسْمَعُ، أَوْ أُطْرُوشًا فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ، لَسَجَدَ بِسُجُودِ إمَامِهِ، كَذَا هَاهُنَا. [فَصْلٌ سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْد تَجَدُّدِ النِّعَمِ وَانْدِفَاعِ النِّقَم] (876) فَصْلٌ:: وَيُسْتَحَبُّ سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ، وَانْدِفَاعِ النِّقَمِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي أَيَّامِهِ الْفُتُوحُ، وَاسْتَسْقَى فَسُقِيَ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ سَجَدَ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَمْ يُخِلَّ بِهِ. وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يُسَرُّ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا» ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلَفْظُهُ قَالَ: «كَانَ إذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يُسَرُّ بِهِ، أَوْ بُشِّرَ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا؛ شُكْرًا لِلَّهِ» . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَسَجَدَ الصِّدِّيقُ حِينَ فَتَحَ الْيَمَامَةَ وَعَلِيٌّ حِينَ وَجَدَ ذَا الثُّدَيَّةِ. وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَثَبَتَ ظُهُورُهُ وَانْتِشَارُهُ فَبَطَلَ مَا قَالُوهُ، وَتَرْكُهُ تَارَةً لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ، فَإِنَّ الْمُسْتَحَبَّ يُفْعَلُ تَارَةً، وَيُتْرَكُ أُخْرَى. وَيُشْتَرَطُ لِسُجُودِ الشُّكْرِ مَا يُشْتَرَطُ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ لَا يَسْجُدُ لِلشُّكْرِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ] (877) فَصْلٌ: وَلَا يَسْجُدُ لِلشُّكْرِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ. لِأَنَّ سَبَبَ السَّجْدَةِ لَيْسَ مِنْهَا. فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ. فَأَمَّا سَجْدَةُ " ص " إذَا سَجَدَهَا فِي الصَّلَاةِ وَقُلْنَا: لَيْسَتْ مِنْ الْعَزَائِمِ،
مسألة إذا حضرت الصلاة والعشاء بدأ بالعشاء
فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ؛ لِأَنَّهَا سَجْدَةُ شُكْرٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَبْطُلَ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا مِنْ الصَّلَاةِ، وَتَتَعَلَّقُ بِالتِّلَاوَةِ، فَهِيَ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَة إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَالْعَشَاءُ بَدَأَ بِالْعَشَاءِ] (878) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَالْعَشَاءُ بَدَأَ بِالْعَشَاءِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَالْمُسْتَحَبُّ. أَنْ يَبْدَأَ بِالْعَشَاءِ. قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ لِيَكُونَ أَفْرَغَ لِقَلْبِهِ، وَأَحْضَرَ لِبَالِهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْجَلَ عَنْ عَشَائِهِ أَوْ غَدَائِهِ، فَإِنَّ أَنَسًا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ» وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْضُرَ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ وَيَخَافَ فَوْتَهَا فِي الْجَمَاعَةِ أَوْ لَا يَخَافَ ذَلِكَ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أَنَسٍ: «إذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا قُرِّبَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُ: وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ. يَعْنِي الْجَمَاعَةَ. وَتَعَشَّى ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّمَا يُقَدِّمُ الْعَشَاءَ عَلَى الْجَمَاعَةِ إذَا كَانَتْ نَفْسُهُ تَتُوقُ إلَى الطَّعَامِ كَثِيرًا. وَنَحْوَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَبْدَءُونَ بِالصَّلَاةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ طَعَامًا خَفِيفًا. وَقَالَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ عُمَرُ، وَابْنُهُ وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا نَقُومُ إلَى الصَّلَاةِ وَفِي أَنْفُسِنَا شَيْءٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، فَأَكْمَلَ صَلَاتَهُ أَنَّ صَلَاتَهُ تُجْزِئُهُ. كَذَلِكَ إذَا صَلَّى حَاقِنًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالْعَنْبَرِيُّ: يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ، وَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ مَعَ ذَلِكَ، إنْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنْ فُرُوضِهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: أُحِبُّ أَنْ يُعِيدَ إذَا شَغَلَهُ ذَلِكَ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ لَوْ شُغِلَ قَلْبُهُ بِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا، أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِعَادَةُ، كَذَلِكَ إذَا شَغَلَهُ الْبَوْلُ. [مَسْأَلَة إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ يَحْتَاجُ إلَى الْخَلَاءِ] (879) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ، وَهُوَ يَحْتَاجُ إلَى الْخَلَاءِ، بَدَأَ بِالْخَلَاءِ) يَعْنِي إذَا كَانَ حَاقِنًا كُرِهَتْ لَهُ الصَّلَاةُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ، سَوَاءٌ خَافَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ أَوْ لَمْ يَخَفْ. لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَرَوَى ثَوْبَانُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَنْظُرَ فِي جَوْفِ بَيْتِ امْرِئٍ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ، وَلَا يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ حَاقِنٌ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ وَبِهِ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ خُشُوعِهَا. وَحُضُورِ قَلْبِهِ فِيهَا، فَإِنْ خَالَفَ وَفَعَلَ،
صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا وَقَالَ، ابْنُ أَبِي مُوسَى: إنْ كَانَ بِهِ مِنْ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ مَا يُزْعِجُهُ وَيَشْغَلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ، أَعَادَ، فِي الظَّاهِرِ مِنْ قَوْلِهِ. لِظَاهِرِ الْحَدِيثَيْنِ. اللَّذَيْنِ رَوَيْنَاهُمَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ: لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، فَهَذَانِ مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي يُعْذَرُ بِهَا فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ، لِعُمُومِ اللَّفْظِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ: «وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ» . عَامٌّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَقَوْلُهُ: " لَا صَلَاةَ " عَامٌّ أَيْضًا. (880) فَصْلٌ: وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا الْمَرِيضُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ الْجَمَاعَاتِ مِنْ أَجْلِ الْمَرَضِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ. قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ. لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَدْ «كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ يَأْتِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مَرِيضٌ فَيَقُولُ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» . (881) فَصْلٌ: وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا الْخَائِفُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعُذْرُ خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ» وَالْخَوْفُ، ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ خَوْفٌ عَلَى النَّفْسِ، وَخَوْفٌ عَلَى الْمَالِ، وَخَوْفٌ عَلَى الْأَهْلِ. فَالْأَوَّلُ، أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ سُلْطَانًا، يَأْخُذُهُ أَوْ عَدُوًّا، أَوْ لِصًّا، أَوْ سَبُعًا، أَوْ دَابَّةً، أَوْ سَيْلًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، مِمَّا يُؤْذِيهِ فِي نَفْسِهِ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ. أَنْ يَخَافَ غَرِيمًا لَهُ يُلَازِمُهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ يُوفِيهِ، فَإِنْ حَبَسَهُ بِدَيْنٍ هُوَ مُعْسِرٌ بِهِ ظُلْمٌ لَهُ، فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ عُذْرًا لَهُ، لِأَنَّهُ يَجِبُ إيفَاؤُهُ. وَكَذَلِكَ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ حَدُّ قَذْفٍ، فَخَافَ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ، لَمْ يَكُنْ عُذْرًا، لِأَنَّهُ يَجِبُ إيفَاؤُهُ وَهَكَذَا إنْ تَأَخَّرَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ مِنْ أَجْلِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ يَرْجُو الصُّلْحَ عَلَى مَالٍ فَلَهُ التَّخَلُّفُ، حَتَّى يُصَالِحَ، بِخِلَافِ الْحُدُودِ، فَإِنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا الْمُصَالَحَةُ وَلَا الْعَفْوُ. وَحَدُّ الْعَفْوِ أَنْ يُرْجَى الْعَفْوُ عَنْهُ، فَلَيْسَ يُعْذَرُ فِي التَّخَلُّفِ؛ لِأَنَّهُ يَرْجُو إسْقَاطَهُ بِغَيْرِ بَدَلٍ وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا بِالْمَطَرِ. الَّذِي يَبُلُّ الثِّيَابَ، وَالْوَحْلِ الَّذِي يَتَأَذَّى بِهِ فِي نَفْسِهِ وَثِيَابِهِ؛ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ: إذَا قُلْت: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. وَقُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ. قَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَلِكَ، لَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ
فصل يعذر في تركهما من يخاف عليه النعاس حتى يفوتاه فيصلي وحده وينصرف
أُخْرِجَكُمْ فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحَضِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ بِالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْبَارِدَةِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ، ابْنِ عُمَرَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَادِي مُنَادِيَهُ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ أَوْ اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ. صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَنَحْوَهُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ إلَّا أَنَّ فِيهِ: فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوْ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ وَرَوَى أَبُو الْمَلِيحِ أَنَّهُ «شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَأَصَابَهُمْ مَطَرٌ لَمْ يَبْتَلَّ أَسْفَلُ نِعَالِهِمْ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِي رِحَالِهِمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيُعْذَرُ أَيْضًا مَنْ يُرِيدُ سَفَرًا، وَيَخَافُ فَوَاتَ رُفْقَتِهِ. النَّوْعُ الثَّانِي: الْخَوْفُ عَلَى مَالِهِ؛ بِخُرُوجِهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ السُّلْطَانِ وَاللُّصُوصِ وَأَشْبَاهِهِمَا، أَوْ يَخَافُ أَنْ يُسْرَقَ مَنْزِلُهُ أَوْ يُحْرَقَ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ أَوْ يَكُونُ لَهُ خُبْزٌ فِي التَّنُّورِ، أَوْ طَبِيخٌ عَلَى النَّارِ يَخَافُ حَرِيقَهُ بِاشْتِغَالِهِ عَنْهُ أَوْ يَكُونُ لَهُ غَرِيمٌ إنْ تَرَكَ مُلَازَمَتَهُ ذَهَبَ بِمَالِهِ، أَوْ يَكُونُ لَهُ بِضَاعَةٌ أَوْ وَدِيعَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ إنْ لَمْ يُدْرِكْهُ ذَهَبَ. فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ؛ النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْخَوْفُ عَلَى وَلَدِهِ وَأَهْلِهِ أَنْ يَضِيعُوا، أَوْ يَكُونُ وَلَدُهُ ضَائِعًا فَيَرْجُو وُجُودَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَوْ يَكُونُ لَهُ قَرِيبٌ يَخَافُ إنْ تَشَاغَلَ بِهِمَا مَاتَ فَلَمْ يَشْهَدْهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتَصْرَخَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى فَأَتَاهُ بِالْعَقِيقِ وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ. وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ. [فَصْلٌ يُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا مَنْ يَخَافُ عَلَيْهِ النُّعَاسَ حَتَّى يَفُوتَاهُ فَيْصَلِي وَحْدَهُ وَيَنْصَرِفُ] فَصْلٌ: وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا مَنْ يَخَافُ عَلَيْهِ النُّعَاسَ حَتَّى يَفُوتَاهُ فَيْصَلِي وَحْدَهُ وَيَنْصَرِفُ
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
[باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا] رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ ثَلَاثًا فَقَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي. قَالَ: إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ مُسْلِمٌ «إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ.» (883) [مَسْأَلَةٌ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ وَهُوَ إمَامٌ أَوْ مُنْفَرِدٌ] (885) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَرَكَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ، أَوْ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ - وَهُوَ إمَامٌ أَوْ مُنْفَرِدٌ -، أَوْ الرُّكُوعَ، أَوْ الِاعْتِدَالَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، أَوْ السُّجُودَ، أَوْ الِاعْتِدَالَ بَعْدَ السُّجُودِ، أَوْ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ، أَوْ السَّلَامَ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي الصَّلَاةِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: وَاجِبٍ، وَمَسْنُونٍ، فَالْوَاجِبُ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَسْقُطُ فِي الْعَمْدِ وَلَا فِي السَّهْوِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ: تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لِلْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ، وَالْقِيَامُ، وَالرُّكُوعُ حَتَّى يَطْمَئِنَّ، وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ حَتَّى يَطْمَئِنَّ، وَالسُّجُودُ حَتَّى يَطْمَئِنَّ، وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَطْمَئِنَّ؛ وَالتَّشَهُّدُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، وَالْجُلُوسُ لَهُ، وَالسَّلَامُ، وَتَرْتِيبُ الصَّلَاةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. فَهَذِهِ تُسَمَّى أَرْكَانًا لِلصَّلَاةِ لَا تَسْقُطُ فِي عَمْدٍ وَلَا سَهْوٍ. وَفِي وُجُوبِ بَعْضِ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى. وَقَدْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ. فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: لَمْ تُصَلِّ وَأَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا سَأَلَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ عَلَّمَهُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُصَلِّيًا بِدُونِهَا. وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالسَّهْوِ؛ فَإِنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ بِالسَّهْوِ، لَسَقَطَتْ عَنْ الْأَعْرَابِيِّ لِكَوْنِهِ جَاهِلًا بِهَا. وَالْجَاهِلُ كَالنَّاسِي.
فَأَمَّا بُطْلَانُ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهَا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو؛ إمَّا أَنْ يَتْرُكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا. فَإِنَّ مَنْ تَرَكَهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فِي الْحَالِ، وَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا سَهْوًا، ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ، أَتَى بِهِ، عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ فِيمَا بَعْدُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ. فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ. ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ بَنَى عَلَيْهَا، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَنَحْوَهُ قَالَ مَالِكٌ وَيُرْجَعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إلَى الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ كَقَوْلِنَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْفَصْلُ الطَّوِيلُ قَدْرُ رَكْعَةٍ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْرُ الصَّلَاةِ الَّتِي نَسِيَ فِيهَا وَاَلَّذِي قُلْنَا أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ فِي الشَّرْعِ فَيُرْجَعُ إلَى الْعُرْفِ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ التَّقْدِيرُ بِالتَّحَكُّمِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: مَتَى تَرَكَ رُكْنًا فَلَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى سَلَّمَ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ مِنْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةٍ، ثُمَّ ذَكَرَهَا فِي الصَّلَاةِ، سَجَدَهَا مَتَى ذَكَرَهَا، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ، سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ. وَعَنْ مَكْحُولٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ الطُّوسِيِّ فِي الْمُصَلِّي يَنْسَى سَجْدَةً أَوْ رَكْعَةً، يُصَلِّيهَا مَتَى مَا ذَكَرَهَا، وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ. وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فِي رَجُلٍ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، فَذَكَرَهَا فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ سَجَدَهَا. وَلَنَا، عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ مَعَ قُرْبِ الْفَصْلِ، أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ رَكْعَةً أَوْ أَكْثَرَ، فَذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَطُولَ الْفَصْلُ، أَتَى بِمَا تَرَكَ، وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ إجْمَاعًا. وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ فَإِذَا تَرَكَ رُكْنًا وَاحِدًا، فَأَوْلَى أَنْ لَا تَبْطُلَ الصَّلَاةُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى تَرْكِ رَكْعَةٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِتَطَاوُلِ الْفَصْلِ، أَنَّهُ أَخَلَّ بِالْمُوَالَاةِ، فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ ذَكَرَ فِي يَوْمٍ ثَانٍ. (884) فَصْلٌ: وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَنْسِيُّ التَّشَهُّدَ وَالسَّلَامَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ وَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَأْتِي بِالرُّكْنِ وَمَا بَعْدَهُ لَا غَيْرُ. وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ. قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، فِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ، ثُمَّ سَلَّمَ وَتَكَلَّمَ: إذَا كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ، قَضَى رَكْعَةً، لَا يَعْتَدُّ بِالرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتِمُّ إلَّا بِسَجْدَتَيْهَا، فَلَمَّا لَمْ يَسْجُدْ مَعَ الرَّكْعَةِ سَجْدَتَيْهَا، وَأَخَذَ فِي عَمَلٍ بَعْدَ السَّجْدَةِ الْوَاحِدَةِ، قَضَى رَكْعَةً، ثُمَّ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ.
مسألة سجود السهو
وَإِنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ شَأْنِ الصَّلَاةِ، ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَبِهَذَا كَانَ يَقُولُ مَالِكٌ زَعَمُوا. وَلَعَلَّ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، ذَهَبَ إلَى حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَكَلَّمَ وَسَأَلَ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ: " أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ ثُمَّ بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ. وَفِي الْجُمْلَةِ فَالْحُكْمُ فِي تَرْكِ رُكْنٍ مِنْ رَكْعَةٍ كَالْحُكْمِ فِي تَرْكِ الرَّكْعَةِ بِكَمَالِهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (885) فَصْلٌ: وَتَخْتَصُّ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ مِنْ بَيْنِ الْأَرْكَانِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَنْعَقِدُ بِتَرْكِهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» . وَلَا يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ بِدُونِهَا. وَيَخْتَصُّ الْقِيَامُ بِسُقُوطِهِ فِي النَّوَافِلِ؛ لِأَنَّهُ يَطُولُ فَيَشُقُّ، فَسَقَطَ فِي النَّافِلَةِ، مُبَالَغَةً فِي تَكْثِيرِهَا، كَمَا سَقَطَ التَّوَجُّهُ فِيهَا فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، مُبَالَغَةً فِي تَكْثِيرِهَا. وَتَخْتَصُّ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بِسُقُوطِهَا عَنْ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ إمَامِهِ لَهُ قِرَاءَةٌ. وَيَخْتَصُّ السَّلَامُ بِأَنَّهُ إذَا نَسِيَهُ أَتَى بِهِ خَاصَّةً. [مَسْأَلَة سُجُود السَّهْو] (886) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ التَّكْبِيرِ - غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ -، أَوْ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ، أَوْ التَّسْبِيحِ فِي السُّجُودِ، أَوْ قَوْلِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، أَوْ قَوْلِ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، أَوْ رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي، أَوْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، أَوْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ عَامِدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُ سَاهِيًا أَتَى بِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ هَذَا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْوَاجِبَاتِ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ، وَفِي وُجُوبِهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَالْأُخْرَى، لَيْسَتْ وَاجِبَةً، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَوْجَبَ مِنْهَا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَمَّهُ إلَى الْأَرْكَانِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى كَقَوْلِهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَى وُجُوبِهَا فِيمَا مَضَى، وَذَكَرْنَا حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّهُ لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، وَيَضَعَ الْوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ وَيَحْمَدَ اللَّهَ وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ، وَيَقْرَأَ بِمَا شَاءَ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَرْكَعَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُولَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ يَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَيَرْفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَرْفَعَ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ: لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فصل شروط صحة الصلاة
وَحُكْمُ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ - إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا - أَنَّهُ إنْ تَرَكَهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا وَجَبَ عَلَيْهِ السُّجُودُ لِلسَّهْوِ؛ وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ وَتَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، فَسَبَّحُوا بِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ، حَتَّى إذَا جَلَسَ لِلتَّسْلِيمِ، سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ. فِي حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ. وَلَوْلَا أَنَّ التَّشَهُّدَ سَقَطَ بِالسَّهْوِ لَرَجَعَ إلَيْهِ، وَلَوْلَا أَنَّهُ وَاجِبٌ لَمَا سَجَدَ جَبْرًا لِنِسْيَانِهِ، وَغَيْرُ التَّشَهُّدِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ مَقِيسٌ عَلَيْهِ، وَمُشَبَّهٌ بِهِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِلْعِبَادَةِ وَاجِبَاتٌ يَتَخَيَّرُ إذَا تَرَكَهَا، وَأَرْكَانٌ لَا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ بِدُونِهَا، كَالْحَجِّ فِي وَاجِبَاتِهِ وَأَرْكَانِهِ. (887) فَصْلٌ: وَضَمَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ نِيَّةَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ فِي سَلَامِهِ، وَالتَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِوَاجِبَتَيْنِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْهُمَا فِي عَدَدِ الْوَاجِبَاتِ. وَيَخْتَصُّ «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» بِالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ، وَفِي الْمُنْفَرِدِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَيَخْتَصُّ قَوْلُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، بِالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ. الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْمَشْرُوعِ فِي الصَّلَاةِ: الْمَسْنُونُ وَهُوَ مَا عَدَا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ؛ رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَالرُّكُوعُ، وَالرَّفْعُ مِنْهُ، وَوَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَحَطُّهَا تَحْتَ السُّرَّةِ، وَالنَّظَرُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَالِاسْتِفْتَاحُ وَالتَّعَوُّذُ، وَقِرَاءَةُ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] وَقَوْلُ " آمِينَ "، وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَالْجَهْرُ وَالْإِسْرَارُ فِي مَوَاضِعِهِمَا، وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ فِي الرُّكُوعِ، وَمَدُّ الظَّهْرِ وَالِانْحِنَاءُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَمَا زَادَ عَلَى التَّسْبِيحَةِ الْوَاحِدَةِ فِيهِمَا، وَمَا زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ فِي سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ، وَقَوْلُ (مِلْءَ السَّمَاءِ بَعْدَ التَّحْمِيدِ، وَالْبِدَايَةُ بِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ فِي السُّجُودِ، وَرَفْعُهُمَا فِي الْقِيَامِ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ فِي السُّجُودِ، وَوَضْعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ أَوْ حَذْوَ أُذُنَيْهِ، وَفَتْحُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ فِيهِ، وَفِي الْجُلُوسِ، وَالِافْتِرَاشُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالتَّوَرُّكُ فِي الثَّانِي، وَوَضْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْفَخِذِ الْيُمْنَى مَقْبُوضَةً مُحَلَّقَةً، وَالْإِشَارَةُ بِالسَّبَّابَةِ، وَوَضْعُ الْيَدِ الْأُخْرَى عَلَى الْفَخِذِ الْأُخْرَى مَبْسُوطَةً، وَالِالْتِفَاتُ عَلَى الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ فِي التَّسْلِيمَتَيْنِ، وَالسُّجُودُ عَلَى أَنْفِهِ، وَجَلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ، وَالتَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ، وَنِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ فِي سَلَامِهِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِنَّ. وَحُكْمُ هَذِهِ السُّنَنِ جَمِيعِهَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا، وَفِي السُّجُودِ لَهَا عِنْدَ السَّهْوِ عَنْهَا تَفْصِيلٌ، نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. [فَصْلٌ شُرُوطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ] (888) فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ؛ الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ، وَالطَّهَارَةُ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَالسُّتْرَةُ، وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ،
فصل يستحب للمصلي أن ينظر إلى موضع سجوده
وَدُخُولُ الْوَقْتِ، وَالنِّيَّةُ. فَمَتَى أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ. وَتَخْتَصُّ النِّيَّةُ بِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ عَدَمِهَا بِحَالٍ لَا فِي حَقِّ مَعْذُورٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَيَخْتَصُّ الْوَقْتُ بِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ. وَكُلُّ مَا اُعْتُبِرَ لَهُ وَقْتٌ فَلَا يَصِحُّ قَبْلَ وَقْتِهِ، إلَّا الثَّانِيَةَ مِنْ الْمَجْمُوعَتَيْنِ، تُفْعَلُ فِي وَقْتِ الْأُولَى حَالَ الْعُذْرِ، إذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا. وَبَقِيَّةُ الشُّرُوطِ تَسْقُطُ بِالْعُذْرِ، عَلَى تَفْصِيلٍ ذُكِرَ فِي مَوَاضِعِهِ، فِيمَا مَضَى. [فَصْلٌ يُسْتَحَبّ لِلْمُصَلَّيْ أَنْ يَنْظُر إلَى مَوْضِع سُجُوده] فَصْلٌ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَجْعَلَ نَظَرَهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ: أَنْ يَجْعَلَ نَظَرَهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، وَقَتَادَةَ، وَحُكِيَ عَنْ شَرِيكٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَنْظُرُ فِي حَالِ قِيَامِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَفِي رُكُوعِهِ إلَى قَدَمَيْهِ، وَفِي حَالِ سُجُودِهِ إلَى أَنْفِهِ، وَفِي حَالِ التَّشَهُّدِ إلَى حِجْرِهِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو طَالِبٍ الْعُشَارِيُّ، فِي الْأَفْرَادِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، قَالَ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ أَجْعَلُ بَصَرِي فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: مَوْضِعَ سُجُودِكَ. قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ذَلِكَ لَشَدِيدٌ، إنَّ ذَلِكَ لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: فَفِي الْمَكْتُوبَةِ إذًا» . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُفَرِّجَ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، وَيُرَاوِحَ بَيْنَهُمَا إذَا طَالَ جُلُوسُهُ، يَعْتَمِدُ عَلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَعَلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَلَا يُكْثِرُ ذَلِكَ، لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: رَأَى عَبْدُ اللَّهِ رَجُلًا يُصَلِّي صَافًّا بَيْنَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: لَوْ رَاوَحَ هَذَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ كَانَ أَفْضَلَ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ أَخْطَأَ السُّنَّةَ، وَلَوْ رَاوَحَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَعْجَبَ إلَيَّ. قَالَ الْأَثْرَمُ: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُفَرِّجُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، وَرَأَيْته يُرَاوِحُ بَيْنَهُمَا. وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وَالْحَسَنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عِنْدَ طُولِ الْقِيَامِ كَمَا قَالَ عَطَاءٌ، قَالَ: إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يُقِلَّ فِيهِ التَّحْرِيكَ، وَأَنْ يَعْتَدِلَ قَائِمًا عَلَى قَدَمَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ إنْسَانًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَإِنَّهُ يَطُولُ عَلَى الْإِنْسَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوَكُّؤِ عَلَى هَذِهِ مَرَّةً وَعَلَى هَذِهِ مَرَّةً. [فَصْلٌ تَرَكَ شَيِّئْ مِنْ سُنَن الصَّلَاة] (890) فَصْلٌ: يُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَلْتَفِتَ فِي الصَّلَاةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْتِفَاتِ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ.» مِنْ الصِّحَاحِ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. وَفِي الْمُسْنَدِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ يَشْغَلُ عَنْ الصَّلَاةِ، فَكَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى. فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ لَمْ يُكْرَهْ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ، قَالَ: «ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إلَى الشِّعْبِ.» قَالَ أَبُو دَاوُد وَكَانَ أَرْسَلَ فَارِسًا إلَى الشِّعْبِ يَحْرُسُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ
ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ.» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالِالْتِفَاتِ إلَّا أَنْ يَسْتَدِيرَ بِجُمْلَتِهِ عَنْ الْقِبْلَةِ، أَوْ يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ. لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الِالْتِفَاتَ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ يَسِيرًا. وَيُكْرَهُ رَفْعُ الْبَصَرِ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ أَنَسًا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ: لَيَنْتَهِيَنَّ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» . وَيُكْرَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا يُلْهِيهِ، أَوْ يَنْظُرَ فِي كِتَابٍ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ. فَقَالَ: شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إلَى أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ: «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّي وَيَدُهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُتَخَصِّرًا.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ زِيَادِ بْنِ صُبَيْحٍ الْحَنَفِيِّ، قَالَ: «صَلَّيْت إلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ، فَوَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى خَاصِرَتَيَّ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: هَذَا الصَّلْبُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْهُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ مَعْقُوصٌ أَوْ مَكْتُوفٌ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُصَلِّي، وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَامَ فَجَعَلَ يَحُلُّهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مَا لَك وَرَأْسِي؟ فَقَالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول: إنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ.» وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُفَّ شَعَرَهُ وَثِيَابَهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا أَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُكْرَهُ التَّشْبِيكُ فِي الصَّلَاةِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا قَدْ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَفَرَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَصَابِعِهِ.» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، فِي الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مُشَبِّكٌ يَدَيْهِ: تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ.
وَيُكْرَهُ فَرْقَعَةُ الْأَصَابِعِ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُفَرْقِعْ أَصَابِعَك وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ» . وَيُكْرَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدِهِ فِي الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ.» وَيُكْرَهُ مَسْحُ الْحَصَا؛ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، فِي الْمُسْنَدِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ، فَلَا يَمْسَحْ الْحَصَا» . وَعَنْ مُعَيْقِيبٍ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسْحِ الْحَصَا فِي الصَّلَاةِ: إنْ كُنْت فَاعِلًا فَمَرَّةً وَاحِدَةً» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو دَاوُد. وَيُكْرَهُ الْعَبَثُ كُلُّهُ، وَمَا يَشْغَلُ عَنْ الصَّلَاةِ وَيَذْهَبُ بِخُشُوعِهَا، وَقَدْ رُوِيَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» . وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي كَرَاهَةِ هَذَا كُلِّهِ اخْتِلَافًا، وَمِمَّنْ كَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ، وَنُقِلَ كَرَاهَةُ بَعْضِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَأَبِي مِجْلَزٍ وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَيُكْرَهُ أَنْ يُلْصِقَ إحْدَى قَدَمَيْهِ بِالْأُخْرَى فِي حَالِ قِيَامِهِ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: كُنْت مَعَ أَبِي فِي الْمَسْجِدِ، فَرَأَى رَجُلًا يُصَلِّي، قَدْ صَفَّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، وَأَلْزَقَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، فَقَالَ أَبِي: لَقَدْ أَدْرَكْت فِي هَذَا الْمَسْجِدِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْهُمْ فَعَلَ هَذَا قَطُّ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُفَرِّجُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، وَلَا يَمَسُّ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، لَا يُقَارِبُ وَلَا يُبَاعِدُ. وَيُكْرَهُ أَنْ يُغْمِضَ عَيْنَيْهِ فِي الصَّلَاةِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ وَقَالَ: هُوَ فِعْلُ الْيَهُودِ. وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَانُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ جَوَازُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُغْمِضْ عَيْنَيْهِ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وَيُكْرَهُ أَنْ يُكْثِرَ الرَّجُلُ مَسْحَ جَبْهَتِهِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ مِنْ الْجَفَاءِ أَنْ يُكْثِرَ الرَّجُلُ مَسْحَ جَبْهَتِهِ، قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَرُوِيَ أَيْضًا مَرْفُوعًا. وَكَرِهَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ مِنْ الْجَفَاءِ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَا تَمْسَحْ جَبْهَتَكَ. وَلَا تَنْفُخْ، وَلَا تُحَرِّكْ الْحَصَا. وَرَخَّصَ فِيهِ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
فصل عد الآي في الصلاة
وَكَرِهَ أَحْمَدُ التَّرَوُّحَ فِي الصَّلَاةِ، إلَّا مِنْ الْغَمِّ الشَّدِيدِ. وَبِذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ وَكَرِهَهُ عَطَاءٌ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، وَمَالِكٌ. وَرَخَّصَ فِيهِ ابْنُ سِيرِينَ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَعَائِشَةُ بِنْتُ سَعْدٍ. وَكُرِهَ التَّمَيُّلُ فِي الصَّلَاةِ. لِمَا رَوَى النَّجَّادُ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَكِّنْ أَطْرَافَهُ. وَلَا يَتَمَيَّلْ مِثْلَ الْيَهُودِ» . وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، إلَّا مَا كَانَ مِنْهَا فِعْلًا، كَالْعَبَثِ، وَفَرْقَعَةِ الْأَصَابِعِ، إذَا كَثُرَ مُتَوَالِيًا، فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ. [فَصْلٌ عَدِّ الْآيِ فِي الصَّلَاةِ] (891) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِعَدِّ الْآيِ فِي الصَّلَاةِ. وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ عَدِّ التَّسْبِيحِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى عَدِّ الْآيِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَطَاوُسٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ، وَإِسْحَاقَ. وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَشْغَلُ عَنْ خُشُوعِ الصَّلَاةِ الْمَأْمُورِ بِهِ. وَلَنَا: أَنَّهُ إجْمَاعٌ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، وَطَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفٌ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ يَنْتَشِرُ وَلَا يَخْفَى، فَيَكُونُ، إجْمَاعًا. وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ عَدَّ التَّسْبِيحِ؛ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَمَّنْ ذَكَرْنَاهُمْ عَدُّ الْآيِ قَالَ أَحْمَدُ أَمَّا عَدُّ الْآيِ فَقَدْ سَمِعْنَا، وَأَمَّا عَدُّ التَّسْبِيحِ فَمَا سَمِعْنَا. وَكَانَ الْحَسَنُ لَا يَرَى بِعَدِّ الْآيِ فِي الصَّلَاةِ بَأْسًا. وَكَرِهَ أَنْ يَحْسُبَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا سِوَاهُ. وَلَا بَأْسَ بِالْإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ بِالْيَدِ وَالْعَيْنِ لِأَنَّ مَعْمَرًا رَوَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ الدِّيرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ. وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ فَإِنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ؛ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، رِيشَةً حَسِبَهَا عَقْرَبًا، فَضَرَبَهَا بِنَعْلِهِ. فَأَمَّا الْقَمْلُ، فَقَالَ الْقَاضِي: الْأَوْلَى التَّغَافُلُ عَنْهُ، فَإِنْ قَتَلَهَا فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ أَنَسًا كَانَ يَقْتُلُ الْقَمْلَ وَالْبَرَاغِيثَ فِي الصَّلَاةِ وَكَانَ الْحَسَنُ يَقْتُلُ الْقَمْلَ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: تَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَكَانَ عُمَرُ يَقْتُلُ الْقَمْلَ فِي الصَّلَاةِ، رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَإِذَا تَثَاءَبَ فِي الصَّلَاةِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَكْظِمَ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ» مِنْ الصِّحَاحِ. وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ» رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ
وَإِذَا بَدَرَهُ الْبُصَاقُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ وَيَحُكُّ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ يَبْصُقُ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ. وَلَنَا، مَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ، أَيُحِبُّ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا. وَوَصَفَ الْقَاسِمُ: فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ» . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَلَا بَأْسَ بِالْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ لِلْحَاجَةِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ فَجِئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ، فَمَشَى، فَفَتَحَ لِي، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مُصَلَّاهُ» وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَنِي بِحَاجَةٍ فَأَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يُشِيرُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَأَشَارَ إلَيَّ فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي فَقَالَ إنَّك سَلَّمْتَ عَلَيَّ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي» وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَتَوَالَى وَيَكْثُرَ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
باب سجدتي السهو
[بَابُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ] [مَسْأَلَةٌ سَلَّمَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ صَلَاتِهِ] قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يُحْفَظُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَةُ أَشْيَاءَ؛ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَسَجَدَ، وَسَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ فَسَجَدَ وَفِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَقَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْخَمْسَةُ يَعْنِي حَدِيثَيْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ بُحَيْنَةَ (892) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: وَمَنْ سَلَّمَ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ صَلَاتِهِ، أَتَى بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاتِهِ، وَسَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ. كَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ مَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ سَاهِيًا ثُمَّ عَلِمَ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ وَنَقْضِ وُضُوئِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا بَقِيَ، ثُمَّ يَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ، ثُمَّ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَيَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى قَامَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْلِسَ لِيَنْهَضَ إلَى الْإِتْيَانِ بِمَا بَقِيَ عَنْ جُلُوسٍ؛ فَإِنَّ هَذَا الْقِيَامَ وَاجِبٌ لِلصَّلَاةِ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ قَاصِدًا لَهَا، فَكَانَ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِهِ مَعَ النِّيَّةِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي جَوَازِ إتْمَامِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ مَنْ نَسِيَ رَكْعَةً فَمَا زَادَ اخْتِلَافًا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى ابْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَمَّاهَا لَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ أَنَا نَسِيتُ - فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ فَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَخَرَجَتْ السَّرَعَانُ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا: أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ الصَّلَاةُ؟ قَالَ لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ، فَقَالَ: أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَتَقَدَّمَ، فَصَلَّى مَا تَرَكَ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ. قَالَ فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ: ثُمَّ سَلَّمَ» ؟ قَالَ: فَنُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَزَادَ قَالَ: قُلْت فَالتَّشَهُّدُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِي التَّشَهُّدِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَشَهَّدَ وَرَوَى مُسْلِمٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ «سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنْ الْعَصْرِ، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ فَقَامَ رَجُلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَخَرَجَ مُغْضَبًا فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي كَانَ تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ» وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَذُو الْيَدَيْنِ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ،
مسألة كان إماما فشك فلم يدر كم صلى
(893) فَصْلٌ: فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ، أَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ. وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ ذَكَرَ قَرِيبًا مِثْلَ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ، وَنَحْوَهُ قَالَ مَالِكٌ. وَقَالَ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: يَبْنِي، مَا لَمْ يَنْقُضْ وُضُوءَهُ وَلَنَا، أَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ بِنَاءُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ، كَمَا لَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ. وَيُرْجَعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إلَى الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ بِمُدَّةٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ الْوُجُوهِ وَعَنْهُ يُعْتَبَرُ قَدْرُ رَكْعَةٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُعْتَبَرُ بِقَدْرِ مُضِيِّ الصَّلَاةِ الَّتِي نَسِيَ فِيهَا. وَالصَّحِيحُ لَا حَدَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَحْدِيدِهِ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ وَالْمُقَارَبَةِ لِمِثْلِ حَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ (894) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى نَظَرْت فَإِنْ كَانَ مَا عَمِلَ فِي الثَّانِيَةِ قَلِيلًا، وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، عَادَ إلَى الْأُولَى فَأَتَمَّهَا. وَإِنْ طَالَ بَطَلَتْ الْأُولَى. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ فِي الْمُبْهِجِ: يَجْعَلُ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنْ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ تَمَامًا لِلْأُولَى، فَيَبْنِي إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى وَيَكُونُ وُجُودُ السَّلَامِ كَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ سَهْوٌ مَعْذُورٌ فِيهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا شَرَعَ فِيهِ نَفْلًا أَوْ فَرْضًا وَقَالَ الْحَسَنُ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ فِيمَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِ الْمَكْتُوبَةِ وَشَرَعَ فِي تَطَوُّعٍ يُبْطِلُ الْمَكْتُوبَةَ قَالَ مَالِكٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْتَدِئَهَا وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَسَلَّمَ ثُمَّ دَخَلَ فِي التَّطَوُّعِ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ؛ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ. وَلَنَا، أَنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ سَهْوًا، فَلَمْ تَبْطُلْ، كَمَا لَوْ زَادَ خَامِسَةً. وَأَمَّا بِنَاءُ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى، فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ الْأُولَى وَلَمْ يَنْوِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَنِيَّةُ غَيْرِهَا لَا تُجْزِئُ عَنْ نِيَّتِهَا، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ [مَسْأَلَة كَانَ إمَامًا فَشَكَّ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى] (895) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ إمَامًا فَشَكَّ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ تَحَرَّى، فَبَنَى عَلَى أَكْثَرِ وَهْمِهِ، ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ " عَلَى أَكْثَرِ وَهْمِهِ " أَيْ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ صَلَّاهُ وَهَذَا فِي الْإِمَامِ خَاصَّةً، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ. كَالْمُنْفَرِدِ سَوَاءً، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَشُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَهُوَ قَوْلُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
«إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثْلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى تَمَامَ الْأَرْبَعِ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَزَادَ أَوْ نَقَصَ، فَإِنْ كَانَ شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ أَزَادَ أَوْ نَقَصَ، فَإِنْ كَانَ شَكَّ فِي الْوَاحِدَةِ وَالِاثْنَتَيْنِ فَلْيَجْعَلْهُمَا وَاحِدَةً، حَتَّى يَكُونَ الْوَهْمُ فِي الزِّيَادَةِ ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ يُسَلِّمْ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِمَا شَكَّ فِيهِ، فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى أَوْ لَا، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، فِي الْإِرْشَادِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى فِي الْمُنْفَرِدِ أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ كَالْإِمَامِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رِوَايَةِ مَنْ قَالَ: بَيْنَ التَّحَرِّي وَالْيَقِينِ فَرْقٌ. أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَيَقُولُ إذَا لَمْ يَدْرِ ثَلَاثًا أَوْ اثْنَتَيْنِ، جَعَلَهَا اثْنَتَيْنِ. قَالَ: فَهَذَا عَمِلَ عَلَى الْيَقِينِ، فَبَنَى عَلَيْهِ، وَاَلَّذِي يَتَحَرَّى يَكُونُ قَدْ صَلَّى ثَلَاثًا، فَيَدْخُلُ قَلْبَهُ شَكٌّ أَنَّهُ إنَّمَا صَلَّى اثْنَتَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ مَا فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى ثَلَاثًا، وَقَدْ دَخَلَ قَلْبَهُ شَيْءٌ، فَهَذَا يَتَحَرَّى أَصْوَبَ ذَلِكَ، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ. قَالَ فَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ. فَظَاهِرُ هَذَا، أَنَّهُ إنَّمَا يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَنٌّ وَمَتَى كَانَ لَهُ غَالِبُ ظَنٍّ، عَمِلَ عَلَيْهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَبِنَحْوِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَقَالَهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، إنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ أَوَّلَ مَا أَصَابَهُ، أَعَادَ الصَّلَاةَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا غِرَارَ فِي الصَّلَاةِ» وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلْبُخَارِيِّ: " بَعْدَ التَّسْلِيمِ ". وَفِي لَفْظٍ: " فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ لِلصَّوَابِ " وَفِي لَفْظٍ: (فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ لِلصَّوَابِ) . وَفِي لَفْظٍ " فَلْيَتَحَرَّ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ الصَّوَابُ ". رَوَاهُ كُلَّهُ مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، قَالَ: (إذَا كُنْتَ فِي صَلَاةٍ، فَشَكَكْتَ فِي ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ، وَأَكْثَرُ ظَنِّكَ عَلَى أَرْبَعٍ تَشَهَّدْتَ، ثُمَّ سَجَدْتَ سَجْدَتَيْنِ وَأَنْتَ جَالِسٌ) . فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى مَنْ اسْتَوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ظَنٌّ وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى مَنْ لَهُ رَأْيٌ وَظَنٌّ يَعْمَلُ بِظَنِّهِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَعَمَلًا بِهِمَا فَيَكُونُ أَوْلَى وَلِأَنَّ الظَّنَّ دَلِيلٌ فِي الشَّرْعِ فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَاخْتَارَ الْخِرَقِيِّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ فَجَعَلَ الْإِمَامَ يَبْنِي عَلَى الظَّنِّ، وَالْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي الْمَذْهَبِ نَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ فِي حَقِّ
فصل سها الإمام فأتى بفعل في غير موضعه
الْمُنْفَرِدِ، لِأَنَّ الْإِمَامَ لَهُ مَنْ يُنَبِّهُهُ وَيُذَكِّرُهُ إذَا أَخْطَأَ الصَّوَابَ، فَلْيَعْمَلْ بِالْأَظْهَرِ عِنْدَهُ، فَإِنْ أَصَابَ أَقَرَّهُ الْمَأْمُومُونَ، فَيَتَأَكَّدُ عِنْدَهُ صَوَابُ نَفْسِهِ، وَإِنْ أَخْطَأَ سَبَّحُوا بِهِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَيَجْعَلُ لَهُ الصَّوَابَ عَلَى كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُنْفَرِدُ، إذْ لَيْسَ لَهُ مَنْ يُذَكِّرُهُ، فَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، لِيَحْصُلَ لَهُ إتْمَامُ صَلَاتِهِ، وَلَا يَكُونَ مَغْرُورًا بِهَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا غِرَارَ فِي الصَّلَاةِ» . وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَلَى الْمُنْفَرِدِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الْإِمَامِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَتَوْفِيقًا بَيْنَهَا. فَإِنْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ عِنْدَ الْإِمَامِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ أَيْضًا. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى مَنْ لَا ظَنَّ لَهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى مَنْ لَهُ ظَنُّ. فَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ فَيُخَالِفُ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا قَامَ فَصَلَّى، جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى؟ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يُبْطِلْهَا، كَمَا لَوْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: (لَا غِرَارَ) . يَعْنِي لَا يَنْقُصُ مِنْ صَلَاتِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَهُوَ فِي شَكٍّ مِنْ تَمَامِهَا، وَمَنْ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ لَمْ يَبْقَ فِي شَكٍّ مِنْ تَمَامِهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ فَوَافَقَهُ الْمَأْمُومُونَ، أَوْ رَدُّوا عَلَيْهِ غَلَطَهُ، فَلَا شَكَّ عِنْدَهُ. (896) فَصْلٌ: وَمَتَى اسْتَوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، إمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا، وَأَتَى بِمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ، وَإِنَّمَا جَازَ تَرْكُهُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ، لِمُعَارَضَتِهِ الظَّنَّ الْغَالِبَ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى الْأَصْلِ. [فَصْلٌ سَهَا الْإِمَامُ فَأَتَى بِفِعْلِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ] (897) فَصْلٌ: وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ فَأَتَى بِفِعْلٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، لَزِمَ الْمَأْمُومِينَ تَنْبِيهُهُ، فَإِنْ كَانُوا رِجَالًا سَبَّحُوا بِهِ، وَإِنْ كَانُوا نِسَاءً صَفَّقْنَ بِبُطُونِ أَكُفِّهِنَّ عَلَى ظُهُورِ الْأُخْرَى، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ تَنْبِيهَ الْآدَمِيِّ بِالتَّسْبِيحِ أَوْ الْقُرْآنِ أَوْ الْإِشَارَةِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خِطَابُ آدَمِيٍّ، وَقَدْ رَوَى أَبُو غَطَفَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَشَارَ بِيَدِهِ فِي الصَّلَاةِ إشَارَةً تُفْقَهُ أَوْ تُفْهَمُ فَقَدْ قَطَعَ الصَّلَاةَ» . وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا نَابَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ شَيْءٌ فَلْيُسَبِّحْ الرِّجَالُ،
وَلْتُصَفِّقْ النِّسَاءُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: قُلْت لِبِلَالٍ:: «كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ» وَعَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: «مَرَرْت بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ إشَارَةً. وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إشَارَةً بِإِصْبَعِهِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: كِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ. فَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فَفِي حَقِّ الرِّجَالِ، فَإِنَّ حَدِيثَنَا يُفَسِّرُهُ، لِأَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا وَزِيَادَةَ بَيَانٍ، يَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِهَا. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ فَضَعِيفٌ، يَرْوِيهِ أَبُو غَطَفَانَ وَهُوَ مَجْهُولٌ فَلَا يُعَارَضُ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ (898) فَصْلٌ: إذَا سَبَّحَ بِهِ اثْنَانِ يَثِقُ بِقَوْلِهِمَا، لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَالرُّجُوعُ إلَيْهِ، سَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صَوَابُهُمَا أَوْ خِلَافُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ خَطَؤُهُمَا لَمْ يَعْمَلْ بِقَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ مَنْ شَكَّ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ لَمْ يَعْمَلْ بِقَوْلِ غَيْرِهِ، كَالْحَاكِمِ إذَا نَسِيَ حُكْمًا حَكَمَ بِهِ، فَشَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ وَهُوَ لَا يَذْكُرُهُ. وَلَنَا: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، لَمَّا سَأَلَهُمَا: أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: نَعَمْ» . مَعَ أَنَّهُ كَانَ شَاكًّا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَنْكَرَ مَا قَالَهُ ذُو الْيَدَيْنِ، وَسَأَلَهُمَا عَنْ صِحَّةِ قَوْلِهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى شَكِّهِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ بِالتَّسْبِيحِ، لِيُذَكِّرُوا الْإِمَامَ، وَيَعْمَلَ بِقَوْلِهِمْ، وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فَزَادَ أَوْ نَقَصَ، إلَى قَوْلِهِ: إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» . يَعْنِي بِالتَّسْبِيحِ، كَمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ. وَكَذَا نَقُولُ فِي الْحَاكِمِ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ صَوَابِهِ، وَخَطَإِ الْمَأْمُومِينَ، لَمْ يَجُزْ لَهُ مُتَابَعَتُهُمْ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهِمْ، كَالْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالشَّاهِدَيْنِ. وَيَتْرُكُ يَقِينَ نَفْسِهِ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ خَطَأَهُمْ فَلَا يَتَّبِعُهُمْ فِي الْخَطَأِ. وَكَذَا نَقُولُ فِي الشَّاهِدَيْنِ: مَتَى عَلِمَ الْحَاكِمُ كَذِبَهُمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بِقَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمَا شَاهِدَا زُورٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْحُكْمُ بِقَوْلِ الزُّورِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الْعَدَالَةُ فِي الشَّهَادَةِ لِيَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الشُّهُودِ، وَرُدَّتْ شَهَادَةُ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُمْ، فَمَعَ يَقِينِ الْعِلْمِ بِالْكَذِبِ أَوْلَى أَنْ لَا يُقْبَلَ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا سَبَّحَ بِهِ الْمَأْمُومُونَ فَلَمْ يَرْجِعْ، فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَلَيْسَ لِلْمَأْمُومِينَ اتِّبَاعُهُ، فَإِنْ اتَّبَعُوهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، أَوْ جَاهِلِينَ بِهِ، فَإِنْ كَانُوا عَالِمِينَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا الْوَاجِبَ عَمْدًا. وَقَالَ الْقَاضِي: فِي هَذَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ:
مسألة سجود السهو قبل السلام أم بعده
إحْدَاهَا، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ مُتَابَعَتُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ انْتِظَارُهُ، إنْ كَانَ نِسْيَانُهُ فِي زِيَادَةٍ يَأْتِي بِهَا، وَإِنْ فَارَقُوهُ وَسَلَّمُوا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ. وَهَذَا اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ. وَالثَّانِيَةُ: يُتَابِعُونَهُ فِي الْقِيَامِ، اسْتِحْسَانًا. وَالثَّالِثَةُ: لَا يُتَابِعُونَهُ، وَلَا يُسَلِّمُونَ قَبْلَهُ، لَكِنْ يَنْتَظِرُونَهُ لِيُسَلِّمَ بِهِمْ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ مُخْطِئٌ فِي تَرْكِ مُتَابَعَتِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ عَلَى الْخَطَأِ. الْحَالُ الثَّانِي: إنْ تَابَعُوهُ جَهْلًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، فَإِنَّ صَلَاتَهُمْ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَابَعُوهُ فِي التَّسْلِيمِ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَفِي الْخَامِسَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُمْ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إنَّك صَلَّيْتَ رَكَعَاتٍ ثَلَاثًا. قَالَ أَكَذَاكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَرَجَعَ فَصَلَّى رَكْعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ، قَالَ صَلَّى بِنَا عَلْقَمَةُ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ الْقَوْمُ: يَا أَبَا شِبْلٍ، قَدْ صَلَّيْتَ خَمْسًا. قَالَ: كَلًّا، مَا فَعَلْتُ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: وَكُنْتُ فِي نَاحِيَةِ الْقَوْمِ وَأَنَا غُلَامٌ، فَقُلْت: بَلَى قَدْ صَلَّيْت خَمْسًا. قَالَ لِي: يَا أَعْوَرُ، وَأَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ أَيْضًا؟ قُلْت: نَعَمْ. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. فَلَمْ يَأْمُرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ بِالْإِعَادَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُمْ لَمْ تَبْطُلْ بِمُتَابَعَتِهِمْ. وَمَتَى عَمِلَ الْإِمَامُ بِغَالِبِ ظَنِّهِ، فَسَبَّحَ بِهِ الْمَأْمُومُونَ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَإِنَّ سُجُودَهُ قَبْلَ السَّلَامِ لِمَا فَعَلَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي الصَّلَاةِ سَهْوًا. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ، عَنْ رَجُلٍ جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْفَجْرِ، فَسَبَّحُوا بِهِ فَقَامَ، مَتَى يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؟ فَقَالَ: قَبْلَ السَّلَامِ. (899) فَصْلٌ: فَإِنْ سَبَّحَ بِالْإِمَامِ وَاحِدٌ لَمْ يَرْجِعْ إلَى قَوْلِهِ، إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ، فَيَعْمَلَ بِغَالِبِ ظَنِّهِ، لَا بِتَسْبِيحِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَ ذِي الْيَدَيْنِ وَحْدَهُ، فَإِنْ سَبَّحَ فُسَّاقٌ لَمْ يَرْجِعْ إلَى قَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ. وَإِنْ افْتَرَقَ الْمَأْمُومُونَ طَائِفَتَيْنِ، وَافَقَهُ قَوْمٌ وَخَالَفَهُ آخَرُونَ، سَقَطَ قَوْلُهُمْ؛ لِتَعَارُضِهِمْ، كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا. وَمَتَى لَمْ يَرْجِعْ، وَكَانَ الْمَأْمُومُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ، لَمْ يُتَابِعْهُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا. وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْتَظِرَهُ هَاهُنَا، لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ، صَحِيحَةٌ، لَمْ تَفْسُدْ بِزِيَادَةٍ، فَيَنْتَظِرُهُ كَمَا يَنْتَظِرُ الْإِمَامُ الْمَأْمُومِينَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ. [مَسْأَلَة سُجُود السَّهْوِ قَبْل السَّلَامِ أُمّ بَعْده] (900) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَمَا عَدَا هَذَا مِنْ السَّهْوِ فَسُجُودُهُ قَبْلَ السَّلَامِ، مِثْلُ الْمُنْفَرِدِ إذَا شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى، فَبَنَى عَلَى الْيَقِينِ، أَوْ قَامَ فِي مَوْضِعِ جُلُوسٍ، أَوْ جَلَسَ فِي مَوْضِعِ قِيَامٍ، أَوْ جَهَرَ
فِي مَوْضِعِ تَخَافُتٍ، أَوْ خَافَتَ فِي مَوْضِعِ جَهْرٍ، أَوْ صَلَّى خَمْسًا، أَوْ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ السَّهْوِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَسْجُدُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ السُّجُودَ كُلَّهُ عِنْدَ أَحْمَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، إلَّا فِي الْمَوْضِعَيْنِ اللَّذَيْنِ وَرَدَ النَّصُّ بِسُجُودِهِمَا بَعْدَ السَّلَامِ، وَهُمَا إذَا سَلَّمَ مِنْ نَقْصٍ فِي صَلَاتِهِ، أَوْ تَحَرَّى الْإِمَامُ، فَبَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، وَمَا عَدَاهُمَا يَسْجُدُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ. نَصَّ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ. قَالَ: أَنَا أَقُولُ، كُلُّ سَهْوٍ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يَسْجُدُ فِيهِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَسَائِرُ السُّجُودِ يَسْجُدُ فِيهِ قَبْلَ السَّلَامِ، هُوَ أَصَحُّ فِي الْمَعْنَى؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ، فَيَقْضِيهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ. ثُمَّ قَالَ: سَجَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَفِي غَيْرِهَا قَبْلَ السَّلَامِ. قُلْت: اشْرَحْ الثَّلَاثَةَ مَوَاضِعَ الَّتِي بَعْدَ السَّلَامِ. قَالَ: سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، فَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، هَذَا حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ. وَسَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ فَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، هَذَا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مَوْضِعِ التَّحَرِّي سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ. قَالَ الْقَاضِي: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ، أَنَّهُ يَسْجُدُ لَهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ. وَاخْتُلِفَ فِي مَنْ سَهَا فَصَلَّى خَمْسًا، هَلْ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَمَا عَدَا هَذِهِ الْمَوَاضِعَ يَسْجُدُ لَهَا قَبْلَ السَّلَامِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَبِهَذَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّ السُّجُودَ كُلَّهُ قَبْلَ السَّلَامِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَكْحُولٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَاللَّيْثِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ السُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ. وَلِأَنَّهُ تَمَامُ الصَّلَاةِ وَجَبْرٌ لِنَقْصِهَا، فَكَانَ قَبْلَ سَلَامِهَا كَسَائِرِ أَفْعَالِهَا. وَالثَّانِيَةُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ سَجَدَ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ. وَمَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ سَجَدَ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ؛ لِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسًا. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ شَكَكْتَ فِيهِ مِنْ صَلَاتِك مِنْ نُقْصَانٍ، مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَاسْتَقْبِلْ أَكْثَرَ ظَنِّكَ، وَاجْعَلْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ مِنْ هَذَا النَّحْوِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ السَّهْوِ فَاجْعَلْهُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: سُجُودُ السَّهْوِ كُلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَلَهُ فِعْلُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ. يُرْوَى نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَمَّارٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَنَسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى؛ لِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ التَّحَرِّي. وَرَوَى ثَوْبَانُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ:
فصل شك في صلاته فلم يدر كم صلى
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد. وَلَنَا، أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَبَعْدَهُ فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ، مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا، فَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ عَمَلٌ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا، وَجَمْعٌ بَيْنَهَا، مِنْ غَيْرِ تَرْكِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَذَلِكَ وَاجِبٌ مَهْمَا أَمْكَنَ، فَإِنَّ خَبَرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُجَّةٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَالْعَمَلُ بِهِ، وَلَا يُتْرَكُ إلَّا لِمُعَارِضٍ مِثْلِهِ، أَوْ أَقْوَى مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي سُجُودِهِ، بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ قَبْلَهُ، فِي صُورَةٍ، مَا يَنْفِي سُجُودَهُ فِي صُورَةٍ أُخْرَى فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَذِكْرُ نَسْخِ حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ لَا وَجْهَ لَهُ، فَإِنَّ رَاوِيَيْهِ أَبَا هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ هِجْرَتُهُمَا مُتَأَخِّرَةٌ. وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلٌ لَا يَقْتَضِي نَسْخًا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ سُجُودَهُ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِوُقُوعِ السَّهْوِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ فِيمَا سُجُودُهُ قَبْلَ السَّلَامِ. وَحَدِيثُ ثَوْبَانَ رَاوِيهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَفِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ ضَعْفٌ. وَحَدِيثُ ابْنِ جَعْفَرٍ فِيهِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: لَا يَثْبُتُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. [فَصْلٌ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى] (901) فَصْلٌ فِي تَفْصِيلِ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: قَوْلُهُ (مِثْلُ الْمُنْفَرِدِ إذَا شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى، فَبَنَى عَلَى الْيَقِينِ) . قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ، أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْظُرُ مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ صَلَّاهُ مِنْ الرَّكَعَاتِ، فَيُتِمُّ عَلَيْهِ، وَيُلْغِي مَا شَكَّ فِيهِ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي الثِّنْتَيْنِ وَالْوَاحِدَةِ، فَلْيَجْعَلْهَا وَاحِدَةً، وَإِذَا شَكَّ فِي الثِّنْتَيْنِ وَالثَّلَاثِ، فَلْيَجْعَلْهُمَا ثِنْتَيْنِ، وَإِذَا شَكَّ فِي الثَّلَاثِ وَالْأَرْبَعِ فَلْيَجْعَلْهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ لِيُتِمَّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ، حَتَّى يَكُونَ الْوَهْمُ فِي الزِّيَادَةِ. ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ هَكَذَا وَسَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ خِلَافُ ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْوَهْمُ مِثْلَ الْوَسْوَاسِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى إذَا كَثُرَ السَّهْوُ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الْوَسْوَاسِ، لَهَا عَنْهُ وَذَكَرْنَا أَنَّ فِي الْمُنْفَرِدِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ مَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَالْحُكْمُ فِي الْإِمَامِ إذَا بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، أَنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ كَالْمُنْفَرِدِ. وَإِذَا تَحَرَّى الْمُنْفَرِدُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ [فَصْلٌ قَامَ الْمُصَلَّيْ فِي مَوْضِعِ جُلُوسٍ أَوْ جَلَسَ فِي مَوْضِعِ قِيَام] (902) فَصْلٌ: قَوْلُهُ: أَوْ قَامَ فِي مَوْضِعِ جُلُوسٍ أَوْ جَلَسَ فِي مَوْضِعِ قِيَامٍ ". أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا يُسْجَدُ لَهُ. وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ،
وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَكَانَ عَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ يَقْعُدَانِ فِي الشَّيْءِ يُقَامُ فِيهِ، وَيَقُومَانِ فِي الشَّيْءِ يُقْعَدُ فِيهِ، فَلَا يَسْجُدَانِ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» وَقَالَ: «إذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ السَّلَامِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ سَهْوٌ فَسَجَدَ لَهُ كَغَيْرِهِ، مَعَ مَا نَذْكُرُهُ فِي تَفْصِيلِ الْمَسَائِلِ. فَأَمَّا الْقِيَامُ فِي مَوْضِعِ الْجُلُوسِ، فَفِي ثَلَاثِ صُوَرٍ: إحْدَاهَا، أَنْ يَتْرُكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَيَقُومَ،، وَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ (903) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى، ذِكْرُهُ قَبْلَ اعْتِدَالِهِ قَائِمًا، فَيَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلَى التَّشَهُّدِ. وَمِمَّنْ قَالَ يَجْلِسُ عَلْقَمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ فَارَقَتْ أَلْيَتَاهُ الْأَرْضَ مَضَى. وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ: إذَا تَجَافَتْ رُكْبَتَاهُ عَنْ الْأَرْضِ مَضَى. وَلَنَا، مَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، فَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا، فَلَا يَجْلِسْ، وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ ذَكَرَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ. فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ تُفَارِقْ أَلْيَتَاهُ الْأَرْضَ. (904) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذِكْرُهُ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ قَائِمًا، وَقَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ، فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ لَا يَجْلِسَ، وَإِنْ جَلَسَ جَازَ. نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ. النَّخَعِيُّ: يَرْجِعُ مَا لَمْ يَسْتَفْتِحْ الْقِرَاءَةَ وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: إنْ ذَكَرَ سَاعَةَ يَقُومُ جَلَسَ. وَلَنَا، حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ، وَمَا نَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ؛ وَلِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي رُكْنٍ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ ذَكَرَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، وَلِأَنَّهُ شَرَعَ فِي رُكْنٍ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ (905) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ، ذَكَرَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ، وَيَمْضِي فِي صَلَاتِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عُمَرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ الْحَسَنُ. يَرْجِعُ مَا لَمْ يَرْكَعْ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ: أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَعَلَيْهِ الْجُلُوسُ، فَسُبِّحَ بِهِ، فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ، حَتَّى إذَا جَلَسَ
فصل إذا علم المأمومون بتركه التشهد الأول قبل قيامهم وبعد قيام إمامهم
يُسَلِّمُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ هَذَا. وَلِأَنَّهُ شَرَعَ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الرُّكُوعِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ؛ لِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، وَلِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكِ بْنُ بُحَيْنَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [فَصْلٌ إذَا عِلْم الْمَأْمُومُونَ بِتَرْكِهِ التَّشَهُّد الْأَوَّل قَبْلَ قِيَامهمْ وَبَعْدَ قِيَام إمَامهمْ] (906) فَصْلٌ: إذَا عَلِمَ الْمَأْمُومُونَ بِتَرْكِهِ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، قَبْلَ قِيَامِهِمْ، وَبَعْدَ قِيَامِ إمَامِهِمْ، تَابَعُوهُ فِي الْقِيَامِ، وَلَمْ يَجْلِسُوا لِلتَّشَهُّدِ. حَكَاهُ الْآجُرِّيُّ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ: هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سَهَا عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَقَامَ، قَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَفَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ صَلَّى بِالنَّاسِ، نَهَضُوا فِي الثَّانِيَةِ عَنْ الْجُلُوسِ، فَسَبَّحُوا بِهِمْ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى مَنْ سَبَّحَ بِهِمْ، وَبَعْضُهُمْ أَوْمَأَ إلَيْهِمْ بِالْقِيَامِ، فَقَامُوا. قَالُوا وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ مَعَهُ. قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونُ، أَخْبَرَنَا: الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عُلَاثَةَ قَالَ: «صَلَّى بِنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَامَ وَلَمْ يَجْلِسْ، فَسَبَّحَ بِهِ مَنْ خَلْفَهُ، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ قُومُوا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَلَّمَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» قَالَ: وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ، عَنْ مُضَرَ بْنِ عَاصِمٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: أُوهِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْقَعْدَةِ، فَسَبَّحُوا بِهِ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ هَكَذَا. أَيْ قُومُوا. وَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ سَعْدٍ. وَرَوَاهُ الْآجُرِّيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَقَالَ: إنِّي سَمِعْتُكُمْ تَقُولُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ لِكَيْمَا أَجْلِسَ، فَلَيْسَتْ تِلْكَ السُّنَّةَ، إنَّمَا السُّنَّةُ الَّتِي صَنَعْتُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ بُحَيْنَةَ فَأَمَّا إنْ سَبَّحُوا بِهِ قَبْلَ قِيَامِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ، تَشَهَّدُوا، لِأَنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ فِي تَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا تَعَيَّنَ فِعْلُهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُتَابَعَتُهُ فِي تَرْكِهِ. وَلَوْ رَجَعَ إلَى التَّشَهُّدِ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُتَابَعَتُهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ. فَأَمَّا الْإِمَامُ، فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ جِنْسِهَا عَمْدًا، أَوْ تَرَكَ وَاجِبًا عَمْدًا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ أَوْ نَاسِيًا، لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي الصَّلَاةِ سَهْوًا. وَمَتَى عَلِمَ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ، نَهَضَ، وَلَمْ يُتِمَّ الْجُلُوسَ. وَلَوْ ذَكَرَ الْإِمَامُ التَّشَهُّدَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ، وَبَعْدَ قِيَامِ الْمَأْمُومِينَ، وَشُرُوعِهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَرَجَعَ، لَزِمَهُمْ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ رَجَعَ إلَى وَاجِبٍ، فَلَزِمَهُمْ مُتَابَعَتُهُ وَلَا اعْتِبَارَ بِقِيَامِهِمْ قَبْلَهُ
فصل نسي التشهد دون الجلوس له
[فَصْلٌ نَسِيَ التَّشَهُّدَ دُونَ الْجُلُوسِ لَهُ] (907) فَصْلٌ: وَإِنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ دُونَ الْجُلُوسِ لَهُ، فَحُكْمُهُ فِي الرُّجُوعِ إلَيْهِ حُكْمُ مَا لَوْ نَسِيَهُ مَعَ الْجُلُوسِ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ هُوَ الْمَقْصُودُ. فَأَمَّا إنْ نَسِيَ شَيْئًا مِنْ الْأَذْكَارِ الْوَاجِبَةِ، كَتَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقَوْلِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَقَوْلِ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ. فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ مَحِلِّهِ؛ لِأَنَّ مَحِلَّ الذِّكْرِ رُكْنٌ قَدْ وَقَعَ مُجْزِئًا صَحِيحًا. فَلَوْ رَجَعَ إلَيْهِ لَكَانَ زِيَادَةً فِي الصَّلَاةِ، وَتَكْرَارًا لِرُكْنٍ، ثُمَّ يَأْتِي بِالذِّكْرِ فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ زَائِدٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ، وَلَكِنَّهُ يَمْضِي وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِتَرْكِهِ، قِيَاسًا عَلَى تَرْكِ التَّشَهُّدِ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: قَامَ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى، وَلَمْ يَجْلِسْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَهَذَا قَدْ تَرَكَ رُكْنَيْنِ؛ جَلْسَةَ الْفَصْلِ، وَالسَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ. فَلَا يَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ يَذْكُرَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ، فَيَلْزَمَهُ الرُّجُوعُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، فَإِذَا رَجَعَ، فَإِنَّهُ يَجْلِسُ جَلْسَةَ الْفَصْلِ، ثُمَّ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ يَقُومُ إلَى الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْجُلُوسِ؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ قَدْ حَصَلَ بِالْقِيَامِ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْجَلْسَةَ وَاجِبَةٌ، وَلَا يَنُوبُ عَنْهَا الْقِيَامُ كَمَا لَوْ عَمَدَ ذَلِكَ. فَأَمَّا إنْ كَانَ جَلَسَ لِلْفَصْلِ، ثُمَّ قَامَ وَلَمْ يَسْجُدْ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْجُلُوسُ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ؛ لِيَأْتِيَ بِالسَّجْدَةِ عَنْ جُلُوسٍ. وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْجَلْسَةِ، فَلَمْ تَبْطُلْ بِسَهْوٍ بَعْدَهَا كَالسَّجْدَةِ الْأُولَى، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ سَجَدَ عَقِيبَ الْجُلُوسِ. فَإِنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَجَلَسَ جَلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ، لَمْ يَجْزِهِ عَنْ جَلْسَةِ الْفَصْلِ؛ لِأَنَّهَا هَيْئَةٌ، فَلَا تَنُوبُ عَنْ الْوَاجِبِ، كَمَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ، ثُمَّ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ. وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي تَرْكِ رُكْنٍ غَيْرِ السُّجُودِ مِثْلِ الرُّكُوعِ، أَوْ الِاعْتِدَالِ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ مَتَى ذَكَرَهُ، قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى، فَيَأْتِي بِهِ، ثُمَّ بِمَا بَعْدَهُ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ؛ لِفَوَاتِ التَّرْتِيبِ. الْحَالُ الثَّانِي: تَرَكَ رُكْنًا؛ إمَّا سَجْدَةً، أَوْ رُكُوعًا، سَاهِيًا، ثُمَّ ذَكَرَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الَّتِي تَلِيهَا، بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ الَّتِي تَرَكَ الرُّكْنَ مِنْهَا، وَصَارَتْ الَّتِي شَرَعَ فِي قِرَاءَتِهَا مَكَانَهَا. نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ قَالَ، الْأَثْرَمُ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى رَكْعَةً، ثُمَّ قَامَ لِيُصَلِّيَ أُخْرَى، فَذَكَرَ أَنَّهُ إنَّمَا سَجَدَ لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى سَجْدَةً وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ أَوَّلُ مَا قَامَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ عَمَلَهُ لِلْأُخْرَى، فَإِنَّهُ، يَنْحَطُّ وَيَسْجُدُ، وَيَعْتَدُّ بِهَا. وَإِنْ كَانَ أَحْدَثَ عَمَلَهُ لِلْأُخْرَى، أَلْغَى الْأُولَى، وَجَعَلَ هَذِهِ الْأُولَى. قُلْت: يَسْتَفْتِحُ أَوْ يُجْزِئُ الِاسْتِفْتَاحُ الْأَوَّلُ؟ قَالَ: لَا يَسْتَفْتِحُ، وَيُجْزِئُهُ الْأَوَّلُ. قُلْت: فَنَسِيَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: لَا يَعْتَدُّ بِتَيْنِكَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَالِاسْتِفْتَاحُ ثَابِتٌ. وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا ذَكَرَ الرُّكْنَ الْمَتْرُوكَ قَبْلَ السُّجُودِ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ يَعُودُ إلَى السَّجْدَةِ الْأُولَى. وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ سُجُودِهِ فِي الثَّانِيَةِ
فصل مضى المصلي في موضع يلزمه الرجوع أو رجع في موضع يلزمه المضي
وَقَعَتَا عَنْ الْأُولَى، لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْأُولَى قَدْ صَحَّ فِعْلُهَا، وَمَا فَعَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ - سَهْوًا - لَا يُبْطِلُ الْأُولَى، كَمَا لَوْ ذَكَرَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَحْمَدُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقَرَّبَهُ، وَقَالَ: هُوَ أَشْبَهُ. يَعْنِي مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. إلَّا أَنَّهُ اخْتَارَ الْقَوْلَ الَّذِي حَكَاهُ عَنْهُ الْأَثْرَمُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ تَرَكَ سَجْدَةً فَذَكَرَهَا قَبْلَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، أَلْغَى الْأُولَى. وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: مَنْ نَسِيَ سَجْدَةً، ثُمَّ ذَكَرَهَا، سَجَدَهَا فِي الصَّلَاةِ مَتَى مَا ذَكَرَهَا. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَرْجِعُ إلَى حَيْثُ كَانَ مِنْ الصَّلَاةِ وَقْتَ ذِكْرِهَا، فَيَمْضِي فِيهَا وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، فِي مَنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ ذَكَرَهَا فِي التَّشَهُّدِ: سَجَدَ فِي الْحَالِ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَتَمَّتْ صَلَاتُهُ. وَلَنَا أَنَّ الْمَزْحُومَ فِي الْجُمُعَةِ، إذَا زَالَ الزِّحَامُ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ يَتَّبِعُهُ وَيَسْجُدُ مَعَهُ، وَيَكُونُ السُّجُودُ مِنْ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى، كَذَا هَاهُنَا [فَصْلٌ مَضَى الْمُصَلَّيْ فِي مَوْضِع يَلْزَمهُ الرُّجُوع أَوْ رَجَعَ فِي مَوْضِع يَلْزَمهُ الْمُضِيّ] (908) فَصْلٌ: فَإِنْ مَضَى فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، أَوْ رَجَعَ فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ، عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا. وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُعْتَقِدًا جَوَازَهُ، لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَضَى قَبْلَ ذِكْرِ الْمَتْرُوكِ، لَكِنْ إذَا مَضَى فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، فَسَدَتْ الرَّكْعَةُ الَّتِي تَرَكَ رُكْنَهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ. وَإِنْ رَجَعَ فِي مَوْضِعِ الْمُضِيِّ لَمْ يَعْتَدَّ بِمَا يَفْعَلُهُ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا، لِأَنَّهَا فَسَدَتْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ غَيْرِهَا، فَلَمْ يَعُدْ إلَى الصِّحَّةِ بِحَالٍ. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: قَامَ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ إلَى رَكْعَةٍ زَائِدَةٍ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ مَتَى مَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ قَامَ إلَى زِيَادَةٍ غَيْرِ مُعْتَدٍّ لَهُ بِهَا فَلَزِمَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ ذَكَرَ قَبْلَ السُّجُودِ. وَيَأْتِي تَفْصِيلُ هَذِهِ الصُّورَةِ فِيمَا إذَا صَلَّى خَمْسًا. وَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ يَلْزَمُهُ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ [فَصْلٌ جَلَسَ الْمُصَلَّيْ فِي مَوْضِعِ قِيَام] (909) فَصْلٌ: قَوْلُهُ: " أَوْ جَلَسَ فِي مَوْضِعِ قِيَامٍ " فَهَذَا يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَجْلِسَ عَقِيبَ الْأُولَى أَوْ الثَّالِثَةِ، يَظُنُّ أَنَّهُ مَوْضِعُ التَّشَهُّدِ أَوْ جَلْسَةِ الْفَصْلِ فَمَتَى مَا ذَكَرَ قَامَ. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى قَامَ، أَتَمَّ صَلَاتَهُ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ جِنْسِهَا مَا لَوْ فَعَلَهُ عَمْدًا أَبْطَلَهَا، فَلَزِمَهُ السُّجُودُ إذَا كَانَ سَهْوًا، كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ [فَصْلٌ الزِّيَادَاتُ فِي الصَّلَاة عَلَى ضَرْبَيْنِ زِيَادَةُ أَفْعَالِ وَزِيَادَةُ أَقْوَال] (910) فَصْلٌ: وَالزِّيَادَاتُ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ زِيَادَةِ أَفْعَالٍ، وَزِيَادَةِ أَقْوَالٍ: فَزِيَادَاتُ الْأَفْعَالِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا، زِيَادَةٌ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ، مِثْلُ أَنْ يَقُومَ فِي مَوْضِعِ جُلُوسٍ، أَوْ يَجْلِسَ فِي مَوْضِعِ قِيَامٍ، أَوْ يَزِيدَ
فصل جلس في غير موضع التشهد قدر جلسة الاستراحة
رَكْعَةً أَوْ رُكْنًا، فَهَذَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِعَمْدِهِ، وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالثَّانِي، مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ كَالْمَشْيِ وَالْحَكِّ وَالتَّرَوُّحِ، فَهَذَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِكَثِيرِهِ، وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، وَلَا يَسْجُدُ لَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عَمْدِهِ وَسَهْوِهِ. الضَّرْبُ الثَّانِي، زِيَادَاتُ الْأَقْوَالِ، وَهِيَ قِسْمَانِ أَيْضًا. أَحَدُهُمَا، مَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ، كَالسَّلَامِ وَكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، فَإِذَا أَتَى بِهِ سَهْوًا فَسَلَّمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، سَجَدَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ سَهْوًا، فَهَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ أَوْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. الْقِسْمُ الثَّانِي، مَا لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ يَأْتِيَ بِذِكْرٍ مَشْرُوعٍ فِي الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ، كَالْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالتَّشَهُّدِ فِي الْقِيَامِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ أَوْ الْأَخِيرَةِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، إذَا فَعَلَهُ سَهْوًا، فَهَلْ يُشْرَعُ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا، لَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِعَمْدِهِ، فَلَمْ يُشْرَعْ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ، كَتَرْكِ سُنَنِ الْأَفْعَالِ. وَالثَّانِيَةُ، يُشْرَعُ لَهُ السُّجُودُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَإِذَا قُلْنَا: يُشْرَعُ لَهُ السُّجُودُ. فَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ لِأَنَّهُ جَبْرٌ لِغَيْرِ وَاجِبٍ، فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، كَجَبْرِ سَائِرِ السُّنَنِ. قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا السَّهْوُ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ السُّجُودُ، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ السُّجُودِ. النَّوْعُ الثَّانِي، أَنْ يَأْتِيَ فِيهَا بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ فِيهَا، كَقَوْلِهِ " آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ " وَقَوْلِهِ فِي التَّكْبِيرِ " اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا " وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهَذَا لَا يُشْرَعُ لَهُ السُّجُودُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى. فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالسُّجُودِ» [فَصْلٌ جَلَسَ فِي غَيْر مَوْضِع التَّشَهُّد قَدْرَ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَة] (911) فَصْلٌ: وَإِذَا جَلَسَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التَّشَهُّدِ قَدْرَ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ السُّجُودُ، سَوَاءٌ
فصل جهر المصلي في موضع تخافت أو خافت في موضع جهر
قُلْنَا: جَلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ، مَسْنُونَةٌ أَوْ لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا بِجُلُوسِهِ، إنَّمَا أَرَادَ غَيْرَهَا فَكَانَ سَهْوًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ لَوْ تَعَمَّدَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، فَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، كَالْعَمَلِ الْيَسِيرِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ [فَصْلٌ جَهَرَ الْمُصَلَّيْ فِي مَوْضِعِ تُخَافِت أَوْ خَافَتَ فِي مَوْضِعِ جَهَرَ] (912) فَصْلٌ: قَوْلُهُ أَوْ جَهَرَ فِي مَوْضِعِ تَخَافُتٍ، أَوْ خَافَتَ فِي مَوْضِعِ جَهْرٍ. وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَهْرَ وَالْإِخْفَاتَ - فِي مَوْضِعِهِمَا - مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ، لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا وَإِنْ تَرَكَهُ سَهْوًا فَهَلْ يُشْرَعُ لَهُ السُّجُودُ مِنْ أَجْلِهِ؟ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَا يُشْرَعُ قَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَسَالِمٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَاكِمُ: لَا سَهْوَ عَلَيْهِ. وَجَهَرَ أَنَسٌ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَلَمْ يَسْجُدْ، وَكَذَلِكَ عَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ، فَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِتَرْكِهِ الْيَدَيْنِ. وَالثَّانِيَةُ يُشْرَعُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْإِمَامِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» وَلِأَنَّهُ أَخَلَّ بِسُنَّةٍ قَوْلِيَّةٍ، فَشُرِعَ السُّجُودُ لَهَا، كَتَرْكِ الْقُنُوتِ وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْقُنُوتِ، وَبِالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ سُنَّةٌ وَيَسْجُدُ تَارِكُهُ، فَإِذَا قُلْنَا بِهَذَا كَانَ السُّجُودُ مُسْتَحَبًّا غَيْرَ وَاجِبٍ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ سَهَا، فَجَهَرَ فِيمَا يُخَافِتُ فِيهِ، فَهَلْ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ؟ قَالَ: أَمَّا عَلَيْهِ فَلَا أَقُولُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ إنْ شَاءَ سَجَدَ. وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثَ عَنْ عُمَرَ، أَوْ غَيْرِهِ، أَنَّهُ كَانَ يُسْمَعُ مِنْهُ نَغْمَةٌ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ قَالَ: وَأَنَسٌ جَهَرَ فَلَمْ يَسْجُدْ. وَقَالَ: إنَّمَا السَّهْوُ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ السُّجُودُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ صَالِحٌ: قَالَ أَبِي إنْ سَجَدَ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ جَبْرٌ لِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا كَسَائِرِ السُّنَنِ [فَصْلٌ صَلَّى خَمْسًا فِي صَلَاةٍ رُبَاعِيَّة] (913) فَصْلٌ: قَوْلُهُ أَوْ صَلَّى خَمْسًا يَعْنِي فِي صَلَاةٍ رُبَاعِيَّةٍ فَإِنَّهُ مَتَى قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ، أَوْ إلَى الرَّابِعَةِ فِي الْمَغْرِبِ، أَوْ إلَى الثَّالِثَةِ فِي الصُّبْحِ، لَزِمَهُ الرُّجُوعُ مَتَى مَا ذَكَرَ، فَيَجْلِسُ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَشَهَّدَ عَقِيبَ الرَّكْعَةِ الَّتِي تَمَّتْ بِهَا صَلَاتُهُ، سَجَدَ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَإِنْ كَانَ تَشَهَّدَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَسَلَّمَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ، تَشَهَّدَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ. فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ، سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، عَقِيبَ ذِكْرِهِ، وَتَشَهَّدَ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ. وَبِهَذَا قَالَ عَلْقَمَةُ وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ السُّجُودِ وَكَانَ جَلَسَ عَقِيبَ الرَّابِعَةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَيُضِيفُ
مسألة نسي أن عليه سجود سهو
إلَى الزِّيَادَةِ أُخْرَى، لِتَكُونَ نَافِلَةً. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَلَسَ فِي الرَّابِعَةِ بَطَلَ فَرْضُهُ، وَصَارَتْ صَلَاتُهُ نَافِلَةً وَلَزِمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ، وَنَحْوَهُ قَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، فِي مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ أَرْبَعًا: يُضِيفُ إلَيْهَا أُخْرَى، فَتَكُونُ الرَّكْعَتَانِ تَطَوُّعًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي مَنْ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ «فَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً كَانَتْ الرَّكْعَةُ وَالسَّجْدَتَانِ نَافِلَةً» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي رِوَايَةٍ «فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَنَا: مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسًا فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: لَا قَالُوا: فَإِنَّك قَدْ صَلَّيْتَ خَمْسًا فَانْفَتَلَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ وَأَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ» . وَفِي رِوَايَةٍ، فَقَالَ «فَإِذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» رَوَاهُ كُلَّهُ مُسْلِمٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَجْلِسْ عَقِيبَ الرَّابِعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَلِأَنَّهُ قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ قَامَ عَنْ ثَالِثَةٍ وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِهَذَا، وَلَمْ يُضِفْ إلَى الْخَامِسَةِ أُخْرَى. وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ أَيْضًا، فَإِنَّهُ جَعَلَ الزَّائِدَةَ نَافِلَةً، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا بِجُلُوسٍ، وَجَعَلَ السَّجْدَتَيْنِ يَشْفَعَانِهَا، وَلَمْ يَضُمَّ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى، وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافٌ لِمَا قَالُوهُ، فَقَدْ خَالَفُوا الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا، وَقَوْلُنَا يُوَافِقُ الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. [مَسْأَلَة نَسِيَ أَنَّ عَلَيْهِ سُجُودَ سَهْوِ] (914) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (فَإِنْ نَسِيَ أَنَّ عَلَيْهِ سُجُودَ سَهْوٍ وَسَلَّمَ، كَبَّرَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ، وَتَشَهَّدَ، وَسَلَّمَ، مَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ تَكَلَّمَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ) . الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ: (915) الْفَصْلُ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إذَا نَسِيَ سُجُودَ السَّهْوِ، ثُمَّ ذَكَرَهُ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ، سَوَاءٌ تَكَلَّمَ أَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَكَانَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ يَقُولَانِ: إذَا صَرَفَ وَجْهَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ، لَمْ يَبْنِ، وَلَمْ يَسْجُدْ. وَقَالَ: أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ تَكَلَّمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، سَقَطَ عَنْهُ سُجُودُ السَّهْوِ وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُنَافِيهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَحْدَثَ. وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَيْضًا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَكَلَّمَ، وَتَكَلَّمَ الْمَأْمُومُونَ، ثُمَّ
سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ لِقَوْلِهِ فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ عَنْ الْقِبْلَةِ. وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ إتْمَامُ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْكَلَامِ وَالِانْصِرَافِ، كَمَا فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، فَالسُّجُودُ أَوْلَى (916) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ. وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَسْجُدُ فِيهَا، فَفِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، يَسْجُدُ مَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ خَرَجَ لَمْ يَسْجُدْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُرْجَعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إلَى الْعَادَةِ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَعَ إلَى الْمَسْجِدِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، فَالسُّجُودُ أَوْلَى، وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ يَسْجُدُ وَإِنْ خَرَجَ وَتَبَاعَدَ وَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ جُبْرَانٌ يَأْتِي بِهِ بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ كَجُبْرَانِ الْحَجِّ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ إنْ كَانَ لِزِيَادَةٍ وَإِنْ كَانَ لِنَقْصٍ أَتَى بِهِ مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ؛ لِأَنَّهُ لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ. وَلَنَا، أَنَّهُ لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ، فَلَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ، كَرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا، وَكَمَا لَوْ كَانَ مِنْ نَقْصٍ وَإِنَّمَا ضَبَطْنَاهُ بِالْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الصَّلَاةِ وَمَوْضِعُهَا، فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ الْمُدَّةُ، كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ. (917) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَتَى سَجَدَ لِلسَّهْوِ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ لِلسُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ. فَإِنْ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ سَلَّمَ عَقِبَهُ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ تَشَهَّدَ، وَسَلَّمَ، سَوَاءٌ كَانَ مَحِلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ، أَوْ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ فَنَسِيَهُ إلَى مَا بَعْدَهُ. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ فِي التَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ وَقَالَ أَنَسٌ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ: لَيْسَ فِيهِمَا تَشَهُّدٌ وَلَا تَسْلِيمٌ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ فِيهِمَا تَسْلِيمٌ بِغَيْرِ تَشَهُّدٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: التَّسْلِيمُ فِيهِمَا ثَابِتٌ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَفِي ثُبُوتِ التَّشَهُّدِ نَظَرٌ وَعَنْ عَطَاءٍ: إنْ شَاءَ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ. وَلَنَا، عَلَى التَّكْبِيرِ قَوْلُ ابْنِ بُحَيْنَةَ: «فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، كَبَّرَ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ.» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ رَفْعٍ وَخَفْضٍ. وَأَمَّا التَّسْلِيمُ فَقَدْ ذَكَرَهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، فِي حَدِيثِهِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَالَ فِيهِ «سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ سَلَّمَ» وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ» وَأَمَّا التَّشَهُّدُ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ» ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ يُسَلِّمُ لَهُ، فَكَانَ مَعَهُ تَشَهُّدٌ، كَسُجُودِ
فصل نسي سجود السهو حتى طال الفصل
صُلْبِ الصَّلَاةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ التَّشَهُّدُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَشَهُّدٍ، وَهُمَا أَصَحُّ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ مُفْرَدٌ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ تَشَهُّدٌ، كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ [فَصْلٌ نَسِيَ سُجُودَ السَّهْوِ حَتَّى طَالَ الْفَصْلُ] (918) فَصْلٌ: وَإِذَا نَسِيَ سُجُودَ السَّهْوِ حَتَّى طَالَ الْفَصْلُ، لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ. وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ إنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَقَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ فِي السُّجُودِ الَّذِي قَبْلَ السَّلَامِ. وَلَنَا، أَنَّهُ جَابِرٌ لِلْعِبَادَةِ بَعْدَهَا، فَلَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ، وَلِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلصَّلَاةِ خَارِجٌ مِنْهَا، فَلَمْ تَفْسُدْ بِتَرْكِهِ، كَالْأَذَانِ (919) فَصْلٌ: وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ مَا يَقُولُ فِي سُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ سُجُودَ صُلْبِ الصَّلَاةِ [فَصْلٌ نَسِيَ السُّجُودَ حَتَّى شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى] (920) فَصْلٌ: وَإِنْ نَسِيَ السُّجُودَ حَتَّى شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، سَجَدَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ. وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ، إنْ طَالَ الْفَصْلُ لَمْ يَسْجُدْ وَإِلَّا سَجَدَ. [فَصْلٌ سُجُودُ السَّهْوِ لِمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ وَاجِبِ] (921) فَصْلٌ: وَسُجُودُ السَّهْوِ لِمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ وَاجِبٌ. وَعَنْ أَحْمَدَ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَلَعَلَّ مَبْنَاهَا عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي شُرِعَ السُّجُودُ لِجَبْرِهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَيَكُونُ جَبْرُهَا غَيْرَ وَاجِبٍ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَتْ الرَّكْعَةُ وَالسَّجْدَتَانِ نَافِلَةً لَهُ» . وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَفَعَلَهُ، وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَقَوْلُهُ " نَافِلَةً " يَعْنِي أَنَّ لَهُ ثَوَابًا فِيهِ كَمَا أَنَّهُ سَمَّى الرَّكْعَةَ أَيْضًا نَافِلَةً وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى السَّاهِي بِلَا خِلَافٍ. فَأَمَّا الْمَشْرُوعُ لِمَا لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ فَغَيْرُ وَاجِبٍ قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا يَجِبُ السُّجُودُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ فَنَقِيسُ عَلَى زِيَادَةِ خَامِسَةٍ سَائِرَ زِيَادَاتِ الْأَفْعَالِ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ، وَعَلَى تَرْكِ التَّشَهُّدِ تَرْكَ غَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ، وَعَلَى التَّسْلِيمِ مِنْ نُقْصَانٍ زِيَادَاتِ الْأَقْوَالِ الْمُبْطِلَةِ عَمْدًا
مسألة نسي أربع سجدات من أربع ركعات وذكر وهو في التشهد
(922) فَصْلٌ: فَإِنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا؛ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا. وَإِنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ بَعْدَ السَّلَامِ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ جَبْرٌ لِلْعِبَادَةِ خَارِجٌ مِنْهَا، فَلَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَحِلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ قَبْلَهُ، فَنَسِيَهُ، فَصَارَ بَعْدَ السَّلَامِ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ، وَنُقِلَ عَنْهُ التَّوَقُّفُ، فَنَقَلَ عَنْهُ الْأَثْرَمُ فِي مَنْ نَسِيَ سُجُودَ السَّهْوِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ فِي سَهْوٍ خَفِيفٍ، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ قُلْت: فَإِنْ كَانَ فِيمَا سَهَا فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَ: هَاهْ. وَلَمْ يُجِبْ، فَبَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُعِيدَ. فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي السَّهْوِ، فَفِي الْعَمْدِ أَوْلَى [مَسْأَلَة نَسِيَ أَرْبَع سَجَدَات مِنْ أَرْبَع رَكَعَات وَذَكَر وَهُوَ فِي التَّشَهُّد] (923) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وَذَكَرَ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ سَجْدَةً تَصِحُّ لَهُ رَكْعَةٌ، وَيَأْتِي بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، قَالَ: كَانَ هَذَا يَلْعَبُ، يَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَنْ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ فَلَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا فِي الَّتِي بَعْدَهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، بَطَلَتْ، فَلَمَّا شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ هَاهُنَا قَبْلَ ذِكْرِ سَجْدَةِ الْأُولَى، بَطَلَتْ الْأُولَى، وَلَمَّا شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الثَّالِثَةِ قَبْلَ ذِكْرِ سَجْدَةِ الثَّانِيَةِ، بَطَلَتْ الثَّانِيَةُ، وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ، تَبْطُلُ بِالشُّرُوعِ فِي قِرَاءَةِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الرَّابِعَةُ، وَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا إلَّا سَجْدَةً فَيَسْجُدُ الثَّانِيَةَ حِينَ ذَكَرَ وَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ، وَيَأْتِي بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ بَطَلَتْ بِشُرُوعِهِ فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ إتْمَامِ الْأُولَى. وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ، وَيَبْتَدِئُهَا؛ لِأَنَّ هَذَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ مُتَلَاعِبًا بِصَلَاتِهِ، ثُمَّ يَحْتَاجُ إلَى إلْغَاءِ عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ بَيْنَ التَّحْرِيمَةِ وَالرَّكْعَةِ الْمُعْتَدِّ بِهَا ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ لَاغِيَةٍ. وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَأَبِي بَكْرٍ الْآجُرِّيِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ لَهُ رَكْعَتَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ سَهْوًا قَبْلَ إتْمَامِ الْأُولَى، كَانَ عَمَلُهُ فِيهَا لَاغِيًا، فَلَمَّا سَجَدَ فِيهَا، انْضَمَّتْ سَجْدَتُهَا إلَى سَجْدَةِ الْأُولَى، فَكَمَلَتْ لَهُ رَكْعَةٌ، وَهَكَذَا الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ يَحْصُلُ لَهُ مِنْهَا رَكْعَةٌ. وَحَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ أَشْبَهُ بِمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي أَصْحَابَ الرَّأْيِ - قَالَ الْأَثْرَمُ: فَقُلْت لَهُ، فَإِنَّهُ إذًا فِعْلٌ لَا يَسْتَقِيمُ، لِأَنَّهُ إنَّمَا نَوَى بِهَذِهِ السَّجْدَةِ عَنْ الثَّانِيَةِ، لَا عَنْ الْأُولَى. قَالَ: فَكَذَلِكَ أَقُولُ إنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَسْجُدَ لِكُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْنِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ الْمَحْكِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ هُوَ الصَّحِيحَ، وَأَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَسَّنَهُ، وَإِنَّمَا اعْتَذَرَ عَنْ الْمَصِيرِ إلَيْهِ، لِكَوْنِهِ إنَّمَا نَوَى بِالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ جَعْلَهَا عَنْ الْأُولَى، كَمَا لَوْ سَجَدَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى يَحْسِبُ أَنَّهُ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ سَجَدَ فِي الثَّانِيَةِ يَحْسِبُ أَنَّهُ فِي الْأُولَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فصل ترك المصلي ركنا ثم ذكره ولم يعلم موضعه
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَسْجُدُ فِي الْحَالِ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، فِيمَنْ نَسِيَ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْهَا: يَسْجُدُ فِي الْحَالِ ثَمَانِيَ سَجَدَاتٍ. وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ تَرْتِيبَ الصَّلَاةِ شَرْطٌ فِيهَا، فَلَا يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ، كَمَا لَوْ قَدَّمَ السُّجُودَ عَلَى الرُّكُوعِ نَاسِيًا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى سَلَّمَ، ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ غَيْرُ رَكْعَةٍ تَنْقُصُ سَجْدَةً فَإِذَا سَلَّمَ بَطَلَتْ أَيْضًا. نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى بُطْلَانِهَا فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ [فَصْلٌ تَرَكَ الْمُصَلَّيْ رُكْنًا ثُمَّ ذَكَرِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَوْضِعَهُ] (924) فَصْلٌ: وَإِذَا تَرَكَ رُكْنًا، ثُمَّ ذَكَرَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ مَوْضِعَهُ، بَنَى الْأَمْرَ عَلَى أَسْوَأِ الْأَحْوَالِ، مِثْلُ أَنْ يَتْرُكَ سَجْدَةً لَا يَعْلَمُ أَمِنْ الرَّكْعَةِ. الرَّابِعَةِ أَمْ مِنْ الرَّكْعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا جَعَلَهَا مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ رَكْعَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَوْ حَسِبَهَا مِنْ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ، أَجْزَأَتْهُ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ. فَإِنْ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ لَا يَعْلَمُ أَمِنْ الرَّكْعَتَيْنِ أَمْ مِنْ رَكْعَةٍ، جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ لِيَلْزَمَهُ رَكْعَتَانِ. وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ هُوَ فِيهَا لَا يَعْلَمُ أَرُكُوعٌ هُوَ أَمْ سُجُودٌ، جَعَلَهُ رُكُوعًا؛ لِيَلْزَمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ. وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا، يَأْتِي بِمَا يَتَيَقَّنُ بِهِ إتْمَامَ الصَّلَاةِ لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهَا وَهُوَ شَاكٌّ فِيهَا، فَيَكُونَ مَغْرُورًا بِهَا. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيمٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَرَى أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا إلَّا عَلَى يَقِينٍ، لَا يَخْرُجُ مِنْهَا عَلَى غَرَرٍ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّهَا قَدْ تَمَّتْ، وَلَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الْأُولَى فَذَكَرَهَا فِي التَّشَهُّدِ، أَتَى بِرَكْعَةٍ وَأَجْزَأَتْهُ وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ فِي رَجُلٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْعَصْرَ أَوْ غَيْرَهَا، فَنَسِيَ أَنْ يَرْكَعَ فِي الثَّانِيَةِ، حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الرَّابِعَةِ، قَالَ: يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ وَيُتِمُّهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَلَا يَحْتَسِبُ بِاَلَّتِي لَمْ يَرْكَعْ فِيهَا، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلْوَهْمِ [فَصْلٌ شَكَّ فِي تَرَكَ رُكْن مِنْ أَرْكَان الصَّلَاة وَهُوَ فِيهَا هَلْ أَخْلُ بِهِ أَوْ لَا] (925) فَصْلٌ: وَإِنْ شَكَّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ فِيهَا - هَلْ أَخَلَّ بِهِ أَوْ لَا؟ - فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ، إمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَإِنْ شَكَّ فِي زِيَادَةٍ تُوجِبُ السُّجُودَ، فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا فَلَا يَجِبُ السُّجُودُ بِالشَّكِّ فِيهَا. وَإِنْ شَكَّ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ يُوجِبُ تَرْكُهُ سُجُودَ السَّهْوِ فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا سُجُودَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي سَبَبِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بِالشَّكِّ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي الزِّيَادَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ السُّجُودُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ. وَلَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، أَوْ فِي رُكْنٍ ذُكِرَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَسْجُدْ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ لِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ احْتِمَالِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُوجَدْ [فَصْلٌ سَهَا سَهْوَيْنِ أَوْ أَكْثَرِ مِنْ جِنْس] (926) فَصْلٌ: إذَا سَهَا سَهْوَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ جِنْسٍ، كَفَاهُ سَجْدَتَانِ لِلْجَمِيعِ. لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ
فصل أحرم منفردا فصلى ركعة ثم نوى متابعة الإمام
السَّهْوُ مِنْ جِنْسَيْنِ، فَكَذَلِكَ. حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَوْلًا لِأَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ النَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِيهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، مَا ذَكَرْنَا. وَالثَّانِي، يَسْجُدُ سُجُودَيْنِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: إذَا كَانَ عَلَيْهِ سُجُودَانِ، أَحَدُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ. وَالْآخَرُ بَعْدَهُ، سَجَدَهُمَا فِي مَحِلَّيْهِمَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَهَذَانِ سَهْوَانِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَجْدَتَانِ، وَلِأَنَّ كُلَّ سَهْوٍ يَقْتَضِي سُجُودًا، وَإِنَّمَا تَدَاخَلَا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لِاتِّفَاقِهِمَا، وَهَذَانِ مُخْتَلِفَانِ وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» وَهَذَا يَتَنَاوَلُ السَّهْوَ فِي مَوْضِعَيْنِ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهَا فَسَلَّمَ، وَتَكَلَّمَ بَعْدَ صَلَاتِهِ فَسَجَدَ لَهُمَا سُجُودًا وَاحِدًا، وَلِأَنَّ السُّجُودَ أُخِّرَ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ، لِيَجْمَعَ السَّهْوَ كُلَّهُ وَإِلَّا فَعَلَهُ عَقِيبَ سَبَبِهِ، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْجَبْرِ فَجَبَرَ نَقْصَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَثُرَ، بِدَلِيلِ السَّهْوِ مَرَّاتٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا انْجَبَرَتْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى جَابِرٍ آخَرَ فَنَقُولُ: سَهْوَانِ. فَأَجْزَأَ عَنْهُمَا سُجُودٌ وَاحِدٌ، كَمَا لَوْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ. وَقَوْلُهُ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ» فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِهِ لِكُلِّ سَهْوٍ فِي صَلَاةٍ، وَالسَّهْوُ وَإِنْ كَثُرَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي لَفْظِ السَّهْوِ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لِكُلِّ صَلَاةٍ فِيهَا سَهْوٌ سَجْدَتَانِ وَلِذَلِكَ قَالَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ» بَعْدَ السَّلَامِ " هَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَلَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ السَّلَامِ سُجُودَانِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ مَعْنَى الْجِنْسَيْنِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا. قَبْلَ السَّلَامِ، وَالْآخَرُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ مَحِلَّيْهِمَا مُخْتَلِفَانِ، وَكَذَلِكَ سَبَبَاهُمَا وَأَحْكَامُهُمَا. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْجِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِنْ نَقْصٍ، وَالْآخَرُ مِنْ زِيَادَةٍ وَالْأَوْلَى مَا قُلْنَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَعَلَى هَذَا إذَا اجْتَمَعَا، سَجَدَ لَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ وَآكَدُ، وَلِأَنَّ الَّذِي قَبْلَ السَّلَامِ قَدْ وَجَبَ لِوُجُوبِ سَبَبِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَهُ مَا يَمْنَعُ وُجُوبَهُ، وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ، فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَهْوٌ آخَرُ، وَإِذَا سَجَدَ لَهُ، سَقَطَ الثَّانِي؛ لِإِغْنَاءِ الْأَوَّلِ عَنْهُ، وَقِيَامِهِ مَقَامَهُ [فَصْلٌ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ نَوَى مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ] (927) فَصْلٌ: وَلَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا، فَصَلَّى رَكْعَةً، ثُمَّ نَوَى مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ، وَقُلْنَا بِجَوَازِ ذَلِكَ فَسَهَا فِيمَا انْفَرَدَ فِيهِ، وَسَهَا إمَامُهُ فِيمَا تَابَعَهُ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَنْتَهِي قَبْلَ صَلَاةِ إمَامِهِ فَعَلَى قَوْلِنَا هُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ إنْ كَانَ مَحِلُّهُمَا وَاحِدًا، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْجِنْسَيْنِ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، يَحْتَمِلُ كَوْنَهُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ وَهَكَذَا لَوْ صَلَّى مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ رَكْعَةً وَدَخَلَ مَعَ مُسَافِرٍ، فَنَوَى مُتَابَعَتَهُ، فَلَمَّا سَلَّمَ إمَامُهُ قَامَ لِيُتِمَّ مَا عَلَيْهِ، فَقَدْ حَصَلَ مَأْمُومًا
مسألة ليس على المأموم سجود سهو
فِي وَسَطِ صَلَاتِهِ، مُنْفَرِدًا فِي طَرَفَيْهَا فَإِذَا سَهَا فِي الْوَسَطِ وَالطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا، فَعَلَى قَوْلِنَا إنْ كَانَ مَحِلُّ سُجُودِهِمَا وَاحِدًا فَهِيَ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَإِنْ اخْتَلَفَ مَحِلُّ السُّجُودِ فَهِيَ جِنْسَانِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هِيَ جِنْسَانِ. هَلْ يُجْزِئُهُ لَهَا سَجْدَتَانِ، أَوْ أَرْبَعُ سَجَدَاتٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهَا وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَسْجُدَ سِتَّ سَجَدَاتٍ، لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ [مَسْأَلَة لَيْسَ عَلَى الْمَأْمُومِ سُجُودُ سَهْو] (928) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ عَلَى الْمَأْمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ، إلَّا أَنْ يَسْهُوَ إمَامُهُ، فَيَسْجُدَ مَعَهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا سَهَا دُونَ إمَامِهِ، فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَحُكِيَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ قَامَ عَنْ قُعُودِ إمَامِهِ فَسَجَدَ. وَلَنَا أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ تَكَلَّمَ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِسُجُودٍ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ سَهْوٌ فَإِنْ سَهَا إمَامُهُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ» . وَلِأَنَّ الْمَأْمُومَ تَابِعٌ لِلْإِمَامِ وَحُكْمُهُ حُكْمُهُ إذَا سَهَا، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَسْهُ وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ، فَعَلَى الْمَأْمُومِ مُتَابَعَتُهُ فِي السُّجُودِ سَوَاءٌ سَهَا مَعَهُ، أَوْ انْفَرَدَ الْإِمَامُ بِالسَّهْوِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ. وَذَكَرَ إِسْحَاقُ أَنَّهُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ، سَوَاءٌ كَانَ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ، أَوْ بَعْدَهُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، الَّذِي رَوَيْنَاهُ. وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ مَسْبُوقًا فَسَهَا الْإِمَامُ فِيمَا لَمْ يُدْرِكْهُ فِيهِ، فَعَلَيْهِ مُتَابَعَتُهُ فِي السُّجُودِ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ. رُوِيَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَإِسْحَاقُ: يَقْضِي ثُمَّ يَسْجُدُ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ، كَقَوْلِنَا، وَبَعْدَهُ، كَقَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي زَادِ الْمُسَافِرِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ خَارِجٌ مِنْ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَتَّبِعْ الْإِمَامَ فِيهِ، كَصَلَاةٍ أُخْرَى. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «فَإِنْ سَهَا إمَامُهُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ» وَلِأَنَّ السُّجُودَ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ فَيُتَابِعُهُ فِيهِ، كَاَلَّذِي قَبْلَ السَّلَامِ، وَكَغَيْرِ الْمَسْبُوقِ، وَفَارَقَ صَلَاةً أُخْرَى، فَإِنَّهُ، غَيْرُ مُؤْتَمٍّ بِهِ فِيهَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَتَى قَضَى فَفِي إعَادَةِ السُّجُودِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يُعِيدُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ حُكْمُ السَّهْوِ، وَمَا فَعَلَهُ مِنْ السُّجُودِ مَعَ الْإِمَامِ كَانَ مُتَابِعًا لَهُ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ مَا لَزِمَهُ، كَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ. وَالثَّانِيَةُ، لَا يَلْزَمَهُ السُّجُودُ؛ لِأَنَّ سُجُودَ إمَامِهِ قَدْ كَمَلَتْ بِهِ الصَّلَاةُ فِي حَقِّهِ، وَحَصَلَ بِهِ الْجُبْرَانُ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى سُجُودٍ ثَانٍ، كَالْمَأْمُومِ إذَا سَهَا وَحْدَهُ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ. فَإِنْ نَسِيَ الْإِمَامُ
فصل غير المسبوق إذا سها إمامه فلم يسجد فهل يسجد المأموم
السُّجُودَ، سَجَدَ الْمَسْبُوقُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْإِمَامِ مَا يَكْمُلُ بِهِ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ. وَإِذَا سَهَا الْمَأْمُومُ فِيمَا تَفَرَّدَ فِيهِ بِالْقَضَاءِ، سَجَدَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُنْفَرِدًا، فَلَمْ يَتَحَمَّلْ عَنْهُ الْإِمَامُ وَهَكَذَا لَوْ سَهَا، فَسَلَّمَ مَعَ إمَامِهِ، قَامَ فَأَتَمَّ صَلَاتَهُ، ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، كَالْمُنْفَرِدِ، سَوَاءً [فَصْلٌ غَيْر الْمَسْبُوق إذَا سَهَا إمَامه فَلَمْ يَسْجُد فَهَلْ يَسْجُد الْمَأْمُوم] (929) فَصْلٌ: فَأَمَّا غَيْرُ الْمَسْبُوقِ إذَا سَهَا إمَامُهُ فَلَمْ يَسْجُدْ، فَهَلْ يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يَسْجُدُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ، وَالْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ وَقَتَادَةَ وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَهِيَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ نَقَصَتْ بِسَهْوِ الْإِمَامِ، وَلَمْ تَنْجَبِرْ بِسُجُودِهِ، فَيَلْزَمُ الْمَأْمُومَ جَبْرُهَا. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَسْجُدُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْقَاسِمِ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ إنَّمَا يَسْجُدُ تَبَعًا، فَإِذَا لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ لَمْ يُوجَدْ الْمُقْتَضِي لِسُجُودِ الْمَأْمُومِ. وَهَذَا إذَا تَرَكَهُ الْإِمَامُ لِعُذْرٍ، فَإِنْ تَرَكَهُ قَبْلَ السَّلَامِ عَمْدًا، وَكَانَ الْإِمَامُ مِمَّنْ لَا يَرَى أَنَّ السُّجُودَ وَاجِبٌ، فَهُوَ كَتَارِكِهِ سَهْوًا. وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا فَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، كَتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ. وَالثَّانِي: لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا السَّلَامُ [فَصْلٌ قَامَ الْمَأْمُومُ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ فَسَجَدَ إمَامُهُ بَعْدَ السَّلَام] (930) فَصْلٌ: إذَا قَامَ الْمَأْمُومُ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ، فَسَجَدَ إمَامُهُ بَعْدَ السَّلَامِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَائِمِ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ؛ إنْ سَجَدَ إمَامُهُ قَبْلَ انْتِصَابِهِ قَائِمًا لَزِمَهُ الرُّجُوعُ، وَإِنْ انْتَصَبَ قَائِمًا وَلَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِرَاءَةِ، لَمْ يَرْجِعْ وَإِنْ رَجَعَ جَازَ وَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: رَجُلٌ أَدْرَكَ بَعْضَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا قَامَ لِيَقْضِيَ، إذَا عَلَى الْإِمَامِ سُجُودُ سَهْوٍ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ عَمِلَ فِي قِيَامِهِ، وَابْتَدَأَ فِي الْقِرَاءَةِ، مَضَى، ثُمَّ سَجَدَ. قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا؟ قَالَ: يَرْجِعُ مَا لَمْ يَعْمَلْ. قِيلَ لَهُ: قَدْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا؟ فَقَالَ: إذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا، وَأَخَذَ فِي عَمَلِ الْقَضَاءِ، سَجَدَ بَعْدَمَا يَقْضِي. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَامَ عَنْ وَاجِبٍ إلَى رُكْنٍ أَشْبَهَ الْقِيَامَ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ فِيهِ رِوَايَاتٍ ثَلَاثًا. وَهَذَا أَوْلَى، وَهُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ بِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ.
فصل ليس على المسبوق ببعض الصلاة سجود لذلك
[فَصْلٌ لَيْسَ عَلَى الْمَسْبُوقِ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ سُجُودٌ لِذَلِكَ] (931) فَصْلٌ: وَلَيْسَ عَلَى الْمَسْبُوقِ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ سُجُودٌ لِذَلِكَ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِسْحَاقَ، فِي مَنْ أَدْرَكَ وِتْرًا مِنْ صَلَاةِ إمَامِهِ سَجَدَ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ يَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التَّشَهُّدِ وَلَنَا: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» وَفِي رِوَايَةٍ «فَاقْضُوا» وَلَمْ يَأْمُرْ بِسُجُودٍ وَلَا نُقِلَ ذَلِكَ، وَقَدْ فَاتَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضُ الصَّلَاةِ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَضَاهَا وَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ سُجُودٌ وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ جَلَسَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ تَشَهُّدِهِ، وَلِأَنَّ السُّجُودَ يُشْرَعُ لِلسَّهْوِ، هَاهُنَا وَلِأَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ وَاجِبَةٌ، فَلَمْ يَسْجُدْ لِفِعْلِهَا كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ. [فَصْلٌ لَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِشَيْءِ فَعَلَّه أَوْ تَرَكَهُ عَامِدًا] (932) فَصْلٌ: وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِشَيْءٍ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ عَامِدًا. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَسْجُدُ لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ وَالْقُنُوتِ عَمْدًا؛ لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ الْجَبْرُ بِسَهْوِهِ تَعَلَّقَ بِعَمْدِهِ، كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ. وَلَنَا، أَنَّ السُّجُودَ يُضَافُ إلَى السَّهْوِ، فَيَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ، وَالشَّرْعُ إنَّمَا وَرَدَ بِهِ فِي السَّهْوِ، فَقَالَ «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» وَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْجِبَارِ السَّهْوِ بِهِ انْجِبَارُ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي السَّهْوِ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِي الْعَمْدِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِزِيَادَةِ رُكْنٍ أَوْ رَكْعَةٍ، أَوْ قِيَامٍ فِي مَوْضِعِ جُلُوسٍ، أَوْ جُلُوسٍ فِي مَوْضِعِ قِيَامٍ، وَلَا يُشْرَعُ لِحَدِيثِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ فِيهِ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَلَا تَكَادُ صَلَاةٌ تَخْلُو مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. [فَصْلٌ حُكْمُ النَّافِلَةِ حُكْمُ الْفَرْضِ فِي سُجُودِ السَّهْو] (933) فَصْلٌ: وَحُكْمُ النَّافِلَةِ حُكْمُ الْفَرْضِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، إلَّا أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ قَالَ: لَا يُشْرَعُ فِي النَّافِلَةِ. وَهَذَا يُخَالِفُ عُمُومَ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ.» وَقَالَ «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهَا كَالْفَرِيضَةِ، وَلَوْ قَامَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقِيَامِ إلَى ثَالِثَةٍ فِي الْفَجْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَالَ مَالِكٌ يُتِمُّهَا أَرْبَعًا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِالْعِرَاقِ كَقَوْلِهِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ كَقَوْلِهِ، وَفِي صَلَاةِ اللَّيْلِ: إنْ ذَكَرَ قَبْلَ رُكُوعِهِ فِي الثَّالِثَةِ جَلَسَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ رُكُوعِهِ أَتَمَّهَا أَرْبَعًا. وَلَنَا: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى» وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ شُرِعَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَ حُكْمُهَا مَا ذَكَرْنَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَأَمَّا صَلَاةُ النَّهَارِ فَيُتِمُّهَا أَرْبَعًا
فصل السجود للسهو في صلاة الجنازة
[فَصْلٌ السُّجُودُ لِلسَّهْوِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَة] (934) فَصْلٌ: وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِلسَّهْوِ فِي صَلَاةِ جِنَازَةٍ لِأَنَّهَا لَا سُجُودَ فِي صُلْبِهَا، فَفِي جَبْرِهَا أَوْلَى وَلَا فِي سُجُودِ تِلَاوَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شُرِعَ لَكَانَ الْجَبْرُ زَائِدًا عَلَى الْأَصْلِ وَلَا فِي سُجُودِ سَهْوٍ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَقَالَ إِسْحَاقُ هُوَ إجْمَاعٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى التَّسَلْسُلِ، وَلَوْ سَهَا بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ لَمْ يَسْجُدْ لِذَلِكَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ [مَسْأَلَةٌ الْكَلَامُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا يُبْطَلُ الصَّلَاةَ] (935) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ تَكَلَّمَ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) أَمَّا الْكَلَامُ عَمْدًا، وَهُوَ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَالِمًا أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، وَلَا لِأَمْرٍ يُوجِبُ الْكَلَامَ، فَتَبْطُلَ الصَّلَاةُ إجْمَاعًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ عَامِدًا وَهُوَ يُرِيدُ صَلَاحَ صَلَاتِهِ، أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: «كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ وَهُوَ إلَى جَنْبِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ: وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا. قَالَ: إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد، وَلَفْظُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ، قَالَ: إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» فَأَمَّا الْكَلَامُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَيُقَسَّمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَتَكَلَّمَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ. فَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ " لَا أَعْرِفُ عَنْ أَحْمَدَ نَصًّا فِي ذَلِكَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَبْطُلَ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْكَلَامَ كَانَ مُبَاحًا فِي الصَّلَاةِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَزِيدَ بْنِ أَرْقَمَ، وَلَا يَثْبُتْ حُكْمُ النَّسْخِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِمْ حُكْمُ نَسْخِ الْقِبْلَةِ قَبْلَ عِلْمِهِمْ، فَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ بِخِلَافِ النَّاسِي، فَإِنَّ الْحُكْمَ قَدْ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ، وَبِخِلَافِ الْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُبَاحًا، وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ
قَالَ: «بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ، فَقُلْت: يَرْحَمُك اللَّهُ. فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْت وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاَللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهَا وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَوْلَى أَنْ يُخَرَّجَ هَذَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي كَلَامِ النَّاسِي، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ مِثْلُهُ. الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ يَتَكَلَّمَ نَاسِيًا، وَذَلِكَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا أَنْ يَنْسَى أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. إحْدَاهُمَا، لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ؛ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَكَلَّمَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَلَمْ يَأْمُرْ مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ بِالْإِعَادَةِ إذْ تَكَلَّمَ جَاهِلًا، وَمَا عُذِرَ فِيهِ بِالْجَهْلِ عُذِرَ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ. وَالثَّانِيَةُ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ. وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِعُمُومِ أَحَادِيثِ الْمَنْعِ مِنْ الْكَلَامِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمْ يُسَامَحْ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ، كَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ. النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَظُنَّ أَنَّ صَلَاتَهُ تَمَّتْ، فَيَتَكَلَّمَ، فَهَذَا إنْ كَانَ سَلَامًا لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ فَعَلُوهُ، وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ، وَلِأَنَّ جِنْسَهُ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ الزِّيَادَةَ فِيهَا مِنْ جِنْسِهَا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَلَامًا، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِمَّا تَكْمُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ، مِثْلُ كَلَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَا الْيَدَيْنِ، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ وَإِنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ الصَّلَاةِ كَقَوْلِهِ: يَا غُلَامُ اسْقِنِي مَاءً. فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى مَنْ تَكَلَّمَ نَاسِيًا فِي صَلَاتِهِ يَظُنُّ أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ، إنْ كَانَ كَلَامُهُ فِيمَا تَتِمُّ بِهِ الصَّلَاةُ، بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ كَمَا كَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَا الْيَدَيْنِ. وَإِذَا قَالَ: يَا غُلَامُ اسْقِنِي مَاءً. أَوْ
شِبْهَهُ أَعَادَ وَمِمَّنْ تَكَلَّمَ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ، وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ، الزُّبَيْرُ، وَابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُرْوَةُ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي عَصْرِهِمْ خِلَافَهُ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنَّ الصَّلَاةَ تَفْسُدُ بِكُلِّ حَالٍ. قَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: أَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ الْيَوْمَ وَأَجَابَهُ أَحَدٌ أَعَادَ الصَّلَاةَ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ. وَقَالَ: عَلَى هَذَا اسْتَقَرَّتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ تَوَقُّفِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ فِي مَنْعِ الْكَلَامِ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَفْسُدُ بِالْكَلَامِ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِحَالٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ النِّسْيَانِ فَأَشْبَهَ الْمُتَكَلِّمَ جَاهِلًا، وَلِذَلِكَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ؛ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ، وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ، وَتُخَرَّجُ فِيهِ رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إنْ كَانَ إمَامًا تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ غَيْرُهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ. وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِيمَا بَعْدُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْقِسْمُ الثَّالِثُ، أَنْ يَتَكَلَّمَ مَغْلُوبًا عَلَى الْكَلَامِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا أَنْ تَخْرُجَ الْحُرُوفُ مِنْ فِيهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، مِثْلُ أَنْ يَتَثَاءَبَ، فَيَقُولَ: هَاهْ، أَوْ يَتَنَفَّسَ، فَيَقُولَ: آهْ. أَوْ يَسْعُلَ، فَيَنْطِقَ فِي السَّعْلَةِ بِحَرْفَيْنِ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا أَوْ يَغْلَطَ فِي الْقِرَاءَةِ، فَيَعْدِلَ إلَى كَلِمَةٍ مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ، أَوْ يَجِيئَهُ الْبُكَاءُ فَيَبْكِيَ وَلَا يَقْدِرَ عَلَى رَدِّهِ، فَهَذَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ فِي الصَّلَاةِ فَيَجِيئُهُ الْبُكَاءُ فَيَبْكِي، فَقَالَ: إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ. وَقَالَ: قَدْ كَانَ عُمَرُ يَبْكِي، حَتَّى يُسْمَعَ لَهُ نَشِيجٌ. وَقَالَ مُهَنَّا: صَلَّيْتُ إلَى جَنْبِ أَحْمَدَ فَتَثَاءَبَ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَسَمِعْتُ لِتَثَاؤُبِهِ: هَاهْ هَاهْ وَهَذَا لِأَنَّ الْكَلَامَ هَاهُنَا لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْكَلَامِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَنْ تَثَاءَبَ، فَقَالَ آهْ آهْ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَلَيْهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ فِعْلِ أَحْمَدَ خِلَافَهُ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يَنَامَ فَيَتَكَلَّمَ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ الْجَوَابِ فِيهِ. وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَبْطُلَ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ. وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ طَلَّقَ أَوْ أَقَرَّ أَوْ أَعْتَقَ لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُ ذَلِكَ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يُكْرَهَ عَلَى الْكَلَامِ فَيَحْتَمِلَ أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى كَلَامِ النَّاسِي؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْعَفْوِ، بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَقَالَ الْقَاضِي؛ هَذَا أَوْلَى بِالْعَفْوِ، وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَيْهِ، وَلِهَذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى إتْلَافِ مَالٍ لَمْ يَضْمَنْهُ وَلَوْ أَتْلَفَهُ نَاسِيًا ضَمِنَهُ وَالصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنَّ هَذَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ عَمْدًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ أَرْبَعًا، أَوْ عَلَى أَنْ يَرْكَعَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَيْنِ. وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى النَّاسِي لِوَجْهَيْنِ:
مسألة الإمام إذا تكلم لمصلحة الصلاة
أَحَدُهُمَا أَنَّ النِّسْيَانَ يَكْثُرُ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ نَسِيَ فَزَادَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ نَسِيَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةً، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِثْلُ هَذَا فِي الْإِكْرَاهِ. الْقِسْمُ الرَّابِعُ، أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ وَاجِبٍ، مِثْلُ أَنْ يَخْشَى عَلَى صَبِيٍّ أَوْ ضَرِيرٍ الْوُقُوعَ فِي هَلَكَةٍ، أَوْ يَرَى حَيَّةً وَنَحْوَهَا تَقْصِدُ غَافِلًا أَوْ نَائِمًا أَوْ يَرَى نَارًا يَخَافُ أَنْ تَشْتَعِلَ فِي شَيْءٍ وَنَحْوَ هَذَا، وَلَا يُمْكِنُ التَّنْبِيهُ بِالتَّسْبِيحِ. فَقَالَ أَصْحَابُنَا: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهَذَا. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي كَلَامِ الْمُكْرَهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَبْطُلَ الصَّلَاةُ بِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ: إنَّمَا كَلَّمَ الْقَوْمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ كَلَّمَهُمْ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُجِيبُوهُ. فَعَلَّلَ صِحَّةَ صَلَاتِهِمْ بِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا مُتَحَقِّقٌ هَاهُنَا، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِالْكَلَامِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، وَوَجْهُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ هَاهُنَا، أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ كَلَامَ الْمُجِيبِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. الْقِسْمُ الْخَامِسُ: أَنْ يَتَكَلَّمَ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ وَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (936) فَصْلٌ: وَكُلُّ كَلَامٍ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ فَإِنَّمَا هُوَ فِي الْيَسِيرِ مِنْهُ، فَإِنْ كَثُرَ، وَطَالَ، أَفْسَدَ الصَّلَاةَ. وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي، فِي الْمُجَرَّدِ كَلَامُ النَّاسِي إذَا طَالَ يُعِيدُ رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَقَالَ فِي الْجَامِعِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ لِأَنَّ مَا عُفِيَ عَنْهُ بِالنِّسْيَانِ اسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَالْأَكْلِ فِي الصِّيَامِ. وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَلَنَا: أَنَّ دَلَالَةَ أَحَادِيثِ الْمَنْعِ مِنْ الْكَلَامِ عَامَّةٌ تُرِكَتْ فِي الْيَسِيرِ بِمَا وَرَدَ فِيهِ الْأَخْبَارِ، فَتَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْكَثِيرِ عَلَى الْيَسِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَقَدْ عُفِيَ عَنْهُ فِي الْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْكَثِيرِ [مَسْأَلَة الْإِمَامَ إذَا تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاة] (937) مَسْأَلَةٌ: قَالَ إلَّا الْإِمَامَ خَاصَّةً؛ فَإِنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَمَنْ ذَكَرَ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ أَنَّهُ قَدْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ فَلْيَأْتِ بِرَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ مِنْ صَلَاتِهِ يَظُنُّ أَنَّهَا قَدْ تَمَّتْ، ثُمَّ تَكَلَّمَ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إحْدَاهُنَّ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَفْسُدُ إذَا كَانَ الْكَلَامُ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ مِثْلُ الْكَلَامِ فِي بَيَانِ الصَّلَاةِ
فصل الكلام المبطل للصلاة ما انتظم حرفين
مِثْلُ كَلَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ تَكَلَّمُوا، ثُمَّ بَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ، وَلَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ. وَهُوَ قَوْلُ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ، وَمَذْهَبُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِعُمُومِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ لَا تَفْسُدُ - لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إمَامًا، فَتَكَلَّمَ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ -، وَصَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا تَفْسُدُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُمْ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لِأَنَّهُمَا تَكَلَّمَا مُجِيبَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِجَابَتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمَا، وَلَا بِذِي الْيَدَيْنِ، لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ سَائِلًا عَنْ نَقْصِ الصَّلَاةِ، فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهَا، وَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي زَمَانِنَا وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَاخْتُصَّ هَذَا بِالْكَلَامِ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي شَأْنِهَا، فَاخْتُصَّتْ إبَاحَةُ الْكَلَامِ بِوُرُودِ النَّصِّ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ، دُونَ غَيْرِهِ، فَيَمْتَنِعُ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ. فَأَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ سَلَامٍ، وَلَا ظَنَّ التَّمَامَ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَفْسُدُ؛ إمَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثَ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ؛ لِعُمُومِ لَفْظِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلْإِمَامِ وَقَدْ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْعَصْرِ: إنَّهَا الْعَصْرُ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ وَلِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ تَطَرَّقَهُ حَالٌ يَحْتَاجُ إلَى الْكَلَامِ فِيهَا، وَهُوَ مَا لَوْ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ فِي رَكْعَةٍ فَذَكَرَهَا فِي الثَّانِيَةِ، فَقَدْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ رَكْعَةٌ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يُبْدِلَهَا بِرَكْعَةٍ هِيَ فِي ظَنِّ الْمَأْمُومِينَ خَامِسَةٌ لَيْسَ لَهُمْ مُوَافَقَتُهُ فِيهَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى إعْلَامِهِمْ بِغَيْرِ الْكَلَامِ وَقَدْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى السُّؤَالِ، فَلِذَلِكَ أُبِيحَ لَهُ الْكَلَامُ. وَلَمْ أَعْلَمْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ صَحَابَتِهِ وَلَا عَنْ الْإِمَامِ نَصًّا فِي الْكَلَامِ فِي غَيْرِ الْحَالِ الَّتِي سَلَّمَ فِيهَا مُعْتَقِدًا تَمَامَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَقِيَاسُ الْكَلَامِ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ عَالِمًا بِهَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حَالُ نِسْيَانٍ، غَيْرُ مُمْكِنٍ التَّحَرُّزُ مِنْ الْكَلَامِ فِيهَا، وَهِيَ أَيْضًا حَالٌ يَتَطَرَّقُ الْجَهْلُ إلَى صَاحِبِهَا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِيهَا، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ مَا يُفَارِقُهَا فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ عَلَيْهَا، وَلَا نَصَّ فِيهَا، وَإِذَا عُدِمَ النَّصُّ وَالْقِيَاسُ وَالْإِجْمَاعُ، امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَهُ يَكُونُ ابْتِدَاءَ حُكْمٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ. [فَصْلٌ الْكَلَامُ الْمُبْطِلُ لِلصَّلَاةِ مَا انْتَظَمَ حَرْفَيْنِ] فَصْلٌ: وَالْكَلَامُ الْمُبْطِلُ مَا انْتَظَمَ حَرْفَيْنِ. هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ بِالْحَرْفَيْنِ تَكُونُ كَلِمَةٌ كَقَوْلِهِ: أَبٌ وَأَخٌ وَدَمٌ. وَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ وَالْحُرُوفُ، وَلَا تَنْتَظِمُ كَلِمَةٌ مِنْ أَقَلَّ مِنْ حَرْفَيْنِ. وَلَوْ قَالَ: لَا. فَسَدَتْ صَلَاتَهُ، لِأَنَّهَا حَرْفَانِ لَامٌ وَأَلِفٌ. وَإِنْ ضَحِكَ فَبَانَ حَرْفَانِ. فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَكَذَلِكَ وَإِنْ قَهْقَهَ وَلَمْ يَكُنْ حَرْفَانِ. وَبِهَذَا قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ،
فصل النفخ في الصلاة
وَالنَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الضَّحِكَ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّبَسُّمَ لَا يُفْسِدُهَا، وَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «الْقَهْقَهَةُ تَنْقُضُ الصَّلَاةَ وَلَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ [فَصْلٌ النَّفْخُ فِي الصَّلَاة] (939) فَصْلٌ: فَأَمَّا النَّفْخُ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ انْتَظَمَ حَرْفَيْنِ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ وَإِلَّا فَلَا يُفْسِدُهَا. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ النَّفْخُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ وَقَالَ أَيْضًا: قَدْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " مَنْ نَفَخَ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ تَكَلَّمَ " وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: أَكْرَهُهُ، وَلَا أَقُولُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، لَيْسَ هُوَ كَلَامًا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَإِسْحَاقَ. قَالَ الْقَاضِي: الْمَوْضِعُ الَّذِي قَالَ أَحْمَدُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إذَا انْتَظَمَ حَرْفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ كَلَامًا وَلَا يَكُونُ كَلَامًا بِأَقَلَّ مِنْ حَرْفَيْنِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي قَالَ: لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إذَا لَمْ يَنْتَظِمْ مِنْهُ حَرْفَانِ؛ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ سُمِعَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ وَإِلَّا فَلَا يَضُرُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يَنْتَظِمْ مِنْهُ حَرْفَانِ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ نَفَخَ فِي سُجُودِهِ، فَقَالَ: أُفْ أُفْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنْ أَرَادَ مَا لَا يَسْمَعُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَفْخٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا لَا يَسْمَعُهُ غَيْرُهُ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ إظْهَارُهُ أَبْطَلَهَا إسْرَارُهُ، وَمَا لَا فَلَا، كَالْكَلَامِ [فَصْلٌ النَّحْنَحَةُ إنَّ بَانَ مِنْهَا حَرْفَانِ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِهَا] (940) فَصْلٌ: فَأَمَّا النَّحْنَحَةُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ بَانَ مِنْهَا حَرْفَانِ، بَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِهَا كَالنَّفْخِ. وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ قَالَ: كُنْت آتِي أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَيَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ، لِأَعْلَمَ أَنَّهُ يُصَلِّي. وَقَالَ مُهَنَّا: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَتَنَحْنَحُ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْتَظِمُ حَرْفَيْنِ. وَظَاهِرُ حَالِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّحْنَحَةَ لَا تُسَمَّى كَلَامًا، وَتَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهَا فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «كَانَتْ لِي سَاعَةٌ فِي
فصل البكاء والتأوه والأنين في الصلاة
السَّحَرِ أَدْخُلُ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ تَنَحْنَحَ، فَكَانَ ذَلِكَ إذْنِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ أَذِنَ لِي» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي كَرَاهَةِ تَنْبِيهِ الْمُصَلِّي بِالنَّحْنَحَةِ فِي صَلَاتِهِ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: لَا تَنَحْنُحَ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ فَلْيُسَبِّحْ الرِّجَالُ، وَلْتُصَفِّقْ النِّسَاءُ» وَرَوَى عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَحْنَحُ لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ خَاصٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ [فَصْلٌ الْبُكَاءُ وَالتَّأَوُّهُ وَالْأَنِينُ فِي الصَّلَاة] (941) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْبُكَاءُ وَالتَّأَوُّهُ وَالْأَنِينُ الَّذِي يَنْتَظِمُ مِنْهُ حَرْفَانِ فَمَا كَانَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ خَوْفِ اللَّهِ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، فِي الرَّجُلِ يَتَأَوَّهُ فِي الصَّلَاةِ: إنْ تَأَوَّهَ مِنْ النَّارِ فَلَا بَأْسَ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إذَا تَأَوَّهَ، أَوْ أَنَّ، أَوْ بَكَى لِخَوْفِ اللَّهِ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ. قَالَ الْقَاضِي: التَّأَوُّهُ ذِكْرٌ، مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالَ: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114] وَالذِّكْرُ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةُ، وَمَدَحَ الْبَاكِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58] وَقَالَ: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ} [الإسراء: 109] وَرُوِيَ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي وَلِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنْ الْبُكَاءِ» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: سَمِعْت نَشِيجَ عُمَرَ وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ. وَلَمْ أَرَ عَنْ أَحْمَدَ فِي التَّأَوُّهِ شَيْئًا، وَلَا فِي الْأَنِينِ، وَالْأَشْبَهُ بِأُصُولِنَا أَنَّهُ مَتَى فَعَلَهُ مُخْتَارًا أَفْسَدَ صَلَاتَهُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، فِي الْبُكَاءِ الَّذِي لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ: إنَّهُ مَا كَانَ عَنْ غَلَبَةٍ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ إجْمَاعٍ وَالنُّصُوصُ الْعَامَّةُ تَمْنَعُ مِنْ الْكَلَامِ كُلِّهِ، وَلَمْ يَرِدْ فِي التَّأَوُّهِ وَالْأَنِينِ مَا يَخُصُّهُمَا وَيُخْرِجُهُمَا مِنْ الْعُمُومِ، وَالْمَدْحُ عَلَى التَّأَوُّهِ لَا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ، كَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَرَدِّ السَّلَامِ، وَالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي هِيَ صَدَقَةٌ [فَصْلٌ أَتَى بِذَكَرِ مَشْرُوعٍ يَقْصِدُ بِهِ تَنْبِيهَ غَيْرِهِ فِي الصَّلَاة] (942) فَصْلٌ: إذَا أَتَى بِذِكْرٍ مَشْرُوعٍ يَقْصِدُ بِهِ تَنْبِيهَ غَيْرِهِ. فَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: الْأَوَّلُ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ، مِثْلُ أَنْ يَسْهُوَ إمَامُهُ فَيُسَبِّحَ بِهِ لِيُذَكِّرَهُ أَوْ يَتْرُكَ إمَامُهُ ذِكْرًا فَيَرْفَعَ الْمَأْمُومُ صَوْتَهُ لِيُذَكِّرَهُ أَوْ يَسْتَأْذِنَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يُكَلِّمَهُ أَوْ يَنُوبَهُ شَيْءٌ، فَيُسَبِّحَ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ، أَوْ يَخْشَى عَلَى إنْسَانٍ الْوُقُوعَ فِي شَيْءٍ فَيُسَبِّحَ بِهِ لِيُوقِظَهُ، أَوْ يَخْشَى أَنْ يُتْلِفَ شَيْئًا، فَيُسَبِّحَ
بِهِ لِيَتْرُكَهُ. فَهَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الصَّلَاةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ أَفْهَمْ غَيْرَ إمَامِهِ بِالتَّسْبِيحِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنْ الْكَلَامِ وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ إلَّا الْتَفَتَ وَفِي لَفْظٍ إذَا نَابَكُمْ أَمْرٌ فَلْيُسَبِّحْ الرِّجَالُ وَلْتُصَفِّقْ النِّسَاءُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ أَمْرٍ يَنُوبُ الْمُصَلِّيَ وَفِي " الْمُسْنَدِ " عَنْ عَلِيٍّ «كُنْت إذَا اسْتَأْذَنْت عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ سَبَّحَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ أَذِنَ» وَلِأَنَّهُ نَبَّهَ بِالتَّسْبِيحِ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَبَّهَ الْإِمَامَ، وَلَوْ كَانَ تَنْبِيهُ غَيْرِ الْإِمَامِ كَلَامًا مُبْطِلًا لَكَانَ تَنْبِيهُ الْإِمَامِ كَذَلِكَ. (943) فَصْلٌ: وَفِي مَعْنَى هَذَا النَّوْعِ، إذَا فَتَحَ عَلَى الْإِمَامِ إذَا ارْتَجَّ عَلَيْهِ، أَوْ رَدَّ عَلَيْهِ إذَا غَلِطَ فَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ. - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَابْنُ مَعْقِلٍ، وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَأَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ. وَكَرِهَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَشُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ؛ لِمَا رَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَفْتَحُ عَلَى الْإِمَامِ» وَلَنَا: مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةً، فَقَرَأَ فِيهَا، فَلُبِسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأُبَيٍّ أَصْلَيْتَ مَعَنَا؟ . قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَمَا مَنَعَك؟» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «تَرَدَّدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلَمْ يَفْتَحُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ، فَقَالَ: أَمَا شَهِدَ الصَّلَاةَ مَعَكُمْ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ؟ قَالُوا: لَا» فَرَأَى الْقَوْمُ أَنَّهُ إنَّمَا تَفَقَّدَهُ لِيَفْتَحَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَرَوَى مُسَوَّرُ بْنُ يَزِيدَ الْمَالِكِيُّ قَالَ: «شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ فَتَرَكَ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، آيَةَ كَذَا وَكَذَا تَرَكْتَهَا. قَالَ: فَهَلَّا ذَكَّرْتَنِيهَا؟» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ وَلِأَنَّهُ تَنْبِيهٌ لِإِمَامِهِ بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ التَّسْبِيحَ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ يَرْوِيهِ الْحَارِثُ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ كَذَّابًا، وَقَدْ قَالَ عَنْ نَفْسِهِ: إذَا اسْتَطْعَمَك الْإِمَامُ فَأَطْعِمْهُ. يَعْنِي إذَا تَعَايَى فَارْدُدْ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَقَالَ الْحَسَنُ إنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ يَقُولُونَ: لَا تَفْتَحْ عَلَى الْإِمَامِ. وَمَا بَأْسٌ بِهِ، أَلَيْسَ يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَمْ يَسْمَعْ أَبُو إِسْحَاقَ مِنْ الْحَارِثِ إلَّا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ، لَيْسَ هَذَا مِنْهَا.
فصل إذا أرتج على الإمام في الفاتحة
[فَصْلٌ إذَا أَرْتَجّ عَلَى الْإِمَامِ فِي الْفَاتِحَة] (944) فَصْلٌ: وَإِذَا ارْتَجَّ عَلَى الْإِمَامِ فِي الْفَاتِحَةِ لَزِمَ مَنْ وَرَاءَهُ الْفَتْحُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ نَسِيَ سَجْدَةً لَزِمَهُمْ تَنْبِيهُهُ بِالتَّسْبِيحِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مِنْ أَجْلِهِ، كَمَا لَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ. وَكَذَلِكَ لَوْ عَجَزَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ عَنْ رُكْنٍ يَمْنَعُ الِائْتِمَامَ، كَالرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ، فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ، كَمَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالِاسْتِخْلَافِ؛ لِأَنَّ مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ قَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَهَذَا صَلَاتُهُ صَحِيحَةُ فَكَانَ بِالِاسْتِخْلَافِ أَوْلَى. وَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَأْتِي بِمَا يُحْسِنُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ، وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ عَجَزَ عَنْهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، فَسَقَطَ كَالْقِيَامِ، فَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَإِنْ كَانَ أُمِّيًّا عَاجِزًا عَنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ قَارِئًا نَوَى مُفَارَقَتَهُ، وَأَتَمَّ وَحْدَهُ، وَلَا يَصِحُّ لَهُ إتْمَامُ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ لِأَنَّ هَذَا قَدْ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأُمِّيِّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ أَنَّ صَلَاتَهُ تَفْسُدُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الصَّلَاةِ بِقِرَاءَتِهَا فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ بِدُونِ ذَلِكَ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْأُمِّيِّ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ لَوْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ بِدُونِهَا، وَهَذَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَ فَيَسْأَلَ عَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ وَيُصَلِّيَ، وَلَا قِيَاسُهُ عَلَى أَرْكَانِ الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ عَنْ الصَّلَاةِ لَا يُزِيلُ عَجْزَهُ عَنْهَا، وَلَا يَأْمَنُ عَوْدَ مِثْلِ ذَلِكَ لِعَجْزٍ بِخِلَافِ هَذَا. النَّوْعُ الثَّانِي: مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِتَنْبِيهِ آدَمِيٍّ، إلَّا أَنَّهُ لِسَبَبٍ مِنْ غَيْرِ الصَّلَاةِ، مِثْلُ أَنْ يَعْطِسُ فَيَحْمَدَ اللَّهَ، أَوْ تَلْسَعَهُ عَقْرَبٌ فَيَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ. أَوْ يَسْمَعَ، أَوْ يَرَى مَا يَغُمُّهُ فَيَقُولَ: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] أَوْ يَرَى عَجَبًا فَيَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ. فَهَذَا لَا يُسْتَحَبُّ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يُبْطِلُهَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، فِي مَنْ عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَقَالَ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، فِي مَنْ قِيلَ لَهُ وَهُوَ يُصَلِّي: وُلِدَ لَك غُلَامٌ. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ قِيلَ لَهُ: احْتَرَقَ دُكَّانُك قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَوْ ذَهَبَ كِيسُك: فَقَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ فَقَدْ مَضَتْ صَلَاتُهُ وَلَوْ قِيلَ: لَهُ مَاتَ أَبُوك. فَقَالَ {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] فَلَا يُعِيدُ صَلَاتَهُ. وَذَكَرَ حَدِيثَ عَلِيٍّ حِينَ أَجَابَ الْخَارِجِيَّ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ كَلَامُ آدَمِيٍّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ هَذَا؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَنْ قِيلَ لَهُ: وُلِدَ لَك غُلَامٌ. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَوْ ذَكَرَ مُصِيبَةً، فَقَالَ: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] . قَالَ يُعِيدُ الصَّلَاةَ. وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ قَصَدَ خِطَابَ آدَمِيٍّ. وَلَنَا مَا رَوَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، قَالَ: «عَطَسَ شَابٌّ مِنْ الْأَنْصَارِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَتَّى يَرْضَى رَبُّنَا، وَبَعْدَمَا يَرْضَى مِنْ أَمْرِ
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ الْقَائِلُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا، مَا تَنَاهَتْ دُونَ الْعَرْشِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْخَوَارِجِ، وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَنَادَاهُ: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] . قَالَ: فَأَنْصَتَ لَهُ حَتَّى فَهِمَ، ثُمَّ أَجَابَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ} [الروم: 60] احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، بِإِسْنَادِهِ. وَلِأَنَّ مَا لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ ابْتِدَاءً لَا يُبْطِلُهَا إذَا أَتَى بِهِ عَقِيبَ سَبَبٍ، كَالتَّسْبِيحِ لِتَنْبِيهِ إمَامِهِ. قَالَ الْخَلَّالُ: اتَّفَقَ الْجَمِيعُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَلَى أَنَّهُ - لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ - يَعْنِي: الْعَاطِسُ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ - بِالْحَمْدِ، وَإِنْ رَفَعَ فَلَا بَأْسَ؛ بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْأَنْصَارِيِّ. وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي الْإِمَامِ يَقُولُ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ". فَيَقُولُ مَنْ خَلْفَهُ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " يَرْفَعُونَ بِهَا أَصْوَاتَهُمْ، قَالَ: يَقُولُونَ، وَلَكِنْ يُخْفُونَ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَإِنَّمَا لَمْ يَكْرَهْ أَحْمَدُ ذَلِكَ، كَمَا كَرِهَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ لَا يَمْنَعُ الْإِنْصَاتَ، فَجَرَى مَجْرَى التَّأْمِينِ. قِيلَ لِأَحْمَدَ: فَإِنْ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِهَذَا؟ قَالَ: أَكْرَهُهُ. قِيلَ: فَيَنْهَاهُمْ الْإِمَامُ؟ قَالَ: لَا يَنْهَاهُمْ. قَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا لَمْ يَنْهَهُمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجَهْرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْإِخْفَاءِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُسْمِعُهُمْ الْآيَةَ أَحْيَانًا. (945) فَصْلٌ: قِيلَ لِأَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا قَرَأَ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] هَلْ يَقُولُ: " سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ". قَالَ: إنْ شَاءَ قَالَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ، وَلَا يَجْهَرُ بِهِ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] . فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى،. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] . فَقَالَ: سُبْحَانَكَ، وَبَلَى. وَعَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُصَلِّي فَوْقَ بَيْتِهِ، فَكَانَ إذَا قَرَأَ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] . قَالَ: سُبْحَانَكَ فَبَكَى، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: سَمِعْته عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ، فَجَازَ التَّسْبِيحُ فِي مَوْضِعِهِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ يَقْصِدُ بِهِ تَنْبِيهَ آدَمِيٍّ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ} [الحجر: 46] . يُرِيدُ الْإِذْنَ، أَوْ يَقُولَ لِرَجُلٍ اسْمُهُ يَحْيَى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] . أَوْ {يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} [هود: 32] . فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ بِذَلِكَ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَلَّمَهُ. وَرُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي مَنْ قِيلَ لَهُ: مَاتَ أَبُوكَ. فَقَالَ {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] . لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ. وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ، حِينَ قَالَ لِلْخَارِجِيِّ: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} [الروم: 60] .
فصل يكره أن يفتح من هو في الصلاة على من هو في صلاة أخرى
وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: اسْتَأْذَنَّا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَهُوَ يُصَلِّي. فَقَالَ {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف: 99] . فَقُلْنَا: كَيْفَ صَنَعْتَ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنَّا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَ {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف: 99] . وَلِأَنَّهُ قَرَأَ الْقُرْآنَ، فَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّنْبِيهَ. وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ قَصَدَ التِّلَاوَةَ دُونَ التَّنْبِيهِ، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَصَدَ التَّنْبِيهَ دُونَ التِّلَاوَةِ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ خَاطَبَ آدَمِيًّا، وَإِنْ قَصَدَهُمَا جَمِيعًا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْآثَارِ وَالْمَعْنَى. وَالثَّانِي: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ خَاطَبَ آدَمِيًّا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ التِّلَاوَةَ. فَأَمَّا إنْ أَتَى مَا لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ لِرَجُلٍ اسْمُهُ إبْرَاهِيمُ. يَا إبْرَاهِيمُ. أَوْ لِعِيسَى: يَا عِيسَى. وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا كَلَامُ النَّاسِ، وَلَمْ يَتَمَيَّزْ عَنْ كَلَامِهِمْ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقُرْآنُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ كَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ يَا إبْرَاهِيمُ خُذْ الْكِتَابَ الْكَبِيرَ. [فَصْلٌ يَكْرَه أَنْ يُفْتَح مِنْ هُوَ فِي الصَّلَاة عَلَى مِنْ هُوَ فِي صَلَاة أُخْرَى] (946) فَصْلٌ: يُكْرَهُ أَنْ يَفْتَحَ مَنْ هُوَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ هُوَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، أَوْ عَلَى مَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» . وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ جَالِسٍ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي يَقْرَأُ، فَإِذَا أَخْطَأَ، فَتَحَ عَلَيْهِ الْمُصَلِّي. فَقَالَ: كَيْفَ يَفْتَحُ إذَا أَخْطَأَ هَذَا، وَيَتَعَجَّبُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. فَإِنْ فَعَلَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ قُرْآنٌ، وَإِنَّمَا قَصَدَ قِرَاءَتَهُ دُونَ خِطَابِ الْآدَمِيِّ بِغَيْرِهِ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى الْمُصَلِّي مَنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ. وَقَدْ رَوَى النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ، قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا بِمَكَّةَ، فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَ الْمَقَامِ يُصَلِّي، وَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ خَلْفَهُ يُلَقِّنُهُ، فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. [فَصْلٌ إذَا سَلَّمَ عَلَى الْمُصَلِّي] (947) فَصْلٌ: إذَا سَلَّمَ عَلَى الْمُصَلِّي، لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّ السَّلَامِ بِالْكَلَامِ، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: إنَّ فَعَلَهُ مُتَأَوِّلًا، جَازَتْ صَلَاتُهُ. وَلَنَا، مَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ، فَرَجَعْت وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَوَجْهُهُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: أَمَا إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْك إلَّا أَنِّي كُنْت أُصَلِّي» . وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ «، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْك فِي الصَّلَاةِ فَتَرُدُّ
فصل دخل قوم على قوم وهم يصلون
عَلَيْنَا؟ قَالَ: إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّهُ كَلَامُ آدَمِيٍّ، فَأَشْبَهَ تَشْمِيتَ الْعَاطِسِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَرُدُّ السَّلَامَ بِالْإِشَارَةِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى بْنُ جَمِيلٍ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَبَضَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى ذِرَاعِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ رَدًّا مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ. وَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ. رُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَدَاوُد؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: «فَقَدِمْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَأَخَذَنِي مَا قُدِّمَ وَمَا حَدَثَ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ قَالَ: وَإِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» . فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ. وَقَدْ رَوَى صُهَيْبٌ، قَالَ: «مَرَرْت بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَكَلَّمْتُهُ فَرَدَّ إشَارَةً» . قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: وَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا قَالَ إشَارَةً بِأُصْبُعِهِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى قُبَاءَ، فَصَلَّى فِيهِ قَالَ: فَجَاءَتْهُ الْأَنْصَارُ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، قَالَ: فَقُلْت لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ يَعْقُوبُ: هَكَذَا: وَبَسَطَ - يَعْنِي كَفَّهُ - وَجَعَلَ بَطْنَهُ أَسْفَلَ، وَظُهْرَهُ إلَى فَوْقُ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: كِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ. رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى. [فَصْلٌ دَخَلَ قَوْمٌ عَلَى قَوْمٍ وَهُمْ يُصَلُّونَ] (948) فَصْلٌ: وَإِذَا دَخَلَ قَوْمٌ عَلَى قَوْمٍ وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الرَّجُلِ يَدْخُلُ عَلَى الْقَوْمِ وَهُمْ يُصَلُّونَ، أَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى مُصَلٍّ. وَفَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، وَكَرِهَهُ عَطَاءٌ، وَأَبُو مِجْلَزٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَإِسْحَاقُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا غَلِطَ الْمُصَلِّي فَرَدَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُصَلِّي، فَرَدَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَرَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَمَنْ ذَهَبَ إلَى تَجْوِيزِهِ احْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور: 61] أَيْ عَلَى أَهْلِ دِينِكُمْ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ سَلَّمَ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِمْ إشَارَةً، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. [فَصْلٌ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي الْفَرِيضَةِ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ] (949) فَصْلٌ: إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي الْفَرِيضَةِ عَامِدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، رِوَايَةً، وَاحِدَةً. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَأَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ عَامِدًا أَنَّ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ، وَأَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ
فصل إذا ترك في فيه ما يذوب كالسكر فذاب منه شيء فابتلعه أفسد صلاته
الَّذِي لَا يَفْسُدُ بِالْأَفْعَالِ، فَالصَّلَاةُ أَوْلَى. فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي التَّطَوُّعِ أَبْطَلَهُ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ مَا أَبْطَلَ الْفَرْضَ أَبْطَلَ التَّطَوُّعَ، كَسَائِرِ مُبْطِلَاتِهِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يُبْطِلُهَا. وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُمَا شَرِبَا فِي التَّطَوُّعِ. وَعَنْ طَاوُسٍ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْأَكْلِ، فَأَمَّا إنْ أَكْثَرَ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُفْسِدُهَا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْأَكْلِ مِنْ الْأَعْمَالِ يُفْسِدُ إذَا كَثُرَ، فَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ أَوْلَى. وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي فَرِيضَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ نَاسِيًا لَمْ تَفْسُدْ. وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُبْطِلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ، كَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ. وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» . وَلِأَنَّهُ يُسَوَّى بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ حَالَ الْعَمْدِ. وَيُعْفَى عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ كَالْعَمَلِ مِنْ جِنْسِهَا، وَيُشْرَعُ لِذَلِكَ سُجُودُ السَّهْوِ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ فَإِنَّ مَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ إذَا عُفِيَ عَنْهُ لِأَجْلِ السَّهْوِ شُرِعَ لَهُ السُّجُودُ، كَالزِّيَادَةِ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ، وَمَتَى كَثُرَ ذَلِكَ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ الْمَعْفُوَّ عَنْ يَسِيرِهَا إذَا كَثُرَتْ أَبْطَلَتْ، فَهَذَا أَوْلَى. [فَصْلٌ إذَا تَرَكَ فِي فِيهِ مَا يَذُوبُ كَالسُّكَّرِ فَذَابَ مِنْهُ شَيْءٌ فَابْتَلَعَهُ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ] ُ؛ لِأَنَّهُ أَكْلٌ. وَإِنْ بَقِيَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ، أَوْ فِي فِيهِ مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ يَسِيرٌ يَجْرِي بِهِ الرِّيقُ، فَابْتَلَعَهُ، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ. وَإِنْ تَرَكَ فِي فِيهِ لُقْمَةً وَلَمْ يَبْتَلِعْهَا، كُرِهَ؛ لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنْ خُشُوعِ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ فِيهَا، وَلَا يُبْطِلُهَا؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَمْسَكَ شَيْئًا فِي يَدِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
باب الصلاة بالنجاسة وغير ذلك
[بَابُ الصَّلَاةِ بِالنَّجَاسَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ] [مَسْأَلَة إذَا لَمْ تَكُنْ ثِيَابُهُ طَاهِرَةً وَمَوْضِعُ صَلَاته طَاهِرًا] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا لَمْ تَكُنْ ثِيَابُهُ طَاهِرَةً، وَمَوْضِعُ صَلَاتِهِ طَاهِرًا، أَعَادَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ النَّجَاسَةِ فِي بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى ثَوْبٍ جَنَابَةٌ. وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيِّ. وَقَالَ الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَيْسَ فِي ثَوْبٍ إعَادَةٌ، وَرَأَى طَاوُسٌ دَمًا كَثِيرًا فِي ثَوْبِهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يُبَالِهِ. وَسُئِلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ الرَّجُلِ يَرَى فِي ثَوْبِهِ الْأَذَى وَقَدْ صَلَّى؟ فَقَالَ: اقْرَأْ عَلَيَّ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا غَسْلُ الثِّيَابِ. وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] . قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُوَ الْغَسْلُ بِالْمَاءِ. وَعَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يَكُونُ فِي الثَّوْبِ؟ قَالَ: اُقْرُصِيهِ، وَصَلِّي فِيهِ» . وَفِي لَفْظٍ قَالَتْ: «سَمِعْت امْرَأَةً تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَيْفَ تَصْنَعُ إحْدَانَا بِثَوْبِهَا إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ، أَتُصَلِّي فِيهِ؟ قَالَ: تَنْظُرُ فِيهِ، فَإِنْ رَأَتْ دَمًا فَلْتَقْرُصْهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ، وَلْتَنْضَحْ مَا لَمْ تَرَ، وَلْتُصَلِّ فِيهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: " لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ ". وَلِأَنَّهَا إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ، فَكَانَتْ شَرْطًا لِلصَّلَاةِ، كَالطَّهَارَةِ مِنْ الْحَدَثِ.
فصل طهارة موضع الصلاة
[فَصْلٌ طَهَارَةُ مَوْضِعِ الصَّلَاة] (952) فَصْلٌ: وَطَهَارَةُ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ شَرْطٌ أَيْضًا، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَقَعُ عَلَيْهِ أَعْضَاؤُهُ وَتُلَاقِيهِ ثِيَابُهُ الَّتِي عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ طَرَفُ عِمَامَةٍ، وَطَرَفُهَا الْآخَرُ يَسْقُطُ عَلَى نَجَاسَةٍ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ احْتِمَالًا فِيمَا تَقَعُ عَلَيْهِ ثِيَابُهُ خَاصَّةً، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يُبَاشِرُهَا بِمَا هُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْ ذَاتِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى إلَى جَانِبِهِ إنْسَانٌ نَجِسُ الثَّوْبِ، فَالْتَصَقَ ثَوْبُهُ بِهِ. وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ لِأَنَّ سُتْرَتَهُ تَابِعَةٌ لَهُ، فَهِيَ كَأَعْضَاءِ سُجُودِهِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ ثَوْبُهُ يَمَسُّ شَيْئًا نَجِسًا، كَثَوْبِ مَنْ يُصَلِّي إلَى جَانِبِهِ، أَوْ حَائِطٍ لَا يَسْتَنِدُ إلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِبَدَنِهِ وَلَا سُتْرَتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَفْسُدَ؛ لِأَنَّ سُتْرَتَهُ مُلَاقِيَةٌ لِنَجَاسَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا. وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُحَاذِيَةً لِجِسْمِهِ فِي حَالِ سُجُودِهِ بِحَيْثُ لَا يَلْتَصِقُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ وَلَا أَعْضَائِهِ، لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ النَّجَاسَةَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَرَجَتْ عَنْ مُحَاذَاتِهِ. [فَصْلٌ صَلَّى ثُمَّ رَأَى عَلَيْهِ نَجَاسَة فِي بَدَنِهِ أَوْ ثِيَابِهِ] (953) فَصْلٌ: وَإِذَا صَلَّى، ثُمَّ رَأَى عَلَيْهِ نَجَاسَةً فِي بَدَنِهِ أَوْ ثِيَابِهِ، لَا يَعْلَمُ؛ هَلْ كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَا؟ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا فِي الصَّلَاةِ. وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنْ جَهِلَهَا حَتَّى فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ. هَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسَالِمٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَإِسْحَاقَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَالثَّانِيَةُ: يُعِيدُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي قِلَابَةَ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُشْتَرَطَةٌ لِلصَّلَاةِ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِجَهْلِهَا، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ. وَقَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ: يُعِيدُ مَا كَانَ فِي الْوَقْتِ، وَلَا يُعِيدُ بَعْدَهُ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ، إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ؟ . قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ، فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا. قَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَوْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ شَرْطًا، مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِهَا، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ، وَتُفَارِقُ طَهَارَةَ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ؛ لِأَنَّهَا لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا، وَتَخْتَصُّ الْبَدَنَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ بِالنَّجَاسَةِ ثُمَّ نَسِيَهَا، وَصَلَّى، فَقَالَ الْقَاضِي: حَكَى أَصْحَابُنَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ رِوَايَتَيْنِ. وَذَكَرَ هُوَ فِي مَسْأَلَةِ
فصل صلى على منديل طرفه نجس
النِّسْيَانِ، أَنَّ الصَّلَاةَ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى التَّفْرِيطِ، بِخِلَافِ الْجَاهِلِ بِهَا. قَالَ الْآمِدِيُّ: يُعِيدُ إذَا كَانَ قَدْ تَوَانَى، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَالصَّحِيحُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ مَا عُذِرَ فِيهِ بِالْجَهْلِ عُذِرَ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ، بَلْ النِّسْيَانُ أَوْلَى؛ لِوُرُودِ النَّصِّ بِالْعَفْوِ فِيهِ، بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» وَإِنْ عَلِمَ بِالنَّجَاسَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ قُلْنَا. يُعْذَرُ. فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ. ثُمَّ إنْ طَرَحَ النَّجَاسَةَ مِنْ غَيْرِ زَمَنٍ طَوِيلٍ، وَلَا عَمَلٍ كَثِيرٍ، أَلْقَاهَا، وَبَنَى، كَمَا خَلَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعْلَيْهِ حِينَ أَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ بِالْقَذَرِ فِيهِمَا. وَإِنْ احْتَاجَ أَحَدَ هَذَيْنِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ؛ إمَّا اسْتِصْحَابُ النَّجَاسَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِهَا زَمَنًا طَوِيلًا، أَوْ يَعْمَلُ فِي الصَّلَاةِ عَمَلًا كَثِيرًا، فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، فَصَارَ كَالْعُرْيَانِ يَجِدُ السُّتْرَةَ بَعِيدَةً مِنْهُ. (954) فَصْلٌ: وَإِذَا سَقَطَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ، ثُمَّ زَالَتْ عَنْهُ، أَوْ أَزَالَهَا فِي الْحَالِ، لَمْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا عَلِمَ بِالنَّجَاسَةِ فِي نَعْلَيْهِ خَلَعَهُمَا، وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ، وَلِأَنَّ النَّجَاسَةَ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا، فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِ زَمَنِهَا، كَكَشْفِ الْعَوْرَةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. [فَصْلٌ صَلَّى عَلَى مِنْدِيل طَرَفُهُ نَجِسِ] (955) فَصْلٌ: وَإِذَا صَلَّى عَلَى مِنْدِيلٍ، طَرَفُهُ نَجِسٌ أَوْ كَانَ تَحْتَ قَدَمِهِ حَبْلٌ مَشْدُودٌ فِي نَجَاسَةٍ، وَمَا يُصَلِّي عَلَيْهِ طَاهِرٌ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، سَوَاءٌ تَحَرَّكَ النَّجِسُ بِحَرَكَتِهِ، أَوْ لَمْ يَتَحَرَّكْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَامِلٍ لِلنَّجَاسَةِ، وَلَا بِمُصَلٍّ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا اتَّصَلَ مُصَلَّاهُ بِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضٍ طَاهِرَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِأَرْضٍ نَجِسَةٍ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا كَانَ النَّجِسُ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَالْمُعَوَّلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. فَأَمَّا إنْ كَانَ الْحَبْلُ أَوْ الْمَنْدِيلُ مُتَعَلِّقًا بِهِ، بِحَيْثُ يَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لَهَا، فَهُوَ كَحَامِلِهَا. وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ وَسَطِهِ حَبْلٌ مَشْدُودٌ فِي نَجَاسَةٍ، أَوْ حَيَوَانٍ نَجِسٍ، أَوْ سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ فِيهَا نَجَاسَةٌ تَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لَهَا، فَهُوَ كَحَامِلِهَا. وَإِنْ كَانَتْ السَّفِينَةُ كَبِيرَةً لَا يُمْكِنُهُ جَرُّهَا، أَوْ الْحَيَوَانُ كَبِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى جَرِّهِ إذَا اسْتَعْصَى عَلَيْهِ، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَتْبِعٍ لَهَا. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا إذَا كَانَ الشَّدُّ فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ، فَإِنْ كَانَ مَشْدُودًا فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِمَا هُوَ مُلَاقٍ لِلنَّجَاسَةِ. وَالْأَوْلَى أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِتْبَاعِ مَا هُوَ مُلَاقٍ لِلنَّجَاسَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَمْسَكَ سَفِينَةً عَظِيمَةً فِيهَا نَجَاسَةٌ، أَوْ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ عَلَيْهَا نَجَاسَةٌ. [فَصْلٌ إذَا حَمَلَ فِي الصَّلَاةِ حَيَوَانًا طَاهِرًا أَوْ صَبِيًّا] (956) فَصْلٌ: وَإِذَا حَمَلَ فِي الصَّلَاةِ حَيَوَانًا طَاهِرًا أَوْ صَبِيًّا، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ
مسألة الصلاة في المقبرة أوالحش أو الحمام أو في أعطان الإبل
أُمَامَةَ ابْنَةَ أَبِي الْعَاصِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَكِبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى ظَهْرِهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَلِأَنَّ مَا فِي الْحَيَوَانِ مِنْ النَّجَاسَةِ فِي مَعِدَتِهِ، فَهِيَ كَالنَّجَاسَةِ فِي مَعِدَةِ الْمُصَلِّي، وَلَوْ حَمَلَ قَارُورَةً فِيهَا نَجَاسَةٌ مَسْدُودَةً، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَخْرُجُ مِنْهَا، فَهِيَ كَالْحَيَوَانِ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا فِي غَيْرِ مَعْدِنِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَمَلَهَا فِي كُمِّهِ. [مَسْأَلَة الصَّلَاة فِي الْمَقْبَرَة أَوَالْحَشّ أَوْ الْحِمَام أَوْ فِي أَعْطَانِ الْإِبِل] (957) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّى فِي الْمَقْبَرَةِ أَوْ الْحُشِّ أَوْ الْحَمَّامِ أَوْ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ؛ أَعَادَ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، فَرُوِيَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ فِيهَا بِحَالٍ. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَمِمَّنْ رَأَى أَنْ يُصَلَّى فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلَا يُصَلَّى فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ ابْنُ عُمَرَ وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، وَالْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ صَحِيحَةٌ مَا لَمْ تَكُنْ نَجِسَةً. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَفِي لَفْظٍ «فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ» . وَفِي لَفْظٍ: «أَيْنَمَا أَدْرَكَتْك الصَّلَاةُ فَصَلِّ، فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا ، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ طَاهِرٌ، فَصَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِ، كَالصَّحْرَاءِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَهَذَا خَاصٌّ مُقَدَّمٌ عَلَى عُمُومِ مَا رَوَوْهُ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنُصَلِّي فِي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَنُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: لَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا مِنْ الشَّيَاطِينِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ ". وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَهَذَا خَاصٌّ يُقَدَّمُ عَلَى عُمُومِ مَا رَوَوْهُ، وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، رَوَاهُنَّ الْأَثْرَمُ. فَأَمَّا الْحُشُّ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ فِيهِ بِالتَّنْبِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا مُنِعَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِكَوْنِهَا مَظَانَّ النَّجَاسَةِ، فَالْحُشُّ مُعَدٌّ لِلنَّجَاسَةِ وَمَقْصُودٌ لَهَا، فَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ فِيهِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنْ كَانَ الْمُصَلِّي عَالِمًا بِالنَّهْيِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ بِصَلَاتِهِ فِيهَا، وَالْمَعْصِيَةُ لَا تَكُونُ قُرْبَةً وَلَا طَاعَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا، لَا تَصِحُّ لِأَنَّهُ صَلَّى فِيمَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ مَعَ الْعِلْمِ، فَلَا تَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ، كَالصَّلَاةِ فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ. وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ.
(958) فَصْلٌ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَعَ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الْمَزْبَلَةَ، وَالْمَجْزَرَةَ، وَمَحَجَّةَ الطَّرِيقِ، وَظَهْرَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَالْمَوْضِعَ الْمَغْصُوبَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سَبْعُ مَوَاطِنَ لَا تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ؛ ظَهْرُ بَيْتِ اللَّهِ، وَالْمَقْبَرَةُ، وَالْمَزْبَلَةُ، وَالْمَجْزَرَةُ، وَالْحَمَّامُ، وَعَطَنُ الْإِبِلِ، وَمَحَجَّةُ الطَّرِيقِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِن. وَذَكَرَهَا، وَقَالَ: وَقَارِعَةُ الطَّرِيقِ، وَمَعَاطِنُ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ الْكَعْبَةِ» . وَقَالَ: الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ السَّبْعَةِ كَالْحُكْمِ فِي الْأَرْبَعَةِ سَوَاءً. وَلِأَنَّ الْمَوَاضِعَ مَظِنَّةُ النَّجَاسَاتِ، فَعُلِّقَ الْحُكْمُ عَلَيْهَا دُونَ حَقِيقَتِهَا، كَمَا يَثْبُتُ حُكْمُ نَقْضِ الطَّهَارَةِ بِالنَّوْمِ، وَوُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ. (959) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: الْمَنْعُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ تَعَبُّدٌ، لَا لِعِلَّةٍ مَعْقُولَةٍ، فَعَلَى هَذَا يَتَنَاوَلُ النَّهْيُ كُلَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاسْمُ فَلَا فَرْقَ فِي الْمَقْبَرَةِ بَيْنَ الْقَدِيمَةِ وَالْحَدِيثَةِ، وَمَا تَقَلَّبَتْ أَتْرِبَتُهَا أَوْ لَمْ تَتَقَلَّبْ؛ لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهَا، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَوْضِعِ قَبْرٌ أَوْ قَبْرَانِ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا. لِأَنَّهَا لَا يَتَنَاوَلُهَا اسْمُ الْمَقْبَرَةِ. وَإِنْ نُقِلَتْ الْقُبُورُ مِنْهَا، جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهَا؛ لِأَنَّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَا فَرْقَ فِي الْحَمَّامِ بَيْنَ مَكَانِ الْغَسْلِ وَصَبِّ الْمَاءِ، وَبَيْنَ بَيْتِ الْمَسْلَخِ - الَّذِي يُنْزَعُ فِيهِ الثِّيَابُ - وَالْأَتُّونِ وَكُلِّ مَا يُغْلَقُ عَلَيْهِ بَابُ الْحَمَّامِ؛ لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهُ. وَأَمَّا الْمَعَاطِنُ، فَقَالَ أَحْمَدُ: هِيَ الَّتِي تُقِيمُ فِيهَا الْإِبِلُ وَتَأْوِي إلَيْهَا. وَقِيلَ: هِيَ الْمَوَاضِعُ الَّتِي تُنَاخُ فِيهَا إذَا وَرَدَتْ. وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مُقَابِلَةَ مَرَاحِ الْغَنَمِ. وَالْحُشُّ: الْمَكَانُ الَّذِي يُتَّخَذُ لِلْغَائِطِ وَالْبَوْلِ فَيُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيمَا هُوَ دَاخِلُ بَابِهِ. وَلَا أَعْلَمُ فِي مَنْعِ الصَّلَاةِ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ مُنِعَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ وَالْكَلَامِ، فَمَنْعُ الصَّلَاةِ فِيهِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ إذَا مُنِعَ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِكَوْنِهَا مَظَانَّ لِلنَّجَاسَاتِ، فَهَذَا أَوْلَى؛ فَإِنَّهُ بُنِيَ لَهَا وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَنْعَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مُعَلَّلٌ بِأَنَّهَا مَظَانُّ لِلنَّجَاسَاتِ، فَإِنَّ الْمَقْبَرَةَ تُنْبَشُ وَيَظْهَرُ التُّرَابُ الَّذِي فِيهِ صَدِيدُ الْمَوْتَى وَدِمَاؤُهُمْ وَلُحُومُهُمْ، وَمَعَاطِنُ الْإِبِلِ يُبَالُ فِيهَا، فَإِنَّ الْبَعِيرَ الْبَارِكَ كَالْجِدَارِ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَتِرَ بِهِ وَيَبُولَ، كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ أَنَاخَ بَعِيرَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إلَيْهِ. وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا فِي حَيَوَانٍ سِوَاهَا؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ رَبْضِهِ لَا يَسْتُرُ، وَفِي حَالِ قِيَامِهِ لَا يَثْبُتُ وَلَا يَسْتُرُ. وَالْحَمَّامُ مَوْضِعُ الْأَوْسَاخِ وَالْبَوْلِ، فَنُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا لِذَلِكَ. وَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً لِأَنَّ الْمَظِنَّةَ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهَا وَإِنْ
خَفِيَتْ الْحِكْمَةُ فِيهَا، وَمَتَى أَمْكَنَ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ تَعَيَّنَ تَعْلِيلُهُ، وَكَانَ أَوْلَى مِنْ قَهْرِ التَّعَبُّدِ وَمَرَارَةِ التَّحَكُّمِ، يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ إلَى الْحُشِّ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، بِالتَّنْبِيهِ مِنْ وُجُودِ مَعْنَى الْمَنْطُوقِ فِيهِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا، فَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ قَصْرُ الْحُكْمِ عَلَى مَا هُوَ مَظِنَّةٌ مِنْهَا، فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْمَنْعِ فِي مَوْضِعِ الْمَسْلَخِ مِنْ الْحَمَّامِ، وَلَا فِي وَسَطِهِ، لِعَدَمِ الْمَظِنَّةِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (960) فَصْلٌ: وَزَادَ أَصْحَابُنَا الْمَجْزَرَةَ، وَالْمَزْبَلَةَ، وَمَحَجَّةَ الطَّرِيقِ، وَظَهْرَ الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي خَبَرِ عُمَرَ وَابْنِهِ. وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ. وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْخِرَقِيِّ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ جَوَّزَ الصَّلَاةَ فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا» وَهُوَ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَقْبَرَةَ، وَالْحَمَّامَ، وَمَعَاطِنَ الْإِبِلِ، بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ خَاصَّةٍ، فَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ. وَحَدِيثُ عُمَرَ وَابْنِهِ يَرْوِيهِمَا الْعُمَرِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِمَا مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِمَا، فَلَا يُتْرَكُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ بِحَدِيثِهِمَا. وَهَذَا أَصَحُّ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، فِيمَا عَلِمْتُ، عَمِلُوا بِخَبَرِ عُمَرَ وَابْنِهِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَوَاضِعِ السَّبْعَةِ. وَمَعْنَى مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ: الْجَادَّةُ الْمَسْلُوكَةُ الَّتِي تَسْلُكُهَا السَّابِلَةُ. وَقَارِعَةُ الطَّرِيقِ: يَعْنِي الَّتِي تَقْرَعُهَا الْأَقْدَامُ، فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ، مِثْلُ الْأَسْوَاقِ وَالْمَشَارِعِ وَالْجَادَّةِ لِلسَّفَرِ. وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِيمَا عَلَا مِنْهَا يَمْنَةً وَيَسْرَةً وَلَمْ يَكْثُرْ قَرْعُ الْأَقْدَامِ فِيهِ. وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي يَقِلُّ سَالِكُوهَا، كَطُرُقِ الْأَبْيَاتِ الْيَسِيرَةِ. وَالْمَجْزَرَةُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يَذْبَحُ الْقَصَّابُونَ فِيهِ الْبَهَائِمَ، وَشِبْهَهُمْ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ مُعَدًّا. وَالْمَزْبَلَةُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ الزِّبْلُ. وَلَا فَرْقَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بَيْنَ مَا كَانَ مِنْهَا طَاهِرًا وَنَجِسًا، وَلَا بَيْنَ كَوْنِ الطَّرِيقِ فِيهَا سَالِكًا أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ وَلَا فِي الْمَعَاطِنِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا إبِلٌ فِي الْوَقْتِ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَأَمَّا الْمَوَاضِعُ الَّتِي تَبِيتُ فِيهَا الْإِبِلُ فِي مَسِيرِهَا، أَوْ تُنَاخُ فِيهَا لِعَلْفِهَا أَوْ وِرْدِهَا، فَلَا يُمْنَعُ الصَّلَاةُ فِيهَا. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ مَوْضِعٍ فِيهِ أَبْعَارُ الْإِبِلِ يُصَلَّى فِيهِ؟ فَرَخَّصَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مَعَاطِنِ الْإِبِلِ، الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، الَّتِي تَأْوِي إلَيْهَا الْإِبِلُ. (961) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فَإِنْ فَعَلَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ إلَى الْمَقْبَرَةِ وَالْحَمَّامِ وَالْحُشِّ؟ قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْقِبْلَةِ قَبْرٌ، وَلَا حُشٌّ وَلَا حَمَّامٌ، فَإِنْ كَانَ يُجْزِئُهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَتَوَجَّهُ فِي الْإِعَادَةِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يُعِيدُ؛ لِمَوْضِعِ النَّهْيِ، وَبِهِ أَقُولُ. وَالثَّانِي: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: إنْ
صَلَّى إلَى الْمَقْبَرَةِ وَالْحُشِّ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُصَلِّي فِيهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا حَائِلٌ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا تُصَلُّوا إلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا إلَيْهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: ذَكَرَ أَحْمَدُ حَدِيثَ أَبِي مَرْثَدٍ، ثُمَّ قَالَ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَقَالَ أَنَسٌ: رَآنِي عُمَرُ، وَأَنَا أُصَلِّي إلَى قَبْرٍ، فَجَعَلَ يُشِيرُ إلَيَّ: الْقَبْرَ، الْقَبْرَ. قَالَ الْقَاضِي: وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى نَظَائِرِهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ إلَّا الْمَقْبَرَةَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «جُعِلَتْ الْأَرْضُ مَسْجِدًا» يَتَنَاوَلُ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ مَنْ هِيَ فِي قِبْلَتِهِ، وَقِيَاسُ ذَلِكَ عَلَى الصَّلَاةِ إلَى الْمَقْبَرَةِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ النَّهْيَ إنْ كَانَ تَعَبُّدًا غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى امْتَنَعَ تَعْدِيَتُهُ وَدُخُولُ الْقِيَاسِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لِمَعْنًى مُخْتَصٍّ بِهَا، وَهُوَ اتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسْجِدًا، وَالتَّشَبُّهُ بِمَنْ يُعَظِّمُهَا وَيُصَلِّي إلَيْهَا، فَلَا يَتَعَدَّاهَا الْحُكْمُ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَعْنَى فِي غَيْرِهَا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» . وَقَالَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» . يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. فَعَلَى هَذَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَى الْقُبُورِ لِلنَّهْيِ عَنْهَا، وَيَصِحُّ إلَى غَيْرِهَا لِبَقَائِهَا فِي عُمُومِ الْإِبَاحَةِ وَامْتِنَاعِ قِيَاسِهَا عَلَى مَا وَرَدَ النَّهْيُ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (962) فَصْلٌ: وَإِنْ صَلَّى عَلَى سَطْحِ الْحُشِّ أَوْ الْحَمَّامِ أَوْ عَطَنِ الْإِبِلِ أَوْ غَيْرِهَا، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُصَلِّي فِيهَا؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ، فَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُهُ، وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَدَخَلَ سَطْحَهَا، حَنِثَ، وَلَوْ خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ إلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ. وَالصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، قَصْرُ النَّهْيِ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُعَدَّى إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إنْ كَانَ تَعَبُّدِيًّا فَالْقِيَاسُ فِيهِ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ عُلِّلَ فَإِنَّمَا تَعَلَّلَ بِكَوْنِهِ لِلنَّجَاسَةِ، وَلَا يُتَخَيَّلُ هَذَا فِي سَطْحِهَا. فَأَمَّا إنْ بَنَى عَلَى طَرِيقٍ سَابَاطًا أَوْ أُخْرِجَ عَلَيْهِ خُرُوجًا، فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: حُكْمُهُ حُكْمُ الطَّرِيقِ، لِمَا ذَكَرَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَعَلَى قَوْلِنَا، إنْ كَانَ السَّابَاطُ مُبَاحًا لَهُ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ بِإِذْنِ أَهْلِهِ، أَوْ مُسْتَحِقًّا لَهُ، أَوْ حَدَثَ الطَّرِيقُ بَعْدَهُ، فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، فَيَكُونُ الْمُصَلِّي فِيهِ كَالْمُصَلِّي فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ. عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ كَانَ السَّابَاطُ عَلَى نَهْرٍ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ، فَهُوَ كَالسَّابَاطِ عَلَى الطَّرِيقِ،
فصل بنى مسجدا في المقبرة بين القبور
فِي الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا. وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ كَوْنَهُ تَابِعًا لِلْقَرَارِ، لَجَازَتْ الصَّلَاةُ هَاهُنَا، لِكَوْنِ الْقَرَارِ غَيْرَ مَمْنُوعٍ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ صَلَّى عَلَيْهِ فِي سَفِينَةٍ، أَوْ لَوْ جَمَدَ مَاؤُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، صَحَّ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَا ذَكَرَهُ لَصَحَّتْ الصَّلَاةُ عَلَى مَا حَاذَى مَيْمَنَةَ الطَّرِيقِ وَمَيْسَرَتَهَا، وَمَا لَا تَقْرَعُهُ الْأَقْدَامُ مِنْهَا، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ السَّطْحُ جَارِيًا عَلَى مَوْضِعِ النَّهْيِ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ سَابِقًا، وَجُعِلَ تَحْتَهُ طَرِيقٌ أَوْ عَطَنٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنْ مَوَاضِعِ النَّهْيِ. أَوْ كَانَ فِي غَيْرِ مَقْبَرَةٍ فَحَدَثَتْ الْمَقْبَرَةُ حَوْلَهُ، لَمْ تَمْتَنِعْ الصَّلَاةُ فِيهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ مَا حَدَثَ بَعْدَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ بَنَى مَسْجِدًا فِي الْمَقْبَرَة بَيْنَ الْقُبُور] (963) فَصْلٌ: وَإِنْ بَنَى مَسْجِدًا فِي الْمَقْبَرَةِ بَيْنَ الْقُبُورِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَقْبَرَةِ. وَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ: أَنَّ أَنَسًا مَرَّ عَلَى مَقْبَرَةٍ، وَهُمْ يَبْنُونَ فِيهَا مَسْجِدًا، فَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ يُكْرَهُ أَنْ يُبْنَى مَسْجِدٌ فِي وَسَطِ الْقُبُورِ. [فَصْلٌ لَا تَصِحُّ الْفَرِيضَةُ فِي الْكَعْبَةِ وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا] (964) فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ الْفَرِيضَةُ فِي الْكَعْبَةِ، وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا. وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِصَلَاةِ النَّفْلِ، فَكَانَ مَحَلًّا لِلْفَرْضِ، كَخَارِجِهَا. وَلَنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] . وَالْمُصَلِّي فِيهَا أَوْ عَلَى ظَهْرِهَا غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لِجِهَتِهَا، وَالنَّافِلَةُ مَبْنَاهَا عَلَى التَّخْفِيفِ وَالْمُسَامَحَةِ، بِدَلِيلِ صَلَاتِهَا قَاعِدًا، وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ. (965) فَصْلٌ: وَتَصِحُّ النَّافِلَةُ فِي الْكَعْبَةِ وَعَلَى ظَهْرِهَا. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ. إلَّا أَنَّهُ إنْ صَلَّى تِلْقَاءَ الْبَابِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهَا، وَكَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ مُتَّصِلٌ بِهَا، صَحَّتْ صَلَاتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ شَاخِصٌ، أَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ آجُرٌّ مُعَبَّأٌ غَيْرُ مَبْنِيٍّ، أَوْ خَشْبٌ غَيْرُ مَسْمُورٍ فِيهَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا. وَإِنْ كَانَ الْخَشَبُ مَسْمُورًا وَالْآجُرُّ مَبْنِيًّا، صَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَابِعٌ لَهَا. وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ شَيْءٍ مِنْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ مَوْضِعِهَا وَهَوَائِهَا، دُونَ حِيطَانِهَا، بِدَلِيلِ مَا لَوْ انْهَدَمْت الْكَعْبَةُ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ إلَى مَوْضِعِهَا، وَلَوْ صَلَّى عَلَى جَبَلٍ عَالٍ يَخْرُجُ عَنْ مُسَامَتَتِهَا، صَحَّتْ صَلَاتُهُ إلَى هَوَائِهَا، كَذَا هَاهُنَا. [فَصْلٌ الصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوب] (966) فَصْلٌ: وَفِي الصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ رِوَايَتَانِ:
فصل الصلاة في أرض الخسف
إحْدَاهُمَا، لَا تَصِحُّ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِيَةُ، تَصِحُّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَعُودُ إلَى الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهَا، كَمَا لَوْ صَلَّى وَهُوَ يَرَى غَرِيقًا، يُمْكِنُهُ إنْقَاذُهُ، فَلَمْ يُنْقِذْهُ، أَوْ حَرِيقًا يَقْدِرُ عَلَى إطْفَائِهِ، فَلَمْ يُطْفِئْهُ، أَوْ مَطَلَ غَرِيمَهُ الَّذِي يُمْكِنُ إيفَاؤُهُ وَصَلَّى. وَلَنَا أَنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ أَتَى بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَلَمْ تَصِحَّ، كَصَلَاةِ الْحَائِضِ وَصَوْمِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْفِعْلِ، وَاجْتِنَابَهُ، وَالتَّأْثِيمَ بِفِعْلِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُطِيعًا بِمَا هُوَ عَاصٍ بِهِ، مُمْتَثِلًا بِمَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، مُتَقَرِّبًا بِمَا يَبْعُدُ بِهِ، فَإِنَّ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ مِنْ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْعَالٌ اخْتِيَارِيَّةٌ، هُوَ عَاصٍ بِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهَا. فَأَمَّا مَنْ رَأَى الْحَرِيقَ فَلَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْ الصَّلَاةِ، إنَّمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِإِطْفَاءِ الْحَرِيقِ، وَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ، وَبِالصَّلَاةِ، إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا آكَدُ مِنْ الْآخَرِ، أَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ فِي نَفْسِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ غَصْبِهِ لِرَقَبَةِ الْأَرْضِ بِأَخْذِهَا، أَوْ دَعْوَاهُ مِلْكِيَّتَهَا، وَبَيْنَ غَصْبِهِ مَنَافِعَهَا، بِأَنْ يَدَّعِيَ إجَارَتَهَا ظَالِمًا، أَوْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا لِيَسْكُنَهَا مُدَّةً أَوْ يُخْرِجَ رَوْشَنًا أَوْ سَابَاطًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَحِلُّ لَهُ، أَوْ يَغْصِبَ رَاحِلَةً وَيُصَلِّيَ عَلَيْهَا أَوْ سَفِينَةً وَيُصَلِّيَ فِيهَا، أَوْ لَوْحًا فَيَجْعَلَهُ فِي سَفِينَةٍ وَيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، كُلُّ ذَلِكَ حُكْمُهُ فِي الصَّلَاةِ حُكْمُ الدَّارِ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ. (967) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: تُصَلَّى الْجُمُعَةُ فِي الْمَوْضِعِ الْغَصْبِ. يَعْنِي لَوْ كَانَ الْجَامِعُ أَوْ مَوْضِعٌ مِنْهُ مَغْصُوبًا صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ، تَخْتَصُّ بِبُقْعَةٍ، فَإِذَا صَلَّاهَا الْإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ، فَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَاتَتْهُمْ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ، فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ، وَلِذَلِكَ أُبِيحَتْ خَلْفَ الْخَوَارِجِ وَالْمُبْتَدِعَةِ، وَكَذَلِكَ تَصِحُّ فِي الطُّرُقِ وَرِحَابِ الْمَسْجِدِ، لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى فِعْلِهَا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَعْيَادِ وَالْجِنَازَةِ. [فَصْلٌ الصَّلَاةَ فِي أَرْضِ الْخَسْف] (968) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَكْرَهُ الصَّلَاةَ فِي أَرْضِ الْخَسْفِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مَوْضِعٌ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ مَرَّ بِالْحِجْرِ: لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فصل الصلاة في الكنيسة النظيفة
[فَصْلٌ الصَّلَاةِ فِي الْكَنِيسَةِ النَّظِيفَة] (969) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي الْكَنِيسَةِ النَّظِيفَةِ، رَخَّصَ فِيهَا الْحَسَنُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالشَّعْبِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى، وَكَرِهَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَالِكٌ الْكَنَائِسَ؛ مِنْ أَجْلِ الصُّوَرِ. وَلَنَا «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَفِيهَا صُوَرٌ» ، ثُمَّ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ» [فَصْلٌ حُكْم الصَّلَاةُ عَلَى الْأَرْضِ النَّجِسَة إذَا بَسَطَ عَلَيْهَا شَيْء طَاهِر] (970) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ نَجِسَةً، فَطَيَّنَهَا بِطَاهِرٍ، أَوْ بَسَطَ عَلَيْهَا شَيْئًا طَاهِرًا، صَحَّتْ الصَّلَاةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا مَدْفِنُ النَّجَاسَةِ، فَأَشْبَهَتْ الْمَقْبَرَةَ. وَلَنَا أَنَّ الطَّهَارَةَ إنَّمَا تُشْتَرَطُ فِي بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ وَمَوْضِعِ صَلَاتِهِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَلَا نُسَلِّمُ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّهُ لَوْ صَلَّى بَيْنَ الْقُبُورِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْفِنًا لِلنَّجَاسَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مُعَلَّلٍ؛ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ تَطْيِينُ الْمَسْجِدِ بِطِينِ نَجِسِ] (971) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ تَطْيِينُ الْمَسْجِدِ بِطِينٍ نَجِسٍ، أَوْ تَطْبِيقُهُ بِطَوَابِقَ نَجِسَةٍ، أَوْ بِنَاؤُهُ بِلَبِنٍ نَجِسٍ، أَوْ آجُرٍّ نَجِسٍ، فَإِنْ فُعِلَ، وَبَاشَرَ الْمُصَلِّي أَرْضَهُ النَّجِسَةَ بِبَدَنِهِ أَوْ ثِيَابِهِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَأَمَّا الْآجُرُّ الْمَعْجُونُ بِالنَّجَاسَةِ، فَهُوَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ النَّارَ لَا تُطَهِّرُهُ، فَإِنْ غُسِلَ طَهُرَ ظَاهِرُهُ؛ لِأَنَّ النَّارَ أَكَلَتْ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةِ، وَبَقِيَ أَثَرُهَا، فَتَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، كَالْأَرْضِ النَّجِسَةِ وَيَبْقَى بَاطِنُهَا نَجِسًا لِأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ، فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ الْغَسْلِ فَهُوَ كَمَا لَوْ صَلَّى عَلَى بِسَاطٍ طَاهِرٍ مَفْرُوشٍ عَلَى أَرْضٍ نَجِسَةٍ، وَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبِسَاطِ الَّذِي بَاطِنُهُ نَجِسٌ وَظَاهِرُهُ طَاهِرٌ. وَمَتَى انْكَسَرَ مِنْ الْآجُرِّ النَّجِسِ قِطْعَةٌ، فَظَهَرَ بَعْضُ بَاطِنِهِ، فَهُوَ نَجِسٌ، لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ الصَّلَاة عَلَى الْحَصِير وَالْبَسْط مِنْ الصُّوف وَالشَّعْر وَالْوَبَر] (972) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ وَالْبُسُطِ مِنْ الصُّوفِ وَالشَّعَرِ وَالْوَبَرِ، وَالثِّيَابِ مِنْ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَسَائِرِ الطَّاهِرَاتِ. وَصَلَّى عُمَرُ عَلَى عَبْقَرِيٍّ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى طُنْفُسَةٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَجَابِرٌ
مسألة صلى وفي ثوبه نجاسة
عَلَى حَصِيرٍ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَنَسٌ عَلَى الْمَنْسُوجِ. وَهُوَ قَوْلُ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ، وَاسْتَحَبَّ الصَّلَاةَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ. وَنَحْوَهُ قَالَ مَالِكٌ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي بِسَاطِ الصُّوفِ وَالشَّعَرِ: إذَا كَانَ سُجُودُهُ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ أَرَ بِالْقِيَامِ عَلَيْهِ بَأْسًا. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى حَصِيرٍ فِي بَيْتِ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، وَأَنَسٍ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَرَوَى عَنْهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ «، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْحَصِيرِ وَالْفَرْوَةِ الْمَدْبُوغَةِ» . وَفِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى مُلْتَفًّا بِكِسَاءٍ، يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهِ إذَا سَجَدَ» . وَلِأَنَّ مَا لَمْ تُكْرَهْ الصَّلَاةُ فِيهِ لَمْ تُكْرَهْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَالْكَتَّانِ وَالْخُوصِ. وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَوَانِ، إذَا أَمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ الْأَرْكَانِ عَلَيْهِ، وَالنَّافِلَةُ فِي السَّفَرِ. وَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ نَجِسًا، أَوْ عَلَيْهِ بِسَاطٌ طَاهِرٌ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى حِمَارٍ. وَفَعَلَهُ أَنَسٌ وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى الْعَجَلَةِ، وَهِيَ خَشَبٌ عَلَى بَكَرَاتٍ، إذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَحَلٌّ تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ أَعْضَاؤُهُ، فَهِيَ كَغَيْرِهَا. [مَسْأَلَة صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ نَجَاسَة] (973) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ، وَإِنْ قَلَّتْ، أَعَادَ) وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ النَّجَاسَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَثِيرِهَا وَقَلِيلِهَا، إلَّا فِيمَا نَذْكُرُهُ بَعْدُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِمَّنْ قَالَ: لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ الْبَوْلِ مِثْلِ رُءُوسِ الْإِبَرِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ؛ لِأَنَّهُ يُتَحَرَّى فِيهَا بِالْمَسْحِ فِي مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ، وَلَوْ لَمْ يُعْفَ عَنْهَا لَمْ يَكْفِ فِيهَا الْمَسْحُ كَالْكَثِيرِ، وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَعُفِيَ عَنْهُ كَالدَّمِ. وَلَنَا: عُمُومُ قَوْله تَعَالَى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] . وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» وَلِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ لَا تَشُقُّ إزَالَتُهَا، فَوَجَبَتْ إزَالَتُهَا كَالْكَثِيرِ، وَأَمَّا الدَّمُ فَإِنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْ بَثْرَةٍ أَوْ حَكَّةٍ أَوْ دُمَّلٍ، وَيَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ وَفِيهِ وَغَيْرِهِمَا، فَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْ يَسِيرِهِ أَكْثَرَ مِنْ كَثِيرِهِ، وَلِهَذَا فُرِّقَ فِي الْوُضُوءِ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَمًا أَوْ قَيْحًا يَسِيرًا مِمَّا لَا يَفْحُشُ فِي الْقَلْبِ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْعَفْوَ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ وَالْقَيْحِ. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٌ، وَابْنُ أَبِي أَوْفَى، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعُرْوَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كِنَانَةَ، وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ
يَنْصَرِفُ مِنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَثِيرُهُ وَقَلِيلُهُ سَوَاءٌ. وَنَحْوُهُ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ؛ لِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ. فَأَشْبَهَ الْبَوْلَ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَدْ كَانَ يَكُونُ لِإِحْدَانَا الدِّرْعُ، فِيهِ تَحِيضُ وَفِيهِ تُصِيبُهَا الْجَنَابَةُ، ثُمَّ تَرَى فِيهِ قَطْرَةً مِنْ دَمٍ، فَتَقْصَعُهُ بِرِيقِهَا. وَفِي لَفْظٍ: مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إلَّا ثَوْبٌ، فِيهِ تَحِيضُ، فَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمِهَا بَلَّتْهُ بِرِيقِهَا، ثُمَّ قَصَعَتْهُ بِظُفُرِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْعَفْوِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الرِّيقَ لَا يُطَهَّرُ بِهِ وَيَتَنَجَّسُ بِهِ ظُفُرُهَا، وَهُوَ إخْبَارٌ عَنْ دَوَامِ الْفِعْلِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَصْدُرُ إلَّا عَنْ أَمْرِهِ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا. وَمَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ، فَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَسْجُدُ، فَيُخْرِجُ يَدَيْهِ، فَيَضَعُهُمَا بِالْأَرْضِ، وَهُمَا يَقْطُرَانِ دَمًا، مِنْ شِقَاقٍ كَانَ فِي يَدَيْهِ، وَعَصَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ دَمٍ وَقَيْحٍ، فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ وَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. وَانْصِرَافُهُ مِنْهُ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ لَا يُنَافِي مَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ، فَقَدْ يَتَوَرَّعُ الْإِنْسَانُ عَنْ بَعْضِ مَا يَرَى جَوَازَهُ، وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَعُفِيَ عَنْهُ كَأَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ. (975) فَصْلٌ: وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، أَنَّ الْيَسِيرَ مَا لَا يَفْحُشُ فِي الْقَلْبِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إلَّا إذَا كَانَ فَاحِشًا أَعَادَهُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْكَثِيرِ؟ فَقَالَ: شِبْرٌ فِي شِبْرٍ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ، قَالَ: قَدْرُ الْكَفِّ فَاحِشٌ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ، أَنَّهُ مَا فَحُشَ فِي قَلْبِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّمُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا فَحُشَ فِي قَلْبِك. قَالَ الْخَلَّالُ: وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْفَاحِشِ، أَنَّهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْتَفْحِشُهُ كُلُّ إنْسَانٍ فِي نَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنَّمَا يُعْتَبَرُ مَا يَفْحُشُ فِي نُفُوسِ أَوْسَاطِ النَّاسِ. وَقَالَ قَتَادَةُ، فِي مَوْضِعِ الدِّرْهَمِ: فَاحِشٌ. وَنَحْوُهُ عَنْ النَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْ الدَّمِ» . وَلَنَا أَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ فِي الشَّرْعِ، فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ، كَالتَّفَرُّقِ وَالْإِحْرَازِ، وَمَا رَوَوْهُ لَا يَصِحُّ،
فَإِنَّ الْحَافِظَ أَبَا الْفَضْلِ الْمَقْدِسِيَّ، قَالَ: هُوَ مَوْضُوعٌ. وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، بِدَلِيلِ خِطَابِهِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ لَا يَرَوْنَهُ حُجَّةً. (976) فَصْلٌ: وَالْقَيْحُ، وَالصَّدِيدُ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ الدَّمِ، بِمَنْزِلَتِهِ، إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: هُوَ أَسْهَلُ مِنْ الدَّمِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَالْحَسَنِ أَنَّهُمَا لَمْ يَرَيَاهُ كَالدَّمِ. وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ، فِي الصَّدِيدِ: إنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ. وَقَالَ أُمَيُّ بْنُ رَبِيعَةَ، رَأَيْت طَاوُسًا كَأَنَّ إزَارَهُ نُطِعَ مِنْ قُرُوحٍ كَانَتْ بِرِجْلَيْهِ. وَقَالَ إسْمَاعِيلُ السَّرَّاجُ: رَأَيْت حَاشِيَةَ إزَارِ مُجَاهِدٍ قَدْ ثَبَتَتْ مِنْ الصَّدِيدِ وَالدَّمِ مِنْ قُرُوحٍ كَانَتْ بِسَاقَيْهِ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ، فِي الَّذِي يَكُونُ بِهِ الْحُبُونُ: يُصَلِّي، وَلَا يَغْسِلُهُ، فَإِذَا بَرِئَ غَسَلَهُ. وَقَالَ عُرْوَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ كِنَانَةَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَعَلَى هَذَا يُعْفَى مِنْهُ عَنْ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْفَى عَنْ مِثْلِهِ مِنْ الدَّمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْحُشُ مِنْهُ إلَّا أَكْثُرُ مِنْ الدَّمِ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ النَّجَاسَةُ فِيهِ لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ مِنْ الدَّمِ إلَى حَالٍ مُسْتَقْذَرَةٍ. (977) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الدَّمِ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا، بِحَيْثُ إذَا جُمِعَ بَلَغَ هَذَا الْقَدْرَ، وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي شَيْءٍ صَفِيقٍ، قَدْ نَفَذَتْ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَاتَّصَلَ ظَاهِرُهُ بِبَاطِنِهِ، فَهُوَ نَجَاسَةٌ وَاحِدَةٌ. وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلَا، بَلْ كَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ لَمْ يُصِبْهُ الدَّمُ، فَهُمَا نَجَاسَتَانِ، إذَا بَلَغَا - لَوْ جُمِعَا - قَدْرًا لَا يُعْفَى عَنْهُ لَمْ يُعْفَ عَنْهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَا فِي جَانِبَيْ الثَّوْبِ (978) . فَصْلٌ: وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِ دَمِ الْحَيْضِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وَعَنْ سَائِرِ دِمَاءِ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ. فَأَمَّا دَمُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ فَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ؛ لِأَنَّ رُطُوبَاتِهِ الطَّاهِرَةَ مِنْ غَيْرِهِ لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا، فَدَمُهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ أَصَابَ جِسْمَ الْكَلْبِ فَلَمْ يُعْفَ عَنْهُ، كَالْمَاءِ إذَا أَصَابَهُ. وَهَكَذَا كُلُّ دَمٍ أَصَابَ نَجَاسَةً غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا، لَمْ يُعْفَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ لِذَلِكَ. (979) فَصْلٌ: وَدَمُ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، كَالْبَقِّ، وَالْبَرَاغِيثِ، وَالذُّبَابِ، وَنَحْوِهِ، فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ طَاهِرٌ. وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي دَمِ الْبَرَاغِيثِ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَاكِمُ
وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَحَمَّادٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَنَجُسَ الْمَاءُ الْيَسِيرُ إذَا مَاتَ فِيهِ، فَإِنَّهُ إذَا مَكَثَ فِي الْمَاءِ لَا يَسْلَمُ مِنْ خُرُوجِ فَضْلَةٍ مِنْهُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ مَسْفُوحٍ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ فِي دَمِ الْبَرَاغِيثِ إذَا كَثُرَ: إنِّي لَأَفْزَعُ مِنْهُ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: اغْسِلْ مَا اسْتَطَعْتَ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي دَمِ الْبَرَاغِيثِ: إذَا كَثُرَ وَانْتَشَرَ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُغْسَلَ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَقَوْلُ أَحْمَدَ: إنِّي لَأَفْزَعُ مِنْهُ. لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي نَجَاسَتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَوَقُّفِهِ فِيهِ، وَلَيْسَ الْمَنْسُوبُ إلَى الْبَرَاغِيثِ دَمًا إنَّمَا هُوَ بَوْلُهَا فِي الظَّاهِرِ، وَبَوْلُ هَذِهِ الْحَشَرَاتِ لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: دَمُ السَّمَكِ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ إبَاحَتَهُ لَا تَقِفُ عَلَى سَفْحِهِ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا، لَوَقَفَتْ الْإِبَاحَةُ عَلَى إرَاقَتِهِ بِالذَّبْحِ كَحَيَوَانِ الْبَرِّ، وَلِأَنَّهُ إذَا تُرِكَ اسْتَحَالَ فَصَارَ مَاءً. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: هُوَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ مَسْفُوحٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145] . (980) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ الْقَيْءِ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: هُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْإِنْسَانِ نَجِسٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ، فَأَشْبَهَ الدَّمَ. وَرُوِيَ عَنْهُ فِي الْمَذْيِ أَنَّهُ قَالَ: يُغْسَلُ مَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا. وَرَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ قَالَ: سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ الْمَذْيِ يَخْرُجُ، فَكُلُّهُمْ قَالَ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْقُرْحَةِ، فَمَا عَلِمْت مِنْهُ فَاغْسِلْهُ، وَمَا غَلَبَك مِنْهُ فَدَعْهُ، وَلِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الشَّبَابِ كَثِيرًا، فَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ، كَالدَّمِ. وَكَذَلِكَ الْمَنِيُّ إذَا قُلْنَا بِنَجَاسَتِهِ. وَرُوِيَ عَنْهُ فِي الْوَدْيِ مِثْلُ ذَلِكَ، إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ عَنْهُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْبَوْلِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَخْرَجِهِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ رِيقِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَعَرَقِهِمَا، إذَا كَانَ يَسِيرًا. وَهُوَ الظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَعَلَيْهِ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ يَسْلَمُ مِنْ هَذَا مِمَّنْ يَرْكَبُ الْحَمِيرَ، إلَّا إنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَا خَفَّ مِنْهُ أَسْهَلَ. قَالَ الْقَاضِي: وَكَذَلِكَ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ، سِوَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَبْوَالِهَا وَأَرْوَاثِهَا، وَبَوْلِ الْخُفَّاشِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْحَاكِمُ وَحَمَّادُ وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ: لَا بَأْسَ بِبَوْلِ الْخَفَافِيشِ. وَكَذَلِكَ الْخُفَّاشُ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ فِي الْمَسَاجِدِ يَكْثُرُ، فَلَوْ لَمْ يُعْفَ عَنْ يَسِيرِهِ لَمْ يُقَرَّ فِي الْمَسَاجِدِ. وَكَذَلِكَ بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، إنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ لِكَثْرَتِهِ. وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ
فصل النجاسات المغلظة
مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَةِ، خُولِفَ فِي الدَّمِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ، فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ. [فَصْلٌ النَّجَاسَات الْمُغَلَّظَة] (981) فَصْلٌ: وَقَدْ عُفِيَ عَنْ النَّجَاسَاتِ الْمُغَلَّظَةِ لِأَجْلِ مَحَلِّهَا، فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ؛ أَحَدُهَا، مَحَلُّ الِاسْتِنْجَاءِ، فَعُفِيَ فِيهِ عَنْ أَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ، وَاسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي طَهَارَتِهِ، فَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، وَأَبُو حَفْصِ بْنُ الْمَسْلَمَةِ، إلَى طَهَارَتِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَجْمِرُ يَعْرَقُ فِي سَرَاوِيلِهِ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَنَجَّسَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، فِي الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ: إنَّهُمَا لَا يَطْهُرَانِ» . مَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَهُمَا يَطْهُرُ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُزِيلُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ، فَيُزِيلُهَا كَالْمَاءِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ: لَا يَطْهُرُ الْمَحَلُّ، بَلْ هُوَ نَجِسٌ، فَلَوْ قَعَدَ الْمُسْتَجْمِرُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ نَجَّسَهُ، وَلَوْ عَرِقَ كَانَ عَرَقُهُ نَجِسًا؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ لَا يُزِيلُ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ كُلَّهَا، فَالْبَاقِي مِنْهَا نَجِسٌ، لِأَنَّهُ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وُجِدَ فِي الْمَحَلِّ وَحْدَهُ. الثَّانِي: أَسْفَلُ الْخُفِّ وَالْحِذَاءِ، إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ، فَدَلَكَهَا بِالْأَرْضِ حَتَّى زَالَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إحْدَاهُنَّ، يُجْزِئُ دَلْكُهُ بِالْأَرْضِ، وَتُبَاحُ الصَّلَاةُ فِيهِ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ الْأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ» . وَفِي لَفْظٍ: «إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذَى، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ» . وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى، فَلْيَمْسَحْهُ، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» . وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا لَا نَتَوَضَّأُ مِنْ مَوْطِئٍ. رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ. قَالَ أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ: سَأَلْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّعْلَ لَا تَخْلُو مِنْ نَجَاسَةٍ تُصِيبُهَا، فَلَوْ لَمْ يُجْزِئْ دَلْكُهَا لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِيهَا. وَالثَّانِيَةُ، يَجِبُ غَسْلُهُ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ؛ فَإِنَّ الدَّلْكَ لَا يُزِيلُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ. وَالثَّالِثَةُ يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ الْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ دُونَ غَيْرِهِمَا؛ لِتَغَلُّظِ نَجَاسَتِهِمَا وَفُحْشِهِمَا. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ اتِّبَاعَ الْأَثَرِ وَاجِبٌ.
مسألة إذا خفي على المصلي موضع النجاسة من الثوب
فَإِنْ قِيلَ: فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَعْلَيْهِ، إنَّ فِيهِمَا قَذَرًا. يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ دَلْكُهُمَا، وَلَمْ يَزُلْ الْقَذَرُ مِنْهُمَا. قُلْنَا: لَا دَلَالَةَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ دَلَكَهُمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَدْلُكْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِالْقَذَرِ فِيهِمَا، حَتَّى أَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ دَلْكَهُمَا يُطَهِّرُهُمَا فِي قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ؛ لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ وَقَالَ غَيْرُهُ: يُعْفَى عَنْهُ مَعَ بَقَاءِ نَجَاسَتِهِ، كَقَوْلِهِمْ فِي أَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ. وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا يُجْزِئُ دَلْكُهُمَا بَعْدَ جَفَافِ نَجَاسَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ وَإِنْ دَلَكَهُمَا قَبْلَ جَفَافِهِمَا لَمْ يَجْزِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رُطُوبَةَ النَّجَاسَةِ بَاقِيَةٌ فَلَا يُعْفَى عَنْهَا. وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ رَطْبٍ وَجَافٍّ. وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ اُجْتُزِئَ فِيهِ بِالْمَسْحِ، فَجَازَ فِي حَالِ رُطُوبَةِ الْمَمْسُوحِ كَمَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ، وَلِأَنَّ رُطُوبَةَ الْمَحَلِّ مَعْفُوٌّ عَنْهَا إذَا جَفَّتْ قَبْلَ الدَّلْكِ، فَيُعْفَى عَنْهَا إذَا جَفَّتْ بِهِ كَالِاسْتِجْمَارِ. الثَّالِثُ: إذَا جَبَرَ عَظْمَهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ فَجُبِرَ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَلْعُهُ إذَا خَافَ الضَّرَرَ، وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ بَاطِنَةٌ يَتَضَرَّرُ بِإِزَالَتِهَا، فَأَشْبَهَتْ دِمَاءَ الْعُرُوقِ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ قَلْعُهُ، مَا لَمْ يَخَفْ التَّلَفَ. وَإِنْ سَقَطَ سِنٌّ مِنْ أَسْنَانِهِ فَأَعَادَهَا بِحَرَارَتِهَا، فَثَبَتَتْ، فَهِيَ طَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّهَا بَعْضُهُ، وَالْآدَمِيُّ بِجُمْلَتِهِ طَاهِرٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَكَذَلِكَ بَعْضُهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ نَجِسَةٌ، حُكْمُهَا حُكْمُ سَائِرِ الْعِظَامِ النَّجِسَةِ؛ لِأَنَّ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ. وَإِنَّمَا حُكِمَ بِطَهَارَةِ الْجُمْلَةِ لِحُرْمَتِهَا، وَحُرْمَتُهَا آكَدُ مِنْ حُرْمَةِ الْبَعْضِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهَا الْحُكْمُ بِطَهَارَةِ مَا دُونَهَا. (982) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ عَلَى الْأَجْسَامِ الصَّقِيلَةِ، كَالسَّيْفِ وَالْمِرْآةِ نَجَاسَةٌ، فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِهَا، كَالدَّمِ وَنَحْوِهِ، عُفِيَ عَنْ أَثَرِ كَثِيرِهَا بِالْمَسْحِ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْمَسْحِ يَسِيرٌ. وَإِنْ كَثُرَ مَحَلُّهُ، عُفِيَ عَنْهُ، كَيَسِيرِ غَيْرِهِ. [مَسْأَلَة إذَا خَفِيَ عَلَى الْمُصَلَّيْ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ مِنْ الثَّوْب] (983) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (: وَإِذَا خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ مِنْ الثَّوْبِ اسْتَظْهَرَ، حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّ الْغَسْلَ قَدْ أَتَى عَلَى النَّجَاسَةِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا خَفِيَتْ فِي بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ، وَأَرَادَ الصَّلَاةَ فِيهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ زَوَالَهَا، وَلَا يَتَيَقَّنُ ذَلِكَ حَتَّى يَغْسِلَ كُلَّ مَحَلٍّ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ أَصَابَتْهُ، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ جِهَتَهَا مِنْ الثَّوْبِ غَسَلَهُ كُلَّهُ. وَإِنْ عَلِمَهَا فِي إحْدَى جِهَتَيْهِ غَسَلَ تِلْكَ الْجِهَةَ كُلَّهَا. وَإِنْ رَآهَا فِي بَدَنِهِ، أَوْ ثَوْبٍ - هُوَ لَابِسُهُ -، غَسَلَ كُلَّ مَا يُدْرِكُهُ بَصَرُهُ مِنْ ذَلِكَ. وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَابْنُ الْمُنْذِرِ
فصل إن خفيت النجاسة في فضاء واسع صلى حيث شاء
وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ: إذَا خَفِيَتْ النَّجَاسَةُ فِي الثَّوْبِ نَضَحَهُ كُلَّهُ. وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: يَتَحَرَّى مَكَانَ النَّجَاسَةِ فَيَغْسِلُهُ. وَلَعَلَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فِي الْمَذْيِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَا أَصَابَ ثَوْبِي مِنْهُ؟ قَالَ: «يُجْزِئُكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ، فَتَنْضَحَ بِهِ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَ مِنْهُ.» فَأَمَرَهُ بِالتَّحَرِّي وَالنَّضْحِ. وَلَنَا، أَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ لِلْمَانِعِ مِنْ الصَّلَاةِ. فَلَمْ تُبَحْ لَهُ الصَّلَاةُ إلَّا بِتَيَقُّنِ زَوَالِهِ كَمَنْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ، وَالنَّضْحُ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ، وَحَدِيثُ سَهْلٍ فِي الْمَذْيِ دُونَ غَيْرِهِ، فَلَا يُعَدَّى، لِأَنَّ أَحْكَامَ النَّجَاسَةِ تَخْتَلِفُ. وَقَوْلُهُ: حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَ مِنْهُ ". مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَصَابَ نَاحِيَةً مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ غَيْرِ تَيَقُّنٍ، فَيُجْزِئُهُ نَضْحُ الْمَكَانِ أَوْ غَسْلُهُ. [فَصْلٌ إنَّ خَفِيَتْ النَّجَاسَةُ فِي فَضَاءٍ وَاسِع صَلَّى حَيْثُ شَاءَ] (984) فَصْلٌ: وَإِنْ خَفِيَتْ النَّجَاسَةُ فِي فَضَاءٍ وَاسِعٍ، صَلَّى حَيْثُ شَاءَ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ، فَلَوْ مُنِعَ مِنْ الصَّلَاةِ أَفْضَى إلَى أَنْ لَا يَجِدَ مَوْضِعًا يُصَلِّي فِيهِ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مَوْضِعًا صَغِيرًا، كَبَيْتٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ يَغْسِلُهُ كُلَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشُقُّ غَسْلُهُ، فَأَشْبَهَ الثَّوْبَ. [مَسْأَلَة مَا خَرَجَ مِنْ الْإِنْسَان أَوَ الْبَهِيمَة الَّتِي لَا يُؤْكَل لَحْمهَا مِنْ بَوْل أَوَغَيْره] (985) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَا خَرَجَ مِنْ الْإِنْسَانِ، أَوْ الْبَهِيمَةِ الَّتِي لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَهُوَ نَجِسٌ) يَعْنِي مَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ، كَالْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ، وَالْمَذْيِ، وَالْوَدْيِ، وَالدَّمِ، وَغَيْرِهِ. فَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِي نَجَاسَتِهِ خِلَافًا، إلَّا أَشْيَاءَ يَسِيرَةً، نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أَمَّا بَوْلُ الْآدَمِيِّ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي الَّذِي مَرَّ بِهِ وَهُوَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ إنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ فِي خَبَرٍ «أَنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْ الْبَوْلِ» . وَأَمَّا الْوَدْيُ، فَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ عَقِيبَ الْبَوْلِ خَاثِرٌ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَوْلِ سَوَاءً؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ، وَجَارٍ مَجْرَاهُ. وَأَمَّا الْمَذْيُ، فَهُوَ مَاءٌ لَزِجٌ رَقِيقٌ يَخْرُجُ عَقِيبَ الشَّهْوَةِ، عَلَى طَرَفِ الذَّكَرِ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ نَجِسٌ. قَالَ هَارُونُ الْحَمَّالُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَذْهَبُ فِي الْمَذْيِ إلَى أَنَّهُ يَغْسِلَ مَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا. وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِهِ فِيمَا مَضَى وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَنِيِّ. قَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ: إنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَذْيِ أَشَدُّ أَوْ الْمَنِيُّ، قَالَ: هُمَا سَوَاءٌ، لَيْسَا مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ، إنَّمَا هُمَا مِنْ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ نَحْوَ هَذَا، وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْمَذْيَ جُزْءٌ مِنْ الْمَنِيِّ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُمَا جَمِيعًا الشَّهْوَةُ، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ تُحَلِّلُهُ الشَّهْوَةُ، أَشْبَهَ الْمَنِيَّ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ نَجِسٌ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ، لَيْسَ بَدْءًا لِخَلْقِ آدَمِيٍّ، فَأَشْبَهَ الْبَوْلَ،
فصل رطوبة فرج المرأة
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مِنْهُ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. ثُمَّ اُخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ: هَلْ يُجْزِئُ فِيهِ النَّضْحُ، أَوْ يَجِبُ غَسْلُهُ؟ قَالَ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ: الْمَذْيُ يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ لَيْسَ يَدْفَعُهُ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثًا وَاحِدًا. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فِي الْمَذْيِ، مَا تَقُولُ فِيهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَرْوِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ؟ قُلْت: نَعَمْ. قَالَ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا يُخَالِفُهُ. وَهُوَ مَا رَوَى سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، قَالَ: «كُنْت أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ شِدَّةً وَعَنَاءً، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يُجْزِئُكَ مِنْهُ الْوُضُوءُ. قُلْت: فَكَيْفَ بِمَا أَصَابَ ثَوْبِي مِنْهُ؟ قَالَ: يَكْفِيك أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَ مِنْهُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْهُ وُجُوبُ غَسْلِهِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُد سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَذْيِ يُصِيبُ الثَّوْبَ، كَيْفَ الْعَمَلُ فِيهِ؟ قَالَ: الْغَسْلُ لَيْسَ فِي الْقَلْبِ مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ: حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ رُبَّمَا تَهَيَّبْتُهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَمِمَّنْ أَمَرَ بِغَسْلِ الْمَذْيِ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مِنْهُ فِي حَدِيثِ الْمِقْدَادِ، وَلِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ، فَوَجَبَ غَسْلُهَا كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، وَلِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ. قَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ لَا أَعْرِفُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا أَحْكُمُ لِمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَرُبَّمَا تَهَيَّبْتُهُ. وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ الْخَلَّالِ. [فَصْلٌ رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَة] فَصْلٌ: وَفِي رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ احْتِمَالَانِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ فِي الْفَرْجِ لَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ، أَشْبَهَ الْمَذْيَ. وَالثَّانِي: طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مِنْ جِمَاعٍ، فَإِنَّهُ مَا احْتَلَمَ نَبِيٌّ قَطُّ، وَهُوَ يُلَاقِي رُطُوبَةَ الْفَرْجِ، وَلِأَنَّنَا لَوْ حَكَمْنَا بِنَجَاسَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، لَحَكَمْنَا بِنَجَاسَةِ مَنِيِّهَا؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِهَا، فَيَتَنَجَّسُ بِرُطُوبَتِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: مَا أَصَابَ مِنْهُ فِي حَالِ الْجِمَاعِ فَهُوَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ الْمَذْيِ، وَهُوَ نَجِسٌ. وَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ، فَإِنَّ الشَّهْوَةَ إذَا اشْتَدَّتْ خَرَجَ الْمَنِيُّ دُونَ الْمَذْيِ، كَحَالِ الِاحْتِلَامِ. [فَصْلٌ بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ طَاهِر] (987) فَصْلٌ: وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ طَاهِرٌ. وَهَذَا مَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَرَى أَهْلُ الْعِلْمِ أَبْوَالَ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ وَشُرِبَ لَبَنُهُ نَجِسًا. وَرَخَّصَ فِي أَبْوَالِ الْغَنَمِ الزُّهْرِيُّ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إبَاحَةِ الصَّلَاةِ
فصل الخارج من غير السبيلين
فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، إلَّا الشَّافِعِيَّ، فَإِنَّهُ اشْتَرَطَ أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنْ أَبْعَارِهَا وَأَبْوَالِهَا. وَرَخَّصَ فِي ذَرْقِ الطَّائِرِ أَبُو جَعْفَرٍ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ ذَلِكَ نَجِسٌ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَنَحْوُهُ عَنْ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ» . وَلِأَنَّهُ رَجِيعٌ، فَكَانَ نَجِسًا كَرَجِيعِ الْآدَمِيِّ. وَلَنَا، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الْعُرَنِيِّينَ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ» ، وَالنَّجِسُ لَا يُبَاحُ شُرْبُهُ، وَلَوْ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ لَأَمَرَهُمْ بِغَسْلِ أَثَرِهِ إذَا أَرَادُوا الصَّلَاةَ «، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ إجْمَاعٌ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَصَلَّى أَبُو مُوسَى فِي مَوْضِعٍ فِيهِ أَبْعَارُ الْغَنَمِ. فَقِيلَ لَهُ: لَوْ تَقَدَّمْت إلَى هَاهُنَا؟ فَقَالَ: هَذَا وَذَاكَ وَاحِدٌ. وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ مَا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَوْطِئَةِ وَالْمُصَلَّيَاتِ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الْأَرْضِ، وَمَرَابِضُ الْغَنَمِ لَا تَخْلُو مِنْ أَبْعَارِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُبَاشِرُونَهَا فِي صَلَاتِهِمْ، وَلِأَنَّهُ مُتَحَلِّلٌ مُعْتَادٌ مِنْ حَيَوَانٍ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَكَانَ طَاهِرًا كَاللَّبَنِ، وَذَرْقِ الطَّائِرِ عِنْدَ مَنْ سَلَّمَهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَتَنَجَّسَتْ الْحُبُوبُ الَّتِي تَدُوسُهَا الْبَقَرُ، فَإِنَّهَا لَا تَسْلَمُ مِنْ أَبْوَالِهَا، فَيَتَنَجَّسُ بَعْضُهَا، وَيَخْتَلِطُ النَّجِسُ بِالطَّاهِرِ، فَيَصِيرُ حُكْمُ الْجَمِيعِ حُكْمَ النَّجِسِ. [فَصْلٌ الْخَارِج مِنْ غَيْر السَّبِيلَيْنِ] (988) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، فَالْحَيَوَانَاتُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: الْآدَمِيُّ، فَالْخَارِجُ مِنْهُ نَوْعَانِ، طَاهِرٌ وَهُوَ رِيقُهُ وَدَمْعُهُ وَعَرَقُهُ وَمُخَاطُهُ، وَنُخَامَتُهُ، فَإِنَّهُ جَاءَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمِ الْحُدَيْبِيَةِ، أَنَّهُ مَا تَنَخَّمَ نُخَامَةً إلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلَوْلَا طَهَارَتُهَا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ، فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ، أَيُحِبُّ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا» . وَوَصَفَ الْقَاسِمُ: فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَمَا أَمَرَ بِمَسْحِهَا فِي ثَوْبِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا تَحْتَ قَدَمِهِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الرَّأْسِ وَالْبَلْغَمِ الْخَارِجِ مِنْ الصَّدْرِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْبَلْغَمُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ اسْتَحَالَ فِي الْمَعِدَةِ، أَشْبَهَ الْقَيْءَ.
مسألة بول الغلام الذي لم يأكل الطعام
وَلَنَا، أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْخَبَرَيْنِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ النُّخَامَةِ، أَشْبَهَ الْآخَرَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا نَجُسَ بِهِ الْفَمُ، وَنَقَضَ الْوُضُوءَ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ - شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُمْ " إنَّهُ طَعَامٌ مُسْتَحِيلٌ فِي الْمَعِدَةِ " غَيْرُ مُسَلَّمٍ، إنَّمَا هُوَ مُنْعَقِدٌ مِنْ الْأَبْخِرَةِ، فَهُوَ كَالنَّازِلِ مِنْ الرَّأْسِ، وَكَالْمُخَاطِ؛ وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، أَشْبَهَ الْمُخَاطَ. النَّوْعُ الثَّانِي: نَجِسٌ، وَهُوَ الدَّمُ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنْ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ، وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعِدَةِ مِنْ الْقَيْءِ وَالْقَلْسِ، فَهَذَا نَجِسٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ حُكْمِهِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا أُكِلَ لَحْمُهُ، فَالْخَارِجُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا، نَجِسٌ، وَهُوَ الدَّمُ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ. الثَّانِي، طَاهِرٌ، وَهُوَ الرِّيقُ وَالدَّمْعُ وَالْعَرَقُ وَاللَّبَنُ. فَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. الثَّالِثُ: الْقَيْءُ، وَنَحْوُهُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ بَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ مُسْتَحِيلٌ، فَأَشْبَهَ الرَّوْثَ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى طَهَارَةِ بَوْلِهِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَكَذَلِكَ مَنِيُّهُ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ، فَهُمَا نَجِسَانِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِمَا وَفَضَلَاتِهِمَا، وَمَا يَنْفَصِلُ عَنْهُمَا. الثَّانِي، مَا عَدَاهُمَا مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، فَعَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّهَا نَجِسَةٌ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَفَضَلَاتِهَا، إلَّا أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ نَجَاسَتِهَا. وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى طَهَارَتِهَا. فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْآدَمِيِّ، عَلَى مَا فُصِّلَ. الْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا، مَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، وَهُوَ السِّنَّوْرُ وَمَا دُونَهُ فِي الْخِلْقَةِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْآدَمِيِّ؛ مَا حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ مِنْ الْآدَمِيِّ، فَهُوَ مِنْهُ نَجِسٌ. وَمَا حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ مِنْ الْآدَمِيِّ، فَهُوَ مِنْهُ طَاهِرٌ، إلَّا مَنِيَّهُ، فَإِنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ مَنِيَّ الْآدَمِيِّ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ فَشَرُفَ بِتَطْهِيرِهِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ هَاهُنَا. النَّوْعُ الثَّانِي، مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، فَهُوَ طَاهِرٌ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ وَفَضَلَاتِهِ. [مَسْأَلَة بَوْلُ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُل الطَّعَام] (989) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (إلَّا بَوْلَ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ، فَإِنَّهُ يُرَشُّ الْمَاءُ عَلَيْهِ) هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، إذْ لَيْسَ مَعْنَى الْكَلَامِ طَهَارَةَ بَوْلِ الْغُلَامِ، إنَّمَا أَرَادَ أَنَّ بَوْلَ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَطْعَمْ الطَّعَامَ يُجْزِئُ فِيهِ الرَّشُّ، وَهُوَ أَنْ يَنْضَحَ عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى يَغْمُرَهُ، وَلَا يَحْتَاجَ إلَى رَشٍّ وَعَصْرٍ،، وَبَوْلَ الْجَارِيَةِ يُغْسَلُ وَإِنْ لَمْ تَطْعَمْ. وَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ وَالشَّافِعِيُّ
مسألة المني طاهر
وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ الْقَاضِي: رَأَيْت لِأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا كَلَامًا يَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ بَوْلِ الْغُلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَوَجَبَ غَسْلُهُ. (1) وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يُغْسَلُ بَوْلُ الْغُلَامِ كَمَا يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّهُ بَوْلٌ نَجِسٌ، فَوَجَبَ غَسْلُهُ كَسَائِرِ الْأَبْوَالِ النَّجِسَةِ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالنَّجَاسَةِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، كَسَائِرِ أَحْكَامِهِمَا. وَلَنَا مَا رَوَتْ أُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مُحْصِنٍ «، أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ، لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ، إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ.» وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ «، أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَبِيٍّ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَعَنْ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: «كَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَالَ عَلَيْهِ، فَقُلْت: الْبَسْ ثَوْبًا آخَرَ، وَأَعْطِنِي إزَارَك حَتَّى أَغْسِلَهُ. فَقَالَ: إنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى، وَيَنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ الذَّكَرِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بَوْلُ الْغُلَامِ يُنْضَحُ، وَبَوْلُ الْجَارِيَةِ يُغْسَلُ» . قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا الطَّعَامَ، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَ بَوْلُهُمَا. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ. وَهَذِهِ نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَاتِّبَاعُهَا أَوْلَى، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُ. (990) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: الصَّبِيُّ إذَا طَعِمَ الطَّعَامَ، وَأَرَادَهُ، وَاشْتَهَاهُ، غُسِلَ بَوْلُهُ، وَلَيْسَ إذَا أُطْعِمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَلْعَقُ الْعَسَلَ سَاعَةَ يُولَدُ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَنَّكَ بِالتَّمْرِ. وَلَكِنْ إذَا كَانَ يَأْكُلُ وَيُرِيدُ الْأَكْلَ، فَعَلَى هَذَا مَا يُسْقَاهُ الصَّبِيُّ أَوْ يَلْعَقُهُ لِلتَّدَاوِي لَا يُعَدُّ طَعَامًا يُوجِبُ الْغَسْلَ، وَمَا يَطْعَمُهُ لِغِذَائِهِ وَهُوَ يُرِيدُهُ وَيَشْتَهِيهِ، هُوَ الْمُوجِبُ لِغَسْلِ بَوْلِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَة الْمَنِيُّ طَاهِر] (991) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمَنِيُّ طَاهِرٌ. وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ كَالدَّمِ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَنِيِّ، فَالْمَشْهُورُ: أَنَّهُ طَاهِرٌ. وَعَنْهُ أَنَّهُ كَالدَّمِ، أَيْ أَنَّهُ نَجِسٌ. وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ. وَيُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى هِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: امْسَحْهُ عَنْكَ بِإِذْخِرَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ، وَلَا تَغْسِلْهُ إنْ شِئْت. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: إذَا صَلَّى فِيهِ لَمْ يُعِدْ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ،
وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ مَالِكٌ: غَسْلُ الِاحْتِلَامِ أَمْرٌ وَاجِبٌ. وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: هُوَ نَجِسٌ، وَيُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: ثُمَّ أَرَى فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا. وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قَالَ صَالِحٌ: قَالَ أَبِي: غَسْلُ الْمَنِيِّ مِنْ الثَّوْبِ أَحْوَطُ وَأَثْبَتُ فِي الرِّوَايَةِ. وَقَدْ جَاءَ الْفَرْكُ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ: إنْ كَانَ رَطْبًا فَاغْسِلِيهِ. وَإِنْ كَانَ يَابِسًا فَافْرُكِيهِ» . وَهَذَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مُعْتَادٌ مِنْ السَّبِيلِ، أَشْبَهَ الْبَوْلَ. وَلَنَا، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «كُنْت أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَيُصَلِّي فِيهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: امْسَحْهُ عَنْكَ بِإِذْخِرَةٍ أَوْ بِخِرْقَةٍ، وَلَا تَغْسِلْهُ، إنَّمَا هُوَ كَالْبُزَاقِ وَالْمُخَاطِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلِأَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ إذَا جَفَّ، فَلَمْ يَكُنْ نَجِسًا كَالْمُخَاطِ، وَلِأَنَّهُ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، فَكَانَ طَاهِرًا كَالطِّينِ، وَيُفَارِقُ الْبَوْلَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ. (992) فَصْلٌ: فَإِنْ خَفِيَ مَوْضِعُ الْمَنِيِّ فَرَكَ الثَّوْبُ كُلُّهُ، إنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ اُسْتُحِبَّ فَرْكُهُ. وَإِنْ صَلَّى فِيهِ مِنْ غَيْرِ فَرْكٍ، أَجْزَأَهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ قَالَ بِالطَّهَارَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَنْضَحُ الثَّوْبَ كُلَّهُ. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَحَمَّادٌ. وَنَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ وَعَطَاءٍ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنُ: يُغْسَلُ الثَّوْبُ كُلُّهُ. وَلَنَا، أَنَّ فَرْكَهُ يُجْزِئُ إذَا عُلِمَ مَكَانُهُ، فَكَذَلِكَ إذَا خَفِيَ، وَأَمَّا النَّضْحُ فَلَا يُفِيدُ، فَإِنَّهُ لَا يُطَهِّرُهُ إذَا عُلِمَ مَكَانُهُ، فَكَذَلِكَ إذَا خَفِيَ. وَأَمَّا إذَا قُلْنَا بِالطَّهَارَةِ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، كَحَالِ الْعِلْمِ بِهِ. فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّمَا يُفْرَكُ مَنِيُّ الرَّجُلِ، أَمَّا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ فَلَا يُفْرَكُ؛ لِأَنَّ الَّذِي لِلرَّجُلِ ثَخِينٌ، وَاَلَّذِي لِلْمَرْأَةِ رَقِيقٌ. وَالْمَعْنَى فِي هَذَا أَنَّ الْفَرْكَ يُرَادُ لِلتَّخْفِيفِ وَالرَّقِيقُ لَا يَبْقَى لَهُ جِسْمٌ بَعْدَ جَفَافِهِ يَزُولُ بِالْفَرْكِ، فَلَا يُفِيدُ فِيهِ شَيْئًا، فَعَلَى هَذَا إنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا، كَالْبَوْلِ. وَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ، اُسْتُحِبَّ غَسْلُهُ، كَمَا يُسْتَحَبُّ فَرْكُ مَنِيِّ الرَّجُلِ. وَأَمَّا الطَّهَارَةُ وَالنَّجَاسَةُ فَلَا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنِيٌّ، وَهُوَ بَدْءٌ لِخَلْقِ آدَمِيٍّ، خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ. (994) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْعَلَقَةُ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِيهَا رِوَايَتَانِ، كَالْمَنِيِّ؛ لِأَنَّهَا بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ. وَالصَّحِيحُ نَجَاسَتُهَا؛
مسألة البولة على الأرض يطهرها دلو من ماء
لِأَنَّهَا دَمٌ، وَلَمْ يَرِدْ مِنْ الشَّرْعِ فِيهَا طَهَارَةٌ، وَقِيَاسُهَا عَلَى الْمَنِيِّ مُمْتَنِعٌ، لِكَوْنِهَا دَمًا خَارِجًا مِنْ الْفَرْجِ، فَأَشْبَهَتْ دَمَ الْحَيْضِ (995) . فَصْلٌ: وَمَنْ أَمْنَى وَعَلَى فَرْجِهِ نَجَاسَةٌ نَجُسَ مَنِيُّهُ؛ لِإِصَابَتِهِ النَّجَاسَةَ، وَلَمْ يُعْفَ عَنْ يَسِيرِهِ لِذَلِكَ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمَنِيِّ مِنْ الْجِمَاعِ أَنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ الْمَذْيِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فَسَادَ هَذَا. فَإِنَّ مَنِيَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا كَانَ مِنْ جِمَاعٍ، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَتْ الْأَخْبَارُ بِفَرْكِهِ، وَالطَّهَارَةُ لِغَيْرِهِ إنَّمَا أُخِذَتْ مِنْ طَهَارَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَة الْبَوْلَةُ عَلَى الْأَرْضِ يُطَهِّرُهَا دَلْوٌ مِنْ مَاءِ] (996) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْبَوْلَةُ عَلَى الْأَرْضِ يُطَهِّرُهَا دَلْوٌ مِنْ مَاءٍ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ إذَا تَنَجَّسَتْ بِنَجَاسَةٍ مَائِعَةٍ، كَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَغَيْرِهِمَا. فَطَهُورُهَا أَنْ يَغْمُرَهَا بِالْمَاءِ، بِحَيْثُ يَذْهَبُ لَوْنُ النَّجَاسَةِ وَرِيحُهَا. فَمَا انْفَصَلَ عَنْهَا غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ بِهَا فَهُوَ طَاهِرٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَطْهُرُ الْأَرْضُ حَتَّى يَنْفَصِلَ الْمَاءُ، فَيَكُونَ الْمُنْفَصِلُ نَجِسًا؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ، فَكَانَ نَجِسًا، كَمَا لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ. وَلَنَا. مَا رَوَى أَنَسٌ، قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ» . وَفِي لَفْظٍ: فَدَعَاهُ، فَقَالَ: " إنَّ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَالْقَذَرِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ". أَوْ كَمَا «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَرَ رَجُلًا فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَوْلَا أَنَّ الْمُنْفَصِلَ طَاهِرٌ لَكَانَ قَدْ أَمَرَ بِزِيَادَةِ تَنْجِيسِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي مَوْضِعٍ فَصَارَ فِي مَوَاضِعَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَطْهِيرَ الْمَسْجِدِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَعْقِلٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى مَكَانِهِ مَاءً» . وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سَمْعَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَحُفِرَ. قُلْنَا: لَيْسَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي خَبَرٍ مُتَّصِلٍ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَحَدِيثُ ابْنِ مَعْقِلٍ مُرْسَلٌ. قَالَ أَبُو دَاوُد: ابْنُ مَعْقِلٍ لَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَحَدِيثُ سَمْعَانَ مُنْكَرٌ. قَالَهُ الْإِمَامُ. وَقَالَ: مَا أَعْرِفُ سَمْعَانَ. وَلِأَنَّ الْبَلَّةَ الْبَاقِيَةَ فِي الْمَحَلِّ بَعْدَ غَسْلِهِ طَاهِرَةٌ، وَهِيَ بَعْضُ الْمُنْفَصِلِ، فَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ النَّجَاسَةَ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ. قُلْنَا: بَعْدَ طَهَارَتِهَا، لِأَنَّ الْمَاءَ لَوْ لَمْ يُطَهِّرْهَا لَنَجُسَ بِهَا حَالَ مُلَاقَاتِهِ لَهَا، وَلَوْ نَجُسَ بِهَا لَمَا طَهُرَ الْمَحَلُّ، وَلَكَانَ الْبَاقِي مِنْهُ فِي الْمَحَلِّ نَجِسًا. قَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْمُنْفَصِلِ إذَا نَشَفَتْ النَّجَاسَةُ، وَذَهَبَتْ أَجْزَاؤُهَا، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَثَرُهَا، فَإِنْ كَانَتْ أَجْزَاؤُهَا بَاقِيَةً، طَهُرَ الْمَحَلُّ، وَنَجُسَ الْمُنْفَصِلُ.
فصل أصاب الأرض ماء المطر أو السيول فغمرها وجرى عليها
وَهَذَا الشَّرْطُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَمْ أَرَهُ عَنْ أَحْمَدَ، وَلَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِبَقَاءِ أَجْزَائِهَا بَقَاءَ رُطُوبَتِهَا، فَهُوَ خِلَافُ الْخَبَرِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صُبَّ عَلَيْهِ عَقِيبَ فَرَاغِهِ مِنْهُ. وَإِنْ أَرَادَ بَقَاءَ الْبَوْلِ مُتَنَقِّعًا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرُّطُوبَةِ، فَإِنَّ قَلِيلَ الْبَوْلِ وَكَثِيرَهُ فِي التَّنْجِيسِ سَوَاءٌ. وَالرُّطُوبَةُ أَجْزَاءٌ تَنْجُسُ كَمَا تَنْجُسُ الْمُتَنَقِّعُ، فَلَا فَرْقَ إذًا. [فَصْلٌ أَصَابَ الْأَرْض مَاء الْمَطَر أَوْ السُّيُول فَغَمَرَهَا وَجَرَى عَلَيْهَا] (997) فَصْلٌ: وَإِنْ أَصَابَ الْأَرْضَ مَاءُ الْمَطَرِ أَوْ السُّيُولِ، فَغَمَرَهَا، وَجَرَى عَلَيْهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ صُبَّ عَلَيْهَا؛ لَأَنْ تَطْهِيرَ النَّجَاسَةِ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ نِيَّةٌ وَلَا فِعْلٌ، فَاسْتَوَى مَا صَبَّهُ الْآدَمِيُّ وَمَا جَرَى بِغَيْرِ صَبِّهِ. قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي الْبَوْلِ يَكُونُ فِي الْأَرْضِ فَتُمْطِرُ عَلَيْهِ السَّمَاءُ: إذَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَطَرِ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ ذَنُوبًا، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَبَّ عَلَى الْبَوْلِ، فَقَدْ طَهُرَ. وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَاءِ الْمَطَرِ يَخْتَلِطُ بِالْبَوْلِ، فَقَالَ: مَاءُ الْمَطَرِ عِنْدِي لَا يُخَالِطُ شَيْئًا إلَّا طَهَّرَهُ، إلَّا الْعَذِرَةَ. فَإِنَّهَا تُقْطَعُ. وَسُئِلَ عَنْ مَاءِ الْمَطَرِ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا إلَّا أَنْ يَكُونَ بِيلَ فِيهِ بَعْدَ الْمَطَرِ. وَقَالَ: كُلّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ فَهُوَ نَظِيفٌ، دَاسَتْهُ الدَّوَابُّ أَوْ لَمْ تَدُسْهُ. وَقَالَ فِي الْمِيزَابِ: إذَا كَانَ فِي الْمَوْضِعِ النَّظِيفِ فَلَا بَأْسَ بِمَا قَطَرَ عَلَيْك مِنْ الْمَطَرِ. إذَا لَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ قَذَرٌ. قِيلَ لَهُ: فَأَسْأَلُ عَنْهُ؟ قَالَ: لَا تَسْأَلْ، وَمَا دَعَاك إلَى أَنْ تَسْأَلَ وَهُوَ مَاءُ الْمَطَرِ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَوْضِعَ مَخْرَجٍ، أَوْ مَوْضِعَ قَذَرٍ. فَلَا تَغْسِلْهُ. وَاحْتُجَّ فِي طَهَارَةِ طِينِ الْمَطَرِ بِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، كَمَا قَالَ أَحْمَدُ. وَاحْتُجَّ بِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّابِعِينَ كَانُوا يَخُوضُونَ الْمَطَرَ فِي الطُّرُقَاتِ، فَلَا يَغْسِلُونَ أَرْجُلَهُمْ، لَمَّا غَلَبَ الْمَاءُ الْقَذِرُ. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ خَاضَ طِينَ الْمَطَرِ، وَصَلَّى، وَلَمْ يَغْسِلْ رِجْلَيْهِ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُنَّا لَا نَتَوَضَّأُ مِنْ مَوْطِئٍ. وَنَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ وَالْحَسَنُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَعَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ. لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ. (998) فَصْلٌ: وَلَا تُطَهَّرُ الْأَرْضُ حَتَّى يَذْهَبَ لَوْنُ النَّجَاسَةِ وَرَائِحَتُهَا؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُمَا دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ النَّجَاسَةِ. فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَزُولُ لَوْنُهَا إلَّا بِمَشَقَّةٍ سَقَطَ عَنْهُ إزَالَتُهَا، كَالثَّوْبِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الرَّائِحَةِ. "
(999) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ ذَاتَ أَجْزَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ، كَالرَّمِيمِ، وَالرَّوْثِ، وَالدَّمِ إذَا جَفَّ، فَاخْتَلَطَتْ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ، لَمْ تَطْهُرْ بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ عَيْنَهَا لَا تَنْقَلِبُ، وَلَا تَطْهُرُ إلَّا بِإِزَالَةِ أَجْزَاءِ الْمَكَانِ، بِحَيْثُ يُتَيَقَّنُ زَوَالُ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ. وَلَوْ بَادَرَ الْبَوْلَ وَهُوَ رَطْبٌ، فَقَلَعَ التُّرَابَ الَّذِي عَلَيْهِ أَثَرُهُ، فَالْبَاقِي طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ النَّجِسَ كَانَ رَطْبًا وَقَدْ زَالَ. وَإِنْ جَفَّ فَأَزَالَ مَا وَجَدَ عَلَيْهِ الْأَثَرَ، لَمْ يَطْهُرْ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ إنَّمَا يَبِينُ عَلَى ظَاهِرِ الْأَرْضِ، لَكِنْ إنْ قَلَعَ مَا تَيَقَّنَ بِهِ زَوَالَ مَا أَصَابَهُ الْبَوْلُ، فَالْبَاقِي طَاهِرٌ. فَصْلٌ: وَلَا تَطْهُرُ الْأَرْضُ النَّجِسَةُ بِشَمْسٍ وَلَا رِيحٍ وَلَا جَفَافٍ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: تَطْهُرُ إذَا ذَهَبَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ. وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: جُفُوفُ الْأَرْضِ طَهُورُهَا؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى أَنَّ الْكِلَابَ كَانَتْ تَبُولُ، وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ» . وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ نَجِسٌ، فَلَمْ يَطْهُرْ بِغَيْرِ الْغَسْلِ، كَالثِّيَابِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْبَوْلِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا كَانَتْ تَبُولُ، ثُمَّ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ، فَيَكُونُ إقْبَالُهَا وَإِدْبَارُهَا فِيهِ بَعْدَ بَوْلِهَا. (1001) فَصْلٌ: وَلَا تَطْهُرُ النَّجَاسَةُ بِالِاسْتِحَالَةِ، فَلَوْ أُحْرِقَ السِّرْجِينُ النَّجِسُ فَصَارَ رَمَادًا، أَوْ وَقَعَ كَلْبٌ فِي مَلَّاحَةٍ فَصَارَ مِلْحًا، لَمْ تَطْهُرْ. لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ لَمْ تَحْصُلْ بِالِاسْتِحَالَةِ. فَلَمْ تَطْهُرْ بِهَا، كَالدَّمِ إذَا صَارَ قَيْحًا أَوْ صَدِيدًا، وَخُرِّجَ عَلَيْهِ الْخَمْرُ، فَإِنَّهُ نَجِسٌ بِالِاسْتِحَالَةِ، فَجَازَ أَنْ يَطْهُرَ بِهَا.
فصل المنفصل من غسالة النجاسة ينقسم إلى ثلاثة أقسام
[فَصْلٌ الْمُنْفَصِل مِنْ غَسَّالَة النَّجَاسَة يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَة أَقْسَام] (1002) فَصْلٌ: وَالْمُنْفَصِلُ مِنْ غُسَالَةِ النَّجَاسَةِ، يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَنْفَصِلَ مُتَغَيِّرًا بِهَا، فَهُوَ نَجِسٌ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ مُتَغَيِّرٌ بِالنَّجَاسَةِ، فَكَانَ نَجِسًا، كَمَا لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَنْ يَنْفَصِلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ قَبْلَ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ، فَهُوَ نَجِسٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ يَسِيرٌ لَاقَى نَجَاسَةً لَمْ يُطَهِّرْهَا، فَكَانَ نَجِسًا، كَالْمُتَغَيِّرِ، وَكَالْبَاقِي فِي الْمَحَلِّ، فَإِنَّ الْبَاقِيَ فِي الْمَحَلِّ نَجِسٌ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي غُسِلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ، وَلِأَنَّهُ كَانَ فِي الْمَحَلِّ نَجِسًا، وَعَصْرُهُ لَا يَجْعَلُهُ طَاهِرًا. الثَّالِثُ: أَنْ يَنْفَصِلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ مِنْ الْغَسْلَةِ الَّتِي طَهَّرَتْ الْمَحَلَّ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْمُتَّصِلِ، وَالْمُتَّصِلُ طَاهِرٌ، فَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ، وَلِأَنَّهُ مَاءٌ أَزَالَ حُكْمَ النَّجَاسَةِ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا، فَكَانَ طَاهِرًا، كَالْمُنْفَصِلِ مِنْ الْأَرْضِ. وَالثَّانِي، هُوَ نَجِسٌ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ يَسِيرٌ لَاقَى نَجَاسَةً، فَنَجُسَ بِهَا، كَمَا لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ، فَهَلْ يَكُونُ طَهُورًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، يَكُونُ طَهُورًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهُورِيَّتُهُ، وَلِأَنَّ الْحَادِثَ فِيهِ لَمْ يُنَجِّسْهُ، وَلَمْ يُغَيِّرْهُ، فَلَمْ تَزُلْ طَهُورِيَّتُهُ، كَمَا لَوْ غَسَلَ بِهِ ثَوْبًا طَاهِرًا. وَالثَّانِي، أَنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ، لِأَنَّهُ أَزَالَ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ مَا رُفِعَ بِهِ الْحَدَثُ. (1003) فَصْلٌ: إذَا جُمِعَ الْمَاءُ الَّذِي أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ قَبْلَ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ وَبَعْدَهُ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ، تَغَيَّرَ أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: هُوَ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا، فَأَشْبَهَ مَاءَ الْغَسْلَةِ الَّتِي طَهَّرَتْ الْمَحَلَّ. وَلَنَا، أَنَّهُ اجْتَمَعَ الْمَاءُ النَّجِسُ وَالطَّاهِرُ وَهُوَ يَسِيرٌ، فَكَانَ نَجِسًا، كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ مَعَ مَاءٍ غَيْرِ الَّذِي غَسَلَ الْمَحَلَّ. [مَسْأَلَة إذَا نَسِيَ فَصَلَّى بِهِمْ جُنُبًا] (1004) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا نَسِيَ فَصَلَّى بِهِمْ جُنُبًا، أَعَادَ وَحْدَهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ مُحْدِثًا، أَوْ جُنُبًا، غَيْرَ عَالِمٍ بِحَدَثِهِ، فَلَمْ يَعْلَمْ هُوَ وَلَا الْمَأْمُومُونَ، حَتَّى فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ، فَصَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ، وَصَلَاةُ الْإِمَامِ بَاطِلَةٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ يُعِيدُ وَيُعِيدُونَ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ مُحْدِثًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَ.
فصل إذا علم بحدث نفسه في الصلاة أو علم المأمومون
وَلَنَا، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْجُرُفِ، فَأَهْرَقَ الْمَاءَ، فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا، فَأَعَادَ وَلَمْ يُعِيدُوا وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْمُصْطَلِقِ الْخُزَاعِيِّ، أَنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَارْتَفَعَ النَّهَارُ فَإِذَا هُوَ بِأَثَرِ الْجَنَابَةِ. فَقَالَ: كَبِرْتُ وَاَللَّهِ، كَبِرْتُ وَاَللَّهِ، فَأَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يُعِيدُوا. وَعَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالْقَوْمِ فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ آمُرُهُ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيُعِيدَ، وَلَا آمُرُهُمْ أَنْ يُعِيدُوا. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ الْغَدَاةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَعَادَ وَلَمْ يُعِيدُوا. رَوَاهُ كُلَّهُ الْأَثْرَمُ. وَهَذَا فِي مَحَلِّ الشُّهْرَةِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلَمْ يَثْبُتْ مَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ فِي خِلَافِهِ، وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالْقَوْمِ، أَعَادَ صَلَاتَهُ، وَتَمَّتْ لِلْقَوْمِ صَلَاتُهُمْ» . أَخْرَجَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَّانِيُّ، فِي " جُزْءٍ ". وَلِأَنَّ الْحَدَثَ مِمَّا يَخْفَى، وَلَا سَبِيلَ لِلْمَأْمُومِ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ الْإِمَامِ، فَكَانَ مَعْذُورًا فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا كَانَ عَلَى الْإِمَامِ حَدَثُ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَهْزِئًا بِالصَّلَاةِ فَاعِلًا لِمَا لَا يَحِلُّ. وَكَذَلِكَ إنْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ، فَإِنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ. وَقِيَاسُ الْمَعْذُورِ عَلَى غَيْرِهِ لَا يَصِحُّ، وَالْحُكْمُ فِي النَّجَاسَةِ كَالْحُكْمِ فِي الْحَدَثِ سَوَاءً؛ لِأَنَّهَا إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ، فَأَشْبَهَتْ الْأُخْرَى، وَلِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا فِي خَفَائِهَا عَلَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، بَلْ حُكْمُ النَّجَاسَةِ أَخَفُّ، وَخَفَاؤُهَا أَكْثَرُ، إلَّا أَنَّ فِي النَّجَاسَةِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ تَصِحُّ أَيْضًا، إذَا نَسِيَهَا. [فَصْلٌ إذَا عَلِمَ بِحَدَثِ نَفْسه فِي الصَّلَاة أَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُونَ] (1005) فَصْلٌ: إذَا عَلِمَ بِحَدَثِ نَفْسِهِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُونَ، لَزِمَهُمْ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ. نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَجُلٍ صَلَّى بِقَوْمٍ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ، بَعْضَ الصَّلَاةِ، فَذَكَرَ؟ قَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ يَبْتَدِئُوا الصَّلَاةَ. قُلْت لَهُ: يَقُولُ لَهُمْ اسْتَأْنِفُوا الصَّلَاةَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ يَنْصَرِفُ وَيَتَكَلَّمُ، وَيَبْتَدِئُونَ هُمْ الصَّلَاةَ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَةٌ أُخْرَى، إذَا عَلِمَ الْمَأْمُومُونَ أَنَّهُمْ يَبْنُونَ عَلَى صَلَاتِهِمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَبْنُونَ عَلَى صَلَاتِهِمْ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ، أَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُونَ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمْ صَحِيحٌ، فَكَانَ لَهُمْ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَامَ إلَى خَامِسَةٍ فَسَبَّحُوا بِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ. وَلَنَا، أَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ صَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ مَعَ الْعِلْمِ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَشْبَهَ مَا لَوْ ائْتَمَّ بِامْرَأَةٍ. وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا فِيمَا إذَا اسْتَمَرَّ الْجَهْلُ مِنْهُمَا لِلْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ حَالَ اسْتِمْرَارِ الْجَهْلِ يَشُقُّ، لِتَفَرُّقِهِمْ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمُوا فِي الصَّلَاةِ. وَإِنْ عَلِمَ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ دُونَ بَعْضٍ، فَالْمَنْصُوصُ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمِيعِ تَفْسُدُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَخْتَصَّ الْبُطْلَانُ بِمَنْ عَلِمَ دُونَ مَنْ جَهِلَ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى مُبْطِلٌ اخْتَصَّ بِهِ، فَاخْتَصَّ بِالْبُطْلَانِ، كَحَدَثِ نَفْسِهِ.
فصل إذا سبق الإمام الحدث
(1006) فَصْلٌ: إذَا اخْتَلَّ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ، كَالسِّتَارَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، لَمْ يُعْفَ عَنْهُ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى غَالِبًا، بِخِلَافِ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ. وَكَذَا إنْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِتَرْكِ رُكْنٍ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي مَنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ، يُعِيدُ وَيُعِيدُونَ، وَكَذَلِكَ فِي مَنْ تَرَكَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ. (1007) فَصْلٌ: وَإِنْ فَسَدَتْ لِفِعْلٍ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، فَإِنْ كَانَ عَنْ عَمْدٍ، أَفْسَدَ صَلَاةَ الْجَمِيعِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ عَمْدٍ، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الضَّحِكِ أَنَّهُ يُبْطِلُ صَلَاةَ الْإِمَامِ، وَلَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ تَفْسُدُ لِأَنَّهُ أَمْرٌ أَفْسَدَ صَلَاةَ الْإِمَامِ، فَأَفْسَدَ صَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ كَتَرْكِ الشَّرْطِ، وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ فِي الشَّرْطِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ، فَلَمْ يَسْمَعُوا لَهُ قِرَاءَةً، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَأَنَّك خَفَضْتَ مِنْ صَوْتِك: قَالَ: وَمَا سَمِعْتُمْ؟ قَالُوا: مَا سَمِعْنَا لَك قِرَاءَةً. قَالَ: فَمَا قَرَأْتُ فِي نَفْسِي، شَغَلَتْنِي عِيرٌ جَهَّزْتُهَا إلَى الشَّامِ. ثُمَّ قَالَ: لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ. ثُمَّ أَقَامَ، فَأَعَادَ وَأَعَادَ النَّاسُ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا طُعِنَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، أَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ، فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ، وَلَوْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ لَلَزِمَهُمْ اسْتِئْنَافُهَا، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى تَرْكِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ آكَدُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ بِالنِّسْيَانِ بِخِلَافِ الْمُبْطِلِ. [فَصْلٌ إذَا سَبَقَ الْإِمَامَ الْحَدَث] (1008) فَصْلٌ: إذَا سَبَقَ الْإِمَامَ الْحَدَثُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَعَلْقَمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: كُنْت أَذْهَبُ إلَى جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ، وَجَبُنْتُ عَنْهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ فُقِدَ شَرْطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ، فَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ. وَلَنَا، أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لَمَّا طُعِنَ أَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ، فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا. وَقَدْ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَقَوْلُهُمَا عِنْدَهُ حُجَّةٌ، فَلَا مَعْدِلَ عَنْهُ. وَقَوْلُ أَحْمَدَ: جَبُنْتُ عَنْهُ. إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى التَّوَقُّفِ، وَتَوَقُّفُهُ مَرَّةً لَا يُبْطِلُ مَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ، كَمَا فَعَلَ
عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ فَقَدَّمَ الْمَأْمُومُونَ مِنْهُمْ رَجُلًا فَأَتَمَّ بِهِمْ، جَازَ. وَإِنْ صَلَّوْا وُحْدَانًا جَازَ. قَالَ الزُّهْرِيُّ، فِي إمَامٍ يَنُوبُهُ الدَّمُ أَوْ رَعَفَ أَوْ يَجِدُ مَذْيًا يَنْصَرِفُ، وَلْيَقُلْ: أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي آخِرِ قَوْلَيْهِ: الِاخْتِيَارُ أَنْ يُصَلِّيَ الْقَوْمُ فُرَادَى إذَا كَانَ ذَلِكَ. وَلَعَلَّ تَوَقُّفَ أَحْمَدَ إنَّمَا كَانَ فِي الِاسْتِخْلَافِ، لَا فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ، فَإِنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ لَا تَفْسُدُ بِضَحِكِ الْإِمَامِ، فَهَذَا أَوْلَى. وَإِنْ قَدَّمَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَأْمُومِينَ لَهُمْ إمَامًا فَصَلَّى بِهِمْ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ كُلِّهِمْ. وَلَنَا، أَنَّ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا وُحْدَانًا. فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا، كَحَالَةِ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ وَإِنْ قَدَّمَ بَعْضُهُمْ رَجُلًا، وَصَلَّى الْبَاقُونَ وُحْدَانًا، جَازَ. (1009) فَصْلٌ: فَأَمَّا الَّذِي سَبَقَهُ الْحَدَثُ، فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهَا. قَالَ أَحْمَدُ: يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَسْتَقْبِلَ. هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَمَكْحُولٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ، وَيَبْنِي. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ» . وَعَنْهُ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، إنْ كَانَ الْحَدَثُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ ابْتَدَأَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا بَنَى لِأَنَّ حُكْمَ نَجَاسَةِ السَّبِيلِ أَغْلَظُ، وَالْأَثَرُ إنَّمَا وَرَدَ بِالْبِنَاءِ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ طَلْقٍ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَائِمًا يُصَلِّي بِهِمْ، فَانْصَرَفَ، ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ: إنِّي قُمْتُ بِكُمْ، ثُمَّ ذَكَرْتُ أَنِّي كُنْتُ جُنُبًا وَلَمْ أَغْتَسِلْ، فَانْصَرَفْتُ فَاغْتَسَلْتُ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْكُمْ مِثْلُ الَّذِي أَصَابَنِي، أَوْ أَصَابَهُ فِي بَطْنِهِ رِزٌّ، فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَغْتَسِلْ، أَوْ لِيَتَوَضَّأْ، وَلْيَسْتَقْبِلْ صَلَاتَهُ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَلِأَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَ الصَّلَاةِ فِي أَثْنَائِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَعُودُ إلَّا بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ وَعَمَلٍ كَثِيرٍ، فَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ، كَمَا لَوْ تَنَجَّسَ نَجَاسَةً يَحْتَاجُ فِي إزَالَتِهَا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ، أَوْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ وَلَمْ يَجِدْ السُّتْرَةَ إلَّا بَعِيدَةً مِنْهُ، أَوْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ، أَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ، وَحَدِيثُهُمْ ضَعِيفٌ. (1010) فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ أَنْ يُسْتَخْلَفَ مَنْ سُبِقَ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ، وَلِمَنْ جَاءَ بَعْدَ حَدَثِ الْإِمَامِ، فَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ مِنْ قِرَاءَةٍ أَوْ رَكْعَةٍ أَوْ سَجْدَةٍ، وَيَقْضِي بَعْدَ فَرَاغِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ. وَحُكِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَأَكْثَرِ مَنْ وَافَقَهُمَا فِي الِاسْتِخْلَافِ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ
فصل إذا استخلف من لا يدري كم صلى
أَنْ يَبْنِيَ أَوْ يَبْتَدِئَ قَالَ مَالِكٌ: وَيُصَلِّي لِنَفْسِهِ صَلَاةً تَامَّةً، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ صَلَاتِهِمْ قَعَدُوا وَانْتَظَرُوهُ حَتَّى يُتِمَّ وَيُسَلِّمَ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّ اتِّبَاعَ الْمَأْمُومِينَ لِلْإِمَامِ أَوْلَى مِنْ اتِّبَاعِهِ لَهُمْ، فَإِنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا جُعِلَ لِيُؤْتَمَّ بِهِ. وَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ إذَا فَرَغَ الْمَأْمُومُونَ قَبْلَ فَرَاغِ إمَامِهِمْ، وَقَامَ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ، فَإِنَّهُمْ يَجْلِسُونَ وَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يُتِمَّ وَيُسَلِّمَ بِهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَنْتَظِرُ الْمَأْمُومِينَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، فَانْتِظَارُهُمْ لَهُ أَوْلَى. وَإِنْ سَلَّمُوا وَلَمْ يَنْتَظِرُوهُ جَازَ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَسْتَخْلِفُ مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ، وَالْأَوْلَى انْتِظَارُهُ. وَإِنْ سَلَّمُوا لَمْ يَحْتَاجُوا إلَى خَلِيفَةٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا السَّلَامُ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِخْلَافِ فِيهِ. وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِخْلَافُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ بَنَى جَلَسَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ جُلُوسِهِ، وَصَارَ تَابِعًا لِلْمَأْمُومِينَ، وَإِنْ ابْتَدَأَ جَلَسَ الْمَأْمُومُونَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ جُلُوسِهِمْ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهَذَا، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الِاسْتِخْلَافُ فِي مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ حَيْثُ لَمْ يُحْتَجْ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ إذَا اسْتَخْلَفَ مِنْ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى] (1011) فَصْلٌ: وَإِذَا اسْتَخْلَفَ مَنْ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟ احْتَمَلَ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى الْيَقِينِ، فَإِنْ وَافَقَ الْحَقَّ، وَإِلَّا سَبَّحُوا بِهِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: يَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ مَنْ خَلْفَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ. يَتَصَنَّعُ، فَإِنْ سَبَّحُوا بِهِ جَلَسَ، وَعَلِمَ أَنَّهَا الرَّابِعَةُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ بَقَاءَ رَكْعَةٍ، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ وَيُقَدِّمُ رَجُلًا يُصَلِّي بِهِمْ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ، فَإِذَا سَلَّمَ قَامَ الرَّجُلُ فَأَتَمَّ صَلَاتَهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُصَلِّي لِنَفْسِهِ صَلَاةً تَامَّةً فَإِنْ فَرَغُوا مِنْ صَلَاتِهِمْ قَعَدُوا وَانْتَظَرُوهُ. وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ الْأُولَى مُتَقَارِبَةٌ. وَلَنَا، عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَخْلَفُ، أَنَّهُ إنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ لِذَلِكَ، كَغَيْرِ الْمُسْتَخْلَفِ. وَلَنَا، عَلَى أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ أَنَّهُ شَكٌّ مِمَّنْ لَا ظَنَّ لَهُ، فَوَجَبَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ، كَسَائِرِ الْمُصَلَّيْنَ. [فَصْلٌ مِنْ أَجَازَ الِاسْتِخْلَاف فَقَدْ أَجَازَ نَقُلْ الْجَمَاعَة إلَى جَمَاعَة أُخْرَى] (1012) فَصْلٌ: وَمَنْ أَجَازَ الِاسْتِخْلَافَ، فَقَدْ أَجَازَ نَقْلَ الْجَمَاعَةِ إلَى جَمَاعَةٍ أُخْرَى، لِلْعُذْرِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ وَأَبُو بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ، فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ. وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ. وَفَعَلَ هَذَا مَرَّةً أُخْرَى، جَاءَ حَتَّى جَلَسَ إلَى جَانِبِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ يَسَارٍ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ قَائِمٌ، يَأْتَمُّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِأَبِي بَكْرٍ.» وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَهَذَا يُقَوِّي جَوَازَ الِاسْتِخْلَافِ وَالِانْتِقَالِ مِنْ جَمَاعَةٍ إلَى جَمَاعَةٍ أُخْرَى حَالَ الْعُذْرِ. فَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ اثْنَانِ بَعْضَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ ائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ، وَنَوَى الْآخَرُ إمَامَتَهُ، أَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِخْلَافِ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْ الِاسْتِخْلَافَ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ.
فصل إذا وجد المبطل في المأموم دون الإمام
وَلَوْ تَخَلَّفَ إمَامُ الْحَيِّ مِنْ الصَّلَاةِ لِغَيْبَةٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ عُذْرٍ، وَصَلَّى غَيْرُهُ، وَحَضَرَ إمَامُ الْحَيِّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، فَتَأَخَّرَ الْإِمَامُ، وَتَقَدَّمَ إمَامُ الْحَيِّ، فَبَنَى عَلَى صَلَاةِ خَلِيفَتِهِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ، فَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ، فَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ. وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَدَمِ مُسَاوَاةِ غَيْرِهِ لَهُ فِي الْفَضْلِ. [فَصْلٌ إذَا وُجِدَ الْمُبْطِلُ فِي الْمَأْمُومِ دُونَ الْإِمَام] (1013) فَصْلٌ: إذَا وُجِدَ الْمُبْطِلُ فِي الْمَأْمُومِ دُونَ الْإِمَامِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، أَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، أَوْ ضَحِكَ أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ تَرَكَ رُكْنًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُبْطِلَاتِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ الْإِمَامِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الصَّلَاةُ سِوَاهُ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ حُكْمَهُ كَحُكْمِ الْإِمَامِ مَعَهُ عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ؛ لِأَنَّ ارْتِبَاطَ صَلَاةِ الْإِمَامِ بِالْمَأْمُومِ كَارْتِبَاطِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بِالْإِمَامِ، فَمَا فَسَدَ ثَمَّ فَسَدَ هَاهُنَا، وَمَا صَحَّ ثَمَّ صَحَّ هَاهُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ رَجُلَيْنِ أُمّ أَحَدهمَا صَاحِبه فَشَمَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا رِيحًا] (1014) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي رَجُلَيْنِ أَمَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَشَمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رِيحًا، أَوْ سَمِعَ صَوْتًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ صَاحِبِهِ؛ وَكُلٌّ يَقُولُ لَيْسَ مِنِّي: يَتَوَضَّآنِ جَمِيعًا، وَيُصَلِّيَانِ؛ إنَّمَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ فَسَادَ صَلَاةِ صَاحِبِهِ، وَأَنَّهُ صَارَ فَذًّا، وَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِفَسَادِ صَلَاةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ بِفَسَادِ صَلَاةِ صَاحِبِهِ لِكَوْنِهِ صَارَ فَذًّا. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْمَنْصُورَةِ، يَنْوِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادَ، وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنَّمَا قَضَى بِفَسَادِ صَلَاتِهِمَا إذَا أَتَمَّا الصَّلَاةَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ فَسْخِ النِّيَّةِ، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُؤْتَمٌّ بِمُحْدِثِ، وَالْإِمَامَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَؤُمُّ مُحْدِثًا. وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَلَعَلَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: يَتَوَضَّآنِ لِتَصِحَّ صَلَاتُهُمَا جَمَاعَةً. إذْ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْتَمَّ بِصَاحِبِهِ أَوْ يَؤُمَّهُ مَعَ اعْتِقَادِ حَدَثِهِ، وَلَعَلَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ احْتِيَاطًا، أَمَّا إذَا صَلَّيَا مُنْفَرِدَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ يَقِينَ الطَّهَارَةِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالْحَدَثَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ. (1015) فَصْلٌ: وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي إمَامٍ صَلَّى بِقَوْمٍ، فَشَهِدَ اثْنَانِ عَنْ يَمِينِهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ، وَأَنْكَرَ الْإِمَامُ وَبَقِيَّةُ
الْمَأْمُومِينَ: يُعِيدُ، وَيُعِيدُونَ. وَهَذَا لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا إثْبَاتٌ يُقَدَّمُ عَلَى النَّفْيِ، لِاحْتِمَالِ عِلْمِهِمَا بِهِ، مَعَ خَفَائِهِ عَنْهُ وَعَنْ بَقِيَّةِ الْمَأْمُومِينَ. وَقَوْلُهُ: " يُعِيدُونَ ". لِأَنَّ الْمَأْمُومِينَ مَتَى عَلِمَ بَعْضُهُمْ بِحَدَثِ إمَامِهِمْ، لَزِمَتْ الْجَمِيعَ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَنْصُوصِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَخْتَصُّ الْإِعَادَةُ مَنْ عَلِمَ دُونَ غَيْرِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها
[بَابُ السَّاعَات الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا] رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَفِي لَفْظٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُ حَدِيثِ عُمَرَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَعَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهَا مَوْتَانَا؛ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، قَالَ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ الصَّلَاةِ. قَالَ: صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ، حَتَّى تَرْتَفِعَ؛ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ، حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسَجَّرُ جَهَنَّمُ فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ؛ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ» . رَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ. [مَسْأَلَة قَضَاء الْفَرَائِضِ الْفَائِتَةَ فِي جَمِيع أَوْقَات النَّهْي وَغَيْرِهَا] (1016) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: (وَيَقْضِي الْفَوَائِتَ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْفَرْضِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَضَاءُ الْفَرَائِضِ الْفَائِتَةِ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَغَيْرِهَا. رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا تُقْضَى الْفَوَائِتُ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ يُصَلِّيهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِلْفَرَائِضِ وَغَيْرِهَا، وَلِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، أَخَّرَهَا حَتَّى ابْيَضَّتْ الشَّمْسُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ، فَلَمْ تَجُزْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كَالنَّوَافِلِ،
فصل طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ نَامَ فِي دَالِيَةٍ، فَاسْتَيْقَظَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَانْتَظَرَ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى. وَعَنْ كَعْبٍ - أَحْسِبُهُ ابْنَ عُجْرَةَ - أَنَّهُ نَامَ حَتَّى طَلَعَ قَرْنُ الشَّمْسِ فَأَجْلَسَهُ، فَلَمَّا أَنْ تَعَالَتْ الشَّمْسُ قَالَ لَهُ: صَلِّ الْآنَ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ: «إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الْأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَخَبَرُ النَّهْيِ مَخْصُوصٌ بِالْقَضَاءِ فِي الْوَقْتَيْنِ الْآخَرَيْنِ، وَبِعَصْرِ يَوْمِهِ، فَنَقِيسُ مَحَلَّ النِّزَاعِ عَلَى الْمَخْصُوصِ، وَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ، لَا عَلَى تَحْرِيمِ الْفِعْلِ. [فَصْلٌ طَلَعْت الشَّمْسُ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الصُّبْح] (1017) فَصْلٌ: وَلَوْ طَلَعْت الشَّمْسُ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، أَتَمَّهَا. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي وَقْتِ النَّهْيِ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ، قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ، يُقَدَّمُ عَلَى عُمُومِ غَيْرِهِ. [فَصْلٌ فِعْلُ الصَّلَاةِ الْمَنْذُورَةِ فِي وَقْتِ النَّهْي] (1018) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ فِعْلُ الصَّلَاةِ الْمَنْذُورَةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ، سَوَاءٌ كَانَ النَّذْرُ مُطْلَقًا أَوْ مُؤَقَّتًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ، وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُهُ بِنَاءً عَلَى صَوْمِ الْوَاجِبِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَلَنَا أَنَّهَا صَلَاةٌ وَاجِبَةٌ، فَأَشْبَهَتْ الْفَوَائِتَ مِنْ الْفَرَائِضِ وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَقَدْ وَافَقَنَا فِيهِ فِيمَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ. [مَسْأَلَة يَرْكَعُ لِلطَّوَافِ] (1019) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَرْكَعُ لِلطَّوَافِ) يَعْنِي فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ، وَمِمَّنْ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَفَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَفَعَلَهُ عُرْوَةُ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَأَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ ذَلِكَ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ. وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ.
مسألة الصلاة على الجنازة في أوقات النهي
وَلَنَا، مَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَصَلَّى فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ تَابِعَةٌ لَهُ، فَإِذَا أُبِيحَ الْمَتْبُوعُ يَنْبَغِي أَنْ يُبَاحَ التَّبَعُ، وَحَدِيثُهُمْ مَخْصُوصٌ بِالْفَوَائِتِ، وَحَدِيثُنَا لَا تَخْصِيصَ فِيهِ، فَيَكُونُ أَوْلَى. [مَسْأَلَةَ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةَ فِي أَوْقَات النَّهْي] (1020) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ) أَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَمِيلَ لِلْغُرُوبِ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهَا فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فَلَا يَجُوزُ. ذَكَرَهَا الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ؟ قَالَ: أَمَّا حِينَ تَطْلُعُ فَمَا يُعْجِبُنِي. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ، وَذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّأِ " عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى: إنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ تَجُوزُ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ النَّهْي. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ تُبَاحُ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، فَأُبِيحَتْ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، كَالْفَرَائِضِ. وَلَنَا، قَوْلُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا» . وَذِكْرُهُ لِلصَّلَاةِ مَقْرُونًا بِالدَّفْنِ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ. وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ غَيْرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، كَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَتْ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ لِأَنَّ مُدَّتَهُمَا تَطُولُ، فَالِانْتِظَارُ يُخَافُ مِنْهُ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ مُدَّتُهَا تَقْصُرُ، وَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا آكَدُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْوَقْتَيْنِ الْآخَرَيْنِ، لِأَنَّ النَّهْيَ فِيهَا آكَدُ، وَزَمَنُهَا أَقْصَرُ، فَلَا يُخَافُ عَلَى الْمَيِّتِ فِيهَا، وَلِأَنَّهُ نُهِيَ عَنْ الدَّفْنِ فِيهَا، وَالصَّلَاةُ الْمَقْرُونَةُ بِالدَّفْنِ تَتَنَاوَلُ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَتَمْنَعُهَا الْقَرِينَةُ مِنْ الْخُرُوجِ بِالتَّخْصِيصِ، بِخِلَافِ الْوَقْتَيْنِ الْآخَرَيْنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةَ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةَ وَقَدْ كَانَ صَلَّاهَا] (1021) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُصَلِّي إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَقَدْ كَانَ صَلَّاهَا) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ صَلَّى فَرْضَهُ ثُمَّ أَدْرَكَ تِلْكَ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، اُسْتُحِبَّ لَهُ إعَادَتُهَا، أَيَّ صَلَاةٍ كَانَتْ، بِشَرْطِ أَنْ تُقَامَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ وَهُمْ يُصَلُّونَ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. فَإِنْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ أَوْ الْعَصْرِ وَهُوَ خَارِجُ الْمَسْجِدِ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ الدُّخُولُ. وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي لِجَوَازِ الْإِعَادَةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ، أَنْ يَكُونَ مَعَ إمَامِ الْحَيِّ. وَلَمْ يُفَرِّقْ الْخِرَقِيِّ بَيْنَ إمَامِ الْحَيِّ وَغَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ
الْمُصَلِّي جَمَاعَةً وَفُرَادَى. وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُمْ يُصَلُّونَ، أَيُصَلِّي مَعَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ. إنَّمَا هِيَ نَافِلَةٌ فَلَا يَدْخُلُ، فَإِنْ دَخَلَ صَلَّى، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: وَالْمَغْرِبُ؟ قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنَّهُ فِي الْمَغْرِبِ يَشْفَعُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ صَلَّى وَحْدَهُ أَعَادَ الْمَغْرِبَ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ لَمْ يُعِدْهَا؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الدَّالَّ عَلَى الْإِعَادَةِ قَالَ فِيهِ: صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُعَادُ الْفَجْرُ وَلَا الْعَصْرُ وَلَا الْمَغْرِبُ؛ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي وَقْتِ النَّهْيِ؛ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ فِيهِ، وَلَا تُعَادُ الْمَغْرِبُ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يَكُونُ بِوِتْرٍ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَالنَّخَعِيِّ: تُعَادُ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا إلَّا الصُّبْحَ وَالْمَغْرِبَ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى، وَأَبُو مِجْلَزٍ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: تُعَادُ كُلُّهَا إلَّا الْمَغْرِبَ، لِئَلَّا يَتَطَوَّعَ بِوِتْرٍ. وَقَالَ الْحَاكِمُ: إلَّا الصُّبْحَ وَحْدَهَا. وَلَنَا، مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «شَهِدْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّتَهُ فَصَلَّيْت مَعَهُ صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ إذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ. فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِمَا فَأُتِيَ بِهِمَا تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. قَالَ: لَا تَفْعَلَا، إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ؛ فَإِنَّهَا لَكُمْ نَافِلَةٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْأَثْرَمُ. وَرَوَى مَالِكٌ، فِي " الْمُوَطَّأِ " عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ بُسْرِ بْنِ مِحْجَنٍ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُذِّنَ لِلصَّلَاةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ وَمِحْجَنٌ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ، أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟ . فَقَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنِّي قَدْ صَلَّيْت فِي أَهْلِي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذَا جِئْت فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْت قَدْ صَلَّيْت» . وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «إنَّ خَلِيلِي - يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْصَانِي أَنْ أُصَلِّيَ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِذَا أَدْرَكْتهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: «فَإِنْ أَدْرَكْتهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، وَلَا تَقُلْ: إنِّي قَدْ صَلَّيْت، فَلَا أُصَلِّي» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِعُمُومِهَا تَدُلُّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَحَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ صَرِيحٌ فِي إعَادَةِ الْفَجْرِ، وَالْعَصْرُ مِثْلُهَا، وَالْأَحَادِيثُ بِإِطْلَاقِهَا تَدُلُّ عَلَى الْإِعَادَةِ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَ إمَامِ الْحَيِّ أَوْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ. وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ، قَالَ: صَلَّى بِنَا أَبُو مُوسَى الْغَدَاةَ فِي الْمِرْبَدِ، فَانْتَهَيْنَا إلَى الْمَسْجِدِ
فصل إذا أعاد المغرب شفعها برابعة
الْجَامِعِ، فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّيْنَا مَعَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. وَعَنْ صِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ أَعَادَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ، وَكَانَ قَدْ صَلَّاهُنَّ فِي جَمَاعَةٍ. رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ. [فَصْلٌ إذَا أَعَادَ الْمَغْرِبَ شَفَعَهَا بِرَابِعَةِ] (1022) فَصْلٌ: إذَا أَعَادَ الْمَغْرِبَ شَفَعَهَا بِرَابِعَةٍ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَبِهِ قَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَرَوَاهُ قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. وَرَوَى صِلَةُ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّهُ لَمَّا أَعَادَ الْمَغْرِبَ، قَالَ: ذَهَبْت أَقُومُ فِي الثَّالِثَةِ، فَأَجْلَسَنِي، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ؛ لِتَكُونَ شَفْعًا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ مِثْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ. وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ نَافِلَةٌ، وَلَا يُشْرَعُ التَّنَفُّلُ بِوِتْرٍ غَيْرِ الْوِتْرِ، فَكَانَ زِيَادَةُ رَكْعَةٍ أَوْلَى مِنْ نُقْصَانِهَا؛ لِئَلَّا يُفَارِقَ إمَامَهُ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ. [فَصْلٌ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِد] (1023) فَصْلٌ: إنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ نَهْيٍ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ الدُّخُولُ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ وَقْتِ نَهْيٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ مَعَهُمْ، وَإِنْ دَخَلَ وَصَلَّى مَعَهُمْ فَلَا بَأْسَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ خَبَرِ أَبِي مُوسَى. وَلَا يُسْتَحَبُّ؛ لِمَا رَوَى مُجَاهِدٌ، قَالَ: خَرَجْت مَعَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ حَتَّى إذَا نَظَرَ إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ إذَا النَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى صَلَّى النَّاسُ، وَقَالَ: إنِّي صَلَّيْت فِي الْبَيْتِ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ. [فَصْلٌ إذَا أَعَادَ الصَّلَاةَ] (1024) فَصْلٌ: إذَا أَعَادَ الصَّلَاةَ فَالْأُولَى فَرْضُهُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، الَّتِي صَلَّى مَعَهُمْ الْمَكْتُوبَةَ؛ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا جِئْت إلَى الصَّلَاةِ فَوَجَدْت النَّاسَ فَصَلِّ مَعَهُمْ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ تَكُنْ لَكَ نَافِلَةً، وَهَذِهِ مَكْتُوبَةً» . وَلَنَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «تَكُنْ لَكُمَا نَافِلَةً» . وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: «فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» . وَلِأَنَّ الْأُولَى قَدْ وَقَعَتْ فَرِيضَةً، وَأَسْقَطَتْ الْفَرْضَ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ ثَانِيًا؛ وَإِذَا بَرِئَتْ الذِّمَّةُ بِالْأُولَى اسْتَحَالَ كَوْنُ الثَّانِيَةِ فَرِيضَةً، وَجَعْلُ الْأُولَى نَافِلَةً. قَالَ حَمَّادٌ، قَالَ إبْرَاهِيمُ: إذَا نَوَى الرَّجُلُ صَلَاةً وَكَتَبَتْهَا الْمَلَائِكَةُ فَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَوِّلَهَا، فَمَا صَلَّى بَعْدَهَا فَهُوَ تَطَوُّعٌ. وَحَدِيثُهُمْ لَا تَصْرِيحَ فِيهِ،
مسألة الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ مَعْنَاهُ عَلَى مَا فِي الْأَحَادِيثِ الْبَاقِيَةِ سَوَاءً. فَعَلَى هَذَا لَا يَنْوِي الثَّانِيَةَ فَرْضًا، لَكِنْ يَنْوِيهَا ظُهْرًا مُعَادَةً، وَإِنْ نَوَاهَا نَافِلَةً صَحَّ. (1025) فَصْلٌ: وَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ. قَالَ الْقَاضِي: لَا تَجِبُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيهَا رِوَايَةً أُخْرَى: إنَّهَا تَجِبُ مَعَ إمَامِ الْحَيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهَا. وَلَنَا، أَنَّهَا نَافِلَةٌ، وَالنَّافِلَةُ لَا تَجِبُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُصَلِّ صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَمَعْنَاهُ وَاجِبَتَانِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَالْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ. فَعَلَى هَذَا إنْ قَصَدَ الْإِعَادَةَ فَلَمْ يُدْرِكْ إلَّا رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ الْآمِدِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّمَ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُتِمَّهَا؛ لِأَنَّهُ قَصَدَهَا أَرْبَعًا. وَنَصَّ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَلَى أَنَّهُ يُتِمُّهَا أَرْبَعًا؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» . [مَسْأَلَةَ الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا] (1026) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فِي كُلِّ وَقْتٍ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَهُوَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا؛ فَذَهَبَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إلَى أَنَّهَا مِنْ بَعْدِ الْفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قَدْرَ رُمْحٍ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَحَالَ قِيَامِ الشَّمْسِ حَتَّى تَزُولَ، وَعَدَّهَا أَصْحَابُهُ خَمْسَةَ أَوْقَاتٍ؛ مِنْ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقْتٌ، وَمِنْ طُلُوعِهَا إلَى ارْتِفَاعِهَا وَقْتٌ، وَحَالَ قِيَامِهَا وَقْتٌ، وَمِنْ الْعَصْرِ إلَى شُرُوعِ الشَّمْسِ فِي الْغُرُوبِ وَقْتٌ، وَإِلَى تَكَامُلِ الْغُرُوبِ وَقْتٌ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْوَقْتَ الْخَامِسَ مِنْ حِينِ تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ؛ لِأَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا؛ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ، وَحِينَ تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ. فَجَعَلَ هَذِهِ ثَلَاثَةَ أَوْقَاتٍ، وَقَدْ ثَبَتَ لَنَا وَقْتَانِ آخَرَانِ بِحَدِيثِ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ خَمْسَةً. وَمَنْ جَعَلَ الْخَامِسَ وَقْتَ الْغُرُوبِ، فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصَّهُ بِالنَّهْيِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ» . وَفِي حَدِيثٍ: «وَلَا تَتَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا» . وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهَذِهِ الْأَوْقَاتُ الْمَذْكُورَةُ مَنْهِيٌّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إنَّمَا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الْأَوْقَاتُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ؛ بِدَلِيلِ تَخْصِيصِهَا بِالنَّهْيِ فِي حَدِيثِهِ وَحَدِيثِ
ابْنِ عُمَرَ. وَقَوْلُهُ: «لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَّا أَنْ تُصَلُّوا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِمَ عُمَرُ إنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُتَحَرَّى طُلُوعُ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبُهَا. وَلَنَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ، وَالتَّخْصِيصُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ لَا يُعَارِضُ الْعُمُومَ الْمُوَافِقَ لَهُ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ الْحُكْمِ فِيمَا خَصَّهُ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ فِي رَدِّ خَبَرِ عُمَرَ غَيْرُ مَقْبُولٍ، فَإِنَّهُ مُثْبِتٌ لِرِوَايَتِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ تَقُولُ بِرَأْيِهَا، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَحُّ مِنْ قَوْلِهَا، ثُمَّ هِيَ قَدْ رَوَتْ ذَلِكَ أَيْضًا، فَرَوَى ذَكْوَانُ مَوْلَى عَائِشَةَ، أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ، وَيَنْهَى عَنْهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فَكَيْفَ يُقْبَلُ رَدُّهَا لِمَا قَدْ أَقَرَّتْ بِصِحَّتِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَالصُّنَابِحِيُّ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، كَنَحْوِ رِوَايَةِ عُمَرَ، فَلَا يُتْرَكُ هَذَا بِمُجَرَّدِ رَأْيٍ مُخْتَلِفٍ مُتَنَاقِضٍ. (1027) فَصْلٌ: وَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ، فَمَنْ لَمْ يُصَلِّ أُبِيحَ لَهُ التَّنَفُّلُ، وَإِنْ صَلَّى غَيْرُهُ. وَمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ فَلَيْسَ لَهُ التَّنَفُّلُ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ سِوَاهُ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ. فَأَمَّا النَّهْيُ بَعْدَ الْفَجْرِ فَيَتَعَلَّقُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ. يَعْنِي التَّطَوُّعَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَرُوِيَتْ كَرَاهَتُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ النَّهْيَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ أَيْضًا كَالْعَصْرِ. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا صَلَاةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد حَدِيثَ عُمَرَ بِهَذَا اللَّفْظِ. وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: «صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ، كَذَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد قَالَ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَصَلِّ مَا شِئْت، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَكْتُوبَةٌ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الصُّبْحَ، ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَتَرْتَفِعَ قَدْرَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ» . وَلِأَنَّ لَفْظَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَصْرِ عُلِّقَ عَلَى الصَّلَاةِ دُونَ وَقْتِهَا، فَكَذَلِكَ الْفَجْرُ، وَلِأَنَّهُ وَقْتُ نَهْيٍ بَعْدَ صَلَاةٍ، فَيَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهَا، كَبَعْدِ الْعَصْرِ. وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ الْأَوَّلُ؛ لِمَا رَوَى «يَسَارٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَآنِي ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا أُصَلِّي بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَالَ: يَا يَسَارُ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ، فَقَالَ: لِيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ، لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتَيْنِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي لَفْظٍ:
مسألة لا يبتدئ في أوقات النهي عن الصلاة بتطوع
«لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتَانِ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَفِي لَفْظٍ: «إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» ، وَقَالَ: هُوَ غَرِيبٌ، رَوَاهُ قُدَامَةُ بْنُ مُوسَى. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ: هَذَا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» . وَهَذَا يُبَيِّنُ مُرَادَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ اللَّفْظِ الْمُجْمَلِ، وَلَا يُعَارِضُهُ تَخْصِيصُ مَا بَعْدَ الصَّلَاةِ بِالنَّهْيِ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ خِطَابٍ، وَهَذَا مَنْطُوقٌ، فَيَكُونُ أَوْلَى. وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ الرُّوَاةِ فِيهِ، وَهُوَ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ: «حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» . [مَسْأَلَةَ لَا يَبْتَدِئُ فِي أَوْقَات النَّهْي عَنْ الصَّلَاة بِتَطَوُّعِ] (1028) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَبْتَدِئُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ صَلَاةً يَتَطَوَّعُ بِهَا) . لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ صَلَاةَ تَطَوُّعٍ غَيْرَ ذَاتِ سَبَبٍ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رَخَّصَتْ طَائِفَةٌ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، رَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَالزُّبَيْرِ، وَابْنِهِ، وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، وَعَائِشَةَ، وَفَعَلَهُ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وَعُمَرُ، وَابْنُ مَيْمُونٍ، وَمَسْرُوقٌ، وَشُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ، وَأَبُو بُرْدَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ، وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ. وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لَا نَفْعَلُهُ وَلَا نَعِيبُ فَاعِلَهُ. وَذَلِكَ لِقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ» . وَقَوْلُهَا: وَهِمَ عُمَرُ، إنَّمَا «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُتَحَرَّى طُلُوعُ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبُهَا» . رَوَاهُمَا
مُسْلِمٌ. وَقَوْلُ عَلِيٍّ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَّا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ» . وَلَنَا، الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ، وَرَوَى أَبُو بَصْرَةَ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْعَصْرِ بِالْمُخَمَّصِ، فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا خَاصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ؛ فَقَدْ رَوَى عَنْهَا ذَكْوَانُ مَوْلَاهَا، أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ وَيَنْهَى عَنْهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرَوَى أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ، ثُمَّ إنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا، أَوْ نَسِيَهُمَا، فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا وَكَانَ إذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا. وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْهُمَا، ثُمَّ رَأَيْته يُصَلِّيهِمَا، وَقَالَ: يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، إنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِي عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا فَعَلَهُ لِسَبَبٍ، وَهُوَ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ السُّنَّةِ، وَأَنَّهُ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، كَمَا رَوَاهُ غَيْرُهُمَا، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، وَنَهْيِهِ غَيْرَهُ، وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ، فَإِنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ لَهُ. (1029) فَصْلٌ: فَأَمَّا التَّطَوُّعُ لِسَبَبٍ غَيْرِ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي الْوِتْرِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ: أَيُوتِرُ الرَّجُلُ بَعْدَمَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَفُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَعَائِشَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ: إنَّ أَكْثَرَ وِتْرِنَا لَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ خَرَجَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَقَالَ: لَنِعْمَ سَاعَةُ الْوِتْرِ هَذِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إلَى أَبِي مُوسَى، فَسَأَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُوتِرْ حَتَّى أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ؟ قَالَ: لَا وِتْرَ لَهُ، فَأَتَوْا عَلِيًّا فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: أَغْرَقَ فِي النَّزْعِ، الْوِتْرُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ. وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُوسَى عَلَى مَا حَكَيْنَا، وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ النَّهْيِ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، الْوِتْرُ الْوِتْرُ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ الصَّحِيحَةُ لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي النَّهْيِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، إنَّمَا فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ غَرِيبٌ، وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَامَ عَنْ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ، فَلْيُصَلِّهِ إذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ تَرْكَ الْوِتْرِ حَتَّى يُصْبِحَ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَكَذَا قَالَ مَالِكٌ. وَقَالَ: مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ،
فصل قضاء سنة الفجر بعدها
وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، فِي " الْإِرْشَادِ " مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ، قِيَاسًا عَلَى الْوِتْرِ، وَلِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ لَمْ يَثْبُتْ النَّهْيُ فِيهِ صَرِيحًا، فَكَانَ حُكْمُهُ خَفِيفًا. [فَصْلٌ قَضَاءُ سُنَّةِ الْفَجْرِ بَعْدَهَا] (1030) فَصْلٌ: فَأَمَّا قَضَاءُ سُنَّةِ الْفَجْرِ بَعْدَهَا فَجَائِزٌ، إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ اخْتَارَ أَنْ يَقْضِيَهُمَا مِنْ الضُّحَى، وَقَالَ: إنْ صَلَّاهُمَا بَعْدَ الْفَجْرِ أَجْزَأَ، وَأَمَّا أَنَا فَأَخْتَارُ ذَلِكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَالشَّافِعِيُّ: يَقْضِيهِمَا بَعْدَهَا؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ فَهْدٍ، قَالَ: «رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ يَا قَيْسُ؟ . قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَكُنْ صَلَّيْت رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَسُكُوتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى سُنَّةَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَهَذِهِ فِي مَعْنَاهَا، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ سَبَبٍ، فَأَشْبَهَتْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَجُوزُ؛ لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّهِمَا بَعْدَمَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَهُوَ ثِقَةٌ، أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْضِيهِمَا مِنْ الضُّحَى، وَحَدِيثُ قَيْسٍ مُرْسَلٌ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، لِأَنَّهُ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ قَيْسٍ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ جَدِّهِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ أَيْضًا، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي لَمْ أَكُنْ رَكَعْت رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ. قَالَ: فَلَا إذًا» . وَهَذَا يَحْتَمِلُ النَّهْيَ. وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا كَانَ تَأْخِيرُهَا إلَى وَقْتِ الضُّحَى أَحْسَنَ؛ لِنَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، وَلَا نُخَالِفُ عُمُومَ الْحَدِيثِ، وَإِنْ فَعَلَهَا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَا يَقْصُرُ عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الْجَوَازِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ قَضَاء السنن الرَّاتِبَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ] (1031) فَصْلٌ: وَأَمَّا قَضَاءُ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ، فَإِنَّهُ قَضَى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَقَضَى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ بَعْدَهَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَالِاقْتِدَاءُ بِمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَعَيَّنٌ. وَلِأَنَّ النَّهْيِ بَعْدَ الْعَصْرِ خَفِيفٌ؛ لِمَا رُوِيَ فِي خِلَافِهِ مِنْ الرُّخْصَةِ، وَمَا وَقَعَ مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ: إنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْهَا مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ نَهَى عَنْهَا لِغَيْرِ هَذَا السَّبَبِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهَا عَلَى الدَّوَامِ، وَيَنْهَى عَنْ ذَلِكَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَمَنَعَهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ لِعُمُومِ النَّهْيِ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ خَاصٌّ، فَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى، إلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ أَنَّهَا لَا تُقْضَى؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهُمَا. فَقُلْت لَهُ: أَنَقْضِيهِمَا إذَا فَاتَتَا؟ قَالَ: لَا» . رَوَاهُ ابْنُ النَّجَّارِ، فِي الْجُزْءِ الْخَامِسِ مِنْ حَدِيثِهِ.
فصل قضاء السنن في سائر أوقات النهي
[فَصْلٌ قَضَاءُ السُّنَنِ فِي سَائِرِ أَوْقَاتِ النَّهْي] (1032) فَصْلٌ: فَأَمَّا قَضَاءُ السُّنَنِ فِي سَائِرِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ، وَفِعْلُ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ؛ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِعُمُومِ النَّهْيِ. وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي الْكُسُوفِ: «فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا» . وَهَذَا خَاصٌّ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ، فَيُقَدَّمُ عَلَى النَّهْيِ الْعَامِّ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ سَبَبٍ، فَأَشْبَهَتْ مَا ثَبَتَ جَوَازُهُ. وَلَنَا، أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ، وَالْأَمْرَ لِلنَّدْبِ، وَتَرْكَ الْمُحَرَّمِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ الْمَنْدُوبِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْأَمْرَ خَاصٌّ فِي الصَّلَاةِ. قُلْنَا: وَلَكِنَّهُ عَامٌّ فِي الْوَقْتِ، وَالنَّهْيُ خَاصٌّ فِيهِ، فَيُقَدَّمُ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْقَضَاءِ بَعْدَ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّهْيِ فِيهِ أَخَفُّ، لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا عَلَى قَضَاءِ الْوِتْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ لَهُ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي بَصْرَةَ، وَلَا عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيُخَافُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَلَا عَلَى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، لِأَنَّهُمَا تَابِعَتَانِ لِمَا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ النَّهْيُ، مَعَ أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْكَعَ لِلطَّوَافِ فِيهَا، وَلَا يُعِيدَ فِيهَا جَمَاعَةً. وَإِذَا مُنِعَتْ هَذِهِ الصَّلَوَاتُ الْمُتَأَكِّدَةُ فِيهَا فَغَيْرُهَا أَوْلَى بِالْمَنْعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (1033) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا فِي الْمَنْعِ مِنْ التَّطَوُّعِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُمْنَعُ فِيهَا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» . وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ بَعْدَ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، إلَّا بِمَكَّةَ يَقُولُ: قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَلَنَا عُمُومُ النَّهْيِ، وَأَنَّهُ مَعْنًى يَمْنَعُ الصَّلَاةَ، فَاسْتَوَتْ فِيهِ مَكَّةُ وَغَيْرُهَا، كَالْحَيْضِ، وَحَدِيثُهُمْ أَرَادَ بِهِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، فَيَخْتَصُّ بِهِمَا، وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ضَعِيفٌ، يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، قَالَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ. (1034) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ فِي وَقْتِ الزَّوَالِ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْهَى
مسألة صلاة التطوع مثنى مثنى
عَنْهُ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «كُنَّا نُنْهَى عَنْ ذَلِكَ. يَعْنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ» . وَقَالَ سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ: أَدْرَكْت النَّاسَ وَهُمْ يَتَّقُونَ ذَلِكَ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْت أَلْقَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ قَامُوا فَصَلَّوْا أَرْبَعًا. وَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ، وَطَاوُسٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ» . وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ مِثْلُهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ النَّاسَ يَنْتَظِرُونَ الْجُمُعَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ قَطْعُ النَّوَافِلِ. وَقَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهْهُ إذَا عَلِمْت انْتِصَافَ النَّهَارِ، وَإِذَا كُنْت فِي مَوْضِعٍ لَا أَعْلَمُهُ، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظُرَ، فَإِنِّي أَرَاهُ وَاسِعًا. وَأَبَاحَهُ فِيهَا عَطَاءٌ فِي الشِّتَاءِ دُونَ الصَّيْفِ؛ لِأَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، وَذَلِكَ الْوَقْتُ حِينَ تُسَجَّرُ جَهَنَّمُ. وَلَنَا، عُمُومُ الْأَحَادِيثِ فِي النَّهْيِ. وَذُكِرَ لِأَحْمَدَ الرُّخْصَةُ فِي الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: فِيهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَحَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، ثُمَّ إذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا» . وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ. وَلِأَنَّهُ وَقْتُ نَهْيٍ، فَاسْتَوَى فِيهِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَغَيْرُهُ، كَسَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَحَدِيثُهُمْ ضَعِيفٌ، فِي إسْنَادِهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهُوَ مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّ أَبَا الْخَلِيلِ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ الْجُمُعَةَ. قُلْنَا: إذَا عَلِمَ وَقْتَ النَّهْيِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ شَكَّ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَعْلَمَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [مَسْأَلَةَ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى] (1035) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَصَلَاةُ التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى) يَعْنِي يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَالتَّطَوُّعُ قِسْمَانِ؛ تَطَوُّعُ لَيْلٍ، وَتَطَوُّعُ نَهَارٍ، فَأَمَّا تَطَوُّعُ اللَّيْلِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا مَثْنَى مَثْنَى. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ شِئْت رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ شِئْت أَرْبَعًا، وَإِنْ شِئْت سِتًّا، وَإِنْ شِئْت ثَمَانِيًا. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَبَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ تَسْلِيمَةٌ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. [مَسْأَلَةٌ إنْ تَطَوَّعَ بِأَرْبَعٍ فِي النَّهَارِ فَلَا بَأْسَ] (1036) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ تَطَوَّعَ بِأَرْبَعٍ فِي النَّهَارِ فَلَا بَأْسَ) الْأَفْضَلُ فِي تَطَوُّعِ النَّهَارِ: أَنْ يَكُونَ مَثْنَى مَثْنَى. لِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِقِيُّ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ
فصل التطوعات قسمان
عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ. وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ السَّهْوِ، وَأَشْبَهُ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَتَطَوُّعَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ الصَّحِيحَ فِي تَطَوُّعَاتِهِ رَكْعَتَانِ. وَذَهَبَ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ إلَى أَنَّ تَطَوُّعَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى لِذَلِكَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ تَطَوَّعَ فِي النَّهَارِ بِأَرْبَعٍ فَلَا بَأْسَ، فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، وَكَانَ إِسْحَاقُ يَقُولُ: صَلَاةُ النَّهَارِ أَخْتَارُ أَرْبَعًا، وَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَازَ. وَيُشْبِهُهُ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَا تَسْلِيمَ فِيهِنَّ تُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» أَنَّ صَلَاةَ النَّهَارِ رُبَاعِيَّةٌ. وَلَنَا عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ مَثْنَى، مَا تَقَدَّمَ، وَحَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ يَرْوِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَتَّبٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْأَرْبَعِ لَا عَلَى تَفْضِيلِهَا، وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَارِقِيِّ فَإِنَّهُ تَفَرَّدَ بِزِيَادَةِ لَفْظَةِ " النَّهَارِ " مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الرُّوَاةِ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ نَفْسًا، لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ سِوَاهُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى ضَعْفِ رِوَايَتِهِ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْفَضِيلَةُ، مَعَ جَوَازِ غَيْرِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (1037) فَصْلٌ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَلَا يُزَادُ فِي اللَّيْلِ عَلَى اثْنَتَيْنِ، وَلَا فِي النَّهَارِ عَلَى أَرْبَعٍ، وَلَا يَصِحُّ التَّطَوُّعُ بِرَكْعَةٍ وَلَا بِثَلَاثٍ. وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَوْ صَلَّى سِتًّا فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، كُرِهَ وَصَحَّ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِي صِحَّةِ التَّطَوُّعِ بِرَكْعَةٍ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَجُوزُ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَةً، ثُمَّ خَرَجَ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّمَا صَلَّيْت رَكْعَةً. قَالَ: هُوَ تَطَوُّعٌ، فَمَنْ شَاءَ زَادَ، وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا خِلَافُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» . وَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِمِثْلِهِ، وَالْأَحْكَامُ إنَّمَا تُتَلَقَّى مِنْ الشَّارِعِ، إمَّا مِنْ نَصِّهِ، أَوْ مَعْنَى نَصِّهِ، وَلَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. [فَصْلٌ التَّطَوُّعَاتُ قِسْمَانِ] فَصْلٌ: وَالتَّطَوُّعَاتُ قِسْمَانِ؛ أَحَدُهُمَا، مَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالتَّرَاوِيحِ، وَنَذْكُرُهَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ، فِي مَوَاضِعِهَا.
فصل الركعتين قبل الفجر
وَالثَّانِي، مَا يُفْعَلُ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَهِيَ قِسْمَانِ؛ سُنَّةٌ مُعَيَّنَةٌ، وَنَافِلَةٌ مُطْلَقَةٌ، فَأَمَّا الْمُعَيَّنَةُ فَتَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا؛ مِنْهَا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ مَعَ الْفَرَائِضِ، وَهِيَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعٌ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ، قَالَ: «سَأَلْت عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ وَيَدْخُلُ بَيْتِي، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: «حَفِظْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَ رَكَعَاتٍ؛ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ، كَانَتْ سَاعَةً لَا يُدْخَلُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا، حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ، أَنَّهُ كَانَ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَطَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ سَجْدَتَيْنِ. وَلَمْ يَذْكُرْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَوْلُهُ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» . تَرْغِيبٌ فِيهَا، وَلَمْ يَجْعَلْهَا مِنْ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، بِدَلِيلِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَاوِيهِ، وَلَمْ يَحْفَظْهَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَدِيثُ عَائِشَةَ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَرُوِيَ عَنْهَا مِثْلُ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ. [فَصْلٌ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ] (1039) فَصْلٌ: وَآكَدُ هَذِهِ الرَّكَعَاتِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ، قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مُعَاهَدَةً مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ: «مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَسْرَعَ مِنْهُ إلَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَفِي لَفْظٍ: أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلُّوهُمَا وَلَوْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَيُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُهُمَا، فَإِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَيُخَفِّفُ، حَتَّى إنِّي لَأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْكِتَابِ؟» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] ، وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ،
فصل يستحب أن يضطجع بعد ركعتي الفجر على جنبه الأيمن
«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «رَمَقْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهْرًا، فَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] » . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة: 136] الْآيَةَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ مِنْهُمَا {آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52] » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَضْطَجِعَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ] (1040) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَضْطَجِعَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، وَكَانَ أَبُو مُوسَى وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَفْعَلُونَهُ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَكَانَ الْقَاسِمُ، وَسَالِمٌ، وَنَافِعٌ لَا يَفْعَلُونَهُ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَرَوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَنْكَرَهُ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَلْيَضْطَجِعْ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ وَقَالَ: «عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ» وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَاتِّبَاعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ أَوْلَى مِنْ اتِّبَاعِ مَنْ خَالَفَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ. [فَصْلٌ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ] (1041) فَصْلٌ: وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ؛ لِمَا رَوَى «ابْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: مَا أُحْصِي مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] » . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. [فِعْلُ السُّنَنِ فِي الْبَيْتِ] وَيُسْتَحَبُّ فِعْلُ السُّنَنِ فِي الْبَيْتِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فِي بَيْتِهِ» ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: مَا رَأَيْت أَحْمَدَ رَكَعَهُمَا، يَعْنِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فِي الْمَسْجِدِ قَطُّ، إنَّمَا كَانَ يَخْرُجُ فَيَقْعُدُ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُقَامَ الصَّلَاةُ. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ أَيْنَ يُصَلَّيَانِ؟ قَالَ: فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ فَفِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ. ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ آكَدُ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ. وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ إِسْحَاقَ: «صَلُّوا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُمْ» . قِيلَ لِأَحْمَدَ: فَإِنْ كَانَ مَنْزِلُ الرَّجُلِ بَعِيدًا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. وَذَلِكَ لِمَا رَوَى سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَاهُمْ فِي مَسْجِدِ بَنِي
فصل كل سنة قبل الصلاة فوقتها من دخول وقتها
عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، فَرَآهُمْ يَتَطَوَّعُونَ بَعْدَهَا. فَقَالَ: هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوتِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: «أَتَانَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ فِي مَسْجِدِنَا، ثُمَّ قَالَ: ارْكَعُوا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُمْ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْأَثْرَمُ، وَلَفْظُهُ، قَالَ: «صَلُّوا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُمْ» . [فَصْلٌ كُلُّ سُنَّةٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَوَقْتُهَا مِنْ دُخُولِ وَقْتِهَا] (1042) فَصْلٌ: كُلُّ سُنَّةٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَوَقْتُهَا مِنْ دُخُولِ وَقْتِهَا إلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ، وَكُلُّ سُنَّةٍ بَعْدَهَا، فَوَقْتُهَا مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ إلَى خُرُوجِ وَقْتِهَا، فَإِنْ فَاتَ شَيْءٌ مِنْ وَقْتِ هَذِهِ السُّنَنِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى شَيْئًا مِنْ التَّطَوُّعِ، إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: تُقْضَى جَمِيعُ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ إلَّا أَوْقَاتَ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بَعْضَهَا، وَقِسْنَا الْبَاقِيَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُقْضَى إلَّا رَكْعَتَا الْفَجْرِ تُقْضَى، إلَى وَقْتِ الضُّحَى، وَرَكْعَتَا الظُّهْرِ. فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: مَا أَعْرِفُ وِتْرًا بَعْدَ الْفَجْرِ. وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ تُقْضَى إلَى وَقْتِ الضُّحَى. قَالَ مَالِكٌ: تُقْضَى رَكْعَتَا الْفَجْرِ إلَى وَقْتِ الزَّوَالِ، وَلَا تُقْضَى بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ: إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَلَا وِتْرَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فَلَا وِتْرَ عَلَيْهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ النَّوَافِلِ يُحَافِظُ عَلَيْهِ، إذَا فَاتَ قَضَى. النَّوْعُ الثَّانِي: تَطَوُّعَاتٌ مَعَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ، قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا، حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى أَبُو أَيُّوبَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَيْسَ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ تُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ» . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَعَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الْعَصْرِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَأَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ، يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالسَّلَامِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالنَّبِيِّينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَلَى أَرْبَعٍ بَعْدَ سُنَّةِ الْمَغْرِبِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ، لَمْ يَتَكَلَّمْ بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ، عُدِلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ
فصل اختلف في أربع ركعات منها ركعتان قبل المغرب بعد الأذان
عُمَرَ بْنِ أَبِي خَثْعَمٌ. وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ جِدًّا. وَعَلَى أَرْبَعٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ «شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ: سَأَلْتهَا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ قَطُّ إلَّا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، أَوْ سِتَّ رَكَعَاتٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [فَصْل اُخْتُلِفَ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْهَا رَكْعَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ بَعْدَ الْأَذَانِ] (1043) فَصْلٌ: وَاخْتُلِفَ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، مِنْهَا رَكْعَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ بَعْدَ الْأَذَانِ؛ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُمَا جَائِزَتَانِ وَلَيْسَتَا سُنَّةً. قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ؟ قَالَ: مَا فَعَلْته قَطُّ إلَّا مَرَّةً، حِينَ سَمِعْت الْحَدِيثَ، وَقَالَ: فِيهِمَا أَحَادِيثُ جِيَادٌ، أَوْ قَالَ: صِحَاحٌ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ. إلَّا أَنَّهُ قَالَ: " لِمَنْ شَاءَ ". فَمَنْ شَاءَ صَلَّى. وَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ يُنْكِرُهُ النَّاسُ. وَضَحِكَ كَالْمُتَعَجِّبِ، وَقَالَ: هَذَا عِنْدَهُمْ عَظِيمٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِمَا مَا رَوَى أَنَسٌ، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ. قَالَ الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ: فَقُلْت لَهُ، أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهُمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ أَنَسٌ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فَرَكَعُوا رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَحْسِبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ، مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ. قَالَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ» . أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ. وَقَالَ عُقْبَةُ: كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُزَنِيّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ شَاءَ. خَشْيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا، الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْوِتْرِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُمَا، وَإِنْ فَعَلَهُمَا إنْسَانٌ جَازَ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ، قِيلَ لَهُ: قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ، فَمَا تَرَى فِيهِمَا؟ فَقَالَ: أَرْجُو إنْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ أَنْ لَا يُضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَكُونُ وَهُوَ جَالِسٌ، كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ. قُلْت: تَفْعَلُهُ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا، مَا أَفْعَلُهُ. وَعَدَّهُمَا أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ مِنْ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِسُنَّةٍ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ وَصَفَ تَهَجُّدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرْهُمَا؛ مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَعَائِشَةَ، فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُمَا عُرْوَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ، وَالْقَاسِمُ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى تَرْكِهِمَا. وَوَجْهُ الْجَوَازِ، مَا رَوَى سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ
تِسْعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ، وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» . وَقَالَ «أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْت عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يُوتِرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. وَرَوَى ذَلِكَ أَبُو أُمَامَةَ أَيْضًا، وَأَوْصَى بِهِمَا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، وَكَثِيرُ بْنُ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيُّ، وَفَعَلَهُمَا الْحَسَنُ، فَهَذَا وَجْهُ جَوَازِهِمَا. النَّوْعُ الثَّالِثُ: صَلَوَاتٌ مُعَيَّنَةٌ سِوَى ذَلِكَ، مِنْهَا صَلَاةُ الضُّحَى، وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «أَوْصَانِي حَبِيبِي بِثَلَاثٍ لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا عِشْت: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ» . وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. فَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ لِهَذَا الْخَبَرِ، وَأَكْثَرُهَا ثَمَانٍ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَوَقْتُهَا إذَا عَلَتْ الشَّمْسُ وَاشْتَدَّ حَرُّهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا تُسْتَحَبُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهَا، «قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى قَطُّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: «قُلْت لِعَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا، إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: «مَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى إلَّا أُمُّ هَانِئٍ، فَإِنَّهَا حَدَّثَتْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، مَا رَأَيْته قَطُّ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ فِي الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا تَشْبِيهًا بِالْفَرَائِضِ. وَقَالَ
فصل صلاة التسبيح
أَبُو الْخَطَّابِ: تُسْتَحَبُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْصَى بِهَا أَصْحَابَهُ. وَقَالَ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى شُفْعَةِ الضُّحَى غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ النَّهَّاسِ بْنِ قَهْمٍ. وَلِأَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. [فَصْلٌ صَلَاةُ التَّسْبِيحِ] (1044) فَصْلٌ: فَأَمَّا صَلَاةُ التَّسْبِيحِ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: مَا يُعْجِبُنِي. قِيلَ لَهُ: لِمَ؟ قَالَ: لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَصِحُّ. وَنَفَضَ يَدَهُ كَالْمُنْكِرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: يَا عَمَّاهُ، أَلَا أُعْطِيكَ، أَلَا أَمْنَحُكَ، أَلَا أَحْبُوكَ، أَلَا أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ إذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَك، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَقَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ، وَخَطَأَهُ وَعَمْدَهُ، وَصَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، وَسِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ عَشْرَ خِصَالٍ؛ أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ الْقُرْآنِ، قُلْتَ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ تَرْكَعُ، فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنْ الرُّكُوعِ، فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَهْوِي سَاجِدًا، فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنْ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَسْجُدُ، فَتَقُولُهَا عَشْرًا. ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ، فَتَقُولُهَا عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، إنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمُرِكَ مَرَّةً» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلَمْ يُثْبِتْ أَحْمَدُ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ فِيهَا، وَلَمْ يَرَهَا مُسْتَحَبَّةً، وَإِنْ فَعَلَهَا إنْسَانٌ فَلَا بَأْسَ؛ فَإِنَّ النَّوَافِلَ وَالْفَضَائِلَ لَا يُشْتَرَطُ صِحَّةُ الْحَدِيثِ فِيهَا. [فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ] (1045) فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ -، فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعِيشَتِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
فصل في صلاة الحاجة
[فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْحَاجَةِ] (1046) فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْحَاجَةِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَانَتْ لَهُ إلَى اللَّهِ حَاجَةٌ، أَوْ إلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُحْسِنْ الْوُضُوءَ، ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيُثْنِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لِيَقُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إثْمٍ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمًّا إلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إلَّا قَضَيْتَهَا، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [فَصْلٌ فِي صَلَاةِ التَّوْبَةِ] (1047) فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ التَّوْبَةِ: عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا غَفَرَ لَهُ. ثُمَّ قَرَأَ {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ} [آل عمران: 135] إلَى آخِرِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [فَصْلٌ يُسَنُّ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَنْ لَا يَجْلِسَ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ جُلُوسِهِ] (1048) فَصْلٌ: وَيُسَنُّ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَنْ لَا يَجْلِسَ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ جُلُوسِهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَإِذَا جَلَسَ قَبْلَ الصَّلَاةِ سُنَّ لَهُ أَنْ يَقُومَ فَيُصَلِّيَ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: «جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ، فَجَلَسَ فَقَالَ: يَا سُلَيْكُ، قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِمِثْلِ تَطَوُّعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَإِنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا صَلَّى الْفَجْرَ يُمْهِلُ حَتَّى إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا - يَعْنِي مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ - مِقْدَارَهَا مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ الْعَصْرِ مِنْ هَاهُنَا - يَعْنِي مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ - قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُمْهِلُ حَتَّى إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا - يَعْنِي مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ - مِقْدَارَهَا مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ هَاهُنَا قَامَ فَصَلَّى أَرْبَعًا، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ، يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ
فصل النوافل المطلقة
بِالسَّلَامِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالنَّبِيِّينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَتِلْكَ سِتَّ عَشْرَةَ رَكْعَةً، تَطَوُّعُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّهَارِ، وَقَلَّ مَنْ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا.» [فَصْل النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ] (1049) فَصْلٌ: فَأَمَّا النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ فَتُشْرَعُ فِي اللَّيْلِ كُلِّهِ، وَفِي النَّهَارِ فِيمَا سِوَى أَوْقَاتِ النَّهْيِ، وَتَطَوُّعُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ النَّهَارِ. قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ. وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أُمِرَ بِذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَكَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ مَفْرُوضًا؛ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [المزمل: 1] {قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا} [المزمل: 2] {نِصْفَهُ} [المزمل: 3] ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} [المزمل: 20] الْآيَةَ. [فَصْلٌ أَفْضَلُ التَّهَجُّدِ جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِر] (1050) فَصْلٌ: وَأَفْضَلُ التَّهَجُّدِ جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرُ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ، قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَصَلِّ مَا شِئْتَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُد، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ» . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي «صِفَةِ تَهَجُّدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَامَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ - فَوَصَفَ تَهَجُّدَهُ حَتَّى قَالَ: ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَ الْمُؤَذِّنُ» . وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَيُحْيِي آخِرَهُ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى أَهْلِهِ قَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ نَامَ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ وَثَبَ، فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ تَوَضَّأَ. وَقَالَتْ: مَا أَلْفَى عِنْدِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّحَرُ الْأَعْلَى فِي بَيْتِي إلَّا نَائِمًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: «فَمَا يَجِيءُ السَّحَرُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ وِتْرِهِ» ، وَلِأَنَّ آخِرَ اللَّيْلِ يَنْزِلُ فِيهِ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إذَا أَغْفَى - يَعْنِي بَعْدَ التَّهَجُّدِ - فَإِنَّهُ لَا يَبِينُ عَلَيْهِ أَثَرُ السَّهَرِ، وَإِذَا لَمْ يُغْفِ يَبِينُ عَلَيْهِ. وَقَالَ مَسْرُوقٌ: «سَأَلْت عَائِشَةَ: أَيَّ حِينٍ كَانَ يُصَلِّي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَتْ: كَانَ إذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ، فَصَلَّى.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(1051) فَصْلٌ: وَيَقُولُ عِنْدَ انْتِبَاهِهِ مَا رَوَاهُ عُبَادَةُ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا اُسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى، قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيُّومُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ؛ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي مُسْلِمٍ: «أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَفِيهِ: أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ» . وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَعَنْهَا. قَالَتْ: «كَانَ - تَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ كَبَّرَ عَشْرًا، وَحَمَدَ عَشْرًا، وَسَبَّحَ عَشْرًا، وَهَلَّلَ عَشْرًا، وَاسْتَغْفَرَ عَشْرًا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي وَيَتَعَوَّذُ مِنْ ضِيقِ الْمُقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (1052) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَسَوَّكَ؛ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَيْقَظَ، فَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ» . وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ - تَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ،
فصل يستحب أن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين
فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ. أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْتَتِحَ تَهَجُّدَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ] (1053) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْتَتِحَ تَهَجُّدَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ قَالَ: «لَأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ، وَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» . أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِ تَهَجُّدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَقَالَتْ عَائِشَةُ، مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا. وَفِي لَفْظٍ قَالَتْ: كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ. وَفِي لَفْظٍ: مِنْهَا الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ. وَفِي لَفْظٍ: كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ. وَفِي لَفْظٍ: كَانَ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى الْفَجْرِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ. وَلَعَلَّهَا لَمْ تَعُدَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا غَيْرُهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى فِي لَيْلَةٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَفِي لَيْلَةٍ إحْدَى عَشْرَةَ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ الْمُتَهَجِّدُ جُزْءًا مِنْ الْقُرْآنِ فِي تَهَجُّدِهِ] (1054) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ الْمُتَهَجِّدُ جُزْءًا مِنْ الْقُرْآنِ فِي تَهَجُّدِهِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ وَالْإِسْرَارِ بِهَا، إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ الْجَهْرُ أَنْشَطَ لَهُ فِي الْقِرَاءَةِ، أَوْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ، أَوْ يَنْتَفِعُ بِهَا، فَالْجَهْرُ أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ مَنْ يَتَهَجَّدُ، أَوْ مَنْ يُسْتَضَرُّ بِرَفْعِ صَوْتِهِ فَالْإِسْرَارُ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا، فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ. «قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَيْسٍ: سَأَلْت عَائِشَةَ: كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ؟ فَقَالَتْ: كُلَّ ذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ، رُبَّمَا أَسَرَّ وَرُبَّمَا جَهَرَ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُ طَوْرًا، وَيَخْفِضُ طَوْرًا» . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَدْرِ مَا يَسْمَعُهُ مَنْ فِي الْحُجْرَةِ وَهُوَ فِي الْبَيْتِ» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد. وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ
فصل كان له تهجد ففاته
يُصَلِّي، يَخْفِضُ مِنْ صَوْتِهِ، وَمَرَّ بِعُمَرَ وَهُوَ يُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَهُ، قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعْنَا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي تَخْفِضُ صَوْتَكَ قَالَ: إنِّي أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ارْفَعْ قَلِيلًا. وَقَالَ لِعُمَرَ: مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَك. قَالَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوقِظُ الْوَسْنَانَ، وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ. قَالَ: اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ، فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ، فَكَشَفَ السِّتْرَ، وَقَالَ: أَلَا إنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ قَالَ: فِي الصَّلَاةِ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. [فَصْلٌ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ فَفَاتَهُ] (1055) فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ فَفَاتَهُ، اُسْتُحِبَّ لَهُ قَضَاؤُهُ بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنْ اللَّيْلِ» . وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إذَا نَامَ مِنْ اللَّيْلِ، أَوْ مَرِضَ، صَلَّى مِنْ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً. قَالَتْ: وَمَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ، وَمَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا إلَّا رَمَضَانَ» . أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ. [فَصْل التَّنَفُّلُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاء] (1056) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ التَّنَفُّلُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16] الْآيَةَ، قَالَ: كَانُوا يَتَنَفَّلُونَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، يُصَلُّونَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ عِشْرِينَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» . قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [فَصْلٌ مَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ تَخْفِيفُهُ أَوْ تَطْوِيلُهُ فَالْأَفْضَلُ اتِّبَاعُهُ فِيهِ] فَصْلٌ: وَمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَخْفِيفُهُ أَوْ تَطْوِيلُهُ، فَالْأَفْضَلُ اتِّبَاعُهُ فِيهِ، فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يَفْعَلُ إلَّا الْأَفْضَلَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ مَا «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخَفِّفُهُ وَيُطَوِّلُهُ» ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ؛ فَرُوِيَ أَنَّ الْأَفْضَلَ كَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، «لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنِّي لَأَعْلَمُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، عِشْرُونَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ عَبْدٍ سَجَدَ سَجْدَةً إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَمَحَا عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً» .
فصل التطوع في البيت
وَالثَّانِيَةُ، التَّطْوِيلُ أَفْضَلُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. «وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ التَّهَجُّدَ وَكَانَ يُطِيلُهُ، عَلَى مَا قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ، وَلَا يُدَاوِمُ إلَّا عَلَى الْأَفْضَلِ» . وَالثَّالِثَةُ، هُمَا سَوَاءٌ؛ لِتَعَارُضِ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْل التَّطَوُّعُ فِي الْبَيْتِ] (1058) فَصْلٌ: وَالتَّطَوُّعُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا، إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ: «إذَا قَضَى أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْبَيْتِ أَقْرَبُ إلَى الْإِخْلَاصِ. وَأَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ، وَهُوَ مِنْ عَمَلِ السِّرِّ، وَفِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَانِيَةٌ وَالسِّرُّ أَفْضَلُ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ لِلْإِنْسَانِ تَطَوُّعَاتٌ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا] (1059) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ لِلْإِنْسَانِ تَطَوُّعَاتٌ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا، وَإِذَا فَاتَتْ يَقْضِيهَا. قَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْت أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ رَكَعَاتٌ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَعْلُومَةٌ، فَإِذَا نَشِطَ، طَوَّلَهَا، وَإِذَا لَمْ يَنْشَطْ خَفَّفَهَا. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ. وَفِي لَفْظٍ قَالَ: أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ الَّذِي يُدَاوِمُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ قَلَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا» . وَقَالَتْ: «كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَكَانَ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ التَّطَوُّع جَمَاعَةً وَفُرَادَى] (1060) فَصْلٌ: يَجُوزُ التَّطَوُّعُ جَمَاعَةً وَفُرَادَى؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا، وَكَانَ أَكْثَرُ تَطَوُّعِهِ مُنْفَرِدًا، وَصَلَّى بِحُذَيْفَةَ مَرَّةً، وَبِابْنِ عَبَّاسٍ مَرَّةً، وَبِأَنَسٍ وَأُمِّهِ وَالْيَتِيمِ مَرَّةً، وَأَمَّ أَصْحَابَهُ فِي بَيْتِ عِتْبَانَ مَرَّةً، وَأَمَّهُمْ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ ثَلَاثًا» ، وَسَنَذْكُرُ أَكْثَرَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهِيَ كُلُّهَا صِحَاحٌ جِيَادٌ.
مسألة يباح أن يتطوع جالسا
[مَسْأَلَةَ يُبَاحُ أَنْ يَتَطَوَّعَ جَالِسًا] (1061) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُبَاحُ أَنْ يَتَطَوَّعَ جَالِسًا) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي إبَاحَةِ التَّطَوُّعِ جَالِسًا، وَأَنَّهُ فِي الْقِيَامِ أَفْضَلُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ» . وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ» . وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ حَفْصَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَخْرَجَهُنَّ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَشُقُّ عَلَيْهِ طُولُ الْقِيَامِ، فَلَوْ وَجَبَ فِي التَّطَوُّعِ لَتُرِكَ أَكْثَرُهُ، فَسَامَحَ الشَّارِعُ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ فِيهِ تَرْغِيبًا فِي تَكْثِيرِهِ، كَمَا سَامَحَ فِي فِعْلِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ، وَسَامَحَ فِي نِيَّةِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مِنْ النَّهَارِ. [مَسْأَلَة يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَطَوِّعِ جَالِسًا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الْقِيَامِ مُتَرَبِّعًا] (1062) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَكُونُ فِي حَالِ الْقِيَامِ مُتَرَبِّعًا، وَيَثْنِي رِجْلَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَطَوِّعِ جَالِسًا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الْقِيَامِ مُتَرَبِّعًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِنَا. وَعَنْهُ يَجْلِسُ كَيْفَ شَاءَ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ، وَابْنِ عُمَرَ: يَجْلِسُ كَيْفَ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ سَقَطَ، فَسَقَطَتْ هَيْئَتُهُ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْتَبُونَ فِي التَّطَوُّعِ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَطَاءٍ، وَالنَّخَعِيِّ. وَلَنَا، أَنَّ الْقِيَامَ يُخَالِفُ الْقُعُودَ فَيَنْبَغِي أَنْ تُخَالِفَ هَيْئَتُهُ فِي بَدَلِهِ هَيْئَةَ غَيْرِهِ، كَمُخَالَفَةِ الْقِيَامِ غَيْرَهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا أَبْعَدُ مِنْ السَّهْوِ وَالِاشْتِبَاهِ، وَلَيْسَ إذَا سَقَطَ الْقِيَامُ لِمَشَقَّتِهِ يَلْزَمُ سُقُوطُ مَا لَا مَشَقَّةَ فِيهِ، كَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، لَا يَلْزَمُ سُقُوطُ الْإِيمَاءِ بِهِمَا. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ صِفَةِ الْجُلُوسِ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ، إذْ لَمْ يَرِدْ بِإِيجَابِهِ دَلِيلٌ. فَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَيَثْنِي رِجْلَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» . فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ. قَالَ أَحْمَدُ: يُرْوَى عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ صَلَّى مُتَرَبِّعًا، فَلَمَّا رَكَعَ ثَنَى رِجْلَهُ. وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، أَنَّهُ لَا يَثْنِي رِجْلَيْهِ إلَّا فِي السُّجُودِ خَاصَّةً، وَيَكُونُ فِي الرُّكُوعِ عَلَى هَيْئَةِ الْقِيَامِ. وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّ هَيْئَةَ الرَّاكِعِ فِي رِجْلَيْهِ هَيْئَةُ الْقَائِمِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى هَيْئَتِهِ، وَهَذَا أَصَحُّ فِي النَّظَرِ إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ ذَهَبَ إلَى فِعْلِ أَنَسٍ، وَأَخَذَ بِهِ.
فصل إن قدر على القيام للصلاة بأن يتكئ على عصى أو يستند إلى حائط
(1063) فَصْلٌ: وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، إنْ شَاءَ مِنْ قِيَامٍ، وَإِنْ شَاءَ مِنْ قُعُودٍ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ» . «قَالَتْ عَائِشَةُ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ، حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا، حَتَّى إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، قَامَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ آيَةً، أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، ثُمَّ رَكَعَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْهَا، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا، وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا، وَكَانَ إذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَاعِدٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: كِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ، قَالَ: وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: وَالْعَمَلُ عَلَى كِلَا الْحَدِيثَيْنِ. (1064) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمَرِيضُ إذَا كَانَ الْقِيَامُ يَزِيدُ فِي مَرَضِهِ صَلَّى قَاعِدًا) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يُطِيقُ الْقِيَامَ، لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا. وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا، {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] » . وَرَوَى أَنَسٌ قَالَ: «سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ فَرَسٍ، فَخُدِشَ أَوْ جُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ. فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى قَاعِدًا، وَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ قُعُودًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ، إلَّا أَنَّهُ يَخْشَى زِيَادَةَ مَرَضِهِ بِهِ، أَوْ تَبَاطُؤَ بُرْئِهِ، أَوْ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا. وَنَحْوَ هَذَا قَالَ مَالِكٌ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقُومَ لِدُنْيَاهُ، فَلْيُصَلِّ جَالِسًا. وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ نَحْوُ ذَلِكَ. وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] . وَتَكْلِيفُ الْقِيَامِ فِي هَذِهِ الْحَالِ حَرَجٌ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى جَالِسًا لَمَّا جُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْجِزُ عَنْ الْقِيَامِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لَكِنْ لَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ سَقَطَ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ تَسْقُطُ عَنْ غَيْرِهِ. وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَإِنَّهُ يَكُونُ جُلُوسُهُ عَلَى صِفَةِ جُلُوسِ الْمُتَطَوِّعِ، جَالِسًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا. [فَصْلٌ إنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ بِأَنْ يَتَّكِئَ عَلَى عَصَى أَوْ يَسْتَنِدَ إلَى حَائِطٍ] (1065) فَصْلٌ: وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ، بِأَنْ يَتَّكِئَ عَلَى عَصًى، أَوْ يَسْتَنِدَ إلَى حَائِطٍ، أَوْ يَعْتَمِدَ عَلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ، لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ قَدَرَ بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
فصل إن قدر على القيام إلا أنه يكون على هيئة الراكع
[فَصْل إنَّ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى هَيْئَةِ الرَّاكِعِ] (1066) فَصْلٌ: وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ، إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى هَيْئَةِ الرَّاكِعِ كَالْأَحْدَبِ، أَوْ مَنْ هُوَ فِي بَيْتٍ قَصِيرِ السَّقْفِ، لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، أَوْ فِي سَفِينَةٍ، أَوْ خَائِفٍ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُعْلَمَ بِهِ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ لِحَدَبٍ أَوْ كِبَرٍ، لَزِمَهُ قِيَامُ مِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، احْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ الْقِيَامُ، قِيَاسًا عَلَى الْأَحْدَبِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ، فَإِنَّ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، قَالَ فِي الَّذِي فِي السَّفِينَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا، لِقِصَرِ سَمَاءِ السَّفِينَةِ: يُصَلِّي قَاعِدًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا يَسِيرًا. فَيُقَاسُ عَلَيْهِ سَائِرُ مَا فِي مَعْنَاهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» وَهَذَا لَمْ يَسْتَطِعْ الْقِيَامَ. [فَصْل قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَعَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ] (1067) فَصْلٌ: وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ، وَعَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقِيَامُ، وَيُصَلِّي قَائِمًا، فَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُومِئُ بِالسُّجُودِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْقُطُ الْقِيَامُ. وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَا رُكُوعَ فِيهَا وَلَا سُجُودَ، فَسَقَطَ فِيهَا الْقِيَامُ كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ. وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] . وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلِّ قَائِمًا» . وَلِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ، كَالْقِرَاءَةِ، وَالْعَجْزُ عَنْ غَيْرِهِ لَا يَقْتَضِي سُقُوطَهُ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ، وَقِيَاسُهُمْ فَاسِدٌ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ لَا يَسْقُطُ فِيهَا الرُّكُوعُ. وَالثَّانِي، أَنَّ النَّافِلَةَ لَا يَجِبُ فِيهَا الْقِيَامُ، فَمَا سَقَطَ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِسُقُوطِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ. [فَصْلٌ قَدَرَ الْمَرِيضُ عَلَى الصَّلَاةِ وَحْدَهُ قَائِمًا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْإِمَامِ] (1068) فَصْلٌ: وَإِنْ قَدَرَ الْمَرِيضُ عَلَى الصَّلَاةِ وَحْدَهُ قَائِمًا، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْإِمَامِ لِتَطْوِيلِهِ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ الْقِيَامُ وَيُصَلِّيَ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ آكَدُ لِكَوْنِهِ رُكْنًا فِي الصَّلَاةِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِهِ، وَالْجَمَاعَةُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا، وَاحْتَمَلَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، لِأَنَّنَا أَبَحْنَا لَهُ تَرْكَ الْقِيَامِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، مَعَ إمَامِ الْحَيِّ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ، مُرَاعَاةً لِلْجَمَاعَةِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْعَجْزَ يَتَضَاعَفُ بِالْجَمَاعَةِ أَكْثَرَ مِنْ تَضَاعُفِهِ بِالْقِيَامِ، بِدَلِيلِ أَنَّ «صَلَاةَ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ» . وَ «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» . وَهَذَا أَحْسَنُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. [مَسْأَلَة عَجَزَ عَنْ الصَّلَاةِ قَاعِدًا] (1069) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يُطِقْ جَالِسًا فَنَائِمًا) يَعْنِي مُضْطَجِعًا، سَمَّاهُ نَائِمًا لِأَنَّهُ فِي هَيْئَةِ النَّائِمِ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فصل إذا كان بعينه مرض لا يستطيع معه الصلاة مستلقيا
قَالَ: «صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ، وَصَلَاةُ النَّائِمِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَاعِدِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَكَذَا. فَمَنْ عَجَزَ عَنْ الصَّلَاةِ قَاعِدًا فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَى جَنْبِهِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُصَلِّي مُسْتَلْقِيًا، وَوَجْهُهُ وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ؛ لِيَكُونَ إيمَاؤُهُ إلَيْهَا، فَإِنَّهُ إذَا صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ كَانَ وَجْهُهُ فِي الْإِيمَاءِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» . وَلَمْ يَقُلْ: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا. وَلِأَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ إذَا كَانَ عَلَى جَنْبِهِ، وَلَا يَسْتَقْبِلُهَا إذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَإِنَّمَا يَسْتَقْبِلُ السَّمَاءَ، وَلِذَلِكَ يُوضَعُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ عَلَى جَنْبِهِ قَصْدَ التَّوْجِيهِ إلَى الْقِبْلَةِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ وَجْهَهُ فِي الْإِيمَاءِ يَكُونُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ. قُلْنَا: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ مِنْ الصَّحِيحِ لَا يَكُونَ فِي حَالِ الرُّكُوعِ بِوَجْهِهِ، وَلَا فِي حَالِ السُّجُودِ، إنَّمَا يَكُونُ إلَى الْأَرْضِ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْمَرِيضِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِيهِمَا أَيْضًا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، فَإِنْ صَلَّى عَلَى الْأَيْسَرِ، جَازَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُعَيِّنْ جَنْبًا بِعَيْنِهِ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ عَلَى أَيِّ الْجَنْبَيْنِ كَانَ. وَإِنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِهِ، مَعَ إمْكَانِ الصَّلَاةِ عَلَى جَنْبِهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ اسْتِقْبَالٍ، وَلِهَذَا يُوَجَّهُ الْمَيِّتُ عِنْدَ الْمَوْتِ كَذَلِكَ. وَالدَّلِيلُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ: (فَعَلَى جَنْبٍ. وَلِأَنَّهُ نَقَلَهُ إلَى الِاسْتِلْقَاءِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى جَنْبِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ إمْكَانِ الصَّلَاةِ عَلَى جَنْبِهِ، وَلِأَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ مَعَ إمْكَانِهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى جَنْبِهِ، صَلَّى مُسْتَلْقِيًا؛ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الصَّلَاة عَلَى جَنْبِهِ، فَسَقَطَ، كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ. [فَصْلٌ إذَا كَانَ بِعَيْنِهِ مَرَضٌ لَا يَسْتَطِيع مَعَهُ الصَّلَاةَ مُسْتَلْقِيًا] (1070) فَصْلٌ: إذَا كَانَ بِعَيْنِهِ مَرَضٌ. فَقَالَ ثِقَاتٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِالطِّبِّ: إنْ صَلَّيْت مُسْتَلْقِيًا أَمْكَنَ مُدَاوَاتُكَ. فَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَكَرِهَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبُو وَائِلٍ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَجُوزُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ لَمَّا كُفَّ بَصَرُهُ أَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: لَوْ صَبَرْت عَلَيَّ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لَمْ تُصَلِّ إلَّا مُسْتَلْقِيًا دَاوَيْتُ عَيْنَكَ، وَرَجَوْتُ أَنْ تَبْرَأَ. فَأَرْسَلَ فِي ذَلِكَ إلَى عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكُلٌّ قَالَ لَهُ: إنْ مِتَّ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَمَا الَّذِي تَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ؟ فَتَرَكَ مُعَالَجَةَ عَيْنِهِ. وَلَنَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى جَالِسًا لَمَّا جُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْجِزُ عَنْ الْقِيَامِ، لَكِنْ
فصل عجز عن الركوع والسجود
كَانَتْ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ فِيهِ، أَوْ خَوْفُ ضَرَرٍ، وَأَيُّهُمَا قُدِّرَ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْجَوَازِ هَاهُنَا، وَلِأَنَّا أَبَحْنَا لَهُ تَرْكَ الْوُضُوءِ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ - حِفْظًا لِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ -، وَتَرْكَ الصَّوْمِ لِأَجْلِ الْمَرَضِ وَالرَّمَدِ، وَدَلَّتْ الْأَخْبَارُ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ الْقِيَامِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، خَوْفًا مِنْ ضَرَرِ الطِّينِ فِي ثِيَابِهِ وَبَدَنِهِ، وَجَازَ تَرْكُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ وَثِيَابِهِ مِنْ الْبَلَلِ وَالتَّلَوُّثِ بِالطِّينِ، وَجَازَ تَرْكُ الْقِيَامِ اتِّبَاعًا لِإِمَامِ الْحَيِّ إذَا صَلَّى جَالِسًا، وَالصَّلَاةُ عَلَى جَنْبِهِ وَمُسْتَلْقِيًا فِي حَالِ الْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ، وَلَا يَنْقُصُ الضَّرَرُ بِفَوَاتِ الْبَصَرِ عَنْ الضَّرَرِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، فَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ - إنْ صَحَّ - فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُخْبِرَ لَمْ يُخْبِرْ عَنْ يَقِينٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: أَرْجُو. أَوْ أَنَّهُ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ لِكَوْنِهِ وَاحِدًا، أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. [فَصْلٌ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ] (1071) فَصْلٌ: وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْمَأَ بِهِمَا، كَمَا يُومِئُ بِهِمَا فِي حَالَةِ الْخَوْفِ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ وَحْدَهُ رَكَعَ، وَأَوْمَأَ بِالسُّجُودِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَحْنِيَ ظَهْرَهُ حَنَى رَقَبَتَهُ، وَإِنْ تَقَوَّسَ ظَهْرُهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَاقِعٌ، فَمَتَى أَرَادَ الرُّكُوعَ زَادَ فِي انْحِنَائِهِ قَلِيلًا، وَيُقَرِّبُ وَجْهَهُ إلَى الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ أَكْثَرَ مَا يُمْكِنُهُ. وَإِنْ قَدَرَ عَلَى السُّجُودِ عَلَى صُدْغِهِ لَمْ يَفْعَلْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ. وَإِنْ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ وِسَادَةً، أَوْ شَيْئًا عَالِيًا، أَوْ سَجَدَ عَلَى رَبْوَةٍ أَوْ حَجَرٍ، جَازَ، إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ تَنْكِيسُ وَجْهِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: أَخْتَارُ السُّجُودَ عَلَى الْمِرْفَقَةِ. وَقَالَ: هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْإِيمَاءِ. وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ. وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرَخَّصَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَسَجَدَتْ أُمُّ سَلَمَةَ عَلَى الْمِرْفَقَةِ. وَكَرِهَ ابْنُ مَسْعُودٍ السُّجُودَ عَلَى عُودٍ، وَقَالَ: يُومِئُ إيمَاءً. وَوَجْهُ الْجَوَازِ؛ أَنَّهُ أَتَى بِمَا يُمْكِنُهُ مِنْ الِانْحِطَاطِ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ أَوْمَأَ، فَأَمَّا إنْ رَفَعَ إلَى وَجْهِهِ شَيْئًا فَسَجَدَ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُجْزِئُهُ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَأَنَسٍ، أَنَّهُمْ قَالُوا: يُومِئُ، وَلَا يَرْفَعُ إلَى وَجْهِهِ شَيْئًا. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ، فَلَا بَأْسَ، يُومِئُ، أَوْ يَرْفَعُ الْمِرْفَقَةَ فَيَسْجُدُ عَلَيْهَا. قِيلَ لَهُ: الْمِرْوَحَةُ؟ قَالَ: لَا. أَمَّا الْمِرْوَحَةُ فَلَا. وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: الْإِيمَاءُ أَحَبُّ إلَيَّ. وَإِنْ رَفَعَ إلَى وَجْهِهِ شَيْئًا فَسَجَدَ عَلَيْهِ، أَجْزَأَهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الِانْحِطَاطُ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ، أَنَّهُ أَتَى بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ وَضْعِ رَأْسِهِ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ أَوْمَأَ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ سَجَدَ عَلَى مَا هُوَ حَامِلٌ لَهُ، فَلَمْ يَجْزِهِ، كَمَا لَوْ سَجَدَ عَلَى يَدَيْهِ. [فَصْلٌ لَمْ يَقْدِرْ الْمُصَلَّيْ عَلَى الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ] (1072) فَصْلٌ: وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ، أَوْمَأَ بِطَرَفِهِ، وَنَوَى بِقَلْبِهِ، وَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ عَنْهُ مَا دَامَ عَقْلُهُ
فصل إذا صلى جالسا فسجد سجدة وأومأ بالثانية
ثَابِتًا. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الصَّلَاةِ تَسْقُطُ عَنْهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ فِي مَرَضِهِ: الصَّلَاةَ. فَقَالَ: قَدْ كَفَانِي، إنَّمَا الْعَمَلُ فِي الصِّحَّةِ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ أَفْعَالٌ عَجَزَ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَسَقَطَتْ عَنْهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . وَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ، وَأَنَّهُ مُسْلِمٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ، فَلَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ، كَالْقَادِرِ عَلَى الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ، وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْإِيمَاءِ، أَشْبَهَ الْأَصْلَ. [فَصْلٌ إذَا صَلَّى جَالِسًا فَسَجَدَ سَجْدَةً وَأَوْمَأَ بِالثَّانِيَةِ] (1073) فَصْلٌ: إذَا صَلَّى جَالِسًا، فَسَجَدَ سَجْدَةً، وَأَوْمَأَ بِالثَّانِيَةِ، مَعَ إمْكَانِ السُّجُودِ، جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ عَلِمَ قَبْلَ سَلَامِهِ، سَجَدَ سَجْدَةً تُتِمُّ لَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، وَأَتَى بِرَكْعَةٍ، كَمَا لَوْ تَرَكَ السُّجُودَ نِسْيَانًا. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ تَتِمُّ لَهُ الرَّكْعَةُ الْأُولَى بِسَجْدَةِ الثَّانِيَةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَيْسَ هَذَا مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا؛ فَإِنَّهُ مَتَى شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ إتْمَامِ الْأُولَى، بَطَلَتْ الْأُولَى، وَصَارَتْ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ، وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي سُجُودِ السَّهْوِ. [فَصْلٌ قَدَرَ الْمَرِيضُ فِي أَثْنَاء الصَّلَاةِ عَلَى مَا كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ] (1074) فَصْلٌ: وَمَتَى قَدَرَ الْمَرِيضُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، عَلَى مَا كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ، مِنْ قِيَامٍ، أَوْ قُعُودٍ، أَوْ رُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، أَوْ إيمَاءٍ، انْتَقَلَ إلَيْهِ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ. وَهَكَذَا لَوْ كَانَ قَادِرًا، فَعَجَزَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، أَتَمَّ صَلَاتَهُ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى مِنْ الصَّلَاةِ كَانَ صَحِيحًا، فَيَبْنِي عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ. [مَسْأَلَةَ الْوِتْرُ رَكْعَةٌ] (1075) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ) نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. فَقَالَ: إنَّا نَذْهَبُ فِي الْوِتْرِ إلَى رَكْعَةٍ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو مُوسَى، وَمُعَاوِيَةُ، وَعَائِشَةُ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَفَعَلَ ذَلِكَ مُعَاذٌ الْقَارِئُ، وَمَعَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْوِتْرُ رَكْعَةٌ، كَانَ ذَلِكَ وِتْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ. وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ هَؤُلَاءِ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ
مسألة القنوت مسنون في الوتر
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» . وَقَالَتْ: عَائِشَةُ: «كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ» . وَفِي لَفْظٍ: «كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ» . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» . أَخْرَجَهُنَّ مُسْلِمٌ. (1076) فَصْلٌ: قَوْلُهُ: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ» يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ: جَمِيعُ الْوِتْرِ رَكْعَةٌ، وَمَا يُصَلَّى قَبْلَهُ لَيْسَ مِنْ الْوِتْرِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إنَّمَا نَذْهَبُ فِي الْوِتْرِ إلَى رَكْعَةٍ، وَلَكِنْ يَكُونُ قَبْلَهَا صَلَاةُ عَشْرِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يُوتِرُ وَيُسَلِّمُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَقَلُّ الْوِتْرِ رَكْعَةٌ. فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إنَّا نَذْهَبُ فِي الْوِتْرِ إلَى رَكْعَةٍ، وَإِنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا بَأْسَ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ؛ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَأُبَيُّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَقَلُّ الْوِتْرِ رَكْعَةٌ، وَأَكْثَرُهُ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ: الْوِتْرُ ثَلَاثٌ، وَخَمْسٌ، وَسَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: ثَلَاثٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ وَاحِدَةٍ، وَخَمْسٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ ثَلَاثٍ، وَسَبْعٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ خَمْسٍ، وَتِسْعٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ سَبْعٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ، أَوْ خَمْسٌ، أَوْ سَبْعٌ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، يُوتِرُ بِمَا شَاءَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَرَوَتْ عَائِشَةُ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ بِتِسْعٍ، وَرَوَتْ، أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِسَبْعٍ، وَرَوَتْ، أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسٍ» . رَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: «قُلْت لِعَائِشَةَ: بِكَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ، وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ، وَعَشْرٍ وَثَلَاثٍ، وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَقَلَّ مِنْ سَبْعٍ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [مَسْأَلَةَ الْقُنُوتَ مَسْنُونٌ فِي الْوِتْرِ] (1077) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (يَقْنُتُ فِيهَا) يَعْنِي أَنَّ الْقُنُوتَ مَسْنُونٌ فِي الْوِتْرِ، فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ، فِي جَمِيعِ السَّنَةِ. هَذَا الْمَنْصُوصُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يَقْنُتُ إلَّا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَأُبَيُّ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، أَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَكَانَ يُصَلِّي لَهُمْ عِشْرِينَ
فصل القنوت بعد الركوع
لَيْلَةً، وَلَا يَقْنُتُ إلَّا فِي النِّصْفِ الثَّانِي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَهَذَا كَالْإِجْمَاعِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَقْنُتُ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا إلَّا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ رَمَضَانَ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَقْنُتُ إلَّا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ. وَعَنْهُ لَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةٍ بِحَالٍ. وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى هِيَ الْمُخْتَارَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: كُنْت أَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ إنِّي قَنَتُّ، هُوَ دُعَاءٌ وَخَيْرٌ. وَوَجْهُهُ مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ، فَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ» . وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» . وَكَانَ لِلدَّوَامِ، وَفِعْلُ أُبَيٍّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَآهُ. وَلَا يُنْكَرُ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا، وَلِأَنَّهُ وِتْرٌ، فَيُشْرَعُ فِيهِ الْقُنُوتُ، كَالنِّصْفِ الْآخِرِ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ يُشْرَعُ فِي الْوِتْرِ، فَيُشْرَعُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ. [فَصْلٌ الْقُنُوتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ] (1078) فَصْلٌ: وَيَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَأَبِي الْمُتَوَكِّلِ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَإِنْ قَنَتَ قَبْلَهُ، فَلَا بَأْسَ. وَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ؛ لِمَا رَوَى حُمَيْدٍ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنْ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَقَالَ: كُنَّا نَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَالْبَرَاءِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعُبَيْدَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ: وَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ» . وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٌ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؟ فَقَالَ: أَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ. وَذَكَرَ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ. وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْوِيهِ أَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَحَدِيثُ أُبَيٍّ قَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ أَيْضًا، وَقِيلَ ذِكْرُ الْقُنُوتِ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ الدُّعَاء فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ] (1079) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ مَا رَوَى «الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِي مَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِي مَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِي مَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ
فصل إذا أخذ الإمام في القنوت أمن من خلفه
مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلَا نَعْرِفُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقُنُوتِ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا. وَيَقُولُ مَا رَوَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُهُ فِي وِتْرِهِ» وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّهُ قَنَتَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ، وَنَسْتَهْدِيكَ، وَنَسْتَغْفِرُكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ، وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَنَشْكُرُكَ، وَلَا نَكْفُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، وَنَرْجُو رَحْمَتَكَ، وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ، اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ» . وَهَاتَانِ سُورَتَانِ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قَرَأْت فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ: " اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ. اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ ". وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَتَبَهُمَا أُبَيٌّ فِي مُصْحَفِهِ. يَعْنِي إلَى قَوْلِهِ: " بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ ". قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " نَحْفِدُ " نُبَادِرُ. وَأَصْلُ الْحَفْدِ: مُدَارَكَةُ الْخَطْوِ وَالْإِسْرَاعُ. " وَالْجِدُّ " بِكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ الْحَقُّ لَا اللَّعِبُ، " مُلْحِقٌ " بِكَسْرِ الْحَاءِ لَاحِقٌ. وَهَكَذَا يُرْوَى هَذَا الْحَرْفُ، يُقَالُ: لَحِقْتُ الْقَوْمَ وَأَلْحَقْتُهُمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَمَنْ فَتَحَ الْحَاءَ أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ يُلْحِقُهُ إيَّاهُ، وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ، غَيْرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ هِيَ الْأُولَى. وَقَالَ الْخَلَّالُ: سَأَلْت ثَعْلَبًا عَنْ مُلْحِقٍ وَمُلْحَقٍ؟ فَقَالَ: الْعَرَبُ تَقُولُهُمَا مَعًا. [فَصْلٌ إذَا أَخَذَ الْإِمَامُ فِي الْقُنُوتِ أَمَّنَ مَنْ خَلْفَهُ] (1080) فَصْلٌ: إذَا أَخَذَ الْإِمَامُ فِي الْقُنُوتِ، أَمَّنَ مَنْ خَلْفَهُ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَقَالَهُ إِسْحَاقُ. وَقَالَ الْقَاضِي: وَإِنْ دَعَوْا مَعَهُ فَلَا بَأْسَ. وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: إذَا لَمْ أَسْمَعْ قُنُوتَ الْإِمَامِ أَدْعُو؟ قَالَ: نَعَمْ. فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي حَالِ الْقُنُوتِ. قَالَ الْأَثْرَمُ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْقُنُوتِ إلَى صَدْرِهِ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الْقُنُوتِ إلَى صَدْرِهِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَأَنْكَرَهُ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا دَعَوْت اللَّهَ فَادْعُ بِبُطُونِ كَفَّيْكَ، وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّهُ فِعْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ. وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْقُنُوتِ فَهَلْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدِهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ:
فصل لا يسن القنوت في الصبح ولا غيرها من الصلوات سوى الوتر
إحْدَاهُمَا، لَا يَفْعَلُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ. وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ مَسْحُ وَجْهِهِ فِيهِ، كَسَائِرِ دُعَائِهَا. الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ؛ لِلْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ. وَرَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا دَعَا رَفَعَ يَدَيْهِ، وَمَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ» . وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهِ، فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ خَارِجًا عَنْ الصَّلَاةِ، وَفَارَقَ سَائِرَ الدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهِ. [فَصْلٌ لَا يُسَنُّ الْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَات سِوَى الْوِتْرِ] (1081) فَصْلٌ: وَلَا يُسَنُّ الْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ، وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ، سِوَى الْوِتْرِ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَالشَّافِعِيُّ: يُسَنُّ الْقُنُوتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّ أَنَسًا قَالَ: «مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ "، وَكَانَ عُمَرُ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ شَهْرًا، يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو مَسْعُودٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ ذَلِكَ. وَعَنْ «أَبِي مَالِكٍ قَالَ: قُلْت لِأَبِي: يَا أَبَتِ، إنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ هَاهُنَا بِالْكُوفَةِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ، أَكَانُوا يَقْنُتُونَ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: أَوَّلُ مَنْ قَنَتَ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ عَلِيٌّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مُحَارِبًا يَدْعُو عَلَى أَعْدَائِهِ. وَرَوَى سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ عُرْوَةَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَمَّا قَنَتَ عَلِيٌّ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، أَنْكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: إنَّمَا اسْتَنْصَرْنَا عَلَى عَدُوِّنَا هَذَا. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، إلَّا إذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ طُولَ الْقِيَامِ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى قُنُوتًا. وَقُنُوتُ عُمَرَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ فِي أَوْقَاتِ النَّوَازِلِ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْنُتُ، وَرَوَى ذَلِكَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قُنُوتَهُ كَانَ فِي وَقْتِ نَازِلَةٍ.
مسألة يفصل ركعة الوتر بما قبلها
(1082) فَصْلٌ: فَإِنْ نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْنُتَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ؟ فَقَالَ: إذَا نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ، قَنَتَ الْإِمَامُ وَأَمَّنَ مَنْ خَلْفَهُ. ثُمَّ قَالَ: مِثْلُ مَا نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذَا الْكَافِرِ. يَعْنِي بَابَكَ. قَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْت أَحْمَدَ يُسْأَلُ عَنْ الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ؟ فَقَالَ: لَوْ قَنَتَ أَيَّامًا مَعْلُومَةً، ثُمَّ يَتْرُكُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَنَتَ عَلَى الْخَرْمِيَّةِ أَوْ قَنَتَ عَلَى الدَّوَامِ. وَالْخُرَّمِيَّةُ: هُمْ أَصْحَابُ بَابَكَ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ؛ وَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ وَأَنَّ عَلِيًّا قَنَتَ، وَقَالَ: إنَّمَا اسْتَنْصَرْنَا عَلَى عَدُوِّنَا هَذَا وَلَا يَقْنُتُ آحَادُ النَّاسِ. وَيَقُولُ فِي قُنُوتِهِ نَحْوًا مِمَّا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْقُنُوتِ " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ، اللَّهُمَّ الْعَنْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ، الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ خَالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ وَزَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ وَأَنْزِلْ بِهِمْ بَأْسَكَ الَّذِي لَا يُرَدُّ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ، وَلَا يَقْنُتُ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ مِنْ الْفَرَائِضِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ: كُلُّ شَيْءٍ يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقُنُوتِ إنَّمَا هُوَ فِي الْفَجْرِ. وَلَا يَقْنُتُ فِي الصَّلَاةِ إلَّا فِي الْوِتْرِ وَالْغَدَاةِ إذَا كَانَ مُسْتَنْصِرًا يَدْعُو لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ، لِأَنَّهُمَا صَلَاتَا جَهْرٍ فِي طَرَفَيْ النَّهَارِ. وَقِيلَ: يَقْنُتُ، فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ كُلِّهَا، قِيَاسًا عَلَى الْفَجْرِ وَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، الْقُنُوتُ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ [مَسْأَلَةَ يَفْصِلَ رَكْعَةَ الْوِتْرِ بِمَا قَبْلَهَا] (1083) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (مَفْصُولَةً مِمَّا قَبْلَهَا) الَّذِي يَخْتَارُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يَفْصِلَ رَكْعَةَ الْوِتْرِ بِمَا قَبْلَهَا. وَقَالَ: إنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ لَمْ يُسَلِّمْ فِيهِنَّ، لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِ عِنْدِي. وَقَالَ يُعْجِبُنِي أَنْ يُسَلِّمَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَمِمَّنْ كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مُعَاذٍ الْقَارِئِ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:
لَا يَفْصِلُ بِسَلَامٍ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إنْ فَصَلَ فَحَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يَفْصِلْ فَحَسَنٌ. وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يَفْصِلْ قَوْلُ عَائِشَةَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ، وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ» وَقَوْلُهَا «كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا» فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الثَّلَاثَ بِتَسْلِيمٍ وَاحِدٍ، وَرَوَتْ أَيْضًا، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلَنَا، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى الْفَجْرِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خِفْت الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ مَا مَثْنَى مَثْنَى؟ قَالَ يُسَلِّمُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ، ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْوِتْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - افْصِلْ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ وَهَذَا نَصٌّ. فَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا بِتَسْلِيمٍ وَاحِدٍ وَقَدْ قَالَتْ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. وَأَمَّا إذَا أَوْتَرَ بِخَمْسٍ فَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا صَلَّى خَلْفَ إمَامٍ يُصَلِّي الثَّلَاثَ بِتَسْلِيمٍ وَاحِدٍ تَابَعَهُ لِئَلَّا يُخَالِفَ إمَامَهُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد فِي مَنْ يُوتِرُ فَيُسَلِّمُ مِنْ الثِّنْتَيْنِ، فَيَكْرَهُونَهُ. يَعْنِي أَهْلَ الْمَسْجِدِ قَالَ: فَلَوْ صَارَ إلَى مَا يُرِيدُونَ يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ سَهْلٌ، لَا تَضُرُّ مُوَافَقَتُهُ إيَّاهُمْ فِيهِ (1084) فَصْلٌ: يَجُوزُ أَنْ يُوتِرَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَبِتِسْعٍ وَبِسَبْعٍ وَبِخَمْسٍ وَبِثَلَاثٍ وَبِوَاحِدَةٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ فَإِنْ أَوْتَرَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ سَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ، سَلَّمَ مِنْ الثِّنْتَيْنِ وَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ وَإِنْ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ، لَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ وَإِنْ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، جَلَسَ عَقِيبَ السَّادِسَةِ، فَتَشَهَّدَ وَلَمْ يُسَلِّمْ ثُمَّ يَجْلِسُ بَعْدَ السَّابِعَةِ، فَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَإِنْ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ لَمْ يَجْلِسْ إلَّا عَقِيبَ الثَّامِنَةِ فَيَتَشَهَّدُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَأْتِي بِالتَّاسِعَةِ، وَيُسَلِّمُ. وَنَحْوَ هَذَا قَالَ إِسْحَاقُ وَقَالَ الْقَاضِي: فِي السَّبْعِ لَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ أَيْضًا، كَالْخَمْسِ. فَأَمَّا الْإِحْدَى عَشْرَةَ وَالثَّلَاثُ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا وَأَمَّا الْخَمْسُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسٍ، لَا يَنْصَرِفُ إلَّا فِي آخِرِهَا وَرَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ
فصل الوتر غير واجب
بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، إلَّا فِي آخِرِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ثُمَّ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُنَّ» . وَفِي لَفْظٍ: «فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى سَبْعًا أَوْ خَمْسًا، أَوْتَرَ بِهِنَّ، لَمْ يُسَلِّمْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ: أَدْرَكْت النَّاسَ قَبْلَ الْحَرَّةِ يَقُومُونَ بِإِحْدَى وَأَرْبَعِينَ رَكْعَةً وَيُوتِرُونَ بِخَمْسٍ، يُسَلِّمُونَ بَيْنَ كُلِّ اثْنَتَيْنِ، وَيُوتِرُونَ بِوَاحِدَةٍ، وَيُصَلُّونَ الْخَمْسَ جَمِيعًا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَأَمَّا التِّسْعُ وَالسَّبْعُ فَرَوَى زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: «قُلْت يَعْنِي لِعَائِشَةَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي سَبْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فِيهَا إلَّا فِي الثَّامِنَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ، فَلَمَّا أَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صُنْعِهِ فِي الْأَوَّلِ. قَالَ: فَانْطَلَقْت إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْته بِحَدِيثِهَا فَقَالَ: صَدَقَتْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا هُوَ الْحَدِيثُ. وَفِيهِ: أَوْتَرَ بِسَبْعٍ لَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ، وَلَمْ يُسَلِّمْ إلَّا فِي السَّابِعَةِ وَفِيهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى وَيُسَلِّمُ بِتَسْلِيمَةٍ شَدِيدَةٍ يَكَادُ يُوقِظُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْ شِدَّةِ تَسْلِيمِهِ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ السَّبْعَ يَجْلِسُ فِيهَا عَقِيبَ السَّادِسَةِ وَلَعَلَّ الْقَاضِيَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَلَّى سَبْعًا، أَوْ خَمْسًا أَوْتَرَ بِهِنَّ، لَمْ يُسَلِّمْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ بِسَبْعٍ، أَوْ خَمْسٍ، لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ وَلَا كَلَامٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ فِيهِ شَكٌّ فِي السَّبْعِ وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا يَجْلِسُ عَقِيبَ السَّادِسَةِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ، وَهُوَ ثَابِتٌ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهُ [فَصْلٌ الْوِتْرُ غَيْرُ وَاجِبٍ] (1085) فَصْلٌ: الْوِتْرُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهُوَ وَاجِبٌ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا خِفْت الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» وَأَمَرَ بِهِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَرَوَى أَبُو أَيُّوبَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ،
فصل ترك الوتر عمدا
وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «الْوِتْرُ حَقٌّ؛ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ " مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ مِنْ (الْمُسْنَدِ) أَيْضًا وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ، قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ غَدَاةٍ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِصَلَاةٍ فَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، وَهِيَ الْوِتْرُ، فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد. وَعَنْ أَبِي بَصْرَةَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً، فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، الْوِتْرُ الْوِتْرُ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. وَلَنَا، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمُخْدَجِيَّ، سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُدْعَى أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ: إنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ. قَالَ: فَرُحْتُ إلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ عُبَادَةُ: كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا، اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ. وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِخَتْمٍ، وَلَا كَصَلَوَاتِكُمْ الْمَكْتُوبَةِ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْتَرَ. ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ أَوْتِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ " وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ لَا، إلَّا أَنْ تَتَطَوَّعَ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ. فَقَالَ: أَفْلَحَ الرَّجُلُ إنْ صَدَقَ» وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، كَالسُّنَنِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قَبْلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَأَحَادِيثُهُمْ قَدْ تُكُلِّمَ فِيهَا، ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِهَا تَأْكِيدُهُ وَفَضِيلَتُهُ، وَأَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَذَلِكَ حَقٌّ، وَزِيَادَةُ الصَّلَاةِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سُنَّةً، وَالتَّوَعُّدُ عَلَى تَرْكِهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَأْكِيدِهِ، كَقَوْلِهِ: «مَنْ أَكَلَ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» [فَصْل تَرَكَ الْوِتْرَ عَمْدًا] (1086) فَصْلٌ: وَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ عَمْدًا فَهُوَ رَجُلُ سَوْءٍ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ لَهُ شَهَادَةٌ.
فصل وقت الوتر
وَأَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي تَأْكِيدِهِ؛ لِمَا قَدْ وَرَدَ فِيهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي الْأَمْرِ بِهِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ كَلَامُهُ مَخْرَجَ كَلَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِلَّا فَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فَقَالَ: الْوِتْرُ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْفَرْضِ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا صَلَّى الْفَرِيضَةَ وَحْدَهَا، جَازَ لَهُ وَهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ؛ الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالْوِتْرُ، فَإِنْ شَاءَ قَضَى الْوِتْرَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْضِهِ، وَلَيْسَ هُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَكْتُوبَةِ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْوِتْرِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَقَالَ الْقَاضِي: رَكْعَتَا الْفَجْرِ آكَدُ مِنْ الْوِتْرِ؛ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِعَدَدٍ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، فَأَشْبَهَا الْمَكْتُوبَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْوِتْرُ آكَدُ. وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهِ، وَفِيهِ مِنْ الْأَخْبَارِ مَا لَمْ يَأْتِ مِثْلُهُ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، لَكِنْ رَكْعَتَا الْفَجْرِ تَلِيهِ فِي التَّأْكِيدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ وَقْتُ الْوِتْرُ] (1087) فَصْلٌ: وَوَقْتُهُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، فَلَوْ أَوْتَرَ قَبْلَ الْعِشَاءِ، لَمْ يَصِحَّ. وِتْرُهُ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: إنْ صَلَّاهُ قَبْلَ الْعِشَاءِ نَاسِيًا لَمْ يُعِدْهُ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ. فَقَالَا: يُعِيدُ. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْوِتْرُ جَعَلَهُ اللَّهُ لَكُمْ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ.» وَفِيهِ حَدِيثُ أَبِي بَصْرَةَ «إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً، فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ» . وَفِي " الْمُسْنَدِ " عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «زَادَنِي رَبِّي صَلَاةً، وَهِيَ الْوِتْرُ، وَوَقْتُهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» وَلِأَنَّهُ صَلَّاهُ قَبْلَ وَقْتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى نَهَارًا. وَإِنْ أَخَّرَ الْوِتْرَ حَتَّى يَطْلُعَ الصُّبْحُ، فَاتَ وَقْتُهُ وَصَلَّاهُ قَضَاءً. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: الْوِتْرُ مَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ. وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَحْوُهُ، لِحَدِيثِ أَبِي بَصْرَةَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ وَقْتَهُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ؛ لِحَدِيثِ مُعَاذٍ، وَالْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» . وَقَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا» وَقَالَ: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» وَقَالَ «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ أَوَّلِهِ» . أَخْرَجَهُنَّ مُسْلِمٌ. [فَصْلٌ الْأَفْضَلُ التَّهَجُّد فِي آخِرِ اللَّيْلِ] (1088) فَصْلٌ: وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ مِنْ أَوَّلِهِ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ، فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ» وَذَلِكَ أَفْضَلُ وَهَذَا صَرِيحٌ. وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ آخِرَ اللَّيْلِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ
فصل أوتر من الليل ثم قام للتهجد
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ» . وَمَنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ جَعَلَ الْوِتْرَ بَعْدَ تَهَجُّدِهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَقَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ. فَإِنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يُوتِرَ أَوَّلَهُ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْصَى أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا ذَرٍّ وَأَبَا الدَّرْدَاءِ بِالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ. وَقَالَ مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ أَوَّلِهِ» وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا صِحَاحٌ، رَوَاهَا مُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: مَتَى تُوتِرُ؟ قَالَ: أُوتِرُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ. وَقَالَ لِعُمَرَ: مَتَى تُوتِرُ؟ قَالَ: آخِرَ اللَّيْلِ. فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخَذَ هَذَا بِالْحَزْمِ وَأَخَذَ هَذَا بِالْقُوَّةِ» وَأَيَّ وَقْتٍ أَوْتَرَ مِنْ اللَّيْلِ، بَعْدَ الْعِشَاءِ أَجْزَأَهُ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَقَدْ دَلَّتْ الْأَخْبَارُ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ أُوتِرُ مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ قَامَ لِلتَّهَجُّدِ] (1089) فَصْلٌ: وَمَنْ أَوْتَرَ مِنْ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَامَ لِلتَّهَجُّدِ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ مَثْنَى مَثْنَى، وَلَا يَنْقُضَ وِتْرَهُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعَمَّارٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ. وَكَانَ عَلْقَمَةُ لَا يَرَى نَقْضَ الْوِتْرِ. وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ، وَأَبُو مِجْلَزٍ. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: وَلَا تَرَى نَقْضَ الْوِتْرِ؟ فَقَالَ لَا ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ ذَهَبَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَأَرْجُو، لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ جَمَاعَةٌ. وَمَرْوِيٌّ. عَنْ عَلِيٍّ، وَأُسَامَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ وَسَعْدٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ. وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ يُصَلِّي رَكْعَةً تَشْفَعُ الْوِتْرَ الْأَوَّلَ، ثُمَّ يُصَلِّي مَثْنَى مَثْنَى، ثُمَّ يُوتِرُ فِي آخِرِ التَّهَجُّدِ. وَلَعَلَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» . وَلَنَا: مَا رَوَى قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ، قَالَ: «زَارَنَا طَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمْسَى عِنْدَنَا وَأَفْطَرَ، ثُمَّ قَامَ بِنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ انْحَدَرَ إلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ، حَتَّى إذَا بَقِيَ الْوِتْرُ قَدَّمَ رَجُلًا، فَقَالَ: أَوْتِرْ بِأَصْحَابِكَ، فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أَنَامُ عَلَى فِرَاشِي، فَإِنْ اسْتَيْقَظْتُ صَلَّيْتُ شَفْعًا حَتَّى الصَّبَاحِ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَفْعَلُهُ. [فَصْلٌ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ وَأَحَبَّ مُتَابَعَتَهُ فِي الْوِتْرِ وَأَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ آخِرَ اللَّيْلِ] (1090) فَصْلٌ: فَإِنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ، وَأَحَبَّ مُتَابَعَتَهُ فِي الْوِتْرِ، وَأَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ لَمْ يُسَلِّمْ مَعَهُ، وَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى يَشْفَعُ بِهَا صَلَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ: إنْ شَاءَ أَقَامَ
فصل يستحب أن يقرأ في ركعات الوتر الثلاث
عَلَى وِتْرٍ وَشَفَعَ إذَا قَامَ. وَإِنْ شَاءَ صَلَّى مَثْنَى، قَالَ: وَيَشْفَعُ مَعَ الْإِمَامِ بِرَكْعَةٍ أَحَبُّ إلَيَّ. وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَمَّنْ أَوْتَرَ، يُصَلِّي بَعْدَهَا مَثْنَى مَثْنَى؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ يَكُونُ الْوِتْرُ بَعْدَ ضِجْعَةٍ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي رَكَعَات الْوِتْرِ الثَّلَاثِ] (1091) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي رَكَعَاتِ الْوِتْرِ الثَّلَاثِ، فِي الْأُولَى بِ {سَبِّحْ} ، وَفِي الثَّانِيَةِ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] ، وَفِي الثَّالِثَةِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] . وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقْرَأُ فِي الثَّالِثَةِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْوِتْرِ. وَقَالَ فِي الشَّفْعِ: لَمْ يَبْلُغْنِي فِيهِ شَيْءٌ مَعْلُومٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ سُئِلَ، يَقْرَأُ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي الْوِتْرِ؟ قَالَ: وَلِمَ لَا يَقْرَأُ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى " بِسَبِّحْ "، وَفِي الثَّانِيَةِ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ "، وَفِي الثَّالِثَةِ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ "، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَلَنَا: مَا رَوَى أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ، قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ " بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي هَذَا لَا يَثْبُتُ؛ فَإِنَّهُ يَرْوِيهِ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ زِيَادَةَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ. [فَصْل الْوِتْرُ بِرَكْعَةٍ] (1092) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَتْ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ، كَانَ قَبْلَهَا صَلَاةٌ مُتَقَدِّمَةٌ» . قِيلَ لَهُ: أَوْتَرَ فِي السَّفَرِ بِوَاحِدَةٍ؟ قَالَ: يُصَلِّي قَبْلَهَا رَكْعَتَيْنِ. قِيلَ لَهُ: يَكُونُ بَيْنَ الرَّكْعَةِ وَبَيْنَ الْمَثْنَى سَاعَةٌ؟ قَالَ يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ وَمَعَهُ. ثُمَّ احْتَجَّ فَقَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ فَلْيُوتِرْ بِرَكْعَةٍ» . فَقِيلَ لَهُ: رَجُلٌ تَنَفَّلَ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ثُمَّ تَعَشَّى، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ يُعْجِبُكَ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُوتِرَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَسُئِلَ عَمَّنْ صَلَّى مِنْ اللَّيْلِ، ثُمَّ نَامَ وَلَمْ يُوتِرْ؟ قَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمَ، ثُمَّ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ. وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَصْبَحَ وَلَمْ يُوتِرْ؟ قَالَ: لَا يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ، إلَّا أَنْ يَخَافَ طُلُوعَ الشَّمْسِ. قِيلَ: يُوتِرُ بِثَلَاثٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ، إلَّا أَنْ يَخَافَ طُلُوعَ الشَّمْسِ. قِيلَ لَهُ: فَإِذَا لَحِقَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةَ الْوِتْرِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ الْإِمَامُ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ أَجْزَأَتْهُ الرَّكْعَةُ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ لَا يُسَلِّمُ فِي الثِّنْتَيْنِ تَبِعَهُ، وَيَقْضِي مِثْلَ مَا صَلَّى، فَإِذَا فَرَغَ قَامَ يَقْضِي وَلَا يَقْنُتُ. وَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: رَجُلٌ ابْتَدَأَ يُصَلِّي تَطَوُّعًا، ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَجَعَلَ تِلْكَ الرَّكْعَةَ وِتْرًا؟ فَقَالَ: لَا، كَيْفَ يَكُونُ هَذَا؟ قَدْ قَلَبَ نِيَّتَهُ. قِيلَ لَهُ: أَيَبْتَدِئُ الْوِتْرَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إذَا قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ كَبَّرَ، ثُمَّ أَخَذَ فِي الْقُنُوتِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ
فصل يستحب أن يقول بعد وتره سبحان الملك القدوس ثلاثا
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ كَبَّرَ، ثُمَّ قَنَتَ، ثُمَّ كَبَّرَ حِينَ يَرْكَعُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْبَرَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. [فَصْل يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ وِتْرِهِ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ثَلَاثًا] (1093) فَصْلٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ وِتْرِهِ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ. ثَلَاثًا، وَيَمُدَّ صَوْتَهُ بِهَا فِي الثَّالِثَةِ؛ لِمَا رَوَى أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَلَّمَ مِنْ الْوِتْرِ قَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ» . هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ بِ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] ، وَ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] ، وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ الْوِتْرِ قَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهَا فِي الثَّالِثَةِ» . أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ ". [مَسْأَلَةَ قِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ عِشْرُونَ رَكْعَةً] (1094) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَقِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ عِشْرُونَ رَكْعَةً) . (يَعْنِي) (صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ) وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَأَوَّلُ مَنْ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْغَبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فَيَقُولُ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْقَابِلَةِ، وَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ: قَدْ رَأَيْت الَّذِي صَنَعْتُمْ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْكُمْ إلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ قَالَ: وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: «صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَضَانَ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنْ الشَّهْرِ، حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ. فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتْ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتْ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ. فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ قَالَ: فَقَالَ: إنَّ الرَّجُلَ إذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ، فَلَمَّا كَانَتْ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: قُلْت: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السُّحُورُ. ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا النَّاسُ فِي رَمَضَانَ يُصَلُّونَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ. فَقَالَ: مَا هَؤُلَاءِ؟ فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ نَاسٌ لَيْسَ مَعَهُمْ قُرْآنٌ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يُصَلِّي بِهِمْ، وَهُمْ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَصَابُوا، وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ رَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَنُسِبَتْ التَّرَاوِيحُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَنَّهُ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَكَانَ يُصَلِّيهَا
فصل الجماعة في التراويح
بِهِمْ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدٍ الْقَارِي، قَالَ: خَرَجْت مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: إنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ أَمْثَلَ ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْت مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ. فَقَالَ: نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّتِي يَقُومُونَ. يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. (1095) فَصْلٌ: وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِيهَا عِشْرُونَ رَكْعَةً. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ. وَزَعَمَ أَنَّهُ الْأَمْرُ الْقَدِيمُ، وَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَإِنَّ صَالِحًا مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، قَالَ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ يَقُومُونَ بِإِحْدَى وَأَرْبَعِينَ رَكْعَةً، يُوتِرُونَ مِنْهَا بِخَمْسٍ. وَلَنَا، أَنَّ عُمَرَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَ يُصَلِّي لَهُمْ عِشْرِينَ رَكْعَةً، وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ أَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَكَانَ يُصَلِّي لَهُمْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَلَا يَقْنُتُ بِهِمْ إلَّا فِي النِّصْفِ الثَّانِي. فَإِذَا كَانَتْ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ تَخَلَّفَ أُبَيٌّ، فَصَلَّى فِي بَيْتِهِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: أَبَقَ أُبَيٌّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ. وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَنِ عُمَرَ فِي رَمَضَانَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً. وَعَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِهِمْ فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً. وَهَذَا كَالْإِجْمَاعِ، فَأَمَّا مَا رَوَاهُ صَالِحٌ، فَإِنَّ صَالِحًا ضَعِيفٌ، ثُمَّ لَا نَدْرِي مَنْ النَّاسُ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ ؟ فَلَعَلَّهُ قَدْ أَدْرَكَ جَمَاعَةً مِنْ النَّاسِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ، ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ فَعَلُوهُ لَكَانَ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ فِي عَصْرِهِ، أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّمَا فَعَلَ هَذَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا مُسَاوَاةَ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَطُوفُونَ سَبْعًا بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ، فَجَعَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَكَانَ كُلِّ سَبْعٍ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى وَأَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ. [فَصْلٌ الْجَمَاعَةُ فِي التَّرَاوِيحِ] (1096) فَصْلٌ: وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فِعْلُهَا فِي الْجَمَاعَةِ، قَالَ، فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى: الْجَمَاعَةُ فِي التَّرَاوِيحِ أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُقْتَدَى بِهِ، فَصَلَّاهَا فِي بَيْتِهِ، خِفْت أَنْ يَقْتَدِيَ النَّاسُ بِهِ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اقْتَدُوا بِالْخُلَفَاءِ» وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي الْجَمَاعَةِ. وَبِهَذَا قَالَ الْمُزَنِيّ،
فصل يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخف على الناس ولا يشق عليهم
وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ جَابِرٌ، وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ يُصَلُّونَهَا فِي جَمَاعَةٍ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: كُلُّ مَنْ اخْتَارَ التَّفَرُّدَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ لَا يَقْطَعَ مَعَهُ الْقِيَامَ فِي الْمَسَاجِدِ، فَأَمَّا التَّفَرُّدُ الَّذِي يَقْطَعُ مَعَهُ الْقِيَامَ فِي الْمَسَاجِدِ فَلَا. وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: قِيَامُ رَمَضَانَ لِمَنْ قَوِيَ فِي الْبَيْتِ أَحَبُّ إلَيْنَا؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: «احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُجَيْرَةً بِخَصَفَةٍ أَوْ حَصِيرٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا. فَتَتَبَّعَ إلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ قَالَ ثُمَّ: جَاءُوا لَيْلَةً فَحَضَرُوا، وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُمْ، فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ، وَحَصَبُوا الْبَابَ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُغْضَبًا، فَقَالَ: مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَجَمْعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ وَأَهْلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَوْلُهُ لَهُ: «إنَّ الْقَوْمَ إذَا صَلَّوْا مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، كُتِبَ لَهُمْ قِيَامُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ» . وَهَذَا خَاصٌّ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، فَيُقَدَّمُ عَلَى عُمُومِ مَا احْتَجُّوا بِهِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ لَهُمْ مُعَلَّلٌ بِخَشْيَةِ فَرْضِهِ عَلَيْهِمْ، وَلِهَذَا تَرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقِيَامَ بِهِمْ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ أَيْضًا، أَوْ خَشْيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهُ النَّاسُ فَرْضًا، وَقَدْ أُمِنَ هَذَا أَنْ يُفْعَلَ بَعْدَهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَعَلِيٌّ لَمْ يَقُمْ مَعَ الصَّحَابَةِ؟ قُلْنَا: قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَامَ بِهِمْ فِي رَمَضَانَ. وَعَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: مَرَّ عَلِيٌّ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَفِيهَا الْقَنَادِيلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. فَقَالَ نَوَّرَ اللَّهُ عَلَى عُمَرَ قَبْرَهُ، كَمَا نَوَّرَ عَلَيْنَا مَسَاجِدَنَا. رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ. [فَصْلٌ يَقْرَأُ بِالْقَوْمِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مَا يَخِفُّ عَلَى النَّاسِ وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ] (1097) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَقْرَأُ بِالْقَوْمِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مَا يَخِفُّ عَلَى النَّاسِ، وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وَلَا سِيَّمَا فِي اللَّيَالِي الْقِصَارِ، وَالْأَمْرُ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ النَّاسُ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُسْتَحَبُّ النُّقْصَانُ عَنْ خَتْمِهِ فِي الشَّهْرِ؛ لِيَسْمَعَ النَّاسُ جَمِيعَ الْقُرْآنِ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى خَتْمِهِ كَرَاهِيَةَ الْمَشَقَّةِ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ. وَالتَّقْدِيرُ بِحَالِ النَّاسِ أَوْلَى؛ فَإِنَّهُ لَوْ اتَّفَقَ جَمَاعَةٌ يَرْضَوْنَ بِالتَّطْوِيلِ وَيَخْتَارُونَهُ، كَانَ أَفْضَلَ. كَمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ، قَالَ: «قُمْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ. يَعْنِي السُّحُورَ.» وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يُطِيلُونَ الصَّلَاةَ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ:
فصل يصلى مع الإمام ويوتر معه
كَانُوا إذَا انْصَرَفُوا يَسْتَعْجِلُونَ خَدَمَهُمْ بِالطَّعَامِ، مَخَافَةَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِائَتَيْنِ. [فَصْلٌ يُصَلَّى مَعَ الْإِمَامِ وَيُوتِرُ مَعَهُ] (1098) فَصْلٌ: قَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ، وَيُوتِرَ مَعَهُ. قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الرَّجُلَ إذَا قَامَ مَعَ الْإِمَامِ، حَتَّى يَنْصَرِفَ، كُتِبَ لَهُ بَقِيَّةُ لَيْلَتِهِ» . قَالَ: وَكَانَ أَحْمَدُ يَقُومُ مَعَ النَّاسِ، وَيُوتِرُ مَعَهُمْ. قَالَ الْأَثْرَمُ: وَأَخْبَرَنِي الَّذِي كَانَ يَؤُمُّهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَهُمْ التَّرَاوِيحَ كُلَّهَا وَالْوِتْرَ. قَالَ: وَيَنْتَظِرُنِي بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى أَقُومَ ثُمَّ يَقُومَ، كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «إذَا قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ بَقِيَّةُ لَيْلَتِهِ» قَالَ أَبُو دَاوُد: وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ قَوْمٍ صَلَّوْا فِي رَمَضَانَ خَمْسَ تَرَاوِيحَ، لَمْ يَتَرَوَّحُوا بَيْنَهَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ. قَالَ: وَسُئِلَ عَمَّنْ أَدْرَكَ مِنْ تَرْوِيحِهِ رَكْعَتَيْنِ، يُصَلِّي إلَيْهَا رَكْعَتَيْنِ؟ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ. وَقَالَ هِيَ تَطَوُّعٌ. وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: تُؤَخِّرُ الْقِيَامَ يَعْنِي فِي التَّرَاوِيحِ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: لَا، سُنَّةُ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إلَيَّ. [فَصْل التَّطَوُّعَ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ] (1099) فَصْلٌ: وَكَرِهَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّطَوُّعَ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ، وَقَالَ: فِيهِ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ عُبَادَةُ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ. فَذُكِرَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِيهِ رُخْصَةٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ: هَذَا بَاطِلٌ، إنَّمَا فِيهِ عَنْ الْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ: يَتَطَوَّعُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ، وَلَا يَتَطَوَّعُ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّهُ أَبْصَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ؟ أَتُصَلِّي وَإِمَامُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ؟ لَيْسَ مِنَّا مَنْ رَغِبَ عَنَّا. وَقَالَ: مِنْ قِلَّةِ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يُرَى أَنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ فِي صَلَاةٍ. [فَصْلٌ الصَّلَاةَ بَعْدَ التَّرَاوِيح] (1100) فَصْلٌ: فَأَمَّا التَّعْقِيبُ، وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ نَافِلَةً أُخْرَى جَمَاعَةً، أَوْ يُصَلِّيَ التَّرَاوِيحَ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى. فَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: مَا يَرْجِعُونَ إلَّا لِخَيْرٍ يَرْجُونَهُ، أَوْ لِشَرٍّ يَحْذَرُونَهُ. وَكَانَ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا. وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْهُ الْكَرَاهَةَ، إلَّا أَنَّهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّلَاةُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، أَوْ إلَى آخِرِهِ، لَمْ تُكْرَهْ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا رَجَعُوا قَبْلَ النَّوْمِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ خَيْرٌ وَطَاعَةٌ، فَلَمْ يُكْرَهْ، كَمَا لَوْ أَخَّرَهُ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ. [فَصْلٌ فِي خَتْمِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةَ] (1101) فَصْلٌ: فِي خَتْمِ الْقُرْآنِ: قَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْت: أَخْتِمُ الْقُرْآنَ، أَجْعَلُهُ فِي الْوِتْرِ أَوْ فِي التَّرَاوِيحِ؟ قَالَ: اجْعَلْهُ فِي التَّرَاوِيحِ، حَتَّى يَكُونَ لَنَا دُعَاءً بَيْنَ اثْنَيْنِ. قُلْت كَيْفَ أَصْنَعُ.؟ قَالَ إذَا
فصل في قيام ليلة الشك
فَرَغْتَ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ فَارْفَعْ يَدَيْكَ قَبْلَ أَنْ تَرْكَعَ، وَادْعُ بِنَا وَنَحْنُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَطِلْ الْقِيَامَ. قُلْت: بِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: بِمَا شِئْت. قَالَ: فَفَعَلْت بِمَا أَمَرَنِي، وَهُوَ خَلْفِي يَدْعُو قَائِمًا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَقَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ فِي خَتْمِ الْقُرْآنِ: إذَا فَرَغْت مِنْ قِرَاءَةِ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس: 1] فَارْفَعْ يَدَيْكَ فِي الدُّعَاءِ قَبْلَ الرُّكُوعِ. قُلْت: إلَى أَيِّ شَيْءٍ تَذْهَبُ فِي هَذَا؟ قَالَ: رَأَيْت أَهْلَ مَكَّةَ يَفْعَلُونَهُ، وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَفْعَلُهُ مَعَهُمْ بِمَكَّةَ. قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ: وَكَذَلِكَ أَدْرَكْنَا النَّاسَ بِالْبَصْرَةِ وَبِمَكَّةَ. وَيَرْوِي أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي هَذَا شَيْئًا، وَذُكِرَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. [فَصْلٌ فِي قِيَامِ لَيْلَةِ الشَّكِّ] (1102) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قِيَامِ لَيْلَةِ الشَّكِّ؛ فَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ: جَرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي وَقْتِ شَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَصَلَّى، وَصَلَّاهَا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى أَيْضًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ» فَجَعَلَ الْقِيَامَ مَعَ الصِّيَامِ. وَذَهَبَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ إلَى تَرْكِ الْقِيَامِ، وَقَالَ: الْمُعَوَّلُ فِي الصِّيَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ قِيَامُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وَاخْتَارَهُ التَّمِيمِيُّونَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ شَعْبَانَ، وَإِنَّمَا صِرْنَا إلَى الصَّوْمِ احْتِيَاطًا لِلْوَاجِبِ، وَالصَّلَاةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَتَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ. [فَصْلٌ إذَا قَرَأَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ هَلْ يَقْرَأُ مِنْ الْبَقَرَةِ شَيْئًا] (1103) فَصْلٌ: قَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ إذَا قَرَأَ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس: 1] يَقْرَأُ مِنْ الْبَقَرَةِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا فَلَمْ يَسْتَحِبَّ أَنْ يَصِلَ خَتْمَتَهُ بِقِرَاءَةِ شَيْءٍ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عِنْدَهُ أَثَرٌ صَحِيحٌ يَصِيرُ إلَيْهِ. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَذَكَرْت لِأَحْمَدَ قَوْلَ ابْنِ الْمُبَارَكِ: إذَا كَانَ الشِّتَاءُ فَاخْتِمْ الْقُرْآنَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ فَاخْتِمْهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ. فَكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ. وَذَلِكَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، قَالَ: أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْخَيْرِ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَسْتَحِبُّونَ الْخَتْمَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَفِي أَوَّلِ النَّهَارِ، يَقُولُونَ: إذَا خَتَمَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَإِذَا خَتَمَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ خَتْمَةَ النَّهَارِ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُمَا، وَخَتْمَةَ اللَّيْلِ فِي رَكْعَتَيْ الْمَغْرِبِ أَوْ بَعْدَهُمَا، يَسْتَقْبِلُ بِخَتْمِهِ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَوَّلَ النَّهَارِ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعَ أَهْلَهُ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ وَغَيْرَهُمْ لِحُضُورِ الدُّعَاءِ] (1104) فَصْلٌ:: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعَ أَهْلَهُ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ وَغَيْرَهُمْ؛ لِحُضُورِ الدُّعَاءِ. قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ أَنَسٌ إذَا خَتَمَ الْقُرْآنَ جَمَعَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ مَرْفُوعًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ
فصل الإمام في شهر رمضان يدع الآيات من السورة ترى لمن خلفه أن يقرأها
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَاسْتَحْسَنَ أَبُو بَكْرٍ التَّكْبِيرَ عِنْدَ آخِرِ كُلِّ سُورَةٍ مِنْ الضُّحَى إلَى آخِرِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ» ، رَوَاهُ الْقَاضِي، فِي " الْجَامِعِ " بِإِسْنَادِهِ. [فَصْلٌ الْإِمَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ يَدَعُ الْآيَاتِ مِنْ السُّورَةِ تَرَى لِمَنْ خَلْفَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا] (1105) فَصْلٌ: وَسُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ الْإِمَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، يَدَعُ الْآيَاتِ مِنْ السُّورَةِ، تَرَى لِمَنْ خَلْفَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ، قَدْ كَانَ بِمَكَّةَ يُوكِلُونَ رَجُلًا يَكْتُبُ مَا تَرَكَ الْإِمَامُ مِنْ الْحُرُوفِ وَغَيْرِهَا، فَإِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْخَتْمَةِ أَعَادَهُ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِتَتِمَّ الْخَتْمَةُ، وَيَكْمُلَ الثَّوَابُ. [فَصْلٌ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الطَّرِيقِ وَالْإِنْسَانُ مُضْطَجِعٌ] (1106) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الطَّرِيقِ، وَالْإِنْسَانُ مُضْطَجِعٌ، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إلَى الْجَامِعِ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ قَالَ: كُنْت أَقْرَأُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، فَإِذَا قَرَأْت السَّجْدَةَ قُلْت لَهُ: أَتَسْجُدُ فِي الطَّرِيقِ؟ قَالَ نَعَمْ. وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إنِّي لَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى سَرِيرِي. رَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ، فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ عَنْ عَائِشَةَ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ] (1107) فَصْلٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، لِيَكُونَ لَهُ خَتْمَةٌ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: كَانَ أَبِي يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي النَّهَارِ فِي كُلِّ سَبْعَةٍ يَقْرَأُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سُبُعًا، لَا يَتْرُكُهُ نَظَرًا. وَقَالَ حَنْبَلٌ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَخْتِمُ مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ. وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: اقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي سَبْعٍ، وَلَا تَزِيدَنَّ عَلَى ذَلِكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَعَنْ أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ، قَالَ: «قُلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَقَدْ أَبْطَأْتَ عَنَّا اللَّيْلَةَ. قَالَ إنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنْ الْقُرْآنِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَخْرُجَ حَتَّى أُتِمَّهُ» قَالَ أَوْسٌ سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ؛ قَالُوا: ثَلَاثٌ وَخَمْسٌ، وَسَبْعٌ، وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَيُكْرَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ خَتْمَةَ الْقُرْآنِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: فِي كَمْ يُخْتَمُ الْقُرْآنُ؟ قَالَ: فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ قَالَ: فِي شَهْرٍ. ثُمَّ قَالَ: فِي عِشْرِينَ ثُمَّ قَالَ: فِي خَمْسَ عَشْرَةَ. ثُمَّ قَالَ: فِي عَشْرٍ. ثُمَّ قَالَ: فِي سَبْعٍ» . لَمْ يَنْزِلْ مِنْ سَبْعٍ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ مَا سَمِعْتُ أَنْ يُخْتَمَ الْقُرْآنُ فِي أَرْبَعِينَ. وَلِأَنَّ تَأْخِيرَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى نِسْيَانِ الْقُرْآنِ وَالتَّهَاوُنِ بِهِ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَا أَوْلَى، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، فَأَمَّا مَعَ الْعُذْرِ فَوَاسِعٌ لَهُ.
فصل القراءة بالألحان
(1108) فَصْلٌ: وَإِنْ قَرَأَهُ فِي ثَلَاثٍ فَحَسَنٌ؛ لِمَا رُوِيَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قُلْت لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ بِي قُوَّةً قَالَ: اقْرَأْهُ فِي ثَلَاثٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَإِنْ قَرَأَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ. وَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وَهُوَ عَلَى حَسَبِ مَا يَجِدُ مِنْ النَّشَاطِ وَالْقُوَّةِ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يَخْتِمُهُ فِي لَيْلَةٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ. وَالتَّرْتِيلُ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْكَثِيرِ مَعَ الْعَجَلَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} [المزمل: 4] . وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا قَالَتْ: وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ» ، وَعَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» . رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، فِي " فَضَائِلِ الْقُرْآنِ " وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، فَهَذُّهُ كَهَذِّ الشِّعْرِ، وَنَثْرٌ كَنَثْرِ الدَّقَلِ. [فَصْلٌ الْقِرَاءَةَ بِالْأَلْحَانِ] (1109) فَصْلٌ: كَرِهَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقِرَاءَةَ بِالْأَلْحَانِ، وَقَالَ: هِيَ بِدْعَةٌ؛ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ ذَكَرَ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُتَّخَذَ الْقُرْآنُ مَزَامِيرَ، يُقَدِّمُونَ أَحَدَهُمْ لَيْسَ بِأَقْرَئِهِمْ وَلَا أَفْضَلِهِمْ إلَّا لِيُغَنِّيَهُمْ غِنَاءً» وَلِأَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ فِي لَفْظِهِ وَنَظْمِهِ، وَالْأَلْحَانُ تُغَيِّرُهُ. وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْإِفْرَاطِ فِي ذَلِكَ، بِحَيْثُ يَجْعَلُ الْحَرَكَاتِ حُرُوفًا، وَيَمُدُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَأَمَّا تَحْسِينُ الْقِرَاءَةِ وَالتَّرْجِيعُ فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ؛ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُغَفَّلِ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ. قَالَ: فَقَرَأَ ابْنُ الْمُغَفَّلِ، فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ. وَفِي لَفْظٍ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ فِي مَسِيرٍ لَهُ سُورَةَ الْفَتْحِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ» قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَيَّ النَّاسُ لَحَكَيْتُ لَكُمْ قِرَاءَتَهُ. . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ فَقَالَ: " أأ أ ". وَرَوَى أَبُو
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» ، يَجْهَرُ بِهِ. يَعْنِي لِيُسْتَمَعَ. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: " يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ " فَقَالَ: ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَجَمَاعَةٌ، وَغَيْرُهُمَا: مَعْنَاهُ يَسْتَغْنِي بِالْقُرْآنِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُغَنِّ بِالْقُرْآنِ لَيْسَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: مَعْنَاهُ يُحْسِنُ قِرَاءَتَهُ، وَيَتَرَنَّمُ بِهِ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهِ. كَمَا قَالَ أَبُو مُوسَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْمَعُ قِرَاءَتِي لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: حُزْنُهُ فَيَقْرَؤُهُ بِحُزْنٍ مِثْلُ صَوْتِ أَبِي مُوسَى. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ تَحْسِينَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ، وَتَطْرِيبَهُ، مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، مَا لَمْ يَخْرُجْ ذَلِكَ إلَى تَغْيِيرِ لَفْظِهِ، وَزِيَادَةِ حُرُوفِهِ، فَقَدْ رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ أَسْمَعْ قِرَاءَةً أَحْسَنَ مِنْ قِرَاءَتِهِ. فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَمَعَ قِرَاءَتَهُ، ثُمَّ قَالَ هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَ هَذَا» . «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي مُوسَى: إنِّي مَرَرْتُ بِكَ الْبَارِحَةَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ، فَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد فَقَالَ أَبُو مُوسَى: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَسْتَمِعُ لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا» . مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
باب الإمامة وصلاة الجماعة
[بَابُ الْإِمَامَةِ وَصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ] ِ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَلَمْ يُوجِبْهَا مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنْكِرْ عَلَى اللَّذَيْنِ قَالَا: صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَأَنْكَرَ عَلَيْهِمَا، وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي الصَّلَاةِ لَكَانَتْ شَرْطًا لَهَا كَالْجُمُعَةِ. وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ} [النساء: 102] . الْآيَةَ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لَرَخَّصَ فِيهَا حَالَةَ الْخَوْفِ، وَلَمْ يُجِزْ الْإِخْلَالَ بِوَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِهَا، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبِ لِيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا؛ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْجَمَاعَةَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْجُمُعَةَ لَمَا هَمَّ بِالتَّخَلُّفِ عَنْهَا. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَهُ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَجِبْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَإِذَا لَمْ يُرَخَّصْ لِلْأَعْمَى الَّذِي لَمْ يَجِدْ قَائِدًا لَهُ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:: «مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِيَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ: خَوْفٌ، أَوْ مَرَضٌ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ، أَوْ بَلَدٍ، لَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ الذِّئْبَ يَأْكُلُ الْقَاصِيَةَ»
فصل تنعقد الجماعة باثنين فصاعدا
} . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَحَدِيثُهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ، وَلَا نِزَاعَ بَيْنَنَا فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْوُجُوبِ الِاشْتِرَاطُ، كَوَاجِبَاتِ الْحَجِّ، وَالْإِحْدَادِ فِي الْعِدَّةِ. (1110) فَصْلٌ: وَلَيْسَتْ الْجَمَاعَةُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا فِي اشْتِرَاطِهَا، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ بِدَلِيلِ الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ احْتَجُّوا بِهِمَا وَالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّنَا لَا نَعْلَمُ قَائِلًا بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَى مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو مُوسَى، أَنَّهُمْ قَالُوا: مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ وَتَخَلَّفَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ. [فَصْلٌ تَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ بِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا] (1111) فَصْلٌ: وَتَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ بِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَصَاحِبِهِ: إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» . وَأَمَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُذَيْفَةَ مَرَّةً، وَابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّةً، وَابْنَ عَبَّاسٍ مَرَّةً. وَلَوْ أَمَّ الرَّجُلُ عَبْدَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ أَدْرَكَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ أَمَّ صَبِيًّا جَازَ فِي التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ صَبِيٌّ. وَإِنْ أَمَّهُ فِي الْفَرْضِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا؛ لِنَقْصِ حَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إمَامًا؛ لِأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَأْمُومًا بِالْمُفْتَرِضِ، كَالْبَالِغِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرَّجُلِ الَّذِي فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ: «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا، فَيُصَلِّيَ مَعَهُ» . [فَصْلٌ فِعْلُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْبَيْتِ وَالصَّحْرَاءِ] (1112) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ فِعْلُهَا فِي الْبَيْتِ وَالصَّحْرَاءِ، وَقِيلَ: فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ حُضُورَ الْمَسْجِدِ وَاجِبٌ إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» . وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ
فصل فعل الصلاة فيما كثر فيه الجمع من المساجد
طَيِّبَةً وَطَهُورًا وَمَسْجِدًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِهِ، وَهُوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَجُلَيْنِ: «إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَدْرَكْتُمَا الْجَمَاعَةَ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، تَكُنْ لَكُمَا نَافِلَةً» . وَقَوْلُهُ: " لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ " لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ نَفْسِهِ، كَذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ "، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْجَمَاعَةَ؛ وَعَبَّرَ بِالْمَسْجِدِ عَنْ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ مَحَلُّهَا، وَمَعْنَاهُ لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا مَعَ الْجَمَاعَةِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْكَمَالَ وَالْفَضِيلَةَ، فَإِنَّ الْأَخْبَارَ الصَّحِيحَةَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ صَحِيحَةٌ جَائِزَةٌ [فَصْلٌ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِيمَا كَثُرَ فِيهِ الْجَمْعُ مِنْ الْمَسَاجِدِ] (1113) فَصْلٌ: وَفِعْلُ الصَّلَاةِ فِيمَا كَثُرَ فِيهِ الْجَمْعُ مِنْ الْمَسَاجِدِ أَفْضَلُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ؛ وَمَا كَانَ أَكْثَرَ، فَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى» . رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ "، فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْجَمَاعَةِ فَفِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهِ أَكْثَرُ. وَإِنْ كَانَ فِي جِوَارِهِ أَوْ غَيْرِ جِوَارِهِ مَسْجِدٌ لَا تَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ فِيهِ إلَّا بِحُضُورِهِ فَفِعْلُهَا فِيهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَعْمُرُهُ بِإِقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ، وَيُحَصِّلُهَا لِمَنْ يُصَلِّي فِيهِ. وَإِنْ كَانَتْ تُقَامُ فِيهِ، وَكَانَ فِي قَصْدِهِ غَيْرَهُ كَسْرُ قَلْبِ إمَامِهِ أَوْ جَمَاعَتِهِ، فَجَبْرُ قُلُوبِهِمْ أَوْلَى. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهَلْ الْأَفْضَلُ قَصْدُ الْأَبْعَدِ أَوْ الْأَقْرَبِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا قَصْدُ الْأَبْعَدِ؛ لِتَكْثُرَ خُطَاهُ فِي طَلَبِ الثَّوَابِ فَتَكْثُرَ حَسَنَاتُهُ. وَالثَّانِيَةُ الْأَقْرَبُ لِأَنَّ لَهُ جِوَارًا، فَكَانَ أَحَقَّ بِصَلَاتِهِ كَمَا أَنَّ الْجَارَ أَحَقُّ بِهَدِيَّةِ جَارِهِ وَمَعْرُوفِهِ مِنْ الْبَعِيدِ. وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ ثَغْرًا، فَالْأَفْضَلُ اجْتِمَاعُ النَّاسِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ لِيَكُونَ أَعْلَى لِلْكَلِمَةِ، وَأَوْقَعَ لِلْهَيْبَةِ، وَإِذَا جَاءَهُمْ خَبَرٌ عَنْ عَدُوِّهِمْ سَمِعَهُ جَمِيعُهُمْ، وَإِنْ أَرَادُوا التَّشَاوُرَ فِي أَمْرٍ حَضَرَ جَمِيعُهُمْ، وَإِنْ جَاءَ عَيْنُ
فصل إعادة الجماعة في المسجد
الْكُفَّارِ رَآهُمْ فَأَخْبَرَ بِكَثْرَتِهِمْ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ إلَيَّ لَسَمَّرْت أَبْوَابَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي فِي الثُّغُورِ أَوْ نَحْوِ هَذَا لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ. [فَصْلٌ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ] (1114) فَصْلٌ: وَلَا يُكْرَهُ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا صَلَّى إمَامُ الْحَيِّ، وَحَضَرَ جَمَاعَةٌ أُخْرَى، اُسْتُحِبَّ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ سَالِمٌ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَأَيُّوبُ، وَابْنُ عَوْنٍ، وَاللَّيْثُ، وَالْبَتِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا تُعَادُ الْجَمَاعَةُ فِي مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ، فِي غَيْرِ مَمَرِّ النَّاسِ. فَمَنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ، صَلَّى مُنْفَرِدًا؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى اخْتِلَافِ الْقُلُوبِ وَالْعَدَاوَةِ وَالتَّهَاوُنِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ، وَلِأَنَّهُ مَسْجِدٌ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ، فَكُرِهَ فِيهِ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ، كَمَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً. وَفِي رِوَايَةٍ: بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» . وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ، وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَيُّكُمْ يَتَّجِرُ عَلَى هَذَا؟ فَقَامَ رَجُلٌ، فَصَلَّى مَعَهُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَأَبُو دَاوُد، فَقَالَ: " أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ ". وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ، وَزَادَ: قَالَ فَلَمَّا صَلَّيَا، قَالَ: " وَهَذَانِ جَمَاعَةٌ ". وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ، فَاسْتُحِبَّ لَهُ فِعْلُهَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ فِي مَمَرِّ النَّاسِ. (1115) فَصْلٌ: فَأَمَّا إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَرَاهَةُ إعَادَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا. وَذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، لِئَلَّا يَتَوَانَى النَّاسُ فِي حُضُورِ الْجَمَاعَةِ مَعَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ فِيهَا إذَا أَمْكَنَتْهُمْ الصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ مَعَ غَيْرِهِ. وَظَاهِرُ خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَعْنَى يَقْتَضِيهِ أَيْضًا، فَإِنَّ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ تَحْصُلُ فِيهَا، كَحُصُولِهَا فِي غَيْرِهَا. [مَسْأَلَةٌ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى] (1116) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَيَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) لَا خِلَافَ فِي التَّقْدِيمِ بِالْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ عَلَى غَيْرِهِمَا. وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّهِمَا يُقَدَّمُ عَلَى صَاحِبِهِ؟ فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، تَقْدِيمُ الْقَارِئِ. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ،
وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: يَؤُمُّهُمْ أَفْقَهُهُمْ إذَا كَانَ يَقْرَأُ مَا يَكْفِي فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنُوبُهُ فِي الصَّلَاةِ مَا لَا يَدْرِي مَا يَفْعَلُ فِيهِ إلَّا بِالْفِقْهِ، فَيَكُونُ أَوْلَى، كَالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى وَالْحُكْمِ. وَلَنَا مَا رَوَى أَوْسُ بْنُ ضَمْرَةَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا.» أَوْ قَالَ: " سِلْمًا ". وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا اجْتَمَعَ ثَلَاثَةٌ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ.» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ الْعُصْبَةَ، مَوْضِعٌ بِقُبَاءَ، كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد. وَكَانَ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ. وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» . وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ فَكَانَ الْقَادِرُ عَلَيْهَا أَوْلَى، كَالْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ مَعَ الْعَاجِزِ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَقْدِيمِ الْقَارِئِ لِأَنَّ أَصْحَابَهُ كَانَ أَقْرَؤُهُمْ أَفْقَهَهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ تَعَلَّمُوا مَعَهُ أَحْكَامَهُ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كُنَّا لَا نُجَاوِزُ عَشْرَ آيَاتٍ حَتَّى نَعْرِفَ أَمْرَهَا، وَنَهْيَهَا، وَأَحْكَامَهَا. قُلْنَا: اللَّفْظُ عَامُّ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِعُمُومِهِ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ، وَلَا يُخَصُّ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِهِ، عَلَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ مَا يُبْطِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ» . فَفَاضَلَ بَيْنَهُمْ فِي الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ مَعَ تَسَاوِيهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ، وَلَوْ قَدَّمَ الْقَارِئَ لِزِيَادَةِ عِلْمٍ لَمَا نَقَلَهُمْ عِنْدَ التَّسَاوِي فِيهِ إلَى الْأَعْلَمِ بِالسُّنَّةِ، وَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِالْفِقْهِ عَلَى قَدْرِ الْقِرَاءَةِ لَلَزِمَ مِنْ التَّسَاوِي فِي الْقِرَاءَةِ التَّسَاوِي فِيهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ، وَأَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ، وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ» . فَقَدْ فَضَّلَ بِالْفِقْهِ مَنْ هُوَ مَفْضُولٌ بِالْقِرَاءَةِ، وَفَضَّلَ بِالْقِرَاءَةِ مَنْ هُوَ مَفْضُولٌ بِالْقَضَاءِ وَالْفَرَائِضِ وَعِلْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ " أَهُوَ خِلَافُ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ؟ قَالَ: لَا، إنَّمَا قَوْلُهُ لِأَبِي بَكْرٍ - عِنْدِي - " يُصَلِّي بِالنَّاسِ " لِلْخِلَافَةِ، يَعْنِي أَنَّ الْخَلِيفَةَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَقْرَأَ مِنْهُ، فَأَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ بِالصَّلَاةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ اسْتِخْلَافَهُ.
(1117) فَصْلٌ: وَيُرَجَّحُ أَحَدُ الْقَارِئَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِكَثْرَةِ الْقُرْآنِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:: «لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا.» وَإِنْ تَسَاوَيَا فِي قَدْرِ مَا يَحْفَظُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَجْوَدَ قِرَاءَةً وَإِعْرَابًا فَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْرَأُ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» . وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ حِفْظًا، وَالْآخَرُ أَقَلَّ لَحْنًا وَأَجْوَدَ قِرَاءَةً، فَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْرًا فِي قِرَاءَتِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ قَرَأَهُ وَلَحَنَ فِيهِ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةٌ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (1118) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَفْقَهُهُمْ) وَذَلِكَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءٌ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ» وَلِأَنَّ الْفِقْهَ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ لِلْإِتْيَانِ بِوَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا، وَجَبْرِهَا إنْ عَرَضَ مَا يُحْوِجُ إلَيْهِ فِيهَا، فَإِنْ اجْتَمَعَ فَقِيهَانِ قَارِئَانِ، وَأَحَدُهُمَا أَقْرَأُ، وَالْآخَرُ أَفْقَهُ، قُدِّمَ الْأَقْرَأُ. نَصَّ عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْأَفْقَهُ أَوْلَى؛ لِتَمَيُّزِهِ بِمَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ. وَهَذَا يُخَالِفُ عُمُومَ الْخَبَرِ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وَإِنْ اجْتَمَعَ فَقِيهَانِ، أَحَدُهُمَا أَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ، وَالْآخَرُ أَعْرَفُ بِمَا سِوَاهَا، فَالْأَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ أَوْلَى، لِأَنَّ عِلْمَهُ يُؤَثِّرُ فِي تَكْمِيلِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْآخَرِ. (1119) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَسَنُّهُمْ) . يَعْنِي: أَكْبَرُهُمْ سِنًّا، يُقَدَّمُ عِنْدَ اسْتِوَائِهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ. وَظَاهِرُ قَوْلِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يُقَدَّمُ أَقْدَمُهُمَا هِجْرَةً، ثُمَّ أَسَنُّهُمَا؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ، وَهُوَ مُرَتَّبٌ هَكَذَا. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ تُوجَدُ أَكْثَرُ أَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ. وَمَعْنَى تُقَدَّمُ الْهِجْرَةُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَسْبَقَ هِجْرَةً مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ الْهِجْرَةَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ فَيُقَدَّمُ السَّابِقُ إلَيْهَا لِسَبْقِهِ إلَى الطَّاعَةِ. فَإِذَا اسْتَوَيَا فِيهَا، إمَّا لِهِجْرَتِهِمَا مَعًا، أَوْ عَدَمِهَا مِنْهُمَا، فَأَسَنُّهُمْ؛ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَالِكِ
بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَصَاحِبِهِ: لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ الْأَسَنَّ أَحَقُّ بِالتَّوْقِيرِ وَالتَّقْدِيمِ. وَكَذَلِكَ «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ، لَمَّا تَكَلَّمَ فِي أَخِيهِ: كَبِّرْ كَبِّرْ» . أَيْ دَعْ الْأَكْبَرَ يَتَكَلَّمُ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ أَحَقُّهُمْ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ أَشْرَفُهُمْ، ثُمَّ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، ثُمَّ أَسَنُّهُمْ. وَالصَّحِيحُ، الْأَخْذُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَقْدِيمِ السَّابِقِ بِالْهِجْرَةِ، ثُمَّ الْأَسَنِّ؛ لِتَصْرِيحِهِ بِالدَّلَالَةِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَسَنِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِمَا هِجْرَةٌ وَلَا تَفَاضُلُهُمَا فِي شَرَفٍ، وَيُرَجَّحُ بِتَقْدِيمِ الْإِسْلَامِ كَالتَّرْجِيحِ بِتَقْدِيمِ الْهِجْرَةِ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ: «فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَشْرَفُ مِنْ الْهِجْرَةِ، فَإِذَا قُدِّمَ بِتَقَدُّمِهَا فَتَقَدُّمُهُ أَوْلَى. فَإِذَا اسْتَوَوْا فِي هَذَا كُلِّهِ قُدِّمَ أَشْرَفُهُمْ، أَيْ أَعْلَاهُمْ نَسَبًا، وَأَفْضَلُهُمْ فِي نَفْسِهِ، وَأَعْلَاهُمْ قَدْرًا؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» . (1120) فَصْلٌ: فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي هَذِهِ الْخِصَالِ، قُدِّمَ أَتْقَاهُمْ وَأَوْرَعُهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ فِي الدِّينِ، وَأَفْضَلُ وَأَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ، وَقَدْ جَاءَ: " إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ لَمْ يَزَالُوا فِي سَفَالٍ ". ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " رِسَالَتِهِ "، وَيُحْمَلُ تَقْدِيمُ هَذَا عَلَى الْأَشْرَفِ، لِأَنَّ شَرَفَ الدِّينِ خَيْرٌ مِنْ شَرَفِ الدُّنْيَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] . فَإِذَا اسْتَوَوْا فِي هَذَا كُلِّهِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَذَلِكَ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فِي الْأَذَانِ، فَالْإِمَامَةُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
مسألة صلى خلف من يعلن ببدعة أو يسكر
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَقُومُ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَتَعَاهُدِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ رَضِيَ الْجِيرَانُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، قُدِّمَ بِذَلِكَ. وَلَا يُقَدَّمُ بِحُسْنِ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْإِمَامَةِ، وَلَا أَثَرَ لَهُ فِيهَا، وَهَذَا كُلُّهُ تَقْدِيمُ اسْتِحْبَابٍ، لَا تَقْدِيمُ اشْتِرَاطٍ، وَلَا إيجَابٍ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَلَوْ قُدِّمَ الْمَفْضُولُ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِهَذَا أَمْرُ أَدَبٍ وَاسْتِحْبَابٍ. [مَسْأَلَةٌ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُعْلِنُ بِبِدْعَةٍ أَوْ يَسْكَرُ] (1121) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُعْلِنُ بِبِدْعَةٍ، أَوْ يَسْكَرُ، أَعَادَ) . الْإِعْلَانُ الْإِظْهَارُ، وَهُوَ ضِدُّ الْإِسْرَارِ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ مَنْ ائْتَمَّ بِمَنْ يُظْهِرُ بِدْعَتَهُ، وَيَتَكَلَّمُ بِهَا، وَيَدْعُو إلَيْهَا، أَوْ يُنَاظِرُ عَلَيْهَا، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. وَمَنْ لَمْ يُظْهِرْ بِدْعَتَهُ، فَلَا إعَادَةَ عَلَى الْمُؤْتَمِّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَقِدًا لَهَا. قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الرَّافِضَةُ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِمَا تَعْرِفُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، آمُرُهُ أَنْ يُعِيدَ. قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: وَهَكَذَا أَهْلُ الْبِدَعِ كُلُّهُمْ؟ قَالَ: لَا، إنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَسْكُتُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ وَلَا يَتَكَلَّمُ. وَقَالَ: لَا تُصَلِّ خَلْفَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، إذَا كَانَ دَاعِيَةً إلَى هَوَاهُ. وَقَالَ: لَا تُصَلِّ خَلْفَ الْمُرْجِئِ إذَا كَانَ دَاعِيَةً. وَتَخْصِيصُهُ الدَّاعِيَةَ، وَمَنْ يَتَكَلَّمُ بِالْإِعَادَةِ، دُونَ مَنْ يَقِفُ وَلَا يَتَكَلَّمُ، يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: الْمُعْلِنُ بِالْبِدْعَةِ مَنْ يَعْتَقِدُهَا بِدَلِيلٍ، وَغَيْرُ الْمُعْلِنِ مَنْ يَعْتَقِدُهَا تَقْلِيدًا. وَلَنَا، أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِعْلَانِ هُوَ الْإِظْهَارُ، وَهُوَ ضِدُّ الْإِخْفَاءِ وَالْإِسْرَارِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [التغابن: 4] وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إبْرَاهِيمَ: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} [إبراهيم: 38] وَلِأَنَّ الْمُظْهِرَ لِبِدْعَتِهِ لَا عُذْرَ لِلْمُصَلِّي خَلْفَهُ - لِظُهُورِ حَالِهِ -، وَالْمُخْفِيَ لَهَا مَنْ يُصَلِّي خَلْفَهُ مَعْذُورٌ، وَهَذَا لَهُ أَثَرٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا لَمْ تَجِبْ الْإِعَادَةُ خَلْفَ الْمُحْدِثِ وَالنَّجِسِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُمَا؛ لِخَفَاءِ ذَلِكَ وَمِنْهُمَا وَوَجَبَتْ عَلَى الْمُصَلِّي خَلْفَ الْكَافِرِ وَالْأُمِّيِّ، لِظُهُورِ حَالِهِمَا غَالِبًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَ مُبْتَدِعٍ بِحَالٍ. قَالَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: لَا يُصَلِّي خَلْفَ مُرْجِئٍ وَلَا رَافِضِيٍّ، وَلَا فَاسِقٍ، إلَّا أَنْ يَخَافَهُمْ فَيُصَلِّيَ، ثُمَّ يُعِيدَ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد، قَالَ أَحْمَدُ: مَتَى مَا صَلَّيْت خَلْفَ مَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَأَعِدْ. قُلْت: وَتَعْرِفُهُ. قَالَ: نَعَمْ. وَعَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَ أَهْلِ الْبِدَعِ. فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ صَلَّى خَلْفَ مُبْتَدِعٍ مُعْلِنٍ بِبِدْعَتِهِ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. وَمَنْ لَمْ يُعْلِنْهَا فَفِي الْإِعَادَةِ خَلْفَهُ رِوَايَتَانِ. وَأَبَاحَ الْحَسَنُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَالشَّافِعِيُّ الصَّلَاةَ خَلْفَ أَهْلِ الْبِدَعِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَلِأَنَّهُ رَجُلٌ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ،
فَصَحَّ الِائْتِمَامُ بِهِ كَغَيْرِهِ. وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي مَعَ الْخَشَبِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ زَمَنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُمْ يَقْتَتِلُونَ. فَقِيلَ لَهُ: أَتُصَلِّي مَعَ هَؤُلَاءِ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ، وَبَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا؟ فَقَالَ: مَنْ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. أَجَبْتُهُ، وَمَنْ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. أَجَبْتُهُ، وَمَنْ قَالَ: حَيَّ عَلَى قَتْلِ أَخِيك الْمُسْلِمِ، وَأَخْذِ مَالِهِ. قُلْت: لَا. رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: مَنْ نُكَفِّرُهُ بِبِدْعَتِهِ كَاَلَّذِي يُكَذِّبُ اللَّهَ أَوْ رَسُولَهُ بِبِدْعَتِهِ، لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ، وَمَنْ لَا نُكَفِّرُهُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ. وَلَنَا: مَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مِنْبَرِهِ يَقُولُ: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ، أَوْ يَخَافَ سَوْطَهُ أَوْ سَيْفَهُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ، فَتَعَيَّنَ تَقْدِيمُهُ، وَحَدِيثُهُمْ نَقُولُ بِهِ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ، وَتُعَادُ، وَهُوَ مُطْلَقٌ، فَالْعَمَلُ بِهِ فِي مَوْضِعٍ يُحَصِّلُ الْوَفَاءَ بِدَلَالَتِهِمْ، وَقِيَاسِهِمْ مَنْقُوضٌ بِالْخُنْثَى وَالْأُمِّيِّ. وَيُرْوَى عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُمَرَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْت وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ، قُلْت: أُصَلِّي خَلْفَ الْقَدَرِيِّ؟ قَالَ: لَا تُصَلِّ خَلْفَهُ. ثُمَّ قَالَ: أَمَّا أَنَا لَوْ صَلَّيْت خَلْفَهُ لَأَعَدْت صَلَاتِي. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَأَمَّا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " أَوْ يَسْكَرُ ". فَإِنَّهُ يَعْنِي مَنْ يَشْرَبُ مَا يُسْكِرُهُ مِنْ أَيِّ شَرَابٍ كَانَ، فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ لِفِسْقِهِ. وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ، فِيمَا يُرَى مِنْ سَائِرِ الْفُسَّاقِ، لِنَصِّ أَحْمَدَ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو دَاوُد: سَأَلْت أَحْمَدَ وَقِيلَ لَهُ: إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَسْكَرُ؟ قَالَ: لَا تُصَلِّ خَلْفَهُ أَلْبَتَّةَ. وَسَأَلَهُ رَجُلٌ، قَالَ: صَلَّيْت خَلْفَ رَجُلٍ، ثُمَّ عَلِمْت أَنَّهُ يَسْكَرُ، أُعِيدُ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَعِدْ. قَالَ: أَيَّتُهُمَا صَلَاتِي؟ قَالَ: الَّتِي صَلَّيْتَ وَحْدَك. وَسَأَلَهُ رَجُلٌ. قَالَ: رَأَيْت رَجُلًا سَكْرَانَ، أُصَلِّي خَلْفَهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَأُصَلِّي وَحْدِي؟ قَالَ أَيْنَ أَنْتَ؟ فِي الْبَادِيَةِ؟ الْمَسَاجِدُ كَثِيرَةٌ. قَالَ: أَنَا فِي حَانُوتِي. قَالَ: تَخَطَّاهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ. فَأَمَّا مَنْ يَشْرَبُ مِنْ النَّبِيذِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مَا لَا يُسْكِرُهُ، مُعْتَقِدًا حِلَّهُ، فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. فَقَالَ: يُصَلَّى خَلْفَ مَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ عَلَى التَّأْوِيلِ، نَحْنُ نَرْوِي عَنْهُمْ الْحَدِيثَ، وَلَا نُصَلِّي خَلْفَ مَنْ يَسْكَرُ. وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ بِمَفْهُومِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، لِتَخْصِيصِهِ مَنْ سَكِرَ بِالْإِعَادَةِ خَلْفَهُ. وَفِي مَعْنَى شَارِبِ مَا يُسْكِرُ كُلُّ فَاسِقٍ، فَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. فَقَالَ: لَا تُصَلِّ خَلْفَ فَاجِرٍ وَلَا فَاسِقٍ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد سَمِعْت أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، سُئِلَ عَنْ إمَامٍ، قَالَ: أُصَلِّي بِكُمْ رَمَضَانَ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا. قَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ، مَنْ يُصَلِّي خَلْفَ هَذَا؟ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا تُصَلُّوا خَلْفَ مَنْ لَا يُؤَدِّي
الزَّكَاةَ، وَقَالَ لَا تُصَلِّ خَلْفَ مَنْ يُشَارِطُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ. وَهَذِهِ النُّصُوصُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَ فَاسِقٍ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الصَّلَاةَ جَائِزَةٌ، ذَكَرَهَا أَصْحَابُنَا. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ، وَالْحُسَيْنُ وَالْحَسَنُ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ مَرْوَانَ. وَاَلَّذِينَ كَانُوا فِي وِلَايَةِ زِيَادٍ وَابْنِهِ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَهُمَا. وَصَلَّوْا وَرَاءَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَصَلَّى الصُّبْحَ أَرْبَعًا، وَقَالَ: أَزِيدُكُمْ. فَصَارَ هَذَا إجْمَاعًا، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَيْفَ أَنْتَ إذَا كَانَتْ عَلَيْك أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ قَالَ: قُلْت. فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَك نَافِلَةٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظٍ: «فَإِنْ صَلَّيْتَ لِوَقْتِهَا كَانَتْ نَافِلَةً، وَإِلَّا كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ» . وَفِي لَفْظٍ: «فَإِنْ أَدْرَكْتَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ فَصَلِّ، وَلَا تَقُلْ: إنِّي قَدْ صَلَّيْت، فَلَا أُصَلِّي» . وَفِي لَفْظٍ: " فَإِنَّهَا زِيَادَةُ خَيْرٍ ". وَهَذَا فِعْلٌ يَقْتَضِي فِسْقَهُمْ، وَقَدْ أَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ مَعَهُمْ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» عَامٌّ، فَيَتَنَاوَلُ مَحَلَّ النِّزَاعِ، وَلِأَنَّهُ رَجُلٌ تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِنَفْسِهِ، فَصَحَّ الِائْتِمَامُ بِهِ كَالْعَدْلِ. وَوَجْهُ الْأُولَى قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يُؤَمَّنَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانِهِ أَوْ سَيْفِهِ» . وَلِأَنَّ الْإِمَامَةَ تَتَضَمَّنُ حَمْلَ الْقِرَاءَةِ، وَلَا يُؤْمَنُ تَرْكُهُ لَهَا، وَلَا يُؤْمَنُ تَرْكُ بَعْضِ شَرَائِطِهَا كَالطَّهَارَةِ، وَلَيْسَ ثَمَّ أَمَارَةٌ وَلَا غَلَبَةُ ظَنٍّ يُؤَمِّنَانِ ذَلِكَ. وَالْحَدِيثُ أَجَبْنَا عَنْهُ، وَفِعْلُ الصَّحَابَةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ خَافُوا الضَّرَرَ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ مَعَهُمْ، فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُمَا كَانَا فِي الْمَسْجِدِ، وَالْحَجَّاجُ يَخْطُبُ، فَصَلَّيَا بِالْإِيمَاءِ، وَإِنَّمَا فَعَلَا ذَلِكَ لِخَوْفِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا إنْ صَلَّيَا عَلَى وَجْهٍ يَعْلَمُ بِهِمَا. وَرَوَيْنَاهُ عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ. قَالَ: لَمَّا كَانَ مِنْ شَأْنِ فُلَانٍ مَا كَانَ، قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: تَنَحَّ عَنْ مُصَلَّانَا، فَإِنَّا لَا نُصَلِّي خَلْفَك. وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ: يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا نَافِلَةً، وَالنِّزَاعُ فِي الْفَرْضِ. (1122) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْجُمَعُ وَالْأَعْيَادُ فَإِنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ. وَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ يَشْهَدُهَا مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَكَذَلِكَ
الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ فِي عَصْرِهِ. وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ مُحَمَّدَ بْنَ النَّضْرِ، فَقَالَ لَهُ: إنَّ لِي جِيرَانًا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، لَا يَشْهَدُونَ الْجُمُعَةَ. قَالَ حَسْبُكَ، مَا تَقُولُ فِي مَنْ رَدَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ قَالَ: رَجُلُ سَوْءٍ. قَالَ: فَإِنْ رَدَّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: يُكَفَّرُ. قَالَ: فَإِنْ رَدَّ عَلَى الْعَلِيِّ الْأَعْلَى؟ ثَمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: رَدُّوا عَلَيْهِ وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَإِنَّهُ قَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ بَنِي الْعَبَّاسِ سَيَلُونَهَا. وَلِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ؛ وَتَلِيهَا الْأَئِمَّةُ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَتَرْكُهَا خَلْفَهُمْ يُفْضِي إلَى تَرْكِهَا بِالْكُلِّيَّةِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهَا تُعَادُ خَلْفَ مَنْ يُعَادُ خَلْفَهُ غَيْرُهَا. قَالَ أَحْمَدُ: أَمَّا الْجُمُعَةُ فَيَنْبَغِي شُهُودُهَا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يُصَلِّي مِنْهُمْ أَعَادَ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَعَادَهَا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. وَهَذَا يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى أَنَّهَا لَا تُعَادُ خَلْفَ فَاسِقٍ وَلَا مُبْتَدِعٍ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ أُمِرَ بِهَا، فَلَمْ تَجِبْ إعَادَتُهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. (1123) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْمُبَاشِرُ لَهَا عَدْلًا، وَالْمُوَلِّي لَهُ غَيْرَ مَرْضِيِّ الْحَالِ لِبِدْعَتِهِ أَوْ فِسْقِهِ، لَمْ يُعِدْهَا. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ لَهُ: إنَّهُمْ يَقُولُونَ إذَا كَانَ الَّذِي وَضَعَهُ يَقُولُ بِقَوْلِهِمْ فَسَدَتْ الصَّلَاةُ. قَالَ: لَسْت أَقُولُ بِهَذَا. وَلِأَنَّ صَلَاتَهُ إنَّمَا تَرْتَبِطُ بِصَلَاةِ إمَامِهِ، فَلَا يَضُرُّ وُجُودُ مَعْنًى فِي غَيْرِهِ، كَالْحَدَثِ أَوْ كَوْنِهِ أُمِّيًّا. وَعَنْهُ: تُعَادُ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. (1124) فَصْلٌ: وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فِسْقَ إمَامِهِ، وَلَا بِدْعَتَهُ، حَتَّى صَلَّى مَعَهُ، فَإِنَّهُ يُعِيدُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى، فَأَشْبَهَ الْمُحْدِثَ وَالنَّجِسَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُخْفِي بِدْعَتَهُ وَفُسُوقَهُ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُظْهِرُ ذَلِكَ، وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ خَلْفَهُ، عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِوُجُوبِ إعَادَتِهَا خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ؛ وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَمْنَعُ الِائْتِمَامَ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْعِلْمُ وَعَدَمُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ أُمِّيًّا، وَالْحَدَثُ وَالنَّجَاسَةُ يُشْتَرَطُ خَفَاؤُهُمَا عَلَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ مَعًا، وَلَا يَخْفَى عَلَى الْفَاسِقِ فِسْقُ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّ الْإِعَادَةَ إنَّمَا تَجِبُ خَلْفَ مَنْ يُعْلِنُ بِبِدْعَتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي مَظِنَّةِ الْخَفَاءِ، بِخِلَافِ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ. (1125) فَصْلٌ: وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ مَا يَمْنَعُ الِائْتِمَامَ بِهِ، فَصَلَاةُ الْمَأْمُومِ صَحِيحَةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ السَّلَامَةُ. وَلَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَشُكُّ فِي إسْلَامِهِ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُ لِلْإِمَامَةِ إلَّا مُسْلِمٌ.
فصل الصلاة خلف المخالفين في الفروع صحيحة غير مكروهة
[فَصْلٌ الصَّلَاةُ خَلْفَ الْمُخَالِفِينَ فِي الْفُرُوعِ صَحِيحَةٌ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ] (1126) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُخَالِفُونَ فِي الْفُرُوعِ كَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، فَالصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ صَحِيحَةٌ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَمْ يَزَلْ بَعْضُهُمْ يَأْتَمُّ بِبَعْضٍ، مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْفُرُوعِ، فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ الْمُخَالِفَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُصِيبًا فِي اجْتِهَادِهِ، فَلَهُ أَجْرَانِ أَجْرٌ لِاجْتِهَادِهِ وَأَجْرٌ لِإِصَابَتِهِ، أَوْ مُخْطِئًا فَلَهُ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ، وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي الْخَطَأِ، لِأَنَّهُ مَحْطُوطٌ عَنْهُ. فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَتْرُكُ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا يَعْتَقِدُهُ الْمَأْمُومُ دُونَ الْإِمَامِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ صِحَّةُ الِائْتِمَامِ بِهِ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى بِقَوْمٍ، وَعَلَيْهِ جُلُودُ الثَّعَالِبِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ يَلْبَسُهُ وَهُوَ يَتَأَوَّلُ: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» . يُصَلَّى خَلْفَهُ. قِيلَ لَهُ، أَفَتَرَاهُ أَنْتَ جَائِزًا؟ قَالَ: لَا، نَحْنُ لَا نَرَاهُ جَائِزًا وَلَكِنْ إذَا كَانَ هُوَ يَتَأَوَّلُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلَّى خَلْفَهُ. ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ مِنْ الدَّمِ لَمْ يُصَلَّ خَلْفَهُ؟ ثُمَّ قَالَ: نَحْنُ نَرَى الْوُضُوءَ مِنْ الدَّمِ، فَلَا نُصَلِّي خَلْفَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَمَالِكٍ وَمَنْ سَهَّلَ فِي الدَّمِ؟ أَيْ: بَلَى. وَرَأَيْت لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَسْأَلَةً مُفْرَدَةً فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ هَذَا، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ يُصَلِّي بَعْضُهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ مَعَ الِاخْتِلَافِ. وَلِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أَوْ كَالْمُصِيبِ فِي حَطِّ الْمَأْثَمِ عَنْهُ، وَحُصُولِ الثَّوَابِ، وَصِحَّةِ الصَّلَاةِ لِنَفْسِهِ، فَجَائِزٌ الِائْتِمَامُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ائْتِمَامُهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَرْتَكِبُ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمَأْمُومُ مُفْسِدًا لِلصَّلَاةِ، فَلَمْ يَصِحَّ ائْتِمَامُهُ بِهِ، كَمَا لَوْ خَالَفَهُ فِي الْقِبْلَةِ حَالَ الِاجْتِهَادِ فِيهَا. (1127) فَصْلٌ: وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، فَإِنْ كَانَ يَتْرُكُ مَا يَعْتَقِدُهُ شَرْطًا لِلصَّلَاةِ أَوْ وَاجِبًا فِيهَا، فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ، وَصَلَاةُ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ يُخَالِفُهُ فِي اعْتِقَادِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا فِي الصَّلَاةِ، فَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ، كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ يَفْعَلُ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، كَالْمُتَزَوِّجِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِمَّنْ يَرَى فَسَادَهُ، وَشَارِبِ يَسِيرِ النَّبِيذِ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، فَهَذَا إنْ دَامَ عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ فَاسِقٌ، حُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْفُسَّاقِ، فَإِنْ لَمْ يَدُمْ عَلَيْهِ، فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الصَّغَائِرِ. وَمَتَى كَانَ الْفَاعِلُ كَذَلِكَ عَامِّيًّا قَلَّدَ مَنْ يَعْتَقِدُ جَوَازَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْعَامِّيِّ سُؤَالُ الْعُلَمَاءِ وَتَقْلِيدُهُمْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] [فَصْلٌ الصَّلَاةُ خَلْفَ مَجْنُونٍ] (1128) فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ مَجْنُونٍ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ لِنَفْسِهِ بَاطِلَةٌ. وَإِنْ كَانَ يُجَنُّ تَارَةً، وَيُفِيقُ أُخْرَى،
فصل إذا أقيمت الصلاة والإنسان في المسجد والإمام ممن لا يصلح للإمامة
فَصَلَّى وَرَاءَهُ حَالَ إفَاقَتِهِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَيُكْرَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ قَدْ احْتَلَمَ حَالَ جُنُونِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ، وَلِئَلَّا يُعَرِّضَ الصَّلَاةَ لِلْإِبْطَالِ فِي أَثْنَائِهَا، لِوُجُودِ الْجُنُونِ فِيهَا، وَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ، لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ، فَلَا تَفْسُدُ بِالِاحْتِمَالِ. [فَصْلٌ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَالْإِنْسَانُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ] (1129) فَصْلٌ: وَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَالْإِنْسَانُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْإِمَامُ مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، فَإِنْ شَاءَ صَلَّى خَلْفَهُ، وَأَعَادَ وَإِنْ نَوَى الصَّلَاةَ وَحْدَهُ، وَوَافَقَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا عَلَى الْكَمَالِ، فَلَا تَفْسُدُ بِمُوَافَقَتِهِ غَيْرَهُ فِي الْأَفْعَالِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْمُوَافَقَةَ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُعِيدُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الرَّجُلُ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ، فَتُقَامُ الصَّلَاةُ، وَيَكُونُ الرَّجُلُ الَّذِي يُصَلِّي بِهِمْ لَا يَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَهُ، وَيُكْرَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: إنْ خَرَجَ كَانَ فِي ذَلِكَ شُنْعَةٌ، وَلَكِنْ يُصَلِّي مَعَهُ، وَيُعِيدُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ بِصَلَاتِهِ، وَيَكُونَ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ لِنَفْسِهِ وَيَرْكَعُ لِنَفْسِهِ، وَيَسْجُدُ لِنَفْسِهِ، وَلَا يُبَالِي أَنْ يَكُونَ سُجُودُهُ مَعَ سُجُودِهِ، وَتَكْبِيرُهُ مَعَ تَكْبِيرِهِ. قُلْت: فَإِنْ فَعَلَ هَذَا لِنَفْسِهِ أَيُعِيدُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: فَكَيْفَ يُعِيدُ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ الْأَوْلَى، وَحَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً» . قَالَ: إنَّمَا ذَاكَ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَنَوَى الْفَرْضَ، أَمَّا إذَا صَلَّى مَعَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ لَا يَعْتَدَّ بِهَا فَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ هَذَا. فَقَدْ نَصَّ عَلَى الْإِعَادَةِ، وَلَكِنَّ تَعْلِيلَهُ إفْسَادَهَا بِكَوْنِهِ نَوَى أَنْ لَا يَعْتَدَّ بِهَا، يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا وَإِجْزَائِهَا إذَا نَوَى الِاعْتِدَادَ بِهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الَّذِينَ لَا يَرْضَوْنَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ جَمَاعَةً، فَأَمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَوَافَقُوا الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، كَانَ جَائِزًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ إمَامَةُ الْعَبْدِ وَالْأَعْمَى جَائِزَةٌ] (1130) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِمَامَةُ الْعَبْدِ وَالْأَعْمَى جَائِزَةٌ) . هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ غُلَامًا لَهَا كَانَ يَؤُمُّهَا. وَصَلَّى ابْنُ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةُ، وَأَبُو ذَرٍّ وَرَاءَ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدَ، وَهُوَ عَبْدٌ. وَمِمَّنْ أَجَازَ ذَلِكَ: الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَكَرِهَ أَبُو مِجْلَزٍ إمَامَةَ الْعَبْدِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَؤُمُّهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَارِئًا وَهُمْ أُمِّيُّونَ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى» ، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: «إنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ، وَأَنْ أُصَلِّيَ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَ
فصل إمامة الأخرس
الْقَوْمَ وَقَدْ صَلَّوْا، كُنْتَ أَحْرَزْتَ صَلَاتَك، وَإِلَّا كَانَتْ لَك نَافِلَةً» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، فَعَلَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدَ، قَالَ: تَزَوَّجْت وَأَنَا عَبْدٌ، فَدَعَوْتُ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَابُونِي، فَكَانَ فِيهِمْ أَبُو ذَرٍّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةُ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَهُمْ فِي بَيْتِي، فَتَقَدَّمَ أَبُو ذَرٍّ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ، فَقَالُوا لَهُ. وَرَاءَك؟ فَالْتَفَتَ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: أَكَذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَدَّمُونِي، وَأَنَا عَبْدٌ، فَصَلَّيْت بِهِمْ. رَوَاهُ صَالِحٌ فِي " مَسَائِلِهِ " بِإِسْنَادِهِ، وَهَذِهِ قِصَّةٌ مِثْلُهَا يَنْتَشِرُ، وَلَمْ يُنْكَرْ وَلَا عُرِفَ مُخَالِفٌ لَهَا، فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ الرِّقَّ حَقٌّ ثَبَتَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ إمَامَتِهِ كَالدَّيْنِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْأَذَانِ لِلرِّجَالِ يَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى الْكَمَالِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ كَالْحُرِّ. وَأَمَّا الْأَعْمَى فَلَا نَعْلَمُ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ خِلَافًا، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَا حَاجَتُهُمْ إلَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ أَؤُمُّهُمْ وَهُمْ يَعْدِلُونَنِي إلَى الْقِبْلَةِ. وَالصَّحِيحُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّ وَهُوَ أَعْمَى، وَعِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ وَجَابِرٌ. وَقَالَ أَنَسٌ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمَى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. . وَعَنْ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: «غَزَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، كُلَّ ذَلِكَ يُقَدِّمُ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ» . رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ. وَلِأَنَّ الْعَمَى فَقْدُ حَاسَّةٍ لَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَلَا بِشُرُوطِهَا، فَأَشْبَهَ فَقْدَ الشَّمِّ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالْحُرُّ أَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ، لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْهُ وَأَشْرَفُ، وَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَ إمَامًا بِخِلَافِ الْعَبْدِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنْ الْأَعْمَى؛ لِأَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بِعِلْمِهِ، وَيَتَوَقَّى النَّجَاسَاتِ بِبَصَرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: هُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَى أَخْشَعُ، لِأَنَّهُ لَا يَشْتَغِلُ فِي الصَّلَاةِ بِالنَّظَرِ إلَى مَا يُلْهِيهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مُقَابَلَةِ فَضِيلَةِ الْبَصِيرِ عَلَيْهِ، فَيَتَسَاوَيَانِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْبَصِيرَ لَوْ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ كَانَ مَكْرُوهًا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فَضِيلَةً لَكَانَ مُسْتَحَبًّا، لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ بِتَغْمِيضِهِ مَا يُحَصِّلُهُ الْأَعْمَى، وَلِأَنَّ الْبَصِيرَ إذَا غَضَّ بَصَرَهُ مَعَ إمْكَانِ النَّظَرِ كَانَ لَهُ الْأَجْرُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يَتْرُكُ الْمَكْرُوهَ مَعَ إمْكَانِهِ اخْتِيَارًا، وَالْأَعْمَى يَتْرُكُهُ اضْطِرَارًا فَكَانَ أَدْنَى حَالًا، وَأَقَلَّ فَضِيلَةً. [فَصْلٌ إمَامَةُ الْأَخْرَسِ] (1131) فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْأَخْرَسِ بِمِثْلِهِ، وَلَا غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ يَتْرُكُ رُكْنًا، وَهُوَ الْقِرَاءَةُ، تَرْكًا مَأْيُوسًا مِنْ زَوَالِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ إمَامَتُهُ، كَالْعَاجِزِ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. [فَصْلٌ إمَامَةُ الْأَصَمِّ] (1132) فَصْلٌ: وَتَصِحُّ إمَامَةُ الْأَصَمِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، وَلَا شُرُوطِهَا، فَأَشْبَهَ الْأَعْمَى؛ فَإِنْ
فصل إمامة أقطع اليدين
كَانَ أَصَمَّ أَعْمَى صَحَّتْ إمَامَتُهُ لِذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَهَا لَا يُمْكِنُ تَنْبِيهُهُ بِتَسْبِيحٍ وَلَا إشَارَةٍ، وَالْأَوْلَى صِحَّتُهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ احْتِمَالُ عَارِضٍ لَا يُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ، كَالْمَجْنُونِ حَالَ إفَاقَتِهِ. [فَصْلٌ إمَامَةُ أَقْطَعِ الْيَدَيْنِ] (1133) فَصْلٌ: فَأَمَّا أَقْطَعُ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا. وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا: تَصِحُّ إمَامَتُهُ. اخْتَارَهَا الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ عَجْزٌ لَا يُخِلُّ بِرُكْنٍ فِي الصَّلَاةِ. فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ إمَامَتِهِ، كَأَقْطَعِ أَحَدِ الرِّجْلَيْنِ وَالْأَنْفِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالسُّجُودِ عَلَى بَعْضِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، أَشْبَهَ الْعَاجِزَ عَنْ السُّجُودِ عَلَى جَبْهَتِهِ. وَحُكْمُ أَقْطَعِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ كَالْحُكْمِ فِي قَطْعِهِمَا جَمِيعًا، وَأَمَّا أَقْطَعُ الرِّجْلَيْنِ فَلَا يَصِحُّ الِائْتِمَامُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْ قِيَامِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ إمَامَتُهُ كَالزَّمِنِ. وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعَ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ، وَيُمْكِنُهُ الْقِيَامُ، صَحَّتْ إمَامَتُهُ. وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنْ لَا تَصِحَّ إمَامَتُهُ؛ لِإِخْلَالِهِ بِالسُّجُودِ عَلَى عُضْوٍ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ يَسْجُدُ عَلَى الْبَاقِي مِنْ رِجْلِهِ أَوْ حَائِلِهَا. [مَسْأَلَةٌ أَمَّ أُمِّيٌّ أُمِّيًّا وَقَارِئًا] (1134) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ) (أَمَّ أُمِّيٌّ أُمِّيًّا وَقَارِئًا) (أَعَادَ الْقَارِئُ وَحْدَهُ) . الْأُمِّيُّ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ أَوْ بَعْضَهَا، أَوْ يُخِلُّ بِحَرْفٍ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ غَيْرَهَا، فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ يُحْسِنُهَا أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ، وَيَصِحُّ لِمِثْلِهِ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ، وَلِذَلِكَ خَصَّ الْخِرَقِيِّ الْقَارِئَ بِالْإِعَادَةِ فِيمَا إذَا أَمَّ أُمِّيًّا وَقَارِئًا. وَقَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الْقَارِئَ مَعَ جَمَاعَةٍ أُمِّيِّينَ حَتَّى إذَا فَسَدَتْ صَلَاةُ الْقَارِئِ بَقِيَ خَلْفَ الْإِمَامِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا. فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أُمِّيٌّ وَاحِدٌ، وَكَانَا خَلْفَ الْإِمَامِ أَعَادَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ صَارَ فَذًّا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِرَقِيِّ إنَّمَا قَصَدَ بَيَانَ مَنْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالِائْتِمَامِ بِالْأُمِّيِّ، وَهَذَا يَخُصُّ الْقَارِئَ دُونَ الْأُمِّيِّ، وَيَجُوزُ أَنْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْأُمِّيِّ؛ لِكَوْنِهِ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، أَوْ كَوْنِهِمَا جَمِيعًا عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ مَعَهُمْ أُمِّيٌّ آخَرُ، وَإِنْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِكَوْنِهِ فَذًّا، فَمَا فَسَدَتْ لِائْتِمَامِهِ بِمِثْلِهِ، إنَّمَا فَسَدَتْ لِمَعْنًى آخَرَ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ. وَقِيلَ عَنْهُ: يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ الْقَارِئُ بِالْأُمِّيِّ فِي صَلَاةِ الْإِسْرَارِ دُونَ صَلَاةِ الْجَهْرِ. وَقِيلَ عَنْهُ: يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ رُكْنٍ، فَجَازَ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ الِائْتِمَامُ بِهِ، كَالْقَاعِدِ بِالْقَائِمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَفْسُدُ صَلَاةُ الْإِمَامِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَحْرَمَ مَعَهُ الْقَارِئُ لَزِمَتْهُ الْقِرَاءَةُ عَنْهُ، لِكَوْنِ الْإِمَامِ يَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنْ الْمَأْمُومِ، فَعَجَزَ عَنْهَا، فَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ. وَلَنَا عَلَى الْأَوَّلِ، أَنَّهُ ائْتَمَّ بِعَاجِزٍ عَنْ رُكْنٍ سِوَى الْقِيَامِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمَأْمُومُ، فَلَمْ تَصِحَّ، كَالْمُؤْتَمِّ بِالْعَاجِزِ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنْ الْمَأْمُومِ، وَهَذَا عَاجِزٌ عَنْ التَّحَمُّلِ لِلْقِرَاءَةِ
الْوَاجِبَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ، فَلَمْ يَصِحَّ لَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِالْأَخْرَسِ وَالْعَاجِزِ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلتَّحَمُّلِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ. وَلَنَا عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، أَنَّهُ أَمَّ مَنْ لَا يَصِحُّ لَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ، فَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، كَمَا لَوْ أَمَّتْ امْرَأَةٌ رَجُلًا وَنِسَاءً. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يَلْزَمُ الْقِرَاءَةُ عَنْ الْقَارِئِ. لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ عَنْ نَفْسِهِ، فَعَنْ غَيْرِهِ أَوْلَى. وَإِنْ أَمَّ الْأُمِّيُّ قَارِئًا وَاحِدًا، لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ نَوَى الْإِمَامَةَ وَقَدْ صَارَ فَذًّا. (1135) فَصْلٌ: وَإِنْ صَلَّى الْقَارِئُ خَلْفَ مَنْ لَا يُعْلَمُ حَالُهُ فِي صَلَاةِ الْإِسْرَارِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُ إلَّا مَنْ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ، وَلَمْ يَتَخَرَّمْ الظَّاهِرُ، فَإِنَّهُ أَسَرَّ فِي مَوْضِعِ الْإِسْرَارِ، وَإِنْ كَانَ يُسِرُّ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْقَارِئِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ أَحْسَنَ الْقِرَاءَةَ لَجَهَرَ. وَالثَّانِي: تَصِحُّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَؤُمُّ النَّاسَ إلَّا مَنْ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ، وَإِسْرَارُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نِسْيَانًا، أَوْ لِجَهْلِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ أَكْثَرَ مِنْ الْفَاتِحَةِ، فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالِاحْتِمَالِ. فَإِنْ قَالَ: قَدْ قَرَأْتُ فِي الْإِسْرَارِ. صَحَّتْ الصَّلَاةُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُ. وَيُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ احْتِرَازًا مِنْ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا، وَلَوْ أَسَرَّ فِي صَلَاةِ الْإِسْرَارِ، ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْت قَرَأْت الْفَاتِحَةَ. لَزِمَهُ وَمَنْ وَرَاءَهُ الْإِعَادَةُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْهُ، أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: أَمَّا سَمِعْتُمُونِي قَرَأْتُ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَمَا قَرَأْتُ فِي نَفْسِي. فَأَعَادَ بِهِمْ الصَّلَاةَ. (1136) فَصْلٌ: وَمَنْ تَرَكَ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ؛ لِعَجْزِهِ عَنْهُ، أَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِهِ، كَالْأَلْثَغِ الَّذِي يَجْعَلُ الرَّاءَ غَيْنًا، وَالْأَرَتِّ الَّذِي يُدْغِمُ حَرْفًا فِي حَرْفٍ، أَوْ يَلْحَنُ لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى، كَاَلَّذِي يَكْسِرُ الْكَافَ مِنْ إيَّاكَ، أَوْ يَضُمُّ التَّاءَ مِنْ أَنْعَمْتَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إصْلَاحِهِ، فَهُوَ كَالْأُمِّيِّ، لَا يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ قَارِئٌ. وَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَؤُمَّ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُمَا أُمِّيَّانِ، فَجَازَ لِأَحَدِهِمَا الِائْتِمَامُ بِالْآخَرِ، كَاَللَّذَيْنِ لَا يُحْسِنَانِ شَيْئًا. وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى إصْلَاحِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلْ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَلَا صَلَاةُ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ. (1137) فَصْلٌ: إذَا كَانَ رَجُلَانِ لَا يُحْسِنُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْفَاتِحَةَ، وَأَحَدُهُمَا يُحْسِنُ سَبْعَ آيَاتٍ مِنْ غَيْرِهَا، وَالْآخَرُ لَا يُحْسِنُ
مسألة الصلاة خلف مشرك أو امرأة أو خنثى مشكل.
شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَهُمَا أُمِّيَّانِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِائْتِمَامُ بِالْآخَرِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَؤُمَّ الَّذِي يُحْسِنُ الْآيَاتِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَأُ، وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا، سَوَاءٌ اسْتَوَيَا فِي الْجَهْلِ أَوْ كَانَا مُتَفَاوِتَيْنِ فِيهِ. (1138) فَصْلٌ: تُكْرَهُ إمَامَةُ اللَّحَّان، الَّذِي لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ بِمَنْ لَا يَلْحَنُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ، فَإِنْ أَحَالَ الْمَعْنَى فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ، لَمْ يُمْنَعْ صِحَّةُ الصَّلَاةِ، وَلَا الِائْتِمَامِ بِهِ، إلَّا أَنْ يَتَعَمَّدَهُ، فَتَبْطُلَ صَلَاتُهُمَا. (1139) فَصْلٌ: وَمَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ، كَالضَّادِ وَالْقَافِ، فَقَالَ الْقَاضِي: تُكْرَهُ إمَامَتُهُ، وَتَصِحُّ، أَعْجَمِيًّا كَانَ أَوْ عَرَبِيًّا، وَقِيلَ فِي مَنْ قَرَأَ {وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] بِالظَّاءِ: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ يُحِيلُ الْمَعْنَى يُقَالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذَا: إذَا فَعَلَهُ نَهَارًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَلْثَغِ. وَتُكْرَهُ إمَامَةُ التَّمْتَامِ - وَهُوَ مَنْ يُكَرِّرُ التَّاءَ -، وَالْفَأْفَاءِ، وَهُوَ مَنْ يُكَرِّرُ الْفَاءَ. وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَأْتِيَانِ بِالْحُرُوفِ عَلَى الْكَمَالِ، وَيَزِيدَانِ زِيَادَةً هُمَا مَغْلُوبَانِ عَلَيْهَا، فَعُفِيَ عَنْهَا، وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُهُمَا لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ. [مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ خَلْفَ مُشْرِكٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ.] (1140) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ صَلَّى خَلْفَ مُشْرِكٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ، أَعَادَ الصَّلَاةَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكَافِرَ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ بِحَالٍ سَوَاءٌ عَلِمَ بِكُفْرِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَعَلَى مَنْ صَلَّى وَرَاءَهُ الْإِعَادَةُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَالْمُزَنِيُّ: لَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَا يُعْلَمُ حَالُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ. وَلَنَا، أَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، كَمَا لَوْ ائْتَمَّ بِمَجْنُونٍ، وَأَمَّا الْمُحْدِثُ فَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَعْلَمَ حَدَثَ نَفْسِهِ، وَالْكَافِرُ يَعْلَمُ حَالَ نَفْسِهِ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهَا الرَّجُلُ بِحَالٍ، فِي فَرْضٍ وَلَا نَافِلَةٍ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهَا. وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْمُزَنِيّ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ أَنْ تَؤُمَّ الرِّجَالَ فِي التَّرَاوِيحِ، وَتَكُونَ وَرَاءَهُمْ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَهَذَا عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا» ، وَلِأَنَّهَا لَا تُؤَذِّنُ لِلرِّجَالِ، فَلَمْ
يَجُزْ أَنْ تَؤُمَّهُمْ، كَالْمَجْنُونِ. وَحَدِيثُ أُمِّ وَرَقَةَ إنَّمَا أَذِنَ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ نِسَاءَ أَهْلِ دَارِهَا، كَذَلِكَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا، وَلَوْ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ لَتَعَيَّنَ حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ فِي الْفَرَائِضِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ جَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا، وَالْأَذَانُ إنَّمَا يُشْرَعُ فِي الْفَرَائِضِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَؤُمُّهُمْ فِي الْفَرَائِضِ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِالتَّرَاوِيحِ وَاشْتِرَاطَ تَأَخُّرِهَا تَحَكُّمٌ يُخَالِفُ الْأُصُولَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَلَوْ قُدِّرَ ثُبُوتُ ذَلِكَ لِأُمِّ وَرَقَةَ، لَكَانَ خَاصًّا بِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لِغَيْرِهَا مِنْ النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ، فَتَخْتَصُّ بِالْإِمَامَةِ لِاخْتِصَاصِهَا بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. وَأَمَّا الْخُنْثَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ رَجُلًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَلَا يَؤُمُّ خُنْثَى مِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ امْرَأَةً وَالْمَأْمُومُ رَجُلًا. وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَؤُمَّهُ امْرَأَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا. قَالَ الْقَاضِي: رَأَيْت لِأَبِي حَفْصٍ الْبَرْمَكِيِّ أَنَّ الْخُنْثَى لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَامَ مَعَ الرِّجَالِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَإِنْ قَامَ مَعَ النِّسَاءِ أَوْ وَحْدَهُ أَوْ ائْتَمَّ بِامْرَأَةٍ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا، وَإِنْ أَمَّ الرِّجَالَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً. وَإِنْ أَمَّ النِّسَاءَ فَقَامَ وَسَطَهُنَّ احْتَمَلَ أَنَّهُ رَجُلٌ، وَإِنْ قَامَ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ احْتَمَلَ أَنَّهُ امْرَأَةٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَفِي صُورَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنْ يَقُومَ فِي صَفِّ الرِّجَالِ مَأْمُومًا؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا قَامَتْ فِي صَفِّ الرِّجَالِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهَا وَلَا صَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا. (1141) فَصْلٌ: يُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ الرَّجُلُ نِسَاءً أَجَانِبَ، لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّ ذَوَاتَ مَحَارِمِهِ، وَأَنْ يَؤُمَّ النِّسَاءَ مَعَ الرِّجَالِ، فَإِنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يُصَلِّينَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ، وَقَدْ أَمَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءً، وَقَدْ أَمَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَسًا وَأُمَّهُ فِي بَيْتِهِمْ. (1142) فَصْلٌ: إذَا صَلَّى خَلْفَ مَنْ شَكَّ فِي إسْلَامِهِ، أَوْ كَوْنِهِ خُنْثَى، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، مَا لَمْ يَبِنْ كُفْرُهُ، وَكَوْنُهُ خُنْثَى مُشْكِلًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُصَلِّينَ الْإِسْلَامُ، سِيَّمَا إذَا كَانَ إمَامًا، وَالظَّاهِرُ السَّلَامَةُ مِنْ كَوْنِهِ خُنْثَى، سِيَّمَا مَنْ يَؤُمُّ الرِّجَالَ، فَإِنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا أَوْ خُنْثَى مُشْكِلًا، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مِمَّنْ يُسْلِمُ تَارَةً وَيَرْتَدُّ أُخْرَى، لَمْ يُصَلِّ خَلْفَهُ، حَتَّى يَعْلَمَ عَلَى أَيِّ دِينٍ هُوَ، فَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ، وَهُوَ لَمْ يَعْلَمْ مَا هُوَ عَلَيْهِ نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ قَبْلَ الصَّلَاةِ إسْلَامَهُ، وَشَكَّ فِي رِدَّتِهِ، فَهُوَ مُسْلِمٌ. وَإِنْ عَلِمَ رِدَّتَهُ، وَشَكَّ فِي إسْلَامِهِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. فَإِنْ كَانَ عَلِمَ إسْلَامَهُ، فَصَلَّى خَلْفَهُ، فَقَالَ بَعْدَ الصَّلَاةِ: مَا كُنْت أَسْلَمْت أَوْ ارْتَدَدْت. لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ صَحِيحَةً حُكْمًا، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ هَذَا فِي إبْطَالِهَا؛
مسألة صلاة المرأة بالنساء
لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ. وَإِذَا صَلَّى خَلْفَ مَنْ عَلِمَ رِدَّتَهُ، فَقَالَ بَعْدَ الصَّلَاةِ: قَدْ كُنْتُ أَسْلَمْتُ. قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ. فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِالصَّلَاةِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَسَوَاءٌ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى، فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ، يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ. وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ظُهُورِ مَا يُنَافِي الْإِسْلَامَ فَهُوَ مُسْلِمٌ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ الْمُسْلِمُونَ دُونَ الْكَافِرِينَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ مُنْفَرِدًا فِي الْمَسْجِدِ، كَقَوْلِنَا، وَإِنْ صَلَّى فُرَادَى فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ فُرُوعِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَصِرْ مُسْلِمًا بِفِعْلِهَا، كَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إلَّا بِحَقِّهَا.» وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ صَلَّى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ الِاسْتِتَارَ بِالصَّلَاةِ، وَإِخْفَاءَ دِينِهِ، وَإِنْ صَلَّى فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي حَقِّهِ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» . وَقَالَ: «بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ.» فَجَعَلَ الصَّلَاةَ حَدًّا بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ، فَمَنْ صَلَّى فَقَدْ دَخَلَ فِي حَدِّ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ فِي الْمَمْلُوكِ: «فَإِذَا صَلَّى فَهُوَ أَخُوكَ» . وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِينَ، فَالْإِتْيَانُ بِهَا إسْلَامٌ كَالشَّهَادَتَيْنِ، وَأَمَّا الْحَجُّ فَإِنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، وَالصِّيَامُ إمْسَاكٌ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ، وَقَدْ يَفْعَلُهُ مَنْ لَيْسَ بِصَائِمٍ. (1144) فَصْلٌ: فَأَمَّا صَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ، فَأَمْرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ، وَإِذَا لَمْ يُسْلِمْ قَبْلَ الصَّلَاةِ، كَانَ حَالَ شُرُوعِهِ فِيهَا غَيْرَ مُسْلِمٍ، وَلَا مُتَطَهِّرٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ. [مَسْأَلَةٌ صَلَاةُ الْمَرْأَةِ بِالنِّسَاءِ] (1145) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ صَلَّتْ امْرَأَةٌ بِالنِّسَاءِ قَامَتْ مَعَهُنَّ فِي الصَّفِّ وَسَطًا) . اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ، هَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ بِالنِّسَاءِ جَمَاعَةً؟ فَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَؤُمُّ النِّسَاءَ عَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَعَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ وَكَرِهَهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَإِنْ فَعَلَتْ
فصل إذا أمت المرأة امرأة واحدة
أَجْزَأَهُنَّ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ: لَهُنَّ ذَلِكَ فِي التَّطَوُّعِ دُونَ الْمَكْتُوبَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: لَا تَؤُمُّ فِي فَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَؤُمَّ أَحَدًا، لِأَنَّهُ يُكْرَهُ لَهَا الْأَذَانُ، وَهُوَ دُعَاءٌ إلَى الْجَمَاعَةِ، فَكُرِهَ لَهَا مَا يُرَادُ الْأَذَانُ لَهُ. وَلَنَا حَدِيثُ أُمِّ وَرَقَةَ وَلِأَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ، فَأَشْبَهْنَ الرِّجَالَ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُنَّ الْأَذَانُ لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ، وَلَسْنَ مِنْ أَهْلِهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهَا إذَا صَلَّتْ بِهِنَّ قَامَتْ فِي وَسَطِهِنَّ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ مَنْ رَأَى لَهَا أَنْ تَؤُمَّهُنَّ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ يُسْتَحَبُّ لَهَا التَّسَتُّرُ، وَلِذَلِكَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا التَّجَافِي، وَكَوْنُهَا فِي وَسَطِ الصَّفِّ أَسْتَرُ لَهَا؛ لِأَنَّهَا تَسْتَتِرُ بِهِنَّ مِنْ جَانِبَيْهَا، فَاسْتُحِبَّ لَهَا ذَلِكَ كَالْعُرْيَانِ، فَإِنْ صَلَّتْ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ احْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ مَوْقِفٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَلِهَذَا كَانَ مَوْقِفًا لِلرَّجُلِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا خَالَفَتْ مَوْقِفَهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ خَالَفَ الرَّجُلُ مَوْقِفَهُ. (1146) فَصْلٌ: وَتَجْهَرُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ، وَإِنْ كَانَ ثُمَّ رِجَالٌ لَا تَجْهَرُ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ مَحَارِمِهَا، فَلَا بَأْسَ. فَصْلٌ: وَيُبَاحُ لَهُنًّ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ مَعَ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يُصَلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ النِّسَاءُ يُصَلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَنْصَرِفْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ. يَعْنِي غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَصَلَاتُهَا فِي بَيْتِهَا خَيْرٌ لَهَا وَأَفْضَلُ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [فَصْلٌ إذَا أَمَّتْ الْمَرْأَةُ امْرَأَةً وَاحِدَةً] (1148) فَصْلٌ: إذَا أَمَّتْ الْمَرْأَةُ امْرَأَةً وَاحِدَةً، قَامَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ يَمِينِهَا، كَالْمَأْمُومِ مَعَ الرِّجَالِ، وَإِنْ صَلَّتْ خَلْفَ رَجُلٍ قَامَتْ خَلْفَهُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» . وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا رَجُلٌ قَامَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا، كَمَا رَوَى «أَنَسٌ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ أَوْ خَالَتِهِ، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَإِنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ رَجُلٌ وَصَبِيٌّ وَامْرَأَةٌ، وَكَانُوا فِي تَطَوُّعٍ،
مسألة صاحب البيت أحق بالإمامة
قَامَا خَلْفَ الْإِمَامِ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا. كَمَا رَوَى أَنَسٌ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِمْ، قَالَ: فَصَفَفْت أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْمَرْأَةُ خَلْفَنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا جَعَلَ الرَّجُلَ عَنْ يَمِينِهِ، وَالْغُلَامَ عَنْ يَسَارِهِ، كَمَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَإِنْ وَقَفَا جَمِيعًا عَنْ يَمِينِهِ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ وَقَفَا وَرَاءَهُ فَرَوَى الْأَثْرَمُ أَنَّ أَحْمَدَ تَوَقَّفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَالَ: مَا أَدْرِي. فَذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ أَنَسٍ. فَقَالَ: ذَاكَ فِي التَّطَوُّعِ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَصْلُحُ إمَامًا لِلرِّجَالِ فِي الْفَرَائِضِ فَلَمْ يُصَافَّهُمْ كَالْمَرْأَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُصَافَّ الرَّجُلَ فِي النَّفْلِ فَصَحَّ فِي الْفَرْضِ، كَالْمُتَنَفِّلِ يَقِفُ مَعَ الْمُفْتَرِضِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ مُصَافَّتِهِ صِحَّةُ إمَامَتِهِ، بِدَلِيلِ الْفَاسِقِ وَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ فِي الْجُمُعَةِ، وَالْمُفْتَرِضِ مَعَ الْمُتَنَفِّلِ، وَيُفَارِقُ الْمَرْأَةَ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُصَافَّ الرِّجَالَ فِي التَّطَوُّعِ وَيَؤُمَّهُمْ فِيهِ فِي رِوَايَةٍ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ فِي ثَلَاثَةٍ أَحَدُهُمْ امْرَأَةٌ: يَقُومُونَ مُتَوَاتِرِينَ، بَعْضُهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ. وَلَنَا، حَدِيثُ أَنَسٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ، إلَّا الْحَسَنَ، وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى، وَقَوْلُ الْحَسَنِ يُفْضِي إلَى وُقُوفِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ فَذًّا، وَيَرُدُّهُ حَدِيثُ وَابِصَةَ وَعَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ. وَإِنْ اجْتَمَعَ رِجَالٌ وَصِبْيَانٌ وَخَنَاثَى وَنِسَاءٌ تَقَدَّمَ الرِّجَالُ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ الْخَنَاثَى، ثُمَّ النِّسَاءُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى فَصَفَّ الرِّجَالَ، ثُمَّ صَفَّ خَلْفَهُمْ الْغِلْمَانَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (1149) فَصْلٌ: وَإِنْ وَقَفَتْ الْمَرْأَةُ فِي صَفِّ الرِّجَالِ كُرِهَ، وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهَا، وَلَا صَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا وَمَنْ خَلْفَهَا دُونَهَا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ الْوُقُوفِ إلَى جَانِبِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ. وَلَنَا، أَنَّهَا لَوْ وَقَفَتْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، فَكَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَعْتَرِضُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَائِمَةً وَهُوَ يُصَلِّي. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ مَنْهِيٌّ قُلْنَا: هِيَ الْمَنْهِيَّةُ عَنْ الْوُقُوفِ مَعَ الرِّجَالِ، وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهَا، فَصَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا أَوْلَى. [مَسْأَلَةٌ صَاحِبُ الْبَيْتِ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ] (1150) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ ذَا سُلْطَانٍ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا أُقِيمَتْ فِي بَيْتٍ، فَصَاحِبُهُ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْ هُوَ أَقْرَأُ مِنْهُ وَأَفْقَهُ، إذَا كَانَ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ إمَامَتُهُمْ، وَتَصِحُّ صَلَاتُهُمْ وَرَاءَهُ، فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَحُذَيْفَةُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَهُمْ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:: «وَلَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ، وَلَا فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَرَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَإِنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ ذُو سُلْطَانٍ فَهُوَ أَحَقُّ مِنْ صَاحِبِ الْبَيْتِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى الْبَيْتِ وَعَلَى صَاحِبِهِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ أَمَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَأَنَسًا فِي بُيُوتِهِمَا. (1151) فَصْلٌ: وَإِمَامُ الْمَسْجِدِ الرَّاتِبُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى صَاحِبِ الْبَيْتِ وَالسُّلْطَانِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَتَى أَرْضًا لَهُ، وَعِنْدَهَا مَسْجِدٌ يُصَلِّي فِيهِ مَوْلًى لِابْنِ عُمَرَ، فَصَلَّى مَعَهُمْ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ، فَأَبَى، وَقَالَ: صَاحِبُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ. وَلِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: «مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ» . (1152) فَصْلٌ: وَإِذَا أَذِنَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ هَؤُلَاءِ لِرَجُلٍ فِي الْإِمَامَةِ، جَازَ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَذِنَ فِي اسْتِحْقَاقِ التَّقَدُّمِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " إلَّا بِإِذْنِهِ ". وَلِأَنَّ الْإِمَامَةَ حَقٌّ لَهُ فَلَهُ نَقْلُهَا إلَى مَنْ شَاءَ، قَالَ أَحْمَدُ: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» . أَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْإِذْنُ فِي الْكُلِّ، وَلَمْ يَرَ بَأْسًا إذَا أَذِنَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ. (1153) فَصْلٌ: وَإِنْ دَخَلَ السُّلْطَانُ بَلَدًا لَهُ فِيهِ خَلِيفَةٌ فَهُوَ أَحَقُّ مِنْ خَلِيفَتِهِ، لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى خَلِيفَتِهِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ اجْتَمَعَ الْعَبْدُ وَسَيِّدُهُ فِي بَيْتِ الْعَبْدِ فَالسَّيِّدُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ الْمَالِكُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَوِلَايَتُهُ عَلَى الْعَبْدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَيِّدُهُ مَعَهُمْ فَالْعَبْدُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا اجْتَمَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ وَأَبُو ذَرٍّ فِي بَيْتِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدَ وَهُوَ عَبْدٌ، تَقَدَّمَ أَبُو ذَرٍّ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: وَرَاءَك. فَالْتَفَتَ إلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَكَذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَتَأَخَّرَ، وَقَدَّمُوا أَبَا سَعِيدٍ، فَصَلَّى بِهِمْ وَإِنْ اجْتَمَعَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي الدَّارِ الْمُؤَجَّرَةِ، فَالْمُسْتَأْجِرُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالسُّكْنَى وَالْمَنْفَعَةِ. (1154) فَصْلٌ: وَالْمُقِيمُ أَوْلَى مِنْ الْمُسَافِرِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ إمَامًا حَصَلَتْ لَهُ الصَّلَاةُ كُلُّهَا فِي جَمَاعَةٍ، وَإِنْ أَمَّهُ الْمُسَافِرُ احْتَاجَ إلَى إتْمَامِ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا. وَإِنْ ائْتَمَّ بِالْمُسَافِرِ جَازَ، وَيُتِمُّ الصَّلَاةَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ. فَإِنْ أَتَمَّ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ جَازَتْ صَلَاتُهُمْ. وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِينَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ نَفْلٌ
مسألة يأتم بالإمام من في أعلى المسجد وغير المسجد إذا اتصلت الصفوف
أَمَّ بِهَا مُفْتَرِضِينَ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا نَوَى إتْمَامَ الصَّلَاةِ أَوْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ، لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ فَرْضًا. [مَسْأَلَةٌ يَأْتَمُّ بِالْإِمَامِ مَنْ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَغَيْرِ الْمَسْجِدِ إذَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ] (1155) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَأْتَمُّ بِالْإِمَامِ مَنْ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَغَيْرِ الْمَسْجِدِ، إذَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ مُسَاوِيًا لِلْإِمَامِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ، كَاَلَّذِي عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى دِكَّةٍ عَالِيَةٍ، أَوْ رَفٍّ فِيهِ، رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى بِصَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَفَعَلَهُ سَالِمٌ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ مَالِكٌ يُعِيدُ الْجُمُعَةَ إذَا صَلَّى فَوْقَ سَطْحِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ. وَلَنَا أَنَّهُمَا فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَعْلُ الْإِمَامُ، فَصَحَّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ كَالْمُتَسَاوِيَيْنِ، وَلَا يُعْتَبَرُ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ إذَا كَانَا جَمِيعًا فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي أَقْصَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ مَا يَمْنَعُ الِاسْتِطْرَاقَ وَالْمُشَاهَدَةَ، أَنَّهُ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ الصُّفُوفُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ لِلْجَمَاعَةِ، فَكُلُّ مَنْ حَصَلَ فِيهِ فَقَدْ حَصَلَ فِي مَحَلِّ الْجَمَاعَةِ. وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَوْ كَانَا جَمِيعًا فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ، صَحَّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُسَاوِيًا لِلْإِمَامِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ، كَثِيرًا كَانَ الْعُلُوُّ أَوْ قَلِيلًا، بِشَرْطِ كَوْنِ الصُّفُوفِ مُتَّصِلَةً وَيُشَاهِدُ مَنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَأْمُومُ فِي رَحْبَةِ الْجَامِعِ، أَوْ دَارٍ، أَوْ عَلَى سَطْحٍ وَالْإِمَامُ عَلَى سَطْحٍ آخَرَ، أَوْ كَانَا فِي صَحْرَاءَ، أَوْ فِي سَفِينَتَيْنِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّهُ يَشْتَرِطُ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا مَا يَمْنَعُ الِاسْتِطْرَاقَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الِائْتِمَامِ بِهِ، كَالْفَصْلِ الْيَسِيرِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ مَعْنَى اتِّصَالِ الصُّفُوفِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا بُعْدٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ، وَلَا يَمْنَعُ إمْكَانَ الِاقْتِدَاءِ. وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ حَدَّ الِاتِّصَالَ بِمَا دُونَ ثَلَاثِ مِائَةِ ذِرَاعٍ. وَالتَّحْدِيدَاتُ بَابُهَا التَّوْقِيفُ، وَالْمَرْجِعُ فِيهَا إلَى النُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا نَصًّا نَرْجِعُ إلَيْهِ وَلَا إجْمَاعًا نَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ، كَالتَّفَرُّقِ وَالْإِحْرَازِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (1156) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ حَائِلٌ يَمْنَعُ رُؤْيَةَ الْإِمَامِ، أَوْ مَنْ وَرَاءَهُ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَصِحُّ الِائْتِمَامُ بِهِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لِنِسَاءٍ كُنَّ يُصَلِّينَ فِي حُجْرَتِهَا: لَا تُصَلِّينَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، فَإِنَّكُنَّ دُونَهُ فِي حِجَابٍ. وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الْغَالِبِ. وَالثَّانِيَةُ: يَصِحُّ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ يُصَلِّي خَارِجَ الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَبْوَابُ الْمَسْجِدِ مُغْلَقَةٌ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ قَالَ: إذَا لَمْ يَقْدِرْ
عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ فِي الْمِنْبَرِ إذَا قَطَعَ الصَّفَّ: لَا يَضُرُّ. وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الِاقْتِدَاءُ بِالْإِمَامِ، فَيَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ، كَالْأَعْمَى، وَلِأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ تُرَادُ لِلْعِلْمِ بِحَالِ الْإِمَامِ، وَالْعِلْمُ يَحْصُلُ بِسَمَاعِ التَّكْبِيرِ، فَجَرَى مَجْرَى الرُّؤْيَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي غَيْرِهِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَصِحُّ إذَا كَانَا فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَحَلُّ الْجَمَاعَةِ، وَفِي مَظِنَّةِ الْقُرْبِ، وَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِهِ لِعَدَمِ هَذَا الْمَعْنَى، وَلِخَبَرِ عَائِشَةَ. وَلَنَا، أَنَّ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزَ أَوْ الْمَانِعَ قَدْ اسْتَوَيَا فِيهِ، فَوَجَبَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْحُكْمِ، وَلَا بُدَّ لِمَنْ لَا يُشَاهِدُ أَنْ يَسْمَعَ التَّكْبِيرَ، لِيُمْكِنَهُ الِاقْتِدَاءُ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، لَمْ يَصِحَّ ائْتِمَامُهُ بِهِ بِحَالٍ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ. فَصْلٌ: وَكُلُّ مَوْضِعٍ اعْتَبَرْنَا الْمُشَاهَدَةَ، فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ مُشَاهَدَةُ مَنْ وَرَاءُ الْإِمَامِ، سَوَاءٌ شَاهَدَهُ مِنْ بَابٍ أَمَامَهُ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ شَاهَدَهُ طَرَفَ الصَّفِّ الَّذِي وَرَاءَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ. وَإِنْ كَانَتْ الْمُشَاهَدَةُ تَحْصُلُ فِي بَعْضِ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ، فَالظَّاهِرُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ، وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، وَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ، فَقَامَ اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ، فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهُ فِي حَالِ قِيَامِهِ. (1158) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَوْ نَهْرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ، أَوْ كَانَا فِي سَفِينَتَيْنِ مُفْتَرِقَتَيْنِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ مَا يَمْنَعُ الِاتِّصَالَ. وَالثَّانِي: يَصِحُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي مَنْعِ ذَلِكَ، وَلَا إجْمَاعَ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ، فَإِنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي ذَلِكَ مَا يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ أَوْ سَمَاعَ الصَّوْتِ، وَلَيْسَ هَذَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ بَيْنَهُمَا مَا لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ مَا يَمْنَعُ. وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فِي الطَّرِيقِ فَلَا يَصِحُّ فِي النَّهْرِ، فَإِنَّهُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي السَّفِينَةِ، وَإِذَا كَانَ جَامِدًا، ثُمَّ كَوْنُهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلصَّلَاةِ إنَّمَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ فِيهِ، أَمَّا الْمَنْعُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ فَتَحَكُّمٌ مَحْضٌ، لَا يَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَلَا الْعَمَلُ بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ أَوْ جُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا تَصِحُّ فِي الطَّرِيقِ، وَقَدْ صَلَّى أَنَسٌ فِي مَوْتِ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، وَبَيْنَهُمَا طَرِيقٌ.
مسألة ارتفاع الإمام عن المأموم
[مَسْأَلَةٌ ارْتِفَاعُ الْإِمَامِ عَنْ الْمَأْمُومِ] (1159) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَكُونُ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ الْمَأْمُومِ) . الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ الْمَأْمُومِينَ، سَوَاءٌ أَرَادَ تَعْلِيمَهُمْ الصَّلَاةَ أَوْ لَمْ يُرِدْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ قَالَ: سَأَلَنِي أَحْمَدُ عَنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَقَالَ: إنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَعْلَى مِنْ النَّاسِ. فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ النَّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْتَارُ لِلْإِمَامِ الَّذِي يُعَلِّمُ مَنْ خَلْفَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الشَّيْءِ الْمُرْتَفِعِ، فَيَرَاهُ مَنْ خَلْفَهُ، فَيَقْتَدُونَ بِهِ؛ لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ عَلَيْهِ - يَعْنِي الْمِنْبَرَ - فَكَبَّرَ، وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ كَانَ بِالْمَدَائِنِ، فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَتَقَدَّمَ عَمَّارٌ فَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ، وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَاتَّبَعَهُ عَمَّارٌ حَتَّى أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ، فَلَا يَقُومَنَّ فِي مَكَان أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ» ؟ قَالَ عَمَّارٌ: فَلِذَلِكَ اتَّبَعْتُك حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَدَيَّ. وَعَنْ هَمَّامٍ، أَنَّ حُذَيْفَةَ أَمَّ النَّاسَ بِالْمَدَائِنِ عَلَى دُكَّانٍ، فَأَخَذَ أَبُو مَسْعُودٍ بِقَمِيصِهِ، فَجَبَذَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: بَلَى، فَذَكَرْتُ حِينَ مَدَدْتَنِي. رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا تَقَدَّمَ يَؤُمُّ بِقَوْمٍ عَلَى مَكَان، فَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ، فَنَهَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَالَ لِلْإِمَامِ: اسْتَوِ مَعَ أَصْحَابِك. وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِإِمَامِهِ، فَيَنْظُرَ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، فَإِذَا كَانَ أَعْلَى مِنْهُ احْتَاجَ أَنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلَيْهِ لِيُشَاهِدَهُ، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ. فَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى، لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى عَمَلٍ كَبِيرٍ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ، فَيَكُونَ ارْتِفَاعًا يَسِيرًا، فَلَا بَأْسَ بِهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ شَيْئًا وَنَهَى عَنْهُ، فَيَكُونُ فِعْلُهُ لَهُ وَنَهْيُهُ لِغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يُسْتَحَبُّ مِثْلُهُ لِغَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِنَّ سُجُودَهُ وَجُلُوسَهُ إنَّمَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ، بِخِلَافِ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ. (1160) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالْعُلُوِّ الْيَسِيرِ؛ لِحَدِيثِ سَهْلٍ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ مُعَلَّلٌ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ مِنْ رَفْعِ الْبَصَرِ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا
مسألة من صلى خلف الصف وحده أو قام بجنب الإمام عن يساره أعاد الصلاة
يَخُصُّ الْكَثِيرَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْيَسِيرُ مِثْلَ دَرَجَةِ الْمِنْبَرِ وَنَحْوِهَا، لِمَا ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (1161) فَصْلٌ: فَإِنْ صَلَّى الْإِمَامُ فِي مَكَان أَعْلَى مِنْ الْمَأْمُومِينَ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَبْطُلُ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ عَمَّارًا أَتَمَّ صَلَاتَهُ؛ وَلَوْ كَانَتْ فَاسِدَةً، لَاسْتَأْنَفَهَا، وَلِأَنَّ النَّهْيَ مُعَلَّلٌ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ مِنْ رَفْعِ الْبَصَرِ فِي الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ لَا يُفْسِدُهَا، فَسَبَبُهُ أَوْلَى. (1162) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ مَنْ هُوَ مُسَاوٍ لَهُ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ، وَمَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ اخْتَصَّتْ الْكَرَاهَةُ بِمَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، لِأَنَّ الْمَعْنَى وُجِدَ فِيهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَنَاوَلَ النَّهْيُ الْإِمَامَ؛ لِكَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْ الْقِيَامِ فِي مَكَان أَعْلَى مِنْ مَقَامِهِمْ، فَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْجَمِيعِ عِنْدَ مَنْ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِارْتِكَابِ النَّهْيِ. [مَسْأَلَةٌ مَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ أَوْ قَامَ بِجَنْبِ الْإِمَامِ عَنْ يَسَارِهِ أَعَادَ الصَّلَاةَ] (1163) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، أَوْ قَامَ بِجَنْبِ الْإِمَامِ عَنْ يَسَارِهِ، أَعَادَ الصَّلَاةَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ رَكْعَةً كَامِلَةً، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالْحَكَمِ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَأَجَازَهُ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، فَلَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْإِعَادَةِ، وَلِأَنَّهُ مَوْقِفٌ لِلْمَرْأَةِ فَكَانَ مَوْقِفًا لِلرَّجُلِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَ جَمَاعَةٍ. وَلَنَا، مَا رَوَى وَابِصَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ وَابِصَةَ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَّتَ الْحَدِيثَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَفِي لَفْظٍ: «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رَجُلٍ صَلَّى وَرَاءُ الصُّفُوفِ وَحْدَهُ. قَالَ: يُعِيدُ» . رَوَاهُ تَمَّامٌ فِي " الْفَوَائِدِ ". وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ، أَنَّهُ «صَلَّى بِهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْصَرَفَ وَرَجُلٌ فَرْدٌ خَلْفَ الصَّفِّ، فَوَقَفَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى انْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اسْتَقْبِلْ صَلَاتَك، وَلَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ.» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَقَالَ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: حَدِيثُ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو - يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا أَيْضًا - حَسَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَوْقِفَ، فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، كَمَا لَوْ وَقَفَ أَمَامَ الْإِمَامِ، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ نَهَاهُ فَقَالَ: " لَا تُعِدْ ". وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَعُذْرُهُ فِيمَا فَعَلَهُ لِجَهْلِهِ بِتَحْرِيمِهِ، وَلِلْجَهْلِ تَأْثِيرٌ فِي الْعَفْوِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مَوْقِفًا لِلْمَرْأَةِ كَوْنُهُ مَوْقِفًا لِلرَّجُلِ، بِدَلِيلِ اخْتِلَافِهِمَا فِي كَرَاهِيَةِ الْوُقُوفِ وَاسْتِحْبَابِهِ. وَأَمَّا إذَا وَقَفَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ، فَإِنْ كَانَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ أَحَدٌ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى
بَيْنَ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ وَسَطَ الصَّفِّ مَوْقِفٌ لِلْإِمَامِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَالْعُرَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ يَمِينِهِ أَحَدٌ فَصَلَاةُ مَنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ فَاسِدَةٌ، سَوَاءٌ كَانَ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ لِلْمَأْمُومِ الْوَاحِدِ أَنْ يَقِفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَأَنَّهُ إنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ، خَالَفَ السُّنَّةَ. وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ كَانَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا مَأْمُومٌ وَاحِدٌ جَعَلَهُ عَنْ يَسَارِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا أَحْرَمَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدَارَهُ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَمْ تَبْطُلْ تَحْرِيمَتُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْقِفًا، لَاسْتَأْنَفَ التَّحْرِيمَةَ، كَأَمَامِ الْإِمَامِ، وَلِأَنَّهُ مَوْقِفٌ فِيمَا إذَا كَانَ عَنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ آخَرُ، فَكَانَ مَوْقِفًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ آخَرُ كَالْيَمِينِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ جَانِبَيْ الْإِمَامِ، فَأَشْبَهَ الْيَمِينَ. وَلَنَا، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ، فَجِئْت، فَقُمْت فَوَقَفْت عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِذُؤَابَتِي، فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى جَابِرٌ، قَالَ: «قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي، فَجِئْت، فَوَقَفْت عَنْ يَسَارِهِ، فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِابْتِدَاءِ التَّحْرِيمَةِ. قُلْنَا: لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ لَا يُؤَثِّرُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يُحْرِمُ قَبْلَ الْمَأْمُومِينَ، وَلَا يَضُرُّ انْفِرَادُهُ بِمَا قَبْلَ إحْرَامِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْمَأْمُومُونَ يُحْرِمُ أَحَدُهُمْ قَبْلَ الْبَاقِينَ فَلَا يَضُرُّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْعَفْوِ عَنْ ذَلِكَ الْعَفْوُ عَنْ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ مَوْقِفٌ إذَا كَانَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ آخَرُ. قُلْنَا: كَوْنُهُ مَوْقِفًا فِي صُورَةٍ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُهُ مَوْقِفًا فِي أُخْرَى، كَمَا خَلْفَ الصَّفِّ، فَإِنَّهُ مَوْقِفٌ لِاثْنَيْنِ، وَلَا يَكُونُ مَوْقِفًا لِوَاحِدٍ، فَإِنْ مَنَعُوا هَذَا أَثْبَتْنَاهُ بِالنَّصِّ. (1164) فَصْلٌ: فَإِنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِ إمَامِهِ وَخَلْفَ الْإِمَامِ صَفٌّ، احْتَمَلَ أَنْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْإِمَامَ وَلِأَنَّ مَعَ الْإِمَامِ مَنْ تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ بِهِ، فَصَحَّ الْوُقُوفُ عَنْ يَسَارِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ عَنْ يَمِينِهِ آخَرُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا تَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْقِفٍ إذَا لَمْ يَكُنْ صَفٌّ،
فَلَمْ يَكُنْ مَوْقِفًا مَعَ الصَّفِّ كَأَمَامِ الْإِمَامِ، وَفَارَقَ مَا إذَا كَانَ عَنْ يَمِينِهِ آخَرُ، لِأَنَّهُ مَعَهُ فِي الصَّفِّ، فَكَانَ صَفًّا وَاحِدًا، كَمَا لَوْ كَانَ وَقَفَ مَعَهُ خَلْفَ الصَّفِّ. (1165) فَصْلٌ: السُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ، فَإِنْ وَقَفُوا قُدَّامَهُ، لَمْ تَصِحَّ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ: تَصِحُّ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ خَلْفَهُ. وَلَنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ". وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي الِاقْتِدَاءِ إلَى الِالْتِفَاتِ إلَى وَرَائِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْقُولِ. فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَيُفَارِقُ مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي الِاقْتِدَاءِ إلَى الِالْتِفَاتِ إلَى وَرَائِهِ. (1166) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا ذَكَرًا، فَالسُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ رَجُلًا كَانَ، أَوْ غُلَامًا؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ، وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «سِرْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةٍ، فَقَامَ يُصَلِّي، فَتَوَضَّأْتُ، ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَجَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ حَتَّى قَامَ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَنَا بِيَدَيْهِ جَمِيعًا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد. فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً تَقَدَّمَ الْإِمَامُ، وَوَقَفَ الْمَأْمُومَانِ خَلْفَهُ. وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَرَى أَنْ يَقِفُوا جَمِيعًا صَفًّا. وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْرَجَ جَبَّارًا وَجَابِرًا، فَجَعَلَهُمَا خَلْفَهُ، وَلَمَّا صَلَّى بِأَنَسٍ وَالْيَتِيمِ جَعَلَهُمَا خَلْفَهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ وَجَبَّارٍ يَدُلُّ عَلَى الْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَهُمَا إلَى خَلْفِهِ، وَلَا يَنْقُلُهُمَا إلَّا إلَى الْأَكْمَلِ. فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمَأْمُومَيْنِ صَبِيًّا، وَكَانَتْ الصَّلَاةُ تَطَوُّعًا، جَعَلَهُمَا خَلْفَهُ، لِخَبَرِ أَنَسٍ. وَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا، جَعَلَ الرَّجُلَ عَنْ يَمِينِهِ، وَالْغُلَامَ عَنْ يَسَارِهِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَإِنْ جَعَلَهُمَا جَمِيعًا عَنْ يَمِينِهِ جَازَ، وَإِنْ وَقَفَهُمَا خَلْفَهُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَؤُمُّهُ، فَلَمْ يُصَافَّهُ كَالْمَرْأَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَنَفِّلِ، وَالْمُتَنَفِّلُ يَصِحُّ أَنْ يُصَافَّ الْمُفْتَرِضَ، كَذَا هَاهُنَا. (1167) فَصْلٌ: وَإِنْ أَمَّ امْرَأَةً وَقَفَتْ خَلْفَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» . وَلِأَنَّ
أُمَّ أَنَسٍ وَقَفَتْ خَلْفَهُمَا وَحْدَهَا. فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا رَجُلٌ وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ، وَوَقَفَتْ الْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا. وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا رَجُلَانِ وَقَفَا خَلْفَهُ، وَوَقَفَتْ الْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غُلَامًا فِي تَطَوُّعٍ، وَقَفَ الرَّجُلُ وَالْغُلَامُ وَرَاءَهُ، وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ. وَإِنْ كَانَتْ فَرِيضَةً، فَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ. وَتَقِفُ الْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا. وَإِنْ وَقَفَتْ مَعَهُمْ فِي الصَّفِّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، صَحَّ وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهَا وَلَا صَلَاتُهُمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ وَقَفَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَ الْإِمَامِ. فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَؤُمُّهُ، فَلَا تَكُونُ مَعَهُ صَفًّا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: تَصِحُّ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ وَقَفَ مَعَهُ مُفْتَرِضٌ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَ مَعَهُ رَجُلٌ، وَلَيْسَ مِنْ الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تَصِحُّ إمَامَتُهُ، بِدَلِيلِ الْقَارِئِ. مَعَ الْأُمِّيِّ، وَالْفَاسِقِ وَالْمُتَنَفِّلِ مَعَ الْمُفْتَرِضِ (1168) فَصْلٌ: إذَا كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا، فَكَبَّرَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ، أَدَارَهُ الْإِمَامُ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَمْ تَبْطُلْ تَحْرِيمَتُهُ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ. وَإِنْ كَبَّرَ فَذًّا خَلْفَ الْإِمَامِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ جَاءَ آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ، أَوْ تَقَدَّمَ إلَى صَفٍّ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ كَانَا اثْنَيْنِ فَكَبَّرَ أَحَدُهُمَا وَتَوَسْوَسَ الْآخَرُ، ثُمَّ كَبَّرَ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، أَوْ كَبَّرَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ فَأَحَسَّ بِآخَرَ، فَتَأَخَّرَ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ الثَّانِي، ثُمَّ أَحْرَمَ مَعَهُ أَوْ أَحْرَمَ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَاءَ آخَرُ، فَوَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، فِي الرَّجُلَيْنِ يَقُومَانِ خَلْفَ الْإِمَامِ، لَيْسَ خَلْفَهُ غَيْرُهُمَا، فَإِنْ كَبَّرَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ خَافَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الصَّفِّ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ ذَاكَ، ذَاكَ فِي الصَّلَاةِ بِكَمَالِهَا، أَوْ صَلَّى رَكْعَةً كَامِلَةً، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، فَأَمَّا هَذَا فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. وَلَوْ أَحْرَمَ رَجُلٌ خَلْفَ الصَّفِّ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الصَّفِّ رَجُلٌ فَوَقَفَ مَعَهُ، صَحَّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. (1169) فَصْلٌ: وَإِنْ كَبَّرَ الْمَأْمُومُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَكَبَّرَ عَنْ يَسَارِهِ، أَخْرَجَهُمَا الْإِمَامُ إلَى وَرَائِهِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجَابِرٍ وَجَبَّارٍ، وَلَا يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُ ضَيِّقٌ. وَإِنْ تَقَدَّمَ، جَازَ، وَإِنْ كَبَّرَ الثَّانِي مَعَ الْأَوَّلِ عَنْ الْيَمِينِ وَخَرَجَا، جَازَ. وَإِنْ دَخَلَ الثَّالِثُ، وَهُمَا فِي التَّشَهُّدِ، كَبَّرَ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ صَاحِبِهِ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلَا يَتَأَخَّرَانِ فِي التَّشَهُّدِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةً. (1170) فَصْلٌ: وَإِنْ أَحْرَمَ اثْنَانِ وَرَاءُ الْإِمَامِ، فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا لِعُذْرٍ، أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، دَخَلَ الْآخَرُ فِي الصَّفِّ، أَوْ نَبَّهَ
فصل إذا دخل المأموم فوجد في الصف فرجة
رَجُلًا فَخَرَجَ مَعَهُ، أَوْ دَخَلَ فَوَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ نَوَى الِانْفِرَادَ، وَأَتَمَّ مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ حَدَثَ لَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَبَقَ إمَامَهُ الْحَدَثُ. [فَصْلٌ إذَا دَخَلَ الْمَأْمُومُ فَوَجَدَ فِي الصَّفِّ فُرْجَةً] (1171) فَصْلٌ: إذَا دَخَلَ الْمَأْمُومُ، فَوَجَدَ فِي الصَّفِّ فُرْجَةً، دَخَلَ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْذِبَ رَجُلًا، فَيَقُومَ مَعَهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ نَبَّهَ رَجُلًا فَخَرَجَ فَوَقَفَ مَعَهُ. وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، قَالَا: يَجْذِبُ رَجُلًا فَيَقُومُ مَعَهُ. وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاسْتَقْبَحَهُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: جَوَّزَ أَصْحَابُنَا جَذْبَ رَجُلٍ يَقُومُ مَعَهُ صَفًّا، وَاخْتَارَ هُوَ أَنْ لَا يَفْعَلَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَالصَّحِيحُ جَوَازُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَالَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ، فَجَازَ، كَالسُّجُودِ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ قَدَمِهِ حَالَ الزِّحَامِ وَلَيْسَ هَذَا تَصَرُّفًا فِيهِ، إنَّمَا هُوَ تَنْبِيهٌ لَهُ لِيَخْرُجَ مَعَهُ، فَجَرَى مَجْرَى مَسْأَلَتِهِ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ؛ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لِينُوا فِي أَيْدِي إخْوَانِكُمْ» . يُرِيدُ ذَلِكَ. فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْخُرُوجِ مَعَهُ لَمْ يُكْرِهْهُ وَصَلَّى وَحْدَهُ. [فَصْلٌ يُصَلِّي الْإِمَامُ بِرَجُلٍ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ وَيَتَقَدَّمُهُمَا] (1172) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: يُصَلِّي الْإِمَامُ بِرَجُلٍ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ وَيَتَقَدَّمُهُمَا. وَقَالَ: إذَا أَمَّ بِرَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا غَيْرُ طَاهِرٍ، ائْتَمَّ الطَّاهِرُ مَعَهُ. وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا عَلِمَ الْمُحْدِثُ بِحَدَثِهِ، فَخَرَجَ، ائْتَمَّ الْآخَرُ إنْ كَانَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ يَمِينِهِ صَارَ عَنْ يَمِينِهِ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَأَمَّا إنْ كَانَ خَلْفَهُ، وَعَلِمَ الْمُحْدِثُ، فَإِنَّمَا الصَّلَاةُ لَمْ تَصِحَّ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُحْدِثُ بِحَدَثِهِ حَتَّى تَمَّتْ الصَّلَاةُ، صَحَّتْ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إمَامًا صَحَّ الِائْتِمَامُ بِهِ، فَلَأَنْ تَصِحَّ مُصَافَّتُهُ أَوْلَى. [فَصْلٌ وَقَفَ مَعَهُ كَافِرٌ أَوْ مَنْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ] فَصْلٌ: (1173) وَمَنْ وَقَفَ مَعَهُ كَافِرٌ، أَوْ مَنْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، لَمْ تَصِحَّ مُصَافَّتُهُ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ وَاحِدٌ. وَإِنْ وَقَفَ مَعَهُ فَاسِقٌ، أَوْ مُتَنَفِّلٌ، صَارَ صَفًّا؛ لِأَنَّهُمَا رَجُلَانِ صَلَاتُهُمَا صَحِيحَةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَفَ قَارِئٌ مَعَ أُمِّيٍّ، أَوْ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ مَعَ صَحِيحٍ، أَوْ مُتَيَمِّمٌ مَعَ مُتَوَضِّئٍ، كَانَا صَفًّا؛ لِمَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ وَقَفَ مَعَهُ خُنْثَى مُشْكِلٌ، لَمْ يَكُنْ صَفًّا مَعَهُ، إلَّا مَنْ أَجَازَ وُقُوفَ الْمَرْأَةِ مَعَ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً.
فصل الأحق بالوقوف بالصف الأول ومن يلي الإمام
(1174) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ خُنْثَى مُشْكِلٌ وَحْدَهُ، فَالصَّحِيحُ أَنْ يَقِفَهُ عَنْ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ رَجُلًا فَقَدْ وَقَفَ فِي مَوْقِفِهِ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهَا بِوُقُوفِهَا مَعَ الْإِمَامِ، كَمَا لَا تَبْطُلُ بِوُقُوفِهَا مَعَ الرِّجَالِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقِفَ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا. فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا رَجُلٌ، وَقَفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَالْخُنْثَى عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ عَنْ يَمِينِ الرَّجُلِ، وَلَا يَقِفَا خَلْفَهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، إلَّا عِنْدَ مَنْ أَجَازَ مُصَافَّةَ الْمَرْأَةِ. فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ رَجُلٌ آخَرُ، وَقَفَ الثَّلَاثَةُ خَلْفَهُ صَفًّا؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ كَانَ مَعَ الْخُنْثَى خُنْثَى آخَرُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَقِفُ الْخُنْثَيَانِ صَفًّا خَلْفَ الرَّجُلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا امْرَأَتَيْنِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَا مَعَ الرَّجُلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ رَجُلًا، فَلَا تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ نِسَاءٌ، وَقَفْنَ خَلْفَ الْخَنَاثَى. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إذَا اجْتَمَعَ رِجَالٌ وَصِبْيَانٌ وَخَنَاثَى وَنِسَاءٌ، تَقَدَّمَ الرِّجَالُ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ الْخَنَاثَى، ثُمَّ النِّسَاءُ. وَرَوَى أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: أَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَفَّ الرِّجَالَ، وَصَفَّ خَلْفَهُمْ الْغِلْمَانَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا صَلَاتُهُ» . قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى: لَا أَحْسِبُهُ إلَّا قَالَ: " صَلَاةُ أُمَّتِي ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [فَصْلٌ الْأَحَقّ بِالْوُقُوفِ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ وَمَنْ يَلِي الْإِمَامَ] فَصْلٌ (1175) : السُّنَّةُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أُولُو الْفَضْلِ وَالسِّنِّ، وَيَلِي الْإِمَامَ أَكْمَلُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ. قَالَ أَحْمَدُ: يَلِي الْإِمَامَ الشُّيُوخُ وَأَهْلُ الْقُرْآنِ، وَتُؤَخَّرُ الصِّبْيَانُ وَالْغِلْمَانُ، وَلَا يَلُونَ الْإِمَامَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ أَنْ يَلِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ؛ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ: «تَقَدَّمُوا فَأَتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد. وَرَوَى أَحْمَدُ، فِي " مُسْنَدِهِ "، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: أَتَيْت الْمَدِينَةَ لِلِقَاءِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، وَخَرَجَ عُمَرُ مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُمْت فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَنَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ، فَعَرَفَهُمْ غَيْرِي، فَنَحَّانِي، وَقَامَ فِي مَكَانِي، فَمَا عَقَلْت صَلَاتِي، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، لَا يَسُؤْكَ اللَّهُ، فَإِنِّي لَمْ آتِكَ الَّذِي
فصل خير صفوف الرجال
أَتَيْتُ بِجَهَالَةٍ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَنَا: «كُونُوا فِي الصَّفِّ الَّذِي يَلِيَنِي» . وَإِنِّي نَظَرْتُ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَعَرَفْتُهُمْ غَيْرَك. وَكَانَ الرَّجُلُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ. [فَصْلٌ خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ] فَصْلٌ: (1176) وَخَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد. وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصَّفُّ الْأَوَّلُ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ فَضِيلَتَهُ لَابْتَدَرْتُمُوهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ ". وَعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ» . وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ فِي مُقَابَلَةِ وَسَطِ الصَّفِّ] (1177) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ فِي مُقَابَلَةِ وَسَطِ الصَّفِّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَسِّطُوا الْإِمَامَ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَيُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي طَاقِ الْقِبْلَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدُ ضَيِّقًا، وَكَرِهَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَعَلْقَمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ. وَفَعَلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ. وَلَنَا: أَنَّهُ يَسْتَتِرُ بِهِ عَنْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ فَكُرِهَ، كَمَا لَوْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حِجَابًا. (1178) فَصْلٌ: وَلَا يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ بَيْنَ السَّوَارِي، وَيُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِينَ لِأَنَّهَا تَقْطَعُ صُفُوفَهُمْ. وَكَرِهَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَخَّصَ فِيهِ ابْنُ سِيرِينَ، وَمَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا نُنْهَى أَنْ نَصُفَّ بَيْنَ السَّوَارِي
مسألة إذا صلى إمام الحي جالسا صلى من وراءه جلوسا
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنُطْرَدُ عَنْهَا طَرْدًا. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّهَا تَقْطَعُ الصَّفَّ، فَإِنْ كَانَ الصَّفُّ صَغِيرًا قَدْرَ مَا بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ لَمْ يُكْرَهْ، لِأَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بِهَا. [مَسْأَلَةٌ إذَا صَلَّى إمَامُ الْحَيِّ جَالِسًا صَلَّى مَنْ وَرَاءَهُ جُلُوسًا] (1179) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا صَلَّى إمَامُ الْحَيِّ جَالِسًا صَلَّى مَنْ وَرَاءَهُ جُلُوسًا) . الْمُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا مَرِضَ، وَعَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ، أَنْ يَسْتَخْلِفَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ، فَيَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ، وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ كَامِلَ الصَّلَاةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاعِدًا بِأَصْحَابِهِ، وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ. قُلْنَا: صَلَّى قَاعِدًا لِيُبَيِّنَ الْجَوَازَ، وَاسْتَخْلَفَ مَرَّةً أُخْرَى، وَلِأَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاعِدًا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ غَيْرِهِ قَائِمًا. فَإِنْ صَلَّى بِهِمْ قَاعِدًا جَازَ، وَيُصَلُّونَ مِنْ وَرَائِهِ جُلُوسًا، فَعَلَ ذَلِكَ أَرْبَعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَجَابِرٌ، وَقَيْسُ بْنُ قَهْدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ: لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ خَلْفَ الْقَاعِدِ. وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّ الشَّعْبِيَّ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَلِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ، فَلَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ الْقَادِرِ عَلَيْهِ بِالْعَاجِزِ عَنْهُ كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُصَلُّونَ خَلْفَهُ قِيَامًا؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَأَجْلَسَاهُ إلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاعِدٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ رُكْنٌ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَرْكُهُ، كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. . وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِهِ، وَهُوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ، أَنْ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» وَرَوَى أَنَسٌ نَحْوَهُ، أَخْرَجَهُمَا الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ. وَرَوَى جَابِرٌ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَاهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَعَمِلَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ، مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، كُلُّهَا بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ. وَلِأَنَّهَا حَالَةُ قُعُودِ الْإِمَامِ، فَكَانَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ مُتَابَعَتُهُ، كَحَالِ التَّشَهُّدِ. فَأَمَّا حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ فَمُرْسَلٌ، يَرْوِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وَقَدْ فَعَلَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهُ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْآخَرِينَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي هَذَا حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ، فَإِذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ قَائِمًا صَلَّوْا قِيَامًا. فَأَشَارَ أَحْمَدُ إلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَنْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ جَالِسًا، وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ قَائِمًا، ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ، وَمَتَى أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَجَبَ، وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى النَّسْخِ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْإِمَامَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِالنَّاسِ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْإِمَامَ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِدًا. وَقَالَ أَنَسٌ: صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ قَاعِدًا فِي ثَوْبٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: كِلَا الْحَدِيثَيْنِ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلَا يُعْرَفُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ صَلَاةٌ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ الْحَدِيثَ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْإِمَامَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ. وَقَالَ: «مَا مَاتَ نَبِيٌّ حَتَّى يَؤُمَّهُ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِهِ» . قَالَ مَالِكٌ: الْعَمَلُ عِنْدَنَا عَلَى حَدِيثِ رَبِيعَةَ هَذَا، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الْإِمَامَ لَكَانَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ وَرَاءَهُ صَفًّا. (1180) فَصْلٌ: فَإِنْ صَلَّوْا وَرَاءَهُ قِيَامًا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ. أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، فَإِنَّهُ قَالَ: إنْ صَلَّى الْإِمَامُ جَالِسًا، وَاَلَّذِينَ خَلْفَهُ قِيَامًا. لَمْ يَقْتَدُوا بِالْإِمَامِ، إنَّمَا اتِّبَاعُهُمْ لَهُ إذَا صَلَّى جَالِسًا صَلَّوْا جُلُوسًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ الْقِيَامِ، فَقَالَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: «إذَا صَلَّى الْإِمَامُ قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَلَا تَقُومُوا وَالْإِمَامُ جَالِسٌ، كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ فَارِسَ بِعُظَمَائِهَا. فَقَعَدْنَا» وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَلِأَنَّهُ تَرَكَ اتِّبَاعَ إمَامِهِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ تَارِكَ الْقِيَامِ فِي حَالِ قِيَامِ إمَامِهِ. وَالثَّانِي: تَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا صَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ، فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلِأَنَّهُ يَتَكَلَّفُ لِلْقِيَامِ فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ لَهُ الْقُعُودُ أَشْبَهَ الْمَرِيضَ إذَا تَكَلَّفَ الْقِيَامَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْجَاهِلِ بِوُجُوبِ الْقُعُودِ، دُونَ الْعَالِمِ بِذَلِكَ، كَقَوْلِنَا فِي الَّذِي رَكَعَ دُونَ
مسألة ابتدأ الصلاة قائما ثم اعتل فجلس
الصَّفِّ. فَأَمَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فَقَعَدَ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ. فَصْلٌ: وَلَا يَؤُمُّ الْقَاعِدُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ إمَامَ الْحَيِّ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: ذَلِكَ لِإِمَامِ الْحَيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَى تَقْدِيمِ عَاجِزٍ عَنْ الْقِيَامِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ. فَلَا يَتَحَمَّلُ إسْقَاطَ رُكْنٍ فِي الصَّلَاةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ هُوَ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَرَضُهُ يُرْجَى زَوَالُهُ؛ لِأَنَّ اتِّخَاذَ الزَّمِنِ، وَمَنْ لَا يُرْجَى قُدْرَتُهُ عَلَى الْقِيَامِ إمَامًا رَاتِبًا، يُفْضِي إلَى تَرْكِهِمْ الْقِيَامَ عَلَى الدَّوَامِ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذَا فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُرْجَى بُرْؤُهُ. [مَسْأَلَةٌ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ] (1182) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ قَائِمًا، ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ، ائْتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا.) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَيْثُ ابْتَدَأَ بِهِمْ الصَّلَاةَ قَائِمًا، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ بِهِمْ جَالِسًا، أَتَمُّوا قِيَامًا، وَلَمْ يَجْلِسُوا. وَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ، فَمَنْ بَدَأَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَزِمَهُ فِي جَمِيعِهَا إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، كَالتَّنَازُعِ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا، وَإِنْ حَدَثَ مُبِيحُ الْقَصْرِ فِي أَثْنَائِهَا. (1183) فَصْلٌ: فَإِنْ اسْتَخْلَفَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ فِي زَمَانِنَا، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ فَحَضَرَ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ كَفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَبِي بَكْرٍ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: ذَلِكَ خَاصٌّ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ، فَإِنَّ انْتِقَالَ الْإِمَامِ مَأْمُومًا، وَانْتِقَالَ الْمَأْمُومِينَ مِنْ إمَامٍ إلَى آخَرَ، لَا يَجُوزُ إلَّا لِعُذْرٍ يُحْوِجُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي تَقْدِيمِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ مَا يُحْوِجُ إلَى هَذَا، أَمَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَتْ لَهُ مِنْ الْفَضِيلَةِ عَلَى غَيْرِهِ، وَعِظَمِ التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ، مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: مَنْ فَعَلَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُ، وَيَقْعُدُ إلَى جَنْبِ الْإِمَامِ، يَبْتَدِئُ الْقِرَاءَةَ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ الْإِمَامُ، وَيُصَلِّي لِلنَّاسِ قِيَامًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ جَائِزًا لِأُمَّتِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا لِلْخَلِيفَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ. قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: لَيْسَ هَذَا لَأَحَدٍ إلَّا لِلْخَلِيفَةِ؛
فصل يجوز للعاجز عن القيام أن يؤم مثله
وَذَلِكَ لِأَنَّ رُتْبَةَ الْخِلَافَةِ تَفْضُلُ رُتْبَةَ سَائِرِ الْأَئِمَّةِ، فَلَا يُلْحَقُ بِهَا غَيْرُهَا، وَكَانَ ذَلِكَ لِلْخَلِيفَةِ؛ لِأَنَّ خَلِيفَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُومُ مَقَامَهُ [فَصْلٌ يَجُوزُ لِلْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ أَنْ يَؤُمَّ مِثْلَهُ] (1184) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِلْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ أَنْ يَؤُمَّ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَمَّ الْقَادِرِينَ عَلَى الْقِيَامِ فَمِثْلُهُ أَوْلَى، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي اقْتِدَائِهِمْ بِهِ أَنْ يَكُونَ إمَامًا رَاتِبًا، وَلَا مَرْجُوًّا زَوَالُ مَرَضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إمَامَتِهِ لَهُمْ تَرْكُ رُكْنٍ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ إمَامَتِهِ لِلْقَادِرِينَ عَلَى الْقِيَامِ. [فَصْلٌ لَا يَجُوزُ لِتَارِكِ رُكْنٍ مِنْ الْأَفْعَالِ إمَامَةُ أَحَدٍ] (1185) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لِتَارِكِ رُكْنٍ مِنْ الْأَفْعَالِ إمَامَةُ أَحَدٍ، كَالْمُضْطَجِعِ، وَالْعَاجِزِ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ أَجَازَهُ الْمَرَضُ، فَلَمْ يُغَيِّرْ حُكْمَ الِائْتِمَامِ، كَالْقَاعِدِ بِالْقِيَامِ. وَلَنَا أَنَّهُ أَخَلَّ بِرُكْنٍ لَا يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ، فَلَمْ يَجُزْ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ الِائْتِمَامُ بِهِ، كَالْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ، وَحُكْمُ الْقِيَامِ حَقٌّ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ فِي النَّافِلَةِ، وَعَنْ الْمُقْتَدِينَ بِالْعَاجِزِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الْمُصَلِّينَ خَلْفَ الْجَالِسِ بِالْجُلُوسِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُصَلِّي خَلْفَ الْمُضْطَجِعِ لَا يَضْطَجِعُ. فَأَمَّا إنْ أَمَّ مِثْلَهُ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّتُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْمَطَرِ بِالْإِيمَاءِ، وَالْعُرَاةُ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً بِالْإِيمَاءِ، وَكَذَلِكَ حَالَ الْمُسَايَفَةِ. [فَصْلٌ ائْتِمَامُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ] (1186) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ الْمُتَوَضِّئِ، بِالْمُتَيَمِّمِ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ مُتَيَمِّمًا، وَبَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُنْكِرْهُ. وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ أَصْحَابَهُ مُتَيَمِّمًا، وَفِيهِمْ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُنْكِرُوهُ. وَلِأَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ طَهَارَةً صَحِيحَةً، فَأَشْبَهَ الْمُتَوَضِّئَ. وَلَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ الصَّحِيحِ بِمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَلَا غَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ بِهَا: لِأَنَّهُمَا يُصَلِّيَانِ مَعَ خُرُوجِ الْحَدَثِ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ لَهُ، بِخِلَافِ الْمُتَيَمِّمِ. فَأَمَّا مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ فَتَيَمَّمَ لَهَا، جَازَ لِلطَّاهِرِ الِائْتِمَامُ بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ كَالْمُتَيَمِّمِ لِلْحَدَثِ. وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَجُوزُ الِائْتِمَامُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ. وَإِنْ كَانَتْ عَلَى ثَوْبِهِ، لَمْ يَصِحَّ الِائْتِمَامُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِشَرْطٍ. وَلَا يَجُوزُ ائْتِمَامُ الْمُتَوَضِّئِ وَلَا الْمُتَيَمِّمِ
فصل صلاة المفترض خلف المتنفل
بِعَادِمِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ، وَاللَّابِسِ بِالْعَارِي، وَلَا الْقَادِرِ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ بِالْعَاجِزِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِشَرْطٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمَأْمُومُ، فَأَشْبَهَ الْمُعَافَى بِمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ. وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْعُرَاةَ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا. [فَصْلٌ صَلَاةُ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ] (1187) فَصْلٌ: وَفِي صَلَاةِ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا تَصِحُّ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ، وَحَنْبَلٍ. وَاخْتَارَهَا أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا. وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْإِمَامِ، أَشْبَهَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ. وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ. نَقَلَهَا إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ. وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ جَاءَ فَنَسِيَ، فَتَقَدَّمَ يُصَلِّي بِقَوْمٍ تِلْكَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ ذَكَرَ لَمَّا أَنْ صَلَّى رَكْعَةً، فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ. وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَأَبِي رَجَاءٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيِّ، وَهِيَ أَصَحُّ؛ لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي بِقَوْمِهِ تِلْكَ الصَّلَاةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْخَوْفِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ. وَالثَّانِيَةُ مِنْهُمَا تَقَعُ نَافِلَةً، وَقَدْ أَمَّ بِهَا مُفْتَرِضِينَ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي خَلْدَةَ، قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا رَجَاءٍ لِنُصَلِّيَ مَعَهُ الْأُولَى، فَوَجَدْنَاهُ قَدْ صَلَّى، فَقُلْنَا: جِئْنَاك لِنُصَلِّيَ مَعَك. فَقَالَ: قَدْ صَلَّيْنَا وَلَكِنْ لَا أُخَيِّبُكُمْ، فَأَقَامَ فَصَلَّى وَصَلَّيْنَا مَعَهُ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَلِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ اتَّفَقَتَا فِي الْأَفْعَالِ، فَجَازَ ائْتِمَامُ الْمُصَلِّي فِي إحْدَاهُمَا بِالْمُصَلِّي فِي الْأُخْرَى، كَالْمُتَنَفِّلِ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ. فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ فَالْمُرَادُ بِهِ، لَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فِي الْأَفْعَالِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: «فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» . وَلِهَذَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ مَعَ اخْتِلَافِ نِيَّتِهِمَا،، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْمَسْبُوقِ فِي الْجُمُعَةِ يُدْرِكُ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ، يَنْوِي الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ. فَصْلٌ: وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُتَنَفِّلِ وَرَاءَ الْمُفْتَرِضِ. وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ اخْتِلَافًا، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:: «أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا، فَيُصَلِّيَ مَعَهُ» . وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي فِي إعَادَةِ الْجَمَاعَةِ، وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْإِمَامِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ نَوَى مَكْتُوبَةً، فَبَانَ قَبْلَ وَقْتِهَا.
فصل ائتمام البالغ بالصبي في الفرض
(1189) فَصْلٌ: فَإِنْ صَلَّى الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَفِيهِ أَيْضًا رِوَايَتَانِ: نَقَلَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ جَوَازَهُ. وَنَقَلَ غَيْرُهُ الْمَنْعَ مِنْهُ. وَنَقَلَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: فَمَا تَرَى إنْ صَلَّى فِي رَمَضَانَ خَلْفَ إمَامٍ يُصَلِّي بِهِمْ التَّرَاوِيحَ؟ قَالَ: يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: لَا يُعْجِبُنَا أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ قَوْمٍ التَّرَاوِيحَ، وَيَأْتَمَّ بِهَا لِلْعَتَمَةِ. وَهَذِهِ فَرْعٌ عَلَى ائْتِمَامِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهَا. (1190) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ تُخَالِفُ الْأُخْرَى فِي الْأَفْعَالِ، كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ، أَوْ الْجُمُعَةِ، خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي غَيْرَهُمَا، وَصَلَاةِ غَيْرِهِمَا وَرَاءَ مَنْ يُصَلِّيهِمَا، لَمْ تَصِحَّ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى مُخَالَفَةِ إمَامِهِ فِي الْأَفْعَالِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. (1191) فَصْلٌ: وَمَنْ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ شَكَّ، هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ أَوْ لَا؟ أَوْ شَكَّ فِي صَلَاةٍ صَلَّاهَا، هَلْ فَعَلَهَا فِي وَقْتِهَا أَوْ قَبْلَهُ؟ لَزِمَتْهُ إعَادَتُهَا، وَلَهُ أَنْ يَؤُمَّ فِي الْإِعَادَةِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي إمَامَةِ الْمُتَنَفِّلِ مُفْتَرِضًا. وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّتِهِ، وَوُجُوبُ فِعْلِهَا، فَيَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا مُفْتَرِضًا، كَمَا لَوْ شَكَّ، هَلْ صَلَّى أَمْ لَا؟ وَلَوْ فَاتَتْ الْمَأْمُومَ رَكْعَةٌ فَصَلَّى الْإِمَامُ خَمْسًا سَاهِيًا، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يُعْتَدُّ لِلْمَأْمُومِ بِالْخَامِسَةِ؛ لِأَنَّهَا سَهْوٌ وَغَلَطٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الرَّكْعَةُ نَافِلَةٌ لَهُ، وَفَرْضٌ لِلْمَأْمُومِ. فَيُخَرَّجُ فِيهَا الرِّوَايَتَانِ. وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، فَتَوَقَّفَ فِيهَا. وَالْأَوْلَى، أَنْ يُحْتَسَبَ لَهُ بِهَا، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِهَا لَلَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَمْسًا مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْخَامِسَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْإِمَامِ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْبِنَاءَ عَلَى الْيَقِينِ، وَعِنْدَ اسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ عِنْدَهُ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ نَفْلًا، فَالصَّحِيحُ صِحَّةُ الِائْتِمَامِ بِهِ. وَقَوْلُهُ: إنَّهُ غَلَطٌ. قُلْنَا: لَا يُخْرِجُهُ الْغَلَطُ عَنْ أَنْ يَكُونَ نَفْلًا مُثَابًا فِيهِ، فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَانَتْ الرَّكْعَةُ وَالسَّجْدَتَانِ نَافِلَةً لَهُ» . وَإِنْ صَلَّى بِقَوْمٍ الظُّهْرَ يَظُنُّهَا الْعَصْرَ. فَقَالَ أَحْمَدُ: يُعِيدُ، وَيُعِيدُونَ. وَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي مَنَعَ فِيهَا ائْتِمَامَ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ. فَإِنْ ذَكَرَ الْإِمَامُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَأَتَمَّهَا عَصْرًا، كَانَتْ لَهُ نَافِلَةً، وَإِنْ قَلَبَ نِيَّتَهُ إلَى الظُّهْرِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مُتَقَدِّمًا. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُتِمُّهَا وَالْفَرْضُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ. [فَصْلٌ ائْتِمَامُ الْبَالِغِ بِالصَّبِيِّ فِي الْفَرْضِ] (1192) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ الْبَالِغِ بِالصَّبِيِّ فِي الْفَرْضِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ
فصل يؤم قوما أكثرهم له كارهون
قَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَأَجَازَهُ الْحَسَنُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى إمَامَةِ الْمُتَنَفِّلِ لِلْمُفْتَرِضِ؛ وَوَجْهُ ذَلِكَ عُمُومُ قَوْلِهِ: «يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى» . وَهَذَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِهِ. وَرَوَى عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ الْجَرْمِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِقَوْمِهِ: «يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ. قَالَ: فَكُنْت أَؤُمُّهُمْ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ. وَلِأَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلرِّجَالِ، فَجَازَ أَنْ يَؤُمَّهُمْ كَالْبَالِغِ. وَلَنَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَةَ حَالُ كَمَالٍ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ، فَلَا يَؤُمُّ الرِّجَالَ كَالْمَرْأَةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْ الصَّبِيِّ الْإِخْلَالُ بِشَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ أَوْ الْقِرَاءَةِ حَالَ الْإِسْرَارِ. فَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانَ أَحْمَدُ يُضَعِّفُ أَمْرَ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ. وَقَالَ مَرَّةً: دَعْهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ بَيِّنٍ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: قِيلَ لِأَحْمَدَ: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي أَيُّ شَيْءٍ هَذَا، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا تَوَقَّفَ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ بُلُوغَ الْأَمْرِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ كَانَ بِالْبَادِيَةِ فِي حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ بَعِيدٍ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَقَوَّى هَذَا الِاحْتِمَالَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: وَكُنْت إذَا سَجَدْت خَرَجَتْ اسْتِي. وَهَذَا غَيْرُ سَائِغٍ. (1193) فَصْلٌ: فَأَمَّا إمَامَتُهُ فِي النَّفْلِ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَا تَصِحُّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَرْضِ. وَالثَّانِيَةُ، تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُتَنَفِّلِينَ، وَلِأَنَّ النَّافِلَةَ يَدْخُلُهَا التَّخْفِيفُ، وَلِذَلِكَ تَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ بِهِ فِيهَا إذَا كَانَ مَأْمُومًا. [فَصْلٌ يَؤُمّ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ] (1194) فَصْلٌ: يُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلَاةٌ: مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا هُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ يَأْتِي الصَّلَاةَ دِبَارًا - وَالدِّبَارُ: أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَ أَنْ يَفُوتَهُ الْوَقْتُ - وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فصل إمامة الأعرابي
وَقَالَ عَلِيٌّ لِرَجُلٍ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ: إنَّكَ لَخَرُوطٌ. قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا كَرِهَهُ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَلَا بَأْسَ، حَتَّى يَكْرَهَهُ أَكْثَرُ الْقَوْمِ، وَإِنْ كَانَ ذَا دِينٍ وَسُنَّةٍ فَكَرِهَهُ الْقَوْمُ لِذَلِكَ، لَمْ تُكْرَهْ إمَامَتُهُ. قَالَ مَنْصُورٌ: أَمَا إنَّا سَأَلْنَا أَمْرَ الْإِمَامَةِ، فَقِيلَ لَنَا: إنَّمَا عَنَى بِهَذَا الظَّلَمَةَ فَأَمَّا مَنْ أَقَامَ السُّنَّةَ فَإِنَّمَا الْإِثْمُ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ. [فَصْلٌ إمَامَةُ الْأَعْرَابِيِّ] (1195) فَصْلٌ: وَلَا تُكْرَهُ إمَامَةُ الْأَعْرَابِيِّ إذَا كَانَ يَصْلُحُ لَهَا. نَصَّ عَلَيْهِ. وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَكَرِهَ أَبُو مِجْلَزٍ إمَامَتَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَؤُمُّهُمْ، وَإِنْ كَانَ أَقْرَأَهُمْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة: 97] . وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى» . وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ مِنْ أَهْلِ الْإِمَامَةِ، أَشْبَهَ الْمُهَاجِرَ، وَالْمُهَاجِرُ أَوْلَى مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَسْبُوقِ بِالْهِجْرَةِ، فَمَنْ لَا هِجْرَةَ لَهُ أَوْلَى. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَالْحَضَرِيُّ أَوْلَى مِنْ الْبَدَوِيِّ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي إمَامَتِهِ، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ جَفَاؤُهُمْ، وَقِلَّةُ مَعْرِفَتِهِمْ بِحُدُودِ اللَّهِ. [فَصْلٌ إمَامَةُ وَلَدِ الزِّنَا] فَصْلٌ: وَلَا تُكْرَهُ إمَامَةُ وَلَدِ الزِّنَا إذَا سَلِمَ دِينُهُ. قَالَ عَطَاءٌ: لَهُ أَنْ يَؤُمَّ إذَا كَانَ مَرْضِيًّا، وَبِهِ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ. وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُتَّخَذَ إمَامًا رَاتِبًا. وَكَرِهَ الشَّافِعِيُّ إمَامَتَهُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ مَوْضِعُ فَضِيلَةٍ، فَكُرِهَ تَقْدِيمُهُ فِيهَا كَالْعَبْدِ. وَلَنَا، قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» . وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ أَبَوَيْهِ شَيْءٌ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] وَقَالَ {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] وَالْعَبْدُ لَا تُكْرَهُ إمَامَتُهُ، وَإِنَّمَا الْحُرُّ أَوْلَى مِنْهُ، ثُمَّ إنَّ الْعَبْدَ نَاقِصٌ فِي أَحْكَامِهِ، لَا يَلِي النِّكَاحَ وَلَا الْمَالَ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ، بِخِلَافِ هَذَا. (1197) فَصْلٌ: وَلَا تُكْرَهُ إمَامَةُ الْجُنْدِيِّ وَالْخَصِيِّ إذَا سَلِمَ دِينُهُمَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْعَبْدِ، وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ مِنْ أَهْلِ الْإِمَامَةِ، أَشْبَهَ غَيْرَهُ.
فصل من شرط صحة الجماعة أن ينوي الإمام والمأموم حالهما
[فَصْلٌ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ حَالَهُمَا] (1198) فَصْلٌ: مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ حَالَهُمَا، فَيَنْوِي الْإِمَامُ أَنَّهُ إمَامٌ، وَالْمَأْمُومُ أَنَّهُ مَأْمُومٌ، فَإِنْ صَلَّى رَجُلَانِ يَنْوِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ إمَامُ صَاحِبِهِ، أَوْ مَأْمُومٌ لَهُ، فَصَلَاتُهُمَا فَاسِدَةٌ. نُصَّ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ بِإِمَامٍ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَأَمَّ مَنْ لَمْ يَأْتَمَّ بِهِ فِي الثَّانِيَةِ. وَلَوْ رَأَى رَجُلَيْنِ يُصَلِّيَانِ، فَنَوَى الِائْتِمَامَ بِالْمَأْمُومِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهُ. وَإِنْ نَوَى الِائْتِمَامَ بِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ، حَتَّى يُعَيِّنَ الْإِمَامَ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَهُ شَرْطٌ. وَإِنْ نَوَى الِائْتِمَامَ بِهِمَا مَعًا، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ نَوَى الِائْتِمَامَ بِمَنْ لَيْسَ بِإِمَامٍ، وَلِأَنَّهُ نَوَى الِائْتِمَامَ بِاثْنَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ الِائْتِمَامُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ. وَلَوْ نَوَى الِائْتِمَامَ بِإِمَامَيْنِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اتِّبَاعُهُمَا مَعًا. [فَصْلٌ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَصَلَّى مَعَهُ فَنَوَى إمَامَتَهُ] (1199) فَصْلٌ: وَلَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَصَلَّى مَعَهُ، فَنَوَى إمَامَتَهُ، صَحَّ فِي النَّفْلِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ «أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَطَوِّعًا مِنْ اللَّيْلِ، فَقَامَ إلَى الْقِرْبَةِ فَتَوَضَّأَ، فَقَامَ فَصَلَّى، فَقُمْت لَمَّا رَأَيْتُهُ صَنَعَ ذَلِكَ فَتَوَضَّأْتُ مِنْ الْقِرْبَةِ، ثُمَّ قُمْتُ إلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ، فَأَخَذَ بِيَدَيْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ يَعْدِلُنِي كَذَلِكَ إلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ. فَأَمَّا فِي الْفَرِيضَةِ، فَإِنْ كَانَ يَنْتَظِرُ أَحَدًا كَإِمَامِ الْمَسْجِدِ يُحْرِمُ وَحْدَهُ وَيَنْتَظِرُ مَنْ يَأْتِي فَيُصَلِّي مَعَهُ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ أَيْضًا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ وَحْدَهُ، ثُمَّ جَاءَ جَابِرٌ وَجُبَارَةُ فَأَحْرَمَا مَعَهُ، فَصَلَّى بِهِمَا، وَلَمْ يُنْكِرْ فِعْلَهُمَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ صَلَاةً مَفْرُوضَةً، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسَافِرِينَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، هَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ ائْتَمَّ بِمَأْمُومٍ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: فِي النَّفْسِ مِنْهَا شَيْءٌ. مَعَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ يُقَوِّيهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي النَّفْلِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ» . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ. وَالْأَصْلُ مُسَاوَاةُ الْفَرْضِ لِلنَّفْلِ فِي النِّيَّةِ، وَقَوَّى ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ وَجُبَارَةَ فِي الْفَرْضِ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى نَقْلِ النِّيَّةِ إلَى الْإِمَامَةِ فَصَحَّ كَحَالَةِ الِاسْتِخْلَافِ، وَبَيَانُ الْحَاجَةِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ إذَا جَاءَ قَوْمٌ فَأَحْرَمُوا وَرَاءَهُ، فَإِنْ قَطَعَ الصَّلَاةَ وَأَخْبَرَ بِحَالِهِ قَبُحَ، وَكَانَ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وَإِنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِهِمْ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِفَسَادِ صَلَاتِهِمْ كَانَ أَقْبَحَ وَأَشَقَّ. وَلِأَنَّ الِانْفِرَادَ أَحَدُ حَالَتَيْ عَدَمِ الْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَجَازَ الِانْتِقَالُ
فصل أحرم منفردا ثم نوى جعل نفسه مأموما
مِنْهَا إلَى الْإِمَامَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَأْمُومًا، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِحَالَةِ الِاسْتِخْلَافِ. [فَصْلٌ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى جَعْلَ نَفْسِهِ مَأْمُومًا] (1200) فَصْلٌ: وَإِنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى جَعْلَ نَفْسِهِ مَأْمُومًا، بِأَنْ يَحْضُرَ جَمَاعَةً، فَيَنْوِيَ الدُّخُولَ مَعَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، هُوَ جَائِزٌ، سَوَاءٌ كَانَ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ، أَوْ قَدْ صَلَّى رَكْعَةً فَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَ نَفْسَهُ إلَى الْجَمَاعَةِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ نَوَى الْإِمَامَةَ. وَالثَّانِيَةُ، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَ نَفْسَهُ إلَى جَعْلِهِ مَأْمُومًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْإِمَامِ، وَفَارَقَ نَقْلَهُ إلَى الْإِمَامَةِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ، وَيَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، يَنْوِي الظُّهْرَ، ثُمَّ جَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ: سَلَّمَ مِنْ هَذِهِ، وَتَصِيرُ لَهُ تَطَوُّعًا، وَيَدْخُلُ مَعَهُمْ. قِيلَ لَهُ: فَإِنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الْقَوْمِ، وَاحْتَسَبَ بِهِ. قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَنْوِيَ بِهَا الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ فِي ابْتِدَاءِ الْفَرْضِ. [فَصْلٌ أَحْرَمَ مَأْمُومًا ثُمَّ نَوَى مُفَارَقَةَ الْإِمَامِ وَإِتْمَامَهَا مُنْفَرِدًا لِعُذْرٍ] (1201) فَصْلٌ: وَإِنْ أَحْرَمَ مَأْمُومًا، ثُمَّ نَوَى مُفَارَقَةَ الْإِمَامِ، وَإِتْمَامَهَا مُنْفَرِدًا لِعُذْرٍ، جَازَ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: «كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْعِشَاءِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ فَيَؤُمُّهُمْ، فَأَخَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْعِشَاءِ، فَصَلَّى مَعَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْمِهِ فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَتَأَخَّرَ رَجُلٌ فَصَلَّى وَحْدَهُ، فَقِيلَ لَهُ: نَافَقْت يَا فُلَانُ. قَالَ: مَا نَافَقْت، وَلَكِنْ لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُخْبِرُهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ مَرَّتَيْنِ اقْرَأْ سُورَةَ كَذَا وَسُورَةَ كَذَا، قَالَ: وَسُورَةَ ذَاتِ الْبُرُوجِ، وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى، وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلَ بِالْإِعَادَةِ، وَلَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ فِعْلَهُ، وَالْأَعْذَارُ الَّتِي يَخْرُجُ لِأَجْلِهَا، مِثْلُ الْمَشَقَّةِ بِتَطْوِيلِ الْإِمَامِ، أَوْ الْمَرَضِ، أَوْ خَشْيَةِ غَلَبَةِ النُّعَاسِ، أَوْ شَيْءٍ يُفْسِدُ صَلَاتَهُ، أَوْ خَوْفِ فَوَاتِ مَالٍ أَوْ تَلَفِهِ، أَوْ فَوْتِ رُفْقَتِهِ، أَوْ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ الصَّفِّ لَا يَجِدُ مَنْ يَقِفُ مَعَهُ، وَأَشْبَاهُ هَذَا. وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ. وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ لِأَنَّهُ لَوْ نَوَى الْمُنْفَرِدُ كَوْنَهُ مَأْمُومًا لَصَحَّ فِي رِوَايَةٍ، فَنِيَّةُ الِانْفِرَادِ أَوْلَى، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ قَدْ يَصِيرُ مُنْفَرِدًا بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَهُوَ الْمَسْبُوقُ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ، وَغَيْرُهُ لَا يَصِيرُ مَأْمُومًا بِغَيْرِ نِيَّةٍ بِحَالِ.
فصل أحرم مأموما ثم صار إماما أو نقل نفسه إلى الائتمام بإمام آخر
[فَصْلٌ أَحْرَمَ مَأْمُومًا ثُمَّ صَارَ إمَامًا أَوْ نَقَلَ نَفْسَهُ إلَى الِائْتِمَامِ بِإِمَامِ آخَر] (1202) فَصْلٌ: وَإِنْ أَحْرَمَ مَأْمُومًا، ثُمَّ صَارَ إمَامًا، أَوْ نَقَلَ نَفْسَهُ إلَى الِائْتِمَامِ بِإِمَامٍ آخَرَ، جَازَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ إذَا سَبَقَ الْإِمَامَ الْحَدَثُ، فَاسْتَخْلَفَ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا. وَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِهِ، إلَّا أَنْ يُدْرِكَ اثْنَانِ بَعْضَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ، فَلَمَّا سَلَّمَ ائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ. وَإِنْ نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ إمَامُ صَاحِبِهِ، أَوْ مَأْمُومٌ لَهُ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. وَإِنْ نَوَى الْإِمَامُ الِائْتِمَامَ بِغَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ إذَا اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ مَنْ يُصَلِّي، ثُمَّ جَاءَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، فَتَقَدَّمَ فَصَارَ إمَامًا، وَبَنَى عَلَى صَلَاةِ خَلِيفَتِهِ، وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ، قَدْ ذَكَرْنَاهَا. [مَسْأَلَةٌ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى حَتَّى دَخَلَ فِي الصَّفِّ] (1203) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى حَتَّى دَخَلَ فِي الصَّفِّ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي بَكْرَةَ: «زَادَك اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» قِيلَ لَهُ: لَا تَعُدْ. وَقَدْ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ النَّهْيِ لَمْ تُجْزِئْهُ صَلَاتُهُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ مَنْ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ دَخَلَ فِيهِ، لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إمَّا أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً كَامِلَةً، فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» . وَالثَّانِي، أَنْ يَدِبَّ رَاكِعًا حَتَّى يَدْخُلَ فِي الصَّفِّ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، أَوْ أَنْ يَأْتِيَ آخَرُ فَيَقِفَ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الصَّفِّ مَا يُدْرِكُ بِهِ الرَّكْعَةَ. وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي رُكُوعِ الرَّجُلِ دُونَ الصَّفِّ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَفَعَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَزَيْدُ بْنُ وَهْبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُرْوَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ. وَجَوَّزَهُ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الصَّفِّ. الْحَالُ الثَّالِثُ، إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ، أَوْ جَاءَ آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ قَبْلَ إتْمَامِ الرَّكْعَةِ، فَهَذِهِ الْحَالُ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " وَنَصُّ أَحْمَدَ ". فَمَتَى كَانَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ عَلِمَ، لَمْ تَصِحَّ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَصِحُّ، وَلَمْ يُفَرِّقْ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ فَعَلَ ذَلِكَ، وَفَعَلَهُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَنَا، مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ انْتَهَى إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «زَادَك اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلَفْظُهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ جَاءَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاكِعٌ، فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ
فصل أحس الإمام بداخل وهو في الركوع يريد الصلاة معه
، ثُمَّ مَشَى إلَى الصَّفِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ، قَالَ: «أَيُّكُمْ الَّذِي رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إلَى الصَّفِّ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: أَنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: زَادَك اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» . فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، وَنَهَاهُ عَنْ الْعَوْدِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا نَهَاهُ عَنْ التَّهَاوُنِ وَالتَّخَلُّفِ عَنْ الصَّلَاةِ. قُلْنَا: إنَّمَا يَعُودُ النَّهْيُ إلَى الْمَذْكُورِ، وَالْمَذْكُورُ الرُّكُوعُ دُونَ الصَّفِّ، وَلَمْ يَنْسُبهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى التَّهَاوُنِ، وَإِنَّمَا نَسَبَهُ إلَى الْحِرْصِ، وَدَعَا لَهُ بِالزِّيَادَةِ فِيهِ، فَكَيْفَ يَنْهَاهُ عَنْ التَّهَاوُنِ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى ضِدِّهِ؟ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهَا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ فِي الصَّفِّ مَا يُدْرِكُ بِهِ الرَّكْعَةَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى رَكْعَةً كَامِلَةً، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ، عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّفِّ قَبْلَ رَفْعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسَهُ، وَقَدْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا يَرْكَعْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَأْخُذَ مَقَامَهُ مِنْ الصَّفِّ. وَلَمْ يُفَرِّقْ الْقَاضِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ مِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ ثُمَّ دَخَلَ، وَبَيْنَ مِنْ دَخَلَ فِيهِ رَاكِعًا، وَكَذَلِكَ كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ، وَلَا تَفْرِيقَ فِيهِ، وَالدَّلِيلُ يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ، فَيُحْمَلُ كَلَامُهُمْ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ نَحْوًا مِمَّا ذَكَرْنَا. (1204) فَصْلٌ: وَإِنْ فَعَلَ هَذَا لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا خَشِيَ الْفَوَاتَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُجْزِ مُطْلَقًا لَمْ يُجْزِ حَالَ الْعُذْرِ، كَالرَّكْعَةِ كُلِّهَا. وَالثَّانِي، لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِكَوْنِهِ يَفُوتُهُ فِي الصَّفِّ مَا تَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ بِفَوَاتِهِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ فِي الْمَعْذُورِ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، فَفِي غَيْرِهِ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ. [فَصْل أَحَسَّ الْإِمَام بِدَاخِلِ وَهُوَ فِي الرُّكُوعِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ مَعَهُ] (1205) فَصْلٌ: إذَا أَحَسَّ بِدَاخِلٍ، وَهُوَ فِي الرُّكُوعِ، يُرِيدُ الصَّلَاةَ مَعَهُ، وَكَانَتْ الْجَمَاعَةُ كَثِيرَةً، كُرِهَ انْتِظَارُهُ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ يَسِيرَةً، وَكَانَ انْتِظَارُهُ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، كُرِهَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الَّذِينَ مَعَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ الدَّاخِلِ، فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ لِنَفْعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشُقَّ لِكَوْنِهِ يَسِيرًا، فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: يَنْتَظِرُهُ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي مِجْلَزٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْتَظِرُهُ؛ لِأَنَّ انْتِظَارَهُ تَشْرِيكٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَلَا يُشْرَعُ، كَالرِّيَاءِ. وَلَنَا، أَنَّهُ انْتِظَارٌ يَنْفَعُ وَلَا يَشُقُّ، فَشُرِعَ، كَتَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ وَتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى حَتَّى لَا يَسْمَعَ وَقْعَ قَدَمٍ. وَأَطَالَ السُّجُودَ حِينَ رَكِبَ الْحَسَنُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَقَالَ: «إنَّ ابْنِي هَذَا ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ» . وَقَالَ: «إنِّي لَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ وَأَنَا
مسألة سترة الإمام سترة لمن خلفه
فِي الصَّلَاةِ فَأُخَفِّفُهَا كَرَاهَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» . وَقَالَ: «مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ» . وَشُرِعَ الِانْتِظَارُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لِتُدْرِكَهُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ، وَلِأَنَّ مُنْتَظِرَ الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُ الْجَمَاعَةَ، فَقَالَ جَابِرٌ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْعِشَاءَ أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا إذَا رَآهُمْ قَدْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ» وَبِهَذَا كُلِّهِ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّشْرِيكِ. قَالَ الْقَاضِي: وَالِانْتِظَارُ جَائِزٌ، غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُ مَنْ كَانَ ذَا حُرْمَةٍ، كَأَهْلِ الْعِلْمِ وَنُظَرَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ [مَسْأَلَة سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ] (1206) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَسُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يُصَلِّيَ إلَى سُتْرَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ بَيْتٍ صَلَّى إلَى الْحَائِطِ أَوْ سَارِيَةٍ، وَإِنْ كَانَ فِي فَضَاءٍ صَلَّى إلَى شَيْءٍ شَاخِصٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ نَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَرْبَةً أَوْ عَصًا، أَوْ عَرَضَ الْبَعِيرَ فَصَلَّى إلَيْهِ، أَوْ جَعَلَ رَحْلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَسُئِلَ أَحْمَدُ: يُصَلِّي الرَّاحِلُ إلَى سُتْرَةٍ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ خِلَافًا، وَالْأَصْلُ فِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ تُرْكَزُ لَهُ الْحَرْبَةُ فَيُصَلِّي إلَيْهَا، وَيُعْرَضُ الْبَعِيرُ فَيُصَلِّي إلَيْهِ» ، وَرَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُكِّزَتْ لَهُ الْعَنَزَةُ، فَتَقَدَّمَ وَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحِمَارُ وَالْكَلْبُ، لَا يُمْنَعُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُبَالِ مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ. قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: كُلُّ مَنْ أَدْرَكْت مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ يُنْتَهَى إلَى قَوْلِهِمْ؛ سَعِيدُ بْن الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَغَيْرُهُمْ، يَقُولُونَ: سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ، وَلَمْ يَأْمُرْ أَصْحَابَهُ بِنَصْبِ سُتْرَةٍ أُخْرَى. وَفِي حَدِيثٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَقْبَلْت رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فصل قدر السترة للمصلي
يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْت بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ أَهْلِ الصَّفِّ، فَنَزَلْت، فَأَرْسَلْت الْأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْت فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ أَحَدٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ. أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْإِمَامِ وَسُتْرَتِهِ شَيْءٌ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَصَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ صَحِيحَةٌ، لَا يَضُرُّهَا مُرُورُ شَيْءٍ بَيْنَ أَيْدِيهمْ فِي بَعْضِ الصَّفِّ، وَلَا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِمَامِ، وَإِنْ مَرَّ مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَسُتْرَتِهِ قَطَعَ صَلَاتَهُ وَصَلَاتَهُمْ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «هَبَطْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ثَنِيَّةِ أَذَاخِرَ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ - يَعْنِي فَصَلَّى إلَى جُدُرٍ - فَاِتَّخَذَهَا قِبْلَةً، وَنَحْنُ خَلْفَهُ، فَجَاءَتْ بَهْمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا زَالَ يَدْرَؤُهَا حَتَّى لَصِقَ بَطْنُهُ بِالْجُدُرِ، فَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَلَوْلَا أَنَّ سُتْرَتَهُ سُتْرَةٌ لَهُمْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ مُرُورِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَلْفَهُ فَرْقٌ. [فَصْلٌ قَدْرُ السُّتْرَةِ لِلْمُصَلَّيْ] (1207) فَصْلٌ: وَقَدْرُ السُّتْرَةِ فِي طُولِهَا ذِرَاعٌ أَوْ نَحْوُهُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آخِرَةِ الرَّحْلِ كَمْ مِقْدَارُهَا؟ قَالَ: ذِرَاعٌ. كَذَا قَالَ عَطَاءٌ: ذِرَاعٌ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهَا قَدْرُ عَظْمِ الذِّرَاعِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ لَا التَّحْدِيدِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّرَهَا بِآخِرَةِ الرَّحْلِ، وَآخِرَةُ الرَّحْلِ تَخْتَلِفُ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ، فَتَارَةً تَكُونُ ذِرَاعًا، وَتَارَةً تَكُونُ أَقَلَّ مِنْهُ، فَمَا قَارَبَ الذِّرَاعَ أَجْزَأَ الِاسْتِتَارُ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَأَمَّا قَدْرُهَا فِي الْغِلَظِ وَالدِّقَّةِ فَلَا حَدَّ لَهُ نَعْلَمُهُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ دَقِيقَةً كَالسَّهْمِ وَالْحَرْبَةِ، وَغَلِيظَةً كَالْحَائِطِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَتِرُ بِالْعَنَزَةِ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كُنَّا نَسْتَتِرُ بِالسَّهْمِ وَالْحَجَرِ فِي الصَّلَاةِ. وَرُوِيَ عَنْ سَبْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اسْتَتِرُوا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِسَهْمٍ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُجْزِئْهُ السَّهْمُ وَالسَّوْطُ. قَالَ أَحْمَدُ: وَمَا كَانَ أَعْرَضَ فَهُوَ أَعْجَبُ إلَيَّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ " وَلَوْ بِسَهْمٍ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى مِنْهُ [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَدْنُوَ مِنْ سُتْرَتِهِ] (1208) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَدْنُوَ مِنْ سُتْرَتِهِ؛ لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى سُتْرَةٍ، فَلْيَدْنُ مِنْهَا، لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ أَبِي
فصل لا بأس أن يستتر المصلي ببعير أو حيوان
سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إلَى سُتْرَةٍ، وَلْيَدْنُ مِنْهَا» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مَمَرُّ الشَّاةِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ارْهَقُوا الْقِبْلَةَ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي " مَعَالِمِ السُّنَنِ " أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ كَانَ يُصَلِّي يَوْمًا مُتَنَائِيًا عَنْ السُّتْرَةِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الْمُصَلِّي، اُدْنُ مِنْ سُتْرَتِكَ. فَجَعَلَ مَالِكٌ يَتَقَدَّمُ وَهُوَ يَقْرَأُ {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] . وَلِأَنَّ قُرْبَهُ مِنْ السُّتْرَةِ أَصُونُ لِصَلَاتِهِ وَأَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا شَيْءٌ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ فَمَا دُونَ. قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يُصَلِّي، كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ؟ قَالَ يَدْنُو مِنْ الْقِبْلَةِ مَا اسْتَطَاعَ. ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: إنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكَعْبَةِ، فَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَائِطِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ» . قَالَ الْمَيْمُونِي: فَقَدْ رَأَيْتُك عَلَى نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ. قَالَ: بِالسَّهْوِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ. قَالَ عَطَاءٌ: أَقَلُّ مَا يَكْفِيك ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ بِلَالٍ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي مُقَدَّمِ الْبَيْتِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ» . وَكَلَّمَا دَنَا فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْمَعْنَى. [فَصْلٌ لَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَتِرَ الْمُصَلِّي بِبَعِيرِ أَوْ حَيَوَانٍ] (1209) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَتِرَ بِبَعِيرٍ أَوْ حَيَوَانٍ، وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ. وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ لَا يَسْتَتِرُ بِدَابَّةِ. وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى إلَى بَعِيرٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْرِضُ رَاحِلَتَهُ، وَيُصَلِّي إلَيْهَا. قَالَ: قُلْت: فَإِذَا ذَهَبَ الرِّكَابُ؟ قَالَ: يَعْرِضُ الرَّحْلَ، وَيُصَلِّي إلَى آخِرَتِهِ، فَإِنْ اسْتَتَرَ بِإِنْسَانٍ فَلَا بَأْسَ، فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ غَيْرِهِ مِنْ السُّتْرَةِ» وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَجُلًا يُصَلِّي، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَوَلَّاهُ ظَهْرَهُ، وَقَالَ بِثَوْبِهِ هَكَذَا، وَبَسَطَ يَدَيْهِ هَكَذَا. وَقَالَ: صَلِّ، وَلَا تُعَجِّلْ. وَعَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: وَلِّنِي ظَهْرَكَ. رَوَاهُمَا النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ.
فصل لم يجد المصلي سترة
[فَصْلٌ لَمْ يَجِدْ الْمُصَلَّيْ سُتْرَةً] (1210) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً خَطَّ خَطًّا، وَصَلَّى إلَيْهِ، وَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ السُّتْرَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ الْخَطَّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِالْخَطِّ بِالْعِرَاقِ، وَقَالَ بِمِصْرَ: لَا يَخُطُّ الْمُصَلِّي خَطًّا، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ سُنَّةٌ تُتَّبَعُ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ أَمَامَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَسُنَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى أَنْ تُتَّبَعَ. (1211) فَصْلٌ: وَصِفَةُ الْخَطِّ مِثْلُ الْهِلَالِ. قَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَسُئِلَ عَنْ الْخَطِّ فَقَالَ: هَكَذَا عَرْضًا مِثْلَ الْهِلَالِ. قَالَ: وَسَمِعْت مُسَدِّدًا، قَالَ: قَالَ ابْنُ دَاوُد: الْخَطُّ بِالطُّولِ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: قَالُوا: طُولًا، وَقَالُوا: عَرْضًا. وَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَخْتَارُ هَذَا. وَدَوَّرَ بِإِصْبَعِهِ مِثْلَ الْقَنْطَرَةِ. وَكَيْفَ مَا خَطَّهُ أَجْزَأَهُ، فَقَدْ نَقَلَ حَنْبَلٌ، أَنَّهُ قَالَ: إنْ شَاءَ مُعْتَرِضًا، وَإِنْ شَاءَ طُولًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَدِيثَ مُطْلَقٌ فِي الْخَطِّ، فَكَيْفَ مَا أَتَى بِهِ فَقَدْ أَتَى بِالْخَطِّ، فَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (1212) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ مَعَهُ عَصَا فَلَمْ يُمْكِنْهُ نَصْبُهَا. فَقَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَهُ عَصًا، لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَرْزِهَا، فَأَلْقَاهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، أَيُلْقِيهَا طُولًا أَمْ عَرْضًا؟ قَالَ: لَا، بَلْ عَرْضًا. وَكَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الْخَطِّ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ اسْتِحْبَابُ الْخَطِّ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ. [فَصْلٌ إذَا صَلَّى إلَى عُودٍ أَوْ عَمُودٍ أَوْ شَيْءٍ فِي مَعْنَاهُمَا] (1213) فَصْلٌ: وَإِذَا صَلَّى إلَى عُودٍ أَوْ عَمُودٍ أَوْ شَيْءٍ فِي مَعْنَاهُمَا، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَنْحَرِفَ عَنْهُ، وَلَا يَصْمُدُ لَهُ صَمَدًا؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: «مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى إلَى عُودٍ أَوْ إلَى عَمُودٍ وَلَا شَجَرَةٍ، إلَّا جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ، وَلَا يَصْمُدُ لَهُ صَمَدًا. أَيْ لَا يَسْتَقْبِلُهُ فَيَجْعَلُهُ وَسَطًا» . وَمَعْنَى الصَّمَدِ: الْقَصْدُ.
فصل الصلاة إلى المتحدثين والنائم
[فَصْلٌ الصَّلَاةُ إلَى الْمُتَحَدِّثِينَ وَالنَّائِمِ] (1214) فَصْلٌ: تُكْرَهُ الصَّلَاةُ إلَى الْمُتَحَدِّثِينَ، لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِحَدِيثِهِمْ. وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ إلَى النَّائِمِ، فَرُوِيَ أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي الْفَرِيضَةِ خَاصَّةً، وَلَا يُكْرَهُ فِي التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ وَعَائِشَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ كَاعْتِرَاضِ الْجِنَازَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا فِي التَّطَوُّعِ، وَالْفَرِيضَةُ أَشَدُّ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ إلَى النَّائِمِ وَالْمُتَحَدِّثِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَخَرَجَ التَّطَوُّعُ مِنْ عُمُومِهِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، بَقِيَ الْفَرْضُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ. وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ صَحِيحٌ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ ضَعِيفٌ. قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ إلَّا فِي صَلَاةِ الرَّاكِبِ. وَتَقْدِيمُ قِيَاسِ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ أَوْلَى مِنْ الْخَبَرِ الضَّعِيفِ. [فَصْلٌ الصَّلَاة مُسْتَقْبِلًا وَجْهَ إنْسَانٍ] (1215) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مُسْتَقْبِلًا وَجْهَ إنْسَانٍ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَدَّبَ عَلَى ذَلِكَ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي حِذَاءَ وَسَطِ السَّرِيرِ، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، تَكُونُ لِي الْحَاجَةُ فَأَكْرَهُ أَنْ أَقُومَ فَأَسْتَقْبِلَهُ، فَأَنْسَلَّ انْسِلَالًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ شِبْهُ السُّجُودِ لِذَلِكَ الشَّخْصِ. وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى نَارٍ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا كَانَ التَّنُّورُ فِي قِبْلَتِهِ لَا يُصَلِّي إلَيْهِ. وَكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي السِّرَاجِ وَالْقِنْدِيلِ يَكُونُ فِي الْقِبْلَةِ: أَكْرَهُهُ. وَأَكْرَهُ كُلَّ شَيْءٍ. حَتَّى كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَجْعَلُوا شَيْئًا فِي الْقِبْلَةِ حَتَّى الْمُصْحَفَ، وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّارَ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَالصَّلَاةُ إلَيْهَا تُشْبِهُ الصَّلَاةَ لَهَا. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا تُصَلِّ إلَى صُورَةٍ مَنْصُوبَةٍ فِي وَجْهِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصُّورَةَ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ لَنَا ثَوْبٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَجَعَلْتُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي، فَنَهَانِي. أَوْ قَالَتْ: كَرِهَ ذَلِكَ. رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، بِإِسْنَادِهِ. وَلِأَنَّ التَّصَاوِيرَ تَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا، وَتُذْهِلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ مُعَلَّقٌ، مُصْحَفٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا بِالْأَرْضِ. وَقَدْ رَوَى مُجَاهِدٌ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَدَعُ شَيْئًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ إلَّا نَزَعَهُ، لَا سَيْفًا وَلَا مُصْحَفًا. رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ. قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا يُكْتَبُ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَشْغَلُ قَلْبَ الْمُصَلِّي، وَرُبَّمَا اشْتَغَلَ بِقِرَاءَتِهِ عَنْ صَلَاتِهِ، وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ تَزْوِيقُهَا، وَكُلُّ مَا يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلَاتِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ: «اذْهَبُوا بِهَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي. وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ: «أَمِيطِي عَنَّا
فصل الصلاة وأمامه امرأة تصلي
قِرَامَك، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ مَا أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الْعِصْمَةِ وَالْخُشُوعِ، يَشْغَلُهُ ذَلِكَ، فَغَيْرُهُ مِنْ النَّاسِ أَوْلَى. [فَصْل الصَّلَاة وَأَمَامَهُ امْرَأَةٌ تُصَلِّي] (1216) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَأَمَامَهُ امْرَأَةٌ؛ تُصَلِّي؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» . فَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَلَا يُكْرَهُ؛ لِخَبَرِ عَائِشَةَ. وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: كَانَ فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَإِنْ كَانَتْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ، لَمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي صَلَاةٍ. وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ كَافِرٌ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ إِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ نَجَسٌ. [فَصْلٌ لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِمَكَّةَ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ] (1217) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِمَكَّةَ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ. قَالَ الْأَثْرَمُ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يُصَلِّي بِمَكَّةَ، وَلَا يَسْتَتِرُ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَلَّى ثَمَّ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ سُتْرَةٌ. قَالَ أَحْمَدُ: لِأَنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا، كَأَنَّ مَكَّةَ مَخْصُوصَةٌ. وَذَلِكَ لِمَا رَوَى كَثِيرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ الْمُطَّلَبِ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي حِيَالَ الْحِجْرِ، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ. رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْمُطَّلَبِ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ، جَاءَ حَتَّى يُحَاذِيَ الرُّكْنَ بَيْنَهُ وَبَيْنِ السَّقِيفَةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْهِ فِي حَاشِيَةِ الْمَطَافِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ أَحَدٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَمَّارٍ: رَأَيْت ابْنَ الزُّبَيْرِ جَاءَ يُصَلِّي، وَالطَّوَافُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، تَمُرُّ الْمَرْأَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَنْتَظِرهَا حَتَّى تَمُرَّ، ثُمَّ يَضَعُ جَبْهَتَهُ فِي مَوْضِعِ قَدَمِهَا. رَوَاهُ حَنْبَلٌ، فِي كِتَابِ " الْمَنَاسِكِ ". وَقَالَ الْمُعْتَمِرُ، قُلْت لِطَاوُسٍ: الرَّجُلُ يُصَلِّي - يَعْنِي بِمَكَّةَ - فَيَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ: أُوَلًا يَرَى النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَإِذَا هُوَ يَرَى أَنَّ لِهَذَا الْبَلَدِ حَالًا لَيْسَ
مسألة من مر بين يدي المصلي فليردده
لِغَيْرِهِ مِنْ الْبُلْدَانِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ بِمَكَّةَ لِأَجْلِ قَضَاءِ نُسُكِهِمْ، وَيَزْدَحِمُونَ فِيهَا، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بَكَّةَ، لِأَنَّ النَّاسَ يَتَبَاكَوْنَ فِيهَا، أَيْ: يَزْدَحِمُونَ وَيَدْفَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَوْ مَنَعَ الْمُصَلِّي مَنْ يَجْتَازُ بَيْنَ يَدَيْهِ لَضَاقَ عَلَى النَّاسِ، وَحُكْمُ الْحَرَمِ كُلِّهِ حُكْمُ مَكَّةَ فِي هَذَا، بِدَلِيلِ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلْت رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنَى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ الْحَرَمَ كُلَّهُ مَحِلُّ الْمَشَاعِرِ وَالْمَنَاسِكِ، فَجَرَى مَجْرَى مَكَّةَ فِي مَا ذَكَرْنَاهُ. فَصْلٌ: وَلَوْ صَلَّى فِي غَيْرِ مَكَّةَ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ، لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْن يَدَيْهِ شَيْءٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَرُوِيَ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَاهُمْ فِي بَادِيَتِهِمْ فَصَلَّى إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ. وَلِأَنَّ السُّتْرَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ وَلَا خَطٌّ: صَلَاتُهُ جَائِزَةٌ. وَقَالَ: أَحَبُّ أَنْ يَفْعَلَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ يُجَزِّئهُ. [مَسْأَلَةٌ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فَلْيَرْدُدْهُ] (1219) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فَلْيَرْدُدْهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَأَحَدٍ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ لَمْ يَمُرّ أَحَدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا؛ لِمَا رَوَى أَبُو جَهْمٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرّ بَيْنَ يَدَيْهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمِ: «لَأَنْ يَقِفَ أَحَدُكُمْ مِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي» . وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي شَيْطَانًا، وَأَمَرَ بِرَدِّهِ وَمُقَاتَلَتِهِ. وَرُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْن نِمْرَانِ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت رَجُلًا بِتَبُوك مُقْعَدًا، فَقَالَ: «مَرَرْت بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اقْطَعْ أَثَرَهُ فَمَا مَشَيْت عَلَيْهَا بَعْدُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي لَفْظٍ قَالَ: «قَطَعَ صَلَاتَنَا، قَطَعَ اللَّهُ أَثَرَهُ» . وَإِنْ أَرَادَ أَحَدٌ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي، فَلَهُ مَنَعَهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَسَالِم. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا
هُوَ شَيْطَانٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلَفْظُ رِوَايَتِهِ: «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلِيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» . وَمَعْنَاهُ: أَيْ لِيَدْفَعْهُ. وَهَذَا فِي أُولِي الْأَمْرِ لَا يَزِيدُ عَلَى دَفْعِهِ، فَإِنْ أَبَى، وَلَجَّ، فَلِيُقَاتِلْهُ، أَيْ يُعَنِّفْهُ فِي دَفْعِهِ مِنْ الْمُرُورِ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ، أَيْ فِعْلُهُ فِعْلُ الشَّيْطَانِ، أَوْ الشَّيْطَانُ يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّ مَعَهُ شَيْطَانًا. وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي إذَا لَجَّ فِي الْمُرُورِ، وَأَبَى الرُّجُوعَ، أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ فِي الدَّفْعِ، وَيَجْتَهِدُ فِي رَدِّهِ، مَا لَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ إلَى إفْسَادِ صَلَاتِهِ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ فِيهَا. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَدْرَأُ مَا اسْتَطَاعَ، وَأَكْرَهُ الْقِتَالَ فِي الصَّلَاةِ. وَذَلِكَ لِمَا يُفْضِي إلَيْهِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَفَسَادِ الصَّلَاةِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَمَرَ بِرَدِّهِ وَدَفْعِهِ حِفْظًا لِلصَّلَاةِ عَمَّا يَنْقُصُهَا، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مَا يُفْسِدُهَا وَيَقْطَعُهَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَيُحْمَلُ لَفْظُ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى دَفْعٍ أَبْلَغَ مِنْ الدَّفْعِ الْأَوَّلِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ؛ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي حُجْرَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، أَوْ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ. فَقَالَ بِيَدِهِ، فَرَجَعَ، فَمَرَّتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَمَضَتْ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: هُنَّ أَغْلَبُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَجْتَهِدْ فِي الدَّفْعِ. فَصْلٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرُدَّ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ، وَإِنْسَانٍ وَبَهِيمَةٍ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ رَدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَ وَزَيْنَبَ وَهُمَا صَغِيرَانِ، وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى إلَى جُدُرٍ، فَاِتَّخَذَهُ قِبْلَةً وَنَحْنُ خَلْفَهُ، فَجَاءَتْ بَهِيمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا زَالَ يَدْرَأُ بِهَا حَتَّى لَصِقَ بَطْنُهُ بِالْجِلْدِ، فَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ. (1221) فَصْلٌ: فَإِنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ إنْسَانٌ فَعَبَرَ، لَمْ يُسْتَحَبَّ رَدُّهُ مِنْ حَيْثُ جَاءَ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّهُ يَرُدُّهُ مِنْ حَيْثُ جَاءَ، وَفَعَلَهُ سَالِمٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِرَدِّهِ، فَتَنَاوَلَ الْعَابِرَ.
فصل العمل اليسير في الصلاة
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا مُرُورٌ ثَانٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُنْسَبَ إلَيْهِ كَالْأَوَّلِ، وَلِأَنَّ الْمَارَّ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ لَكَانَ مَأْمُورًا بِمَنْعِهِ، وَلَمْ يَحِلَّ لِلْعَابِرِ الْعَوْدُ، وَالْحَدِيثُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْعَابِرَ، إنَّمَا فِي الْخَبَرِ: «فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ» . وَبَعْدَ الْعُبُورِ فَلَيْسَ هَذَا مُرِيدًا لِلِاجْتِيَازِ. (1222) فَصْلٌ: وَالْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي يَنْقُصُ الصَّلَاةَ وَلَا يَقْطَعُهَا. قَالَ أَحْمَدُ: يَضَعُ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَكِنْ لَا يَقْطَعُهَا. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ مَمَرَّ الرَّجُلِ يَضَعُ نِصْفَ الصَّلَاةِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ إذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلٌ الْتَزَمَهُ حَتَّى يَرُدَّهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ. قَالَ الْقَاضِي: يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ نَقْصُ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ أَمْكَنَهُ الرَّدُّ فَلَمْ يَفْعَلْهُ، أَمَّا إذَا رَدَّ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الرَّدُّ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَنْقُصُ الصَّلَاةَ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا ذَنْبُ غَيْرِهِ. [فَصْلٌ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ] (1223) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ لِلْحَاجَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ فِي الصَّلَاةِ الْفَرِيضَةِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ، أَنَّهَا اسْتَفْتَحَتْ الْبَابَ، فَمَشَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى فَتَحَ لَهَا. وَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ. فَإِذَا رَأَى الْعَقْرَبَ خَطَا إلَيْهَا، وَأَخَذَ النَّعْلَ، وَقَتَلَهَا، وَرَدَّ النَّعْلَ إلَى مَوْضِعِهَا؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ نَظَرَ إلَى رِيشَةٍ فَحَسِبَهَا عَقْرَبًا، فَضَرَبَهَا بِنَعْلِهِ، وَحَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ الْتَحَفَ بِإِزَارِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ. فَلَا بَأْسَ إنْ سَقَطَ رِدَاءُ الرَّجُلِ أَنْ يَرْفَعَهُ، وَإِنْ انْحَلَّ إزَارُهُ أَنْ يَشُدَّهُ. وَإِذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ وَهِيَ تُصَلِّي اخْتَمَرَتْ، وَبَنَتْ عَلَى صَلَاتِهَا. وَقَالَ: مِنْ فَعَلَ كَفِعْلِ أَبِي بَرْزَةَ، حِينَ مَشَى إلَى الدَّابَّةِ وَقَدْ أَفْلَتَتْ مِنْهُ، فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ. وَهَذَا لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْمُشَرِّعُ، فَمَا فَعَلَهُ أَوْ أَمَرَ بِهِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَمِثْلُ هَذَا مَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى مِنْبَرِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ نَزَلَ عَنْ الْمِنْبَرِ فَسَجَدَ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمِنْبَرِ كَذَلِكَ، حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، قَالَ: ثُمَّ تَأَخَّرَ، وَتَأَخَّرَتْ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إلَى النِّسَاءِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
مسألة لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود البهيم
يُصَلِّي بِنَا، فَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَجِيءُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَكَانَ كُلَّمَا سَجَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَثَبَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَيَرْفَعُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسَهُ رَفْعًا رَفِيقًا حَتَّى يَضَعَهُ بِالْأَرْضِ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَزُلْ يُدَارِئُ الْبَهْمَةَ حَتَّى لَصِقَ بِالْجُدُرِ وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ بِالْأَمْرِ بِدَفْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي، وَمُقَاتَلَتِهِ إذَا أَبَى الرُّجُوعَ. فَكُلُّ هَذَا وَأَشْبَاهُهُ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يُبْطِلُهَا، وَلَوْ فَعَلَ هَذَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ، كُرِهَ، وَلَا يُبْطِلُهَا أَيْضًا. وَلَا يَتَقَدَّرُ الْجَائِزُ مِنْ هَذَا بِثَلَاثٍ وَلَا بِغَيْرِهَا مِنْ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظَّاهِرُ مِنْهُ زِيَادَتُهُ عَلَى ثَلَاثٍ، كَتَأَخُّرِهِ حَتَّى تَأَخَّرَ الرِّجَالُ فَانْتَهَوْا إلَى النِّسَاءِ، وَفِي حَمْلِهِ أُمَامَةَ وَوَضْعِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَهَذَا فِي الْغَالِبِ يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَفْعَالٍ، وَكَذَلِكَ مَشْيُ أَبِي بَرْزَةَ مَعَ دَابَّتِهِ. وَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ، وَهَذَا لَا تَوْقِيفَ فِيهِ، وَلَكِنْ يُرْجَعُ فِي الْكَثِيرِ وَالْيَسِيرِ إلَى الْعُرْفِ، فِيمَا يُعَدُّ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا، وَكُلُّ مَا شَابَهُ فِعْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مَعْدُودٌ يَسِيرًا. وَإِنْ فَعَلَ أَفْعَالًا مُتَفَرِّقَةً لَوْ جُمِعَتْ كَانَتْ كَثِيرَةً، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِمُفْرَدِهِ يَسِيرٌ، فَهِيَ فِي حَدِّ الْيَسِيرِ؛ بِدَلِيلِ حَمْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمَامَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَوَضْعِهَا. وَمَا كَثُرَ وَزَادَ عَلَى فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبْطَلَ الصَّلَاةَ سَوَاءٌ كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِضَرُورَةِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْخَائِفِ، فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِهِ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى الْفِعْلِ الْكَثِيرِ فِي الصَّلَاةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، قَطَعَ الصَّلَاةَ، وَفَعَلَهُ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا رَأَى صَبِيَّيْنِ يَقْتَتِلَانِ، يَتَخَوَّفُ أَنْ يُلْقِيَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي الْبِئْرِ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إلَيْهِمَا فَيُخَلِّصُهُمَا، وَيَعُودُ فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ: إذَا لَزِمَ رَجُلٌ رَجُلًا، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا سَجَدَ الْإِمَامُ خَرَجَ الْمَلْزُومُ، فَإِنَّ الَّذِي كَانَ يَلْزَمُهُ يَخْرُجُ فِي طَلَبِهِ. يَعْنِي: وَيَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ. وَهَكَذَا لَوْ رَأَى حَرِيقًا يُرِيدُ إطْفَاءَهُ، أَوْ غَرِيقًا يُرِيدُ إنْقَاذَهُ، خَرَجَ إلَيْهِ، وَابْتَدَأَ الصَّلَاةَ. وَلَوْ انْتَهَى الْحَرِيقُ إلَيْهِ، أَوْ السَّيْلُ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَفَرَّ مِنْهُ، بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ، وَأَتَمَّهَا صَلَاةَ خَائِفٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إلَّا الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ] (1224) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إلَّا الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ) . يَعْنِي إذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْهُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ لَا يَقْطَعُهَا عِنْدِي شَيْءٌ إلَّا الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ. وَهَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَرَوَى عَنْ مُعَاذٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمَا قَالَا: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ شَيْطَانٌ، وَهُوَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ. وَمَعْنَى الْبَهِيمِ الَّذِي لَيْسَ فِي لَوْنِهِ شَيْءٌ سِوَى السَّوَادِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَقْطَعُهَا الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ، وَالْمَرْأَةُ إذَا مَرَّتْ، وَالْحِمَارُ. قَالَ: وَحَدِيثُ
عَائِشَةَ مِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: لَيْسَ بِحَجَّةِ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ الْمَارَّ غَيْرُ اللَّابِثِ، وَهُوَ فِي التَّطَوُّعِ، وَهُوَ أَسْهَلُ، وَالْفَرْضُ آكَدُ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَرَرْت بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ. لَيْسَ بِحَجَّةِ؛ لِأَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَنَسٍ وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ، وَأَبِي الْأَحْوَصِ. وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ» . وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ: يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَأَلْتنِي فَقَالَ «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى حِمَارٍ: " قَطَعَ صَلَاتَنَا ". وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ يَقُولَانِ: يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ، وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ وَرَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ أَبُو دَاوُد: رَفَعَهُ شُعْبَةُ، وَوَقَفَهُ، سَعِيدٌ، وَهِشَامٌ، وَهَمَّامٌ، عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ عُرْوَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ، فَصَلَّى فِي صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، وَحِمَارَةٌ لَنَا وَكَلْبَةٌ يَعْبَثَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا بَالَى ذَلِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي صَلَاتَهُ مِنْ اللَّيْلِ، وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ» . وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَقْبَلْت رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي، فَمَرَرْت عَلَى بَعْضِ الصَّفِّ، وَنَزَلْت، فَأَرْسَلْت الْأَتَانَ تَرْتَعُ. فَدَخَلْت فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ أَحَدٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَحَدِيثُ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، حِينَ مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي، فَجَاءَتْ جَارِيَتَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، حَتَّى أَخَذَتَا بِرُكْبَتَيْهِ، فَقَرَعَ بَيْنَهُمَا فَمَا بَالَى ذَلِكَ.
فصل لا فرق في بطلان الصلاة بين الفرض والتطوع
وَلَنَا، حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ» . يَرْوِيهِ مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَلَا يُعَارَضُ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، ثُمَّ حَدِيثُنَا أَخَصُّ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ لِصِحَّتِهِ وَخُصُوصِهِ، وَحَدِيثُ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي إسْنَادِهِ مُقَاتِلٌ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْكَلْبَ لَمْ يَكُنْ أَسْوَدَ وَلَا بَهِيمًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا بَعِيدَيْنِ، ثُمَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا فِي الْمَرْأَةِ، وَالْحِمَارِ، يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ فِيهِمَا، فَيَبْقَى الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ خَالِيًا عَنْ مُعَارِضٍ، فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِهِ لِثُبُوتِهِ، وَخُلُوِّهِ عَنْ مُعَارِضٍ (1225) فَصْلٌ: وَلَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ سِوَى مَا ذَكَرْنَا، لَا مِنْ الْكِلَابِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصَّهَا بِالذِّكْرِ. وَقِيلَ لَهُ: مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ؟ قَالَ: " الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ " وَكَذَلِكَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَهِيمًا لَمْ يَقْطَعْ الصَّلَاةَ؛ لِتَخْصِيصِهِ الْبَهِيمَ بِالذِّكْرِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لَأَمَرْت بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» . فَبَيَّنَ أَنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ، قَالَ ثَعْلَبٌ: الْبَهِيمُ كُلُّ لَوْنٍ لَمْ يُخَالِطْهُ لَوْنٌ آخَرُ فَهُوَ بَهِيمٌ. فَمَتَى كَانَ فِيهِ لَوْنٌ آخَرُ فَلَيْسَ بِبَهِيمِ. وَإِنْ كَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ نُكْتَتَانِ يُخَالِفَانِ لَوْنَهُ لَمْ يَخْرُجْ بِهَذَا عَنْ كَوْنِهِ بَهِيمًا، يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ؛ مِنْ قَطْعِ الصَّلَاةِ، وَتَحْرِيمِ صَيْدِهِ، وَإِبَاحَةِ قَتْلِهِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ: «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي الْغُرَّتَيْنِ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» . [فَصْلٌ لَا فَرْقَ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ] (1226) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ؛ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَلِأَنَّ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ يَتَسَاوَى فِيهَا الْفَرْضُ وَالتَّطَوُّعُ فِي غَيْرِ هَذَا، فَكَذَلِكَ هَذَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى التَّسْهِيلِ فِي التَّطَوُّعِ، وَالصَّحِيحُ التَّسْوِيَةُ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: يَحْتَجُّونَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، فَإِنَّهُ فِي التَّطَوُّعِ، وَمَا أَعْلَمُ بَيْنِ التَّطَوُّعِ وَالْفَرِيضَةِ فَرْقًا إلَّا أَنَّ التَّطَوُّعَ يُصَلَّى عَلَى الدَّابَّةِ. [فَصْلٌ مُرُور الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي] (1227) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ وَاقِفًا بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي، أَوْ نَائِمًا وَلَمْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَشْبَهَ الْمَارَّ، وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ: عَدَلْتُمُونَا بِالْكِلَابِ وَالْحُمُرِ وَذَكَرَتْ فِي مُعَارَضَةِ ذَلِكَ وَدَفْعِهِ أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي، كَاعْتِرَاضِ الْجِنَازَةِ. فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ» . وَلَمْ يَذْكُرْ مُرُورًا. وَالثَّانِيَةُ، لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ وَالنَّوْمَ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْمُرُورِ، بِدَلِيلِ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ
فصل صلى إلى سترة فمر من ورائها ما يقطع الصلاة
تَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَكْرَهُهُ، وَلَا يُنْكِرهُ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمَارِّ: " لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ". وَكَانَ يُصَلِّي إلَى الْبَعِيرِ، وَلَوْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمْ يَدَعْهُ، وَلِهَذَا مَنَعَ الْبَهِيمَةَ مِنْ الْمُرُورِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ لِنَافِعِ: وَلِّنِي ظَهْرَكَ. لِيَسْتَتِرَ بِهِ مِمَّنْ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَقَعَدَ عُمَرُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي يَسْتُرُهُ مِنْ الْمُرُورِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ لَيْسَ فِي حُكْمِ الْمُرُورِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ". لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إضْمَارِ الْمُرُورِ أَوْ غَيْرِهِ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ [فَصْلٌ صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ فَمَرَّ مِنْ وَرَائِهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ] (1228) فَصْلٌ: وَمَنْ صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ فَمَرَّ مِنْ وَرَائِهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، لَمْ تَنْقَطِعْ. وَإِنْ مَرَّ مِنْ وَرَائِهَا غَيْرُ مَا يَقْطَعُهَا، لَمْ يُكْرَهْ؛ لِمَا مَرَّ مِنْ الْأَحَادِيثِ. وَإِنْ مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، قَطَعَهَا إنْ كَانَ مِمَّا يَقْطَعُهَا، كُرِهَ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْطَعُهَا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْهُ مَا يَقْطَعُهَا، قَطَعَهَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْطَعُهَا، كُرِهَ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ. وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَدَّ الْبَعِيدَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا الْقَرِيبَ، إلَّا أَنَّ عِكْرِمَةَ قَالَ: إذَا كَانَ بَيْنَك وَبَيْنَ الَّذِي يَقْطَعُ الصَّلَاةَ قَذْفَةٌ بِحَجَرٍ، لَمْ يَقْطَعْ الصَّلَاةَ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، فِي " مُسْنَدِهِ " وَأَبُو دَاوُد فِي " سُنَنِهِ "، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَحْسَبُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ، وَالْخِنْزِيرُ، وَالْمَجُوسِيُّ، وَالْيَهُودِيُّ، وَالْمَرْأَةُ، وَيُجْزِئُ عَنْهُ إذَا مَرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ قَذْفَةٌ بِحَجَرِ» هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد. وَفِي " مُسْنَدِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ": " وَالنَّصْرَانِيُّ، وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ ". وَهَذَا الْحَدِيثُ لَوْ ثَبَتَ، لَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِرَفْعِهِ، وَفِيهِ مَا هُوَ مَتْرُوكٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ مَا عَدَا الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورَةَ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِمَوْضِعِ السُّجُودِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " إذَا لَمْ تَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، قَطَعَ صَلَاتَهُ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ ". يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ السُّتْرَةِ تَنْقَطِعُ صَلَاتُهُ بِمُرُورِ الْكَلْبِ فِيهِ، وَالسُّتْرَةُ تَكُونُ أَبْعَدَ مِنْ مَوْضِعِ السُّجُودِ، وَالصَّحِيحُ تَحْدِيدُ ذَلِكَ بِمَا إذَا مَشَى إلَيْهِ، وَدَفَعَ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِدَفْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَتَقَيَّدَ لِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ بِمَا يَقْرُبُ مِنْهُ، بِحَيْثُ إذَا مَشَى إلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَاللَّفْظُ فِي الْحَدِيثَيْنِ وَاحِدٌ، وَقَدْ تَعَذَّرَ حَمْلُهُمَا عَلَى إطْلَاقِهِمَا، وَقَدْ تَقَيَّدَ أَحَدُهُمَا بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ بِقَيْدٍ، فَتَقَيَّدَ الْآخَرُ بِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فصل صلى إلى سترة مغصوبة فاجتاز وراءها كلب أسود فهل تنقطع صلاته
[فَصْلٌ صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ مَغْصُوبَةٍ فَاجْتَازَ وَرَاءَهَا كَلْبٌ أَسْوَدُ فَهَلْ تَنْقَطِعُ صَلَاتُهُ] (1229) فَصْلٌ: إذَا صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ مَغْصُوبَةٍ، فَاجْتَازَ وَرَاءَهَا كَلْبٌ أَسْوَدُ، فَهَلْ تَنْقَطِعُ صَلَاتُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ حَامِدٍ: أَحَدُهُمَا، تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ نَصْبِهَا، وَالصَّلَاةِ إلَيْهَا، فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، وَالثَّانِي، لَا تَبْطُلُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَقِي ذَلِكَ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ ". وَهَذَا قَدْ وُجِدَ. وَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ إذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ، هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
باب صلاة المسافر
[بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ] الْأَصْلُ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] . «قَالَ - يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ - قُلْت لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟ فَقَالَ: عَجِبْت مِمَّا عَجِبْت مِنْهُ، فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. . وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَارُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْصُرُ فِي أَسْفَارِهِ، حَاجًّا، وَمُعْتَمِرًا، وَغَازِيًا. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: صَحِبْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى قُبِضَ - يَعْنِي فِي السَّفَرِ - وَكَانَ «لَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، وَكَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ» . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمْ الطُّرُقُ. وَوَدِدْت أَنَّ لِي مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ» . وَقَالَ أَنَسٌ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مَكَّةَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ، وَأَقَمْنَا بِمَكَّةَ عَشْرًا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ حَتَّى رَجَعَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ. وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَافَرَ سَفَرًا تَقْصُرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ فِي حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ جِهَادٍ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ الرَّبَاعِيَّةَ فَيُصَلِّيَهَا رَكْعَتَيْنِ. [مَسْأَلَةٌ مَسَافَةُ الْقَصْر فِي السَّفَرِ] (1230) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ مَسَافَةُ سَفَرِهِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، أَوْ ثَمَانِيَةَ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا بِالْهَاشِمِيِّ، فَلَهُ أَنْ يَقْصُرَ) . قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ. قِيلَ لَهُ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍّ؟ قَالَ: لَا. أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، وَمَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ. فَمَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ الْقَصْرَ لَا يَجُوزُ فِي أَقَلِّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، وَالْفَرْسَخُ: ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، فَيَكُونُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا، قَالَ الْقَاضِي: وَالْمِيلُ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قَدَمٍ، وَذَلِكَ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ. وَقَدْ قَدَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مِنْ عُسْفَانَ إلَى مَكَّةَ وَمِنْ الطَّائِفِ إلَى مَكَّةَ وَمِنْ جُدَّةَ إلَى مَكَّةَ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمَسَالِكِ، أَنَّ مِنْ دِمَشْقَ إلَى الْقَطِيفَةِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ مِيلًا، وَمِنْ دِمَشْقَ إلَى الْكُسْوَةِ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا، وَمِنْ الْكُسْوَةِ إلَى جَاسِمٍ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ مِيلًا. فَعَلَى هَذَا تَكُونُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ فِي مَسِيرَةِ عَشْرَةِ فَرَاسِخَ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْصُرُ إلَى أَرْضٍ لَهُ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ مِيلًا. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَقْصُرُ فِي الْيَوْمِ، وَلَا يَقْصُرُ فِيمَا دُونَهُ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ: عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍّ. وَبِهِ نَأْخُذُ. وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ يَقْصُرُ فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهنَّ» . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مُسَافِرٍ لَهُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الثَّلَاثَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ فِي أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ تَوْقِيفٌ وَلَا اتِّفَاقٌ. وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْقَصْرِ فِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَانَ أَنَسٌ يَقْصُرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَمْسَةِ فَرَاسِخَ. وَكَانَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، وَهَانِئُ بْنُ كُلْثُومٍ، وَابْنُ مُحَيْرِيزٍ يَقْصُرُونَ فِيمَا بَيْنَ الرَّمْلَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ قَصْرِهِ بِالْكُوفَةِ حَتَّى أَتَى النُّخَيْلَةَ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ مِنْ يَوْمِهِ، فَقَالَ: أَرَدْت أَنَّ أُعَلِّمَكُمْ سُنَّتَكُمْ. وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نَفِيرٍ، قَالَ: «خَرَجْت مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السَّمْطِ إلَى قَرْيَةٍ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ مِيلًا، أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْت لَهُ، فَقَالَ: رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يُصَلِّي بِالْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: إنَّمَا فَعَلْت كَمَا رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرُوِيَ «أَنَّ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ دِمَشْقَ مَرَّةً إلَى قَدْرِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ إنَّهُ أَفْطَرَ، وَأَفْطَرَ مَعَهُ أُنَاسٌ، وَكَرِهَ آخَرُونَ أَنْ يُفْطِرُوا، فَلَمَّا رَجَعَ إلَى قَرْيَتِهِ، قَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْت الْيَوْمَ أَمْرًا مَا كُنْت أَظُنُّ أَنِّي أَرَاهُ، إنَّ قَوْمًا رَغِبُوا عَنْ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. يَقُولُ ذَلِكَ لِلَّذِينَ صَامُوا قَبْلُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرَوَى سَعِيدٌ، ثنا هَاشِمٌ عَنْ أَبِي هَارُونُ الْعَبْدِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَافَرَ فَرْسَخًا قَصَرَ الصَّلَاةَ» . وَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» . شُعْبَةُ الشَّاكُّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأَبُو دَاوُد. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بُقُولِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لَا تَقْصُرُوا فِي أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مَنْ عُسْفَانَ إلَى مَكَّةَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَلِأَنَّهَا مَسَافَةٌ تَجْمَعُ مَشَقَّةَ السَّفَرِ، مِنْ الْحَلِّ وَالشَّدِّ، فَجَازَ الْقَصْرُ فِيهَا، كَمَسَافَةِ الثَّلَاثِ، وَلَمْ يَجُزْ فِيمَا دُونَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ دَلِيلٌ يُوجِبُ الْقَصْرَ فِيهِ. وَقَوْلُ: أَنَسٍ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ إذَا سَافَرَ سَفَرًا طَوِيلًا قَصَرَ إذَا بَلَغَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ.
فصل الاعتبار بالنية لا بالفعل فيعتبر أن ينوي مسافة تبيح القصر
كَمَا قَالَ فِي لَفْظِهِ الْآخَرِ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ» . قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَا أَرَى لِمَا صَارَ إلَيْهِ الْأَئِمَّةُ حُجَّةً، لِأَنَّ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ مُتَعَارِضَةٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَلَا حُجَّةَ فِيهَا مَعَ الِاخْتِلَافِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، خِلَافُ مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُنَا. ثُمَّ لَوْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِمْ حُجَّةٌ مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلِهِ، وَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ أَقْوَالُهُمْ امْتَنَعَ الْمَصِيرُ إلَى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرُوهُ؛ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي رَوَيْنَاهَا، وَلِظَاهِرِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ إبَاحَةُ الْقَصْرِ لِمَنْ ضَرَبَ فِي الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} [النساء: 101] . وَقَدْ سَقَطَ شَرْطُ الْخَوْفِ بِالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ. فَبَقِيَ ظَاهِرُ الْآيَةِ مُتَنَاوِلًا كُلَّ ضَرْبٍ فِي الْأَرْضِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» . جَاءَ لِبَيَانِ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْمَسْحِ، فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ هَاهُنَا، وَعَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُهُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ الْقَصِيرَةِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَفَرًا، فَقَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» . وَالثَّانِي: أَنَّ التَّقْدِيرَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ، فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ بِرَأْيٍ مُجَرَّدٍ، سِيَّمَا وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يُرَدُّ إلَيْهِ، وَلَا نَظِيرٌ يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ أَبَاحَ الْقَصْرَ لِكُلِّ مُسَافِرٍ، إلَّا أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ. (1231) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ فِي سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ، فَهُوَ كَالْبَرِّ، إنْ كَانَتْ مَسَافَةُ سَفَرِهِ تَبْلُغُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، أُبِيحَ لَهُ، وَإِلَّا فَلَا، سَوَاءٌ قَطَعَهَا فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ أَوْ قَصِيرٍ، اعْتِبَارًا بِالْمَسَافَةِ وَإِنْ شَكَّ هَلْ السَّفَرُ مُبِيحٌ لِلْقَصْرِ أَوْ لَا؟ لَمْ يُبَحْ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْإِتْمَامِ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ. وَإِنْ قَصَرَ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَهَا أَنَّهُ طَوِيلٌ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى شَاكًّا فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى شَاكًّا فِي دُخُولِ الْوَقْتِ. [فَصْلٌ الِاعْتِبَارُ بِالنِّيَّةِ لَا بِالْفِعْلِ فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَنْوِيَ مَسَافَةً تُبِيحُ الْقَصْرَ] (1232) فَصْلٌ: وَالِاعْتِبَارُ بِالنِّيَّةِ لَا بِالْفِعْلِ، فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَنْوِيَ مَسَافَةً تُبِيحُ الْقَصْرَ، فَلَوْ خَرَجَ يَقْصِدُ سَفَرًا بَعِيدًا، فَقَصَرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَرَجَعَ، كَانَ مَا صَلَّاهُ مَاضِيًا صَحِيحًا، وَلَا يَقْصُرُ فِي رُجُوعِهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ مَسَافَةُ الرُّجُوعِ مُبِيحَةٌ بِنَفْسِهَا. نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا. وَلَوْ خَرَجَ طَالِبًا لِعَبْدِ آبِقٍ، لَا يَعْلَمُ أَيْنَ هُوَ، أَوْ مُنْتَجَعًا غَيْثًا أَوْ كَلَأً، مَتَى وَجَدَهُ أَقَامَ أَوْ رَجَعَ، أَوْ سَائِحًا فِي الْأَرْضِ لَا يَقْصِدُ مَكَانًا، لَمْ يُبَحْ لَهُ الْقَصْرُ، وَإِنْ سَارَ سَفَرًا أَيَّامًا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ إذَا بَلَغَ مَسَافَةً مُبِيحَةً لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرًا طَوِيلًا. وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، فَلَمْ يُبَحْ لَهُ، كَابْتِدَاءِ سَفَرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُبِحْ الْقَصْرَ فِي ابْتِدَائِهِ فَلَمْ يُبِحْهُ فِي أَثْنَائِهِ، إذَا لَمْ يُغَيِّرْ نِيَّتَهُ، كَالسَّفَرِ الْقَصِيرِ، وَسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَمَتَى رَجَعَ هَذَا يَقْصِدُ بَلَدَهُ، أَوْ نَوَى
فصل كان لمقصده طريقان يباح القصر في أحدهما دون الآخر
مَسَافَةَ الْقَصْرِ، فَلَهُ الْقَصْرُ؛ لِوُجُودِ نِيَّتِهِ الْمُبِيحَةِ، وَلَوْ قَصَدَ بَلَدًا بَعِيدًا، أَوْ فِي عَزْمِهِ أَنَّهُ مَتَى وَجَدَ طَلَبَتْهُ دُونَهُ رَجَعَ أَوْ أَقَامَ، لَمْ يُبَحْ لَهُ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِسَفَرٍ طَوِيلٍ. وَإِنْ كَانَ لَا يَرْجِعُ وَلَا يُقِيمُ بِوُجُودِهِ، فَلَهُ الْقَصْرُ. [فَصْلٌ كَانَ لِمَقْصِدِهِ طَرِيقَانِ يُبَاحُ الْقَصْرُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرَ] (1233) فَصْلٌ: وَمَتَى كَانَ لِمَقْصِدِهِ طَرِيقَانِ، يُبَاحُ الْقَصْرُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرَ، فَسَلَكَ الْبَعِيدَ لِيَقْصُرَ الصَّلَاةَ فِيهِ، أُبِيحَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرًا بَعِيدًا مُبَاحًا، فَأُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ أَوْ كَانَ الْآخَرُ مَخُوفًا أَوْ شَاقًّا [فَصْلٌ صَلَاة الْمُسَافِر إذَا خَرَجَ مُكْرَهًا] (1234) فَصْلٌ: وَإِنْ خَرَجَ الْإِنْسَانُ إلَى السَّفَرِ مُكْرَهًا، كَالْأَسِيرِ، فَلَهُ الْقَصْرُ إذَا كَانَ سَفَرُهُ بَعِيدًا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَقْصُرُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ نَاوٍ لِلسَّفَرِ وَلَا جَازِمٍ بِهِ، فَإِنَّ نِيَّتَهُ أَنَّهُ مَتَى أَفْلَتَ رَجَعَ. وَلَنَا، أَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرًا بَعِيدًا غَيْر مُحَرَّمٍ، فَأُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ، كَالْمَرْأَةِ مَعَ زَوْجِهَا، وَالْعَبْدِ مَعَ سَيِّدِهِ، إذَا كَانَ عَزْمُهُمَا أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَوْ زَالَ مُلْكُهُمَا، رَجَعَ. وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِهَذَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُتِمُّ إذَا صَارَ فِي حُصُونِهِمْ، نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ انْقَضَى سَفَرُهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّ فِي عَزْمِهِ أَنَّهُ مَتَى أَفْلَتَ رَجَعَ، فَأَشْبَهَ الْمَحْبُوسَ ظُلْمًا. [مَسْأَلَةٌ لَيْسَ لِمَنْ نَوَى السَّفَرَ الْقَصْرُ حَتَّى يَخْرُج مِنْ بُيُوت قَرْيَتِهِ] (1235) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (إذَا جَاوَزَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ نَوَى السَّفَرَ الْقَصْرُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ قَرْيَتِهِ، وَيَجْعَلَهَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ. وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، أَنَّهُمَا أَبَاحَا الْقَصْرَ فِي الْبَلَدِ لِمَنْ نَوَى السَّفَرَ. . وَعَنْ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، أَنَّهُ أَرَادَ سَفَرًا، فَصَلَّى بِهِمْ فِي مَنْزِلِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِيهِمْ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ. وَرَوَى عُبَيْدُ بْنُ جَبْرٍ، قَالَ: «كُنْت مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ فِي سَفِينَةٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَدَفَعَ، ثُمَّ قَرُبَ غِذَاؤُهُ، فَلَمْ يُجَاوِزْ الْبُيُوتَ حَتَّى دَعَا بِالسُّفْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتَرِبْ. فَقُلْت: أَلَسْت تَرَى الْبُيُوتَ؟ قَالَ أَبُو بَصْرَةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَأَكَلَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} [النساء: 101] وَلَا يَكُونُ ضَارِبًا فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَخْرُجَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَبْتَدِئُ الْقَصْرَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ. قَالَ أَنَسٌ: «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَأَمَّا أَبُو بَصْرَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ حَتَّى دَفَعَ، وَقَوْلُهُ: لَمْ يُجَاوِزْ الْبُيُوتَ: مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لَمْ يَبْعُدْ مِنْهَا؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ عُبَيْدٍ لَهُ: أَلَسْت تَرَى الْبُيُوتَ؟
مسألة الرخص المختصة بالسفر من القصر والجمع
إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْبُيُوتِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ لِلَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ إذَا خَرَجَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا خَرَجْت مُسَافِرًا فَلَا تَقْصُرْ الصَّلَاةَ يَوْمَك ذَلِكَ إلَى اللَّيْلِ، وَإِذَا رَجَعْت لَيْلًا فَلَا تَقْصُرْ لَيْلَتَك حَتَّى تُصْبِحَ. وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} [النساء: 101] . وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهَا. وَحَدِيثُ أَبِي بَصْرَةَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْهَمَذَانِيُّ: خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَخْرَجَهُ إلَى صِفِّينَ، فَرَأَيْته صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الْجِسْرِ وَقَنْطَرَةِ الْكُوفَةِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: خَرَجَ عَلِيٌّ فَقَصَرَ، وَهُوَ يَرَى الْبُيُوتَ، فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الْكُوفَةُ. قَالَ: لَا حَتَّى نَدْخُلَهَا. وَلِأَنَّهُ مُسَافِرٌ، فَأُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ، كَمَا لَوْ بَعُدَ. (1236) فَصْلٌ: وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْبَلَدِ، وَصَارَ بَيْنَ حِيطَانِ بَسَاتِينِهِ، فَلَهُ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ الْبُيُوتَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَإِنْ كَانَ حَوْلَ الْبَلَدِ خَرَابٌ قَدْ تَهَدَّمَ وَصَارَ فَضَاءً، أُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ فِيهِ كَذَلِكَ. وَإِنْ كَانَتْ حِيطَانُهُ قَائِمَةً فَكَذَلِكَ. قَالَهُ الْآمِدِيُّ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُبَاحُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ السُّكْنَى فِيهِ مُمْكِنَةٌ، أَشْبَهَ الْعَامِرَ. وَلَنَا، أَنَّهَا غَيْرُ مُعَدَّةٍ لِلسُّكْنَى، أَشْبَهَتْ حِيطَانَ الْبَسَاتِينِ. وَإِنْ كَانَ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ نَهْرٌ فَاجْتَازَهُ، فَلَيْسَ لَهُ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْبَلَدِ وَلَمْ يُفَارِقْ الْبُنْيَانَ، فَأَشْبَهَ الرَّحْبَةَ وَالْمَيْدَانَ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ. وَإِنْ كَانَ لِلْبَلَدِ مَحَالُّ، كُلُّ مَحَلَّةٍ مُنْفَرِدَةٌ عَنْ الْأُخْرَى، كَبَغْدَادَ، فَمَتَى خَرَجَ مِنْ مَحَلَّتِهِ أُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ إذَا فَارَقَ مَحَلَّتَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا مُتَّصِلًا بِبَعْضٍ، لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُفَارِقَ جَمِيعَهَا. وَلَوْ كَانَتْ قَرْيَتَانِ مُتَدَانِيَتَيْنِ، فَاتَّصَلَ بِنَاءُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، فَهُمَا كَالْوَاحِدَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ، فَلِكُلِّ قَرْيَةٍ حُكْمُ نَفْسِهَا. (1237) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الْبَدَوِيُّ فِي حِلَّةٍ، لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُفَارِقَ حِلَّتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ حِلَلًا فَلِكُلِّ حِلَّةٍ حُكْمُ نَفْسِهَا، كَالْقُرَى. وَإِنْ كَانَ بَيْتُهُ مُنْفَرِدًا فَحَتَّى يُفَارِقَ مَنْزِلَهُ وَرَحْلَهُ، وَيَجْعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، كَالْحَضَرِيِّ. [مَسْأَلَة الرُّخَصَ الْمُخْتَصَّةَ بِالسَّفَرِ مِنْ الْقَصْرِ وَالْجَمْع] (1238) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (إذَا كَانَ سَفَرُهُ وَاجِبًا أَوْ مُبَاحًا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرُّخَصَ الْمُخْتَصَّةَ بِالسَّفَرِ؛ مِنْ الْقَصْرِ، وَالْجَمْعِ، وَالْفِطْرِ، وَالْمَسْحِ ثَلَاثًا، وَالصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ تَطَوُّعًا، يُبَاحُ فِي السَّفَرِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ، كَسَفَرِ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ،
فصل لا تباح الرخص في سفر المعصية
وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا يَقْصُرُ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يُتْرَكُ إلَّا لِوَاجِبٍ. وَعَنْ عَطَاءٍ كَقَوْلِ الْجَمَاعَةِ. وَعَنْهُ: لَا يَقْصُرُ إلَّا فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا قَصَرَ فِي سَفَرٍ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} [النساء: 101] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [المائدة: 6] وَقَالَتْ عَائِشَةُ: إنَّ الصَّلَاةَ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَانِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، وَالْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَالْعِيدِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ الْبَحْرَيْنِ فِي تِجَارَةٍ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ. وَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ سَفَرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ» . وَهَذِهِ النُّصُوصُ تَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ التَّرَخُّصِ فِي كُلِّ سَفَرٍ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَرَخَّصُ فِي عَوْدِهِ مِنْ سَفَرِهِ، وَهُوَ مُبَاحٌ. [فَصْلٌ لَا تُبَاح الرُّخَصُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ] (1239) فَصْلٌ: وَلَا تُبَاحُ هَذِهِ الرُّخَصُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ كَالْإِبَاقِ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَالتِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ وَالْمُحَرَّمَاتِ.
فصل حكم القصر إذا كان السفر مباحا فغير نيته إلى المعصية
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ لِتَخْصِيصِهِ الْوَاجِبَ وَالْمُبَاحَ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ ذَلِكَ؛ احْتِجَاجًا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ النُّصُوصِ، وَلِأَنَّهُ مُسَافِرٌ، فَأُبِيحَ لَهُ التَّرَخُّصَ كَالْمُطِيعِ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] أَبَاحَ الْأَكْلَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ عَادِيًا وَلَا بَاغِيًا، فَلَا يُبَاحُ لِبَاغٍ وَلَا عَادٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: غَيْرَ بَاغٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، مُفَارِقٍ لِجَمَاعَتِهِمْ، يُخِيفُ السَّبِيلَ، وَلَا عَادٍ عَلَيْهِمْ. وَلِأَنَّ التَّرَخُّصَ شُرِعَ لِلْإِعَانَةِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصِدِ الْمُبَاحِ، تَوَصُّلًا إلَى الْمَصْلَحَةِ، فَلَوْ شُرِعَ هَاهُنَا لَشُرِعَ إعَانَةٌ عَلَى الْمُحَرَّمِ، تَحْصِيلًا لِلْمَفْسَدَةِ، وَالشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا، وَالنُّصُوصُ وَرَدَتْ فِي حَقِّ الصَّحَابَةِ، وَكَانَتْ أَسْفَارُهُمْ مُبَاحَةً، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي مَنْ سَفَرُهُ مُخَالِفٌ لِسَفَرِهِمْ، وَيَتَعَيَّنْ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ النَّصَّيْنِ، وَقِيَاسُ الْمَعْصِيَةِ عَلَى الطَّاعَةِ بَعِيدٌ، لِتَضَادِّهِمَا. (1240) فَصْلٌ: فَإِنْ عَدِمَ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ الْمَاءَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ لَا تَسْقُطُ، وَالطَّهَارَةُ لَهَا وَاجِبَةٌ أَيْضًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَزِيمَةً، وَهَلْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، لَا تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ، بِدَلِيلِ وُجُوبِهِ، وَالرُّخَصُ لَا تَجِبُ، وَالثَّانِي: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالسَّفَرِ، أَشْبَهَ بَقِيَّةَ الرُّخَصِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهَا، وَيُفَارِقُ بَقِيَّةَ الرُّخَصِ، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْهَا، وَهَذَا يَجِبُ فِعْلُهُ، وَلِأَنَّ حُكْمَ بَقِيَّةِ الرُّخَصِ الْمَنْعُ مِنْ فِعْلِهَا، وَلَا يُمْكِنُ تَعْدِيَةُ هَذَا الْحُكْمِ إلَى التَّيَمُّمِ، وَلَا إلَى الصَّلَاةِ، لِوُجُوبِ فِعْلِهِمَا، وَوُجُوبُ الْإِعَادَةِ لَيْسَ بِحُكْمٍ فِي بَقِيَّةِ الرُّخَصِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهَا أَوْ تَعْدِيَتُهُ عَنْهَا. وَيُبَاحُ لَهُ الْمَسْحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ السَّفَرَ، فَأَشْبَهَ الِاسْتِجْمَارَ، وَالتَّيَمُّمَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ رُخَصِ الْحَضَرِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ، فَلَمْ تُبَحْ لَهُ كَرُخْصِ السَّفَرِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَهَذَا يَنْتَقِضُ بِسَائِرِ رُخَصِ الْحَضَرِ. [فَصْلٌ حُكْم الْقَصْر إذَا كَانَ السَّفَرُ مُبَاحًا فَغَيَّرَ نِيَّتَهُ إلَى الْمَعْصِيَة] (1241) فَصْلٌ: إذَا كَانَ السَّفَرُ مُبَاحًا، فَغَيَّرَ نِيَّتَهُ إلَى الْمَعْصِيَةِ، انْقَطَعَ التَّرَخُّصُ لِزَوَالِ سَبَبِهِ. وَلَوْ سَافَرَ لِمَعْصِيَةٍ فَغَيَّرَ نِيَّتَهُ إلَى مُبَاحٍ، صَارَ سَفَرًا مُبَاحًا، وَأُبِيحَ لَهُ مَا يُبَاحُ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ، وَتُعْتَبَرُ مَسَافَةُ السَّفَرِ مِنْ حِينِ غَيَّرَ النِّيَّةَ. وَلَوْ كَانَ سَفَرُهُ مُبَاحًا، فَنَوَى الْمَعْصِيَةَ بِسَفَرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى نِيَّةِ الْمُبَاحِ، اُعْتُبِرَتْ مَسَافَةُ الْقَصْرِ مِنْ حِينَ رُجُوعِهِ إلَى نِيَّةِ الْمُبَاحِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ سَفَرِهِ انْقَطَعَ بِنِيَّةِ الْمَعْصِيَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ، ثُمَّ عَادَ فَنَوَى السَّفَرَ. فَأَمَّا إنْ كَانَ السَّفَرُ مُبَاحًا، لَكِنَّهُ يَعْصِي فِيهِ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ التَّرَخُّصَ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ السَّفَرُ الْمُبَاحُ، وَقَدْ وُجِدَ، فَثَبَتَ حُكْمُهُ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ وُجُودُ مَعْصِيَةٍ، كَمَا أَنَّ مَعْصِيَتَهُ فِي الْحَضَرِ لَا تَمْنَعُ التَّرَخُّصَ فِيهِ.
فصل في سفر التنزه والتفرج روايتان إحداهما تبيح الترخص
[فَصْلٌ فِي سَفَرِ التَّنَزُّهِ وَالتَّفَرُّجِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا تُبِيحُ التَّرَخُّصَ] (1242) فَصْلٌ: وَفِي سَفَرِ التَّنَزُّهِ وَالتَّفَرُّجِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، تُبِيحُ التَّرَخُّصَ. وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ لِأَنَّهُ سَفَرٌ مُبَاحٌ، فَدَخَلَ فِي عُمُومِ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ، وَقِيَاسًا عَلَى سَفَرِ التِّجَارَةِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَتَرَخَّصُ فِيهِ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ إلَى بَعْضِ الْبُلْدَانِ تَنَزُّهًا وَتَلَذُّذًا، وَلَيْسَ فِي طَلَبِ حَدِيثٍ وَلَا حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَلَا تِجَارَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ إعَانَةً عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا مَصْلَحَةَ فِي هَذَا. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. [فَصْلٌ حُكْم الْقَصْر إذَا سَافَرَ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَالْمَشَاهِدِ] (1243) فَصْلٌ: فَإِنْ سَافَرَ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَالْمَشَاهِدِ. فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يُبَاحُ لَهُ التَّرَخُّصُ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ السَّفَرِ إلَيْهَا، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالصَّحِيحُ إبَاحَتُهُ، وَجَوَازُ الْقَصْرِ فِيهِ؛ لَانَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَكَانَ يَزُورُ الْقُبُورَ، وَقَالَ: «زُورُوهَا تُذَكِّرْكُمْ الْآخِرَةَ» . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ " فَيُحْمَلُ عَلَى نَفْيِ التَّفْضِيلِ، لَا عَلَى التَّحْرِيمِ، وَلَيْسَتْ الْفَضِيلَةُ شَرْطًا فِي إبَاحَةِ الْقَصْرِ، فَلَا يَضُرُّ انْتِفَاؤُهَا. [فَصْلٌ الْمَلَّاحُ هَلْ يَقْصُرُ فِي السَّفِينَة] (1244) فَصْلٌ: وَالْمَلَّاحُ الَّذِي يَسِيرُ فِي سَفِينِهِ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْتٌ سِوَى سَفِينَتِهِ، فِيهَا أَهْلُهُ وَتَنُّورُهُ وَحَاجَتُهُ، لَا يُبَاحُ لَهُ التَّرَخُّصُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْمَلَّاحِ، أَيَقْصُرُ، وَيُفْطِرُ فِي السَّفِينَةِ؟ قَالَ: أَمَّا إذَا كَانَتْ السَّفِينَةُ بَيْتَهُ فَإِنَّهُ يُتِمُّ وَيَصُومُ. قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ تَكُونُ بَيْتَهُ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ بَيْتٌ غَيْرَهَا، مَعَهُ فِيهَا أَهْلُهُ وَهُوَ فِيهَا مُقِيمٌ. وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَقْصُرُ وَيُفْطِرُ؛ لِعُمُومِ النُّصُوصِ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ كَوْنَ أَهْلِهِ مَعَهُ لَا يَمْنَعُ التَّرَخُّصَ، كَالْجَمَّالِ. وَلَنَا، أَنَّهُ غَيْرُ ظَاعِنٍ عَنْ مَنْزِلِهِ، فَلَمْ يُبَحْ لَهُ التَّرَخُّصُ، كَالْمُقِيمِ فِي الْمُدُنِ، فَأَمَّا النُّصُوصُ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا الظَّاعِنُ عَنْ مَنْزِلِهِ، وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ، وَأَمَّا الْجَمَّالُ وَالْمُكَارِي فَلَهُمْ التَّرَخُّصُ وَإِنْ سَافَرُوا بِأَهْلِهِمْ.
مسألة لم ينو القصر في وقت دخوله إلى الصلاة
قَالَ: أَبُو دَاوُد: سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ فِي الْمُكَارِي الَّذِي هُوَ دَهْرُهُ فِي السَّفَرِ: لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقْدَمَ فَيُقِيمَ الْيَوْمَ. قِيلَ: فَيُقِيمُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي تَهَيُّئِهِ لِلسَّفَرِ. قَالَ: هَذَا يَقْصُرُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْقَصْرُ كَالْمَلَّاحِ. وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ مَشْفُوقٌ عَلَيْهِ، فَكَانَ لَهُ الْقَصْرُ كَغَيْرِهِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْمَلَّاحِ؛ فَإِنَّ الْمَلَّاحَ فِي مَنْزِلِهِ سَفَرًا وَحَضَرَا، وَمَعَهُ مَصَالِحُهُ وَتَنُّورُهُ وَأَهْلُهُ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ. وَإِنْ سَافَرَ هَذَا بِأَهْلِهِ كَانَ أَشَقَّ عَلَيْهِ، وَأَبْلَغَ فِي اسْتِحْقَاقِ التَّرَخُّصِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا نَصَّ أَحْمَدَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَالنُّصُوصُ مُتَنَاوِلَةٌ لِهَذَا بِعُمُومِهَا، وَلَيْسَ هُوَ فِي مَعْنَى الْمَخْصُوصِ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِثُبُوتِ حُكْمِ النَّصِّ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ فِي وَقْتِ دُخُولِهِ إلَى الصَّلَاةِ] (1245) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ فِي وَقْتِ دُخُولِهِ إلَى الصَّلَاةِ لَمْ يَقْصُرْ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ نِيَّةَ الْقَصْرِ شَرْطٌ فِي جَوَازِهِ، وَيُعْتَبَرُ وُجُودُهَا عِنْدَ أَوَّلِ الصَّلَاةِ، كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ. وَهَذَا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تُشْتَرَطُ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ مَنْ خُيِّرَ فِي الْعِبَادَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا خُيِّرَ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا، كَالصَّوْمِ، وَلِأَنَّ الْقَصْرَ هُوَ الْأَصْلُ؛ بِدَلِيلِ خَبَرِ عَائِشَةَ، وَعُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، كَالْإِتْمَامِ فِي الْحَضَرِ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْإِتْمَامَ هُوَ الْأَصْلُ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَسْأَلَةِ " وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ وَلَهُ أَنْ يُتِمَّ "، وَإِطْلَاقُ النِّيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَصْلِ، وَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ إلَّا بِتَعْيِينِ مَا يَصْرِفُهُ إلَيْهِ، كَمَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَنْوِ إمَامًا وَلَا مَأْمُومًا، فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الِانْفِرَادِ، إذْ هُوَ الْأَصْلُ. وَالتَّفْرِيعُ يَقَعُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَلَوْ شَكَّ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ، هَلْ نَوَى الْقَصْرَ فِي ابْتِدَائِهَا أَوْ لَا، لَزِمَهُ إتْمَامُهَا احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا، فَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ نَوَى الْقَصْرَ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، فَلَمْ يَزُلْ. وَلَوْ نَوَى الْإِتْمَامَ، أَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ، فَفَسَدَتْ الصَّلَاةُ، وَأَرَادَ إعَادَتَهَا، لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ تَامَّةً بِتَلَبُّسِهِ بِهَا خَلْفَ الْمُقِيمِ، وَنِيَّةِ الْإِتْمَامِ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: إذَا فَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ عَادَ الْمُسَافِرُ إلَى حَالِهِ. وَلَنَا، أَنَّهَا وَجَبَتْ بِالشُّرُوعِ فِيهَا تَامَّةً، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ قَصْرُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَفْسُدْ. [فَصْلٌ نَوَى الْقَصْرَ ثُمَّ نَوَى الْإِتْمَامَ] (1246) فَصْلٌ: وَمِنْ نَوَى الْقَصْرَ، ثُمَّ نَوَى الْإِتْمَامَ، أَوْ نَوَى مَا يَلْزَمُهُ بِهِ الْإِتْمَامُ مِنْ الْإِقَامَةِ، أَوْ قَلَبَ نِيَّتَهُ إلَى سَفَرِ مَعْصِيَةٍ، أَوْ نَوَى الرُّجُوعَ عَنْ سَفَرِهِ، وَمَسَافَةُ رُجُوعِهِ لَا يُبَاحُ فِيهِ الْقَصْرُ، وَنَحْوُ هَذَا لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، وَلَزِمَ مَنْ خَلْفَهُ مُتَابَعَتُهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ: مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى عَدَدًا، فَإِذَا زَادَ عَلَيْهِ، حَصَلَتْ الزِّيَادَةُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ.
فصل إذا قصر المسافر معتقدا لتحريم القصر
وَلَنَا، أَنَّ نِيَّةَ صَلَاةِ الْوَقْتِ قَدْ وُجِدَتْ، وَهِيَ أَرْبَعٌ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ تَرْكُ رَكْعَتَيْنِ رُخْصَةً، فَإِذَا أَسْقَطَ نِيَّةَ التَّرَخُّصِ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِنِيَّتِهِمَا، وَلَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، وَلِأَنَّ الْإِتْمَامَ الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ تَرْكُهُ بِشَرْطٍ، فَإِذَا زَالَ الشَّرْطُ عَادَ الْأَصْلُ إلَى حَالِهِ. [فَصْلٌ إذَا قَصَرَ الْمُسَافِرُ مُعْتَقِدًا لِتَحْرِيمِ الْقَصْرِ] (1247) فَصْلٌ: وَإِذَا قَصَرَ الْمُسَافِرُ مُعْتَقِدًا لِتَحْرِيمِ الْقَصْرِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، فَلَمْ يَقَعْ مُجْزِئًا، كَمَنْ صَلَّى يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُحْدِثٌ، وَلِأَنَّ نِيَّةَ التَّقَرُّبِ بِالصَّلَاةِ شَرْطٌ، وَهَذَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ عَاصٍ، فَلَمْ تَحْصُلُ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ. [مَسْأَلَة الصُّبْحُ وَالْمَغْرِبُ لَا يُقْصَرَانِ] مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالصُّبْحُ وَالْمَغْرِبُ لَا يُقْصَرَانِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ) . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنْ لَا يُقْصَرَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ، وَأَنَّ الْقَصْرَ إنَّمَا هُوَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ، وَلِأَنَّ الصُّبْحَ رَكْعَتَانِ، فَلَوْ قُصِرَتْ صَارَتْ رَكْعَةً، وَلَيْسَ فِي الصَّلَاةِ رَكْعَةٌ إلَّا الْوَتْرَ، وَالْمَغْرِبُ وِتْرُ النَّهَارِ، فَلَوْ قُصِرَ مِنْهَا رَكْعَةٌ لَمْ تَبْقَ وِتْرًا، وَإِنْ قُصِرَتْ اثْنَتَانِ صَارَتْ رَكْعَةً، فَيَكُونُ إجْحَافًا بِهَا، وَإِسْقَاطًا لَأَكْثَرِهَا. وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: «افْتَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، إلَّا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، فَلَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ بِهَا، وَاِتَّخَذَهَا دَارَ هِجْرَةٍ، زَادَ إلَى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إلَّا صَلَاةَ الْغَدَاةِ؛ لِطُولِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا، وَإِلَّا صَلَاةَ الْجُمُعَةِ لِلْخُطْبَةِ، وَإِلَّا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، فَافْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ إلَّا هَذِهِ الصَّلَاةُ، فَإِذَا سَافَرَ صَلَّى الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ.» [مَسْأَلَة لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُتِمّ وَيَقْصُرَ كَمَا لَهُ أَنْ يَصُومَ وَيُفْطِرَ] (1249) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يُتِمَّ وَيَقْصُرَ، كَمَا لَهُ أَنْ يَصُومَ وَيُفْطِرَ) . الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْمُسَافِرَ إنْ شَاءَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ أَتَمَّ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تَوَقَّفَ، وَقَالَ: أَنَا أُحِبُّ الْعَافِيَةَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ الْإِتْمَامُ فِي السَّفَرِ: عُثْمَانُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: لَيْسَ لَهُ الْإِتْمَامُ فِي السَّفَرِ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَأَوْجَبَ حَمَّادٌ الْإِعَادَةَ عَلَى مَنْ أَتَمَّ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ كَانَ جَلَسَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: الصَّلَاةُ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَانِ حَتْمٌ، لَا يَصْلُحُ غَيْرُهُمَا. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا فَهُوَ كَمَنْ صَلَّى فِي الْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَرُوِيَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: رَكْعَتَانِ، فَمَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ، وَلِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ يَجُوزُ تَرْكُهُمَا إلَى غَيْرِ بَدَلٍ، فَلَمْ تَجُزْ زِيَادَتُهُمَا عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ الْمَفْرُوضَتَيْنِ، كَمَا لَوْ زَادَهُمَا عَلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، كَسَائِرِ الرُّخَصِ. وَقَالَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ: «قُلْت لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] ، فَقَالَ عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رُخْصَةٌ، وَلَيْسَ بِعَزِيمَةٍ، وَأَنَّهَا مَقْصُورَةٌ. وَرَوَى الْأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عُمْرَةِ رَمَضَانَ، فَأَفْطَرَ وَصُمْت، وَقَصَرَ وَأَتْمَمْت، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَفْطَرْت وَصُمْت، وَقَصَرْت وَأَتْمَمْت. فَقَالَ: أَحْسَنْت» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ، فِي " مُسْنَدِهِ ". وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ. وَلِأَنَّهُ لَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ صَلَّى أَرْبَعًا، وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ، وَالصَّلَاةُ لَا تَزِيدُ بِالِائْتِمَامِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَفِي إجْمَاعِ الْجُمْهُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِينَ، فَأَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً أَنْ يَلْزَمَهُ أَرْبَعٌ، دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ، إذْ لَوْ كَانَ فَرْضُهُ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَرْبَعٌ بِحَالٍ. وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُتِمُّ فِي السَّفَرِ وَيَقْصُرُ» . وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنَّا - أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُسَافِرُ، فَيُتِمُّ بَعْضُنَا، وَيَقْصُرُ بَعْضُنَا، وَيَصُومُ بَعْضُنَا، وَيُفْطِرُ بَعْضُنَا، فَلَا يَعِيبُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، بِدَلِيلِ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ كَانَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُنْكِرْ الْبَاقُونَ عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُتِمُّ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَأَتَمَّهَا عُثْمَانُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَسَعْدٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَتْ عَائِشَةُ وَسَعْدٌ يُوفِيَانِ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ، وَيَصُومَانِ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ سَعْدٍ، أَنَّهُ أَقَامَ بِعَمَّانَ شَهْرَيْنِ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي أَرْبَعًا. وَعَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: أَقَمْنَا مَعَ سَعْدٍ بِبَعْضِ قُرَى الشَّامِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُهَا سَعْدٌ وَنُتِمُّهَا. وَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَجُلٌ، فَقَالَ: كُنْت أُتِمُّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ. فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ. فَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ: فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ. فَإِنَّمَا أَرَادَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَ فَرْضِهَا كَانَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أُتِمَّتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، فَصَارَتْ أَرْبَعًا. وَقَدْ صَرَّحَتْ بِذَلِكَ حِينَ شَرَحَتْ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ تُتِمُّ الصَّلَاةَ، وَلَوْ اعْتَقَدَتْ مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ لَمْ تُتِمَّ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ قَوْلِهَا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ فَرْضِ الصَّلَاةِ فِي سِنِّ مَنْ يَعْقِلُ الْأَحْكَامَ، وَيَعْرِفُ حَقَائِقَهَا، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، أَوْ كَانَ فَرْضُهَا فِي السَّنَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا، فَإِنَّهَا فُرِضَتْ بِمَكَّةَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ حِينَ مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ابْنَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي حَدِيثِهِ مَا اُتُّفِقَ عَلَى تَرْكِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَالْخَوْفُ رَكْعَةٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا أَرَادَتْ عَائِشَةُ مِنْ ابْتِدَاءِ الْفَرْضِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْ مَنْ أَتَمَّ بِالْإِعَادَةِ. وَقَوْلُ عُمَرَ: تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ. أَرَادَ بِهَا تَمَامٌ فِي فَضْلِهَا غَيْرُ نَاقِصَةِ الْفَضِيلَةِ. وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُورَةِ الرَّكَعَاتِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَالْإِجْمَاعُ، إذْ الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ، وَقَدْ ثَبَتَ بِرِوَايَتِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهَا مَقْصُورَةٌ، وَيُشْبِهُ هَذَا مَا رَوَاهُ مُجَاهِدٌ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إنِّي وَصَاحِبٌ لِي كُنَّا فِي سَفَرٍ، وَكَانَ صَاحِبِي يَقْصُرُ وَأَنَا أُتِمُّ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْتَ كُنْت تَقْصُرُ وَصَاحِبُك يُتِمُّ؛ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، أَرَادَ أَنَّ فِعْلَهُ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِك. ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ أَصْلَ الْفَرْضِ رَكْعَتَانِ لَمْ يَمْتَنِعْ جَوَازُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ، وَيُخَالِفُ زِيَادَةَ رَكْعَتَيْنِ عَلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ زِيَادَتُهُمَا بِحَالٍ. (1250) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالْقَصْرُ وَالْفِطْرُ أَعْجَبُ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ) . أَمَّا الْقَصْرُ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْإِتْمَامَ. قَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِلَّذِي قَالَ لَهُ: كُنْت أُتِمُّ الصَّلَاةَ وَصَاحِبِي يَقْصُرُ: أَنْتَ الَّذِي كُنْت تَقْصُرُ وَصَاحِبُك يُتِمُّ. وَشَدَّدَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى مَنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ، رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ صَلَاةِ السَّفَرِ، فَقَالَ: رَكْعَتَانِ، فَمَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ حَرْبٍ: سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ: كَيْفَ صَلَاةُ السَّفَرِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ إمَّا أَنْتُمْ تَتَّبِعُونَ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرْتُكُمْ، وَإِمَّا لَا تَتَّبِعُونَ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ فَلَا أُخْبِرُكُمْ؟ قُلْنَا: فَخَيْرُ مَا اُتُّبِعَ سُنَّةُ نَبِيِّنَا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهَا.» رَوَاهُ سَعِيدٌ. قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ بِشْرٍ. وَلَمَّا بَلَغَ ابْنَ مَسْعُودٍ أَنَّ عُثْمَانَ صَلَّى أَرْبَعًا اسْتَرْجَعَ، وَقَالَ: «صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمْ الطُّرُقُ، وَوَدِدْت أَنَّ حَظِّي مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ» . وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا مِنْ الْأَئِمَّةِ إلَّا الشَّافِعِيَّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، قَالَ: الْإِتْمَامُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَعَدَدًا، وَهُوَ الْأَصْلُ، فَكَانَ أَفْضَلَ، كَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ. وَلَنَا، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُدَاوِمُ عَلَى الْقَصْرِ» ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «صَحِبْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّفَرِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْت أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْت عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ
فصل في جمع الصلاة
تَعَالَى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مِثْلُ ذَلِكَ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «خِيَارُكُمْ مَنْ قَصَرَ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فِيمَا مَضَى، وَلِأَنَّهُ إذَا قَصَرَ أَدَّى الْفَرْضَ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِذْ أَتَمَّ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَأَمَّا الْغَسْلُ فَلَا نُسَلِّمُ لَهُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْحِ، وَالْفِطْرُ نَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ. [فَصْلٌ فِي جَمْعِ الصَّلَاة] (1251) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْجَمْعِ، فَرُوِيَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّفْرِيقِ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ تَخْفِيفًا وَسُهُولَةً، فَكَانَ أَفْضَلَ كَالْقَصْرِ. وَعَنْهُ التَّفْرِيقُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ الْخِلَافِ، فَكَانَ أَفْضَلَ كَالْقَصْرِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ أَفْضَلَ لَأَدَامَهُ كَالْقَصْرِ. [مَسْأَلَةٌ دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ عَلَى مُسَافِرٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَحِلَ] (1252) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ عَلَى مُسَافِرٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَحِلَ، صَلَّاهَا وَارْتَحَلَ، فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ صَلَّاهَا، وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ الْآخِرَةُ، وَإِنْ كَانَ سَائِرًا فَأَحَبَّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْأُولَى إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَجَائِزٌ) . جُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ، فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا، جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَعْدٌ، وَأُسَامَةُ، وَمُعَاذُ بْن جَبَلٍ، وَأَبُو مُوسَى، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ. وَبِهِ قَالَ: طَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَرُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانِ بْنِ أَخِي زُرَيْقِ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: مَرَّ بِنَا نَائِلَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَصَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، وَأَشْيَاخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَأَتَيْنَاهُمْ فِي مَنْزِلِهِمْ، وَقَدْ أَخَذُوا فِي الرَّحِيلِ، فَصَلَّوْا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ، فَإِذَا زُرَيْقُ بْنُ حَكِيمٍ يُصَلِّي لِلنَّاسِ الظُّهْرَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ إلَّا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، وَلَيْلَةِ مُزْدَلِفَةَ بِهَا، وَهَذَا رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِك وَاخْتِيَارُهُ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْمَوَاقِيتَ تَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهَا بِخَبَرِ وَاحِدٍ. وَلَنَا، مَا رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَيَقُولُ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا.» وَعَنْ أَنَسٌ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ، صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَلِمُسْلِمِ
عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا عَجِلَ عَلَيْهِ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ.» وَرَوَى الْجَمْعَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَنَذْكُرُ أَحَادِيثَهُمَا فِيمَا بَعْدُ، وَقَوْلُهُمْ: لَا نَتْرُكُ الْأَخْبَارَ الْمُتَوَاتِرَةَ. قُلْنَا: لَا نَتْرُكُهَا، وَإِنَّمَا نُخَصِّصُهَا، وَتَخْصِيصُ الْمُتَوَاتِرِ بِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ جَازَ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِالْإِجْمَاعِ، فَتَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ أَوْلَى، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا. فَإِنْ قِيلَ: مَعْنَى الْجَمْعِ فِي الْأَخْبَارِ أَنْ يُصَلِّيَ الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَالْأُخْرَى فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. قُلْنَا: هَذَا فَاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ قَدْ جَاءَ الْخَبَرُ صَرِيحًا فِي أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُهُمَا فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَلِقَوْلِ أَنَسٌ: أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِين يَغِيبَ الشَّفَقُ. فَيَبْطُلُ التَّأْوِيلُ. الثَّانِي، أَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ، فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ لَكَانَ أَشَدِّ ضِيقًا، وَأَعْظَمِ حَرَجًا مِنْ الْإِتْيَانِ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا أَوْسَعُ مِنْ مُرَاعَاةِ طَرَفَيْ الْوَقْتَيْنِ، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مِنْ وَقْتِ الْأُولَى إلَّا قَدْرُ فِعْلِهَا، وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا وَجَدَهُ كَمَا وَصَفْنَا، وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ هَكَذَا لَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَالْعَمَلُ بِالْخَبَرِ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ إلَى الْفَهْمِ مِنْهُ (أَوْلَى) مِنْ هَذَا (التَّكَلُّفِ) الَّذِي يُصَانُ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَمْلِهِ عَلَيْهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَفْهُومُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْجَمْعَ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ سَائِرًا فِي وَقْتِ الْأُولَى، فَيُؤَخَّرُ إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ، وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ سَعْدٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعِكْرِمَةَ، أَخْذًا بِالْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ جَوَازُ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ إلَى الْأُولَى، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْقَاضِي: الْأَوَّلُ هُوَ الْفَضِيلَةُ وَالِاسْتِحْبَابُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْهُمَا، جَازَ، نَازِلًا كَانَ، أَوْ سَائِرًا، أَوْ مُقِيمًا فِي بَلَدٍ إقَامَةً لَا تَمْنَعُ الْقَصْرَ. وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَجُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِمَا رَوَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إلَى الْعَصْرِ، فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ، صَلَّى الظَّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ سَارَ، وَإِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ، وَإِذَا
ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، عَجَّلَ الْعِشَاءَ، فَصَلَّاهَا مَعَ الْمَغْرِبِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَرَوَى مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّأِ "، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، أَنَّ مُعَاذًا أَخْبَرَهُ، أَنَّهُمْ «خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. قَالَ: فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا.» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، ثَابِتُ الْإِسْنَادِ. وَقَالَ أَهْلُ السِّيَرِ: إنَّ غَزْوَةَ (تَبُوكَ) كَانَتْ فِي رَجَبٍ، سَنَةَ تِسْعٍ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ، وَأَقْوَى الْحُجَجِ، فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ وَهُوَ نَازِلٌ غَيْرُ سَائِرٍ، مَاكِثٌ فِي خِبَائِهِ، يَخْرُجُ فَيُصَلِّي الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إلَى خِبَائِهِ. وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " قَالَ: فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا. وَالْأَخْذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ (مُتَعَيَّنٌ) ؛ لِثُبُوتِهِ وَكَوْنِهِ صَرِيحًا فِي الْحُكْمِ، وَلَا مُعَارِضَ لَهُ، وَلِأَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِحَالَةِ السَّيْرِ، كَالْقَصْرِ وَالْمَسْحِ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ التَّأْخِيرُ، لِأَنَّهُ أَخْذٌ بِالِاحْتِيَاطِ، وَخُرُوجٌ مِنْ خِلَافِ الْقَائِلِينَ بِالْجَمْعِ، وَعَمَلٌ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا. (1253) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ إلَّا فِي سَفَرٍ يُبِيحُ الْقَصْرَ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَجُوزُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَجْمَعُونَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ، وَهُوَ سَفَرٌ قَصِيرٌ. وَلَنَا، أَنَّهُ رُخْصَةٌ تَثْبُتُ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ، فَاخْتَصَّتْ بِالطَّوِيلِ، كَالْقَصْرِ وَالْمَسْحِ ثَلَاثًا؛ وَلِأَنَّهُ تَأْخِيرٌ لِلْعِبَادَةِ عَنْ وَقْتِهَا، فَأَشْبَهَ الْفِطْرَ، وَلِأَنَّ دَلِيلَ الْجَمْعِ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْفِعْلُ لَا صِيغَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا إلَّا فِي مِثْلِهَا، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ جَمَعَ إلَّا فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ. (1254) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الْجَمْعُ لِأَجْلِ الْمَطَرِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَفَعَلَهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَرُوِيَ عَنْ مَرْوَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَلَمْ (يُجَوِّزْهُ) أَصْحَابُ الرَّأْيِ. فَصْلٌ: وَلَنَا، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَالَ: إنَّ مِنْ السُّنَّةِ إذَا كَانَ يَوْمٌ مَطِيرٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ نَافِعٌ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ
فصل حكم الوحل بمجرده في جمع الصلاة
يَجْمَعُ إذَا جَمَعَ الْأُمَرَاءُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: رَأَيْتُ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ؛ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَيُصَلِّيَهُمَا مَعَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ،، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَا يُنْكِرُونَهُ. وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ (1255) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ. قَالَ: الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الْمَطَرِ؟ قَالَ: لَا، مَا سَمِعْت. وَهَذَا (اخْتِيَارُ) أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ حَامِدٍ، وَقَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ: فِيهِ (قَوْلَانِ،) أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، (وَمَذْهَبُ) الشَّافِعِيِّ، لِمَا رَوَى يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنْ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ فِي الْمَدِينَةِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الْمَطَرِ» . وَلِأَنَّهُ (مَعْنًى) أَبَاحَ الْجَمْعَ، فَأَبَاحَهُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، كَالسَّفَرِ. وَلَنَا، أَنَّ مُسْتَنَدَ الْجَمْعِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ (أَبِي سَلَمَةَ) ، وَالْإِجْمَاعِ، وَلَمْ يَرِدْ إلَّا فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَحَدِيثُهُمْ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ. وَقَوْلُ أَحْمَدَ: مَا سَمِعْتُ. يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ؛ لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْمَشَقَّةِ لِأَجْلِ الظُّلْمَةِ وَالْمَضَرَّةِ، وَلَا الْقِيَاسُ عَلَى السَّفَرِ؛ لِأَنَّ مَشَقَّتَهُ لِأَجْلِ السَّيْرِ وَفَوَاتِ الرُّفْقَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هَاهُنَا. (1256) فَصْلٌ: وَالْمَطَرُ الْمُبِيحُ لِلْجَمْعِ هُوَ مَا (يَبُلُّ) الثِّيَابَ، وَتَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ بِالْخُرُوجِ فِيهِ. وَأَمَّا الطَّلُّ، وَالْمَطَرُ الْخَفِيفُ الَّذِي لَا يَبُلُّ الثِّيَابَ، فَلَا يُبِيحُ، وَالثَّلْجُ كَالْمَطَرِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَكَذَلِكَ الْبَرَدُ. [فَصْلٌ حُكْم الْوَحْلُ بِمُجَرَّدِهِ فِي جَمَعَ الصَّلَاة] (1257) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْوَحْلُ بِمُجَرَّدِهِ. فَقَالَ الْقَاضِي: قَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ عُذْرٌ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ تَلْحَقُ بِذَلِكَ فِي النِّعَالِ وَالثِّيَابِ، كَمَا تَلْحَقُ بِالْمَطَرِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ وَجْهًا ثَانِيًا، أَنَّهُ لَا يُبِيحُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ مَشَقَّتَهُ دُونَ مَشَقَّةِ الْمَطَرِ، فَإِنَّ الْمَطَرَ يَبُلُّ النِّعَالَ وَالثِّيَابَ، وَالْوَحْلُ لَا يَبُلُّهَا، فَلَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْوَحْلَ يُلَوِّثُ الثِّيَابَ وَالنِّعَالَ، وَيَتَعَرَّضُ الْإِنْسَانُ لِلزَّلَقِ، فَيَتَأَذَّى نَفْسُهُ وَثِيَابُهُ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ الْبَلَلِ، وَقَدْ سَاوَى الْمَطَرَ فِي الْعُذْرِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَدَلَّ عَلَى تَسَاوِيهِمَا فِي الْمَشَقَّةِ الْمَرْعِيَّةِ فِي الْحُكْمِ. [فَصْلٌ جَمَعَ الصَّلَاة مَعَ الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَة الْبَارِدَةِ] (1258) فَصْلٌ: فَأَمَّا الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ، فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْبَارِدَةِ، فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يُبِيحُ الْجَمْعَ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَهُوَ أَصَحُّ. وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ
فصل هل يجوز جمع لمنفرد
فِي الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَر، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَادِي مُنَادِيهِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ، أَوْ اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ ذَاتِ الرِّيحِ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ. وَالثَّانِي، لَا يُبِيحُهُ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهِ دُونَ الْمَشَقَّةِ فِي الْمَطَرِ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ مَشَقَّتَهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَشَقَّةِ الْمَطَرِ، وَلَا ضَابِطَ لِذَلِكَ يَجْتَمِعَانِ فِيهِ، فَلَمْ يَصِحَّ إلْحَاقُهُ بِهِ. [فَصْلٌ هَلْ يَجُوزُ جَمْعُ لِمُنْفَرِدِ] (1259) فَصْلٌ: هَلْ يَجُوزُ الْجَمْعُ لِمُنْفَرِدٍ، أَوْ مَنْ كَانَ طَرِيقُهُ إلَى الْمَسْجِدِ فِي ظِلَالٍ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَطَرِ إلَيْهِ، أَوْ مَنْ كَانَ مُقَامُهُ فِي الْمَسْجِدِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ إذَا وُجِدَ اسْتَوَى فِيهِ حَالُ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ وَعَدَمِهَا، كَالسَّفَرِ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ الْعَامَّةَ إذَا وُجِدَتْ أَثْبَتَتْ الْحُكْمَ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ، كَالسَّلَمِ، وَإِبَاحَةِ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا، وَلِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ فِي الْمَطَرِ، وَلَيْسَ بَيْنَ حُجْرَتِهِ وَالْمَسْجِدِ شَيْءٌ. وَالثَّانِي، الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ، فَيَخْتَصُّ بِمَنْ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ، دُونَ مَنْ لَا تَلْحَقُهُ؛ كَالرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، يَخْتَصُّ بِمَنْ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ، دُونَ مِنْ لَا تَلْحَقُهُ، كَمَنْ فِي الْجَامِعِ وَالْقَرِيبِ مِنْهُ. [فَصْلٌ جَمْعُ الصَّلَاة لِأَجْلِ الْمَرَضِ] (1260) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الْجَمْعُ لِأَجْلِ الْمَرَضِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمَالِكٍ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ، فَإِنَّ أَخْبَارَ التَّوْقِيتِ ثَابِتَةٌ، فَلَا تُتْرَكُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ. وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ.» وَفِي رِوَايَةٍ: «مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ لِمَرَضٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذَا عِنْدِي رُخْصَةٌ لِلْمَرِيضِ وَالْمُرْضِعِ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ،
فصل المرض المبيح لجمع الصلاة
وَحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ، لَمَّا كَانَتَا مُسْتَحَاضَتَيْنِ بِتَأْخِيرِ الظُّهْرِ وَتَعْجِيلِ الْعَصْرِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. فَأَبَاحَ لَهُمَا الْجَمْعَ لِأَجْلِ الِاسْتِحَاضَةِ. وَأَخْبَارُ الْمَوَاقِيتِ مَخْصُوصَةٌ بِالصُّوَرِ الَّتِي أَجْمَعْنَا عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ فِيهَا، فَيُخَصُّ مِنْهَا مَحَلُّ النِّزَاعِ بِمَا ذَكَرْنَا. [فَصْلٌ الْمَرَضُ الْمُبِيحُ لِجَمْعِ الصَّلَاة] (1261) فَصْلٌ: وَالْمَرَضُ الْمُبِيحُ لِلْجَمْعِ هُوَ مَا يَلْحَقهُ بِهِ بِتَأْدِيَةِ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا مَشَقَّةٌ وَضَعْفٌ. قَالَ الْأَثْرَمُ، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْمَرِيضُ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ؟ فَقَالَ: إنِّي لِأَرْجُوَ لَهُ ذَلِكَ إذَا ضَعُفَ، وَكَانَ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْمُسْتَحَاضَةِ، وَلِمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمَا؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ الْمَرِيضُ مُخَيَّر فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَالْمُسَافِرِ فِي جَمْعِ الصَّلَاةِ] فَصْلٌ: وَالْمَرِيضُ مُخَيَّرٌ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَالْمُسَافِرِ. فَإِنْ اسْتَوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ فَالتَّأْخِيرُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُسَافِرِ، فَأَمَّا الْجَمْعُ لِلْمَطَرِ فَإِنَّمَا يَجْمَعُ فِي وَقْتِ الْأُولَى، لِأَنَّ السَّلَفَ إنَّمَا كَانُوا يَجْمَعُونَ فِي وَقْتِ الْأُولَى، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الْأُولَى إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ يُفْضِي إلَى لُزُومِ الْمَشَقَّةِ، وَالْخُرُوجِ فِي الظُّلْمَةِ، أَوْ طُولِ الِانْتِظَارِ فِي الْمَسْجِدِ إلَى دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ لِلْمَغْرِبِ، فَإِذَا حَبَسَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، كَانَ أَشَقَّ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا، وَرُبَّمَا يَزُولُ الْعُذْرُ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الْأُولَى، فَيَبْطُلُ الْجَمْعُ وَيَمْتَنِعُ. وَإِنْ اخْتَارُوا تَأْخِيرَ الْجَمْعِ، جَازَ. وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْأُولَى عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا شَيْئًا. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمَطَرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، إذَا اخْتَلَطَ الظَّلَامُ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، كَذَا صَنَعَ ابْنُ عُمَرَ. قَالَ الْأَثْرَمُ: وَحَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ أُمَرَاؤُنَا إذَا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الْمَطِيرَةِ أَبْطَئُوا بِالْمَغْرِبِ، وَعَجَّلُوا الْعِشَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي مَعَهُمْ، وَلَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَرَأَيْت الْقَاسِمَ وَسَالِمًا يُصَلِّيَانِ مَعَهُمْ، فِي مِثْلِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ. قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَكَأَنَّ سُنَّةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمَطَرِ عِنْدَك أَنْ يُجْمَعَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَفِي السَّفَرِ يُؤَخَّرُ حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ. قَالَ: نَعَمْ. [فَصْلٌ الْجَمْعُ لِغَيْرِ عُذْرٍ] (1263) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ لِغَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا. وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: يَجُوزُ إذَا كَانَتْ حَاجَةٌ أَوْ شَيْءٌ، مَا لَمْ يَتَّخِذْهُ عَادَةً؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ.» فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ. وَلَنَا، عُمُومُ أَخْبَارِ التَّوْقِيتِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَمَلْنَاهُ عَلَى حَالَةِ الْمَرَضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مَنْ عَلَيْهِ
فصل من شرط جواز الجمع
مَشَقَّةٌ، كَالْمُرْضِعِ، وَالشَّيْخِ الضَّعِيفِ، وَأَشْبَاهِهِمَا مِمَّنْ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ فِي تَرْكِ الْجَمْعِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَالثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، فَإِنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ عَمْرُو: قُلْت: لَجَابِرٍ أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ؟ قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَلِكَ. [فَصْلٌ مِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْجَمْع] (1264) فَصْلٌ: قَالَ وَمِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْجَمْعِ نِيَّةُ الْجَمْعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَالْآخَرُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ. وَالتَّفْرِيعُ عَلَى اشْتِرَاطِهِ. وَمَوْضِعُ النِّيَّةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْجَمْعِ، فَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى فَمَوْضِعُهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْأُولَى، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّهَا نِيَّةٌ يَفْتَقِرُ إلَيْهَا، فَاعْتُبِرَتْ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، كَنِيَّةِ الْقَصْرِ. وَالثَّانِي مَوْضِعُهَا مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ الْأُولَى إلَى سَلَامِهَا، أَيَّ ذَلِكَ نَوَى فِيهِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْجَمْعِ حِينَ الْفَرَاغِ مِنْ آخِرِ الْأُولَى إلَى الشُّرُوعِ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِذَا لَمْ تَتَأَخَّرْ النِّيَّةُ عَنْهُ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ. وَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فَمَوْضِعُ النِّيَّةِ فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْ أَوَّلِهِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْهُ قَدْرُ مَا يُصَلِّيهَا؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَخَّرَهَا عَنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ صَارَتْ قَضَاءً لَا جَمْعًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ النِّيَّةِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْهُ قَدْرُ مَا يُدْرِكُهَا بِهِ، وَهُوَ رَكْعَةٌ، أَوْ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا. وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا أَوْلَى، فَإِنَّ تَأْخِيرَهَا مِنْ الْقَدْرِ الَّذِي يَضِيقُ عَنْ فِعْلِهَا حَرَامٌ. [فَصْل فَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى اُعْتُبِرَتْ الْمُوَاصَلَةُ بَيْنَهُمَا] (1265) فَصْلٌ: فَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى اُعْتُبِرَتْ الْمُوَاصَلَةُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إلَّا تَفْرِيقًا يَسِيرًا. فَإِنْ أَطَالَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا بَطَلَ الْجَمْعُ. لِأَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ الْمُتَابَعَةُ أَوْ الْمُقَارَنَةُ، وَلَمْ تَكُنْ الْمُتَابَعَةُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْمُقَارَنَةُ، فَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا كَثِيرًا، بَطَلَ الْجَمْعُ، سَوَاءٌ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِنَوْمٍ أَوْ سَهْوٍ أَوْ شُغْلٍ أَوْ قَصْدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يَثْبُتُ الْمَشْرُوطُ بِدُونِهِ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يَمْنَعْ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَالْمَرْجِعُ فِي الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، لَا حَدَّ لَهُ سِوَى ذَلِكَ، وَقَدَّرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ، لِأَنَّ مَا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِهِ لَا سَبِيلَ إلَى تَقْدِيرِهِ، وَالْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ، كَالْإِحْرَازِ وَالْقَبْضِ، وَمَتَى احْتَاجَ إلَى الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ، فَعَلَهُ إذَا لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ يَسِيرٍ، لَمْ يَبْطُلْ الْجَمْعُ، وَإِنْ صَلَّى بَيْنَهُمَا السُّنَّةَ، بَطَلَ الْجَمْعُ، لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ فَبَطَلَ الْجَمْعُ، كَمَا لَوْ صَلَّى بَيْنَهُمَا غَيْرَهَا. وَعَنْهُ: لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ يَسِيرٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَوَضَّأَ. وَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، جَازَ التَّفْرِيقُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى صَلَّى الْأُولَى فَالثَّانِيَةُ فِي وَقْتِهَا، لَا تَخْرُجُ بِتَأْخِيرِهَا عَنْ كَوْنِهَا مُؤَدَّاةً. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّ الْمُتَابَعَةَ مُشْتَرَطَةٌ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ حَقِيقَتُهُ ضَمُّ الشَّيْءِ إلَى الشَّيْءِ، وَلَا يَحْصُلُ مَعَ التَّفْرِيقِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَى بَعْدَ وُقُوعِهَا صَحِيحَةً لَا تَبْطُلُ بِشَيْءٍ يُوجَدُ بَعْدَهَا، وَالثَّانِيَةُ لَا تَقَعُ إلَّا فِي وَقْتِهَا.
فصل متى جمع في وقت الأولى اعتبر وجود العذر المبيح
[فَصْلٌ مَتَى جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى اُعْتُبِرَ وُجُودُ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ] (1266) فَصْلٌ: وَمَتَى جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى اُعْتُبِرَ وُجُودُ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ حَالَ افْتِتَاحِ الْأُولَى وَالْفَرَاغِ مِنْهَا وَافْتِتَاحِ الثَّانِيَةِ، فَمَتَى زَالَ الْعُذْرُ فِي أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يُبَحْ الْجَمْعُ. وَإِنْ زَالَ الْمَطَرُ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى، ثُمَّ عَادَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، أَوْ انْقَطَعَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالثَّانِيَةِ، جَازَ الْجَمْعُ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ انْقِطَاعُهُ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ وُجِدَ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْأُولَى، وَفِي وَقْتِ الْجَمْعِ، وَهُوَ آخِرُ الْأُولَى وَأَوَّلُ الثَّانِيَةِ، فَلَمْ يَضُرَّ عَدَمُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَأَمَّا الْمُسَافِرُ إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ الْأُولَى، انْقَطَعَ الْجَمْعُ وَالْقَصْرُ، وَلَزِمَهُ الْإِتْمَامُ. وَلَوْ عَادَ فَنَوَى السَّفَرَ، لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّرَخُّصُ حَتَّى يُفَارِقَ الْبَلَدَ الَّذِي هُوَ فِيهِ. وَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالثَّانِيَةِ، أَوْ دَخَلَتْ بِهِ السَّفِينَةُ بَلَدَهُ فِي أَثْنَائِهَا، احْتَمَلَ أَنْ يُتِمَّهَا، وَيَصِحُّ قِيَاسًا عَلَى انْقِطَاعِ الْمَطَرِ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْقَلِبَ نَفْلًا، وَيَبْطُلَ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ رُخَصِ السَّفَرِ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ، كَالْقَصْرِ وَالْمَسْحِ، وَلِأَنَّهُ زَالَ شَرْطُهَا فِي أَثْنَائِهَا، أَشْبَهَ بِسَائِرِ شُرُوطِهَا. وَيُفَارِقُ انْقِطَاعَ الْمَطَرِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ انْقِطَاعُهُ؛ لِاحْتِمَالِ عَوْدِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالثَّانِي أَنْ يَخْلُفَهُ عُذْرٌ مُبِيحٌ، وَهُوَ الْوَحْلُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمَرِيضِ يَبْرَأُ وَيَزُولُ عُذْرُهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ. فَأَمَّا إنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ اُعْتُبِرَ بَقَاءُ الْعُذْرِ إلَى حِينِ دُخُولِ وَقْتِهَا، فَإِنْ زَالَ فِي وَقْتِ الْأُولَى، كَالْمَرِيضِ يَبْرَأُ، وَالْمُسَافِرِ يَقْدَمُ، وَالْمَطَرِ يَنْقَطِعُ، لَمْ يُبَحْ الْجَمْعُ؛ لِزَوَالِ سَبَبِهِ. وَإِنْ اسْتَمَرَّ إلَى حِينِ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، جَمَعَ، وَإِنْ زَالَ الْعُذْرُ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا وَاجِبَتَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ فِعْلِهِمَا. [فَصْلٌ أَتَمَّ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الْأُولَى ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ] (1267) فَصْلٌ: وَإِنْ أَتَمَّ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الْأُولَى، ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُمَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، أَجْزَأَتْهُ، وَلَمْ تَلْزَمْهُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَقَعَتْ صَحِيحَةً مُجْزِيَةً عَنْ مَا فِي ذِمَّتِهِ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا، فَلَمْ تَشْتَغِلْ الذِّمَّةُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ حَالَ الْعُذْرِ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِزَوَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ. [فَصْلٌ إذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ سُنَّةَ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا] (1268) فَصْلٌ: وَإِذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ سُنَّةَ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا، وَيُوتِرُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ سُنَّتَهَا تَابِعَةٌ لَهَا، فَيَتْبَعُهَا فِي فِعْلِهَا وَوَقْتِهَا، وَالْوِتْرُ وَقْتُهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ فَدَخَلَ وَقْتُهُ. [فَصْل صَلَّى إحْدَى صَلَاتِي الْجَمْعِ مَعَ إمَامٍ وَصَلَّى الثَّانِيَةَ مَعَ إمَامٍ آخَرَ] (1269) فَصْلٌ: وَإِذَا صَلَّى إحْدَى صَلَاتَيْ الْجَمْعِ مَعَ إمَامٍ، وَصَلَّى الثَّانِيَةَ مَعَ إمَامٍ آخَرَ، وَصَلَّى مَعَهُ مَأْمُومٌ فِي إحْدَى
مسألة قال نسي صلاة حضر فذكرها في السفر
الصَّلَاتَيْنِ، وَصَلَّى مَعَهُ فِي الثَّانِيَةِ مَأْمُومٌ ثَانٍ، صَحَّ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَحَدُ مَنْ يَتِمُّ بِهِ الْجَمْعُ، فَلَمْ يَجُزْ اخْتِلَافُهُ، وَإِذَا اُشْتُرِطَ دَوَامُهُ كَالْعُذْرِ اُشْتُرِطَ دَوَامُهُ فِي الصَّلَاتَيْنِ. وَلَنَا، أَنَّ لِكُلِّ صَلَاةٍ حُكْمَ نَفْسِهَا، وَهِيَ مُنْفَرِدَةٌ بِنِيَّتِهَا، فَلَمْ يُشْتَرَطْ اتِّحَادُ الْإِمَامِ وَلَا الْمَأْمُومِ، كَغَيْرِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ: إنَّ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ أَحَدُ مَنْ يَتِمُّ بِهِ الْجَمْعُ. لَا يَصِحُّ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ الْجَمْعُ مُنْفَرِدًا وَفِي الْمَطَرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْجَمْعَ فِي الْمَطَرِ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْجَمَاعَةِ. فَاَلَّذِي يَتِمُّ بِهِ الْجَمْعُ الْجَمَاعَةُ، لَا عَيْنُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَلَمْ تَخْتَلَّ الْجَمَاعَةُ، وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، لَوْ ائْتَمَّ الْمَأْمُومُ بِإِمَامٍ لَا يَنْوِي الْجَمْعَ، فَنَوَاهُ الْمَأْمُومُ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ صَلَّى الْمَأْمُومُ الثَّانِيَةَ، جَازَ. لِأَنَّنَا أَبَحْنَا لَهُ مُفَارَقَةَ إمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ لِعُذْرِ، فَفِي الصَّلَاتَيْنِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ نِيَّتَهُمَا لَمْ تَخْتَلِفْ فِي الصَّلَاةِ الْأُولَى، وَإِنَّمَا نَوَى أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا فِي غَيْرِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ فِي الصَّلَاةِ الْأُولَى إتْمَامَ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا لَوْ صَلَّى الْمُسَافِرُ بِمُقِيمِينَ، فَنَوَى الْجَمْعَ، فَلَمَّا صَلَّى بِهِمْ الْأُولَى قَامَ فَصَلَّى الثَّانِيَةَ، جَازَ عَلَى هَذَا. وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى أَحَدَ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ حَضَرَتْ جَمَاعَةٌ يُصَلُّونَ الثَّانِيَةَ، فَأَمَّهُمْ فِيهَا، أَوْ صَلَّى مَعَهُمْ مَأْمُومًا، جَازَ. وَقَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجُوزَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ قَالَ نَسِيَ صَلَاةَ حَضَرٍ فَذَكَرِهَا فِي السَّفَرِ] (1270) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا نَسِيَ صَلَاةَ حَضَرٍ، فَذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ، أَوْ صَلَاةَ سَفَرٍ، فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ، صَلَّى فِي الْحَالَتَيْنِ صَلَاةَ حَضَرٍ) . نَصَّ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَلَى هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالْأَثْرَمِ. قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: أَمَّا الْمُقِيمُ إذَا ذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ، فَذَاكَ بِالْإِجْمَاعِ يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَإِذَا نَسِيَهَا فِي السَّفَرِ، فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ، صَلَّى أَرْبَعًا بِالِاحْتِيَاطِ، فَإِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ السَّاعَةَ، فَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ، إلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ: " فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا ". أَمَّا إذَا نَسِيَ صَلَاةَ الْحَضَرِ، فَذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْهِ الْإِتْمَامُ إجْمَاعًا، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا أَرْبَعًا، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ النُّقْصَانُ مِنْ عَدَدِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يُسَافِرْ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ، وَقَدْ فَاتَهُ أَرْبَعٌ. وَأَمَّا إنْ نَسِيَ صَلَاةَ السَّفَرِ، فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ احْتِيَاطًا. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَدَاوُد، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُصَلِّيهَا صَلَاةَ سَفَرٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ، وَلَمْ يَفُتْهُ إلَّا رَكْعَتَانِ. وَلَنَا، أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ، فَيَبْطُلُ بِزَوَالِهِ، كَالْمَسْحِ ثَلَاثًا. وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا ". وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ طَرَفَيْهَا فِي الْحَضَرِ، غَلَبَ فِيهَا حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ دَخَلَتْ بِهِ السَّفِينَةُ الْبَلَدَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَكَالْمَسْحِ. وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْجُمُعَةِ إذَا فَاتَتْ، وَبِالْمُتَيَمِّمِ إذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ، فَقَضَاهَا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ.
فصل نسي صلاة في سفر ثم ذكرها فيه
[فَصْلٌ نَسِيَ صَلَاةً فِي سَفَرٍ ثُمَّ ذَكَرَهَا فِيهِ] (1271) فَصْلٌ: وَإِنْ نَسِيَهَا فِي سَفَرٍ، فَذَكَرَهَا فِيهِ، قَضَاهَا مَقْصُورَةً، لِأَنَّهَا وَجَبَتْ فِي السَّفَرِ، وَفُعِلَتْ فِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا. وَإِنْ ذَكَرَهَا فِي سَفَرٍ آخَرَ، فَكَذَلِكَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَسَوَاءٌ ذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ لَزِمَتْهُ تَامَّةً؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا تَامَّةً بِذِكْرِهِ إيَّاهَا. فَبَقِيَتْ فِي ذِمَّتِهِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا وَفِعْلَهَا فِي السَّفَرِ، فَكَانَتْ صَلَاةَ سَفَرٍ، كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْحَضَرِ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقَصْرِ كَوْنَ الصَّلَاةِ مُؤَدَّاةً؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَقْصُورَةٌ، فَاشْتُرِطَ لَهَا الْوَقْتُ، كَالْجُمُعَةِ. وَهَذَا فَاسِدٌ؛ فَإِنَّ هَذَا اشْتِرَاطٌ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْجُمُعَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى، وَيُشْتَرَطُ لَهَا الْخُطْبَتَانِ وَالْعَدَدُ وَالِاسْتِيطَانُ، فَجَازَ اشْتِرَاطُ الْوَقْتِ لَهَا، بِخِلَافِ صَلَاةِ السَّفَرِ. [فَصْلٌ سَافَرَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ] (1272) فَصْلٌ: وَإِذَا سَافَرَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، قَصْرُهَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لَهُ قَصْرَهَا. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ سَافَرَ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا. أَشْبَهَ مَا لَوْ سَافَرَ قَبْلَ وُجُوبِهَا. وَالثَّانِيَةُ، لَيْسَ لَهُ قَصْرُهَا؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ، فَلَزِمَهُ إتْمَامُهَا، كَمَا لَوْ سَافَرَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، أَوْ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِهَا، وَفَارَقَ مَا قَبْلَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ. [مَسْأَلَةٌ دَخَلَ الصَّلَاةَ مَعَ مُقِيمٍ وَهُوَ مُسَافِرٌ] (1273) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا دَخَلَ مَعَ مُقِيمٍ، وَهُوَ مُسَافِرٌ، ائْتَمَّ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسَافِرَ مَتَى ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ، لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، سَوَاءٌ أَدْرَكَ جَمِيعَ الصَّلَاةِ أَوْ رَكْعَةً، أَوْ أَقَلَّ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمُسَافِرِ، يَدْخُلُ فِي تَشَهُّدِ الْمُقِيمِينَ؟ قَالَ: يُصَلِّي أَرْبَعًا. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ إِسْحَاقُ: لِلْمُسَافِرِ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ يَجُوزُ فِعْلُهَا رَكْعَتَيْنِ، فَلَمْ تَزِدْ بِالِائْتِمَامِ، كَالْفَجْرِ. وَقَالَ طَاوُسٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَتَمِيمُ بْنُ حَذْلَمَ، فِي الْمُسَافِرِ يُدْرِكُ مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِ رَكْعَتَيْنِ: يُجْزِيَانِ وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ: إنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً أَتَمَّ، وَإِنْ أَدْرَكَ دُونَهَا قَصَرَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ
فصل أحرم المسافر خلف مقيم
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» . وَلِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً، وَمَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، لَا يَلْزَمُهُ فَرْضُهَا. وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: «مَا بَالُ الْمُسَافِرِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي حَالِ الِانْفِرَادِ، وَأَرْبَعًا إذَا ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ؟ فَقَالَ: تِلْكَ السُّنَّةُ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ " وَقَوْلُهُ: السُّنَّةُ. يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلِأَنَّهُ فِعْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا. قَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّاهَا أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ مَرْدُودَةٌ مِنْ أَرْبَعٍ إلَى رَكْعَتَيْنِ، فَلَا يُصَلِّيهَا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْأَرْبَعَ كَالْجُمُعَةِ وَمَا ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا؛ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ لَهُ صَلَاةُ الْفَجْرِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الرُّبَاعِيَّةَ، وَإِدْرَاكُ الْجُمُعَةِ يُخَالِفُ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ رَجَعَ إلَى رَكْعَتَيْنِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» . وَمُفَارَقَةُ إمَامِهِ اخْتِلَافٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ إمْكَانِ مُتَابَعَتِهِ. وَإِذَا أَحْرَمَ الْمُسَافِرُونَ خَلْفَ مُسَافِرٍ فَأَحْدَثَ، وَاسْتَخْلَفَ مُسَافِرًا آخَرَ، فَلَهُمْ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتَمُّوا بِمُقِيمٍ. وَإِنْ اسْتَخْلَفَ مُقِيمًا، لَزِمَهُمْ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّهُمْ ائْتَمُّوا بِمُقِيمٍ، وَلِلْإِمَامِ الَّذِي أَحْدَثَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ. وَلَوْ صَلَّى الْمُسَافِرُونَ خَلْفَ مُقِيمٍ، فَأَحْدَثَ وَاسْتَخْلَفَ مُسَافِرًا أَوْ مُقِيمًا، لَزِمَهُمْ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّهُمْ ائْتَمُّوا بِمُقِيمٍ، فَإِنْ اسْتَخْلَفَ مُسَافِرًا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ. [فَصْلٌ أَحْرَمَ الْمُسَافِرُ خَلْفَ مُقِيمٍ] (1274) فَصْلٌ: وَإِذَا أَحْرَمَ الْمُسَافِرُ خَلْفَ مُقِيمٍ، أَوْ مَنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مُقِيمٌ، أَوْ مَنْ يَشُكُّ هَلْ هُوَ مُقِيمٌ أَوْ مُسَافِرٌ؟ لَزِمَ الْإِتْمَامُ، وَإِنْ قَصَرَ إمَامُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ تَامَّةً، فَلَيْسَ لَهُ نِيَّةُ قَصْرِهَا مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُوبِ إتْمَامِهَا، وَيَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا اعْتِبَارًا بِالنِّيَّةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْإِمَامَ مُسَافِرٌ؛ لِرُؤْيَةِ حِلْيَةِ الْمُسَافِرِينَ عَلَيْهِ وَآثَارِ السَّفَرِ، فَلَهُ أَنْ يَنْوِيَ الْقَصْرَ، فَإِنْ قَصَرَ إمَامُهُ قَصَرَ مَعَهُ، وَإِنْ أَتَمَّ لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ، وَإِنْ نَوَى الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، سَوَاءٌ قَصَرَ إمَامُهُ، أَوْ أَتَمَّ، اعْتِبَارًا بِالنِّيَّةِ. وَإِنْ نَوَى الْقَصْرَ فَأَحْدَثَ إمَامُهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ، فَلَهُ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ إمَامَهُ مُسَافِرٌ؛ لِوُجُودِ دَلِيلِهِ، وَقَدْ أُبِيحَتْ لَهُ نِيَّةُ الْقَصْرِ، بِنَاءً عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ الْإِتْمَامُ احْتِيَاطًا. [فَصْلٌ صَلَّى الْمُسَافِرُ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِمُسَافِرِينَ] (1275) فَصْلٌ: إذَا صَلَّى الْمُسَافِرُ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِمُسَافِرِينَ، فَفَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ، فَأَحْدَثَ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَاسْتَخْلَفَ مُقِيمًا، لَزِمَ الطَّائِفَتَيْنِ الْإِتْمَامُ، لِوُجُودِ الِائْتِمَامِ بِمُقِيمٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْأُولَى، أَتَمَّتْ الثَّانِيَةُ
مسألة صلاة المسافر والمقيم خلف مسافر
وَحْدَهَا، لِاخْتِصَاصِهَا بِالِائْتِمَامِ بِالْمُقِيمِ. وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مُقِيمًا، فَاسْتَخْلَفَ مُسَافِرًا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَعَلَى الْجَمِيعِ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ قَدْ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ بِاقْتِدَائِهِ بِالْمُقِيمِ، فَصَارَ كَالْمُقِيمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَانَ اسْتِخْلَافُهُ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْأُولَى، فَعَلَيْهَا الْإِتْمَامُ؛ لِائْتِمَامِهَا بِمُقِيمٍ، وَيَقْصُرُ الْإِمَامُ وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ. وَإِنْ اسْتَخْلَفَ بَعْدَ دُخُولِ الثَّانِيَةِ مَعَهُ، فَعَلَى الْجَمِيعِ الْإِتْمَامُ، وَلِلْمُسْتَخْلَفِ الْقَصْرُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ [مَسْأَلَةٌ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ خَلْفَ مُسَافِرٍ] (1276) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا صَلَّى مُسَافِرٌ وَمُقِيمٌ خَلْفَ مُسَافِرٍ، أَتَمَّ الْمُقِيمُ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُقِيمَ إذَا ائْتَمَّ بِالْمُسَافِرِ، وَسَلَّمَ الْمُسَافِرُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، أَنَّ عَلَى الْمُقِيمِ إتْمَامَ الصَّلَاةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «شَهِدْتُ الْفَتْحَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، لَا يُصَلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ: صَلُّوا أَرْبَعًا، فَإِنَّا سَفَرٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ رَكَعَاتِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُسَافِرٍ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا صَلَّى بِمُقِيمِينَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ عَقِيبَ تَسْلِيمِهِ] (1277) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا صَلَّى بِمُقِيمِينَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ عَقِيبَ تَسْلِيمِهِ: أَتِمُّوا، فَإِنَّا سَفَرٌ. لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ، وَلِئَلَّا يَشْتَبِهَ عَلَى الْجَاهِلِ عَدَدُ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ، فَيَظُنُّ أَنَّ الرُّبَاعِيَّةَ رَكْعَتَانِ. وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ عُثْمَانَ إنَّمَا أَتَمَّ الصَّلَاةَ لِأَنَّ الْأَعْرَابَ حَجُّوا، فَأَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ أَرْبَعٌ. [فَصْلٌ أَمَّ الْمُسَافِرُ الْمُقِيمِينَ فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ] (1278) فَصْلٌ: وَإِذَا أَمَّ الْمُسَافِرُ الْمُقِيمِينَ، فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ، فَصَلَاتُهُمْ تَامَّةٌ صَحِيحَةٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ: تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمُقِيمِينَ، وَتَصِحُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْمُسَافِرِينَ مَعَهُ. وَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوُ ذَلِكَ. قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ نَفْلٌ مِنْ الْإِمَامِ، فَلَا يَؤُمُّ بِهَا مُفْتَرِضِينَ. وَلَنَا، أَنَّ الْمُسَافِرَ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ بِنِيَّتِهِ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ وَاجِبًا، وَلَوْ كَانَتْ نَفْلًا فَائْتِمَامُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ جَائِزٌ، عَلَى مَا مَضَى. [فَصْلٌ أَمَّ الْمُسَافِرُ مُسَافِرِينَ فَنَسِيَ فَصَلَّاهَا تَامَّةً] (1279) فَصْلٌ: وَإِنْ أَمَّ الْمُسَافِرُ مُسَافِرِينَ، فَنَسِيَ فَصَلَّاهَا تَامَّةً، صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ، وَلَا يَلْزَمُ لِذَلِكَ سُجُودُ سَهْوٍ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَمْدُهَا، فَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهَا، كَزِيَادَاتِ الْأَقْوَالِ، مِثْلِ الْقِرَاءَةِ فِي السُّجُودِ وَالْقُعُودِ، وَهَلْ يُشْرَعُ السُّجُودُ لَهَا؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الزِّيَادَاتِ الْمَذْكُورَةِ. وَاخْتَارَ
مسألة نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة
ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى سُجُودٍ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْأَصْلِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى جُبْرَانٍ. وَوَجْهُ مَشْرُوعِيَّتِهِ أَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ نَقَصَتْ الْفَضِيلَةَ، وَأَخَلَّتْ بِالْكَمَالِ، فَأَشْبَهَتْ الْقِرَاءَةَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا، وَقِرَاءَةَ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ. وَإِذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ بَعْدَ قِيَامِهِ إلَى الثَّالِثَةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِتْمَامُ، وَلَهُ أَنْ يَجْلِسَ، فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِلْإِتْمَامِ نِيَّتُهُ، أَوْ الِائْتِمَامُ بِمُقِيمٍ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. وَإِنْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّ قِيَامَهُ لِسَهْوٍ، وَسَبَّحُوا بِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ مُتَابَعَتُهُ؛ لِأَنَّهُ سَهْوٌ فَلَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ فِيهِ، وَلَهُمْ مُفَارَقَتُهُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، كَمَا لَوْ قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ فِي الْفَجْرِ، وَإِنْ تَابَعُوهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَا تُبْطِلُ صَلَاةَ الْإِمَامِ، فَلَا تُبْطِلُ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ بِمُتَابَعَتِهِ فِيهَا، كَزِيَادَاتِ الْأَقْوَالِ، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ فَارَقُوا الْإِمَامَ، وَأَتَمُّوا، صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ، فَمَعَ مُوَافَقَتِهِ أَوْلَى. وَقَالَ الْقَاضِي: تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ زَادُوا رَكْعَتَيْنِ عَمْدًا. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا هَلْ قَامَ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا، لَزِمَهُمْ مُتَابَعَتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُفَارَقَتُهُ، لِأَنَّ حُكْمَ وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ ثَابِتٌ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ. [مَسْأَلَةٌ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً] (1280) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً، أَتَمَّ) الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي تُلْزِمُ الْمُسَافِرَ الْإِتْمَامَ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِيهَا، هِيَ مَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالْمَرُّوذِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَعَنْهُ أَنَّهُ إذَا نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَتَمَّ، وَإِنْ نَوَى دُونَهَا قَصَرَ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ حَدُّ الْقِلَّةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ مَنْسَكِهِ ثَلَاثًا» . وَلَمَّا أَخْلَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَهْلَ الذِّمَّةِ، ضَرَبَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْهُمْ تَاجِرًا ثَلَاثًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ فِي حُكْمِ السَّفَرِ، وَمَا زَادَ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ. وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ أَقَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَعَ الْيَوْمِ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ أَتَمَّ، وَإِنْ نَوَى دُونَ ذَلِكَ قَصَرَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُمَا قَالَا: إذَا قَدِمْتَ وَفِي نَفْسِكَ أَنْ تُقِيمَ بِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً فَأَكْمِلْ الصَّلَاةَ. وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ. وَرَوَى عَنْهُ قَتَادَةُ، قَالَ: إذَا أَقَمْتَ أَرْبَعًا فَصَلِّ أَرْبَعًا. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: يُتِمُّ الصَّلَاةَ الَّذِي يُقِيمُ عَشْرًا، وَيَقْصُرُ الصَّلَاةَ الَّذِي يَقُولُ: أَخْرُجُ الْيَوْمَ، أَخْرُجُ غَدًا، شَهْرًا. وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنِهِ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا قَدِمْتَ بَلْدَةً، فَلَمْ تَدْرِ مَتَى تَخْرُجُ، فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ، وَإِنْ قُلْتَ: أَخْرُجُ الْيَوْمَ، أَخْرُجُ غَدًا. فَأَقَمْتَ عَشْرًا، فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ. وَعَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَنَحْنُ إذَا أَقَمْنَا تِسْعَ عَشْرَةَ نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَإِذَا زِدْنَا عَلَى ذَلِكَ أَتْمَمْنَا.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ الْحَسَنُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، إلَى أَنْ تَقْدَمَ مِصْرًا، فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ وَصُمْ. وَقَالَتْ
فصل قصد بلدا بعينه فوصله غير عازم على الإقامة به هل يقصر الصلاة
عَائِشَةُ: إذَا وَضَعْتَ الزَّادَ وَالْمَزَادَ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ. وَكَانَ طَاوُسٌ إذَا قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى أَرْبَعًا. وَلَنَا، مَا رَوَى أَنَسٌ، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ أَحْمَدُ حَدِيثَ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيَوْمَ الرَّابِعَ وَالْخَامِسَ وَالسَّادِسَ وَالسَّابِعَ، وَصَلَّى الْفَجْرَ بِالْأَبْطَحِ يَوْمَ الثَّامِنِ» فَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى إقَامَتِهَا. قَالَ: فَإِذَا أَجْمَعَ أَنْ يُقِيمَ كَمَا أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصَرَ، وَإِذَا أَجْمَعَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَتَمَّ. قَالَ الْأَثْرَمُ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَذْكُرُ حَدِيثَ أَنَسٌ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى الْإِقَامَةِ لِلْمُسَافِرِ. فَقَالَ: هُوَ كَلَامٌ لَيْسَ يَفْقَهُهُ كُلُّ أَحَدٍ. وَقَوْلُهُ: أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِصُبْحِ رَابِعَةٍ وَخَامِسَةٍ وَسَادِسَةٍ وَسَابِعَةٍ. ثُمَّ قَالَ: وَثَامِنَةِ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَتَاسِعَةٍ وَعَاشِرَةٍ. فَإِنَّمَا وَجْهُ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ حَسَبُ مُقَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ وَمِنًى، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لَهُ عِنْدِي غَيْرُ هَذَا. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، وَصَلَاةُ الصُّبْحِ بِهَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ تَمَامُ إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً يَقْصُرُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَقَامَ إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً يَقْصُرُ، وَهِيَ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي خِلَافِ قَوْلِ مَنْ حَدَّهُ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ. وَقَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ: لَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ، غَيْرُ صَحِيحٍ، فَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِيهِ عَنْهُمْ، وَذَكَرْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَفْسِهِ خِلَافَ مَا حَكَوْهُ عَنْهُ. رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ، وَلَمْ أَجِدْ مَا حَكَوْهُ عَنْهُ فِيهِ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إقَامَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَجْهُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُجْمِعْ الْإِقَامَةَ. قَالَ أَحْمَدُ: أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ زَمَنَ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ حُنَيْنًا، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ إجْمَاعُ الْمُقَامِ. وَهَذِهِ هِيَ إقَامَتُهُ الَّتِي رَوَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ قَصَدَ بَلَدًا بِعَيْنِهِ فَوَصَلَهُ غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى الْإِقَامَةِ بِهِ هَلْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ] (1281) فَصْلٌ: وَمَنْ قَصَدَ بَلَدًا بِعَيْنِهِ، فَوَصَلَهُ غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى الْإِقَامَةِ بِهِ مُدَّةً يَنْقَطِعُ فِيهَا حُكْمُ سَفَرِهِ، فَلَهُ الْقَصْرُ فِيهِ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ لَمْ يُجْمِعْ عَلَى إقَامَةٍ تَزِيدُ عَلَى إقَامَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا، وَهُوَ أَنْ يَقْدَمَ رَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ: فَلَهُ الْقَصْرُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي أَسْفَارِهِ يَقْصُرُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَحِينَ قَدِمَ مَكَّةَ وَأَقَامَ بِهَا مَا أَقَامَ كَانَ يَقْصُرُ فِيهَا، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ عَائِشَةَ وَالْحَسَنِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الرُّجُوعَ إلَى بَلَدِهِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُرِيدَ بَلَدًا آخَرَ، كَمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
فصل مر في طريقه على بلد له فيه أهل أو مال هل يقصر الصلاة
[فَصْلٌ مَرَّ فِي طَرِيقِهِ عَلَى بَلَدٍ لَهُ فِيهِ أَهْلٌ أَوْ مَالٌ هَلْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ] (1282) فَصْلٌ: وَإِنْ مَرَّ فِي طَرِيقِهِ عَلَى بَلَدٍ لَهُ فِيهِ أَهْلٌ أَوْ مَالٌ. فَقَالَ أَحْمَدُ، فِي مَوْضِعٍ: يُتِمُّ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: يُتِمُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَارًّا. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إذَا مَرَّ بِمَزْرَعَةٍ لَهُ أَتَمَّ. وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا مَرَّ بِقَرْيَةٍ فِيهَا أَهْلُهُ أَوْ مَالُهُ أَتَمَّ، إذَا أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَقْصُرُ، مَا لَمْ يُجْمِعْ عَلَى إقَامَةِ أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ لَمْ يُجْمِعْ عَلَى أَرْبَعٍ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، أَنَّهُ صَلَّى بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنِّي تَأَهَّلْتُ بِمَكَّةَ مُنْذُ قَدِمْتُ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إذَا قَدِمْتَ عَلَى أَهْلٍ لَكَ أَوْ مَالٍ، فَصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ. وَلِأَنَّهُ مُقِيمٌ بِبَلَدٍ فِيهِ أَهْلُهُ، فَأَشْبَهَ الْبَلَدَ الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ. [فَصْلٌ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ هَلْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ] (1283) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ، فَلَا يُقِيمُ بِهَا حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَهَذَا يُصَلِّي بِعَرَفَةَ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَنْشَأَ السَّفَرَ، فَهُوَ فِي سَفَرٍ مِنْ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ مُقِيمًا بِبَغْدَادَ، فَأَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الْكُوفَةِ، فَعَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِالنَّهْرَوَانِ، ثُمَّ رَجَعَ فَمَرَّ بِبَغْدَادَ ذَاهِبًا إلَى الْكُوفَةِ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ إذَا كَانَ يَمُرُّ بِبَغْدَادَ مُجْتَازًا، لَا يُرِيدُ الْإِقَامَةَ بِهَا. وَإِنْ كَانَ الَّذِي خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ فِي نِيَّتِهِ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ إذَا رَجَعَ، فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ بِعَرَفَةَ، وَلِذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ لَا يَقْصُرُونَ. وَإِنْ صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ مَكِّيٍّ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ بِعَرَفَةَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَأَضَافَ إلَيْهَا رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ الْمَكِّيَّ يَقْصُرُ بِتَأْوِيلٍ، فَصَحَّتْ صَلَاةُ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ. [فَصْلٌ خَرَجَ الْمُسَافِرُ فَذَكَرَ حَاجَةً فَرَجَعَ إلَيْهَا هَلْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ] (1284) فَصْلٌ: وَإِذَا خَرَجَ الْمُسَافِرُ، فَذَكَرَ حَاجَةً، فَرَجَعَ إلَيْهَا، فَلَهُ الْقَصْرُ فِي رُجُوعِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ يُقِيمَ إذَا رَجَعَ مُدَّةً تَقْطَعُ الْقَصْرَ، أَوْ يَكُونَ أَهْلُهُ أَوْ مَالُهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. هَكَذَا حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَوْلُهُ، فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: أَتَمَّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَارًّا. يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا قَصَدَ أَخْذَ حَاجَتِهِ، وَالرُّجُوعَ مِنْ غَيْرِ
مسألة قال اليوم أخرج وغدا أخرج قصر وإن أقام شهرا
إقَامَةٍ، أَنَّهُ يَقْصُرُ، وَالشَّافِعِيُّ يَرَى لَهُ الْقَصْرَ، مَا لَمْ يَنْوِ فِي رُجُوعِهِ الْإِقَامَةَ فِي الْبَلَدِ أَرْبَعًا، قَالَ: وَلَوْ كَانَ أَتَمَّ أَحَبُّ إلَيَّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُتِمُّ حَتَّى يَخْرُجَ فَاصِلًا لِلثَّانِيَةِ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ. وَلَنَا، أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ بِخُرُوجِهِ، وَلَمْ تُوجَدْ إقَامَةٌ تَقْطَعُ حُكْمَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَتَى قَرْيَةً غَيْرَ مَخْرَجِهِ. [مَسْأَلَةٌ قَالَ الْيَوْمَ أَخْرُجُ وَغَدًا أَخْرُجُ قَصَرَ وَإِنْ أَقَامَ شَهْرًا] (1285) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ قَالَ الْيَوْمَ أَخْرُجُ، وَغَدًا أَخْرُجُ. قَصَرَ، وَإِنْ أَقَامَ شَهْرًا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الْإِقَامَةَ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً، فَلَهُ الْقَصْرُ، وَلَوْ أَقَامَ سِنِينَ، مِثْلُ أَنْ يُقِيمَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ يَرْجُو نَجَاحَهَا، أَوْ لِجِهَادِ عَدُوٍّ، أَوْ حَبَسَهُ سُلْطَانٌ أَوْ مَرَضٌ، وَسَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ انْقِضَاءُ الْحَاجَةِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، أَوْ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ أَنْ يَحْتَمِلَ انْقِضَاؤُهَا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي لَا تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ مَا لَمْ يُجْمِعْ إقَامَةً، وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ سِنُونَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ جَابِرٌ: «أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ ". وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَا يُصَلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَقَمْنَا مَعَ سَعْدٍ بِعَمَّانَ أَوْ سَلْمَانَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي أَرْبَعًا، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: نَحْنُ أَعْلَمُ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَرَوَى سَعِيدٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: أَقَمْنَا مَعَ سَعْدٍ بِبَعْضِ قُرَى الشَّامِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُهَا سَعْدٌ، وَنُتِمُّهَا. وَقَالَ نَافِعٌ: أَقَامَ ابْنُ عُمَرَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَقَدْ حَالَ الثَّلْجُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّخُولِ. وَعَنْ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَقَامَ بِالشَّامِ سَنَتَيْنِ يُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِ. وَقَالَ أَنَسٌ: أَقَامَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَامَهُرْمُزَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ. وَعَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: أَقَمْتُ مَعَهُ سَنَتَيْنِ بِكَابُلَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُجْمِعُ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانُوا يُقِيمُونَ بِالرَّيِّ السَّنَةَ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَبِسِجِسْتَانَ السَّنَتَيْنِ، يُجْمِعُونَ وَلَا يَصُومُونَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: وَيَقْصُرُ إذَا قَالَ: الْيَوْمَ أَخْرُجُ، غَدًا أَخْرُجُ - شَهْرًا. وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَلَعَلَّ الْخِرَقِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ اقْتِدَاءً بِهِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ نِهَايَةَ الْقَصْرِ إلَى شَهْرٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِلْقَصْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ عَزَمَ عَلَى إقَامَةٍ طَوِيلَةٍ فِي رُسْتَاقٍ يَتَنَقَّلُ فِيهِ مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ هَلْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ] (1286) فَصْلٌ: وَإِنْ عَزَمَ عَلَى إقَامَةٍ طَوِيلَةٍ فِي رُسْتَاقٍ، يَتَنَقَّلُ فِيهِ مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ، لَا يُجْمِعُ عَلَى الْإِقَامَةِ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا
فصل دخل بلدا فقال إن لقيت فلانا أقمت وإن لم ألقه لم أقم هل يقصر الصلاة
مُدَّةً تُبْطِلُ حُكْمَ السَّفَرِ، لَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ سَفَرِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ عَشْرًا بِمَكَّةَ وَعَرَفَةَ وَمِنًى، فَكَانَ يَقْصُرُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ كُلِّهَا. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُوَرِّقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، قُلْتُ: إنِّي رَجُلٌ تَاجِرٌ، آتِي الْأَهْوَازَ، فَأَنْتَقِلُ فِي قُرَاهَا مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ، فَأُقِيمُ الشَّهْرَ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: تَنْوِي الْإِقَامَةَ؟ . قُلْتُ: لَا. قَالَ: لَا أَرَاك إلَّا مُسَافِرًا، صَلِّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ. وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُتَنَقِّلَ فِي سَفَرِهِ مِنْ مَنْزِلٍ إلَى مَنْزِلٍ. [فَصْلٌ دَخَلَ بَلَدًا فَقَالَ إنْ لَقِيتُ فُلَانًا أَقَمْتُ وَإِنْ لَمْ أَلْقَهُ لَمْ أُقِمْ هَلْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ] (1287) فَصْلٌ: وَإِذَا دَخَلَ بَلَدًا، فَقَالَ: إنْ لَقِيتُ فُلَانًا أَقَمْتُ، وَإِنْ لَمْ أَلْقِهِ لَمْ أُقِمْ. لَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ سَفَرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِالْإِقَامَةِ، وَلِأَنَّ الْمُبْطِلَ لِحُكْمِ السَّفَرِ هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْإِقَامَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَإِنَّمَا عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَرَامٍ. [فَصْلٌ لَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ نَازِلًا وَسَائِرًا عَلَى الرَّاحِلَةِ] (1288) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ نَازِلًا وَسَائِرًا عَلَى الرَّاحِلَةِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ.» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ، وَأَنَسٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ. وَرَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا، فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَطَوَّعُ فِي السَّفَرِ.» رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْوَتْرَ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ وَلَمَّا نَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَبْلَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. فَأَمَّا سَائِرُ السُّنَنِ وَالتَّطَوُّعَاتِ قَبْلَ الْفَرَائِضِ وَبَعْدَهَا، فَقَالَ أَحْمَدُ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِالتَّطَوُّعِ فِي السَّفَرِ بَأْسٌ. وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَافِرُونَ، فَيَتَطَوَّعُونَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ وَبَعْدَهَا. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ كَثِيرٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَتَطَوَّعُ مَعَ الْفَرِيضَةِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، إلَّا مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسَعِيدِ
بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى قَوْمًا يُسَبِّحُونَ بَعْدَ الصَّلَاةِ. فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ صَلَاتِي، يَا ابْنَ أَخِي: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ. وَذَكَرَ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَقَالَ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْحَضَرِ، فَكُنَّا نُصَلِّي قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، وَكُنَّا نُصَلِّي فِي السَّفَرِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا، فَمَا رَأَيْتُهُ تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَحَدِيثُ الْحَسَنِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ ذَكَرْنَاهُ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِفِعْلِهَا، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَرْكِهَا، فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كتاب صلاة الجمعة
[كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] ِ الْأَصْلُ فِي فَرْضِ الْجُمُعَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] . فَأَمَرَ بِالسَّعْيِ، وَيَقْتَضِي الْأَمْرُ الْوُجُوبَ، وَلَا يَجِبُ السَّعْيُ إلَّا إلَى الْوَاجِبِ. وَنَهَى عَنْ الْبَيْعِ؛ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِهِ عَنْهَا، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لَمَا نَهَى عَنْ الْبَيْعِ مِنْ أَجْلِهَا، وَالْمُرَادُ بِالسَّعْيِ هَاهُنَا الذَّهَابُ إلَيْهَا، لَا الْإِسْرَاعُ، فَإِنَّ السَّعْيَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَمْ يُرَدْ بِهِ الْعَدْوُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى} [عبس: 8] . وَقَالَ: {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} [الإسراء: 19] وَقَالَ: {سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا} [البقرة: 205] . وَقَالَ: {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا} [المائدة: 33] . وَأَشْبَاهُ هَذَا لَمْ يُرِدْ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَدْوِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوْ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد. وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ الْجُمُعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا، فِي يَوْمِي هَذَا، فِي شَهْرِي هَذَا، مِنْ عَامِي هَذَا، فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدَ مَمَاتِي، وَلَهُ إمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ، اسْتِخْفَافًا بِهَا، أَوْ جُحُودًا لَهَا، فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ، وَلَا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ، أَلَا وَلَا صَلَاةَ لَهُ، أَلَا وَلَا زَكَاةَ لَهُ، أَلَا وَلَا حَجَّ لَهُ، أَلَا وَلَا صَوْمَ لَهُ، وَلَا بِرَّ لَهُ، حَتَّى يَتُوبَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ الْجُمُعَةِ. [مَسْأَلَةٌ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ] (1289) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ) الْمُسْتَحَبُّ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. قَالَ مَسْلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ.» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِأَنَّ
مسألة إذا استقبل الإمام الناس سلم عليهم وردوا عليه وجلس
فِي ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، فَإِنَّ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَقْتٌ لِلْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا قَبْلَهُ. وَلَا فَرْقَ فِي اسْتِحْبَابِ إقَامَتِهَا عَقِيبَ الزَّوَالِ بَيْنَ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ الْجُمُعَةَ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ، فَلَوْ انْتَظَرُوا الْإِبْرَادَ شَقَّ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهَا إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ عَلَى مِيقَاتٍ وَاحِدٍ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِلْخُطْبَةِ عَلَى مِنْبَرٍ لِيُسْمِعَ النَّاسَ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِهِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: «أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى فُلَانَةَ - امْرَأَةٍ سَمَّاهَا سَهْلٌ - أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلُ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ أُمُّ هِشَامٍ بِنْتُ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ: «مَا أَخَذْتُ ق إلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إذَا خَطَبَ النَّاسَ» . وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا، فَلَوْ خَطَبَ عَلَى الْأَرْضِ، أَوْ عَلَى رَبْوَةٍ، أَوْ وِسَادَةٍ، أَوْ عَلَى رَاحِلَتِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، جَازَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُصْنَعَ الْمِنْبَرُ يَقُومُ عَلَى الْأَرْضِ اهـ. (1290) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمِنْبَرُ عَلَى يَمِينِ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَكَذَا صَنَعَ. [مَسْأَلَةٌ إذَا اسْتَقْبَلَ الْإِمَامُ النَّاسَ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَرَدُّوا عَلَيْهِ وَجَلَسَ] (1291) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا اسْتَقْبَلَ النَّاسَ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَرَدُّوا عَلَيْهِ، وَجَلَسَ) يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا خَرَجَ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَاسْتَقْبَلَ الْحَاضِرِينَ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَجَلَسَ إلَى أَنْ يَفْرَغَ الْمُؤَذِّنُونَ مِنْ أَذَانِهِمْ. كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إذَا عَلَا عَلَى الْمِنْبَرِ سَلَّمَ، وَفَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُسَنُّ السَّلَامُ عَقِيبَ الِاسْتِقْبَالِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ حَالَ خُرُوجِهِ. وَلَنَا، مَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ سَلَّمَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَلَّمَ عَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ جَالِسًا، فَإِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ تَوَجَّهَ النَّاسَ ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ» . رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ، بِإِسْنَادِهِ. عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ سُورَةً، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَفْعَلَانِهِ.» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَمَتَى سَلَّمَ رَدَّ عَلَيْهِ النَّاسُ؛ لِأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ آكَدُ مِنْ ابْتِدَائِهِ. ثُمَّ يَجْلِسُ حَتَّى يَفْرَغَ الْمُؤَذِّنُونَ لِيَسْتَرِيحَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، يَجْلِسُ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرَغَ
مسألة إذا أخذ المؤذنون في الأذان يوم الجمعة
الْمُؤَذِّنُونَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَلَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [مَسْأَلَةٌ إذَا أَخَذَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (1292) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَأَخَذَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ، وَهَذَا الْأَذَانُ الَّذِي يَمْنَعُ الْبَيْعَ، وَيُلْزِمُ السَّعْيَ، إلَّا لِمَنْ مَنْزِلُهُ فِي بُعْدٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ) أَمَّا مَشْرُوعِيَّةُ الْأَذَانِ عَقِيبَ صُعُودِ الْإِمَامِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ، فَقَدْ كَانَ يُؤَذَّنُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: «كَانَ النِّدَاءُ إذَا صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ كَثُرَ النَّاسُ، فَزَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " هَذَا الْأَذَانُ الَّذِي يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَيُلْزِمُ السَّعْيَ فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالسَّعْيِ، وَنَهَى عَنْ الْبَيْعِ بَعْدَ النِّدَاءِ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: «إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ» وَالنِّدَاءُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ النِّدَاءُ عَقِيبَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ. وَحَكَى الْقَاضِي رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْبَيْعَ يَحْرُمُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ، وَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَهُ عَلَى النِّدَاءِ، لَا عَلَى الْوَقْتِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا إدْرَاكُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِمَا ذَكَرْنَا دُونَ مَا ذَكَرَهُ، وَلَوْ كَانَ تَحْرِيمُ الْبَيْعِ مُعَلَّقًا بِالْوَقْتِ لَمَا اخْتَصَّ بِالزَّوَالِ، فَإِنَّ مَا قَبْلَهُ وَقْتٌ أَيْضًا. فَأَمَّا مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بَعِيدًا لَا يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ بِالسَّعْيِ وَقْتَ النِّدَاءِ، فَعَلَيْهِ السَّعْيُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ، وَالسَّعْيُ قَبْلَ النِّدَاءِ مِنْ ضَرُورَةِ إدْرَاكِهَا، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ، كَاسْتِقَاءِ الْمَاءِ مِنْ الْبِئْرِ لِلْوُضُوءِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ مَعَ النَّهَارِ فِي الصَّوْمِ، وَنَحْوِهِمَا. [فَصْلٌ تَحْرِيمُ الْبَيْعِ وَوُجُوبُ السَّعْيِ يَخْتَصُّ بِالْمُخَاطَبِينَ بِالْجُمُعَةِ] (1293) فَصْلٌ: وَتَحْرِيمُ الْبَيْعِ، وَوُجُوبُ السَّعْيِ، يَخْتَصُّ بِالْمُخَاطَبِينَ بِالْجُمُعَةِ، فَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمُسَافِرِينَ، فَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي غَيْرِ الْمُخَاطَبِينَ رِوَايَتَيْنِ. وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا نَهَى عَنْ الْبَيْعِ مَنْ أَمَرَهُ بِالسَّعْيِ، فَغَيْرُ الْمُخَاطَبِ بِالسَّعْيِ لَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الْبَيْعِ مُعَلَّلٌ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِمْ. فَإِنْ كَانَ الْمُسَافِرُ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ، أَوْ كَانَ إنْسَانًا مُقِيمًا بِقَرْيَةٍ لَا جُمُعَةَ عَلَى أَهْلِهَا، لَمْ يَحْرُمْ الْبَيْعُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَمْ يُكْرَهْ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ مُخَاطَبًا وَالْآخَرُ غَيْرَ مُخَاطَبٍ، حَرُمَ فِي حَقِّ الْمُخَاطَبِ، وَكُرِهَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْرُمَ أَيْضًا: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]
فصل لا يحرم غير البيع من العقود
[فَصْلٌ لَا يَحْرُمُ غَيْرُ الْبَيْعِ مِنْ الْعُقُودِ] (1294) فَصْلٌ: وَلَا يَحْرُمُ غَيْرُ الْبَيْعِ مِنْ الْعُقُودِ، كَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَالنِّكَاحِ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ. وَلَنَا، أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالْبَيْعِ، وَغَيْرُهُ لَا يُسَاوِيهِ فِي الشَّغْلِ عَنْ السَّعْيِ؛ لِقِلَّةِ وُجُودِهِ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْبَيْعِ. [فَصْلٌ لِلسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَقْتَانِ] (1295) فَصْلٌ: وَلِلسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَقْتَانِ: وَقْتُ وُجُوبٍ، وَوَقْتُ فَضِيلَةٍ. فَأَمَّا وَقْتُ الْوُجُوبِ فَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا وَقْتُ الْفَضِيلَةِ فَمِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَكُلَّمَا كَانَ أَبْكَرَ كَانَ أَوْلَى وَأَفْضَلَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ قَبْلَ الزَّوَالِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ ". وَالرَّوَاحُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَالْغُدُوُّ قَبْلَهُ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . وَيُقَالُ: تَرَوَّحْتُ عِنْدَ انْتِصَافِ النَّهَارِ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: تَرُوحُ مِنْ الْحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرُ وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ: «إذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ عَلْقَمَةُ: خَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ إلَى الْجُمُعَةِ، فَوَجَدْتُ ثَلَاثَةً قَدْ سَبَقُوهُ، فَقَالَ: رَابِعُ أَرْبَعَةٍ، وَمَا رَابِعُ أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدٍ، إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ النَّاسَ يَجْلِسُونَ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إلَى الْجُمُعَةِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا أَجْرُ سَنَةٍ، صِيَامُهَا وَقِيَامُهَا» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ: «وَمَشَى
فصل المستحب أن يمشي ولا يركب في طريقه إلى الجمعة
وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنْ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ.» قَوْلُهُ " بَكَّرَ " أَيْ خَرَجَ فِي بُكْرَةِ النَّهَارِ، وَهِيَ أَوَّلُهُ " وَابْتَكَرَ " بَالَغَ فِي التَّبْكِيرِ، أَيْ جَاءَ فِي أَوَّلِ الْبُكْرَةِ، عَلَى مَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: تَرُوحُ مِنْ الْحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرُ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ ابْتَكَرَ الْعِبَادَةَ مَعَ بُكُورَةٍ. وَقِيلَ: ابْتَكَرَ الْخُطْبَةَ. أَيْ: حَضَرَ الْخُطْبَةَ، مَأْخُوذٌ مِنْ بَاكُورَةِ الثَّمَرَةِ، وَهِيَ أَوَّلُهَا. وَغَيْرُ هَذَا أَجْوَدُ؛ لِأَنَّ مَنْ جَاءَ فِي بُكْرَةِ النَّهَارِ، لَزِمَ أَنْ يَحْضُرَ أَوَّلَ الْخُطْبَةِ وَقَوْلُهُ: " غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ " أَيْ: جَامَعَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ اغْتَسَلَ. وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ» . قَالَ أَحْمَدُ: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: " مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ " مُشَدَّدَةً، يُرِيدُ يُغَسِّلُ أَهْلَهُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَهِلَالُ بْنُ يَسَافٍ، يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى أَنْ يَطَأَ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَسْكَنَ لِنَفْسِهِ، وَأَغَضَّ لِطَرْفِهِ فِي طَرِيقِهِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وَكِيعٍ أَيْضًا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ غَسَّلَ رَأْسَهُ، وَاغْتَسَلَ فِي بَدَنِهِ. حُكِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ. وَقَوْلُهُ: " غُسْلَ الْجَنَابَةِ " عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَيْ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَمُخَالِفٌ لِلْآثَارِ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ يُسْتَحَبُّ فِعْلُهَا عِنْدَ الزَّوَالِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُبَكِّرُ بِهَا، وَمَتَى خَرَجَ الْإِمَامُ طُوِيَتْ الصُّحُفُ، فَلَمْ يُكْتَبْ مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَيُّ فَضِيلَةٍ لِهَذَا؟ وَإِنْ أَخَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا دَخَلَ فِي النَّهْيِ وَالذَّمِّ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي جَاءَ يَتَخَطَّى النَّاسَ: «رَأَيْتُكَ آنَيْتَ وَآذَيْتَ» . أَيْ أَخَّرْتَ الْمَجِيءَ. وَقَالَ عُمَرُ لِعُثْمَانَ حِينَ جَاءَ وَهُوَ يَخْطُبُ: أَيُّ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَخَّرَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ، فَكَيْفَ يَكُونُ لِهَؤُلَاءِ بَدَنَةٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ فَضْلٌ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الذَّمِّ. وَقَوْلُهُ: " رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ " أَيْ: ذَهَبَ إلَيْهَا. لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ هَذَا. [فَصْلٌ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْشِيَ وَلَا يَرْكَبَ فِي طَرِيقِهِ إلَى الْجُمُعَةِ] (1296) فَصْلٌ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْشِيَ وَلَا يَرْكَبَ فِي طَرِيقِهَا؛ لِقَوْلِهِ: " وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ ". وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ لَمْ يَرْكَبْ فِي عِيدٍ وَلَا جِنَازَةٍ.» وَالْجُمُعَةُ فِي مَعْنَاهُمَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهَا، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ بَابُ حُجْرَتِهِ شَارِعًا فِي الْمَسْجِدِ، يَخْرُجُ مِنْهُ إلَيْهِ، فَلَا يَحْتَمِلُ الرُّكُوبَ، وَلِأَنَّ الثَّوَابَ عَلَى الْخُطُوَاتِ، بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَاهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي حَالِ مَشْيِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَلَا تُسْرِعُوا» . وَلِأَنَّ الْمَاشِيَ إلَى الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ، وَلَا يُشَبِّكُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَيُقَارِبُ بَيْنَ خُطَاهُ، لِتَكْثُرَ حَسَنَاتُهُ. وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ
فصل تجب الجمعة والسعي إليها سواء كان من يقيمها سنيا أو مبتدعا
«النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إلَى الصَّلَاةِ، فَقَارَبَ بَيْنَ خُطَاهُ، ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا فَعَلْتُ لِتَكْثُرَ خُطَانَا فِي طَلَبِ الصَّلَاةِ» . وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، أَنَّهُ كَانَ يُبَكِّرُ إلَى الْجُمُعَةِ، وَيَخْلَعُ نَعْلَيْهِ، وَيَمْشِي حَافِيًا، وَيَقْصُرُ فِي مَشْيِهِ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَيُكْثِرُ ذِكْرَ اللَّهِ فِي طَرِيقِهِ، وَيَغُضُّ بَصَرَهُ، وَيَقُولُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ. وَيَقُولُ أَيْضًا: " اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْكَ، وَأَقْرَبِ مَنْ تَوَسَّلَ إلَيْكَ، وَأَفْضَلِ مَنْ سَأَلَكَ وَرَغِبَ إلَيْكَ ". وَرَوَيْنَا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَنَّهُ مَشَى إلَى الْجُمُعَةِ حَافِيًا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَلَى النَّارِ.» [فَصْلٌ تَجِبُ الْجُمُعَةُ وَالسَّعْيُ إلَيْهَا سَوَاءٌ كَانَ مَنْ يُقِيمُهَا سُنِّيًّا أَوْ مُبْتَدِعًا] (1297) فَصْلٌ: وَتَجِبُ الْجُمُعَةُ وَالسَّعْيُ إلَيْهَا، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ يُقِيمُهَا سُنِّيًّا، أَوْ مُبْتَدِعًا، أَوْ عَدْلًا، أَوْ فَاسِقًا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَرُوِيَ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْعَظِيمِ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ - يَعْنِي الْمُعْتَزِلَةَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: أَمَّا الْجُمُعَةُ فَيَنْبَغِي شُهُودُهَا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يُصَلِّي مِنْهُمْ، أَعَادَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ مِنْهُمْ، فَلَا يُعِيدُ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ يُقَالُ: إنَّهُ قَدْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ قَالَ: حَتَّى يَسْتَيْقِنَ. وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] وَقَوْلُ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي وَلَهُ إمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ، اسْتِخْفَافًا بِهَا، أَوْ جُحُودًا بِهَا، فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ» . وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَشْهَدُونَهَا مَعَ الْحَجَّاجِ وَنُظَرَائِهِ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ التَّخَلُّفُ عَنْهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ: تَذَاكَرْنَا الْجُمُعَةَ أَيَّامَ الْمُخْتَارِ، فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَأْتُوهُ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَذِبُهُ. وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، وَيَتَوَلَّاهَا الْأَئِمَّةُ وَمَنْ وَلَّوْهُ، فَتَرْكُهَا خَلْفَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ يُؤَدِّي إلَى سُقُوطِهَا. وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ الْحَارِثِيِّ، فَقَالَ: إنَّ لِي جِيرَانًا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، فَكُنْتُ أَعِيبُهُمْ وَأَنْقُصُهُمْ، فَجَاءُونِي فَقَالُوا: مَا تَخْرُجُ تُذَكِّرُنَا؟ قَالَ: وَأَيَّ شَيْءٍ يَقُولُونَ؟ قَالَ: أَوَّلُ مَا أَقُولُ لَكَ، أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْجُمُعَةَ. قَالَ: حَسْبُكَ، مَا قَوْلُكَ فِي مَنْ رَدَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ؟ قَالَ: قُلْتُ رَجُلُ
مسألة إذا فرغوا من الأذان خطبهم قائما
سُوءٍ. قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي مَنْ رَدَّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: قُلْتُ كَافِرٌ. ثُمَّ مَكَثَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا قَوْلُكَ فِي مَنْ رَدَّ عَلَى الْعَلِيِّ الْأَعْلَى؟ ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَمَكَثَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: رَدُّوا عَلَيْهِ وَاَللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] قَالَهَا وَاَللَّهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ بَنِي الْعَبَّاسِ يَسْأَلُونَهَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهَا لَا تُعَادُ خَلْفَ مَنْ يُعَادُ خَلْفَهُ بَقِيَّةُ الصَّلَوَاتِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهَا لَا تُعَادُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى. وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الصَّحَابَةِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُعِيدُونَهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ إذَا فَرَغُوا مِنْ الْأَذَانِ خَطَبَهُمْ قَائِمًا] (1298) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ الْأَذَانِ خَطَبَهُمْ قَائِمًا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْخُطْبَةَ شَرْطٌ فِي الْجُمُعَةِ، لَا تَصِحُّ بِدُونِهَا كَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، إلَّا الْحَسَنَ، قَالَ: تُجْزِئُهُمْ جَمِيعَهُمْ، خَطَبَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَخْطُبْ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةُ عِيدٍ، فَلَمْ تُشْتَرَطْ لَهَا الْخُطْبَةُ، كَصَلَاةِ الْأَضْحَى. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] وَالذِّكْرُ هُوَ الْخُطْبَةُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا تَرَكَ الْخُطْبَةَ لِلْجُمُعَةِ فِي حَالٍ؛ وَقَدْ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَصُرَتْ الصَّلَاةُ لِأَجْلِ الْخُطْبَةِ. وَقَوْلُ عَائِشَةَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَتْ الْجُمُعَةُ أَرْبَعًا فَجُعِلَتْ الْخُطْبَةُ مَكَانَ الرَّكْعَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ: " خَطَبَهُمْ قَائِمًا ". يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ اشْتِرَاطَ الْقِيَامِ فِي الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ مَتَى خَطَبَ قَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، لَمْ تَصِحَّ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْخُطْبَةِ قَاعِدًا، أَوْ يَقْعُدُ فِي إحْدَى الْخُطْبَتَيْنِ؟ فَلَمْ يُعْجِبْهُ، وَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11] وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ قَائِمًا. فَقَالَ لَهُ الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَجْلِسُ فِي خُطْبَتِهِ فَظَهَرَ مِنْهُ إنْكَارٌ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ الْخُطْبَةُ قَاعِدًا. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الِاسْتِقْبَالُ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ الْقِيَامُ كَالْأَذَانِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ وَاَللَّهِ صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ.» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ. فَأَمَّا إنْ قَعَدَ لِعُذْرٍ، مِنْ مَرَضٍ، أَوْ عَجْزٍ عَنْ الْقِيَامِ، فَلَا بَأْسَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ مِنْ الْقَاعِدِ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ، فَالْخُطْبَةُ أَوْلَى. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْخُطْبَةِ عِنْدَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ مِنْ أَذَانِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
فصل يستحب أن يستقبل الناس الخطيب إذا خطب
[فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ النَّاسُ الْخَطِيبَ إذَا خَطَبَ] (1299) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ النَّاسُ الْخَطِيبَ إذَا خَطَبَ. قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يَكُونُ الْإِمَامُ عَنْ يَمِينِي مُتَبَاعِدًا، فَإِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَنْحَرِفَ إلَيْهِ حَوَّلْتُ وَجْهِي عَنْ الْقِبْلَةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، تَنْحَرِفُ إلَيْهِ وَمِمَّنْ كَانَ يَسْتَقْبِلُ الْإِمَامَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ. وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَعَطَاءٍ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنِ جَابِرٍ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا كَالْإِجْمَاعِ. وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَلَمْ يَنْحَرِفْ إلَى الْإِمَامِ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَقْبِلُ هِشَامَ بْنَ إسْمَاعِيلَ إذَا خَطَبَ، فَوَكَلَ بِهِ هِشَامٌ شُرْطِيًّا يَعْطِفُهُ إلَيْهِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلَهُ أَصْحَابُهُ بِوُجُوهِهِمْ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ مُطِيعِ بْنِ يَحْيَى الْمَدَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَقْبَلْنَا بِوُجُوهِنَا إلَيْهِ» . أَخْرَجَهُ الْأَثْرَمُ. وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي سَمَاعِهِمْ، فَاسْتُحِبَّ، كَاسْتِقْبَالِ الْإِمَامِ إيَّاهُمْ. [مَسْأَلَةٌ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَجَلَسَ وَقَامَ] (1300) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَلَسَ وَقَامَ، فَأَتَى أَيْضًا بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَرَأَ وَوَعَظَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ لِإِنْسَانٍ دَعَا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ خُطْبَتَانِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُجْزِيهِ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تَكُونُ الْخُطْبَةُ إلَّا كَمَا خَطَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ خُطْبَةً تَامَّةً. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، كَمَا رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَقَدْ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَلِأَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ أُقِيمَتَا مَقَامَ الرَّكْعَتَيْنِ. فَكُلُّ خُطْبَةٍ مَكَانَ رَكْعَةٍ، فَالْإِخْلَالُ بِإِحْدَاهُمَا كَالْإِخْلَالِ بِإِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ. وَيُشْتَرَطُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» . وَإِذَا وَجَبَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَجَبَ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا رُوِيَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1] {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] قَالَ: لَا أُذْكَرُ إلَّا ذُكِرْتَ مَعِي، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ وَجَبَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالْأَذَانِ وَالتَّشَهُّدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرْ فِي خُطَبِهِ ذَلِكَ. فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ يُشْتَرَطَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ أُقِيمَتَا مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَتْ الْقِرَاءَةُ شَرْطًا فِيهِمَا كَالرَّكْعَتَيْنِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُشْتَرَطَ فِي
إحْدَاهُمَا؛ لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. وَيَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ سُورَةً، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ ثُمَّ يَنْزِلُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَفْعَلَانِهِ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إنَّمَا قَرَأَ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى، وَوَعَظَ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْمَوْعِظَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ. وَقَالَ الْقَاضِي: تَجِبُ فِي الْخُطْبَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا بَيَانُ الْمَقْصُودِ مِنْ الْخُطْبَةِ، فَلَمْ يَجُزْ الْإِخْلَالُ بِهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ أَتَى بِتَسْبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] وَلَمْ يُعَيِّنْ ذِكْرًا، فَأَجْزَأَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ، وَيَقَعُ اسْمُ الْخُطْبَةِ عَلَى دُونِ مَا ذَكَرْتُمُوهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: عَلِّمْنِي عَمَلًا أَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ. فَقَالَ: " لَئِنْ أَقْصَرْتَ فِي الْخُطْبَةِ لَقَدْ أَعْرَضْتَ فِي الْمَسْأَلَةِ ". وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ. وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَّرَ الذِّكْرَ بِفِعْلِهِ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى تَفْسِيرِهِ، قَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: «كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا، يَقْرَأُ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ» . وَقَالَ جَابِرٌ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ النَّاسَ، يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ» . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ. كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ» . فَأَمَّا التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ فَلَا يُسَمَّى خُطْبَةً. وَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ الْخُطْبَةُ، وَمَا رَوَوْهُ مَجَازٌ؛ فَإِنَّ السُّؤَالَ لَا يُسَمَّى خُطْبَةً، وَلِذَلِكَ لَوْ أَلْقَى مَسْأَلَةً عَلَى الْحَاضِرِينَ لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يَكْفِي فِي الْقِرَاءَةِ أَقَلُّ مِنْ آيَةٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا دُونَهَا، بِدَلِيلِ مَنْعِ الْجُنُبِ مِنْ قِرَاءَتِهَا، دُونَ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: الْقِرَاءَةُ فِي الْخُطْبَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ، مَا شَاءَ قَرَأَ. وَقَالَ: إنْ خَطَبَ بِهِمْ وَهُوَ جُنُبٌ، ثُمَّ اغْتَسَلَ وَصَلَّى بِهِمْ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ. وَالْجُنُبُ مَمْنُوعٌ مِنْ قِرَاءَةِ آيَةٍ. وَالْخِرَقِيُّ قَالَ: قَرَأَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمَقْرُوءَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ سِوَى حَمْدِ اللَّهِ وَالْمَوْعِظَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى خُطْبَةً، وَيَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، فَأَجْزَأَ، وَمَا عَدَاهُ فَلَيْسَ عَلَى اشْتِرَاطِهِ دَلِيلٌ. وَلَا يَجِبُ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى صِفَةِ خُطْبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ
فصل يستحب أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة
يَقْرَأُ آيَاتٍ وَلَا يَجِبُ قِرَاءَةُ آيَاتٍ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ آيَاتٍ كَذَلِكَ، وَلِمَا رَوَتْ أُمُّ هِشَامٍ بِنْتُ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَتْ: «مَا أَخَذْتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ بِهَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ» . وَعَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْهَا مِثْلُ هَذَا، رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ ، وَفِي حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ سُورَةً. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ جَلْسَةً خَفِيفَةً] (1301) فَصْلٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ جَلْسَةً خَفِيفَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَمَا رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْلِسُهَا وَلَنَا، أَنَّهَا جَلْسَةٌ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً كَالْأُولَى، وَقَدْ سَرَدَ الْخُطْبَةَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. قَالَهُ أَحْمَدُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى فَرَغَ. وَجُلُوسُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لِلِاسْتِرَاحَةِ، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، كَالْأُولَى، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ، فَإِنْ خَطَبَ جَالِسًا لِعُذْرٍ فَصَلَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِسَكْتَةٍ، وَكَذَلِكَ إنْ خَطَبَ قَائِمًا فَلَمْ يَجْلِسْ. قَالَ: ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالْعِرَاقِيُّونَ، وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إلَّا الشَّافِعِيَّ، أَنَّ الْجُلُوسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ. [فَصْلٌ السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ مُتَطَهِّرًا] (1302) فَصْلٌ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ مُتَطَهِّرًا. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَعَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِهَا، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ خَطَبَ وَهُوَ جُنُبٌ، ثُمَّ اغْتَسَلَ وَصَلَّى بِهِمْ: يُجْزِئُهُ. وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا خَطَبَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، أَوْ خَطَبَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرَ عَالِمٍ بِحَالِ نَفْسِهِ، ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْأَشْبَهُ بِأُصُولِ الْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ مِنْ الْجَنَابَةِ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: يُشْتَرَطُ قِرَاءَةُ آيَةٍ فَصَاعِدًا. وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْجُنُبِ، وَلِأَنَّ الْخِرَقِيِّ اشْتَرَطَ لِلْأَذَانِ الطَّهَارَةَ مِنْ الْجَنَابَةِ، فَالْخُطْبَةُ أَوْلَى. فَأَمَّا الطَّهَارَةُ الصُّغْرَى فَلَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصَّلَاةَ، فَلَمْ تَكُنْ الطَّهَارَةُ فِيهِ شَرْطًا كَالْأَذَانِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا مِنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي عَقِيبَ الْخُطْبَةِ، لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِطَهَارَةٍ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فَهُوَ سُنَّةٌ. وَلِأَنَّنَا اسْتَحْبَبْنَا ذَلِكَ لِلْأَذَانِ، فَالْخُطْبَةُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا احْتَاجَ إلَى الطَّهَارَةِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، وَرُبَّمَا طَوَّلَ عَلَى الْحَاضِرِينَ.
فصل السنة أن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة
[فَصْلٌ السُّنَّةُ أَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ مَنْ يَتَوَلَّى الْخُطْبَةَ] (1303) فَصْلٌ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ مَنْ يَتَوَلَّى الْخُطْبَةَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَوَلَّاهُمَا بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ. وَإِنْ خَطَبَ رَجُلٌ، وَصَلَّى آخَرُ لِعُذْرٍ، جَازَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَلَوْ خَطَبَ أَمِيرٌ، فَعُزِلَ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَصَلَاتُهُمْ تَامَّةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ الِاسْتِخْلَافُ فِي الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ لِلْعُذْرِ، فَفِي الْخُطْبَةِ مَعَ الصَّلَاةِ أَوْلَى. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، فَقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يُعْجِبُنِي مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. فَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَوَلَّاهُمَا، وَقَدْ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . وَلِأَنَّ الْخُطْبَةَ أُقِيمَتْ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ. وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَتَا صَلَاتَيْنِ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي مِمَّنْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يُشْتَرَطُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ إمَامٌ فِي الْجُمُعَةِ، فَاشْتُرِطَ حُضُورُهُ الْخُطْبَةَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ. وَالثَّانِيَةُ، لَا يُشْتَرَطُ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ، فَجَازَ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا. كَمَا لَوْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ لِعُذْرٍ وَلَا غَيْرِهِ. قَالَ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فِي الْإِمَامِ إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ مَا خَطَبَ، فَقَدَّمَ رَجُلًا يُصَلِّي بِهِمْ: لَمْ يُصَلِّ بِهِمْ إلَّا أَرْبَعًا، إلَّا أَنْ يُعِيدَ الْخُطْبَةَ، ثُمَّ يُصَلِّيَ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ. [فَصْلٌ سُنَنُ الْخُطْبَةِ] (1304) فَصْلٌ: وَمِنْ سُنَنِ الْخُطْبَةِ أَنْ يَقْصِدَ الْخَطِيبُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي سَمَاعِ النَّاسِ، وَأَعْدَلُ بَيْنَهُمْ، فَإِنَّهُ لَوْ الْتَفَتَ إلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ لَأَعْرَضَ عَنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَلَوْ خَالَفَ هَذَا، وَاسْتَدْبَرَ النَّاسَ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، صَحَّتْ الْخُطْبَةُ؛ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِدُونِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَذَّنَ غَيْرَ مُسْتَقْبِلٍ الْقِبْلَةَ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ؛ لِيُسْمِعَ النَّاسَ. قَالَ جَابِرٌ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» .
فصل قراءة سورة الحج على المنبر
وَيُسْتَحَبُّ تَقْصِيرُ الْخُطْبَةِ؛ لِمَا رَوَى عَمَّارٌ، قَالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ» . وَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: «كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا» ، رَوَى هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا مُسْلِمٌ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُطِيلُ الْمَوْعِظَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إنَّمَا هِيَ كَلِمَاتٌ يَسِيرَاتٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى قَوْسٍ، أَوْ سَيْفٍ، أَوْ عَصًا؛ لِمَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ حَزْنٍ الْكُلَفِيُّ قَالَ: «وَفَدْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقَمْنَا أَيَّامًا شَهِدْنَا فِيهَا الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ كَلِمَاتٍ طَيِّبَاتٍ خَفِيفَاتٍ مُبَارَكَاتٍ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَعْوَنُ لَهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَكِّنَ أَطْرَافَهُ، إمَّا أَنْ يَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، أَوْ يُرْسِلَهُمَا سَاكِنَتَيْنِ مَعَ جَنْبَيْهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَمْدِ قَبْلَ الْمَوْعِظَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ كُلَّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ، ثُمَّ يُثْنِي بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَعِظُ. فَإِنْ عَكَسَ ذَلِكَ صَحَّ؛ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي خُطْبَتِهِ مُتَرَسِّلًا، مُبِينًا، مُعْرِبًا، لَا يُعَجِّلْ فِيهَا، وَلَا يَمْطُطْهَا، وَأَنْ يَكُونَ مُتَخَشِّعًا، مُتَّعِظًا بِمَا يَعِظُ النَّاسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «عُرِضَ عَلَيَّ قَوْمٌ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقِيلَ لِي: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ.» [فَصْلٌ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْحَجِّ عَلَى الْمِنْبَرِ] (1305) فَصْلٌ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْحَجِّ عَلَى الْمِنْبَرِ، أَيُجْزِئُهُ؟ قَالَ: لَا. لَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَخْطُبُونَ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ: لَا تَكُونُ الْخُطْبَةُ إلَّا كَمَا خَطَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ خُطْبَةً تَامَّةً، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى خُطْبَةً، وَلَا يَجْمَعُ شُرُوطَهَا. وَإِنْ قَرَأَ آيَاتٍ فِيهَا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَوْعِظَةُ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَحَّ؛ لِاجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ. [فَصْلٌ قِرَاءَةُ السَّجْدَةِ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ] (1306) فَصْلٌ: وَإِنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ شَاءَ نَزَلَ فَسَجَدَ، وَإِنْ أَمْكَنَ السُّجُودُ عَلَى الْمِنْبَرِ، سَجَدَ
فصل الموالاة شرط في صحة الخطبة
عَلَيْهِ. وَإِنْ تَرَكَ السُّجُودَ، فَلَا حَرَجَ، فَعَلَهُ عُمَرُ وَتَرَكَ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَتَرَكَ عُثْمَانُ، وَأَبُو مُوسَى، وَعَمَّارٌ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ. وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ عِنْدَهُمْ وَاجِبٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْزِلُ؛ لِأَنَّهُ صَلَاةُ تَطَوُّعٍ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِهَا فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ، كَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ. وَلَنَا، فِعْلُ عُمَرَ وَتَرْكُهُ، وَفِعْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّهُ سُنَّةٌ وُجِدَ سَبَبُهَا، لَا يَطُولُ الْفَصْلُ بِهَا، فَاسْتُحِبَّ فِعْلُهَا، كَحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا عَطَسَ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ. وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَيُفَارِقُ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ، لِأَنَّ سَبَبَهَا لَمْ يُوجَدْ، وَيَطُولُ الْفَصْلُ بِهَا. [فَصْلٌ الْمُوَالَاةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْخُطْبَةِ] (1307) فَصْلٌ: وَالْمُوَالَاةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْخُطْبَةِ فَإِنْ فَصَلَ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ، بِكَلَامٍ طَوِيلٍ، أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ، أَوْ شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ، اسْتَأْنَفَهَا. وَالْمَرْجِعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إلَى الْعَادَةِ. وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ. وَإِنْ احْتَاجَ إلَى الطَّهَارَةِ تَطَهَّرَ، وَبَنَى عَلَى خُطْبَتِهِ، مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلِنَفْسِهِ وَالْحَاضِرِينَ] (1308) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَلِنَفْسِهِ، وَالْحَاضِرِينَ، وَإِنْ دَعَا لِسُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّلَاحِ فَحَسَنٌ. وَقَدْ رَوَى ضَبَّةُ بْنُ مُحَصِّنٍ، أَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ إذَا خَطَبَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو لِعُمَرَ، وَأَبِي بَكْرٍ. وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ضَبَّةُ الْبِدَايَةَ بِعُمَرَ قَبْلَ الدُّعَاءِ لِأَبِي بَكْرٍ، وَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ، فَقَالَ لِضَبَّةَ: أَنْتَ أَوْثَقُ مِنْهُ وَأَرْشَدُ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَطَاءً قَالَ: هُوَ مُحَدِّثٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِعْلَ الصَّحَابَةِ لَهُ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِ عَطَاءٍ؛ وَلِأَنَّ سُلْطَانَ الْمُسْلِمِينَ إذَا صَلَحَ كَانَ فِيهِ صَلَاحٌ لَهُمْ، فَفِي الدُّعَاءِ لَهُ دُعَاءٌ لَهُمْ، وَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ مَكْرُوهٍ. [مَسْأَلَةٌ يُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةً] (1309) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَنْزِلُ فَيُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُورَةً) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ عَقِيبَ الْخُطْبَةِ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) وَسُورَةً، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا. لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ وَجَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَالثَّانِيَةِ بِسُورَةِ الْمُنَافِقِينَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْجُمُعَةَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْجُمُعَةِ
مسألة أدرك مع الإمام ركعة بسجدتيها يوم الجمعة
فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَفِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ: إذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ. فَلَمَّا قَضَى أَبُو هُرَيْرَةَ الصَّلَاةَ أَدْرَكْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إنَّكَ قَرَأْتَ بِسُورَتَيْنِ كَانَ عَلِيٌّ يَقْرَأُ بِهِمَا بِالْكُوفَةِ. قَالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ بِهِمَا فِي الْجُمُعَةِ.» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَإِنْ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ، فَحَسَنٌ؛ فَإِنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ: «مَاذَا كَانَ يَقْرَؤُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ، عَلَى إثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ بِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَإِنْ قَرَأَ فِي الْأُولَى بِ (سَبِّحْ) وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ، فَحَسَنٌ؛ فَإِنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ، بِ " سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى "، وَ " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ " فَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، قَرَأَ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] وَ {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية: 1] مَعًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الَّذِي جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) مَعَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَاَلَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ بِ (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الثَّانِيَةِ (سَبِّحْ) ، وَلَعَلَّهُ صَارَ إلَى مَا حَكَاهُ مَالِكٌ أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّاسَ عَلَيْهِ، وَاتِّبَاعُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنُ. وَمَهْمَا قَرَأَ فَهُوَ جَائِزٌ حَسَنٌ، إلَّا أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنُ، وَلِأَنَّ سُورَةَ الْجُمُعَةِ تَلِيقُ بِالْجُمُعَةِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِهَا، وَالْأَمْرِ بِهَا، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا. [مَسْأَلَةٌ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (1310) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا، أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى، وَكَانَتْ لَهُ جُمُعَةً) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ، فَهُوَ مُدْرِكٌ لَهَا، يُضِيفُ إلَيْهَا أُخْرَى، وَيُجْزِئُهُ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَعَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، وَعُرْوَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَمَكْحُولٌ: مَنْ لَمْ يُدْرِكْ الْخُطْبَةَ صَلَّى أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ شَرْطٌ لِلْجُمُعَةِ، فَلَا تَكُونُ جُمُعَةً فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِ شَرْطُهَا. وَلَنَا، مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلَفْظُهُ: " فَلْيَصِلْ إلَيْهَا أُخْرَى " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ.
مسألة أدرك مع الإمام أقل من ركعة يوم الجمعة
[مَسْأَلَةٌ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَام أَقَلَّ مِنْ رَكْعَة يَوْم الْجُمُعَةَ] (1311) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، بَنَى عَلَيْهَا ظُهْرًا، إذَا كَانَ قَدْ دَخَلَ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ) . أَمَّا مَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ، وَيُصَلِّي ظُهْرًا أَرْبَعًا. وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ مَنْ ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذِهِ. وَقَالَ الْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ بِأَيِّ قَدْرٍ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ إذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً، لَزِمَهُ إذَا أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْهَا، كَالْمُسَافِرِ يُدْرِكُ الْمُقِيمَ، وَلِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ، فَكَانَ مُدْرِكًا لَهَا، كَالظُّهْرِ. وَلَنَا، قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» . فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لَهَا. وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَقَدْ رَوَى بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ الزَّيَّاتُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُضِفْ إلَيْهَا أُخْرَى، وَمَنْ أَدْرَكَ دُونَهَا صَلَّاهَا أَرْبَعًا» وَلِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً، فَلَمْ تَصِحَّ لَهُ الْجُمُعَةُ، كَالْإِمَامِ إذَا انْفَضُّوا قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ. وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَإِدْرَاكُهُ إدْرَاكُ إلْزَامٍ، وَهَذَا إدْرَاكُ إسْقَاطٍ لِلْعَدَدِ، فَافْتَرَقَا، وَكَذَلِكَ يُتِمُّ الْمُسَافِرُ خَلْفَ الْمُقِيمِ، وَلَا يَقْصُرُ الْمُقِيمُ خَلْفَ الْمُسَافِرِ، وَأَمَّا الظُّهْرُ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الْجَمَاعَةُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. [فَصْلٌ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ فَاتَتْهُ السَّجْدَتَانِ أَوْ إحْدَاهُمَا حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ] (1312) فَصْلٌ: وَأَمَّا قَوْلُهُ " بِسَجْدَتَيْهَا " فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ الَّذِي أَدْرَكَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ فَاتَتْهُ السَّجْدَتَانِ، أَوْ إحْدَاهُمَا، حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ، لِزِحَامٍ، أَوْ نِسْيَانٍ، أَوْ نَوْمٍ، أَوْ غَفْلَةٍ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ، ثُمَّ زُحِمَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ، فَرَوَى الْأَثْرَمُ، وَالْمَيْمُونِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، أَنَّهُ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ، يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ رَكَعَ وَسَجَدَ مَعَهُ. وَنَقَلَ صَالِحٌ، وَابْنُ مَنْصُورٍ، وَغَيْرُهُمَا، أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الصَّلَاةَ أَرْبَعًا. وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُ قَتَادَةَ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً كَامِلَةً، فَلَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. [فَصْلٌ الْمَزْحُومُ إذَا سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ أَوْ قَدَمِهِ] (1313) فَصْلٌ: وَمَتَى قَدَرَ الْمَزْحُومُ عَلَى السُّجُودِ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ، أَوْ قَدَمِهِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَأَجْزَأَهُ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ
فصل إذا زحم في إحدى الركعتين يوم الجمعة
أَحْمَدَ بْنِ هَاشِمٍ يَسْجُدُ عَلَى ظَهْرِ الرَّجُلِ وَالْقَدَمِ، وَيُمَكِّنُ الْجَبْهَةَ وَالْأَنْفَ، فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ: لَا يَفْعَلُ. قَالَ مَالِكٌ: وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ إنْ فَعَلَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنْ الْأَرْضِ» . وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ قَالَ: إذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ فَلْيَسْجُدْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ ". وَهَذَا قَالَهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا. وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُمْكِنُهُ حَالَ الْعَجْزِ، فَصَحَّ، كَالْمَرِيضِ يَسْجُدُ عَلَى الْمِرْفَقَةِ، وَالْخَبَرُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْعَاجِزَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، وَلَا يَأْمُرُ الْعَاجِزَ عَنْ الشَّيْءِ بِفِعْلِهِ. [فَصْلٌ إذَا زُحِمَ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (1314) فَصْلٌ: وَإِذَا زُحِمَ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يُزْحَمَ فِي الْأُولَى أَوْ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنْ زُحِمَ فِي الْأُولَى، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ السُّجُودِ عَلَى ظَهْرٍ وَلَا قَدَمٍ، انْتَظَرَ حَتَّى يَزُولَ الزِّحَامُ، ثُمَّ يَسْجُدُ، وَيَتْبَعُ إمَامَهُ، مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ بِعُسْفَانَ، سَجَدَ مَعَهُ صَفٌّ، وَبَقِيَ صَفٌّ لَمْ يَسْجُدْ مَعَهُ، فَلَمَّا قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ سَجَدُوا، وَجَازَ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ، كَذَا هَاهُنَا. فَإِذَا قَضَى مَا عَلَيْهِ، وَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الْقِيَامِ، أَوْ فِي الرُّكُوعِ، أَتْبَعَهُ فِيهِ، وَصَحَّتْ لَهُ الرَّكْعَةُ، وَكَذَا إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ السُّجُودُ مَعَ إمَامِهِ، لِمَرَضٍ، أَوْ نَوْمٍ، أَوْ نِسْيَانٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ، فَأَشْبَهَ الْمَزْحُومَ. فَإِنْ خَافَ أَنَّهُ إنْ تَشَاغَلَ بِالسُّجُودِ فَاتَهُ الرُّكُوعُ مَعَ الْإِمَامِ فِي الثَّانِيَةِ، لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ، وَتَصِيرُ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَشْتَغِلُ بِقَضَاءِ السُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ السُّجُودُ بَعْدَهُ، كَمَا لَوْ زَالَ الزِّحَامُ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ وَلِلشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ: " فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ". قُلْنَا: قَدْ سَقَطَ الْأَمْرُ بِالْمُتَابَعَةِ فِي السُّجُودِ عَنْ هَذَا لِعُذْرِهِ، وَبَقِيَ الْأَمْرُ بِالْمُتَابَعَةِ فِي الرُّكُوعِ مُتَوَجِّهًا لِإِمْكَانِهِ، وَلِأَنَّهُ خَائِفٌ فَوَاتَ الرُّكُوعِ، فَلَزِمَهُ مُتَابَعَةُ إمَامِهِ فِيهِ، كَالْمَسْبُوقِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِمَامُ قَائِمًا فَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَقَدْ فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ بِعُسْفَانَ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ اشْتَغَلَ بِالسُّجُودِ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا عَمْدًا، وَفَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ. وَإِنْ اعْتَقَدَ جَوَازَ ذَلِكَ فَسَجَدَ، لَمْ يُعْتَدَّ بِسُجُودِهِ؛ لِأَنَّهُ سَجَدَ فِي مَوْضِعِ الرُّكُوعِ جَهْلًا،
فصل ركع مع الإمام ركعة فلما قام ليقضي الأخرى ذكر أنه لم يسجد مع إمامه إلا سجدة
فَأَشْبَهَ السَّاهِيَ، ثُمَّ إنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ، رَكَعَ مَعَهُ، وَصَحَّتْ لَهُ الثَّانِيَةُ دُونَ الْأُولَى، وَتَصِيرُ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ، وَإِنْ فَاتَهُ الرُّكُوعُ سَجَدَ مَعَهُ، فَإِنْ سَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ مَعَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: يُتِمُّ بِهِمَا الرَّكْعَةَ الْأُولَى. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَتَى قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ، وَشَرَعَ فِي رُكُوعِهَا، أَوْ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهَا الْمَقْصُودَةِ، أَنَّ الرَّكْعَةَ الْأُولَى تَبْطُلُ، عَلَى مَا ذُكِرَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ، وَلَكِنْ إنْ لَمْ يَقُمْ، وَلَكِنْ سَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ قِيَامٍ، تَمَّتْ رَكْعَتُهُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إذَا سَجَدَ مُعْتَقِدًا جَوَازَ ذَلِكَ، اُعْتُدَّ لَهُ بِهِ، وَتَصِحُّ لَهُ الرَّكْعَةُ، كَمَا لَوْ سَجَدَ وَإِمَامُهُ قَائِمٌ، ثُمَّ إنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، صَحَّتْ لَهُ الرَّكْعَتَانِ، وَإِنْ أَدْرَكَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ رُكُوعِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْكَعَ وَيَتْبَعَهُ، لِأَنَّ هَذَا سَبْقٌ يَسِيرٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَفُوتَهُ الثَّانِيَةُ بِفَوَاتِ الرُّكُوعِ. وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ، تَابَعَهُ، وَقَضَى رَكْعَةً بَعْدَ سَلَامِهِ كَالْمَسْبُوقِ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وَلَا وَجْهَ لِلسُّجُودِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ لِسَهْوٍ، وَلِأَنَّ هَذَا فَعَلَهُ عَمْدًا، وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِلْعَمْدِ. وَإِنْ زُحِمَ عَنْ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ عَنْ الِاعْتِدَالِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، أَوْ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوْ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الزِّحَامِ عَنْ السُّجُودِ. فَأَمَّا إنْ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ فِي الثَّانِيَةِ، فَزَالَ الزِّحَامُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ، سَجَدَ، وَاتَّبَعَهُ، وَصَحَّتْ الرَّكْعَةُ. وَإِنْ لَمْ يَزُلْ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى، أَوْ لَمْ يُدْرِكْهَا، فَإِنْ أَدْرَكَهَا فَقَدْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ بِإِدْرَاكِهَا، وَيَسْجُدُ الثَّانِيَةَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، وَقَدْ تَمَّتْ جُمُعَتُهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْرَكَ الْأُولَى، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ، وَتَصِحُّ لَهُ الرَّكْعَةُ. وَهَلْ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ بِذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. [فَصْلٌ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً فَلَمَّا قَامَ لِيَقْضِيَ الْأُخْرَى ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ مَعَ إمَامِهِ إلَّا سَجْدَةً] (1315) فَصْلٌ: وَإِذَا رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً، فَلَمَّا قَامَ لِيَقْضِيَ الْأُخْرَى ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ مَعَ إمَامِهِ إلَّا سَجْدَةً وَاحِدَةً، أَوْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ؟ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، رَجَعَ فَسَجَدَ لِلْأُولَى، فَأَتَمَّهَا، وَقَضَى الثَّانِيَةَ، وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ. نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ. وَإِنْ كَانَ شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، بَطَلَتْ الْأُولَى، وَصَارَتْ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ. وَعَلَى كِلَا الْحَالَتَيْنِ يُتِمُّهَا جُمُعَةً، عَلَى مَا نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ. وَقِيَاسُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي الْمَزْحُومِ أَنَّهُ يُتِمُّهَا هَاهُنَا ظُهْرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً كَامِلَةً. وَلَوْ قَضَى الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ إحْدَاهُمَا، لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ الرَّكْعَتَيْنِ تَرَكَهَا، أَوْ شَكَّ فِي تَرْكِهَا، فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ، وَيَجْعَلُهَا مِنْ الْأُولَى، وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ مَكَانَهَا. وَفِي كَوْنِهِ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ. فَأَمَّا إنْ شَكَّ فِي إدْرَاكِ الرُّكُوعِ مَعَ الْإِمَامِ، مِثْلُ أَنْ كَبَّرَ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ، فَرَفَعَ إمَامُهُ رَأْسَهُ، فَشَكَّ هَلْ أَدْرَكَ الْمُجْزِئَ مِنْ الرُّكُوعِ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ لَا؟ لَمْ يُعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَيُصَلِّي ظُهْرًا، قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ مَا أَتَى بِهَا مَعَهُ.
فصل أدرك مع الإمام ما لا يتم به جمعة
[فَصْلٌ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مَا لَا يَتِمُّ بِهِ جُمُعَةٌ] (1316) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مَا لَا يَتِمُّ بِهِ جُمُعَةٌ، فَإِنَّهُ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ يَنْوِي ظُهْرًا، فَإِنْ نَوَى جُمُعَةً لَمْ تَصِحَّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ لِلْبِنَاءِ عَلَى مَا أَدْرَكَ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ لَمْ يَبْنِ عَلَيْهَا. وَكَلَامُ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ، يَحْتَمِلُ هَذَا؛ لِقَوْلِهِ فِي مَنْ أَحْرَمَ، ثُمَّ زُحِمَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَتَّى سَلَّمَ إمَامُهُ، قَالَ: يَسْتَقْبِلُ ظُهْرًا أَرْبَعًا فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الظُّهْرَ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ ابْتِدَاءً، فَكَذَلِكَ دَوَامًا، كَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا يَنْوِي جُمُعَةً؛ لِئَلَّا يُخَالِفَ نِيَّةَ إمَامِهِ، ثُمَّ يَبْنِي عَلَيْهَا ظُهْرًا. أَرْبَعًا. وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ قَتَادَةَ، وَأَيُّوبَ، وَيُونُسَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي الَّذِي أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ بِالْجُمُعَةِ، ثُمَّ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ: أَتَمَّهَا أَرْبَعًا. فَجَوَّزُوا لَهُ إتْمَامَهَا ظُهْرًا، مَعَ كَوْنِهِ إنَّمَا أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ مِنْهَا سَجْدَةً، قَالَ: يَسْجُدُ سَجْدَةً، وَيَأْتِي بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ بِمَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ، فَجَازَ أَنْ يَبْنِيَ صَلَاتَهُ عَلَى نِيَّتِهَا، كَصَلَاةِ الْمُقِيمِ مَعَ الْمُسَافِرِ، وَكَمَا يَنْوِي أَنَّهُ مَأْمُومٌ، وَيُتِمُّ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ مُنْفَرِدًا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنْوِيَ الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ فِي ابْتِدَائِهَا، وَكَذَلِكَ فِي أَثْنَائِهَا. [فَصْلٌ صَلَّى الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَأَدْرَكَ الْمَأْمُومُ مَعَهُ دُونَ الرَّكْعَةِ] (1317) فَصْلٌ: وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ، فَأَدْرَكَ الْمَأْمُومُ مَعَهُ دُونَ الرَّكْعَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الدُّخُولُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهَا فِي حَقِّهِ ظُهْرٌ، فَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الزَّوَالِ، كَعُذْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَإِنْ دَخَلَ مَعَهُ كَانَتْ نَفْلًا فِي حَقِّهِ وَلَمْ تُجْزِئْهُ عَنْ الظُّهْرِ. وَلَوْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً، ثُمَّ زُحِمَ عَنْ سُجُودِهَا، وَقُلْنَا تَصِيرُ ظُهْرًا، فَإِنَّهَا تَنْقَلِبُ نَفْلًا؛ لِئَلَّا تَكُونَ ظُهْرًا قَبْلَ وَقْتِهَا. [فَصْلٌ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً ثُمَّ زُحِمَ فِي الثَّانِيَةِ وَأُخْرِجَ مِنْ الصَّفِّ] (1318) فَصْلٌ: وَلَوْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً، ثُمَّ زُحِمَ فِي الثَّانِيَةِ، وَأُخْرِجَ مِنْ الصَّفِّ، فَصَارَ فَذًّا، فَنَوَى الِانْفِرَادَ عَنْ الْإِمَامِ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُتِمُّهَا جُمُعَةً؛ لِأَنَّهُ مُدْرِكٌ لِرَكْعَةٍ مِنْهَا مَعَ الْإِمَامِ، فَيَبْنِي عَلَيْهَا جُمُعَةً، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الِانْفِرَادَ، وَأَتَمَّهَا مَعَ الْإِمَامِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ فَذٌّ فِي رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا. وَالثَّانِيَةُ، تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُعْفَى فِي الْبِنَاءِ عَنْ تَكْمِيلِ الشُّرُوطِ، كَمَا لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، وَكَالْمَسْبُوقِ بِرَكْعَةٍ، يَقْضِي رَكْعَةً وَحْدَهُ. [مَسْأَلَةٌ مَتَى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً أَتَمُّوا بِرَكْعَةٍ أُخْرَى] (1319) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَتَى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، أَتَمُّوا بِرَكْعَةٍ أُخْرَى، وَأَجْزَأَتْهُمْ جُمُعَةً)
فصل أدرك من الوقت ما يمكنه أن يخطب ثم يصلي ركعة
ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ إلَّا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ فِي وَقْتِهَا، وَمَتَى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ قَبْلَ رَكْعَةٍ لَمْ تَكُنْ جُمُعَةً. وَقَالَ الْقَاضِي: مَتَى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِهَا أَتَمَّهَا جُمُعَةً. وَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا فِي وَقْتِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتَمَّهَا فِيهِ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ بَعْدَ تَشَهُّدِهِ وَقَبْلَ سَلَامِهِ، سَلَّمَ وَأَجْزَأَتْهُ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَتَى دَخَلَ الْوَقْتُ قَبْلَ ذَلِكَ، بَطَلَتْ أَوْ انْقَلَبَتْ ظُهْرًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا خَرَجَ وَقْتُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، بَطَلَتْ، وَلَا يَبْنِي عَلَيْهَا ظُهْرًا، لِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَلَا يَبْنِي أَحَدَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذَا كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ عِنْدَهُ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُتِمُّهَا جُمُعَةً، وَيَبْنِي عَلَيْهَا ظُهْرًا؛ لِأَنَّهُمَا صَلَاتَا وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَجَازَ بِنَاءُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، كَصَلَاةِ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ. وَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُتِمُّهَا جُمُعَةً، بِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي بَعْضِهَا كَانَ شَرْطًا فِي جَمِيعِهَا، كَالطَّهَارَةِ، وَسَائِرِ الشُّرُوطِ. وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقْد أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» . وَلِأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ، فَكَانَ مُدْرِكًا لَهَا، كَالْمَسْبُوقِ بِرَكْعَةٍ، وَلِأَنَّ الْوَقْتَ شَرْطٌ يَخْتَصُّ الْجُمُعَةَ، فَاكْتُفِيَ بِهِ فِي رَكْعَةٍ، كَالْجَمَاعَةِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِإِدْرَاكِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَعَلَى هَذَا إنْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ قَبْلَ رَكْعَةٍ، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، تَفْسُدُ وَيَسْتَأْنِفُهَا ظُهْرًا، كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا، يُتِمُّهَا ظُهْرًا. كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ الْقَوْلَيْنِ. [فَصْلٌ أَدْرَكَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمَكِّنُهُ أَنْ يَخْطُبَ ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَةً] (1320) فَصْلٌ: إذَا أَدْرَكَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمَكِّنُهُ أَنْ يَخْطُبَ ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَةً، فَقِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ لَهُ التَّلَبُّسَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُدْرِكُهَا فِيهِ فَإِنْ شَكَّ هَلْ أَدْرَكَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُدْرِكُهَا بِهِ أَوْ لَا؟ صَحَّتْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ وَصِحَّتُهَا. [مَسْأَلَةٌ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ] (1321) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَمَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، يُوجِزُ فِيهِمَا) وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَمَكْحُولٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ شُرَيْحٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، يَجْلِسُ، وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لِلَّذِي جَاءَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ: اجْلِسْ، فَقَدْ آذَيْتَ وَأَنَيْتَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّ الرُّكُوعَ يَشْغَلُهُ عَنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ، فَكُرِهَ، كَرُكُوعِ غَيْرِ الدَّاخِلِ. وَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ النَّاسَ، فَقَالَ: صَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: قُمْ، فَارْكَعْ» وَفِي رِوَايَةٍ: «فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فصل ينقطع التطوع بجلوس الإمام على المنبر
وَلِمُسْلِمٍ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» وَهَذَا نَصٌّ. وَلِأَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي غَيْرِ وَقْتِ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ، فَسُنَّ لَهُ الرُّكُوعُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُهُمْ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ يَضِيقُ عَنْ الصَّلَاةِ، أَوْ يَكُونَ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ، بِحَيْثُ لَوْ تَشَاغَلَ بِالصَّلَاةِ فَاتَتْهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ، لِيَكُفَّ أَذَاهُ عَنْ النَّاسِ، لِتَخَطِّيهِ إيَّاهُمْ فَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ، بِحَيْثُ إذَا تَشَاغَلَ بِالرُّكُوعِ فَاتَهُ أَوَّلُ الصَّلَاةِ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ التَّشَاغُلُ بِالرُّكُوعِ. [فَصْلٌ يَنْقَطِعُ التَّطَوُّعُ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ] (1322) فَصْلٌ: وَيَنْقَطِعُ التَّطَوُّعُ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ غَيْرَ الدَّاخِلِ يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، وَيَتَجَوَّزُ فِيهَا؛ لِمَا رَوَى ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ، أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُصَلُّونَ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ، فَإِذَا خَرَجَ عُمَرُ، وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ، جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، حَتَّى إذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ وَقَامَ عُمَرُ سَكَتُوا، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ الْأَمْرِ بَيْنَهُمْ. [فَصْلٌ الْإِنْصَاتُ مِنْ حِينِ يَأْخُذُ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ] (1323) فَصْلٌ: وَيَجِبُ الْإِنْصَاتُ مِنْ حِينِ يَأْخُذُ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ، فَلَا يَجُوزُ الْكَلَامُ لِأَحَدٍ مِنْ الْحَاضِرِينَ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ عُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذَا رَأَيْتَهُ يَتَكَلَّمُ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَاقْرَعْ رَأْسَهُ بِالْعَصَا. وَكَرِهَ ذَلِكَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى؛ لَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ، وَأَبُو بُرْدَةَ يَتَكَلَّمُونَ وَالْحَجَّاجُ يَخْطُبُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّا لَمْ نُؤْمَرْ أَنْ نُنْصِتَ لِهَذَا وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ بِمَا رَوَى أَنَسٌ، قَالَ: «بَيْنَمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إذْ قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْكُرَاعُ وَهَلَكَ الشَّاءُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يَرْفَعْهَا عَنَّا.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا قَامَ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ فَأَعْرَضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَوْمَأَ النَّاسُ إلَيْهِ بِالسُّكُوتِ، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَأَعَادَ الْكَلَامَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَيْحَكَ، مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: إنَّكَ
مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلَامَهُمْ، وَلَوْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ لَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ - وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " تَبَارَكَ " فَذَكَّرَنَا بِأَيَّامِ اللَّهِ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ أَوْ أَبُو ذَرٍّ يَغْمِزُنِي فَقَالَ: مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْهَا إلَّا الْآنَ؟ فَأَشَارَ إلَيْهِ أَنْ اُسْكُتْ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا، قَالَ: سَأَلْتُكَ مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ فَلَمْ تُخْبِرْنِي. قَالَ أُبَيٌّ: لَيْسَ لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ الْيَوْمَ إلَّا مَا لَغَوْتَ فَذَهَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ لَهُ وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ أُبَيٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " صَدَقَ أُبَيٌّ " رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، فِي " الْمُسْنَدِ " وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا» رَوَاهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ. وَمَا احْتَجُّوا بِهِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَنْ كَلَّمَ الْإِمَامَ، أَوْ كَلَّمَهُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَغِلُ بِذَلِكَ عَنْ سَمَاعِ خُطْبَتِهِ، وَلِذَلِكَ سَأَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ صَلَّى؟ فَأَجَابَهُ. وَسَأَلَ عُمَرُ عُثْمَانَ حِينَ دَخَلَ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَأَجَابَهُ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُ أَخْبَارِهِمْ عَلَى هَذَا، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَتَوْفِيقًا بَيْنَهَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ لَا يَكُونُ فِي حَالِ خُطْبَتِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَإِنْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ فَالْأَخْذُ بِحَدِيثِنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَصُّهُ، وَذَلِكَ سُكُوتُهُ، وَالنَّصُّ أَقْوَى مِنْ السُّكُوتِ (1324) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ؛ لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ كَانَ قَرِيبًا يَسْمَعُ وَيُنْصِتُ وَمَنْ كَانَ بَعِيدًا يُنْصِتُ؛ فَإِنَّ لِلْمُنْصِتِ الَّذِي لَا يَسْمَعُ مِنْ الْحَظِّ مَا لِلسَّامِعِ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، رَجُلٌ حَضَرَهَا يَلْغُو، وَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا يَدْعُو، فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُونٍ، وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا، فَهِيَ كَفَّارَةٌ إلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] » رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (1325) فَصْلٌ: وَلِلْبَعِيدِ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَيَقْرَأَ الْقُرْآنَ، وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ،
فصل لا يحرم الكلام على الخطيب ولا على من سأله الخطيب
قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ. وَرَخَّصَ لَهُ فِي الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ عَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ، وَلَا يُذَاكِرَ فِي الْفِقْهِ، وَلَا يُصَلِّيَ، وَلَا يَجْلِسَ فِي حَلْقَةٍ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ لَهُ الْمُذَاكَرَةَ فِي الْفِقْهِ، وَصَلَاةَ النَّافِلَةِ. وَلَنَا، عُمُومُ مَا رَوَيْنَاهُ، وَأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْحَلْقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ إذَا رَفَعَ صَوْتَهُ مَنَعَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ مِنْ السَّمَاعِ، فَيَكُونُ مُؤْذِيًا لَهُ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ إثْمُ مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ، وَصَدَّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْمِعَ أَحَدًا، فَلَا بَأْسَ. وَهَلْ ذَلِكَ أَفْضَلُ أَوْ الْإِنْصَاتُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، الْإِنْصَاتُ أَفْضَلُ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَوْلِ عُثْمَانَ. وَالثَّانِي، الذِّكْرُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَكَانَ أَفْضَلَ، كَمَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ. [فَصْلٌ لَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ عَلَى الْخَطِيبِ وَلَا عَلَى مَنْ سَأَلَهُ الْخَطِيبُ] (1326) فَصْلٌ: وَلَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ عَلَى الْخَطِيبِ، وَلَا عَلَى مَنْ سَأَلَهُ الْخَطِيبُ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ سُلَيْكًا الدَّاخِلَ وَهُوَ يَخْطُبُ: أَصَلَّيْتَ؟ قَالَ: لَا» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ قَالَ: إنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ. قَالَ عُمَرُ: الْوُضُوءَ أَيْضًا؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ عِلَّتُهُ الِاشْتِغَالُ بِهِ عَنْ الْإِنْصَاتِ الْوَاجِبِ، وَسَمَاعِ الْخُطْبَةِ. وَلَا يَحْصُلُ هَاهُنَا، وَكَذَلِكَ مَنْ كَلَّمَ الْإِمَامَ لِحَاجَةٍ، أَوْ سَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، بِدَلِيلِ الْخَبَرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. [فَصْلٌ إذَا سَمِعَ الْإِنْسَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُتَكَلِّمًا لَمْ يَنْهَهُ بِالْكَلَامِ] (1327) فَصْلٌ: وَإِذَا سَمِعَ الْإِنْسَانُ مُتَكَلِّمًا لَمْ يَنْهَهُ بِالْكَلَامِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» وَلَكِنْ يُشِيرُ إلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَيَضَعُ أُصْبُعَهُ عَلَى فِيهِ. وَمِمَّنْ رَأَى أَنْ يُشِيرَ وَلَا يَتَكَلَّمَ، زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَكَرِهَ الْإِشَارَةَ طَاوُسٌ.
فصل الكلام الواجب كتحذير الضرير من البئر
وَلَنَا، أَنَّ الَّذِي قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَتَى السَّاعَةُ؟ أَوْمَأَ النَّاسُ إلَيْهِ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالسُّكُوتِ، وَلِأَنَّ الْإِشَارَةَ تَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي يُبْطِلُهَا الْكَلَامُ، فَفِي الْخُطْبَةِ أَوْلَى. [فَصْلٌ الْكَلَامُ الْوَاجِبُ كَتَحْذِيرِ الضَّرِيرِ مِنْ الْبِئْرِ] (1328) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْكَلَامُ الْوَاجِبُ، كَتَحْذِيرِ الضَّرِيرِ مِنْ الْبِئْرِ، أَوْ مَنْ يَخَافُ عَلَيْهِ نَارًا، أَوْ حَيَّةً أَوْ حَرِيقًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَلَهُ فِعْلُهُ، لِأَنَّ هَذَا يَجُوزُ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ مَعَ إفْسَادِهَا، فَهَاهُنَا أَوْلَى فَأَمَّا تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَرَدُّ السَّلَامِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ: يَرُدُّ الرَّجُلُ السَّلَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. وَيُشَمِّتُ الْعَاطِسَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِد قَالَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا وَاجِبٌ، فَوَجَبَ، الْإِتْيَانُ بِهِ فِي الْخُطْبَةِ، كَتَحْذِيرِ الضَّرِيرِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: إنْ كَانَ لَا يَسْمَعُ رَدَّ السَّلَامَ وَشَمَّتَ الْعَاطِسَ، وَإِنْ كَانَ يَسْمَعُ لَمْ يَفْعَلْ. قَالَ أَبُو طَالِبٍ، قَالَ أَحْمَدُ: إذَا سَمِعْتَ الْخُطْبَةَ فَاسْتَمِعْ وَأَنْصِتْ، وَلَا تَقْرَأْ، وَلَا تُشَمِّتْ، وَإِذَا لَمْ تَسْمَعْ الْخُطْبَةَ فَاقْرَأْ وَشَمِّتْ وَرُدَّ السَّلَامَ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد، قُلْتُ لِأَحْمَدَ: يَرُدُّ السَّلَامَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، وَيُشَمِّتُ الْعَاطِسَ؟ فَقَالَ: إذَا كَانَ لَيْسَ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ فَيَرُدُّ، وَإِذَا كَانَ يَسْمَعُ فَلَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يَسْمَعُ نَغْمَةَ الْإِمَامِ بِالْخُطْبَةِ، وَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ، يَرُدُّ السَّلَامَ؟ قَالَ: لَا، إذَا سَمِعَ شَيْئًا وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْصَاتَ وَاجِبٌ، فَلَمْ يَجُزْ الْكَلَامُ الْمَانِعُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، كَالْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَرُدُّ وَلَا يُشَمِّتُ. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ مُخْتَصًّا بِمَنْ يَسْمَعُ دُونَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَيَكُونُ مِثْلَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي كُلِّ حَاضِرٍ يَسْمَعُ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْإِنْصَاتِ شَامِلٌ لَهُمْ، فَيَكُونُ الْمَنْعُ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ ثَابِتًا فِي حَقِّهِمْ، كَالسَّامِعِينَ. [فَصْلٌ الْكَلَامُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْخُطْبَةِ وَبَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا] (1329) فَصْلٌ: لَا يُكْرَهُ الْكَلَامُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْخُطْبَةِ، وَبَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَبَكْرٌ الْمُزَنِيّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَيَعْقُوبُ، وَمُحَمَّدٌ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَكَرِهَهُ، الْحَكَمُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَرُمَ الْكَلَامُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَكْرَهَانِ الْكَلَامَ وَالصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ.
فصل الكلام في الجلسة بين الخطبتين
وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَوْتَ» فَخَصَّهُ بِوَقْتِ الْخُطْبَةِ. وَقَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ: إنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَنِ عُمَرَ إذَا خَرَجَ عُمَرُ، وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ، جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، حَتَّى إذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ، وَقَامَ عُمَرُ سَكَتُوا، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ الْأَمْرِ بَيْنَهُمْ وَلِأَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا حَرُمَ لِأَجْلِ الْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ، فَلَا وَجْهَ لِتَحْرِيمِهِ مَعَ عَدَمِهَا. وَقَوْلُهُمْ: لَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ. قَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عُمُومِهِمْ خِلَافَ هَذَا الْقَوْلِ. [فَصْلٌ الْكَلَامُ فِي الْجَلْسَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ] (1330) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْجَلْسَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ غَيْرُ خَاطِبٍ وَلَا مُتَكَلِّمٍ، فَأَشْبَهَ مَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهُ سُكُوتٌ يَسِيرٌ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَتَيْنِ، أَشْبَهَ السُّكُوتَ لِلتَّنَفُّسِ. [فَصْلٌ إذَا بَلَغَ الْخَطِيبُ إلَى الدُّعَاءِ فَهَلْ يُسَوَّغُ الْكَلَامُ] (1331) فَصْلٌ: إذَا بَلَغَ الْخَطِيبُ إلَى الدُّعَاءِ، فَهَلْ يُسَوَّغُ الْكَلَامُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، الْجَوَازُ، لِأَنَّهُ فَرَغَ مِنْ الْخُطْبَةِ، وَشَرَعَ فِي غَيْرِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَزَلَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْخُطْبَةِ، فَيَثْبُتُ لَهُ مَا ثَبَتَ لَهَا، كَالتَّطْوِيلِ فِي الْمَوْعِظَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ دُعَاءً مَشْرُوعًا، كَالدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلِلْإِمَامِ الْعَادِلِ، أَنْصَتَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ لَمْ يَلْزَمْ الْإِنْصَاتُ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ. [فَصْلٌ الْعَبَثُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ] (1332) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الْعَبَثُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَاللَّغْوُ: الْإِثْمُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3] وَلِأَنَّ الْعَبَثَ يَمْنَعُ الْخُشُوعَ وَالْفَهْمَ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، إنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْمَعُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَرَخَّصَ فِيهِ مُجَاهِدٌ، وَطَاوُسٌ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْغَلُ عَنْ السَّمَاعِ. وَلَنَا، أَنَّهُ فِعْلٌ يَشْتَغِلُ بِهِ، أَشْبَهَ مَسَّ الْحَصَى. فَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَسْمَعُ، فَلَا يُكْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَمِعُ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ. [فَصْلٌ لَا تَتَصَدَّقْ عَلَى السُّؤَالِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ] (1333) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا تَتَصَدَّقْ عَلَى السُّؤَالِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا لَا يَجُوزُ، فَلَا يُعِينُهُمْ عَلَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ: وَإِنْ حَصَبَهُ كَانَ أَعْجَبَ إلَيَّ، لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى سَائِلًا يَسْأَلُ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَحَصَبَهُ
فصل الاحتباء والإمام يخطب
وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: فَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ، فَنَاوَلَهُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ؟ قَالَ: لَا يَأْخُذُ مِنْهُ قِيلَ: فَإِنْ سَأَلَ قَبْلَ خُطْبَةِ الْإِمَامِ، ثُمَّ جَلَسَ، فَأَعْطَانِي رَجُلٌ صَدَقَةً أُنَاوِلُهَا إيَّاهُ؟ قَالَ نَعَمْ، هَذَا لَمْ يَسْأَلْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ. [فَصْلٌ الِاحْتِبَاءُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ] (1334) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالِاحْتِبَاءِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، وَشُرَيْحٌ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ، وَسَالِمٌ، وَنَافِعٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَالَ أَبُو دَاوُد: لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَدًا كَرِهَهُ إلَّا عُبَادَةَ بْنَ نُسَيٍّ، لِأَنَّ سَهْلَ بْنَ مُعَاذٍ رَوَى، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْحَبْوَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَنَا، مَا رَوَى يَعْلَى بْنُ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ مُعَاوِيَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَجَمَّعَ بِنَا، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا جُلُّ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَيْتُهُمْ مُحْتَبِينَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا، فَصَارَ إجْمَاعًا وَالْحَدِيثُ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ. قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ لِأَجْلِ الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، وَلِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَهَيِّئًا لِلنَّوْمِ وَالْوُقُوعِ وَانْتِقَاضِ الْوُضُوءِ، فَيَكُونُ تَرْكُهُ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُحْمَلُ النَّهْيُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَيُحْمَلُ أَحْوَالُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ الْخَبَرُ. [مَسْأَلَةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا عُقَلَاءُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ] (1335) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا عُقَلَاءُ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِسَبْعَةِ شَرَائِطَ: إحْدَاهَا، أَنْ تَكُونَ فِي قَرْيَةٍ. وَالثَّانِي، أَنْ يَكُونُوا أَرْبَعِينَ. وَالثَّالِثُ، الذُّكُورِيَّةُ. وَالرَّابِعُ، الْبُلُوغُ. وَالْخَامِسُ، الْعَقْلُ. وَالسَّادِسُ، الْإِسْلَامُ. وَالسَّابِعُ، الِاسْتِيطَانُ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَأَمَّا الْقَرْيَةُ فَيُعْتَبَرُ أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِبِنَائِهَا بِهِ، مِنْ حَجَرٍ أَوْ طِينٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ شَجَرٍ وَنَحْوِهِ، فَأَمَّا أَهْلُ الْخِيَامِ وَبُيُوتِ الشَّعْرِ وَالْحَرَكَاتِ فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ، وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنْصَبُ لِلِاسْتِيطَانِ غَالِبًا، وَكَذَلِكَ كَانَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يُقِيمُوا جُمُعَةً، وَلَا أَمَرَهُمْ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَخْفَ، وَلَمْ يُتْرَكْ نَقْلُهُ، مَعَ كَثْرَتِهِ وَعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ، لَكِنْ إنْ كَانُوا مُقِيمِينَ بِمَوْضِعٍ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ، لَزِمَهُمْ السَّعْيُ
إلَيْهَا، كَأَهْلِ الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ إلَى جَانِبِ الْمِصْرِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَرْيَةِ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ مُجْتَمِعَةَ الْبِنَاءِ بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِي الْقَرْيَةِ الْوَاحِدَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةَ الْمَنَازِلِ تَفَرُّقًا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ، إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ مِنْهَا مَا يَسْكُنُهُ أَرْبَعُونَ، فَتَجِبُ الْجُمُعَةُ بِهِمْ، وَيَتْبَعُهُمْ الْبَاقُونَ وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ الْبُنْيَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ شَرْطٌ، وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْقَرْيَةَ الْمُتَقَارِبَةَ الْبُنْيَانِ قَرْيَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْقُرَى، فَأَشْبَهَتْ الْمُتَّصِلَةَ، وَمَتَى كَانَتْ الْقَرْيَةُ لَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى أَهْلِهَا بِأَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ مِنْ مِصْرٍ، أَوْ مِنْ قَرْيَةٍ تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ، لَزِمَهُمْ السَّعْيُ إلَيْهَا، لِعُمُومِ الْآيَةِ. (1336) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالذُّكُورِيَّةُ، فَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهَا لِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَانْعِقَادِهَا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْعَقْلَ شَرْطَانِ لِلتَّكْلِيفِ وَصِحَّةِ الْعِبَادَةِ الْمَحْضَةِ، وَالذُّكُورِيَّةُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَانْعِقَادِهَا، لِأَنَّ الْجُمُعَةَ يَجْتَمِعُ لَهَا الرِّجَالُ، وَالْمَرْأَةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْحُضُورِ فِي مَجَامِعِ الرِّجَالِ، وَلَكِنَّهَا تَصِحُّ مِنْهَا لِصِحَّةِ الْجَمَاعَةِ مِنْهَا، فَإِنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يُصَلِّينَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجَمَاعَةِ. وَأَمَّا الْبُلُوغُ، فَهُوَ شَرْطٌ أَيْضًا لِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَانْعِقَادِهَا، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شَرَائِطِ التَّكْلِيفِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ» ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، بِنَاءً عَلَى تَكْلِيفِهِ، وَلَا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ. (1337) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْأَرْبَعُونَ، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَصِحَّتِهَا. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِخَمْسِينَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ الرَّقَاشِيِّ، حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى خَمْسِينَ رَجُلًا، وَلَا تَجِبُ عَلَى مَا دُونَ ذَلِكَ» وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: «قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: عَلَى كَمْ تَجِبُ الْجُمُعَةُ مِنْ رَجُلٍ؟ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسِينَ جَمَّعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ،
وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْجَمْعِ، فَانْعَقَدَتْ بِهِ الْجَمَاعَةُ كَالْأَرْبَعِينَ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] وَهَذِهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الثَّلَاثَةُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَنْعَقِدُ بِأَرْبَعَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَدَدٌ يَزِيدُ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، أَشْبَهَ الْأَرْبَعِينَ. وَقَالَ رَبِيعَةُ: تَنْعَقِدُ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «أَنَّهُ كَتَبَ إلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ بِالْمَدِينَةِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ عِنْدَ الزَّوَالِ رَكْعَتَيْنِ، وَأَنْ يَخْطُبَ فِيهِمَا فَجَمَّعَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فِي بَيْتِ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا» . وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَدِمَتْ سُوَيْقَةٌ، فَخَرَجَ النَّاسُ إلَيْهَا، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، أَنَا فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11] . إلَى آخِرِ الْآيَةِ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَمَا يُشْتَرَطُ لِلِابْتِدَاءِ يُشْتَرَطُ لِلِاسْتِدَامَةِ. وَلَنَا، مَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، فِي هَزْمِ النَّبِيتِ، مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ، فِي نَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ قُلْتُ لَهُ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ. وَرَوَى خُصَيْفٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَمَا فَوْقَهَا جُمُعَةً. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ: مَضَتْ السُّنَّةُ. يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَأَمَّا مَنْ رَوَى أَنَّهُمْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَلَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ مَا رَوَيْنَاهُ أَصَحُّ مِنْهُ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ. وَالْخَبَرُ الْآخَرُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ عَادُوا فَحَضَرُوا الْقَدْرَ الْوَاجِبَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ. فَأَمَّا الثَّلَاثَةُ وَالْأَرْبَعَةُ فَتَحَكُّمٌ بِالرَّأْيِ فِيمَا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ، فَإِنَّ التَّقْدِيرَاتِ بَابُهَا التَّوْقِيفُ، فَلَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهَا، وَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ جَمْعًا، وَلَا لِلزِّيَادَةِ عَلَى الْجَمْعِ، إذْ لَا نَصَّ فِي هَذَا وَلَا مَعْنَى نَصٍّ، وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ كَافِيًا فِيهِ، لَاكْتُفِيَ بِالِاثْنَيْنِ، فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ تَنْعَقِدُ بِهِمَا. (1338) فَصْلٌ: فَأَمَّا الِاسْتِيطَانُ، فَهُوَ شَرْطٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَهُوَ الْإِقَامَةُ فِي قَرْيَةٍ، عَلَى الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ، لَا يَظْعَنُونَ عَنْهَا صَيْفًا وَلَا شِتَاءً، وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ وَلَا عَلَى مُقِيمٍ فِي قَرْيَةٍ يَظْعَنُ أَهْلُهَا عَنْهَا فِي الشِّتَاءِ دُونَ
الصَّيْفِ، أَوْ فِي بَعْضِ السَّنَةِ فَإِنْ خَرِبَتْ الْقَرْيَةُ أَوْ بَعْضُهَا، وَأَهْلُهَا مُقِيمُونَ بِهَا، عَازِمُونَ عَلَى إصْلَاحِهَا، فَحُكْمُهَا بَاقٍ فِي إقَامَةِ الْجُمُعَةِ بِهَا. وَإِنْ عَزَمُوا عَلَى النُّقْلَةِ عَنْهَا، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ؛ لِعَدَمِ الِاسْتِيطَانِ فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا، الْحُرِّيَّةُ. وَنَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالثَّانِي، إذْنُ الْإِمَامِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَالثَّانِيَةُ: هُوَ شَرْطٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِيمُهَا إلَّا الْأَئِمَّةُ فِي كُلِّ عَصْرٍ، فَصَارَ ذَلِكَ إجْمَاعًا. وَلَنَا، أَنَّ عَلِيًّا صَلَّى الْجُمُعَةَ بِالنَّاسِ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ، وَصَوَّبَ ذَلِكَ عُثْمَانُ وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ مَعَهُمْ، فَرَوَى حُمَيْدٍ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: إنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِكَ مَا تَرَى، وَأَنْتَ إمَامُ الْعَامَّةِ، وَهُوَ يُصَلِّي بِنَا إمَامُ فِتْنَةٍ، وَأَنَا أَتَحَرَّجُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ. فَقَالَ: إنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَحْسَنِ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنُوا فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إسَاءَتَهُمْ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْأَثْرَمُ، وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ بِالشَّامِ تِسْعَ سِنِينَ، فَكَانُوا يُجَمِّعُونَ. وَرَوَى مَالِكٌ، فِي " الْمُوَطَّأِ " عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ رَأَى صَاحِبَ الْمَقْصُورَةِ فِي الْفِتْنَةِ حِينَ حَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ النَّاسَ، يَقُولُ: مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ. حَتَّى انْتَهَى إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: تَقَدَّمْ أَنْتَ فَصَلِّ بَيْنَ يَدَيْ النَّاسِ وَلِأَنَّهَا مِنْ فَرَائِضِ الْأَعْيَانِ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهَا إذْنُ الْإِمَامِ، كَالظُّهْرِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ أَشْبَهَتْ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ، وَمَا ذَكَرُوهُ إجْمَاعًا لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ النَّاسَ يُقِيمُونَ الْجُمُعَاتِ فِي الْقُرَى مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِ أَحَدٍ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ إلَّا ذَلِكَ لَكَانَ إجْمَاعًا عَلَى جَوَازِ مَا وَقَعَ، لَا عَلَى تَحْرِيمِ غَيْرِهِ، كَالْحَجِّ يَتَوَلَّاهُ الْأَئِمَّةُ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ. فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ شَرْطٌ فَلَمْ يَأْذَنْ الْإِمَامُ فِيهِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلُّوا جُمُعَةً وَصَلَّوْا ظُهْرًا. وَإِنْ أَذِنَ فِي إقَامَتِهَا ثُمَّ مَاتَ، بَطَلَ إذْنُهُ بِمَوْتِهِ، فَإِنْ صَلَّوْا، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهَلْ تُجْزِئُهُمْ صَلَاتُهُمْ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: أَصَحُّهُمَا، أَنَّهَا تُجْزِئُهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَمْصَارِ النَّائِيَةِ عَنْ بَلَدِ الْإِمَامِ لَا يُعِيدُونَ مَا صَلَّوْا مِنْ الْجُمُعَاتِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ يَشُقُّ؛ لِعُمُومِهِ فِي أَكْثَرِ الْبُلْدَانِ وَإِنْ تَعَذَّرَ إذْنُ الْإِمَامِ لِفِتْنَةٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِ صِحَّتُهَا بِغَيْرِ إذْنٍ، عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْإِذْنُ مُعْتَبَرًا مَعَ إمْكَانِهِ، وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ بِتَعَذُّرِهِ.
فصل لا يشترط للجمعة المصر
[فَصْلٌ لَا يُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ الْمِصْرُ] (1340) فَصْلٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ الْمِصْرُ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَمَكْحُولٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ. وَبِهِ قَالَ: الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ.» وَلَنَا، مَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ، فِي نَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: تَعْنِي إذَا كَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ. نَعَمْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: حَرَّةُ بَنِي بَيَاضَةَ قَرْيَةٌ عَلَى مِيلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةِ الْمَدِينَةِ لَجُمُعَةٌ جُمِّعَتْ بِجُوَاثَا مِنْ الْبَحْرَيْنِ مِنْ قُرَى عَبْدِ الْقَيْسِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَرَ يَسْأَلُهُ عَنْ الْجُمُعَةِ بِالْبَحْرَيْنِ، وَكَانَ عَامَلَهُ عَلَيْهَا فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: جَمِّعُوا حَيْثُ كُنْتُمْ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ قَالَ أَحْمَدُ: إسْنَادٌ جَيِّدٌ فَأَمَّا خَبَرُهُمْ فَلَمْ يَصِحَّ. قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ هَذَا بِحَدِيثٍ، وَرَوَاهُ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيُّ، وَلَمْ يَلْقَهُ. قَالَ أَحْمَدُ: الْأَعْمَشُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، إنَّمَا هُوَ عَنْ عَلِيٍّ، وَقَوْلُ عُمَرَ يُخَالِفُهُ (1341) فَصْلٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ إقَامَتُهَا فِي الْبُنْيَانِ، وَيَجُوزُ إقَامَتُهَا فِيمَا قَارَبَهُ مِنْ الصَّحْرَاءِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ فِي غَيْرِ الْبُنْيَانِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يَجُوزُ لِأَهْلِ الْمِصْرِ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْبَعِيدَ. وَلَنَا، أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ جَمَّعَ بِالْأَنْصَارِ فِي هَزْمِ النَّبِيتِ فِي نَقِيعِ الْخَضِمَاتِ، وَالنَّقِيعُ: بَطْنٌ مِنْ الْأَرْضِ يَسْتَنْقِعُ فِيهِ الْمَاءُ مُدَّةً، فَإِذَا نَضَبَ الْمَاءُ نَبَتَ الْكَلَأُ. وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لِصَلَاةِ الْعِيدِ، فَجَازَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ، كَالْجَامِعِ، وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ صَلَاةُ عِيدٍ، فَجَازَتْ فِي الْمُصَلَّى كَصَلَاةِ الْأَضْحَى، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، وَلَا نَصَّ فِي اشْتِرَاطِهِ، وَلَا مَعْنَى نَصٍّ، فَلَا يُشْتَرَطُ. [مَسْأَلَةٌ صَلَّوْا جُمُعَةً مَعَ اخْتِلَالِ بَعْضِ شُرُوطِهَا] (1342) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ صَلَّوْا أَعَادُوهَا ظُهْرًا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا لِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ، فَهُوَ شَرْطٌ لِانْعِقَادِهَا، فَمَتَى صَلَّوْا جُمُعَةً مَعَ اخْتِلَالِ بَعْضِ شُرُوطِهَا، لَمْ يَصِحَّ، وَلَزِمَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا ظُهْرًا، وَلَا يُعَدُّ فِي الْأَرْبَعِينَ الَّذِينَ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ
، وَلَا يُعْتَبَرُ اجْتِمَاعُ الشُّرُوطِ لِلصِّحَّةِ، بَلْ تَصِحُّ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، تَبَعًا لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا كَوْنُهُ مِمَّنْ تَنْعَقِدُ بِهِ، فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمِصْرِ، وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ. (1343) فَصْلٌ: وَيُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةُ الشُّرُوطِ فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصَّلَاةَ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الْعَدَدُ، كَالْأَذَانِ. وَلَنَا، أَنَّهُ ذِكْرٌ مِنْ شَرَائِطِ الْجُمُعَةِ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْعَدَدُ، كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَيُفَارِقُ الْأَذَانَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ الْإِعْلَامُ، وَالْإِعْلَامُ لِلْغَائِبِينَ، وَالْخُطْبَةُ مَقْصُودُهَا التَّذْكِيرُ وَالْمَوْعِظَةُ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْحَاضِرِينَ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْخِطَابِ، وَالْخِطَابُ إنَّمَا يَكُونُ لِلْحَاضِرِينَ فَعَلَى هَذَا إنْ انْفَضُّوا فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ عَادُوا فَحَضَرُوا الْقَدْرَ الْوَاجِبَ، أَجْزَأَهُمْ، وَإِلَّا لَمْ يُجْزِئْهُمْ، إلَّا أَنْ يَحْضُرُوا الْقَدْرَ الْوَاجِبَ، ثُمَّ يَنْفَضُّوا وَيَعُودُوا قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الصَّلَاةِ، مِنْ غَيْرِ طُولِ الْفَصْلِ، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ، لَزِمَهُ إعَادَةُ الْخُطْبَةِ، إنْ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ، وَالْوَقْتُ مُتَّسِعٌ لَهَا، لِتَصِحَّ لَهُمْ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ صَلَّوْا ظُهْرًا، وَالْمَرْجِعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إلَى الْعَادَةِ (1344) فَصْلٌ: وَيُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةُ الشُّرُوطِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ نَقَصَ الْعَدَدُ قَبْلَ كَمَالِهَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُتِمُّهَا جُمُعَةً وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ فَقَدَ بَعْضَ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ فَقْدَ الطَّهَارَةِ. وَقِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُمْ إنْ انْفَضُّوا بَعْدَ رَكْعَةٍ، أَنَّهُ يُتِمُّهَا جُمُعَةً، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَالَ الْمُزَنِيّ: هُوَ الْأَشْبَهُ عِنْدِي؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى» . وَلِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا رَكْعَةً، فَصَحَّتْ لَهُمْ جُمُعَةً، كَالْمَسْبُوقِينَ بِرَكْعَةٍ، وَلِأَنَّ الْعَدَدَ شَرْطٌ يَخْتَصُّ الْجُمُعَةَ، فَلَمْ يَفُتْ بِفَوَاتِهِ فِي رَكْعَةٍ، كَمَا لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ انْفَضُّوا بَعْدَمَا صَلَّى رَكْعَةً بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ، أَتَمَّهَا جُمُعَةً؛ لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْرَكُوهَا بِسَجْدَتَيْهَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: إنْ بَقِيَ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، أَتَمَّهَا جُمُعَةً لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْفَضُّوا عَنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَأَتَمَّهَا جُمُعَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ: إنْ بَقِيَ مَعَهُ اثْنَانِ، أَتَمَّهَا جُمُعَةً وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ؛ لِأَنَّهُمْ أَقَلُّ الْجَمْعِ وَحَكَى عَنْهُ أَبُو ثَوْرٍ: إنْ بَقِيَ مَعَهُ وَاحِدٌ أَتَمَّهَا جُمُعَةً؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمَاعَةٌ. وَلَنَا، أَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا رَكْعَةً كَامِلَةً بِشُرُوطِ الْجُمُعَةِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْفَضَّ الْجَمِيعُ قَبْلَ الرُّكُوعِ فِي الْأُولَى. وَقَوْلُهُمْ: أَدْرَكَ مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ، يَبْطُلُ بِمَنْ لَمْ يَفُتْهُ مِنْ الرَّكْعَةِ إلَّا السَّجْدَتَانِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ مُعْظَمَهَا. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ: بَقِيَ مَعَهُ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجَمَاعَةُ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ هَذَا لَا يَكْفِي فِي الِابْتِدَاءِ، فَلَا يَكْفِي فِي الدَّوَامِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا لَا يُتِمُّهَا جُمُعَةً، فَقِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا تَبْطُلُ، وَيَسْتَأْنِفُ
مسألة إذا كان البلد كبيرا يحتاج إلى جوامع فصلاة الجمعة في جميعها جائزة
ظُهْرًا، إلَّا أَنْ يُمْكِنَهُمْ فِعْلُ الْجُمُعَةِ مَرَّةً أُخْرَى، فَيُعِيدُونَهَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا عَنْ أَحْمَدَ، إنْ لَمْ يَتِمَّ الْعَدَدُ فِي الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ، أَنَّهُمْ يُعِيدُونَ الصَّلَاةَ. وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا أَنَّهُمْ يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَقَالَ: قَدْ نَصَّ عَلَيْهَا أَحْمَدُ فِي الَّذِي زُحِمَ عَنْ أَفْعَالِ الْجُمُعَةِ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ، يُتِمُّهَا ظُهْرًا، وَوَجْهُ الْقَوْلَيْنِ قَدْ تَقَدَّمَ. [مَسْأَلَةٌ إذَا كَانَ الْبَلَدُ كَبِيرًا يَحْتَاجُ إلَى جَوَامِعَ فَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ فِي جَمِيعِهَا جَائِزَةٌ] (1345) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْبَلَدُ كَبِيرًا يَحْتَاجُ إلَى جَوَامِعَ، فَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ فِي جَمِيعِهَا جَائِزَةٌ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْبَلَدَ مَتَى كَانَ كَبِيرًا، يَشُقُّ عَلَى أَهْلِهِ الِاجْتِمَاعُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، وَيَتَعَذَّرُ ذَلِكَ لِتَبَاعُدِ أَقْطَارِهِ، أَوْ ضِيقِ مَسْجِدِهِ عَنْ أَهْلِهِ، كَبَغْدَادَ وَأَصْبَهَانَ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْأَمْصَارِ الْكِبَارِ، جَازَتْ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ جَوَامِعِهَا، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ. وَأَجَازَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي بَغْدَادَ دُونَ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُقَامُ فِيهَا فِي مَوْضِعَيْنِ، وَالْجُمُعَةُ حَيْثُ تُقَامُ الْحُدُودُ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ: إنَّهُ لَوْ وُجِدَ بَلَدٌ آخَرُ تُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ فِي مَوْضِعَيْنِ، جَازَتْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ حَيْثُ تُقَامُ الْحُدُودُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ الْجُمُعَةُ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يُجَمِّعُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ» وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وَلَوْ جَازَ لَمْ يُعَطِّلُوا الْمَسَاجِدَ، حَتَّى قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا تُقَامُ الْجُمُعَةُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ، الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الْإِمَامُ. وَلَنَا، أَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَ لَهَا الِاجْتِمَاعُ وَالْخُطْبَةُ، فَجَازَتْ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ، كَصَلَاةِ الْعِيدِ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عَلِيًّا، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْعِيدِ إلَى الْمُصَلَّى، وَيَسْتَخْلِفُ عَلَى ضَعَفَةِ النَّاسِ أَبَا مَسْعُودٍ الْبَدْرِيَّ، فَيُصَلِّي بِهِمْ. فَأَمَّا تَرْكُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إقَامَةَ جُمُعَتَيْنِ، فَلِغِنَاهُمْ عَنْ إحْدَاهُمَا، وَلِأَنَّ أَصْحَابَهُ كَانُوا يَرَوْنَ سَمَاعَ خُطْبَتِهِ، وَشُهُودَ جُمُعَتِهِ، وَإِنْ بَعُدَتْ مَنَازِلُهُمْ، لِأَنَّهُ الْمُبَلِّغُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَشَارِعُ الْأَحْكَامِ، وَلَمَّا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ فِي الْأَمْصَارِ صُلِّيَتْ فِي أَمَاكِنَ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَصَارَ إجْمَاعًا. وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، يَعْنِي أَنَّهَا لَا تُقَامُ فِي الْمَسَاجِدِ الصِّغَارِ وَيُتْرَكُ الْكَبِيرُ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ ذَلِكَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ، فَلَا وَجْهَ لَهُ. قَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: أَيُّ حَدٍّ كَانَ يُقَامُ بِالْمَدِينَةِ، قَدِمَهَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُمْ مُخْتَبِئُونَ فِي دَارٍ، فَجَمَّعَ بِهِمْ وَهُمْ أَرْبَعُونَ. (1346) فَصْلٌ: فَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَلَا يَجُوزُ فِي أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَإِنْ حَصَلَ الْغِنَى بِاثْنَتَيْنِ لَمْ تَجُزْ الثَّالِثَةُ، وَكَذَلِكَ مَا زَادَ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا مُخَالِفًا، إلَّا أَنَّ عَطَاءً قِيلَ لَهُ: إنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ لَا يَسَعُهُمْ الْمَسْجِدُ الْأَكْبَرُ. قَالَ: لِكُلِّ قَوْمٍ مَسْجِدٌ يُجَمِّعُونَ فِيهِ، وَيُجْزِئُ ذَلِكَ مِنْ التَّجْمِيعِ فِي الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ. وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ أَنَّهُمْ جَمَّعُوا أَكْثَرَ مِنْ جُمُعَةٍ، إذْ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْأَحْكَامِ بِالتَّحَكُّمِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَإِنْ صَلَّوْا جُمُعَتَيْنِ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَإِحْدَاهُمَا
جُمُعَةُ الْإِمَامِ، فَهِيَ صَحِيحَةٌ تَقَدَّمَتْ أَوْ تَأَخَّرَتْ، وَالْأُخْرَى بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ فِي الْحُكْمِ بِبُطْلَانِ جُمُعَةِ الْإِمَامِ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ، وَتَفْوِيتًا لَهُ الْجُمُعَةَ وَلِمَنْ يُصَلِّي مَعَهُ، وَيُفْضِي إلَى أَنَّهُ مَتَى شَاءَ أَرْبَعُونَ أَنْ يُفْسِدُوا صَلَاةَ أَهْلِ الْبَلَدِ أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ، بِأَنْ يَجْتَمِعُوا فِي مَوْضِعٍ، وَيَسْبِقُوا أَهْلَ الْبَلَدِ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَقِيلَ: السَّابِقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ، لِأَنَّهَا لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَا يُفْسِدُهَا، وَلَا تَفْسُدُ بَعْدَ صِحَّتِهَا بِمَا بَعْدَهَا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَالْأُخْرَى فِي مَكَان صَغِيرٍ لَا يَسَعُ الْمُصَلِّينً، أَوْ لَا يُمْكِنُهُمْ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِاخْتِصَاصِ السُّلْطَانِ وَجُنْدِهِ بِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي قَصَبَةِ الْبَلَدِ، وَالْآخَرُ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، كَانَ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ هَذِهِ الْمَعَانِي صَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ دُونَ الْأُخْرَى. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا أَرَى الْجُمُعَةَ إلَّا لِأَهْلِ الْقَصَبَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ لِهَذِهِ الْمَعَانِي مَزِيَّةً تَقْتَضِي التَّقْدِيمَ، فَقُدِّمَ بِهَا، كَجُمُعَةِ الْإِمَامِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ السَّابِقَةُ مِنْهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، لِأَنَّ إذْنَ الْإِمَامِ آكَدُ، وَلِذَلِكَ اُشْتُرِطَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِإِحْدَاهُمَا مَزِيَّةٌ، لِكَوْنِهِمَا جَمِيعًا مَأْذُونًا فِيهِمَا، أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَتَسَاوَى الْمَكَانَانِ فِي إمْكَانِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَالسَّابِقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ بِشُرُوطِهَا، وَلَمْ يُزَاحِمْهَا مَا يُبْطِلُهَا، وَلَا سَبَقَهَا مَا يُغْنِي عَنْهَا، وَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِكَوْنِهَا وَاقِعَةً فِي مِصْرٍ أُقِيمَتْ فِيهِ جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ، تُغْنِي عَمَّا سِوَاهَا وَيُعْتَبَرُ السَّبْقُ بِالْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَحْرَمَ بِإِحْدَاهُمَا حَرُمَ الْإِحْرَامُ بِغَيْرِهَا؛ لِلْغِنَى عَنْهَا، فَإِنْ وَقَعَ الْإِحْرَامُ بِهِمَا مَعًا فَهُمَا بَاطِلَتَانِ مَعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صِحَّتُهُمَا مَعًا، وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِالْفَسَادِ أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، فَبَطَلَتَا كَالْمُتَزَوِّجِ أُخْتَيْنِ، أَوْ إذَا زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ رَجُلَيْنِ. وَإِنْ لَمْ تُعْلَم الْأَوْلَى مِنْهُمَا، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ كَيْفِيَّةُ وُقُوعِهِمَا، بَطَلَتَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا بَاطِلَةٌ، وَلَمْ تُعْلَمْ بِعَيْنِهَا، وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِالْإِبْطَالِ أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، فَبَطَلَتَا كَالْمَسْأَلَتَيْنِ. ثُمَّ إنْ عَلِمْنَا فَسَادَ الْجُمُعَتَيْنِ لِوُقُوعِهِمَا مَعًا، وَجَبَ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ، لِبَقَاءِ الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ مِصْرٌ مَا أُقِيمَتْ فِيهِ جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ، وَالْوَقْتُ مُتَّسِعٌ لِإِقَامَتِهَا فَلَزِمَتْهُمْ، كَمَا لَوْ لَمْ يُصَلُّوا شَيْئًا. وَإِنْ تَيَقَّنَّا صِحَّةَ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا إلَّا ظُهْرًا، لِأَنَّهُ مِصْرٌ تَيَقَّنَّا سُقُوطَ فَرْضِ الْجُمُعَةِ فِيهِ بِالْأَوْلَى مِنْهُمَا، فَلَمْ تَجُزْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِ، كَمَا لَوْ عَلِمْنَاهَا وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُمْ إقَامَةَ جُمُعَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِفَسَادِهِمَا مَعًا، فَكَأَنَّ الْمِصْرَ مَا صُلِّيَتْ فِيهِ جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَةَ لَمْ تَفْسُدْ، وَإِنَّمَا لَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُ حُكْمِ الصِّحَّةِ لَهَا بِعَيْنِهَا؛ لِجَهْلِهَا، فَيَصِيرُ هَذَا كَمَا لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، وَجَهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الصِّحَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، وَثَبَتَ حُكْمُ النِّكَاحِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، بِحَيْثُ لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا آخَرَ فَأَمَّا إنْ جَهِلْنَا كَيْفِيَّةَ وُقُوعِهِمَا، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ أَيْضًا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ إحْدَاهُمَا، لِأَنَّ وُقُوعَهُمَا مَعًا - بِحَيْثُ لَا يَسْبِقُ إحْرَامُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى - بَعِيدٌ جِدًّا، وَمَا كَانَ فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَعْدُومِ، وَلِأَنَّنَا شَكَكْنَا فِي شَرْطِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ، فَلَمْ يَجُزْ إقَامَتُهَا مَعَ
مسألة لا جمعة على مسافر ولا عبد ولا امرأة
الشَّكِّ فِي شَرْطِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُمْ إقَامَتَهَا؛ لِأَنَّنَا لَمْ نَتَيَقَّنْ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّتِهَا. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى (1347) فَصْلٌ: وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ فَتَبَيَّنَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْجُمُعَةَ قَدْ أُقِيمَتْ فِي الْمِصْرِ، بَطَلَتْ الْجُمُعَةُ، وَلَزِمَهُمْ اسْتِئْنَافُ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا فِي وَقْتٍ لَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِالْجُمُعَةِ، فَلَا تَصِحُّ، فَأَشْبَهَ، مَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْنِفَ ظُهْرًا، وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ إتْمَامَهَا ظُهْرًا قِيَاسًا عَلَى الْمَسْبُوقِ الَّذِي أَدْرَكَ دُونَ الرَّكْعَةِ، وَكَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ فَانْفَضَّ الْعَدَدُ قَبْلَ إتْمَامِهَا. وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّ هَذَا أَحْرَمَ بِهَا فِي وَقْتٍ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِهَا، وَالْأَصْلُ الَّذِي قَاسَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ هَذَا. (1348) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ قَرْيَةٌ إلَى جَانِبِ مِصْرٍ، يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ مِنْهُ، فَأَقَامُوا جُمُعَةً فِيهَا، لَمْ تَبْطُلْ جُمُعَةُ أَهْلِ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ، وَلِأَنَّ لِجُمُعَةِ الْمِصْرِ مَزِيَّةً بِكَوْنِهَا فِيهِ. وَلَوْ كَانَ مِصْرَانِ مُتَقَارِبَانِ، يَسْمَعُ أَهْلُ كُلِّ مِصْرٍ نِدَاءَ الْمِصْرِ الْآخَرِ، كَأَهْلِ مِصْرَ وَالْقَاهِرَةِ، لَمْ تَبْطُلْ جُمُعَةُ أَحَدِهِمَا بِجُمُعَةِ الْآخَرِ. وَكَذَلِكَ الْقَرْيَتَانِ الْمُتَقَارِبَتَانِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنْهُمْ حُكْمَ أَنْفُسِهِمْ، بِدَلِيلِ أَنَّ جُمُعَةَ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ لَا يَتِمُّ عَدَدُهَا بِالْفَرِيقِ الْآخَرِ، وَلَا تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ بِكَمَالِ الْعِدَّةِ بِالْفَرِيقِ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ السَّعْيُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جُمُعَةٌ، فَهُمْ كَأَهْلِ الْمَحَلَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْمِصْرِ. [مَسْأَلَةٌ لَا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ وَلَا عَبْدٍ وَلَا امْرَأَةٍ] (1349) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ، وَلَا عَبْدٍ، وَلَا امْرَأَةٍ) وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي الْعَبْدِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، أَنَّ الْجُمُعَةَ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى لَيْسَتْ عَلَيْهِ بِوَاجِبَةٍ. أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا جُمُعَةَ عَلَيْهَا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَى النِّسَاءِ. وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْحُضُورِ فِي مَجَامِعِ الرِّجَالِ، وَلِذَلِكَ لَا تَجِبُ عَلَيْهَا جَمَاعَةٌ. وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ. قَالَهُ مَالِكٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالثَّوْرِيُّ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ وَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ تَجِبُ عَلَيْهِ، فَالْجُمُعَةُ أَوْلَى وَلَنَا «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَافِرُ فَلَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ فِي سَفَرِهِ وَكَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يُصَلِّ جُمُعَةً» وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، كَانُوا
يُسَافِرُونَ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ، فَلَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ مِنْهُمْ الْجُمُعَةَ فِي سَفَرِهِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَدْ قَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانُوا يُقِيمُونَ بِالرَّيِّ السَّنَةَ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَبِسِجِسْتَانَ السِّنِينَ. لَا يُجَمِّعُونَ وَلَا يُشَرِّقُونَ وَعَنْ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: أَقَمْتُ مَعَهُ سَنَتَيْنِ بِكَابُلَ، يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُجَمِّعُ رَوَاهُمَا سَعِيدٌ. وَأَقَامَ أَنَسٌ بِنَيْسَابُورَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ، فَكَانَ لَا يُجَمِّعُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهَذَا إجْمَاعٌ مَعَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ فِيهِ، فَلَا يُسَوَّغُ مُخَالَفَتُهُ. (1350) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْعَبْدُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ. وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ. وَالثَّانِيَةُ، تَجِبُ عَلَيْهِ، وَلَا يَذْهَبُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ. نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبِذَلِكَ قَالَتْ طَائِفَةٌ، إلَّا أَنَّ لَهُ تَرْكَهَا إذَا مَنَعَهُ السَّيِّدُ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] . وَلِأَنَّ الْجَمَاعَةَ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَالْجُمُعَةُ آكَدُ مِنْهَا، فَتَكُونُ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الَّذِي يُؤَدِّي الضَّرِيبَةَ، لِأَنَّ حَقَّهُ عَلَيْهِ قَدْ تَحَوَّلَ إلَى الْمَالِ، فَأَشْبَهَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ. وَلَنَا، مَا رَوَى طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوْ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: طَارِقٌ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَعَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلَّا مَرِيضًا، أَوْ مُسَافِرًا، أَوْ امْرَأَةً، أَوْ صَبِيًّا، أَوْ مَمْلُوكًا» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ إلَّا عَلَى خَمْسَةٍ: امْرَأَةٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَرِيضٍ، أَوْ مُسَافِرٍ، أَوْ عَبْدٍ» . رَوَاهُ رَجَاءُ بْنُ مُرَجًّى الْغِفَارِيُّ، فِي " سُنَنِهِ " وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ يَجِبُ السَّعْيُ إلَيْهَا مِنْ مَكَان بَعِيدٍ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ، وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكُ الْمَنْفَعَةِ، مَحْبُوسٌ عَلَى السَّيِّدِ أَشْبَهَ الْمَحْبُوسَ بِالدَّيْنِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَجَازَ لَهُ الْمُضِيُّ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهَا، كَسَائِرِ الْفَرَائِضِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِذَوِي الْأَعْذَارِ، وَهَذَا مِنْهُمْ.
(1351) فَصْلٌ: وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُدَبَّرُ حُكْمُهُمَا فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْقِنِّ، لِبَقَاءِ الرِّقِّ فِيهِمَا. وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، فَإِنَّ حَقَّ سَيِّدِهِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَسْقُطُ عَنْ الْعَبْدِ. (1352) فَصْلٌ: إذَا أَجْمَعَ الْمُسَافِرُ إقَامَةً تَمْنَعُ الْقَصْرَ، وَلَمْ يُرِدْ اسْتِيطَانَ الْبَلَدِ كَطَلَبِ الْعِلْمِ، أَوْ الرِّبَاطِ، أَوْ التَّاجِرِ الَّذِي يُقِيمُ لِبَيْعِ مَتَاعِهِ، أَوْ مُشْتَرِي شَيْءٍ لَا يُنْجَزُ إلَّا فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَدَلَالَةِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْجَبَهَا إلَّا عَلَى الْخَمْسَةِ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمْ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُمْ. وَالثَّانِي: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَوْطِنٍ، وَالِاسْتِيطَانُ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ فِي هَذَا الْبَلَدِ عَلَى الدَّوَامِ، فَأَشْبَهَ أَهْلَ الْقَرْيَةِ الَّذِينَ يَسْكُنُونَهَا صَيْفًا وَيَظْعَنُونَ عَنْهَا شِتَاءً، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ لَا يُجَمِّعُونَ وَلَا يُشَرِّقُونَ، أَيْ لَا يُصَلُّونَ جُمُعَةً وَلَا عِيدًا. فَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِ، لِعَدَمِ الِاسْتِيطَانِ الَّذِي هُوَ مِنْ شَرْطِ الِانْعِقَادِ. (1353) فَصْلٌ: وَلَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ فِي طَرِيقِهِ إلَيْهَا مَطَرٌ يَبُلُّ الثِّيَابَ، أَوْ وَحَلٌ يَشُقُّ الْمَشْيُ إلَيْهَا فِيهِ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْعَلُ الْمَطَرَ عُذْرًا فِي التَّخَلُّفِ عَنْهَا. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ أَمَرَ مُؤَذِّنَهُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ إذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ فَقَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ. فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا؟ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي إنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ إلَيْهَا فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّهُ عُذْرٌ فِي الْجَمَاعَةِ، فَكَانَ عُذْرًا فِي الْجُمُعَةِ، كَالْمَرَضِ، وَتَسْقُطُ الْجُمُعَةُ بِكُلِّ عُذْرٍ يُسْقِطُ الْجَمَاعَةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَعْذَارَ فِي آخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا الْمَطَرَ هَاهُنَا لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ.
(1354) فَصْلٌ: تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى الْأَعْمَى وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ. وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ، وَالْأَخْبَارِ، وَقَوْلُهُ: «الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ إلَّا عَلَى أَرْبَعَةٍ» وَمَا ذَكَرْنَا فِي وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ عَلَيْهِ. (1355) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ حَضَرُوهَا أَجْزَأَتْهُمْ) يَعْنِي تُجْزِئُهُمْ الْجُمُعَةُ عَنْ الظُّهْرِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَى النِّسَاءِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُنَّ إذَا حَضَرْنَ فَصَلَّيْنَ الْجُمُعَةَ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُنَّ؛ لِأَنَّ إسْقَاطَ الْجُمُعَةِ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُنَّ، فَإِذَا تَحَمَّلُوا الْمَشَقَّةَ وَصَلَّوْا، أَجْزَأَهُمْ، كَالْمَرِيضِ. (1356) فَصْلٌ: وَالْأَفْضَلُ لِلْمُسَافِرِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ،؛ لِأَنَّهَا أَكْمَلُ. فَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي حُضُورِهَا فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِيَنَالَ فَضْلَ الْجُمُعَةِ وَثَوَابَهَا، وَيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ. وَإِنْ مَنَعَهُ سَيِّدُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُضُورُهَا، إلَّا أَنْ نَقُولَ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنْ كَانَتْ مُسِنَّةً فَلَا بَأْسَ بِحُضُورِهَا وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً، جَازَ حُضُورُهَا، وَصَلَاتُهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا خَيْرٌ لَهُمَا، كَمَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ: «وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» . وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: رَأَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يُخْرِجُ النِّسَاءَ مِنْ الْجَامِعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَقُولُ: اُخْرُجْنَ إلَى بُيُوتِكُنَّ خَيْرٌ لَكُنَّ. (1357) فَصْلٌ: وَلَا تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ بِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِيهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ وَالْمُسَافِرُ إمَامًا فِيهَا، وَوَافَقَهُمْ مَالِكٌ فِي الْمُسَافِرِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْجُمُعَةَ تَصِحُّ بِالْعَبِيدِ وَالْمُسَافِرِينَ؛ لِأَنَّهُمْ رِجَالٌ تَصِحُّ مِنْهُمْ الْجُمُعَةُ. وَلَنَا، أَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ فَرْضِ الْجُمُعَةِ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ الْجُمُعَةُ بِهِمْ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمُّوا فِيهَا، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ تَبَعًا لِمَنْ انْعَقَدَتْ بِهِ، فَلَوْ انْعَقَدَتْ بِهِمْ أَوْ كَانُوا أَئِمَّةً فِيهَا صَارَ التَّبَعُ مَتْبُوعًا، وَعَلَيْهِ يَخْرُجُ الْحُرُّ الْمُقِيمُ، وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَوْ انْعَقَدَتْ بِهِمْ لَانْعَقَدَتْ بِهِمْ مُنْفَرِدِينَ، كَالْأَحْرَارِ الْمُقِيمِينَ، وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. (1358) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمَرِيضُ، وَمَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ مِنْ الْمَطَرِ وَالْخَوْفِ، فَإِذَا تَكَلَّفَ حُضُورَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ،
مسألة من صلى الظهر يوم الجمعة ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام
وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِيهَا؛ لِأَنَّ سُقُوطَهَا عَنْهُمْ إنَّمَا كَانَ لِمَشَقَّةِ السَّعْيِ، فَإِذَا تَكَلَّفُوا وَحَصَلُوا فِي الْجَامِعِ، زَالَتْ الْمَشَقَّةُ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِمْ، كَغَيْرِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ. [مَسْأَلَةٌ مَنْ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِمَّنْ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِمَّنْ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَعَادَهَا بَعْدَ صَلَاتِهِ ظُهْرًا) يَعْنِي مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ إذَا صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ، لَمْ يَصِحَّ، وَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ إنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُهَا؛ لِأَنَّهَا الْمَفْرُوضَةُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَدْرَكَهَا مَعَهُ صَلَّاهَا، وَإِنْ فَاتَتْهُ فَعَلَيْهِ صَلَاةُ الظُّهْرِ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهَا انْتَظَرَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ صَلَّى، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: تَصِحُّ ظُهْرُهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الظُّهْرَ فَرْضُ الْوَقْتِ بِدَلِيلِ سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَإِنَّمَا الْجُمُعَةُ بَدَلٌ عَنْهَا، وَقَائِمَةٌ مَقَامَهَا، وَلِهَذَا إذَا تَعَذَّرَتْ الْجُمُعَةُ صَلَّى ظُهْرًا، فَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فَقَدْ أَتَى بِالْأَصْلِ، فَأَجْزَأَهُ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ، فَإِنْ سَعَى بَطَلَتْ ظُهْرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْعَ، أَجْزَأَتْهُ. وَلَنَا، أَنَّهُ صَلَّى مَا لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ، وَتَرَكَ مَا خُوطِبَ بِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ، كَمَا لَوْ صَلَّى الْعَصْرَ مَكَانَ الظُّهْرِ، وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْجُمُعَةِ، فَسَقَطَتْ عَنْهُ الظُّهْرُ، كَمَا لَوْ كَانَ بَعِيدًا، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِهَا وَتَرْكِ السَّعْيِ إلَيْهَا، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُخَاطَبَ بِالظُّهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَاطَبُ فِي الْوَقْتِ بِصَلَاتَيْنِ، وَلِأَنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ صَلَّى الظُّهْرَ، وَلَا يَأْثَمُ بِفِعْلِ الْجُمُعَةِ وَتَرْكِ الظُّهْرِ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْوَاجِبُ مَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ دُونَ مَا لَمْ يَأْثَمْ بِهِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الظُّهْرَ فَرْضُ الْوَقْتِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ الْأَصْلَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا، وَأَثِمَ بِتَرْكِهَا، وَلَمْ تُجْزِهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ مَعَ إمْكَانِهَا، فَإِنَّ الْبَدَلَ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمُبْدَلِ، بِدَلِيلِ سَائِرِ الْأَبْدَالِ مَعَ مُبْدَلَاتِهَا، وَلِأَنَّ الظُّهْرَ لَوْ صَحَّتْ لَمْ تَبْطُلْ بِالسَّعْيِ إلَى غَيْرِهَا، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ الصَّحِيحَةِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ إذَا صَحَّتْ بَرِئَتْ الذِّمَّةُ مِنْهَا، وَأَسْقَطَتْ الْفَرْضَ عَمَّنْ صَلَّاهَا، فَلَا يَجُوزُ اشْتِغَالُهَا بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ إذَا فُرِغَ مِنْهَا لَمْ تَبْطُلْ بِشَيْءٍ مِنْ مُبْطِلَاتِهَا، فَكَيْفَ تَبْطُلُ بِمَا لَيْسَ مِنْ مُبْطِلَاتِهَا، وَلَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فَأَمَّا إذَا فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ إلَى الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا يُمْكِنُ قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا بِشُرُوطِهَا، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي قَضَائِهَا، فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَى الظُّهْرِ عِنْدَ عَدَمِهَا، وَهَذَا حَالُ الْبَدَلِ (1360) فَصْلٌ: فَإِنْ صَلَّى الظُّهْرِ، ثُمَّ شَكَّ: هَلْ صَلَّى قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهَا؟ لَزِمَهُ إعَادَتُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَا يَبْرَأُ مِنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ، وَلِأَنَّهُ، صَلَّاهَا مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهَا، فَلَمْ تَصِحَّ، كَمَا لَوْ صَلَّاهَا
مَعَ الشَّكِّ فِي طَهَارَتِهَا. وَإِنْ صَلَّاهَا مَعَ صَلَاةِ الْإِمَامِ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ صَلَّاهَا قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّاهَا قَبْلَهُ فِي وَقْتٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهَا. (1361) فَصْلٌ: فَأَمَّا مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، كَالْمُسَافِرِ، وَالْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْمَرِيضِ، وَسَائِرِ الْمَعْذُورِينَ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ بَقَاءَ الْعُذْرِ، فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ كَغَيْرِ الْمَعْذُورِ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يُخَاطَبْ بِالْجُمُعَةِ، فَصَحَّتْ مِنْهُ الظُّهْرُ، كَمَا لَوْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ. وَقَوْلُهُ: لَا يَتَيَقَّنُ بَقَاءُ الْعُذْرِ. قُلْنَا: أَمَّا الْمَرْأَةُ فَمَعْلُومٌ بَقَاءُ عُذْرِهَا، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَالظَّاهِرُ بَقَاءُ عُذْرِهِ، وَالْأَصْلُ اسْتِمْرَارُهُ، فَأَشْبَهَ الْمُتَيَمِّمَ إذَا صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَالْمَرِيضَ إذَا صَلَّى جَالِسًا، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ صَلَّاهَا، ثُمَّ سَعَى إلَى الْجُمُعَةِ، لَمْ تَبْطُلْ ظُهْرُهُ، وَكَانَتْ الْجُمُعَةُ نَفْلًا فِي حَقِّهِ، سَوَاءٌ زَالَ عُذْرُهُ أَوْ لَمْ يَزُلْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَبْطُلُ ظُهْرُهُ بِالسَّعْيِ إلَيْهَا، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو الْعَالِيَةِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الصَّامِتِ، فَقُلْتُ: نُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ أُمَرَاءَ فَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً.» وَفِي لَفْظٍ: «فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» . وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ صَحِيحَةٌ أَسْقَطَتْ فَرْضَهُ، وَأَبْرَأَتْ ذِمَّتَهُ، فَأَشْبَهَتْ مَا لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ سَعَى إلَى الْجَمَاعَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُصَلُّوا إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ؛ لِيَخْرُجُوا مِنْ الْخِلَافِ، وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ زَوَالُ أَعْذَارِهِمْ، فَيُدْرِكُونَ الْجُمُعَةَ. (1362) فَصْلٌ: وَلَا يُكْرَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا، أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ فِي جَمَاعَةٍ إذَا أَمِنَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ، وَالرَّغْبَةِ عَنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ، أَوْ أَنَّهُ يَرَى الْإِعَادَةَ إذَا صَلَّى مَعَهُ. فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَالْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَعْمَشِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ. وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، لِأَنَّ زَمَنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَخْلُ مِنْ مَعْذُورِينَ، فَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ صَلَّوْا جَمَاعَةً. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ، فَصَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَفَعَلَهُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ وَمُطَرِّفٌ، وَإِبْرَاهِيمُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مَا أَعْجَبَ النَّاسَ يُنْكِرُونَ هَذَا، فَأَمَّا زَمَنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَنَّهُ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مَعْذُورُونَ يَحْتَاجُونَ إلَى إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ.
مسألة يستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا جَمَاعَةً فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا فِي مَسْجِدٍ تُكْرَهُ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ. وَتُكْرَهُ أَيْضًا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُقِيمَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى النِّسْبَةِ إلَى الرَّغْبَةِ عَنْ الْجُمُعَةِ، أَوْ أَنَّهُ لَا يَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَ الْإِمَامِ، أَوْ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مَعَهُ فِيهِ، وَفِيهِ افْتِيَاتٌ عَلَى الْإِمَامِ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى فِتْنَةٍ، أَوْ لِخَوْفِ ضَرَرٍ بِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُصَلِّيهَا فِي مَنْزِلِهِ، أَوْ مَوْضِعٍ لَا تَحْصُلُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ بِصَلَاتِهَا فِيهِ. [مَسْأَلَةٌ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ أَنْ يَغْتَسِلَ] (1363) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَيَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ نَظِيفَيْنِ، وَيَتَطَيَّبَ) لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ، وَفِيهِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ، مِنْهَا مَا رَوَى سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ، إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقِيلَ: إنَّ هَذَا إجْمَاعٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ. وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ وَقَاوَلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رَجُلًا، فَقَالَ عَمَّارٌ: أَنَا إذًا أَشَرُّ مِمَّنْ لَا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَوَجْهُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَتَى مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ. وَلَنَا، مَا رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إجْمَاعٌ، حَيْثُ قَالَ عُمَرُ لِعُثْمَانَ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ فَقَالَ: إنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى الْوُضُوءِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَالْوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ؟» وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَرَدَّهُ، وَلَمْ يَخْفَ عَلَى عُثْمَانَ وَعَلَى مَنْ حَضَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى تَأْكِيدِ النَّدْبِ، وَلِذَلِكَ ذُكِرَ فِي سِيَاقِهِ: " وَسِوَاكٌ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا " كَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالسِّوَاكُ، وَمَسُّ الطِّيبِ، لَا يَجِبُ، وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا يَرُوحُونَ إلَى الْجُمُعَةِ بِهَيْئَتِهِمْ، فَتَظْهَرُ لَهُمْ رَائِحَةٌ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَوْ اغْتَسَلْتُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِ هَذَا الْمَعْنَى (1364) فَصْلٌ: وَقْتُ الْغُسْلِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَمَنْ اغْتَسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ اغْتَسَلَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْغُسْلُ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَعَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الْغُسْلُ إلَّا أَنْ يَتَعَقَّبَهُ الرَّوَاحُ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» وَالْيَوْمُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَإِنْ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَحْدَثَ، أَجْزَأَهُ الْغُسْلُ، وَكَفَاهُ الْوُضُوءُ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ. وَاسْتَحَبَّ طَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، إعَادَةَ الْغُسْلِ. وَلَنَا، أَنَّهُ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَدَخَلَ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ، وَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ، وَالْحَدَثُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَقْصُودِ مِنْ الْغُسْلِ، وَهُوَ التَّنْظِيفُ، وَإِزَالَةُ الرَّائِحَةِ، وَلِأَنَّهُ غُسْلٌ، فَلَا يُؤَثِّرُ الْحَدَثُ فِي إبْطَالِهِ، كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ. (1365) فَصْلٌ: وَيَفْتَقِرُ الْغُسْلُ إلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةُ مَحْضَةٌ، فَافْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ، كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ، فَإِنْ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ غُسْلًا وَاحِدًا وَنَوَاهُمَا، أَجْزَأَهُ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٍ، وَمَكْحُولٍ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ» أَيْ: جَامَعَ وَاغْتَسَلَ، وَلِأَنَّهُمَا
فصل يستحب أن يلبس ثوبين نظيفين للجمعة
غُسْلَانِ اجْتَمَعَا، فَأَشْبَهَا غُسْلَ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ، وَإِنْ اغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ، وَلَمْ يَنْوِ غُسْلَ الْجُمُعَةِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا لَا يُجْزِئُهُ. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ بَنِي أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُغْتَسِلًا، فَقَالَ: لِلْجُمُعَةِ اغْتَسَلْتَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ لِلْجَنَابَةِ. قَالَ: فَأَعِدْ غُسْلَ الْجُمُعَةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . وَالثَّانِي: يُجْزِئُهُ، لِأَنَّهُ مُغْتَسِلٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّنْظِيفُ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِهَذَا الْغُسْلِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ» (1366) فَصْلٌ: وَمَنْ لَا يَأْتِي الْجُمُعَةَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَعَلَى قِيَاسِهِنَّ الصِّبْيَانُ وَالْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَلْقَمَةُ، لَا يَغْتَسِلَانِ فِي السَّفَرِ، وَكَانَ طَلْحَةُ يَغْتَسِلُ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَطَاوُسٍ، وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَخْبَارِ الْعَامَّةِ. وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّنْظِيفُ، وَقَطْعُ الرَّائِحَةِ حَتَّى لَا يَتَأَذَّى غَيْرُهُ بِهِ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ، وَالْأَخْبَارُ الْعَامَّةُ يُرَادُ بِهَا هَذَا، وَلِهَذَا سَمَّاهُ غُسْلَ الْجُمُعَةِ، وَمَنْ لَا يَأْتِيهَا لَا يَكُونُ غُسْلُهُ غُسْلَ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ أَتَاهَا أَحَدٌ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْغُسْلُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَوُجُودِ الْمَعْنَى فِيهِ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ نَظِيفَيْنِ لِلْجُمُعَةِ] (1367) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ نَظِيفَيْنِ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ يَقُولُ: «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوْ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ جُمُعَةٍ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ: «مَنْ لَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاغْتَسَلَ.» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَأَفْضَلُهَا الْبَيَاضُ؛ لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «خَيْرُ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضُ، أَلْبِسُوهَا أَحْيَاءَكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَمَّ وَيَرْتَدِيَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَالْإِمَامُ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ آكَدُ مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ.
فصل من آداب يوم الجمعة التطيب والسواك
[فَصْلٌ مِنْ آدَابِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ التَّطَيُّبُ وَالسِّوَاكُ] (1368) فَصْلٌ: وَالتَّطَيُّبُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَالسِّوَاكُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا» . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ، جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ جَاءَ مِنْكُمْ إلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ، وَإِنْ كَانَ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ» وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدَّهِنَ، وَيَتَنَظَّفَ بِأَخْذِ الشَّعْرِ، وَقَطْعِ الرَّائِحَةِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى.» [فَصْلٌ إذَا أَتَى الْمَسْجِدَ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ] (1369) فَصْلٌ: إذَا أَتَى الْمَسْجِدَ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ.» وَقَوْلِهِ: «وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا» . وَقَوْلِهِ فِي الَّذِي جَاءَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: «اجْلِسْ، فَقَدْ آذَيْتَ وَآنَيْتَ» وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اتَّخَذَ جِسْرًا إلَى جَهَنَّمَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، فَأَمَّا الْإِمَامُ إذَا لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ التَّخَطِّي، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ. [فَصْلٌ رَأَى فُرْجَةً لَا يَصِلُ إلَيْهَا إلَّا بِالتَّخَطِّي] (1370) فَصْلٌ: فَإِنْ رَأَى فُرْجَةً لَا يَصِلُ إلَيْهَا إلَّا بِالتَّخَطِّي، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَهُ التَّخَطِّي. قَالَ أَحْمَدُ: يَدْخُلُ الرَّجُلُ مَا اسْتَطَاعَ، وَلَا يَدَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ مَوْضِعًا فَارِغًا، فَإِنْ جَهِلَ فَتَرَكَ بَيْنَ يَدَيْهِ خَالِيًا فَلْيَتَخَطَّ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ، وَيَتَجَاوَزْهُ إلَى الْمَوْضِعِ الْخَالِي، فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِمَنْ تَرَكَ بَيْنَ يَدَيْهِ خَالِيًا، وَقَعَدَ فِي غَيْرِهِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَتَخَطَّاهُمْ إلَى السَّعَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَتَخَطَّاهُمْ إلَى مُصَلَّاهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تَخَطُّوا رِقَابَ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ، فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُمْ، وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، إنْ كَانَ يَتَخَطَّى الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ فَلَا بَأْسَ، لِأَنَّهُ يَسِيرٌ، فَعُفِيَ عَنْهُ، وَإِنْ كَثُرَ كَرِهْنَاهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ السَّبِيلَ إلَى مُصَلَّاهُ إلَّا بِأَنْ يَتَخَطَّى، فَيَسَعُهُ التَّخَطِّي، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،
فصل إذا جلس في مكان ثم بدت له حاجة أو احتاج إلى الوضوء
وَلَعَلَّ قَوْلَ أَحْمَدَ، وَمَنْ وَافَقَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى، فِيمَا إذَا تَرَكُوا مَكَانًا وَاسِعًا، مِثْلُ الَّذِينَ يَصُفُّونَ فِي آخِرِ الْمَسْجِدِ، وَيَتْرُكُونَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ صُفُوفًا خَالِيَةً، فَهَؤُلَاءِ لَا حُرْمَةَ لَهُمْ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ؛ لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا أَمْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَغِبُوا عَنْ الْفَضِيلَةِ وَخَيْرِ الصُّفُوفِ، وَجَلَسُوا فِي شَرِّهَا، وَلِأَنَّ تَخَطِّيَهُمْ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَوْلُهُ الثَّانِي فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُفَرِّطُوا، وَإِنَّمَا جَلَسُوا فِي مَكَانِهِمْ؛ لِامْتِلَاءِ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، لَكِنْ فِيهِ سَعَةٌ يُمْكِنُ الْجُلُوسُ فِيهِ لِازْدِحَامِهِمْ، وَمَتَى كَانَ لَمْ يُمْكِنْ الصَّلَاةُ إلَّا بِالدُّخُولِ وَتَخَطِّيهِمْ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ. [فَصْلٌ إذَا جَلَسَ فِي مَكَان ثُمَّ بَدَتْ لَهُ حَاجَةٌ أَوْ احْتَاجَ إلَى الْوُضُوءِ] (1371) فَصْلٌ: إذَا جَلَسَ فِي مَكَان، ثُمَّ بَدَتْ لَهُ حَاجَةٌ، أَوْ احْتَاجَ إلَى الْوُضُوءِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ. «قَالَ عُقْبَةُ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إلَى حُجَرِ بَعْضِ نِسَائِهِ فَقَالَ: ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَإِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . وَحُكْمُهُ فِي التَّخَطِّي إلَى مَوْضِعِهِ حُكْمُ مَنْ رَأَى بَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةً. (1372) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ إنْسَانًا وَيَجْلِسَ فِي مَوْضِعِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَكَانُ رَاتِبًا لِشَخْصٍ يَجْلِسُ فِيهِ، أَوْ مَوْضِعَ حَلْقَةٍ لِمَنْ يُحَدِّثُ فِيهَا، أَوْ حَلْقَةً لِلْفُقَهَاءِ يَتَذَاكَرُونَ فِيهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ - يَعْنِي أَخَاهُ - مِنْ مَقْعَدِهِ، وَيَجْلِسَ فِيهِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ اللَّهِ، وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج: 25] فَمَنْ سَبَقَ إلَى مَكَان فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَاءٍ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَكَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ، وَمَشَارِعِ الْمِيَاهِ وَالْمَعَادِنِ، فَإِنْ قَدَّمَ صَاحِبًا لَهُ، فَجَلَسَ فِي مَوْضِعٍ، حَتَّى إذَا جَاءَ قَامَ النَّائِبُ وَأَجْلَسَهُ، جَازَ؛ لِأَنَّ النَّائِبَ يَقُومُ بِاخْتِيَارِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ كَانَ يُرْسِلُ غُلَامًا لَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَيَجْلِسُ فِيهِ، فَإِذَا جَاءَ مُحَمَّدٌ قَامَ الْغُلَامُ، وَجَلَسَ مُحَمَّدٌ فِيهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَائِبًا فَقَامَ لِيَجْلِسَ آخَرُ فِي مَكَانِهِ، فَلَهُ الْجُلُوسُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَامَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، فَأَشْبَهَ النَّائِبَ. وَأَمَّا الْقَائِمُ فَإِنْ انْتَقَلَ إلَى مِثْلِ مَكَانِهِ الَّذِي آثَرَ بِهِ فِي الْقُرْبِ، وَسَمَاعِ الْخُطْبَةِ، فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى مَا دُونَهُ، كُرِهَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الدِّينِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُكْرَهَ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ أَهْلِ الْفَضْلِ إلَى مَا يَلِي الْإِمَامَ مَشْرُوعٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» وَلَوْ آثَرَ شَخْصًا بِمَكَانِهِ، لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَسْبِقَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْجَالِسِ آثَرَ بِهِ غَيْرَهُ فَقَامَ مَقَامَهُ
فصل إن فرش مصلى له في مكان
فِي اسْتِحْقَاقِهِ، كَمَا لَوْ يَحْجُرُ مَوَاتًا، أَوْ سَبَقَ إلَيْهِ، ثُمَّ آثَرَ غَيْرَهُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ نَحْوَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِالْقِيَامِ، فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ، فَكَانَ السَّابِقُ إلَيْهِ أَحَقَّ بِهِ، كَمَنْ وَسَّعَ لِرَجُلٍ فِي طَرِيقٍ، فَمَرَّ غَيْرُهُ، وَمَا قُلْنَا أَصَحُّ، وَيُفَارِقُ التَّوْسِعَةَ فِي الطَّرِيقِ، لِأَنَّهَا إنَّمَا جُعِلَتْ لِلْمُرُورِ فِيهَا، فَمَنْ انْتَقَلَ مِنْ مَكَان فِيهَا لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ يُؤْثِرُ بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَسْجِدُ، فَإِنَّهُ لِلْإِقَامَةِ فِيهِ، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْمُنْتَقِلِ مِنْ مَكَانِهِ إذَا انْتَقَلَ لِحَاجَةٍ، وَهَذَا إنَّمَا انْتَقَلَ مُؤْثِرًا لِغَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ النَّائِبَ الَّذِي بَعَثَهُ إنْسَانٌ لِيَجْلِسَ فِي مَوْضِعٍ يَحْفَظُهُ لَهُ. وَلَوْ كَانَ الْجَالِسُ مَمْلُوكًا، لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُقِيمَهُ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَهُوَ حَقٌّ دِينِيٌّ، فَاسْتَوَى هُوَ وَسَيِّدُهُ فِيهِ، كَالْحُقُوقِ الدِّينِيَّةِ كُلِّهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ إنْ فَرَشَ مُصَلًّى لَهُ فِي مَكَان] (1373) فَصْلٌ: وَإِنْ فَرَشَ مُصَلَّى لَهُ فِي مَكَان، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَجُوزُ رَفْعُهُ، وَالْجُلُوسُ فِي مَوْضِعِهِ، لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَلِأَنَّ السَّبْقَ بِالْأَجْسَامِ، لَا بِالْأَوْطِئَةِ وَالْمُصَلَّيَاتِ، وَلِأَنَّ تَرْكَهُ يُفْضِي إلَى أَنَّ صَاحِبَهُ يَتَأَخَّرُ، ثُمَّ يَتَخَطَّى رِقَابَ الْمُصَلِّينَ، وَرَفْعُهُ يَنْفِي ذَلِكَ وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ؛ فِيهِ افْتِيَاتًا عَلَى صَاحِبِهِ، رُبَّمَا أَفْضَى إلَى الْخُصُومَةِ، وَلِأَنَّهُ سَبَقَ إلَيْهِ، فَكَانَ كَمُحْتَجِرِ الْمَوَاتِ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ الدُّنُوُّ مِنْ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (1374) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ الدُّنُوُّ مِنْ الْإِمَامِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ، وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنْ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ، وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ، أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَهَذَا لَفْظُهُ. وَعَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اُحْضُرُوا الذِّكْرَ، وَادْنُوا مِنْ الْإِمَامِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَدُ حَتَّى يُؤَخَّرَ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ دَخَلَهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ لَهُ مِنْ السَّمَاعِ. [فَصْلٌ الصَّلَاةُ فِي الْمَقْصُورَةِ] (1375) فَصْلٌ: وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي الْمَقْصُورَةِ الَّتِي تُحْمَى نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ، وَهُوَ فِي الْمَقْصُورَةِ، خَرَجَ. وَكَرِهَهُ الْأَحْنَفُ، وَابْنُ مُحَيْرِيزٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَرَخَّصَ فِيهَا أَنَسٌ، وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، وَالْقَاسِمُ، وَسَالِمٌ، وَنَافِعٌ، لِأَنَّهُ مَكَانٌ مِنْ الْجَامِعِ، فَلَمْ تُكْرَهْ الصَّلَاةُ فِيهِ، كَسَائِرِ الْمَسْجِدِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ يُمْنَعُ النَّاسُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، كَالْمَغْصُوبِ، فَكُرِهَ لِذَلِكَ فَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَا تُحْمَى،
فصل يستحب لمن نعس يوم الجمعة أن يتحول عن موضعه
فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تُكْرَهَ الصَّلَاةُ فِيهَا، لِعَدَمِ شَبَهِ الْغَصْبِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُكْرَهَ؛ لِأَنَّهَا تَقْطَعُ الصُّفُوفَ، فَأَشْبَهَتْ مَا بَيْنَ السَّوَارِي. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: هُوَ الَّذِي يَلِي الْمَقْصُورَةَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُورَةَ تُحْمَى. وَقَالَ: مَا أَدْرِي هَلْ الصَّفُّ الْأَوَّلُ الَّذِي يَقْطَعُهُ الْمِنْبَرُ، أَوْ الَّذِي يَلِيهِ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ الَّذِي يَقْطَعُهُ الْمِنْبَرُ، لِأَنَّهُ هُوَ الْأَوَّلُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ مَا دُونَهُ أَفْضَى إلَى خُلُوِّ مَا يَلِي الْإِمَامَ. وَلِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَلِيهِ فُضَلَاؤُهُمْ، وَلَوْ كَانَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ وَرَاءَ الْمِنْبَرِ، لَوَقَفُوا فِيهِ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ نَعَسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ مَوْضِعِهِ] (1376) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ نَعَسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ مَوْضِعِهِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي مَجْلِسِهِ، فَلْيَتَحَوَّلْ إلَى غَيْرِهِ» رَوَاهُ أَبُو مَسْعُودٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ، فِي " سُنَنِهِ "، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " مُسْنَدِهِ " وَلِأَنَّ تَحَوُّلَهُ عَنْ مَجْلِسِهِ يَصْرِفُ عَنْهُ النَّوْمَ. [فَصْلٌ الْإِكْثَارُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (1377) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فَإِنَّهُ مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ الْمَلَائِكَةُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْضَلُ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَم، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ، أَيْ بَلِيتَ. قَالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [فَصْلٌ قِرَاءَةُ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (1378) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَرَأَ الْكَهْفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَهُوَ مَعْصُومٌ إلَى ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ، فَإِنْ خَرَجَ الدَّجَّالُ عُصِمَ مِنْهُ» . رَوَاهُ زَيْدُونُ بْنُ عَلِيٍّ فِي كِتَابِهِ بِإِسْنَادِهِ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنْ النُّورِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ. وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ: مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ كَانَتْ لَهُ كَفَّارَةَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَبَلَغَ نُورُهَا الْبَيْتَ الْعَتِيقَ.
فصل الإكثار من الدعاء يوم الجمعة.
[فَصْلٌ الْإِكْثَارُ مِنْ الدُّعَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.] (1379) فَصْلٌ: يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الدُّعَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لَعَلَّهُ يُوَافِقُ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا، إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ» . وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا، وَفِي لَفْظٍ: «وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاخْتُلِفَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَطَاوُسٌ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ. وَفَسَّرَ ابْنُ سَلَامٍ الصَّلَاةَ بِانْتِظَارِهَا. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَرُوِيَ عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: قُلْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ: إنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا إلَّا قَضَى اللَّهُ حَاجَتَهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: فَأَشَارَ إلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بَعْضُ سَاعَةٍ. فَقُلْتُ: صَدَقْتَ أَوْ بَعْضُ سَاعَةٍ. قُلْتُ: أَيُّ سَاعَةٍ هِيَ؟ قَالَ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ. قُلْتُ: إنَّهَا لَيْسَتْ سَاعَةَ صَلَاةٍ. قَالَ: بَلَى، إنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إذَا صَلَّى، ثُمَّ جَلَسَ لَا يُجْلِسُهُ إلَّا الصَّلَاةُ، فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَيَكُونُ الْقِيَامُ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الْمُلَازَمَةِ وَالْإِقَامَةِ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آل عمران: 75] . وَعَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْتَمِسُوا السَّاعَةَ الَّتِي تُرْجَى فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقِيلَ: هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إلَى أَنْ يَقْضِيَ الصَّلَاةَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إلَى أَنْ يَقْضِيَ الصَّلَاةَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ مِنْ النَّهَارِ، لَا يَسْأَلُ الْعَبْدُ فِيهَا شَيْئًا إلَّا أُعْطِيَ سُؤْلَهُ. قِيلَ: أَيُّ سَاعَةٍ هِيَ؟ قَالَ: حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ إلَى الِانْصِرَافِ مِنْهَا» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. فَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ تَكُونُ السَّاعَةُ مُخْتَلِفَةً، فَتَكُونُ فِي حَقِّ كُلِّ قَوْمٍ فِي وَقْتِ صَلَاتِهِمْ. وَقِيلَ: هِيَ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَمِنْ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِهَا. وَقِيلَ: هِيَ السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ النَّهَارِ. وَقَالَ كَعْبٌ: لَوْ قَسَّمَ الْإِنْسَانُ جُمَعَهُ فِي جُمَعٍ أَتَى عَلَى تِلْكَ السَّاعَةِ. وَقِيلَ هِيَ مُتَنَقِّلَةٌ فِي الْيَوْمِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنَّ طَلَبَ حَاجَةٍ فِي يَوْمٍ لَيَسِيرٌ. وَقِيلَ: أَخْفَى اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ السَّاعَةَ لِيَجْتَهِدَ عِبَادُهُ فِي دُعَائِهِ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ طَلَبًا لَهَا، كَمَا أَخْفَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ، وَأَوْلِيَاءَهُ فِي الْخَلْقِ، لِيُحْسَنَ الظَّنُّ بِالصَّالِحِينَ كُلِّهِمْ.
مسألة صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة
[مَسْأَلَةٌ صَلَّوْا الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ] (1380) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ صَلَّوْا الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ، أَجْزَأَتْهُمْ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ، فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ. وَالصَّحِيحُ فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَلَاتُهَا فِيمَا قَبْلَ السَّادِسَةِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَسَعِيدٍ، وَمُعَاوِيَةَ، أَنَّهُمْ صَلَّوْهَا قَبْلَ الزَّوَالِ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ: يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ. وَرَوَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَذْهَبُ إلَى أَنَّهَا كَصَلَاةِ الْعِيدِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا كَانَ لِلنَّاسِ عِيدٌ إلَّا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: كُلُّ عِيدٍ حِينَ يَمْتَدُّ الضُّحَى؛ الْجُمُعَةُ، وَالْأَضْحَى، وَالْفِطْرُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا كَانَ عِيدٌ إلَّا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَلَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِنَا الْجُمُعَةَ فِي ظِلِّ الْحَطِيمِ» . رَوَاهُ ابْنُ الْبَخْتَرِيِّ فِي " أَمَالِيهِ " بِإِسْنَادِهِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمُعَاوِيَةَ، أَنَّهُمَا صَلَّيَا الْجُمُعَةَ ضُحًى، وَقَالَا: إنَّمَا عَجَّلْنَا خَشْيَةَ الْحَرِّ عَلَيْكُمْ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَلِأَنَّهَا عِيدٌ فَجَازَتْ فِي وَقْتِ الْعِيدِ، كَالْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا عِيدٌ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ» . وَقَوْلُهُ: «قَدْ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ» . وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: وَقْتُهَا وَقْتُ الظُّهْرِ، إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا؛ لِقَوْلِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ نَتْبَعُ الْفَيْءَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَنَسٌ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِأَنَّهُمَا صَلَاتَا وَقْتٍ، فَكَانَ وَقْتُهُمَا وَاحِدًا، كَالْمَقْصُورَةِ وَالتَّامَّةِ، وَلِأَنَّ إحْدَاهُمَا بَدَلٌ عَنْ الْأُخْرَى، وَقَائِمَةٌ مَقَامَهَا، فَأَشْبَهَا الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ، وَلِأَنَّ آخِرَ وَقْتِهِمَا وَاحِدٌ، فَكَانَ أَوَّلُهُ وَاحِدًا، كَصَلَاةِ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ. وَلَنَا، عَلَى جَوَازِهَا فِي السَّادِسَةِ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي - يَعْنِي الْجُمُعَةَ - ثُمَّ نَذْهَبُ إلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ.» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «مَا كُنَّا نُقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَا يُسَمَّى غَدَاءٌ، وَلَا قَائِلَةٌ بَعْدَ الزَّوَالِ. وَعَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ فَيْءٌ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ، قَالَ: شَهِدْتُ الْخُطْبَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ، وَشَهِدْتُهَا مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ،
فصل اتفق عيد في يوم جمعة
فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إلَى أَنْ أَقُولَ قَدْ انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ صَلَّيْتُهَا مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إلَى أَنْ أَقُولَ قَدْ زَالَ النَّهَارُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَهُ. قَالَ: وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَسَعِيدٍ، وَمُعَاوِيَةَ، أَنَّهُمْ صَلَّوْا قَبْلَ الزَّوَالِ، وَأَحَادِيثُهُمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهَا بَعْدَ الزَّوَالِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَوْقَاتِهِ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، وَأَنَّهُ الْأَفْضَلُ وَالْأَوْلَى، وَأَحَادِيثُنَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ فِعْلِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا. وَأَمَّا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ، لِمَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّ التَّوْقِيتَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ، مِنْ نَصٍّ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ خُلَفَائِهِ، أَنَّهُمْ صَلَّوْهَا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ كَوْنُ وَقْتِهَا وَقْتَ الظُّهْرِ، وَإِنَّمَا جَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالسَّاعَةِ السَّادِسَةِ، فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِأَنَّهَا لَوْ صُلِّيَتْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لَفَاتَتْ أَكْثَرَ الْمُصَلِّينَ، فَإِنَّ الْعَادَةَ اجْتِمَاعُهُمْ لَهَا عِنْدَ الزَّوَالِ، وَإِنَّمَا يَأْتِيهَا ضُحًى آحَادٌ مِنْ النَّاسِ، وَعَدَدٌ يَسِيرٌ، كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَوَجَدَ أَرْبَعَةً قَدْ سَبَقُوهُ، فَقَالَ: رَابِعُ أَرْبَعَةٍ، وَمَا رَابِعُ أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدٍ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا تُصَلَّى إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، وَيَفْعَلُهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهَا فِيهِ فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهِ، وَيُعَجِّلُهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعَجِّلُهَا، بِدَلِيلِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا، وَلِأَنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ لَهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَيُبَكِّرُونَ إلَيْهَا قَبْلَ وَقْتِهَا، فَلَوْ انْتَظَرَ الْإِبْرَادَ بِهَا لَشَقَّ عَلَى الْحَاضِرِينَ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ أَعْظَمُ مِنْهَا بِالْإِبْرَادِ بِالْجُمُعَةِ. [فَصْلٌ اتَّفَقَ عِيدٌ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ] (1381) فَصْلٌ: وَإِنْ اتَّفَقَ عِيدٌ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، سَقَطَ حُضُورُ الْجُمُعَةِ عَمَّنْ صَلَّى الْعِيدَ، إلَّا الْإِمَامَ، فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ إلَّا أَنْ لَا يَجْتَمِعَ لَهُ مَنْ يُصَلِّي بِهِ الْجُمُعَةَ. وَقِيلَ: فِي وُجُوبِهَا عَلَى الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ وَمِمَّنْ قَالَ بِسُقُوطِهَا الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَقِيلَ: هَذَا مَذْهَبُ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَسَعِيدٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ تَجِبُ الْجُمُعَةُ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِهَا وَلِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ وَاجِبَتَانِ، فَلَمْ تَسْقُطْ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، كَالظُّهْرِ مَعَ الْعِيدِ. وَلَنَا، مَا رَوَى إيَاسُ بْنُ أَبِي رَمْلَةَ الشَّامِيُّ، قَالَ: «شَهِدْتُ مُعَاوِيَةَ يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: هَلْ شَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعَ؟ قَالَ: صَلَّى الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ «مَنْ شَاءَ أَنْ يُجَمِّعَ فَلْيُجَمِّعْ» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «
مسألة تجب الجمعة على من بينه وبين الجامع فرسخ
اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنْ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوُ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا زَادَتْ عَنْ الظُّهْرِ بِالْخُطْبَةِ، وَقَدْ حَصَلَ سَمَاعُهَا فِي الْعِيدِ، فَأَجْزَأَ عَنْ سَمَاعِهَا ثَانِيًا، وَلِأَنَّ وَقْتَهُمَا وَاحِدٌ بِمَا بَيَّنَّاهُ، فَسَقَطَتْ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، كَالْجُمُعَةِ مَعَ الظُّهْرِ، وَمَا احْتَجُّوا بِهِ مَخْصُوصٌ بِمَا رَوَيْنَاهُ، وَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِالظُّهْرِ مَعَ الْجُمُعَةِ، فَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» وَلِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَامْتَنَعَ فِعْلُ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَمَنْ يُرِيدُهَا مِمَّنْ سَقَطَتْ عَنْهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ. (1382) فَصْلٌ: وَإِنْ قَدَّمَ الْجُمُعَةَ فَصَلَّاهَا فِي وَقْتِ الْعِيدِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ: تُجْزِئُ الْأُولَى مِنْهُمَا، فَعَلَى هَذَا تُجْزِئُهُ عَنْ الْعِيدِ وَالظُّهْرِ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَى الْعَصْرِ عِنْدَ مَنْ جَوَّزَ الْجُمُعَةَ فِي وَقْتِ الْعِيدِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: اجْتَمَعَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُ فِطْرٍ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: عِيدَانِ قَدْ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَجَمَّعَهُمَا وَصَلَّاهُمَا رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً، فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ فِعْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: أَصَابَ السُّنَّةَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَذْهَبُ إلَى تَقْدِيمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ابْنُ الزُّبَيْرِ قَدْ صَلَّى الْجُمُعَةَ فَسَقَطَ الْعِيدُ، وَالظُّهْرُ، وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ إذَا سَقَطَتْ مَعَ تَأَكُّدِهَا، فَالْعِيدُ أَوْلَى أَنْ يَسْقُطَ بِهَا، أَمَّا إذَا قَدَّمَ الْعِيدَ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا إذَا لَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ. [مَسْأَلَةٌ تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَامِعِ فَرْسَخٌ] (1383) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَتَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَامِعِ فَرْسَخٌ) هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ أَهْلِ الْمِصْرِ، أَمَّا أَهْلُ الْمِصْرِ فَيَلْزَمُهُمْ كُلَّهُمْ الْجُمُعَةُ، بَعُدُوا أَوْ قَرُبُوا. قَالَ أَحْمَدُ: أَمَّا أَهْلُ الْمِصْرِ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ شُهُودِهَا، سَمِعُوا النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعُوا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَلَدَ الْوَاحِدَ بُنِيَ لِلْجُمُعَةِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَلِأَنَّ الْمِصْرَ لَا يَكَادُ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ فَرْسَخٍ، فَهُوَ فِي مَظِنَّةِ الْقُرْبِ، فَاعْتُبِرَ ذَلِكَ. وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. فَأَمَّا غَيْرُ أَهْلِ الْمِصْرِ، فَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَامِعِ فَرْسَخٌ فَمَا دُونَ، فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
«قَالَ لِلْأَعْمَى الَّذِي قَالَ: لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي: أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَجِبْ» . وَلِأَنَّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] . وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَالْحَسَنِ، وَنَافِعٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَكَمِ وَعَطَاءٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، أَنَّهُمْ قَالُوا: الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ آوَاهُ اللَّيْلُ إلَى أَهْلِهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ آوَاهُ اللَّيْلُ إلَى أَهْلِهِ» . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا جُمُعَةَ عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَلَّى الْعِيدَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، ثُمَّ قَالَ لِأَهْلِ الْعَوَالِي: مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْصَرِفَ فَلْيَنْصَرِفْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ فَلْيُقِمْ. وَلِأَنَّهُمْ خَارِجُ الْمِصْرِ، فَأَشْبَهَ أَهْلَ الْحِلَلِ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] . وَهَذَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ أَهْلِ الْمِصْرِ إذَا سَمِعُوا النِّدَاءَ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَلِأَنَّ غَيْرَ أَهْلِ الْمِصْرِ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ، فَلَزِمَهُمْ السَّعْيُ إلَيْهَا، كَأَهْلِ الْمِصْرِ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرُ صَحِيحٍ، يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ: ذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ، اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ. وَإِنَّمَا فَعَلَ أَحْمَدُ هَذَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ الْحَدِيثَ شَيْئًا لِحَالِ إسْنَادِهِ. قَالَ ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ. وَأَمَّا تَرْخِيصُ عُثْمَانَ لِأَهْلِ الْعَوَالِي فَلِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ عِيدَانِ اُجْتُزِئَ بِالْعِيدِ، وَسَقَطَتْ الْجُمُعَةُ عَمَّنْ حَضَرَهُ، عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا مَضَى. وَأَمَّا اعْتِبَارُ أَهْلِ الْقُرَى بِأَهْلِ الْحِلَلِ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحِلَلِ غَيْرُ مُسْتَوْطِنِينَ، وَلَا هُمْ سَاكِنُونَ بِقَرْيَةٍ، وَلَا فِي مَوْضِعٍ جُعِلَ لِلِاسْتِيطَانِ. وَأَمَّا اعْتِبَارُ حَقِيقَةِ النِّدَاءِ فَلَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ النَّاسِ الْأَصَمُّ وَثَقِيلُ السَّمْعِ، وَقَدْ يَكُونُ النِّدَاءُ بَيْنَ يَدَيْ الْمِنْبَرِ، فَلَا يَسْمَعُهُ إلَّا مَنْ فِي الْجَامِعِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُؤَذِّنُ خَفِيَّ الصَّوْتِ، أَوْ فِي يَوْمٍ ذِي رِيحٍ، وَيَكُونُ الْمُسْتَمِعُ نَائِمًا أَوْ مَشْغُولًا بِمَا يَمْنَعُ السَّمَاعَ، فَلَا يَسْمَعُ، وَيَسْمَعُ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ، فَيُفْضِي إلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْبَعِيدِ دُونَ الْقَرِيبِ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّرَ بِمِقْدَارٍ لَا يَخْتَلِفُ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُسْمَعُ مِنْهُ النِّدَاءُ فِي الْغَالِبِ - إذَا كَانَ الْمُنَادِي صَيِّتًا، فِي مَوْضِعٍ عَالٍ، وَالرِّيحُ سَاكِنَةٌ، وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةٌ، وَالْمُسْتَمِعُ سَمِيعٌ غَيْرُ سَاهٍ وَلَا لَاهٍ - فَرْسَخٌ، أَوْ مَا قَارَبَهُ، فَحُدَّ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (1384) فَصْلٌ: وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ لَا يَخْلُونَ مِنْ حَالَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمِصْرِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ، أَوْ لَا، فَإِنْ
فصل صلاة الجمعة بأقل من الأربعين
كَانَ بَيْنَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ السَّعْيُ إلَيْهِ، وَحَالُهُمْ مُعْتَبَرٌ بِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا أَرْبَعِينَ وَاجْتَمَعَتْ فِيهِمْ شَرَائِطُ الْجُمُعَةِ، فَعَلَيْهِمْ إقَامَتُهَا، وَهُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ السَّعْيِ إلَى الْمِصْرِ، وَبَيْنَ إقَامَتِهَا فِي قَرْيَتِهِمْ، وَالْأَفْضَلُ إقَامَتُهَا؛ لِأَنَّهُ مَتَى سَعَى بَعْضُهُمْ أَخَلَّ عَلَى الْبَاقِينَ الْجُمُعَةَ، وَإِذَا أَقَامُوا حَضَرَهَا جَمِيعُهُمْ، وَفِي إقَامَتِهَا بِمَوْضِعِهِمْ تَكْثِيرُ جَمَاعَاتِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ بِأَنْفُسِهِمْ فَهُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ السَّعْيِ إلَيْهَا، وَبَيْنَ أَنْ يُصَلُّوا ظُهْرًا، وَالْأَفْضَلُ السَّعْيُ إلَيْهَا، لِيَنَالَ فَضْلَ السَّاعِي إلَى الْجُمُعَةِ وَيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ. وَالْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمِصْرِ فَرْسَخٌ فَمَا دُونَ، فَيُنْظَرُ فِيهِمْ، فَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ فَعَلَيْهِمْ السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ، لِمَا قَدَّمْنَا. وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ بِأَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ مَوْضِعُ الْجُمُعَةِ الْقَرِيبُ مِنْهُمْ قَرْيَةً أُخْرَى، لَمْ يَلْزَمْهُمْ السَّعْيُ إلَيْهَا، وَصَلَّوْا فِي مَكَانِهِمْ، إذْ لَيْسَتْ إحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى. وَإِنْ أَحَبُّوا السَّعْيَ إلَيْهَا، جَازَ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلُّوا فِي مَكَانِهِمْ، كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ. فَإِنْ سَعَى بَعْضُهُمْ فَنَقَصَ عَدَدُ الْبَاقِينَ، لَزِمَهُمْ السَّعْيُ؛ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ الْجُمُعَةِ الْقَرِيبُ مِصْرًا، فَهُمْ مُخَيَّرُونَ أَيْضًا بَيْنَ السَّعْيِ إلَى الْمِصْرِ، وَبَيْنَ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي مَكَانِهِمْ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ السَّعْيَ يَلْزَمُهُمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عُذْرٌ فَيُصَلُّونَ جُمُعَةً. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ جُمُعَةُ أَهْلِ الْمِصْرِ، فَكَانَ لَهُمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَكَانِهِمْ، كَمَا لَوْ سَمِعُوا النِّدَاءَ مِنْ قَرْيَةٍ أُخْرَى، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْقُرَى يُقِيمُونَ الْجُمَعَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانُوا قَرِيبًا مِنْ الْمِصْرِ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. [فَصْلٌ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ بِأَقَلَّ مِنْ الْأَرْبَعِينَ] (1385) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْمِصْرِ دُونَ الْأَرْبَعِينَ، فَجَاءَهُمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ، فَأَقَامُوا الْجُمُعَةَ فِي الْمِصْرِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ غَيْرُ مُسْتَوْطِنِينَ فِي الْمِصْرِ، وَأَهْلُ الْمِصْرِ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ لِقِلَّتِهِمْ. وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ بِأَنْفُسِهِمْ لَزِمَ أَهْلَ الْمِصْرِ السَّعْيُ إلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ أَقَلُّ مِنْ فَرْسَخٍ، فَلَزِمَهُمْ السَّعْيُ إلَيْهَا، كَمَا يَلْزَمُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ السَّعْيُ إلَى الْمِصْرِ إذَا أُقِيمَتْ بِهِ وَكَانَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ دُونَ الْأَرْبَعِينَ. وَإِنْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ، لَمْ يَجُزْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا. [فَصْلٌ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ لَا يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا] (1386) فَصْلٌ: وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ لَا يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ. وَسُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ مُسَافِرٍ يَسْمَعُ أَذَانَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ أَسْرَجَ دَابَّتَهُ، فَقَالَ: لِيَمْضِ فِي سَفَرِهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: الْجُمُعَةُ لَا تَحْبِسُ عَنْ سَفَرٍ. وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ سَافَرَ مِنْ دَارِ إقَامَةٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَعَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ، لَا يُصْحَبُ فِي سَفَرِهِ، وَلَا يُعَانُ عَلَى حَاجَتِهِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْأَفْرَادِ.
فصل إن شاء صلى بعد الجمعة ركعتين وإن شاء صلى أربعا
وَهَذَا وَعِيدٌ لَا يَلْحَقُ بِالْمُبَاحِ. وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِمَا يَمْنَعُ مِنْهَا، كَاللَّهْوِ، وَالتِّجَارَةِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِهِ وَعَائِشَةَ، أَخْبَارٌ تَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَةِ السَّفَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَتُعَارِضُ قَوْلَهُ، ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى السَّفَرِ قَبْلَ الْوَقْتِ. (1387) فَصْلٌ: وَإِنْ سَافَرَ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ: إحْدَاهَا، الْمَنْعُ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَالثَّانِيَةَ، الْجَوَازُ: وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِقَوْلِ عُمَرَ، وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَمْ تَجِبْ، فَلَمْ يَحْرُمْ السَّفَرُ كَاللَّيْلِ. وَالثَّالِثَةَ، يُبَاحُ لِلْجِهَادِ دُونَ غَيْرِهِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَّهَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فِي جَيْشِ مُؤْتَةَ، فَتَخَلَّفَ عَبْدُ اللَّهِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا خَلَّفَكَ؟ قَالَ: الْجُمُعَةُ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قَالَ: غَدْوَةٌ، خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. قَالَ: فَرَاحَ مُنْطَلِقًا.» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ ". وَالْأَوْلَى الْجَوَازُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ بَرِيئَةٌ مِنْ الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَمْنَعْهُ إمْكَانُ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ كَمَا قَبْلَ يَوْمِهَا. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي يَمْنَعُ السَّفَرَ، وَيُخْتَلَفُ فِيمَا قَبْلَهُ، زَوَالُ الشَّمْسِ. وَلَمْ يُفَرِّقْ الْقَاضِي بَيْنَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَمَا بَعْدَهُ. وَلَعَلَّهُ بَنَى عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا وَقْتُ الْعِيدِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَهَا رُخْصَةٌ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُ الْمَنْعِ، كَتَقْدِيمِ الْآخِرَةِ مِنْ الْمَجْمُوعَتَيْنِ إلَى وَقْتِ الْأُولَى. (1388) فَصْلٌ: وَإِنْ خَافَ الْمُسَافِرُ فَوَاتِ رُفْقَتِهِ، جَازَ لَهُ تَرْكُ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِلْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي بَلَدِهِ فَأَرَادَ إنْشَاءَ السَّفَرِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ. [فَصْلٌ إنْ شَاءَ صَلَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ صَلَّى أَرْبَعًا] (1389) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: إنْ شَاءَ صَلَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ صَلَّى أَرْبَعًا، وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنْ شَاءَ سِتًّا، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ يَرَوْنَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهَا أَرْبَعًا؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي مُوسَى، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالثَّوْرِيِّ، أَنَّهُ يُصَلِّي سِتًّا، لِمَا رُوِيَ «عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا كَانَ بِمَكَّةَ، فَصَلَّى الْجُمُعَةَ، تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى
فصل الصلاة قبل الجمعة
أَرْبَعًا، وَإِذَا كَانَ فِي الْمَدِينَةِ صَلَّى الْجُمُعَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ذَلِكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: وَكَانَ لَا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَهْمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ حَسَنًا: قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ: وَلَوْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ شَيْئًا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ، كَانَ جَائِزًا. قَدْ فَعَلَهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ. وَقَالَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ. يَعْنِي بَعْدَ الْجُمُعَةِ. [فَصْلٌ الصَّلَاةُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ] (1390) فَصْلٌ: فَأَمَّا الصَّلَاةُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ، فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ إلَّا مَا رُوِيَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْكَعُ مِنْ قَبْلِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا» . أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَى عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ أَلْقَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ قَامُوا فَصَلَّوْا أَرْبَعًا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كُنَّا نَكُونُ مَعَ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ فِي الْجُمُعَةِ، فَيَقُولُ: أَزَالَتْ الشَّمْسُ بَعْدُ؟ وَيَلْتَفِتُ وَيَنْظُرُ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، صَلَّى الْأَرْبَعَ الَّتِي قَبْلَ الْجُمُعَةِ. وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَبَعْدَهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ. رَوَاهُ سَعِيدٌ. (1391) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الرُّكُوعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ بِكَلَامٍ، أَوْ انْتِقَالٍ مِنْ مَكَانِهِ، أَوْ خُرُوجٍ إلَى مَنْزِلِهِ؛ لِمَا رَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ابْنُ أُخْتِ النَّمِرِ، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ مُعَاوِيَةَ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إلَيَّ، فَقَالَ: لَا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ، إذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ، حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَنَا بِذَلِكَ، أَنْ لَا نُوصِلَ صَلَاةً حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ، فَدَفَعَهُ، وَقَالَ: أَتُصَلِّي الْجُمُعَةَ أَرْبَعًا؟ «وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَيَقُولُ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» [فَصْلٌ إذَا كَانُوا يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى النَّاسِ بَعْدَ الصَّلَاةِ] (1392) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: إذَا كَانُوا يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى النَّاسِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، أَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يَسْمَعَ إذَا كَانَ فَتْحًا مِنْ فُتُوحِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَسْتَمِعْ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا إنَّمَا فِيهِ ذِكْرُهُمْ فَلَا يَسْتَمِعْ. وَقَالَ فِي الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِي الطُّرُقَاتِ: إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ بَابٌ مُغْلَقٌ فَلَا بَأْسَ. وَسُئِلَ
فصل ما يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة
عَنْ رَجُلٍ يُصَلِّي خَارِجًا مِنْ الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَبْوَابُ الْمَسْجِدِ مُغْلَقَةٌ، قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ. قَالَ: إذَا لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ: إذَا دَخَلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي دَارٍ فِي الرَّحْبَةِ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَخْرُجُوا، وَكَانُوا يَسْمَعُونَ التَّكْبِيرَ، فَإِنْ كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا وَيَرَوْنَ النَّاسَ، كَانَ جَائِزًا، وَيُعِيدُونَ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ مُغْلَقًا؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا مَعَ صَلَاةِ الْإِمَامِ. وَهَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا فِي دَارٍ وَلَمْ يَرَوْا الْإِمَامَ، كَانُوا مُتَحَيِّزِينَ عَنْ الْجَمَاعَةِ، فَإِذَا اتَّفَقَ مَعَ ذَلِكَ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ، لَمْ يَصِحَّ. وَأَمَّا إنْ كَانُوا فِي الرَّحْبَةِ أَوْ الطَّرِيقِ، فَلَيْسَ بَيْنَهُمْ إلَّا بَابُ الْمَسْجِدِ، وَيَسْمَعُونَ حِسَّ الْجَمَاعَةِ، وَلَمْ يَفُتْ إلَّا الرُّؤْيَةُ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ الِاقْتِدَاءِ. [فَصْلٌ مَا يَقْرَأَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (1393) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " الم " وَ " هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ " نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَلَمْ تَنْزِيلُ وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّهَا مُفَضَّلَةٌ بِسَجْدَةٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسْتَحَبَّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ يَدُلُّ عَلَيْهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَدَامَ عَلَيْهِ، وَكَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً.
باب صلاة العيدين
[بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] ِ. الْأَصْلُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] . الْمَشْهُورُ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ صَلَاةُ الْعِيدِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «شَهِدْتُ صَلَاةَ الْفِطْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ.» وَعَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْعِيدَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ. وَصَلَاةُ الْعِيدِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، إذَا قَامَ بِهَا مَنْ يَكْفِي سَقَطَتْ عَنْ الْبَاقِينَ، وَإِنْ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهَا قَاتَلَهُمْ الْإِمَامُ. وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَلَيْسَتْ فَرْضًا، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَتْ لَهَا الْخُطْبَةُ، فَكَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى الْأَعْيَانِ، وَلَيْسَتْ فَرْضًا. كَالْجُمُعَةِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: قِيلَ إنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ «لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ ذَكَرَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ.» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ.» الْحَدِيثَ. وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ لَمْ يُشْرَعْ لَهَا أَذَانٌ، فَلَمْ تَجِبْ ابْتِدَاءً بِالشَّرْعِ، كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا امْتَنَعَ جَمِيعُ النَّاسِ مِنْ فِعْلِهَا قَاتَلَهُمْ الْإِمَامُ عَلَيْهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُقَاتِلُهُمْ. وَلَنَا، عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْأَعْيَانِ أَنَّهَا لَا يُشْرَعُ لَهَا الْأَذَانُ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْأَعْيَانِ، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلِأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ يَقْتَضِي نَفْيَ وُجُوبِ صَلَاةٍ سِوَى الْخَمْسِ، وَإِنَّمَا خُولِفَ بِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ صَلَّى مَعَهُ، فَيَخْتَصُّ بِمَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ، وَلِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَى الْأَعْيَانِ لَوَجَبَتْ خُطْبَتُهَا، وَوَجَبَ اسْتِمَاعُهَا كَالْجُمُعَةِ. وَلَنَا، عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْجُمْلَةِ، أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا، بِقَوْلِهِ {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَمُدَاوَمَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فِعْلِهَا، وَهَذَا دَلِيلُ الْوُجُوبِ. وَلِأَنَّهَا مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، فَكَانَتْ وَاجِبَةً كَالْجُمُعَةِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَجِبْ لَمْ يَجِبْ قِتَالُ تَارِكِيهَا، كَسَائِرِ السُّنَنِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْقِتَالَ عُقُوبَةٌ لَا تَتَوَجَّهُ إلَى تَارِكِ مَنْدُوبٍ كَالْقَتْلِ وَالضَّرْبِ. فَأَمَّا حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَعْرَابَ لَا تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ، لِعَدَمِ الِاسْتِيطَانِ، فَالْعِيدُ أَوْلَى. وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ مَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا صَرَّحَ بِوُجُوبِ الْخَمْسِ، وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ، لِتَأْكِيدِهَا وَوُجُوبِهَا عَلَى الْأَعْيَانِ،
مسألة إظهار التكبير في ليالي العيدين
وَوُجُوبِهَا عَلَى الدَّوَامِ، وَتَكَرُّرِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَغَيْرُهَا يَجِبُ نَادِرًا وَلِعَارِضٍ، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْمَنْذُورَةِ وَالصَّلَاةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، فَلَمْ يَذْكُرْهَا، وَقِيَاسُهُمْ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا ذَاتَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ لَا أَثَرَ لَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّوَافِلَ كُلَّهَا فِيهَا رُكُوعٌ وَسُجُودٌ، وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَيَجِبُ حَذْفُ هَذَا الْوَصْفِ، لِعَدَمِ أَثَرِهِ، ثُمَّ يُنْقَضُ قِيَاسُهُمْ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَيَنْتَقِضُ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِالْمَنْذُورَةِ. [مَسْأَلَةٌ إظْهَارُ التَّكْبِيرِ فِي لَيَالِي الْعِيدَيْنِ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَيُظْهِرُونَ التَّكْبِيرَ فِي لَيَالِي الْعِيدَيْنِ، وَهُوَ فِي الْفِطْرِ آكَدُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185] وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلنَّاسِ إظْهَارُ التَّكْبِيرِ فِي لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ وَطُرُقِهِمْ، مُسَافِرِينَ كَانُوا أَوْ مُقِيمِينَ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِهَا: لِتُكْمِلُوا عِدَّةَ رَمَضَانَ، وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عِنْدَ إكْمَالِهِ عَلَى مَا هَدَاكُمْ. وَمَعْنَى إظْهَارِ التَّكْبِيرِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ، وَاسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَتَذْكِيرِ الْغَيْرِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى، يَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا. قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ جَمِيعًا، وَيُعْجِبُنَا ذَلِكَ. وَاخْتُصَّ الْفِطْرُ بِمَزِيدِ تَأْكِيدٍ؛ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ، وَلَيْسَ التَّكْبِيرُ وَاجِبًا. وَقَالَ دَاوُد: هُوَ وَاجِبٌ فِي الْفِطْرِ؛ لِظَاهِرِ الْآيَةِ. وَلَنَا، أَنَّهُ تَكْبِيرٌ فِي عِيدٍ، فَأَشْبَهَ تَكْبِيرَ الْأَضْحَى، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَلَمْ يَرِدْ مِنْ الشَّرْعِ إيجَابُهُ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَالْآيَةُ لَيْسَ فِيهَا أَمْرٌ، إنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إرَادَتِهِ، فَقَالَ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] (1395) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَبِّرَ فِي طَرِيقِ الْعِيدِ، وَيَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يُكَبِّرُ النَّاسُ فِي خُرُوجِهِمْ مِنْ مَنَازِلِهِمْ لِصَلَاتَيْ الْعِيدَيْنِ جَهْرًا، حَتَّى يَأْتِيَ الْإِمَامُ الْمُصَلَّى، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ فِي خُطْبَتِهِ، وَيُنْصِتُونَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ. قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الْعِيدِ كَبَّرَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ (1396) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: التَّكْبِيرُ فِي الْأَضْحَى مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ؛ فَالْمُقَيَّدُ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ. وَالْمُطْلَقُ فِي كُلِّ حَالٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَفِي كُلِّ زَمَانٍ. وَأَمَّا الْفِطْرُ فَمَسْنُونُهُ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ.
مسألة يستحب أن يتطهر بالغسل للعيد
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُكَبِّرُ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ إلَى الصَّلَاةِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَفِي الْأُخْرَى إلَى فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ. [مَسْأَلَةٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَطَهَّرَ بِالْغُسْلِ لِلْعِيدِ] (1397) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا أَصْبَحُوا تَطَهَّرُوا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَطَهَّرَ بِالْغُسْلِ لِلْعِيدِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَبِهِ قَالَ عَلْقَمَةُ، وَعُرْوَةُ، وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْفَاكِهُ بْنُ سَعْدٍ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى» . وَرُوِيَ أَيْضًا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي جُمُعَةٍ مِنْ الْجُمَعِ: إنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَاغْتَسِلُوا، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. فَعَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَكُونُ الْجُمُعَةُ عِيدًا. وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ يَجْتَمِعُ النَّاسُ فِيهِ لِلصَّلَاةِ، فَاسْتُحِبَّ الْغُسْلُ فِيهِ، كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ لِلْجُمُعَةِ مَعَ الْأَمْرِ بِهِ فِيهَا، فَغَيْرُهَا أَوْلَى (1398) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَنَظَّفَ، وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ مَا يَجِدُ، وَيَتَطَيَّبَ، وَيَتَسَوَّكَ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْجُمُعَةِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «وَجَدَ عُمَرُ حُلَّةً مِنْ إسْتَبْرَقٍ فِي السُّوقِ، فَأَخَذَهَا، فَأَتَى بِهَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْتَعْ هَذِهِ تَتَجَمَّلْ بِهَا فِي الْعِيدَيْنِ وَالْوَفْدِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّجَمُّلَ عِنْدَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كَانَ مَشْهُورًا. وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقِيمُ وَيَلْبَسُ بُرْدَهُ الْأَحْمَرَ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ» بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْبَسُ فِي الْعِيدَيْنِ بُرْدَ حِبَرَةٍ» . وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوْبَانِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ لِجُمُعَتِه وَعِيدِهِ.» وَقَالَ مَالِكٌ: سَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ فِي كُلِّ عِيدٍ، وَالْإِمَامُ بِذَلِكَ أَحَقُّ، لِأَنَّهُ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ إلَّا أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْخُرُوجُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ، لِيَبْقَى عَلَيْهِ أَثَرُ الْعِبَادَةِ وَالنُّسُكِ. وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: طَاوُسٌ كَانَ يَأْمُرُ بِزِينَةِ الثِّيَابِ وَعَطَاءٌ قَالَ: هُوَ يَوْمُ التَّخَشُّعِ. وَأَسْتَحْسِنُهُمَا جَمِيعًا. وَذَكَرَ اسْتِحْبَابَ خُرُوجِهِ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
مسألة السنة أن يأكل في الفطر قبل الصلاة ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي
(1399) فَصْلٌ: وَوَقْتُ الْغُسْلِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، لِقَوْلِهِ: " فَإِذَا أَصْبَحُوا تَطَهَّرُوا ". قَالَ الْقَاضِي، وَالْآمِدِيُّ: إنْ اغْتَسَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يُصِبْ سُنَّةَ الِاغْتِسَالِ؛ لِأَنَّهُ غُسْلُ الصَّلَاةِ فِي الْيَوْمِ فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْفَجْرِ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْعِيدِ أَضْيَقُ مِنْ وَقْتِ الْجُمُعَةِ، فَلَوْ وُقِفَ عَلَى الْفَجْرِ رُبَّمَا فَاتَ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّنْظِيفُ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْغُسْلِ فِي اللَّيْلِ لِقُرْبِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْفَجْرِ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، وَيَكُونَ أَبْلَغَ فِي النَّظَافَةِ، لِقُرْبِهِ مِنْ الصَّلَاةِ. وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " تَطَهَّرُوا " لَمْ يَخُصَّ بِهِ الْغُسْلَ، بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْوُضُوءِ، وَهُوَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِمَا بَعْدَ الْفَجْرِ. [مَسْأَلَةٌ السُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ فِي الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا يَأْكُلَ فِي الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ] (1400) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَأَكَلُوا إنْ كَانَ فِطْرًا) السُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ فِي الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلَا يَأْكُلَ فِي الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا قَالَ: أَنَسٌ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ اسْتَشْهَدَ بِهَا: " وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا ". وَرُوِيَ عَنْ بُرَيْدَةَ، قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يُفْطِرَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: " حَتَّى يُضَحِّيَ ". وَلِأَنَّ يَوْمَ الْفِطْرِ يَوْمٌ حَرُمَ فِيهِ الصِّيَامُ عَقِيبَ وُجُوبِهِ، فَاسْتُحِبَّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ لِإِظْهَارِ الْمُبَادَرَةِ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ فِي الْفِطْرِ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، وَالْأَضْحَى بِخِلَافِهِ. وَلِأَنَّ فِي الْأَضْحَى شُرِعَ الْأُضْحِيَّةُ وَالْأَكْلُ مِنْهَا، فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ فِطْرُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا. قَالَ أَحْمَدُ: وَالْأَضْحَى لَا يَأْكُلُ فِيهِ حَتَّى يَرْجِعَ إذَا كَانَ لَهُ ذِبْحٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ مِنْ ذَبِيحَتِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذِبْحٌ لَمْ يُبَالِ أَنْ يَأْكُلَ. (1401) فَصْلٌ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى التَّمْرِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُفْطِرُ عَلَيْهِ، وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا، لِقَوْلِ أَنَسٍ: يَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، وَلِأَنَّ الصَّائِمَ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْفِطْرُ كَذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ السُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِيدَ فِي الْمُصَلَّى] (1402) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ غَدَوْا إلَى الْمُصَلَّى، مُظْهِرِينَ لِلتَّكْبِيرِ) السُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِيدَ فِي الْمُصَلَّى، أَمَرَ بِذَلِكَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَاسْتَحْسَنَهُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ. وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَ مَسْجِدُ الْبَلَدِ وَاسِعًا، فَالصَّلَاةُ فِيهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ خَيْرُ الْبِقَاعِ وَأَطْهَرُهَا، وَلِذَلِكَ يُصَلِّي أَهْلُ مَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
فصل يستحب للإمام إذا خرج أن يخلف من يصلي بضعفة الناس في المسجد
وَلَنَا «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْرُجُ إلَى الْمُصَلَّى وَيَدَعُ مَسْجِدَهُ» ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وَلَا يَتْرُكُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَفْضَلَ مَعَ قُرْبِهِ، وَيَتَكَلَّفُ فِعْلَ النَّاقِصِ مَعَ بُعْدِهِ، وَلَا يَشْرَعُ لِأُمَّتِهِ تَرْكَ الْفَضَائِلِ، وَلِأَنَّنَا قَدْ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِهِ هُوَ النَّاقِصَ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ الْكَامِلَ، وَلَمْ يُنْقَلُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَلَّى الْعِيدَ بِمَسْجِدِهِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَلِأَنَّ هَذَا إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّ النَّاسَ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ يَخْرُجُونَ إلَى الْمُصَلَّى، فَيُصَلُّونَ الْعِيدَ فِي الْمُصَلَّى، مَعَ سَعَةِ الْمَسْجِدِ وَضِيقِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي الْمُصَلَّى مَعَ شَرَفِ مَسْجِدِهِ، وَصَلَاةُ النَّفْلِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ شَرَفِهِ، وَرَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: قَدْ اجْتَمَعَ فِي الْمَسْجِدِ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَعُمْيَانُهُمْ فَلَوْ صَلَّيْتَ بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ: أُخَالِفُ السُّنَّةَ إذًا، وَلَكِنْ نَخْرُجُ إلَى الْمُصَلَّى، وَأَسْتَخْلِفُ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ أَرْبَعًا. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا خَرَجَ أَنْ يُخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ] (1403) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا خَرَجَ أَنْ يُخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا فَعَلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَرَوَى هُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: قِيلَ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَوْ أَمَرْتَ رَجُلًا يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ هَوْنًا فِي الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ؟ قَالَ: إنْ أَمَرْتُ رَجُلًا يُصَلِّي أَمَرْتُهُ أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ أَرْبَعًا. رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَرُوِيَ أَنَّهُ اسْتَخْلَفَ أَبَا مَسْعُودٍ، فَصَلَّى بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ. (1404) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْخُرُوجَ، مِنْ مَطَرٍ، أَوْ خَوْفٍ، أَوْ غَيْرِهِ، صَلَّوْا فِي الْجَامِعِ، كَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ «أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَصَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ إلَى الْعِيدِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَّا الْإِمَامَ] (1405) فَصْلٌ: يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ إلَى الْعِيدِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَّا الْإِمَامَ فَإِنَّهُ يَتَأَخَّرُ إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ كَذَلِكَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يُنْتَظَرُ وَلَا يَنْتَظِرُ، وَلَوْ جَاءَ إلَى الْمُصَلَّى وَقَعَدَ فِي مَكَان مُسْتَتِرٍ عَنْ النَّاسِ، فَلَا بَأْسَ. قَالَ مَالِكٌ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ مِنْ مَنْزِلِهِ قَدْرَ مَا يَبْلُغُ مُصَلَّاهُ، وَقَدْ حَلَّتْ الصَّلَاةُ، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّبْكِيرُ، وَالدُّنُوُّ مِنْ الْإِمَامِ.
فصل يستحب أن يخرج إلى العيد ماشيا وعليه السكينة والوقار
لِيَحْصُلَ لَهُ أَجْرُ التَّبْكِيرِ، وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَالدُّنُوِّ مِنْ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ، وَلَا أَذَى أَحَدٍ. قَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلٍ يُصَلِّيَانِ الْفَجْرَ يَوْمَ الْعِيدِ، وَعَلَيْهِمَا ثِيَابُهُمَا، ثُمَّ يَتَدَافَعَانِ إلَى الْجَبَّانَةِ، أَحَدُهُمَا يُكَبِّرُ، وَالْآخَرُ يُهَلِّلُ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَخْرُجُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْعِيدِ مَاشِيًا وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ] (1406) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْعِيدِ مَاشِيًا، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْجُمُعَةِ. وَمِمَّنْ اسْتَحَبَّ الْمَشْيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَرْكَبْ فِي عِيدٍ وَلَا جِنَازَةٍ» . وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْرُجُ إلَى الْعِيدِ مَاشِيًا، وَيَرْجِعُ مَاشِيًا» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَأْتِيَ الْعِيدَ مَاشِيًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، وَكَانَ مَكَانُهُ بَعِيدًا فَرَكِبَ، فَلَا بَأْسَ. قَالَ أَحْمَدُ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَحْنُ نَمْشِي وَمَكَانُنَا قَرِيبٌ، وَإِنْ بَعُدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَبَ. قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ زُبَيْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَقُولُ: إنَّ الْفِطْرَ غَدًا، فَامْشُوا إلَى مُصَلَّاكُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ يُفْعَلُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلْيَرْكَبْ، فَإِذَا جَاءَ الْمَدِينَةَ فَلْيَمْشِ إلَى الْمُصَلَّى. (1407) فَصْلٌ: وَيُكَبِّرُ فِي طَرِيقِ الْعِيدِ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: " مُظْهِرِينَ لِلتَّكْبِيرِ ". قَالَ أَحْمَدُ: يُكَبِّرُ جَهْرًا إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَأَبِي رُهْمٍ، وَنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ. وَفَعَلَهُ النَّخَعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى. وَبِهِ قَالَ الْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُكَبِّرُ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَلَا يُكَبِّرُ يَوْمَ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَمِعَ التَّكْبِيرَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَقَالَ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَقِيلَ: يُكَبِّرُونَ. فَقَالَ: أَمَجَانِينُ النَّاسُ؟ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْحَوَّاكُونَ.
فصل خروج النساء يوم العيد إلى المصلى
وَلَنَا، أَنَّهُ فِعْلُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَقَوْلُهُمْ. قَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ يَوْمَ الْعِيدِ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ، وَيُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ. وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَبِّرُ حَتَّى انْتَهَى إلَى الْجَبَّانَةِ. فَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَكَانَ يَقُولُ: يُكَبِّرُونَ مَعَ الْإِمَامِ، وَلَا يُكَبِّرُونَ وَحْدَهُمْ. وَهَذَا خِلَافُ مَذْهَبِهِمْ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى؛ لِمَا ذَكَرْنَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَغَيْرِهِ. قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى، أَوْ حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ؟ قَالَ: حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى. وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى: حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ. [فَصْلٌ خُرُوجُ النِّسَاءِ يَوْمَ الْعِيدِ إلَى الْمُصَلَّى] (1408) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِخُرُوجِ النِّسَاءِ يَوْمَ الْعِيدِ إلَى الْمُصَلَّى. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أَنَّهُمَا قَالَا: حَقٌّ عَلَى كُلِّ ذَاتِ نِطَاقٍ أَنْ تَخْرُجَ إلَى الْعِيدَيْنِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُخْرِجُ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْ أَهْلِهِ فِي الْعِيدَيْنِ. وَرَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى: الْعَوَاتِقَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ، وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَلَفْظُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، قَالَتْ: «كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ، حَتَّى تَخْرُجَ الْبِكْرُ مِنْ خِدْرِهَا، وَحَتَّى يَخْرُجَ الْحُيَّضُ فِيكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ» . وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ نِسَاءَ الْأَنْصَارِ فِي بَيْتٍ، فَأَرْسَلَ إلَيْنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ، فَسَلَّمَ، فَرَدَدْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَيْكُنَّ، وَأَمَرَنَا بِالْعِيدَيْنِ أَنْ نُخْرِجَ فِيهِمَا الْحُيَّضَ وَالْعُتَّقَ، وَلَا جُمُعَةَ عَلَيْنَا، وَنَهَانَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ» . رَوَاهُ. أَبُو دَاوُد. وَقَالَ الْقَاضِي ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ. وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَقَالَا: لَا نَعْرِفُ خُرُوجَ الْمَرْأَةِ فِي الْعِيدَيْنِ عِنْدَنَا. وَكَرِهَهُ سُفْيَانُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَرَخَّصَ أَهْلُ الرَّأْيِ لِلْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ، وَكَرِهُوهُ لِلشَّابَّةِ؛ لِمَا فِي خُرُوجِهِنَّ مِنْ الْفِتْنَةِ، وَقَوْلِ
مسألة صلاة العيد مع الإمام ركعتان
عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَوْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ، كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ. وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ. وَقَوْلُ عَائِشَةَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ أَحْدَثَتْ دُونَ غَيْرِهَا، وَلَا شَكَّ بِأَنَّ تِلْكَ يُكْرَهُ لَهَا الْخُرُوجُ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الْخُرُوجُ غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ وَلَا يَلْبَسْنَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ وَلَا زِينَةٍ، وَلَا يَخْرُجْنَ فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» . وَلَا يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ، بَلْ يَكُنَّ نَاحِيَةً مِنْهُمْ. [مَسْأَلَةٌ صَلَاةُ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَتَانِ] (1409) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا حَلَّتْ الصَّلَاةُ، تَقَدَّمَ الْإِمَامُ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَتَانِ، وَفِيمَا تَوَاتَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَلَّى الْعِيدَ رَكْعَتَيْنِ، وَفَعَلَهُ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ إلَى عَصْرِنَا، لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَا خَالَفَ فِيهِ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: صَلَاةُ الْعِيدِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى وَقَوْلُهُ: " حَلَّتْ الصَّلَاةُ " يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدَهُمَا، أَنَّ مَعْنَاهُ إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا، وَالصَّلَاةُ هَاهُنَا صَلَاةُ الْعِيدِ، وَحَلَّتْ مِنْ الْحُلُولِ كَقَوْلِهِمْ: حَلَّ الدَّيْنُ. إذَا جَاءَ أَجَلُهُ. وَالثَّانِي، مَعْنَاهُ إذَا أُبِيحَتْ الصَّلَاةُ. يَعْنِي النَّافِلَةَ، وَمَعْنَاهُ إذَا خَرَجَ وَقْتُ النَّهْيِ، وَهُوَ إذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ، وَحَلَّتْ مِنْ الْحِلِّ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ} [الأعراف: 157] . وَهَذَا الْمَعْنَى أَحْسَنُ، لِأَنَّ فِيهِ تَفْسِيرًا لِوَقْتِهَا، وَتَعْرِيفًا لَهُ بِالْوَقْتِ الَّذِي عُرِفَ فِي مَكَان آخَرَ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ، لِوَقْتِهَا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَقْتُهَا مِنْ حِينِ تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ، إلَى أَنْ يَقُومَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَذَلِكَ مَا بَيْنَ وَقْتَيْ النَّهْيِ عَنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: أَوَّلُ وَقْتِهَا إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ؛ لِمَا رَوَى يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ، قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ، صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمِ عِيدِ فِطْرٍ أَوْ أَضْحًى، فَأَنْكَرَ إبْطَاءَ الْإِمَامِ، وَقَالَ: إنَّا كُنَّا قَدْ فَرَغْنَا سَاعَتَنَا هَذِهِ، وَذَلِكَ حِينَ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ.
مسألة لا أذان ولا إقامة لصلاة العيد
وَلَنَا، مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا؛ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ» . وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ وَقْتًا لِلْعِيدِ، كَقَبْلِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُ لَمْ يُصَلُّوا حَتَّى ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ، بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِعْلُهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ إلَّا الْأَفْضَلَ وَالْأَوْلَى، وَلَوْ كَانَ لَهَا وَقْتٌ قَبْلَ ذَلِكَ، لَكَانَ تَقْيِيدُهُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ تَحَكُّمًا بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا مَعْنَى نَصٍّ، وَلَا يَجُوزُ التَّوْقِيتُ بِالتَّحَكُّمِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، فَإِنَّهُ أَنْكَرَ إبْطَاءَ الْإِمَامِ عَنْ وَقْتِهَا الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إبْطَاءً، وَلَا جَازَ إنْكَارُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي وَقْتِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ خِلَافُهُ، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُدَاوِمَ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَلَا الْمَفْضُولِ، وَلَوْ كَانَ يُدَاوِمُ عَلَى الصَّلَاةِ فِيهِ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَفْضَلَ وَالْأَوْلَى، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. (1410) فَصْلٌ: وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ الْأَضْحَى؛ لِيَتَّسِعَ وَقْتُ التَّضْحِيَةِ، وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ؛ لِيَتَّسِعَ وَقْتُ إخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنْ أَخِّرْ صَلَاةَ الْفِطْرِ، وَعَجِّلْ صَلَاةَ الْأَضْحَى» . وَلِأَنَّ لِكُلِّ عِيدٍ وَظِيفَةً، فَوَظِيفَةُ الْفِطْرِ إخْرَاجُ الْفِطْرَةِ، وَوَقْتُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَوَظِيفَةُ الْأَضْحَى التَّضْحِيَةُ، وَوَقْتُهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ وَفِي تَأْخِيرِ الْفِطْرِ وَتَقْدِيمِ الْأَضْحَى تَوْسِيعٌ لِوَظِيفَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا. [مَسْأَلَةٌ لَا أَذَانَ وَلَا إقَامَةَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ] (1411) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ) وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ أَذَّنَ وَأَقَامَ. وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ فِي الْعِيدِ ابْنُ زِيَادٍ. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَنُّ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعِيدَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، فَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْعِيدَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ» . وَعَنْ جَابِرٍ مِثْلُهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِيدَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ، بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرٌ
أَنْ لَا أَذَانَ يَوْمَ الْفِطْرِ حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ، وَلَا بَعْدَ مَا يَخْرُجُ الْإِمَامُ، وَلَا إقَامَةَ، وَلَا نِدَاءَ وَلَا شَيْءَ، لَا نِدَاءَ يَوْمَئِذٍ وَلَا إقَامَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ. (1412) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا بِ " الْحَمْدُ لِلَّهِ " وَسُورَةٍ، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّهُ يُشْرَعُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَأَنَّهُ يُسَنُّ الْجَهْرُ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ إذَا قَرَأَ فِي الْعِيدَيْنِ أَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ، وَلَمْ يَجْهَرْ ذَلِكَ الْجَهْرَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ، وَفِي إخْبَارِ مَنْ أَخْبَرَ بِقِرَاءَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ عِيدٍ، فَأَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأَوْلَى بِ (سَبِّحْ) ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَةِ بِ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ. وَرُبَّمَا اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَقَرَأَ بِهِمَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقْرَأُ بِ (ق) وَ (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ) . لِمَا رُوِيَ «أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ: مَاذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ بِهِ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى؟ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ بِ ق وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ، وَاقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يُوَقَّتُ وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ. وَمَهْمَا قَرَأَ بِهِ أَجْزَأَهُ، وَكَانَ حَسَنًا، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَمِلَ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مَذْهَبَهُ، وَلِأَنَّ فِي (سَبِّحْ) الْحَثَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَزَكَاةِ الْفِطْرِ. عَلَى مَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15] فَاخْتُصَّتْ الْفَضِيلَةُ بِهَا، كَاخْتِصَاصِ الْجُمُعَةِ بِسُورَتِهَا. (1413) فَصْلٌ: وَتَكُونُ الْقِرَاءَةُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَاللَّيْثِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُوَالِي بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي الْأَوْلَى قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَهَا. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ.
مسألة يكبر في الأولى سبع تكبيرات منها تكبيرة الافتتاح
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَأَبِي مُوسَى، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالثَّوْرِيِّ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُ تَكْبِيرَهُ عَلَى الْجِنَازَةِ. وَيُوَالِي بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرَوَى أَبُو عَائِشَةَ، جَلِيسٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ «، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ سَأَلَ أَبَا مُوسَى وَحُذَيْفَةَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا تَكْبِيرَهُ عَلَى الْجِنَازَةِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: صَدَقَ» . وَلَنَا، مَا رَوَى كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ، فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ. وَعَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ سَبْعًا وَخَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ ". وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ سَبْعٌ فِي الْأُولَى، وَخَمْسٌ فِي الْأَخِيرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلَيْهِمَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَعْدٍ مُؤَذِّنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ ذَلِكَ. وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى ضَعِيفٌ. قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ وَالَى بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ، ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى أَنَّهُ وَالَى بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، لِأَنَّ قِرَاءَةَ الرَّكْعَتَيْنِ لَا يُمْكِنُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. [مَسْأَلَةٌ يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ مِنْهَا تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، مِنْهَا تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ) قَالَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعًا مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَلَا يَعْتَدُّ بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا قِرَاءَةً، وَيُكَبِّرُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ، وَلَا يَعْتَدُّ بِتَكْبِيرَةِ النُّهُوضِ، ثُمَّ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالْمُزَنِيِّ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، قَالُوا: يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: يُكَبِّرُ سَبْعًا فِي الْأُولَى سِوَى تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً سِوَى تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ» . وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالنَّخَعِيِّ: يُكَبِّرُ سَبْعًا سَبْعًا: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثَيْ أَبِي مُوسَى اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا. وَلَنَا، أَحَادِيثُ كَثِيرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَائِشَةَ، الَّتِي قَدَّمْنَاهَا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَدْ رُوِيَ
مسألة كيفية صلاة العيد
عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ حِسَانٍ «، أَنَّهُ كَبَّرَ فِي الْعِيدِ سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ.» مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِي وَاقِدٍ، وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيّ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ قَوِيٍّ وَلَا ضَعِيفٍ خِلَافُ هَذَا، وَهُوَ أَوْلَى مَا عُمِلَ بِهِ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَعْرُوفُ عَنْهَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى سَبْعًا وَخَمْسًا سِوَى تَكْبِيرَتَيْ الرُّكُوعِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى ضَعِيفٌ، يَرْوِيهِ، أَبُو عَائِشَةَ جَلِيسٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ. (1415) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ فِي حَالِ تَكْبِيرِهِ حَسَبَ رَفْعِهِمَا مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ: لَا يَرْفَعُهُمَا فِيمَا عَدَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ؛ فَأَشْبَهَتْ تَكْبِيرَاتِ السُّجُودِ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ.» قَالَ أَحْمَدُ: أَمَّا أَنَا فَأَرَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدْخُلُ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فِي الْجِنَازَةِ وَفِي الْعِيدِ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا تَكْبِيرَ السُّجُودِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ يَقَعُ طَرَفَاهَا فِي حَالِ الْقِيَامِ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ. [مَسْأَلَةٌ كَيْفِيَّةُ صَلَاةِ الْعِيدِ] (1416) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَسْتَفْتِحُ فِي أَوَّلِهَا، وَيَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ، وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهُ وَسَلَّمَ وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ سِوَى التَّكْبِيرَةِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مِنْ السُّجُودِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) قَوْلُهُ: " يَسْتَفْتِحُ ". يَعْنِي يَدْعُو بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ عَقِيبَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، ثُمَّ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، ثُمَّ يَتَعَوَّذُ ثُمَّ يَقْرَأُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الِاسْتِفْتَاحَ بَعْدَ التَّكْبِيرَاتِ. اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفْتَاحَ تَلِيهِ الِاسْتِعَاذَةُ، وَهِيَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَتَعَوَّذُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ؛ لِئَلَّا يَفْصِلَ بَيْنَ الِاسْتِفْتَاحِ وَالِاسْتِعَاذَةِ. وَلَنَا، أَنَّ الِاسْتِفْتَاحَ شُرِعَ لِيَسْتَفْتِحَ بِهِ الصَّلَاةَ، فَكَانَ فِي أَوَّلِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَالِاسْتِعَاذَةُ شُرِعَتْ لِلْقِرَاءَةِ، فَهِيَ تَابِعَةٌ لَهَا، فَتَكُونُ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ بِهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] . وَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَعَوَّذُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ.» وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ تَلِي الِاسْتِفْتَاحَ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ، فَلَزِمَ أَنْ يَلِيَهُ مَا يَكُونُ فِي أَوَّلِهَا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَأَيًّا مَا فَعَلَ كَانَ جَائِزًا. وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الِاسْتِفْتَاحِ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ فَعَلَ هَذَا بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ، فَإِنْ قَالَ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فَحَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ قَالَ غَيْرَهُ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. أَوْ مَا شَاءَ مِنْ الذِّكْرِ، فَجَائِزٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُكَبِّرُ مُتَوَالِيًا، لَا ذِكْرَ بَيْنَهُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ لَنُقِلَ، كَمَا نُقِلَ التَّكْبِيرُ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مِنْ جِنْسٍ مَسْنُونٍ، فَكَانَ مُتَوَالِيًا، كَالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَلَنَا، مَا رَوَى عَلْقَمَةُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَأَبَا مُوسَى، وَحُذَيْفَةَ، خَرَجَ عَلَيْهِمْ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ قَبْلَ الْعِيدِ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُمْ: إنَّ هَذَا الْعِيدَ قَدْ دَنَا، فَكَيْفَ التَّكْبِيرُ فِيهِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ تَبْدَأُ فَتُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً تَفْتَتِحُ بِهَا الصَّلَاةَ، وَتَحْمَدُ رَبَّكَ، وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَقْرَأُ ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَرْكَعُ، ثُمَّ تَقُومُ فَتَقْرَأُ وَتَحْمَدُ رَبَّكَ، وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَرْكَعُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مُوسَى: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، فِي " سُنَنِهِ " وَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ حَالَ الْقِيَامِ فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا ذِكْرٌ، كَتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ، وَتُفَارِقُ التَّسْبِيحَ، لِأَنَّهُ ذِكْرٌ يَخْفَى وَلَا يَظْهَرُ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ. وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ. قَالَ الْقَاضِي: يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ بِقَدْرِ آيَةٍ، لَا طَوِيلَةٍ وَلَا قَصِيرَةٍ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. (1417) فَصْلٌ: وَالتَّكْبِيرَاتُ وَالذِّكْرُ بَيْنهَا سُنَّةٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا وَلَا سَهْوًا، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ، وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ، كَالِاسْتِفْتَاحِ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهَا وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَعُودُ إلَى التَّكْبِيرِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي مَحَلِّهِ، فَيَأْتِي بِهِ كَمَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ مَحَلَّهُ الْقِيَامُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا يَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ وَيُكَبِّرُ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْقِرَاءَةَ، لِأَنَّهُ قَطَعَهَا مُتَعَمِّدًا بِذِكْرٍ طَوِيلٍ. وَإِنْ كَانَ الْمَنْسِيُّ شَيْئًا يَسِيرًا احْتَمَلَ
مسألة إذا سلم خطب بهم خطبتين يجلس بينهما
أَنْ يَبْنِيَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَهَا بِقَوْلِ " آمِينَ ". وَاحْتَمَلَ أَنْ يَبْتَدِئَ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ التَّكْبِيرِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَمَحَلَّ الْقِرَاءَةِ بَعْدَهُ، فَيَسْتَأْنِفُهَا، لِيَأْتِيَ بِهَا بَعْدَهُ وَإِنْ ذَكَرَ التَّكْبِيرَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، فَأَتَى بِهِ، لَمْ يُعِدْ الْقِرَاءَةَ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى رَكَعَ، سَقَطَ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ فَاتَ الْمَحَلَّ. وَكَذَلِكَ الْمَسْبُوقُ إذَا أَدْرَكَ الرُّكُوعَ، لَمْ يُكَبِّرْ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُكَبِّرُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْقِيَامِ، بِدَلِيلِ إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ بِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ حَالَ الْقِيَامِ، فَلَمْ يَأْتِ بِهِ فِي الرُّكُوعِ، كَالِاسْتِفْتَاحِ، وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ، وَالْقُنُوتِ عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ بِإِدْرَاكِهِ، لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مُعْظَمَهَا، وَلَمْ يَفُتْهُ إلَّا الْقِيَامُ، وَقَدْ حَصَلَ مِنْهُ مَا يُجْزِئُ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. فَأَمَّا الْمَسْبُوقُ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ تَكْبِيرِهِ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُكَبِّرُ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَحَلَّهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُكَبِّرَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ إلَى قِرَاءَةِ الْإِمَامِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ أَنْصَتَ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا كَبَّرَ. (1418) فَصْلٌ: وَإِذَا شَكَّ فِي عَدَدِ التَّكْبِيرَاتِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، فَإِنْ كَبَّرَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ نَوَى الْإِحْرَامَ أَوْ لَا، ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ هُوَ وَمَنْ خَلْفَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النِّيَّةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَسْوَاسًا، فَلَا يَلْتَفِتْ إلَيْهِ. وَسَائِرُ الْمَسْأَلَةِ قَدْ سَبَقَ شَرْحُهَا. [مَسْأَلَةٌ إذَا سَلَّمَ خَطَبَ بِهِمْ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا] (1419) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا سَلَّمَ خَطَبَ بِهِمْ خُطْبَتَيْنِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ فِطْرًا حَضَّهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَبَيَّنَ لَهُمْ مَا يُخْرِجُونَ، وَإِنْ كَانَ أَضْحَى يُرَغِّبُهُمْ فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يُضَحَّى بِهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ خُطْبَتَيْ الْعِيدَيْنِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا عَنْ بَنِي أُمَيَّةَ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا فَعَلَاهُ، وَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْهُمَا، وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ بَنِي أُمَيَّةَ؛ لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُمْ، وَمُخَالِفٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُمْ، وَعُدَّ بِدْعَةً وَمُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَاعَةٌ، وَرَوَى طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ قَالَ: قَدَّمَ مَرْوَانُ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: خَالَفْتَ السُّنَّةَ، كَانَتْ الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ. فَقَالَ: تُرِكَ ذَاكَ يَا أَبَا فُلَانٍ. فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: أَمَّا هَذَا الْمُتَكَلِّمُ فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِلِسَانِهِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ.» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ،
عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقٍ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَلَفْظُهُ: " فَلْيُغَيِّرْهُ ". فَعَلَى هَذَا مَنْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَخْطُبْ؛ لِأَنَّهُ خَطَبَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْخُطْبَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ خَطَبَ فِي الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ صِفَةَ الْخُطْبَتَيْنِ كَصِفَةِ خُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ، إلَّا أَنَّهُ يَسْتَفْتِحُ الْأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ مُتَوَالِيَاتٍ. قَالَ الْقَاضِي: وَإِنْ أَدْخَلَ بَيْنَهُمَا تَهْلِيلًا أَوْ ذِكْرًا فَحَسَنٌ. وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: يُكَبِّرُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَخْطُبُ، وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ التَّكْبِيرَ فِي أَضْعَافِ خُطْبَتِهِ. وَرَوَى سَعْدٌ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكَبِّرُ بَيْنَ أَضْعَافِ الْخُطْبَةِ، يُكْثِرُ التَّكْبِيرَ فِي خُطْبَتَيْ الْعِيدَيْنِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، فَإِذَا كَبَّرَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ كَبَّرَ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ يَوْمَ الْعِيدِ عَلَى الْمِنْبَرِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ تَكْبِيرَةً، وَيَجْلِسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحًى، فَخَطَبَ قَائِمًا، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قَامَ.» وَيَجْلِسُ عَقِيبَ صُعُودِهِ الْمِنْبَرَ. وَقِيلَ: لَا يَجْلِسُ عَقِيبَ صُعُودِهِ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ فِي الْجُمُعَةِ لِلْأَذَانِ، وَلَا أَذَانَ هَاهُنَا. فَإِنْ كَانَ فِي الْفِطْرِ أَمَرَهُمْ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَبَيَّنَ لَهُمْ وُجُوبَهَا، وَثَوَابَهَا، وَقَدْرَ الْمُخْرَجِ، وَجِنْسَهُ، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ، وَالْوَقْتَ الَّذِي يُخْرَجُ فِيهِ. وَفِي الْأَضْحَى يَذْكُرُ الْأُضْحِيَّةَ، وَفَضْلَهَا، وَأَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَمَا يُجْزِئُ فِيهَا، وَوَقْتَ ذَبْحِهَا، وَالْعُيُوبَ الَّتِي تَمْنَعُ مِنْهَا، وَكَيْفِيَّةَ تَفْرِقَتِهَا، وَمَا يَقُولُهُ عِنْدَ ذَبْحِهَا؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ، أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَى مُسْلِمٌ نَحْوَهُ. وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلَالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ فَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ
مسألة لا يتنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها
أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنَّمَا هُوَ شَاةُ لَحْمٍ عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَقَدْ أَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ» . (1420) فَصْلٌ: وَالْخُطْبَتَانِ سُنَّةٌ، لَا يَجِبُ حُضُورُهَا وَلَا اسْتِمَاعُهَا؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِيدَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ: إنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: هُوَ مُرْسَلٌ. وَإِنَّمَا أُخِّرَتْ عَنْ الصَّلَاةِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ غَيْرَ وَاجِبَةٍ جُعِلَتْ فِي وَقْتٍ يَتَمَكَّنُ مَنْ أَرَادَ تَرْكَهَا، مِنْ تَرْكِهَا، بِخِلَافِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ. وَالِاسْتِمَاعُ لَهَا أَفْضَلُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُمَا كَرِهَا الْكَلَامَ يَوْمَ الْعِيدِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: يَخْطُبُ الْإِمَامُ يَوْمَ الْعِيدِ قَدْرَ مَا يَرْجِعُ النِّسَاءُ إلَى بُيُوتِهِنَّ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الْجُلُوسُ لِاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ، لِئَلَّا يَخْتَلِطْنَ بِالرِّجَالِ. وَحَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَوْعِظَتِهِ النِّسَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ خُطْبَتِهِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُنَّ لَمْ يَنْصَرِفْنَ قَبْلَ فَرَاغِهِ، وَسُنَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ. (1421) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ قَائِمًا؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحًى، فَخَطَبَ قَائِمًا، ثُمَّ قَعَدَ ثُمَّ قَامَ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّهَا خُطْبَةُ عِيدٍ، فَأَشْبَهَتْ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ. وَإِنْ خَطَبَ قَاعِدًا فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَأَشْبَهَتْ صَلَاةَ النَّافِلَةِ. وَإِنْ خَطَبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَحَسَنٌ. قَالَ سَعِيدٌ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمِيلَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا صَلَّى يَوْمَ عِيدٍ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ عَلَى دَابَّتِهِ، وَرَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَخْطُبُ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَرَأَيْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَخْطُبُ عَلَى رَاحِلَتِهِ. [مَسْأَلَة لَا يَتَنَفَّل قَبْل صَلَاة الْعِيد وَلَا بَعْدهَا] (1422) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَا بَعْدَهَا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي مَوْضِعِ الصَّلَاةِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمُصَلَّى أَوْ الْمَسْجِدِ. وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَبُرَيْدَةَ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَقَالَ بِهِ شُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْقَاسِمُ، وَسَالِمٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَمَسْرُوقٌ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ عُلَمَائِنَا يَذْكُرُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا. يَعْنِي صَلَاةَ الْعِيدِ. وَقَالَ: مَا صَلَّى قَبْلَ الْعِيدِ بَدْرِيٌّ. وَنَهَى عَنْهُ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ. وَرُوِيَ
فصل رجل يصلي صلاة في وقت العيد
أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ قَبْلَ الْعِيدِ، فَقَالَ: مَا كَانَ هَذَا يُفْعَلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ أَحْمَدُ: أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يَتَطَوَّعُونَ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ يَتَطَوَّعُونَ قَبْلَهَا، وَبَعْدَهَا، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ لَا يَتَطَوَّعُونَ قَبْلَهَا، وَيَتَطَوَّعُونَ بَعْدَهَا. وَهَذَا قَوْلُ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَتَطَوَّعُ فِي الْمُصَلَّى قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا. وَلَهُ فِي الْمَسْجِدِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يَتَطَوَّعُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ لِلْإِمَامِ دُونَ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّشَاغُلُ عَنْ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُكْرَهْ لِلْمَأْمُومِ، لِأَنَّهُ وَقْتٌ لَمْ يُنْهَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، أَشْبَهَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ. وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ نَحْوَهُ. وَلِأَنَّهُ إجْمَاعٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَنَهَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ، وَرَوَوْا الْحَدِيثَ وَعَمِلُوا بِهِ، وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ نُهِيَ الْإِمَامُ عَنْ التَّنَفُّلِ فِيهِ، فَكُرِهَ لِلْمَأْمُومِ، كَسَائِرِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ، وَكَمَا قَبْلَ الصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَمَا لَوْ كَانَ فِي الْمُصَلَّى عِنْد مَالِكٍ. قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَحْمَدَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: إنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّطَوُّعَ لِأَنَّهُ كَانَ إمَامًا. قَالَ أَحْمَدُ: فَاَلَّذِينَ رَوَوْا هَذَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتَطَوَّعُوا. ثُمَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، هُمَا رَاوِيَاهُ، وَأَخَذَا بِهِ. يُشِيرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَى أَنَّ عَمَلَ رَاوِي الْحَدِيثِ بِهِ تَفْسِيرٌ لَهُ، وَتَفْسِيرُهُ يُقَدَّمُ عَلَى تَفْسِيرِ غَيْرِهِ. وَلَوْ كَانَتْ الْكَرَاهَةُ لِلْإِمَامِ كَيْ لَا يَشْتَغِلَ عَنْ الصَّلَاةِ، لَاخْتَصَّتْ بِمَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، إذْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهَا مَا يَشْتَغِلُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ تَنَفُّلٌ فِي الْمُصَلَّى وَقْتَ صَلَاةِ الْعِيدِ فَكُرِهَ، كَاَلَّذِي سَلَّمُوهُ، وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِالْإِمَامِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُكَبِّرُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ سَبْعًا وَخَمْسًا، وَيَقُولُ: لَا صَلَاةَ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» . حَكَى ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ الْإِمَامَ ابْنَ بَطَّةَ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ. [فَصْل رَجُلٌ يُصَلِّي صَلَاة فِي وَقْت الْعِيد] (1423) فَصْلٌ: قِيلَ لِأَحْمَدَ: فَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُصَلِّي صَلَاةً فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؟ قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ بَعْضُ مَنْ يَرَاهُ. يَعْنِي لَا يُصَلِّي. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَنْ يَتَعَمَّدَ لِقَضَاءِ، صَلَاةٍ، وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يَقْتَدُوا بِهِ (1424) . فَصْلٌ: وَإِنَّمَا يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ فِي مَوْضِعِ الصَّلَاةِ، فَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ مِنْهُ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَلَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ فِيهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: سَمِعْت أَبِي يَقُولُ: رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» . وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكَعَاتٍ فِي الْبَيْتِ، وَرُبَّمَا
مسألة الرجوع في غير الطريق التي غدا منها في صلاة العيدين سنة
صَلَّاهَا فِي الطَّرِيقِ، يَدْخُلُ بَعْضَ الْمَسَاجِدِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ شَيْئًا فَإِذَا رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الصَّلَاةَ فِي مَوْضِعِ الصَّلَاةِ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ، وَلِاشْتِغَالِهِ بِالصَّلَاةِ وَانْتِظَارِهَا، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ. [مَسْأَلَةٌ الرُّجُوع فِي غَيْر الطَّرِيق الَّتِي غَدًا مِنْهَا فِي صَلَاة الْعِيدَيْنِ سُنَّة] (1425) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا غَدَا مِنْ طَرِيقٍ رَجَعَ مِنْ غَيْرِهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرُّجُوعَ فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي غَدَا مِنْهَا سُنَّةٌ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ رَجَعَ فِي غَيْرِهِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّمَا فَعَلَ هَذَا قَصْدًا لِسُلُوكِ الْأَبْعَدِ فِي الذَّهَابِ لِيَكْثُرَ ثَوَابُهُ وَخُطُوَاتُهُ إلَى الصَّلَاةِ. وَيَعُودُ فِي الْأَقْرَبِ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى مَنْزِلِهِ. وَقِيلَ: كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ. وَقِيلَ: كَانَ يُحِبُّ الْمُسَاوَاةَ بَيْن أَهْلِ الطَّرِيقَيْنِ فِي التَّبَرُّكِ بِمُرُورِهِ بِهِمْ، وَسُرُورِهِمْ بِرُؤْيَتِهِ، وَيَنْتَفِعُونَ بِمَسْأَلَتِهِ. وَقِيلَ: لِتَحْصُلَ الصَّدَقَةُ مِمَّنْ صَحِبَهُ عَلَى أَهْلَ الطَّرِيقَيْنِ مِنْ الْفُقَرَاءِ. وَقِيلَ: لِتَبَرُّكِ الطَّرِيقَيْنِ بِوَطْئِهِ عَلَيْهِمَا. وَفِي الْجُمْلَةِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةٌ؛ لِاحْتِمَالِ بَقَاءِ الْمَعْنَى الَّذِي فَعَلَهُ مِنْ أَجْلِهِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ الشَّيْءَ لِمَعْنَى وَيَبْقَى فِي حَقِّ غَيْرِهِ سُنَّةً، مَعَ زَوَالِ الْمَعْنَى، كَالرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ، فَعَلَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ لِلْكُفَّارِ، وَبَقِيَ سُنَّةً بَعْدَ زَوَالِهِمْ. وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: فِيمَ الرَّمَلَانُ الْآنَ، وَلِمَنْ نُبْدِي مَنَاكِبَنَا وَقَدْ نَفَى اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ؟ ثُمَّ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: لَا نَدَعُ شَيْئًا فَعَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [مَسْأَلَةٌ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ] (1426) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَإِنْ أَحَبَّ فَصَلَّ بِسَلَامٍ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، قَامَ بِهَا مَنْ حَصَلَتْ الْكِفَايَةُ بِهِ، فَإِنْ أَحَبَّ قَضَاءَهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ صَلَّاهَا أَرْبَعًا، إمَّا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ وَإِمَّا بِسَلَامَيْنِ. وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ فَاتَهُ الْعِيدُ
فصل لم يعلم بيوم العيد إلا بعد زوال الشمس
فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا، وَمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: إنْ أَمَرْت رَجُلًا أَنْ يُصَلِّيَ بِضَعَفَةِ النَّاسِ، أَمَرْته أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا. رَوَاهُمَا سَعِيدٌ. قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُقَوِّي ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ، أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ أَرْبَعًا، وَلَا يَخْطُبُ. وَلِأَنَّهُ قَضَاءُ صَلَاةِ عِيدٍ، فَكَانَ أَرْبَعًا كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ. وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ لِأَنَّ ذَلِكَ تَطَوُّعٌ. وَإِنْ شَاءَ صَلَّاهَا عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْعِيدِ بِتَكْبِيرٍ. نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاخْتَارَهُ الْجُوزَجَانِيُّ. وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ كَانَ إذَا لَمْ يَشْهَدْ الْعِيدَ مَعَ الْإِمَامِ بِالْبَصْرَةِ جَمَعَ أَهْلَهُ وَمَوَالِيهِ، ثُمَّ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ مَوْلَاهُ فَيُصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، يُكَبِّرُ فِيهِمَا. وَلِأَنَّهُ قَضَاءُ صَلَاةٍ، فَكَانَ عَلَى صِفَتِهَا، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ صَلَّاهَا وَحْدَهُ، وَإِنْ شَاءَ فِي جَمَاعَةٍ. قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَيْنَ يُصَلِّي؟ قَالَ: إنْ شَاءَ مَضَى إلَى الْمُصَلَّى، وَإِنْ شَاءَ حَيْثُ شَاءَ. (1427) فَصْلٌ: وَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ جَلَسَ مَعَهُ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، يَأْتِي فِيهِمَا بِالتَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ بَعْضَ الصَّلَاةِ الَّتِي لَيْسَتْ مُبْدَلَةً مِنْ أَرْبَعٍ، فَقَضَاهَا عَلَى صِفَتِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الْخُطْبَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهَا إذَا صُلِّيَتْ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ الَّتِي يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهَا، فَفِي خُطْبَةِ الْعِيدِ أَوْلَى، وَلَا يَكُونُ حُكْمُهُ فِي تَرْكِ التَّحِيَّةِ حُكْمَ مَنْ أَدْرَكَ الْعِيدَ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَجْلِسُ فَيَسْتَمِعُ الْخُطْبَةَ، وَلَا يُصَلِّي؛ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ عَنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ. وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَبْطُلُ بِالدَّاخِلِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الدَّاخِلَ بِالرُّكُوعِ، مَعَ أَنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ آكَدُ. فَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ يَجْلِسُ فَيَسْتَمِعُ، ثُمَّ إنْ أَحَبَّ قَضَى صَلَاةَ الْعِيدِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. [فَصْلٌ لَمْ يَعْلَم بِيَوْمِ الْعِيد إلَّا بَعْد زَوَال الشَّمْس] (1428) فَصْلٌ: إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِيَوْمِ الْعِيدِ إلَّا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، خَرَجَ مِنْ الْغَدِ، فَصَلَّى بِهِمْ الْعِيدَ. وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَصَوَّبَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَا تُقْضَى. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ عَلِمَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ كَقَوْلِنَا، وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يُصَلِّ، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَ لَهَا الِاجْتِمَاعُ وَالْخُطْبَةُ، فَلَا تُقْضَى بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِهَا، كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ. وَإِنَّمَا يُصَلِّيهَا إذَا عَلِمَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ الْعِيدَ هُوَ الْغَدُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ، وَعَرَفَتُكُمْ يَوْمَ تُعَرِّفُونَ» . وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو عُمَيْرِ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا
فصل فاتته صلاة العيد حتى زالت الشمس وأحب قضاءها
إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا. فَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إلَى مُصَلَّاهُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى، وَحَدِيثُ أَبِي عُمَيْرٍ صَحِيحٌ، فَالْمَصِيرُ إلَيْهِ وَاجِبٌ. وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فَلَا تَسْقُطُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ، كَسَائِرِ الْفَرَائِضِ، وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الْجُمُعَةِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا مَعْدُولٌ بِهَا عَنْ الظُّهْرِ بِشَرَائِطَ مِنْهَا الْوَقْتُ، فَإِذَا فَاتَ وَاحِدٌ مِنْهَا رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ. [فَصْل فَاتَتْهُ صَلَاة الْعِيد حَتَّى زَالَتْ الشَّمْس وَأُحِبّ قَضَاءَهَا] (1429) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْوَاحِد إذَا فَاتَتْهُ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَأَحَبَّ قَضَاءَهَا، قَضَاهَا مَتَى أَحَبَّ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَقْضِيهَا إلَّا مِنْ الْغَدِ، قِيَاسًا عَلَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ تَطَوُّعٌ، فَمَتَى أَحَبَّ أَتَى بِهِ، وَفَارَقَ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ، لِأَنَّ النَّاسَ تَفَرَّقُوا يَوْمئِذٍ عَلَى أَنَّ الْعِيدَ فِي الْغَدِ، فَلَا يَجْتَمِعُونَ إلَّا مِنْ الْغَدِ، وَلَا كَذَلِكَ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى اجْتِمَاعِ الْجَمَاعَةِ. وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ هِيَ الصَّلَاةُ الْوَاجِبَةُ، الَّتِي يُعْتَبَرُ لَهَا شُرُوطُ الْعِيدِ وَمَكَانُهُ وَصِفَةُ صَلَاتِهِ، فَاعْتُبِرَ لَهَا الْوَقْتُ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ. [فَصْلٌ شَرْط صَلَاة الْعِيدَيْنِ الِاسْتِيطَان] (1430) فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ الِاسْتِيطَانُ لِوُجُوبِهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّهَا فِي سَفَرِهِ. وَلَا خُلَفَاؤُهُ وَكَذَلِكَ الْعَدَدُ الْمُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةُ عِيدٍ، فَأَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ. وَفِي إذْنِ الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ: أَصَحُّهُمَا، لَيْسَ بِشَرْطٍ. وَلَا يُشْتَرَطُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِصِحَّتِهَا، لِأَنَّهَا تَصِحُّ مِنْ الْوَاحِدِ فِي الْقَضَاءِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ رِوَايَتَانِ. وَقَالَ الْقَاضِي: كَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، لَا يُقَامُ الْعِيدُ إلَّا حَيْثُ تُقَامُ الْجُمُعَةُ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَرَى ذَلِكَ إلَّا فِي مِصْرٍ، لِقَوْلِهِ: لَا جُمُعَة وَلَا تَشْرِيقَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ. وَالثَّانِيَةُ، يُصَلِّيهَا الْمُنْفَرِدُ وَالْمُسَافِرُ، وَالْعَبْدُ وَالنِّسَاءُ، عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الِاسْتِيطَانُ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِهَا الْجَمَاعَةُ، كَالنَّوَافِلِ، إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ إذَا خَطَبَ مَرَّةً، ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يُصَلُّوا، لَمْ يَخْطُبُوا وَصَلَّوْا بِغَيْرِ خُطْبَةٍ، كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَفْرِيق الْكَلِمَةِ، وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَةٌ التَّكْبِير يَوْم عَرَفَة] (1431) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ يَوْمَ عَرَفَةَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ) لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، فِي أَنَّ التَّكْبِيرَ مَشْرُوعٌ فِي عِيدِ النَّحْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّتِهِ، فَذَهَبَ إمَامُنَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى أَنَّهُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ
وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ أَقْوَالِهِ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ إلَى الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَلْقَمَةُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ؛ لِقَوْلِهِ: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28] وَهِيَ الْعَشْرُ، وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُكَبِّرَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمَ النَّحْرِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّ التَّكْبِيرَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لِلْحَاجِّ، وَالْحُجَّاجُ يَقْطَعُونَ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ، وَيُكَبِّرُونَ مَعَ الرَّمْيِ، وَإِنَّمَا يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَأَوَّلُ صَلَاةٍ بَعْدَ ذَلِكَ الظُّهْرُ، وَآخِرُ صَلَاةٍ يُصَلُّونَ بِمِنًى الْفَجْرَ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَلَنَا، مَا رَوَى جَابِرٌ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَأَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. وَمَدَّ التَّكْبِيرَ إلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ» . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طُرُقٍ، وَفِي بَعْضِهَا: " اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ". وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فَأَتَانَا عَلِيٌّ بَعْدَهُ فَكَبَّرَ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. قِيلَ لِأَحْمَدْ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: بِأَيِّ حَدِيثٍ تَذْهَبُ، إلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟ قَالَ: بِالْإِجْمَاعِ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203] . وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَتَعَيَّنَ الذِّكْرُ فِي جَمِيعِهَا. وَلِأَنَّهَا أَيَّامٌ يُرْمَى فِيهَا، فَكَانَ التَّكْبِيرُ فِيهَا كَيَوْمِ النَّحْرِ. وقَوْله تَعَالَى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28] . فَالْمُرَادُ بِهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْهَدَايَا وَالْأَضَاحِيّ. وَيُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْأَنْعَامِ فِي جَمِيعِ الْعَشْرِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِمْ وَتَفْسِيرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ فِي كُلِّ الْعَشْرِ وَلَا فِي أَكْثَرِهِ، وَإِنْ صَحَّ قَوْلُهُمْ فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالذِّكْرِ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ، وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَيُعْمَلُ بِهِ أَيْضًا. وَأَمَّا الْمُحْرِمُونَ فَإِنَّهُمْ يُكَبِّرُونَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ؛ لِمَا ذَكَرُوهُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَشْغُولِينَ قَبْلَ ذَلِكَ بِالتَّلْبِيَةِ، وَغَيْرُهُمْ يَبْتَدِئُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ فِي حَقِّهِمْ مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لَهُمْ فِي هَذَا. دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ، لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، فَلَا تُسْمَعُ.
فصل صفة تكبير العيدين
[فَصْلٌ صِفَة تَكْبِير الْعِيدَيْنِ] (1432) فَصْلٌ: وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، إلَّا أَنَّهُ زَادَ: عَلَى مَا هَدَانَا. لِقَوْلِهِ: {لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [الحج: 37] . وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ جَابِرًا صَلَّى فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ. وَهَذَا لَا يَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا، وَلِأَنَّ التَّكْبِيرَ شِعَارُ الْعِيدِ، فَكَانَ وِتْرًا، كَتَكْبِيرِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ. وَلَنَا، خَبَرُ جَابِرٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ نَصٌّ فِي كَيْفِيَّةِ التَّكْبِيرِ، وَأَنَّهُ قَوْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ، وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَوْلُ جَابِرٍ لَا يُسْمَعُ مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يُقَدَّمُ عَلَى قَوْلِ أَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا، فَكَيْفَ قَدَّمُوهُ عَلَى قَوْلِ جَمِيعِهِمْ؟ وَلِأَنَّهُ تَكْبِيرٌ خَارِجَ الصَّلَاةِ، فَكَانَ شَفْعًا، كَتَكْبِيرِ الْأَذَانِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ جَابِرًا لَا يَفْعَلُهُ إلَّا تَوْقِيفًا. فَاسِدٌ؛ لَوُجُوهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّهُ قَدْ رَوَى خِلَافَ قَوْلِهِ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ مَا صَرَّحَ بِهِ لِاحْتِمَالِ وُجُودِ ضِدِّهِ؟ الثَّانِي، أَنَّهُ إنْ كَانَ قَوْلُهُ تَوْقِيفًا، كَانَ قَوْلُ مَنْ خَالَفَهُ تَوْقِيفًا، فَكَيْفَ قَدَّمُوا الضَّعِيفَ عَلَى مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، مَعَ إمَامَةِ مَنْ خَالَفَهُ وَفَضْلِهِمْ فِي الْعِلْمِ عَلَيْهِ، وَكَثْرَتِهِمْ؟ الثَّالِثُ، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَذْهَبٍ لَهُمْ، فَإِنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَا يُحْمَلُ عَلَى التَّوْقِيفِ عِنْدَهُمْ. الرَّابِعُ، أَنَّهُ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى التَّوْقِيفِ مَا خَالَفَ الْأُصُولَ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ وِتْرًا. [مَسْأَلَةٌ التَّكْبِير عَقِيب الْفَرَائِض فِي الْعِيدَيْنِ] (1433) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (ثُمَّ لَا يَزَالُ يُكَبِّرُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ يُكَبِّرُ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ، حَتَّى يُكَبِّرَ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ثُمَّ يَقْطَعُ) الْمَشْرُوعُ عِنْدَ إمَامِنَا، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، التَّكْبِيرُ عَقِيبَ الْفَرَائِضِ فِي الْجَمَاعَاتِ، فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَذْهَبُ إلَى فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ لَا يُكَبِّرُ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ؟ قَالَ أَحْمَدُ: نَعَمْ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّمَا التَّكْبِيرُ عَلَى مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُكَبِّرُ عَقِيبَ النَّوَافِلِ، وَيُكَبِّرُ عَقِيبَ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكَبِّرُ عَقِيبَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَرِيضَةً كَانَتْ، أَوْ نَافِلَةً، مُنْفَرِدًا صَلَّاهَا، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَفْعُولَةٌ، فَيُكَبِّرُ عَقِيبَهَا، كَالْفَرْضِ فِي جَمَاعَةٍ. وَلَنَا، قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِعْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَكَانَ إجْمَاعًا. وَلِأَنَّهُ
فصل النساء يكبرن في الجماعة في العيدين
ذِكْرٌ مُخْتَصٌّ بِوَقْتِ الْعِيدِ. فَاخْتُصَّ بِالْجَمَاعَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَشْرُوعِيَّتِهِ لِلْفَرَائِضِ مَشْرُوعِيَّتُهُ لِلنَّوَافِلِ، كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. وَعَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُكَبِّرُ لِلْفَرْضِ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مُسْتَحَبٌّ لِلْمَسْبُوقِ، فَاسْتُحِبَّ لِلْمُنْفَرِدِ، كَالسَّلَامِ. [فَصْلٌ النِّسَاء يُكَبِّرْنَ فِي الْجَمَاعَة فِي الْعِيدَيْنِ] (1434) فَصْلٌ: وَالْمُسَافِرُونَ كَالْمُقِيمِينَ، فِيمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ فِي الْجَمَاعَةِ، وَفِي تَكْبِيرِهِنَّ فِي الِانْفِرَادِ رِوَايَتَانِ كَالرِّجَالِ. قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: قُلْت لِأَحْمَدَ، قَالَ سُفْيَانُ: لَا يُكَبِّرُ النِّسَاءُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ إلَّا فِي جَمَاعَةٍ. قَالَ: أَحْسَنُ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: كَانَ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ. وَيَنْبَغِي لَهُنَّ أَنْ يَخْفِضْنَ أَصْوَاتَهُنَّ، حَتَّى لَا يَسْمَعَهُنَّ الرِّجَالُ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُنَّ لَا يُكَبِّرْنَ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ ذِكْرٌ يُشْرَعُ فِيهِ رَفْعُ الصَّوْتِ، فَلَمْ يُشْرَعْ فِي حَقِّهِنَّ، كَالْأَذَانِ [فَصْلٌ الْمَسْبُوق بِبَعْضِ الصَّلَاة يَكْبَر إذَا فَرَغَ مِنْ قَضَاء مَا فَاتَهُ فِي الْعِيدَيْنِ] (1435) فَصْلٌ: وَالْمَسْبُوقُ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ إذَا فَرَغَ مِنْ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَقْضِي، لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، فَيَأْتِي بِهِ الْمَسْبُوقُ قَبْلَ الْقَضَاءِ، كَالتَّشَهُّدِ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَمَكْحُولٍ: يُكَبِّرُ، ثَمَّ يَقْضِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ لِذَلِكَ. وَلَنَا، أَنَّهُ ذِكْرٌ شُرِعَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَلَمْ يَأْتِ بِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، كَالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ، وَالدُّعَاءِ بَعْدَهَا. وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُصَلِّي سُجُودُ سَهْوٍ بَعْدَ السَّلَامِ سَجَدَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سُجُودٌ مَشْرُوعٌ لِلصَّلَاةِ، فَكَانَ التَّكْبِيرُ بَعْدَهُ، وَبَعْدَ تَشَهُّدِهِ كَسُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ، وَآخِرُ مُدَّةِ التَّكْبِيرِ الْعَصْرُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. [فَصْلٌ فَاتَتْهُ صَلَاة مِنْ أَيَّام التَّشْرِيق فَقَضَاهَا فِيهَا] (1436) فَصْلٌ: وَإِذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَضَاهَا فِيهَا، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُؤَدَّاةِ فِي التَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَكَذَلِكَ إنْ فَاتَتْهُ مِنْ غَيْرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَضَاهَا فِيهَا كَذَلِكَ. وَإِنْ فَاتَتْهُ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَقَضَاهَا فِي غَيْرِهَا، لَمْ يُكَبِّرْ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ مُقَيَّدٌ بِالْوَقْتِ، فَلَمْ يُفْعَلْ فِي غَيْرِهِ، كَالتَّلْبِيَةِ. [فَصْلٌ يَكْبَر مُسْتَقْبِل الْقِبْلَة لِلْعِيدَيْنِ] (1437) فَصْلٌ: وَيُكَبِّرُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ. حَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ إبْرَاهِيمَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مُخْتَصٌّ بِالصَّلَاةِ، أَشْبَهَ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُكَبِّرَ كَيْفَمَا شَاءَ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ» . وَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ لَمْ يُكَبِّرْ. وَهَذَا
فصل التكبير في غير أدبار الصلوات
قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالصَّلَاةِ مِنْ بَعْدِهَا، فَأَشْبَهَ سُجُودَ السَّهْوِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُكَبِّرَ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ، فَاسْتُحِبَّ وَإِنْ خَرَجَ وَبَعُدَ، كَالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ بَعْدَهَا. وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي الْمَسْجِدِ عَادَ إلَى مَكَانِهِ، فَجَلَسَ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكَبِّرُ مَاشِيًا. وَهَذَا أَقْيَسُ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الذِّكْرِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا أَحْدَثَ قَبْلَ التَّكْبِيرِ لَمْ يُكَبِّرْ، عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا، لِأَنَّ الْحَدَثَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ. وَبَالَغَ ابْنُ عَقِيلٍ، فَقَالَ: إنْ تَرَكَهُ حَتَّى تَكَلَّمَ، لَمْ يُكَبِّرْ. وَالْأَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ذِكْرٌ مُنْفَرِدٌ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، فَلَا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ، كَسَائِرِ الذِّكْرِ، وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ الطَّهَارَةِ إمَّا بِنَصٍّ أَوْ مَعْنَاهُ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ. وَإِذَا نَسِيَ الْإِمَامُ التَّكْبِيرَ كَبَّرَ الْمَأْمُومُ. وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ يَتْبَعُ الصَّلَاةَ، أَشْبَهَ سَائِرَ الذِّكْرِ. (1438) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ فِي جَمَاعَةٍ، فَأَشْبَهَتْ الْفَجْرَ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يُسَنُّ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، أَشْبَهَتْ النَّوَافِلَ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ أَخَصُّ بِالْعِيدِ، فَكَانَتْ أَحَقَّ بِتَكْبِيرِهِ. [فَصْلٌ التَّكْبِير فِي غَيْر أَدْبَار الصَّلَوَات] (1439) فَصْلٌ: وَيُشْرَعُ التَّكْبِيرُ فِي غَيْرِ أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى فِرَاشِهِ، وَفِي فُسْطَاطِهِ، وَمَجْلِسِهِ، وَمَمْشَاهُ، تِلْكَ الْأَيَّامِ جَمِيعًا، وَكَانَ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمَا يَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا. وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ كُلِّهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28] . كَمَا قَالَ: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203] . وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ الْعَشْرِ، وَالْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، يَخْرُجَانِ إلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ، يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا. وَيُسْتَحَبُّ الِاجْتِهَادُ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ، مِنْ الذِّكْرِ، وَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ، وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ. لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. [فَصْلٌ قَوْل النَّاس فِي الْعِيدَيْنِ تَقْبَل اللَّه مِنَّا وَمِنْكُمْ] (1440) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُل لِلرَّجُلِ يَوْمَ الْعِيدِ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْك. وَقَالَ حَرْبٌ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ قَوْلِ النَّاسِ فِي الْعِيدَيْنِ تَقَبَّلَ اللَّهُ وَمِنْكُمْ. قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، يَرْوِيه أَهْلُ الشَّامِ عَنْ أَبِي
فصل لا بأس بالتعريف عشية عرفة بالأمصار بمقدم العيد
أُمَامَةَ. قِيلَ: وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: فَلَا تُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ هَذَا يَوْمَ الْعِيدِ. قَالَ: لَا. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي تَهْنِئَةِ الْعِيدِ أَحَادِيثَ، مِنْهَا، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ، قَالَ: كُنْت مَعَ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانُوا إذَا رَجَعُوا مِنْ الْعِيدِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لَبَعْضٍ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْك. وَقَالَ أَحْمَدُ: إسْنَادُ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ إسْنَادٌ جَيِّدٌ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ: سَأَلْت مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ مُنْذُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقَالَ: لَمْ يَزُلْ يُعْرَفُ هَذَا بِالْمَدِينَةِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَبْتَدِي بِهِ أَحَدًا، وَإِنْ قَالَهُ أَحَدٌ رَدَدْتُهُ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ لَا بَأْس بِالتَّعْرِيفِ عَشِيَّة عَرَفَة بِالْأَمْصَارِ بِمُقَدَّمِ الْعِيد] (1441) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْأَمْصَارِ. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ التَّعْرِيفِ فِي الْأَمْصَارِ، يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسَاجِدِ يَوْمَ عَرَفَةَ، قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ عَرَّفَ بِالْبَصْرَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَالَ أَحْمَدُ: أَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَبَكْرٌ، وَثَابِتٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ: كَانُوا يَشْهَدُونَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ عَرَفَةَ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ، إنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ وَذِكْرٌ لِلَّهِ. فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُهُ أَنْتَ؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَا. وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ حَضَرَ مَعَ النَّاسِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ.
كتاب صلاة الخوف
[كِتَاب صَلَاة الْخَوْف] ِ صَلَاةُ الْخَوْفِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ} [النساء: 102] الْآيَةُ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ» ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا بَاقٍ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنَّمَا كَانَتْ تَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} [النساء: 102] . وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَبَتَ فِي حَقِّنَا، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ بِقَوْلِهِ: {فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 153] «. وَسُئِلَ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فَأَجَابَ: بِأَنَّنِي أَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقَالَ السَّائِلُ: لَسْتَ مِثْلَنَا، فَغَضِبَ وَقَالَ: إنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي» . وَلَوْ اخْتَصَّ بِفِعْلِهِ لَمَا كَانَ الْإِخْبَارُ بِفِعْلِهِ جَوَابًا، وَلَا غَضِبَ مِنْ قَوْلِ السَّائِلِ: لَسْت مِثْلَنَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ - إذًا - يَكُونُ صَوَابًا. وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحْتَجُّونَ بِأَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَرَوْنَهَا مُعَارِضَةً لِقَوْلِهِ وَنَاسِخَةً لَهُ؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرَتْ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ «بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَيَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ» . تَرَكُوا بِهِ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ» . وَلَمَّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: هُنَّ أَعْلَمُ، إنَّمَا حَدَّثَنِي بِهِ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ. وَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ حُجَّةً لِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ مُعَارِضًا لِقَوْلِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، أَجْمَعُوا عَلَى صَلَاةِ الْخَوْفِ، فَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ لَيْلَةَ الْهَدِيرِ، وَصَلَّى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِأَصْحَابِهِ. وَرُوِيَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْجَيْشِ بِطَبَرِسْتَانَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْخَوْفِ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا. فَقَدَّمَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ. فَأَمَّا تَخْصِيصُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْخِطَابِ، فَلَا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ بِالْحُكْمِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، أَنْكَرُوا عَلَى مَانِعِي الزَّكَاةِ قَوْلَهُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ نَبِيَّهُ بِأَخْذِ الزَّكَاةِ، بِقَوْلِهِ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1] وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَلَمْ يُصَلِّ. قُلْنَا: هَذَا كَانَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَكُونُ نَاسِخًا لِمَا قَبْلَهُ، ثُمَّ إنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ؛ إذْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَقَدْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِمَا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالْإِجْمَاعَ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
مسألة صلاة الخوف إذا كان بإزاء العدو وهو في سفر
أَخَّرَ الصَّلَاةَ نِسْيَانًا، فَإِنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَهُمْ عَنْ صَلَاتِهَا، فَقَالُوا: مَا صَلَّيْنَا» . وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ «قَالَ: مَا صَلَّيْت الْعَصْرَ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» . أَوْ كَمَا جَاءَ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قِتَالٌ يَمْنَعُهُ مِنْ الصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. [مَسْأَلَةٌ صَلَاة الْخَوْف إذَا كَانَ بِإِزَاءِ الْعَدُوّ وَهُوَ فِي سَفَر] (1442) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَصَلَاةُ الْخَوْفِ إذَا كَانَ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، صَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، وَأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا أُخْرَى بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ، ثُمَّ ذَهَبَتْ تَحْرُسُ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى الَّتِي بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّتْ مَعَهُ رَكْعَةً وَأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا أُخْرَى بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ، وَيُطِيلُ التَّشَهُّدَ حَتَّى يُتِمُّوا التَّشَهُّدَ، وَيُسَلِّمُ بِهِمْ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَوْفَ لَا يُؤَثِّرُ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ جَمِيعًا، فَإِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ يُبِيحُ الْقَصْرَ، صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، وَتُتِمُّ لِأَنْفُسِهَا أُخْرَى عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِشَرَائِطَ: مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ مُبَاحَ الْقِتَالِ، وَأَنْ لَا يُؤْمَنَ هُجُومُهُ. قَالَ الْقَاضِي: وَمِنْ شَرْطِهَا كَوْنُ الْعَدُوِّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ. وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، فَإِنَّهُ قَالَ: قُلْت لَهُ، حَدِيثُ سَهْلٍ، نَسْتَعْمِلُهُ مُسْتَقْبِلِينَ الْقِبْلَةَ كَانُوا أَوْ مُسْتَدْبِرِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ أَنْكَى. وَلِأَنَّ الْعَدُوَّ قَدْ يَكُونُ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ صَلَاةَ عُسْفَانَ لِانْتِشَارِهِمْ، أَوْ اسْتِتَارِهِمْ، أَوْ الْخَوْفِ مِنْ كَمِينٍ، فَالْمَنْعُ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ يُفْضِي إلَى تَفْوِيتهَا. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَكُونَ فِي الْمُصَلِّينَ كَثْرَةٌ يُمْكِنْ تَفْرِيقُهُمْ طَائِفَتَيْنِ، كُلُّ طَائِفَةٍ ثَلَاثَةٌ فَأَكْثَرُ. وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ كَرِهْنَاهُ، لِأَنَّ أَحْمَدْ ذَهَبَ إلَى ظَاهِرِ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَوَجْهُ. قَوْلِهِمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّائِفَةَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} [النساء: 102] . وَأَقَلُّ لَفْظِ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُشْتَرَطَ هَذَا؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ عَدَدٌ تَصِحُّ بِهِ الْجَمَاعَةُ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ طَائِفَةً كَالثَّلَاثَةِ، وَأَمَّا فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلُّونَ مِثْلَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَدَدِ وَجْهًا وَاحِدًا؛ وَلِذَلِكَ اكْتَفَيْنَا بِثَلَاثَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَفِّفَ بِهِمْ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ صَلَاةِ الْخَوْفِ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَكَذَلِكَ الطَّائِفَةُ الَّتِي تُفَارِقُهُ تُصَلِّي لِنَفْسِهَا، تَقْرَأُ بِسُورَةٍ خَفِيفَةٍ، وَلَا تُفَارِقُهُ حَتَّى يَسْتَقِلَّ قَائِمًا؛ لِأَنَّ النُّهُوضَ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ
جَمِيعًا، فَلَا حَاجَةَ إلَى مُفَارَقَتِهِمْ إيَّاهُ قَبْلَهُ، وَالْمُفَارَقَةُ إنَّمَا جَازَتْ لِلْعُذْرِ. وَيَقْرَأُ، وَيَتَشَهَّدُ، وَيُطِيلُ فِي حَالِ الِانْتِظَارِ حَتَّى يُدْرِكُوهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَقْرَأُ حَالَ الِانْتِظَارِ، بَلْ يُؤَخِّرُ الْقِرَاءَةَ لِيَقْرَأَ بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ، لِيَكُونَ قَدْ سَوَّى بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ. وَلَنَا، أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَ فِيهَا حَالُ سُكُوتٍ، وَالْقِيَامُ مَحَلٌّ لِلْقِرَاءَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِيهِ، كَمَا فِي التَّشَهُّدِ إذَا انْتَظَرَهُمْ فَإِنَّهُ يَتَشَهَّدُ وَلَا يَسْكُتُ، كَذَلِكَ هَاهُنَا، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ تَحْصُلُ بِانْتِظَارِهِ إيَّاهُمْ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَالْأَوْلَى فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَالَ الْقَاضِي: إنْ قَرَأَ فِي انْتِظَارِهِمْ قَرَأَ بَعْدَ مَا جَاءُوا بِقَدْرِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ خَفِيفَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي انْتِظَارِهِمْ قَرَأَ إذَا جَاءُوا بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ خَفِيفَةٍ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ، وَلَوْ قَرَأَ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ ثُمَّ رَكَعَ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ أَوْ قَبْلَهُ فَأَدْرَكُوهُ رَاكِعًا رَكَعُوا مَعَهُ، وَصَحَّتْ لَهُمْ الرَّكْعَةُ مَعَ تَرْكِهِ السُّنَّةَ، وَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامُوا فَصَلَّوْا رَكْعَةً أُخْرَى، وَأَطَالَ التَّشَهُّدَ بِالدُّعَاءِ وَالتَّوَسُّلِ حَتَّى يُدْرِكُوهُ وَيَتَشَهَّدُوا، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهِمْ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَتَشَهَّدُونَ مَعَهُ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامُوا فَقَضَوْا مَا فَاتَهُمْ كَالْمَسْبُوقِ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء: 102] . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُمْ كُلَّهَا مَعَهُ. وَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَعَدَ حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرُوِيَ أَنَّهُ سَلَّمَ بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ. وَلِأَنَّ الْأُولَى أَدْرَكَتْ مَعَهُ فَضِيلَةَ الْإِحْرَامِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَلِّمَ بِالثَّانِيَةِ، لِيُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، إلَّا فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُصَلِّي كَمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجِهَةٌ لِلْعَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، وَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَ أُولَئِكَ، ثُمَّ صَلَّى لَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُصَلِّي بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، وَالْأُخْرَى مُوَاجِهَةٌ لِلْعَدُوِّ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَهُ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَهِيَ فِي صَلَاتِهَا، ثُمَّ تَجِيءُ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَتُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ الْإِمَامُ، وَتَرْجِعُ الطَّائِفَةُ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ تَأَتَّى الطَّائِفَةُ الْأُولَى إلَى مَوْضِعِ صَلَاتِهَا، فَتُصَلِّي رَكْعَةً مُنْفَرِدَةً وَلَا تَقْرَأُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الِائْتِمَامِ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ، فَتُصَلِّي الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مُنْفَرِدَةً، وَتَقْرَأُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ فَارَقَتْ الْإِمَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمَسْبُوقِ إذَا فَارَقَ إمَامَهُ. قَالَ: وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّكُمْ جَوَّزْتُمْ لِلْمَأْمُومِ فِرَاقَ إمَامِهِ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَهِيَ الطَّائِفَةُ الْأُولَى، وَلِلثَّانِيَةِ فِرَاقُهُ فِي الْأَفْعَالِ، فَيَكُونُ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ يَأْتُونَ بِرَكْعَةٍ وَهُمْ فِي إمَامَتِهِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى «صَالِحُ بْنُ خَوَّاتٍ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَالْعَمَلُ بِهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَحْوَطُ لِلصَّلَاةِ وَالْحَرْبِ. أَمَّا مُوَافَقَةُ الْكِتَابِ، فَإِنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء: 102] . يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ صَلَاتِهَا مَعَهُ، وَعِنْدَهُ تُصَلِّي مَعَهُ رَكْعَةً فَقَطْ، وَعِنْدَنَا جَمِيعُ صَلَاتِهَا مَعَهُ، إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ تُوَافِقُهُ فِي أَفْعَالِهِ وَقِيَامِهِ، وَالثَّانِيَةُ تَأْتِي بِهَا قَبْلَ سَلَامِهِ، ثُمَّ تُسَلِّمُ مَعَهُ، وَمِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ: لَمْ يُصَلُّوا أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى قَدْ صَلَّتْ جَمِيعَ صَلَاتِهَا، وَعَلَى قَوْلِهِمْ: لَمْ تُصَلِّ إلَّا بَعْضَهَا. وَأَمَّا الِاحْتِيَاطُ لِلصَّلَاةِ، فَإِنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تَأْتِي بِصَلَاتِهَا مُتَوَالِيَةً، بَعْضُهَا تُوَافِقُ الْإِمَامَ فِيهَا فِعْلًا، وَبَعْضُهَا تُفَارِقُهُ، وَتَأْتِي بِهِ وَحْدَهَا كَالْمَسْبُوقِ. وَعِنْدَهُ تَنْصَرِفُ فِي الصَّلَاةِ، فَإِمَّا أَنْ تَمْشِيَ، وَإِمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَهَذَا عَمَلٌ كَثِيرٌ، وَتَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ، وَهَذَا يُنَافِي الصَّلَاةَ، وَتَفَرَّقُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ تَفْرِيقًا كَثِيرًا بِمَا يُنَافِيهَا. ثُمَّ جَعَلُوا الطَّائِفَةَ الْأُولَى مُؤْتَمَّةً بِالْإِمَامِ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ مَأْمُومًا فِي رَكْعَةٍ يَأْتِي بِهَا بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ. وَأَمَّا الِاحْتِيَاطُ لِلْحَرْبِ، فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الضَّرْبِ وَالطَّعْنِ وَالتَّحْرِيضِ، وَإِعْلَامِ غَيْرِهِ بِمَا يَرَاهُ مِمَّا خَفِيَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْعَدُوِّ وَتَحْذِيرِهِ، وَإِعْلَامِ الَّذِينَ مَعَ الْإِمَامِ بِمَا يَحْدُثُ، وَلَا يُمْكِنُ هَذَا عَلَى قَوْلِهِمْ، وَلِأَنَّ مَبْنَى صَلَاةِ الْخَوْفِ عَلَى التَّخْفِيفِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. وَعَلَى قَوْلِهِمْ تَطُولُ الصَّلَاةُ أَضْعَافَ مَا كَانَتْ حَالَ الْأَمْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تَحْتَاجُ إلَى مُضِيٍّ إلَى مَكَانِ الصَّلَاةِ، وَرُجُوعٍ إلَى وِجَاهِ الْعَدُوِّ، وَانْتِظَارٍ لِمُضِيِّ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى وَرُجُوعِهَا، فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَكَانَيْنِ نِصْفُ مِيلٍ، تَحْتَاجُ كُلُّ طَائِفَةٍ إلَى مَشْيِ مِيلٍ، وَانْتِظَارٍ لِلْأُخْرَى قَدْرَ مَشْيِ مِيلٍ وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ تَحْتَاجُ إلَى تَكْلِيفِ الرُّجُوعِ إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ لِإِتْمَامِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ. وَلَا مَصْلَحَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ، فَلَوْ احْتَاجَ الْآمِنُ إلَى مِثْلِ هَذِهِ الْكُلْفَةِ فِي الْجَمَاعَةِ لَسَقَطَتْ عَنْهُ، فَكَيْفَ يُكَلَّفُ الْخَائِفُ هَذَا وَهُوَ فِي مَظِنَّةِ التَّخْفِيفِ، وَالْحَاجَةِ
فصل صلوا الجمعة صلاة الخوف
إلَى الرِّفْقِ بِهِ. وَأَمَّا مُفَارَقَةُ الْإِمَامِ فَجَائِزَةٌ لِلْعُذْرِ، وَلَا بُدَّ مِنْهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ، فَإِنَّهُمْ جَوَّزُوا لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى مُفَارَقَةَ الْإِمَامِ وَالذَّهَابَ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَهَذَا أَعْظَمُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. (1443) فَصْلٌ: وَإِنْ صَلَّى بِهِمْ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَلَكِنْ يَكُونُ تَارِكًا لِلْأَوْلَى وَالْأَحْسَنِ. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. (1444) فَصْلٌ: وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِذَلك نَصٌّ وَلَا قِيَاسٌ. وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ الَّتِي بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ مِمَّنْ تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِكِفَايَتِهَا وَحِرَاسَتِهَا، وَمَتَى خُشِيَ اخْتِلَالُ حَالِهِمْ وَاحْتِيجَ إلَى مَعُونَتِهِمْ بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَنْهَدَ إلَيْهِمْ بِمَنْ مَعَهُ، وَيَبْنُوا عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمْ. [فَصْلٌ صَلَّوْا الْجُمُعَة صَلَاة الْخَوْف] (1445) فَصْلٌ: فَإِنْ صَلَّوْا الْجُمُعَةَ صَلَاةَ الْخَوْفِ جَازَ، إذَا كَانَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ أَرْبَعِينَ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْعَدَدُ شَرْطٌ فِي الْجُمُعَةِ كُلِّهَا، وَمَتَى ذَهَبَتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى بَقِيَ الْإِمَامُ مُنْفَرِدًا، فَتَبْطُلُ كَمَا لَوْ نَقَصَ الْعَدَدُ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا جَازَ لِأَجْلِ الْعُذْرِ، وَلِأَنَّهُ يَتَرَقَّبُ مَجِيءَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى، بِخِلَافِ الِانْفِضَاضِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْطُبَ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَيُصَلِّيَ بِالْأُخْرَى، حَتَّى يُصَلِّيَ مَعَهُ مَنْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. [فَصْلٌ الطَّائِفَة الْأُولَى فِي حُكْم الِائْتِمَام فِي صَلَاة الْخَوْف] (1446) فَصْلٌ: وَالطَّائِفَةُ الْأُولَى فِي حُكْمِ الِائْتِمَامِ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ، فَإِنْ سَهَا لَحِقَهُمْ حُكْمُ سَهْوِهِ فِيمَا قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ، وَإِنْ سَهَوْا لَمْ يَلْزَمْهُمْ حُكْمُ سَهْوِهِمْ، لِأَنَّهُمْ مَأْمُومُونَ. وَأَمَّا بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ: فَإِنْ سَهَا لَمْ يَلْزَمْهُمْ حُكْمُ سَهْوِهِ، فَإِنْ سَهَوْا لَحِقَهُمْ حُكْمُ سَهْوِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُنْفَرِدُونَ. وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ، فَيَلْحَقُهَا حُكْمُ سَهْوِ إمَامِهَا فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، مَا أَدْرَكَتْ مِنْهَا وَمَا فَاتَهَا، كَالْمَسْبُوقِ يَلْحَقُهُ حُكْمُ سَهْوِ إمَامِهِ فِيمَا لَمْ يُدْرِكْهُ. وَلَا يَلْحَقُهَا حُكْمُ سَهْوِهَا فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهَا؛ لِأَنَّهَا إنْ فَارَقَتْهُ فِعْلًا لِقَضَاءِ مَا فَاتَهَا، فَهِيَ فِي حُكْمِ الْمُؤْتَمِّ بِهِ، لِأَنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ بِسَلَامِهِ، فَإِذَا فَرَغَتْ مِنْ قَضَاءِ مَا فَاتَهَا، سَجَدَ وَسَجَدَتْ مَعَهُ، فَإِنْ سَجَدَ الْإِمَامُ قَبْلَ إتْمَامِهَا سَجَدَتْ؛ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَّةٌ بِهِ، فَيَلْزَمُهَا مُتَابَعَتُهُ، وَلَا تُعِيدُ السُّجُودَ بَعْدَ فَرَاغِهَا مِنْ التَّشَهُّدِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَنْفَرِدْ عَنْ الْإِمَامِ، فَلَا يَلْزَمُهَا مِنْ السُّجُودِ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْزَمهُ، بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَنْبَنِي هَذَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَسْبُوقِ إذَا سَجَدَ مَعَ إمَامِهِ ثُمَّ قَضَى مَا عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا.
مسألة خاف وهو مقيم أن يصلي
[مَسْأَلَةٌ خَافَ وَهُوَ مُقِيم أَنَّ يُصَلِّي] (1447) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ خَافَ وَهُوَ مُقِيمٌ، صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَأَتَمَّتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى تُتِمُّ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ جَائِزَةٌ فِي الْحَضَرِ، إذَا اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ بِنُزُولِ الْعَدُوِّ قَرِيبًا مِنْ الْبَلَدِ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي الْحَضَرِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَاةُ الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْهَا فِي الْحَضَرِ. وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا كَقَوْلِنَا. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ} [النساء: 102] الْآيَةُ، وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ حَالٍ، وَتَرْكُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلَهَا فِي الْحَضَرِ إنَّمَا كَانَ لِغِنَاهُ عَنْ فِعْلِهَا فِي الْحَضَرِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّمَا دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ. قُلْنَا: وَقَدْ يَكُونُ فِي الْحَضَرِ رَكْعَتَانِ، الصُّبْحُ وَالْجُمُعَةُ، وَالْمَغْرِبُ ثَلَاثٌ، وَيَجُوزُ فِعْلُهَا فِي الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ، وَلِأَنَّهَا حَالَةُ خَوْفٍ، فَجَازَتْ فِيهَا صَلَاةُ الْخَوْفِ كَالسَّفَرِ، فَإِذَا صَلَّى بِهِمْ الرُّبَاعِيَّةَ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ، فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَهَلْ تُفَارِقُهُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، أَوْ حِينَ يَقُومُ إلَى الثَّالِثَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، حِينَ قِيَامِهِ إلَى الثَّالِثَةِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى التَّطْوِيلِ مِنْ أَجْلِ الِانْتِظَارِ، وَالتَّشَهُّدُ يُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُهُ، وَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ. وَلِأَنَّ ثَوَابَ الْقَائِمِ أَكْثَرُ، وَلِأَنَّهُ إذَا انْتَظَرَهُمْ جَالِسًا، فَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ، فَإِنَّهُ يَقُومُ قَبْل إحْرَامِهِمْ، فَلَا يَحْصُلُ اتِّبَاعُهُمْ لَهُ فِي الْقِيَامِ. وَالثَّانِي، فِي التَّشَهُّدِ؛ لِتُدْرِكْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ جَمِيعَ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَة، وَلِأَنَّ الِانْتِظَارَ فِي الْجُلُوسِ أَخَفُّ عَلَى الْإِمَامِ، وَلِأَنَّهُ مَتَى انْتَظَرَهُمْ قَائِمًا احْتَاجَ إلَى قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ. وَأَيًّا مَا فَعَلَ كَانَ جَائِزًا. وَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، جَلَسَتْ الطَّائِفَةُ مَعَهُ، فَتَشَهَّدَتْ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، وَقَامَتْ وَهُوَ جَالِسٌ فَأَتَمَّتْ صَلَاتَهَا، وَتَقْرَأُ فِي كُلّ رَكْعَةٍ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ؛ لِأَنَّ مَا تَقْضِيهِ أَوَّلُ صَلَاتِهَا، وَلِأَنَّهَا لَمْ يَحْصُلْ لَهَا مَعَ الْإِمَامِ قِرَاءَةُ السُّورَةِ. وَيُطَوِّلُ الْإِمَامُ التَّشَهُّدَ وَالدُّعَاءَ حَتَّى تُصَلِّيَ الرَّكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ بِهِمْ. فَأَمَّا الطَّائِفَةُ الْأُولَى، فَإِنَّمَا تَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ إمَامِهَا الْفَاتِحَةَ وَحْدَهَا، لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتِهَا. وَقَدْ قَرَأَ إمَامُهَا بِهَا السُّورَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ مَا تَقْضِيهِ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ أَوَّلُ صَلَاتِهَا، فَعَلَى هَذَا تَسْتَفْتِحُ إذَا فَارَقَتْ إمَامَهَا، وَتَسْتَعِيذُ، وَتَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ آخِرُ صَلَاتِهَا، وَمُقْتَضَاهُ أَلَّا تَسْتَفْتِحَ وَلَا تَسْتَعِيذَ وَلَا تَقْرَأَ السُّورَةَ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ
فصل الرواية فيما يقضيه المسبوق في صلاة الخوف
فَيَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُخَفِّفَ، وَإِنْ قَرَأَتْ سُورَةً فَلْتَكُنْ مِنْ أَخَفِّ السُّوَرِ، أَوْ تَقْرَأَ آيَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ مِنْ سُورَةٍ. وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُعَجِّلَ بِالسَّلَامِ حَتَّى يَفْرَغَ أَكْثَرُهُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ، فَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ فَرَاغِ بَعْضِهِمْ، أَتَمَّ تَشَهُّدَهُ وَسَلَّمَ. [فَصْلٌ الرِّوَايَة فِيمَا يَقْضِيه الْمَسْبُوق فِي صَلَاة الْخَوْف] (1448) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيمَا يَقْضِيهِ الْمَسْبُوقُ، فَرُوِيَ أَنَّهُ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، وَمَا يُدْرِكُهُ مَعَ الْإِمَامِ آخِرَهَا. وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنْ مَا يَقْضِيه آخِرُ صَلَاتِهِ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَكْحُولٌ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَالْمُزَنِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ آخِرُ صَلَاتِهِ حَقِيقَةً، فَكَانَ آخِرَهَا حُكْمًا، كَغَيْرِ الْمَسْبُوقِ، وَلِأَنَّهُ يَتَشَهَّدُ فِي آخِرِ مَا يَقْضِيه وَيُسَلِّمُ، وَلَوْ كَانَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ لَمَا تَشَهَّدَ وَكَانَ يَكْفِيهِ تَشَهُّدُهُ مَعَ الْإِمَامِ. وَلِلرِّوَايَةِ الْأُولَى قَوْلُهُ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» . وَهُوَ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى قَضَاءً، وَالْقَضَاءُ لِلْفَائِتِ، وَالْفَائِتُ أَوَّلُ الصَّلَاةِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " فَأَتِمُّوا " أَيْ اقْضُوا، لِأَنَّ الْقَضَاءَ إتْمَامٌ؛ وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ فَائِتًا، وَالْفَائِتُ أَوَّلُ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُ يَقْرَأُ فِيمَا يَقْضِيهِ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، فَكَانَ أَوَّلَ الصَّلَاةِ، كَغَيْرِ الْمَسْبُوقِ. وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كُلُّ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ بِالْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا يَقُولُونَ: يَقْضِي مَا فَاتَهُ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ، عَلَى حَسَبِ مَا قَرَأَ إمَامُهُ، إلَّا إِسْحَاقَ وَالْمُزَنِيِّ وَدَاوُد، قَالُوا: يَقْرَأُ بِالْحَمْدُ وَحْدَهَا. وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْقَضَاءِ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ، لَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الِاسْتِفْتَاحِ وَالِاسْتِعَاذَةِ حَالَ مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ، وَفِي مَوْضِعِ الْجَلْسَةِ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، فِي حَقِّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْمَغْرِبِ وَالرُّبَاعِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [فَصْلٌ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنْ الْمَغْرِب أَوْ الرَّبَاعِيَة فِي صَلَاة الْخَوْف] (1449) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي مَوْضِعِ الْجَلْسَةِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فِي حَقِّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْمَغْرِبِ أَوْ الرُّبَاعِيَّةِ، إذَا قَضَى، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إذَا قَامَ اسْتَفْتَحَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، وَفَعَلَ ذَلِكَ جُنْدُبٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا أَوَّلُ صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَتَشَهَّدْ بَيْنَهُمَا كَغَيْرِ الْمَسْبُوقِ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى صِفَةِ الْأَدَاءِ، وَالْأَدَاءُ لَا جُلُوسَ فِيهِ، وَلِأَنَّهُمَا رَكْعَتَانِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ، فَلَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا كالمؤداتين. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ يَقُومُ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ، يَقْرَأُ فِيهَا بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَأْتِيَ بِأُخْرَى بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ، فِي الْمَغْرِبِ، أَوْ بِرَكْعَتَيْنِ
مُتَوَالِيَتَيْنِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ، يَقْرَأُ فِي أُولَاهَا بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْحَمْدُ وَحْدَهَا. نَقَلَهَا صَالِحٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ. وَفَعَلَ ذَلِكَ مَسْرُوقٌ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كَمَا فَعَلَ مَسْرُوقٌ يَفْعَلُ. وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِلزُّهْرِيِّ: مَا صَلَاةٌ يَجْلِسُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا؟ قَالَ سَعِيدٌ: هِيَ الْمَغْرِبُ إذَا أَدْرَكْت مِنْهَا رَكْعَةً، وَلِأَنَّ الثَّالِثَةَ آخِرُ صَلَاتِهِ فِعْلًا، فَيَجِبُ أَنْ يَجْلِسَ قَبْلَهَا كَغَيْرِ الْمَسْبُوقِ وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ. قَالَ: جَاءَ جُنْدُبٌ وَمَسْرُوقٌ إلَى الْمَسْجِدِ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ، فَدَخَلَا فِي الصَّفِّ، فَقَرَأَ جُنْدُبٌ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَقْرَأْ مَسْرُوقٌ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، فَقَرَأَ جُنْدُبٌ وَقَرَأَ مَسْرُوقٌ، وَجَلَسَ مَسْرُوقٌ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَقَامَ جُنْدُبٌ، وَقَرَأَ مَسْرُوقٌ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ وَلَمْ يَقْرَأْ جُنْدُبٌ، فَلَمَّا قَضَيَا الصَّلَاةَ أَتَيَا عَبْدَ اللَّهِ فَسَأَلَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَصَّا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَمَا فَعَلَ مَسْرُوقٌ يُفْعَلُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إذَا أَدْرَكْت رَكْعَةً مِنْ الْمَغْرِبِ فَاجْلِسْ فِيهِنَّ كُلِّهِنَّ. وَأَيًّا مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ جَازَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى جُنْدُبٍ فِعْلَهُ، وَلَا أَمَرَهُ بِإِعَادَةِ صَلَاتِهِ. (1450) فَصْلٌ: إذَا فَرَّقَهُمْ فِي الرُّبَاعِيَّةِ فِرْقَتَيْنِ، فَصَلَّى بِالْأُولَى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً، أَوْ بِالْأُولًى رَكْعَةً وَبِالثَّانِيَةِ ثَلَاثًا، صَحَّتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى انْتِظَارَيْنِ وَرَدَ الشَّرْعُ بِمِثْلِهِمَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ لِلسَّهْوِ، وَلَا سَهْوَ هَاهُنَا، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ فَعَلَهُ سَاهِيًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى سُجُودٍ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ، فَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، كَمَا لَوْ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الرَّفْعِ وَتَرَكَ رَفْعَهُمَا فِي مَوْضِعِهِ. فَأَمَّا إِن فَرَّقَهُمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ، فَصَلَّى فِي كُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، أَوْ ثَلَاثَ فِرَقٍ فَصَلَّى بِإِحْدَاهُنَّ رَكْعَتَيْنِ، وَبِالْبَاقِينَ رَكْعَةً رَكْعَةً. صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، لِأَنَّهُمَا ائْتَمَّا بِمَنْ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا مَا يُبْطِلُ صَلَاتَهُمَا، وَتَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ بِالِانْتِظَارِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَزَادَ انْتِظَارًا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِهِ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ بِهِ حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الرُّخَصَ إنَّمَا يُصَارُ فِيهَا إلَى مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ، وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ؛ لِائْتِمَامِهَا بِمَنْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةً مِنْ أَوَّلِهَا. فَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى، فَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، كَمَا لَوْ ائْتَمَّ بِمُحَدِّثٍ، وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَخْفَى عَلَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، كَمَا اعْتَبَرْنَا فِي صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ ائْتَمَّ بِمُحَدِّثٍ - خَفَاءَهُ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَصِحَّ صَلَاتُهُمَا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ يَعْلَمَانِ وُجُودَ الْمُبْطِلِ. وَإِنَّمَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْبُطْلَانَ، كَمَا لَوْ عَلِمَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ
مسألة كانت الصلاة مغربا في صلاة الخوف
حَدَثَ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَعْلَمَا كَوْنَهُ مُبْطِلًا. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَصِحُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَنْصُوصُ أَنَّ صَلَاتَهُمْ تَبْطُلُ بِالِانْتِظَارِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى انْتِظَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زِيَادَةً لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهَا. وَلَنَا عَلَى الْأَوَّلِ، أَنَّ الرُّخَصَ إنَّمَا تُتَلَقَّى مِنْ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهَذَا. وَعَلَى الثَّانِي، أَنَّ طُولَ الِانْتِظَارِ لَا عِبْرَةَ بِهِ، كَمَا لَوْ أَبْطَأَتْ الثَّانِيَةُ فِيمَا إذَا فَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ. [مَسْأَلَةٌ كَانَتْ الصَّلَاة مَغْرِبًا فِي صَلَاة الْخَوْف] (1451) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا رَكْعَةً تَقْرَأُ فِيهَا بِالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَيُصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَةً، وَأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا رَكْعَتَيْنِ، تَقْرَأُ فِيهِمَا بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَسُفْيَانُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَقَالَ فِي آخَرَ: يُصَلِّي بِالْأُولَى رَكْعَةً، وَالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ صَلَّى لَيْلَةَ الْهَدِيرِ هَكَذَا، وَلِأَنَّ الْأُولَى أَدْرَكَتْ مَعَهُ فَضِيلَةَ الْإِحْرَامِ وَالتَّقَدُّمِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَزِيدَ الثَّانِيَةُ فِي الرَّكَعَاتِ؛ لِيُجْبَرَ نَقْصُهُمْ، وَتُسَاوِيَ الْأُولَى. وَلَنَا، أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّفْضِيلِ، فَالْأُولَى أَحَقُّ بِهِ، وَلِأَنَّهُ يُجْبَرُ مَا فَاتَ الثَّانِيَةَ بِإِدْرَاكِهَا السَّلَامَ مَعَ الْإِمَامِ، وَلِأَنَّهَا تُصَلِّي جَمِيعَ صَلَاتِهَا فِي حُكْمِ الِائْتِمَامِ، وَالْأُولَى تَفْعَلُ بَعْضَ صَلَاتِهَا فِي حُكْمِ الِانْفِرَادِ، وَأَيًّا مَا فَعَلَ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا. وَهَلْ تُفَارِقُهُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فِي التَّشَهُّدِ، أَوْ حِينَ يَقُومُ إلَى الثَّالِثَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِذَا صَلَّى بِالثَّانِيَةِ الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ، وَجَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ، فَإِنَّ الطَّائِفَةَ تَقُومُ وَلَا تَتَشَهَّدُ مَعَهُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِتَشَهُّدِهَا، بِخِلَافِ الرُّبَاعِيَّةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَتَشَهَّدَ مَعَهُ، لِأَنَّهَا تَقْضِي رَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَيُفْضِي إلَى أَنْ تُصَلِّيَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ بِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ، وَلَا نَظِيرَ لِهَذَا فِي الصَّلَوَاتِ، فَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ تَتَشَهَّدُ مَعَهُ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، ثُمَّ تَقُومُ، كَالصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ سَوَاءً. [فَصْل يُسْتَحَبّ أَنْ يَحْمِل السِّلَاح فِي صَلَاة الْخَوْف] فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْمِلَ السِّلَاحَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] . وَلِأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوُّهُمْ، فَيَمِيلُونَ عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} [النساء: 102] . وَالْمُسْتَحَبُّ مِنْ ذَلِكَ مَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ. كَالسَّيْفِ، وَالسِّكِّينِ، وَلَا يُثْقِلُهُ، كَالْجَوْشَنِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ إكْمَالِ السُّجُودِ، كَالْمِغْفَرِ،
فصل يصلي صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله
وَلَا مَا يُؤْذِي غَيْرَهُ، كَالرُّمْحِ إذَا كَانَ مُتَوَسِّطًا، فَإِنْ كَانَ فِي الْحَاشِيَةِ لَمْ يُكْرَهْ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ نَجَسٍ، وَلَا مَا يُخِلُّ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، مِثْلُ أَنْ يَخَافَ وُقُوعَ الْحِجَارَةِ أَوْ السِّهَامِ بِهِ، فَيَجُوزُ لَهُ حَمْلُهُ لِلضَّرُورَةِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يَجِبُ حَمْلُ السِّلَاحِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَكَانَ شَرْطًا فِي الصَّلَاةِ كَالسُّتْرَةِ، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ لِلرِّفْقِ بِهِمْ وَالصِّيَانَةِ لَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْإِيجَابِ، كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَهَى عَنْ الْوِصَالِ رِفْقًا بِهِمْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّحْرِيمِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا، وَبِهِ قَالَ دَاوُد، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَالْحُجَّةُ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَقَدْ اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْإِيجَابِ بِهِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} [النساء: 102] . وَنَفْيُ الْحَرَجِ مَشْرُوطًا بِالْأَذَى دَلِيلٌ عَلَى لُزُومِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ، فَأَمَّا إنْ كَانَ بِهِمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ مَرَضٍ، فَلَا يَجِبُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، بِتَصْرِيحِ النَّصِّ بِنَفْيِ الْحَرَجِ فِيهِ. [فَصْل يُصَلِّي صَلَاة الْخَوْف عَلَى كُلّ صِفَة صَلَّاهَا رَسُول اللَّه] . (1453) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى كُلِّ صِفَةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي أَبْوَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فَالْعَمَلُ بِهِ جَائِزٌ. وَقَالَ: سِتَّةُ أَوْجُهٍ أَوْ سَبْعَةٌ يُرْوَى فِيهَا، كُلُّهَا جَائِزٌ. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: تَقُولُ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا كُلُّ حَدِيثٍ فِي مَوْضِعِهِ، أَوْ تَخْتَارُ وَاحِدًا مِنْهَا. قَالَ: أَنَا أَقُولُ مَنْ ذَهَبَ إلَيْهَا كُلَّهَا فَحَسَنٌ، وَأَمَّا حَدِيث سَهْلٍ فَأَنَا أَخْتَارُهُ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَنَذْكُرُ الْوُجُوهَ الَّتِي بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَيْهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا وَجْهَيْنِ أَحَدَهُمَا، مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ حَدِيثُ سَهْلٍ. وَالثَّانِي حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ. وَالثَّالِثُ، صَلَاةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعُسْفَانَ، وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ قَالَ «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعُسْفَانَ وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. فَصَلَّيْنَا الظُّهْرَ. فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَقَدْ أَصَبْنَا غِرَّةً لَوْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَاةِ. فَنَزَلَتْ آيَةُ الْقَصْرِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. فَلَمَّا حَضَرَتْ الْعَصْرُ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَالْمُشْرِكُونَ أَمَامَهُ، فَصَفَّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَفٌّ، وَصَفَّ خَلْفَ ذَلِكَ الصَّفِّ صَفٌّ آخَرُ، فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الْآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمَّا صَلَّى بِهَؤُلَاءِ السَّجْدَتَيْنِ وَقَامُوا، سَجَدَ الْآخَرُونَ
الَّذِينَ كَانُوا خَلْفَهُمْ، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ إلَى مَقَامِ الْآخَرِينَ، وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الْآخَرُ إلَى مَقَامِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الْآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمَّا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ سَجَدَ الْآخَرُونَ، ثُمَّ جَلَسُوا جَمِيعًا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَصَلَّاهَا بِعُسْفَانَ، وَصَلَّاهَا يَوْمَ بَنِي سُلَيْمٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرَوَى جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّهُ أَمَرَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ بِطَبَرِسْتَانَ حِينَ سَأَلَهُمْ: أَيُّكُمْ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْخَوْفِ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا. وَأَمَرَهُ بِنَحْوِ هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ: وَتَأْمُرُ أَصْحَابَكَ إنْ هَاجَهُمْ هَيْجٌ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ الْقِتَالُ وَالْكَلَامُ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ. وَإِنْ حَرَسَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ فِي الْأُولَى، وَالثَّانِي فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ الثَّانِي إلَى مَقَامِ الْأَوَّلِ، أَوْ حَرَسَ بَعْضُ الصَّفِّ وَسَجَدَ الْبَاقُونَ، جَازَ ذَلِكَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ، لَكِنَّ الْأُولَى فِعْلُ مِثْلَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمِنْ شَرْطِ هَذِهِ الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حِرَاسَتُهُمْ فِي الصَّلَاةِ إلَّا كَذَلِكَ، وَأَنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ لَا يَخْفَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا يُخَافُ كَمِينٌ لَهُمْ. (1454) فَصْلٌ: الْوَجْهُ الرَّابِعُ، أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً مُنْفَرِدَةً، وَيُسَلِّمَ بِهَا، كَمَا رَوَى أَبُو بَكْرَةَ: قَالَ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَوْفٍ الظُّهْرَ، فَصَفَّ بَعْضُهُمْ خَلْفَهُ، وَبَعْضُهُمْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْطَلَقَ الَّذِينَ صَلَّوْا فَوَقَفُوا مَوْقِفَ أَصْحَابِهِمْ، ثُمَّ جَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّوْا خَلْفَهُ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعٌ، وَلِأَصْحَابِهِ رَكْعَتَانِ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ. وَهَذِهِ صِفَةٌ حَسَنَةٌ، قَلِيلَةُ الْكُلْفَةِ، لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ، وَلَا إلَى تَعْرِيفِ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَسَنِ، وَلَيْسَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ فِي الثَّانِيَةِ مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُفْتَرِضِينَ. (1455) فَصْلٌ: الْوَجْهُ الْخَامِسُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَلَا يُسَلِّمَ، ثُمَّ تُسَلِّمُ الطَّائِفَةُ، وَتَنْصَرِفُ وَلَا تَقْضِي شَيْئًا. وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَيُصَلِّي بِهَا رَكْعَتَيْنِ، وَيُسَلِّمُ بِهَا، وَلَا تَقْضِي شَيْئًا. وَهَذَا مِثْلُ الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: «أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَتَأَوَّلَ الْقَاضِي هَذَا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِمْ كَصَلَاةِ الْحَضَرِ، وَأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ قَضَتْ رَكْعَتَيْنِ. وَهَذَا ظَاهِرُ الْفَسَادِ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ صِفَةَ الرِّوَايَةِ، وَقَوْلَ أَحْمَدَ، وَيَحْمِلُهُ عَلَى مَحْمَلٍ فَاسِدٍ.
أَمَّا الرِّوَايَةُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ. وَأَمَّا قَوْلُ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَالَ: سِتَّةُ أَوْجُهٍ أَوْ سَبْعَةٌ، يُرْوَى فِيهَا، كُلُّهَا جَائِزٌ. وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَا تَكُونُ سِتَّةً وَلَا خَمْسَةً. وَلِأَنَّهُ قَالَ: كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي أَبْوَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فَهُوَ جَائِزٌ. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِهَذَا التَّأْوِيلِ. وَأَمَّا فَسَادُ الْمَحْمَلِ، فَإِنَّ الْخَوْفَ يَقْتَضِي تَخْفِيفَ الصَّلَاةِ وَقَصْرَهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] . وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَجْعَلُ مَكَانَ الرَّكْعَتَيْنِ أَرْبَعًا. وَيُتِمُّ الصَّلَاةَ الْمَقْصُورَةَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَتَمَّ صَلَاةَ السَّفَرِ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ هَاهُنَا عَلَى أَنَّهُ أَتَمَّهَا، فِي مَوْضِعٍ وُجِدَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي التَّخْفِيفَ. (1456) فَصْلٌ: الْوَجْهُ السَّادِسُ، أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، وَلَا تَقْضِي شَيْئًا؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذِي قَرَدٍ صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَالْمُشْرِكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَصَفَّ صَفًّا خَلْفَهُ، وَصَفًّا مُوَازِيَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ ذَهَبَ هَؤُلَاءِ إلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ، وَرَجَعَ هَؤُلَاءِ إلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَانِ، وَكَانَتْ لَهُمْ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ.» رَوَاهُ. الْأَثْرَمُ وَعَنْ حُذَيْفَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَبِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَلَمْ يَقْضُوا شَيْئًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. رَوَاهُنَّ الْأَثْرَمُ. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو دَاوُد، فِي " السُّنَنِ "، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ. قَالَ: إنَّمَا الْقَصْرُ رَكْعَةٌ عِنْدَ الْقِتَالِ. وَقَالَ طَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَالْحَكَمُ كَذَا يَقُولُونَ: رَكْعَةً فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ، يُومِئُ إيمَاءً. وَقَالَ إِسْحَاقُ: يُجْزِئُكَ عِنْدَ الشِّدَّةِ رَكْعَةٌ، تُومِئُ إيمَاءً، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَسَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَتَكْبِيرَةٌ، لِأَنَّهَا ذِكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى. وَعَنْ الضَّحَّاكِ، أَنَّهُ قَالَ: رَكْعَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةً حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ. فَهَذِهِ الصَّلَاةُ يَقْتَضِي عُمُومُ كَلَامِ أَحْمَدَ جَوَازَهَا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ سِتَّةَ أَوْجُهٍ، وَلَا أَعْلَمُ وَجْهًا سَادِسًا سِوَاهَا، وَأَصْحَابُنَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. قَالَ الْقَاضِي: لَا تَأْثِيرَ لِلْخَوْفِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، لَا يُجِيزُونَ رَكْعَةً، وَاَلَّذِي قَالَ مِنْهُمْ رَكْعَةً، إنَّمَا جَعَلَهَا عِنْدَ شِدَّةِ الْقِتَالِ وَاَلَّذِينَ رَوَيْنَا عَنْهُمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرُهُمْ لَمْ يَنْقُصُوا عَنْ رَكْعَتَيْنِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَحْضُرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَوَاتِهِ، وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِالرِّوَايَةِ عَنْ غَيْرِهِ، فَالْأَخْذُ بِرِوَايَةِ مَنْ حَضَرَ الصَّلَاةَ وَصَلَّاهَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى.
فصل صلى بهم صلاة الخوف من غير خوف
[فَصْلٌ صَلَّى بِهِمْ صَلَاة الْخَوْف مِنْ غَيْر خَوْف] (1457) فَصْلٌ: وَمَتَى صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، فَصَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ مُفَارِقِ إمَامِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَتَارِكِ مُتَابَعَةِ إمَامِهِ فِي ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ، أَوْ قَاصِرٍ لِلصَّلَاةِ مَعَ إتْمَامِ إمَامِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ، إلَّا مُفَارَقَةَ الْإِمَامِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ. وَإِذَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ، فَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى إمَامًا بِمَنْ صَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ، إلَّا أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ صَلَاتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ؛ فَإِنَّهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَصَلَاةُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَصَلَاةُ الثَّانِيَةِ تُبْنَى عَلَى ائْتِمَامِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَقَدْ نَصَرْنَا جَوَازَهُ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ الْخَوْف شَدِيدًا وَهُمْ فِي حَالَ الْمُسَايَفَة] (1458) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْخَوْفُ شَدِيدًا، وَهُمْ فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ، صَلَّوْا رِجَالًا وَرُكْبَانًا، إلَى الْقِبْلَةِ وَإِلَى غَيْرِهَا، يُومِئُونَ إيمَاءً، يَبْتَدِئُونَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ إلَى الْقِبْلَةِ إنْ قَدَرُوا، أَوْ إلَى غَيْرِهَا) . أَمَّا إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ، فَلَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا كَيْفَمَا أَمْكَنَهُمْ؛ رِجَالًا وَرُكْبَانًا، إلَى الْقِبْلَةِ إنْ أَمْكَنَهُمْ، وَإِلَى غَيْرِهَا إنْ لَمْ يُمْكِنْهُمْ، يُومِئُونَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ، وَيَجْعَلُونَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ، وَيَتَقَدَّمُونَ وَيَتَأَخَّرُونَ، وَيَضْرِبُونَ وَيَطْعَنُونَ، وَيَكُرُّونَ وَيَفِرُّونَ، وَلَا يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يُصَلِّي مَعَ الْمُسَايَفَةِ، وَلَا مَعَ الْمَشْيِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ، وَلِأَنَّ مَا مَنَعَ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْخَوْفِ مَنَعَهَا مَعَهُ، كَالْحَدَثِ وَالصِّيَاحِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصَلِّي، وَلَكِنْ إنْ تَابَعَ الطَّعْنَ، أَوْ الضَّرْبَ، أَوْ الْمَشْيَ، أَوْ فَعَلَ مَا يَطُولُ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ الْحَدَثَ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، صَلُّوا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَرُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْخَوْفِ، فَأَمَرَهُمْ بِالْمَشْيِ إلَى وِجَاهِ الْعَدُوِّ، ثُمَّ يَعُودُونَ لِقَضَاءِ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ، وَهَذَا مَشْيٌ كَثِيرٌ، وَعَمَلٌ طَوِيلٌ، وَاسْتِدْبَارٌ لِلْقِبْلَةِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْخَوْفِ الَّذِي لَيْسَ بِشَدِيدٍ، فَمَعَ الْخَوْفِ الشَّدِيدِ أَوْلَى. وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اخْتَارَ هَذَا الْوَجْهَ دُونَ سَائِرِ الْوُجُوهِ الَّتِي لَا تَشْتَمِلُ عَلَى الْعَمَلِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَسَوَّغَهُ مَعَ الْغِنَى عَنْهُ، وَإِمْكَانِ الصَّلَاةِ بِدُونِهِ، ثُمَّ مَنَعَهُ فِي حَالٍ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَيْهِ، وَكَانَ الْعَكْسُ أَوْلَى، سِيَّمَا مَعَ نَصِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الرُّخْصَةِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ إخْلَاءُ وَقْتِ الصَّلَاةِ عَنْ فِعْلِهَا، كَالْمَرِيضِ، وَيَخُصُّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ عَمَلٌ أُبِيحَ مِنْ أَجْلِ الْخَوْفِ، فَلَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِهِ، كَاسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ، وَالرُّكُوبِ، وَالْإِيمَاءِ. وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْعَمَلِ الْكَثِيرِ مِنْ أَجْلِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إمَّا تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا، وَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا فِي تَحْرِيمِهِ، أَوْ تَرْكُ الْقِتَالِ وَفِيهِ هَلَاكُهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] . وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ هَذَا،
أَوْ مُتَابَعَةُ الْعَمَلِ لِلْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَتَعَيَّنَ فِعْلُهُ وَصِحَّةُ الصَّلَاةِ مَعَهُ. ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْمَشْيِ الْكَثِيرِ، وَالْعَدْوِ فِي الْهَرَبِ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ، أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَغَلَهُ الْمُشْرِكُونَ فَنَسِيَ الصَّلَاةَ، فَقَدْ نُقِلَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى، وَأَكَّدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَكُونُوا فِي مُسَايَفَةٍ تُوجِبُ قَطْعَ الصَّلَاةِ. وَأَمَّا الصِّيَاحُ، وَالْحَدَثُ، فَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَيْهِ، وَيُمْكِنُهُمْ التَّيَمُّمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مُبْطِلًا مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ أَنْ يُبْطِلَ مَعَهُ، كَخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ. وَإِنْ هَرَبَ مِنْ الْعَدُوِّ هَرَبًا مُبَاحًا، أَوْ مِنْ سَيْلٍ، أَوْ سَبُعٍ، أَوْ حَرِيقٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ بِدُونِ الْهَرَبِ. فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، سَوَاءٌ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ أَهْلِهِ. وَالْأَسِيرُ إذَا خَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ إنْ صَلَّى، وَالْمُخْتَفِي فِي مَوْضِعٍ، يُصَلِّيَانِ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُمَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْأَسِيرِ. وَلَوْ كَانَ الْمُخْتَفِي قَاعِدًا لَا يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ، أَوْ مَضْجَعًا لَا يُمْكِنُهُ الْقُعُودُ، وَلَا الْحَرَكَةُ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصَلِّي وَيُعِيدُ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ خَائِفٌ صَلَّى عَلَى حَسَبِ مَا يُمْكِنُهُ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ كَالْهَارِبِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ خَوْفُ الْهَلَاكِ، وَقَدْ تَسَاوَيَا فِيهِ، وَمَتَى أَمْكَنَ التَّخَلُّصُ بِدُونِ ذَلِكَ، كَالْهَارِبِ مِنْ السَّيْلِ يَصْعَدُ إلَى رَبْوَةٍ، وَالْخَائِفِ مِنْ الْعَدُوِّ يُمْكِنُهُ دُخُولُ حِصْنٍ يَأْمَنُ فِيهِ صَوْلَةَ الْعَدُوِّ، وَلُحُوقَ الضَّرَرِ، فَيُصَلِّي فِيهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ، فَاخْتَصَّتْ بِوُجُودِ الضَّرُورَةِ. (1459) فَصْلٌ: وَالْعَاصِي بِهَرَبِهِ كَاَلَّذِي يَهْرُبُ مِنْ حَقٍّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ، وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ، وَاللِّصُّ، وَالسَّارِقُ، لَيس لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ؛ لِأَنَّهَا رُخْصَةٌ ثَبَتَتْ لِلدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ فِي مَحَلٍّ مُبَاحٍ، فَلَا تَثْبُتُ بِالْمَعْصِيَةِ، كَرُخَصِ السَّفَرِ. (1460) فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ أَنْ يُصَلُّوا فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ جَمَاعَةً، رِجَالًا، وَرُكْبَانًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ، وَرُبَّمَا تَقَدَّمُوا الْإِمَامَ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ الِائْتِمَامُ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا حَالَةٌ يَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ عَلَى الِانْفِرَادِ، فَجَازَ فِيهَا صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، كَرُكُوبِ السَّفِينَةِ، وَيُعْفَى عَنْ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ، كَالْعَفْوِ عَنْ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ. وَلِمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ أَنْ يَقُولَ: الْعَفْوُ عَنْ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ مَعْنَى نَصٍّ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَلَيْسَ هَذَا فِي مَعْنَى الْعَمَلِ الْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ لَا يَخْتَصُّ الْإِمَامَةَ، بَلْ هُوَ فِي حَالِ الِانْفِرَادِ، كَحَالِ الِائْتِمَامِ، فَلَا يُؤَثِّرُ الِانْفِرَادُ فِي نَفْسِهِ بِخِلَافِ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ.
مسألة أمن وهو في الصلاة الخوف
(1461) فَصْلٌ: وَإِذَا صَلَّوْا صَلَاةَ الْخَوْفِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ ثُمَّ عَدُوًّا، فَبَانَ أَنَّهُ لَا عَدُوَّ، أَوْ بَانَ عَدُوٌّ لَكِنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ مَا يَمْنَعُ عُبُورَهُ إلَيْهِمْ، فَعَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ، سَوَاءٌ صَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ أَوْ غَيْرَهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ ظَنُّهُمْ مُسْتَنِدًا إلَى خَبَرِ ثِقَةٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ رُؤْيَةِ سَوَادٍ، أَوْ نَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا بَعْضَ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ ظَنًّا مِنْهُمْ سُقُوطَهَا، فَلَزِمَتْهُمْ الْإِعَادَةُ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الْمُتَوَضِّئُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ وَصَلَّى، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ خُفَّهُ كَانَ مُخَرَّقًا، وَكَمَا لَوْ ظَنَّ الْمُحْدِثُ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ فَصَلَّى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَلْزَمَ الْإِعَادَةُ إذَا كَانَ عَدُوًّا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ مَا يَمْنَعُ الْعُبُورَ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لِلْخَوْفِ مُتَحَقِّقٌ، وَإِنَّمَا خَفِيَ الْمَانِعُ [مَسْأَلَةٌ أُمَنِّ وَهُوَ فِي الصَّلَاة الْخَوْف] (1462) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أَمِنَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، أَتَمَّهَا صَلَاةَ آمِنٍ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ آمِنًا، فَاشْتَدَّ خَوْفُهُ، أَتَمَّهَا صَلَاةَ خَائِفٍ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا صَلَّى بَعْضَ الصَّلَاةِ حَالَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، مَعَ الْإِخْلَالِ بِشَيْءٍ مِنْ وَاجِبَاتِهَا، كَالِاسْتِقْبَالِ وَغَيْرِهِ، فَأَمِنَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، أَتَمَّهَا آتِيًا بِوَاجِبَاتِهَا، فَإِذَا كَانَ رَاكِبًا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، نَزَلَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ كَانَ مَاشِيًا، وَقَفَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى؛ لِأَنَّ مَا مَضَى كَانَ صَحِيحًا قَبْلَ الْأَمْنِ، فَجَازَ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُخِلَّ بِشَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ. وَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ حَالَ نُزُولِهِ، أَوْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ وَاجِبَاتِهَا بَعْدَ أَمْنِهِ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ. وَإِنْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ آمِنًا بِشُرُوطِهَا وَوَاجِبَاتِهَا، ثُمَّ حَدَثَ شِدَّةُ خَوْفٍ، أَتَمَّهَا، عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا عَلَى الْأَرْضِ مُسْتَقْبِلًا، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَرْكَبَ وَيَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ، أَتَمَّهَا عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَيَطْعَنُ وَيَضْرِبُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ إلَيْهِ، وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ. وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إذَا أَمِنَ نَزَلَ فَبَنَى، وَإِذَا خَافَ فَرَكِبَ ابْتَدَأَ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ عَمَلٌ كَثِيرٌ. وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ قَدْ يَكُونُ يَسِيرًا، فَمِثْلُهُ فِي حَقِّ الْآمِنِ لَا يُبْطِلُ، فَفِي حَقِّ الْخَائِفِ أَوْلَى كَالنُّزُولِ، وَلِأَنَّهُ عَمَلٌ أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الصَّلَاةِ كَالْهَرَبِ.
كتاب صلاة الكسوف الكسوف والخسوف
[كِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ الْكُسُوفُ وَالْخُسُوفُ] [مَسْأَلَةٌ مَشْرُوعِيَّة صَلَاة الْكُسُوف] ُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَكِلَاهُمَا قَدْ وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ، وَجَاءَ الْقُرْآنُ بِلَفْظِ الْخُسُوفِ. (1463) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: (وَإِذَا خَسَفَتْ الشَّمْسُ أَوْ الْقَمَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إلَى الصَّلَاةِ، إنْ أَحَبُّوا جَمَاعَةً، وَإِنْ أَحَبُّوا فُرَادَى) صَلَاةُ الْكُسُوفِ ثَابِتَةٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا لِكُسُوفِ الشَّمْسِ خِلَافًا، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ لِخُسُوفِ الْقَمَرِ، فَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَيس لِكُسُوفِ الْقَمَرِ سُنَّةٌ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمَا قَالَا: يُصَلِّي النَّاسُ لِخُسُوفِ الْقَمَرِ وُحْدَانًا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَلَا يُصَلُّونَ جَمَاعَةً؛ لِأَنَّ فِي خُرُوجِهِمْ إلَيْهَا مَشَقَّةً. وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ لَهُمَا أَمْرًا وَاحِدًا. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ صَلَّى بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: إنَّمَا صَلَّيْت لِأَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي. وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْكُسُوفَيْنِ، فَأَشْبَهَ كُسُوفَ الشَّمْسِ. وَيُسَنُّ فِعْلُهَا جَمَاعَةً وَفُرَادَى. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَحُكِيَ عَنْ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إنْ صَلَّاهَا الْإِمَامُ صَلُّوهَا مَعَهُ، وَإِلَّا فَلَا تُصَلُّوا. وَلَنَا، قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا» . وَلِأَنَّهَا نَافِلَةٌ، فَجَازَتْ فِي الِانْفِرَادِ، كَسَائِرِ النَّوَافِلِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ فِعْلَهَا فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهَا فِيهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ، فَصَفَّ النَّاسَ وَرَاءَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِأَنَّ وَقْتَ الْكُسُوفِ يَضِيقُ، فَلَوْ خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى احْتَمَلَ التَّجَلِّي قَبْلَ فِعْلِهَا. وَتُشْرَعُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَغَيْرِ إذْنِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هِيَ كَصَلَاةِ الْعِيدِ، فِيهَا رِوَايَتَانِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا» . وَلِأَنَّهَا نَافِلَةٌ أَشْبَهَتْ سَائِرَ النَّوَافِلِ. وَتُشْرَعُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ صَلَّتَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مسألة المستحب في صلاة الكسوف
وَيُسَنُّ أَنْ يُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: لَمَّا كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُودِيَ بِالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَا يُسَنُّ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، وَلِأَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ النَّوَافِلِ [مَسْأَلَة الْمُسْتَحَبّ فِي صَلَاة الْكُسُوف] (1464) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ طَوِيلَةٍ، يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ الرُّكُوعَ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ وَيُطِيلُ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، فَإِذَا قَامَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، يُحْرِمُ بِالْأُولَى، وَيَسْتَفْتِحُ، وَيَسْتَعِيذُ، وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةَ الْبَقَرَةِ، أَوْ قَدْرَهَا فِي الطُّولِ، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى قَدْرَ مِائَةِ آيَةٍ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ. ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، أَوْ قَدْرَهَا، ثُمَّ يَرْكَعُ بِقَدْرِ ثُلُثَيْ رُكُوعِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيُسَمِّعُ وَيَحْمَدُ، ثُمَّ يَسْجُدُ فَيُطِيلُ السُّجُودَ فِيهِمَا، ثُمَّ يَقُومُ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، فَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةَ النِّسَاءِ، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُسَبِّحُ بِقَدْرِ ثُلُثَيْ تَسْبِيحِهِ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَالْمَائِدَةَ، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ دُونَ الَّذِي قَبْلَهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيُسَمِّعُ وَيَحْمَد، ثُمَّ يَسْجُدُ فَيُطِيلُ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ رَكْعَتَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِيَامَانِ وَقِرَاءَتَانِ وَرُكُوعَانِ وَسُجُودَانِ. وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا. وَلَيْسَ هَذَا التَّقْدِيرُ فِي الْقِرَاءَةِ مَنْقُولًا عَنْ أَحْمَدَ، لَكِنْ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّ الْأُولَى أَطْوَلُ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَجَاءَ التَّقْدِيرُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثٍ لِعَائِشَةَ: «حَزَرْت قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَيْت أَنَّهُ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ» . وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، إلَّا أَنَّهُمَا قَالَا: لَا يُطِيلُ السُّجُودَ. حَكَاهُ عَنْهُمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ. وَقَالَا: لَا يُجْهَرُ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَيُجْهَرُ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ. وَوَافَقَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: حَزَرْت قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَوْ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ لَمْ تَحْتَجْ إلَى الظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَرَوَى سَمُرَةُ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ، فَلَمْ أَسْمَعْ لَهُ صَوْتًا.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ نَهَارٍ، فَلَمْ يَجْهَرْ فِيهَا كَالظُّهْرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ؛ لِمَا رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ: انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجَ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ، حَتَّى انْجَلَتْ الشَّمْسُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ النُّعْمَانِ
وَرَوَى قَبِيصَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنْ الْمَكْتُوبَةِ» . وَلَنَا، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكُسُوفِ: ثُمَّ سَجَدَ، فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: «ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ السُّجُودِ الْأَوَّلِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَتَرْكُ ذِكْرِهِ فِي حَدِيثٍ لَا يَمْنَعُ مَشْرُوعِيَّتَهُ إذَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَمَّا الْجَهْرُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَفَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَبِحَضْرَتِهِ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَرَوَتْ عَائِشَةُ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ، وَجَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّهَا نَافِلَةٌ شُرِعَتْ لَهَا الْجَمَاعَةُ، فَكَانَ مِنْ سُنَنِهَا الْجَهْرُ كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَالْعِيدِ وَالتَّرَاوِيحِ. فَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: حَزَرْت قِرَاءَتَهُ. فَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ سَمِعَتْ صَوْتَهُ وَلَمْ تَفْهَمْ لِلْبُعْدِ، أَوْ قَرَأَ مِنْ غَيْرِ أَوَّلِ الْقُرْآنِ بِقَدْرِ الْبَقَرَةِ. ثُمَّ حَدِيثُنَا صَحِيحٌ صَرِيحٌ، فَكَيْفَ يُعَارَضُ بِمِثْلِ هَذَا، وَحَدِيثُ سَمُرَةَ يَجُوزُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ لِبُعْدِهِ؛ فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ: دَفَعْت إلَى الْمَسْجِدِ، وَهُوَ بَازِرٌ. يَعْنِي مُغْتَصًّا بِالزِّحَامِ. قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَمَنْ هَذَا حَالُهُ لَا يَصِلُ مَكَانًا يَسْمَعُ مِنْهُ. ثُمَّ هَذَا نَفْيٌ مُحْتَمِلٌ لِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ، فَكَيْفَ يُتْرَكُ مِنْ أَجْلِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ، وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَقِيَاسُ هَذِهِ الصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الصَّلَوَاتِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الظُّهْرِ؛ لِبُعْدِهَا مِنْهَا، وَشَبَهِهَا بِهَذِهِ. وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى صِفَةِ الصَّلَاةِ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: «خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ، وَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسَ وَرَاءَهُ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ. ثُمَّ قَامَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، هِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، هُوَ أَدْنَى مِنْ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ.» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ ذَلِكَ، وَفِيهِ «أَنَّهُ قَامَ فِي الْأُولَى قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ» . مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِمَا. وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ يُشْرَعُ لَهَا الِاجْتِمَاعُ، فَخَالَفَتْ سَائِرَ النَّوَافِلِ، كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، فَأَمَّا أَحَادِيثُهُمْ فَمَتْرُوكَةٌ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهَا بِاتِّفَاقِنَا، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. وَحَدِيثُ النُّعْمَانِ فِيهِ أَنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتْ الشَّمْسُ، وَحَدِيثُ قَبِيصَةَ فِيهِ أَنَّهُ يُصَلِّي كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا. وَأَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ يُخَالِفُ الْآخَرَ. ثُمَّ حَدِيثُ قَبِيصَةَ مُرْسَلٌ. ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَيْنِ، وَلَوْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ لَكَانَ الْأَخْذُ بِأَحَادِيثِنَا أَوْلَى؛ لِصِحَّتِهَا وَشُهْرَتِهَا، وَاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ عَلَى صِحَّتِهَا، وَالْأَخْذِ بِهَا، وَاشْتِمَالِهَا عَلَى الزِّيَادَةِ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، ثُمَّ هِيَ نَافِلَةٌ عَنْ الْعَادَةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ أَخَاك صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. فَقَالَ: إنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ. (1465) فَصْلٌ: وَمَهْمَا قَرَأَ بِهِ جَازَ سَوَاءٌ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ طَوِيلَةً أَوْ قَصِيرَةً. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَقَرَأَ فِي الْأُولَى بِالْعَنْكَبُوتِ وَالرُّومِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِيس. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ. (1466) فَصْلٌ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ لَهَا خُطْبَةً، وَأَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهَا لَا خُطْبَةَ لَهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُخْطَبُ كَخُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصَرَفَ وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهِ مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَنَا، هَذَا الْخَبَرُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّكْبِيرِ وَالصَّدَقَةِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِخُطْبَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَأَمَرَهُمْ بِهَا، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ يَفْعَلُهَا الْمُنْفَرِدُ فِي بَيْتِهِ، فَلَمْ يُشْرَعْ لَهَا خُطْبَةٌ، وَإِنَّمَا خَطَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الصَّلَاةِ لِيُعَلِّمَهُمْ حُكْمَهَا، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِهِ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خَطَبَ كَخُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ. (1467) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالدُّعَاءُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَالِاسْتِغْفَارُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالْعِتْقُ، وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا اسْتَطَاعَ؛ لِخَبَرِ عَائِشَةَ هَذَا. وَفِي خَبَرِ أَبِي مُوسَى: " فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَدُعَائِهِ،
فصل صلاة الكسوف سنة
وَاسْتِغْفَارِهِ ". وَرُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ، «أَنَّهَا قَالَتْ: إنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْعِتْقِ فِي الْكُسُوفِ» . وَلِأَنَّهُ تَخْوِيفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لِيَكْشِفَهُ عَنْ عِبَادِهِ (1468) فَصْلٌ: وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْكُسُوفِ عَلَى كُلِّ صِفَةٍ رُوِيَتْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَقَوْلِهِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، إلَّا أَنَّ اخْتِيَارَهُ مِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا. قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَيَقُولُ: سِتُّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعُ سَجَدَاتٍ. فَذَهَبَ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. وَكَذَلِكَ حُذَيْفَةُ. وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: تَجُوزُ صَلَاةَ الْكُسُوفِ عَلَى كُلِّ صِفَةٍ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَسَجْدَتَيْنِ، فِي كُلّ رَكْعَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَرَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُمَا صَلَّيَا هَذِهِ الصَّلَاةَ. وَحُكِيَ عَنْ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ: وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا كَانَ يَزِيدُ فِي الرُّكُوعِ إذَا لَمْ يَرَ الشَّمْسَ قَدْ انْجَلَتْ، فَإِذَا انْجَلَتْ سَجَدَ، فَمِنْ هَاهُنَا صَارَتْ زِيَادَةُ الرَّكَعَاتِ، وَلَا يُجَاوِزُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. [فَصْلٌ صَلَاة الْكُسُوف سُنَّة] (1469) فَصْلٌ: وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهَا، وَأَمَرَ بِهَا، وَوَقْتُهَا مِنْ حِينِ الْكُسُوفِ إلَى حِينِ التَّجَلِّي، فَإِنْ فَاتَتْ لَمْ تُقْضَ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ: إذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ حَتَّى تَنْجَلِيَ» . فَجَعَلَ الِانْجِلَاءَ غَايَةً لِلصَّلَاةِ. وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ إنَّمَا سُنَّتْ رَغْبَةً إلَى اللَّهِ فِي رَدِّهَا، فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ حَصَلَ مَقْصُودُ الصَّلَاةِ. وَإِنْ انْجَلَتْ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا، وَخَفَّفَهَا. وَإِنْ اسْتَتَرَتْ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِالسَّحَابِ، وَهُمَا مُنْكَسِفَانِ، صَلَّى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْكُسُوفِ. وَإِنْ غَابَتْ الشَّمْسُ كَاسِفَةً، أَوْ طَلَعَتْ عَلَى الْقَمَرِ وَهُوَ خَاسِفٌ، لَمْ يُصَلِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ وَقْتُ الِانْتِفَاعِ بِنُورِهِمَا. وَإِنْ غَابَ الْقَمَرُ لَيْلًا، فَقَالَ الْقَاضِي: يُصَلِّي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ وَقْتُ الِانْتِفَاعِ بِنُورِهِ وَضَوْئِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ؛ لِأَنَّ مَا يُصَلِّي لَهُ قَدْ غَابَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ غَابَتْ الشَّمْسُ. وَإِنْ فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْكُسُوفُ قَائِمٌ لَمْ يَزِدْ، وَاشْتَغَلَ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ.
فصل اجتمع صلاتان كالكسوف مع غيره
[فَصْلٌ اُجْتُمِعَ صَلَاتَانِ كَالْكُسُوفِ مَعَ غَيْره] فَصْلٌ: وَإِذَا اجْتَمَعَ صَلَاتَانِ، كَالْكُسُوفِ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْجُمُعَةِ، أَوْ الْعِيدِ، أَوْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، أَوْ الْوِتْرِ، بَدَأَ بِأَخْوَفِهِمَا فَوْتًا، فَإِنْ خِيفَ فَوْتُهُمَا بَدَأَ بِالصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا وَاجِبَةٌ كَالْكُسُوفِ وَالْوِتْرِ أَوْ التَّرَاوِيحِ، بَدَأَ بِآكَدِهِمَا، كَالْكُسُوفِ وَالْوِتْرِ، بَدَأَ بِالْكُسُوفِ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ، وَلِهَذَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ، وَلِأَنَّ الْوِتْرَ يُقْضَى، وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ لَا تُقْضَى. فَإِنْ اجْتَمَعَتْ التَّرَاوِيحُ وَالْكُسُوفُ، فَبِأَيِّهِمَا يُبْدَأُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا. وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْوَاجِبَةَ الَّتِي تُصَلَّى فِي الْجَمَاعَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْكُسُوفِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْكُسُوفِ عَلَيْهَا يُفْضِي إلَى الْمَشَقَّةِ، لِإِلْزَامِ الْحَاضِرِينَ بِفِعْلِهَا مَعَ كَوْنِهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ، وَانْتِظَارِهِمْ لِلصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ، مَعَ أَنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ. وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ، كِير لَا يَشُقَّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، فَإِلْحَاقُ الْمَشَقَّةِ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ الطَّوِيلَةِ الشَّاقَّةِ، مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، أَوْلَى. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ التَّرَاوِيحِ، قُدِّمَتْ التَّرَاوِيحُ لِذَلِكَ، وَإِنْ اجْتَمَعَتْ مَعَ الْوِتْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْوِتْرِ، قُدِّمَتْ لِأَنَّ الْوِتْرَ لَا يَفُوتُ، وَإِنْ خِيفَ فَوَاتُ الْوِتْرِ قُدِّمَ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ يُمْكِنُ فِعْلُهُ وَإِدْرَاكُ وَقْتِ الْكُسُوفِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا قَدْرُ الْوِتْرِ، فَلَا حَاجَةَ بِالتَّلَبُّسِ بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَقَعُ فِي وَقْتِ النَّهْيِ. وَإِنْ اجْتَمَعَ الْكُسُوفُ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ، قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ يُخَافُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْل أَدْرَكَ الْمَأْمُوم الْإِمَام فِي الرُّكُوع الثَّانِي فِي صَلَاة الْكُسُوف] (1471) فَصْلٌ: إذَا أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي، احْتَمَلَ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ. قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ رُكُوعٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَاتَهُ الرُّكُوعُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الصَّلَاةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ صَلَاتَهُ تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَاةَ بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ، فَاجْتُزِئَ بِهِ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ إذَا كَانَ الْكُسُوف فِي غَيْر وَقْت الصَّلَاة] (1472) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْكُسُوفُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، جَعَلَ مَكَانَ الصَّلَاةِ تَسْبِيحًا، هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ النَّافِلَةَ لَا تُفْعَلُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ، سَوَاءٌ كَانَ لَهَا سَبَبٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا. وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْكُسُوفِ يَكُونُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، كَيْفَ يَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يَذْكُرُونَ اللَّهَ، وَلَا يُصَلُّونَ إلَّا فِي وَقْتِ صَلَاةٍ. قِيلَ لَهُ: وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْفَجْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا يُصَلُّونَ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَنَحْنُ بِمَكَّةَ، فَقَامُوا قِيَامًا يَدْعُونَ، فَسَأَلْت عَنْ ذَلِكَ عَطَاءً، قَالَ: هَكَذَا يَصْنَعُونَ، فَسَأَلْت عَنْ ذَلِكَ الزُّهْرِيَّ، قَالَ: هَكَذَا يَصْنَعُونَ.
فصل يصلي للزلزلة كصلاة الكسوف
وَرَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ الْكُسُوفَ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ. وَهُوَ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِهِ. [فَصْلٌ يُصَلِّي لِلزَّلْزَلَةِ كَصَلَاةِ الْكُسُوف] (1473) فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُصَلِّي لِلزَّلْزَلَةِ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ إِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَا يُصَلِّي لِلرَّجْفَةِ، وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ، وَالظُّلْمَةِ، وَنَحْوِهَا. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يُصَلِّي لِذَلِكَ، وَلِرَمْيِ الْكَوَاكِبِ وَالصَّوَاعِقِ وَكَثْرَةِ الْمَطَرِ. وَحَكَاهُ عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: الصَّلَاةُ لِسَائِرِ الْآيَاتِ حَسَنَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّلَ الْكُسُوفَ بِأَنَّهُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ، وَصَلَّى ابْنُ عَبَّاسٍ لِلزَّلْزَلَةِ بِالْبَصْرَةِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُصَلِّي لِشَيْءِ مِنْ الْآيَاتِ سِوَى الْكُسُوفِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ كَانَ فِي عَصْرِهِ بَعْضُ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ. وَوَجْهُ الصَّلَاةِ لِلزَّلْزَلَةِ فِعْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهَا لَا يُصَلِّي لَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ لَهَا، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
باب صلاة الاستسقاء
[بَاب صَلَاة الِاسْتِسْقَاء] ِ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، ثَابِتَةٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. (1474) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِم، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَإِذَا أَجْدَبَتْ الْأَرْضُ، وَاحْتَبَسَ الْقَطْرُ، خَرَجُوا مَعَ الْإِمَامِ، فَكَانُوا فِي خُرُوجِهِمْ، كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَنَّهُ كَانَ إذَا خَرَجَ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ، خَرَجَ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَذَلِّلًا، مُتَضَرِّعًا» ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ الْخُرُوجُ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، مُتَوَاضِعًا لِلَّهِ تَعَالَى، مُتَبَذِّلًا، أَيْ فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ، أَيْ لَا يَلْبَسُ ثِيَابَ الزِّينَةِ، وَلَا يَتَطَيَّبُ، لِأَنَّهُ مِنْ كَمَالِ الزِّينَةِ، وَهَذَا يَوْمُ تَوَاضُعٍ وَاسْتِكَانَةٍ، وَيَكُونُ مُتَخَشَّعًا فِي مَشْيِهِ وَجُلُوسِهِ، فِي خُضُوعٍ، مُتَضَرِّعًا لِلَّهِ تَعَالَى، مُتَذَلِّلًا لَهُ، رَاغِبًا إلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلِاسْتِسْقَاءِ مُتَبَذِّلًا، مُتَوَاضِعًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى، فَلَمْ يَخْطُبْ كَخُطْبَتِكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَيُسْتَحَبُّ التَّنْظِيفُ بِالْمَاءِ، وَاسْتِعْمَالُ السِّوَاكِ وَمَا يَقْطَعُ الرَّائِحَةَ، وَيُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ لِكَافَّةِ النَّاسِ، وَخُرُوجُ مَنْ كَانَ ذَا دِينٍ وَسِتْرٍ وَصَلَاحٍ، وَالشُّيُوخُ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا، لِأَنَّهُ أَسْرَعُ لِلْإِجَابَةِ. فَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا بَأْسَ بِخُرُوجِ الْعَجَائِزِ، وَمَنْ لَا هَيْئَةَ لَهَا، فَأَمَّا الشَّوَابُّ وَذَوَاتُ الْهَيْئَةِ، فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الْخُرُوجُ، لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي خُرُوجِهِنَّ أَكْثَرُ مِنْ النَّفْعِ. وَلَا يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُ الْبَهَائِمِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْهُ. وَإِذَا عَزَمَ الْإِمَامُ عَلَى الْخُرُوجِ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَعِدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، وَيَأْمُرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنْ الْمَعَاصِي، وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ، وَالصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ، وَتَرْكِ التَّشَاحُنِ؛ لِيَكُونَ أَقْرَبَ لَإِجَابَتِهِمْ، فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ سَبَبُ الْجَدْبِ، وَالطَّاعَةُ تَكُونُ سَبَبًا لِلْبَرَكَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96] . [مَسْأَلَةٌ صِفَة صَلَاة الِاسْتِسْقَاء] (1475) مَسْأَلَةٌ؛ (قَالَ: فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ خِلَافًا فِي أَنَّهَا رَكْعَتَانِ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي صِفَتِهَا، فَرُوِيَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِيهِمَا كَتَكْبِيرِ الْعِيدِ سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ. وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَدَاوُد، وَالشَّافِعِيِّ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ: وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ. وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، كَانُوا يُصَلُّونَ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ، يُكَبِّرُونَ فِيهَا سَبْعًا وَخَمْسًا» . وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ،
فصل ليس لصلاة الاستسقاء أذان ولا إقامة
وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ قَالَ: اسْتَسْقَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ التَّكْبِيرَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يُكَبِّرْ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَكَيْفَمَا فَعَلَ كَانَ جَائِزًا حَسَنًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُسَنُّ الصَّلَاةُ لِلِاسْتِسْقَاءِ، وَلَا الْخُرُوجُ لَهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اسْتَسْقَى عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يُصَلِّ لَهَا» ، وَاسْتَسْقَى عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يُصَلِّ. وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ خَرَجَ وَصَلَّى، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يُعَارِضُ مَا رَوَوْهُ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِغَيْرِ صَلَاةٍ، وَفِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا ذَكَرُوهُ لَا يَمْنَعُ فِعْلَ مَا ذَكَرْنَاهُ، بَلْ قَدْ فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَمْرَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ، وَخَطَبَ. وَبِهِ قَالَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ، وَخَالَفَهُ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، فَوَافَقَا سَائِرَ الْعُلَمَاءِ، وَالسُّنَّةُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ كُلِّ قَوْلٍ. وَيُسَنُّ أَنْ يَجْهَرَ بِالْقِرَاءَةِ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِنْ قَرَأَ فِيهِمَا ب {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] ، و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية: 1] فَحَسَنٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ. وَرَوَى ابْنُ قُتَيْبَةَ، فِي " غَرِيبِ الْحَدِيثِ "، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ لِلِاسْتِسْقَاءِ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، و " سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى " وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، و " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» . [فَصْلٌ لَيْسَ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاء أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ] (1476) فَصْلٌ: وَلَا يُسَنُّ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، ثُمَّ خَطَبَنَا، وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، رَافِعًا يَدَيْهِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، فَجَعَلَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ.» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ نَافِلَةٍ، فَلَمْ يُؤَذَّنْ لَهَا كَسَائِرِ النَّوَافِلِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. كَقَوْلِهِمْ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ. .
فصل ليس لصلاة الاستسقاء وقت
[فَصْلٌ لَيْسَ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاء وَقْت] (1477) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، إلَّا أَنَّهَا لَا تُفْعَلُ فِي وَقْتِ النَّهْيِ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا مُتَّسِعٌ، فَلَا حَاجَةَ إلَى فِعْلِهَا فِي وَقْتِ النَّهْيِ، وَالْأَوْلَى فِعْلُهَا فِي وَقْتِ الْعِيدِ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهَا تُشْبِهُهَا فِي الْمَوْضِعِ وَالصِّفَةِ، فَكَذَلِكَ فِي الْوَقْتِ، لِأَنَّ وَقْتَهَا لَا يَفُوتُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ، لِأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا يَوْمٌ مُعَيَّنٌ، فَلَا يَكُونُ لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْخُرُوجُ إلَيْهَا عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ، إلَّا أَبَا بَكْرِ بْنَ حَزْمٍ. وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ، لَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِعْلُهَا فِيهِ. [مَسْأَلَةٌ فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء خُطْبَة] (1478) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (ثُمَّ يَخْطُبُ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْخُطْبَةِ لِلِاسْتِسْقَاءِ، وَفِي وَقْتِهَا، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ فِيهَا خُطْبَةً بَعْدَ الصَّلَاةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: اتَّفَقُوا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ خُطْبَةً، وَصُعُودًا عَلَى الْمِنْبَرِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ؛ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَطَبَنَا. وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: صَنَعَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، كَمَا صَنَعَ فِي الْعِيدَيْنِ. وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ تَكْبِيرٍ، فَأَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْعِيدِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّهُ يُخْطَبُ قَبْلَ الصَّلَاةِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَهِشَامُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ. وَذَهَبَ إلَيْهِ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ وَعَائِشَةُ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ وَصَلَّى» . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَحَوَّلَ ظَهْرَهُ إلَى النَّاسِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، قَالَ: أَدْرَكْت أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ، وَهِشَامَ بْنَ إسْمَاعِيلَ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، كَانُوا إذَا أَرَادُوا أَنْ يَسْتَسْقُوا، خَرَجُوا لِلْبَرَازِ، فَكَانُوا يَخْطُبُونَ، ثُمَّ يَدْعُونَ اللَّهَ، وَيُحَوِّلُونَ وُجُوهَهُمْ إلَى الْقِبْلَةِ حِينَ يَدْعُونَ، ثُمَّ يُحَوِّلُ أَحَدُهُمْ رِدَاءَهُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَمَا عَلَى الْأَيْسَرِ عَلَى الْأَيْمَنِ، وَيَنْزِلُ أَحَدُهُمْ فَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، يَجْهَرُ بِهِمْ. الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ، هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا؛ لِوُرُودِ الْأَخْبَارِ بِكِلَا الْأَمْرَيْنِ، وَدَلَالَتِهَا عَلَى كِلْتَا الصِّفَتَيْنِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ. وَالرَّابِعَةُ، أَنَّهُ لَا يَخْطُبُ، وَإِنَّمَا يَدْعُو وَيَتَضَرَّعُ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمْ يَخْطُبْ كَخُطْبَتِكُمْ هَذِهِ، لَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ
مسألة للخطيب استقبال القبلة في أثناء الخطبة لصلاة الاستسقاء
وَالتَّضَرُّعِ. وَأَيًّا مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، فَإِنْ شَاءَ فَعَلَهَا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا. وَالْأَوْلَى أَنْ يَخْطُبَ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَةً وَاحِدَةً؛ لِتَكُونَ كَالْعِيدِ، وَلِيَكُونُوا قَدْ فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ أُجِيبَ دُعَاؤُهُمْ فَأُغِيثُوا، فَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَطَرِ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمْ يَخْطُبْ كَخُطْبَتِكُمْ هَذِهِ. نَفْيٌ لِلصِّفَةِ لَا لِأَصْلِ الْخُطْبَةِ، أَيْ لَمْ يَخْطُبْ كَخُطْبَتِكُمْ هَذِهِ، إنَّمَا كَانَ جُلُّ خُطْبَتِهِ الدُّعَاءَ وَالتَّضَرُّعَ وَالتَّكْبِيرَ [مَسْأَلَةٌ لِلْخَطِيبِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَة فِي أَثْنَاء الْخُطْبَة لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاء] (1479) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ، فَيَجْعَلُ الْيَمِينَ يَسَارًا، وَالْيَسَارَ يَمِينًا، وَيَفْعَلُ النَّاسُ كَذَلِكَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي لَفْظٍ: «فَحَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو» . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ سِرًّا حَالَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّك أَمَرْتَنَا بِدُعَائِك، وَوَعَدْتَنَا إجَابَتَك، فَقَدْ دَعَوْنَاك كَمَا أَمَرْتنَا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتنَا، اللَّهُمَّ فَامْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِنَا، وَإِجَابَتِنَا فِي سُقْيَانَا، وَسَعَةِ أَرْزَاقِنَا. ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ مِنْ أَمْرِ دِينٍ وَدُنْيَا. وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِسْرَارُ؛ لِيَكُونَ أَقْرَبَ مِنْ الْإِخْلَاصِ، وَأَبْلَغَ فِي الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالتَّضَرُّعِ، وَأَسْرَعَ فِي الْإِجَابَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] . وَاسْتُحِبَّ الْجَهْرُ بِبَعْضِهِ؛ لِيَسْمَعَ النَّاسُ، فَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحَوِّلَ رِدَاءَهُ فِي حَالِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَوْمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَحَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفْظٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ: «فَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» . وَفِي لَفْظٍ: «وَقَلَبَ رِدَاءَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّدَاءِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُسَنُّ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، فَلَا يُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّدَاءِ فِيهِ، كَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ. وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ. وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، أَنَّ تَحْوِيلَ الرِّدَاءِ مُخْتَصٌّ بِالْإِمَامِ دُونَ الْمَأْمُومِ. وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، لِأَنَّهُ نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ أَصْحَابِهِ. وَلَنَا، أَنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ دَلِيلٌ، كَيْفَ وَقَدْ عُقِلَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ، وَهُوَ التَّفَاؤُلُ بِقَلْبِ الرِّدَاءِ، لِيَقْلِبَ اللَّهُ مَا بِهِمْ مِنْ الْجَدْبِ إلَى الْخِصْبِ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ
فصل رفع الأيدي في دعاء الاستسقاء
فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ. وَصِفَةُ تَقْلِيبِ الرِّدَاءِ أَنْ يَجْعَلَ مَا عَلَى الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ، وَمَا عَلَى الْيَسَارِ عَلَى الْيَمِينِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهِشَامِ بْنِ إسْمَاعِيلَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَمَالِكٍ. وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُول بِهِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْقَى وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ أَسْفَلَهَا أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ جَعَلَ الْعِطَافَ الَّذِي عَلَى الْأَيْسَرِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، وَاَلَّذِي عَلَى الْأَيْمَنِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَدَلِيلُنَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ» . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُ ذَلِكَ. وَالزِّيَادَةُ الَّتِي نَقَلُوهَا، إنْ ثَبَتَتْ، فَهِيَ ظَنُّ الرَّاوِي، لَا يُتْرَكُ لَهَا فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ نَقَلَ تَحْوِيلَ الرِّدَاءِ جَمَاعَةٌ، لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ جَعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ لِثِقَلِ الرِّدَاءِ. [فَصْلٌ رَفَعَ الْأَيْدِي فِي دُعَاء الِاسْتِسْقَاء] (1480) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الْأَيْدِي فِي دُعَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ، إلَّا الِاسْتِسْقَاءَ، وَأَنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطَيْهِ.» وَفِي حَدِيثٍ أَيْضًا لَأَنَسٍ: «فَرَفَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ» . [مَسْأَلَةٌ يَدْعُو وَيَدْعُونَ وَيُكْثِرُونَ فِي دُعَائِهِمْ الِاسْتِغْفَار فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء] (1481) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيَدْعُو، وَيَدْعُونَ، وَيُكْثِرُونَ فِي دُعَائِهِمْ الِاسْتِغْفَارَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ جَلَسَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَجْلِسْ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ لَمْ يُنْقَلْ، وَلَا هَاهُنَا أَذَانٌ لِيَجْلِسَ فِي وَقْتِهِ، ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً، يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ، وَبِهَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ كَخُطْبَتَيْ الْعِيدَيْنِ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: صَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا صَنَعَ فِي الْعِيدِ. وَلِأَنَّهَا أَشْبَهَتْهَا فِي التَّكْبِيرِ، وَفِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، فَتُشْبِهُهَا فِي الْخُطْبَتَيْنِ. وَلَنَا، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمْ يَخْطُبْ كَخُطْبَتِكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا فَصَلَ بَيْنَ ذَلِكَ بِسُكُوتٍ وَلَا جُلُوسٍ. وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ نَقَلَ الْخُطْبَةَ لَمْ يَنْقُلْ خُطْبَتَيْنِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إنَّمَا هُوَ دُعَاءُ اللَّهِ تَعَالَى لِيُغِيثَهُمْ، وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهَا خُطْبَتَيْنِ فِي ذَلِكَ، وَالصَّحِيحُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ. وَلَوْ كَانَ النَّقْلُ كَمَا ذَكَرُوهُ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلَاةِ، بِدَلِيلِ أَوَّلِ الْحَدِيثِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَفْتِحَ الْخُطْبَةَ بِالتَّكْبِيرِ، كَخُطْبَةِ الْعِيدِ، وَيُكْثِرَ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقْرَأَ كَثِيرًا: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 11] وَسَائِرَ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَهُمْ بِإِرْسَالِ الْغَيْثِ إذَا اسْتَغْفَرُوهُ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ، وَقَالَ: لَقَدْ اسْتَسْقَيْت بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ كَتَبَ إلَى مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ يَقُولُ: قَدْ كَتَبْت إلَى الْبُلْدَانِ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى الِاسْتِسْقَاءِ إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، وَأَمَرْتُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15] . وَأَمَرْتهمْ أَنْ يَقُولُوا كَمَا قَالَ أَبُوهُمْ آدَم: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] . وَيَقُولُوا كَمَا قَالَ نُوحٌ: {وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47] . وَيَقُولُوا كَمَا قَالَ يُونُسُ: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] . وَيَقُولُوا كَمَا قَالَ مُوسَى: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 16] . وَلِأَنَّ الْمَعَاصِيَ سَبَبُ انْقِطَاعِ الْغَيْثِ، وَالِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ تَمْحُو الْمَعَاصِيَ الْمَانِعَةَ مِنْ الْغَيْثِ، فَيَأْتِي اللَّهُ بِهِ. وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو بِدُعَائِهِ، فَرَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَرِيعًا يُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ بِالْيَاءِ وَالْبَاءِ، فَمَنْ رَوَاهُ بِالْيَاءِ جَعَلَهُ مِنْ الْمُرَاعَةِ، يُقَال: أَمْرَعَ الْمَكَانُ: إذَا أَخْصَبَ، وَمَنْ رَوَاهُ مُرْبِعًا، كَانَ مَعْنَاهُ مُنْبِتًا لِلرَّبِيعِ. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «شَكَا النَّاسُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ، وَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمْ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ. ثُمَّ قَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3] {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] لَا إلَهَ إلَّا هُوَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْت لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إلَى حِينٍ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إبِطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَقَلَبَ أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرو: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اسْتَسْقَى، قَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَك وَبَهَائِمَك، وَانْشُرْ رَحْمَتَك، وَأَحْيِ بَلَدَك الْمَيِّتَ» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد.
رَوَى ابْنُ قُتَيْبَةَ، بِإِسْنَادِهِ فِي " غَرِيبِ الْحَدِيثِ "، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَرَجَ لِلِاسْتِسْقَاءِ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، و " سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى "، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، و " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ "، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ بِوَجْهِهِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً قَبْلَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا وَأَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، وَحَيًّا رَبِيعًا، وَجَدًّا طَبَقًا غَدَقًا مُغْدِقًا مُونِقًا، هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا مَرْبَعًا مَرْتَعًا، سَائِلًا مُسْبِلًا مُجَلِّلًا، دِيَمًا دَرُورًا، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ رَائِثٍ؛ اللَّهُمَّ تُحْيِي بِهِ الْبِلَادَ، وَتُغِيثُ بِهِ الْعِبَادَ، وَتَجْعَلُهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ مِنَّا وَالْبَادِ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ فِي أَرْضِنَا زِينَتَهَا، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا فِي أَرْضِنَا سَكَنَهَا، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، فَأَحْيِي بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا، وَأَسْقِهِ مِمَّا خَلَقْت أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا.» قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُغِيثُ: الْمُحْيِي بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْحَيَا: الَّذِي تَحْيَا بِهِ الْأَرْضُ وَالْمَالُ. وَالْجَدَّا: الْمَطَرُ الْعَامُّ، وَمِنْهُ أُخِذَ جَدَّا الْعَطِيَّةِ، وَالْجَدْوَى مَقْصُورٌ. وَالطَّبَقُ: الَّذِي يُطْبِقُ الْأَرْضَ. وَالْغَدَقُ وَالْمُغْدِقُ: الْكَثِيرُ الْقَطْرِ. وَالْمُونِقُ: الْمُعْجِبُ. وَالْمَرِيعُ: ذُو الْمَرَاعَةِ وَالْخِصْبِ. وَالْمَرْبَعُ مِنْ قَوْلِك: رَبَعْت مَكَانَ كَذَا: إذَا أَقَمْت بِهِ. وَارْبَعْ عَلَى نَفْسِك: اُرْفُقْ. وَالْمَرْتَعُ: مِنْ رَتَعَتْ الْإِبِلُ، إذَا أَرْعَتْ. وَالسَّابِلُ: مِنْ السَّبْلِ، وَهُوَ الْمَطَرُ. يُقَال سَبَلٌ سَابِلٌ، كَمَا يُقَال: مَطَرٌ مَاطِرٌ. وَالرَّائِثُ: الْبَطِيءُ. وَالسَّكَنُ: الْقُوَّة، لِأَنَّ الْأَرْضَ تَسْكُنُ بِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا اسْتَسْقَى، قَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيعًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا، طَبَقًا سَحًّا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ مِنْ اللَّأْوَاءِ وَالضَّنْكِ وَالْجَهْدِ مَا لَا نَشْكُوهُ إلَّا إلَيْك، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْيَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُك، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُك إنَّك كُنْت غَفَّارًا، فَأَرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا»
فصل شرط صلاة الاستسقاء
[فَصْلٌ شَرْط صَلَاة الِاسْتِسْقَاء] (1482) فَصْلٌ: وَهَلْ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الصَّلَاةِ إذْنُ الْإِمَامِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، لَا يُسْتَحَبُّ إلَّا بِخُرُوجِ الْإِمَامِ، أَوْ رَجُلٍ مِنْ قِبَلِهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِذَا خَرَجُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ دَعَوْا، وَانْصَرَفُوا بِلَا صَلَاةٍ وَلَا خُطْبَةٍ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَعَنْهُ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَيَخْطُبُ بِهِمْ أَحَدُهُمْ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ الِاسْتِسْقَاءُ مَشْرُوعًا فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ؛ مُقِيمٍ، وَمُسَافِرٍ، وَأَهْلِ الْقُرَى، وَالْأَعْرَابِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةُ نَافِلَةٍ، فَأَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْكُسُوفِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ بِهَا، وَإِنَّمَا فَعَلَهَا عَلَى صِفَةٍ، فَلَا يَتَعَدَّى تِلْكَ الصِّفَةَ، وَهُوَ أَنَّهُ صَلَّاهَا بِأَصْحَابِهِ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَا تُشْرَعُ إلَّا فِي مِثْلِ تِلْكَ الصِّفَةِ. [فَصْلٌ يَسْتَسْقِي بِمِنْ ظُهْر صَلَاحه] (1483) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَسْقَى بِمَنْ ظَهَرَ صَلَاحُهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى إجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اسْتَسْقَى عُمَرُ عَامَ الرَّمَادَةِ بِالْعَبَّاسِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا عَمُّ نَبِيِّك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَتَوَجَّهُ إلَيْك بِهِ فَاسْقِنَا. فَمَا بَرِحُوا حَتَّى سَقَاهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَرُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَلَمَّا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ: أَيْنَ يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيُّ؟ فَقَامَ يَزِيدُ، فَدَعَاهُ مُعَاوِيَةُ، فَأَجْلَسَهُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَشْفِعُ إلَيْك بِخَيْرِنَا وَأَفْضَلِنَا يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، يَا يَزِيدُ، ارْفَعْ يَدَيْكَ. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَثَارَتْ فِي الْغَرْبِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، وَهَبَّ لَهَا رِيحٌ، فَسُقُوا حَتَّى كَادُوا لَا يَبْلُغُونَ مَنَازِلَهُمْ. وَاسْتَسْقَى بِهِ الضَّحَّاكُ مَرَّةً أُخْرَى. [مَسْأَلَةٌ كم مَرَّةً يَخْرُجُونَ لِلِاسْتِسْقَاءِ] مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ سُقُوا، وَإِلَّا عَادُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: لَا يَخْرُجُونَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَخْرُجْ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَكِنْ يَجْتَمِعُونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ ذَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَدَعَوْا، وَيَدْعُو الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَيُؤَمِّنُ النَّاسُ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا أَبْلَغُ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» . وَأَمَّا النَّبِيُّ فَلَمْ يَخْرُجْ ثَانِيًا؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الْخُرُوجِ بِإِجَابَتِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَالْخُرُوجُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى آكَدُ مِمَّا بَعْدَهَا؛ لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ.
فصل الدعاء عند نزول الغيث
[فَصْلٌ الدُّعَاء عِنْد نُزُول الْغَيْث] (1485) فَصْلٌ: وَإِنْ تَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ، فَسُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ، لَمْ يَخْرُجُوا، وَشَكَرُوا اللَّهَ عَلَى نِعْمَتِهِ، وَسَأَلُوهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ، وَإِنْ خَرَجُوا فَسُقُوا قَبْلَ أَنْ يُصَلُّوا، صَلَّوْا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَحَمِدُوهُ وَدَعَوْهُ. وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اُطْلُبُوا اسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ ثَلَاثٍ: عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَنُزُولِ الْغَيْثِ» . وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَأَى الْمَطَرَ، قَالَ: صَيِّبًا نَافِعًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبّ أَنْ يَقِف فِي أَوَّل الْمَطَر وَيَخْرُج رَحْله لِيُصِيبَهُ الْمَطَر] (1486) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ، وَيُخْرِجَ رَحْلَهُ؛ لِيُصِيبَهُ الْمَطَرُ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْنَا الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَنْ لِحْيَتِهِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ إذَا أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ قَالَ لِغُلَامِهِ. أَخْرِجْ رَحْلِي وَفِرَاشِي يُصِبْهُ الْمَطَرُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ إذَا سَالَ السَّيْلُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ إذَا سَالَ السَّيْلُ يَقُول: اُخْرُجُوا بِنَا إلَى هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا، فَنَتَطَهَّرَ» . [فَصْلٌ يُسْتَحَبّ أَنْ يَسْتَسْقُوا عَقِيب صَلَوَاتهمْ] (1487) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَسْقُوا عَقِيبَ صَلَوَاتِهِمْ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ يَدْعُو الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَيُؤَمِّنُ النَّاسُ. قَالَ الْقَاضِي: الِاسْتِسْقَاءِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ، أَكْمَلُهَا الْخُرُوجُ وَالصَّلَاةُ عَلَى مَا وَصَفْنَا. وَيَلِيهِ اسْتِسْقَاءُ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ؛ لِمَا رُوِيَ، «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّه يُغِثْنَا. فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا» . «قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاَللَّهِ مَا يُرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ وَلَا شَيْءٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ، انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، فَلَا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا، ثُمَّ دَخَلَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ رَجُلٌ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْمَوَاشِي، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّا. قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا،
فصل كثر المطر بعد طلب الاستسقاء
اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ وَالْآكَامِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. قَالَ: فَانْقَطَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالثَّالِثُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى عَقِيبَ صَلَوَاتِهِمْ، وَفِي خَلَوَاتِهِمْ. [فَصْلٌ كُثْر الْمَطَر بَعْد طَلَب الِاسْتِسْقَاء] (1488) فَصْلٌ: وَإِذَا كَثُرَ الْمَطَرُ بِحَيْثُ يَضُرُّهُمْ أَوْ مِيَاهُ الْعُيُونِ، دَعَوْا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُخَفِّفَهُ، وَيَصْرِفَ عَنْهُمْ مَضَرَّتَهُ، وَيَجْعَلَهُ فِي أَمَاكِنَ تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، كَدُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ بِزِيَادَةِ الْمَطَرِ أَحَدُ الضَّرَرَيْنِ، فَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لِإِزَالَتِهِ كَانْقِطَاعِهِ. [مَسْأَلَةٌ خَرَجَ أَهْل الذِّمَّة لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاء مَعَ الْمُسْلِمِينَ] (1489) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوا وَأُمِرُوا أَنْ يَكُونُوا مُنْفَرِدِينَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ، وَبَدَّلُوا نِعْمَتَهُ كُفْرًا، فَهُمْ بَعِيدُونَ مِنْ الْإِجَابَةِ، وَإِنْ أُغِيثَ الْمُسْلِمُونَ فَرُبَّمَا قَالُوا: هَذَا حَصَلَ بِدُعَائِنَا وَإِجَابَتِنَا. وَإِنْ خَرَجُوا لَمْ يُمْنَعُوا؛ لِأَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ أَرْزَاقَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ، فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجِيبَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ فِي الدُّنْيَا، كَمَا ضَمِنَ أَرْزَاقَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُؤْمَرُوا بِالِانْفِرَادِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ، فَيَعُمَّ مَنْ حَضَرَهُمْ، فَإِنَّ قَوْمَ عَادٍ اسْتَسْقَوْا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا، فَأَهْلَكَتْهُمْ. فَإِنْ قِيلَ: فَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعُوا الْخُرُوجَ يَوْمَ يَخْرُجُ الْمُسْلِمُونَ؛ لِئَلَّا يَظُنُّوا أَنَّ مَا حَصَلَ مِنْ السُّقْيَا بِدُعَائِهِمْ. قُلْنَا: وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَتَّفِقَ نُزُولُ الْغَيْثِ يَوْمَ يَخْرُجُونَ وَحْدَهُمْ، فَيَكُونُ أَعْظَمَ لِفِتْنَتِهِمْ، وَرُبَّمَا افْتَتَنَ غَيْرُهُمْ بِهِمْ.
باب الحكم في من ترك الصلاة
[بَابُ الْحُكْمِ فِي مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ] [مَسْأَلَةٌ تَرَكَ الصَّلَاة وَهُوَ بَالِغ عَاقِل جَاحِدًا لَهَا أَوْ غَيْر جَاحِد] َ (1490) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ، جَاحِدًا لَهَا، أَوْ غَيْرَ جَاحِدٍ، دُعِيَ إلَيْهَا فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ صَلَّى، وَإِلَّا قُتِلَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ لَا يَخْلُو؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا، أَوْ غَيْرَ جَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا نُظِرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِهِ، وَهُوَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَالْحَدِيثِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ، عُرِّفَ وُجُوبَهَا، وَعُلِّمَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَالنَّاشِئِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، لَمْ يُعْذَرْ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ادِّعَاءُ الْجَهْلِ، وَحُكِمَ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّ أَدِلَّةَ الْوُجُوبِ ظَاهِرَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَهَا عَلَى الدَّوَامِ، فَلَا يَخْفَى وُجُوبُهَا عَلَى مَنْ هَذَا حَالُهُ، فَلَا يَجْحَدُهَا إلَّا تَكْذِيبًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَهَذَا يَصِيرُ مُرْتَدًّا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ، فِي الِاسْتِتَابَةِ وَالْقَتْلِ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. وَإِنْ تَرَكَهَا لِمَرَضٍ، أَوْ عَجْزٍ عَنْ أَرْكَانِهَا وَشُرُوطِهَا، قِيلَ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الصَّلَاةَ، وَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ. وَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا أَوْ كَسَلًا، دُعِيَ إلَى فِعْلِهَا، وَقِيلَ لَهُ: إنْ صَلَّيْت، وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ. فَإِنْ صَلَّى، وَإِلَّا وَجَبَ قَتْلُهُ. وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يُحْبَسَ ثَلَاثًا، وَيُضَيَّقَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَيُدْعَى فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ إلَى فِعْلِهَا، وَيُخَوَّفَ بِالْقَتْلِ، فَإِنْ صَلَّى، وَإِلَّا قُتِلَ بِالسَّيْفِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَوَكِيعٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: يُضْرَبُ وَيُسْجَنُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، قَالَ: وَلَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ. فَلَا يَحِلُّ دَمُهُ. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ. فَلَا يُقْتَلُ بِتَرْكِهِ كَالْحَجِّ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ لَوْ شُرِعَ لَشُرِعَ زَجْرًا عَنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَلَا يَجُوزُ شَرْعُ زَاجِرٍ تَحَقَّقَ الْمَزْجُورُ عَنْهُ، وَالْقَتْلُ يَمْنَعُ فِعْلَ الصَّلَاةِ دَائِمًا، فَلَا يُشْرَعُ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ الدَّمِ، فَلَا تَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ مَعْنَى نَصٍّ. وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] إلَى قَوْله: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] .
فَأَبَاحَ قَتْلَهُمْ، وَشَرَطَ فِي تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ التَّوْبَةَ، وَهِيَ الْإِسْلَامُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، فَمَتَى تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا لَمْ يَأْتِ بِشَرْطِ تَخْلِيَتِهِ، فَيَبْقَى عَلَى وُجُوبِ الْقَتْلِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ قَتْلِهِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْكُفْرُ مُبِيحٌ لِلْقَتْلِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» . فَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُصَلِّينَ يُبَاحُ قَتْلُهُمْ. وَلِأَنَّهَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ بِنَفْسٍ وَلَا مَالٍ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَلَ تَارِكُهُ كَالشَّهَادَةِ، وَحَدِيثُهُمْ حُجَّةٌ لَنَا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَهَا كُفْرٌ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ اسْتَثْنَى مِنْهُ «إلَّا بِحَقِّهَا» . وَالصَّلَاةُ مِنْ حَقِّهَا. وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا شَهِدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَآتَوْا الزَّكَاةَ.» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. ثُمَّ إنَّ أَحَادِيثَنَا خَاصَّةٌ، فَنَخُصُّ بِهَا عُمُومَ مَا ذَكَرُوهُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِهِ، وَلَا يَجِبُ الْقَتْلُ بِفِعْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ هَذَا يُفْضِي إلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ. قُلْنَا: الظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُقْتَلُ إنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ لَا يَتْرُكُهَا، سِيَّمَا بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ تَرَكَهَا بَعْدَ هَذَا كَانَ مَيْئُوسًا مِنْ صَلَاتِهِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي بَقَائِهِ، وَلَا يَكُونُ الْقَتْلُ هُوَ الْمُفَوِّتُ لَهُ، ثُمَّ لَوْ فَاتَ بِهِ احْتِمَالُ الصَّلَاةِ، لَحَصَلَ بِهِ صَلَاةُ أَلْفِ إنْسَانٍ، وَتَحْصِيلُ ذَلِكَ بِتَفْوِيتِ احْتِمَالِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلصَّلَاةِ، فَلَزِمَ قَتْلُهُ، كَتَارِكِ ثَلَاثٍ، وَلِأَنَّ الْأَخْبَارَ تَتَنَاوَلُ تَارِكَ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، لَكِنْ لَا يَثْبُتُ الْوُجُوبُ حَتَّى يَضِيقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَا يُعْلَمُ تَرْكُهَا إلَّا بِفَوَاتِ وَقْتِهَا، فَتَصِيرُ فَائِتَةً لَا يَجِبُ الْقَتْلُ بِفَوَاتِهَا، فَإِذَا ضَاقَ وَقْتُهَا عُلِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ تَرْكَهَا، فَوَجَبَ قَتْلُهُ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ قَتْلُهُ حَتَّى يَتْرُكَ ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ، وَيَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ عَنْ فِعْلِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالصَّلَاتَيْنِ لِشُبْهَةٍ، فَإِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثًا. تَحَقَّقَ أَنَّهُ تَارِكٌ لَهَا رَغْبَةً عَنْهَا، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَة عَنْ فِعْلِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَحَكَى ابْنُ حَامِدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا، أَنَّهُ إنْ تَرَكَ صَلَاةً لَا تُجْمَعُ إلَى مَا بَعْدَهَا، كَصَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، وَجَبَ قَتْلُهُ، وَإِنْ تَرَكَ الْأُولَى مِنْ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ، لَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَيْنِ كَالْوَقْتِ الْوَاحِدِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ. وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ، هَلْ يُقْتَلُ لِكُفْرِهِ، أَوْ حَدًّا؟ فَرُوِيَ أَنَّهُ يُقْتَلُ لِكُفْرِهِ كَالْمُرْتَدِّ، فَلَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُكَفَّنُ، وَلَا يُدْفَنُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَرِثُهُ أَحَدٌ، وَلَا يَرِثُ أَحَدًا، اخْتَارَهَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا وَابْنُ حَامِدٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ
الْمُبَارَكِ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَإِسْحَاقَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» . وَفِي لَفْظٍ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ تَرْكَ الصَّلَاةِ» . وَعَنْ بُرَيْدَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ تَرْكُ الصَّلَاةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» رَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمْ الْأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاةُ» . قَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ شَيْءٍ ذَهَبَ آخِرُهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ. وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَهُوَ كَافِرٌ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا دِينَ لَهُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ: لَمْ يَكُنْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ، تَرْكُهُ كُفْرٌ، غَيْرَ الصَّلَاةِ. وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَدْخُلُ بِهَا فِي الْإِسْلَامِ، فَيَخْرُجُ بِتَرْكِهَا مِنْهُ كَالشَّهَادَةِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يُقْتَلُ حَدًّا، مَعَ الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ، كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ، وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَكْفُر. وَذَكَرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَلَى هَذَا، لَمْ يَجِدْ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافًا فِيهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى مَعَهُمْ مِنْ الْإِسْلَامِ إلَّا قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. فَقِيلَ لَهُ: وَمَا يَنْفَعُهُمْ؟ قَالَ: تُنْجِيهِمْ مِنْ النَّارِ، لَا أَبَا لَكَ. وَعَنْ وَالَانَ، قَالَ: انْتَهَيْت إلَى دَارِي، فَوَجَدْت شَاةً مَذْبُوحَةً، فَقُلْت: مَنْ ذَبَحَهَا؟ قَالُوا: غُلَامُك. قُلْت: وَاَللَّهِ إنَّ غُلَامِي لَا يُصَلِّي، فَقَالَ النِّسْوَةُ: نَحْنُ عَلَّمْنَاهُ، يُسَمِّيَ، فَرَجَعْتُ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» . وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، إلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» . وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ» . وَعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً» . مُتَّفَقٌ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا، وَمِثْلُهَا كَثِيرٌ. وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ، لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ،
كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» . وَلَوْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يُدْخِلْهُ فِي الْمَشِيئَةِ. وَقَالَ الْخَلَّالُ، فِي " جَامِعِهِ ": ثنا يَحْيَى، ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، ثنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي شَمِيلَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إلَى قُبَاءَ فَاسْتَقْبَلَهُ رَهْطٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَحْمِلُونَ جِنَازَةً عَلَى بَابٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا هَذَا؟ قَالُوا: مَمْلُوكٌ لِآلِ فُلَانٍ، كَانَ مِنْ أَمْرِهِ. قَالَ: أَكَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَلَكِنَّهُ كَانَ وَكَانَ. فَقَالَ لَهُمْ: أَمَا كَانَ يُصَلِّي؟ فَقَالُوا: قَدْ كَانَ يُصَلِّي وَيَدَعُ. فَقَالَ لَهُمْ: ارْجِعُوا بِهِ، فَغَسِّلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَصَلُّوا عَلَيْهِ، وَادْفِنُوهُ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ كَادَتْ الْمَلَائِكَةُ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ» . وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَّوْا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . وَلِأَنَّ ذَلِكَ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ أَحَدًا مِنْ تَارِكِي الصَّلَاةِ تُرِكَ تَغْسِيلُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ فِي مَقَابِر الْمُسْلِمِينَ، وَلَا مُنِعَ وَرَثَتُهُ مِيرَاثَهُ، وَلَا مُنِعَ هُوَ مِيرَاثَ مُوَرِّثِهِ، وَلَا فُرِّقَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ مَعَ كَثْرَةِ تَارِكِي الصَّلَاةِ، وَلَوْ كَانَ كَافِرًا لَثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ خِلَافًا فِي أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا، وَلَوْ كَانَ مُرْتَدًّا لَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَهِيَ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ، وَالتَّشْبِيهِ لَهُ بِالْكُفَّارِ، لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» . وَقَوْلِهِ: «كُفْرٌ بِاَللَّهِ تَبَرُّؤٌ مِنْ نَسَبٍ وَإِنْ دَقَّ» . وَقَوْلُهُ: «مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ. فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» . وَقَوْلُهُ: «مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» . قَالَ: «وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْكَوَاكِبِ. فَهُوَ كَافِرٌ بِاَللَّهِ، مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ» . وَقَوْلُهُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» . وَقَوْلِهِ: «شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ» . وَأَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا أُرِيدَ بِهِ التَّشْدِيدُ فِي الْوَعِيدِ، وَهُوَ أَصْوَبُ الْقَوْلَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فصل ترك شرطا مجمعا على صحته أو ركنا كالطهارة والركوع والسجود
[فَصْلٌ تَرَكَ شَرْطًا مَجْمَعًا عَلَى صِحَّته أَوْ رُكْنًا كَالطَّهَارَةِ وَالرُّكُوع وَالسُّجُود] (1491) فَصْلٌ: وَمَنْ تَرَكَ شَرْطًا مُجْمَعًا عَلَى صِحَّتِهِ، أَوْ رُكْنًا، كَالطَّهَارَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَهُوَ كَتَارِكِهَا، حُكْمُهُ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ ذَلِكَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا. وَإِنْ تَرَكَ مُخْتَلَفًا فِيهِ، كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةَ، وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَالِاعْتِدَالِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوْ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، مُعْتَقِدًا جَوَازَ ذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ تَرَكَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ، لَزِمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ. وَلَا يُقْتَلُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْمُتَزَوِّجَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَسَارِقَ مَالٍ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كتاب الجنائز
[كِتَاب الْجَنَائِز] ِ يُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ ذِكْرُ الْمَوْتِ وَالِاسْتِعْدَادُ لَهُ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، فَمَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ إلَّا قَلَّلَهُ، وَلَا فِي قَلِيلٍ إلَّا كَثَّرَهُ» . رَوَى الْبُخَارِيُّ أَوَّلَهُ. وَإِذَا مَرِضَ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَصْبِرَ، وَيُكْرَهُ الْأَنِينُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَرِهَهُ. وَلَا يَتَمَنَّى الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَيُحْسِنُ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ تَعَالَى، قَالَ جَابِرٌ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد. وَقَالَ مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ، إنَّهُ قَالَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ: حَدِّثْنِي بِالرُّخَصِ. [فَصْلٌ عِيَادَة الْمَرِيض] (1492) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ، قَالَ الْبَرَاءُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا مُمْسِيًا، إلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَتَاهُ مُصْبِحًا، خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَإِذَا دَخَلَ عَلَى الْمَرِيضِ دَعَا لَهُ، وَرَقَاهُ. قَالَ ثَابِتٌ لَأَنَسٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، اشْتَكَيْتُ. قَالَ أَنَسٌ، أَفَلَا أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ الْبَاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» . وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: «أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اشْتَكَيْتُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيك، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيك، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ وَعَيْنٍ حَاسِدَةٍ اللَّهُ يَشْفِيك» . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: كِلَا هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الْأَجَلِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وَإِنَّهُ يُطَيِّبُ نَفْسَ الْمَرِيضِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَيُرَغِّبُهُ فِي التَّوْبَةِ وَالْوَصِيَّةِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، وَلَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فصل يستحب أن يلي المريض مرض الموت أرفق أهله به وأعلمهم بسياسته
[فَصْلٌ يُسْتَحَبّ أَنْ يَلِي الْمَرِيض مَرَض الْمَوْت أُرْفِق أَهْله بِهِ وَأَعْلَمهُمْ بِسِيَاسَتِهِ] (1493) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَلِيَ الْمَرِيضَ أَرْفَقُ أَهْلِهِ بِهِ، وَأَعْلَمُهُمْ بِسِيَاسَتِهِ، وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِيُذَكِّرَهُ اللَّهَ تَعَالَى، وَالتَّوْبَةَ مِنْ الْمَعَاصِي، وَالْخُرُوجَ مِنْ الْمَظَالِمِ، وَالْوَصِيَّةَ. وَإِذَا رَآهُ مَنْزُولًا بِهِ تَعَهَّدَ بَلَّ حَلْقِهِ، بِتَقْطِيرِ مَاءٍ أَوْ شَرَابٍ فِيهِ، وَيُنَدِّي شَفَتَيْهِ بِقُطْنَةٍ، وَيَسْتَقْبِلُ بِهِ الْقِبْلَةَ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ» . وَيُلَقِّنُهُ قَوْلَ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ "؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ تَمُوتَ يَوْمَ تَمُوتُ وَلِسَانُك رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي لُطْفٍ وَمُدَارَاةٍ، وَلَا يُكَرِّرُ عَلَيْهِ، وَلَا يُضَجِّرَهُ، إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ، فَيُعِيدُ تَلْقِينَهُ؛ لِتَكُونَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ آخِرَ كَلَامِهِ نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ جَعَلَ رَجُلٌ يُلَقِّنُهُ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " فَأَكْثَرَ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: إذَا قُلْت مَرَّةً فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مَا لَمْ أَتَكَلَّمْ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّمَا أَرَادَ عَبْدُ اللَّهِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ. وَرَوَى سَعِيدٌ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ: أَجْلِسُونِي. فَلَمَّا أَجْلَسُوهُ قَالَ: كَلِمَةٌ سَمِعْتهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُنْت أَخْبَؤُهَا، وَلَوْلَا مَا حَضَرَنِي مِنْ الْمَوْتِ مَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهَا، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إلَّا هَدَمَتْ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنْ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ، فَلَقِّنُوهَا مَوْتَاكُمْ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ هِيَ لِلْأَحْيَاءِ؟ قَالَ هِيَ أَهْدَمُ وَأَهْدَمُ» . قَالَ أَحْمَدُ: وَيَقْرَءُونَ عِنْدَ الْمَيِّتِ إذَا حَضَرَ، لِيُخَفَّفَ عَنْهُ بِالْقِرَاءَةِ، يُقْرَأُ {يس} [يس: 1] ، وَأَمَرَ بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَرَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا فَرْجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ أَسَدِ بْنِ وَدَاعَةَ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَ غُضَيْفَ بْنَ حَارِثٍ الْمَوْتُ، حَضَرَهُ إخْوَانُهُ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَقْرَأُ سُورَةَ (يس) ؟ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: نَعَمْ. قَالَ: اقْرَأْ، وَرَتِّلْ، وَأَنْصِتُوا. فَقَرَأَ، وَرَتَّلَ. وَأَسْمَعَ الْقَوْمَ، فَلَمَّا بَلَغَ {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 83] . خَرَجَتْ نَفْسُهُ. قَالَ أَسَدُ بْنُ وَدَاعَةَ: فَمَنْ حَضَرَ مِنْكُمْ الْمَيِّتَ، فَشُدِّدَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، فَلْيَقْرَأْ عِنْدَهُ سُورَةَ (يس) ، فَإِنَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُ الْمَوْتُ. [مَسْأَلَةٌ التَّوْجِيه إلَى الْقِبْلَة لِلْمَرِيضِ مَرَض الْمَوْت] (1494) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: " (وَإِذَا تُيُقِّنَ الْمَوْتُ، وُجِّهَ إلَى الْقِبْلَةِ، وَغُمِّضَتْ عَيْنَاهُ، وَشُدَّ لَحْيَاهُ، لِئَلَّا يَسْتَرْخِيَ فَكُّهُ، وَجُعِلَ عَلَى بَطْنِهِ مِرْآةٌ أَوْ غَيْرُهَا؛ لِئَلَّا يَعْلُوَ بَطْنُهُ)
قَوْله: " إذَا تُيُقِّنَ الْمَوْتُ " يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ حُضُورَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ التَّوْجِيهَ إلَى الْقِبْلَةِ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَاسْتَحَبَّهُ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الشَّامِ، وَإِسْحَاقُ، وَأَنْكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يُحَوِّلُوهُ إلَى الْقِبْلَةِ، قَالَ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: نُحَوِّلُك إلَى الْقِبْلَةِ. قَالَ: أَلَمْ أَكُنْ عَلَى الْقِبْلَةِ إلَى يَوْمِي هَذَا؟ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ: وَجِّهُونِي. وَلِأَنَّ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ بِسَعِيدٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَشْهُورًا بَيْنَهُمْ، يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ بِمَوْتَاهُمْ، وَلِأَنَّ خَيْرَ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْخِرَقِيِّ أَرَادَ تَيَقُّنَ وُجُودِ الْمَوْتِ، لِأَنَّ سَائِرَ مَا ذَكَرَهُ إنَّمَا يُفْعَلُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُوَ تَغْمِيضُ الْمَيِّتِ، فَإِنَّهُ يُسَنُّ عَقِيبَ الْمَوْتِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ. فَضَجَّ النَّاسُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ الْمُقَرَّبِينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ، فَأَغْمِضُوا الْبَصَرَ، فَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ، وَقُولُوا خَيْرًا؛ فَإِنَّهُ يُؤَمَّنُ عَلَى مَا قَالَ أَهْلُ الْمَيِّتِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ ". وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لِابْنِهِ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: اُدْنُ مِنِّي، فَإِذَا رَأَيْت رُوحِي قَدْ بَلَغَتْ لَهَاتِي، فَضَعْ كَفَّك الْيُمْنَى عَلَى جَبْهَتِي، وَالْيُسْرَى تَحْتَ ذَقَنِي، وَأَغْمِضْنِي. وَيُسْتَحَبُّ شَدُّ لَحْيَيْهِ بِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ، يَرْبُطُهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ إذَا كَانَ مَفْتُوحَ الْعَيْنَيْنِ وَالْفَمِ، فَلَمْ يُغَمَّضْ حَتَّى يَبْرُدَ، بَقِيَ مَفْتُوحًا، فَيَقْبُحُ مَنْظَرُهُ، وَلَا يُؤْمَنُ دُخُولُ الْهَوَامِّ فِيهِ، وَالْمَاءِ فِي وَقْتِ غُسْلِهِ. وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ: وَيَقُولُ الَّذِي يُغَمِّضُهُ: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَيُجْعَلُ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ مِنْ الْحَدِيدِ، كَمِرْآةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ لِئَلَّا يَنْتَفِخَ بَطْنُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ الْحَدِيدِ فَطِينٌ مَبْلُولٌ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ أَرْفَقُ النَّاسِ بِهِ، بِأَرْفَقِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ: تُغَمِّضُ الْمَرْأَةُ عَيْنَيْهِ إذَا كَانَتْ ذَاتَ مَحْرَمٍ لَهُ. وَقَالَ: يُكْرَهُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ تَغْمِيضُهُ، وَأَنْ تَقْرَبَاهُ. وَكَرِهَ ذَلِكَ عَلْقَمَةُ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ. وَكَرِهَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، أَنْ يُغَسِّلَ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ الْمَيِّتَ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. وَقَالَ إِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يُغَسِّلُهُ الْجُنُبُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُؤْمِنُ لَيْسَ بِنَجَسٍ» . وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ
فصل المسارعة إلى تجهيزه إذا تيقن موته
اخْتِلَافًا فِي صِحَّةِ تَغْسِيلِهِمَا وَتَغْمِيضِهِمَا لَهُ، وَلَكِنْ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْمُتَوَلِّي لِأُمُورِهِ، فِي تَغْمِيضِهِ وَتَغْسِيلِهِ، طَاهِرًا لِأَنَّهُ أَكْمَلُ وَأَحْسَنُ [فَصْلٌ الْمُسَارَعَة إلَى تَجْهِيزه إذَا تَيَقُّن مَوْته] (1495) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ الْمُسَارَعَةُ إلَى تَجْهِيزِهِ إذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَصْوَبُ لَهُ، وَأَحْفَظُ مِنْ أَنْ يَتَغَيَّرَ، وَتَصْعُبَ مُعَافَاتُهُ. قَالَ أَحْمَدُ: كَرَامَةُ الْمَيِّتِ تَعْجِيلُهُ. وَفِيمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنِّي لَأُرَى طَلْحَةَ قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ، فَآذِنُونِي بِهِ، وَعَجِّلُوا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ» . وَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْتَظَرَ بِهَا مِقْدَارُ مَا يَجْتَمِعُ لَهَا جَمَاعَةٌ؛ لِمَا يُؤَمَّلُ مِنْ الدُّعَاءِ لَهُ إذَا صُلِّيَ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ، أَوْ يَشُقَّ عَلَى النَّاسِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَإِنْ اشْتَبَهَ أَمْرُ الْمَيِّتِ، اُعْتُبِرَ بِظُهُورِ أَمَارَاتِ الْمَوْتِ، مِنْ اسْتِرْخَاءِ رِجْلَيْهِ، وَانْفِصَالِ كَفَّيْهِ، وَمَيْلِ أَنْفِهِ، وَامْتِدَادِ جِلْدَةِ وَجْهِهِ، وَانْخِسَافِ صُدْغَيْهِ. وَإِنْ مَاتَ فَجْأَةً كَالْمَصْعُوقِ، أَوْ خَائِفًا مِنْ حَرْبٍ أَوْ سَبُعٍ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، اُنْتُظِرَ بِهِ هَذِهِ الْعَلَامَاتُ، حَتَّى يُتَيَقَّنَ مَوْتُهُ. قَالَ الْحَسَنُ فِي الْمَصْعُوقِ: يُنْتَظَرُ بِهِ ثَلَاثًا. قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّهُ رُبَّمَا تَغَيَّرَ فِي الصَّيْفِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. قِيلَ: فَكَيْفَ تَقُولُ؟ قَالَ: يُتْرَكُ بِقَدْرِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ مَيِّتٌ. قِيلَ لَهُ: مِنْ غَدْوَةٍ إلَى اللَّيْلِ. قَالَ: نَعَمْ. [فَصْل يُسَارَعُ فِي قَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ] (1496) فَصْلٌ: وَيُسَارَعُ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَإِنْ تَعَذَّرَ إيفَاءُ دَيْنِهِ فِي الْحَالِ، اُسْتُحِبَّ لِوَارِثِهِ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَتَكَفَّلَ بِهِ عَنْهُ، كَمَا فَعَلَ أَبُو قَتَادَةَ لَمَّا أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجِنَازَةٍ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ. فَصَلَّى عَلَيْهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَيُسْتَحَبُّ الْمُسَارَعَةُ إلَى تَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ؛ لِيُعَجَّلَ لَهُ ثَوَابُهَا بِجَرَيَانِهَا عَلَى الْمُوصَى لَهُ. [فَصْلٌ خَلَعَ ثِيَاب الْمَيِّت] (1497) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ خَلْعُ ثِيَابِ الْمَيِّتِ؛ لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ يَفْسُدُ بِهِ، وَيَتَلَوَّثُ بِهَا، إذَا نُزِعَتْ عَنْهُ، وَيُسَجَّى بِثَوْبٍ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: سُجِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَوْبٍ حِبَرَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَا يُتْرَكُ الْمَيِّتُ عَلَى الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ لِفَسَادِهِ، وَلَكِنْ عَلَى سَرِيرٍ أَوْ لَوْحٍ، لِيَكُونَ أَحْفَظَ لَهُ.
مسألة تجريد الميت عند غسله وستر عورته بمئزر
[مَسْأَلَةٌ تَجْرِيد الْمَيِّت عِنْدَ غَسْلِهِ وَسِتْر عَوْرَته بِمِئْزَرِ] (1498) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِذَا أَخَذَ فِي غُسْلِهِ سَتَرَ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَجْرِيدُ الْمَيِّتِ عِنْدَ غُسْلِهِ، وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ بِمِئْزَرٍ. هَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ عَنْ أَحْمَدَ فَقَالَ: يُغَطِّي مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتَيْهِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ سِيرِينَ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَرَوَى الْمَرُّوذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُغَسِّلَ الْمَيِّتَ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ يُدْخِلُ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو قِلَابَةَ إذَا غَسَّلَ مَيِّتًا جَلَّلَهُ بِثَوْبٍ. قَالَ الْقَاضِي: السُّنَّةُ أَنْ يُغَسَّلَ فِي قَمِيصٍ رَقِيقٍ يَنْزِلُ الْمَاءُ فِيهِ، وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَصِلَ إلَى بَدَنِهِ، وَيُدْخِلُ يَدَهُ فِي كُمِّ الْقَمِيصِ، فَيُمِرُّهَا عَلَى بَدَنِهِ وَالْمَاءُ يُصَبُّ، فَإِنْ كَانَ الْقَمِيصُ ضَيِّقًا فَتَقَ رَأْسَ الدَّخَارِيصِ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ. وَقَالَ سَعْدٌ اصْنَعُوا بِي كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ أَحْمَدُ غُسِّلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَمِيصِهِ، وَقَدْ أَرَادُوا خَلْعَهُ، فَنُودُوا، أَنْ لَا تَخْلَعُوهُ، وَاسْتُرُوا نَبِيَّكُمْ. وَلَنَا، أَنَّ تَجْرِيدَهُ أَمْكَنُ لِتَغْسِيلِهِ، وَأَبْلَغُ فِي تَطْهِيرِهِ، وَالْحَيُّ يَتَجَرَّدُ إذَا اغْتَسَلَ، فَكَذَا الْمَيِّتُ، وَلِأَنَّهُ إذَا غُسِّلَ فِي ثَوْبِهِ تَنَجَّسَ الثَّوْبُ بِمَا يَخْرُجُ، وَقَدْ لَا يَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ، فَيَتَنَجَّسَ الْمَيِّتُ بِهِ. فَأَمَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَاكَ خَاصٌّ لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَالُوا: نُجَرِّدُهُ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا. كَذَلِكَ رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ: رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهَا مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ تَجْرِيدَ الْمَيِّتِ فِيمَا عَدَا الْعَوْرَةَ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا لِيَخْفَى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَهُونَ إلَى رَأْيِهِ، وَيَصْدُرُونَ عَنْ أَمْرِهِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، وَاتِّبَاعُ أَمْرِهِ وَفِعْلِهِ أَوْلَى مِنْ اتِّبَاعِ غَيْرِهِ. وَلِأَنَّ مَا يُخْشَى مِنْ تَنْجِيسِ قَمِيصِهِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ كَانَ مَأْمُونًا فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ طَيِّبٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ سَعْدٌ الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصُبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَرَادَ الْغُسْلَ فَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ. وَأَمَّا سَتْرُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَإِنَّ ذَلِكَ عَوْرَةٌ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَقَدْ «قَالَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ: لَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ، وَلَا مَيِّتٍ» . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَرُوِيَ: " النَّاظِرُ مِنْ الرِّجَالِ إلَى فُرُوجِ الرِّجَالِ، كَالنَّاظِرِ مِنْهُمْ إلَى فُرُوجِ النِّسَاءِ، وَالْمُتَكَشِّفُ مَلْعُونٌ ".
مسألة يستحب أن يغسل الميت في بيت ولا يحضره إلا من يعين في أمره
(1499) فَصْلٌ: قَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت لِأَحْمَدَ الصَّبِيُّ يُسْتَرُ كَمَا يُسْتَرُ الْكَبِيرُ، أَعْنِي الصَّبِيَّ الْمَيِّتَ فِي الْغُسْلِ. قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ يُسْتَرُ مِنْهُ، وَلَيْسَتْ عَوْرَتُهُ بِعَوْرَةٍ وَيُغَسِّلُهُ النِّسَاءُ؟ [مَسْأَلَةٌ يُسْتَحَبّ أَنْ يَغْسِل الْمَيِّت فِي بَيْت وَلَا يُحَضِّرهُ إلَّا مِنْ يُعِين فِي أَمَرَهُ] (1500) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالِاسْتِحْبَابُ أَنْ لَا يُغَسَّلَ تَحْتَ السَّمَاءِ، وَلَا يَحْضُرُهُ إلَّا مَنْ يُعِينُ فِي أَمْرِهِ، مَا دَامَ يُغَسَّلُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُغَسَّلَ فِي بَيْتٍ. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ الَّذِي يُغَسَّلُ فِيهِ مُظْلِمًا. وَذَكَرَهُ أَحْمَدُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُعِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ سِتْرًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَانَ النَّخَعِيُّ يُحِبُّ أَنْ يُغَسَّلَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ سُتْرَةٌ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ؛ قَالَ: أَوْصَى الضَّحَّاكُ أَخَاهُ سَالِمًا، قَالَ: إذَا غَسَّلْتنِي فَاجْعَلْ حَوْلِي سِتْرًا، وَاجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَ السَّمَاءِ سِتْرًا. وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ، فَجَعَلْنَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّقْفِ سِتْرًا» . قَالَ: وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ السَّمَاءَ بِعَوْرَتِهِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ أَنْ يَحْضُرَهُ مَنْ لَا يُعِينُ فِي أَمْرِهِ، لِأَنَّهُ يُكْرَهُ النَّظَرُ إلَى الْمَيِّتِ إلَّا لِحَاجَةٍ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْحَاضِرِينَ غَضُّ أَبْصَارِهِمْ عَنْهُ، إلَّا مِنْ حَاجَةٍ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ بِالْمَيِّتِ عَيْبٌ يَكْتُمُهُ، وَيَكْرَهُ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَرُبَّمَا حَدَثَ مِنْهُ أَمْرٌ يَكْرَهُ الْحَيُّ أَنْ يُطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى مِثْلِهِ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ فِيهِ شَيْءٌ هُوَ فِي الظَّاهِرِ مُنْكَرٌ فَيُحَدَّثُ بِهِ، فَيَكُونُ فَضِيحَةً لَهُ، وَرُبَّمَا بَدَتْ عَوْرَتُهُ فَشَاهَدَهَا، وَلِهَذَا أَحْبَبْنَا أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ ثِقَةً أَمِينًا صَالِحًا؛ لِيَسْتُرَ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لِيُغَسِّلْ مَوْتَاكُمْ الْمَأْمُونُونَ.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، ثُمَّ لَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا. وَفِي " الْمُسْنَدِ " عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، فَأَدَّى فِيهِ الْأَمَانَةَ، وَلَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ مَا يَكُونُ مِنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» . وَقَالَ: «لِيَلِهِ أَقْرَبُكُمْ مِنْهُ إنْ كَانَ يَعْلَمُ، فَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ فَمَنْ تَرَوْنَ أَنَّ عِنْدَهُ حَظًّا مِنْ وَرَعٍ وَأَمَانَةٍ» . وَقَالَ الْقَاضِي: لِوَلِيِّهِ أَنْ يَدْخُلَ كَيْفَ شَاءَ. وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ عَامٌّ فِي الْمَنْعِ، وَلَعَلَّهُ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فصل ينبغي للغاسل ولمن حضر إذا رأى من الميت شيئا التحدث به
[فَصْلٌ يَنْبَغِي لِلْغَاسِلِ وَلِمَنْ حَضَرَ إذَا رَأَى مِنْ الْمَيِّت شَيْئًا التَّحَدُّث بِهِ] (1501) فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي لِلْغَاسِلِ، وَلِمَنْ حَضَرَ، إذَا رَأَى مِنْ الْمَيِّتِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَمِمَّا يُحِبُّ الْمَيِّتُ سَتْرَهُ، أَنْ يَسْتُرَهُ، وَلَا يُحَدِّثَ بِهِ؛ لِمَا رَوَيْنَاهُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» . وَإِنْ رَأَى حَسَنًا مِثْلَ أَمَارَاتِ الْخَيْرِ، مِنْ وَضَاءَةِ الْوَجْهِ، وَالتَّبَسُّمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، اُسْتُحِبَّ إظْهَارُهُ، لِيَكْثُرَ التَّرَحُّمُ عَلَيْهِ، وَيَحْصُلَ الْحَثُّ عَلَى مِثْلِ طَرِيقَتِهِ، وَالتَّشَبُّهُ بِجَمِيلِ سِيرَتِهِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي الدِّينِ وَالسُّنَّةِ، مَشْهُورًا بِبِدْعَتِهِ، فَلَا بَأْسَ بِإِظْهَارِ الشَّرِّ عَلَيْهِ، لِتُحْذَرَ طَرِيقَتُهُ. وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُمَ مَا يَرَى عَلَيْهِ مِنْ أَمَارَاتِ الْخَيْرِ؛ لِئَلَّا يَغْتَرَّ مُغْتَرٌّ بِذَلِكَ، فَيَقْتَدِيَ بِهِ فِي بِدْعَتِهِ. (1502) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَتُلَيَّنُ مَفَاصِلُهُ إنْ سَهُلَتْ عَلَيْهِ، وَإِلَّا تَرَكَهَا) مَعْنَى تَلْيِينِ الْمَفَاصِل هُوَ أَنْ يَرُدَّ ذِرَاعَيْهِ إلَى عَضُدَيْهِ، وَعَضُدَيْهِ إلَى جَنْبَيْهِ، ثُمَّ يَرُدَّهُمَا، وَيَرُدّ سَاقَيْهِ إلَى فَخِذَيْهِ، وَفَخِذَيْهِ، إلَى بَطْنِهِ، ثُمَّ يَرُدُّهَا، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْقَى لِلِينِهِ، فَيَكُون ذَلِكَ أَمْكَنَ لِلْغَاسِلِ، مِنْ تَكْفِينِهِ، وَتَمْدِيدِهِ، وَخَلْعِ ثِيَابِهِ، وَتَغْسِيلِهِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ، عَقِيبَ مَوْتِهِ قَبْلَ قَسْوَتِهَا بِبُرُودَتِهِ، وَإِذَا أَخَذَ فِي غُسْلِهِ. وَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ لِقَسْوَةِ الْمَيِّتِ أَوْ غَيْرِهَا، تَرَكَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ تَنْكَسِرَ أَعْضَاؤُهُ، وَيَصِيرَ بِهِ ذَلِكَ إلَى الْمُثْلَةِ. [مَسْأَلَةٌ كَيْفِيَّة غَسَلَ الْمَيِّت] (1503) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ (وَيَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً، فَيُنَقِّي مَا بِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ، وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ عَصْرًا رَفِيقًا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُغَسَّلَ الْمَيِّتُ عَلَى سَرِيرٍ، يُتْرَكُ عَلَيْهِ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقِبْلَةِ مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْهِ، لِيَنْحَدِرَ الْمَاءُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَلَا يَرْجِعَ إلَى جِهَةِ رَأْسِهِ، وَيَبْدَأُ الْغَاسِلُ، فَيَحْنِي الْمَيِّتَ حَنْيًا رَفِيقًا، لَا يَبْلُغُ بِهِ قَرِيبًا مِنْ الْجُلُوسِ، لِأَنَّ فِي الْجُلُوسِ أَذِيَّةً لَهُ، ثُمَّ يُمِرُّ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ، يَعْصِرُهُ عَصْرًا رَفِيقًا؛ لِيُخْرِج مَا مَعَهُ مِنْ نَجَاسَةٍ، لِئَلَّا يَخْرُجَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ حِينَ يُمِرُّ يَدَهُ صَبًّا كَثِيرًا، لِيُخْفِيَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَيَذْهَبُ بِهِ الْمَاءُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهِ مِجْمَرٌ فِيهِ بَخُورٌ حَتَّى لَا يَظْهَرَ مِنْهُ رِيحٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَعْصِرُ بَطْنَ الْمَيِّتِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَلَكِنْ فِي الثَّانِيَةِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يَعْصِرُ بَطْنَهُ فِي الثَّالِثَةِ، يَمْسَحُ مَسْحًا رَفِيقًا مَرَّةً وَاحِدَةً. وَقَالَ أَيْضًا: عَصْرُ بَطْنِ الْمَيِّتِ فِي الثَّانِيَةِ أَمْكَنُ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَلِينُ حَتَّى يُصِيبَهُ الْمَاءُ. وَيَلُفُّ الْغَاسِلُ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً خَشِنَةً، فَيُنْجِيهِ بِهَا؛ لِئَلَّا يَمَسَّ عَوْرَتَهُ، لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى الْعَوْرَةِ حَرَامٌ، فَاللَّمْسُ أَوْلَى، وَيُزِيلُ مَا عَلَى بَدَنِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ يَبْدَأُ بِذَلِكَ فِي اغْتِسَالِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَمَسَّ بَقِيَّةَ بَدَنِهِ إلَّا بِخِرْقَةٍ. قَالَ الْقَاضِي: يُعِدُّ الْغَاسِلُ خِرْقَتَيْنِ، يَغْسِلُ بِإِحْدَاهُمَا
مسألة يوضئ الميت وضوءه للصلاة ولا يدخل الماء في فيه ولا في أنفه
السَّبِيلَيْنِ، وَبِالْأُخْرَى سَائِرَ بَدَنِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً حَامِلًا لَمْ يَعْصِرْ بَطْنَهَا، لِئَلَّا يُؤْذِيَ الْوَلَدَ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا تُوُفِّيَتْ الْمَرْأَةُ، فَأَرَادُوا غَسْلَهَا، فَلْيَبْدَأْ بِبَطْنِهَا، فَلْيَمْسَحْ مَسْحًا رَفِيقًا إنْ لَمْ تَكُنْ حُبْلَى، فَإِنْ كَانَتْ حُبْلَى فَلَا يُحَرِّكْهَا.» [مَسْأَلَةٌ يُوَضِّئ الْمَيِّت وُضُوءُهُ لِلصَّلَاةِ وَلَا يَدْخُل الْمَاء فِي فِيهِ وَلَا فِي أَنْفه] (1504) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُوَضِّئُهُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَلَا يُدْخِلُ الْمَاءَ فِي فِيهِ، وَلَا فِي أَنْفِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا أَذَى أَزَالَهُ بِخِرْقَةِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَنْجَاهُ، وَأَزَالَ عَنْهُ النَّجَاسَةَ، بَدَأَ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَضَّأَهُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، فَيَغْسِلُ كَفَّيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ خِرْقَةً خَشِنَةً فَيَبُلُّهَا وَيَجْعَلُهَا عَلَى أُصْبُعِهِ، فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ وَأَنْفَهُ، حَتَّى يُنَظِّفَهُمَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي رِفْقٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ، وَيُتِمُّ وُضُوءَهُ، لِأَنَّ الْوُضُوءَ يُبْدَأُ بِهِ فِي غُسْلِ الْحَيِّ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ: «فَإِذَا فَرَغْتِ مِنْ غَسْلِ سُفْلَتِهَا غَسْلًا نَقِيًّا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، فَوَضِّئِيهَا وُضُوءَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْسِلِيهَا» وَلَا يُدْخِلُ الْمَاءَ فَاهُ، وَلَا مَنْخَرَيْهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. كَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُمَضْمِضُهُ وَيُنَشِّقُهُ كَمَا يَفْعَلُ الْحَيُّ. وَلَنَا، أَنَّ إدْخَالَ الْمَاءِ فَاهُ وَأَنْفَهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ وُصُولُهُ إلَى جَوْفِهِ، فَيُفْضِي إلَى الْمُثْلَةِ بِهِ، وَلَا يُؤْمَنُ خُرُوجُهُ فِي أَكْفَانِهِ. [مَسْأَلَةٌ يَبْدَأ فِي غَسَلَ الْمَيِّت بِمَيَامِنِهِ وَيُقَلِّبهُ عَلَى جَنْبَيْهِ لِيَعُمّ الْمَاء سَائِر جِسْمه] (1505) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ، فَيَبْدَأُ بِمَيَامِنِهِ، وَيَقْلِبُهُ عَلَى جَنْبَيْهِ، لِيَعُمَّ الْمَاءُ سَائِرَ جِسْمِهِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا وَضَّأَهُ بَدَأَ بِغَسْلِ رَأْسِهِ، ثُمَّ لِحْيَتِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. فَيَضْرِبُ السِّدْرَ فَيَغْسِلُهُمَا بِرَغْوَتِهِ، وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ، وَيَغْسِلُ الْيَدَ الْيُمْنَى مِنْ الْمَنْكِبِ إلَى الْكَفَّيْنِ وَصَفْحَةَ عُنُقِهِ الْيُمْنَى، وَشِقَّ صَدْرِهِ وَجَنْبَيْهِ وَفَخِذَهُ وَسَاقَهُ، يَغْسِلُ الظَّاهِرَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مُسْتَلْقٍ، ثُمَّ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِالْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، وَلَا يَكُبُّهُ لِوَجْهِهِ، فَيَغْسِلُ الظَّهْرَ وَمَا هُنَاكَ مِنْ وَرِكِهِ وَفَخِذِهِ وَسَاقِهِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُحَرِّفهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، وَيَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ. هَكَذَا ذَكَرَهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالْقَاضِي. وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا» . وَهُوَ أَشْبَهُ بِغُسْلِ الْحَيِّ.
مسألة الميت يغسل بماء وسدر
[مَسْأَلَةٌ الْمَيِّت يَغْسِل بِمَاءِ وَسِدْر] (1506) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيَكُونُ فِي كُلِّ الْمِيَاهِ شَيْءٌ مِنْ السِّدْرِ، وَيَضْرِبُ السِّدْرَ فَيَغْسِلُ بِرَغْوَتِهِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ) . هَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ صَالِحٌ: قَالَ أَبِي: الْمَيِّتُ يُغَسَّلُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، ثَلَاثَ غَسَلَاتٍ، قُلْت: فَيَبْقَى عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ هُوَ أَنْقَى لَهُ. وَذُكِرَ عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ لَهُ: إنَّهُ يَبْقَى عَلَيْهِ السِّدْرُ إذَا غُسِّلَ بِهِ كُلَّ مَرَّةٍ. فَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ طَهُورٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ: قُلْت، يَعْنِي لِأَحْمَدَ: أَفَلَا تَصُبُّونَ مَاءً قَرَاحًا يُنَظِّفُهُ؟ قَالَ: إنْ صَبُّوا فَلَا بَأْسَ. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ قَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إنْ رَأَيْتُنَّ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ: «ثُمَّ اغْسِلِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ.» وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ، إلَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ مَعَ الْمَاءِ سِدْرًا يُغَيِّرُهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُطْرَحُ فِي كُلِّ الْمِيَاهِ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ السِّدْرِ لَا يُغَيِّرُهُ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ، وَيَكُونَ الْمَاءُ بَاقِيًا عَلَى طَهُورِيَّته. وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: يُغَسَّلُ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِالسِّدْرِ، ثُمَّ يُغَسَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ غَسْلَةً وَاحِدَةً، وَيَكُونُ الِاعْتِدَادُ بِالْآخِرِ دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، شَبَّهَ غُسْلَهُ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَلِأَنَّ السِّدْرَ إنْ غَيَّرَ الْمَاءَ سَلَبَهُ وَصْفَ الطَّهُورِيَّة، وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْهُ فَلَا فَائِدَةَ فِي تَرْكِ يَسِيرٍ لَا يُؤَثِّرُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ الْأَوَّلُ. وَيَكُونُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ دَالًّا عَلَى أَنَّ تَغَيُّرَ الْمَاءِ بِالسِّدْرِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ طَهُورِيَّته. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَتَّخِذُ الْغَاسِلُ ثَلَاثَةَ أَوَانٍ؛ آنِيَةً كَبِيرَةً يَجْمَعُ فِيهَا الْمَاءَ الَّذِي يُغَسِّلُ بِهِ الْمَيِّتَ يَكُونُ بِالْبُعْدِ مِنْهُ، وَإِنَاءَيْنِ صَغِيرَيْنِ يَطْرَحُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْمَيِّتِ، وَالثَّالِثَ يَغْرِفُ بِهِ مِنْ الْكَبِيرِ فِي الصَّغِيرِ الَّذِي يُغَسِّلُ بِهِ الْمَيِّتَ، لِيَكُونَ الْكَبِيرُ مَصُونًا، فَإِذَا فَسَدَ الْمَاءُ الَّذِي فِي الصَّغِيرِ، وَطَارَ فِيهِ مِنْ رَشَّاش الْمَاءِ، كَانَ مَا بَقِيَ فِي الْكَبِيرِ كَافِيًا، وَيَضْرِبُ السِّدْرَ، فَيَغْسِلُ بِرَغْوَتِهِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَيُبْلِغُهُ سَائِرَ بَدَنِهِ، كَمَا يَفْعَلُ الْحَيُّ إذَا اغْتَسَلَ. (1507) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ السِّدْرَ غَسَّلَهُ بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ، كَالْخَطْمِيِّ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ مِنْهُ، وَإِنْ غَسَّلَهُ بِذَلِكَ مَعَ وُجُودِ السِّدْرِ جَازَ، لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِهَذَا لِمَعْنًى مَعْقُولٍ، وَهُوَ التَّنْظِيفُ، فَيَتَعَدَّى إلَى كُلِّ مَا وُجِدَ فِيهِ الْمَعْنَى.
مسألة الرفق بالميت في تقليبه وعرك أعضائه
[مَسْأَلَةٌ الرِّفْق بِالْمَيِّتِ فِي تَقْلِيبه وَعْرك أَعْضَائِهِ] (1508) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيَسْتَعْمِلُ فِي كُلِّ أُمُورِهِ الرِّفْقَ بِهِ) وَيُسْتَحَبُّ الرِّفْقُ بِالْمَيِّتِ فِي تَقْلِيبِهِ، وَعَرْكِ أَعْضَائِهِ، وَعَصْرِ بَطْنِهِ، وَتَلْيِينِ مَفَاصِلِهِ، وَسَائِرِ أُمُورِهِ، احْتِرَامًا لَهُ؛ فَإِنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالْحَيِّ فِي حُرْمَتِهِ، وَلَا يَأْمَنُ إنْ عَنُفَ بِهِ أَنْ يَنْفَصِلَ مِنْهُ عُضْوٌ، فَيَكُونَ مُثْلَةً بِهِ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» . وَقَالَ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ» . [مَسْأَلَةٌ الْمَاء الْحَارّ وَالْأُشْنَان وَالْخِلَال يَسْتَعْمِل إنَّ اُحْتِيجَ إلَيْهِ فِي غَسَلَ الْمَيِّت] (1509) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ (وَالْمَاءُ الْحَارُّ وَالْأُشْنَانُ، وَالْخِلَالُ، يُسْتَعْمَلُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ) هَذِهِ الثَّلَاثَةُ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، مِثْلُ أَنْ يُحْتَاجَ إلَى الْمَاءِ الْحَارِّ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ، أَوْ لَوَسَخٍ لَا يَزُولُ إلَّا بِهِ، وَكَذَا الْأُشْنَانُ يُسْتَعْمَلُ إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ وَسَخٌ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا طَالَ ضَنَى الْمَرِيضِ غُسِّلَ بِالْأُشْنَانِ. يَعْنِي أَنَّهُ يَكْثُرُ وَسَخُهُ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْأُشْنَانِ لِيُزِيلَهُ. وَالْخِلَالُ: يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِخْرَاجِ شَيْءٍ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَجَرَةٍ لَيِّنَةٍ كَالصَّفْصَافِ وَنَحْوِهِ، مِمَّا يُنَقِّي وَلَا يَجْرَحُ، وَإِنْ لَفَّ عَلَى رَأْسِهِ قُطْنًا، فَحَسَنٌ. وَيَتَتَبَّعُ مَا تَحْتَ أَظْفَارِهِ حَتَّى يُنَقِّيَهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُسْتَحَبَّ اسْتِعْمَالُهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْمُسَخَّنُ أَوْلَى بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ يُنَقِّي مَا لَا يُنَقِّي الْبَارِدُ. وَلَنَا، أَنَّ الْبَارِدَ يُمْسِكُهُ وَالْمُسَخَّنَ يُرْخِيهِ، وَلِهَذَا يُطْرَحُ الْكَافُورُ فِي الْمَاءِ لِيَشُدَّهُ وَيُبَرِّدَهُ، وَالْإِنْقَاءُ يَحْصُلُ بِالسِّدْرِ إذَا لَمْ يَكْثُرْ وَسَخُهُ، فَإِنْ كَثُرَ وَلَمْ يَزُلْ إلَّا بِالْحَارِّ صَارَ مُسْتَحَبًّا. [مَسْأَلَةٌ يَغْسِل الْمَيِّت الْمَرَّة الثَّالِثَة بِمَاءِ فِيهِ كَافُور وَسِدْر] (1510) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُغَسَّلُ الثَّالِثَةَ بِمَاءٍ فِيهِ كَافُورٌ وَسِدْرٌ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ سِدْرٌ صِحَاحٌ) الْوَاجِبُ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ وَاجِبٌ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ أَصَابَتْهُ، فَكَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً، كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُغَسَّلَ ثَلَاثًا، كُلُّ غَسْلَةٍ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ، عَلَى مَا وَصَفْنَا، وَيُجْعَلَ فِي الْمَاءِ كَافُورٌ فِي الْغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ؛ لِيَشُدَّهُ وَيُبَرِّدَهُ وَيُطَيِّبَهُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: «اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ، وَاجْعَلْنَ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ كَافُورًا» . وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ: «فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ غَسْلَةٍ مِنْ الثَّالِثَةِ أَوْ غَيْرِهَا، فَاجْعَلِي مَاءً فِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَافُورٍ، وَشَيْءٌ مِنْ سِدْرٍ، ثُمَّ اجْعَلِي ذَلِكَ فِي جَرَّةٍ جَدِيدَةٍ، ثُمَّ أَفْرِغِيهِ عَلَيْهَا، وَابْدَئِي بِرَأْسِهَا حَتَّى يَبْلُغَ رِجْلَيْهَا» . وَلَا يُجْعَلُ فِي الْمَاءِ سِدْرٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، لِأَنَّ السِّدْرَ إنَّمَا أُمِرَ بِهِ
مسألة خرجت نجاسة من قبل الميت أو دبره وهو على مغتسله بعد الثلاث
لِلتَّنْظِيفِ، وَالْمُعَدُّ لِلتَّنْظِيفِ إنَّمَا هُوَ الْمَطْحُونُ، وَلِهَذَا لَا يَسْتَعْمِلُهُ الْمُغْتَسِلُ بِهِ مِنْ الْأَحْيَاءِ إلَّا كَذَلِكَ. قَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت لِأَحْمَدَ إنَّهُمْ يَأْتُونَ بِسَبْعِ وَرَقَاتٍ مِنْ سِدْرٍ، فَيُلْقُونَهَا فِي الْمَاءِ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُعْجِبْهُ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَى بَطْنِ الْمَيِّتِ، لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيَقَعَ فِي أَكْفَانِهِ. قَالَ أَحْمَدُ: وَيُوَضَّأُ الْمَيِّتُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْغَسْلَةِ الْأُولَى. وَمَا سَمِعْنَا إلَّا أَنَّهُ يُوَضَّأُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَمَتَى خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَعَادَ وُضُوءَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مِنْ الْحَيِّ وَيُوجِبُهُ، وَإِنْ رَأَى الْغَاسِلُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ثَلَاثٍ، لِكَوْنِهِ لَمْ يُنَقَّ بِهَا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، غَسَلَهُ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، وَلَمْ يَقْطَعْ إلَّا عَلَى وِتْرٍ. قَالَ أَحْمَدُ وَلَا يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا» لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَجَعَلَ جَمِيعَ مَا أَمَرَ بِهِ وَتْرًا وَقَالَ أَيْضًا: " اغْسِلْنَهَا وِتْرًا " وَإِنْ لَمْ يُنَقَّ بِسَبْعٍ فَالْأَوْلَى غَسْلُهُ حَتَّى يُنَقَّى، وَلَا يُقْطَعُ إلَّا عَلَى وَتْرٍ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ". وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ إنَّمَا كَانَتْ لِلْإِنْقَاءِ، وَلِلْحَاجَةِ إلَيْهَا، فَكَذَلِكَ فِيمَا بَعْدَ السَّبْعِ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى سَبْعٍ. [مَسْأَلَةٌ خَرَجَتْ نَجَاسَة مِنْ قَبْل الْمَيِّت أَوْ دُبْره وَهُوَ عَلَى مُغْتَسَله بَعْد الثَّلَاث] (1511) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: " فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَلَهُ إلَى خَمْسٍ، فَإِنْ زَادَ فَإِلَى سَبْعٍ " يَعْنِي إنْ خَرَجَتْ نَجَاسَةٌ مِنْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ، وَهُوَ عَلَى مُغْتَسَلِهِ بَعْدَ الثَّلَاثِ، غَسَلَهُ إلَى خَمْسٍ، فَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ الْخَامِسَةِ، غَسَلَهُ إلَى سَبْعٍ وَيُوَضِّئُهُ فِي الْغَسْلَةِ الَّتِي تَلِي خُرُوجَ النَّجَاسَةِ. قَالَ صَالِحٌ: قَالَ أَبِي: يُوَضَّأُ الْمَيِّتُ مَرَّةً وَاحِدَةً، إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَيُعَادُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَيَغْسِلُهُ إلَى سَبْعٍ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ، وَإِسْحَاقَ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَغْسِلُ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ، وَيُوَضَّأُ، وَلَا يَجِبُ إعَادَةُ غُسْلِهِ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مِنْ الْحَيِّ بَعْدَ غُسْلِهِ لَا يُبْطِلُهُ، فَكَذَلِكَ الْمَيِّتُ. وَعَنْ الشَّافِعِيَّ كَالْمَذْهَبَيْنِ. وَلَنَا، أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ أَنْ يَكُونَ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ الطَّهَارَةَ الْكَامِلَةَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَوْتَ جَرَى مَجْرَى زَوَالِ الْعَقْلِ فِي حَقِّ الْحَيِّ، وَقَدْ أُوجِبَ الْغُسْلُ فِي حَقِّ الْحَيِّ، فَكَذَلِكَ هَذَا، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» . (1512) فَصْلٌ: وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ. فَقَالَ أَحْمَدُ فِيمَا رَوَى أَبُو دَاوُد: الدَّمُ أَسْهَلُ مِنْ الْحَدَثِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّ الدَّمَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ أَسْهَلُ مِنْ الْحَدَثِ فِي أَنْ لَا يُعَادَ لَهُ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ بِالِاتِّفَاقِ، وَيُسَوَّى بَيْنَ كَثِيرِهِ وَقَلِيلِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْغُسْلَ لَا يُعَادُ مِنْ يَسِيرِهِ، كَمَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، بِخِلَافِ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ.
مسألة إذا خرجت من الميت نجاسة بعد السبع لم يعد إلى الغسل
[مَسْأَلَةٌ إذَا خَرَجَتْ مِنْ الْمَيِّت نَجَاسَة بَعْد السَّبْع لَمْ يَعُدْ إلَى الْغُسْل] (1513) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ زَادَ حَشَاهُ بِالْقُطْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ فَبِالطِّينِ الْحُرِّ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا خَرَجَتْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ بَعْدَ السَّبْعِ لَمْ يَعْدُ إلَى الْغُسْلِ. قَالَ أَحْمَدُ مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا لَمْ يُغَسِّلْهُ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعٍ، لَا يُجَاوِزُهُ، خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ. قِيلَ لَهُ: فَنُوَضِّئُهُ إذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ السَّبْعِ؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا أَمَرَ، ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ، وَلِأَنَّ زِيَادَةَ الْغُسْلِ وَتَكْرِيرَهُ عِنْدَ كُلِّ خَارِجٍ يُرْخِيهِ، وَيُفْضِي إلَى الْحَرَجِ، لَكِنَّهُ يَغْسِلُ النَّجَاسَةَ، وَيَحْشُو مَخْرَجَهَا بِالْقُطْنِ. وَقِيلَ: يُلَجِّمُ بِالْقُطْنِ كَمَا تَفْعَلُ الْمُسْتَحَاضَةُ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، فَإِنْ لَمْ يُمْسِكْهُ ذَلِكَ حُشِيَ بِالطِّينِ الْحُرِّ، وَهُوَ الْخَالِصُ الصُّلْبِ الَّذِي لَهُ قُوَّةٌ تُمْسِكُ الْمَحَلَّ. وَقَدْ ذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يُوَضَّأُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُوَضَّأُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، كَالْجُنُبِ إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ غُسْلِهِ، وَهَذَا أَحْسَنُ. [فَصْلٌ الْحَائِض وَالْجَنْب إذَا مَاتَا كَغَيْرِهِمَا فِي الْغُسْل] (1514) فَصْلٌ: وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ إذَا مَاتَا كَغَيْرِهِمَا فِي الْغُسْلِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا قَوْلُ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: مَا مَاتَ مَيِّتٌ إلَّا جُنُبٌ. وَقِيلَ عَنْ الْحَسَنِ: إنَّهُ يُغَسَّلُ الْجُنُبُ لِلْجَنَابَةِ، وَالْحَائِضُ لِلْحَيْضِ، ثُمَّ يُغَسَّلَانِ لِلْمَوْتِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا خَرَجَا مِنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِمَا عِبَادَةٌ وَاجِبَةٌ، وَإِنَّمَا الْغُسْلُ لِلْمَيِّتِ تَعَبُّدٌ، وَلِيَكُونَ فِي حَالِ خُرُوجِهِ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى أَكْمَلِ حَالٍ مِنْ النَّظَافَةِ وَالنَّضَارَةِ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ الْغُسْلَ الْوَاحِدَ يُجْزِئُ مَنْ وُجِدَ فِي حَقِّهِ مُوجِبَانِ لَهُ، كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ الْحَيْضُ وَالْجَنَابَةُ. [فَصْلٌ الْوَاجِب فِي غَسَلَ الْمَيِّت] (1515) فَصْلٌ: وَالْوَاجِبُ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ النِّيَّةُ، وَالتَّسْمِيَةُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَغَسْلُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ غُسْلُ تَعَبُّدٍ عَنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ أَصَابَتْهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، فَوَجَبَ ذَلِكَ فِيهِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَقَدْ شَبَّهَ أَحْمَدُ غُسْلَهُ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَلَمَّا تَعَذَّرَتْ النِّيَّةُ وَالتَّسْمِيَةُ مِنْ الْمَيِّتِ اُعْتُبِرَتْ فِي الْغَاسِلِ، لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ بِالْغُسْلِ. قَالَ عَطَاءٌ يُجْزِئُهُ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ إنْ أَنْقَوْهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُغَسَّلَ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا» . وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ دُونَ الْإِجْزَاءِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» . وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا تُعْتَبَرَ النِّيَّةُ، لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّنْظِيفُ، فَأَشْبَهَ غَسْلَ النَّجَاسَةِ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ غَسْلُ مُتَنَظِّفٍ، وَلَجَازَ غَسْلُهُ بِمَاءِ الْوَرْدِ وَسَائِرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّنْظِيفُ، وَإِنَّمَا هُوَ غُسْلُ تَعَبُّدٍ، أَشْبَهَ غُسْلَ الْجَنَابَةِ.
مسألة إذا فرغ الغاسل من غسل الميت نشفه بثوب
[مَسْأَلَةٌ إذَا فَرَغَ الْغَاسِل مِنْ غَسَلَ الْمَيِّت نَشْفِهِ بِثَوْبِ] (1516) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُنَشِّفُهُ بِثَوْبٍ، وَيُجَمِّرُ أَكْفَانَهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا فَرَغَ الْغَاسِلُ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ، نَشَّفَهُ بِثَوْبِ لِئَلَّا يَبُلَّ أَكْفَانَهُ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ: " فَإِذَا فَرَغْتِ مِنْهَا، فَأَلْقِي عَلَيْهَا ثَوْبًا نَظِيفًا ". وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي غُسْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَجَفَّفُوهُ بِثَوْبٍ. وَمَعْنَى تَجْمِيرِ أَكْفَانِهِ تَبْخِيرُهَا بِالْعُودِ، وَهُوَ أَنْ يُتْرَكَ الْعُودُ عَلَى النَّارِ فِي مِجْمَرٍ، ثُمَّ يُبَخَّرُ بِهِ الْكَفَنُ حَتَّى تَعْبَقَ رَائِحَتُهُ، وَيَطِيبَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يُرَشَّ عَلَيْهِ مَاءُ الْوَرْدِ، لِتَعْلَقَ الرَّائِحَةُ بِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا جَمَّرْتُمْ الْمَيِّتَ فَجَمِّرُوهُ ثَلَاثًا» وَأَوْصَى أَبُو سَعِيدٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ تُجَمَّرَ أَكْفَانُهُمْ بِالْعُودِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يُجَمَّرُ الْمَيِّتُ. وَلِأَنَّ هَذَا عَادَةُ الْحَيِّ عِنْدَ غُسْلِهِ، وَتَجْمِيرِ ثِيَابِهِ، أَنْ يُجَمِّرَ بِالطِّيبِ وَالْعُودِ، فَكَذَلِكَ الْمَيِّتُ. [مَسْأَلَةٌ يُكَفَّنُ الرَّجُل فِي ثَلَاثِ لَفَائِف بِيض] (1517) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُكَفَّنُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ، يُدْرَجُ فِيهَا إدْرَاجًا، وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ فِيمَا بَيْنَهَا) الْأَفْضَلُ عِنْدَ إمَامِنَا، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنْ يُكَفَّنَ الرَّجُلُ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْهَا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ الْكَفَنِ أَبْيَضَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ. وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبِيضَ، فَإِنَّهُ أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ، وَكَفِّنُوا فِيهِ مَوْتَاكُمْ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُكَفَّنَ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَقَمِيصٍ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُغَفَّلِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كُفِّنَ فِي قَمِيصِهِ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ، وَكَفَّنَهُ بِهِ. رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَلَنَا، قَوْلُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي كَفَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَائِشَةُ أَقْرَبُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْرَفُ بِأَحْوَالِهِ وَلِهَذَا لَمَّا ذُكِرَ لَهَا قَوْلُ النَّاسِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفِّنَ فِي بُرْدٍ، قَالَتْ: قَدْ أُتِيَ بِالْبُرْدِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُكَفِّنُوهُ فِيهِ، فَحَفِظَتْ مَا أَغْفَلَهُ غَيْرُهَا. وَقَالَتْ أَيْضًا: «أُدْرِجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حُلَّةٍ يَمَنِيَّةٍ كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ نُزِعَتْ عَنْهُ،
فصل الزيادة على ثلاثة أثواب في الكفن
فَرَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْحُلَّةَ، وَقَالَ: أُكَفَّنُ فِيهَا. ثُمَّ قَالَ: لَمْ يُكَفَّنْ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُكَفَّنُ فِيهَا فَتَصَدَّقَ بِهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّ حَالَ الْإِحْرَامِ أَكْمَلُ أَحْوَالِ الْحَيِّ وَهُوَ لَا يَلْبَسُ الْمَخِيطَ، وَكَذَلِكَ حَالَةُ الْمَوْتِ أَشْبَهُ بِهَا. وَأَمَّا إلْبَاسُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ، فَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَكْرِمَةً لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَإِجَابَةً لِسُؤَالِهِ حِين سَأَلَهُ ذَلِكَ؛ لِيَتَبَرَّكَ بِهِ أَبُوهُ، وَيَنْدَفِعَ عَنْهُ الْعَذَابُ بِبَرَكَةِ قَمِيصِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقِيلَ: إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ جَزَاءً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ عَنْ كُسْوَتِهِ الْعَبَّاسَ قَمِيصَهُ يَوْمَ بَدْرٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْل الزِّيَادَة عَلَى ثَلَاثَة أَثْوَاب فِي الْكَفَن] فَصْلٌ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤْخَذَ أَحْسَنُ اللَّفَائِفِ وَأَوْسَعُهَا، فَيُبْسَطَ أَوَّلًا؛ لِيَكُونَ الظَّاهِرُ لِلنَّاسِ أَحْسَنَهَا، فَإِنَّ هَذَا عَادَةُ الْحَيِّ، يَجْعَلُ الظَّاهِرَ أَفْخَرَ ثِيَابِهِ، وَيَجْعَلُ عَلَيْهَا حَنُوطًا، ثُمَّ يَبْسُطُ الثَّانِيَةَ الَّتِي تَلِيهَا فِي الْحُسْنِ وَالسَّعَةِ عَلَيْهَا، وَيَجْعَلُ فَوْقَهَا حَنُوطًا وَكَافُورًا، ثُمَّ يَبْسُطُ فَوْقَهُمَا الثَّالِثَةَ، وَيَجْعَلُ فَوْقَهَا حَنُوطًا وَكَافُورًا، وَلَا يُجْعَلُ عَلَى وَجْهِ الْعُلْيَا، وَلَا عَلَى النَّعْشِ شَيْءٌ مِنْ الْحَنُوطِ؛ لِأَنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: لَا تَجْعَلُوا عَلَى أَكْفَانِي حَنُوطًا. ثُمَّ يُحْمَلُ الْمَيِّتُ مَسْتُورًا بِثَوْبٍ فَيُوضَعُ فِيهَا مُسْتَلْقِيًا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِإِدْرَاجِهِ فِيهَا، وَيُجْعَلُ مَا عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَيُجْعَلُ مِنْ الطِّيبِ عَلَى وَجْهِهِ وَمَوَاضِعِ سُجُودِهِ وَمَغَابِنِهِ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ يَتَطَيَّبُ هَكَذَا، وَيُجْعَلُ بَقِيَّةُ الْحَنُوطِ وَالْكَافُورِ فِي قُطْنٍ، وَيُجْعَلُ مِنْهُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ بِرِفْقٍ، وَيُكْثِرُ ذَلِكَ لِيَرُدَّ شَيْئًا إنْ خَرَجَ مِنْهُ حِينَ تَحْرِيكِهِ، وَيَشُدُّ فَوْقَهُ خِرْقَةً مَشْقُوقَةَ الطَّرَفِ كَالتُّبَّانِ، وَهُوَ السَّرَاوِيلُ بِلَا أَكْمَامٍ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ، فِي فِيهِ، وَمَنْخِرَيْهِ، وَعَيْنَيْهِ؛ لِئَلَّا يَحْدُثَ مِنْهُنَّ حَادِثٌ. وَكَذَلِكَ فِي الْجِرَاحِ النَّافِذَةِ، وَيَتْرُكُ عَلَى مَوَاضِعِ السُّجُودِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا أَعْضَاءٌ شَرِيفَةٌ، ثُمَّ يَثْنِي طَرَفَ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يَرُدُّ طَرَفَهَا الْآخَرَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِئَلَّا يَسْقُطَ عَنْهُ الطَّرَفُ الْأَيْمَنُ إذَا وُضِعَ عَلَى يَمِينه فِي الْقَبْرِ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَجْمَعُ مَا فَضَلَ عِنْدَ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، فَيُرَدَّ عَلَى وَجْهِهِ وَرِجْلَيْهِ، وَإِنْ خَافَ انْتِشَارَهَا عَقَدَهَا، وَإِذَا وُضِعَ فِي الْقَبْرِ حَلَّهَا، وَلَمْ يَخْرِقْ الْكَفَنَ.
مسألة التكفين في القميص والمئزر واللفافة
(1519) فَصْل: وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ فِي الْكَفَنِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَقَدْ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَحْرُمُ تَرْكُ شَيْءٍ مَعَ الْمَيِّتِ مِنْ مَالِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، إلَّا مِثْلَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ تُرِكَ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فِي قَبْرِهِ، فَإِنْ تُرِكَ نَحْوُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ. [مَسْأَلَةٌ التَّكْفِين فِي الْقَمِيص وَالْمِئْزَر وَاللِّفَافَة] (1520) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ (وَإِنْ كُفِّنَ فِي قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ وَلِفَافَةٍ جُعِلَ الْمِئْزَرُ مِمَّا يَلِي جِلْدَهُ، وَلَمْ يُزَرَّ عَلَيْهِ الْقَمِيصُ) . التَّكْفِينُ فِي الْقَمِيصِ وَالْمِئْزَرِ وَاللِّفَافَةِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَإِنَّمَا الْأَفْضَلُ الْأَوَّلُ، وَهَذَا جَائِزٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ لَمَّا مَاتَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَيُؤْزَرُ بِالْمِئْزَرِ، وَيُلْبَسُ الْقَمِيصَ، ثُمَّ يُلَفُّ بِاللِّفَافَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: إنْ جَعَلُوهُ قَمِيصًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ قَمِيصِ الْحَيِّ، لَهُ كُمَّانِ وَدَخَارِيصُ وَأَزْرَارٌ، وَلَا يُزَرُّ عَلَيْهِ الْقَمِيصُ. [فَصْلٌ يَتَّخِذ الرَّجُل كَفَنه يُصَلِّي فِيهِ أَيَّامًا أَوْ يُحْرِم فِيهِ ثُمَّ يَغْسِلهُ وَيَضَعهُ لِكَفَنِهِ] (1521) فَصْلٌ: قَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت لِأَحْمَدَ: يَتَّخِذُ الرَّجُلُ كَفَنَهُ يُصَلِّي فِيهِ أَيَّامًا، أَوْ قُلْت: يُحْرِمُ فِيهِ، ثُمَّ يَغْسِلُهُ وَيَضَعُهُ لِكَفَنِهِ؟ فَرَآهُ حَسَنًا. قَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ جَدِيدًا أَوْ غَسِيلًا وَكَرِهَ أَنْ يَلْبَسَهُ حَتَّى لَا يُدَنِّسَهُ. [فَصْلٌ التَّكْفِين فِي ثَوْبَيْنِ] (1522) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ التَّكْفِينُ فِي ثَوْبَيْنِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَكَانَ سُوَيْد بْنُ غَفَلَةَ يَقُولُ: يُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْنِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُجْزِئُ ثَوْبَانِ، وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ. «قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: لَمَّا فَرَغْنَا. يَعْنِي مِنْ غُسْلِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْقَى إلَيْنَا حَقْوَهُ، فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إيَّاهُ. وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ: مَعْنَى أَشْعِرْنَهَا إيَّاهُ اُلْفُفْنَهَا فِيهِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْعَوْرَةُ الْمُغَلَّظَةُ يَسْتُرُهَا ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَجَسَدُ الْمَيِّتِ أُولَى. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا. وَيُرْوَى مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَقَلُّ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ التَّكْفِينُ بِهَا فِي حَقِّ مَنْ لَهُ أَيْتَامٌ، احْتِيَاطًا لَهُمْ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّكْفِينُ بِالْحَسَنِ مَعَ حُصُولِ الْإِجْزَاءِ بِمَا دُونَهُ.
فصل يكفن الصبي في خرقة
[فَصْل يُكَفِّن الصَّبِيّ فِي خِرْقَة] (1523) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: يُكَفَّنُ الصَّبِيُّ فِي خِرْقَةٍ، وَإِنْ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ. وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ وَنَحْوُهُ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ. لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ ثَوْبًا يُجْزِئُهُ، وَإِنْ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ، لِأَنَّهُ ذَكَرٌ فَأَشْبَهَ الرَّجُلَ. [فَصْلٌ لَمْ يُوجَد ثَوْبًا يَسْتُر جَمِيع الْمَيِّت] (1524) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الرَّجُلُ ثَوْبًا يَسْتُرُ جَمِيعَهُ، سَتَرَ رَأْسَهُ، وَجَعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ حَشِيشًا أَوْ وَرَقًا، كَمَا رُوِيَ عَنْ خَبَّابٍ، «أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنُ فِيهِ، إلَّا نَمِرَةً. فَكُنَّا إذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رَأْسِهِ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِرِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ سَتَرَهَا؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ فِي السَّتْرِ، بِدَلِيلِ حَالَةِ الْحَيَاةِ. فَإِنْ كَثُرَ الْقَتْلَى، وَقَلَّتْ الْأَكْفَانُ، كُفِّنَ الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، كَمَا صُنِعَ بِقَتْلَى أُحُدٍ. قَالَ أَنَسٌ: كَثُرَتْ قَتْلَى أُحُدٍ، وَقَلَّتْ الثِّيَابُ. قَالَ: فَكُفِّنَ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، ثُمَّ يُدْفَنُونَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [مَسْأَلَةٌ يَتْبَع مَغَابِن الْمَيِّت وَمَرَافِقه بِالْمِسْكِ] (1525) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيَجْعَلُ الذَّرِيرَةَ فِي مَفَاصِلِهِ، وَيَجْعَلُ الطِّيبَ فِي مَوَاضِعِ السُّجُودِ وَالْمَغَابِنِ، وَيُفْعَلُ بِهِ كَمَا يُفْعَلُ بِالْعَرُوسِ) الذَّرِيرَةُ هِيَ الطِّيبُ الْمَسْحُوقُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي مَفَاصِلِ الْمَيِّتِ وَمَغَابِنِهِ، وَهِيَ الْمَوَاضِعُ الَّتِي تَنْثَنِي مِنْ الْإِنْسَانِ، كَطَيِّ الرُّكْبَتَيْنِ، وَتَحْتَ الْإِبْطَيْنِ، وَأُصُولِ الْفَخِذَيْنِ؛ لِأَنَّهَا مَوَاضِعُ الْوَسَخِ، وَيَتْبَعُ بِإِزَالَةِ الْوَسَخِ وَالدَّرَنِ مِنْهَا مِنْ الْحَيِّ، وَيَتْبَعُ بِالطِّيبِ مِنْ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ مَوَاضِعَ السُّجُودِ؛ لِأَنَّهَا أَعْضَاءٌ شَرِيفَةٌ، وَيُفْعَلُ بِهِ كَمَا يُفْعَلُ بِالْعَرُوسِ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ كَمَا تَصْنَعُونَ بِعَرَائِسِكُمْ» . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتْبَع مَغَابِنَ الْمَيِّتِ وَمَرَافِقَهُ بِالْمِسْكِ. قَالَ أَحْمَدُ يُخْلَطُ الْكَافُورُ بِالذَّرِيرَةِ. وَقِيلَ لَهُ: يُذَرُّ الْمِسْكُ عَلَى الْمَيِّتِ أَوْ يُطْلَى بِهِ؟ قَالَ: لَا يُبَالِي، قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ذَرَّ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَهُ بِالْمِسْكِ مَسْحًا، وَابْنُ سِيرِينَ طَلَى إنْسَانًا بِالْمِسْكِ مِنْ قَرْنِهِ إلَى قَدَمِهِ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُوضَعُ الْحَنُوطُ عَلَى أَعْظُمِ السُّجُودِ، الْجَبْهَةِ، وَالرَّاحَتَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَصُدُورِ الْقَدَمَيْنِ.
مسألة خروج شيء يسير منه بعد وضعه في أكفانه
(1526) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَجْعَلُ فِي عَيْنَيْهِ كَافُورًا) إنَّمَا كُرِهَ هَذَا لِأَنَّهُ يُفْسِدُ الْعُضْوَ وَيُتْلِفُهُ، وَلَا يُصْنَعُ مِثْلُهُ بِالْحَيِّ. قَالَ أَحْمَدُ: مَا سَمِعْنَا إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ. وَحُكِيَ لَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ فَعَلَهُ، وَكَرِهَ ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ خُرُوج شَيْء يَسِير مِنْهُ بَعْد وَضَعَهُ فِي أَكْفَانه] (1527) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي أَكْفَانِهِ، لَمْ يُعَدْ إلَى الْغُسْلِ، وَحُمِلَ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافًا. وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ إعَادَةَ الْغُسْلِ فِيهَا مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إخْرَاجِهِ، وَإِعَادَةِ غُسْلِهِ وَغَسْلِ أَكْفَانِهِ، وَتَجْفِيفِهَا أَوْ إبْدَالِهَا، ثُمَّ لَا يُؤْمَنُ مِثْلُ هَذَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، فَسَقَطَ لِذَلِكَ، وَلَا يَحْتَاجُ أَيْضًا إلَى إعَادَةِ وُضُوئِهِ، وَلَا غَسْلِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ، دَفْعًا لِهَذِهِ الْمَشَقَّةِ، وَيُحْمَلُ بِحَالِهِ. وَيُرْوَى عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ ابْنَةً لَهُ لَمَّا لُفَّتْ فِي أَكْفَانِهَا. بَدَا مِنْهَا شَيْءٌ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: ارْفَعُوا. فَأَمَّا إنْ كَانَ الْخَارِجُ كَثِيرًا فَاحِشًا فَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا أَنَّهُ يُعَادُ غُسْلُهُ إنْ كَانَ قَبْلَ تَمَامِ السَّبْعَةِ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ يَتَفَاحَشُ، وَيُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، لِتَحَفُّظِهِمْ، بِالشَّدِّ وَالتَّلَجُّمِ وَنَحْوِهِ. وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، كُلُّهُمْ رَوَوْا عَنْهُ: لَا يُعَادُ إلَى الْغُسْلِ بِحَالٍ. قَالَ: وَالْعَمَلُ عَلَى مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَشَقَّةِ فِيهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُحْمَلَ الرِّوَايَتَانِ عَلَى حَالَتَيْنِ، فَالْمَوْضِعُ الَّذِي قَالَ لَا يُعَادُ غُسْلُهُ إذَا كَانَ يَسِيرًا وَيَخْفَى عَلَى الْمُشَيِّعِينَ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي أَمَرَ بِإِعَادَتِهِ إذَا كَانَ يَظْهَرُ لَهُمْ وَيَفْحُشُ. [مَسْأَلَةٌ أَحَبَّ أَهْلُ الْمَيِّت أَنْ يَرَوْهُ] (1528) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ أَحَبَّ أَهْلُهُ أَنْ يَرَوْهُ لَمْ يُمْنَعُوا) وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ «جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْت أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ وَأَبْكِي، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَنْهَانِي.» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ، حَتَّى رَأَيْت الدُّمُوعَ تَسِيلُ» . وَقَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُسَجَّى بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى. فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْك مَوْتَتَيْنِ. وَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ. [مَسْأَلَةٌ تُكَفِّن الْمَرْأَة فِي خَمْسَة أَثْوَاب] (1529) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالْمَرْأَةُ تُكَفَّنُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ: قَمِيصٍ، وَمِئْزَرٍ، وَلِفَافَةٍ، وَمُقَنَّعَةٍ، وَخَامِسَةٍ تُشَدُّ بِهَا فَخِذَاهَا) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَكْثَرُ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَى أَنْ تُكَفَّنَ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَزِيدُ فِي حَالِ حَيَاتِهَا عَلَى الرَّجُلِ فِي السَّتْرِ لِزِيَادَةِ عَوْرَتِهَا عَلَى عَوْرَتِهِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَمَّا كَانَتْ تَلْبَسُ الْمَخِيطَ فِي إحْرَامِهَا، وَهُوَ أَكْمَلُ أَحْوَالِ الْحَيَاةِ، اُسْتُحِبَّ إلْبَاسُهَا إيَّاهُ بَعْدَ
فصل في كم تكفن الجارية إذا لم تبلغ
مَوْتِهَا، وَالرَّجُلُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَافْتَرَقَا فِي اللُّبْسِ بَعْدَ الْمَوْتِ، لِافْتِرَاقِهِمَا فِيهِ فِي الْحَيَاةِ، وَاسْتَوَيَا فِي الْغُسْلِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِيهِ فِي الْحَيَاةِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ لَيْلَى بِنْتِ قَانِفٍ الثَّقَفِيَّة، قَالَتْ: كُنْت فِي مَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ وَفَاتِهَا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَقْوَ، ثُمَّ الدِّرْعَ، ثُمَّ الْخِمَارَ، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الثَّوْبِ الْآخِرِ. قَالَتْ: وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الْبَابِ مَعَهُ كَفَنُهَا، يُنَاوِلُنَاهَا ثَوْبًا ثَوْبًا. إلَّا أَنَّ الْخِرَقِيِّ إنَّمَا ذَكَرَ لِفَافَةً وَاحِدَةً، فَعَلَى هَذَا تُشَدُّ الْخِرْقَةُ عَلَى فَخِذَيْهَا أَوَّلًا، ثُمَّ تُؤْزَرُ بِالْمِئْزَرِ، ثُمَّ يُلْبَسُ الْقَمِيصُ، ثُمَّ تُخَمَّرُ بِالْمُقَنَّعَةِ، ثُمَّ تُلَفُّ بِلِفَافَةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: تُخَمَّرُ، وَيُتْرَكُ قَدْرُ ذِرَاعٍ، يُسْدَلُ عَلَى وَجْهِهَا، وَيُسْدَلُ عَلَى فَخِذَيْهَا الْحَقْوُ. وَسُئِلَ عَنْ الْحَقْوِ؟ فَقَالَ: هُوَ الْإِزَارُ. قِيلَ: الْخَامِسَةُ. قَالَ: خِرْقَةٌ تُشَدُّ عَلَى فَخِذَيْهَا. قِيلَ لَهُ: قَمِيصُ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: يُخَيَّطُ. قِيلَ: يُكَفُّ وَيُزَرُّ؟ قَالَ: يُكَفُّ وَلَا يُزَرُّ عَلَيْهَا. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ، أَنَّ الْأَثْوَابَ الْخَمْسَةَ إزَارٌ، وَدِرْعٌ، وَخِمَارٌ، وَلِفَافَتَانِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِحَدِيثِ لَيْلَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَلِمَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاوَلَهَا إزَارًا، وَدِرْعًا، وَخِمَارًا، وَثَوْبَيْنِ. [فَصْلٌ فِي كَمْ تُكَفِّن الْجَارِيَة إذَا لَمْ تَبْلُغ] فَصْلٌ: قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: فِي كَمْ تُكَفَّنُ الْجَارِيَةُ إذَا لَمْ تَبْلُغْ؟ قَالَ: فِي لِفَافَتَيْنِ، وَقَمِيصٍ، لَا خِمَارَ فِيهِ. وَكَفَّنَ ابْنُ سِيرِينَ بِنْتًا لَهُ قَدْ أَعْصَرَتْ فِي قَمِيصٍ وَلِفَافَتَيْنِ. وَرُوِيَ فِي بَقِيرٍ وَلِفَافَتَيْنِ. قَالَ أَحْمَدُ: الْبَقِيرُ الْقَمِيصُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ كُمَّانِ. وَلِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ لَا يَلْزَمُهَا سَتْرُ رَأْسِهَا فِي الصَّلَاةِ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ أَحْمَدَ فِي الْحَدِّ الَّذِي تَصِيرُ بِهِ فِي حُكْمِ الْمَرْأَةِ فِي الْكَفَنِ، فَرُوِيَ عَنْهُ: إذَا بَلَغَتْ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» مَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى خِمَارٍ فِي صَلَاتِهَا، فَكَذَلِكَ فِي كَفَنِهَا. وَلِأَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَفَّنَ ابْنَتَهُ، وَقَدْ أَعْصَرَتْ أَيْ قَارَبَتْ الْمَحِيضَ بِغَيْرِ خِمَارٍ. وَرَوَى عَنْ أَحْمَدَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ: إذَا كَانَتْ بِنْتَ تِسْعٍ يُصْنَعُ بِهَا مَا يُصْنَعُ بِالْمَرْأَةِ. وَاحْتُجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ» . وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: إذَا بَلَغْت الْجَارِيَةُ تِسْعًا فَهِيَ امْرَأَةٌ.
فصل تكفين المرأة بالحرير
[فَصْلٌ تَكْفِينَ الْمَرْأَة بِالْحَرِيرِ] (1531) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ تُكَفَّنَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَرِيرِ. وَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَسَنُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَحْفَظُ مِنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. وَفِي جَوَازِ تَكْفِينِ الْمَرْأَةِ بِالْحَرِيرِ احْتِمَالَانِ؛ لِأَنَّ أَقْيَسَهُمَا الْجَوَازُ، لِأَنَّهُ مِنْ لِبَاسِهَا فِي حَيَاتِهَا، لَكِنْ كَرِهْنَاهُ لَهَا، لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا مَحَلًّا لِلزِّينَةِ وَالشَّهْوَةِ، وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ تَكْفِينُهَا بِالْمُعَصْفَرِ، وَنَحْوِهِ؛ لِذَلِكَ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يُكَفَّنُ الْمَيِّتُ فِي الثِّيَابِ الْمُصْبَغَةِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْعَصْبِ، يَعْنِي مَا صُنِعَ بِالْعَصْبِ، وَهُوَ نَبْتٌ يَنْبُتُ بِالْيَمَنِ. [مَسْأَلَةٌ يُضَفَّر شَعْر الْمَيِّتَة ثَلَاثَة قُرُون وَيَسْدُل مِنْ خَلْفهَا] (1532) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُضَفَّرُ شَعْرُهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَيُسْدَلُ مِنْ خَلْفِهَا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ شَعْرَ الْمَيِّتَةِ يُغْسَلُ، وَإِنْ كَانَ مَعْقُوصًا نُقِضَ، ثُمَّ غُسِلَ، ثُمَّ ضُفِّرَ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، قَرْنَيْهَا، وَنَاصِيَتَهَا، وَيُلْقَى مِنْ خَلْفِهَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُضَفَّرُ، وَلَكِنْ يُرْسَلُ مَعَ خَدَّيْهَا، مِنْ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ، ثُمَّ يُرْسَلُ عَلَيْهِ الْخِمَارُ؛ لِأَنَّ ضُفْرَهُ يَحْتَاجُ إلَى تَسْرِيحِهَا، فَيَنْقَطِعُ، شَعْرُهَا وَيُنْتَفُ. وَلَنَا، مَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: «ضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهُ خَلْفهَا. يَعْنِي بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: فَضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ؛ قَرْنَيْهَا، وَنَاصِيَتَهَا. وَلِلْبُخَارِيِّ: جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، نَقَضْنَهُ، ثُمَّ غَسَلْنَهُ، ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ. وَإِنَّمَا غَسَلْنَهُ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَعْلِيمِهِ. وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَاضْفِرْنَ شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ؛ قُصَّةٍ، وَقَرْنَيْنِ، وَلَا تُشَبِّهْنَهَا بِالرِّجَالِ» . فَأَمَّا التَّسْرِيحُ فَكَرِهَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَامَ تَنُصُّونَ مَيِّتَكُمْ؟ قَالَ: يَعْنِي لَا تُسَرِّحُوا رَأْسَهُ بِالْمُشْطِ. وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ شَعْرَهُ وَيَنْتِفُهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: مَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا ضَفَّرْنَ. وَأَنْكَرَ الْمُشْطَ. فَكَأَنَّهُ تَأَوَّلَ قَوْلَهَا: مَشَطْنَاهَا. عَلَى أَنَّهَا أَرَادَتْ ضَفَّرْنَاهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ الْإِسْرَاع بِالْجِنَازَةِ] (1533) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: " وَالْمَشْيُ بِالْجِنَازَةِ الْإِسْرَاعُ " لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، فِي اسْتِحْبَابِ الْإِسْرَاعِ بِالْجِنَازَةِ، وَبِهِ وَرَدَ النَّصُّ، وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُنْ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَبِعَ الْجِنَازَةَ
فصل اتباع الجنائز
قَالَ: انْبَسِطُوا بِهَا، وَلَا تَدِبُّوا دَبِيبَ الْيَهُودِ بِجَنَائِزِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ ". وَاخْتَلَفُوا فِي الْإِسْرَاعِ الْمُسْتَحَبِّ، فَقَالَ الْقَاضِي: الْمُسْتَحَبُّ إسْرَاعٌ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَخُبُّ، وَيَرْمُلُ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: «كُنَّا فِي جِنَازَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ فَكُنَّا نَمْشِي مَشْيًا خَفِيفًا، فَلَحِقَنَا أَبُو بَكْرٍ؛ فَرَفَعَ سَوْطَهُ، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَرْمُلُ رَمْلًا» . وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ تَمْخُضُ مَخْضًا، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي جَنَائِزِكُمْ» . مِنْ " الْمُسْنَدِ ". وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «سَأَلْنَا نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ. فَقَالَ: مَا دُونَ الْخَبَبِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: يَرْوِيهِ أَبُو مَاجِدٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «انْبَسِطُوا بِهَا، وَلَا تَدِبُّوا دَبِيبَ الْيَهُودِ» . يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إسْرَاعٌ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ شِبْهِ مَشْيِ الْيَهُودِ بِجَنَائِزِهِمْ، وَلِأَنَّ الْإِسْرَافَ فِي الْإِسْرَاعِ يَمْخُضُهَا، وَيُؤْذِي حَامِلِيهَا وَمُتَّبِعِيهَا، وَلَا يُؤْمَنُ عَلَى الْمَيِّتِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي جِنَازَةِ مَيْمُونَةَ: لَا تُزَلْزِلُوا، وَارْفُقُوا، فَإِنَّهَا أُمُّكُمْ. [فَصْلٌ اتِّبَاع الْجَنَائِز] (1534) فَصْلٌ: وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ سُنَّةٌ. قَالَ الْبَرَاءُ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ» . وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ. قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إذَا صَلَّيْت فَقَدْ قَضَيْت الَّذِي عَلَيْك. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: رَأَيْت أَحْمَدَ مَا لَا أُحْصِي صَلَّى عَلَى جَنَائِزَ، وَلَمْ يَتْبَعْهَا إلَى الْقَبْرِ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ. الثَّانِي، أَنْ يَتْبَعَهَا إلَى الْقَبْرِ، ثُمَّ يَقِفَ حَتَّى تُدْفَنَ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ. قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الثَّالِثُ، أَنْ يَقِفَ بَعْدَ الدَّفْنِ، فَيَسْتَغْفِرَ لَهُ، وَيَسْأَلَ اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ، وَيَدْعُوَ لَهُ بِالرَّحْمَةِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ إذَا دَفَنَ مَيِّتًا وَقَفَ، وَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لَهُ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ عِنْدَهُ بَعْدَ الدَّفْنِ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتَهَا.
مسألة فصل الماشي خلف الجنازة
(1535) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِمُتَّبِعِ الْجِنَازَةِ أَنْ يَكُونَ مُتَخَشِّعًا، مُتَفَكِّرًا فِي مَآلِهِ، مُتَّعِظًا بِالْمَوْتِ، وَبِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ الْمَيِّتُ، وَلَا يَتَحَدَّثُ بِأَحَادِيثِ الدُّنْيَا، وَلَا يَضْحَكُ، قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: مَا تَبِعْت جِنَازَةً فَحَدَّثْت نَفْسِي بِغَيْرِ مَا هُوَ مَفْعُولٌ بِهَا. وَرَأَى بَعْضُ السَّلَفِ رَجُلًا يَضْحَكُ فِي جِنَازَةٍ، فَقَالَ: أَتَضْحَكُ وَأَنْتَ تَتْبَعُ الْجِنَازَةَ؟ لَا كَلَّمْتُك أَبَدًا. [مَسْأَلَةٌ فَصْلٌ الْمَاشِي خَلَف الْجِنَازَة] (1536) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: " وَالْمَشْيُ أَمَامَهَا أَفْضَلُ " أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْفَضِيلَةَ لِلْمَاشِي أَنْ يَكُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي أُسَيْدَ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَشُرَيْحٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: الْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ، وَلَا تُتْبَعُ، لَيْسَ مِنْهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا» . وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «فَضْلُ الْمَاشِي خَلْفَ الْجِنَازَةِ عَلَى الْمَاشِي قُدَّامَهَا، كَفَضْلِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى التَّطَوُّعِ، سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَلِأَنَّهَا مَتْبُوعَةٌ فَيَجِبُ أَنْ تُقَدَّمَ كَالْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً ". وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ أَنَسٍ نَحْوُهُ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ، وَلِأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ لَهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، يَبْلُغُونَ مِائَةً، كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ، إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالشَّفِيعُ يَتَقَدَّمُ الْمَشْفُوعَ لَهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْوِيه أَبُو مَاجِدٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، قِيلَ لِيَحْيَى: مَنْ أَبُو مَاجِدٍ هَذَا؟ قَالَ: طَائِرٌ طَارَ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ يُضَعِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ. وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ. وَقَالُوا: هُوَ ضَعِيفٌ. ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَهَا إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ أَوْ الدَّفْنِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا. وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِسُنَّةِ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ، فَإِنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُمَا، وَتَتَقَدَّمُهُمَا فِي الْوُجُودِ.
فصل الركوب في اتباع الجنائز
[فَصْلٌ الرُّكُوب فِي اتِّبَاع الْجَنَائِز] (1537) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الرُّكُوبُ فِي اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ. قَالَ ثَوْبَانُ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جِنَازَةٍ، فَرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا، فَقَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ؟ إنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. فَإِنْ رَكِبَ فِي جِنَازَةٍ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ خَلْفَهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الرَّاكِبِ: لَا أَعْلَمُهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ يَكُونُ خَلْفَهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا، وَعَنْ يَمِينهَا وَعَنْ يَسَارِهَا، قَرِيبًا مِنْهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، وَلَفْظُهُ: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» . وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّ سَيْرَ الرَّاكِبِ أَمَامَهَا يُؤْذِي الْمُشَاةَ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ مَشْيِهِمْ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، فَأَمَّا الرُّكُوب فِي الرُّجُوعِ مِنْهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتَّبَعَ جِنَازَةَ ابْنِ الدَّحْدَاحِ مَاشِيًا، وَرَجَعَ عَلَى فَرَسٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [فَصْلٌ رَفَعَ الصَّوْت عِنْد الْجِنَازَة] (1538) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ الْجِنَازَةِ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُتْبَعَ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رَوَيْنَا عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ؛ عِنْدَ ثَلَاثٍ؛ عِنْدَ الْجَنَائِزِ، وَعِنْدَ الذِّكْرِ، وَعِنْدَ الْقِتَالِ وَذَكَرَ الْحَسَنُ، عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ خَفْضَ الصَّوْتِ عِنْدَ ثَلَاثٍ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَكَرِهَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيّ، وَإِمَامُنَا وَإِسْحَاقُ، قَوْلَ الْقَائِلِ خَلْفَ الْجِنَازَةِ: اسْتَغْفِرُوا لَهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ بِدْعَةٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ: مُحْدَثَةٌ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب فِي مَرَضِهِ: إيَّايَ وَحَادِيهمْ، هَذَا الَّذِي يَحْدُو لَهُمْ، يَقُولُ: اسْتَغْفِرُوا لَهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَكْم. وَقَالَ فُضَيْلٍ بْنُ عَمْرٍو: بَيْنَا ابْنُ عُمَرَ فِي جِنَازَةٍ، إذْ سَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ: اسْتَغْفِرُوا لَهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ. رَوَاهُمَا سَعِيدٌ. قَالَ أَحْمَدُ وَلَا يَقُولُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ: سَلِّمْ رَحِمَك اللَّهُ. فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ. وَلَكِنْ يَقُول: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَيَذْكُرُ اللَّهَ إذَا تَنَاوَلَ السَّرِيرَ. [فَصْلٌ مَسَّ الْجِنَازَة بِالْأَيْدِي وَالْأَكْمَام وَالْمَنَادِيل] فَصْلٌ: وَمَسُّ الْجِنَازَةِ بِالْأَيْدِي وَالْأَكْمَامِ وَالْمَنَادِيلِ مُحْدَثٌ مَكْرُوهٌ، وَلَا يُؤْمَنُ مَعَهُ فَسَادُ الْمَيِّتِ، وَقَدْ
فصل اتباع الميت بنار
مَنَعَ الْعُلَمَاءُ مَسَّ الْقَبْرِ، فَمَسُّ الْجَسَدِ مَعَ خَوْفِ الْأَذَى أَوْلَى بِالْمَنْعِ. [فَصْلٌ اتِّبَاع الْمَيِّت بِنَارِ] (1540) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ اتِّبَاعُ الْمَيِّتِ بِنَارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يَكْرَهُ ذَلِكَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَمَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَعَائِشَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُمْ وَصَّوْا أَنْ لَا يُتْبَعُوا بِنَارٍ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، أَنَّ أَبَا مُوسَى حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ: «لَا تَتْبَعُونِي بِمِجْمَرٍ. قَالُوا لَهُ: أَوَسَمِعْت فِيهِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُتْبَعُ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ» . فَإِنْ دُفِنَ لَيْلًا فَاحْتَاجُوا إلَى ضَوْءٍ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، إنَّمَا كُرِهَ الْمَجَامِرُ فِيهَا الْبَخُورُ. وَفِي حَدِيثٍ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا، فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [فَصْلٌ اتِّبَاع النِّسَاء الْجَنَائِز] (1541) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ اتِّبَاعُ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَعَائِشَةُ، وَمَسْرُوقٌ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ جُلُوسٌ، قَالَ مَا يُجْلِسُكُنَّ؟ قُلْنَ: نَنْتَظِرُ الْجِنَازَةَ. قَالَ: هَلْ تُغَسِّلْنَ؟ قُلْنَ: لَا. قَالَ: هَلْ تَحْمِلْنَ؟ قُلْنَ: لَا. قَالَ: هَلْ تُدْلِينَ فِي مَنْ يُدْلِي؟ قُلْنَ: لَا. قَالَ فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيَ فَاطِمَةَ، فَقَالَ: مَا أَخْرَجَك يَا فَاطِمَةُ مِنْ بَيْتِك؟ . قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَيْت أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ، فَرَحِمْت إلَيْهِمْ مَيِّتَهُمْ، أَوْ عَزَّيْتُهُمْ بِهِ. قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَلَعَلَّك بَلَغْت مَعَهُمْ الْكُدَى؟ . قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ، وَقَدْ سَمِعْتُك تَذْكُرُ فِيهَا مَا تَذْكُرُ. قَالَ: لَوْ بَلَغْت مَعَهُمْ الْكُدَى. فَذَكَرَ تَشْدِيدًا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فصل كان مع الجنازة منكر يراه أو يسمعه
[فَصْلٌ كَانَ مَعَ الْجِنَازَة مُنْكَر يَرَاهُ أَوْ يَسْمَعهُ] (1542) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ مَعَ الْجِنَازَةِ مُنْكَرٌ يَرَاهُ أَوْ يَسْمَعُهُ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى إنْكَارِهِ وَإِزَالَتِهِ، أَزَالَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إزَالَتِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يُنْكِرُهُ وَيَتْبَعُهَا، فَيَسْقُطُ فَرْضُهُ بِالْإِنْكَارِ، وَلَا يَتْرُكُ حَقًّا لِبَاطِلٍ. وَالثَّانِي، يَرْجِعُ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِمَاعِ مَحْظُورٍ وَرُؤْيَتِهِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ. وَأَصْلُ هَذَا فِي الْغُسْلِ، فَإِنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، فَيُخَرَّجُ فِي اتِّبَاعِهَا وَجْهَانِ. [مَسْأَلَةٌ حَمَلَ الْمَيِّت] (1543) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالتَّرْبِيعُ أَنْ يُوضَعَ عَلَى الْكَتِفِ الْيُمْنَى إلَى الرِّجْلِ، ثُمَّ الْكَتِفِ الْيُسْرَى إلَى الرِّجْلِ) التَّرْبِيعُ هُوَ الْأَخْذُ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ، وَهُوَ سُنَّةٌ فِي حَمْلِ الْجِنَازَةِ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «إذَا تَبِعَ أَحَدُكُمْ جِنَازَةً، فَلْيَأْخُذْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ، ثُمَّ لْيَتَطَوَّعْ بَعْدُ أَوْ لِيَذَرْ، فَإِنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، فِي " سُنَنِهِ ". وَهَذَا يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَصِفَةُ التَّرْبِيعِ الْمَسْنُونِ أَنْ يَبْدَأَ فَيَضَعَ قَائِمَةَ السَّرِيرِ الْيُسْرَى عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى، مِنْ عِنْدِ رَأْسِ الْمَيِّتِ، ثُمَّ يَضَعَ الْقَائِمَةَ الْيُسْرَى مِنْ عِنْدِ الرِّجْلِ عَلَى الْكَتِفِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَعُود أَيْضًا إلَى الْقَائِمَةِ الْيُمْنَى مِنْ عِنْدِ رَأْسِ الْمَيِّتِ فَيَضَعَهَا عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَنْتَقِلَ إلَى الْيُمْنَى مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَعَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّهُ يَدُورُ عَلَيْهَا فَيَأْخُذُ بَعْدَ يَاسِرَةِ الْمُؤَخِّرَةِ يَامِنَةَ الْمُؤَخِّرَةِ ثُمَّ الْمُقَدِّمَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ إِسْحَاقُ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَيُّوبَ وَلِأَنَّهُ أَخَفُّ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ فِيهِ بِمُقَدَّمِهِ كَالْأَوَّلِ. فَأَمَّا الْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَوَيْنَا عَنْ عُثْمَانَ وَسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا بَيْنَ عَمُودَيْ السَّرِيرِ. وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، قَدْ فَعَلُوهُ، وَفِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. وَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ تَوْقِيتٌ يَحْمِلُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ. وَنَحْوُهُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاتِّبَاعُ الصَّحَابَةِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فِيمَا فَعَلُوهُ وَقَالُوهُ، أَحْسَنُ وَأَوْلَى [فَصْل إذَا مَرَّتْ بِهِ جِنَازَة لَمْ يُسْتَحَبّ لَهُ الْقِيَام لَهَا] (1544) فَصْلٌ: إذَا مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ الْقِيَامُ لَهَا؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَعَدَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ إِسْحَاقُ مَعْنَى قَوْل عَلِيٍّ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَأَى جِنَازَةً قَامَ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْدُ. قَالَ أَحْمَدُ: إنْ قَامَ لَمْ أَعِبْهُ، وَإِنْ قَعَدَ فَلَا بَأْسَ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى،
فصل من يتبع الجنازة استحب له أن لا يجلس حتى توضع
وَالْقَاضِي، أَنَّ الْقِيَامَ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الْجِنَازَةَ فَلْيَقُمْ حِينَ يَرَاهَا، حَتَّى تَخْلُفَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا: أَنَّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرْكُ الْقِيَامِ لَهَا، وَالْأَخْذُ بِالْآخِرِ مِنْ أَمْرِهِ أَوْلَى، فَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ «أَنَّ يَهُودِيًّا رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ لِلْجِنَازَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ: هَكَذَا نَصْنَعُ. فَتَرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقِيَامَ لَهَا» [فَصْلٌ مِنْ يَتْبَع الْجِنَازَة اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ لَا يَجْلِس حَتَّى تُوضَع] (1545) فَصْلٌ: وَمَنْ يَتَّبِعُ الْجِنَازَةَ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ لَا يَجْلِسَ حَتَّى تُوضَعَ، مِمَّنْ رَأَى أَنْ لَا يَجْلِسَ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا اتَّبَعْتُمْ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ» وَرَأَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ يَحْتَمِلُ مَا ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ وَالسَّبَبَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ عُمُومٌ، فَيَعُمُّ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، فَلَمْ يَجُزْ النَّسْخُ بِأَمْرِ مُحْتَمَلٍ، وَلِأَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَعَدَ. يَدُلُّ عَلَى ابْتِدَاءِ فِعْلِ الْقِيَامِ، وَهَا هُنَا إنَّمَا وُجِدَتْ مِنْهُ الِاسْتِدَامَةُ، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَأَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْوَضْعِ وَضْعُهَا عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ. وَقَدْ رَوَى الثَّوْرِيُّ الْحَدِيثَ: «إذَا اتَّبَعْتُمْ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ» وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ «حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ» وَحَدِيثُ سُفْيَانَ أَصَحُّ. فَأَمَّا مَنْ تَقَدَّمَ الْجِنَازَةَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْلِسَ قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ إلَيْهِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَقَدَّمُونَ الْجِنَازَةَ، فَيَجْلِسُونَ قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ إلَيْهِمْ، فَإِذَا جَاءَتْ الْجِنَازَةُ لَمْ يَقُومُوا لَهَا. لِمَا تَقَدَّمَ. [مَسْأَلَةٌ أَحَقّ النَّاس بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّت] (1546) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَأَحَقُّ النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَنْ أَوْصَى لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ) هَذَا مَذْهَبُ أَنَسٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَأَبِي بَرْزَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَابْنِ سِيرِينَ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: الْوَلِيُّ أَحَقُّ، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ تَتَرَتَّبُ بِتَرَتُّبِ الْعَصَبَاتِ، فَالْوَلِيُّ فِيهَا أَوْلَى، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ. وَلَنَا، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عُمَرُ قَالَهُ أَحْمَدُ قَالَ:
مسألة تقديم الأمير على الأقارب في الصلاة على الميت
وَعُمَرُ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ وَأُمُّ سَلَمَةَ أَوْصَتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبُو بَكْرَةَ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَبُو بَرْزَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: عَائِشَةُ أَوْصَتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ مَسْعُودٍ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ، وَيُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو سَرِيحَةَ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَجَاءَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةَ لِيَتَقَدَّمَ فَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ. فَقَالَ ابْنُهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إنَّ أَبِي أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَقَدَّمَ زَيْدًا وَهَذِهِ قَضَايَا انْتَشَرَتْ، فَلَمْ يَظْهَرْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ، فَإِنَّهَا شَفَاعَةٌ لَهُ، فَتُقَدَّمُ وَصِيَّتُهُ فِيهَا كَتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ، وَوِلَايَةُ النِّكَاحِ يُقَدَّمُ فِيهَا الْوَصِيُّ أَيْضًا، فَهِيَ كَمَسْأَلَتِنَا، وَإِنْ سُلِّمَتْ فَلَيْسَتْ حَقًّا لَهُ، إنَّمَا هِيَ حَقٌّ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَمِيرَ يُقَدَّمُ فِي الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ فِي الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ، وَالشَّفَاعَةُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَالْمَيِّتُ يَخْتَارُ لِذَلِكَ مَنْ هُوَ أَظْهَرُ صَلَاحًا، وَأَقْرَبُ إجَابَةً فِي الظَّاهِرِ، بِخِلَافِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ (1547) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ فَاسِقًا، أَوْ مُبْتَدِعًا، لَمْ تُقْبَلْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ جَهِلَ الشَّرْعَ فَرَدَدْنَا وَصِيَّتَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْوَصِيُّ ذِمِّيًّا، فَإِنْ كَانَ الْأَقْرَبُ إلَيْهِ كَذَلِكَ لَمْ يُقَدَّمْ، وَصَلَّى غَيْرُهُ، كَمَا يُمْنَعُ مِنْ التَّقْدِيمِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ [مَسْأَلَةٌ تَقْدِيمُ الْأَمِيرِ عَلَى الْأَقَارِبِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ] (1548) مَسْأَلَةٌ قَالَ: " ثُمَّ الْأَمِيرُ " أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ تَقْدِيمَ الْأَمِيرِ عَلَى الْأَقَارِبِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يُقَدَّمُ الْوَلِيُّ، قِيَاسًا عَلَى تَقْدِيمِهِ فِي النِّكَاحِ، بِجَامِعِ اعْتِبَارِ تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ» . وَحَكَى أَبُو حَازِمٍ قَالَ: شَهِدْت حُسَيْنًا حِينَ مَاتَ الْحَسَنُ، وَهُوَ يَدْفَعُ فِي قَفَا سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَيَقُول: تَقَدَّمْ، لَوْلَا السُّنَّةُ مَا قَدَّمْتُك وَسَعِيدٌ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ وَهَذَا يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ: شَهِدْت جِنَازَةَ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ عُمَرَ فَصَلَّى عَلَيْهَا سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ وَكَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ وَخَلْفَهُ يَوْمئِذٍ ثَمَانُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ ابْنُ عُمَرَ، وَالْحَسَنُ
مسألة أولى الناس في الصلاة على الميت
وَالْحُسَيْنُ وَسَمَّى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ. وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْإِمَامُ أَحَقُّ مَنْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُ ذَلِكَ. وَهَذَا اشْتَهَرَ فَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَتْ فِيهَا الْجَمَاعَةُ، فَكَانَ الْإِمَامُ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ فِيهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى الْجَنَائِزِ، مَعَ حُضُورِ أَقَارِبِهَا، وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَنَّهُمْ اسْتَأْذَنُوا أَوْلِيَاءَ الْمَيِّتِ فِي التَّقَدُّمِ عَلَيْهَا. (1549) فَصْلٌ: وَالْأَمِيرُ هَاهُنَا الْإِمَامُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْأَمِيرُ مِنْ قِبَلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالنَّائِبُ مِنْ قِبَلِهِ فِي الْإِمَامَةِ، فَإِنَّ الْحُسَيْنَ قَدَّمَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَمِيرًا مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْحَاكِمُ [مَسْأَلَةٌ أَوْلَى النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ] مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (ثُمَّ الْأَبُ وَإِنْ عَلَا، ثُمَّ الِابْنُ وَإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ) الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي أَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بَعْدَ الْأَمِيرِ الْأَبُ، ثُمَّ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَإِنْ عَلَا، ثُمَّ الِابْنُ، ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ، ثُمَّ الْأَخُ الَّذِي هُوَ عَصَبَةٌ، ثُمَّ ابْنُهُ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ الْعَصَبَاتِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إذَا اجْتَمَعَ جَدٌّ وَأَخٌ، فَفِيهِ قَوْلَانِ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الِابْنَ أَحَقُّ مِنْ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى تَعْصِيبًا مِنْهُ، بِدَلِيلِ الْإِرْثِ، وَالْأَخَ أَوْلَى مِنْ الْجَدِّ؛ لِأَنَّهُ يُدْلِي بِالْبُنُوَّةِ وَالْجَدَّ يُدْلِي بِالْأُبُوَّةِ. وَلَنَا، أَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْإِدْلَاءِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُدْلِي بِنَفْسِهِ، وَالْأَبُ أَرْأَفُ وَأَشْفَقُ، وَدُعَاؤُهُ لِأَبْنِهِ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ، فَكَانَ أَوْلَى، كَالْقَرِيبِ مَعَ الْبَعِيدِ، إذْ كَانَ الْمَقْصُودُ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ وَالشَّفَاعَةَ لَهُ، بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ [فَصْلٌ اُجْتُمِعَ زَوْج الْمَرْأَة الْمَيِّتَة وَعُصْبَتهَا فِي الصَّلَاة عَلَيْهَا] (1551) فَصْلٌ: وَإِنْ اجْتَمَعَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ وَعَصَبَتُهَا فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ تَقْدِيمُ الْعَصَبَاتِ، وَهُوَ أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَبُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُقَدِّمُ زَوْجَ الْمَرْأَةِ عَلَى ابْنِهَا مِنْهُ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ تَقْدِيمُ الزَّوْجِ عَلَى الْعَصَبَاتِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ صَلَّى عَلَى امْرَأَتِهِ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ إخْوَتَهَا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَإِسْحَاقَ، وَلِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالْغُسْلِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِالصَّلَاةِ، كَمَحَلِّ الْوِفَاقِ وَلَنَا، أَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِأَهْلِ امْرَأَتِهِ: أَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا وَلِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ زَالَتْ زَوْجِيَّتُهُ بِالْمَوْتِ فَصَارَ أَجْنَبِيًّا، وَالْقَرَابَةُ لَمْ تَزُلْ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَصَبَاتٌ، فَالزَّوْجُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ لَهُ سَبَبًا وَشَفَقَةً، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيِّ
فصل اجتمع أخ من الأبوين وأخ من أب في الصلاة على الميت
[فَصْلٌ اُجْتُمِعَ أَخ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَأَخ مِنْ أَب فِي الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت] (1552) فَصْلٌ: فَإِنْ اجْتَمَعَ أَخٌ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، وَأَخٌ مِنْ أَبٍ فَفِي تَقْدِيمِ الْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ التَّسْوِيَةِ، وَجْهَانِ، أَخْذًا مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَالْحُكْمُ فِي أَوْلَادِهِمَا، وَفِي الْأَعْمَامِ وَأَوْلَادِهِمْ، كَالْحُكْمِ فِيهِمَا سَوَاءٌ. فَإِنْ انْقَرَضَ الْعَصَبَةُ مِنْ النَّسَبِ فَالْمَوْلَى الْمُنْعِمُ، ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَاتِهِ، ثُمَّ الرَّجُلُ مِنْ ذَوِي أَرْحَامِهِ، الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، ثُمَّ الْأَجَانِبُ [فَصْل اسْتَوَى وَلِيَّانِ فِي دَرَجَة وَاحِدَة فِي الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت] (1553) فَصْلٌ: فَإِنْ اسْتَوَى وَلِيَّانِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَوْلَاهُمَا أَحَقُّهُمَا بِالْإِمَامَةِ فِي الْمَكْتُوبَاتِ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» قَالَ الْقَاضِي: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّمَ لَهُ الْأَسَنُّ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى إجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَأَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا. وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَفَضِيلَةُ السِّنِّ مُعَارَضَةٌ بِفَضِيلَةِ الْعِلْمِ، وَقَدْ رَجَّحَهَا الشَّارِعُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، مَعَ أَنَّهُ يُقْصَدُ فِيهَا إجَابَةُ الدُّعَاءِ وَالْحَظُّ لِلْمَأْمُومِينَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «أَئِمَّتُكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ» وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَسَنَّ الْجَاهِلَ أَعْظَمُ قَدْرًا مِنْ الْعَالِمِ، وَلَا أَقْرَبُ إجَابَةً فَإِنْ اسْتَوَوْا وَتَشَاحُّوا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ [فَصْلٌ وَمِنْ قَدِمَهُ الْوَلِيّ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ فِي الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت] (1554) فَصْلٌ: وَمَنْ قَدَّمَهُ الْوَلِيُّ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ تَثْبُتُ لَهُ، فَكَانَتْ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهَا، وَيُقَدَّمُ نَائِبُهُ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ. [فَصْلٌ الْحُرّ الْبَعِيد أَوْلَى مِنْ الْعَبْد الْقَرِيب فِي الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت] (1555) فَصْلٌ: وَالْحُرُّ الْبَعِيدُ أَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ الْقَرِيبِ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا وِلَايَة لَهُ، وَلِهَذَا لَا يَلِي فِي النِّكَاحِ وَلَا الْمَالِ فَإِنْ اجْتَمَعَ صَبِيٌّ وَمَمْلُوكٌ وَنِسَاءٌ فَالْمَمْلُوكُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ تَصِحُّ إمَامَتُهُ بِهِمَا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا نِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ أَحَدُ الْجِنْسَيْنِ الْآخَرَ، وَيُصَلِّي كُلُّ نَوْعٍ لَأَنْفُسِهِمْ وَإِمَامُهُمْ مِنْهُمْ، وَيُصَلِّي النِّسَاءُ جَمَاعَةً إمَامَتُهُنَّ فِي وَسَطِهِنَّ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصَلِّينَ مُفْرَدَاتٍ، لَا يَسْبِقُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا، وَإِنْ صَلَّيْنَ جَمَاعَةً جَازَ. وَلَنَا، أَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ، فَيُصَلِّينَ جَمَاعَةً كَالرِّجَالِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ كَوْنِهِنَّ مُنْفَرِدَاتٍ، لَا يَسْبِقُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا، تَحَكُّمٌ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، وَقَدْ صَلَّى أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فصل اجتمع جنائز فتشاح أولياؤهم في من يتقدم للصلاة عليهم
[فَصْلٌ اُجْتُمِعَ جَنَائِز فَتَشَاحَّ أَوْلِيَاؤُهُمْ فِي مِنْ يَتَقَدَّم لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ] (1556) فَصْلٌ: فَإِنْ اجْتَمَعَ جَنَائِزُ، فَتَشَاحَّ أَوْلِيَاؤُهُمْ فِي مَنْ يَتَقَدَّمُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، قُدِّمَ أَوْلَاهُمْ بِالْإِمَامَةِ فِي الْفَرَائِضِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُقَدَّمُ السَّابِقُ، يَعْنِي مَنْ سَبَقَ مَيِّتُهُ. وَلَنَا، أَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فَأَشْبَهُوا الْأَوْلِيَاءَ إذَا تَسَاوَوْا فِي الدَّرَجَةِ، مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» وَإِنْ أَرَادَ وَلِيُّ كُلِّ مَيِّتٍ إفْرَادَ مَيِّتِهِ بِصَلَاةٍ جَازَ. [مَسْأَلَةٌ كَيْفِيَّة صَلَاة الْجِنَازَة] (1557) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، يُكَبِّرُ، وَيَقْرَأُ الْحَمْدَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ سُنَّةَ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعٌ، وَلَا تُسَنُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، وَلَا يَجُوزُ النَّقْصُ مِنْهَا، فَيُكَبِّرُ الْأُولَى، ثُمَّ يَسْتَعِيذُ، وَيَقْرَأُ الْحَمْدَ، وَيَبْدَؤُهَا بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَلَا يُسَنُّ الِاسْتِفْتَاحُ. قَالَ أَبُو دَاوُد سَمِعْت أَحْمَدَ يُسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك؟ قَالَ: مَا سَمِعْت قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَانَ الثَّوْرِيُّ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُسْتَفْتَحَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلَمْ نَجِدْهُ فِي كُتُبِ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ قَوْلِ الثَّوْرِيِّ لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ فِيهَا مَشْرُوعَةٌ فَسُنَّ فِيهَا الِاسْتِفْتَاحُ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَلَنَا، أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ شُرِعَ فِيهَا التَّخْفِيفُ، وَلِهَذَا لَا يُقْرَأُ فِيهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِشَيْءٍ، وَلَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ، وَالتَّعَوُّذُ سُنَّةٌ لِلْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا فِي الصَّلَاةِ، وَغَيْرِهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَقْرَأُ فِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوَقِّتْ فِيهَا قَوْلًا وَلَا قِرَاءَةً. وَلِأَنَّ مَا لَا رُكُوعَ فِيهِ لَا قِرَاءَةَ فِيهِ، كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَلَنَا، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَقَالَ: إنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ. أَوْ: مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ قَالَتْ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَقْرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ، فِي " مُسْنَدِهِ " بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعًا، وَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ثُمَّ هُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ يَجِبُ فِيهَا الْقِيَامُ، فَوَجَبَتْ فِيهَا الْقِرَاءَةُ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَإِنْ صَحَّ مَا رَوَوْهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّمَا قَالَ: لَمْ يُوَقِّتْ. أَيْ لَمْ يُقَدِّرْ. وَلَا يَدُلُّ هَذَا عَلَى نَفْيِ أَصْلِ الْقِرَاءَةِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ،
فصل يسر القراءة والدعاء في صلاة الجنازة
أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى جِنَازَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثُمَّ لَا يُعَارِضُ مَا رَوَيْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ نَفْيٌ يُقَدَّمُ، عَلَيْهِ الْإِثْبَاتُ، وَيُفَارِقُ سُجُودَ التِّلَاوَةِ فَإِنَّهُ لَا قِيَامَ فِيهِ، وَالْقِرَاءَةُ إنَّمَا مَحَلُّهَا الْقِيَامُ [فَصْل يُسْر الْقِرَاءَة وَالدُّعَاء فِي صَلَاة الْجِنَازَة] (1558) فَصْلٌ: وَيُسِرُّ الْقِرَاءَةَ وَالدُّعَاءَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ خِلَافًا، وَلَا يَقْرَأُ بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ شَيْئًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَهَرَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا جَهَرَ لِيُعَلِّمَهُمْ [مَسْأَلَةٌ يَكْبَر الثَّانِيَة وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيّ فِي صَلَاة الْجِنَازَة] (1559) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُكَبِّرُ الثَّانِيَةَ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ كَمَا يُصَلِّي عَلَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ) هَكَذَا وَصَفَ أَحْمَدُ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ، كَمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ بِمَكَّةَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَرَأَ وَجَهَرَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ دَعَا لِصَاحِبِهَا فَأَحْسَنَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَالَ: هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ، أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ، ثُمَّ يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، يَقْرَأُ فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْجِنَازَةِ فِي التَّكْبِيرَاتِ، لَا يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ ثُمَّ يُسَلِّمَ سِرًّا فِي نَفْسِهِ. وَصِفَةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَصِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سَأَلُوهُ: كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك؟ عَلَّمَهُمْ ذَلِكَ. وَإِنْ أَتَى بِهَا عَلَى غَيْرِ مَا ذُكِرَ فِي التَّشَهُّدِ، فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مُطْلَقُ الصَّلَاةِ. قَالَ الْقَاضِي، يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مَلَائِكَتِك الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنْبِيَائِك الْمُرْسَلِينَ وَأَهْلِ طَاعَتِك أَجْمَعِينَ، مِنْ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَأَهْلِ الْأَرَضِينِ، إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُصَلِّي عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ [مَسْأَلَةٌ يَكْبَر الثَّالِثَة وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدِيهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَيَدْعُو لِلْمَيِّتِ] (1560) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُكَبِّرُ الثَّالِثَةَ، وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَيَدْعُو لِلْمَيِّتِ) . وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، إنَّك تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا، إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ، اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ أَمَتِك، نَزَلَ بِك وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا، اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَجَازِهِ بِإِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ. وَالْوَاجِبُ أَدْنَى دُعَاءٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا يَحْصُلُ بِأَدْنَى دُعَاءٍ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ الشَّفَاعَةُ لِلْمَيِّتِ، وَالدُّعَاءُ فَيَجِبُ أَقَلُّ ذَلِكَ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ قَالَ أَحْمَدُ وَلَيْسَ عَلَى الْمَيِّتِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ. وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ حَسَنٌ، يَجْمَعُ ذَلِكَ، وَقَدْ رُوِيَ أَكْثَرُهُ فِي الْحَدِيثِ، فَمِنْ ذَلِكَ، مَا رَوَى أَبُو إبْرَاهِيمَ الْأَشْهَلِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ، قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي إبْرَاهِيمَ وَزَادَ: " اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا، وَأَنْتَ خَلَقْتهَا، وَأَنْتَ هَدَيْتهَا لِلْإِسْلَامِ، وَأَنْتَ قَبَضْتهَا، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا، جِئْنَا شُفَعَاءَ، فَاغْفِرْ لَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جِنَازَةٍ فَحَفِظْت مِنْ دُعَائِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا، كَمَا نَقَّيْت الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ. حَتَّى تَمَنَّيْت أَنْ أَكُونَ ذَلِكَ الْمَيِّتَ.» (1561) فَصْلٌ: زَادَ أَبُو الْخَطَّابِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ: اللَّهُمَّ جِئْنَاك شُفَعَاءَ لَهُ، فَشَفِّعْنَا فِيهِ، وَقِه فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَعَذَابَ النَّارِ، وَأَكْرِمْ مَثْوَاهُ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَجِوَارًا خَيْرًا مِنْ جِوَارِهِ، وَافْعَلْ بِنَا ذَلِكَ وَبِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ. وَزَادَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ وَأَحْيَا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى، لَهُ الْعَظَمَةُ وَالْكِبْرِيَاءُ، وَالْمُلْكُ وَالْقُدْرَةُ وَالثَّنَاءُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك، ابْنُ عَبْدِك، ابْنُ أَمَتِك، أَنْتَ خَلَقْته وَرَزَقْته، وَأَنْتَ أَمَتَّهُ وَأَنْتَ تُحْيِيهِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ سِرَّهُ جِئْنَاك شُفَعَاءَ لَهُ فَشَفِّعْنَا فِيهِ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَجِيرُ بِحَبْلِ جِوَارِك لَهُ، إنَّك ذُو وَفَاءٍ وَذِمَّةٍ، اللَّهُمَّ وَقِه مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَجَازِهِ بِإِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، اللَّهُمَّ قَدْ نَزَلَ بِك وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، فَقِيرًا إلَى رَحْمَتِك، وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقَهُ، وَلَا تَبْتَلِهِ فِي قَبْرِهِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ. (1562) فَصْلٌ: وَقَوْله: لَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا إنَّمَا يَقُولُهُ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُ شَرًّا، لِئَلَّا يَكُونَ كَاذِبًا. وَقَدْ رَوَى الْقَاضِي حَدِيثًا،
مسألة يكبر الرابعة ويقف قليلا في صلاة الجنازة
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُمْ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَحْيَائِنَا وَأَمْوَاتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ إنَّ عَبْدَك وَابْنَ عَبْدِك نَزَلَ بِفِنَائِك فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا فَقُلْت، وَأَنَا أَصْغَرُ الْجَمَاعَةِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ أَعْلَمْ خَيْرًا؟ قَالَ لَا تَقْلُ إلَّا مَا تَعْلَمُ» وَإِنَّمَا شُرِعَ هَذَا لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أُثْنِيَ عِنْدَهُ عَلَى جِنَازَةٍ بِخَيْرٍ، فَقَالَ: " وَجَبَتْ " وَأُثْنِيَ عَلَى أُخْرَى بِشَرٍّ، فَقَالَ: " وَجَبَتْ " ثُمَّ قَالَ «إنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ شَهِيدٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، يَشْهَدُ لَهُ اثْنَانِ مِنْ جِيرَانِهِ الْأَدْنَيْنَ بِخَيْرٍ، إلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ قَبِلْت شَهَادَةَ عِبَادِي عَلَى مَا عَلِمُوا، وَغَفَرْت مَا أَعْلَمُ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ " وَفِي لَفْظٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ رَجُلَانِ مِنْ جِيرَانِهِ الْأَدْنَيْنَ، فَيَقُولَانِ: اللَّهُمَّ لَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا، إلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ قَبِلْت شَهَادَتَهُمَا لِعَبْدِي، وَغَفَرْت لَهُ مَا لَا يَعْلَمَانِ» أَخْرَجَهُ اللَّالَكَائِيُّ. (1563) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ طِفْلًا، جَعَلَ مَكَانَ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرَطًا لِوَالِدَيْهِ، وَذُخْرًا وَسَلَفًا وَأَجْرًا، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إبْرَاهِيمَ وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَجِرْهُ بِرَحْمَتِك مِنْ عَذَابِ الْجَحِيمِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَسْلَافِنَا وَأَفْرَاطِنَا وَمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ. وَنَحْوَ ذَلِكَ وَبِأَيِّ شَيْءٍ دَعَا مِمَّا ذَكَرْنَا أَوْ نَحْوَهُ أَجْزَأَهُ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُوَقَّتٌ [مَسْأَلَةٌ يُكَبِّرُ الرَّابِعَةَ وَيَقِفُ قَلِيلًا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ] (1564) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُكَبِّرُ الرَّابِعَةَ، وَيَقِفُ قَلِيلًا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَدْعُو بَعْدَ الرَّابِعَةِ شَيْئًا وَنَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِ دُعَاءٌ مَشْرُوعٌ لَنُقِلَ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَدْعُو، ثُمَّ يُسَلِّمُ، لِأَنَّهُ قِيَامٌ فِي صَلَاةٍ، فَكَانَ فِيهِ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، كَاَلَّذِي قَبْلَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَأَبُو الْخَطَّابِ يَقُولُ: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَقِيلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ. وَهَذَا الْخِلَافُ فِي اسْتِحْبَابِهِ، وَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَأَنَّ الْوُقُوفَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ قَلِيلًا مَشْرُوعٌ، وَقَدْ رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا ثُمَّ، يَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ. قَالَ الْجُوزَجَانِيُّ وَكُنْتُ أَحْسَبُ
مسألة يرفع يديه في كل تكبيرة في صلاة الجنازة
أَنَّ هَذِهِ الْوَقْفَةَ لِيُكَبِّرَ آخِرُ الصُّفُوفِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ إذَا كَبَّرَ ثُمَّ سَلَّمَ، خِفْتُ أَنْ يَكُونَ تَسْلِيمُهُ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ آخِرُ الصُّفُوفِ، فَإِنْ كَانَ هَكَذَا فَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُوَفِّقُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَإِنِّي أَبْرَأُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَنْ أَتَأَوَّلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْرًا لَمْ يُرِدْهُ، أَوْ أَرَادَ خِلَافَهُ. [مَسْأَلَةٌ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ] (1565) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) . أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ عَلَى الْجَنَائِزِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ يُكَبِّرُهَا، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَبِهِ قَالَ سَالِمٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَطَاءٌ، وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَالزُّهْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ مَقَامُ رَكْعَةٍ، وَلَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ» رَوَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ. وَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَةٌ حَالَ الِاسْتِقْرَارِ أَشْبَهَتْ الْأُولَى، وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَإِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ يَحُطُّهُمَا عِنْدَ انْقِضَاءِ التَّكْبِيرِ، وَيَضَعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، كَمَا فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ. وَفِيمَا رَوَى ابْنُ أَبِي مُوسَى «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، فَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ.» [مَسْأَلَةٌ يُسَلِّمُ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً] (1566) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ. السُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً. قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: التَّسْلِيمُ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، عَنْ سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ إلَّا عَنْ إبْرَاهِيمَ وَرُوِيَ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ، وَأَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالْحَارِثُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَنْ سَلَّمَ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَتَيْنِ فَهُوَ جَاهِلٌ جَاهِلٌ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَسْلِيمَتَانِ، وَتَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِي. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَلَنَا، مَا رَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَّمَ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً.» رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، وَأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ إلَّا عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ الْجُوزَجَانِيُّ هَذَا عِنْدَنَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الْأَقْرَانِ وَالْأَشْكَالِ، أَمَّا إذَا أَجْمَعَ النَّاسُ وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَشَذَّ عَنْهُمْ رَجُلٌ، لَمْ يُقَلْ لِهَذَا اخْتِلَافٌ. وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ إمَامِهِ
فصل لا تنقض الصفوف حتى ترفع الجنازة
وَأَصْحَابِهِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ، وَإِنْ سَلَّمَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَلَا بَأْسَ قَالَ أَحْمَدُ: يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً. وَسُئِلَ يُسَلِّمُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ؟ قَالَ: كُلُّ هَذَا، وَأَكْثَرُ مَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ يَمِينِهِ. قِيلَ: خِفْيَةً؟ قَالَ: نَعَمْ. يَعْنِي أَنَّ الْكُلَّ جَائِزٌ، وَالتَّسْلِيمُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا رُوِيَ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالتَّسْلِيمِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ. قَالَ أَحْمَدُ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. وَرَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. أَجْزَأَهُ. وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ صَلَّى عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُكَفِّفِ فَسَلَّمَ وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. [فَصْلٌ لَا تُنْقَضُ الصُّفُوفُ حَتَّى تُرْفَعَ الْجِنَازَةُ] (1567) فَصْلٌ: وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا صَلَّيْتَ فَلَا تَبْرَحْ مُصَلَّاكَ حَتَّى تُرْفَعَ. قَالَ وَرَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَا يَبْرَحُ مُصَلَّاهُ إذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ حَتَّى يَرَاهَا عَلَى أَيْدِي الرِّجَالِ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا تُنْقَضُ الصُّفُوفُ حَتَّى تُرْفَعَ الْجِنَازَةُ. [فَصْلٌ الْوَاجِبُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ] (1568) فَصْلٌ: وَالْوَاجِبُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ النِّيَّةُ، وَالتَّكْبِيرَاتُ، وَالْقِيَامُ، وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَدْنَى دُعَاءٍ لِلْمَيِّتِ، وَتَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ. وَيُشْتَرَطُ لَهَا شَرَائِطُ الْمَكْتُوبَةِ، إلَّا الْوَقْتَ. وَتَسْقُطُ بَعْضُ وَاجِبَاتِهَا عَنْ الْمَسْبُوقِ، عَلَى مَا سَنُبَيِّنُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْجَنَائِزِ وَهُوَ رَاكِبٌ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ الْقِيَامَ الْوَاجِبَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. [فَصْلٌ يُصَفُّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ] (1569) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَفَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ، لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ - حِمْصِيٌّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ أَوْجَبَ» قَالَ فَكَانَ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ إذَا اسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجِنَازَةِ جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ. رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. قَالَ أَحْمَدُ: أُحِبُّ إذَا كَانَ فِيهِمْ قِلَّةٌ أَنْ يَجْعَلَهُمْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ، قَالُوا: فَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ أَرْبَعَةٌ كَيْفَ يَجْعَلُهُمْ؟ قَالَ: يَجْعَلُهُمْ صَفَّيْنِ، فِي كُلِّ صَفٍّ رَجُلَيْنِ، وَكَرِهَ أَنْ يَكُونُوا ثَلَاثَةً فَيَكُونُ فِي صَفٍّ رَجُلٌ وَاحِدٌ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ رَوَى، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، فَكَانُوا سَبْعَةً، فَجَعَلَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ ثَلَاثَةً، وَالثَّانِيَ
فصل تسوية الصف في الصلاة على الجنازة
اثْنَيْنِ، وَالثَّالِثَ وَاحِدًا. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَيُعَايَا بِهَا، فَيُقَالُ: أَيْنَ تَجِدُونَ فَذًّا انْفِرَادُهُ أَفْضَلُ؟ وَلَا أَحْسَبُ هَذَا الْحَدِيثَ صَحِيحًا، فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ فِي غَيْرِ كِتَابِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَأَحْمَدُ قَدْ صَارَ إلَى خِلَافِهِ، وَكَرِهَ أَنْ يَكُونَ الْوَاحِدُ صَفًّا، وَلَوْ عَلِمَ أَحْمَدُ فِي هَذَا حَدِيثًا لَمْ يَعْدُهُ إلَى غَيْرِهِ. وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ اثْنَيْنِ صَفًّا. [فَصْلٌ تَسْوِيَةُ الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ] (1570) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ تَسْوِيَةُ الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقِيلَ لِعَطَاءٍ: أُخِذَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَصُفُّوا عَلَى الْجِنَازَةِ كَمَا يَصُفُّونَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: لَا، قَوْمٌ يَدْعُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ وَلَمْ يُعْجِبْ أَحْمَدَ، قَوْلُ عَطَاءٍ هَذَا. وَقَالَ يُسَوُّونَ صُفُوفَهُمْ، فَإِنَّهَا صَلَاةٌ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، فَالْتَفَتَ، فَقَالَ اسْتَوُوا لِتَحْسُنَ شَفَاعَتُكُمْ. [فَصْلٌ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ] (1571) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يُخَفْ تَلْوِيثُهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ» مِنْ الْمُسْنَدِ. وَلَنَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ. وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ قَالَ: لَمَّا مَاتَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَتْ عَائِشَةُ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مُرُّوا بِهِ عَلَيَّ حَتَّى أَدْعُوَ لَهُ. فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ، مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ. وَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صُلِّيَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي الْمَسْجِدِ وَقَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صُلِّيَ عَلَى عُمَرَ فِي الْمَسْجِدِ وَهَذَا كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيهِ صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ لَا يَقْبَلُ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا لِضَعْفِهِ، لِأَنَّهُ اخْتَلَطَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْبَلُ مِنْهُ مَا رَوَاهُ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ خَاصَّةً، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ الِانْفِجَارُ، وَتَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ.
فصل الصلاة على الجنازة في المقبرة
[فَصْلٌ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَقْبَرَةِ] (1572) فَصْلٌ: فَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَقْبَرَةِ فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهَا رِوَايَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَا بَأْسَ بِهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَبْرٍ وَهُوَ فِي الْمَقْبَرَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ذَكَرَ نَافِعٌ أَنَّهُ صُلِّيَ عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَسْطَ قُبُورِ الْبَقِيعِ صَلَّى عَلَى عَائِشَةَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَحَضَرَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَفَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ ذَلِكَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَالْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلصَّلَاةِ غَيْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَكُرِهَتْ فِيهِ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ كَالْحَمَّامِ. [مَسْأَلَةٌ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ التَّكْبِيرِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ] (1573) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ التَّكْبِيرِ قَضَاهُ مُتَتَابِعًا، فَإِنْ سَلَّمَ مَعَ الْإِمَامِ وَلَمْ يَقْضِ، فَلَا بَأْسَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَسْبُوقَ بِتَكْبِيرِ الصَّلَاةِ فِي الْجِنَازَةِ يُسَنُّ لَهُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْهَا. وَمِمَّنْ قَالَ: يَقْضِي مَا فَاتَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ فَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَلَا بَأْسَ. هَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَالْحَسَنِ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ قَالُوا: لَا يَقْضِي مَا فَاتَ مِنْ تَكْبِيرَةِ الْجِنَازَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا لَمْ يَقْضِ لَمْ يُبَالِ. الْعُمَرِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَقْضِي. وَإِنْ كَبَّرَ مُتَتَابِعًا فَلَا بَأْسَ. كَذَلِكَ قَالَ إبْرَاهِيمُ وَقَالَ أَيْضًا يُبَادِرُ بِالتَّكْبِيرِ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ إنْ سَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا: لَا تَصِحُّ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» وَفِي لَفْظٍ: " فَاقْضُوا " وَقِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَلَنَا، قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُ التَّكْبِيرِ؟ قَالَ: «مَا سَمِعْتِ فَكَبِّرِي، وَمَا فَاتَكِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْكِ» وَهَذَا صَرِيحٌ. وَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ مُتَوَالِيَاتٌ حَالَ الْقِيَامِ، فَلَمْ يَجِبْ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْهَا، كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَحَدِيثُهُمْ وَرَدَ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ: «وَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ»
فصل أدرك الإمام فيما بين تكبيرتين في صلاة الجنازة
وَرُوِيَ أَنَّهُ سَعَى فِي جِنَازَةِ سَعْدٍ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَعُلِمَ، أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْحَدِيثِ هَذِهِ الصَّلَاةَ، ثُمَّ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ أَخَصُّ مِنْهُ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ. وَالْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ التَّكْبِيرَ الْمُنْفَرِدَ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ مَتَى قَضَى أَتَى بِالتَّكْبِيرِ مُتَوَالِيًا، لَا ذِكْرَ مَعَهُ كَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ وَحَكَاهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: يُبَادِرُ بِالتَّكْبِيرِ مُتَتَابِعًا، وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ قَضَى مَا فَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ تَابَعَهُ فِيهِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ كَبَّرَ، وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَبَّرَ وَسَلَّمَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَتَى دَخَلَ الْمَسْبُوقُ فِي الصَّلَاةِ ابْتَدَأَ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ أَتَى بِالصَّلَاةِ فِي الثَّانِيَةِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَسْبُوقَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ يَقْرَأُ فِيمَا يَقْضِيهِ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، عَلَى صِفَةِ مَا فَاتَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ هَاهُنَا بِالْقِرَاءَةِ عَلَى صِفَةِ مَا فَاتَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [فَصْلٌ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِيمَا بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ] (1574) فَصْلٌ: وَإِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِيمَا بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ حَتَّى يُكَبِّرَ مَعَهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَاتِ كَالرَّكَعَاتِ، ثُمَّ لَوْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ لَمْ يَتَشَاغَلْ بِقَضَائِهَا، وَكَذَلِكَ إذَا فَاتَتْهُ تَكْبِيرَةٌ. وَالثَّانِيَةُ، يُكَبِّرُ وَلَا يَنْتَظِرْ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ مَتَى أَدْرَكَ الْإِمَامَ كَبَّرَ مَعَهُ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ، وَلَيْسَ هَذَا اشْتِغَالًا بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ، وَإِنَّمَا يُصَلِّي مَعَهُ مَا أَدْرَكَهُ، فَيُجْزِئُهُ، كَاَلَّذِي عَقِيبَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ، أَوْ يَتَأَخَّرُ عَنْ ذَلِكَ قَلِيلًا. وَعَنْ مَالِكٍ كَالرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: سَهَّلَ أَحْمَدُ فِي الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا وَمَتَى أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَكَبَّرَ، وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ كَبَّرَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهَا، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ، وَيُتَابِعُهُ، وَيَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ كَالْمَسْبُوقِ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، إذَا رَكَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ إتْمَامِ الْقِرَاءَةِ. [مَسْأَلَةٌ يُدْخَلُ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ] (1575) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُدْخَلُ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ إنْ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ) الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ " رِجْلَيْهِ " يَعُودُ إلَى الْقَبْرِ. أَيْ: مِنْ عِنْدِ مَوْضِعِ الرِّجْلَيْنِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُوضَعَ رَأْسُ الْمَيِّتِ عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ، ثُمَّ يُسَلُّ سَلًّا إلَى الْقَبْرِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُوضَعُ الْجِنَازَةُ عَلَى جَانِبِ الْقَبْرِ، مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، ثُمَّ يُدْخَلُ الْقَبْرَ مُعْتَرِضًا؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلِأَنَّ النَّخَعِيّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ رَأَى أَهْلَ الْمَدِينَةِ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ يُدْخِلُونَ مَوْتَاهُمْ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَأَنَّ السَّلَّ شَيْءٌ أَحْدَثَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ. وَلَنَا، مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ، «أَنَّ الْحَارِثَ أَوْصَى أَنْ يَلِيَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ الْقَبْرَ، فَأَدْخَلَهُ مِنْ رِجْلَيْ الْقَبْرِ، وَقَالَ: هَذَا السُّنَّةُ» . وَهَذَا يَقْتَضِي سُنَّةَ
فصل يعمق القبر إلى الصدر
النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ سَلًّا.» وَمَا ذُكِرَ عَنْ النَّخَعِيِّ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْعَدَدِ الْكَثِيرِ أَنْ يُغَيِّرُوا سُنَّةً ظَاهِرَةً فِي الدَّفْنِ إلَّا بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ، أَوْ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ. قَالَ: وَلَمْ يُنْقَلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَلَوْ ثَبَتَ فَسُنَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقَدَّمَةٌ عَلَى فِعْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَسْهَلُ عَلَيْهِمْ أَخْذَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ، أَوْ مِنْ رَأْسِ الْقَبْرِ، فَلَا حَرَجَ فِيهِ، لِأَنَّ اسْتِحْبَابَ أَخْذِهِ مِنْ رِجْلَيْ الْقَبْرِ، إنَّمَا كَانَ طَلَبًا لِلسُّهُولَةِ عَلَيْهِمْ، وَالرِّفْقِ بِهِمْ فَإِذَا كَانَ الْأَسْهَلُ غَيْرَهُ كَانَ مُسْتَحَبًّا. قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كُلٌّ لَا بَأْسَ بِهِ. [فَصْلٌ يُعَمَّقُ الْقَبْرُ إلَى الصَّدْرِ] (1576) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُعَمَّقُ الْقَبْرُ إلَى الصَّدْرِ، الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. كَانَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ يَسْتَحِبَّانِ أَنْ يُعَمَّقُ الْقَبْرُ إلَى الصَّدْرِ. وَقَالَ سَعِيدٌ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا مَاتَ ابْنُهُ، أَمَرَهُمْ أَنْ يَحْفِرُوا قَبْرَهُ إلَى السُّرَّةِ وَلَا يُعَمِّقُوا، فَإِنَّ مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَفْضَلُ مِمَّا سَفَلَ مِنْهَا. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَمَّقَ قَدْرَ قَامَةٍ وَبَسْطَةً. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «احْفِرُوا، وَأَوْسِعُوا، وَأَعْمِقُوا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَوْصَى بِذَلِكَ فِي قَبْرِهِ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَى أَنْ لَا تَنَالَهُ السِّبَاعُ، وَأَبْعَدُ عَلَى مَنْ يَنْبُشُهُ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَعْمِيقُهُ إلَى الصَّدْرِ، لِأَنَّ التَّعْمِيقَ قَدْرَ قَامَةٍ وَبَسْطَةٍ يَشُقُّ، وَيَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَعْمِقُوا) لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ لِقَدْرِ التَّعْمِيقِ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَوْصَى بِذَلِكَ فِي قَبْرِهِ، وَلَوْ صَحَّ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يَعْدُهُ إلَى غَيْرِهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَحْسِينُهُ وَتَعْمِيقُهُ وَتَوْسِيعُهُ؛ لِلْخَبَرِ. وَقَدْ رَوَى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَبْرٍ، فَقَالَ: (اصْنَعُوا كَذَا، اصْنَعُوا كَذَا) ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بِي أَنْ يَكُونَ يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إذَا عُمِلَ الْعَمَلُ أَنْ يُحْكَمَ» قَالَ مَعْمَرُ وَبَلَغَنِي أَنَّهُ قَالَ: " وَلَكِنَّهُ أَطْيَبُ لِأَنْفُسِ أَهْلِهِ " رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ. [فَصْلٌ السُّنَّةُ أَنْ يُلْحَدَ قَبْرُ الْمَيِّتِ] (1577) فَصْلٌ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يُلْحَدَ قَبْرُ الْمَيِّتِ، كَمَا صُنِعَ بِقَبْرِ النَّبِيِّ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَعْنَى اللَّحْدِ، أَنَّهُ إذَا بَلَغَ أَرْضَ الْقَبْرِ حَفَرَ فِيهِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ مَكَانًا يُوضَعُ الْمَيِّتُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ رَخْوَةً جَعَلَ لَهُ
فصل أن رسول الله حثى على الميت ثلاث حثيات
مِنْ الْحِجَارَةِ شِبْهَ اللَّحْدِ. قَالَ أَحْمَدُ وَلَا أُحِبُّ الشَّقَّ. لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ اللَّحْدُ شُقَّ لَهُ فِي الْأَرْضِ، وَمَعْنَى الشَّقِّ أَنْ يَحْفِرَ فِي أَرْضِ الْقَبْرِ شَقًّا يَضَعُ الْمَيِّتَ فِيهِ، وَيَسْقُفَهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَيَضَعَ الْمَيِّتَ فِي اللَّحْدِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ، وَيَضَعَ تَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةً، أَوْ حَجَرًا، أَوْ شَيْئًا مُرْتَفِعًا، كَمَا يَصْنَعُ الْحَيُّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: إذَا جَعَلْتُمُونِي فِي اللَّحْدِ فَأَفْضُوا بِخَدِّي إلَى الْأَرْضِ. وَيُدْنَى مِنْ الْحَائِطِ لِئَلَّا يَنْكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ وَيُسْنَدُ مِنْ وَرَائِهِ بِتُرَابٍ، لِئَلَّا يَنْقَلِبَ. قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: مَا أُحِبُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي الْقَبْرِ مُضَرَّبَةٌ وَلَا مِخَدَّةٌ. وَقَدْ جُعِلَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ، فَإِنْ جَعَلُوا قَطِيفَةً فَلِعِلَّةٍ، فَإِذَا فَرَغُوا نَصَبُوا عَلَيْهِ اللَّبِنَ نَصْبًا. وَيُسَدُّ خَلَلُهُ بِالطِّينِ لِئَلَّا يَصِلَ إلَيْهِ التُّرَابُ، وَإِنْ جَعَلَ مَكَانَ اللَّبِنِ قَصَبًا، فَحَسَنٌ. لِأَنَّ الشَّعْبِيَّ قَالَ: جُعِلَ عَلَى لَحْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طُنُّ قَصَبٍ، فَإِنِّي رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ. قَالَ الْخَلَّالُ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَمِيلُ إلَى اللَّبِنِ، وَيَخْتَارُهُ عَلَى الْقَصَبِ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ. وَمَالَ إلَى اسْتِحْبَابِ الْقَصَبِ عَلَى اللَّبِنِ، وَأَمَّا الْخَشَبُ فَكَرِهَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَرَخَّصَ فِيهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ اسْتِحْبَابُ اللَّبِنِ، وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْقَصَبِ؛ لِقَوْلِ سَعْدٍ: انْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلُ سَعْدٍ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ فَإِنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يَرَ، وَلَمْ يَحْضُرْ، وَأَيُّهُمَا فَعَلَهُ كَانَ حَسَنًا. قَالَ حَنْبَلٌ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَبِنٌ؟ قَالَ يُنْصَبُ عَلَيْهِ الْقَصَبُ وَالْحَشِيشُ، وَمَا أَمْكَنَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يُهَالُ عَلَيْهِ التُّرَابُ. [فَصْلٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ حَثَى عَلَى الْمَيِّتِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ] (1578) فَصْلٌ: رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ حَضَرَ جِنَازَةً، فَلَمَّا أُلْقِيَ عَلَيْهَا التُّرَابُ، قَامَ إلَى الْقَبْرِ، فَحَثَى عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَكَانِهِ وَقَالَ: قَدْ جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ وَصَحَّ، أَنَّهُ حَثَى عَلَى قَبْرِ ابْنِ مُكَفِّفٍ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا بَأْسَ. وَوَجْهُ اسْتِحْبَابِهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ أَتَى قَبْرَ الْمَيِّتِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، فَحَثَى عَلَيْهِ ثَلَاثًا.» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ فَحَثَى عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ وَهُوَ قَائِمٌ عِنْدَ رَأْسِهِ.»
فصل ما يقول حين يضعه في قبره
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَثَى عَلَى الْمَيِّتِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا.» أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ. وَفَعَلَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ لَمَّا دَفَنَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَثَى فِي قَبْرِهِ ثَلَاثًا، وَقَالَ: هَكَذَا يَذْهَبُ الْعِلْمُ. [فَصْلٌ مَا يَقُولُ حِينَ يَضَعُهُ فِي قَبْرِهِ] (1579) فَصْلٌ: وَيَقُولُ حِينَ يَضَعُهُ فِي قَبْرِهِ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أُدْخِلَ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرُوِيَ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «حَضَرْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي جِنَازَةٍ فَلَمَّا وَضَعَهَا فِي اللَّحْدِ، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا أَخَذَ فِي تَسْوِيَةِ اللَّبِنِ عَلَى اللَّحْدِ، قَالَ: اللَّهُمَّ أَجِرْهَا مِنْ الشَّيْطَانِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهَا، وَصَعِّدْ رُوحَهَا، وَلَقِّهَا مِنْكَ رِضْوَانًا قُلْتُ: يَا ابْنَ عُمَرَ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْ قُلْتَهُ بِرَأْيِكَ؟ قَالَ: إنِّي إذًا لَقَادِرٌ عَلَى الْقَوْلِ، بَلْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ إذَا سُوِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ قَالَ: اللَّهُمَّ أَسْلَمَهُ إلَيْكَ الْأَهْلُ وَالْمَالُ وَالْعَشِيرَةُ، وَذَنْبُهُ عَظِيمٌ، فَاغْفِرْ لَهُ. رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. [فَصْلٌ إذَا مَاتَ فِي سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ] (1580) فَصْلٌ: إذَا مَاتَ فِي سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُنْتَظَرُ بِهِ إنْ كَانُوا يَرْجُونَ أَنْ يَجِدُوا لَهُ مَوْضِعًا يَدْفِنُونَهُ فِيهِ، حَبَسُوهُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، مَا لَمْ يَخَافُوا عَلَيْهِ الْفَسَادَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا غُسِّلَ، وَكُفِّنَ، وَحُنِّطَ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُثَقَّلُ بِشَيْءٍ، وَيُلْقَى فِي الْمَاءِ. وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ. قَالَ الْحَسَنُ: يُتْرَكُ فِي زِنْبِيلٍ، وَيُلْقَى فِي الْبَحْرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُرْبَطُ بَيْنَ لَوْحَيْنِ؛ لِيَحْمِلَهُ الْبَحْرُ إلَى السَّاحِلِ فَرُبَّمَا وَقَعَ إلَى قَوْمٍ يَدْفِنُونَهُ، وَإِنْ أَلْقَوْهُ فِي الْبَحْرِ لَمْ يَأْثَمُوا. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ السَّتْرُ الْمَقْصُودُ مِنْ دَفْنِهِ، وَإِلْقَاؤُهُ بَيْنَ لَوْحَيْنِ تَعْرِيضٌ لَهُ لِلتَّغَيُّرِ وَالْهَتْكِ، وَرُبَّمَا بَقِيَ عَلَى السَّاحِلِ مَهْتُوكًا عُرْيَانًا، وَرُبَّمَا وَقَعَ إلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى. [مَسْأَلَةٌ الْمَرْأَةُ يُخَمِّر قَبْرُهَا بِثَوْبِ] (1581) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمَرْأَةُ يُخَمَّرُ قَبْرُهَا بِثَوْبٍ) لَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا. وَقَدْ رَوَى ابْنُ سِيرِينَ، أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُغَطِّي قَبْرَ الْمَرْأَةِ.
مسألة أولى الناس بإدخال المرأة قبرها
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ قَدْ دَفَنُوا مَيِّتًا، وَبَسَطُوا عَلَى قَبْرِهِ الثَّوْبَ، فَجَذَبَهُ وَقَالَ: إنَّمَا يُصْنَعُ هَذَا بِالنِّسَاءِ. وَشَهِدَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ دَفْنَ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ فَخَمَّرَ الْقَبْرَ بِثَوْبٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَنَسٍ: ارْفَعُوا الثَّوْبَ، إنَّمَا يُخَمَّرُ قَبْرُ النِّسَاءِ، وَأَنَسٌ شَاهِدٌ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ لَا يُنْكِرُ. وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ، وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَرَاهُ الْحَاضِرُونَ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا كُرِهَ سَتْرُ قَبْرِهِ. لِمَا ذَكَرْنَا. وَكَرِهَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ وَلَمْ يَكْرَهْهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِعْلَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَنَسٍ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَتِهِ، وَلِأَنَّ كَشْفَهُ أَمْكَنُ وَأَبْعَدُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ اتِّبَاعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [مَسْأَلَةٌ أَوْلَى النَّاسِ بِإِدْخَالِ الْمَرْأَةِ قَبْرَهَا] (1582) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُدْخِلُهَا مَحْرَمُهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالنِّسَاءُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْمَشَايِخُ.) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِدْخَالِ الْمَرْأَةِ قَبْرَهَا مَحْرَمُهَا، وَهُوَ مَنْ كَانَ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا فِي حَيَاتِهَا، وَلَهَا السَّفَرُ مَعَهُ، وَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَامَ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقَالَ: أَلَا إنِّي أَرْسَلْتُ إلَى النِّسْوَةِ مَنْ يُدْخِلُهَا قَبْرَهَا فَأَرْسَلْنَ مَنْ كَانَ يَحِلُّ لَهُ الدُّخُولُ عَلَيْهَا فِي حَيَاتِهَا. فَرَأَيْتُ أَنْ قَدْ صَدَقْنَ. وَلَمَّا تُوُفِّيَتْ امْرَأَةُ عُمَرَ قَالَ لِأَهْلِهَا: أَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا وَلِأَنَّ مَحْرَمَهَا أَوْلَى النَّاسِ بِوَلَايَتِهَا فِي الْحَيَاةِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْأَقَارِبَ يُقَدَّمُونَ عَلَى الزَّوْجِ. قَالَ الْخَلَّالُ: اسْتَقَامَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ الْأَوْلِيَاءُ وَالزَّوْجُ، فَالْأَوْلِيَاءُ أَحَبُّ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَوْلِيَاءُ فَالزَّوْجُ أَحَقُّ مِنْ الْغَرِيبِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ خَبَرِ عُمَرَ. وَلِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ زَالَتْ زَوْجِيَّتُهُ بِمَوْتِهَا، وَالْقَرَابَةُ بَاقِيَةٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: الزَّوْجُ أَحَقُّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَدْخَلَ امْرَأَتَهُ قَبْرَهَا دُونَ أَقَارِبِهَا، وَلِأَنَّهُ أَحَقُّ بِغُسْلِهَا مِنْهُمْ، فَكَانَ أَوْلَى بِإِدْخَالِهَا قَبْرَهَا، كَمَحَلِّ الْوِفَاقِ، وَأَيُّهُمَا قُدِّمَ فَالْآخَرُ بَعْدَهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُدْخِلَهَا النِّسَاءُ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُنَّ النَّظَرُ إلَيْهَا، وَهُنَّ أَحَقُّ بِغُسْلِهَا. وَعَلَى هَذَا يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ مِنْهُنَّ فَالْأَقْرَبُ، كَمَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَسْتَطِعْنَ أَنْ يَدْخُلْنَ الْقَبْرَ، وَلَا يَدْفِنَّ. وَهَذَا أَصَحُّ وَأَحْسَنُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ مَاتَتْ ابْنَتُهُ أَمَرَ أَبَا طَلْحَةَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَيُّكُمْ لَمْ يُقَارِفْ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا. فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَ فَأَدْخَلَهَا قَبْرَهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَرَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النِّسَاءَ فِي جِنَازَةٍ، فَقَالَ: " هَلْ تَحْمِلْنَ؟ " قُلْنَ: لَا. قَالَ: " هَلْ تُدْلِينَ فِي مَنْ
فصل أولى الناس بدفن الرجل أولاهم بالصلاة عليه
يُدْلِي؟ " قُلْنَ: لَا. قَالَ: «فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لَهُنَّ بِحَالٍ وَكَيْفَ يُشْرَعُ لَهُنَّ وَقَدْ نَهَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ؟ وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لَفُعِلَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ خُلَفَائِهِ، وَلَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ، وَلِأَنَّ الْجِنَازَةَ يَحْضُرُهَا جُمُوعُ الرِّجَالِ، وَفِي نُزُولِ النِّسَاءِ فِي الْقَبْرِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ هَتْكٌ لَهُنَّ، مَعَ عَجْزِهِنَّ عَنْ الدَّفْنِ، وَضَعْفِهِنَّ عَنْ حَمْلِ الْمَيِّتَةِ وَتَقْلِيبِهَا، فَلَا يُشْرَعُ. لَكِنْ إنْ عُدِمَ مَحْرَمُهَا، اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِلْمَشَايِخِ؛ لِأَنَّهُمْ أَقَلُّ شَهْوَةً وَأَبْعَدُ مِنْ الْفِتْنَةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ فُضَلَاءِ النَّاسِ وَأَهْلِ الدِّينِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَزَلَ فِي قَبْرِ ابْنَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ. [فَصْلٌ أَوْلَى النَّاسِ بِدَفْنِ الرَّجُلِ أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ] (1583) فَصْلٌ: فَأَمَّا الرَّجُلُ فَأَوْلَى النَّاسِ بِدَفْنِهِ أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ أَقَارِبِهِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ طَلَبُ الْحَظِّ لِلْمَيِّتِ وَالرِّفْقُ بِهِ. قَالَ عَلِيٌّ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّمَا يَلِي الرَّجُلَ أَهْلُهُ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْحَدَهُ الْعَبَّاسُ، وَعَلِيٌّ وَأُسَامَةُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَا تَوْقِيفَ فِي عَدَدِ مَنْ يَدْخُلُ الْقَبْرَ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَدَدُهُمْ عَلَى حَسَبِ حَالِ الْمَيِّتِ وَحَاجَتِهِ وَمَا هُوَ أَسْهَلُ فِي أَمْرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ وِتْرًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْحَدَهُ ثَلَاثَةٌ، وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ اتِّفَاقًا أَوْ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي مَرْحَبٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ نَزَلَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِمْ أَرْبَعَةً. وَإِذَا كَانَ الْمُتَوَلِّي فَقِيهًا كَانَ حَسَنًا؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى مَعْرِفَةِ مَا يَصْنَعُهُ فِي الْقَبْرِ. [مَسْأَلَةٌ لَا يُشَقُّ الْكَفَنُ فِي الْقَبْرِ وَتُحَلُّ الْعُقَدُ] (1584) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَلَا يُشَقُّ الْكَفَنُ فِي الْقَبْرِ، وَتُحَلُّ الْعُقَدُ.) أَمَّا شَقُّ الْكَفَنِ فَغَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّهُ إتْلَافٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَتَخْرِيقُهُ يُتْلِفُهُ، وَيَذْهَبُ بِحُسْنِهِ. وَأَمَّا حَلُّ الْعُقَدِ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، فَمُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ عَقْدَهَا كَانَ لِلْخَوْفِ مِنْ انْتِشَارِهَا، وَقَدْ أُمِنَ ذَلِكَ بِدَفْنِهِ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَدْخَلَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيَّ الْقَبْرَ نَزَعَ الْأَخِلَّةَ بِفِيهِ.» وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ نَحْوُ ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ لَا يُدْخِلُ الْقَبْرَ آجُرًّا وَلَا خَشَبًا وَلَا شَيْئًا مَسَّتْهُ النَّارُ] (1585) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: " وَلَا يُدْخِلُ الْقَبْرَ آجُرًّا، وَلَا خَشَبًا، وَلَا شَيْئًا مَسَّتْهُ النَّارُ "
فصل إذا فرغ من اللحد أهال عليه التراب ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ اللَّبِنَ وَالْقَصَبَ مُسْتَحَبٌّ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ الْخَشَبَ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ اللَّبِنَ وَيَكْرَهُونَ الْخَشَبَ. وَلَا يُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ فِي تَابُوتٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَصْحَابِهِ، وَفِيهِ تَشَبُّهٌ بِأَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَرْضُ أَنْشَفُ لِفَضَلَاتِهِ. وَيُكْرَهُ الْآجُرُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بِنَاءِ الْمُتْرَفِينَ، وَسَائِرُ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ، تَفَاؤُلًا بِأَنْ لَا تَمَسَّهُ النَّارُ. [فَصْلٌ إذَا فَرَغَ مِنْ اللَّحْدِ أَهَالَ عَلَيْهِ التُّرَابَ وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ عَنْ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ] (1586) فَصْلٌ: وَإِذَا فَرَغَ مِنْ اللَّحْدِ أَهَالَ عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ عَنْ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ؛ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ قَبْرٌ، فَيُتَوَقَّى وَيُتَرَحَّمَ عَلَى صَاحِبِهِ. وَرَوَى السَّاجِيُّ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُفِعَ قَبْرُهُ عَنْ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ. وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: يَا أُمَّهْ اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبَيْهِ فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ، لَا مُشْرِفَةٍ وَلَا لَاطِئَةٍ، مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَا يُسْتَحَبُّ رَفْعُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ تُرَابِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: " لَا يُجْعَلُ فِي الْقَبْرِ مِنْ التُّرَابِ أَكْثَرُ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ حِينَ حُفِرَ. وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُزَادَ عَلَى الْقَبْرِ عَلَى حُفْرَتِهِ» وَلَا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الْقَبْرِ إلَّا شَيْئًا يَسِيرًا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «لَا تَدَعْ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَالْمُشْرِفُ مَا رُفِعَ كَثِيرًا، بِدَلِيلِ قَوْلِ الْقَاسِمِ فِي صِفَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبَيْهِ: لَا مُشْرِفَةٍ، وَلَا لَاطِئَةٍ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُرَشَّ عَلَى الْقَبْرِ مَاءٌ لِيَلْتَزِقَ تُرَابُهُ. قَالَ أَبُو رَافِعٍ «سَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْدًا وَرَشَّ عَلَى قَبْرِهِ مَاءً.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَشَّ عَلَى قَبْرِهِ مَاءً» رَوَاهُمَا الْخَلَّالُ جَمِيعًا. [فَصْلٌ لَا بَأْسَ بِتَعْلِيمِ الْقَبْرِ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ] (1587) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِتَعْلِيمِ الْقَبْرِ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ. قَالَ أَحْمَدُ لَا بَأْسَ أَنْ يُعَلِّمَ الرَّجُلُ الْقَبْرَ عَلَامَةً يَعْرِفُهُ بِهَا، وَقَدْ عَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْمُطَّلِبِ قَالَ: «لَمَّا مَاتَ
فصل تسنيم القبر أفضل من تسطيحه
عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بِجِنَازَتِهِ، فَدُفِنَ، أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ حَمَلَهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: أُعَلِّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِهِ» وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ. [فَصْلٌ تَسْنِيمُ الْقَبْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَسْطِيحِهِ] (1588) فَصْلٌ: وَتَسْنِيمُ الْقَبْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَسْطِيحِهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَسْطِيحُهُ أَفْضَلُ. قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ. وَعَنْ الْقَاسِمِ قَالَ: رَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُسَطَّحَةً. وَلَنَا مَا رَوَى سُفْيَانُ التَّمَّارُ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسَنَّمًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُهُ وَلِأَنَّ التَّسْطِيحَ يُشْبِهُ أَبْنِيَةَ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَهُوَ أَشْبَهُ بِشِعَارِ أَهْلِ الْبِدَعِ، فَكَانَ مَكْرُوهًا. وَحَدِيثُنَا أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِهِمْ وَأَصَحُّ، فَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى. [فَصْلٌ الْوُقُوفُ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَمَا يَدْفِنُ يَدْعُو لِلْمَيِّتِ] (1589) فَصْلٌ: وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْوُقُوفِ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَمَا يَدْفِنُ، يَدْعُو لِلْمَيِّتِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، قَدْ وَقَفَ عَلِيٌّ وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُثْمَانَ، قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَفَنَ الرَّجُلَ وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» . وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ وَمُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ عَنْ السَّرِيِّ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ الْوَفَاةُ، قَالَ: اجْلِسُوا عِنْدَ قَبْرِي قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقْسَمُ، فَإِنِّي أَسْتَأْنِسُ بِكُمْ. [فَصْلٌ التَّلْقِينُ بَعْدَ الدَّفْنِ] (1590) فَصْلٌ: فَأَمَّا التَّلْقِينُ بَعْدَ الدَّفْنِ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ شَيْئًا، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ لِلْأَئِمَّةِ قَوْلًا، سِوَى مَا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَهَذَا الَّذِي يَصْنَعُونَ إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ، يَقِفُ الرَّجُلُ، وَيَقُولُ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ، اُذْكُرْ مَا فَارَقْتَ عَلَيْهِ، شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا فَعَلَ هَذَا إلَّا أَهْلَ الشَّامِ، حِينَ مَاتَ أَبُو الْمُغِيرَةِ جَاءَ إنْسَانٌ، فَقَالَ ذَاكَ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو الْمُغِيرَةِ يَرْوِي فِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَشْيَاخِهِمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، وَكَانَ ابْنُ عَيَّاشٍ يَرْوِي فِيهِ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ: إنَّمَا لِأُثْبِتَ عَذَابَ الْقَبْرِ. قَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ. وَرَوَيَا فِيهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فصل تطيين القبور
قَالَ: «إذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ، فَسَوَّيْتُمْ عَلَيْهِ التُّرَابَ، فَلْيَقِفْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ رَأْسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ، وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَسْتَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْشِدْنَا يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلَكِنْ لَا تَسْمَعُونَ. فَيَقُولُ: اُذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا، شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا. فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَتَأَخَّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَقُولُ: انْطَلِقْ، فَمَا يُقْعِدُنَا عِنْدَ هَذَا وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ، وَيَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى حُجَّتَهُ دُونَهُمَا فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَ أُمِّهِ؟ قَالَ: فَلْيَنْسُبْهُ إلَى حَوَّاءَ» رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ فِي (كِتَابِ ذِكْرِ الْمَوْتِ) بِإِسْنَادِهِ. [فَصْلٌ تَطْيِينُ الْقُبُورِ] (1591) فَصْلٌ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ تَطْيِينِ الْقُبُورِ فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ الْحَسَنُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَتَعَاهَدُ قَبْرَ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ. قَالَ نَافِعٌ وَتُوُفِّيَ ابْنٌ لَهُ وَهُوَ غَائِبٌ، فَقَدِمَ فَسَأَلَنَا عَنْهُ، فَدَلَلْنَاهُ عَلَيْهِ، فَكَانَ يَتَعَاهَدُ الْقَبْرَ وَيَأْمُرُ بِإِصْلَاحِهِ. وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَزَالُ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ الْأَذَانَ مَا لَمْ يُطَيَّنْ قَبْرُهُ. أَوْ قَالَ: مَا لَمْ يُطْوَ قَبْرُهُ.» [فَصْلٌ الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ وَتَجْصِيصُهُ وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ] (1592) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ، وَتَجْصِيصُهُ، وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ.» زَادَ التِّرْمِذِيُّ وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا، فَلَا حَاجَةَ بِالْمَيِّتِ إلَيْهِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى الرُّخْصَةِ فِي طِينِ الْقَبْرِ، لِتَخْصِيصِهِ التَّجْصِيصَ بِالنَّهْيِ وَنَهَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ بِآجُرٍّ، وَأَوْصَى بِذَلِكَ. وَأَوْصَى الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ أَنْ لَا تَجْعَلُوا عَلَى قَبْرِي آجُرًّا وَقَالَ إبْرَاهِيمُ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْآجُرَّ فِي قُبُورِهِمْ. وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَنْ يُضْرَبَ عَلَى الْقَبْرِ فُسْطَاطٌ وَأَوْصَى أَبُو هُرَيْرَةَ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَنْ لَا تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا. [فَصْلٌ الْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهِ وَالِاسْتِنَادُ إلَيْهِ وَالْمَشْيُ عَلَيْهِ وَالتَّغَوُّطُ بَيْنَ الْقُبُورِ] (1593) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ، وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِنَادُ إلَيْهِ، وَالْمَشْيُ عَلَيْهِ، وَالتَّغَوُّطُ بَيْنَ الْقُبُورِ؛
فصل اتخاذ السرج على القبور
لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا» صَحِيحٌ. وَذُكِرَ لِأَحْمَدَ أَنَّ مَالِكًا يَتَأَوَّلُ حَدِيثَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُجْلَسَ عَلَى الْقُبُورِ أَيْ لِلْخَلَاءِ. فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، وَلَمْ يُعْجِبْهُ رَأْيُ مَالِكٍ وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ، أَوْ سَيْفٍ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ، وَلَا أُبَالِي أَوَسْطَ الْقُبُورِ قَضَيْتُ حَاجَتِي، أَوْ وَسْطَ السُّوقِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [فَصْلٌ اتِّخَاذُ السَّرْجِ عَلَى الْقُبُورِ] (1594) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ السَّرْجِ عَلَى الْقُبُورِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ، الْمُتَّخِذَاتِ عَلَيْهِنَّ الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَفْظُهُ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ أُبِيحَ لَمْ يَلْعَنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ فَعَلَهُ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَضْيِيعًا لِلْمَالِ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَإِفْرَاطًا فِي تَعْظِيمِ الْقُبُورِ أَشْبَهَ تَعْظِيمَ الْأَصْنَامِ وَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ لِهَذَا الْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: إنَّمَا لَمْ يُبْرَزْ قَبْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِئَلَّا يُتَّخَذَ مَسْجِدًا، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ الْقُبُورِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَهَا يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الْأَصْنَامِ بِالسُّجُودِ لَهَا، وَالتَّقَرُّبِ إلَيْهَا، وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ ابْتِدَاءَ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ تَعْظِيمُ الْأَمْوَاتِ، بِاتِّخَاذِ صُوَرِهِمْ، وَمَسْحِهَا، وَالصَّلَاةِ عِنْدَهَا. [فَصْلٌ الدَّفْنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ أَعْجَبُ مِنْ الدَّفْنِ فِي الْبُيُوتِ] (1595) فَصْلٌ: وَالدَّفْنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ أَعْجَبُ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الدَّفْنِ فِي الْبُيُوتِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا عَلَى الْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَأَشْبَهُ بِمَسَاكِنِ الْآخِرَةِ، وَأَكْثَرُ لِلدُّعَاءِ لَهُ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَزَلْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يُقْبَرُونَ فِي الصَّحَارِي. فَإِنْ قِيلَ: فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُبِرَ فِي بَيْتِهِ، وَقُبِرَ صَاحِبَاهُ مَعَهُ؟ قُلْنَا: قَالَتْ عَائِشَةُ إنَّمَا فُعِلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ فِي الْبَقِيعِ، وَفِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا أَصْحَابُهُ رَأَوْا تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ. وَلِأَنَّهُ رُوِيَ:
فصل الدفن في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون والشهداء
" يُدْفَنُ الْأَنْبِيَاءُ حَيْثُ يَمُوتُونَ " وَصِيَانَةً لَهُمْ عَنْ كَثْرَةِ الطُّرَّاقِ، وَتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ. [فَصْلٌ الدَّفْنُ فِي الْمَقْبَرَةِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا الصَّالِحُونَ وَالشُّهَدَاءُ] (1596) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ فِي الْمَقْبَرَةِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا الصَّالِحُونَ وَالشُّهَدَاءُ؛ لِتَنَالَهُ بَرَكَتُهُمْ، وَكَذَلِكَ فِي الْبِقَاعِ الشَّرِيفَةِ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِمَا «أَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُدْنِيَهُ إلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ.» [فَصْلٌ جَمْعُ الْأَقَارِبِ فِي الدَّفْنِ] (1597) فَصْلٌ: وَجَمْعُ الْأَقَارِبِ فِي الدَّفْنِ حَسَنٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا دَفَنَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ أَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِهِ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَسْهَلُ لِزِيَارَتِهِمْ، وَأَكْثَرُ لِلتَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ. وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ الْأَبِ ثُمَّ مَنْ يَلِيهِ فِي السِّنِّ وَالْفَضِيلَةِ، إذَا أَمْكَنَ. [فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ دَفْنُ الشَّهِيدِ حَيْثُ قُتِلَ] (1598) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ دَفْنُ الشَّهِيدِ حَيْثُ قُتِلَ قَالَ أَحْمَدُ: أَمَّا الْقَتْلَى فَعَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَصَارِعِهِمْ» وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُرَدُّوا إلَى مَصَارِعِهِمْ. فَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَا يُنْقَلُ الْمَيِّتُ مِنْ بَلَدِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ إلَّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِالْحَبَشَةِ، فَحُمِلَ إلَى مَكَّةَ فَدُفِنَ، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ أَتَتْ قَبْرَهُ ثُمَّ قَالَتْ: وَاَللَّهِ لَوْ حَضَرْتُكَ مَا دُفِنْتَ إلَّا حَيْثُ مِتَّ، وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَخَفُّ لِمُؤْنَتِهِ وَأَسْلَمُ لَهُ مِنْ التَّغْيِيرِ. فَأَمَّا إنْ كَانَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ جَازَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: مَا أَعْلَمُ بِنَقْلِ الرَّجُلِ يَمُوتُ فِي بَلَدِهِ إلَى بَلَدٍ أُخْرَى بَأْسًا. وَسُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: قَدْ حُمِلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، مِنْ الْعَقِيقِ إلَى الْمَدِينَةِ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَاتَ ابْنُ عُمَرَ هُنَا، فَأَوْصَى أَنْ لَا يُدْفَنَ هَاهُنَا، وَأَنْ يُدْفَنَ بِسَرِفٍ. [فَصْلٌ تَنَازَعَ اثْنَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا يُدْفَنُ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ وَقَالَ الْآخَرُ يُدْفَنُ فِي مِلْكِهِ] (1599) فَصْلٌ: وَإِذَا تَنَازَعَ اثْنَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يُدْفَنُ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ. وَقَالَ الْآخَرُ: يُدْفَنُ فِي مِلْكِهِ
فصل إذا تشاح اثنان في الدفن في المقبرة المسبلة
دُفِنَ فِي الْمُسَبَّلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِنَّةَ فِيهِ، وَهُوَ أَقَلُّ ضَرَرًا عَلَى الْوَارِثِ. فَإِنْ تَشَاحَّا فِي الْكَفَنِ، قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: نُكَفِّنُهُ مِنْ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ عَلَى الْوَارِثِ بِلُحُوقِ الْمِنَّةِ، وَتَكْفِينُهُ مِنْ مَالِهِ قَلِيلُ الضَّرَرِ. وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الرَّجُلِ يُوصِي أَنْ يُدْفَنَ فِي دَارِهِ قَالَ: يُدْفَنُ فِي الْمَقَابِرِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، إنْ دُفِنَ فِي دَارِهِ أَضَرَّ بِالْوَرَثَةِ. وَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ مَوْضِعَ قَبْرِهِ، وَيُوصِيَ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ، فَعَلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَعَائِشَةُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - [فَصْلٌ إذَا تَشَاحَّ اثْنَانِ فِي الدَّفْنِ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ] (1600) فَصْلٌ: وَإِذَا تَشَاحَّ اثْنَانِ فِي الدَّفْنِ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ، قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا، كَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي مَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ، وَرِحَابِ الْمَسَاجِدِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا. [فَصْلٌ إنْ تَيَقَّنَ أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ بَلِيَ وَصَارَ رَمِيمًا جَازَ نَبْشُ قَبْرِهِ وَدَفْنُ غَيْرِهِ فِيهِ] (1601) فَصْلٌ: وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ بَلِيَ وَصَارَ رَمِيمًا، جَازَ نَبْشُ قَبْرِهِ، وَدَفْنُ غَيْرِهِ فِيهِ وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ رَجَعَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ. فَإِنْ حَفَرَ، فَوَجَدَ فِيهَا عِظَامًا دَفَنَهَا، وَحَفَرَ فِي مَكَان آخَرَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ كَسْرَ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ. وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمَيِّتِ يُخْرَجُ مِنْ قَبْرِهِ إلَى غَيْرِهِ فَقَالَ: إذَا كَانَ شَيْءٌ يُؤْذِيهِ، قَدْ حُوِّلَ طَلْحَةُ وَحُوِّلَتْ عَائِشَةُ وَسُئِلَ عَنْ قَوْمٍ دُفِنُوا فِي بَسَاتِينَ وَمَوَاضِعَ رَدِيئَةٍ. فَقَالَ: قَدْ نَبَشَ مُعَاذٌ امْرَأَتَهُ، وَقَدْ كَانَتْ كُفِّنَتْ فِي خَلَقَيْنِ فَكَفَنَهَا وَلَمْ يَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بَأْسًا أَنْ يُحَوَّلُوا. [مَسْأَلَةٌ مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ] (1602) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا، مَا لَمْ تُدْفَنْ، فَإِنْ دُفِنَتْ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْقَبْرِ إلَى شَهْرٍ. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ، إلَّا لِلْوَلِيِّ إذَا كَانَ غَائِبًا، وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إلَّا كَذَلِكَ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَكَانَ قَبْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلَّى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ.
فصل إذا صلي على الجنازة مرة لم توضع لأحد يصلي عليها
وَلَنَا، مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ رَجُلًا مَاتَ، فَقَالَ: فَدَلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فَأَتَى قَبْرَهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّهُمْ وَصَلَّوْا خَلْفَهُ.» قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمَنْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ يَرْوِي عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ سِتَّةِ وُجُوهٍ كُلُّهَا حِسَانٌ وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، فَيُسَنُّ لَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ، كَالْوَلِيِّ، وَقَبْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ شَهْرٍ. [فَصْلٌ إذَا صُلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ مَرَّةً لَمْ تُوضَعْ لِأَحَدٍ يُصَلِّي عَلَيْهَا] (1603) فَصْلٌ: وَمَنْ صَلَّى مَرَّةً فَلَا يُسَنُّ لَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا. وَإِذَا صُلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ مَرَّةً لَمْ تُوضَعْ لِأَحَدٍ يُصَلِّي عَلَيْهَا. قَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْسُنُ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَيُبَادَرُ بِدَفْنِهِ، فَإِنْ رُجِيَ مَجِيءُ الْوَلِيِّ أُخِّرَ إلَى أَنْ يَجِيءَ، إلَّا أَنْ يُخَافَ تَغَيُّرُهُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يَنْتَظِرُ بِهِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي طَلْحَةَ بْنِ الْبَرَاءِ «اعْجَلُوا بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ» فَأَمَّا مَنْ أَدْرَكَ الْجِنَازَةَ مِمَّنْ لَمْ يُصَلِّ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا، فَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ، وَأَنَسٌ، وَسَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو حَمْزَةَ وَمَعْمَرُ بْنُ سَمِيرٍ. [فَصْلٌ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ وَتُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ قَبْلَ الدَّفْنِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى] (1604) فَصْلٌ: وَيُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ، وَتُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ قَبْلَ الدَّفْنِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى. نَصَّ عَلَيْهِمَا أَحْمَدُ وَقَالَ: وَمَا بَأْسٌ بِذَلِكَ، قَدْ فَعَلَهُ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «انْتَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى قَبْرٍ رَطْبٍ، فَصَفُّوا خَلْفَهُ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ] (1605) فَصْلٌ: وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ فِي بَلَدٍ آخَرَ بِالنِّيَّةِ فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ كَصَلَاتِهِ عَلَى حَاضِرٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَسَوَاءٌ كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ. وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى كَقَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ حُضُورَهَا، بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا مَعَ غَيْبَتِهَا عَنْهُ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ نَعَى النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَصَلَّى بِهِمْ بِالْمُصَلَّى، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ، فَأُرِيَ الْجِنَازَةَ. قُلْنَا: هَذَا لَمْ يُنْقَلْ، وَلَوْ كَانَ لَأَخْبَرَ بِهِ. وَلَنَا أَنْ نَقْتَدِيَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ يَثْبُتْ مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ، وَلِأَنَّ الْمَيِّتَ مَعَ الْبُعْدِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَإِنْ رُئِيَ، ثُمَّ لَوْ رَآهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَاخْتَصَّتْ الصَّلَاةُ بِهِ، وَقَدْ صَفَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى بِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنْ بِالْحَبَشَةِ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ، قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا مَذْهَبَكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تُجِيزُونَ الصَّلَاةَ
فصل كان الميت في أحد جانبي البلد لم يصل عليه من في الجانب الآخر
عَلَى الْغَرِيقِ، وَالْأَسِيرِ، وَمَنْ مَاتَ بِالْبَوَادِي، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ هَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ النَّجَاشِيَّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ أَسْلَمَ وَظَهَرَ إسْلَامُهُ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ يُصَلِّي عَلَيْهِ. [فَصْلٌ كَانَ الْمَيِّتُ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الْبَلَدِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ مَنْ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ] (1606) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الْبَلَدِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ مَنْ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ قَالَ: وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ الْبَرْمَكِيِّ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْحُضُورُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى قَبْرِهِ، وَصَلَّى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ عَلَى مَيِّتٍ مَاتَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ بَغْدَادَ وَهُوَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ غَائِبٌ، فَجَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، كَالْغَائِبِ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَهَذَا مُنْتَقِضٌ بِمَا إذَا كَانَ مَعَهُ فِي هَذَا الْجَانِبِ. [فَصْلٌ تَتَوَقَّفُ الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ بِشَهْرٍ] (1607) فَصْلٌ: وَتَتَوَقَّفُ الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ بِشَهْرٍ، كَالصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ تَلَاشٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي أَكِيلِ السَّبُعِ، وَالْمُحْتَرِقِ بِالنَّارِ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِذَهَابِهِ بِخِلَافِ الضَّائِعِ وَالْغَرِيقِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْهُ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا غَرِقَ قَبْلَ الْغُسْلِ، كَالْغَائِبِ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ تَعَذَّرَ لِمَانِعٍ، أَشْبَهَ الْحَيَّ إذَا عَجَزَ عَنْ الْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. [مَسْأَلَةٌ إنْ كَبَّرَ الْإِمَامُ خَمْسًا كَبَّرَ بِتَكْبِيرِهِ] (1608) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَإِنْ كَبَّرَ الْإِمَامُ خَمْسًا كَبَّرَ بِتَكْبِيرِهِ) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَلَا أَنْقَصُ، مِنْ أَرْبَعٍ وَالْأَوْلَى أَرْبَعٌ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا كَبَّرَ خَمْسًا تَابَعَهُ الْمَأْمُومُ، وَلَا يُتَابِعُهُ فِي زِيَادَةٍ عَلَيْهَا. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ وَرَوَى حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ إذَا كَبَّرَ خَمْسًا، لَا يُكَبِّرُ مَعَهُ، وَلَا يُسَلِّمُ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَكُلُّ مَنْ رَوَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ يُخَالِفُهُ. وَمِمَّنْ لَمْ يَرَ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ فِي زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ؛ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ غَيْرُ مَسْنُونَةٍ لِلْإِمَامِ، فَلَا يُتَابِعُهُ الْمَأْمُومُ فِيهَا، كَالْقُنُوتِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى. وَلَنَا: مَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ «كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ خَمْسًا، وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُهَا.» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُمَا. وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ: فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ سَعِيدٌ: ثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَحْيَى الْجَابِرِيِّ عَنْ عِيسَى مَوْلًى لِحُذَيْفَةَ، أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ خَمْسًا فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ: مَوْلَايَ وَوَلِيُّ نِعْمَتِي صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَكَبَّرَ عَلَيْهَا خَمْسًا. وَذَكَرَ حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَلِيًّا صَلَّى عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ خَمْسًا. وَكَانَ أَصْحَابُ مُعَاذٍ يُكَبِّرُونَ عَلَى الْجَنَائِزِ خَمْسًا وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ، أَرْبَعًا وَخَمْسًا وَأَمَرَ النَّاسَ بِأَرْبَعٍ. قَالَ أَحْمَدُ
فِي إسْنَادِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: إسْنَادٌ جَيِّدٌ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُصَلِّينَ مَعَهُ كَانُوا يُتَابِعُونَهُ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرِ أَهْلِ بَدْرٍ خَمْسًا، وَعَلَى سَائِرِ النَّاسِ أَرْبَعًا. وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا ذَكَرُوهُ. فَأَمَّا إنْ زَادَ الْإِمَامُ عَنْ خَمْسٍ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ مَعَ الْإِمَامِ إلَى سَبْعٍ. قَالَ الْخَلَّالُ: ثَبَتَ الْقَوْلُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ مَعَ الْإِمَامِ إلَى سَبْعٍ، ثُمَّ لَا يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ، وَلَا يُسَلِّمُ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ. وَهَذَا قَوْلُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ كَبِّرْ مَا كَبَّرَ إمَامُكَ فَإِنَّهُ لَا وَقْتٌ وَلَا عَدَدٌ. وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلَى حَمْزَةَ سَبْعًا» رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ. وَكَبَّرَ عَلِيٌّ عَلَى جِنَازَةِ أَبِي قَتَادَةَ سَبْعًا وَعَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا، وَقَالَ: إنَّهُ بَدْرِيٌّ. وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَمَعَ النَّاسَ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَبَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْعًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَمْسًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرْبَعًا، فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَقَالَ: هُوَ أَطْوَلُ الصَّلَاةِ وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ: إنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَلَّى عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ سِتًّا، وَكَانُوا يُكَبِّرُونَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ خَمْسًا وَسِتًّا وَسَبْعًا. فَإِنْ زَادَ عَلَى سَبْعٍ لَمْ يُتَابِعْهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: إنْ زَادَ عَلَى سَبْعٍ يَنْبَغِي أَنْ يُسَبِّحَ بِهِ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى سَبْعٍ إلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَإِنَّ عَلْقَمَةَ رَوَى أَنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ قَالُوا لَهُ: إنَّ أَصْحَابَ مُعَاذٍ يُكَبِّرُونَ عَلَى الْجَنَائِزِ خَمْسًا، فَلَوْ وَقَّتَّ لَنَا وَقْتًا فَقَالَ: إذَا تَقَدَّمَكُمْ إمَامُكُمْ فَكَبِّرُوا مَا يُكَبِّرُ، فَإِنَّهُ لَا وَقْتٌ وَلَا عَدَدٌ. رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَكِنْ لَا يُسَلِّمُ حَتَّى يُسَلِّمَ إمَامُهُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَحْمَدَ إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ زِيَادَةً عَلَى أَرْبَعٍ، أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ قَبْلَ إمَامِهِ، عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ، بَلْ يَتْبَعُهُ وَيَقِفُ فَيُسَلِّمُ مَعَهُ. قَالَ الْخَلَّالُ الْعَمَلُ فِي نَصِّ قَوْلِهِ، وَمَا ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ مَا كَبَّرَ الْإِمَامُ إلَى سَبْعٍ وَإِنْ زَادَ عَلَى سَبْعٍ فَلَا، وَلَا يُسَلِّمُ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ قَبْلَ إمَامِهِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَنْصَرِفُ، كَمَا لَوْ قَامَ الْإِمَامُ إلَى خَامِسَةٍ، فَارَقَهُ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ تَسْلِيمَهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مَا أَعْجَبَ حَالَ الْكُوفِيِّينَ، سُفْيَانُ يَنْصَرِفُ إذَا كَبَّرَ الرَّابِعَةَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ خَمْسًا، وَفَعَلَهُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَحُذَيْفَةُ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَبِّرْ مَا كَبَّرَ إمَامُكَ. وَلِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةُ قَوْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، فَلَا يُسَلِّمُ قَبْلَ إمَامِهِ إذَا اشْتَغَلَ بِهِ، كَمَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقْنُتُ
فصل كبر على جنازة ثم جيء بأخرى
فِي صَلَاةٍ يُخَالِفُهُ الْإِمَامُ فِي الْقُنُوتِ فِيهَا. وَيُخَالِفُ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ الرَّكْعَةَ الْخَامِسَةَ لَا خِلَافَ فِيهَا. وَالثَّانِي، أَنَّهَا فِعْلٌ، وَالتَّكْبِيرَةُ الزَّائِدَةُ بِخِلَافِهَا، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ قُلْنَا يُتَابِعُ الْإِمَامَ فِيهَا فَلَهُ فِعْلُهَا، وَمَا لَا فَلَا. (1609) فَصْلٌ: وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعٍ لِأَنَّ فِيهِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ التَّكْبِيرَ أَرْبَعًا؛ مِنْهُمْ عُمَرُ وَابْنُهُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَجَابِرٌ، وَابْنُ أَبِي أَوْفَى، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَطَاءٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلَى النَّجَاشِيِّ أَرْبَعًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَكَبَّرَ عَلَى قَبْرٍ بَعْدَمَا دُفِنَ أَرْبَعًا. وَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أَرْبَعٍ. وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الْفَرَائِضِ لَا تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعٍ، وَلَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ مِنْهَا. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ ثَلَاثًا، وَلَمْ يُعْجِبْ ذَلِكَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ: قَدْ كَبَّرَ أَنَسٌ ثَلَاثًا نَاسِيًا فَأَعَادَ. وَلِأَنَّهُ خِلَافُ مَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ الرُّبَاعِيَّةَ إذَا نَقَصَ مِنْهَا رَكْعَةً بَطَلَتْ، كَذَلِكَ هَاهُنَا فَإِنْ نَقَصَ مِنْهَا تَكْبِيرَةً عَامِدًا بَطَلَتْ، كَمَا لَوْ تَرَكَ رَكْعَةً عَمْدًا، وَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا احْتَمَلَ أَنْ يُعِيدَهَا، كَمَا فَعَلَ أَنَسٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُكَبِّرَهَا، مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، كَمَا لَوْ نَسِيَ رَكْعَةً، وَلَا يُشْرَعُ لَهَا سُجُودُ سَهْوٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. [فَصْلٌ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ جِيءَ بِأُخْرَى] (1610) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُكَبِّرُ عَلَى الْجِنَازَةِ فَيَجِيئُونَ بِأُخْرَى، يُكَبِّرُ إلَى سَبْعٍ ثُمَّ يَقْطَعُ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تُرْفَعَ الْأَرْبَعُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ جِيءَ بِأُخْرَى، كَبَّرَ الثَّانِيَةَ عَلَيْهِمَا، وَيَنْوِيهِمَا فَإِنْ جِيءَ بِثَالِثَةٍ كَبَّرَ الثَّالِثَةَ عَلَيْهِنَّ، وَنَوَاهُنَّ، فَإِنْ جِيءَ بِرَابِعَةٍ كَبَّرَ الرَّابِعَةَ عَلَيْهِنَّ، وَنَوَاهُنَّ، ثُمَّ يُكْمِلُ التَّكْبِيرَ عَلَيْهِنَّ إلَى سَبْعٍ، لِيَحْصُلَ لِلرَّابِعَةِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ، إذْ لَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ مِنْهُنَّ، وَيَحْصُلُ لِلْأُولَى سَبْعٌ، وَهُوَ أَكْثَرُ مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ التَّكْبِيرُ، فَإِنْ جِيءَ بِخَامِسَةٍ لَمْ يَنْوِهَا بِالتَّكْبِيرِ، وَإِنْ نَوَاهَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى سَبْعٍ أَوْ يَنْقُصَ فِي تَكْبِيرِهَا عَنْ أَرْبَعٍ، وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ، وَهَكَذَا لَوْ جِيءَ بِثَانِيَةٍ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَبِّرَ عَلَيْهَا الْخَامِسَةَ؛ لِمَا بَيَّنَّا. فَإِنْ أَرَادَ أَهْلُ الْجِنَازَةِ الْأُولَى رَفْعَهَا قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ رُكْنٌ لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَقْرَأُ فِي التَّكْبِيرَةِ الْخَامِسَةِ الْفَاتِحَةَ، وَفِي السَّادِسَةِ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو فِي السَّابِعَةِ لِيَكْمُلَ لِجَمِيعِ الْجَنَائِزِ الْقِرَاءَةُ وَالْأَذْكَارُ كَمَا كَمُلَ لَهُنَّ التَّكْبِيرَاتُ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا ثَانِيًا، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُكَبِّرَ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ مُتَتَابِعًا، كَمَا قُلْنَا فِي الْقَضَاءِ لِلْمَسْبُوقِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ
مسألة موقف الإمام في صلاة الجنازة
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ سَبْعًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ أَنَّهُ قَرَأَ قِرَاءَتَيْنِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ وَمَا بَعْدَهَا جَنَائِزُ، فَيُعْتَبَرُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِنَّ شُرُوطُ الصَّلَاةِ وَوَاجِبَاتُهَا، كَالْأُولَى. [مَسْأَلَةٌ مَوْقِفُ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ] (1611) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْإِمَامُ يَقُومُ عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ وَوَسَطِ الْمَرْأَةِ) ، لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ حِذَاءَ وَسَطِ الْمَرْأَةِ، وَعِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ أَوْ عِنْدَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِنْ وَقَفَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْقِفِ خَالَفَ سُنَّةَ الْمَوْقِفِ، وَأَجْزَأَهُ. وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ قَالَ: يَقُومُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى رَجُلٍ، فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ فَقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ، فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ عَلَى الْجِنَازَةِ مَقَامَكَ مِنْهَا، وَمِنْ الرَّجُلِ مَقَامَكَ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: احْفَظُوا» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقُومُ عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ، فَإِذَا وَقَفَ عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ فَكَذَا الْمَرْأَةُ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَقِفُ مِنْ الرَّجُلِ عِنْدَ وَسَطِهِ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى مِثْلُ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَيَقِفُ مِنْ الْمَرْأَةِ عِنْدَ مَنْكِبَيْهَا؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ أَعَالِيهَا أَمْثَلُ وَأَسْلَمُ. وَلَنَا، مَا رَوَى سَمُرَةُ، قَالَ: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ وَسَطَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَالْمَرْأَةُ تُخَالِفُ الرَّجُلَ فِي الْمَوْقِفِ، فَجَازَ أَنْ تُخَالِفَهُ هَاهُنَا. وَلِأَنَّ قِيَامَهُ عِنْدَ وَسَطِ الْمَرْأَةِ أَسْتَرُ لَهَا مِنْ النَّاسِ، فَكَانَ أَوْلَى. فَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: يَقِفُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ فَغَيْرُ مُخَالِفٍ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ، فَالْوَاقِفُ عِنْدَ أَحَدِهِمَا وَاقِفٌ عِنْدَ الْآخَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ اجْتَمَعَ جَنَائِزُ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ] (1612) فَصْلٌ: فَإِنْ اجْتَمَعَ جَنَائِزُ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يُسَوِّي بَيْنَ رُءُوسِهِمْ. وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَقَوْلُ إبْرَاهِيمَ وَأَهْلِ مَكَّةَ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُسَوِّي بَيْنَ رُءُوسِهِمْ. وَرَوَى سَعِيدٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ وَابْنَهَا زَيْدَ بْنَ عُمَرَ تُوُفِّيَا جَمِيعًا، فَأُخْرِجَتْ جِنَازَتَاهُمَا، فَصَلَّى عَلَيْهِمَا أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، فَسَوَّى بَيْنَ رُءُوسِهِمَا وَأَرْجُلِهِمَا حِينَ صَلَّى عَلَيْهِمَا وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: قَدِمَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَهُمْ يُسَوُّونَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إذَا صُلِّيَ عَلَيْهِمَا، فَأَرَادَهُمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا رَأْسَ الْمَرْأَةِ عِنْدَ وَسَطِ الرَّجُلِ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ.
مسألة لا يصلى على القبر بعد شهر
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنْ يَصُفَّ الرِّجَالَ صَفًّا وَالنِّسَاءَ صَفًّا، وَيَجْعَلَ وَسَطَ النِّسَاءِ عِنْدَ صُدُورِ الرِّجَالِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ؛ لِيَكُونَ مَوْقِفُ الْإِمَامِ عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ وَوَسَطِ الْمَرْأَةِ. وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الدِّمَشْقِيُّ. قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: رَأَيْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ يُصَلِّي عَلَى جَنَائِزِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذَا اجْتَمَعَتْ، فَيَصُفُّ الرِّجَالَ صَفًّا، ثُمَّ يَصُفُّ النِّسَاءَ خَلْفَ الرِّجَالِ، رَأْسُ أَوَّلِ امْرَأَةٍ يَضَعُهَا عِنْدَ رُكْبَةِ آخِرِ الرِّجَالِ، ثُمَّ يَصُفُّهُنَّ، ثُمَّ يَقُومُ وَسَطَ الرِّجَالِ، وَإِذَا كَانُوا رِجَالًا كُلُّهُمْ صَفَّهُمْ، ثُمَّ قَامَ وَسَطَهُمْ. وَهَذَا يُشْبِهُ مَذْهَبَ مَالِكٍ، وَقَوْلَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ خَالَفَ فِعْلَهُ أَوْ قَوْلَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ شَهْرٍ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ شَهْرٍ) . وَبِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلَّى عَلَيْهِ أَبَدًا وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ. حَدِيثٌ صَحِيحٌ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُصَلَّى عَلَيْهِ مَا لَمْ يَبْلَ جَسَدُهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُصَلِّي عَلَيْهِ الْوَلِيُّ إلَى ثَلَاثٍ، وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِحَالٍ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: يُصَلِّي عَلَيْهِ الْغَائِبُ إلَى شَهْرٍ، وَالْحَاضِرُ إلَى ثَلَاثٍ. وَلَنَا، مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ «، أَنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَائِبٌ، فَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى عَلَيْهَا، وَقَدْ مَضَى لِذَلِكَ شَهْرٌ.» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ مَا سَمِعْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَبْرِ أُمِّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ بَعْدَ شَهْرٍ. وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ الْمَيِّتِ فِيهَا، فَجَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِيهَا، كَمَا قَبْلَ الثَّلَاثِ، وَكَالْغَائِبِ، وَتَجْوِيزُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا بَاطِلٌ بِقَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ الْآنَ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ التَّحْدِيدُ بِبِلَى الْمَيِّتِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَبْلَى، وَلَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْخَبَرُ دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَ شَهْرٍ، فَكَيْفَ مَنَعْتُمُوهُ؟ قُلْنَا: تَحْدِيدُهُ بِالشَّهْرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ عِنْدَ رَأْسِهِ، لِيَكُونَ مُقَارِبًا لِلْحَدِّ، وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ بَعْدَ الشَّهْرِ قَرِيبًا مِنْهُ؛ لِدَلَالَةِ الْخَبَرِ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُرُودِهِ. [مَسْأَلَةٌ تَشَاحَّ الْوَرَثَةُ فِي الْكَفَنِ] (1614) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا تَشَاحَّ الْوَرَثَةُ فِي الْكَفَنِ، جُعِلَ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَبِخَمْسِينَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَحْسِينُ كَفَنِ الْمَيِّتِ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى مُسْلِمٌ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ، فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، فَقَالَ: «إذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ» . وَيُسْتَحَبُّ تَكْفِينُهُ فِي الْبَيَاضِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ؛ فَإِنَّهُ أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَكُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ سَحُولِيَّةٍ.
فصل وجوب كفن الميت
وَإِنْ تَشَاحَّ الْوَرَثَةُ فِي الْكَفَنِ، جُعِلَ كَفَنُهُ بِحَسَبِ حَالِهِ، إنْ كَانَ مُوسِرًا كَانَ كَفَنُهُ رَفِيعًا حَسَنًا، وَيُجْعَلُ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَلْبَسُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَعَلَى حَسَبِ حَالِهِ. وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " جُعِلَ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَبِخَمْسِينَ " لَيْسَ هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّحْدِيدِ، إذْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ، وَلَا فِيهِ إجْمَاعٌ، وَالتَّحْدِيدُ إنَّمَا يَكُونُ بِأَحَدِهِمَا، وَإِنَّمَا هُوَ تَقْرِيبٌ، فَلَعَلَّهُ كَانَ يَحْصُلُ الْجَيِّدُ وَالْمُتَوَسِّطُ فِي وَقْتِهِ بِالْقَدْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ أَوْصَى أَنْ يُكَفَّنَ بِنَحْوٍ مِنْ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا. وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفَّنَ فِي جَدِيدٍ، إلَّا أَنْ يُوصِيَ الْمَيِّتُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَتُمْتَثَلُ وَصِيَّتُهُ. كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: كَفِّنُونِي فِي ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ، فَإِنَّ الْحَيَّ أَحْوَجُ إلَى الْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ، وَإِنَّمَا هُمَا لِلْمَهْنَةِ وَالتُّرَابِ. وَذَهَبَ ابْنُ عَقِيلٍ إلَى أَنَّ التَّكْفِينَ فِي الْخَلِيعِ أَوْلَى لِهَذَا الْخَبَرِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِدَلَالَةِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلِ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ وُجُوبُ كَفَنِ الْمَيِّتِ] (1615) فَصْلٌ: وَيَجِبُ كَفَنُ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ، وَلِأَنَّ سُتْرَتَهُ وَاجِبَةٌ فِي الْحَيَاةِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّ حَمْزَةَ، وَمُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا لَمْ يُوجَدْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا ثَوْبٌ، فَكُفِّنَ فِيهِ، وَلِأَنَّ لِبَاسَ الْمُفْلِسِ مُقَدَّمٌ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ، فَكَذَلِكَ كَفَنُ الْمَيِّتِ. وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَكَذَلِكَ مَئُونَةُ دَفْنِهِ وَتَجْهِيزِهِ، وَمَا لَا بُدَّ لِلْمَيِّتِ مِنْهُ، فَأَمَّا الْحَنُوطُ وَالطِّيبُ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ وَلِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْحَيَاةِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِتَحْسِينِ الْكَفَنِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. [فَصْلٌ كَفَنُ الْمَرْأَةِ وَمَئُونَةُ دَفْنِهَا مِنْ مَالِهَا] (1616) فَصْلٌ: وَكَفَنُ الْمَرْأَةِ وَمَئُونَةُ دَفْنِهَا مِنْ مَالِهَا إنْ كَانَ لَهَا مَالٌ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ. وَاخْتَلَفُوا عَنْ مَالِكٍ فِيهِ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ كُسْوَتَهَا وَنَفَقَتَهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ كَفَنُهَا، كَسَيِّدِ الْعَبْدِ وَالْوَالِدِ. وَلَنَا، أَنَّ النَّفَقَةَ وَالْكُسْوَةَ تَجِبُ فِي النِّكَاحِ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ وَالْبَيْنُونَةِ، وَقَدْ انْقَطَعَ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْقَطَعَ بِالْفُرْقَةِ فِي الْحَيَاةِ، وَلِأَنَّهَا بَانَتْ مِنْهُ بِالْمَوْتِ فَأَشْبَهَتْ الْأَجْنَبِيَّةَ، وَفَارَقَتْ الْمَمْلُوكَ، فَإِنَّ نَفَقَتَهُ تَجِبُ بِحَقِّ الْمِلْكِ لَا بِالِانْتِفَاعِ وَلِهَذَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْآبِقِ وَفِطْرَتُهُ، وَالْوَلَدُ تَجِبُ نَفَقَتُهُ بِالْقَرَابَةِ، وَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ السَّيِّدَ وَالْوَالِدَ أَحَقُّ بِدَفْنِهِ وَتَوَلِّيهِ.
مسألة السقط إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلي عليه
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ، فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا مِنْ الْأَقَارِبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي بَيْتِ الْمَالِ، كَمَنْ لَا زَوْجَ لَهَا. [مَسْأَلَةٌ السِّقْطُ إذَا وُلِدَ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ] (1617) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالسِّقْطُ إذَا وُلِدَ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. السِّقْطُ: الْوَلَدُ تَضَعُهُ الْمَرْأَةُ مَيِّتًا، أَوْ لِغَيْرِ تَمَامٍ، فَأَمَّا إنْ خَرَجَ حَيًّا وَاسْتَهَلَّ، فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الطِّفْلَ إذَا عُرِفَتْ حَيَاتُهُ وَاسْتَهَلَّ صُلِّيَ عَلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ، فَقَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَتَى لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَإِسْحَاقَ، وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنٍ لِابْنَتِهِ وُلِدَ مَيِّتًا. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَهِلَّ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الطِّفْلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يَرِثُ، وَلَا يُورَثُ، حَتَّى يَسْتَهِلَّ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْحَيَاةِ وَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ، فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، كَمَنْ دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَلَنَا، مَا رَوَى الْمُغِيرَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَفِي لَفْظِ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: (وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ، وَبِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: مَا أَحَدٌ أَحَقَّ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ مِنْ الطِّفْلِ، وَلِأَنَّهُ نَسَمَةٌ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهِلِّ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ فِي حَدِيثِهِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، أَنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَحَدِيثُهُمْ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَدْ اضْطَرَبَ النَّاسُ فِيهِ، فَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ مَوْقُوفًا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: كَأَنَّ هَذَا أَصَحُّ مِنْ الْمَرْفُوعِ. وَأَمَّا الْإِرْثُ فَلِأَنَّهُ لَا تُعْلَمُ حَيَاتُهُ حَالَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ، وَذَلِكَ مِنْ شَرْطِ الْإِرْثِ. وَالصَّلَاةُ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تُصَادِفَ مَنْ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ، وَقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ دُعَاءٌ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ، وَخَيْرٌ، فَلَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى الِاحْتِيَاطِ وَالْيَقِينِ؛ لِوُجُودِ الْحَيَاةِ، بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ. فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَأْتِ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ، وَيُدْفَنُ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، فَإِنَّهُ قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ وَحَدِيثُ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ إلَّا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَقَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ نَسَمَةً، فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، كَالْجَمَادَاتِ وَالدَّمِ. [مَسْأَلَةٌ إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ السِّقْطُ أَذَكَرٌ هُوَ أَمْ أُنْثَى سُمِّيَ اسْمًا يَصْلُحُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى] (1618) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ، أَذَكَرٌ هُوَ أَمْ أُنْثَى، سُمِّيَ اسْمًا يَصْلُحُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى) هَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «سَمُّوا أَسْقَاطَكُمْ، فَإِنَّهُمْ
مسألة المرأة تغسل زوجها
أَسْلَافُكُمْ» رَوَاهُ ابْنُ السَّمَّاكِ بِإِسْنَادِهِ قِيلَ: إنَّهُمْ إنَّمَا يُسَمَّوْنَ لِيُدْعَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِهِمْ. فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ هَلْ السِّقْطُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، سُمِّيَ اسْمًا يَصْلُحُ لَهُمَا جَمِيعًا؛ كَسَلَمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَسَعَادَةَ، وَهِنْدٍ، وَعُتْبَةَ، وَهِبَةِ اللَّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ الْمَرْأَةُ تُغَسِّلُ زَوْجَهَا] (1619) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَتُغَسِّلُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُغَسِّلُ زَوْجَهَا إذَا مَاتَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ اسْتَقْبَلْنَا مِنْ أَمْرِنَا مَا اسْتَدْبَرْنَا مَا غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا نِسَاؤُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ تُغَسِّلَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَكَانَتْ صَائِمَةً، فَعُزِمَ عَلَيْهَا أَنْ تُفْطِرَ، فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْ غُسْلِهِ ذَكَرَتْ يَمِينَهُ، فَقَالَتْ: لَا أُتْبِعُهُ الْيَوْمَ حِنْثًا. فَدَعَتْ بِمَاءٍ فَشَرِبَتْ. وَغَسَّلَ أَبَا مُوسَى امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَوْصَى جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ أَنْ تُغَسِّلَهُ امْرَأَتُهُ. قَالَ أَحْمَدُ لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ النَّاسِ. [مَسْأَلَةٌ دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ] (1620) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ، فَلَا بَأْسَ. الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ لِلزَّوْجِ غُسْلَ امْرَأَتِهِ. وَهُوَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقَتَادَةَ، وَحَمَّادٍ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، لَيْسَ لِلزَّوْجِ غَسْلُهَا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ فُرْقَةٌ تُبِيحُ أُخْتَهَا، وَأَرْبَعًا سِوَاهَا، فَحَرَّمَتْ النَّظَرَ وَاللَّمْسَ، كَالطَّلَاقِ. وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - غَسَّلَ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ، فَكَانَ إجْمَاعًا وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «لَوْ مِتَّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَالْأَصْلُ فِي إضَافَةِ الْفِعْلِ إلَى الشَّخْصِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُبَاشَرَةِ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْأَمْرِ يُبْطِلُ فَائِدَةَ التَّخْصِيصِ. وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، فَأُبِيحَ لَهُ غَسْلُ صَاحِبِهِ كَالْآخَرِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ إطْلَاعُ الْآخَرِ عَلَى عَوْرَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ، لِمَا كَانَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَيَاةِ، وَيَأْتِي بِالْغُسْلِ عَلَى أَكْمَلِ مَا يُمْكِنُهُ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ. وَمَا قَاسُوا عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الزَّوْجَةَ مِنْ النَّظَرِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إلَّا بَقَاءُ الْعِدَّةِ، وَلَا أَثَرَ لَهَا، بِدَلِيلِ، مَا لَوْ مَاتَ الْمُطَلِّقُ ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا غَسْلُهُ مَعَ الْعِدَّةِ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا عَقِبَ مَوْتِهِ كَانَ لَهَا غَسْلُهُ، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا. وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ وَإِنْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فَلَا بَأْسَ " يَعْنِي بِهِ، أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ غَسْلُهَا مَعَ وُجُودِ مَنْ يُغَسِّلُهَا سِوَاهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالشُّبْهَةِ، وَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ؛ فَإِنَّ غَسْلَهَا لَوْ كَانَ مُحَرَّمًا لَمْ تُبِحْهُ الضَّرُورَةُ، كَغَسْلِ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ وَالْأَجْنَبِيَّاتِ.
فصل طلق امرأته ثم مات أحدهما في العدة وكان الطلاق رجعيا لم يبح لأحدهما غسل صاحبه
[فَصْلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا فِي الْعِدَّةِ وَكَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا لَمْ يُبَحْ لِأَحَدِهِمَا غَسْلُ صَاحِبِهِ] (1621) فَصْلٌ: فَإِنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا فِي الْعِدَّةِ، وَكَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ، وَتَرِثُهُ وَيَرِثُهَا، وَيُبَاحُ لَهُ وَطْؤُهَا. وَإِنْ كَانَ بَائِنًا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ اللَّمْسَ وَالنَّظَرَ مُحَرَّمٌ حَالَ الْحَيَاةِ، فَبَعْدَ الْمَوْتِ أَوْلَى. وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُحَرَّمَةٌ لَمْ يُبَحْ لِأَحَدِهِمَا غَسْلُ صَاحِبِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. [فَصْلٌ حُكْمُ أُمِّ الْوَلَدِ فِي الْجَنَائِزِ كَحُكْمِ الْمَرْأَةِ] (1622) فَصْلٌ: وَحُكْمُ أُمِّ الْوَلَدِ حُكْمُ الْمَرْأَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهَا غَسْلُ سَيِّدِهَا؛ لِأَنَّ عِتْقَهَا حَصَلَ بِالْمَوْتِ، وَلَمْ يُبْقِ عُلْقَةً مِنْ مِيرَاثٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَلَنَا، أَنَّهَا فِي مَعْنَى الزَّوْجَةِ فِي اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ وَالِاسْتِمْتَاعِ، فَكَذَلِكَ فِي الْغُسْلِ، وَالْمِيرَاثُ لَيْسَ مِنْ الْمُقْتَضَى، بِدَلِيلِ الزَّوْجَيْنِ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا، وَالِاسْتِبْرَاءُ هَاهُنَا كَالْعِدَّةِ. وَلِأَنَّهَا إذَا مَاتَتْ يَلْزَمُهُ كَفَنُهَا وَدَفْنُهَا وَمُؤْنَتُهَا، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ. فَأَمَّا غَيْرُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ الْإِمَاءِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهَا غَسْلُ سَيِّدِهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ فِيهَا إلَى غَيْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ مَا تَصِيرُ بِهِ فِي مَعْنَى الزَّوْجَاتِ. وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِامْرَأَتِهِ احْتَمَلَ أَنْ لَا يُبَاحَ لَهَا غَسْلُهُ لِذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ ذِمِّيَّةً فَلَيْسَ لَهَا غَسْلُ زَوْجِهَا] (1623) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ ذِمِّيَّةً، فَلَيْسَ لَهَا غَسْلُ زَوْجِهَا، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمَ، لِأَنَّ النِّيَّةَ وَاجِبَةٌ فِي الْغُسْلِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَيْسَ لِزَوْجِهَا غَسْلُهَا؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُغَسِّلُ الْكَافِرَ، وَلَا يَتَوَلَّى دَفْنَهُ، وَلِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا، وَلَا مُوَالَاةَ، وَقَدْ انْقَطَعَتْ الزَّوْجِيَّةُ بِالْمَوْتِ وَيَتَخَرَّجُ جَوَازُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ غَسْلِ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ. [فَصْلٌ هَلْ يُغَسِّلُ الرَّجُلُ أُخْتَهُ إذَا لَمْ يَجِدْ نِسَاءً] (1624) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِغَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الرِّجَالِ غَسْلُ أَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ، وَلَا أَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ غَسْلُ غَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الرِّجَالِ وَإِنْ كُنَّ ذَوَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ غَسَّلَ ابْنَتَهُ. وَاسْتَعْظَمَ أَحْمَدُ هَذَا، وَلَمْ يُعْجِبْهُ وَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ قِيلَ: اسْتَأْذِنْ عَلَى أُمِّكَ. وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ حَالَ الْحَيَاةِ، فَلَمْ يَجُزْ غَسْلُهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَأُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ. فَإِنْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ بِأَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يُغَسِّلُ الْمَرْأَةَ مِنْ النِّسَاءِ، فَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يُغَسِّلُ أُخْتَهُ إذَا لَمْ يَجِدْ نِسَاءً قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَكَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: يُغَسِّلُهَا وَعَلَيْهَا ثِيَابُهَا، يَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ صَبًّا. قُلْتُ لِأَحْمَدَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ ذَاتِ مَحْرَمٍ تُغَسَّلُ وَعَلَيْهَا ثِيَابُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُحَمَّدٌ وَمَالِكٌ: لَا بَأْسَ
فصل المرأة تغسل الصبي الصغير
بِغَسْلِ ذَاتِ مَحْرَمٍ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَأَمَّا إنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسْوَةٍ أَجَانِبَ، أَوْ امْرَأَةٌ بَيْنَ رِجَالٍ أَجَانِبَ، أَوْ مَاتَ خُنْثَى مُشْكِلٌ، فَإِنَّهُ يُيَمَّمُ. وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَحَمَّادٍ، وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً ثَانِيَةً، أَنَّهُ يُغَسَّلُ مِنْ فَوْقِ الْقَمِيصِ، يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِ الْقَمِيصِ صَبًّا، وَلَا يُمَسُّ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَإِسْحَاقَ. وَلَنَا، مَا رَوَى تَمَّامٌ الرَّازِيّ فِي " فَوَائِدِهِ " بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ وَاثِلَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ الرِّجَالِ، لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ مَحْرَمٌ، تُيَمَّمُ كَمَا يُيَمَّمُ الرِّجَالُ» . وَلِأَنَّ الْغُسْلَ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ لَا يَحْصُلُ بِهِ التَّنْظِيفُ، وَلَا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ، بَلْ رُبَّمَا كَثُرَتْ وَلَا يَسْلَمُ مِنْ النَّظَرِ، فَكَانَ الْعُدُولُ إلَى التَّيَمُّمِ أَوْلَى، كَمَا لَوْ عُدِمَ الْمَاءُ. [فَصْلٌ الْمَرْأَةَ تُغَسِّلُ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ] (1625) فَصْلٌ: وَلِلنِّسَاءِ غَسْلُ الطِّفْلِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُغَسِّلُ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ. قَالَ أَحْمَدُ: لَهُنَّ غَسْلُ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إذَا كَانَ فَطِيمًا، أَوْ فَوْقَهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: ابْنُ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ. - وَلَنَا، أَنَّ مَنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ لَمْ نُؤْمَرْ بِأَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ، وَلَا عَوْرَةَ لَهُ، فَأَشْبَهَ مَا سَلَّمُوهُ، فَأَمَّا مَنْ بَلَغَ السَّبْعَ وَلَمْ يَبْلُغْ عَشْرًا، فَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ بَلَغَ عَشْرًا لَيْسَ لِلنِّسَاءِ غَسْلُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» . وَأَمَرَ بِضَرْبِهِمْ لِلصَّلَاةِ لِعَشْرٍ. وَمَنْ دُونَ الْعَشْرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَلْحَقَ بِمَنْ دُونَ السَّبْعِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْحَقَ بِهِ، لِأَنَّهُ يُفَارِقُهُ فِي أَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ، وَقُرْبِهِ مِنْ الْمُرَاهَقَةِ. فَأَمَّا الْجَارِيَةُ الصَّغِيرَةُ، فَلَمْ يَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يُغَسِّلَهَا الرَّجُلُ، وَقَالَ: النِّسَاءُ أَعْجَبُ إلَيَّ. وَذُكِرَ لَهُ أَنَّ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ: تُغَسِّلُ الْمَرْأَةُ الصَّبِيَّ، وَالرَّجُلُ الصَّبِيَّةَ. قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تُغَسِّلَ الْمَرْأَةُ الصَّبِيَّ، وَأَمَّا الرَّجُلُ يُغَسِّلُ الصَّبِيَّةَ فَلَا أَجْتَرِئُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ، فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ غَسَّلَ بِنْتًا لَهُ صَغِيرَةً. وَالْحَسَنُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ، إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً. وَكَرِهَ غَسْلَ الرَّجُلِ الصَّغِيرَةَ سَعِيدٌ وَالزُّهْرِيُّ. قَالَ الْخَلَّالُ: الْقِيَاسُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ، لَوْلَا أَنَّ التَّابِعِينَ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا، فَكَرِهَهُ أَحْمَدُ لِذَلِكَ. وَسَوَّى أَبُو الْخَطَّابِ بَيْنَهُمَا، فَجَعَلَ فِيهِمَا رِوَايَتَيْنِ، جَرْيًا عَلَى مُوجِبِ الْقِيَاسِ. وَالصَّحِيحُ مَا عَلَيْهِ السَّلَفُ، مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُغَسِّلُ الْجَارِيَةَ، وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ عَوْرَةِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ عَوْرَةَ
فصل غسل الكافر للمسلم
الْجَارِيَةِ أَفْحَشُ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ مُعَانَاةُ الْمَرْأَةِ لِلْغُلَامِ الصَّغِيرِ، وَمُبَاشَرَةُ عَوْرَتِهِ فِي حَالِ تَرْبِيَتِهِ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِمُبَاشَرَةِ الرَّجُلِ عَوْرَةَ الْجَارِيَةِ فِي الْحَيَاةِ، فَكَذَلِكَ حَالَةَ الْمَوْتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَأَمَّا الصَّبِيُّ إذَا غَسَّلَ الْمَيِّتَ، فَإِنْ كَانَ عَاقِلًا صَحَّ غَسْلُهُ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ طَهَارَتُهُ، فَصَحَّ أَنْ يُطَهِّرَ غَيْرَهُ، كَالْكَبِيرِ فَصْلٌ: وَيَصِحُّ أَنْ يُغَسِّلَ الْمُحْرِمُ الْحَلَالَ، وَالْحَلَالُ الْمُحْرِمَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ وَغَسْلُهُ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُغَسِّلَ غَيْرَهُ. [فَصْل غُسْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ] (1627) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ غُسْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَلَيْسَ الْكَافِرُ مِنْ أَهْلِهَا. وَقَالَ مَكْحُولٌ فِي امْرَأَةٍ تُوُفِّيَتْ فِي سَفَرٍ، وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَنِسَاءٌ نَصَارَى: يُغَسِّلُهَا النِّسَاءُ. وَقَالَ سُفْيَانُ فِي رَجُلٍ مَاتَ مَعَ نِسَاءٍ، لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، قَالَ: إنْ وَجَدُوا نَصْرَانِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا، فَلَا بَأْسَ إذَا تَوَضَّأَ أَنْ يُغَسِّلَهُ، وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ. وَغَسَّلَتْ امْرَأَةَ عَلْقَمَةَ امْرَأَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ. وَلَمْ يُعْجِبْ هَذَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ: لَا يُغَسِّلُهُ إلَّا مُسْلِمٌ، وَيُيَمَّمُ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ نَجِسٌ، فَلَا يُطَهِّرُ غُسْلُهُ الْمُسْلِمَ. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ فَلَا يَصِحُّ غُسْلُهُ لِلْمُسْلِمِ، كَالْمَجْنُونِ. وَإِنْ مَاتَ كَافِرٌ مَعَ مُسْلِمِينَ، لَمْ يُغَسِّلُوهُ، سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا لَهُمْ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا يَتَوَلَّوْا دَفْنَهُ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدُوا مَنْ يُوَارِيهِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: يَجُوزُ لَهُ غُسْلُ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ، وَدَفْنُهُ. وَحَكَاهُ قَوْلًا لِأَحْمَدَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: «قُلْت لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ عَمَّك الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اذْهَبْ فَوَارِهِ» . وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَلَا يَدْعُو لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ غُسْلُهُ، وَتَوَلِّي أَمْرِهِ، كَالْأَجْنَبِيِّ، وَالْحَدِيثُ إنْ صَحَّ يَدُلُّ عَلَى مُوَارَاتِهِ لَهُ، وَذَلِكَ إذَا خَافَ مِنْ التَّعْيِيرِ بِهِ، وَالضَّرَرِ بِبَقَائِهِ. قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ مَاتَ، وَلَهُ وَلَدٌ مُسْلِمٌ: فَلْيَرْكَبْ دَابَّةً، وَلْيَسِرْ أَمَامَ الْجِنَازَةِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْفِنَ رَجَعَ، مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. [مَسْأَلَة الشَّهِيدُ إذَا مَاتَ فِي مَوْضِعِهِ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ] (1628) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالشَّهِيدُ إذَا مَاتَ فِي مَوْضِعِهِ، لَمْ يُغَسَّلْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) يَعْنِي إذَا مَاتَ فِي الْمُعْتَرَكِ، فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ
خِلَافًا، إلَّا عَنْ الْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَا: يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ، مَا مَاتَ مَيِّتٌ إلَّا جُنُبًا. وَالِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ فِي تَرْكِ غُسْلِهِمْ أَوْلَى. فَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ. اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ. إلَّا أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ مُسْتَحَبَّةٌ، غَيْرُ وَاجِبَةٍ. قَالَ فِي مَوْضِعٍ: إنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ، قَالَ: يُصَلَّى، وَأَهْلُ الْحِجَازِ لَا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَمَا تَضُرُّهُ الصَّلَاةُ، لَا بَأْسَ بِهِ. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَجْوَدُ، وَإِنْ لَمْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ أَجْزَأَ. فَكَأَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ، لَا فِي وُجُوبِهَا، إحْدَاهُمَا يُسْتَحَبُّ؛ لِمَا رَوَى عُقْبَةُ، أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ يَوْمًا، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمِنْبَرِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ» . وَلَنَا، مَا رَوَى جَابِرٌ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِدَفْنِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ مَعَ إمْكَانِ غُسْلِهِ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ مَنْ لَمْ يُغَسَّلْ، وَحَدِيثُ عُقْبَةَ مَخْصُوصٌ بِشُهَدَاءِ أُحُدٍ، فَإِنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ فِي الْقُبُورِ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ، وَهُمْ لَا يُصَلُّونَ عَلَى الْقَبْرِ أَصْلًا، وَنَحْنُ لَا نُصَلِّي عَلَيْهِ بَعْدَ شَهْرٍ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْوِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ شُعْبَةُ رِوَايَةَ هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ: إنَّ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ يُكَلِّمُنِي فِي أَنْ لَا أَتَكَلَّمْ فِي الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، وَكَيْفَ لَا أَتَكَلَّمُ فِيهِ وَهُوَ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى الدُّعَاءِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَيَحْتَمِلُ أَنَّ تَرْكَ غُسْلِ الشَّهِيدِ لِمَا تَضَمَّنَهُ الْغُسْلُ مِنْ إزَالَةِ أَثَرِ الْعِبَادَةِ الْمُسْتَحْسَنَةِ شَرْعًا، فَإِنَّهُ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ، إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ: أَمَّا الْأَثَرَانِ، فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ هَذِهِ الْعِلَّةِ فِي الْحَدِيثِ، فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَعْلَبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى، لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ، وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ.» رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
فصل كان الشهيد جنبا
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ إلَّا مِنْ أَجْلِ الصَّلَاةِ، إلَّا أَنَّ الْمَيِّتَ لَا فِعْلَ لَهُ، فَأُمِرْنَا بِغُسْلِهِ لِنُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَمَنْ لَمْ تَجِبْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لَمْ يَجِبْ غُسْلُهُ، كَالْحَيِّ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الشُّهَدَاءَ فِي الْمَعْرَكَةِ يَكْثُرُونَ، فَيَشُقُّ غُسْلُهُمْ، وَرُبَّمَا يَكُونُ فِيهِمْ الْجِرَاحُ فَيَتَضَرَّرُونَ، فَعُفِيَ عَنْ غُسْلِهِمْ لِذَلِكَ. وَأَمَّا سُقُوطُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عِلَّتُهُ كَوْنَهُمْ أَحْيَاءً عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَالصَّلَاةُ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي حَقِّ الْمَوْتَى. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ لِغِنَاهُمْ عَنْ الشَّفَاعَةِ لَهُمْ، فَإِنَّ الشَّهِيدَ يُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى شَفِيعٍ، وَالصَّلَاةُ إنَّمَا شُرِعَتْ لِلشَّفَاعَةِ. [فَصْلٌ كَانَ الشَّهِيدُ جُنُبًا] (1629) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الشَّهِيدُ جُنُبًا غُسِّلَ، وَحُكْمُهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنْ الشُّهَدَاءِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُغَسَّلُ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ «أَنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِبِ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا شَأْنُ حَنْظَلَةَ؟ فَإِنِّي رَأَيْت الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُ. فَقَالُوا: إنَّهُ جَامَعَ، ثُمَّ سَمِعَ الْهَيْعَةَ فَخَرَجَ إلَى الْقِتَالِ.» رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، فِي " الْمَغَازِي ". وَلِأَنَّهُ غُسْلٌ وَاجِبٌ لِغَيْرِ الْمَوْتِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ. وَحَدِيثُهُمْ لَا عُمُومَ لَهُ، فَإِنَّهُ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ وَرَدَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ، وَحَدِيثُنَا خَاصٌّ فِي حَنْظَلَةَ، وَهُوَ مِنْ شُهَدَاءِ أُحُدٍ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَنْ وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ سَابِقٍ عَلَى الْمَوْتِ، كَالْمَرْأَةِ تَطْهُرُ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، ثُمَّ تُقْتَلُ، فَهِيَ كَالْجُنُبِ؛ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. وَلَوْ قُتِلَتْ فِي حَيْضِهَا أَوْ نِفَاسِهَا، لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضِ شَرْطٌ فِي الْغُسْلِ، أَوْ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِدُونِهِ. فَأَمَّا إنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ اُسْتُشْهِدَ، فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ أُصَيْرِمَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ أَسْلَمَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ قُتِلَ، فَلَمْ يُؤْمَرْ بِغُسْلِهِ. [فَصْل الْبَالِغُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ فِي غَسَلَ الشَّهِيد] (1630) فَصْلٌ: وَالْبَالِغُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الشَّهَادَةِ لِغَيْرِ الْبَالِغِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ.
مسألة الشهيد يدفن في ثيابه وإن كان عليه شيء من الجلود والسلاح نحي عنه
وَلَنَا، أَنَّهُ مُسْلِمٌ قُتِلَ فِي مُعْتَرَكِ الْمُشْرِكِينَ بِقِتَالِهِمْ، أَشْبَهَ الْبَالِغَ، وَلِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْبَالِغَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالْغُسْلِ إذَا لَمْ يَقْتُلْهُ الْمُشْرِكُونَ، فَيُشْبِهُهُ فِي سُقُوطِ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّهَادَةِ، وَقَدْ كَانَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَعُمَيْرُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَخُو سَعْدٍ، وَهُمَا صَغِيرَانِ، وَالْحَدِيثُ عَامٌّ فِي الْكُلِّ. وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالنِّسَاءِ. [مَسْأَلَةٌ الشَّهِيد يَدْفِنَ فِي ثِيَابِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْجُلُودِ وَالسِّلَاحِ نُحِّيَ عَنْهُ] (1631) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَدُفِنَ فِي ثِيَابِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْجُلُودِ وَالسِّلَاحِ نُحِّيَ عَنْهُ) أَمَّا دَفْنُهُ بِثِيَابِهِ، فَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَهُوَ ثَابِتٌ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ادْفِنُوهُمْ بِثِيَابِهِمْ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا فِي ثِيَابِهِمْ، بِدِمَائِهِمْ.» وَلَيْسَ هَذَا بِحَتْمٍ، لَكِنَّهُ الْأَوْلَى. وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَنْزِعَ عَنْهُ ثِيَابَهُ، وَيُكَفِّنَهُ بِغَيْرِهَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُنْزَعُ عَنْهُ شَيْءٌ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ، «أَنَّ صَفِيَّةَ أَرْسَلَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَوْبَيْنِ؛ لِيُكَفِّنَ فِيهِمَا حَمْزَةَ، فَكَفَّنَهُ فِي أَحَدِهِمَا، وَكَفَّنَ فِي الْآخَرِ رَجُلًا آخَرَ.» رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ، وَقَالَ: هُوَ صَالِحُ الْإِسْنَادِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لِلْوَلِيِّ. وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ يُحْمَلُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُنْزَعُ عَنْهُ مِنْ لِبَاسِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عَامَّةِ لِبَاسِ النَّاسِ، مِنْ الْجُلُودِ وَالْفِرَاءِ وَالْحَدِيدِ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُتْرَكُ عَلَيْهِ فَرْوٌ، وَلَا خُفٌّ، وَلَا جِلْدٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُنْزَعُ عَنْهُ فَرْوٌ وَلَا خُفٌّ وَلَا مَحْشُوٌّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ادْفِنُوهُمْ بِثِيَابِهِمْ.» وَهَذَا عَامٌّ فِي الْكُلِّ، وَمَا رَوَيْنَاهُ أَخَصُّ، فَكَانَ أَوْلَى. [مَسْأَلَةٌ الشَّهِيد إنْ حُمِلَ وَبِهِ رَمَقٌ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ] (1632) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ حُمِلَ وَبِهِ رَمَقٌ غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) مَعْنَى قَوْلِهِ: " رَمَقٌ " أَيْ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ. فَهَذَا يُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ شَهِيدًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «غَسَّلَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَكَانَ شَهِيدًا، رَمَاهُ ابْنُ الْعَرِقَةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بِسَهْمٍ، فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ، فَحُمِلَ إلَى الْمَسْجِدِ، فَلَبِثَ فِيهِ أَيَّامًا، حَتَّى حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، ثُمَّ انْفَتَحَ جُرْحُهُ فَمَاتَ» . وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ مَتَى طَالَتْ حَيَاتُهُ بَعْدَ حَمْلِهِ غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ فِي الْمُعْتَرَكِ، أَوْ عَقِبَ حَمْلِهِ، لَمْ يُغَسَّلْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ. وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، قَالَ: إنْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، أَوْ بَقِيَ يَوْمَيْنِ
أَوْ ثَلَاثَةً، غُسِّلَ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ: إنْ تَكَلَّمَ، أَوْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، صُلِّيَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَجْرُوحِ إذَا بَقِيَ فِي الْمُعْتَرَكِ يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ، ثُمَّ مَاتَ، فَرَأَى أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ مَاتَ حَالَ الْحَرْبِ، لَمْ يُغَسَّلْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَالصَّحِيحُ: التَّحْدِيدُ بِطُولِ الْفَصْلِ، أَوْ الْأَكْلِ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ ذِي حَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ، وَطُولُ الْفَصْلِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِع. وَأَمَّا الْكَلَامُ وَالشُّرْبُ، وَحَالَةُ الْحَرْبِ، فَلَا يَصِحُّ التَّحْدِيدُ بِشَيْءٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: مَنْ يَنْظُرُ مَا فَعَلَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا أَنْظُرُ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَنَظَرَ فَوَجَدَهُ جَرِيحًا، بِهِ رَمَقٌ، فَقَالَ لَهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ فِي الْأَحْيَاءِ أَنْتَ أَمْ فِي الْأَمْوَاتِ؟ قَالَ: فَأَنَا فِي الْأَمْوَاتِ، فَأَبْلِغْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِّي السَّلَامَ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ: ثُمَّ لَمْ أَبْرَحْ أَنْ مَاتَ» . وَرُوِيَ أَنَّ أُصَيْرِمَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وُجِدَ صَرِيعًا يَوْمَ أُحُدٍ، فَقِيلَ لَهُ: مَا جَاءَ بِك؟ قَالَ: أَسْلَمْت، ثُمَّ جِئْت. وَهُمَا مِنْ شُهَدَاءِ أُحُدٍ، دَخَلَا فِي عُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ» . وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ تَكَلَّمَا، وَمَاتَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ. وَفِي قِصَّةِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ طَافَ فِي الْقَتْلَى، فَوَجَدَ أَبَا عَقِيلٍ الْأُنَيْفِيَّ قَالَ: فَسَقَيْته مَاءً، وَبِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جُرْحًا، كُلُّهَا قَدْ خَلَصَ إلَى مَقْتَلٍ، فَخَرَجَ الْمَاءُ مِنْ جِرَاحَاتِهِ كُلِّهَا، فَلَمْ يُغَسَّل. . وَفِي فُتُوحِ الشَّامِ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: أَخَذْت مَاءً لِعَلِيٍّ أَسْقِي ابْنَ عَمِّي إنْ وَجَدْت بِهِ حَيَاةً، فَوَجَدْت الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ فَأَرَدْت أَنْ أَسْقِيَهُ، فَإِذَا رَجُلٌ يَنْظُرُ إلَيْهِ، فَأَوْمَأَ لِي أَنْ أَسْقِيَهُ، فَذَهَبْت إلَيْهِ لِأَسْقِيَهُ، فَإِذَا آخَرُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، فَأَوْمَأَ لِي أَنْ أَسْقِيَهُ، فَلَمْ أَصِلْ إلَيْهِ حَتَّى مَاتُوا كُلُّهُمْ، وَلَمْ يُفْرَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِغُسْلٍ وَلَا صَلَاةٍ، وَقَدْ مَاتُوا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ. (1633) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الشَّهِيدُ عَادَ عَلَيْهِ سِلَاحُهُ فَقَتَلَهُ، فَهُوَ كَالْمَقْتُولِ بِأَيْدِي الْعَدُوِّ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِغَيْرِ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَصَابَهُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُعْتَرَكِ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ «رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَغَرْنَا عَلَى حَيٍّ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَطَلَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَضَرَبَهُ فَأَخْطَأَهُ، فَأَصَابَ نَفْسَهُ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَخُوكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ. فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ، فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ، فَلَفَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثِيَابِهِ وَدِمَائِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَشَهِيدٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ،
فصل حكم غسل من قتل من أهل العدل في المعركة
وَأَنَا لَهُ شَهِيدٌ.» وَعَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ بَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَذَهَبَ يُسْفِلُ لَهُ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْ