الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
من مقدمة التحقيق
[من مقدمة التحقيق] (*) [ترجمة المؤلف] حياته (1) اسمه ونسبه: هو أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش (2) بن محمد بن مختار القيسي القيرواني القرطبي (3). مولده وأسرته ونشأته: ولد سنة 355 هـ بالقيروان ونشأ بها مثل أترابه على تلقي القرآن الكريم في الكتّاب، واختلف إلى حلقات العلم في المساجد لتلقي علوم العربية والعلوم الدينية كالتفسير والحديث والفقه على علماء عصره، ولا نعرف الكثير عن أسرته وإن كانت ذات مكانة اجتماعية دفعت بولدها لتلقي العلم والرحلة من أجله، ولا نعرف شيئاً عن أبويه ولا عن إخوته، ولا عن أسرته الخاصة إلا ولده محمد الذي ولد سنة 414 هـ وقد بلغ أبوه 59 سنة، وسار الولد على نهج أبيه فتتلمذ عليه، وهذا يعني أن ظروف حياة مكي الأولى في أسرته كانت تعين على الدرس والتأليف والتعليم.
رحلاته ووفاته
رحلاته ووفاته: تلقى علومه الأولى عن شيوخ وعلماء القيروان، ورحل إلى مصر سنة 368 هـ وعمره 13 سنة ودرس علوم الحساب والآداب مدة ست سنوات، ثم رجع إلى القيروان سنة 374 هـ واستكمل علوم القرآن والقراءة، ثم عاد إلى مصر ثانية سنة 377 هـ، وحج إلى بيت الله الحرام وابتدأ بعلم القراءات سنة 378 هـ إلى سنة 379 هـ، ثم رجع إلى القيروان وحفظ القرآن ورحل إلى مصر ثالثة سنة 382، ثم عاد سنة 383 هـ وأقام مقرئاً ومدرسا وعمره 28 سنة، ثم رجع إلى مكة سنة 387 هـ مقيماَّ إلى سنة 395 هـ سمع خلالها من أكابر علماء مكة، وحج أربع مرات متوالية، ثم عاد إلى بلده القيروان سنة 392 هـ مروراً بمصر. وكانت رحلته إلى الأندلس سنة 399 هـ حيث جلس بمجلس النخيلة إلى أن نقله المظفر عبد الملك إلى جامع الزاهرة، ثم نقله محمد بن هشام إلى المسجد الجامع بقرطبة، أقام في قرطبة شطر حياته إلى أن وافته منيته سنة 437 هـ ودفن بالربض. وهكذا نخلص إلى أن مكياً قضى 11 سنة بالقيروان بعد أول سفرة إلى مصر، و 10 سنوات بمصر، و 4 سنوات في الحجاز، وبقية عمره وهي 44 سنة في قرطبة. صفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقهه أجمعت كتب التراجم على وصفه بالتواضع والزهد والصلاح وإجابة الدعوة، قال عنه صاحبه أبو عمرو أحمد المقرئ: "كان رحمه الله حسن الفهم والخلق جيد الدين والعقل (2) يقول عنه الذهبي: "كان مع ذلك ديّناَ فَاضلاً تقيا صواما متواضعاً عالماً
قواما مجاب الدعوة، وكانت تحفظ له كرامات وإجابة دعوات (1) ومن الأخلاق التي دعا إليها في حامل القرآن: "الابتعاد عن الرياء والإخلاص لله والتوكل عليه والاستعانة به والرغبة إليه و. . " (2). ويمكن معرفة عقيدته السلفية من تفسيره لآيات الصفات، فهو يجريها على ظواهرها مع اعتقاد حقيقتها دون تعطيل أو تمثيل أو تشبيه بين الله ومخلوقاته فمن ذلك تفسيره لقوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) (3) يقول: وأحسن الأقوال في هذه "علا" والذي يعتقده أهل السنة ويقولونه في هذا أن الله- جل ذكره- فوق سمواته على عرشه دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه، وله- تعالى ذكره- كرسي وسع السموات والأرض. ومثل ذلك في قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) (4)، يقول: "ويجب أن نعتقد أن صفات الله جل ذكره بخلاف صفات المخلوقين، فلا نعتقد إلا أن الإتيان والمجيء من الله تبارك وتعالى صفة وصف بها نفسه لا إتيان انتقال وتغير حال تعالى الله عن ذلك" (5) أما مذهبه الفقهي فقد كان مالكياً آخذاً ذلك عن شيخه أبي الحسن القابسي في القيروان وعدّه ابن فرحون من أعيان المذهب المالكي من الطبقة الثامنة (6)، وترجم له القاضي عياض باعتباره من أعلام المذهب المالكي (7)، وفي مؤلفاته كتب ورسائل في الفقه المالكي، لكنه لم يكن فيها ولا في تفسيره الهداية متعصباً لمذهبه.
مكانته العلمية
مكانته العلمية: تسنم الإمام مكي مكانة رفيعة بين علماء عصره، وكانت له الدرجة الرفيعة في التفسير والقراءات حتى عرف بصاحب التفسير: "وغلب عليه علم القرآن وكان من الراسخين فيه" (1)، ويصفه الحميدي بالإمامة في القراءات (2)، وذكره ابن جزي الكلبي في مقدمة تفسيره بالمقرئ (3) ويقول القاضي عياض: "كان مع رسوخه في علم القراءات وتفننه فيه نحويا لغوياً فقيها راوية ... ومقرئا أديبا" (4)، وعدّه مع القاضي عياض اليافعي والسيوطي من رجال اللغة والنحو، ووصفه ابن الأنباري بالشهرة في النحو (5)، وهو عند الحموي والسيوطي: نحوي لغوي مقرئ (6)، ويراه الذهبي شيخ الأندلس ومقرئها وخطيبها ممن رحل إلى مصر وروى القراءات ودخل بها إلى الأندلس (7). وفضلاً عن ذلك فله نشاط في الفقه إذ ألف الهداية في الفقه وله في الحج والفرائض (8)، وله نشاط في علم الكلام والرؤيا (9)، وله حظ في الأدب، ووصل شيء من شعره في الرد على الصوفية (10).
شيوخه
شيوخه: درس على عدد كبير من العلماء في موطنه القيروان، ثم في مصر ومكة وقرطبة. من شيوخه في القيروان (1): 1 - أبو الحسن علي بن محمد القابسي، ت 453 هـ، وعنه أخذ الفقه المالكي. 2 - أبو عبد الله محمد بن جعفر القزاز، ت 412 هـ. 3 - أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني الفقيه، ت 386 هـ. ومن شيوخه في مصر (2): 1 - أبو بكر محمد بن علي الأدفوي المصري المقرئ، ت 388 هـ. 2 - عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون الحلبي المقرئ، ت 389 هـ. 3 - عبد العزيز بن علي بن محمد أبو عدي المصري، ت 381 هـ. 4 - أبو الحسن طاهر بن عبد المنعم بن غلبون، ت 399 هـ. ومن شيوخه بمكة المكرمة (3): أ- أبو بكر أحمد بن إبراهيم الروزي. 2 - أحمد بن فراس العبقسي، ت 456 هـ. 3 - أبو الطاهر محمد بن محمد العجيفي. 4 - أبو القاسم عبيد الله السقطي. 5 - أبو الحسن بن زريق البغدادي.
ومن شيوخه بقرطبة
6 - أبو العباس السوي. 7 - أحمد بن محمد بن زكريا البسري. ومن شيوخه بقرطبة (1)، 1 - عبد الرحمن بن عثمان بن عفان القشيري، ت 395 هـ. 2 - سعيد بن رشق الزاهد ت 415 هـ. 3 - يونس بن عبد الله بن مغيث قائد الجماعة، ت 420 هـ. تلاميذه (2): اجتمع حول الإمام مكي بقرطبة في مسجد النخيلة والزهراء والمسجد الجامع طلاب العلم وحفت المجالس به فانتفع به عدد كبير من الطلاب في فروع العلم المختلفة، وخاصة القراءات والتفسير، وهذه أسماء من ذكروا في كتب التراجم والطبقات، وأهمها كتاب الصلة لابن بشكوال: 1 - إبراهيم بن محمد الأسدي المقرئ، ت 462 هـ. 2 - أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الحق الخزرجي المقرئ، ت 511 هـ. 3 - أحمد بن محمد بن خالد الكلاعي المقرئ، ت 432 هـ. 4 - أحمد بن محمد بن عبد الله الخولاني، ت نحو 558 هـ. 5 - أيمن بن خالد بن أيمن الأنصاري، ت 432 هـ.
6 - بقي بن قاسم بن عبد الرؤوف. 7 - بكر بن عيسى بن سعيد الكندي الزاهد، ت 454 هـ. 8 - جعفر بن محمد بن مكي بن أبي طالب، وهو حفيد مكي، ت 535 هـ. 9 - حازم بن محمد بن حازم المخزومي، ت 496 هـ. 10 - خلف بن عمر بن خلف التجيبي ابن أخي القاضي أبي الوليد الباجي، أبو القاسم، ت 485 هـ، 11 - سليمان بن خلف بن سعد التجيبي الباجي المالكي الحافظ، أبو الوليد، ت 474 هـ. 12 - عاصم بن أيوب الأديب، ت 494 هـ. 13 - عبد الله بن سعيد بن حكم الزاهد، ت 552 هـ. 14 - عبد الله بن سهل بن يوسف الأنصاري، ت 485 هـ. 15 - عبد الله بن فرج بن غزلون اليحصبي ابن العسال، ت 487 هـ. 16 - عبد الله بن محمد بن سليمان ابن الحاج، ت 419 هـ. 17 - عبد الله بن محمد بن عباس ابن الدباغ، ت 463 هـ. 18 - عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن القيسي، ت 436 هـ. 19 - عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الصنهاجي ابن اللبان، ت 480 هـ. 20 - عبد العزيز بن أحمد اليحصبي، ت 450 هـ. 21 - عبد الملك بن زيادة الله بن علي، ت 455 هـ. 22 - عبد الملك بن سراج، ت 489 هـ. 23 - العلاء بن أبي المغيرة الفارسي، ت 454 هـ. 24 - علي بن أحمد بن أبي الفرج الأموي.
25 - علي بن عبد الله الجذامي المقرئ، ت 483 هـ. 26 - عيسى بن خيرة أبو الإصبغ، ت 487 هـ، 27 - عيسى بن سهل الأسدي، أصله من جيان، محدث فقيه قاض، ت 486 هـ. 28 - فرج بن عبد الملك الأنصاري، من جيان، ت 478 هـ. 29 - محمد بن أحمد المعارفي المقرئ، ت 469 هـ. 35 - محمد بن أحمد بن مطرف الكناني المقرئ، ت 454 هـ. 31 - محمد بن جوهر بن محمد بن جوهر، ت 462 هـ. 32 - محمد بن الحبيب بن طاهر الغافقي، ت 459 هـ. 33 - محمد بن شريح الرعيني، من إشبيلية، ت 476 هـ. 34 - محمد بن عيسى بن فرج التجيبي المقرئ، ت 485 هـ. 35 - محمد بن فرج مولى محمد بن يحى البكري، ت 497 هـ. 36 - محمد بن محمد أصبغ الأسدي، ت 477 هـ. 37 - محمد بن محمد بشير المعافري، ت 481 هـ. 38 - محمد بن مكي بن أبي طالب (ابنه)، ت 474 هـ. 39 - معاوية بن محمد بن أحمد العقيلي، ت 469 هـ. 45 - موسى بن سليمان اللخمي، ت 494 هـ. 41 - يحيى بن إبراهيم المقرئ، ت 496 هـ. وهناك عدد آخر ورد ذكرهم في مصادر أخرى (1) وهم:
آثاره ومؤلفاته
الأكري، وحاتم بن محمد الطرابلسي، ت 469 هـ، وخلف بن رزق أبو القاسم الأموي، ت 485 هـ، وعبد الرحمن بن خلف أبو المطرف القرطبي، ت 454 هـ، وعبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن، ت 472 هـ، وعبد الرحمن بن محمد بن عتاب، ت 525 هـ، وعبد الله بن سعيد ابن الحكم الأنصاري، ت 485 هـ، وعبد الله بن يوسف الرهوني، ت 435 هـ، ومحمد بن عتاب أبو عبد الله القرطبي، ت 462 هـ، ومحمد بن المفرج بن إبراهيم ت 494 هـ. آثاره ومؤلفاته: كان واسع المعرفة كثير التأليف في العلوم المختلفة لكنه كان متميزاً في التفسير والقراءات في المقام الأول، وقد ذكر عنه ذلك من ترجموا له، فهو المفسر والمقرئ، وله حظ كبير في العلوم الإسلامية الأخرى، وهذه قائمة مؤلفاته المطبوعة والمخطوطة: المطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسير: 1 - الإبانة عن معاني القراءات. تحقيق د. محيي الدين رمضان سنة 1979 م. 2 - اختصار الوقف على "كلا وبلى ونعم". تحقيق الدكتور أحمد حسن فرحات سنة 1978 م. 3 - الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ومعرفة أصوله واختلاف الناس فيه. تحقيق د. أحمد حسن فرحات سنة 974 ام. 4 - التبصرة في القراءات. تحقيق د. محيي الدين رمضان سنة 1985 م. 5 - تفسير المشكل من غريب القرآن العظيم. تحقيق د. محيي الدين
غير المطبوعة
رمضان سنة 1985 م. 6 - تمكين المد في "أتى" و "آمن" و "آدم". تحقيق د. أحمد حسن فرحات سنة 1984. 7 - الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة. تحقيق د. أحمد حسن فرحات سنة 1973 م. 8 - شرح "كلا وبلى ونعم" والوقف على كل واحدة منهن في كتاب الله عز وجل. تحقيق د. أحمد حسن فرحات سنة 1976 م 9 - الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها. تحقيق د. محيي الدين رمضان سنة 1981 م. 10 - مشكل إعراب القرآن. تحقيق د. حاتم صالح الضامن سنة 1973. 11 - الوقف على "كلا وبلى، ونعم". تحقيق د. أحمد حسن فرحات سنة 1978 م. غير المطبوعة في علوم القرآن والتفسير (1): 12 - اتفاق القرّاء جزء. 13 - اختصار أحكام القرآن. أربعة أجزاء. 14 - اختصار الإدغام الكبير على ألف، باء، تاء، ثاء، جزء. 15 - اختصار الألفات. جزء.
16 - الاختلاف القراء في ياءات الإضافة وفي الزوائد. جزء. 17 - الاختلاف بين أبي عمرو وحمزة. جزء. 18 - الاختلاف بين قالون وابن عامر. جزء. 19 - الاختلاف بين قالون وابن كثير. جزء. 20 - الاختلاف بين قالون وأبي عمرو. جزء. 21 - الاختلاف بين قالون وحمزة. جزء. 22 - الاختلاف بين قالون وعاصم. جزء. 23 - الاختلاف بين قالون والكسائي. جزء. 24 - الاختلاف في الرسم من "هؤلاء" والحجة لكل فريق. جزء. 25 - الاختلاف في عدد الأعشار. جزء. 26 - لاختلاف في قوله: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) جزء 27 - الإدغام الكبير. جزء. 28 - الاستيفاء في قوله: (خالدين فيها ما دامت. . . إلا ما شاء ربك)، جزء. 29 - إصلاح ما أغفله ابن مسرة في قراءات شاذة. جزء. 30 - الإمالة. جزء. 31 - انتخاب نظم القرآن للجرجاني. أربعة أجزاء. 32 - الانتصاف في الرد على أيي بكر الأدفوي فيما زعم من تغليطه في كتاب " الإمالة" ج 1 - 3 33 - الإيجاز في ناسخ القرآن ومنسوخه. جزء.
34 - البيان عن وجوه القراءات في كتاب التبصرة. ألفه سنة 424 هـ. 35 - بيان إعجاز القرآن. جزء. 36 - التبيان في اختلاف قالون وورش. جزء. 37 - التذكرة في اختلاف القراء السبعهّ. جزء. 38 - تسمية الأحزاب. 39 - التنبيه على أصول قراءة نافع وذكر الاختلاف عنه. جزآن. 49 - دعاء خاتمة القرآن. 41 - شرح اختلاف العلماء في الوقوف على قوله تعالى: (يدعو لمن ضره أقرب من نفعه) 42 - شرح الاختلاف في قوله: (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة) 43 - شرح اختلاف العلماء في قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون. . .) 44 - شرح الإدغام الكبير في المخارج. جزء. 45 - شرح الوقف التام. أربعة أجزاء. 46 - شرح رواية الأعشى عن أبي بكر عن عاصم. جزء. 47 - شرح الراءات على قراءة ورش وغيره. جزء. 48 - شرح الفرق لحمزة وهشام. جزء. 49 - شرح قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ. . . فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ. . . ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا. . .) جزء.
50 - شرح قوله تعالى: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)، جزء. 51 - شرح قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ. . . وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ. . .) جزء. 52 - شرح قوله تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ. . .)، جزء. 53 - شرح قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. . .) 54 - شرح معنى الوقف على قوله تعالى (وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ. إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ. . .)، جزء. 55 - شرح وجوه كشف اللبس التي لبس بها الأنطاكي في المد لورش. ثلاثة أجزاء. 56 - علل هجاء المصاحف. جزء. 57 - فرش الحروف المدغمة. جزآن. 58 - الكافي في القراءات. 59 - المأثور عن مالك في أحكام القرآن وتفسيره. عشرة أجزاء. 60 - مشكل غريب القرآن. ثلاثة أجزاء. وقد ألفه بمكة سنة 389 هـ. 61 - مشكل المعاني والتفسير 15 جزءا. 62 - المنتخب في اختصار الحجة للفارسي. 30 جزءا. 63 - منع الوقف على قوله تعالى (وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ. . .)، جزء.
في علوم اللغة والأدب
64 - الموجز في القراءات. جزءان، ألفه بقرطبة سنة 394 هـ. 65 - الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره. 70 جزءاً، وهو هذا التفسير. 66 - الهداية في الوقف على كلا. 67 - الياءات المشددة في القرآن الكريم. جزء. في علوم اللغة والأدب: 68 - التذكرة لأصول اللغة العربية ومعرفة العوامل. جزء. 69 - دخول حروف الجر بعضها مكان بعض. جزء 75 - الرياض مجموع. خمسة أجزاء. 71 - اللمع في الإعراب. أربعة أجزاء. 72 - شرح حاجة وحوائج وأصلها. جزء. 73 - شرح العارية والعرية. جزء. 74 - مسائل الأخبار بالذي وبالألف واللام. أربعة أجزاء. 75 - معاني السنين القحطية والأيام. جزء. 76 - منتخب كتاب الإخوان لابن وكيع. جزءان. 77 - المنتقى في الأخبار. أربعة أجزاء. 78 - الوصول إلى تذكرة كتاب الأصول، لابن السراج في النحو. جزء. في العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظ: 79 - اختلاف العلماء في النفس والروح. جزء. 80 - إسلام الصحابة. جزء.
81 - بيان الصغائر والكبائر. جزء. 82 - بيان العمل في الحج من أول الإحرام إلى الزيارة لقبر النبي- صلى الله عليه وسلم -. جزء. 83 - تحميد القراَن وتهليله وتسبيحه. 84 - الترغيب في الصيام. جزء. 85 - الترغيب في النوافل. جزء. 86 - تعدلة التجزئة بين الأئمة في شهر رمضان في قراءة القرآن في الإشفاع. جزء. 87 - تنزيه الملائكة من الذنوب وفضلهم على بني آدم. 88 - التهجد في القرآن. أربعة أجزاء. 89 - الرد على الأئمة فيما يقع في الصلاة من خطأ واللحن في شهر رمضان وغيره. جزء. 90 - شرح إيجاب الجزاء على قاتل الصيد في الحرم خطأ على مذهب مالك والحجة في ذلك. جزء. 91 - فرض الحج على من استطاع إليه سبيلاً. جزء. 92 - ما أغفله القاضي منذر ووهم فيه في كتاب "الأحكام". جزءان. 93 - المبالغة في الذكر. جزء. 94 - المدخل إلى علم الفرائض. جزء. 95 - مسألة الذبيح. جزء. 96 - مناسك الحج. جزء. 97 - منتقى الجوهر في الدعاء. جزء. 98 - الممتع في تعبير الرؤيا.
توثيق نسبة التفسير
99 - الموعظة المنبهة. جزء. 100 - الهداية في الفقه. جزء. 101 - برنامجه الذي جمع فيه مؤلفاته ومروياته يقول: "سمعت على أبي عبد الله محمد بن جعفر القزاز كتاب "الظاء" من تأليفه من ثلاثة أجزاء وسمعت عليه أكثر "الحروف في النحو" من تأليفه ". 102 - فهرسته: وهي جامعة لرحلته، مشتملة على مروياته وتراجم شيوخه وأسماء تآليفه. توثيق نسبة التفسير: يؤكد صحة نسبة التفسير (الهداية) لمكي أمور: 1 - إجماع الصادر التي ترجمت له على نسبة كتاب الهداية إلى مكي، وإن اختلفوا قليلاَ في ذكر عنوان الكتاب إيجازا وتفصيلا، فاقتصر القاضي عياض والسيوطي والداودي وابن مخلوف (1) على اسم (الهداية)، وسماه ابن حزم وياقوت (2): الهداية إلى بلوغ النهاية، وورد مفصلا باسم: (الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره وأنواع علومه) في المصادر الأخرى عند ابن خير والقفطي واليافعي وابن خلكان وابن العماد وحاجي خليفة (3)، ويرد أحيانا منسوباً لمؤلفه (تفسير مكي) (4). 2 - إحالة مكي نفسه في تفسيره على كتبه الأخرى مثل: الكشف عن وجوه
القراءات في تفسيره لقوله تعالى: (مالك يوم الدين) حيث يشير إلى أنه بيّن وجوه القراءات فيها "فأغناه ذلك عن الكلام فيها في هذا الكتاب" (1)، وكتابه مشكل إعراب القرآن في إعرابه كلمة (غَيْرِ) من سورة الفاتحة قائلا: "وقد شرحت هذا في كتاب مشكل الإعراب بأشبع من هذا" (2)، وكتابه الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه عند بيانه لمعنى النسخ في قوله تعالى: (ما ننسخ من آية) (3). والعكس في إحالته في كتبه الأخرى على تفسيره الهداية حيث يشير في كتابه مشكل إعراب القرآن (4) في سياق إعرابه لقوله تعالى: (علمها عند ربي) (5) إلى تفصيل ذلك في تفسيره، ومثل ذلك إحالته في كتابه الكشف عن وجوه القراءات إلى تفسيره الهداية لقوله تعالى: (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) (6). 3 - نَقْلُ كتب التفسير المتأخرة عنه ومنها: المحرر الوجيز لابن عطية والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (7)، وخاصة في آرائه واجتهاداته وتوجيهاته. 4 - اتفاق أسلوبه في تفسيره الهداية مع أسلوبه في كتبه الأخرى مثل الكشف والمشكل في عرض الآراء ومناقشتها واختيار الراجح منها.
تاريخ تأليف الهداية
تاريخ تأليف الهداية: لا نجد تاريخاً محدداً وسنهَ بعينها موعدا لتأليف الكتاب، ولكن يستفاد من مقدمته للهداية أنه جمعه في مرحلة شبيبته بين سنة 367 هـ وسنة 392 هـ، يقول في مقدمته: "فما أخرجت هذا الكتاب. . . عملته في صدر العمر وجمام الفهم. ." (1) والأرجح أنه عكف عليه بالتنقيح والتصحيح وأخرجه للناس بعد تحريره في أواخر عمره بعد سنة 424 هـ وذلك بالاعتماد على الإشارة التي وردت في كتابه الكشف الذي ألّفه سنة 424 هـ كما يشير إلى ذلك في مقدمته حيث يقول: "ثم تطاولت الأيام وترادفت الأشغال عن تأليفه وتبيينه ونظمه إلى سنة 424 هـ (2) ... " فإذا كان قد أحال في تفسيره لسورة الفاتحة على كتابه الكشف الذي ألفه سنة 424 هـ فهذا يعني أن كتاب الهداية انتهى من تأليفه بعد هذا التاريخ.
مقدمة المؤلف
[مقدمة المؤلف] بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على [محمد وعلى آله وسلم تسليماً] قال أبو محمد مكي بن أبي طالب [القيسي المقرئ]: نحمد الله جل ذكره بجميع محامده، ونثني عليه بتواتر آلائه ونعمه ونشكره على ما خوَّل وفهَّم من المعرفة به، ونرغب إليه في المزيد من مننه مع حسن التوفيق المؤدي إلى رضوانه، ونستهديه طريق الصواب في القول والعمل بمننه ونسأله العصمة من الخطأ، والعفو عن الزلل بفضله. ونصلي على خير خلقه محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى أهله. ونقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، عليه توكلت، وهو حسبي ونعم الوكيل.
قال أبو محمد: هذا كتاب جمعته فيما وصل إلي من علوم كتاب الله [جل ذكره]، واجتهدت في تلخيصه وبيانه واختياره، واختصاره، وتقصيت ذكر ما وصل إلي من مشهور تأويل الصحابة والتابعين، ومن بعدهم في التفسير دون الشاذ على حسب مقدرتي، وما تذكرته في وقت تأليفي له. وذكرت المأثور من ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما وجدت إليه سبيلاً من روايتي أو ما صح عندي من رواية غيري، وأضربت عن الأسانيد ليخف حفظه على من أراده. جمعت فيه علوماً كثيرة، وفوائد عظيمة؛ من تفسير مأثور أو معنى مفسر، أو حكم مبين، أو ناسخ، أو منسوخ، أو شرح مشكل، أو بيان غريب، أو إظهار معنى خفي، مع غير ذلك من فنون علوم كتاب الله جل ذكره؛ من قراءة غريبة، أوإعراب غامض، أو اشتقاق مشكل، أو تصريف خفي، أو تعليل نادر، أو تصرف فعل مسموع مع ما يتعلق بذلك من أنواع علوم يكثر تعدادها ويطول ذكرها. جعلته: هداية إلى بلوغ النهاية في كشف علم ما بلغ إلي من علم كتاب الله تعالى ذكره مما وقفت على فهمه ووصل إلي علمه من ألفاظ العلماء، ومذاكرات الفقهاء ومجالس القراء، ورواية الثقات من أهل النقل والروايات، ومباحثات أهل النظر والدراية.
قدمت في أوله نبذاً من علل النحو وغامضاً من الإعراب، ثم خففت ذكر ذلك فيما بعد لئلا يطول الكتاب، ولأنني قد أفردت كتاباً مختصراً في شرح مشكل الإعراب خاصة، ولأن غرضي في هذا الكتاب إنما هو تفسير التلاوة، وبيان القصص والأخبار، وكشف مشكل المعاني، وذكر الاختلاف في ذلك، وتبيين الناسخ والمنسوخ وشرح وذكر الأسباب التي نزلت فيها الآي إن وجدت إلى ذكر ذلك سبيلاً من روايتي، أو ما صح عندي من رواية غيري. وترجمت عن معنى ما أشكل لفظه من أقاويل المتقدمين بلفظي ليقرب ذلك إلى فهم دارسيه، وربما ذكرت ألفاظهم بعينها ما لم يشكل/. وسميت هذا الكتاب: "الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه". أعني بقولي: بلوغ النهاية: أي إلى ما وصل إلي من ذلك لأن علم كتاب الله لا يقدر أحد أن يبلغ إلى نهايته إذ فوق كل ذي علم عليم.
جمعت أكثر هذا الكتاب من كتاب شيخنا أبي بكر الأدفوي رحمه الله وهو الكتاب المسمى بكتاب (الاستغناء) المشتمل على نحو ثلاثمائة جزء في علوم القرآن. اقتضيت في هذا الكتاب نوادره وغرائبه ومكنون علومه مع ما أضفت إلى ذلك من الكتاب الجامع في تفسير القرآن، تأليف أبي جعفر الطبري وما تخيرته من كتب أبي جعفر النحاس، وكتاب أبي إسحاق الزجاج، وتفسير ابن عباس، وابن/ سلام.
ومن كتاب الفراء، ومن غير ذلك من الكتب في علوم القرآن والتفسير والمعاني والغرائب والمشكل. انتخبته من نحو ألف جزء أو أكثر مؤلفة من علوم القرآن مشهورة مروية. أسأل الله ذا الفضل والمن ألا يحرمنا أجره، وأن يبارك لنا في ذكره، وأن ينفع به، إنه ولي ذلك والقادر عليه لا إله إلا هو. فواجب على كل ذي دين ومروءة كَتَب كتابنا هذا أو قرأه أن يغمض عن زلل كاتب أو وهم ناسخ إن وجده فيه، ويشكر الله على ما يستفيده منه ويسمح في وهم أو غلط إن وقع منا فيه، فالعصمة لا يدعيها أحد بعد الأنبياء صلوات الله عليهم. أسأل الله التوفيق لما يُزلف لديه ويقرب منه، وأرغب إليه جل ذكره أن يجعله [لوجهه خالصا] (7)، وأن يغفر لمن ترحم علينا ودعا لنا بالمغفرة. فما أخرجت/ هذا الكتاب وبذلته للناس بعد أن كنت عملته في صدر العمر وجمام الفهم لنفسي خاصة ولمذاكرتي مفرداً، إلا طمعاً أن يترحم علينا مع طول الزمان مترحم، أو يستغفر لنا من أجله مستغفر، أو يذكرنا بالخير عليه ذاكر، مع ما
[نرجو من ثواب الله]، عليه في انتفاع دارسيه واكتفائهم به عن سائر كتب المفسرين، وأهل المعاني، وسائر أكثر علوم كتاب الله تعالى.
الفاتحة
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الفاتحة تفسير سورة الحمد سورة الحمد مكية في قول ابن عباس. وقيل: بل هي مدنية. وهو قول مجاهد. واستدل من قال: إنها مكية، أن بمكة فرضت الصلوات بإجماع، ومحال أن تفرض الصلوات، ولا ينزل ما هو تمامها وبه قوامها. وهي سورة الحمد، لقول النبي [- عليه السلام -] من الخبر الثابت: "كُل صَلاةٍ لا يُقرَأُ فِيهَا بِأُمّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ". قالها ثلاثاً. والخَدْج النقص.
فغير جائز أن تفرض علينا الصلوات، ولا ينزل ما يزيل عنها النقص. ويدل على ذلك أيضاً ما ذكر أهل التاريخ في حديث طويل لخديجة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ورقة بن نوفل أن جبريل - عليه السلام - قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أول ما خاطبه بالوحي: "قل: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال له: قل: الحمد لله رب العالمين، حتى انتهى إلى آخرها، ثم قال له: قل آمين. فقالها النبي - صلى الله عليه وسلم -. فهذا يدل على نزولها بمكة. وهو قول سعيد بن جبير أيضاً وعطاء.
وقال مجاهد: "نزلت الحمد بالمدينة"، وقال: "لما نزلت رن إبليس اللعين". يريد رن من عظيم ثوابها وجلالة قدر ما خص الله به أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من إنزالها على نبيهم - صلى الله عليه وسلم -. وقد اختلف عن ابن/ عبالس في نزولها؛ فروي عنه بالمدينة، وروي عنه بمكة. وحديث ورقة يدل على أنها أول ما نزل من القرآن. وأكثر المفسرين على أن أول ما نزل من القرآن: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) إلى قوله تعالى: (مَا لَمْ يَعْلَمْ). وقيل: أول ما نزل المدثر، والله أعلم بأي ذلك كان. وسورة الحمد تسمى فاتحة الكتاب لأن بها تستفتح الصلاة، وتستفتح المصاحف، وبها يستفتح المبتدئ بعد ختمه القرآن. وتسمى أيضاً أم القرآن لأنها ابتداء القرآن، وأم كل شيء ابتداؤه وأصله.
ولذلك قيل لمكة أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها. وقيل: إنما سميت الحمد أم القرآن لتضمنها معاني القرآن مجملاً، لأن فيها الثناء على الله جل ذكر، والإقرار له بالربوبية وذكر يوم القيامة، والإقرار له بالعبادة، وأن المعونة من عنده، والقدرة له. وفيها الدعاء والرغبة إليه في الهداية إلى الإسلام والثبات عليه. وفيها ذكر النبيين الذين أنعم الله عليهم بالهداية والإسلام. وفيها ذكر من غضب الله عليهم -وهم اليهود-، وذكر من ضل عن الدين وهم النصارى، وفيها من مفهوم الإشارة إلى أمور/ الديانة والقدرة والتذلل والخضوع لله والتسليم لأمره، والرجوع إليه ما يكثر ذكره ويطول شرحه. وكتاب الله كله إنما نزل، في هذه المعاني التي ذكرنا أنها موجودة في الحمد. لكن ذلك في الحمد مشار إليه مجمل يفهمه من وفقه الله وشرح له / صدره، وهو كله مشروح مبين مكرر مبسوط في سائر القرآن، فالحمد لله أصل مجمل وباقي القرآن مفسر لما أجمل في الحمد، فهي على هذا المعنى أم القرآن، أي أصله. / وتسمى الحمد السبع المثاني، وهو مروي عن النبي [- عليه السلام -].
ومعناه السبع الآيات من المثاني أي من القرآن. والمثاني هو القرآن؛ يسمى بذلك، لأن القصص تثنى فيه وتكرر للإفهام وتسمى الحمد أيضاً السبع المثاني؛ سميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة، أي تعاد. وقال ابن جبير عن ابن عباس: "إنما سميت الحمد السبع المثاني [لأن الله] استثناها لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، لم يعطها أحد قبل أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ". وقد قيل: إن "مِنْ" زائدة، في القول الأول فيكون معناه كمعنى هذا القول. وعن النبي [- عليه السلام -] أنه قال لأُبَيِّ بن كعب: إنَّها السَّبْعُ المَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ". فهي على هذا الحديث السبع المثاني وهي القرآن العظيم، أي هي أصله على ما ذكرنا.
وروي عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم قسموا فصول القرآن إلى خمسة فصول: الأول: السبع الطوال. والثاني: المئين. والثالث: المثاني. والرابع: آل حميم. والخامس: المفصل. وتفسير ذلك أن السبع الطوال من البقرة إلى براءة، كانوا يرون براءة والأنفال سورة [واحدة، لأنهما نزلتا في مغازي] رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك لم يفصل بينهما في المصاحف بـ "بسم الله الرحمن الرحيم". والسور التي تقرب من الطوال تسمى المئين؛ وهي من يونس فما بعدها مما هو مائة آية فأكثر، وما يقرب من المائة. والذي يلي المئين من السور/ يسمى المثاني، سميت بذلك لأنها ثانية للمئين. فكان المئين مبادئ وما يليها مثاني.
وقولهم: "آل حاميم": يروى أن: حاميم اسم من أسماء الله جل ذكره أضيفت [إليه هذه السور]، فكأنه في المعنى سور لله تعالى ذكره وهي ديباج القرآن. وسمي ما بعد ذلك مفصلاً لكثرة فصوله بـ "بسم الله الرحمان الرحيم". وليست "بسم الله الرحمن الرحيم" بآية من الحمد عند أهل المدينة، وأهل العراق. ويدل على ذلك من الخبر الثابت الذي لا مدفع لأحد فيه أن أنساً قال:
"صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلف أبي بكر وخلف عمر، فكلهم يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين". ومن الخبر الصحيح أن عائشة رضي الله عنها وأنساً قالا: "كان النبي [- عليه السلام -] يفتتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين". وزاد فيه أنس: - "وأبو بكر وعمر وعثمان"، يعني في خلافتهم. وقال جبير عن أنس: صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان، فما
سمعت أحداً منهم يقرأ في صلاته (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ". وجاء من الخبر الثابت الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأيي بن كعب: "لأعلِمَنَّك سُورَةً [ما أُنْزِلَ] فِي التَّوْرَاةِ ولا فِي الإنْجِيلِ وَلاَفي الزَبُورِ مثْلُهَا. فلمَّا دَنَا النَبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الخْروجِ مِنَ المَسْجِدِ: قالَ لَهُ أبَيٌّ: يَا رَسُولَ الله [السُّورَةُ] (3) التي تُعَلِمُنِي؟. قالَ: كَيْفَ تَقْرأ أمَّ الكتابِ؟ قلتُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) حَتِّى خَتَمْتُها، فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: هيَ هَذه، وَهيَ السَّبع المَثَاني وَالْقرْآنُ الْعَظيمُ الَّذِي أوتيتُ". ويدل على ذلك أيضاً ما لا مدفع في حد فيه أن أهل المدينة بأسرهم/ نقلوا عن آبائهم التابعين عن الصحابة المرضيين استفتاح الصلاة بالحمد رب العالمين دون تسمية؛ نقل كافة عن كافة لا يجوز عليهم الخطأ فيما نقلوه ولا التواطؤ على الكذب فيما رووه واستعملوه. ويدل على ذلك أيضاً من الخبر الصحيح ما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال: "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بيْنِي وَبَينَ عَبْدِي شَطرَيْنِ ولعَبْدِي مَا سَأَل". فَإذا قالَ الْعَبْدُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .. الحديث" فلو كانت (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) آية من الحمد لابتدأ بها. وفي قوله: "قَسَمْتُ" وعَدُّه لآياتها ولم يذكرها دليل واضح على أن (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ليست منها. ويدل على ذلك أيضاً من طريق النظر الذي لا مدفع لأحد فيه أن القرآن لا يثبت بخبر الآحاد، إنما يثبت بالإجماع، أو ربما يقطع على مغيبه من أخبار التواتر. ولا إجماع نعلمه ولا تواتر نعقله في أن (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) آية من الحمد، وإذا لم يصح/ إجماع ولا ثبت تواتر في أن (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) آية من الحمد لم
1
ذلك، إذ فيما ذكرناه كفاية لمن أنصف. قال أبو محمد: نذكر في هذا الموضع جملة من علل النحويين في {بِسمِ الله الرحمن الرَّحِيمِ}، ونستقصي إن شاء الله ذلك في سورة النمل إذ هي بعض آية هناك بإجماع. فمن ذلك أن في كسر الباء قولين: - أحدهما: إنها كسرت لتكون حركتها مشبهة لعملها. القول الثاني: إنها كسرت ليفرق بين ما لا يكون إلا " [حرفاً وبين ما] قد يكون اسماً نحو الكاف، وكذلك لام الجر. وأصل الحروف التي تدخل للمعاني أن تكون مفتوحة لخفة الفتحة نحو حروف العطف وألف الاستفهام وشبهه. ولكن خرجت الباء واللام عن الأصل للعلة التي ذكرنا.
وقيل: إنما كسرت لام الجر للفرق بينها، وبين لام التأكيد في قولك: " إن هذا لزيد " إذا أردت أن المشار إليه هو زيد، وإذا أردت أن المشار إليه في ملك زيد كسرت اللام. ويدل على أن أصلها الفتح أنها تفتح مع المضمر إذ قد أمن اللبس لأن علامة المجرور خلاف علامة المرفوع. تقول: " هذا له وهذا لك "، وأيضاً فإن الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها. هذا أصل مجمع عليه في كلام العرب، وسترى منه أشياء فيما بعد إن شاء الله. ومن ذلك أن " اسما " فيه أربع لغات: " اسم " بكسر الألف وبضمها، و " سِم " بضم السين وبكسرها. فَمن ضَم الألف في الابتداء جعله من " سما يسمو " إذ ارتفع " كدعا يدعو ". ومَن كسرها جعله من [سَميَ يَسْمَى] " كرَضِيَ يَرْضَى ".
قال ابن كيسان: " يقال: " سموت وسميت كعلوت وعليت، وأصله سُمْوٌ أو سِمْوٌ على [وزن] فُعْلٌ أو فِعْلٌ، ثم حذفت الواو استخفافاً لكثرة الاستعمال. فلما تغير آخره غير أوله بالسكون، فاحتيج إلى ألف وصل ليوصل بها إلى النطق بالساكن وهو السين المغيرة إلى السكون ". واختلف في كسرة الألف المجتلبة. فقيل: اجتلبت ساكنة وبعدها ساكن فكسرت لالتقاء الساكنين. وقيل: بل اجتلبت مكسورة، وإنما ضمت إذا كان الثالث من الفعل مضموماً لاستثقال الخروج من كسر إلى ضم /، وضمت الألف إذا كان الثالث من الفعل مضموماً ليخرج الناطق من ضم إلى ضم، نحو: " أُقْتل، أُخْرج "، فذلك أسهل من الخروج من كسر إلى ضم.
وقيل: بل أصلها السكون لكن لا بد من حركتها إذ لا يبدأ بساكن فأتبعت ثالث الفعل، فكسرت إذا كان الثالث مكسوراً نحو " إضرب ". وضمت إذا كان الثالث مضموماً نحو " أُقْتُل ". ولم تفتح إذا كان الثالث مفتوحاً لئلا تشبه ألف المتكلم فكسرت، وكان الكسر أولى بها / والثالث مفتوح لأن الخفض والنصب أخوان، وذلك نحو: " اصنع ". و" اسم " عند البصريين مشتق من السمو؛ يدل على ذلك قولهم في التصغير " سمي ". فرجعت اللام المحذوفة إلى أصلها، ورجعت السين إلى حركتها لأن التصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. وقال الكوفيون: " هو مشتق من السمة وهي العلامة لأن صاحبه يعرف به، وليس يسمو به، كما ذكر البصريون أن اشتقاقه من السمو وهو العلو ". قال أبو محمد: وقول الكوفيين قول يساعده المعنى ويبطله التصريف
لأنهم يلزمهم أن يقولوا في التصغير " وُسَيْمٌ "، لأن فاء الفعل واو محذوفة فيجب ردها في التصغير، وذلك لا يقوله أحد. وقد شرحنا هذه المسألة بأشبع من هذا في غير هذا الكتاب. والباء من {بِسمِ الله} متعلقة بمحذوف. ذلك المحذوف خبر ابتداء مضمر قامت الباء وما اتصل بها مقامه، فهي وما بعدها في موضع رفع إذ سدت مسد الخبر للابتداء المحذوف، تقديره: " ابتدائي ثابت بسم الله " أو " مستقر بسم الله "، ثم حذف الخبر وقامت الباء وما بعدها مقامه، وهذا مذهب البصريين. وقال الكوفيون: " الباء متعلقة بفعل محذوف، وهي ما بعدها في موضع نصب بذلك الفعل "، تقديره عندهم: " ابتدأت بسم الله ". والاسم هو المسمى عند أهل السنة. قال أبو عبيدة: " معنى باسم الله:
بالله ". وقال: " اسم الشيء هو الشيء ". ودل على ذلك قوله: " {سَبِّحِ اسم رَبِّكَ} [الأعلى: 1] أي سبح ربك، أي نزه ربك. واختلف النحويون في علة حذف الألف من الخط في {بِسمِ الله}؛ فقال الكسائي والفراء: " حذفت لكثرة الاستعمال ". وقال الأخفش " حذفت لعدمها من اللفظ. ويلزمه ذلك في كل ألف وصل لأنها معدومة أبداً في اللفظ في الوصل، لكنه قال: " مع كثرة الاستعمال بجعل حذفها لاجتماع العلتين ".
وقيل [بل] حذفت لأن الباء دخلت على سين مكسورة أو مضمومة. حكى ابن زيد أنه يقال: " سِمٌ " و " سُمٌ "، ثم أسكنت السين إذ ليس في الكلام فعل على مذهب من ضم السين وأسكنت على مذهب مَن كسر السين استخفافاً. وقيل: حذفت الألف للزوم الباء هذا الاسم في الابتداء، فإن كتبت " بسم الرحمن " أو " بسم الخالق " و {اقرأ باسم رَبِّكَ} [العلق: 1]، فالأخفش والكسائي يكتبان هذا وما أشبهه بغير ألف " كبسم الله ". والفراء يكتبه بألف إذ لم يكثر استعماله، ككثرة استعمال " بسم الله ". ولا يحسن الحذف للألف من الخط عند جميعهم إلا مع الباء. لو قلت: " لاسم الله حلاوة " أو قلت: " ليس اسم كاسم الله "، لم يجز حذف الألف مع غير الباء من حروف الجر،
إلا على قول مَن قال: " سِمٌ " أو " سُمٌ " فأما مَن قال " اسم " بألف في الابتداء بكسر الألف أو بضمها فلا يجوز حذف الألف من الخط مع غير الباء عند أحد من النحويين إذ لم يكثر استعماله. والحمد لله معناه الثناء الكامل. والشكر الشامل لله يكون لأفعاله الحسنة وفضائله الكاملة، والحمد أعم من الشكر وأمدح. ورفعه بالابتداء، " وَلِلَّهِ " في موضع الخبر تقديره: " الحمد ثابت لله " أو " مستقر لله ". فاللام متعلقة بهذا المحذوف الذي قامت اللام وما بعدها مقامه. والنصب جائز في الحمد في الكلام على المصدر، لكن الرفع فيه أعم لأن معناه إذا رفعتَه جميع " الحمد مني ومن جميع الخلق لله " وإذا نصبت فمعناه: " أحمد الله حمداً "، فإنما هو حمد منك لله لا غير. فالرفع يدل على أن الحمد منك ومن غيرك لله، فهو أعم وأكمل، فلذلك أجمع القراء على رفعه في جميع ما وقع في القرآن من لفظ {الحمد للَّهِ}، إذ لم يكن قبله عامل فإذا كان " الحمد " مبتدأ، و " لله " خبر، وهو في اللفظ بمنزلة قولك: " المال لزيد " في حكم الإعراب، وليس مثله في المعنى لأنك إذا قلت: " الحمد لله " أخبرت بهذا، وأنت معتمد أن تكون حامداً لله داخلاً في جملة الحامدين طالباً للأجر على قولك، مقراً إذا رفعته أن جميع الحمد منك ومن غيرك لله
متقرباً بذلك إلى الله، متعرضاً لعفوه مظهراً ما في قلبك بلسانك، شاهداً بذلك لله. ولست تخبر أحداً بشيء يجهله، فأنت غير مخبر على الحقيقة بشيء استقر علمه عندك، وليس ذلك العلم عند غيرك. وإذا قلت: " المال لزيد "، فأنت مخبر بما استقر علمه عندك مما ليس علمه عند غيرك. فاعرف الفرق بينهما. فأما علة حذف الألف الثانية من " الله " في الخط ففيها أيضاً اختلاف. قال قطرب: " حذف استخفافاً إذ كان طرحها من الخط لا يلبس. وقيل: إنما حذفت الألف على لغة مَن يقول قال: " الله بغير مد، كقول الشاعر: أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ الله. ... وقيل: حذفت الثانية لأن الأولى تكتفي عنها، وتدل عليها. وقيل: إنما حذفت لئلا يشبه خط " اللات " في قول من وقف عليه بالهاء.
فأما حذف ألف {الرحمن} من الخط فلكثرة الاستعمال والاستخفاف، ولأن المعنى لا يشكل بغيره. وقدم {الرحمن} على {الرَّحِيمِ} لأن " الرحمن " اسم شريف مبني للمبالغة لا يتسمى به غير الله جل ذكره، والرحيم قد يوصف به الخلق فأخر لذلك. وقيل: الرحيم، ولم يقل: الراحم، لأن فعيلا فيه مبالغة أيضاً تقارب مبالغة الرحمن، فقرن بالرحمن دون الراحم إذ الراحم لا مبالغة في بنيته لأنه يوصف بالراحم مَن رحم مرة في عمره، ولا يوصف بالرحيم إلا مَن تكررت منه الرحمة. وقيل: إنما قدم الرحمن على الرحيم لأن النبي عليه السلام كان يكتب في كتبه " باسمك اللهم " حتى نزل: {بِسْمِ الله مجراها} [هود: 41] فكتب {بِسمِ الله}، حتى نزل: {قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن} [الإسراء: 110]، فكتب {بِسمِ الله}، فسبق نزول الرحمن. ثم نزل: {وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم} [النمل: 30]. فكتب ذلك على ترتيب ما أنزل عليه A.
وقال ابن مسعود " كنا نكتب زماناً باسمك اللهم " حتى نزلت: {أَوِ ادعوا الرحمن}، فكتبنا " بسم الله الرحمن " فلما نزلت " التي في النمل كتبناها ". ومعنى {الرحمن}: الرفيق بخلقه، ومعنى: {الرَّحِيمِ} العاطف على خلقه بالرزق وغيره. وقيل: إنما جيء بالرحيم ليعلم الخلق أن {الرحمن الرَّحِيمِ} على اجتماعهما لم يتسم بهما غير الله جل ذكره، لأن الرحمن على انفراده قد تسمى به مسيلمة الكذاب لعنه الله، و {الرَّحِيمِ} على انفراده قد يوصف به المخلوق. فكرر الرحيم بعد الرحمن، وهما صفتان لله أو اسمان، ليعلم الخلق ما انفرد به الله تعالى ذكره من
2
اجتماعهما له، وما ادعى بعضه بعض خلقه. وهذا القول هو معنى قول عطاء لأنه قال: " لما اختُزِلَ الرحمن من أسمائه - أي تسمى به غيره -، صار لله الرحمن الرحيم ". والألف واللام في {الرَّحِيمِ} للتعريف، وإنما اختيرا للتعريف، لأن الهمزة تختل بالتسهيل والحذف والبدل وبإلقاء حركتها على ما قبلها، واللام تدغم في أكثر الحروف وكلاهما من الحروف الزوائد. في وصل {الرَّحِيمِ} بـ {الحمد}، عند النحويين ثلاثة أوجه: - أحدهما: أن تقول " الرَّحِيْمِ. الحَمْدُ لله " فتكسر الميم وتقف عليها وتقطع ألف الحمد. وهذا مستعمل عند القراء حسن، وهو مروي عن النبي
A روته أم سلمة. - والثاني: أن تقول: " الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لله "، فَتَصِل الألف وتعرب الرحيم بحقه من الإعراب فتكون الكسرة خفضاً، وإن شئت قدرت أنك وقفت على الرحيم بالإسكان، ثم وصلت فكسرت الميم لسكونها وسكون لام الحمد بعدها، ولا يعتد بألف الوصل لسقوطها في درج الكلام. وهذان الوجهان حسنان مستعملان في القراءة. - والوجه الثالث: حكاه الكسائي سماعاً من العرب، أن تقول: " الرَّحِيمَِ الحَمْدُ " فتح الميم ووصل الألف وذلك أنك تقدر أنك أسكنت الميم للوقف عليها وقطعت ألف الحمد للابتداء بها، ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفتها فانفتحت الميم. ولا يقرأ بهذا. وقد ذكر الفراء هذا التقدير في قوله تعالى: {الم * الله} [آل عمران: 1 - 2] وذكره غيره.
وستراه إن شاء الله ومثله قياس وصل " نَسْتَعِينُ " بِ " اهْدِنَا ". والألف الأول من اسم " الله " تحذف من الخط مع اللام، تقول: " لله الحجة، ولله الأمر "، فإن قلت: " بالله أتق "، و " ليس كالله أحد "؛ لم يجز حذف الألف من الخط، وعلة حذفها من الخط مع اللام، دون سائر حروف الجر، أنَّ اللام مع الألف يصيران حرفاً واحداً في رأي العين. والألف مع اللام الثانية بمنزلة " قَدْ " لأنهما زيدا معاً للتعريف لا يفترقان. فلو أثبتت الألف مع اللام الأولى، كنت قد فصلتها مع اللام الأولى من اللام الثانية. وقيل: إنما حذفت الألف من الخط مع اللام، لئلا تصير " لا " فتشبه النفي. فإن كانت الألف مقطوعة لم تحذف الألف مع اللام، ولا مع غيرها من حروف الجر في الخط نحو قولك: " لألواحك حُسْنٌ، ولألواحِك بياض "، وإنما ذلك، لأن الألف في هذا ليست مع اللام للتعريف إذ اللام أصلية فجاز انفصالها من اللام الثانية مع اللام الأولى.
قوله: {رَبِّ العالمين}. الرب المالك. فمعناه: مالك العالمين. وقيل: الرب السيد. وقيل: المصلح، يقال: " رَبَّه يَرُبُّه رَبّاً " إذا أصلحه. ويقال على التكثير: رَبَّتَهُ وِرَِبَّاهُ ورَبَّبَهُ. فالذين يقولون: " رَبَّتَه " بالتاء، أصله عندهم رَبَّبَهُ ثم أبدلوا من الباء الثالثة " ياء "، كما يقال، تقَضَّيْتُ " في " تَقَضَّضْتُ " ثم أبدلوا من الياء تاء. كما أبدلوا من الواو تاء في " تُراتٍ "، و " تُجاهٍ " و " تولج " وأصله " وولج " على " فوعل، من " ولجت ". وبدل التاء من الياء قليل شاذ، وهو في الواو كثير. و {العالمين} جمع عالم. والعالم هو جميع الخلق الموجود في كل زمان. وروى
3
عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه في قول الله: {الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين}. قال: " العالمون ثمانية عشر ألف ملك في نواحي الأرض الأربع، في كل ناحية أربعة آلاف ملك وخمسمائة ملك مع كل ملك منهم عدد الجن والإنس، فبهم يدفع الله العذاب عن أهل الأرض ". قد تقدم الكلام عليه في التسمية. وإنما كرر، وقد تقدم ذكره في التسمية، لأن الأول ليس بآية من الحمد، وهذا آية، فلذلك وقع التكرير في آيتين متجاورتين. وهذا مما يدل على أن {بِسمِ الله الرحمن الرَّحِيمِ} ليس بآية من الحمد، إذ لو كانت آية كما يقول المخالف لكنا قد أتينا بآيتين متجاورتين متكررتين بمعنى، وهذا لا يوجد في كتاب الله جل ذكره إلا بفصول تفصل بين الأولى والثانية، أو بكلام يعترض بين الأولى والثانية. - فإن قيل: قد فصل في هذا بـ {الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين}. - فالجواب إن " الرحمن الرحيم " في الحمد مؤخر يراد به التقديم، وإنما تقديره: "
4
الحمد لله الرحمن الرحيم رب العالمين "، فلا فاصل بين " الرحمن الرحيم " الأول والثاني. فإن كان ذلك كذلك، دل على أن التسمية ليست بآية من الحمد إذ لا نظير لها في كتاب الله جل ذكره، وإنما حكمنا على أن المراد " " بالرحمن الرحيم " في " الحمد " التقديم، لأن قوله: {مالك يَوْمِ الدين} مثل قوله: {رَبِّ العالمين} في المعنى، لأن معناه أنه إخبار من الله أنه يملك يوم الدين، و {رَبِّ العالمين} هو إخبار من الله أنه يملك العالمين فاتصال الملك بالملك أولى في الحكمة ومجاورة صفته بالرحمة صفته بالحمد والثناء أولى. فكل واحد مرتبط إلى نظيره في المعنى فدل على أن {الرحمن الرحيم} في " الحمد لله " متصل به، يراد به التقديم. و {مالك يَوْمِ الدين} متصل بِ {رَبِّ العالمين} إذ هو نظيره في المعنى، وذلك أبلغ في الحكمة. والتقديم والتأخير كثير في القرآن. الدين الجزاء في هذا الموضع. وقد يكون الدين التوحيد، نحو قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام} [آل عمران: 19]. ويكون الدين الحكم، نحو قوله: {رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله} [النور: 2] أي في حكمه. ويكون
الدين الإسلام نحو قوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ} [التوبة: 33]، و {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام} [آل عمران: 19]. وقال مجاهد، " الدين الحساب "، كما قال: {غَيْرَ مَدِينِينَ} [الواقعة: 86]. أي غير محاسبين. ويكون الدين العادة، ولم يقع في القرآن. وقد روى الزهري أن النبي A قرأ (مالك) بألف. وأبو بكر، وعمر، وعثمان، كذلك قرأوها وبذلك قرأ علي، وابن مسعود، وأُبي، ومعاذ بن جبل وطلحة، والزبير.
5
وبذلك قرأ عاصم والكسائي. وقد بَيَّنا كشف وجوه القراءات في كتاب: " الكشف عن وجوه القراءات "، فأغنانا ذلك عن الكلام فيها في هذا الكتاب. فأما من قرأ، {مالك يَوْمِ الدين}، فهم الأكثر من القراء وشاهده إجماعهم على {مَلِكِ الناس} [الناس: 2] بغير ألف. اختلف النحويون في " إياك وإياه وإياي "؛ فللبصريين فيها قولان: - أحدهما: أن " إيا " اسم مضمر أضيف إلى ما بعده للبيان لا للتعريف. ولا يعرف في كلام العرب اسم مضمر مضاف إلى ما بعده غير هذا. وحكى الخليل عن العرب: " إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب ". فأضاف " إيا " إلى الشواب للبيان.
- والقول الثاني: مروي عن المبرد قال: " إن " إيا " اسم مبهم أضيف للتخصيص لا للتعريف، ولا يعرف في كلام العرب اسم مبهم أضيف إلى ما بعده غير هذا ". وللكوفيين في هذا أيضاً ثلاثة أقوال. - حكى ابن كيسان وغيره. عنهم أن " إياك " بكماله اسم مضمر، ولا يعرف اسم مضمر يتغير آخره غيره، فتقول: " إياه وإياك وإياي ". - والقول الثاني: إن الكاف والهاء والياء، هن الاسم المضمر في " إياك وإياه وإياي "، لكنه اسم لا يقوم بنفسه ولا ينفرد ولا يكون إلا متصلاً بما قبله من الأفعال، فلما تقدم على الفعل لم يقم بنفسه فجعل " إيا " عماداً له ليتصل به، ولو أخرت لا تصل المضمر بالفعل واستغنيت عن " إيا " فقلت: " نعبده "
و " نعبدك ". وهو اختيار ابن كيسان. - والقول الثالث: حكاه أيضاً ابن كيسان؛ وهو أن " إيا " اسم مبهم يكنى به عن المنصوب وزيدت إليه الكاف والهاء والياء في: إياك وإياه وإياي ". " ليعلم المخاطب من الغائب من المُخْبِر عن نفسه ولا موضع للكاف والهاء والياء من الإعراب، فهي كالكاف في " ذلك " وأرأيتك زيداً ما صنع ". ذكر معنى جميع ذلك ابن كيسان في كتابه في تفسير القرآن وإعرابه ومعانيه. والعبادة في اللغة التذلل بالطاعة والخضوع. فمعنى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: نذل لك ونخضع بالعبادة لك ونستعين بك على ذلك. وإنما قدم {نَعْبُدُ} على {نَسْتَعِينُ} وقد علم أن الاستعانة قبل العبادة، والعمل لا يقوم إلا بعون الله، لأن العبادة لا سبيل إليها إلا بالمعونة، والمعان على العبادة لا يكون إلا عابداً. فكل واحد مرتبط بالآخر: لا عمل إلا بمعونة ولا معونة إلا تتبعها عبادة، فلم يكن أحدهما أولى بالتقديم من الآخر، وأيضاً فإن الواو لا توجب ترتيباً عند أكثر النحويين. وأما علة تكرير {إِيَّاكَ} فمن أجل اختلاف الفعلين إذ أحدهما عبادة والآخر
استعانة. وقيل: كرر للتأكيد كما تقول: " المال بين زيد وعمرو، بين زيد وبين عمرو "، فتعيد " بين " للتأكيد. قوله: {نَسْتَعِينُ}. أصله " نَسْتَعْوِنُ " على وزن " نَسْتَفْعِلُ " من العون. والمصدر منه استعانة، وأصله استعواناً، فقلبت حركة الواو على العين، فلما انفتح ما قبل الواو - وهي في نية حركة - انقلبت ألفاً، فالتقى ألفان، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين. فقيل: المحذوفة الثانية لأنها زائدة، والأولى أصلية. وقيل: بل المحذوفة الأولى لأن الثانية تدل على معنى ولزمته الهاء عوضاً من الألف المحذوفة. والنون الأولى في {نَسْتَعِينُ} يجوز فيها الكسر لغة مشهورة وكذلك التاء والهمزة في قولك: " أنْتَ تَسْتَعِين وأنا أسْتَعينُ ". وإنما ذلك في كل فعل سمي فاعله فيه زوائد أو مما يأتي من الثلاثي على " فَعِلَ، يَفْعَلُ " بفتح العين في المستقبل،
6
وكسرها في الماضي نحو: " أنت تعلم وأنا أعلم ". معناه ثبتنا، لأنهم كانوا مهتدين، وإنما هو رغبة إلى الله أن يثبتنا على ذلك حتى يأتي الموت ونحن عليه. وقيل: معناه ألهمنا الثبات على الصراط المستقيم، وهو دين الإسلام، وهو مروي عن ابن عباس. و" هَدَى " يكون بمعنى: " أَرْشَد "، نحو قوله: {واهدنآ إلى سَوَآءِ الصراط} [ص: 22]، أي أرشدنا. ويكون بمعنى " بَيَّنَ " كقوله: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت: 17]، أي بينّا لهم الصواب من الخطأ، فاستحبوا الخطأ. ويكون بمعنى " أَلْهَمَ " كقوله: {ثُمَّ هدى} [طه: 50]، أي ألهم الذَّكَر من الحيوان إلى إتيان الأنثى.
وقيل: معناه ألهم المصلحة ويكون هدى بمعنى " وَفَّقَ " كما قال " {لاَ يَهْدِي القوم الظالمين} [البقرة: 258] أي لا يوفقهم. والصراط المستقيم كتاب الله. وهو مروي عن النبي [عليه السلام]. وقال ابن عباس: " هو الطريق إلى الله D ". وعن جماعة من الصحابة أنه الإسلام. وقال جابر بن عبد الله: " هو الإسلام وهو أوسع مما بين السماء والأرض ". وعن أبي العالية أنه: " رسول الله A وصاحباه ابو بكر
وعمر ". وهو قول الحسن. وأصله الطريق الواضح. وقال ابن الحنفية: " هو دين الله تعالى ". وسمي مستقيماً لأنه لا عوج فيه ولا خطأ. وقيل: سمي بذلك لاستقامته بأهله إلى الجنة. وأصل {المستقيم}: " الْمُسْتَقْوِم "، فألقيت حركة الواو على القاف وبقيت الواو ساكنة فقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. كما قالوا ميزان، وهو من الوزن. وأصله " مِوْزَان "، ثم قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وكذلك يقلبون الياء واواً
7
إذا انضم ما قبلها نحو " مُوقِنٍ " و " موسِرٍ " لأنه من اليقين واليسار. قوله: {صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. صراط بدل من الأول. والذين أنعم عليهم هم الأنبياء صلوات الله عليهم والصدِّيقون والصالحون بدلالة قوله: {فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين} [النساء: 69]. وقيل: هم أصحاب النبي [عليه السلام]، قاله الحسن. وقيل: هم المؤمنون من بني إسرائيل الذين لم يغيروا ولا بدلوا، بدليل قوله: {يابني إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40]. فلذلك قال هنا: {صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. وقيل: هم المسلمون. وقال أبو العالية: " هم محمد [عليه السلام] وأبو بكر وعمر ".
وقال قتادة: " هم الأنبياء خاصة ". وقال ابن عباس: " هم أصحاب موسى قبل أن يبدلوا ". وهذا دعاء أمر الله D رسول الله A والمؤمنين أن يدعوا به وألا يكونوا مثل المغضوب عليهم - وهم اليهود -، ولا مثل الضالين - وهم النصارى -، ولا على صراطهم. ودخلت " لا " في قوله: {وَلاَ الضآلين} لئلا يتوهم أن {الضآلين} عطف على {الذين} في قوله: {صِرَاطَ الذين}. فبدخول " لا " امتنع أن يتوهم متوهم ذلك إذ لا تقع " لا " إلا بعد نفي أو ما هو في معنى النفي. وقيل: " لا " زائدة. وقيل: هي تأكيد بمعنى: " غير ".
ولم يجمع {المغضوب}، لأنه في معنى الذين غضب عليهم / فلا ضمير فيه إذ لا يتعدى إلا بحرف جر. فلو قدرت فيه ضميراً، كنت قد عديته إلى مفعولين أحدهما بحرف جر / وهذا ليس يحسن فيه. إنما تقول: " غضبت على زيد " و " غضب على زيد ". فالمخفوض يقوم مقام الفاعل. وكذلك {عَلَيْهِم} في موضع رفع يقوم مقام المفعول الذي لم يسم فاعله. والهاء والميم يعودان على الألف واللام. والغضب من الله البعد من رحمته. والضلال الحيرة. " و {غَيْرِ المغضوب} " خفض على النعت " للذين " من قوله {صِرَاطَ الذين}، وحَسَنٌ ذلك لأنه شائع لا يراد به جمع بعينه فصار كالنكرة، فجاز نعته " بغير "، و " غير " نكرة وإن أضيفت إلى معرفة. ويجوز أن تخفض " غير " على البدل من [الذين. وقد قرئ] بالنصب على الحال أو على الاستثناء، وقد شرحت هذا في كتاب: " مشكل الإعراب " بأشبع من هذا. ويقول المأموم إذا سمع {وَلاَ الضآلين}: آمين. ويقولها وحده. واختلف في قول الإمام إياها عن مالك.
و (آمين)، قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى. وقيل: هو دعاء بمعنى: " اللَّهم استجب ". وقال ابن عباس والحسن: " معنى " آمين ": كذلك يكون ". وهي تمد وتقصر لغتان. والمؤمن داع. فقد قال الله لموسى وهارون: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} [يونس: 89]. وموسى كان هو الداعي، وهارون يؤمن، والمؤمن إذا قال: " اللهم استجب " فهو داع بالإجابة، وهو مبني لوقوعه موقع الدعاء / وبني على حركة لالتقاء الساكنين وكان / الفتح أولى به لأن قبل آخره ياء. وروى أبو هريرة عن النبي [عليه السلام] قال: " إِذَا قَالَ الإمَامُ {غَيْرِ
المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين}، فَقُولُوا: آمينَ، فإنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ "، أي من وافقه في الإجابة.
البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم سورة البقرة مدنية روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أُعْطيتُ البَقَرَةَ مِنَ الذِكْرِ الأَوَّلِ وأعْطِيْتُ طَهَ وَالطَوَاسِينَ من ألْوَاحِ مُوسى. وأعْطِيْتُ فَاتِحَةَ الكِتَاب وَخَواتيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، وأُعْطِيْتُ المُفَصَّلَ نَافِلَةً ". وروي عنه أنه قال: "تَجيءُ الْبقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنهما غَمَامَتَانِ أوْ غَيَايَتَانِ ". والغياية والغمامة واحد. فبهذا الحديث وأمثاله، استجاز الناس أن يقولوا: سورة البقرة وسورة كذا وسورة كذا. وهذا إضافة لفظ، لا إضافة ملك، ولا إضافة نوع إلى جنسه، وهو بمنزلة قولك. "باب الدار وسرج الدابة" ومثله قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ). فأضاف القول إليه لأنه هو ينزل به، وهو جبريل - عليه السلام -. وهذا من اتساع لغة العرب.
وروى أبو هريرة ان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لِكُل شَيْءٍ سَنام، وسَنَامُ الْقرآنِ سُورةُ الْبقَرَةِ، فيهَا آية سَيِّدَةٌ آي القُرْآنِ/ لاَ تُقْرَأُ فِي بَيْتٍ فيهِ شَيْطَان إِلا خَرَجَ مِنْهُ وهي آيَةُ الكُرْسِي ". ومعنى سيدة آي القُرآن، عظيمة آي القرآن. وكل آي القرآن عظيم جليل، لا يفضل بعضه بعضاً لكن يعطي الله من الأجر والثواب على بعض ما لا يعطي على بعض، يفعل ما يشاء. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل رجلا: "مَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ فَقالَ: سُوْرَةُ الْبَقَرَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: وأَي الخَيْرِ أَبْقَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ؟ " وقال الحسن: قال رسول الله [- عليه السلام -]: أيُّ الْقُرآنِ أعْظَمُ؟ قَالُوا: اللهُ ورَسولُهُ اعْلَمُ/ قَالَ: سُورَةُ البَقَرةِ. قَالَ فَأَيُّهَا أعْظَمُ؟، قَالُوا: اللهُ وَرَسولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: آيةُ الْكُرْسي ".
1
واختلف العلماء في معاني أوائل السور: فعن ابن عباس أقوال، منها: أنه قال: " الاما؛ أنا الله أعلم، الارا؛ أنا الله أرى ". فالألف: يؤدي عن " أنا "، واللام: يؤدي عن اسم الله. والميم: تؤدي عن " أعلم "، والراء: يؤدي عن " أرى ". وعنه [أن] أوائل السور مأخوذة من أسماء الله. فيقول في {كهيعص} [مريم: 1]: " إن الكاف: من كاف، والهاء: من هاد ". وعنه أيضاً " أنها أقسام، أقسم الله بها، وهي من أسماء الله جل ذكره ". وقد قال بكل قول من هذه الأقوال جماعة من العلماء. وروى عنه عطاء أنه قال في {الم}: " الألف: الله، واللام: جبريل، والميم: محمد A " [ وكذلك] روى الضحاك عنه.
وقال قتادة: " الم، اسم من أسماء القرآن ". وروي مثله عن مجاهد. وعن مجاهد أيضاً أنه قال: " هي فواتح السور ". وقال أبو عبيدة والأخفش: " هي افتتاح كلام ". وقال زيد بن أسلم: " هي أسماء السور ". وروى ابن جبير عن ابن عباس: " {كهيعص} [مريم: 1]: كبير، هاد، عزيز، صادق ". وقال محمد بن كعب: {حم* عسق}: الحاء والميم: من الرحمان، والعين: من العليم، والسين: من القدوس، والقاف: من القهار ". / وقال في {المص}: " الألف واللام: الله، والصاد: من الصمد ". وقال بعض أهل النظر: " هي تنبيه ".
وقال قطرب في معناها: " كان المشركون ينفرون عند قراءة القرآن. فلما سمعوا " {الم} و {المص} وقفوا ليفهموا ما هو وأنصتوا، فاتصلت تلاوة القرآن بها / فسمعوه، وثبتت عليهم الحجة، وجحدوا بعد سماع ما هو حجة عليهم. وهذه حكمة بالغة من الله، والله أعلم بذلك ". وعن قطرب أيضاً أنه قال: " هي حروف ذكرت لتدل على أن هذا القرآن مؤلف من هذه الحروف المقطعة ". وقال أبو العالية: " هي الحروف من التسعة وعشرين حرفاً دارت بها الألسن كلها، ليس فيها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه ونعمائه، وليس منها (حرف) إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم. الألف: مفتاح اسمه: الله، واللام مفتاح / اسمه: لطيف، والميم مفتاح اسمه: مجيد. الألف: آلاء الله، واللام: لطفه، والميم: مجده. الألف: سنة، واللام: ثلاثون سنة، والميم: أربعون سنة ".
وقال جماعة: " هي مما لا يعلمه إلا الله، ولله في [كل كتاب] سر، وهذه الحروف سره في كتابه ". وقيل: هي اسم الله الأعظم. رواه السدي عن ابن عباس. ويروى أن اليهود لما سمعت / {الم}، قالوا: " الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، وهي مدة ملك محمد. أفتدخلون في دين، إنما مدة ملكه إحدى وسبعون سنة. فلما سمعوا {المص} [الأعراف: 1] قالوا: هذا أثقل وأطول؛ الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون والصاد ستون فذلك إحدى وثلاثون ومائة سنة، فلما سمعوا {الر} [يونس: 1] و {المر} [الرعد: 1] و {حم* عسق} [الشورى: 1 - 2]، قالوا: قد لبس علينا الأمر، فما
ندري ما يقيم ملكه. فأنزل الله D: { مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]. فهذا الذي اشتبه عليهم في هذا التأويل والله أعلم. وهذه الحروف تسمى حروف المعجم، وإنما سميت بذلك لأنها مبينة للكلام فاشتق لها هذا الاسم من قولهم: " أعجَمْتُ الِكتَابَ " إذا بَيَّنْتَهُ. وقيل: إنما اشتق لها هذا من قولهم: " عَجَمْتُ الْعُودَ " إذا عَضَضْتَهُ لِتَخْتَبِرَهُ. فيكون " المعجم " من هذا أتى على توهم زيادة الهمزة، كما أتى " لواقع " على توهم حذف الهمزة من " ألْقَحْتُ "، وكان الأصل " ملاقح ". كذلك كان الأصل " المعجوم "، إذا جعلته من " عَجَمْت ". وقد قالوا: / " مسعود "، على تقدير حذف الهمزة من " أسعده الله "، وقرئ: {وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ} [هود: 108]- بضم السين - على ذلك التقدير. فكذلك المعجم من " عجمت " على تقدير حذف الهمزة من " أعجمت "، فيكون معناه حروف الاختبار، وهي موقوفة مبنية على السكون أبداً، إلا أن تخبر عن شيء منها، أو تعطف بعضها على بعض، فتعربها، تقول: هذه جاء وياء ". وهي تؤنث وتذكر.
2
قوله D: { ذَلِكَ الكتاب}. أكثر أهل التفسير على أن " ذلك " بمعنى " هذا ". كما تقول للرجل وهو يحدثك: " ذلك، والله الحق "، أي هذا والله الحق. قال الله جل ذكره: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19]. أي هذا ما كنت منه تحيد. وقال: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196]، أي هذه عشرة كاملة. وقال: {ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام} [البقرة: 196]. أي هذا الحكم لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. وقال: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ} [ص: 64] أي إن هذا وهو كثير في كلام العرب والقرآن. وقيل: إن {ذلك} / على بابها للإشارة إلى شيء / معلوم. واختلف في ذلك المشار إليه. ما هو؟ فقيل: إن {ذلك} إشارة إلى ما نزل من القرآن قبل سورة البقرة.
وقال الكسائي: " {ذلك} إشارة إلى الرسالة والقرآن وعمّا في السماء ". وقيل: إشارة إلى اللوح المحفوظ. وحكى الطبري أن بعض المفسرين قال: " {ذلك}: إشارة إلى التوراة والإنجيل ". وقيل: {ذلك}: إشارة إلى ما وعد به النبي A من أنه سينزل عليه كتاب فوقعت الإشارة على ما تقدم من الوعد. وجيء باللام في {ذلك} للتأكيد في بعد الإشارة. وقال الكسائي: " جيء بها لئلا يتوهم أن {ذلك} مضاف إلى الكاف ". وقيل: جيء بها عوضاً عن المحذوف من " ذا "، لأن أصل " ذا " أن يكون على ثلاثة أحرف، لأن أقل الأسماء ما يأتي على ثلاثة أحرف. وقال علي بن سليمان: " جيء باللام لتدل على شدة التراخي، وكسرت لئلا تشبه لام الملك. وقيل: كسرت لأنها بدل من همزة مكسورة لأن أصل " ذا " " ذاء " على ثلاثة
أحرف بهمزة مكسورة، ومن العرب من يقول في " ذلك " " ذاءك " بالهمز حكاه الفراء وغيره، قال: " وإنما أبدلوا من الهمزة لاماً لأن " ذاء " خرج عن لفظ المضاف، وليس بمضاف، واللام من أدوات المضاف، فأبدلوا من الهمزة لاماً وكسرت لأن الهمزة كانت مكسورة لالتقاء الساكنين ". كان أصل ذا / أن يكون بألفين ليكون على ثلاثة أحرف إذ هي أقل أصول الأسماء فأبدلت الألف الثانية همزة وكسرت لسكونها وسكون الألف قبلها. وقد قال الكسائي: " إنما أبدلوا من الهمزة لاماً لئلا تشبه المضاف " وقيل: إنما كسرت اللام لالتقاء الساكنين لأنها اجتلبت ساكنة، وقبلها الألف من " ذا " ساكنة، وكسرت اللام لالتقاء الساكنين. والاسم من " ذلك "، ذا وقيل: الاسم الذال، وزيدت الألف للتقوية.
ولا موضع للكاف من الإعراب، إنما هي للخطاب، ولو كان لها موضع من الإعراب لكانت في موضع خفض بالإضافة على ظاهر اللفظ. و" ذا " لا يضاف في شيء من كلام العرب، لأنه معرفة، ولأن اللام تفصل بينهما، ولأن المعنى على غير معنى الإضافة. والكتاب مشتق من الكتيبة وهي الخيل المجتمعة، يقال: " تَكتَّب القَوْمُ " إذا اجتمعوا. فسمي المكتوب كتاباً لاجتماع بعض الحروف إلى بعض. ومنه قول العرب: " كُتِبَتْ القِرْبَة " إذا جُمِعَتْ خُرَزاً إلى خُرَز، وكَتَبْتُ البَغلَةَ " إذا جَمَعْتَ بين شُفْرَيْهَا بِحَلْقَة. قوله D: { لاَ رَيْبَ فِيهِ}. / الهاء تعود على (الكتاب) /. وقيل على {ذلك}. وقيل: على {الم} على أن تكون {الم} إسماً من أسماء القرآن.
وقيل: هي راجعة على {هُدًى} مقدمة عليه، يراد به التقديم. أي ذلك الكتاب هدى لا ريب فيه، أي في الهدى. ورجوعها على {الكتاب} أبينها. والكتاب القرآن هو نفي عام نفى الله جل ذكره / أن يكون فيه شك عند من وفقه الله، وقد ارتاب فيه من خذله الله ولم يوفقه، ولذلك قال: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا} [البقرة: 23]. معناه: وإن كنتم على زعمكم في شك من ذلك فأتوا ببرهان على ذلك، فقد أتيناكم بما لا ريب فيه لمن وفق. والريب مصدر " رَابَني الأَمْرُ رَيْباً ". وحكى المبرد: " رَابَني الشيء تبينت فيه الريبة، وأَرَابَنِي إذا لم أتبينها فيه ". وحكى غيره: " أَرَابَ الرجل في نفسه، ورَابَ غيره ". وقوله: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}. الهدى الرشد والبيان.
3
والتقى: اسم جامع لكل خصلة محمودة العاقبة، ومن اتقى الشرك فهو من المتقين، وهو أعظم التقى، وأصله من التَّوقّي وهو التستر، فكأن التقي يستر على جميع ما يذم عليه. وقد فسرنا إعراب هذا وما شابهه في كتاب " تفسير مشكل الإعراب "، فأخلينا هذا الكتاب من بسط الإعراب لئلا يطول إلا أن يقع نادر من الإعراب فنذكره على شرطنا المتقدم. فاعلم ذلك. وقوله: {الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب} الآية. " الذين ": اسم مبهم ناقص لا بد له من صلة وعائد، وهو مبني في الجمع والواحد لمشابهة الحروف، ولأنه بعض اسم، فإن ثَنَّيْتَهُ أَعْربتَه، لأن التثنية تخرجه من مشابهة الحروف إذ الحروف لا تثنى. فإن قيل: فأعربه في الجمع إذ الحروف لا تجمع. فالجواب: إن الجمع مشبه بالواحد، لأنه يأتي إعرابه في آخره كالواحد، ولأنه يأتي على صور وأبنية مختلفة كالواحد، فجرى مجرى الواحد في البناء، والتثنية لا تختلف
أبنيتها، ولا يقع إعرابها في آخرها، فخالفت الواحد والجمع فأعربت، هذه لغة القرآن وأكثر كلام العرب. ومن العرب من يعرب الجمع فيقول في الرفع " أَلَّذُون " فهؤلاء أعربوا الجمع إذ الحروف لا تجمع، وأصل " الذي " تدغم الياء منه محذوفة للتنوين كما تحذف في " عم " و " قاض " في الرفع والخفض. فلما دخلته الألف واللام رجعت الياء لزوال التنوين، وكتب " الذي " بلام واحدة، وأصلها لامان، تخفيفاً ولكثرة الاستعمال. وجرى " الذين " في الجمع على ذلك لقربه من الواحد في المشابهة / المتقدمة الذكر، وكتبت " اللذين " في التثنية بلامين على الأصل، لأن التثنية لا تختلف ولا تأتي في جمع الأسماء إلا على نظام واحد. فلما جرت على أصلها، ولم تختلف كاختلاف الجمع جرت على أصلها في الخط. وأصل الإيمان: التصديق، فالعبد المؤمن يُصَدِّقُ بما أتاه من ربه، والله يصدق عبده بانتظاره ما وعده به من المجازاة على إيمانه، فالله جل ذكره مؤمن، ولا يقال: بكذا، والعبد مؤمن بكذا. وقد قيل: إن المؤمن مأخوذ من الأمان، وذلك أن العبد يُؤَمِّن نفسه من عذاب الله بإيمانه. والله مُؤَمِّن: أي: يُؤَمِّنُ مطيعه من عذابه. والهمز في " يؤمن " الأصل، وبدل الهمزة بواو لانضمام ما قبلها حسن
فصيح. والغيب: كل ما استتر عنك. وهو في هذه الآية البعث، والحساب، والجنة، والنار، وشبهه. قاله سفيان وغيره. وقيل: معنى {بالغيب}: بالقدر. وقال عطاء: " {بالغيب}: بالله جل ذكره ". وقيل: بالقرآن. وقال بعض المتصوفة: " الغيب: القلب، أي يؤمنون بقلوبهم، لأن المنافق يؤمن بلسانه لا بقلبه ". فالإيمان الصحيح / النافع ما اعتقده القلب. وقال بعض العلماء: {يُؤْمِنُونَ بالغيب}، أي: يؤمنون إذا غابوا عن الناس، كما يؤمنون إذا حضروا، أي ليسوا كمن يؤمن بالحضرة، ويكفر بالغيب. وقوله: {وَيُقِيمُونَ الصلاة}.
معناه يديمون أداءها / بفروضها في أوقاتها. وقال الضحاك: " إقامتها تمام سجودها وركوعها وخشوعها وتلاوتها وسنتها ". وأصل " يُقيمُونَ، " يُقْوِمُونَ " على وزن " يُفْعِلُونَ " فألقيت حركة الواو على القاف وأبدل من الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها. / كما قالوا: ميزانٌ وميعادٌ، وهما من الوَعْدِ والْوَزْنِ. وأصل الصلاة في اللغة: الدعاء، لكن سمي الركوع والسجود صلاة للدعاء المستعمل فيها. والعرب تسمي الشيء باسم [ما لابَسَه وقاربه]. والصلاة من الله: الرحمة لعباده، ومن الملائكة. والأنبياء: الدعاء، وكذلك هي من الناس. وروى أبو هريرة أن النبي [ A] قال: " إذا دُعِيَ أحَدُكُمْ إلى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فإنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيَأكُلْ، وإنْ كَانَ صَائِمَاً فَلْيُصَلِّ " أي: فليدع.
وقال الأعشى لابنته لما دعت له في قولها: . . . . . . . . . . . . ... " يا ربِّ جَنِّب أَبي الأوصَابَ والْوَجَعَا. عليك مثل / الذي صليت فاغتمضي ... نوماً فإن لجنب المرء مضطجعاً. أي: دعوت. وقيل: إنما سميت الصلاة صلاة لأنها مشتقة من الصلويْن وهما عرقان في الردف، ينحنيان في الصلاة. / وكتبت الصلاة في المصاحف بالواو لتدل على أصلها، لأن أصل الألف الواو، وأصلها صلوة. فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت في اللفظ ألفاً؛ دليله قولهم في الجمع: " صَلَواتٌ ". وقد ذكرنا أن الجمع يرد الأشياء إلى أصولها ولذلك قلنا: إن أصل " ماء ": مَوْهٌ " وإن الألف بدل من الواو، والهمزة بدل من الهاء. ودل على ذلك قولهم في الجمع: أمْوَاءٌ، فرد إلى أصله. وقيل: إنما كتبت بالواو لأن بعض العرب يفخم اللام والألف حتى تظهر الألف كأن لفظها يشوبه شيء من الواو.
والقول الأول والآخر، به يعلل ما كتبوه من " الزكوة " و " الحيوة " وشبهه بالواو، فأعلمه. وهاتان الآيتان نزلتا في مؤمني العرب دون غيرهم، بدلالة قوله بعد ذلك: {والذين يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ} يريد من آمن من اليهود والنصارى. وقيل: [بل الأربع] الآيات نزلت في مؤمني أهل الكتاب. وقيل: بل هي في جميع من آمن بمحمد عليه السلام. إذ لم يؤمن [أحد به] إلا وهو مؤمن بالغيب مما أخبره به النبي A والكتاب. واختار الطبري القول الأول. وقال مجاهد: " أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين وآيتان بعدها في نعت الكافرين وهم قادة الأحزاب و [ثلاث عشر] آية بعد ذلك في المنافقين ". وقوله: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}. معناه: يتصدقون ويزكون.
وقيل: " هي نفقة الرجل على عياله ". قاله السدي. وأصل " ما " في قوله: {وَممَّا} أن تكتب منفصلة، لأنها بمعنى " الذي ". والهاء محذوفة من {رَزَقْنَاهُمْ}، أي وبعض الذي رزقناهم ينفقون منه. فحذفت من صلة " ما " لطول الاسم. فإن كانت " ما " بغير معنى " الذي "، وإنما هي صلة، كان أصلها أن تكتب متصلة بما قبلها نحو قوله: {إِنَّمَا الله إله وَاحِدٌ} [النساء: 171]، {إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الحج: 49] وشبهه. وقد وقعت " ما " متصلة بما قبلها من الجار في الخط، وهي بمعنى " الذي "، وأصلها الانفصال، وإنما جاز ذلك فيها لأن الجار والمجرور كالشيء الواحد، وذلك نحو " مما " و " عما ". وأيضاً فإنه / لما كان حرف الجر الذي على حرف واحد لا ينفصل مما جرى ما كان على حرفين على ذلك لأنها كلها حروف الجر، فوصلن بما قبلهن من الجار في الخط لارتباط الجار بالمجرور مع كثرة الاستعمال. وقيل: إنه لما أدغمت النون في الميم فلم يظهر للنون لفظ / لم يثبت في الخط في مواضع وثبت في الخط في مواضع لبقاء الغنة ظاهرة، فمرة حمل على زوال لفظ النون ومرة حمل على بقاء الغنة في اللفظ. واعلم أن " كل ما "، إذا كانت بمعنى " إذا " و " متى "، وصلتها مع " ما "، فإن
4
كانت على غير ذلك فصلتها من " كل "، تقول: " كلما جاءني زيد أكرمني. أي " إذا جاءني زيد "، فتصل " ما " " بكل ". وتقول " يسرني كل ما يسرك " فتفصل " ما " من " كل " لأنها بمعنى " الذي ". وقد كتبت " بِئْسَما " و " نِعِمّا " مَوْصُولةَ وأصلها أن تفصل " ما " مما قبلها في الخط لأن " ما " اسم، وليست بصلة / وكذلك وصلت " حينئِذٍ " و " يؤمَئِِذٍ ". وأصل " إذا " الانفصال مما قبلها، لكن وصلت لكثرة الاستعمال والاختصار والإيجاز. وقوله: {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} أي: بالقرآن. {وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ}. أي: بالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وبجميع ما أنزله الله على أنبيائه. وقوله: {وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ}. أي: بالبعث والحشر والجنة والنار يصدقون. وسميت الآخرة آخرة لأنها بعد الأولى وهي الدنيا. وقيل: سميت بذلك لتأخرها عن الناس.
5
وقوله: {يُوقِنُونَ} أي: يصدقون بالبعث / والحشر والجنة والنار. وقوله: {أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} أي على هداية ورشد وبيان. قال محمد بن إسحاق: " على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم ". و" أولاء " جمع " ذا " المبهم من غير لفظه، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين. وعلة بنائه مشابهته للحروف، وإنما شابه الحروف لمخالفته لجميع الأسماء إذ لا يستقر على مسمى، فلما خالف جميع الأسماء والحروف أيضاً مخالفة لجميع الأسماء إذ لا تفيد معنى في نفسها، إنما تفيده في غيرها، والأسماء تفيد المعاني بأنفسها، فاتفقا في مخالفة الأسماء فبنيت هذه الأسماء لذلك. وحق البناء السكون، لكن اجتمع في آخر " أولاء " ألفان فأبدل من الثانية همزة وكسرت لسكونها وسكون ما قبلها والكاف لا موضع لها، إنما هي للمخاطب ككاف " ذلك ". وقوله: {هُمُ المفلحون}. {هُمُ}: مبتدأ و {المفلحون}: الخبر، والجملة: خبر عن {أولئك} ويجوز أن تكون {هُمُ}: فاصلة لا موضع لها من الإعراب وهي وأخواتها يدخلن فواصل
بين الابتداء والخبر دخل عليه عامل أم لم يدخل، ولا تكون إلا إذا كان الخبر معرفة أو ما قارب المعرفة، فإن كان الخبر نكرة أو فعلاً أو جملة لم تكن إلا مبتدأة. فهذا أصل الفاصلة فاعرفه، وهي تكون فاصلة على أحد ثلاثة أوجه: - إما أن تكون فصلاً بين المعرفة والنكرة، فيكون دخولها يدل على أن الخبر معرفة أو ما قرب من المعرفة. - والثاني: أن تدخل فصلاً بين النعت والخبر، فدخولها فاصلة يدل على أن ما بعدها خبر لما قبلها، وليس بنعت لما / قبلها، فإذا قلت: " إن زيداً هو الظريف " علم بدخول " هو " أن " الظريف " خبر، وليس بنعت لزيد. - والثالث: أن تدل بدخولها مع " كان "، على أن " كان " هي الناقصة التي تحتاج إلى خبر، وليست بـ " كان " التامة التي لا تحتاج إلى خبر، ولا تكون الفاصلة إلا وهي الأولى. في المعنى تقول: " كان زيد هو العاقل ". " فهو ": هو / زيد في المعنى، ولو قلت: " كان زيد أنت الضارب إياه "، لم تكن " أنت " فاصلة، لأنها ليست هي الأولى في المعنى، ولا تكون هنا إلا مبتدأة.
6
وأصل الفلاح البقاء في الخير، فالمعنى: وأولئك هم الباقون في النعيم المقيم، والمؤمن مفلح لبقائه في الجنة، ثم اتسع فيه، فقيل لكل من قال خيراً: مفلح. قوله: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ}. هذه الآية نزلت في قوم سبق في علم الله فيهم أنهم لا يؤمنون، فأعلم الله نبيه A أن الإنذار لا ينفعهم لما سبق لهم في علمه، وَثَمَّ كفار أُخَر نفعهم الإنذار فآمنوا لما سبق لهم في علم الله سبحانه من الإيمان به، فالآية عامة في ظاهر اللفظ يراد به الخصوص، فهي في من تقدم له في علم الله أنه لا يؤمن خاصة، ومثله {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} [الكافرون: 3]. وذلك أن رسول الله A كان حريصاً على إيمان جميع الخلق، فأعلمه الله D في هذه الآية أن من سبق له في علم الله [سبحانه الكفر والثبات عليه] إلى الموت لا يؤمن ولا ينفعه الإنذار، وأن الإنذار وتركه سواء عليه. وهذا مما يدل على ثبات
القدر بخلاف ما تقوله المعتزلة. وقيل: نزل ذلك في قادة الأحزاب، وهم الذين نزل فيهم {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين / بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً} [إبراهيم: 28] الآية. وهم الذين قتلوا يوم بدر، قال ذلك الربيع بن أنس. وقال ابن عباس: " نزلت في اليهود الذين جحدوا بمحمد A استكباراً وحسداً مع معرفتهم أنه نبي A ". وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: " حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف مع أصحابهما من رؤساء اليهود الذين دخلوا على النبي [عليه السلام] وسألوه عن {الم * ذَلِكَ الكتاب} ". وقيل: هي عامة في كل كافر تقدم له في علم الله أنه لا يؤمن. وأصل الكفر التغطية. ومنه قيل لِلّيل: كافر، لأنه يستر بظلمته ما فيه.
ويقال للزراع: كفّار، لأنهم يسترون الحب في الأرض، ومنه قوله {يُعْجِبُ الزراع} {الفتح: 29]. ومنه قولهم: " كَفّارَةُ اليمين ". لأنها تستر الإثم عن الحالف، ومنه سمي الكافر لأنه يستر الإيمان بجحوده. ومعنى لفظ الاستفهام في / {ءَأَنذَرْتَهُمْ} للتسوية، وهو في المعنى خبر، لكن التسوية تجري في اللفظ مجرى لفظ الاستفهام، والمعنى [على الخبر]، تقول: " سواء عليَّ أقمت أم قعدت. وإنما صار لفظ التسوية مثل لفظ الاستفهام للمضارعة التي بينهما، وذلك أنك إذا قلت: " قد علمت أزيد في الدار أم عمرو "، فقد سويت علم المخاطب فيهما، فلا يدري أيهما في الدار، وقد اسْتَوَى علمك في ذلك، وتدري
أحدهما في الدار ولا تدريه بعينه. فهذا تسوية. وتقول في الاستفهام: " أزيد في الدار أم عمرو؟ "، فأنت لا تدري أيهما في الدار، وقد استوى علمك في ذلك وتدري أن أحدهما في الدار، ولا تدري عينه منهما، فقد صار الاستفهام كالتسوية في عواقب الأمور، غير أن التسوية إبهام على المخاطب وعلم يقين عند المتكلم، والاستفهام إبهام على المتكلم. ويجوز أن يكون المخاطب مثل المتكلم في ذلك، ويجوز أن يكون عنده يقين ما سئل عنه. فاعرف الفرق بينهما. وقوله: {ءَأَنذَرْتَهُمْ}، فيه عشرة أوجه. - الأول: تحقيق الهمزة الأولى، وتخفيف الثانية بين الهمزة والألف. وهي لغة قريش وكنانة، وهي قراءة ورش عن نافع وابن كثير.
- والثاني تحقيق الأولى وبدل الثانية بألف، وهو مروي عن ورش وفيه ضعف. - والثالث: تحقيق الهمزيين وهي قراءة أهل الكوفة، وابن ذكوان عن ابن عامر. - والرابع: حذف الهمزة الأولى وتحقيق الثانية. وهو مروي عن الزهري، وهي قراءة ابن محيصن، وذلك لأن " أم " تدل على الألف المحذوفة.
- والخامس: تحقيقهما جميعاً وإدخال ألف بينهما. وبذلك قرأ ابن أبي إسحاق. - والسادس: تحقيق الأولى، وتخفيف الثانية بين الهمزة والألف، وإدخال ألف بينهما. وبذلك قرأ أبو عمرو، وقالون، وإسماعيل بن جعفر عن نافع، وهشام بن عمار عن ابن عامر.
- والسابع: ذكره أبو حاتم قال: " يجوز أن تدخل بينهما أيضاً، وتحذف الثانية "، فيصير لفظ هذا الوجه كلفظ الوجه الثاني المذكور. - والثامن: ذكره الأخفش قال: " يجوز أن تخفف الأولى منهما وتحقق الثانية "، ولم يقرأ بهذا أحد، وهو بعيد ضعيف لأن الاستثقال لا يقع في أول الكلام، ولأن الهمزة المخففة بين بين، لا يبتدأ بها إلا أن تريد أن تصل الهمزة بما قبلها وتلقي حركتها على الميم الساكنة قبلها، فهو قياس، وليس عليه عمل. - والتاسع: ذكره أبو حاتم أيضاً قال: " يجوز أن تخفف الهمزتين ". وهو بعيد، ولم يقرأ به أحد، وله قياس إذا وصلت كلامك، فتلقي / حركة الأولى على الميم الساكنة قبلها، وتخفف الثانية بين بين، وهو بعيد جداً. - والعاشر: ذكره الأخفش أيضاً؛ قال: " يجوز أن تبدل من الأولى هاء، فتقول: " هانْذَرْتَهُمْ ". ولم يقرأ به أحد ومخالف للخط، وقياسه في العربية جيد. ويجوز مع
7
بدل الأولى " بهاء " أن تحقق الثانية وأن تخففها، وتدخل بين الهمزة والهاء ألفاً، وأن تحقق الثانية وتدخل بينهما ألفاً، فتبلغ الوجوه إلى أربعة عشر وجهاً. قوله: {خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ}. معناه طبع الله عليها مجازاة لهم بكفرهم. وقيل: معناه: حكم الله عليهم بذلك لما سبق في / علمه من أنهم لا يؤمنون. وقيل: معناه: أنهم [لما تجاهلوا عن] قبول أمر الله D وفهمه، وَصَمُّوا عن أمر الله سبحانه، جعل الله تعالى ذلك منسوباً إليهم عن فعلهم، كما يقال: " أهلكه المال " أي هلك به. وقيل: معناه: أن الله تعالى جعل ذلك علامة تعرفهم بها الملائكة. وأصل الختم الطبع. والرين على القلب دون الطبع، والقفل أشد من الختم. قال مجاهد: " القلب مثل الكف، فإذا أذنب العبد قبض عليه - وأشار بقبض الخنصر تمثيلاً - ثم إذا أذنب قبض عليه، ومثل بقبض البنصر هكذا حتى ضَمَّ
أصابعه كلها. ثم يطبع عليه أي يختم ". وقال ابن عباس: " إنما سمي القلب قلباً لأنه يتقلب ". وروى أبو موسى الأشعري أن النبي [عليه السلام] قال: " الْقَلْبُ مِثْلُ رِيشَةٍ فِي فَلاَةٍ يُقَلّبُهَا الرّيحُ ". وعنه في حديث آخر: " تُقَلِّبُهَا الرِّيحُ بِأرضِ " فضاءِ ظَهْر البَطْنٍ ". قوله: {على قُلُوبِهمْ}. تكتب " على " " وإلى " و " لدى " بالياء دون سائر الحروف مثلها لأنها أخف من الأفعال، وكثر استعمالها، ولأن ألفها يرجع إلى الياء مع المضمر دون سائر الحروف فكتبت مع المظهر بالياء لذلك. وتقع " على " بمعنى الباء، تقول: " آركب على اسم الله " أي باسم الله. وتقع بمعنى " مع " نحو قولك: " جئت على زيد " أي معه. وتقع بمعنى " من " نحو قوله: {عَلَى الناس / يَسْتَوْفُونَ} [المطففين: 2] أي من الناس. وتقع أيضاً في مواضع
حروف أخر قد ذكرناها في كتاب مفرد للحروف. وقوله: {وعلى سَمْعِهِمْ}. إنما وُحِّد السمع لأنه مصدر يقع على القليل والكثير. وقيل: وُحِّد لأنه يؤدي عن الجمع. وقيل: التقدير: " وعلى مواضع سمعهم "، ثم حذف المضاف وإنما أعيدت " على " في قوله: " {وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أبصارهم} للتأكيد في الوعيد. وقيل: أعيدت لأجل مخالفة السمع للقلوب في أنه أتى / بلفظ التوحيد، وأتت القلوب بالجمع. وقيل: أعيدت لأن الفعل مضمر مع الحرف تقديره: " وختم على سمعهم ". فأما إعادة الحرف في {وعلى أبصارهم}، فلِلعِلَلِ التي ذكرنا، ولأنه حرف متصل بفعل مضمر غير الأول فقويت فيه الإعادة، والتقدير: " وجعل على أبصارهم غشاوة ". وهذا، إنما هو على قراءة من نصب غشاوة، وهو مروي عن عاصم. فأما من رفع، فإنما أعيد الحرف لأنه مخالف للأول، لأنه خبر ابتداء.
8
ومعنى الغشاوة الغطاء، ومنه: " غاشية السيف والسرج " أي غطاؤه. وفي {غِشَاوَةٌ}، لغات قرئ بها، وهي فتح الغين؛ وبه قرأ أبو حيوة، وضم الغين؛ وبه قرأ الحسن. وقرأ الأعمش " غَشْوَة " على فعلة. وقوله: {وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ} الآية. أصل نون " مِنْ " أن تكسر لالتقاء الساكنين كنون " عَنْ " إذا لقيها ساكن، لكنها فتحت استثقالاً لاجتماع كسرتين / في حرف على حرفين. والهاءات من قوله: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ} إلى قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} تعود على الكفار كلهم على من سبق في علم الله منهم أنه لا يؤمن.
9
وقيل: تعود على كفار اليهود الذين عاندوا النبي A بالمدينة، والسورة مدنية. وقيل: عني بهذه الآية المنافقون؛ يظهرون الإيمان ويضمرون الكفر. قوله: {يُخَادِعُونَ الله}. الخداع: إظهار خلاف الاعتقاد. وقوله: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم}. أي وباله يرجع عليهم. واختار جماعة من العلماء: (وَمَا يَخْدَعُون) - بفتح الياء وسكون الخاء - من غير ألف، وهي قراءة ابن عامر وأهل الكوفة، وإنما اختاروا ذلك لأن الله جل ذكره أخبر عنهم أولاً أنهم {يُخَادِعُونَ الله}. ولفظ قوله: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم}، نفي ذلك، فيصير في ظاهر اللفظ قد أوجب شيئاً ثم نفاه بعينه، فوجب أن يختاروا {وَمَا يَخْدَعُونَ}
ليكون المنفي على معنى مخالفاً للموجب. [فأما وجه] قراءة من قرأ الثاني " {وَمَا يَخْدَعُونَ} بألف فهو على معنى: وما يخادعون تلك المخادعة المذكورة عنهم إلا أنفسهم، إذ وبالها راجع عليهم. و" خادع " في اللغة، يجوز أي يكون معناه / معنى " خدع " من واحد. ومعنى " خدع " بلغ مراده. فلذلك أجمع القراء على {يُخَادِعُونَ} في الأول لأنه ليس بواقع، وفي الثاني {يُخَادِعُونَ} بغير ألف لأنه أخبر تعالى أنه واقع بهم وراجع عليهم. وذكر القتبي أن معنى الأول: يخادعون بالله الذين آمنوا / وهو قولهم إذا لقوا المؤمنين: آمنا ". وأصل المفاعلة أن تكون من اثنين، لكن قد أتت من واحد، قالوا: " عَاقَبْتُ اللِّصَّ "، " وَطارَقْتُ النَّعْلَ " و " جَازَيْتُ فُلاناً وَحَادَيْتُهُ وََوَادَعْتُهُ وَدارَيْتُهُ ". والمخادعة في هذا المعنى إنما هي للنبي / A وأصحابه، أي يخادعون نبي الله وأولياءه. و " خدع " فعل واقع، و " خادع " فعل يجوز أن يقع، ويجوز ألا يقع،
10
فلذلك اختار بعض العلماء، {وَمَا يَخْدَعُونَ} إلا أنفسهم لأنه فعل واقع بهم بلا شك، " فَيَخْدَعُون " أولى من " يخادعون " الذي يجوز أن يقع، ويجوز ألا يقع. وقوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ}. أي ليس يشعرون، أي يعلمون أن ضر مخادعتهم راجع عليهم. وقوله: {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ}، أي مؤلم. وجمع " أليم " فيه ثلاثة أوجه: إن شئت: " إلام " كَكَريم وكِرَامٍ، وإن شئت: أُلَماء كَظَريفٍ وَظُرَفَاء وإن شئت " أَلاْمٌ " كَشَرِيف وأَشْرافٍ. و" فعيل " يأتي على ضربين: اسم وصفة؛ فإذا كان اسماً، فجمعه في أقل العدد على " أَفْعِلة "، وفي أكثره على " فَعُل " كَرَغِيفٍ وأَرْغِفَةٍ ورُغفٍ. وقد يأتي في الكثير على " فُعْلانٍ "، قالوا: " رُغْفَانٌ وقُضْبَانٌ وكُثْبَانٌ "، وقد أتى على " أفْعِلاَء "، نصيبٌ وأنصباءٌ، وخميسٌ وأخْمِساءٌ ".
فإن كان " فَعيلٌ " صفة، فهو على نوعين: سالم ومعتل: - فالسالم يجمع على " فُعَلاء " نحو " كرماء "، و " عُلَماء " وقد قالوا: كِرامٌ وشِرافٌ. - والمعتل يجمع على أفعلاء نحو " أَوْلِياء " و " أَصْفِياءَ ". وكذلك المضاعف نحو " أَشِدَّاء " و " أَشِحَّاء "، وقد قالوا: أَنبياءٌ يجمع على أفعلاء على تقدير لزوم تخفيف الهمزة فيصير " كَتَقي وأَتْقِياء ". ومن همز قال: نَبِئاء على " فُعلاَءَ " ويجوز على مذهب من همز أنبياء [بجعله نادراً] " كخميس وأخمساء ". وقد قالوا: [في جمع] جليل: جلّة، وهو نادر استغنوا به عن " أَجِلاّء ". وقوله: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}. أي: شك ونفاق.
{فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً}. الزيادة هنا هي نزول القرآن بالفروض فلا يتبعونها، فيزدادون شكاً، ويزداد المؤمنون بعمل الفرائض إيماناً كما قال: {فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً} [التوبة: 124 - 125]. وقوله: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}. أي بتكذيبهم الرسل. وقيل: بتكذيبهم محمداً A. وهذا التفسير يدل على صحة قراءة من قرأ {يَكْذِبُونَ} بالتشديد، ويدل على قوة التشديد أن الكذب لا يوجب العذاب الأليم، إنما يوجبه التكذيب. وأيضاً فإنه تعالى أخبر عنهم بالشك في أول الكلام، ومن شك في شيء فقد كذب به، فالتكذيب أولى بآخر الآية على هذا القول. ومما استدل به من قرأه {يَكْذِبُونَ} / بالتخفيف؛ أن الله جل ذكره أخبر أنهم يقولون: {آمَنَّا} وقال: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}. فأخبر عنهم بالكذب في قولهم: {آمَنَّا}. وتوعَّدهم عليه بالعذاب الأليم، وهو من الكذب أولى من أن يكون من التكذيب إذ لم يتقدم في صدر الآية إلا الإخبار عنهم بالكذب، لا بالتكذيب.
11
والقراءتان قويتان متداخلتان حسنتان لأن المَرَض الشك ومن شك في شيء فقد كذب به. قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ}. كل النحويين على أن " إذا " ظرف زمان مستقبل. وقال المبرد: " هي في المفاجأة ظرف مكان إذا قلت: " خرجت فإذا زيد ". واستدل على ذلك بأنها قد تضمنت الجثة، وظروف الزمان لا تتضمن الجثة، لو قلت " اليوم زيد " لم يجز إلا على حذف مضاف تقديره /: اليوم حدوث زيد. وقال أكثر النحويين: " إذا ": في المفاجأة ظرف زمان على أصلها والتقدير: " خرجت فإذا حدوث زيد وظروف الزمان تتضمن المصادر كظروف المكان. وأصل " قيل ": " قول " فألقيت حركة الواو على القاف وانقلبت الواو ياء لسكونها / وانكسار ما قبلها. وكذلك " بِيعْ " أصله " بِيِعَ "، فألقيت حركة الياء
على الباء، فصارت ذوات / الواو والياء بلفظ واحد، وهي اللغة المشهورة المستعملة. ولك أن تشم القاف والياء بالضم الذي هو أصلها، وقد قرئ به. ولك في غير القرآن أن تقول: " قُوْل ": فتسكن الواو استثقالاً للكسر عليها، وتترك القاف على ضمتها، وكذلك يجوز لك فيما كان عينه ياء، نحو: " بُوع المتاع "، فيصير ذوات الواو والباء بلفظ واحد، كما صار في اللغة الأولى المستعملة بالياء فيهما. قوله: {لاَ تُفْسِدُواْ}. أي: لا تعبدوا إلا الله، وعبادة غير الله من أعظم الفساد. وحكى الكسائي " اللَّرض " بتشديد اللام وعوض من الهمزة لاماً، وإدغامها في لام التعريف. وقال الفراء في هذه اللغة: " إن لام التعريف لما ألقي عليها حركة الهمزة استكره ذلك فيها إذ أصلها السكون، فزيد بعدها لام أخرى وأسكن الأولى فردها إلى أصلها وأدغمها في اللام المزيدة، فرجعت لام التعريف إلى
أصلها وهو السكون ". قوله: {قالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}. هذا قولهم على دعواهم وليسوا كذلك، لأن من أبطن الكفر وأظهر الإيمان فهو من أعظم المفسدين. وهذا كله خبر عن المنافقين. قال مجاهد وغيره: " أربع آيات من أول سورة البقرة / نزلت في نعت المؤمنين وآيتان بعد ذلك في نعت الكافرين، [وثلاث عشرة] آية بعد ذلك في نعت المنافقين. وقال مقاتل بن سليمان: " الآيتان الأوليان من سورة البقرة اللتان آخرهما {يُنْفِقُونَ} نزلتا في المؤمنين من أصحاب رسول الله A المهاجرين. والآيتان اللتان آخرهما {المفلحون} نزلتا في المؤمنين من أهل التوراة، والآيتان اللتان بعدهما، اللتان آخرهما {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} نزلتا في الكفار. [وثلاث عشرة] آية بعدهما نزلن في
المنافقين من أهل الكتاب ". قوله: {نَحْنُ}. هو اسم مضمر يقع للواحد الجليل القدر، وللاثنين وللجماعة. وحقه البناء على السكون لأنه مضمر، والمضمرات كلها مبنية؛ وإنما بنيت لأنها مشابهة للحروف، إذ لا تخص شيئاً بعينه، ولأنها تكون على حرف واحد، وحرف واحد لا يعرب. وإنما حرك " نحن " وحقه السكون لأن قبل آخره ساكن يحرك الآخر لالتقاء الساكنين. واختير لها الضم في قول المبرد لأنها مشبهة بِ " قَبْلُ " و " بَعْدُ "، وذلك لأنها تتعلق بالإخبار عن اثنين فأكثر. وقال هشام الكوفي: " أصل " نَحْنُ ": نَحُن، فردت حركة الحاء على النون بعدها ".
وقال أحمد بن يحيى: " ضمت " نحن " لقوتها لأنها تضمنت التثنية [والجمع]، وقد تكون للواحد فأعطيت أقوى الحركات وهي الضم ". وقيل: إنما ضمت لتضمنها تثنية وجمعاً، فصارت مشبهة بـ " حيث " لانها تضمنت مكائن. وقال الزجاج: " لما كانت الواو من علامات الجماعة واحتيج إلى حركة النون من " نحن " لسكونها وسكون ما قبلها، حركت بما يشبه الواو وما هو منها، وهي الضمة. ولهذا ضموا واو الجمع إذا احتاجوا إلى حركتها في نحو قوله: {اشتروا الضلالة} [البقرة: 16]. وقال علي بن سليمان: " نحن " من علامات المضمر المرفوع فلما احتيج إلى
حركته حركوه بأخت الرفع وهو الضم ". ومعنى قولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} أي هذا الذي تسمونه / فساداً هو صلاح عندنا. وقيل: إن معناه: [أنهم قالوا]: نريد الإصلاح بين المؤمنين وأهل الكتاب. وعن سلمان الفارسي أنه قال: " لم يجىء هؤلاء بعد ". وأكثر المفسرين على أن هذا نزل في المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله A. وقيل: معنى قول سلمان: " لم يجئ هؤلاء بعد " أي لا يأتون لأنهم قد انقرضوا.
فإن قيل: ما على من لم يعلم أنه مفسد من الذم، فقد أخبر الله عنهم أنهم لا يعلمون أنهم مفسدون / فالجواب أن القوم كانوا يبطنون الفساد وهم يعلمون به، ويظهرون / الصلاح الذي ادعوا، وهم لا يشعرون أن الله يظهر ما يبطنون، فإنما معنى {ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ}: أي لا يعلمون أن الله يظهر ما يبطنون من النفاق والكفر. والهاءات من: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} إلى {يَشْعُرُونَ} يعدن على " من " في قوله: {مَن يَقُولُ آمَنَّا} وهم المنافقون. وعلى هذا أكثر الناس. ودخلت الألف واللام في (المُفْسِدينَ)، لأنه جواب كلام سبق منهم إذ قالوا: محمد وأصحابه مفسدون في الأرض. فأخبر الله أنهم هم المفسدون، ولو كان على غير جواب لم يدخله الألف واللام. ألا ترى لو أنك قال لك قائل: " أنت ظالم "، فأردت أن ترميه بغير الظلم لقلت: " أنت كاذب أنت فاسق "، ولا تقوله بالألف واللام، لأنه غير جواب قوله. فإن أردت أن ترميه بمثل ما رماك به، قلت له: " أنت الظالم "، ولو أضمرت / لقلت: " أنت هو ". ولو رميته بمثل ما رماك به لم يجز الإضمار في جوابك،
13
إنما تضمر إذا رميته بمثل ما رماك به، لأنه معرفة، فالجواب معرف أبداً إذا كان رد اللفظ / الأول. قوله: {كَمَآ آمَنَ السفهآء}. أصل السفه قلة الحلم، فقيل للجاهل سفيه لقلة حلمه يقال: ثوب سفيه، أي بال رقيق. قول: {ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء}. ردَّ الله عليهم قولهم وأعلم المؤمنين أنهم أحق بهذا الاسم، ولا عذر لهم فيما وصفهم الله به من السفه لأنهم إنما لحقهم ذلك إذ عَابوا الحق وخالفوه، وسفهوا المؤمنين واستحقوا هذا الاسم لفعلهم، وكانوا به أولى من المؤمنين. قوله: {ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ}. معناه [أنهم لا يعلمون] أنهم أولى بهذا الاسم وهو السفه، وأن الله يطلع المؤمنين على ما يبطنون. قوله: {وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ} الآية.
أصل " لَقُوا ": " لقيُوا "، فألقيت حركة الياء على القاف، وحذفت الياء لسكونها وسكون الواو بعدها. [وهذه] صفة المنافقين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر. قوله: {وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ}. يعني أصحابهم، وقيل: رؤساؤهم في الكفر قال الله: {شياطين الإنس} [الأنعام: 112] فسمى أهل الفسق من الإنس شياطين. وقيل: الشياطين هنا الكهان. وقيل: هم الكفار والمنافقون إذا لقوهم قالوا: {إِنَّا مَعَكُمْ} أي على دينكم. و" إلى " بمعنى " مع "، كما قال: {وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2]، أي مع أموالكم.
وقيل: إلى على بابها. [والعرب] تقول: " خلوت به "، و " خلوت إليه ومعه "، لكن الباء يجوز أن تدل على أن معنى " خلوت به " من السخرية و " إلى " لا تدل إلا على " خلوت إليه " في أمر ما. والآية ليست / على معنى السخرية، فلذلك لم يأت بالباء لما فيها من الإشكال إذ هي تحتمل معنى " إلى "، وتحتمل السخرية. وأيضاً فإن معنى " إلى " أنه على معنى: [وإذا صرفوا] إلى شياطينهم / قالوا: إنا معكم، أي على دينكم [فالجالب لِ إلى "] الانصراف الذي دل عليه الكلام، والباء لا تدخل مع الانصراف الذي دل عليه الكلام، فلذلك أيضاً لم تدخل مع " خلوا ". وفي اشتقاق " شيطان " قولان: - قيل: هو فعلان من " شيط " فلا ينصرف إذا سميت به في المعرفة للتعريف
والزيادتين كعثمان، وينصرف في النكرة، وذلك المستعمل فيه في الكلام والقرآن. أعني النكرة على أنه واحد من جنسه كَسِرْحَان اسم واحد " الذِّئَاب ". - وقيل: هو (فَيْعَال) من الشطن وهو الحبل، فيكون معناه أنه ممتد في الشر، ومنه " بِئْر شَطُونٌ "، إذا كانت بعيدة الاستقاء. وهو عند القتبي فَيْعال " من شطن " أي بَعُدَ من الخير يقال: " شطنت داره "، أي بعدت. فهو ينصرف على هذين القولين في المعرفة والنكرة. وتصغيره على القول الأول في المعرفة شيطان، ولا يجمع على شياطين إلا أن تجعله نكرة فيجمع على شياطين. " كسرحان، وسراحين، ووزنه فعالين على مذهب من جعله مِنْ " شَيَّطَ " ووزنه (فياعيل) على مذهب من جعله من " شطن " وتصغيره على القولين الآخرين " شييطين " في المعرفة والنكرة. قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}. أي نستهزئ بالمؤمنين في قولنا / لهم: " آمنا ". وهمزة " مستهزئون " يجوز في تخفيفها وجهان: أحدهما: أن تجعلها بين الهمزة المضمومة والواو
15
الساكنة، وهو قول سيبويه. والوجه الثاني: أن تجعلها بين الهمزة المضمومة والياء الساكنة لأجل انكسار ما قبلها وهو قول الأخفش. وحكى بدلها بياء مضمومة وليس بقياس. قوله: {الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ}. معناه: الله يجازيهم على قولهم. والعرب تسمي جزاء الذنب باسمه. قال الله جل ذكره: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40]. وقال: {فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]. فالأول من هذا استهزاء وسيئة، وعدوان، والثاني: جزاء عليه، فسمي باسمه اتساعاً لأن المعنى قد علم. وقيل: معنى {الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ}: أي يقطع عنهم نورهم يوم القيامة إذا أخلوا على الصراط [ويديم نور] المؤمنين وهو قوله: {فالتمسوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ} [الحديد: 13]، فهو يعطيهم يوم القيامة نوراً لا يتم لهم، ولا
ينتفعون به / لانقطاعه عنهم. وقال الحسن: " إن جهنم تجمد كما تجمد الإهالة في القدر، فيقال لهم: هذا طريق، فيمضون فيه فيخسف بهم إلى الدرك الأسفل من النار. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: " يقال لأهل النار يوم القيامة: أخرجوا من النار. وتفتح لهم أبواب النار فإذا رأوا الأبواب قد فتحت أقبلوا إليها، يريدون الخروج منها، والمؤمنون ينظرون إليهم من الجنة - وهم على الأرائك - فإذا انتهى أهل النار إلى أبوابها يريدون الخروج منها غلقت [أبوابها دونهم]، فذلك قوله: {الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ}، قال: ويضحك المؤمنون عند ذلك، وهو قوله: {فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ} [المطففين: 34]. وقيل معنى: {الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} أي يظهر لهم من أحكامه في الدنيا في حقن دمائهم وسلامة أموالهم خلاف ما يظهر لهم من عذابه يوم القيامة جزاء على إظهارهم للمؤمنين في الدنيا خلاف ما يبطنون. وقيل: معناه: يُمْلي لهم، كما قال: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [القلم: 44].
16
/ قوله: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. أي يطيل لهم في الأجل المكتوب لهم، وهم في طغيانهم يتحيرون. والطغيان والعتو والعلو بغير الحق، والعمه التحير. / وقيل: معنى {يَعْمَهُونَ} يركبون رؤوسهم، فلا يبصرون رشدهم كما قال: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ} [الملك: 22] وهذا كله من صفات المنافقين عند أكثر المفسرين. وقال الضحاك: " هو في اليهود ". قوله: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} الآية. أي هؤلاء الذين تقدمت صفاتهم هم الذين باعوا الهدى بالضلالة لأنهم لَمَّا مَالُوا إلى الضلالة وتركوا الهدى، كانوا بمنزلة من باع شيئاً بشيء، فوصفوا بذلك. وأصل الضلالة الحيرة، ويسمى الهالك التالف ضالاً نحو قوله: {أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض} [السجدة: 10] أي هلكنا وتلفنا. ومنه قوله: {أَضَلَّ أعمالهم} [محمد: 1]، أي أتلفها
وأهلكها وأبطلها. ومنه قوله: {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 4] أي لن يبطلها ويتلفها ويهلكها. فكأن هؤلاء لما أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى كانوا بمنزلة من لم يربح في تجارته، وأضاف الربح إلى التجارة لأن المعنى مفهوم وهو من اتساع العرب ومجازه. وهو كثير في القرآن أي في كتاب الله، إذ هو من كلام العرب، والقرآن نزل بكلامهم فلا ينكر أن يأتي القرآن بما هو في كلام العرب معروف مشهور إلا من عدم حسه وفارق فطنته، ومثله قولهم: " نَهَارُكَ صَائِمٌ وَلَيْلُكَ قَائِمٌ "، / ومنه قوله: {بَلْ مَكْرُ اليل والنهار} [سبأ: 33]. وهو كثير في الكلام والقرآن. وحركت الواو في " اشْتَرُوا " لسكونها، وسكون لام التعريف بعدها، وكان الضم أولى بها لأنها واو جمع، ولأن الضمة عليها أخف من الكسرة، ولأن لام الفعل المحذوفة قبلها كانت مضمومة. وأصله " اشتريوا " فقلبت / الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحذفت الألف لسكونها وسكون الواو بعدها. وبقيت الفتحة تدل على الألف، ولم ترد الألف عند حركة الواو لأن حركتها عارضة ليست بلازمة. ويجوز في الواو الكسر والفتح. ويجوز الهمز، وهو بعيد جداً.
17
وقوله: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}. أي لم يكونوا في علم الله السابق ممن يهتدي فيؤثر الهدى على الضلالة. قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً} الآية. معناه مثل هؤلاء المنافقين في حقنهم دماءهم بما أظهروا من الإيمان وَسِتْرِهم على غير ذلك، كمثل الذي استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، ذهب الله بنورهم. فضياء ما حولهم هو ما حقن إقرارهم من دمائهم ومنع من أموالهم في الدنيا. وقوله: {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ}. هو ما يجدون يوم القيامة من عدم نورهم لأنهم لا ينتفعون بما أظهروا من الإيمان إذ كان باطنهم خلاف [ما أظهروا]. وقوله: {استوقد نَاراً}. أي استوقدها من غيره. وقيل: معناه: أوقد، أي أوقدها هو. واستفعل في كلام العرب يأتي على وجهين: - يكون بمعنى استدعى الفعل من غيره نحو قوله:
{وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ} [البقرة: 60]. أي استدعى أن يسقوا. - ويكون بمعنى فعل، نحو قوله: {واستغنى الله} [التغابن: 6] فلم يستدع غني من واحد، وبعده: {والله غَنِيٌّ} [التغابن: 6] يدل على ذلك. و" ما " في قوله: {أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ} في موضع نصب بِ " أَضَاءَتْ ". وقيل: هي زائدة / لا موضع لها من الإعراب. والمعنى: " فلما أضاءت النار، الموضع الذي بحوله. " فما " غير زائدة. قال قتادة: " هي لا إله إلا الله، قالوها بأفواههم فَسَلِمُوا بها من القتل حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم ". قال مجاهد: " هو إقبالهم على المؤمنين والهدى. وذهاب النور، هو إقبالهم على الكفار. وقيل: ذهب الله بنورهم، أي أظهر المؤمنين على ما أبطنوا من الكفر والنفاق.
فبعد أن كان لهم عند المؤمنين نور بما أظهروا من الإيمان صاروا لا نور لهم عندهم، لما أعلمهم به من سوء / ما أبطنوا. والقول الأول عليه أكثر المفسرين؛ أن ذهاب نورهم إنما يكون يوم القيامة وهو الذي ذكره الله في قوله: {يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات لِلَّذِينَ آمَنُواْ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} [الحديد: 13]. والهاء والميم تعود على " الذي " لأنه بمعنى " الذين كما قال: {والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ أولئك هُمُ المتقون} [الزمر: 33]. وفي هذا اختلاف ستراه في موضعه إن شاء الله. ومنه قول الشاعر: إنَّ الَّذي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ ... هُمُ الْقَوْمُ كُلَّ الْقَوْمِ يَا وأُمَّ خَالِدِ وقيل: تعود على المنافقين المتقدمي الذكر. وجواب " لما " محذوف تقديره: فلما أضاءت ما حوله طفئت، ذهب الله بنورهم. قوله: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات لاَّ يُبْصِرُونَ}. هذا تمثيل للكفر الذي هم فيه يسيرون.
18
وقيل: هو شيء يكون في الآخرة، وهو قوله: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ} [الحديد: 13]. فظلمات جمع ظلمة، ويجوز إسكان اللام من " ظلمات " استخفافاً، ومن العرب من يبدل من الضمة فتحة، فيقول ظُلَمَات. وقال الكسائي: " من قال: ظُلَمَات بفتح اللام فهو جمع " ظُلَم "، و " ظُلَم " جمع " ظُلْمَة ". ولا يجوز الفتح في مثل هذا في الحرف الثاني مما لامه واو ونحو خطوات. إنما / يجوز الإسكان لا غير. فإن كان اللام ياء لم يجز فيه إلا الإسكان نحو [كُلْيَةٍ وَكُلْيَاتٍ]. قوله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ}. أي هم صم عن الحق وسماعه، وهم بكم عن قول الإيمان وهم عمي عن النظر / إلى الآيات الدالات على الإيمان بالله ورسوله. وإنما وصفوا بذلك، ولم يكونوا صماً ولا بكماً وعمياً، لأنهم لَمَّا لم ينتفعوا بهذه الجوارح كانوا بمنزلة من عُدِمها، / فلم ينتفع بها. وقوله: {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي لا يرجعون عن ضلالتهم.
19
قوله: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء} الآية. الصَّيِّب: المطر، وأصله " صَيْوِبٌ " عند البصريين من " صابَ " يَصُوبُ "، والصَّوْبُ: نزول المطر. يقال: " صَابَ المطر " إذا نزل. وقال الكوفيون: " أصله صَوِيب على فعيلٍ كَرَغِيفٍ، ويلزمهم ألا يعلوه كما لم يعلوا " طويلاً ". واعتل عند البصريين لأن الياء إذا أسكنت وأتت بعدها واو، قلب من الواو ياء وأدغمت الأولى في الثانية " كَمَيِّتٍ " و " هَيِّنٍ ". وقيل: الصَّيِب: السحاب الذي فيه المطر، لا المطر، روي عن ابن عباس. ومعنى: صاب: نزل وقصد. والمعنى أن الله جل ذكره أباح للمؤمنين
أن يمثلوا المنافقين بالذي استوقد ناراً أو بالصيب. و " أو " للإباحة. وجمع " صيب ": صيائب. والرعد: مختلف فيه، فقال مجاهد: " هو ملك يزجر السحاب بصوته، فالمسموع صوته ". وقال شهر بن حوشب: " الرعد ملك يتوكل بالسحاب / يسوقه كما يسوق الحادي الإبل يسبح كلما خالفت سحابة صاح بها، فإذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه فهي الصواعق ". وقال ابن عباس: " الرعد ريح "، قيل: إنها تختنق تحت السحاب، فتتصاعد فيكون منه ذلك الصوت. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: " الرعد اسم ملك، وصوته هذا تسبيحه، فإذا اشتد زجره بالسحاب، اضطرم السحاب من خوفه فيحتك، فتخرج الصواعق
20
من بينه ". ومعنى الآية عند ابن عباس أنه مثل ضربه الله في المنافقين، فالظلمات ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل على ما أبطنوا. ومعنى: {يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم} أي يكاد الحق الذي دعوا إليه فخالفوه أن يهلكهم. وقوله: {مُحِيطٌ بالكافرين} أي جامعهم بقوة. قوله: {كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ}. هو مثل لما أظهروا من الإيمان الذي حقن دماءهم ومنع من أموالهم. {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ}: أي ثبتوا على ما أبطنوا من كفرهم. وقال ابن مسعود: " كان رجلان من المنافقين هربا من النبي A إلى المشركين فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله، واشتد عليهم البرق والصواعق وأيقنا بالهلاك، فقالا: ليتنا قد أصبحنا فنأتي محمداً A، نضع بأيدينا في يده،
فأصبحا فأتياه، وحسن إسلامَهُما. فضرب الله شأنهما وما نزل بهما مثلاً للمنافقين الذين كانوا بالمدينة. وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي A جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقاً مما ينزل على النبي A فيهم من نفي أو قتل كما فعل الرجلان خوفاً من صوت الصواعق ". ودل على ذلك قوله تعالى: {يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ} [التوبة: 64]. وعن ابن مسعود أيضاً في الآية أن قوله: {كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ} معناه: إذا كثرت أموالهم وغنموا ودامت سلامتهم قالوا: إن دين محمد A دين صدق وتمادوا على إظهار الإيمان وهو قوله: {كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ} أي تمادَوْا على حالهم، فإذا أحربوا وهلكت أموالهم، قالوا: هذا من أجل دين محمد A، وهو قوله: {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} أي رجعوا إلى كفرهم ونفاقهم.
وقال الحسن: " معنى المثل الأول في قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً} أنه تعالى مثل المنافقين كمثل رجل يمشي في ليلة مظلمة وفي يده شعلة من نار فهو يبصر بها موضع قدميه، فبينا هو كذلك أحوج ما كان إلى الضياء طُفئت ناره / فلم يبصر كيف يمشي. وإن المنافق تكلم بـ " لا إله إلا الله " فناكح بها المسلمين وحقن دمه وأحرز ماله. فلما كان عند الموت والحاجة / إليها سلبه الله إياها إذ لم تكن حقيقة، فبقي لا شيء معه كما بقي ذلك الرجل في ظلمة لا ضوء معه ". وقيل: هي مثل في اليهود إذ في كتابهم ذكر محمد [عليه السلام] وصفته، فرأوه وعلموه فلم ينفعهم ذلك وكفروا به على علم منهم أنه نبي حق ". وعلى أن الأمثال ضربها الله في المنافقين أكثر أهل التفسير. قال الربيع بن أنس: معنى ذلك مثلهم كمثل قوم صاروا في ليلة مظلمة فيها رعد ومطر وبرق على جادة ظلماء، فإذا [أبرق أبصروا] ومشوا، / وإذا أظلم
تحيروا وشكوا في الجادة. وكذلك المنافق؛ إذا تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له الأمر، وإذا شك تحيَّر وانتكس فصار في ظلمة من أمره ". قوله: {وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبصارهم} الآية. / خص الله جل ذكره ذكر السمع والبصر [لتقدم ذكرهما] قبل ذلك، ووحَّد السمع لأنه مصدر يدل على القليل والكثير من جنسه. وقيل: معنى الآية: " لو شاء الله لأطلع نبيه A على نفاقهم وكفرهم فيستحلَّ دماءهم وأموالهم وأولادهم، وفيه تهديد ووعيد. واختلف في البرق؛ فروي عن علي Bهـ أنه قال: " هو مخاريق الملائكة ". وعنه أنه قال: " يحدث من ضرب الملك السحاب بمخراق من حديد " وقال " الرعد صوت الملك ".
وعن ابن عباس: " أن البرق سوط من نور يزجي به الملك السحاب " يريد أن البرق نور السوط إذا ضرب به. وقال مجاهد: " البرق مصع الملك " والمصع الضرب، والمصاع عند العرب المجالدة بالسيوف والمخاريق السياط، واحدها مخراق وهو السوط. وروى مجاهد عن ابن عباس " أن البرق ملك يتراءى ". وفي يَخْطَفُ " أوجه وقراءات أفصحها " يخطف " بفتح الطاء مخففاً. ولغة أخرى بكسر الطاء مخففاً، وبه قرأ علي بن الحسين وابن وثاب، فدل ذلك على أنه يقال: خَطَفَ، يَخْطَفُ، وَخَطِفَ يَخْطِف لغتان فيه.
- ووجه ثالث: قرأ به الحسين وقتادة وعاصم الجحدري وهو كسر الخاء والطاء والتشديد، وأصله، " يَخِطِّفُ "، فأدغم التاء في الطاء بعد أن أسكنها وكسر الخاء لالتقاء الساكنين. - ووجه رابع: وهو فتح الخاء وكسر الطاء مشدداً وأصله أيضاً " يَخْتَطِفُ "، ثم ألقى حركة التاء [على الخاء]، وأدغم التاء في الطاء، وهو مروي أيضاً / عن الحسن. وحكى الفراء إسكان الخاء، والتشديد عن بعض أهل المدينة. كأنه أدغم التاء في الطاء، وترك الخاء على سكونها في " يختطف "، وهو بعيد، لأنه جمع بين ساكنين ليس أحدهما حرف لين. - ووجه سادس: ذكره الأخفش والكسائي والفراء، وهو كسر الياء والخاء والتشديد، وهو كالوجه الثالث إلا أنه كسر الياء للاتباع. - ووجه سابع: قرأ به أُبَيٌّ، وهو " يَتَخَطَّفُ " على " يَتَفَعَّلُ " مثل
21
" يَتَغَسَّلُ ". ومعنى يخطف يأخذ بسرعة. وفي " أضاء " لغتان: ضاء وأضاء بمعنى حكاهما الفراء. قوله: {يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ} الآية. قال ابن مسعود: " كل شيء في القرآن، {يا أيها الناس} فهو مكي، وكل شيء في القرآن: {يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ} فهو مدني ". وقاله عروة بن الزبير والضحاك. قال أبو محمد: وهذا القول إنما هو على الأكثر وليس بعام، لأن البقرة والنساء مدنيتان وفيهما {يا أيها الناس}. وفي كثير من السور المكية {يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ} [البقرة: 104] ومعنى الآية يا أيها الناس، أخلصوا العبادة لربكم الذي خلقكم، وخلق الذين كانوا من قبلكم، وإنما خاطب الله الكفار بهذا لأنهم كانوا مقرين بأن الله
خالقهم، دليل ذلك قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله} [الزخرف: 87]. فقيل لهم: إذا كنتم مقرين بأن الله خالقكم فاعبدوه، ولا تجعلوا له شركاء، ومعنى الخلق الاختراع. وقيل: هو التقدير، تقول: " خلقت الأديم " إذا دبرته وقدرته. / والخلق الذي هو الاختراع والابتداع على أربعة أوجه: - الأول: خلق ما لم يكن كخلق الله العالم من غير شيء. - والثاني: قلب عين إلى عين، كقلب الله النطفة علقة والعلقة مضغة، والمضغة عظاماً / فالثاني غير الأول. - والخلق الثالث: تغيير العين وهي موجودة كرد الله الصغير كبيراً، والأبيض أصفر، فالعين قائمة والصفة تغيرت. - والرابع: تغير الحال والعين كما هو، نحو كون القائم قاعداً، والعاجز قادراً، فلم تتغير العين ولا الصفة، إنما تغيرت الحال.
22
قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. أي تتقون ما نهاكم الله عنه. وقيل: معناه لعلكم تتقون " الذي جعل ". " فالذي " في موضع نصب بـ {تَتَّقُونَ}. و " لعل " مردودة إلى المخاطبين. والمعنى اعبدوه واتقوه على رجائكم وطمعكم. وحكى الزجاج: أن " لعل " بمعنى " كي " في هذا الموضع، وهو بعيد. قوله: {الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فراشا}. أي بساطاً، وإنما سميت الأرض أرضاً لارتعادها عند الزلازل. يقال: " رجل ما روض " إذا / كانت به رعدة، " وأرض ماروضة " إذا كانت كثيرة الزلازل. وقوله: (مهاداً) هو خصوص مهد الله من الأرض ما بالناس إليه حاجة ومنفعة. وإلا ففيها السهل والوعر والجبال والأودية والهبوط والصعود. قوله: {والسماء بِنَآءً}. أي مرتفعة عليكم. والسماء تذكر وتؤنث. وقال المبرد: " السماء هنا جمع [سماوة] (*) [كتمرة وتمر]، ودليله قوله:
{فسواهن} [البقرة: 29]. ولم يقل " فسواها ". وتجمع السماء / إذا كانت واحدة على ستة أبنية: - جمعان مسلمان، تقول: سماوات وسماءات. - وجمعان مكسران لأقل العدد، تقول: سماء واسم وأسمية. - وجمعان مكسران لأكثر العدد، تقول سماء وسمايا وسمي، وإن شئت كسرت السين في " سمي ". وقد جاء في الشعر " سَمَاءِيَا ". وفيه اتساعات ثلاثة. قال: / الشاعر: سَمَاءُ الإلهِ فوقَ سَبْعِ سَمَاءِيَا. ... فعلى هذا يجوز أن تجمع سماء على سماء كصحار. فالشاعر شبه سماء برسالة لأن السَّمَاءَ فَعَالٌ، ورِسَالَةٌ فِعَالَةٌ، وهما أختان في عدد الحروف والحركات. - والثالث فيها ألف بعدها كسرة، فكان يجب أن تقول " سمايا "، كما تقول: " رَسائِلٌ " و " خطايا "، فأتى به على الأصل، فقال " سمائي "، ثم لحقته ضرورة أخرى
فأجرى المعتل مجرى السالم فقال: سمائي، وكان [حقه إذ] أتى به على الأصل أن يقول " سماء " كجوار وقاض لكنه أجراه للضرورة مجرى ما لا ينصرف من السالم ففتح، ثم أطلق الفتحة فصارت ألفاً، فقال " سماءيا ". ففيه ثلاثة اتساعات. وفي الوقف على السماء المنصوبة خمسة أوجه: -[أولها: أن تَقِفَ] على همزة ساكنة بعد مدة. - والثاني: أن تروم حركة الهمزة وتمد. - والثالث: أن تجعل الهمزة بين بين، وتروم الحركة وتمد. - والرابع: أن تبدل من الهمزة أيضاً ثم تحذفها لسكونها وسكون الألف التي قبلها ولا تمد. - والخامس: أن تبدل أيضاً وتحذف وتمد لتدل المدة على الأصل لأن الحذف عارض. وفي الوقف على بناء المنصوب أوجه: - " بناء " بهمزة مفتوحة بعدها ألف، وقبلها ألف، فتمد قبل الهمزة مداً مشبعاً، وبعدها مداً ممكناً، وعليه أكثر القراء. - والثاني: أن تجعل الهمزة بين بين، وتمد. وهو مذهب حمزة في الوقف. - والثالث: أن تحذف الهمزة، وتحذف الألف لالتقاء ألفين، ولا تمد، فيصير بلفظ المقصور لغة للعرب، لم يقرأ به أحد. - والرابع: أن تحذف الهمزة والألف على ما ذكرنا، وتمد لتدل على أن أصله المد.
- والخامس: أن تبدل من الهمزة ياء، فتقول " بنايا " لغة للعرب لم يقرأ بها أحد / حكى عن العرب: " اشتريت مايا "، يريدون ماء يشبهونه بـ " خطايا ". وقد كان أصل خطاياءا، منقول من خطائي، ثم أبدلوا من الهمزة ياء. وقد قال ابن كيسان: " لا يكتب هذا المثال إلا بألفين، وإن شئت بثلاث ألفات وهو الأصل فيها. وكتب في المصاحف بألف واحدة اختصاراً ". وقوله: {جَعَلَ لَكُمُ الأرض فراشا}. أي مهاداً، لا حزنة كلها، ولا جبال كلها. وقال بعض الصحابة في قوله: {والسماء بِنَآءً}، " بني السماء على الأرض / كهيئة القبة، فهي سقف على الأرض ".
وقوله: {وَأَنزَلَ مِنَ السمآء} الآية. في الوقف على " السماء " المخفوض و " ماء ". كالذي في الأول. " وبناء " مثل " ماء " في النصب. وقوله: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات}. " مِنْ " للتبعيض. و " السماء " في هذا الموضع يراد بها السحاب، لأن الماء منها ينزل كما قال: {وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَآءً ثَجَّاجاً} [النبأ: 14]. والمعصرات السحائب وكل ما علا فوقك فهو سماء. وسقف البيت سماؤه، وهو سماء لمن تحته. وقوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً}. أي أمثالاً. ونِدُّ الشيء مثله، والند خلاف الضد. وقيل: شركاء. وقيل: أشباها. وقيل: أكفاء. وروى ابن مسعود " أنه سأل النبي [عليه السلام] أي الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: [أنْ تجعلَ] للهِ نِداً وَهُوَ خَلَقَكَ " الحديث.
23
وقال عكرمة: " هو قولهم: لولا كلبنا لدخل علينا اللص ". وقال أبو عبيدة: " الند الضد ". وقوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. أي تعلمون أن الله خلقكم وخلق السماوات والأرض. وقيل: معناه: وأنتم تعلمون أن الله لا شبيه له في التوراة والإنجيل، فيكون الكلام مخاطبة لأهل الكتاب على هذا التأويل. وعلى القول الأول هو مخاطبة لجميع الكفار. ومعنى العلم الذي نسبه إليهم أنه علم تقوم به عليهم الحجة، وليس بالعلم الذي هو ضد الجهل؛ دليله قوله: {قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون} [الزمر: 64]. فثبت جهلهم لأنهم علموا أن الله خالقهم، وجعلوا له أنداداً. فأما قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [فاطر: 28]. فهذا هو العلم الذي هو ضد الجهل. قوله: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} الآية. أي إن كنتم أيها الناس في شك من القرآن أنه ليس من عند الله فأتوا بسورة
من مثل القرآن. وقيل: من مثل محمد A في صدقه وأمانته. وقال ابن كيسان: " معناه أنهم زعموا أن محمداً شاعر وأنه ساحر، فقيل: إيتوا بسورة من مفترٍ أو من شاعر أو من ساحر. وقيل: معنى: " من مثله " من مثل التوراة والإنجيل. والاختيار / عند الطبري أن يكون معناه من مثل القرآن في بيانه، دليله قوله تعالى في موضع آخر: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} [يونس: 38]. ولا يحسن هنا إلا مثل القرآن. فحمل الآيتين على معنى واحد أولى. ولم يعن بقوله: {مِّن مِّثْلِهِ} إذا جعلت / الهاء للقرآن في التأليف والمعاني لأنه لا مثل للقرآن إنما عني {مِّن مِّثْلِهِ} في البيان لأن الله أنزله
بلسان عربي مبين. فقيل لهم: كلامكم فيه البيان، وهذا القرآن فيه البيان فأتوا من كلامكم بسورة مثل القرآن في البيان، فأما التأليف والمعاني والرَّصف، فهي معان، بَايَن القرآن فيها المخلوقات، فلا مثل له في ذلك، يضاف إليه فاعلمه. وفي اشتقاق السورة أربعة أقاويل: - قيل: / سميت سورة لأنها يرتفع بها من منزلة إلى منزلة، ويشرف فيها / قارئها وحافظها على ما لم يكن عنده من العلم كإشرافه على سور البناء، فهي [منزلة رفعة]. كما قال: ألَمْ تَرَ أنَّ الله أعْطَاكَ سورة. أي منزلة في الشرف. - والثاني: إنما قيل لها سورة: لتمامها وكَمَالِهَا. يقال للناقة التامة: السورة. - والثالث: إنما سميت سورة لشرفها وارتفاعها في القَدْرِ، كما يقال لما ارتفع من البناء على هيئة سور.
- والرابع: إنما سميت سورة لأنها بقية من القرآن وقطعة منه: يقال: " أَسْأَرْتُ في الإناء سُؤراً، أي أبقيت فيه بقية، " ودخل فلان في سائر الناس " أي في بقاياهم. فيكون أصله على هذا القول الرابع الهمز. قوله: {وادعوا شُهَدَآءَكُم}. أي ادعوا آلهتكم للمعونة على الإتيان بسورة من مثل القرآن. وقيل: شهداءكم. معناه: أعوانكم على ما أنتم عليه. وقيل: معناه: ادعوا شهداءكم إذا أتيتم بالسورة يشهدون لكم أنها مثل القرآن. ومعنى ادعوهم: استعينوا بهم. وقيل: الشهداء / العلماء، أي استعينوا بهم على ذلك، وواحد الشهداء شهيد، وواحد الشهود شاهد، وواحد الأشهاد شهيد وشاهد أيضاً، وهو من نوادر الجموع. فإن قيل لك: قد قال الله تعالى لهم في موضع آخر: {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ} [هود: 13]
وهم قد عجزوا عن الإتيان بسورة، وإنما يطالب من عجز عن الشيء بأقل منه لا بأكثر. - فالجواب عن ذلك أن قوله تعالى: {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ} [هود: 13]، نزل قبل: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ} لأن الأول مكي وهذا مدني، فلما عجزوا عن عشر سور، قيل لهم: فأتوا بسورة. وقيل: إنما طولبوا في البقرة بسورة من مثله غير محدودة / في مدح و [لا] ذم ولا تعظيم ولا غيره، بل تجمع معاني كما تجمع ذلك سور القرآن، وكلفوا في العشر السور أن تكون مفتريات، ومن كلف معنى واحداً أخف ممن كلف معاني لا تحصى ولا تدرك. فالتكليف في سورة البقرة أثقل وأضعف، وإن كانت سورة واحدة،
24
وهو في هود أخف، وإن كان بعشر سور لأنها في معنى واحد وقع بها التكليف في هود، وفي معان كثيرة وقع بها التكليف في البقرة. قوله: {وَلَن تَفْعَلُواْ}. أعلمهم الله أنهم لا يقدرون على ذلك، فهو رد ونفي لما كلفوا، أي إن كنتم صادقين. {وَلَن تَفْعَلُواْ} أي لن تطيقوا ذلك أبداً. فعلى هذا التأويل لا يحسن الوقف على " صادقين ". قوله: {التي وَقُودُهَا الناس والحجارة}. و" الوقود " بفتح الواو: الحطب، وبضم الواو: التوقد. وحكى الأخفش عن بعض العرب أن الفتح والضم معاً بمعنى الحطب. وقال الكسائي: " الفتح هو الحطب، والضم هو الفعل "، يعني المصدر. فعلى هذا لا تحسن القراءة إلا بفتح الواو لأنه تعالى أخبر أن الذي تتوقد
به النار هو الناس أعاذنا الله منها ووفقنا لما ينجينا منها، وختم لنا بخير يبعدنا منها. {والحجارة}. قيل: يعني حجارة الكبريت. وقيل: هي حجارة من كبريت خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض. وعن النبي [عليه السلام] أنه قال: " هِيَ حِجَارَةٌ مِنْ كِبْرِيتٍ أَسْوَدَ فِي النَّارِ ". وروى أصبغ بن الفرج " أن عيسى بن مريم عليه السلام بينما هو في سياحته إذ سمع أنيناً فمضى إليه يؤمه حتى انتهى إليه، فإذا هو حجر يبكي، فقال له عيسى: ألا أراك تبكي وأنت حجر؟ قال: نعم يا روح الله إني أسمع الله يقول:
25
{نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة} [التحريم: 6] / فادع [لي الله] يا روح الله ألا يجعلني منها ". وعلى ذلك أكثر أهل اللغة أن " الوَقُود " بالفتح الحطب، وبالضم التلهب. وقد روي عن الحسن وطلحة بن مصرف ومجاهد أنهم قرأوا بالضم فيكون ذلك على اللغة التي حكاها الأخفش أن الفتح والضم بمعنى الحطب. قوله: {وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ}. البشارة والبشرى في اللغة من البشرة؛ فإذا قيل: استبشر فلان، فمعناه ظهر أمر في بشرته. وسميت الجنة جنة لأنها تجن من دخلها، أي تستره أشجارها وثمارها. والجنة عند العرب البستان ذو النخل والشجر. وقوله: {مِن تَحْتِهَا}.
أي من تحت شجرها ومساكنها، أي من دونها. يقال: داري / تحت دارك، أي دونها، أي بجوارها. / قوله: {قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ}. معناه: أنهم لما أتوا بِثِمارِ الجنة شبهوها بثمار الدنيا في المنظر، وهي مخالفة لها في الطعم والرائحة، فمعنى {مِن قَبْلُ} أي في الدنيا. وقيل: المعنى: قالوا: هذا الذي رزقنا وعدنا به في الدنيا. وقيل: معناه: إنهم أتوا بثمار في الجنة فأكلوا، ثم أتوا بمثلها في المنظر ومخالفاً في الطعم، فقالوا عند نظرهم إلى الثانية: هذا الذي أكلنا من قبل، أي من قبل هذا الوقت في الجنة. فيخبرون أن الطعم مختلف. قوله: {وَأُتُواْ بِهِ متشابها}. أي يشبه بعضه بعضاً في المنظر ويختلف في الطعم والرائحة، وذلك
أَجَلٌّ في الملك والنعيم. وهذا القول مروي عن ابن مسعود وابن عباس. وهو مرفوع إلى النبي A. وقيل: معنى {متشابها} أي أنه خيار حسن لا رذل فيه؛ يشبه بعضه بعضاً في الطيب والحسن. وهو قول الحسن. واحتج بأن ثمار الدنيا فيها الحسن والرذل والوسط، وثمار الجنة خيار كله. وقيل: معنى {متشابها}: أي يشبه اسمه اسم ثمار الدنيا، إلا أنه لا يشبهه في الطعم ولا في اللون ولا في الرائحة، وهو قول مروي عن عبد الرحمن بن زيد وعن ابن عباس. قوله: {وَلَهُمْ فِيهَآ أزواج مُّطَهَّرَةٌ}.
26
أي مطهرة من أوساخ بني آدم؛ لا يحضن ولا يتمخطن ولا يتغوطن ولا يبلن، فهن سالمات من جميع الأقذار ولا يلدن. قوله: {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً}. حكى الطبري أن " يستحيي " بمعنى " يخشى "، كما وقع " يخشى " بمعنى " يستحيي " في قوله: {وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37]. أي وتستحيي من الناس. و" تستحيي " فعل عينه ولامه حرفا علة صحت عينه واعتلت لامه، فتقول في الاسم: " هو مُسْتَحِي " بحذف لام الفعل في الرفع والخفض كقاض، وإثبات عينه. وتثبت اللام مع الغين في النصب، وتقول في التثنية: " رأيتهما مسْتَحْيِيَيْن " بثلاث ياءات فإن جمعت قلت: " هَؤُلاَءِ مُسْتَحْيُونَ "، بياء واحدة في الرفع. وفي
النصب والخفض، " مُسْتَحْيينَ " بياءين. فالأولى عين الفعل، والثانية ياء الجمع، ولام الفعل محذوفة في الجمع المنصوب والمرفوع والمخفوض لأن العلة لحقتها، بأن استثقلت عليها الحركة وهي كسرة لأن أصلها " مُسْتَحْيُونَ ". فلما سكنت حذفت لسكونها وسكون الحاء قبلها. وبنو تميم يحذفون لام الفعل، ويعلون العين في الجمع، فيقولون: / هُمْ مُسْتَحُونَ ". ومن العرب من يحذف إحدى الياءين في الفعل / فيقول: " يَسْتَحِي "، فيلقي حركة الياء الأولى على الحاء، فيكسرها ويحذف الياء لالتقاء الساكنين. وقوله: {أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً}. معناه: إن الله جَلَّ ذكره لما ضرب المثل بالصيب وبالذي استوقد ناراً، قال المنافقون: " الله أعظم من أن يضرب مثلاً بهذا "، فأنزل الله: {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} الآية. قال الربيع: " هو مثل ضربه الله للدنيا، وذلك أن البعوضة تَحْيَا ما جاعت، فإذا شبعت ماتت، فكذلك الكافر إذا امتلأ من الدنيا أخذه الله، كما قال: {فَلَمَّا نَسُواْ
مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} [الأنعام: 44]. وقال قتادة: " معناه إن الله لا يستحيي أن يذكر شيئاً من الحق قَلَّ أوْ كَثُرَ ". وقيل: إن هذا المثل مردود على " ما " في غير هذه السورة، وذلك أن الله جَلَّ ذكره لما ضرب المثل بالعنكبوت والذباب تكلموا وقالوا: ماذا أراد الله بهذا مثلاً، كما حكى الله تعالى عنهم فأنزل الله {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} الآية. واختار الطبري أن يكون مردوداً على إنكارهم للأمثال في هذه السورة دون غيرها. وقوله: {مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً}. " ما " و " ذا " اسم واحد للاستفهام في موضع نصب بـ " أراد " تقديره: أي شيء أراد الله. {مَثَلاً}: نصب على التفسير. ويجوز أن [تكون " ما "] استفهاماً في موضع رفع بالابتداء. و" ذا " بمعنى " الذي "، " وهو " الخبر وصلته ما بعده. وأراد " واقع على هاء محذوفة، أي
أراده الله. ومعنى {فَمَا فَوْقَهَا} أي دونها في الصغر. وقيل: معناه: فما أكبر منها، وهو اختيار الطبري، لأن البعوضة متناهية في الصغر، وإن كان ثم ما هو أصغر منها. قوله: {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ}. أي يعلمون أن هذا المثل حق. قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً}. أي يضل بهذا المثل خلقاً كثيراً، وهذا من قول المنافقين. وقيل: هو من قول الله جَلَّ ذكره، ودَلَّ عليه قوله: {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً}، وهذا لا يكون من قول المنافقين لأنهم لا يقرون أن هذا المثل / يهدى به أحد، فهو من قول الله بلا اختلاف. وكذلك قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين} هو من قول الله؛ إذ لا يجوز أن يكون من قول المنافقين، لأنهم قد ضلوا به، ولا يقرون على أنفسهم بالفسق. فكذلك يجب أن يكون الذي قبله. / ويدل على أنه كله من قول الله D / قوله في
27
موضع آخر: {وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [المدثر: 31] يعني المنافقين {والكافرون مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ} [المدثر: 31]. فقوله: {كَذَلِكَ} يعني به مثل ما قالوا في سورة البقرة، كذلك قالوا في هذا. وقال القتبي: " لما ضرب الله المثل بالعنكبوت والذبابة، قالت اليهود: ما هذه الأمثال التي لا تليق بالله، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً} / الآية، فقالت اليهود: ماذا أراد الله بمثل ينكره الناس، فيضل به فريقاً، ويهدي به فريقاً، فقال الله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين}. فذكر الضلال والهدى في هذا القول من قول اليهود حكاه الله لنا عنهم. وأصل الفسق الخروج عن الشيء؛ يقال: " فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ " إذا خرجت عن قشرها. وقوله: {الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه}. العهد هاهنا، هو ما أخذه الله عليهم إذ أخرجهم من ظهر آدم وبنيه
كالذر، ودليله قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172]. / وقيل: العهد هاهنا هو ما أخذه الله على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بمحمد A ودليله قوله: {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} [آل عمران: 81]. قوله: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ}. معناه: يقطعون أمر دينه لئلا يتبع فيوصل الإيمان به. وقيل: معناه: يقطعون الرحم والقرابة التي بينهم وبين النبي A وأصحابه، لأنهم إذا كذبوه فقد قطعوه. فَ " أَنْ " في موضع خفض على البدل من الهاء في " به " أو في موضع نصب على البدل من " ما " أو على أنه مفعول من أجله. قوله: {وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض}. الفساد في الأرض في هذا الموضع عبادة غير الله تعالى: [وهي أعظم الفساد]. وقوله: {أولئك هُمُ الخاسرون}.
28
أصل الخسران النقص. والخاسر الناقص نفسه حظها من رحمة الله [ D] بمعصيته كما يخسر الرجل في تجارته. وقيل: معنى " الخاسرين " الهالكون. قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله} الآية. أي من أين يتجه لكم الكفر بالله مع نعمه عليكم إذ كنتم أمواتاً فأحياكم. أي لم تكونوا شيئاً فأوجدكم. وفي " كيْفَ " معنى التعجب من فعلهم وليست باستفهام، ولكنها توبيخ / وتعجب. والعرب تسمي الشيء الممتنع ميتاً؛ يقولون: " هَذَا أَمْرٌ مَيِّتٌ " إذا كان ممتنعاً. وقيل: معناه كنتم تراباً، يعني به آدم A فجعلكم ذوي حياة. وقيل: معناه فأحياكم يعني في القبر للمساءلة ثم يميتكم في القبر بعد
المساءلة، ثم يحييكم يوم القيامة. ويلزم قائل هذا أن تكون الآية إنما خوطب بها أهل القبور، وذلك بعيد إلا أن يحمل على أنه [خطاب لمن حضر]. والمراد به آباؤهم وأسلافهم. ويكون " تكفرون " بمعنى في موضع " كفرتم " وفيه بعد. و " قد " مضمرة مع " كنتم " لأنه حال مما قبله. وقيل: المعنى أنهم كانوا أمواتاً في أصلاب الآباء ثم أحياهم في الأرحام، ثم يميتهم في الدنيا عند انقضاء آجالهم، ثم يحييهم يوم القيامة. وقيل: المعنى أنه أحياهم إذ أخرجهم من ظهر آدم لأخذ الميثاق، وقد كانوا أمواتاً لا حياة فيهم. وقيل: أيضاً: الموتة الأولى هي موتة النطفة في وقت خروجها من الرجل إلى الرحم لأن كل ما في الحي فهو حي حتى [يفارقه فيكون] في عداد الأموات،
وكذلك الأعضاء إذا فارقت الحي فهي ميتة، فكل ما في الإنسان من أعضائه وما يلزم جسده حي حتى يفارقه فيكون ميتاً. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: " أماته ثم أحياه في قبره - يعني لِلْمُسَاءَلَةِ - ثم أماته، ثم أحياه يوم القيامة ". وهذا قول قد تقدم نظيره. وقال ابن مسعود: " هي مثل قوله: {رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين} [غافر: 11] ". وسترى تفسير هذا في موضعه. / وقد قيل: إن معنى الآية: وكنتم أمواتَ الذِّكْرِ، فأحياكم حتى ذكرتم، ثم يميتكم، أي يردكم رفاتاً لا تذكرون، ثم يحييكم للحساب والجزاء فتذكرون. وهو مروي / عن ابن عباس. وهو اختيار الطبري. والهاء في {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تعود على الله D. وقيل: تعود على الأحياء للخلود في الجنة، أو في النار، أي ثم إلى الأحياء
29
ترجعون. والأول أحسن. قوله: {ثُمَّ استوى إِلَى السمآء}. معناه: أقبل عليها. تقول العرب: " فلان مقبل على فلان، ثم استوى إليَّ يمشي "، أي أقبل إليّ. وقيل: معناه / تحول أمره وفعله إلى السماء. وقال القتبي: " استوى، عمد إليها ". وقال ابن كيسان: " استوى قصد ". قال غيره: " معناه قصد إلى خلقها بالإرادة لا بالانتقال ". يقال: " لما استويت إلى موضع كذا، ظهر لي كذا "، / أي لما قصدت بإرادتي إلى أمر كذا، ظهر لي كذا. وقيل: استوى: استولى. تقول العرب: " استوى فلان على المملكة ". أي استولى عليها واحتوى عليها.
واختار الطبري وغيره أن يكون " استوى " بمعنى " علا " على المفهوم في لسان العرب. قال أبو محمد: وليس: " علا " في هذا المعنى أنه تعالى علا من سفل كان فيه إلى علو، ولا هو علو انتقال من مكان إلى مكان، ولا علو بحركة تعالى الله ربنا عن ذلك كله، لا يجوز أن يوصف بشيء من ذلك، لأنها صفات توجب الحدوث للموصوف بها، والله جَلَّ ذكره أول بلا نهاية / لكن نقول: إنه علو قدرة واقتدار ولم يزل تعالى قادراً له الأسماء الحسنى والصفات العلا. فإنما دخلت " ثمَّ " في قوله: {ثُمَّ استوى} بمعنى القصد لخلق ما أراد أن يخلق على ما تقدم في علمه قبل، بلا أمد. والهاء في {فسواهن} تعود على السماء لأنها جمع سماوة. وقيل: السماء تدل على الجمع. وقيل: لما كانت السماء واسعة الأقطار، يقع على كل قطر منها اسم سماء جمع على هذا المعنى. والمعنى فَسَوَّى منهن سبع سماوات.
وقيل: سبع سماوات بدل من الهاء والنون، فلا تقدير حرف جر على هذا محذوف منه. وقد روي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهم في تفسير ذلك: " أن الله جَلَّ ذكره كان عرشه على الماء كما أخبرنا به في كتابه. قالوا: ثم أخرج من الماء دخاناً، فارتفع الدخان فوق الماء، فسما الدخان على الماء فَسَمَّاه سماء. ثم إنه تعالى بقدرته أيبس الماء، فجعله أرضاً واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين وذلك في يوم الأحد ويوم الاثنين، وجعل الأرض على حوت وهو النون، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفا، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة على الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان، فهي ليست في الأرض، ولا في السماء، فتحرك الحوت واضطرب، فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال، فذلك قوله: {وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ} [الأنبياء: 31]. وخلق الجبال في الأرض وجعل فيها أقوات أهلها وشجرها ومصالحها في يومين، الثلاثاء والأربعاء، ودل على ذلك قوله: {خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العالمين * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} [فصلت: 9 - 10]- يعني اليومين الأولين والآخرين -، ثم قال:
{ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11]. فجعل / الدخان سماء واحدة، ثم فتقها سبع سماوات، وذلك في يومين الخميس والجمعة، ولذلك سمي يوم الجمعة لأنه اجتمع فيه تمام خلق السماوات والأرضين ". وقال مجاهد: " خلق الله الأرض قبل السماء، فثار منها دخان، فخلق منه السماوات ". وقد ذكر الله خلق الأرض قبل السماء في سورة السجدة، ثم ذكر في " والنازعات " دحو الأرض بعد السماء، فقال: {والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30]، فقال ابن عباس في معنى ذلك: " إنه تعالى خلق الأرض بأقواتها قبل السماء غير أنه لم يدحها، ثم خلق السماوات، ثم دحا الأرض بعد ذلك ". وقال ابن سلام: " بدأ الله الخلق يوم الأحد /، فخلق الأرضين يوم الأحد
30
والاثنين، وخلق الأقوات والجبال في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السماوات في الخميس والجمعة وخلق آدم A في آخر ساعة من يوم الجمعة ". قال أبو محمد: ولو شاء تعالى ذكره لخلق ذلك كله في أقل من طرف عين، يفعل ما يشاء لا إله إلا هو، لا معقب لحكمه. قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} /. أي عليم بكل شيء قبل خلقه له، وقبل حدوثه، لا أنه علم محدث مع حدوث المعلومات تعالى عن ذلك، قد علم المعلومات كلها قبل حدوثها وكونها. قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة}. معناه: واذكر يا محمد إذ قال ربك. وقيل: معناه: ابتدأ خلقكم {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة} لأنه ذكر معنى ذلك قبل / هذا فقال: {الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21] أي خلقكم إذ قال ربك. ودخلت الواو في " إذ " عطفاً على ما قبلها لأنه تعالى ذكر خلقه نعمه في إحيائهم بعد الموت، وأنه [خلق لهم] ما في الأرض جميعاً، وسوى لهم السماوات وغير ذلك من نعمه فعدد على خلقه نعمه. ثم قال: واذكروا فعلي بأبيكم آدم إذ قلت للملائكة اسجدوا له
تفضيلاً له وابتلاء للملائكة. وإلى هذا المعنى ذهب الطبري في هذه الواو، [وفي و " إذا "]. وقوله: {للملائكة}، اختلف في اشتقاق " ملك " وتقديره ومعناه. فقيل: واحدها مَلَكٌ، وأصله " ملأك " على وزن " مَفْعَل "، والهمزة بعد اللام وهي عين الفعل فجمع على الأصل على مفاعل، فقيل: " مَلائِكٌ " وزيدت الهاء للمبالغة. وقيل لتأنيت الصيغة. وقال ابن كيسان: " هو مشتق من " ملكت "، والهمزة في " مَلأْك " زائدة كزيادتها في شَمْأَلٍ، إذ هو من " شملت الريح " أي عمت ".
وقال غيره: هو مشتق من الأُلُوكَةِ، وهي الرسالة بالهمزة بالفعل لكن قلبت همزته وهي فاء، فصارت عيناً فأخرت بعد اللام وأَصْلُها " مَأْلَكٌ " ثم نقلت الهمزة بعد اللام فصارت " مَلَكاً "، وجمع على ذلك، ولم يرد إلى أصله وكان حقه / أن يرده الجمع إلى أصله، [فخرج عن الأصل في الجمع]. وقيل: هو مشتق من المَلأَكَةِ وهي الرسالة أيضاً حكاها أبو عبيد، يقال: " لأَكَ إِليهِ يَلأَكُ مَلأَكَةً " إذا أرسل إليه رسالة. ويقال في لغة أخرى: " أَلَكَْتُ إِلَيْهِ أَألْكُ مَأْلَكَةً " إذا أرسلت. فعلى / القول الأول من هذين القولين يكون " مَلَكٌ " مخفف الهمزة، ألقيت حركة الهمزة على اللام وأصله " مَلأَكٌ "، وجمعه " مَلاَئِكَةٌ ". والهمزة عين الفعل ولا قلب فيه، إنما فيه في الواحد تخفيف الهمزة [بنقل
حركتها] إلى الساكن قبلها وهو اللام. وعلى القول الثاني يكون " مَلأَكٌ " مقلوباً وأصله: " مَأْلَكٌ "، والهمزة فاء الفعل، ثم قلبت الهمزة، فصارت بعد اللام، ثم خففت الهمزة فألقيت حركتها على اللام قبلها كالأول فصار ملكاً، فجمع على قلبه، ولم يرده الجمع إلى أصله لقلة استعماله بالهمز في الواحد. ولو جمع على أصله لقال: " مَآلِكَة "، ولكن لم يسمع جمعه على الأصل. قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً}. معناه: إني جاعل في الأرض خلقاً يخلف بعضهم بعضاً لا بقاء لهم. وقيل: معناه: إني جاعل في الأرض خلقاً يخلفون من كان فيها ممن هلك، وذلك أن أهل التفسير ذكروا أنه روي أن الأرض كان فيها خلق من الجن فأفسدوا فيها فأهلكهم الله. والهاء في " خليفة " للمبالغة. وقيل: دخلت لأنه بمعنى داهية في المدح والذم، بمعنى بهيمة. قاله الفراء. وقيل: الهاء / [لتأنيث الصيغة]، وهي بمعنى فاعلة على هذا القول كرحيم بمعنى راحم. وعلى القول الأول يكون خليفة: فعيلة، بمعنى مفعولة أي مخلوقة؛
أي يخلف بعضهم بعضاً لا بقاء لهم، فكل واحد مخلوف، لأن من يأتي من بعده يخلفه، فهو كجريح وقتيل، بمعنى مجروح ومقتول. ومعنى " جاعل " خالق ومستخلف. قال ابن عباس: " أخرج الله آدم A من الجنة قبل أن يخلقه، وقرأ {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً}. يريد أنه [قدَّر ذلك وعلمه وشاءه] قبل أن يخلق آدم. قوله: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} الآية. روى كثير من المفسرين أن الملائكة علمت بفساد من سكن الأرض من الجن وسفكهم للدماء، فقالوا على طريق الاسترشاد وطلب الفائدة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ}؛ أي أيكونون مثل أولئك الذين أفسدوا؟، فسألوا مسترشدين لا منكرين، إذ لا علم عندهم بما يكون من أمر الخليفة التي أعلمهم الله أنه خالقها. وقيل: إنهم قالوا ذلك / على طريق التعجب كما تقول العرب " أتحسن إلى فلان وهو يسيء إليك! ".
وقيل: إن الله جَلَّ ذكره أذن لهم في السؤال عن ذلك. وقيل: إن الله تعالى ذكره / أعلمهم أنه يجعل في الأرض خليفة فسألوا على طريق الاسترشاد: ما يكون ذلك الخليفة؟ فقال: تكون له ذرية يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. فقالوا عند ذلك على طريق الاستعظام والاستثبات لا على طريق الإنكار: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} الآية. [قيل: قالوا] ذلك على التعجب مما أعلمهم الله به من إفساد ذرية الخليفة في الأرض وسفكهم للدماء. والله أعلم بأي ذلك كان. فالألف في {أَتَجْعَلُ} لفظها لفظ الاستفهام ومعناها الاسترشاد أو التعجب على قول من رأى ذلك على ما ذكرنا. وعن ابن عباس أنه قال: " كان إبليس من / حي من أحياء الملائكة، يقال لهم الجن وهم من الملائكة. خلق الله ذلك الحي من نار السموم، وخلق سائر الملائكة غير هذا الحي
من نور، وخلقت الجن غير هذا الحي الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، والمارج هو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت. وخلق الإنسان من طين. فأول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة وهم هذا الحي الذين في الأرض فقتلوا وطردوا حتى لحقوا بالبحار وأطراف الجبال فلما فعل إبليس ذلك اعتدَّ في نفسه وقال: قد صنعت ما لم يصنع غيري، وكان من خزان الجنة. فاطلع الله على ذلك منه فقال: إني جاعل في الأرض خليفة. فقالت الملائكة غير إبليس وحيه: أتجعل فيها من يفسد فيها كأولئك، على طريق الاسترشاد. أي هل يكونون مثل أولئك المفسدين أو يكونون مصلحين ". وقيل: " قالوا ذلك على طريق التعجب، فقال الله لهم: {إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، أي إني اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطّلعوا أنتم عليه. فخلق آدم A من طين لازب، واللازب اللزج الملتصق من الحمأ المسنون، والمسنون ذو الرائحة صار حمأ
حمأ بعد أن كان طيناً لزجاً. فلما خلقه تعالى مكث آدم أربعين ليلة جسداً ملقى، فكان إبليس اللعين يأتيه فيضربه برجله فيصلصل ويصوت، فهو قول الله D: { خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار} [الرحمن: 14]. ثم كان إبليس اللعين يدخل في في آدم [عليه السلام] ويخرج من دبره، ثم يقول: لشيء ما خلقت، لئن سلطت عليك لأهلكنك. فلما نفخ فيه الروح، أتت النفخة من قبل رأسه فلا تصل إلى شيء، إلا صار لحماً ودماً /. فلما انتهت النفخة إلى سرته، نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من حسنه، فذهب لينهض فلم يقدر فهو قوله تعالى: {وَكَانَ الإنسان عَجُولاً} [الإسراء: 11] و {خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37] /. فلما تمت النفخة في بدنه عطس، فقال: الحمد لله رب العالمين، بإلهام الله له. فقال له الله: يرحمك ربك يا آدم، ثم قال الله تعالى لإبليس وحيِّه من الملائكة خاصة دون غيرهم: اسجدوا لآدم فسجدوا كلهم إلا إبليس تكبراً وعزة فأبلسه الله، أي
أيأسه من الخير كله، وجعله شيطاناً رجيماً عقوبة له بالمعصية، ثم عَلَّم الله آدم الأسماء كلها. قال المفسرون: عَلَّمه اسم كل شيء حتى الضرطة. وقال الله للملائكة - جند إبليس -: أنبئوني بأسماء هؤلاء: فقالوا لا علم لنا. فقال يا آدم: أنبئهم بأسمائهم، فأنبأهم آدم بأسمائهم. وقيل: إنما عني بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة} الملائكة الذين كانوا في الأرض بعد هلاك من كان فيها دون غيرهم من ملائكة السماوات. والله أعلم بأي ذلك كان، واللفظ على عمومه حتى [يأتي دليل تخصيصه]. قوله: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33]. معناه: أعلم ما أسر إبليس في نفسه من الكِبَرِ والعزة. وهذا التأويل يدل على أن الخطاب الذي تقدم في قوله: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} إنما كان من هذا / النوع من الملائكة الذين حضروا مع إبليس قتال المفسدين في الأرض دون غيرهم من الملائكة. وهو قول الطبري.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: " إن هذه القبيلة من الملائكة سميت الجن لأنهم كانوا من خزان الجنة ". وهو من الاستجنان؛ وهو الاستتار. وإنما سميت الجنة جنة لأنها تَجن مَنْ دَخَلَها؛ أي تستره بشجرها وثمارها وعروشها. وروي عنه أيضاً أنه قال: " إن إبليس كان ملك سماء الدنيا، وكان خازناً للجنة مع ذلك. فلما تمكن دخله العجب والكبر، وقال: لم أُعط هذا إلا ولي مزية على الملائكة. فاطلع الله على ما في سرِّه فقال: إني جاعل في الأرض خليفة، فسألت الملائكة عن الخليفة فقال: تفسد ذريته في الأرض فتعجبوا وقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء}. فبعث الله جبريل ليأخذ من طين الأرض، فاستعاذت منه فرجع ولم يأخذ شيئاً إجلالاً لحق من استعاذت به، ثم بعث الله ميكائيل فاستعاذت، فرجع ولم يأخذ شيئاً. فبعث الله ملك الموت فاستعاذت منه، فاستعاذ هو منها، وأخذ ما أراد من تربة بيضاء وحمراء وسوداء، فلذلك بنو آدم مختلفو الألوان ".
ثم مضى الحديث كالأول أو قريب منه، غير أن فيه: " فكان آدم جسداً من طين أربعين سنة، ففزعت منه الملائكة وكان أشدهم فزعاً إبليس / وفيه: أن آدم عليه السلام لما دخل الروح رأسه، قال: الحمد لله. فقالت له الملائكة / رحمك ربك يا آدم. فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح رجليه ". وهذه الرواية تدل على أن المخاطبين المأمورين بالسجود لآدم A هم الملائكة كلهم، وهو ظاهر القرآن. وقد قيل: إن معنى قوله تعالى: {إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي أعلم أنه سيكون من ذرية آدم أنبياء ورسل وصالحون وعباد وأخيار وساكنو الجنة. قوله: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}. معناه: نعظمك بالحمد والشكر.
وقيل: التسبيح الصلاة. وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: " إِنَّ للهِ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْع / مَلاَئِكَةً يُصَلُّونَ، وإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله: مَا صَلاتُهُمْ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ A شَيْئاً، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عليه السلام، فَقَالَ لَهُ: يا نَبيَّ الله: سَأَلَكَ عُمَرُ عَنْ صَلاَةِ أَهْلِ السَّمَاءِ. قَالَ: نَعَمْ، فَقال لهُ: أَقْرِئْ عَلَى عُمَرَ السَّلامَ وأخْبِرْهُ أنَّ أَهْلَ السَّماءِ الدُّنْيَا سُجُودٌ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ، يَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي المُلْكِ وَالمَلَكُوتِ. وإنَّ أهْلَ السَّماءِ الثَّانِيَةِ رُكُوعٌ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذي العِزَّةِ وَالجَبَرُوتِ، وأَهْلِ السَّماءِ الثَّالثَةِ قِيَامٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، يَقُولُونَ: سُبْحَانَ الحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ ". وأصل التسبيح لله عند العرب التنزيه والتبرئة له سبحانه من إضافة ما ليس من
صفته إليه. وقوله: {وَنُقَدِّسُ لَكَ}. أصل التقديس التطهير. ومعناه نطهر أنفسنا لك. وقيل: التقديس الصلاة. وروي ذلك عن قتادة. وروي عن أبي صالح: " ونقدس لك، نعظمك ونمجدك. قوله: {إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. قد تقدم بيانه. وقد قيل فيه: إن معناه إني اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطّلعوا عليه، إني علمت ما أضمر إبليس في نفسه من ترك السجود لآدم A [ ومن] عداوته له ولذريته. وقيل: معناه إني عليم من آدم المعصية ثم التوبة عليه / وإهباطه إلى
الأرض، وما يكون من ذريته إلى يوم القيامة ومن هو سعيد، ومن هو شقي منهم. وروي أن إبليس اللعين لما رأى صورة آدم وحسنها قال للملائكة: إني أرى صورة مخلوق يكون له نبأ. أرأيتكم إن فضل عليكم ماذا تفعلون؟ قالوا: نطيع أمر ربنا، ونفعل الذي يأمرنا به. فهذا قوله: {مَا تُبْدُونَ}. وقال إبليس في نفسه: " لئن فُضِّل علَيّ لا أطيعه، ولئن فُضِّلتُ عليه لأهلكنَّه، وهذا قوله: {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}، فلما نفخ الله D / في آدم A الروح جلس فعطس، فقال آدم: الحمد لله رب العالمين فكان ذلك أول ما تكلم به آدم / عليه السلام فردَّ الله عليه: يرحمك الله لهذا خلقتك "، فهو قوله: {ولذلك خَلَقَهُمْ} [هود: 119]، أي للرحمة خلقهم. وقال مجاهد: " علم الله من إبليس المعصية وخلقه لها ". تم الجزء [الأول]
31
قوله: {وَعَلَّمَءَادَمَ الأسمآء} الآية. اختلف في اشتقاق آدم؛ فقال فيه ابن عباس: " سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض ". وقال قطرب: " آدم أفعل من الأدمة ". وقيل هو أفعل من " أدمت بين الشيئين " أي خلطتهما. وقال الطبري: " هو فعل ماض رباعي سمي به الشخص ". وقال قطرب: " من قال هو من أديم الأرض، يلزمه صرفه لأنه فاعل ". وذكر النحاس أنه أفعل من أديم الأرض وأدمتها، وهو ظاهر وجهها، ومنه سمي الإدام لأنه وجه الطعام وأعلاه والعرب تسمي الجلد الظاهر أدمة، والباطن بشرة. وحكي عن الأصمعي أن باطنه الأدمة وظاهره البشرة، وهو أولى من
الأُولى. ويجمع آدم إذا كان صفة كحُمْر، وأوادم إذا كان اسماً " كأحامدٍ ". قوله: {الأسمآء}. قيل: " وعلمه أسماء كل شيء حتى القصعة والفسوة ". قاله قتادة. وقيل: " علمه أسماء الملائكة خاصة " قاله الربيع بن خثيم. قال مجاهد: " علمه الله اسم كل شيء: هذا جبل، هذا بحر، هذا كذا، هذا كذا، لكل الأشياء ". قال ابن جبير: " علمه اسم كل شيء حتى البعير والبقرة والشاة ". قال عكرمة: " علمه اسم الغراب والحمامة وكل شيء ". وقال غيرهم: " علمه أسماء الأجناس والأنواع ".
وقال ابن زيد: " علمه أسماء ذريته كلهم ". واختار الطبري أن يكون علمه أسماء ذريته والملائكة لقوله: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} ولم يقل " عرضها " ولا " عرضهن " / الذي هو لما لا يعقل. وقيل: علمه اسم كل شيء ومنفعته ولماذا يصلح. وقال القتبي: " علمه أسماء ما خلق في الأرض ". وفي قراءة أُبي: " ثُمَّ عَرَضَها "، " يريد عرض الأسماء ". وقوله " عَرَضَها " ولم يقل " عرضهم " يدل على أن الاسم هو المسمى، وهو مذهب أهل السنة. وفي قراءة عبد الله " ثُمّ عَرَضَهُنَّ " على التأنيث لما لا يعقل من الموات والأجناس. / وقال ابن عباس: " إنما عرض الأسماء على الملائكة ". وعن ابن مسعود: " أنه إنما عرض الخلق ".
فعلى الأول يكون " عرضها ". وعلى الثاني يكون " عرضهم ". قال مجاهد: " عرض أصحاب الأسماء على الملائكة ". وقال ابن زيد: " عرض أسماء ذريته كلها، أخذهم من ظهره، ثم عرضهم على الملائكة ". وقال ابن الأنباري: الهاء في " كلها " تعود على / الأسماء، والهاء في " عَرَضَهم " تعود على الأشخاص. والهاء في " أنبِئهم " وفي " بأسمائهم "، وفي " أنبأهم " وفي " بأسمائهم " كلها تعود على الملائكة على قول من قال: إن الله تعالى علمه أسماء الملائكة، ويعود على الأشخاص على القول الآخر. قوله: {إِن كُنْتُمْ صادقين}. جوابه عند المبرد محذوف، معناه: إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في
الأرض ويسفكون الدماء فأنبئوني. قوله: {إني أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات}. هو ما غاب عن الملائكة مما سبق في علمه مما ذَكَرَهُ في كتابه: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13]. قوله: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ}. هو قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}. و {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}: هو ما أضْمَر إبليس في نفسه من الكبر والعز. روي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة والتابعين. وقال سفيان: " {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} هو ما أسر إبليس في نفسه من ترك السجود لآدم [والكبر] ". وقال قتادة: " كتمانهم هو قولهم فيما بينهم: يخلق الله ما يشاء، فلن يخلق خلقاً إلا ونحن أكرم منه ".
وقيل: إنهم قالوا ذلك عند رؤيتهم لخلق آدم. وعن ابن عباس " أنه عام فيما يظهرون وما يكتمون ". وإبليس إفعيل من " أبلس " إذا يئس كأنه يئس من الرحمة، لم يصرف لقلة. وقيل: هو أعجمي، ولذلك لم يصرف في المعرفة. قال أبو عبيد: " لم يصرف لأنه لا نظير له في الأسماء "، وهو عنده " فِعْلِيل " أو " إِفْعِيل ". قوله: (أَبَى): أتى مستقبله على " يفعل " على التشبيه بِ " قرأ، يقرأ "، لأن الهمزة تبدل منها الألف، وهي من حروف الحلق / مثلها. وقالوا: " جبى، يجبي " من الجباية بالفتح، " وقلى يقلى " بالفتح على التشبيه أيضاً. وإبليس [في قول] ابن عباس: كان من حي من أحياء يقال لهم الجن، خلقوا
/ من نار السموم، وكان اسمه الحارث، وكان من خزان الجنة. وروي عنه أيضاً أنه قال: " كان إبليس من الملائكة واسمه عزرائيل، وكان من سكان الأرض وكان شديد العبادة وواسع العلم، فدعاه ذلك إلى الكبر ". وإنما سمي من الجن لأنه كان خازناً للجنة، فكأنه منسوب إليها، كما تقول: مكي وبصري وشامي. وقيل: سمي من الجن لأنه لا يرى، كما سمى الله الملائكة جناً، فقال: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً} [الصافات: 158]. وأصله كله الاستتار. وقال شهر بن حوشب: " كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة في الأرض / حين أفسدوا فأسره بعض الملائكة، فذهب به إلى السماء ". وهذا
غير معروف. وقال / سعد بن مسعود: " سما إبليس من الأرض وهو صغير، فكان مع الملائكة فتعبد، فلما أمر بالسجود لآدم امتنع فذلك قوله {كَانَ مِنَ الجن} [الكهف: 50]. وقال ابن زيد: " إبليس أبو الجن، كما أن آدم أبو الإنس ". وروى عكرمة عن ابن عباس أن الله خلق خلقاً فقال: " اسجدوا لآدم فأبوا فأحرقهم، ثم [خلقَ خَلقاً] آخر فأبوا فأحرقهم ثم خلق هؤلاء فسجدوا إلا إبليس كان من أولئك الذين أبو السجود لآدم ". والسجود الذي أمروا به إنما هو على جهة التحية، لا على جهة العبادة. وقيل: أمروا بذلك إكراماً له. وقيل: معناه: اسجدوا إليه كما يسجد إلى الكعبة فجعل قبلة إكراماً له.
35
وروي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة أن آدم A استوحش في الجنة قبل أن تخلق حواء بعد لعن إبليس وخروجه من الجنة، فنام نومة فاستيقظ، فوجد امرأة عند رأسه قد خلقها الله من ضلعه من شقه الأيسر فسألها: من أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولِمَ خلقت؟ قالت: لتسكن إلي. فقالت له الملائكة - ينظرون مبلغ علمه -: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء، قالوا: ولِمَ سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي. فكان أصلها " حيّاء "، ثم أبدل من الياء واو ". قوله: {رَغَداً} إلى قوله: {مِمَّا كَانَا فِيهِ}. قوله: {رَغَداً} أي واسعاً. وقيل: هنيئاً. وقال مجاهد: " رغداً لا حساب عليهما فيه "، وهو من السعة في المعيشة. قال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه: " الشجرة شجرة العلم، فيها أنواع
الثمار كلها ". وعن ابن جريج أنه قال: " هي التينة ". وعن ابن عباس أيضاً وأبي مالك: " الشجرة السنبلة لكن الحبة منها ككلى البقر ألين من الزبد وأحلى من العسل ". وروى عن ابن مسعود أنها الكرمة. وذكر ذلك أيضاً عن ابن عباس، وعليه أكثر المفسرين، ولذلك حرم الله الخمر في قول بعضهم. قال / أبو هريرة: " هي العنبة نهي آدم عنها، وجعلت فتنة لولده من بعده ".
وتزعم اليهود عليها اللعنة أنها الحنطة. قوله: {فَأَزَلَّهُمَا}. أي استزلهما، ومن قرأ: (فَأَزَالَهُمَا) وهو حمزة فمعناه نحّاهُما. والهاء في " عَنْها " تعود على الشجرة، يعني حسدهما إبليس اللعين على ما كانا فيه، فاستزلهما وتكبر عن السجود لآدم A. وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: " بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر والشح: حسد إبليس وتكبر على آدم، وشح آدم، فقيل له: كُلْ من شجر الجنة إلا التي نهى / عنها فشح فأكل منها ". قال وهب بن منبه: " لما أراد إبليس من آدم عليه السلام ما أراد دخل في جوف الحية، وكان لها أربع قوائم كالبختية، فدخلت الجنة، وخرج إبليس إلى الشجرة وأخذ منها، وجاء إلى حواء فقال لها: انظري ما أطيب هذه الشجرة وأحلاها وأحسن ريحها.
فأكلت منها ثم مضت إلى آدم A فقالت له مثل ما قال إبليس، فأكل منها، فبدت له سوأته عند ذلك، وقام فدخل في جوف الشجرة. فقال الله تعالى: يا حواء أنت التي غررت عبدي، فإنك لا تحملين حملاً إلا حملتيه كرهاً، ولا تضعين ما في بطنك إلا أشرفت على الموت مراراً. ثم لعن الحية لعنة تحولت قوائمها في بطنها، ولا [رزق لها] إلا التراب، وجعلها عدوة لبني آدم، تهلكهم إذا لدغت أحدهم ويقتلونها إذا ظفروا بها ". وقال ابن عباس: " أتى إبليس اللعين ليدخل على آدم A / فمنعته الخزنة فقال للحية وهي كأحسن الدواب: أدخليني في فقمك، أي في جانب فمك، حتى أدخل الجنة ففعلت ومرت بالملائكة وهم لا يعلمون ما صنعت، فخرج إلى آدم /
فقال: {ياآدم هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد} [طه: 120]، كما حكى الله جل ذكره. وقال له: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها / كنت ملكاً مثل الله سبحانه أو تكون من الخالدين، وحلف لهما بالله إني لكما من الناصحين فأبى آدم عليه السلام أن يأكل، فتقدمت حواء فأكلت ثم قالت: يا آدم، كُلْ، فإني قد أكلت فلم تضرني، فلما أكل بدت لهما سوآتهما ". وروي أنهما لما أكلا من الشجرة سقط عنهما لباسهما وهو النور الذي كان ألبسهما الله إياهما، فهرب آدم من ربه D مستتراً بورق الجنة، فناداه ربه: أفراراً مني يا آدم؟ قال: بل حياء منك يا رب. ما ظننت أن أحداً يقسم باسمك كاذباً، فقال له الله جل ذكره: أما خلقتك بيدي؟ أما أسجدت لك ملائكتي؟ أما نفخت فيك من روحي؟ أما أسكنتك في جواري؟ فَلِمَ عصيتني؟ أخرج من جواري، فلا يجاورني من عصاني، فقال آدم: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله أنت رب، عملتُ
سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي، إنك خير الغافرين. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني، إنك أرحم الراحمين. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت ربي عملت سوءاً، وظلمت نفسي فتب علي / إنك أنت التواب الرحيم ". فهذه الكلمات التي ألهمها الله D. قوله: {فَتَابَ عَلَيْهِ}. وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: " لَمْ يَحْزَنْ حُزْنَ آدَمَ أَحَدٌ قَطْ؛ بَكَى أرْبَعينَ عاماً، وسَجَدَ أرْبَعينَ عاماً تائِباً حَتَّى قَبِل اللهُ مِنْهُ ". وقال الحسن: " بكى آدم عليه السلام على الجنة ثلاثمائة ". وقال ابن زيد: " لو أن بكاء داود وبكاء جميع أهل الأرض عدل ببكاء آدم على الجنة ما عدله ".
وقال ابن إسحاق: " لما دخل إليهما إبليس بكى وناح عليهما كيداً منه، فقالا له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي عليكما تموتان، وتفارقان ما أنتما فيه، فوقع ذلك في أنفسهما، ثم وسوس إليهما وحلف لهما فأكلا منها "، قال: و " ذهب آدم عليه السلام في الجنة هارباً لما أكل، فقال له [ربه: يا آدم] أمني تفر؟ قال: لا يا رب، ولكن حياء منك. قال الله: يا آدم: إنه أوتيتَ مِن قِبل حواء. قال: أي رب. قال الله: فإن لها علي أن أدميها في كل شهر مرة، وأن أجعلها سفيهة وأن أجعلها تحمل كرهاً وتضع كرهاً ". وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله أن آدم ما أكل من الشجرة وهو يعقل،
ولكن حواء سقته الخمر، حتى إذا سكر قادته إليها فأكل. وقال جماعة من أهل التأويل: " لم يدخل إبليس الجنة وإنما وسوس إليه شيطانه الذي جعله الله ليبتلي به آدم وذريته ويأتي ابن آدم في يقظته ونومه، وعلى كل حال. وقد قال تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان} [الأعراف: 20]، وقال: {يابنيءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الجنة} [الأعراف: 27] فأخبرنا أن الذي أخرج أبانا هو الذي يوسوس في صدورنا ". وعن النبي [عليه السلام] أنه قال: " إنّ الشّيْطانَ يَجْري مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّم ". قوله: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}. يعني آدم وحواء / والحية / وإبليس. فنزل إبليس أولاً نحو الأبُلَّة في المشرق،
ونزل آدم على جبل من جبال الهند ونزلت حواء بجَدة، ونزلت الحية بأصبهان. وروي أنه لما خرج آدم إلى شقاء الدنيا أتاه جبريل عليه السلام فعلمه كيف يحرث فحرث، ثم زرع، ثم حصد، ثم درس، ثم خبز ثم أكل، فلما عرض له الخلاء جاء وذهب وتردد، وهو لا يدري ما حدث به ولا ما يصنع، فقعد وتعصر فخرج منه الحدَث مُنتِنا، فقال: يا رب ما هذا النتن؟ فقال: هذه ريح خطيئتك ". قوله: {وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ}. أي قرار إلى حين، وقيل: / القرار في القبور، وروي ذلك عن ابن عباس. قوله: {وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ}، أي إلى الموت. وقيل: إلى قيام الساعة فتخرجون من القبور. وقيل {إلى حِينٍ}: إلى أجل قد علمه تعالى. وقال أبو موسى الأشعري: " إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض، علمه صنعة كل شيء، وزوَّده من ثمار الجنة، فثمركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه
تتغير، وتلك لا تتغير ". قوله: {فتلقىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كلمات}. أي أخذها وقبلها. وقيل: ألهمها فانتفع بها إذا رفعت، ومَن نصب " آدم " فمعناه أن الكلمات رحمة من ربه أدركتْه قاستنقذته. فالكلمات فيما روي عن ابن عباس [قول آدم]: أي رب: ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، ثم قال: أي رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى. ثم قال: أي رب ألم تسكني جنتك؟ / قال: بلى، ثم قال: أي رب. أرأيت إن تبتُ وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى. فذلك تَلَقّيه ". وزاد قتادة أنه قال: " وسبقت رحمتك إلي قبل غضبك، قيل له: بلى. قال: رب هل كتبت هذا علي قبل أن تخلقني؟ قيل له: نعم. قال / رب إن تبت
وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم ". وقال الحسن: " هو قولهما: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} الآية ". وقال قتادة: " هي قول آدم عليه السلام: يا رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت؟ قال: إذاً أدخلك الجنة ". وقال عبيد بن عمير: " قال آدم: يا رب خطيئتي التي أخطأتها، أشيء كتبته علي قبل أن تخلقني؟ [أو شيء أنا ابتدعته] من قبل نفسي؟ قال: بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته علي فاغفرْهُ لي، فذلك الذي تلقى آدم ". وقال عبد الرحمن بن زيد بن معاوية: " قال آدم: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك فتب علي إنك أنت التواب الرحيم، فذلك
الذي تلقى ". وروي عن مجاهد أنه قال: " هو قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم ". وروي عنه أنه قال: " هو قول آدم: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} الآية ". وروى عنه ابن جريج أنه قال: " هي قول آدم: رب أتتوب عَلَيَّ إن تبت؟ قال: نعم. فتاب عليه ربه ". / روي أن آدم رأى كَلِماً في الجنة مكتوب: لا إله إلا الله محمد عبدي ورسولي، فعلم آدم أن محمداً A أكرم الخلق عليه، فقال حين أخطأ: اللهم بحق
38
محمد اغفر لي خطيئتي، فغفر الله له ". وكانت كنيته أبا محمد، وقيل: أبا البشر. فذلك قوله: {فتلقىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كلمات}. قال ابن عباس: / " تاب الله على آدم يوم عاشوراء ". قوله: {قُلْنَا اهبطوا}. يريد آدم وإبليس وذرية آدم. وقيل: آدم وإبليس وحواء والحية. وقيل: آدم وحواء فقط، وجمعا كما يخاطب الواحد بلفظ الجمع لشرفه. قال مجاهد: " أهبط آدم بأرض الهند فحج البيت على قدميه أربعين حجة، فقيل له: ولم تكن معه دابة تحمله؟ فقال: وأي دابة تطيقه؟ كانت خطوته مسيرة ثلاثة أيام، وموضع قدميه كالقرية ". روى ابن وهب عن مالك أنه قال: " إن آدم لما أهبط إلى الأرض بالسند والهند، قال: يا رب أهذه أحب الأرض إليك أن نعبدك فيها؟ فقال: بل مكة، فسار آدم حتى أتى مكة فوجد عندها ملائكة يطوفون بالبيْت، ويعبدون الله،
40
فقالوا: مرحَباً بآدم، أبي البشر، إنا منتظروك هنا منذ ألفي عام ". قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى}. أي رسل وأنبياء مخاطبة لذرية آدم. وقيل: هُدى بيان من أمري. وقيل: الهدى محمد A. { فَمَن تَبِعَ هُدَايَ} أي من أطاعه وآمن به فلا خوف عليه في الآخرة. وبنو إسرائيل هم ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن A. و " إسرا ": بمعنى عبد. و " إيل ": هو الله [ D] بالعبرانية، وهو مخاطبة لبني قريظة والنضير ثم عام في جميع بني إسرائيل. قوله: {نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}. " هو أن جعلت منكم الرسل / والأنبياء، وأنزلت عليكم الكتاب ". قال ذلك أبو العالية.
وقال مجاهد: " النعمة تفجر الحجر وإنزال المن والسلوى عليهم، وإنجاؤهم من آل فرعون ". وقال ابن زيد: " نعمته الإسلام، ولا نعمة أعظم منها، وما سِواها تبع لها ". قوله: {وَأَوْفُواْ بعهدي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}. العهد هنا عن قتادة قوله: {وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً} [المائدة: 12]. من كل سبط شاهد على سبطه، إلى قوله: {الأنهار} [المائدة: 12]. وعن ابن عباس: " هو ما أخذ عليهم في التوراة والإنجيل من التصديق بمحمد A وطاعته واتباع أمره ". {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}: الجنة والتجاوز عن الصغائر. / واختيار الطبري أن يكون هو ما أخذ عليهم في التوراة من أن
41
يبينوا للناس أمر النبي A كما قال تعالى: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} [آل عمران: 187]. أي أمْر محمد A وقال: {يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل} [الأعراف: 157]. فالمعنى آمنوا بمحمد A وانصُروه كما عهدت إليكم في التوراة؛ أوف لكم بما عهدت لكم من دخولكم الجنة. وروي أن في التوراة: " هو أحمد الضحوك القتول يركب البعير ويلبس الشمْلة ويجتزي بالكسرة، سيفه على عاتقه ". ومعنى {فارهبون} أي خافون واخشوني أن أنزل بكم ما أنزلت بمن / كان قبلكم من النقمات. قوله: {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ}. أي هذا القرآن يصدق التوراة والإنجيل لأن فيها الأمر باتباع / محمد A، وكذلك في القرآن. فمن لم يتبعه فقد كفر بالجميع؛ لأنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. وكذلك حكى الله عنهم، فإذا جحدوا به فقد جحدوا ما هو مكتوب عندهم، ومَن جحَد حرفاً واحداً من كتاب الله فهو جاحد للجميع. قوله: {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}. أي أول من كفر. وقيل: أول فريق كافر.
وقيل: معناه: لا تسبوا الكفر وأنتم علماء فيُقتدى بكم. وقيل: معناه: [ولا تكونوا] أول من كفر به من أهل الكتاب؛ يريد قريظة والنضير خاصة، لأنه قد كفر به المشركون قبل ذلك / بمكة، وليس نهيه أن تكونوا أول كافر يبيح لهم أن يكونوا ثانياً أو ثالثاً فما بعده، لأن النهي عن الشيء لا يكون دليلاً على إباحة أضداده. وذلك في الأمر جائز، يكون الأمر بالشيء دليلاً عن النهي عن أضداده. والهاء في " به " تعود على محمد A. وقيل: على كتابهم لأنهم إذا كفروا بمحمد A، فقد كفروا بكتابهم. وقيل: الهاء تعود على القرآن لأنه جرى ذكره في أول الآية، ولم يجر ذكر محمد A ولا التوراة والإنجيل باللفظ، ولكن جرى ذلك بالمعنى في قوله: {لِّمَا مَعَكُمْ}.
42
وقيل: إن هذا خطاب لقريظة والنضير لأن رسول الله A قدم عليهم فعصوه فكانوا أول من كفر به من اليهود. قوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَناً قَلِيلاً}. كان لأشراف اليهود مأكلة يأكلونها من أموال الناس كل عام على الدين فخشوا أن يؤمنوا فتذهب مأكلتهم. قوله: {وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل}. أي: [لا تخلطوا الحق بالباطل، وهو إظهار] المنافق الإيمان بلسانه وجحوده بقلبه. وقيل: هو قول بعض اليهود: " محمد نبي مرسل مبعوث إلا أنه لم يبعث إلينا "، / فيقرون ثم يجحدون. وقال مجاهد: " لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام ". وقال ابن زيد: " الحق التوراة، والباطل [ما كتبوه وغيروه] بأيديهم ".
43
قوله: {وَتَكْتُمُواْ الحق وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. أي تكتمون أمر محمد وأنتم تعلمون أنه نبي مبعوث A إلى الخلق كافة، تجدونه مكتوباً عندكم كذلك في التوراة والإنجيل. قوله: {وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة}. إنما أمروا بهذا لأنهم كانوا يأمرون الناس به ولا يفعلونه، دل عليه قوله: {أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} أي تتركون أنفسكم ". والزكاة النماء والزيادة. سميت بذلك لأنها تنمي المال وتثمره. وروى أنس بن مالك أن النبي A قال: " رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رجالاً تُقْرضُ شِفاهُهُمْ بِمَقَاريضَ مِنْ نارٍ، فَقُلْتُ: يا جِبْريلَ مَنْ هَؤُلاءِ؟ فقالَ: هؤلاءِ خُطَباءٌ يأْمرونَ النّاسَ بالبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ ". وقيل: كانوا ينهون الناس عن الكفر بشيء من التوراة والإنجيل ويقولون: تمسكوا بما فيهما، وهم يكفرون بما يجدونه فيهما من أمر محمد A وينقضون ما
45
عهد إليهم في ذلك. وقيل: إنهم كانوا يخبرون الأنصار بصفة محمد A، ويأمرونهم بالإيمان به، وهم يؤمنون به قبل مبعثه، فلما بعث آمنت به الأنصار، وكفرت به اليهود. ثم قال تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. أي أفلا تعقلون / أن وبال ذلك راجع عليكم. وأصل العقل المنع. يقال: " عَقَلْتُ نَفْسي عَنْ كَذا " أي مَنَعْتُها، " وَعَقَلْتُ البَعيرَ " إذا ربَطْتَهُ "، وعَقَلْتُ عَنِ الرّجُلِ " إذا لَزِمَتْهُ دِيَّةً فَأَعْطَيْتَها عَنْهُ. فهذا فرق بين عَقَلْتُهُ و " عَقَلْتُ عَنْهُ ". قوله: {بالصبر والصلاة}. الصبر الصيام. وأصل الصيام الحبس. وقيل: معناه اصبروا على ما تكرهه نفوسكم من الطاعة والعمل. وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس: " معناه بالصبر على أداء الفرائض،
وبالصلاة على تمحيص الذنوب ". وقال مقاتل: " معناه استعينوا بهما على طلب الآخرة ". وقال مجاهد وغيره: " الصبر الصوم ". وقيل: معناه: أصبروا أنفسكم عن المعاصي، أي أحبسوها. وذكر الصلاة ها هنا لما فيها من الذكر والخشوع. وكان رسول الله [ A] " إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزَعَ إِلى الصَّلاةِ " وقال الله: {إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر} [العنكبوت: 45] فهي مما / يستعان بها على / ترك المعاصي وفعل الخير / كله. وكان ابن عباس إذا أصيب بمصيبة توضأ، وصلى ركعتين ثم قال: " اللهم قد فعلنا ما أمرتَنا فأنجز لنا ما وعدتَنا ". وقال أبو العالية: " معناه واستعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله، فإنهما من
طاعته ". قوله: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ}. إنما وُحِّد، وأتى بضمير الصلاة لأن المعنى قد عرف، وكانت الصلاة أولى لقربها و " لجمعها الخير "، ولأنها أقرب إلى الضمير. وقيل: المعنى: وإن إجابة محمد A لكبيرة، فالهاء تعود على إجابته / لأن الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه ويأمر به. ومعنى " كبيرة " ثقيلة شديدة، إلا على الخاشعين وإلا على الذين هدى الله. والخاشع الخائف من الله. وأصله التواضع، والتذلل، والاستكانة. وقيل: الهاء في " إنها " تعود على تولية الكعبة. وقيل: تعود على الاستعانة ودل عليه " استعينوا ". قوله: {عَلَى العالمين}.
أي على عالم [أهل ذلك الزمان] وذلك أنه فضلهم بالرسل والكتب. قوله: {يَظُنُّونَ}. معناه: يوقنون. والهاء في " إليه " تعود على اللقاء. وقيل: على الله جل ذكره. قوله: {لاَّ تَجْزِي}. أي لا تقضي، " جزى عني الشيء "، قضى، و " أجزأني، كفاني، مهموز. وقيل: هما بمعنى واحد. وأصل الجزاء القضاء والتعويض. قوله: {نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ}. أي لا تقضي ولا تغني. وهي خاصة لقول النبي [عليه السلام]: " شَفاعَتي لأَهْلِ الكَبائِرِ مِنْ أُمَّتِي ". ولقوله: " لَيْسَ مِنْ نَبِيّ، إلاّ وقَدْ أُعْطِيَ دَعْوَةً، وإِنّي اخْتَبأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً
لأِمَّتِي وَهِيَ نائِلَة مِنْهُم مَنْ لا يُشْرِكُ بِالله شَيْئاً ". فألفاظ الآية عامة، ومعناها الخصوص، هي في الكفار خاصة، وفي هذه الآية رد على اليهود لأنهم زعموا أنهم لا يعذبون يوم القيامة لأنهم أبناء الأنبياء، وأن آباءهم يشفعون لهم عند الله، فرد الله ذلك عليهم في هذه الآية. قوله: {مِنْهَا عَدْلٌ}. أي: فداء. وعن ابن عباس: " عدل: بدل ". وعن النبي A: " العَدْلُ: الفِدْيَةُ ". وقولهم: " لا يقبل منه، صرف ولا عدل ". وقيل: العدل: الفدية، والصرف: الحيلة. قاله ابن السكيت. وقال المازني: " العدل: الفريضة، والصرف: النافلة ".
وقيل: للفدية: عدل، لأنها مثل الشيء، وأصل " عدل الشيء " مثله. والعِدل - بكسر العين - ما حُمل على الظهر. يقال: " عِنْدي غلامٌ عِدْلُ غُلامِكَ، وَشاةٌ عِدْلُ شاتِكَ "، بِكسر العين، إذا كان أحدهما يعدل الآخر. وكذلك يفعل في كل شيء يماثل الشيء من جنسه فإن أردت أن عندك / قيمته من غير جنسه فتحت العين فقلت: " عِنْدي عَدْلُ غُلاَمِكَ وَعَدْلُ شاتِكَ ". أي قيمتها بفتح العين. وروي في " العدل " الذي بمعنى الفدية كسر العين لغة. والضمير في " ولاَّهُمْ " يعود على الكفار لأن النَّفْسَين [المذكورتين تدلان] على ذلك. وقيل: تعود على النفسين لأنهما بمعنى الجمع لم يقصد بهما قصد نفسين بأعيانهما ولأن التثنية أول الجمع، فهي جمع.
قوله: {وآلِ فِرْعَوْنَ}. أصله: أهله، وترجع الهاء في التصغير. وجمعه آلون. وجمع " آل " الذي هو السراب " أَأْوالٌ " كمالٍ وأمْوالٍ. و" آل " المختار فيه ألا يضاف إلا إلى الأسماء المشهورة نحو آل هشام وآل محمد A فإن أضفته إلى البلدان والأرضين لم يجز عند جماعة من أهل العربية واللغة / لا يقال: آل المدينة ولا آل مصر، وإنما يقال بالهاء، حكاها الكسائي. وسمع الأخفش آل المدينة وآل مكة نادران لا يقاس عليهما. واسم فرعون الوليد بن مصعب. وقيل: مصعب بن الريان، وهو اسم كانت ملوك العمالقة تتسمى به. وكانت ملوك الروم تتسمى قيصراً وهِرقلاً، وملوك فارس تتسمى كسرى،
وملوك اليمن تُبَّع ". قال مجاهد: " فرعون موسى فارسي من أهل اصطخر قدم مصر فكان بها ". قوله: {يَسُومُونَكُمْ} أي: يوردونكم. وقيل: يذيقونكم. وقيل: يولونكم. وقيل: يصرفونكم في العذاب مرة كذا، مرة كذا. والعذاب هنا هو استخدام القبط الرجال من بني إسرائيل وقتل الأبناء؛ روي عن ابن عباس أنه قال: " ذكر فرعون ما وعد الله خليله إبراهيم A أنه يجعل من ذريته / أنبياء ملوكاً، فأجمع رأيه مع أصحابه على أن يذبح / كل مولود ولد في بني إسرائيل ففعل ثم رأى أن الكبار يموتون بآجالهم والصغار يذبحون فخاف أن يضطر إلى أن يتولى الخدمة بنفسه ويغني الناس فأمر أن يقتل الصغار سنة ويدعوهم سنة، فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا ذبح فيه، فولدته علانية، [وحملت] في العام المقبل بموسى A.
وذكر عكرمة عن ابن عباس قال: " قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد في هذا العام مولود يذهب بملكك. فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل مائة عشرة وعلى كل عشرةٍ رجلاً، وأمرهم بذبح الذكور إذا وضعن. وقال السدي: " كان ذلك من فرعون لرؤيا رآها، فعُبِّرت له أن يكون من بيت المقدس مولود يكون خراب مصر على يديه. فأمر بذبح الغلمان / واستخدام الآباء تحت أيدي القبط، فأسرع الموت في مشيخة / بني إسرائيل، فدخل كبراء القبط على فرعون فقالوا له: إن هؤلاء القوم يسرع فيهم الموت فيوشك أن تبقى بغير خدمة، فأمر بذبح الذكور سنة وبتركهم سنة ". قوله: {بلاء مِّن رَّبِّكُمْ}. أي نعمة إذ نجاكم مما كنتم فيه. وقيل: معناه اختبار لكم من ربكم.
50
قوله: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر}. أي جعلناه اثني عشر طريقاً على عدد الأسباط. ولما أتى موسى A البحر كناه أبا خالد وضربه، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي كالجبل العظيم. {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}. قيل: إنهم كانوا ينظرون إلى آل فرعون يغرقون وهم ينجون. وقيل: أخرجوا لهم حتى رأوهم. وقيل: كانوا ينظرون انفلاق البحر لهم. وقال الفراء: " تنظرون: تعلمون "، واستبعد أن ينظروا إليهم في ذلك الوقت لأنهم كانوا في شغل عن ذلك. وكان فرعون قد خرج في طلب موسى A في سبعين ألفاً من دُهْم الخيل خاصة، وموسى A بين يديه حتى قابله البحر، فقال أصحاب موسى: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61]. قال
موسى A: كلا إن معي ربي سهديني للنجاة قد وَعَدني ذلك، وهو لا يخلف الميعاد. وكان قد أوحى الله إلى موسى A أن أضرب بعصاك البحر، وأمر البحر أن ينفلق إذا ضربه موسى A فبات البحر يضرب بعضه بعضا فرقاً من الله تعالى، فضربه موسى A بالعصا فانفلق، فسلك موسى A / ببني إسرائيل وأتبعه فرعون وجنوده. ولما أتى فرعون في أثر موسى A وهو على حصان فأراد الدخول فهرب الحصان من البحر فعرض له جبريل على فرس أنثى فقربها منه فشمها ثم تقدم معها [الحصان عليه فرعون حتى دخل، ثم دخل آل فرعون في أثره، وجبريل A أمامه]، وميكائيل من وراء القوم على فرس يستحثهم حتى إذا فصل جبريل من البحر ليس قدامه أحد. وبقي ميكائيل من الناحية الأخرى ليس خلفه أحد طبق عليهم البحر. فلما رأى فرعون ما رأى نادى: {لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ المسلمين} [يونس: 90] وكان ذلك يوم عاشوراء. وروي عن ابن عباس أن موسى A سرى ليلاً كما قال تعالى: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً}
[الدخان: 23]، فأتبعه فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، وكان موسى A في ستمائة ألف فاحتقرهم فرعون، وقال حين اطلع عليهم: {إِنَّ هؤلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [الشعراء: 54] [الثلاث الآيات]، ولما دخلوا البحر وتفرق كل سبط على طريق، قال السبط الذين مع موسى A لموسى: أين أصحابنا؟ قال: سيروا / فإنهم على طريق مثل طريقكم، قالوا: لا نرضى حتى نراهم. قال موسى A: اللهم أعِنِّي على أخلاقهم السيئة. فأوحى الله إلى موسى A أن يزيد عصاه على البحر في الحيطان فصار فيه كوى ينظر بعضهم إلى بعض. وموسى اسم أعجمي، أصله فيما ذكر السدي: ماء وشجر، فهو ماء. وسمي بذلك لأن أمه / حين ألقته في اليم بين أشجار عند بيت فرعون فوجده جواري آسية امرأة فرعون، فسمي باسم ذلك المكان الذي
51
أصيب فيه. فأما موسى فمؤنثة عربية، مشتقة من أسوت إذا أصلحت، ويكون أصله الهمز. وقيل: هي من " أَوْسَوْتُ " إذا حلقت. وهذا أشبه بها، وكلاهما قريب من الآخر. و [الأصل] للواو في الهمز على هذا. قوله: {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}. أي: تمام أربعين ليلة. وقيل: معناه أربعين ليلة بتمامها. فالأربعون داخلة في الميعاد. قوله: {اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ}. أي إلهاً، والأصل، اتَّخَذَ، يَتَّخِذُ، وهو " افْتَعَل " من الأخذ، وكثر في كلامهم فجعلوه بمنزلة ذوات الواو والياء التي تكون في موضع الفاء من الفعل. وهي تكون تاء في " افتعل " وما تصرف منه، وتدغم في تاء " افتعل ". فأصل التاء الأولى همزة
/ وقد قيل: أصلها تاء من " تخذت ". وقال الأخفش: " أصلها همزة حملت على ذوات الواو. لأن الهمزة قد تدخل على الواو فيبدل كل واحدة من الأخرى ". وقد قيل في لغة: " أخَذْتُهُ وأَخَذَهُ الله بذلك، وَوَاخَذَهُ ". فصارت " اتخذ " مثل " اتعد ". قال ابن عباس: " لما امتنع فرس فرعون أن يدخل به البحر، تمثل له جبريل عليه السلام على فرس أنثى فتقحم خلفها ودخل بفرعون، وكان السامري قد عرف جبريل لأن أمه خافت عليه الذبح، فخلَّفته في غار فانطبقت عليه الغار. فكان جبريل عليه السلام يأتيه فيغدوه بأصابعه، فيجد في إحدى أصابعه لبناً وفي الأخرى / عسلاً وفي الأخرى سمناً. فلم يزل يغدوه حتى نشأ، فلما رأى جبريل عليه السلام عرفه، / فأخذ من أثر فرسه قبضة من تراب، ورفعها عنده، وكان موسى A إذ أمر بني إسرائيل
أن يخرجوا من أرض. مصر، أمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط ويخرجوا به معهم. فلما تجاوز البحر وغرق آل فرعون استخلف موسى هارون على بني إسرائيل، ومضى لوَعْدِ ربه D، فقال لهم هارون: اجمعوا الحلي وادفنوه حتى يأتي موسى، فإن أحلَّها لكم أخذتموها. فجمعوا الحلي في حفرة، وألقي [في روع] السامري / أنه لا يلقي تلك القبضة على شيء فيقول: كن كذا إلا كان، فقذفها في الحفرة وقال: كن عجْلاً جسداً له خوار، فصار الحلي كذلك، تدخل الريح من دبره وتخرج من فيه، يُسمع لها صوت، فقال لهم السامري: {هاذآ إلهكم وإله موسى فَنَسِيَ} [طه: 88]؛ أي نسي موسى A إلهه عندكم، ومضى يطلبه كأنه قد نسي. فعكفوا على العجل يعبدونه فنهاهم هارون A وقال: {إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن فاتبعوني} [طه: 90]. فأبوا حتى يرجع موسى [ A] ". وقيل: إنه كان يمشي ويخور.
واسم السامري: موسى بن ظفر، واعتزل هارون بمن معه ممن لم يعبد العجل فلذلك قال له موسى: {فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآءِيلَ} [طه: 94]. قال ابن عباس: " إن موسى A لما قطع البحر وأغرق الله آل فرعون، قالت بنو إسرائيل لموسى: إئتنا بكتاب من ربنا كما وعدتنا، وزعمت أنك تأتينا به إلى شهر. فاختار موسى سبعين رجلاً لينطلقوا معه، فلما تجهزوا، قال الله لموسى: أخبِر قومك أنك لن تأتيهم أربعين ليلة وذلك حين تمت بعشر، وهي عشر من ذي الحجة مع ذي القعدة. والهاء [في] من " بعده " تعود على موسى A. وقيل: تعود على انطلاق موسى إلى الجبل.
52
قوله: {مِّن بَعْدِ ذَلِكَ}. " ذلك " إشارة إلى اتخاذهم العجل إلهاً. قيل: إنهم عبدوا العجل، فلذلك قال: اتخذتم العجل يعني إلهاً. وعن قتادة: " إن السامري هو الذي اتخذ العجل إلهاً، ورضي بذلك بنو إسرائيل، فلذلك نسبه إليهم ". قوله: {الكتاب والفرقان}. الكتاب: التوراة، والفرقان: انفراق البحر، قاله ابن زيد. و " يوم الفرقان: يوم التقى الجمعان " هو يوم بدر فرق الله بين الأمرين بين الحق والباطل. وقيل: الفرقان: الفرق بين الحق والباطل / من الكتاب. وقيل: الفرقان القرآن، والتقدير على هذا: وآتينا محمداً الفرقان. قاله الفراء وقطرب، وهو بعيد في العربية، لا يجوز مثل هذا الإضمار، وقد ردَّه جماعة. وقال الزجاج: " الفرقان هو الكتاب أعيد ذكره بغير لفظه للتأكيد، وسمي فرقاناً لأنه فرق بين الحق والباطل ".
54
وقيل: الفرقان هو التفريق بينهم وبين قوم فرعون؛ غرق قوم فرعون ونجا قوم موسى. قوله: {فتوبوا إلى بَارِئِكُمْ} الآية. قال السدي: " لما رجع موسى A إلى قومه قال: {ياقوم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} [طه: 86] إلى قوله: {فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامري} [طه: 87]، ثم أخذ العجل فحرقه [فأبرده] بالمبرد فذراه في اليم، ثم أمرهم موسى A أن يشربوا من اليم فشربوا. فمن كان في قلبه محبة من العجل خرج على / شاربه الذهب، وهو قوله: {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 93]. فلما / علموا أنهم قد ضلوا ندموا، فلم يقبل الله توبتهم إلا أن يقتل بعضهم بعضاً، فذلك قوله: {فاقتلوا أَنفُسَكُمْ} إلى {التواب الرحيم}. فصفوا صفين، ثم اجتلدوا بالسيوف والخناجر، فكان من قتل شهيداً. قال علي بن أبي طالب: " كان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قتل منهم سبعون
ألفاً، فأوحى الله إليه: (مرهم فليرفعوا) القتل فقد رحمتُ من قتل وتبت على من بقي ". وروي أنهم قالوا لموسى A: كيف يَقْتُلُ الرجل أخاه وقريبه؟ فقال موسى: إن الله [تعالى يأمر الذين عبدوا] العجل أن يجثوا، ويأخذ الذين لم يعبدوا العجل السيوف. وقال الله جل ذكره لموسى عليه السلام: إني سأنزل سحابة سوداء حتى لا يبصر بعضهم بعضاً، ثم أمر الذين لم يعبدوا العجل أن يضربوا بالسيوف ففعلوا فقتلوهم أجمعين /. فلما ارتفعت السحابة اشتد على موسى وعليهم ما صنعوا، فقال الله جل ذكره: يا موسى أما يرضيك أني أدخلت القاتل والمقتول الجنة؟ قال: بلى يا رب ". وقال ابن شهاب: " لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى فاضطربوا بالسيوف والخناجر، وموسى A رافع يديه يدعو، حتى إذا فتر أتاه بعضهم فقال: با نبي الله: ادع الله لنا. وأخذوا بعضديه يسندون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك حتى قبل الله توبتهم وقبض أيديهم / فألقوا السلاح. وأحزن
55
موسى A و [بني إسرائيل الذي] كان من القتل منهم، فأوحى الله جل ذكره إلى موسى: ما يحزنك؟ أما من قتل، فحَيّ عندي يُرزَق، وأما من بقي فقد قبلت توبته، فسُرّ بذلك موسى A وبنو إسرائيل. قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً} الآية. قوله: {جَهْرَةً}: يجوز أن يكون حالاً من قولهم، على معنى: أرنا الله علانية. ويجوز أن يكون حالاً منهم؛ أي قالوا ذلك مجاهرين به أي: معلنين. والصاعقة الموت. وقيل: الفزع. وقيل: [العذاب الذي] يموتون منه. وأصل الصاعقة كل شيء هائل من عذاب أو زلزلة أو رجفة؛ قال الله تعالى: {وَخَرَّ موسى صَعِقاً} [الأعراف: 143]، أي مغشياً عليه ولم يمت. والرجفة التي أخذت من معه كانت موتاً وأنتم تنظرون إلى الصاعقة.
56
قوله: {ثُمَّ بعثناكم}. أي: أحييناكم. وأصل البعث إثارة الشيء من محله؛ تقول العرب: " بَعَثْتُ ناقتي " أثرتها. " وبَعَثْتُ فلانا في كذا "، أي: أثرتُه للتوجه فيه. ويوم القيامة يوم البعث لأنه [يثار فيه الناس] للحساب. ومعنى ذلك أن موسى A لما أحرق العجل وذراه في اليم اختار من قومه سبعين / رجلاً وقال: انطلقوا إلى الله D، وتوبوا إليه مما صنعتم وتطهروا وطهروا ثيابكم، وكان ذلك عن أمر الله له، فخرجوا معه فقالوا لموسى: اطلب لنا إلى ربك أن نسمع كلامه فقال: أفعل. فلما دنا موسى A من الجبل وقع عليه عمود من نور حتى تغشى الجبل كله فدخل فيه. وقال للقوم: ادنوا وكان موسى A إذا كلمه ربه D وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه الحجاب. ودنا القوم حتى إذا
دخلوا / في الغمام، وقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلم موسى / A يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل، فلما فرغ انكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة عند ذلك فماتوا أجمعون. فقال موسى: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما فعل السفهاء منا؟ يريد موسى A أن مُضِيِي إلى بني إسرائيل بغير من اخترت منهم [هلاك لهم] لأنهم بعد ذلك لا يأمنوني على أمر ولا يصدقوني. فلم يزل موسى - يطلب إلى ربه - A حتى رد عليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لهم من عبادتهم العجل، فقال الله تعالى: لا. إلا أن يقتلوا أنفسهم. ذكر جميع ذلك عن السدي، قال: " فالذين أخذتهم الصاعقة هم السبعون الذين اختارهم موسى A للميقات ". قال قتادة: " بعثهم الله D إلى بقية آجالهم ليستوفوها،
57
ولو تمت آجال القوم ما بعثوا ". وقال ابن زيد: " لما أتاهم موسى A بكتاب الله D، وقال لهم: خذوه، قالوا: لا نأخذه حتى نرى الله جهرة، فيقول: خذوه. فجاءتهم صاعقة بعد التوبة فصعقوا أجمعين، ثم أحياهم الله بعد موتهم. فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله D فأبوا أن يأخذوه. فرفع فوقهم الجبل فأخذوا الكتاب، وأخذ موسى عليهم الميثاق، وهو قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 83] الآية. قوله: {[وَ] ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام}. قيل: الغمام سحاب. وقال مجاهد: " هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة وليس بسحاب ". وروي ذلك عن ابن عباس، وهو الغمام الذي أتت فيه الملائكة يوم بدر،
وذلك أنهم كانوا في التيه، [فشكوا حر] الشمس، فظلّل الله عليهم الغمام وهو أبرد من السحاب وأطيب. وسمي الغمام غماماً لأنه يَعُمّ ما حل به، أي يستره، وسمي السحاب غماماً، لأنه يغم السماء، أي يسترها. وقيل / للسحاب سحاب لأنه ينسحب بمسيره. والمن عن مجاهد: " صمغة ". وقال قتادة: " كان ينزل، عليهم مثل الثلج ". / وقال الربيع. بن أنس: " المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه ". وقال ابن زيد: " المن عسل كان ينزل عليهم من السماء ". ورواه ابن وهب عنه.
وقال وهب: " المن خبز رقاق الذرة أو مثل النقي ". وقال السدي: " المن الزنجبيل ". وقيل: " هو الترنجبين ". وعن ابن عباس: " المن هو الذي " يسقط من الشجر، فيأكله الناس ". وقال قتادة: " كان يسقط عليهم في مجلسهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كسقوط الثلج فيؤخذ منه بقدر ما يكفي ذلك اليوم / فإن تعدى إلى أكثر فسد، إلا يوم الجمعة فإنه يؤخذ ما يكفي فيه للجمعة وللسبت، لأن يوم السبت عندهم
يوم عبادة ". وقيل: " المن: الترنجبين ". وقيل: " المن أصمغة ". وقال النبي [عليه السلام]: " الكَمْأَةُ مِنَ المَنّ وماؤُها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ " قال أهل المعاني: " معنى: " مِنَ المَنّ " أي مما منَّ الله به على خلقه بلا زرع ولا تكلف سقي ". والسلوى: طائر يشبه السُّمانَى كانت الجنوب تحشره عليهم. والسلوى والسمانى واحِدُه وجمعه بلفظ واحد. والمن: جمع لا واحد له مثل الخير والشر. / وكان من قصة المن والسلوى أن الله D أمر
موسى إلى بيت المقدس فيسكنها ويجاهد فيها من الجبارين، فأبوا القتال معه وقالوا: اذهب أنت وربك فقاتلا، فغضب موسى A لذلك فدعا عليهم وقال: {فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين} [المائدة: 25]، فقال الله D: { قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرض} [المائدة: 26]. فندم موسى عليه السلام على دعائه عليهم فأوحى الله D إليه: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين} [المائدة: 26] أي لا تحزن. فقالوا: يا موسى، فكيف لنا بالطعام؟ فأنزل الله D عليهم المن والسلوى. فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير فإن وجده سميناً ذبحه، وإلا تركه، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأمر الله D موسى A أن يضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، لكل سبط عين. فقالوا: فأين الظل؟ فظللهم الله بالغمام فقالوا: فأين اللباس؟ [فجعل الله] ثيابهم تطول معهم كما يطول الصبيان، ولا يتخرق لهم ثوب ولا يتوسخ. قوله: {مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}. أي من مشتهيات رزقنا وقيل: من حلاله.
58
قوله: {وادخلوا الباب سُجَّداً}. أي ركعاً. والباب باب حطة، معروف في بيت المقدس. ومعنى حطة عند الحسن وقتادة وأكثر المفسرين: " احطط عنا ذنوبنا / وحط عنا خطايانا ". وعن ابن عباس وعكرمة قالا: " حطة: لا إله إلا الله. وسميت بذلك لأنها تحط الذنوب ". وقيل: كلمة أمروا بما تحط بها عنهم ذنوبهم. وقيل معناه: قولوا قولاً تحط به عنكم ذنوبكم. وقيل: حطة بمعنى الاستغفار. وهو مثل الأول. قوله: {فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ}.
روى أبو هريرة عن النبي [عليه السلام] أنه [قال]: " قال الله تعالى لبني إسرائيلَ: ادْخُلوا البَابَ سجَّداً، وقُولُوا حِطَّةٌ يُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ، فَبَدَّلُوا ودَخَلُوا البَابَ يَزْحُفُون على أسْتاهِهِم، وقالوا: حَبَّةٌ في شَعِيرة ". وقال ابن عباس عن النبي [عليه السلام] إنهم قالوا: " حنطة في شعير ". وقيل: إنهم تكلموا بكلام بالنبطية على جهة الاستهزاء والخلاف. وقال ابن مسعود: " قالوا حنطة حمراء فيها شعير ". وعن ابن عباس أنه قال: " إنهم دخلوا الباب من قِبلِ أستاههم، وكان باباً صغيراً ويقولون حنطة ". قال الفراء: " قال ابن عباس: " أمروا أن [يستغفروا الله فخالفوا] الكلام بالنبطية.
والزجر العذاب، والرجس النتن. وقال أبو العالية: " الرجز الغضب ". وذلك أنهم لما بدلوا نعمة الله، نزل عليهم الطاعون فلم يبق أحداً، فهو الرجز. قاله ابن زيد. وقال الأخفش: " الرجز هو الرجس ". كأن الزاي عنده بدل من السين كما يقال: " السَّرْعُ والزَّرْعُ، والزِّرَاطُ والصِّرَاطُ، وليس مثله في القياس. والرُّجْزُ - بالضم - صَنَم كانوا يعبدونه. وذكر يحيى أن الرجز: الطاعون، نزل بهم حين بدلوا، فمات منهم سبعون ألفاً، وقال قوم منهم: لا إله إلا الله، فهم المحسنون الذين ذكرهم الله في
60
قوله: {وَسَنَزِيدُ المحسنين} [البقرة: 58]، فقوم منهم بدلوا وقوم لم يبدلوا. وروي أن الذين بدلوا إنما قالوا بالعبرانية: " حبة سمراء "، يعنون الحبة. وقال ابن عباس: " لما بدلوا، نزل بهم طاعون فمات منهم أربعة وعشرون ألفاً ". قال مقاتل: " هلك منهم / بفعلهم سبعون ألفاً ". قوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ}. أي لا يشتد فسادكم وهو أشد الفساد. يقال: عَثَا يَعْثُو عُثُوّاً. وعَثِيَ يَعْثَى عَثّاً. وعَاثَ يَعِيثُ عيثاً وعِياثاً. ولغة القرآن عَثِيَ يَِعْثَى. قوله: {اضرب بِّعَصَاكَ الحجر}. لما اشتكوا إلى موسى A الظمأ في التيه، / وكانوا يحفرون الآبار حيثما نزلوا، فشق ذلك عليهم، فأتى موسى [بحجر مربع] من الطور، وأمر موسى A أن يضربه بعصاه، فكانوا يحملونه معهم، فإذا نزلوا ضربه / موسى A فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً من كل ناحية [ثلاث عيون]، لكل سبط عين
61
معلومة. قال ابن زيد: " سقوا من حجر مثل رأس الشاة يلقونه في جانب [الجَوالق/ إذ] ارتحلوا بعد أن يستمسك ماؤه عند رحلتهم فإذا نزلوا قرعه موسى بعصَاه، فعادت العيون بحسبها ". قال مقاتل والكلبي: " انفجرت من الحجر اثنتا عشرة عيناً على عدد الأسباط، وكانوا إذا أخذوا حاجتهم زالت العيون وانسدت مواضعها. فإذا احتاجوا إلى الماء انفجرت العيون ". قوله: {مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا} الآية.
لما فقدوا أطعماتهم التي كانوا يأكلون بمصر، ولزموا شيئاً واحداً [ملّوا وقالوا] ذلك. ومن قال إن المن [خُبْز الحُوّارَى]، كان قوله: " أدنى " بمعنى أقرب. وقال عطاء ومجاهد: " الفوم: الخبز ". وقال قتادة والحسن: " الفوم: الحب الذي يختبز الناس ". وعن ابن عباس قال: " الفوم: الحنطة والخبز ". وروي عن مجاهد قال: " هو الثوم ". وهو اختيار ابن قتيبة، وهو في مصحف ابن مسعود: " وثُومِهَا " بالثاء. فهذا يدل على أنها الثوم. وذكر ابن قتيبة: " أن الفوم: الحبوب ". والعرب تبدل الثاء [من الفاء] يقولون: جَدَفٌ وجَدَثٌ، ومَغَافِيرٌ
وَمَغَاثِيرٌ. [فهذا] يدل على أنه الثوم. وروي أن الفوم: القمح والعدس وسائر الحبوب؛ وذلك أنهم لما سلكوا التيه مع موسى شكوا الحر، فظلل الله عليهم الغمام يقيهم الحر، وجعل لهم عموداً من نار بالليل يضيء لهم مكان القمر، وأنزل الله عليهم المن والسلوى، فيأخذون منه قوتهم للغذاء والعشاء، فمن زاد على ذلك فسدت عليه الزيادة. وكانوا يأخذون يوم الجمعة للجمعة والسبت إذ لا يأتيهم يوم السبت، وكانوا يخبزون المن قرصاً، فيأكلون طعاماً مثل الشهد المعجون بالسمن. وروي أنهم نزل عليهم المن أولاً، فملوه لحلاوته، وسألوا لحماً فأنزل الله عليهم طيراً تجلبه عليهم ريح الجنوب، وأمر ألا يدخروا من لحمه فخالفوا فادخروا، فخنز عليهم وفسد. فيروى أنه لولا ذنوب بني إسرائيل ما فسد الطعام المدخر. وقيل: كانت السلوى تقع في مجالسهم كهيئة السماني، فملوا ذلك وسألوا القمح
والحبوب والبصل، فأمروا أن يهبطوا مصر وهي الشام، لأنهم من مصر خرجوا، فهبطوا إلى الشام بعد انقضاء الأربعين عاماً التي عوقبوا بها في التيه لتخلفهم عن قتال الجبارين، ولقولهم لموسى A: { فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]. ولم يدخل الشام أحد ممن أمر بقتال الجبارين، بل كلهم مات في التيه، وإنما دخلها أبناؤهم. قوله: / {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ}. هو من قول موسى A. و " أدنى " بمعنى أقرب أي أقل قيمة. وقال علي / بن سليمان: " أدنى من ذوات الهمز من قولهم: " دَنِيءٌ بَيِّنُ الدَّنَاءَةِ "، أبدل من الهمزة ألفاً ". وقيل: معنى " أدنى ": أقرب لكم في الدنيا مما هو لكم في الآخرة، فيكون
من " دنا يدنو ". وقد قرئ بالهمز. وقال مجاهد: " أدنى بمعنى: " أَرْدَأَ ". وقيل: أصله " أدون " من الدون [ثم قلبت] اللام في موضع العين، وانقلب الواو ألفا لتطرفها. قوله: {اهبطوا مِصْراً}. قال مجاهد وقتادة وغيرهما: " مصراً من الأمصار ". وقال أبو العالية: " مصر هي التي كان بها فرعون ". وقاله الكسائي، وفي قراءة أُبَيّ وابن مسعود: " اهْبِطُوا مصر " بغير صرف معرفة. وقيل: هي الشام.
وروى أشهب عن مالك أنه قال له: " هي مصر قريتك في رأيي؛ هي بلاد فرعون ". قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة}. أي فرضت ووضعت من قولهم: " ضَرَبْتُ عَلَى عَبْدِي الخَرَاجَ، وَضَرَبَ عَلَيَّ الأَمِيرُ الخَرَاجَ " أي [فَرَضَهُ وَوَضَعَهُ] عَلَيَّ. وَضَرْبُ الذلةِ عليهم هو إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون. والمسكنة الخشوع والذلة. وقيل: الحاجة. وقيل: الفاقة والفقر. فلست ترى يهودياً إلا وعليه الذلة والمسكنة، وإن كان معه قناطير الذهب والفضة. قوله: {وَبَآءُو بِغَضَبٍ}. أي: رجعوا به.
وقال الضحاك: " استحقوا غضباً ". قال أبو عبيدة: " يقال بُؤْتُ بالذنب أي: احتملته ولزمني، وتَبَوَّأتُ الدار لزمتها، وبُؤْتُ بالشي اعترفت به، وبَوَّأْتُ القوم منزلاً إذا أنزلتهم إلى سند جبل أو عند نهر. فالاسم المباءة ". قوله: {بِآيَاتِ الله}. الآية طائفة من القرآن وجماعة /، يقال: " جئنا بآيتِنَا " أي: بجماعتنا. وقيل: سميت آية لأنها علامة الانفصال مما قبلها. ووزن آية عند الخليل / وسيبويه: " فَعْلَةٌ "، وأصلها " أيِيَةٌ، فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها وهو نادر، لأن أصله أن تعتل اللام وتسلم العين، فاعتلت العين وسلمت اللام. وقال الكسائي فيما حكى أبو بكر: " أصلها " آيِيَةٌ " مثل " مَاضِيَة "، فكان يلزم
62
الياءين الإدغام فتصير " آيَّة " مثل " دَابَّة "، فتثقل، فحذفوا الياء الأولى ". وقال الفراء: " أصلها فعلة، وأصلها " آيَّة " استثقلوا التضعيف فأبدلوا الياء ألفاً كما أبدلوا في التضعيف من " دِوَّانِ " و " قِرَّاطٍ " ياءً ومثله دِنَّار ". وقد حكى غير أبي بكر عن بعض الكوفيين أن أصلها فعلة فاستثقل التضعيف فأعلت الأولى لانكسارها، وتحرك ما قبلها فقلبت ألفاً. قوله: {إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ} الآية. قال سفيان: " الذين آمنوا / هنا هم المنافقون الذين آمنوا في الظاهر، يدل على ذلك قوله: {مَنْ آمَنَ / مِنْهُمْ بالله}؛ أي مَن صدق منهم بقلبه ووافق ظاهره باطنه ". وقال غيره: " بل هم المؤمنون، وإنما أراد " بمن آمن "، من ثبت على الإيمان كما قال: {يا أيها الذين آمَنُواْ [آمَنُواْ]} [النساء: 135] أي اثبتوا على تصديقكم.
وقيل: المراد بهم: من كان يؤمن بموسى A، وعيسى A، والنصارى على هذا القول من خالف عيسى منهم، واليهود من خالف موسى، والصابئون قوم بين اليهود والنصارى، فيهم اختلاف قد ذكرناه. قوله: {مَنْ آمَنَ بالله}. أي جمع مع إيمانه المتقدم إيمانه / بمحمد A وبما جاء به. روي ذلك عن السدي. وقال السدي: " نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي ". وذكر قصة طويلة معناها أن سلمان كان قد تنسك مع قوم من الرهبان قبل مبعث النبي A فأخبروه أنه سيبعث نبي، فإذا لحقته فصدق به. فلما بعث النبي A وأتى المدينة أتاه سلمان فنظر إلى الخاتم الذي هو علامة النبوة، وقد كانوا قالوا له: علامته خاتم بين كتفيه وهو لا يقبل الصدقة ويقبل الهدية. فلما رأى سلمان الخاتم مضى واشترى لحماً وخبزاً، وشوى اللحم وأتى به النبي A، فقال له: ما هذا؟ فقال له: صدقة. قال: لا آخذه، أعطه للمسلمين. ثم مضى [فاشترى شيئاً آخر فأتى] به النبي A، فقال
له: ما هذا؟ قال له: هدية. فقال له: اجلس فكل، فأكل مع النبي A فسأله سلمان عن أولئك الرهبان ما حالهم في الآخرة وقد كانوا يقولون: لو لحقناك لآمنا بك، فأنزل الله: {إِنَّ الذين آمَنُواْ} الآية. أي من مات على دين موسى وعيسى صلى الله عليهما وسلم فله أجره عند ربه. وروي عن ابن عباس، وسعيد بن عبد العزيز أنها منسوخة نسختها: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]. أي من لحق بمبعث محمد A فليس يقبل منه غير الإيمان. وسميت اليهود يهوداً لقولهم: {إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] أي تبنا ورجعنا.
وقيل: سميت بذلك لانتسابهم إلى يهودا. والنصارى: جمع نصران ونصرانة. وقيل: سموا نصارى لأنهم نزلوا أرضاً يقال لها: ناصرة. وقيل: سموا نصارى لقوله تعالى: {مَنْ أنصاري إِلَى الله} [آل عمران: 52]. وقيل: سموا نصارى، لأن قرية عيسى [عليه السلام] كانت تسمى ناصرة، وكان أصحابه يسمون الناصرين، وكان يقال لعيسى A الناصري. وقيل: سموا بذلك لأنهم نزلوا موضعاً يسمى ناصرة. والصابئين: قوم خرجوا من دين إلى دين. وقيل: هم قوم لا دين لهم. وقيل: الصابئين: قوم بين المجوس واليهود.
63
وقال الحسن: " هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلّون للقبلة، ويقرأون الزبور ". ومعنى: {وَعَمِلَ صَالِحاً}. أي آمن بمحمد [عليه السلام]. قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} الآية. / وقال ابن زيد: " لما رجع موسى A من عند ربه بالألواح، أمرهم باتباع ما فيها وقبوله والعمل به. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت، لا والله حتى نرى الله جهرة وحتى يطلع علينا ويقول: هذا كتابي فخذوه. قال: فجاءته غضبة من الله فصعقوا فماتوا جميعاً، ثم أحياهم الله من بعد ذلك. فقال لهم موسى A: خذوا كتاب الله قالوا: لا. قال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: أُمتنا ثم حُيينا. فقال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم فهو تأويل. {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور} فلما صار فوقهم، قيل لهم: خذوا، وإلا طرح عليكم. فأخذوه بالميثاق /،
فهو قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله} [البقرة: 83] إلى {وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 144]. ولو أخذوه أول مرة لأخذوه بغير ميثاق، ولكن عسروا فشدد الله عليهم ". والطور: الجبل. وقيل: هو اسم جبل بعينه معروف كلم الله سبحانه عليه / موسى A. وقيل: هو ما أنبت دون ما لم ينبت من الجبال. وقال السدي: " لما نظروا إلى الجبل فوقهم خروا سجّداً على شق، ونظروا إليه [بالشق الآخر فرحمهم] الله وكشف عنهم فهم يسجدون لذلك على شق ". / فقوله: {وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ} [الأعراف: 171] وقوله: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور} واحد.
ومعنى: {بِقُوَّةٍ} أي: بجد وعزيمة ورغبة وعمل، وهو التوراة. وروي أنهم قالوا: لا نقبل التوراة، فرفع الله فوقهم الطور كأنه ظلة، فأيقنوا أنه واقع عليهم، وبعث الله ناراً من قِبلِ وجوههم، وأتاهم بالبحر من خلفهم، فقال لهم موسى A: " إن أنتم لم تقبلوا التوراة بما فيها أحرقكم الله بهذه النار، وغرقكم في هذا البحر، وأطبق عليكم هذا الجبل ". فأخذوها كارهين، وعاهدوا الله ليعملن بما فيها وسجدوا لله وهم ينظرون إلى الجبل بعين واحد مخافة أن يقع عليهم فصارت سنة فيهم لا يُصَلّون إلا هكذا. ثم عصوا بعد ذلك وخالفوا العهد، فهو قوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذلك فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} لعاجلهم بالعقوبة، فيخسرون دنياهم وآخراهم. قوله: {واذكروا مَا فِيهِ}. أي أتلوه. وقيل: معناه: اذكروا ما فيه من أمر الآخرة وهو الثواب والعقاب لعلكم تتقون ما تعاقبون عليه.
65
وقوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت}. قال ابن عباس: " لم يبعث الله قط نبياً إلا عرفه فضل الجمعة وعظمها في السماوات وأن الساعة / تقوم فيها، وتشريف الملائكة لها. وبلغت الرسل أممها ذلك، فسمع أكثرهم وأطاع وعرف فضلها. فلما كان موسى أخبر بني إسرائيل بفضلها على الأيام فقالوا: يا موسى، كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على الأيام، والسبت أفضل لأن كل شيء سبت لله مطيعاً يوم السبت، وخلق الله السماوات والأرض في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة. ويوم السبت كمل الأمر؟ وقالت النصارى لعيسى A إذ أمرهم بالجمعة وأخبرهم بفضلها: كيف تأمرنا بالجمعة وأول الأيام أفضلها وسيدها، والله واحد، والواحد الأول، والأحد أول؟ فأوحى الله D إلى عيسى A أن دَعْهُم والأحد، ولكن ليفعلوا فيه كذا وكذا فلم يفعلوا. وقال لموسى A كذلك في السبت. وأمرهم أن لا يصيدوا فيه سمكاً ولا غيره، ولا يعملوا فيه عملاً. فكان يوم السبت تظهر فيه الحيتان على وجه الماء فهو قوله: {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ} [الأعراف: 163] ثم إنهم تناولوها في السبت فلم ينكر بعضهم على بعض، ثم كفوا فلما رأوا العقوبة لا تنزل بهم عادوا وأخذوا. وكان موسى قد حذرهم
العقوبة إن تعدوا في السبت، فلما رأوا لا تنزل عليهم عقوبة ظنوا ما قال لهم موسى A باطلاً، فمسخوا قردة وحيوا ثلاثة أيام وماتوا ". قال ابن عباس: " لم يعش مسخ قط أكثر من ثلاثة أيام ولا يأكل ولا يشرب ولا ينسل. وكان الله تعالى قد خلق القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة [الأيام التي ذكر، فمسخ أولئك في صور] القردة ". قال الحسن: " كانت الحيتان تأتيهم يوم السبت / فتبطح بأفنيتهم كأنها المخاض ثم تذهب فلا ترى ". قال ابن عباس: " لما طال عليهم أمر الحيتان وإتيانها يوم السبت ولا تأتي في غيره، عمد رجل منهم فأخذ حوتاً يوم السبت فحزمه بخيط وأرسله في الماء وتّدَ له وتداً في الساحل فأوثقه، حتى إذا كان الغد أخذه فأكله، فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك، فوجد الناس ريح الحيتان، ثم علموا بما فعل ذلك الرجل ففعلوا مثل
ما [فعل وأكلوا زمناً طويلاً، ولم] يعجل الله عليهم بالعقوبة حتى صادوا علانية وباعوها في الأسواق. فقالت طائفة من أهل التقوى: " ويحكم اتقوا الله " ونهوهم عما يصنعون. وقالت طائفة أخرى لم يصنعوا مثل ما صنع أولئك: / {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} [الأعراف: 164]، فنجى الله الذين ينهون عن السوء ومسخ الفاعلين ". واختلف في الذين / لم يعملوا ولم ينهوا وقالوا: {لِمَ تَعِظُونَ} الآية. قيل: إنهم نجوا مع الناجين. وقيل: مُسِخُوا مع مَن مسخ. [والسبت أصله] الراحة والهدوء. والسبت ضرب من السير. والسبت [الحلق؛ / يقال سَبَتَ رَأسَهُ] حَلَقَهُ. والسبت القطع. وجمعه: " أَسْبُتٌ " و " سَبَتَاتٌ " بالتحريك لأنه اسم. وفي الكثير السبوت والسبات. وقال السدي: / " كان الرجل منهم من شهوة الحوت يحفر الحفرة ويجعل نهراً إلى البحر، فيدخله الماء يوم السبت بالحوت، ثم لا يقدر الحوت أن يرجع إلى
البحر لقلة الماء، فيصبح يوم [الأحد ويأخذه]. فنهوهم علماؤهم عن ذلك فلم ينتهوا ". وروي عن مجاهد أنه قال: " مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله كمثل الحمار يحمل أسفاراً ". وجميع أهل التفسير على خلاف ذلك لأنهم مسخوا قردة حقيقة. وقوله: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً}. هو أمر، وتأويله الخبر. أي: فكوناهم قردة، وهذا هو الأمر الذي يكون به الخلق، فحولهم من خلقة إلى خلقة أخرى، فهو مثل قوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40]. {خَاسِئِينَ}. أي: مبعدين، أي مطرودين. هذا قول أهل اللغة. وقال مجاهد وقتادة: " خاسئين: صاغرين ".
66
وقال الربيع: " أذلة صاغرين ". وروي عن ابن عباس: " خاسئاً ذليلاً ". قوله: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً}. أي: فجعلنا العقوبة نكالاً وهي المسخة، وعليه أكثر أهل التفسير. وقيل: الهاء للقردة. وقيل: للأمة الذين اعتدوا. وروي عن ابن عباس أنه قال: {جَعَلْنَاهَا} [الحج: 36]. أي: جعلنا الحيتان نَكَالاً لأن العقوبة من أجلها كانت. فدل الكلام عليها نكالاً لا عقوبة " عن ابن عباس. ومعنى " نَكَّلْتُ به " عند أهل اللغة: فعلت به ما ينكل غيره أن يفعل مثله فيصيبه مثل ما أصابه. قوله: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} أي: من بعدهم ليحذر ويتقي.
67
{وَمَا خَلْفَهَا} لمن بقي منهم عبرة. قاله ابن عباس. وقال الربيع: " لما خلا من ذنوبهم: أي عوقبوا [من أجل ما] خلا من ذنوبهم، {وَمَا خَلْفَهَا}: أي: عبرة لمن بقي من الناس ". وروى عكرمة عن ابن عباس: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا}: من / القرى ". وقال قتادة: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا}: مِن ذنوبها التي مضت، {وَمَا خَلْفَهَا}: تعديهم في السبت وأخذهم الحيتان ". وكذلك قال / مجاهد. وقال السدي: " {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} ما سلف من ذنوبها، {وَمَا خَلْفَهَا}: للأمم التي بعدها ألا يعصوا فيصنع بهم مثل ذلك ". قوله: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}. أمة محمد A أن لا ينتهكوا ما حرم الله عليهم فيصيبهم مثل ذلك. قوله: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً}. قالوا: إنما جاء الجواب بغير فاء لأنه تعالى إنما أذكرهم هذا الذي كان، فجعل
" قالوا " كالجواب لقوله على انقطاع الكلام وتمامه. فهو حكاية كانت من كلامين: أحدهما جواب للآخر، وليس أحدها محمولاً على الآخر. ولو أتى بالفاء لحسن. ولو قلت: " قُمْتُ قامَ زيْدٌ "، لم يجز إلا بالفاء، لأنه كلام واحد، الثاني محمول على الأول، فلم يتصلا إلا بحرف فاء أو واو، وليس مثل الآية فافهمه. قوله: {قَالَ أَعُوذُ بالله}. ذكر السدي أنه كان رجل من بني إسرائيل مكثراً من المال وله ابنة، وله ابن أخ فقير من المال، فخطب إليه، فأبى أن يزوجه، فعمل على قتله، وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته. فلما قتله ليلاً جعله في بعض السكك وأصبح يطلب عمه، فوجد أهل ذلك الموضع قياماً عليه فأخذهم وقال: قتلتم عمي فأدوا ديته وجعل يبكي [فرفعهم إلى موسى A] فقضى عليهم بالدية، فقالوا: يا نبي الله ادع لنا ربك يبين لنا مَن صاحبه. فقال: اذبحوا بقرة. فقالوا: نحن نسألك عن القتيل، وأنت تأمرنا بذبح البقرة أتهزأ بنا؟ فقال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ".
68
قال ابن عباس: " فلو اعترضوا بقرة ما، فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم ". وقيل: [إنه أخو المقتول كان]. وقيل: كانوا جماعة ورثة استبطوا موته ليرثوه فقتلوه. وقال مقاتل: " كان القاتلان اثنين قتلا ابن عم لهما وطرحاه بين قريتين، فطولب أهل القريتين بالدية فحلفوا أنهم ما قتلوه ". قوله: {لاَّ فَارِضٌ}: أي: لا هرمة. {وَلاَ بِكْرٌ}: أي: لا صغيرة. {عَوَانٌ بَيْنَ ذلك}: أي: هي بين الصغيرة والكبيرة. {فَاقِعٌ لَّوْنُهَا}: أي: صاف تعجب من ينظر إليها. و" ذلك " موحد يراد به بين ذلك الوصف الذي / ذكرنا.
والصفراء السوداء عند أبي عبيدة، ومثله: {جمالت صُفْرٌ} [المرسلات: 33] أي: سود. وقال الحسن: " صفر الظِلف والقرن ". وقال ابن زيد: " هي صفراء كلها ". وقال / القتبي: " لا يقال صفراء بمعنى سوداء في البقر. إنما يقال ذلك في نعوت الإبل ". قوله: {فَاقِعٌ} يدل على أنها غير سوداء لأنه لا يقال أسود فاقع ويقال أصفر فاقع. وقيل: كانت صفراء كلها حتى الظلف والقرن ".
71
وقرأ يحيى بن وثاب: " إن الباقر " بألف. " يشَّابه " بالياء والرفع والتشديد؛ جعله فعلاً مستقبلاً. قال الأصمعي: " الباقر جمع باقرة "، قال: " ويجمع بقر على باقورة ". وقيل: كانت صفراء كلها حتى / القرن والظلف. {لاَّ ذَلُولٌ} لم يذللها العمل فتثير الأرض، ولا تعمل في الحرث. {مُسَلَّمَةٌ}: أي: من العيوب. {لاَّ شِيَةَ فِيهَا}: أي: لا بياض. ولولا قولهم: {إِن شَآءَ الله} ما اهتدوا إليها أبداً، فوجدوا البقرة عند عجوز عندها يتامى فأضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى A فأخبروه. فقال لهم: أعطوها / رضاها، ففعلوا وذبحوها. وأمرهم موسى A بعضو منها يضربوا به القتيل ففعلوا. فرجع إليه روحه وسمَّى قاتله ومات فقُتل قاتله، وهو الذي أتى إلى موسى A يشتكي ويطلب الدية. وروي أن رجلاً صالحاً من بني إسرائيل كان له ابن صغير وله عجلة فأتى
بالعجلة إلى غَيْضةٍ وقال " اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر. فشبت العجلة في الغيضة. وكانت ترعى فيها فلا يقدر عليها أحد؛ تثب على من رامها [فيهرب منها]. فأتى ابن الرجل الصالح بعد موت أبيه ومعه حبل إليها، فخوفه الناس منها، فأقبلت البقرة إليه مذعنة فساقها إلى أمه وكان براً بها. فلم يجد بنو إسرائيل صفة البقرة التي أمروا بذبحها إلا تلك البقرة فاشتروها منه بملء جلدها دنانير. وعن ابن عباس قال: {لاَّ شِيَةَ فِيهَا}: لا بياض فيها ولا سواد، ولا حمرة " أي: لونها واحد لا لمعة فيها تخالف لونها وهو الصفرة. قيل: كانت صفراء حتى ظلفها وقرنها أصفران. قال: " وطلبوها فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وأن رجلاً مر به ومعه لؤلؤ. يبيعه، وكان أبوه نائماً تحت رأسه المفتاح. فقال الرجل المار للولد البار: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفاً؟ قال له الفتى: كما أنت، حتى يستيقظ والدي، وأنا آخذه بثمانين ألفاً.
قال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفاً، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفاً. وزاد الحدث على أن يصبر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه حلف ألا يشتريه منه وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله D من ذلك اللؤلؤ أن جعل تلك البقرة عنده. فسألوه بيعها فأبى فرفع في سومها فمضوا به إلى موسى، فقالوا: قد أعطيناه ثمنها وأبى أن يبيع. فقال: يا نبي الله: أنا أحق بمالي؟ قال له: نعم أنصفوه، واشتروا منه. فاشتروها منه بوزنها عشر مرات ذهباً ". وقيل: ضرب بفخذ البقرة الأيمن. وقيل: ضرب بعظم من عظامها. وقيل: بذنبها.
وقيل: بلسانها. وقوله: {كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى}. في الكلام حذف واختصار، والتقدير: فضربوه فحيي فقيل لهم: كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته فاعتبروا. واستدل مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه على تصحيح الحكم بالقسامة [بهذا القتيل المذكور / ضربوه] ببعضها فحيي وقال: " فلان قتلني "، فَقُتِلَ، بقوله. قال مالك: " فهذا مما يبين القسامة وأن يقبل قول الميت فيقسم عليه ".
وروي أنه قال: " ابن أخي قتلني " ومات، فَقُتِلَ به ولم يرث عمه. قال عبيدة السلماني: " فسقط ميراث القاتل عمداً ممن قتل [من حينئذ] ". وهذه الآية عند مالك تدل على القسامة وعلى قبول قول المقتول: " فلان قتلني "، ويقسم على قوله الأولياء. قوله: {الآن جِئْتَ بالحق}: أي: بينت لنا. وقيل: إنهم عرفوا عند من البقرة لما وصفها، وعلموا أنه ليس يجدون ما وصف لهم إلا في موضع بعينه، فقالوا: الآن جئت بالحق. ولم يريدوا أنك لم تأت بالحق من أول كلامك إلا الساعة، إنما معناه: الآن جئتنا بغاية البيان، لأنهم كانوا مذعنين للذبح ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم.
قوله: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ}. أي: كادوا أن يضيعوا فرض الله D لغلائها وكثرة قيمتها. وقيل: أرادوا / أن لا يفعلوا خوف الفضيحة وهم قاتلوا المقتول على قول من قال: كانوا ورثة. وقيل: لعزة وجودها على تلك الصفة. وروي عن ابن عباس أنه قال: " مكثوا في طلب البقرة أربعين سنة " وقال طلحة بن مصرف: " لم تخلق تلك البقرة من نتاج، إنما نزلت من السماء ". قوله: {فادارأتم فِيهَا}. أي: اختلفتم وتدافعتم في الحكومة. وقيل: في النفس. وقيل: في القتلة. ورجوعها على النفس أولى لتقدم
ذكرها. / قوله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك}. روي عن ابن عباس أنه قال: " لما أخبر / المقتول بمن قتله مات، فأنكروا أنهم فعلوا بعد إخباره عنهم، فكذبوا ما رأوا. فذلك قساوة قلوبهم ". قوله: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}. " أَوْ " [للتخيير أي: شبهوهم بقساوة] الحجارة / أو بأشد منها، لأنهم جحدوا بعدما عاينوا، فأنتم مخيّرون في تشبيههم. وقيل: معنى {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}، أي: هو أقسى من الحجارة لأن الحجارة ليس لها ثواب ولا عليها عقاب، وهي تخاف الله D. روي أن عيسى ابن مريم مر بجبل فسمع منه أنيناً فقال: " يا رب ائذن لهذا الجبل حتى يكلمني ". فأذن الله للجبل فكلمه، فسأله عيسى [ A] عن أنينه فقال: سمعت الله يقول: {فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة} [البقرة: 24] فخفت أن
أكون من تلك الحجارة ". وقيل: معناه: فقلوبهم مثل الحجارة أو أشد أي: منها ما هو مثل الحجارة، ومنها ما هو أشد كأنها لا تخرج من هذين القسمين. وقيل: " أو " بمعنى الواو. وقيل: بمعنى: " بل ". قوله: {لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار}. هو حجر موسى A الذي [انفجرت منه] [اثنتا عشرة] عيناً. قوله: {لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله}. هو الجبل الذي جعله الله دكاً إذ تجلى إليه، خرَّ لَهُ. قوله: {لَمَا يَشَّقَّقُ}. هو العيون التي تخرج من سائر الجبال. قوله: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ}. يعني ما أراهم من إحياء الميت ومن العصا والحجر والغمام والمن والسلوى
75
والبحر والطور وغير ذلك. فلم يكونوا قط أعمى قلوباً، ولا أشد قسوة وتكذيباً لنبيهم منهم في ذلك الوقت. قوله: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ}. يخاطب المؤمنين بمحمد. والذين لا يؤمنون هم اليهود أعداء [الله. وهو استفهام فيه معنى الإنكار فأيأسهم من إيمان] اليهود ثم أخبر عن أسلافهم وما كانوا يفعلون كأنه يقول تعالى: إن كفر هؤلاء فلهم سابقة في ذلك؛ وهو أن فريقاً منهم كانوا {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ الله ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} الآية. يريد به أسلافهم وما فعلوا على عهد موسى A. قال السدي: " هي التوراة حرفوها فيجعلون الحلال حراماً، والحرام حلالاً برشوة ". وقال الربيع: " كانوا يسمعون من الوحي ما يسمع النبي A ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ". وروى محمد بن إسحاق أنهم خرجوا مع موسى A يسمعون كلام الله، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى A بالسجود فسجدوا، فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم وعقلوا ما سمعوا، فلما رجعوا حرف فريق منهم ما سمع ".
76
{وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي: يعلمون أنهم مبطلون فيه تحريفه. وقال مقاتل: " هم السبعون الذين اختارهم موسى A. / قوله: {قالوا آمَنَّا}. أي: بأن صاحبكم نبي إليكم خاصة. وروي عن ابن عباس: " أي: إذا لقوا محمداً. قالوا: آمنا، وإذا خلوا كفروا، وهم المنافقون من اليهود ". قوله: {بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ}. كانوا يستفتحون بمحمد / A، فقالوا: لا تقروا بأنه نبي، وقد كنتم تستفتحون به، أي: تنظرون إذ سألتم الله به نصركم على عدوكم فقد علمتم أنه نبي، فإذا أقررتم لهم بنبوته حاجوكم بذلك عند ربكم. وقال أبو العالية: {بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ} يعني ما أنزل عليكم في التوراة من ذكر
محمد A. وقال قتادة: " بما مَنّ الله عليكم في التوراة من ذكر محمد A فيحتجون عليكم بذلك ". " وروي أن النبي [عليه السلام قال لهم: يا إخْوَةَ القِرَدَةِ] والخَنَازِيرِ، فقالوا: مَنْ أَخْبَرَ بِهَذَا مُحَمَّداً؟ مَا جَرَى هَذَا إلاّ مِنْكُمْ. أَفَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ؟ ". وقال السدي: " كان ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكانوا يحدثون المؤمنين بما مر على أسلافهم من العذاب، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به. أي: يقولون لكم: نحن أحب إلى الله منكم وأكرم منكم؟ ". وعن ابن زيد قال: " كانوا إذا قيل لهم: أتعلمون أن في التوراة كذا وكذا؟ قالوا: نعم. فيقول لهم رؤساؤهم: لا تخبروهم بالذي أنزل عليكم، فيحاجوكم به عند
78
ربكم. وقال النبي [عليه السلام]: " لا يَدْخُلُ عَلَيْنَا قَصَبَةَ المَدينَةِ إِلاّ مُؤْمنٌ ". فقال رؤساؤهم: اذهبوا فقولوا: آمنا وادخلوا. فإذا رجعتم اكفروا، وهو قوله: {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار} [آل عمران: 72] الآية. فكانوا يؤمنون بالبكرة ويكفرون بالعشي ". قوله: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ}. أي: ومن هؤلاء أميون. فهم أبعد من الإيمان من غيرهم. وقال ابن عباس: " هم قوم لم يصدقوا رسولاً ولا آمنوا بكتاب، فكتبوا كتاباً وقالوا للعوام: هذا من عند الله ". وإنما سماهم أميين لجحودهم الكتاب إذ صاروا بمنزلة من لا يحسن شيئاً.
وقيل: الأمي هنا الذي لا يكتب كأنه نسب إلى أمه كأنه على طبعها وجبلتها لا يحسن كما لا تحسن. وقيل: / الأميون / في هذا الموضع نصارى العرب. قاله عكرمة والضحاك. وقيل: هم قوم من أهل الكتاب، رفع كتابهم لذنوب أحدثوها فصاروا أميين [لا كتاب] لهم. وهم المجوس فيما روي عن علي بن أبي طالب Bهـ. وقيل: هم طائفة من اليهود. / قوله: {لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب}. أي: التوراة أي هم مثل البهائم. قوله: {إِلاَّ أَمَانِيَّ}.
قال قتادة: " يتمنون على الله ما ليس لهم ". وعن ابن عباس: " إلاَّ أمَانِيَّ: إلا أحاديث]. وقال مجاهد: " هم ناس كانوا لا يعلمون شيئاً، يقولون على التوراة ما ليس فيها، كأنهم يتمنون أن يكون ما قالوا فيها ". وقال ابن زيد: " يقولون نحن من أهل الكتاب وليسوا منهم تمنياً " وقال الفراء وأبو عبيدة: [إلا أماني]: إلا تلاوة ". ومنه قوله: {إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] أي إذا تلا ألقى في تلاوته. فهم لا يعلمون منه إلا التلاوة ولا يفهمونه ولا يعملون به. وقال جماعة: [إلاّ أمَانِيَّ]: إلاَّ كذباً ". ومنه قول عثمان Bهـ: " ما تمنيت منذ أسلمت " أي: ما كذبت.
79
قوله: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ}. أي: يجحدون نبوتك، وما جئتم به ظناً لا يقيناً. وقيل: معناه: لا يعلمون الكتاب إلا تخرصاً وإن هم إلا يشكون فيه. قوله: {فَوَيْلٌ}. قال سفيان وأبو عياض: " ويل ماء يسيل من صديد في أسفل جهنم ". وروى عثمان بن عفان " عن النبي [عليه السلام أنه قال /: الوَيْلُ] جَبَلٌ في النَّار ". وروى عنه عليه السلام أبو سعيد الخدري أنه قال: " ويلٌ وَاد في جهنَّمَ يَهْوِي فِيهِ
الكَافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفاً قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ ". ومعنى " ويل " عند أهل اللغة: قبوح. وويح ترحم، وويس تصغير. وهذه مصادر لا أفعال لها. والاختيار فيها الرفع على كل حال بالابتداء. ويجوز فيها النصب على معنى: ألزمه الله ويلاً. فإن كانت مضافة [حسن فيها] النصب، قال الله تعالى: {وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ} [طه: 61]. فأما ما كان من المصادر جارياً على الفعل، فالاختيار / فيه الرفع إذا كان معرفة على الابتداء نحو: الحمد. ويجوز النصب على المصدر. فإن كان نكرة، فالاختيار في النصب على المصدر ويجوز الرفع على الابتداء، أو على معنى ثبت ذلك له. فإن كان مضافاً لم يجز إلا النصب كالأول. قوله: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ}. هم اليهود الذين غيروا التوراة وبدلوا اسم محمد A فيها وصفته لئلا يؤمن به
العوام، وأخذوا على ذلك الرشا. وقيل: هم قوم من اليهود كتبوا كتباً من عند أنفسهم وقالوا: هذا من عند الله ليعطوا عليها الأجر. وقال ابن عباس: " بل فعل ذلك قوم أميون لم يصدقوا رسولاً، ولا آمنوا بكتاب فكتبوا بأيديهم للجهال كتاباً ليشتروا به ثمناً قليلاً ". قال ابن اسحاق: " كانت صفة محمد A في التوراة أسمر ربعة فبدلوا وكتبوا آدم طويلاً ". / وقوله تعالى: {بِأَيْدِيهِمْ}. تأكيد ليعلم أنهم تولوا ذلك بأيديهم ولم يأمروا به غيرهم. ففي الإتيان بلفظ " الأيدي " زوال الاحتمال، إذ لو قال: " يكتبون الكتاب " لجاز أن يأمروا بكتابته وأن يتولوا ذلك بأنفسهم لأن العرب تقول: " كَتَبْتُ إلى فلان "، وإنما أمر من كتبه له " وكتب السلطانُ كتاباً إلى عامله " ولم يكتبه بيده، وإنما أمر من كتبه له.
ففي ذكر " الأيدي رفع الاحتمال وبيان أنهم تولوا ذلك بأيديهم عن تعمد منهم. وقال ابن عباس: " هذا، كما تقول: حملتُ إلى بلد كذا قمحاً، وإنما أمرت من حمله ". وقال تعالى في التابوت: {تَحْمِلُهُ الملائكة} [البقرة: 248] وإنما حمل بأمر الملائكة، ولم تحمله الملائكة [بأنفسها ولا ظهرت] للقوم في ذلك الوقت. ومن هذا قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم} [آل عمران: 167]. إنما أكد بذكر الأفواه لأن القول قد يترجم به عن الإشارة وعن الكتاب. تقول العرب: " قال الأمير كذا " للفظ سمعه من كتاب أمر بكتابته الأمير. وقريب منه قوله تعالى: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً باليمين} [الصافات: 93] لأن اليمين تدل في كلام العرب على الشدة والقوة والبطش، فدل بذكر اليمين على شدة الضرب. ولو لم يذكر اليمين لجاز أن يكون ضرباً شديداً أو غير شديد فذكر اليمين يرفع الاحتمال ويدل على الشدة.
80
ومن ذلك قوله تعالى: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] ومنه: {ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور} [الحج: 46]. وقوله: {إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}. أي قالوا: " لن نعذب إلا الأربعين ليلة التي عبدنا فيها العجل ثم لا نعذب ". قاله قتادة. وقال السدي: " قالوا: نمكث في النار أربعين ليلة حتى إذا أكلت النار خطايانا واستنقينا، نادى / مناد: أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل، ولذلك أمرنا أن نختتن ". وقال أبو العالية: " قالت اليهود: أقسم ربنا ليعذبنا أربعين ليلة ثم يخرجنا، فأكذبهم الله ". وقال ابن عباس: " قالت اليهود: وجدنا في التوراة أن ما بين طرفي جهنم مسيرة
أربعين سنة إلى أن ينتهوا / إلى شجرة الزقوم، فإنما نعذب حتى ننتهي إليها ". وروى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس " أن اليهود قالت: إنما عُمْر الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الناس يوم القيامة سبعة أيام، لكل ألف سنة يوم ". ولم يُحَدِّدْ / الله تعالى الأيام لأنها عندهم معلومة على قولهم، فترك ذكر عددها وبيانه لما تقدم عندهم. قوله: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً}. أي: هل تقدم لكم عند الله ميثاق وعهد / بهذا التحديد الذي قد حددتم، فإن الله لا يخلف وعده، فأتوا بما تدعون، أم قلتم ما قلتم تخرصاً وكذباً. هذا تأويل أكثر الناس. وروى الضحاك عن ابن عباس: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً}. أي: هل قلتم لا إله إلا الله لم تشركوا ولم تكفروا ولم تبدلوا ولم تغيروا، فيكون ذلك ذخراً لكم عند
الله ولا يخلف الله وعده لمن يفعل ذلك. أو قلتم ذلك تخرصاً وإفكاً، ولم يتقدم لكم إيمان تدخرونه عند الله فيوفي لكم به ". وروى ابن أبي فروة " أن النبي [ A] قال [لناس من اليهود]: مَن أصْحَابُ النَّارِ غَداً؟ قالوا: نَحْنُ، سَبْعَةُ أيَّامٍ، ثُمَّ تَخْلِفُونَنَا فِيهَا، فَنَزَلَ: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار} إلى {خَالِدُونَ} "، من حديث ابن وهب. وقوله: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ}. وزنه " افتعلتم " فيجوز / أن يكون من " تخذ يتخذ "، ويجوز أن يكون من "
81
أخذ "، وأصله " ايتخذتم " ثم أبدل من الياء تاء وأدغمت في الأخرى، وإنما فعل ذلك لاستثقال الياء بعد كسرة الهمزة. وقيل: فعل ذلك لما يلزم من تغيير الياء وكونها ألفاً في المستقبل في " يأتخذ " وكونها واواً في المفتعل تقول: " موتخذ " فأبدلوا من الياء حرفاً جلداً لا يتغير في جميع الأحوال، وكانت التاء أولى بذلك، لأنها قد تبدل من الواو، فالواو أخت التاء. وقيل: كانت أولى لأن بعدها تاء فأبدلت للتجانس وليصح الإدغام، والمدغم أخف من المظهر. قوله: {بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} الآية. أي: من عمل بمثل ما عملتم، وكفر بمثل ما كفرتم وقال ما قلتم، {فأولئك أَصْحَابُ النار} قاله ابن عباس. وقال مجاهد وقتادة: " السيئة هنا الشرك ". وهو قول ابن جريج وعطاء
والربيع. وقد قال الله: {وَمَن جَآءَ بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار} [النمل: 90]. وهي الشرك بلا اختلاف في ذلك. وقال الربيع بن خثيم: (وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ): مات على كفره ". وعنه: " مات على معصيته ". وقال السدي: " هي الذنوب ". أي الكبائر. والأول أولى لأن الله لم يتوعد في النار بالتخليد إلا أهل الشرك. وقال النبي [عليه السلام]: " أهْلُ الإيمَانِ لاَ يُخَلَّدُونَ في النَّارِ، وَيُخَلَّدُ الكُفَّارُ ". و" خَطِيئاتُهُ ": الذنوب، أي مات ولم يتب منها ولا أسلم.
82
وقال ابن عباس: " أحاطت الخطيئة هو أن يحبط ما له من حسنة بكفره ". وقال قتادة: " الخطيئة هنا الكبيرة الموجبة للنار ". وقال عطاء: " الخطيئة الشرك ". وهذا القول يدل على أن السيئة الذنوب، فيصح أن يتوعد الله مَن أذنب الكبائر أو الصغائر ثم أضاف إلى ذلك الشركِ /، وهي الخطيئة بالتخليد في النار. ومن قرأ {خطيائته} بالجمع فهي الكبائر بلا اختلاف، والسيئة الشرك. وهذا الخطاب لليهود / مرتبط بما قبله. قوله: {والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} الآية. أي: آمنوا بمحمد A وعملوا بما جاء به، فهي عامة في جميع أمة محمد A. قاله ابن عباس وغيره. وقال ابن زيد: هي خاصة في محمد عليه السلام وأصحابه.
83
قوله: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً}. مَن قرأه بالضم، فمعناه عند الزجاج قولاً ذا حسن. وقال الأخفش: " الضم والفتح بمعنى واحد بمنزلة البُخْلُ والبَخَلُ والسُّقْمُ والسَّقَمُ ". وقيل: إن مَن قرأ بالفتح فهو نعت لمصدر محذوف. واستقبح المبرد: " مَرَرْتُ بِحَسَنٍ " على إقامة الصفة مقام الموصوف. وقد جاء هذا في القرآن بإجماع، قال الله تعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} [فصلت: 10]، ولم يقل جِبَالاً رَوَاسِيَ. وقال {أَنِ اعمل سَابِغَاتٍ} [سبأ: 11]، ولم يقل: " دُرُوعاً سَابِغاتٍ ". واختار بعض المتعقبين الضم لأن " الحُسْنَ " الاسم الذي يحوي ما تحته ويعمه، و " الحَسَنُ " إنما هو الشيء الحَسَنُ لا يعم غير ما هو نعت له، والعموم أكمل في المعنى هنا، لأنها وصية بالخير. فَفِعلُه كله، والأمر به أولى مِن فِعل بعضه،
والأمر ببعضه دون بعض. وحكى / الأخفش: " حُسْنَى "، بغير تنوين. وهو لحن لا يجوز لأنه لا يقال إلا بالألف واللام. وقوله: {وبالوالدين}. معطوف على المعنى لأن المعنى: " بأن لا تعبدون " ثم حذفت " أن " مع الحرف، ودل على ذلك إعادة الباء فيما بعده. وهذا الميثاق هو الذي أخذ عليهم إذ أخرجهم كالذر. واليُتْم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم، قاله الأصمعي. {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ}: معطوف على المعنى في {لاَ تَعْبُدُونَ}، فلذلك أتى بلفظ الأمر لأن صدر الكلام مبني على النهي. ومعنى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً}: " مروهم بقول لا إله إلا الله ". رواه الضحاك عن ابن عباس.
وقال ابن جريج: " معناه: قولوا صدقاً في أمر محمد A. وقال سفيان الثوري: " مرورهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر ". وقال قتادة وغيره: " قولوا لهم حسناً من القول ". وقال أبو عبيدة: " قولوا حسناً من القول للمسلم والكافر ". وقال قتادة: " هي منسوخة بآية السيف ". ولا يجوز أن تكون منسوخة إلا على قول مَن قال: إن المعنى: قولوا للجميع حُسْناً من القول. وباقي الأقوال لا يمكن أن تكون فيه منسوخة لأن الأمر بالمعروف لا ينسخ /، والأمر بإظهار / الصدق في النبي عليه السلام لا ينسخ. قوله: {وَآتُواْ الزكاة}. هي زكاة كانت عليهم تأكلها نار من السماءِ ومن لم تأكل النار زكاته فهو غير مقبول. قوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ}.
84
قال ابن عباس: " أعرضوا عما جاء به محمد A من الفروض إلا قليلاً منهم ". وهو خطاب لمن بحضرة رسول الله [عليه السلام]. وقيل: هو إخبار عن أسلافهم، فمعناه: ثم تولى أسلافكم إلا قليلاً منهم، وأنتم الآن معرضون خطاب لمن بالحضرة أي: وأنتم مثل أولئك الذين تولوا من أسلافكم. ودل على هذا التاويل ما بعده من ذكر سفك الدماء أنه إخبار عن أسلافهم ومخاطبة لمن بالحضرة، ولم يسفك من بالحضرة الدماء، ولا أخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، إنما ذلك فعل أسلافهم، فكون الكلام كله على سياق واحد أولى وأحسن. ومعنى: {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} / الآية أي يقتل بعضكم بعضاً، ويخرج بعضكم بعضاً. {مِّن دِيَارِهِمْ} يريد به أسلافهم. وقيل: المعنى: لا تقتلوا فيجب عليكم القصاص فتُقتلوا فتكونوا سبباً لقتل أنفسكم. ولا تفسدوا فيجب عليكم النفي فتكونوا سبباً لإخراجكم من دياركم. قوله: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ}. أي: اعترفتم أن هذا قد أخذ عليكم. ومعناه: أقَرَّ أوائلُكم بذلك. وأنتم يا هؤلاء تشهدون على إقرارهم لأن في
[كتابكم أخذي للميثاق] عليهم فأنتم شهود. وقيل: الخطاب من أوله لهم وهم المقرون، وذلك من بالحضرة من اليهود. وقوله: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}. لأوائلهم، وأوائلكم يشهدون بأخذي للميثاق عليهم ودل على ذلك قوله {ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء}، فَوَبَّخَ من بالحضرة، وأشار إليهم بهاء التشبيه بعد أن مضى ذكر أسلافهم، ورجع إلى ذكرهم. ومخاطبتهم بقوله لهم: {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} هو أنهم كانوا قد افترقوا فرقتين: فرقة مع الأوس وفرقة مع الخَزْرَجِ. فإذا جرى بين الأوس والخزرج قِتَال أعانت كل فرقة منهم أصحابهم، فيقتل بعضهم بعضاً، ويجلي بعضهم بعضاً في الحمية وهم في أيديهم التوراة يعرفون ما عليهم، وكانت الأوس والخزرج أهل شرك لا كتاب لهم يعبدون الأوثان، فإذا وضعت الحرب فَدَوْا أسراهم تصديقاً لما
في التوراة، كل ذلك مظاهرة لأهل الشرك، فذلك قوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}، يستحلون دماء بعضهم بعضاً، فذلك كفرهم. ويتحَرجون أن يبقى الأسرى في أيديهم فيتفادوا؛ فذلك البعض الذي يؤمنون به، وكان فرض عليهم أن لا يستعبدوا أحداً من بني إسرائيل / وفرض عليهم ألا يقتلوا أحداً، ولا يخرجوا أحداً من ديارهم، فحللوا القتل والإخراج، ولم يحلوا ترك الفداء والإخراج من الديار، ويؤمنون بالفداء وترك الاستعباد. يعني بذلك كله بني [قينقاع وأعدائهم قريظة وبني] النضير وكانت الخزرج حلفاء بني قينقاع، والأوس حلفاء قريظة والنضير. وكان بين الأوس والخزرج عداوات وحروب، وهم مشركون، وبين بني قينقاع وقريظة والنضير عداوات وحروب، فيعاون كل قوم حلفاءهم إذا تحاربوا. قوله: {وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى}. في موضع الحال، والأكثر أن يكون على " أَسْرى " كقراءة حمزة، كقتيل
وقتلى، وجريح وجرحى. ومن قال: {أسارى} شبهه بـ " سكارى "، كما قالوا " سكرى " على التشبيه " بأسرى "، فكل واحد مشبه بالآخر في بابه، ولم يُجِز أبو حاتم " أسارى ". وإنما يقال " فَعْلاَن " فيما كان آفة تدخل على العقل كما قال سيبويه. والفتح في " سُكَارَى " الأصل، والضم داخل عليه كأنه لغة، ويقال أُسَرَاءُ كَظُرفَاءَ. وَفَرَّقَ أبو عمرو / بين أَسْرَى وأُسَارَى: فقال: " ما صار في أيديهم فهو أسارى كأنه آفة دخلت عليهم " كسَكْرَانَ "، وما أتى مستأسراً فهم الأسرى. وواحد " الأسرى " و " الأسارى " أسير؛ بمعنى مأسور، كجريح وقتيل. / قوله: {مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ}. هو راجع إلى الإخراج، دل عليه: " تَخْرُجونَ ".
وقيل: هو مجهول كناية عن الأمر أو الشأن. وقال بعض الكوفيين: " هو فاصلة "، وذلك لا يجوز لأن حذفها يخل بالكلام، والفاصلة يجوز / حذفها. قوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}. كفرهم هو قتل بعضهم بعضاً ومعاونة الأوس والخزرج لهم، وهم يعلمون أن ذلك محرم عليهم. وإيمانهم هو أنهم افترض عليهم ألا يستعبدوا أحداً من بني إسرائيل وأن يفدوهم. وكانوا إذا فرغوا من الحرب فدوا من أسر منهم بعضهم [من بعض]. قوله: {إِلاَّ خِزْيٌ}. هو أخذ الجزية عن يد. وقيل: هو أخذ القاتل بمن قتل.
87
وقيل: هو إجلاء رسول الله [عليه السلام] بني النضير عن ديارهم لأول الحشر إلى الشام. وقيل: هو قتل مقاتلة قريظة وسبي ذراريهم. وأصل الخزي الذل والصغار. وروي أن بني قينقاع من اليهود كانوا أعداء قريظة والنضير من اليهود، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع، والخزرج حلفاء قريظة والنضير. وقريظة / والنضير كانا أخوين من أهل الكتاب، والأوس والخزرج أخوان افترقا، وافترق أيضاً قريظة والنضير. فكانت النضير مع الخزرج وقريظة مع الأوس، فإذا اقتتل الأوس والخزرج [أعانت النضير الخزرج / وقريظة الأوس]، فقتل بعضهم بعضاً فعيرهم الله بذلك. قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب}. لام (لَقَدْ) حيث وقعت لام تأكيد، وقد تقع جواباً للقسم، وعيسى لا
ينصرف لأنه أعجمي معرفة. وقيل: هو عربي من " عَاسَهُ يَعُوسُهُ " إذا ساسه وقام عليه ولا ينصرف على هذا للتعريف والتأنيث. (القُدُسُ) أصله الطهر. وفيه لغة نادرة وهي فتح القاف والدال. والكتاب هو التوراة. {وَقَفَّيْنَا}: أردفنا وأتبعنا بعضهم بعضاً على منهاج واحد، وشريعة واحدة، لأن كل من بعث بعد موسى A إلى زمان عيسى A فإنما يأمر بني إسرائل بلزوم التوراة والعمل بما فيها، فلذلك قال: {مِن بَعْدِهِ بالرسل}. أي: على منهاجه وطريقته. ثم قال: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات}. ابتداء كلام آخر. وأصل " قَفَوْت " من القَفَا " يقال: " قَفَوْتُ فُلاناً " إذا صرت خلف قفاه. " ودَبَرْتُهُ " إذا صرت خلف دبره. والبينات التي أوتيها عيسى عليه السلام هي إحياء الموتى وإبراء الأكمه وخلق
الطير. وغيره من الحجج والبينات. {وَأَيَّدْنَاهُ}: قويناه وأعناه ونصرناه [والأيد والأد] القوة. وقرأ ابن محيصن: " وأيدناه " بالمد. و" روح القدس ": جبريل. قاله قتادة والسدي والضحاك والربيع بن أنس. وروي ذلك عن النبي [عليه السلام]. وقاله ابن عباس. وقال ابن زيد: " هو الإنجيل سمي روحاً كما سمي القرآن روحاً، فقال تعالى: {أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52]. ويرد هذا القولَ قولُه تعالى: {إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القدس} [المائدة: 110]، ثم قال تعالى: {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} {المائدة: 110]. فدل هذا [على] أن روح القدس غير الإنجيل /. فإن حُمل على أنه أعيد للتأكيد كما قال: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68]، وقال:
88
{مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال} [البقرة: 98]، فهو وجه. وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: " روح القدس هو الاسم الذي كان يحيي به عيسى A الموتى ". وقال مجاهد: " القدس: الله جل ذكره، وسمي جبريل روحاً لأنه كان بتكوين الله له من غير ولادة كما سمي عيسى A / روحاً، فقال: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} [النساء: 171]. وقال السدي: " القدس هنا البركة ". وقال الربيع: القدس هو الله، ويدل عليه قوله: {الملك القدوس} [الحشر: 23]. والقدوس والقدس واحد ". ورواه ابن وهب عن مجاهد أيضاً. قوله: {أَفَكُلَّمَا}. معناه: التقرير والخبر، ولفظه لفظ الاستفهام. قوله: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ}.
هو جمع أغلف كأنها في غلاف وغطاء. يقال: " سيف أغْلَفُ إذا كان في غلافه ". وقال قتادة: " معناه قلوبنا لا تفقه ". وقال ابن عباس وغيره: " معناه: قلوبنا في غطاء وغلاف فليس نفهم ما تقول كما قال: {قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا} [فصلت: 5]. ويجوز أن يكون " غُلْفٌ " جمع " غلاف "، لكن أسكن تخفيفاً. ومعناه: قلوبنا أوعية للعلم لا تحتاج إلى / علم محمد A. وعلى ذلك قراءة من قرأ بِضَمِّ اللام، وهي قراءة الأعرجِ / وابن محيصن ورويت عن أبي عمرو وابن عباس. قوله: {بَل لَّعَنَهُمُ الله}. أي أبعدهم الله وطردهم وأخزاهم. وأصل اللعن الطرد والإبعاد والإقصاء.
{فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} نصبه على أنه نعت لمصدر محذوف أو لظرف محذوف. وقيل: هو منصوب بـ " يؤمِنُونَ "، و " ما " زائدة. ومعناه أنهم يقرون بالله ويوحدونه، ويكفرون بالنبي [عليه السلام] كما قال {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106]. ويجوز أن يكون المعنى أنهم لم يؤمنوا البتة، تقول العرب " قَلّ الشَّيء " إذا لم يوجد. ويُقال: " قَلَّما رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا " أي: ما رأيت مثله. وحكى الكسائي عن العرب: " مَرَرْتُ بِبِلاَدٍ قَلَّ مَا تُنْبِتُ إلاَّ الكُرَّاثَ والبَصَلَ " أي: ما تنبت سواهما. وحكى سيبويه: " قلّ رجلٌ يقُولُ ذَلكَ إلاّ زَيْداً ". وقال أهل التفسير: " معناه: فقليلاً منهم من يؤمن، لأن الذين آمنوا من
89
المشركين أكثر كثيراً ممن آمن من اليهود ". وهذا مروي عن قتادة ويلزم منه رفع " قليل ". وقيل: المعنى: ليس يؤمنون مما في أيديهم إلا بقليل ". والاختيار عند أكثرهم قول من قال: " إنهم قليلوا الإيمان بما أنزل على النبي [عليه السلام]. قوله: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله} الآية. جواب " لما " محذوف، كأنه قال: كفروا، أو نحوه، كما قال: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوءُواْ} [الإسراء: 7]. أي: خليناكم وإياهم، فحذف، ومثله قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ} [يس: 45] أي: أعرضوا، ثم حذف جميعه لعلم السامع، وهو كثير في القرآن. والكتاب هنا؛ القرآن، أي: يصدق التوراة والإنجيل.
90
قوله: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ} الآية. قال ابن عباس: " كانت العرب في الجاهلية يمرون على اليهود / فيؤذونهم، واليهود يجدون صفة محمد A في التوراة فيسألون الله أن يعجل ببعثه فينصروا به على العرب لِما وصل إليهم من أذى العرب /. فلما جاءهم محمد A الذي قد عرفوه وسألوا الله في بعثه كفروا به ". وقال مجاهد: " كانوا يقولون: " اللهم ابعث لنا هذا النبي يفصل بيننا وبين الناس، فلما بعث كفروا به ". وقيل: إنهم كانوا يرغبون إلى الله في النصر عند حروبهم / بمحمد [عليه السلام] ويستشفعون به فينصرون فلما جاءهم بنفسه كفروا به حسداً وبغياً وهم يعلمون أنه رسول. وبمثل هذا القول قال السدي وعطاء وأبو العالية. وهذا من أدل ما يكون [على أنهم جحدوا نبوة] محمد A على علم به وصحة أنه نبي مبعوث إلى الخلق حسداً وبغياً. قوله: {بِئْسَمَا اشتروا}.
أي: باعوا أنفسهم بالكفر من أجل ما أنزل الله على عبده محمد [صلى الله عليه سلم] حسداً وبغياً إذ لم يكن من بني إسرائيل. والعرب تقول: " شَرَيْتُ " و " اشْتَرَيْتُ " بمعنى بعت. والأكثر " شريت " بمعنى " بعت "، و " اشتريت " بمعنى " ابتعت ". وربما استعمل كل واحد في موضع صاحبه. قوله: {فَبَآءُو بِغَضَبٍ}. أي: لجحودهم بما قد تيقنوا أمره، وعلموا صحة نبوته فحسدوه وبغوه إذ لم يكن من ولد إسرائيل، وكان من ولد إسماعيل. {على غَضَبٍ} متقدم، وهو بعبادتهم العجل [وكفرهم بعيسى عليه السلام]. وقال ابن عباس: " الغضب الأول [لتضييعهم لما] في التوراة، والثاني بجحودهم بمحمد A ".
91
وقال عكرمة: " الأول بكفرهم بعيسى، والثاني بكفرهم بمحمد [ A] ". وقال مجاهد: " الأول بكفرهم بعيسى [ A] والإنجيل. والثاني بكفرهم بمحمد A والقرآن ". قوله: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. أي وللجاحدين بمحمد A عذاب مهين. وسُمي مهيناً لأنه يذل الكافر فلا يخرج من ذلته أبداً. فأما العذاب الذي يعذب به أهل الكبائر فليس بمهين لأنه يتخلص منه برحمة الله وشفاعة النبي A. ووصف الله العذاب بالمهين يدل على أن ثم عذاباً غير مهين، وهو ما ذكرنا. قوله: {نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ}.
معناه أنهم إذا قيل / لهم: آمنوا بالقرآن، قالوا: نؤمن بالتوراة، ويكفرون بغيرها من جميع الكتب. [" ووراء " هنا بمعنى: " سِوَى "]. وقيل: هي بمعنى " بعد ". {وَهُوَ الحق}. أي والذي بعد التوراة الحق مصدقاً للتوراة، وهو القرآن [لأن] كُتُب الله يصدق بعضها بعضاً، وفي كل واحد منها الأمر / بالتصديق بغيره من الكتب. قوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله}. أي: إن كنتم تؤمنون بالتوراة كما زعمتم، فَلِمَ قتلتم الأنبياء؟. قال كعب: " كانت بنو إسرائيل يقتلون سبعين نبياً في يومهم، وتقوم
سوق بقلهم في آخر النهار ". فقال: فلم تقتلون أنبياء الله، وهو محرم عليكم في التوراة إن كنتم في / ادعائكم أنكم تؤمنون بالتوراة صادقين. والمراد بهذا آباؤهم، كل ذلك تكذيب لهم وتعيير. " وتَقْتُلُونَ " بمعنى " قتلتم "، أي: فلم قتل أسلافكم ودل على ذلك قوله: {مِن قَبْلُ} [البقرة: 25]. وقال في موضع آخر: {قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بالبينات وبالذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ / إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 183]. فأتى بلفظ الماضي على معنى: فلم قتلتم أسلافكم إن كنتم مؤمنين بما أنزل الله كما زعمتم. وقيل: إنَّ " إنْ " بمعنى " ما " والمعنى ما كنتم مؤمنين إذ فعلكم هذا ورضاكم به مُتماد. وإنما جاز أن يخاطبوا بذلك وهم لم يفعلوا لأنهم
92
مقيمون على ما كان عليه أسلافهم من سفك الدماء وتغيير التوراة، فخوطبوا بما يخاطب به الفاعل لأنهم مثلهم وإن لم يفعلوا، إذ كان اعتقادهم لا يختلف فهم مشاركون لهم في الفعل راضون بما صنع أسلافهم. فألزموا ما لزم أسلافهم من التقريع والمخاطبة. قوله: {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ موسى بالبينات} أي بالآيات الواضحات. {ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ} أي إلها. والهاء في {مِن بَعْدِهِ} تعود على موسى A. وقيل على المجيء. قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور} الآية. أخذ الله ميثاق بني إسرائيل بأن يعملوا بما في التوراة بقوة أي: بجد وعزم ونشاط وكان ذلك إذ رفع فوقهم الطور.
قوله {واسمعوا}: أي: استمعوا ما أمرتم به، وتقبلوه بالطاعة. {قَالُواْ سَمِعْنَا}: أي: سمعنا قولك وعصينا أمرك. وخرج في هذا من لفظ الخطاب إلى لفظ الغيبة كما قال: {حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم} [يونس: 22]. وقد يخرج من الغيبة إلى الخطاب كما قال تعالى: {الحمد للَّهِ} [الفاتحة: 2]، ثم قال بعد ذلك: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5]. قوله: {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل بِكُفْرِهِمْ}. أي: حب العجل من أجل كفرهم. وقيل: المعنى إنهم سقوا من الماء الذي ذري فيه براية العجل. وقال السدي: " إنهم شربوا من الماء الذي ذري فيه سحالة العجل بأمر موسى A / لهم. فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب فذلك قوله: {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل}. وأولى هذه الأقوال قول من قال: حب العجل. لأن الماء لا يقال فيه: أشربته بمعنى " سقيته ". وروي أنهم قالوا لموسى A: " إن عبادة العجل أسهل علينا من عبادة الرحمن، لأن العجل إن عصيناه لم يعذبنا، والرحمن إن عصيناه / عذبنا ". فأنزل الله: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ}.
94
قوله: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ}. معناه أي: قل يا محمد: بئس الإيمان إيمان يأمركم بالكفر بمحمد A، لأن التوراة تنهى عن الجحود بمحمد A، وتنهى عن القتل وعن تبديل ما أنزل الله وأنتم على ذلك مصرون. {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ}: أي: في قولكم إن كنتم تؤمنون بما أنزل إليكم. وقيل: معناه: ما كنتم مؤمنين. قوله: {فَتَمَنَّوُاْ الموت}. معناه: إن كانت لكم الجنة على قولكم وأنتم إليها صائرون، فتمنوا الموت فإن ذلك لا يضركم. ففضحهم الله تعالى في كذبهم ودعواهم، وَعَلِم الناس أن تأخرهم عن التمني يدل على كذبهم، وكذلك امتنع النصارى إذ دعاهم النبي [عليه السلام] إلى المباهلة في عيسى A فافتضحوا، وعلم أنهم كاذبون في دعواهم.
95
قال النبي [عليه السلام] " لَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوا المَوْتَ لماتُوا وَلَرَأَوْأ مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ. وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ لَرَجَعُوا / لاَ يَجِدُونَ أهْلاً وَلا مَالاً "، رواه ابن عباس عن النبي A. وإنما دعوا إلى تمني الموت لأنهم كانوا يقولون: {نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18]. ويقولون: {لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى} [البقرة: 111]. فقال الله لنبيه A: قل لهم: إن كنتم صادقين / فيما تقولون، فتمنوا الموت فلم يفعلوا فَبَانَ كذبهم. قال ابن عباس: " [قيل لهم]: ادعوا بالموت على أي: الفريقين أكذب فأبوا ". وقوله: {مِّن دُونِ الناس}. أي: من دون جميع الناس. وقيل: من دون محمد A وأصحابه. قوله: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً}. أي: لا يتمنونه لما يعلمون من ظلمهم وكذبهم وإنكارهم [لنبوة محمد] عليه السلام.
وهو عندهم في التوراة [فلو يتمنوا الموت] لهلكوا، فهم لا يفعلون ذلك أبداً. قوله: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}. أي: من تكذيبهم للنبي A [ وتبديلهم للتوراة وعبادتهم للعجل] وغير ذلك مما سلف لهم، فأضيفت الجناية إلى اليد، وإن كانت تكون بغير اليد من لسان واعتقاد لأن معظم الجنايات باليد تكون، فجرت الإضافة في كلام العرب إلى اليد في جميع ذلك من أجل أن بها يكون أعظم الجنايات. قوله: {عَلِيمٌ بالظالمين}. أي: عليم بمجازاتهم / على ما فعلوا. تم الجزء [الثاني]
96
قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حَيَاةٍ}. أي لتعلمنّهم يا محمد حريصين على الحياة لما يعلمون ما لهم في الآخرة من الخزي، لأنهم يعلمون أنك نبي ويجحدون ذلك. قوله: {وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ} الآية. أي: وأحرص من الذين / أشركوا وهم المجوس. وقيل: هم قوم يعبدون النور والظلمة. {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ}: إخبار عن أحد الذين أشركوا لو يعمّر ألف سنة، كان قد بلغ من حبهم في الحياة أن جعلوا تَحِيَّتَهُمْ: " عِشْ أَلْفَ سَنَةٍ "، حرصاً على الحياة، فهؤلاء الذين يقولون أن لهم الجنة خالصة، هم أحب في الحياة من جميع الناس ومن هؤلاء الذين أدّاهم [حرصهم على الحياة أن جعلوا تحيتهم]: عِشْ ألف سنة " وذلك لما قد علموا من سوء ما قدموا لأنفسهم. وقيل: " إن [معنى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ}: أي: أحد اليهود] الذين قيل لهم تمنوا الموت.
97
والأول أشبه بالآية. قال قتادة: " حببت إليهم الخطيئة طول العمر ". قوله: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ} الآية. أي: وما أحدهم بمباعده. ومنجيه من العذاب التعمير. وقيل: المعنى وما التعمير بمباعده من العذاب (وَأَنْ يُعَمَّرَ)، بدل من التعمير. وقيل: " التقدير: وما الحديث، أو ما الأمر بمزحزحه من العذاب أن يعمر ". وهو مذهب الكوفيين من النحويين. ولا يجيزه البصريون، لأن الباء لا تدخل على الجملة التي تفسر المجهول وهو الأمر أو الحديث أو الخبر ونحوه. قوله: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} الآية. قال ابن عباس: " جبرائيل وميكائيل مثل عبد الله وعبد الرحمان ".
قال عكرمة: " جبر " و " ميك " و " إسراف " [عبد و " إيل ": الله D] . ومعنى الآية فيما قال ابن عباس: " إن عصابة من اليهود سألوا النبي [عليه السلام] عن مسائل، منها أن قالوا: أي الطعام حرّم إسرائيل على نفسه، وعن ماء الرجل وماء المرأة، وعن الذكر والأنثى، وقالوا أخبرنا من هذا النبي الأمي في التوراة؟ ومن وليُّه من الملائكة؟ فأخذ [عليهم النبي عليه السلام عهوداً] أنهم يؤمنون إن أخبرهم وناشدهم الله على ذلك فأخبرهم أن إِسْرَائِيلَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً فَنَذَرَ إِنْ عَافَاهُ اللهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَيهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحُومَ الإِبِلِ، وأَحَبُّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانَهَا، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ A: " اللَّهُمّ اشْهَدْ، ثُمَّ نَاشَدَهُمْ اللهَ وَقالَ: " هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَاءَ الرَّجُل أَبْيَضٌ غَلِيظٌ، وَمَاءُ المَرْأَةِ أَصْفَرٌ رَقِيقٌ، فَأَيُّهُمَا عَلاَ كَانَ لَهُ الوَلَدُ وَالشَّبَهُ بِإِذْنِ / الله D، وَإذَا عَلاَ مَاءُ الرَّجُلِ كَانَ / الوَلَدُ ذَكَراً، وَإِِنْ عَلاَ مَاءُ المَرْأَةِ / كَانَ أُنْثَى؟ قَالُوا: اللُّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثُمَّ نَاشَدَهُمْ اللهَ، وَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ [هَذَا النَّبِيَّ الأُمِّيَّ
تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ؟] قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ: [قَالُوا: وَأَنْتَ] الآنَ، فَحَدِثْنَا مَنْ وَلِيُّكَ مِنَ المَلاَئِكَةِ وَنُجَامِعُكَ. / فَقَالَ: إِنَّ وَليِّي جِبْرِيل وَلَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبِيّاً قَطْ إِلاَّ وَهُوَ وَلِيُّهُ. قَالُوا: فَعِنْدَهَا نُفَارِقُكَ؛ لَوْ كَانَ وَلِيُّكَ سِوَاهُ مِنَ المَلاَئِكَةِ تَابَعْنَاكَ وَصَدَّقْنَاكَ فَأَنْزَلَ اللهُ: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} إلى {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ". وروى الشعبي أن عمر بن الخطاب جرت بينه وبين اليهود مناظرة طويلة، فأقسم عليهم: هل تعلمون أن محمداً نبي فأقروا به. فقال: ولمَ أهلكتم أنفسكم، وأنتم تعلمون أنه نبي؟ فقالوا: إنه قَرَن بنبوته عدونا من الملائكة وهو
جبريل، ولو قرن بها ميكائيل لآمنا به. فسألهم عمر عن هذه العدواة فقالوا: إن جبريل ينزل بالعذاب والسخط والشدائد والغلظة، وإن ميكائيل ينزل بالرأفة والرحمة والتخفيف. فقال لهم عمر: وما منزلتهما عند الله؟ قالوا: أحدهما على يمينه، والآخر على يساره. فقال عمر: فوالله الذي لا إله إلا هو إنهما - والذي بينهما - لَعَدُوٌّ لمن عاداهما، وسِلْمٌ لمن سالمهما، ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل، ولا لميكائيل أن يسالم عدو جبريل. ثم انصرف [عمر عنهم، فوجد النبي [عليه السلام] خارجاً من خوخة [لبني فلان، فقال لعمر]: ألا أقرئك آيات نزلت قبل؟ فقرأ عليه: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} إلى {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. فقال عمر: وَالذي بعثك بالحق، لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك، فأسمع اللطيف الخبير سبقني إليك بالخبر ".
وروي عن عمر هذه القصة بغير هذه الألفاظ إلا أن المعنى يؤول إلى شيء واحد. ومعنى ما في هذا الحديث من ذكر اليمين واليسار، إنما يراد به القرب في المنزلة من الله D على التمثيل فلا يحل لأحد أن يتمثل في هذا، وفيما شابهه جارحة إذ ليس كمثله شيء. قوله: {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ} الآية. أي: نزل الفرقان من عند الله على قلب محمد، ولو قال قلبي لكان جيداً، والعرب / تقول: " قل يا زيد للقوم عندي الخبر " " وقل لهم عندك الخبر ". كل ذلك حسن جيد. ولا يقرأ إلا بما في المصحف.
98
قوله: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: لما سلف من الكتب والرسل. ثم قال: {مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وملائكته} الآية. روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: " لقي يهودياً عمر Bهـ فقال له اليهودي: إن الذي يذكره صاحبك هو عدو لنا. فقال له عمر: {مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ} الآية، قال: ونزلت على لسان عمر. وكُرّر ذكر جبريل وميكائيل على معنى التأكيد. وقيل: لمعنى التفضيل والتخصيص. وقيل: كرر لأن من أجلهما نزلت الآيات، فكرر ذكرهما للإفهام، ولئلا يقولوا: إنهما غير داخلين في الملائكة المذكورين. وكرر إظهار اسم " الله " لما في الإضمار من الاحتمال إذ لو قال: (فإنه عدوٌ للكافرين) لجاز لكافر أن يقول: إن المعنى الذي يعادي هؤلاء عدو
99
للكافرين / فينقلب المعنى. ويجوز أن يُقال: إن الهاء تعود على أحد المذكورين جبريل أو ميكائيل فيشكل ذلك وظهر الاسم لارتفاع الاحتمال. وميكائل بالسريانية، وهو بالعربية عبيد الله، وإسرافيل بالسريانية واسمه بالعربية عبد الرحمن، وجبريل بالسريانية واسمه بالعربية عبد الله. هكذا وقع في كثير من التفاسير، والله أعلم بذلك. قوله: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ}. روي عن ابن عباس " ان رجلاً من اليهود قال للنبي A: يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك لها. فأنزل الله D: { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي: علامات واضحات، {وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ الفاسقون}.
100
ثم قال: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً} الآية. عهدهم هاهنا ما عقدوا على أنفسهم من اتباع التوراة، والعمل بما فيها، وإظهار أمر محمد A والإيمان به. ثم نقض ذلك فريق منهم، وهم الأكثر بدلالة قوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. وفي قراءة عبد الله: " نَقَضَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ". قوله: {وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ الله} الآية. معناه: لما جاءهم محمد A يصدق التوراة / وتصدقه. {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كتاب الله}. نبذوا التوراة إذ جحدوا ما فيها من صفة النبي والأمر باتباعه، لأن من جحد آية من كتاب الله فقد جحد الجميع. وقيل: إنهم نبذوه مرة واحدة، واتبعوا ما تتلو الشياطين من السحر. {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. أي: لا يعلمون أنه نبي صادق في قوله، فهم / يعلمون ذلك، ولكنهم جحدوا به عن علم وكفروا بذلك عن قصد.
102
قوله: {واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين} الآية. قوله: {وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين}. يجو أن تكون " ما " نافية فيحسن الابتداء بها. وأن تكون بمعنى " الذي " أي: واتبعوا الذي أنزل على الملكين، فلا يبتدأ بها. وقيل: " ما " في موضع نصب بـ " يعلمونَ "، أي: ويعلمون ما أنزل على الملكين فيتعلمون أي فهم يتعلمون. وقال الفراء: هو معطوف على {يُعَلِّمُونَ الناس / السحر} {فَيَتَعَلَّمُونَ} وأجاز أن يكون مردوداً على قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} على إضمار تقديره. " فيأتون فيتعلمون ". ويجوز أن يكون مردوداً على {فَلاَ تَكْفُرْ} لأن معناه: " فلا تتعلم السحر ". فيكون تقديره: " فلا تتعلم فيأتون فيتعلمون ". قوله: {على مُلْكِ سليمان}. أي: في حين ملكه، " فعلى " بمعنى " في " كما وقعت " في " بمعنى " على " في قوله: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل} [طه: 71] أي على: جذوع النخل.
ومعنى " تَتْلُو " تقرأ، وقيل: تروي. قوله: {لَمَنِ اشتراه}. " من " بمعنى " الذي "، وأجاز الفراء أن تكون للشرط ولا يجوز ذلك عند البصريين. والضمير في {واتبعوا} يعود على اليهود الذين وصفهم الله قبل، بنبذ الكتاب والكفر والجحود وغير ذلك، وهم اليهود الذين هم بحضرة رسول الله [عليه السلام] لأنهم تركوا كتابهم واتبعوا السحر. {على مُلْكِ سليمان}: أي: على عهده. قال السدي: " كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتسمع ما أُخْبِرَ به الملائكة مما يحدث في الأرض / من موت أو جدب أو غير ذلك فيخبرون به الكهنة، فتحدث الكهنة الناس ويزيدون فيه مع كل كلمة سبعين كلمة من الكذب. فاكتتب الناس ذلك في الكتب، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب. فجمع سليمان تلك الكتب فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين
يدنو من كرسيه إلا احترق. وانتهى الناس عن إضافة الغيب إلى الشياطين. فلما مات سليمان A وانقرض العلماء، تمثل الشيطان في صورة الإنسان، وأتى نفراً من بني إسرائيل فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي. وذهب معهم فأراهم المكان فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال: إن سليمان إنما كان يملك الجن والإنس والطير بهذا السحر. ثم ذهب عنهم، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحراً، فطلب بنو إسرائيل السحر، فلما بعث النبي A خاصموه / بها، فأنزل الله D: { وَمَا كَفَرَ سليمان ولكن الشياطين كَفَرُواْ} ". وقال الربيع في خبر رفعه إلى النبي A: " أن اليهود سألوا النبي A عن السحر فقال لهم النبي [عليه السلام]: إِنِّما عَمَدَتِ الشَّيَاطِينُ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ إِلَى السِّحْرِ وَالكَهَانَةِ فَوَضَعَتْهُ فِي كُتُبٍ وَدَفَنَتْه تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ، فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ اسْتَخْرَجُوا الكُتُبَ وَخَدَعُوا بِهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاتَّبَعوهَا ".
وقال ابن جريج: " عني بذلك اليهود الذين كانوا على عهد سليمان ". وقال ابن إسحاق: " إنما كتبت الشياطين ما كتبت حين علمت بموت سليمان A؛ / كتبت: من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل كذا وكذا. فكتبوا أصنافاً وختموا عليه وعنونوا: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصِّديق للملك سليمان بن داود. ثم دفنوه تحت الكرسي. فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل واتبعته، / وقالوا: ما ملك سليمان إلا بهذا. فأفشوا السحر في الناس، فليس السحر في أحد أكثر منه في اليهود. وقد سحروا النبي A ". وبابل: موضع يقال الملكان فيه في سرب من الأرض معلقين في ضوء كضوء النهار. وقيل: إنما سمي بابلاً لأن الألسنة فيه تبلبلت، وافترقت الأمم من ذلك المكان في الآفاق لاختلاف ألسنتها.
وقيل: إن ذلك إنما كان على عهد فرعون إذ جمع الناس لبنيان الصرح، ومن ذلك الوقت لا تدع الريح بنياناً يبلغ ذراعاً إلا دمرته. وقال ابن عباس: " إن سليمان لما ذهب ملكه ارتد فئام من الناس من الجن والإنس وأحدثوا سحراً، واتبعوا الشهوات. فلما رجع سليمان إلى ملكه، أخذ تلك الكتب ودفنها. فلما مات ظهرت الإنس والجن على تلك الكتب، وقالوا: هذا كتاب من عند الله أخفاه عنا سليمان فجعلوه ديناً ". ومعنى {تَتْلُواْ}: تحدث وتروي وتتكلم. وقيل: معناه تتبع. قوله: {على مُلْكِ سليمان}. أي: في ملكه وعهده. قال ابن عباس: " كان سبب محنة سليمان A أن أهل امرأة له يقال لها جرادة اختصموا إليه مع خصماء لهم / فكان هوى سليمان أن يكون الحق لأهل جرادة فيقضي لهم فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحداً. وكان سليمان A إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يقضي حاجة أعطى خاتمه لجرادة، فلما أراد الله منه ما أراد جاء الشيطان يوماً في
صورة سليمان إلى جرادة فقال: هاتي الخاتم. فأخذه فلبسه فدانت له الشياطين والجن والإنس. فلما جاءها سليمان يطلب الخاتم، قالت له: كذبت لست سليمان فعرف سليمان أنه ابتلي، فعند ذلك كتبت الشياطين سحراً ودفنوه تحت الكرسي، وأخرجوه بعد موته، فضل الناس به، وتبرأ كثير منهم من سليمان A. قوله: {وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين}. " ما " في موضع نصب عطفاً على " ما " في قوله: {واتبعوا مَا}. وإن شئت عطفاً على السحر أي: {يُعَلِّمُونَ الناس السحر وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين}. وقيل: ما جحد قاله ابن عباس /. أي لم ينزل على الملكين السحر. ومعنى {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} أي يخبرانه بالسحر ليتجنبه ولئلا يقع فيه وهو لا يدري فيقولان: " السحر هو كذا وكذا، فاجتنبه فإنه كفر ".
وتقدير قول من جعل " ما ". [نفيا أن يكون في] الكلام تقديم وتأخير على ترتيب: " واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمان الناس السحر ببابل هاروت وماروت ". وقيل: يعني بالملكين هنا: جبريل وميكائيل عليهما السلام، لأن سحرة اليهود تزعم أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل، فأكذبهم الله بذلك وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأن تعلم الناس ذلك ببابل وأن الذي يعلمه رجلان اسمهما هاروت وماروت. فهو رد على الشياطين. وقيل: الذي يتعلمه من الناس هاروت وماروت. فهو رد على الناس. وقال قتادة والزهري عن عبد الله: " كانا ملكين أهبطا إلى الأرض للحكم
بين الناس فحاكمت إليهما امرأة فحافا، فأتيا ينهضان إلى السماء فلم [يقدرا، وخُيّرا] بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا فكانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما ألا يعلما أحداً حتى يقولا: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ}. وذكر ابن الأعرابي في " الياقوتة " أن معنى " يُعَلِّمَان ": " يُعْلِمانِ " مخففاً. قال: والعرب تقول: " تعلم مني " أي: اعلم. قال: ومعناه: أن الساحر يأتي الملكين فيقول: أخبراني عما نهى الله عنه [فننتهي عنه]، فيقولان: نهى عن الزنا، فيقول: وما الزنا؟ فيصفانه له. ويقولان: نهى عن اللواط ويصفانه. ونهى عن السحر ويصفانه له / لينتهي عنه، فينصرف ويخالف ويكفر.
فالمعنى: وما يعلمان من أحد حتى يقولا: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ [فَلاَ تَكْفُرْ]} " أي: اختبار من الله فلا تكفر، فتعمل بما ينهاك عن العمل به. وروي عن ابن عباس في قصة الملكين: " أن الله تعالى أطلع الملائكة على أعمال بني آدم، فقالوا: يا رب هؤلاء بنو آدم الذي خلقته بيدك، و [أسجدت له] ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء يعملون بالخطايا. فقال الرب لهم: أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك، ما كان ينبغي لنا. قال: فأمروا أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض وأحل لهما كل شيء إلا الشرك والسرقة والزنا وشرب الخمر، وقتل النفس. قال: فما أشهرا حتى عرض لهما بامرأة، قد قسم لها / بنصف الحسن، فلما أبصراها تعرضا لها، قالت: لا، إلا أن تشركا بالله شيئاً /، وتشربا الخمر وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم. قالا: ما كنا لنشرك بالله شيئاً. فقال
أحدهما للآخر: ارجع إليها. فقالت: لا، إلا أن تشربا الخمر، فشربا حتى ثملا، ودخل عليهما سائل فقتلاه. فلما وقعا فيما وقعا من الشر، أفرج الله لملائكة السماء لينظروا إليهما فقالوا: سبحانك أنت أعلم. فأوحى الله تعالى [إلى سليمان] بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا ". وروي عن ابن عباس أنه قال: " نزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس، وكانت الملائكة من قبل يستغفرون للذين آمنوا: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} [غافر: 7] فلما وقع الملكان في الخطيئة استغفروا لمن في الأرض ". وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: " كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس، فلما أراداها قالت: لا، إلا أن تعلماني الكلام الذي إذا تكلم به عرج إلى السماء. فعلماها فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكباً ".
قال كعب: " والله ما أمسيا في الأرض من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا فعل جميع ما نهيا عنه ". وقال السدي /: " إن هاروت وماروت طعنا في بني آدم وأحكامهم. فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشراً من الشهوات فيها يعصون. فقالا: لو أعطينا تلك الشهوات ونزلنا لحكمنا بالعدل. فأعطيا ذلك، ونزلا ببابل. فكانا يحكمان إلى المساء، ثم يصعدان، فإذا أصبحا نزلا. فأتتهما امرأة تخاصم زوجها فأعجبهما حسنها [فكلماها في نفسها]، فقالت: لا، حتى تقضيا لي على زوجي، فحكما لها عليه، ووعدتهما قرية خربة فأتياها. فلما أرادا منها الحاجة، قالت: لا، حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنزلان، فأخبراها، [فتكلمت فصعدت وأنساها الله] الاسم الذي تنزل
به، فبقيت مكانها وجعلها الله تعالى كوكباً وهي الزهرة. فخُيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا ". وكان ابن عمر يلعن الزهرة. رواه نافع عنه. وكل هذه الأخبار تدل على أن " ما " في قوله: {وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين} ليست بنفي. وروى ابن وهب أن خالد بن أبي عمران ذُكر عنده هاروت وماروت أنهما يعلمان السحر، فقال: " ننزههما عن هذا ". فقرأ بعض القوم {وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين}
فقال خالد: لم ينزل / عليهما. وقرأ الحسن " المَلِكَيْنِ " بكسر اللام، وقال: " هاروت وماروت علجان من أهل بابل، وكذلك قرأه عبد الرحمن بن أبزى، لكنه قال: " هما داود وسليمان ". قال السدي: " إذا أتى الملكين أَحَدٌ يتعلم السحر يقولان له: " لا تكفر إنما نحن فتنة ". فإذا أبى قالا له: " إئت هذا الرماد فبل فيه. فإذا بال عليه خرج منه نور ساطع فيسطع حتى يدخل السماء، فذلك الإيمان. ثم أقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه فذلك غضب الله. فإذا أخبرهما بما رأى وبما / فعل علماه ". / ومعنى {إِنَّمَا نَحْنُ [فِتْنَةٌ]}: أي اختبار وابتلاء. وروي أن الله جل ذكره أخذ على هاروت وماروت الميثاق ألا [يعلما
أحداً] السحر حتى يقولا له: " إنما نحن فتنة فلا تكفر بفعل السحر ". وهذا يدل على قتل الساحر إذا سحر وظفر به من غير استتابة، لأنه شيء يخفيه فلا يُعلم بصحة توبته منه لو تاب. ويقال: إنهم كانا يعلمان من السحر ما يفرق به بين الزوجين خاصة كما ذكر الله. وقوله: {إِلاَّ بِإِذْنِ الله}. أي: بعلمه وقضائه لا بأمره لأن الله سبحانه لا يأمر بالفحشاء، فلا تقع الفحشاء من فاعلها، إلا بعلم الله وقضائه وقدره. هذا مذهب أهل السنة والجماعة. وتعليمهم السحر هو فتنة أختبر بها الخلق. وقيل: هو تعليم إنذار منه وتحذير منه، لا تعليم دعاء له ورغبة في العمل به.
قوله: {إِلاَّ بِإِذْنِ الله}. أي: بقضائه المتقدم أنهم يفعلونه ويضرون به. وقيل: معناه بعلم الله. وقوله: {وَلَقَدْ عَلِمُواْ}. قوله: {لَمَنِ اشتراه}. أي: لمن استحبه وقبله وعمل به، ما له في الآخرة من خلاق. / أي: علمت يهود في التوراة أن من اشترى السحر ما له في الآخرة من خلاق. أي: من نصيب وحظ. وقيل: من دين. وقيل: من قوام. وقيل: إن (علموا) يراد به الشياطين لأنه لو رد إلى اليهود لكان قوله:
{لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} نفى عنهم العلم، وقد أخبر أنهم علموا. وقيل: علموا هو للمَلَكَين لأنهم يقولون: لا تكفر، فقد علموا أنه لا خلاق لمن اشتراه في الآخرة، وثُني كما يقال: " الزَّيدان قاموا ". وقال الزجاج: " علموا ": هم علماء اليهود ". وقوله: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}. قيل لهم ذلك لأنهم صاروا في محل من لا علم عنده إذ لم ينتفعوا بعلمهم، فصاروا بمنزلة الجاهل بهذا الأمر، فنفى عنهم العلم بعد أن أخبر أنهم علموا من أجل ذلك. وهذا مشابه لقوله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} [البقرة: 18] لأنهم لما لم ينتفعوا بهذه الأعضاء كانوا بمنزلة من عَدِمَها، فوصفوا بذلك وهم غير صم ولا بكم ولا عمي. {وَشَرَوْاْ} هنا بمعنى باعوا. وتقدير الكلام عند الطبري: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون "، أي: يَعْلَمون أنه يضرهم في الآخرة ولا ينفعهم. يريد به الذين
يتعلمون السحر للتفريق بين المرء وزوجه. ثم قال: {وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه}. يريد به علماء اليهود. فإيجاب العلم لعلماء اليهود ونفيه هو عن الذين يتعلمونه للتفريق. وقتل الساحر عند مالك واجب بهذه الآية إذا سحر بنفسه لأنه كفر لقوله تعالى: {فَلاَ تَكْفُرْ}. والكافر إذا ستر كفره [قتل إلا أن] يأتي قبل أن يُعرف به، فيخبر بما كان سَتَر، فإن توبته تقبل. ومثله الزنديق عند مالك يقتل إذا قدر عليه ولا يستتاب. فإن أَظْهَره قبل أن يُظهر عليه استتيب، فإن تاب وإلا قتل. وهو والزنديق سواء. / والزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويُسِر الكفر، فلا تقبل توبته لأنا لا ندري ما في ضميره، وقد قال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} [غافر: 85]. فلا تنفع الساحر، [و] الزنديق توبتهما إذا ظفر بهما، وتنفعهما إذا أتيا قبل أن يُقدر عليهما، كما كان هؤلاء تنفعهم توبتهم قبل / إتيان العذاب، ولا ينفعهم ذلك عند رؤية العذاب. وهو قول عثمان بن عفان، وابن عمر، وحفصة، وجماعة من الصحابة
والتابعين. ولا يقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك، ولكن يعاقب إلا أن يقتل بسحره فيقتل أو يُحدِث حَدثاً فيؤخذ منه بقدر ذلك. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: " لا يقتل ساحر أهل العهد إلا أن يدخل بسحره ضرراً لم يعاهد عليه على مسلم ". وكذلك روى ابن القاسم: قال مالك في المرأة تعقد زوجها عن نفسها أو عن غيرها. قال: " ينكل بها ولا تقتل ". وقال الشافعي: " لا يقتل الساحر ولكن يسأل عن سحره، فإن كان كفراً / استتيب منه، فإن تاب وإلا قتل، وكان ماله فيئاً ".
103
قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتقوا}. أي: لو أن الذين [يتعلمون السحر آمنوا أي: بمحمد A، وما أنزل الله، {واتقوا}] أي اتقوا الكفر وعمل السحر - لوجب لهم عند الله الثواب على ذلك. فهو خير لهم لو كانوا يعلمون قدر ذلك. وقيل: {لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}: أي لو علموا مبلغ ثواب الله / ورضاه ومقدار ذلك. وقيل: معنى: {لَمَثُوبَةٌ}: لرجعة إلى الله خير. وقيل معنى {لَمَثُوبَةٌ}: أي: لأثيبوا على ذلك، فَاسْتُغْنِيَ بالمثوبة عن الثواب، لأن المثوبة مصدر يشتمل على الماضي وغيره. " ولو " تحتاج إلى جواب يكون ماضياً، ودلت المثوبة على الماضي. وقال ابن إسحاق: " معنى {لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}، أي: يعملون بعلمهم.
104
وقيل: يعلمون حقيقة الفضل في ذلك. قوله: {لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا}. أي: خلافاً. وقيل: معناه أرعنا سمعك، أي: اسمع منا ونسمع منك. قال الضحاك: " كان الرجل من المشركين يقول: " أرعني سمعك " ". قال قتادة: " هي كلمة كانت اليهود تقولها على الاستهزاء، فنهى الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم ". وقيل: إنها لغة كانت في الأنصار فنهوا عن قولها تعظيماً للنبي A وتبجيلاً له، لأن معناها: " أرعنا نرعك "، فكأنهم لا يرعونه حتى يرعاهم، بل يرعى A على كل حال. ولا يعرف أهل اللغة: " راعيت " بمعنى " خالفت " كما روى مجاهد. وقرأ الحسن " راعنا " من " الرعونة " منوناً ونصبها على المصدر: كأنه قال:
105
رُعُونة. وقيل: بالقول انتصبت. وقرأ الأعمش: " أنظِرنا - بقطع الألف وكسر الظاء - أي: أخرنا، وذلك بعيد لأنهم لم يؤمروا بالتأخير /، إنما أمروا بالقرب منه والتلطف في الخطاب. وقيل: معنى قراءة الأعمش: أمهلنا. وقوله: {واسمعوا} أي: واستمعوا ما يقال لكم، وَعُوه. ثم قال: {مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب} الآية. يعني بها اليهود والنصارى أنهم لا يحبون أن ينزل على المؤمنين خير من الله. {والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ}. أي: بنبوته ورسالته فيرسلها إلى من يشاء، ويهدي من يشاء. قوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ}. أي: من حكم آية، قرأ ابن عامر: ما نُنسِخْ - بضم النون الأولى وكسر السين، بمعنى: " ننسخك ".
قال أبو غانم: " يقال: نسخته وأنسخته مثل قبرته وأقبرته، [فقبرته دفنته، وأقبرته جعلت له] قبراً ". قوله: {أَوْ نُنسِهَا}. من ضم / النون الأولى وَكَسَر السين، فمعناه: نتركها لا نبدلها. وهو مروي عن ابن عباس على معنى: نأمرك بتركها. ويلزم على هذا المعنى فتح النون ليصح معنى الترك إذ هو غير معروف في اللغة: أَنْسَيْتُ الشيء تركته، إنما يقال: " نسيت "، كما قال {نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، أي: تركوه فتركهم. / وهذا إنما يصح على قراءة من قرأ " نَنْسِهَا " بالفتح.
والصواب في معنى: " نُنْسِها " بضم النون أن يكون من النسيان على معنى: " ننسكها " يا محمد فتذهب من حفظك ". وعن ابن عباس أن في الآية: [تقديماً وتأخيراً]، والتقدير: ما نبدل من حكم آية نأت بخير منها أي بأنفع منها لكم أو مثلها. ثم قال: {أَوْ نُنسِهَا} أي نؤخرها فلا ننسخها ولا نبدلها. وقيل: معناه: نأمرك بتركها كأنه: " أو ننسكها "، أي: نجعلك تتركها. وقيل: معناه: ننسكها من النسيان أي: نزيل ذكرها من قلبك فلا تذكرها.
والفرق بين إباحة الله تعالى لنبيه A النسخ، وبين إباحته الترك، أن النسخ أن تنسخ آية / بآية أخرى كنسخ قوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشهر فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] لقوله: {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]. والترك هو ترك الآية من غير آية تنسخها كإباحة الله / للمؤمنين ترك امتحان من أتاهم بعد أن قال: {فامتحنوهن} [الممتحنة: 10]. فأما قراءة من قرأ " نَنْسَأَهَا " بالهمز، فمعناه أو نؤخرها فلا ننزلها البتة. وقيل: معناه نؤخرها بعد إنزالها وتلاوتها فلا تتلى. وقيل: معناه نؤخر العمل بها [وننسخه ويبقى لفظه متلواً غير معمول] به. ولكل واحد من هذه المعاني أمثلة في كتاب الله D قد بيناها في كتاب:
" الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ". فالنسخ يكون فيما نزل، والنَّسْءُ فيما لم ينزل فيؤخر. يقال: " نسَّأَ الله في أجلك وأَنسأَ " أي: أخر فيه. وقيل: معنى هذا القول: ما ننسخ من آية من اللوح المحفوظ فننزلها على محمد A " أو ننسأها " أي نؤخرها في اللوح فلا ننزلها، فالمنسوخ جميع القرآن، والمنسوء ما أخر، فلم ينزل هذا على هذا التأويل. وفيها قول ثان: وهو أن يكون معناه: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} أي: نرفعها، " أو ننسأها ": أي نؤخرها فلا نرفعها. وفيها قول ثالث: وهو أن يكون " ننسأها " [معناه نؤخرها عن] التلاوة ويبقى الحكم بها نحو آية الرجم. وفيها قول رابع: وهو أن يكون " ننسأها " معناه نؤخره إلى وقت ما، نحو ما
روي في قوله، {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم} [المائدة: 105]. وقرأ الضحاك بن مزاحم " أو تُنْسَها " - بالتاء مضمومة وفتح السين - على ما لم يُسَمَّ فاعله، أي: " ينسكها الله أو الشيطان " بدلالة قوله: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان} [الأنعام: 68]. / وقوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا}. معناه عند أبي إسحاق وقطرب: / " نأت منها بخير " وهو غلط عند النحويين. لأن من حقها أن تكون بعد " أفعل " لا قبله " وخير " أفعل فإن جعلت " خيرا " فعلاً الذي هو ضد الشر، ولم تجعله أفعل، جاز ذلك. وقيل: المعنى: نأت بخير منها لكم، إما في تخفيف وإما في زيادة أجر في الآخرة. وقيل: معنى {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} أي: بأنفع لكم منها في زيادة الأجر إذا صح من الأصل إذا [عملتم بها]. وقوله: {أَوْ مِثْلِهَا}. أي: مثلها في الآخرة، لكنها أحب إليكم من المنسوخة نحو نسخ القبلة إلى بيت المقدس، نسخت بالتوجه إلى الكعبة فهي مثلها، وهو أحب إليهم من بيت المقدس
فلذلك قال: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: 144]. فنسخت القبلة بمثلها، والناسحة أحب إليهم من المنسوخة. وقيل: المعنى نأت بأنفع لكم منها في الوقت الثاني، وأصلح لِحَالِكُم في النفع وصلاح الحال. وقال السدي وغيره: " {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} أي: من التي نسخنا، {أَوْ مِثْلِهَا}: أي: مثل التي تركنا فلم ننزلها ". وقيل: بخير من هذه أو هذه. ولا يجوز لذي علم ودين أن يتأول بهذا النص تفضيل بعض القرآن على بعض لأن القرآن كلام الله جل ذكره / ليس بمخلوق وإنما يقع التفضيل بين المخلوقات فاعلمه. قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض}. معناه أن النبي [عليه السلام] قد كان عالماً بذلك فضلاً من الله عليه، فخرج هذا الكلام مخرج التقرير على عادة العرب. تقول العرب للرجل: " ألم أكرمك، ألم أفضل عليك " يخبره بذلك، وينبهه عليه، وهو عالم به. ومعناه: قد علمت ذلك، فكذلك هذا.
ومعناه: قد علمت يا محمد أن الله على كل شيء قدير وعلمت أن الله له ملك السماوات والأرض. وقال الطبري: " حرف الاستفهام في هذا داخل لمعنى الاستثبات والتنبيه لأصحاب النبي [عليه السلام] الذين قيل لهم: لا تقولوا راعنا. ويدل على صحة ذلك قوله بعد ذلك: {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله}، فأتى بلفظ / الجماعة. وقد قال تعالى: {يا أيها النبي} [الطلاق: 1]، ثم قال: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء} [الطلاق: 1]. وقال: {يا أيها النبي اتق الله} [الأحزاب: 1]. ثم قال: {إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} [الأحزاب: 1]. ومعنى ذلك: " أَلَمْ تعلموا أن الله قادر على تعويض ما ينسخ من أحكامه وفرائضه للتخفيف عليكم أو لزيادة أجر لكم ". وهذا كله إنما هو تنبيه لليهود على أن أحكام التوراة جائز أن [تُنسخ على يدي] نبي، أو بكتاب آخر لأنهم أنكروا ما
108
أتى به A مما ليس في التوراة، فنبهوا على أن التوراة يجوز نسخها على لسان نبي / غير موسى كما كانت التوراة ناسخة لما تقدمها من الكتب. ومعنى " يَنسخ بعض كتب الله بعضاً ": أنه إنما ينسخ بعضها بعضاً في الشرائع لا غير، كما قال: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48]. فالدين في الكتب كلها واحد وهو التوحيد، وهو دين الإسلام. والشرائع / مختلفة يتعبد / الله جل ذكره أهل كل كتاب بما شاء وبما أراد لا معقب لحكمه لا إله إلا هو. قوله: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ}. " أم " تقع منقطعة بعد الخبر والاستفهام تقول: " جاءني زيد " ثم تقول: " أم جاءني عمرو "، وتقول: " هل عندك زيد أم [عندك عمرو]، " و - أزيد عندك أم لا؟ " كأنه في هذا كله أدركه الشك، بعد أن مضى صدر الكلام فاستدرك بـ " أم ".
وتكون " أم " عاطفة بعد الاستفهام خاصة، تدل على ثبوت أحد الشيئين غير معين وعن عينه يسأل بها. فهي بمنزلة أيهما عندك " فتسأل عن العين بعد أن يستقر عندك أن ثمّ شخصاً ولا تدري من هو، ولا يكون الجواب إلا بالعين. يقول المجيب: " قلان أو فلان " ولا يجوز أن يقول: " لا، ولا نعم. وإنما لا ونعم جواب. أو إذا قلت: " أذا عندك أو ذا؟ ". وتقول " سواء علي أقمت أم قعدت "، فبالتسوية أجريته مجرى الاستفهام لأنك سويت الأمرين في علمك، كما استوى علمك في قولك: " أزيد عندك أم عمرو؟ ". فالتسوية تُجري هذا على حروف الاستفهام، كما أجرى الاختصاص ما ليس بمنادى على حروف النداء. قال بعض النحويين في {أَمْ تُرِيدُونَ}: " معناه: أتريدون ". وقيل: هي منقطعة مما قبلها بمنزلة قول العرب: " إنها لإبل أم شاء ". وهذا القول بعيد لأنه لا يصح في أكثر كلام العرب إلا على حدوث شك دخل المتكلم، وذلك لا يليق بالقرآن.
وقيل: إنها مردودة على الاستفهام الذي قبلها وهو {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لأنه بمعنى: " ألم تعلموا "، ثم قال: {أَمْ تُرِيدُونَ}. قوله: {كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ}. قال ابن عباس: " [أتى رجلان من] اليهود إلى النبي [عليه السلام] فقالا له: إئتنا بكتاب نقرأه، وفَجِّر لنا أنهاراً نتبعك. فأنزل الله D: { أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ} الآية. ومعنى {سُئِلَ موسى}، هو قولهم: {أَرِنَا الله جَهْرَةً}. وقال مجاهد: " سألت قريش [النبي عليه السلام] أن يجعل لهم الصفا ذهباً، فقال: نعم، هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل. فأبوا ورجعوا، فأنزل الله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ} الآية ". وقال أبو العالية: " جاء رجل إلى النبي / [عليه السلام] فقال: لو كانت كفاراتنا كفارات بني إسرائيل. فقال النبي [عليه السلام لا نبغيها]: مَا أَعْطَاكُمُ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا أَعْطَى
بَنِي إِسْرائِيلَ؛ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا أَصَابَ أَحَدُهُمْ الْخَطِيئَةَ وَجَدَهَا مَكْتُوبَةً عَلَى بَابِهِ وَكَفّارَتَها، فَإِنْ كَفَّرَهَا كَانَتْ لَهُ خِزْياً في الدُّنْيا. وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، كَانَتْ لَهُ خِزْياً فِي الآخِرَةِ. فَقَدْ أَعْطَاكُمُ الله خَيْراً مِمّا أَعْطَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قال: {وَمَن يَعْمَلْ سواءا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً} و " الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ كَفَّارَات لِمَا بَيْنَهُنْ ". و " مَنْ هَمّ بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ [لَهُ حَسَنَةٌ، فَإنْ] عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عشْر أَمْثَالِهَا " ثم أنزل الله بعقب ذلك: {أَمْ تُرِيدُونَ} / الآية. قوله: {وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان}. / قال أبو العالية: " الشدة بالرخاء ". وقيل: الجحود بالإيمان، وهو أولى. قوله: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل}. أي: ذهب عنه وزاغ.
109
والسواء هنا قصده ومنهجه. وأصل السواء الوسط. قوله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب}. قيل: " كثير " هنا واحد، وهو كعب بن الأشرف /. قاله الزهري. وقيل: هما ابنا أخطب. قاله ابن عباس. وقيل: هو عام في أكثرهم. وفي الآية تقديم وتأخير، معناها: " وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً ". ومعنى: {مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} أي: لم يؤمروا به، ولا وجدوه في كتاب إنما اخترقوه واخترعوه من قبل أنفسهم. {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق} أي: من بعد ما ظهر لهم أمر محمد A في التوراة
110
[وصفته وعلاماته] فكفروا به وأحبوا أن تكفروا معهم به بعد إيمانكم حسداً وبغياً. ثم قال: {فاعفوا واصفحوا}. أمر الله D المؤمنين بالعفو عنهم إلى وقت يأتي فيه أمر الله تعالى بترك العفو. فالآية منسوخة بالأمر بقتالهم وقتلهم وهو قوله: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] وقوله: {قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ} [التوبة: 29] الآيتان. وقوله: {واقتلوهم} [البقرة: 191]. وقوله: {وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة}. إقامة الصلاة هو أداؤها بفروضها لوقتها وهي الخمس الصلوات المفروضة. قال أنس بن مالك: " فرضت الصلاة على النبي A ليلة الإسراء خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمساً تخفيفاً من الله، ثم نودي يا مُحَمَّدُ: إِنَّهُ لاَ يُبَدَّلُ القَْولُ لَدَيَّ، وَإِنَّ لَكَ بِهَذَه الخَمْسِ خَمْسِين ".
ويجمع أوقاتها قوله: {فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ} / [الروم: 17]. يريد المغرب والعشاء الآخر / {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] يريد الصبح. {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: 18]. يريد الظهر {وَعَشِيّاً} [الروم: 18]. العصر. فأما قوله تعالى: {أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس} [الإسراء: 78]. فقال علي بن أبي طالب " دلوكها غروبها ". وهو قول ابن مسعود. وروي عن ابن عباس: " دلوكها زوالها ". وقاله ابن عمر وأبو هريرة. {وَقُرْآنَ الفجر} [الإسراء: 78] صلاة الصبح. وقال قتادة: " {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس} [طه: 130]: هي صلاة الفجر {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130] صلاة العصر. {وَمِنْ آنَآءِ الليل} [طه: 130] صلاة المغرب والعشاء الآخرة. وأجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر الزوال.
وقال مالك: " آخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثله بعد الزوال ". وبه قال الثوري والشافعي وأبو ثور. وقال عطاء: " لا تفريط في الظهر حتى تصفرّ الشمس ". وقال طاوس: " لا تفوت حتى الليل ". وقال النعمان: " آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين " وأول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله ". هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأحمد بن حنبل وأبي / ثور. وقال النعمان: " أول وقت العصر أن يصير الظل قامتين بعد الزوال، ولا تجزئ الصلاة قبل ذلك ".
وآخر وقتها أن يصير ظلك مثليه. وقال أحمد وأبو ثور: " آخر وقتها ما لم تصفرّ الشمس على وجه الأرض ". وقال إسحاق: " آخر وقتها أن يصلي منها ركعة قبل غروب الشمس لقول النبي عليه السلام " مَنْ أَدْرَكَ مِنَ العَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا ". وهذا عند الشافعي وغيره إنما هو لأهل العذر. وروي عن ابن عباس: " أن آخر وقتها غروب الشمس ". " ووقت المغرب غروب الشمس وقتاً واحداً "، وهو قول مالك والشافعي والأوزاعي. وقال الثوري وأحمد وإسحاق: " وقتها إلى أن يغيب الشفق ". ووقت العشاء مغيب الشفق. وهو الحُمرة في قول ابن عمر وابن عباس ومالك وسفيان وابن أبي ليلى والشافعي.
وروي عن أبي هريرة " أنه البياض "، وهو قول زفر. وآخر وقتها عند النخعي ربع الليل. وروي عن عمر Bهـ وأبي هريرة، وعمر بن عبد العزيز " إلى ثلث الليل " وهو قول مالك. وقال الثوري وابن المبارك وإسحاق " إلى نصف الليل ". وروي ذلك عن عمر أيضاً. ووقت صلاة الصبح انصداع الفجر إلى طلوع الشمس، ووقت الجمعة بعد الزوال، ومن صلى الجمعة قبل الزوال لم تجزه عند الجميع إلا أحمد بن حنبل فإنه أجازه قبل الزوال. ومعنى قولهم في التشهد: " التحيات "، قال أبو عبيد " التحيات الملك،
111
والصلوات هي الصلوات الخمس لله، والطيبات هي الأعمال الزكيات لله ". قوله: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى}. معناه / قالت اليهود ذلك، وقالت النصارى ذلك، فأخبرنا الله أن ذلك هما يتمنون، فقيل لهم: هاتوا برهانكم على ذلك، أي حجتكم وبيّنتكم إن كنتم صادقين. وقد [أكذب الله تمنيهم وقولهم] ذلك بقوله: {فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 94]، إي إن كنتم من أهل الجنة كما زعمتم، فتمنوا الموت لأنكم تنتقلون إلى ما هو خير لكم. فلما / لم يفعلوا عُلم أن قولهم / ذلك شيء لا حقيقة له وكذب وبهتان. ثم قال: {بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ}. أي: أخلص عمله ونيته بالطاعة والإيمان. وخص الوجه بالذكر دون سائر الأعضاء لأنه أشرف أعضاء بني آدم وأعظمها حُرمة. فإذا خَضَّع وجهه الذي هو أكرم الأعضاء كان ما سواه أحرى أن يخضع. قوله: {وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ}. نزلت في قوم من أهل الكتابين تخاصموا عند النبي [عليه السلام] فكفر بعضهم بعضاً، فأخبرنا الله أنه قد فعل هذا من كان قبلهم ممن لا يعلم، وأنهم فعلوا ذلك وهم يجدون في كتبهم كذبهم فيما يقولون لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضاً، فلذلك قال تعالى:
{وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب}. فهؤلاء قالوه وهم يعلمون أنهم كاذبون لأن في كتاب كل واحد منهم الأمر بالإيمان بالآخر وبمن جاء به. و {الذين لاَ يَعْلَمُونَ} أمم كانت قبلهم. وقيل: عني بذلك الجاهلية في العرب، قالوا: ليس محمد على شيء. وقيل: قالوا: ليست اليهود على شيء ولا النصارى على شيء. وقيل: إنهم قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا. فالذين من قبلهم قالوه وهم غير عالمين، وهؤلاء / قالوا عن علم لأن ما قالوا كذب. ومعنى قولهم: {لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ}، {لَيْسَتِ اليهود على شَيْءٍ}: إنما أرادوا أنهم ليسوا على شيء [مذ دانوا]، ولم يريدوا ليسوا على شيء الساعة لأنهم لو أرادوا ذلك لكانوا صادقين في قولهم، إذ كل فريق منهم قد جحد / نبوة محمد A وهو يعلم أنه نبي ويجده في كتابه، فهو في ذلك الوقت ليس على شيء لأن
من جحد آية من كتاب الله فقد جحده كله. فإنما أراد: قال كل فريق منهم: ليس هؤلاء على شيء منذ دانوا، ومنذ أنزل عليهم الكتاب [لا أنهم] أرادوا في الوقت الذي وقع فيه التنازع خاصة لأن ذلك لو كان لكانوا صادقين فيما قالوا، ولأنهم لو أرادوا ذلك لكفر كل واحد نفسه على لسانه، لأن جميعهم جاحد لنبوة محمد A، فإذا قال فريق: ليس هؤلاء على شيء، واعتقادهم / واحد في محمد A. فكأنه قال: ليس نحن على شيء. إلى هذا يؤول الكلام لو حمل على أنهم أرادوا الوقت الذي تخاصموا فيه، وإنما أرادوا من تقدم قبل محمد [ A] فأكذبهم الله D لأن أوائلهم قد كانوا على شيء. ولو أرادوا الزمان الذي بعث فيه محمد A لم يكذبهم الله في ذلك لأنهم كانوا على غير شيء إذ جحدوا ما عرفوا وبدلوا وغيروا وأنكروا ما في كتابهم، وجعل الله تعالى هذه الآية تحذيراً لئلا يُختلف في القرآن، لأن اختلافهم أخرجهم إلى الكفر، فحُذِّر المسلمون من ذلك. قوله: {فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ}: أي: يفصل.
114
وقيل: معناه يريهم من يدخل الجنة عياناً، ومن يدخل النار عياناً. وسميت الآخرة القيامة لأن فيها يقوم الخلق كلهم من قبورهم. قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله} الآية. عني بذلك النصارى منعوا الناس من بيت المقدس وكانوا يطرحون فيه الأوساخ قاله ابن عباس وغيره. وقال قتادة: " حمل بُغض النصارى لليهود أن أعانوا عدو الله بُخْتُنصر المجوسي البابلي على تخريب بيت المقدس ". وقال السدي: " أعانت الروم بختنصر على خراب بيت المقدس عداوة منهم لليهود إذ قتلوا يحيى بن زكريا ".
وقال ابن زيد " عني بذلك مشركي العرب إذ منعوا رسول الله A من المسجد الحرام يوم الحديبية حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم. وكانوا قد قالوا له: لا تدخل علينا وقد قتلت أباءنا يوم بدر، [ومنا طارف يطرف] وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده عن البيت فَصُدَّ النبي A عن البيت ". وقوله: {أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ}. قال قتادة: " هم اليوم لا يوجد أحد منهم في بيت المقدس إلا عوقب ". وقال السدي: " لا يدخل رومي بيت المقدس إلا خائف أن تضرب عنقه مع أنهم / أخيفوا بأداء الجزية ". وقال ابن زيد: " معناه أن رسول الله A نادى: أَلاَّ يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ، فخاف المشركون وانْتَهَوُا ".
115
ومعنى {وسعى فِي خَرَابِهَآ} أي: في هدمها ونقضها. وقيل: هو خلاؤها أي: المنع من ذكر الله فيها من الصلاة وذكر الله فيها. وقال / ابن زيد: " هو منع المشركين المسلمين من الحج والعمرة ". والخزي أخذ الجزية منهم وهم صاغرون، أي: من اليهود والنصارى. وقال السدي: " الخزي هو قتل الروم عند قيام المهدي وفتح القسطنطينية ورومية ". قوله: {وَللَّهِ المشرق والمغرب}. معناه: إنَّ له / ما بين مشرقها / كل يوم، ومغربها كل يوم، وإنما خص الله تعالى ذكره ذا أنه له وإن كان كل الأشياء له لأنه نزل في أمر معين، وذلك أن اليهود كانت تصلي نحو بيت المقدس، وصلى النبي A معهم إليها ستة عشر شهراً، ثم رجع إلى الكعبة. فاستعظم اليهود ذلك، وقالوا: ما ولاّهم عن قبلتهم
التي كانوا عليها؟ فقال الله جل ذكره لنبيه A: قل يا محمد، لله المشرق والمغرب يصرف من يشاء إلى أين يشاء، فحيثما تولوا فثمّ وجه الله. فهذا أول ناسخ في القرآن لأنه نسخ التوجه إلى بيت المقدس. وكان النبي A يصلي إلى بيت المقدس بأمر من الله تعالى، وكان يحب قبلة إبراهيم [عليه السلام]، وكان يدعو أو ينظر إلى السماء فأنزل الله: {قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام} [البقرة: 144] فارتابت اليهود من ذلك فأنزل الله D: { وَللَّهِ المشرق والمغرب} الآية. وقال قتادة: " هذا منسوخ، وذلك أن الله تعالى أباح لهم أولاً التوجه حيث شاءوا، وأخبرهم أنه أينما تولوا وجوهكم فثمَّ وجه الله، لأن له المشارق والمغارب، ثُمَّ نسخ ذلك بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام}. وقال ابن زيد: " لما أنزل على النبي A { وَللَّهِ المشرق والمغرب} وأباح له التوجه أين
شاء. قال: هؤلاء يهود يستقبلون بيتاً من بيوت الله، فاستقبله النبي A معهم فبلغه أنهم قالوا: ما درى محمد ولا أصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي / A ورفع وجهه إلى السماء فأنزل الله {قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء} الآية، فاستقبل الكعبة ". وقال ابن عمر: " الآية نزلت في التطوع، وكان يصلي حيثما توجهت به الراحلة ويقول: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله} ". وقيل: " نزلت في قوم عميت عليهم القبلة، فصلوا إلى جهات مختلفة، فأعلموا أن صلاتهم ماضية ". وروى عامر بن ربيعة عن أبيه أنه قال: " كنا مع رسول الله [ A] في سفر فتغيمت السماء وأشكلت علينا القبلة. قال: فصلينا وعَلِمْنَا، فلما طلعت
الشمس، إذا نحن صلينا لغير القبلة، وذكرنا ذلك لرسول الله [ A] ، فأنزل الله هذه الآية: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله} ". وقيل: إنها نزلت في أمر النجاشي؛ قال قتادة: قال النبي A لأصحابه: " إنَّ أَخَاكُمْ النَّجَاشِي قَدْ مَاتَ، فَصَلُّوا عَلَيْهِ. فَقَالُوا: نُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ. فَأَنْزَلَ الله D: { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ}. فقالوا: وإنه كان لا يصلي إلى القبلة فأنزل الله {وَللَّهِ المشرق والمغرب} الآية " /. وقد أفردنا كتاباً للناسخ والمنسوخ مبسوطاً / بأشبع من هذا. ومعنى: {وَجْهُ الله}. أي جهته التي أمرتم باستقبالها. وقيل: معناه فثمَّ قبلة الله.
116
وقيل: معناه: فثمَّ الله جلَّ ذكره. وقوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ}. أي: تستقبلوا بوجوهكم. وقيل: معناه: تستدبروا من " وَلَّيْتُ عَنْهُ ". وهو قول غريب. وقوله: {وَاسِعٌ} أي واسع الرحمة، {عَلِيمٌ} بكم / وبما في قلب النجاشي من الإيمان. ثم قال: {وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً}. أي: وقال الذين منعوا الذكر في مساجد الله وسعوا في خرابها: اتخذ الله ولداً. {سبحانه}: أي: براءة له من ذلك وتنزيهاً له. قال أبو إسحاق: " يريد به النصارى واليهود والمشركين من العرب، لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله ". وروي عن ابن عباس " أن النبي A قال: قَال اللهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ
آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. أَمّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَيَزْعُمُ أَنِّي لاَ أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ. وَأَمّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ، [فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ] وَلَداً ". قوله: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ}. أي: مطيعون. وقيل: مطيعون يوم القيامة. وقيل: مقرون بالعبودية. وقال الفراء: " هو خصوص يراد به أهل الطاعة ". وأصل القنوت في اللغة الطاعة، والقنوت القيام الطويل. وقال الحسن: " يعني اليهود والنصارى ومشركي العرب؛ كل [له قائم] بالشهادة بأنه عبد له ".
117
قال يحيى: " إنما خص الحسنُ اليهود والنصارى ومشركي العرب، لأنهم هم الذين كانوا بحضرة النبي [عليه السلام] يومئذ ". وقال في آية أخرى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله} [الزخرف: 87]. من تفسير ابن سلام. قوله: {بَدِيعُ السماوات والأرض} [البقرة: 117]. {أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} [الأنعام: 101]. أي: كيف يكون له ولد وهو خلق السماوات والأرض بمن فيهما وابتدعهما من غير مثال. والمبدع المخترع للشيء، وبديع /: بمعنى مبدع. ثم قال: {وَإِذَا قضى أَمْراً}. أي: إذا حتم أمراً، أو أحكم أمراً. ومنه قيل للقاضي: حاكم، لأن أصل كل قضاء الإحكام له، والفراغ منه.
قوله: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. زعم [قوم أن] هذا مخصوص في إحياء الميت ومسخ الكافر ونحوه لأن الأمر لا يكون إلا لموجود ولا يكون لمعدوم. وهذا قول مرغوب عنه. ومعنى الآية: أنه تعالى عالم بالأشياء التي ستكون وكانت فقوله لها: " كن " إنما هو قول لموجود في علمه ليخرجه إلى العيان لنا. وقد قيل: إن المعنى: فإنما يقول من أجله كن. ف " لَهُ " بمعنى من أجله. وهذا أيضاً قول لا يمتنع وهو عام، لا يقتضي الأمر لموجود، لأن القول من أجله وقع لا له. وقال الطبري: " أمره للشيء " يكن "، لا يتقدم الموجود ولا يتأخر عن الموجود، بل هو في حال يكون ذلك، فلا يكون الشيء مأموراً بالوجود إلا وهو موجود بالأمر. ولا موجود إلا وهو مأمور بالوجود ". قال: " ونظير ذلك قيام الأموات من قبورهم لا يتقدم / دعاء الله D ولا يتأخر عنه، وقد قال تعالى: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأرض إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: 25]. فمعنى الآية أن الله
118
مبدع الأشياء ومالكها، قد ابتدع المسيح A وأنشأه إذ أراد خلقه من غير ذكر ". والهاء في " له " تعود على الأمر، و " له " بمعنى من أجله. وقيل: تعود على القضاء الذي دل عليه " قضى ". / وقيل تعود على المراد الذي عليه الكلام. قوله: {وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا الله} الآية. قال مجاهد: " عني بذلك النصارى ". / وعن ابن عباس قال: " قال رافع [بن حريملة] من اليهود لرسول الله صلى الله عليه سلم: إن كنت رسولاً من عند الله، فقل لله يكلمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله تعالى: {وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا الله}، أي: هلا يكلمنا. وقال السدي والربيع وقتادة: " هم مشركو العرب، قالوا ذلك ". قال مجاهد: " الذين من قبلهم هم اليهود لأنهم سألوا موسى A مثل ذلك من كلام الله ورؤيته سبحانه، فدل على أنهم النصارى ".
119
وهو اختيار الطبري أن يكون الذين عنوا بالآية هم النصارى. وقال قتادة: " الذين من قبلهم اليهود والنصارى ". فعلى هذا يكون الذين عنوا بالآية مشركي العرب، وعلى هذا الاختيار يقع الاختلاف في {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ}. قيل: هم اليهود والنصارى. وقيل: هم العرب واليهود والنصارى. وقيل: {الذين لاَ يَعْلَمُونَ} و {الذين مِن قَبْلِهِمْ}: هم قوم نوح وعاد وثمود وفرعون وجميع الأمم الماضية المكذبة الكافرة. قوله: {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم}. معناه التعظيم لما هم فيه كما تقول: " لا تسال عن فلان " أي قد بلغ فوق ما تظن. وقيل: هو نهي نهى الله D نبيه A عن ذلك لما روي أن النبي [ A] . قال: " لَيْتَ شِعْري مَا فَعَلَ أَبَوَايَ "، فأنزل الله D، { وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم} / فما سأل
عنهم [ A] حتى مات. ومن قرأ بالرفع، فهو في موضع الحال، تقديره: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بالحق بَشِيراً وَنَذِيراً} وغير مسؤول عن أصحاب الجحيم ". وقيل: هو نفي، ولا " بمعنى " ليس كأنه قال: " ولست تسأل " كأنه أخبره أنه لا يسْأَلُ عن ذلك. واختار جماعة الرفع لأن الكلام المتقدم يدل عليه، لأنه تعالى قال بعد الذكر اليهود والنصارى وما صنعوا: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بالحق بَشِيراً وَنَذِيراً}. أي: بشيراً لمن اتبعك، ونذيراً لمن كفر بك، " غير مسؤول عمن كفر بك. ولم يجر ما يوجب النهي. فجري الكلام على أوله أولى من جريه على خبر آحاد يقطعه
120
مما قبله لأن أوله قد ثبت نصه وصحته، وخبر الآحاد لا يحكم على / صحة مغيبه. فرده على ما يقطع على صحته في الغيب أولى. ومع ذلك فقراءة أُبي وعبد الله تشهدان للرفع، لأن قراءة أبي، " وما تُسْأل "، وقراءة عبد الله: " ولن تُسْأل " وذلك يشهد أن الرفع بمعنى النفي. وقال المحتج للجزم: إن الجزم إذا حمل على التعظيم لأمر من تقدم كان مردوداً على ما قبله فيصير مثل الرفع، ويزيد الجزم مزية، وهو أن يحمل على الخبر. فالجزم محتمل لمعنى الرفع وزيادة. قوله: {وَلَنْ ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى} الآية. دعت كل فرقة منهم النبي A إلى ما هم عليه فأخبر الله تعالى أنهم لا يرضون عنه إلا أن يتبع ملتهم. ثم قال له: {قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَآءَهُمْ}. هذا خطاب للنبي A يراد به أمته.
121
وقيل: / إنهم سألوا النبي A الهدنة. وطمعوه أن يتبعوه / إن هادنهم وأمهلهم، فأنزل الله D: { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَآءَهُمْ} الآية. قوله: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَتْلُونَهُ}. قال ابن مسعود: " ومعنى {حَقَّ تِلاَوَتِهِ}، أي: يحل حلاله ويحرم حرامه، ويضعه على مواضعه. فمن قرأ منه شيئاً كان له بكل حرف عشر حسنات ". وعني بذلك من آمن بالنبي [عليه السلام]، فيكون " يتلون " الخبر. وإن شئت " أولئك " الخبر، و " يتلون " حال. وقيل: عني بذلك من آمن بالنبي [عليه السلام] من بني إسرائيل والنصارى، فيكون " يتلون " الخبر، وهو اختيار الطبري. فيكون مردوداً على ما قبله
من ذكرهم ولم يجر لأصحاب محمد A ذكر فيرد إليهم، ولآلهم ذكر بعدها، فتجعل الآية مبتدأة فيهم، ولا جاء أثر بأن ذلك فيهم. فردها إلى ما قبلها أولى وهو ذكر بني إسرائيل والنصارى. وأجاز ابن كيسان أن يكون: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} خبراً عن " الذين " على أن يكون " الذين " يراد بهم المرسلون والأنبياء صلوات الله عليهم. وأجاز أن يراد " بالذين " العاملون بالكتاب خاصة منهم؛ فيكون " يتلون " الخبر أيضاً. ويجوز وجوه أخرى أيضاً. وروي أنها مخصصة نزلت في أربعين رجلاً من أهل نجران بعضهم، ومن الحبشة بعضهم، ومن الروم منهم ثمانية؛ وهم الملاحون أصحاب السفينة الذين أقبلوا إلى النبي A مع جعفر بن أبي طالب أثنى الله تعالى عليهم إذ آمنوا بكتابهم
وبالنبي A، فأثنى الله D عليهم في غير موضع من كتابه، فيكون " يتلون " خبراً عنهم. . وإن جعلته عاماً كان " يتلون " حالاً لا غير، لأنك إن جعلته خبراً أوجبت أن كل منْ أوتي الكتاب من النصارى ومن بني إسرائيل يتلونه حق تلاوته، وليسوا كذلك. قوله: {أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ}. أي: بمحمد A لأنهم إذا تلوا / التوراة حق تلاوتها وجدوه مكتوباً فيها. فهم يؤمنون بمحمد A ضرورة / إذا أنصفوا في التلاوة. ومعنى {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} أي: يتبعونه حق اتباعه. كذلك رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي A قاله. أي: يتبعون ما فيه حق اتباعه. وقيل: معناه: يقرأونه حق قراءته. وقد قيل: إن الهاء في " به " عائدة على الكتاب كالهاء في " يتلونه " والهاء في " ومن يكفر به ".
122
قال ابن زيد: " تعود على محمد A ". وقيل تعود على الكتاب. قوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين}. أي: على عالم زمانكم، وقد تقدم / ذكر النعم وما فضلوا به، ومن أجَلّ نعمة أنعم بها عليهم أن موسى [عليه السلام] أخبرهم بعيسى وبمحمد A وأمرهم باتباعهما، فلم يحتاجوا إلى آية لو كانوا موفقين لأنهم قد سبق عندهم خبر / الصادق بذلك، ففضلوا على سائر الخلق بما عندهم من العلم في أمر عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ولم يتبعوهما، واتبعهما من لم يكن عنده مقدمة ولا خبر عنهما. كل ذلك بخذلان الله تعالى لهم وتوفيقه لغيرهم. قوله: {وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}. قيل: فاعل " أتمهن ": الله D، أي أكملهن الله له. وقيل: الفاعل إبراهيم A أخبره الله D بما سبق في علمه فيه ليكون الامتحان موجوداً معقولاً فتقع عليه المجازاة والثواب، إذ لا يقع جزاء على ما في علم الله تعالى
دون ظهوره من العبد. أخبر الله D أنه أتمهن هنا، وقال في غير هذا الموضع: {وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى} [النجم: 37]. واختلف في الكلمات؛ فقال ابن عباس: " هي ثلاثون سهماً، عشر منها في براءة {التائبون العابدون} [التوبة: 112]. وعشر في الأحزاب. {إِنَّ المسلمين والمسلمات} [الأحزاب: 35]. في (المؤمنين) إلى قوله: {يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 9] وعشر في {سَأَلَ سَآئِلٌ} [المعارج: 1] إلى {حَافِظُونَ} [المعارج: 29]. أيضاً. وقيل: هي عشر خمس في الرأس، وخمس في البدن، فالتي في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الشعر. وروي في موضع الفرق: إعفاء اللحية. وفي الجسد تقليم الأظافر، وحلق العانة، ونتف الإبط، وغسل المخرجين بالماء، والختان. وعن ابن عباس أيضاً قال: " هي عشرة: ستة في الإنسان وهي: حلق العانة،
والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر وقص الشارب، والغسل يوم الجمعة. وأربع في المشاعر وهي: الطواف بالبيت، والسعي، ورمي الجمار، والإفاضة ". وعن مجاهد قال: " هي أن الله تعالى قال لإبراهيم A. إني مبتليك بأمر، فما هو؟ قال: / تجعلني للناس إماماً؟، قال الله: نعم. قال إبراهيم: ومن ذريتي؟ قال الله [ D] /: لا ينال عهدي الظالمين. قال إبراهيم: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وأمنا؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: [تجعلنا مسلمين لك] ومن ذريتنا أمة مسلمة لك؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وترينا مناسكنا وتتوب علينا؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وتجعل هذا البلد آمناً؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وترزق أهله من الثمرات من آمن؟ قال الله: نعم ".
وقال جماعة: " تلك الكلمات مناسك الحج خاصة ". وقال الحسن: " الكلمات هي الخلال الست التي ابتلي بها، وهي: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، ابتلي بهن فصبر عليهن ولم يزغ ". وقيل: من ذلك الذبح. وقال السدي: " الكلمات: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم} {رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ}، {رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً}. وروي عن النبي [ A] أنه قال: {وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى} [النجم: 37] " عَمَلُ يَوْمِهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي النَّهَارِ ". ورُوي عنه A أنه قال: " أَلاَ أُخْبِرُكُم لِمَ سَمَّى اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ {الذي وفى} الآية. قال: كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ، وَكُلَّمَا أَمْسَى:
{فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} ". وروي أن الله جلَّ ذكره أوحى إليه أن تطهر فتمضمض، ثم أوحى الله / إليه أن تطهر فاستنشق. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فاستاك. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فأخذ شاربه. ثم أوحى الله إليه أن تطهر ففرق شعره، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فاستنجى. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فحلق عانته، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فنتف إبطه، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فقلم أظفاره، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فأقبل بوجهه على جسده ينظر ما يصنع، فردد البصر، فاختتن بعد عشرين ومائة سنة، فأوحى الله إليه: إني جاعلك للناس إماماً؛ أي: يقتدي بك
الصالحون من بعدك. فأعجب ذلك إبراهيم صلى الله عليه سلم فقال: ومن ذريتي، أي: اجعل يا رب منهم أئمة، فقال له الله: لا ينال عهدي الظالمين، أي: من كان من ولدك ظالماً فلا يكون إماماً. / قوله: {لِلنَّاسِ إِمَاماً}. أي يقتدي بك من في عصرك ومن يأتي بعدك. قوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين}. قال ابن عباس: " عهدي. نبوتي ". وقال مجاهد: " العهد هنا: الإمامة، / لا يستحق الظالم الإمامة ". وقيل: " معناه. لا عهد لظالم عليك أن تطيعه في ظلم، وإن عاهدته فانقضه ". وقيل: " العهد الأمان. أي: لا أُؤَمِّنُ الظالم من الانتقام منه "، قاله قتادة. / قال: " ذلك يوم القيامة، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم ".
125
وقيل: عهد الله هنا دينه. أي: لا ينال ديني الظالمين. وقيل: العهد هنا الطاعة. أي: لا ينال طاعتي ظالم. والظالم هنا المشرك عن مجاهد. وقد أخبر الله D بذلك فقال: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات: 113] يريد إبراهيم وإسحاق. وقال الضحاك: " معناه: طاعتي لا ينالها [عدو لي] ولا أَنْحَلُهَا إلا وَلِيّاً لي يطيعني ". وقوله: {وَإِذْ جَعَلْنَا البيت}. " إذ " في موضع نصب عطف على " إذ " في قوله: {وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ}. و " إذ " في: {وَإِذِ ابتلى} معطوفة على النعمة في قوله {اذكروا نِعْمَتِيَ} أي واذكروا إذ ابتلى، واذكروا إذ جعلنا. والهاء في " مثابة " دخلت للمبالغة عند الأخفش مثل نسَّابة وعلاَّمة.
وقال الكوفيون: " أُنِّثَ " لأنه أريد به البقعة التي يثاب إليها، أي: يرجع إليها، كما قالوا: المقامة على تأنيث البقعة، والمقام على تذكير المكان. ومعنى: {مَثَابَةً}: " لا يقضون منه وطراً ". قاله مجاهد: وقال السدي: " إذا أتاه مرة لا يدعه حتى يعود إليه ". وقيل: معناه: لا ينصرف عنه منصرف إلا وهو يرى أنه لم يقض منه وطراً. قوله: {وَأَمْناً}. هذا كان في الجاهلية لأنهم كانوا إذا لقي أحدهم قاتل أبيه وأخيه في الحرم لم يؤذه حتى يخرج منه، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67]. ويروىَ أن عمر قال: " قلت يا رسول الله، لو اتّخذت المقام مصلى، فأنزل الله
D: { واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. فهذا على قراءة من كَسَر الخاء، كأنه أمر من الله D بذلك. فأما مَن فتح فهو خبر معطوف على النعمة عند الأخفش كأنه قال: اُذكروا نعمتي، واذكروا إذ اتخذوا ". وقال غيره: " هو معطوف على {جَعَلْنَا} ". والمقام هو الذي يصلى إليه اليوم. وهو الحجر الذي قام عليه إبراهيم A حين ارتفع بناؤه / وضعف عن حمل الحجارة، فكان إسماعيل A يُناوِله الحجارة ويقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم}. قاله ابن / عباس. وروي عن ابن عباس أيضاً أن المقام هو الحج كله. وكذلك قال مجاهد وعلماء. وقيل: هو عرفة والمزدلفة، والجمار. روي ذلك عن عطاء.
وقيل: مقامه عرفة. وعن مجاهد أنّ " مقامه الحرمُ كله ". وقال الربيع بن أنس: " المقام هو الحجر الذي وضعت زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حين غسلت رأسه، فوضع رجله عليه وهو راكب، فغسلت شقه ثم رفعته من تحته وقد غابت رجله في الحَجَر، فوضعته تحت الشق الآخر / فغابت رجله أيضاً فيه ". وقال عمر بن الخطاب: " وافقني ربي في ثلاثة، قلت يا رسول الله، لو اُتخذت [مقام] إبراهيم مصلى. فأنزل الله تعالى: {واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ} وأشرت على النبي A بالحجاب، فأنزل الله سبحانه آية الحجاب، ووعظت نساء النبي فقلت لهن: لئن لم تنتهين ليبدلنه الله خيراً منكن، فأنزل الله D: { عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ} [التحريم: 5].
ومعنى {مُصَلًّى}: " مدعى يدعون عنده ". قاله مجاهد. وقال قتادة: " مصلى يصلون إليه ". قوله: {أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ}. أي: من الشرك والأوثان. وقيل له بيت ولم يكن ثَمَّ بيت، لأنه كان بيتاً في عهد نوح A فأمره أن يطهره قبل بنيانه من الأوساخ؛ من الأصنام وغيرها. وقيل: معناه أنهما أمرا ببنيانه مطهراً من الشرك. و {لِلطَّائِفِينَ} هم الغرباء. وقيل: هم كل من يطوف حوله، وهو أبين. و {والعاكفين}؛ قال عطاء: " هم الجالسون من غير طواف ".
126
وقال مجاهد: " العاكفون المقيمون به، المجاورون له من الغرباء ". وقال سعيد بن جبير: " العاكفون هم أهل البلد ". وقال ابن عباس: " العاكفون المصلون ". وقوله: {والركع السجود} يمنع من هذا القول. والاختيار عند جماعة أن يكون العاكف المجاور للبيت بغير / صلاة ولا طواف. وهو قول عطاء وغيره. قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً}. قيل: إِنّ إِبراهيم A سأل الله أن يحرم مكة فحرمها، واحتج من قال ذلك بقول النبي A: " إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدُ اللهِ وَخَلِيلُهُ وإني عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وإِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا ".
وقال قائلون: " لَمْ تُحَرَّم بسؤال إبراهيم A، بل كانت حراماً، [واحتجوا بقول النبي عليه السلام] يوم افتتح مكة /: " هَذِهِ حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ: لَمْ تَحِلّ لأَحَدٍ مِنْ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي. . أُحِلَّتْ لِي سَاعَةَ مِنْ نَهَارٍ " واحتجوا بقول إبراهيم A { رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم} [إبراهيم: 37]. وكان الطبري يجمع بين الخبرين، ويقول: " إن الله D حرّم مكة وقضى ذلك، ولم يتعبد الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم / أن يتعبد الخلق بذلك فأجابه. فإبراهيم كان سبب تعبد الخلق بتحريمها والتعبد بذلك، والله تعالى قد حرّمها يوم خلق السماوات والأرض ". وقوله: {عِندَ بَيْتِكَ المحرم} [إبراهيم: 37]. معناه الذي حرمته عندك، ولم تتعبد الخلق به. وروي أن إبراهيم A / لما دعا فقال: {وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات} أجاب الله D دعاءه: فبعث جبريل عليه السلام إلى الشام، فاقتلع منها الطائف من موضع الأردن ثم
طاف بها حول الكعبة أسبوعاً، ولذلك سميت الطائف. ثم أنزلها تهامة ولم يكن يومئذ بمكة غير إسماعيل A، ثم نزلت جرهم مع إسماعيل A بمكة، فلم يزالوا على الإسلام حتى نشأ عمرو بن [لحي الجرهمي فَغَيَّرَ] دين إبراهيم A وعَبَدَ الأصنام، وسَيَّبَ السوائب، وبَحَّرَ البحيرة وحَمَى الحامي، وَوَصَلَ الوصيلة، وغلب مكة، وقهر أهلها. وهم ولد إسماعيل A - وهو [الذي قال فيه النبي عليه السلام]: " رَأَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ يَجرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ " أي: أمعاءه. قوله: {قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً}. ذلك إخبار من الله D لنبيه A قاله أبي بن كعب. أي: أنا أرزق البر والفاجر فأمتع الفاجر قليلاً. وقال ابن عباس: " هو من قول إبراهيم A سأل ربه D أن يرزق من كفر فيمتعه قليلاً ".
127
ويجب على هذا التأويل وصل ألف " أَضْطَرُّهُ "، وفتح ألفَ أُمتِّعُهُ ". ويجب أيضاً بناء الفعلين / على السكون لأن طلب كالأمر، ولأنه؟ سؤال من إبراهيم A لله D. وإن كان الخبر من عند الله سبحانه كانت الألف في " أمتعه " ألف المتكلم، وكذلك هي في " أضطره "، ويرتفع الفعلان لأنهما إخبار عن الله جل ذكره. ومعنى: {أَضْطَرُّهُ} أكرهه وألجئه إلى ذلك. قوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت}. القواعد أساس البيت. قال عطاء: هي قواعد آدم A كانت قد اندرست وخفي أثرها فبوأها الله [إبراهيم. قال عطاء: قال آدم] حين أهبط: ربي إني لأسمع أصوات الملائكة. قال: بخطيئتك، ولكن اُهبط إلى الأرض فابْنِ لي بيتاً، ثم احفُف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء. فبناه من خمسة أجبل، من حراء، وطور سيناء، وطور زيتا، والجودي، وأبي قبيس ". وروي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: " أهبط الله مع آدم A من السماء إلى الأرض بيتاً يطاف به كما يطاف بعرشه في السماء. ثم رفعه أيام الطوفان، فرفع إبراهيم
A قواعد ذلك البيت. فكانت الأنبياء عليهم السلام يحجونه ولا يعلمونه حتى بوأه الله إبراهيم فأعلمه مكانه ". وقال عطاء: لمَّا أهبط الله آدم من الجنة إلى الأرض، وأهبط طوله أي: نقص، شكا أنه استوحش لِفَقْدِ أصوات الملائكة، فَوُجه إلى مكة / فكان موضع قدمه قَرْية، وما بين / القدمين مفازة، فأنزل الله D عليه ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت في موضع البيت. فلم يزل يطوف به حتى أنزل الطوفان، فرفعت إلى أن بعث الله إبراهيم A فبناه ". / وقال مجاهد: " لما أراد الله خلق الأرض علا الماءَ زبدةٌ حمراء أو بيضاء كهيئة القبة، ثم دحا الأرض من تحتها، وبقيت تلك الزبدة ربوة حتى بوأها الله إبراهيم A فبناه على أساسه، وأساسه على أركان أربعة في الأرض السابعة ". وقال ابن عباس: " وضع البيت على أركان الماء؛ أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت ".
وفي حرف ابن مسعود: " وإسماعيل يَقُولاَنِ: رَبَّنَا " فدل على أنهما جميعا دَعَوا. وقيل: القائل هو إسماعيل A وحده. والمعنى إذ يقول إسماعيل " ربنا ". قال ابن عباس، " كان إبراهيم يبني، وإسماعيل ينقل الحجارة، فلما انتهى إلى موضع الحجر قال لإسماعيل: جئني بحجر حسن يكون عَلَماً للناس. فذهب إسماعيل فأتى بحجر فقال له: جئني بأحسن من هذا. فمضى إسماعيل A يطلب فنادى أبو قبيس: " يا إبراهيم، يا خليل الرحمن، إن لك عندي وديعة فَخُذها، فإذا هو بحجر أبيض من ياقوت الجنة كان قد نزل به آدم عليه السلام من الجنة ". وروي أن أبا قبيس جبل هاجر من خراسان إلى مكة. وقال النبي [عليه السلام] " الحَجَرَ يَاقُوتَةٌ / مِنْ يَاقُوتِ الجَنَّةِ [بَيْضَاءٌ، وَلَولاَ مَا لاَمَسَهُ] مِنْ أَجْنَاسِ المُشْرِكينَ وَأَرْجَاسِهِمْ مَا مَسَّهُ ذُو عَاهَةٍ إلاَّ شَفَاهُ اللهُ D ".
وقال عليه السلام: " الحَجَرُ يَمينُ اللهِ يُصَافِحُ بِهِ عِبَادَهُ وَلَيَأْتِيَنِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالمَقَامُ، وَلَهُمَا لِسَانَانِ وَشَفَتَانِ يَشْهَدَانِ لِمَنْ وَافَاهُمَا بِالوَفَاءِ ". وذكر السدي أن إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم لما أرادا البناء لم يدريا أين البيت. فبعث الله D ريحاً يقال لها الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، فوضعا المعاول يحفران حتى وضعا الأساس فذلك قوله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت} [الحج: 26]، فلما بلغا في البناء إلى الركن قال إبراهيم لإسماعيل: اطلب لي حجراً حسناً أضعه هنا. قال: يا أبت. إني كسلان تعب. قال: على ذلك. فانطلق يطلب [حجراً فجاءه بحجر فلم يرضه، فقال ائتني بحجر أحسن من هذا، فانطلق [يطلب حجراً] وجاء
جبريل [عليه السلام] بالحجر الأسود / وكان ياقوتة بيضاء مثل الثغامة وكان آدم A هبط به من الجنة فاسودّ من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل A بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبت من جاءك بهذا؟ فقال: جاء به من هو أنشط منك فبنياه ". وقال عبيد بن عمير الليثي: أتى إبراهيم، وإسماعيل عليهما السلام / يَبْرَى نبلاً قريباً من زمزم، فلما رآه [قام إليه]، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله [جل وعز] أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني / هاهنا بيتاً - وأشار إلى الكعبة مرتفعة على ما حولها - قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت،
128
فكان إسماعيل صلى الله على محمد [و] عليه وسلم يأتي بالحجارة وإبراهيم A يبني، حتى ارتفع البناء، فجاء بهذا الحجر يعني المقام، فقام [عليه إبراهيم] يبني، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم}. فمعنى الآية: أنها خبر من الله D عن إبراهيم وإسماعيل صلى الله على محمد و [عليهما وسلم] وما كانا يفعلان في بناء البيت، وما كانا يقولان وهما يبنيان. وقوله: {رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ}. أي: خاضعين لأمرك، مستسلمين لك، لا نشرك معك في الطاعة أحداً، فالمسلم الذي قد استسلم لأمر الله [ D] . والمؤمن هو الذي أظهر القبول لأمر الله سبحانه فأضمر مثل ذلك. فأما قوله: {قَالَتِ الأعراب آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14]. فمعناه ولكن
قولوا: خضعنا وأظهرنا الإسلام. فالمسلم على ضربين: مسلم أظهر مثل ما أضمر / فهذا مؤمن مسلم، ومسلم يظهر غير ما يبطن، فهذا غير مؤمن. إنما هو مستسلم في الظاهر ولذلك قال لهم: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] أي: إنما أظهرتم الإسلام خشية القتل، ولم يدخل في قلوبكم منه شيء. وقوله في الدعاء: {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ}. دخول " مِنْ " يدل على التخصيص لبعض الذرية، لأن الله تعالى قد أعلم إبراهيم A أن من ذريته من لا يناله عهده لظلمه وفجوره. فخص إبراهيم عليه السلام بدعوته، ولم يعم لما تقدم عنده من الخبر عن الله تعالى. والأمة هنا عني بها الجماعة. وتكون الأمة الإمام كقوله في إبراهيم A { كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120]، أي: إماما يقتدى به. وتكون الأمة السنين كقوله: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ} [هود: 8]، أي: إلى سنين. وتكون الأمة الملة كقوله: {إِنَّا وَجَدْنَآءَابَآءَنَا على أُمَّةٍ} [الزخرف: 22]. أي: على ملة ودين.
وقيل: الأمة هنا محمد وأمته A. [ قوله] / {رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ}. يعني [محمداً عليه السلام]. وقول إبراهيم وإسماعيل: {رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} يدل على أن الإسلام والإيمان سواء، إذ لم يسألا إلا أعلى الرتب وأشرف المنازل، وهو الإيمان الذي هو الإسلام. [قال] مالك: " لما وقف إبراهيم على المقام أوحى الله إلى الجبال أن تأخري عنه، فتأخرت حتى أراه موضع المناسك وهو قوله: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ} إلى قوله: {لَمِنَ الصالحين}. معناه أظهر لأعيننا مكان المناسك ان جعلته من رؤية العين. وقيل: معناه عَلِّمناها وعَرِّفناها. والمناسك: مناسك الحج ومعالمه. وقال قتادة: " فأراهما / الله مناسكهما بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة والإفاضة من عرفات، ومن جمع، ورمي الجمار حتى أكمل لهما الدين ".
/ قال السدي: " لما فرغ إبراهيم A وعلى محمد من بنيان البيت، أمره الله [أن] ينادي، فقال: {وَأَذِّن فِي الناس بالحج} [الحج: 27]، فنادى بين أخشبي مكة: يا أيها الناس، إن الله يأمركم أن تحجوا بيته. قال: فوقرت في قلب كل مؤمن، فأجابه كل شيء سمعه من جبل أو شجر أو دابة: لبيك، لبيك - أجابوه بالتلبية -: لبيك اللهم لبيك، فأتاه من أتاه. وأمره الله D أن يخرج إلى عرفات، ونعتها الله له فخرج. فلما بلغ الشجرة عند العقبة، استقبله الشيطان يرده، فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، فطار اللعين فوقع على الجمرة الثانية [أيضاً فصده]، فرماه وكبّر فطار اللعين فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبّر. فلما رأى أنه لا يطيقه
انطلق حتى أتى ذا المجاز، ولم يدر إبراهيم A أين يذهب فلما أتى إبراهيم A ذا المجاز لم يعرفه فجازه، فسمي ذا المجاز. ثم انطلق، حتى وقع بعرفات فلما نظر إليها إبراهيم A عرف النعت، فقال: قد عرفت، فسمى ذلك المكان عرفات. فوقف إبراهيم A بعرفات حتى إذا أمسى ازدلف بجمع، فسميت المزدلفة. فوقف بجمع ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أولاً فرماه بسبع حصيات، سبع حصيات، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحج ". وقيل: المناسك المذابح. فالمعنى على هذا: وأرنا كيف ننسك لك يا رب نسائكنا، فنذبحها لك. قال عطاء: " مناسكنا ذبحنا ". وعنه: " مذابحنا ". وكذلك قال مجاهد. وقيل: مناسكنا متعبداتنا. ومنه قيل للعابد ناسك. / قال ابن عباس: " لما قال إبراهيم A: " { رَبَّنَا وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}، أتاه [جبريل A]
وعلى محمد بهذا الحجر من الجنة الذي يقال له المقام - وهو ياقوتة بيضاء - فأقامه عليه. ثم رفعه إلى السماء حتى أشرف به على البلاد كلها. فأراه أعلام الحرم وجميع مناسك الحج كلها / عرفات، والمزدلفة، ومنى، وجميع المناسك. ثم قال له: {وَأَذِّن فِي الناس بالحج}. وواحد المناسك منسك مثل " مسجد ". / وقيل: منسك وكان يجب أن يكون على " مَنْسُك " بالضم لأنه من " فَعَلَ يَفْعُلُ " إلا أنه ليس في الكلام " مَفْعُلُ ". وقيل: المنسك الموضع الذي ينسك فيه لله D، ويتقرب فيه إليه سبحانه بما يرضيه من الأعمال الصالحة. وأصله الموضع الذي يعتاده الإنسان يفعل فيه الخير، ولذلك [قيل: مناسك الحج لأنها مواضع] قد اعتادها الناس لفعل الخير. ثم قال: {وَتُبْ عَلَيْنَآ}. التوبة الرجوع من مكروه إلى محبوب، فتوبة العبد / إلى ربه رجوعه مما هو عليه من المكروه بالندم عليه والإقلاع عنه والعزم على ترك العمود فيه.
وتوبة الرب سبحانه على عبده عوده عليه بالعفو عنه عن جرمه وذنبه. - فإن قيل: وهل كانت لهما ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة؟. - فالجواب: أنه ليس أحد من خلق الله D إلا وله من العمل فيما بينه وبين ربه D ما يجب عليه الإنابة [منه والتوبة، فخصا] الموضع الذي كانا فيه بالدعاء ليستجاب لهما على طريق التبرك به، وليكون دعاؤهما في ذلك المكان سُنة لمن بعدهما، وليتخذ الناس بعدهما تلك البقعة موضع تنصل من الذنوب ورجوع عن المكروه. وقيل: عَنَيا بقولهما: {وَتُبْ عَلَيْنَآ}: وتب على الظلمة من ذريتنا الذين أعلمتنا أن منهم ظالماً. وقوله: {إِنَّكَ أَنتَ التواب الرحيم}. معناه إنك أنت العائد في الفضل على عبادك، المتفضل بالغفران لذنوبهم، الرحيم بهم. ثم قال: {رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَيُزَكِّيهِمْ}.
هذه دعوة إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم لنبينا محمد A. وكان النبي [عليه السلام يقول]: " أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْراهيمَ وَبُشْرَى عِيسَى ". قال قتادة: " [فأجاب] الله دعوتهما، فبعث الله فيهم رسولاً من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وهو محمد A " قال الربيع: / " فقيل لإبراهيم: قد استجيب لك، وهو في آخر الزمان ". وقوله: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك}. من نعت الرسول. أي: يقرأ عليهم كتابك، وكذلك {وَيُعَلِّمُهُمُ} {وَيُزَكِّيهِمْ}، كله من نعت الرسول A. والكتاب القرآن. قال قتادة: " الحكمة: السنة ".
وقال ابن وهب: " قلت لمالك: ما الحكمة؟ فقال: المعرفة في الدين والفقه فيه والاتباع له ". وقال ابن زيد: " الحكمة. العقل في الدين ". ومعنى {وَيُزَكِّيهِمْ}: ويطهرهم من الشرك بك ويكثرهم بطاعتهم لك. ثم قال: {إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم}. أي: أنت القوي الذي لا يعجزه شيء المنيع الغالب. وأصل العزة المنع والغلبة، والعرب / تقول: " مَنْ [عزّ بَزّ] "، أي: من غلب استلب. وقولهم: " أَدَامَ اللهُ عِزَّكَ "، أي: غلبتك وظفرك. والحكيم الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل. وقال الطبري: " الحكيم ذو الحكمة ". وقيل: " الحكيم الحاكم ".
وقيل: " الحكيم: معناه المحكم، أي المحكم ما خلق ". وقال ابن عباس: " العليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته ". ثم قال تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ}. أي: ومن يزهد في دين إبراهيم الحنيفية المسلمة إلا من سفه نفسه ورغب عن ملته. واتخاذ اليهودية والنصرانية بدعة ليست من عند الله، هذا معنى قول قتادة والربيع. وقيل: المعنى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه فيما ينفعها ويضرها في معادها. قال ابن زيد: " {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ}: معناه من أخطأ حظّه ".
ومذهب الفراء أن " نفسه " منصوب على التفسير مثل " ضِقْتُ بهِ ذَرْعاً ". قال: وهو من المعرفة كالنكرة، ولا يجوز أن يكون التمييز / معرفة عند البصريين ومثلها عنده: {بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} [القصص: 58]. ولا يجوز عند الفراء التقديم. وقال الكسائي وهو أحد قولي الأخفش - / المعنى: إلا من سفه في نفسه، فلما حذف الحرف نصب. ويُجيزان التقديم. ومذهب أهل التأويل أن معناه: سفه نفسه. فهو مفعول به.
وقال يونس: " أراها لغة ". وقال أبو عبيدة: " معناه: [أهلك نفسه ". ومذهب] البصريين أنه مثل: " ضرب فلان الظهر والبطن " أي: في الظهر [والبطن] فلا حذف في نصبه. كذلك معناه: سفه في نفسه، ثم نصب لما حذف " في ". " وقال الزجاج ": معناه: جهل نفسه ". فهو مفعول به عنده بجهل " أي: لم يفكر في نفسه. فالسفه والجهل سواء.
131
وقيل: التقدير إلا من جهل رأي نفسه وقول نفسه، ثم حذف، مثل: / {وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82]. وقيل: التقدير، إلا من جهل قولُه نفسه، ثم حذف المؤكد وأقام التوكيد مقامه. ثم قال {وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا}. أي اخترناه للخلة والإمامة. [ثم قال]. {وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين}. أي: وإن إبراهيم A لمن المؤدين حقوق الله. وتقدير تعلق حرف الجر: " وإنه صالح، في الآخرة، لمن الصالحين "، ثم حذف. وقيل: إنه متعلق بالصالحين، والألف واللام ليستا بمعنى " الذي "، ولكنه اسم على حدته كالرجل والغلام. قوله: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} إلى قوله {وَمَا كَانَ مِنَ المشركين}.
أي واذكروا إذ قال له ربه أسلم، أي أخلص لي العبادة والطاعة. {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين}: أي قال إبراهيم A [ و] على محمد مجيباً لربه D: خضعت بالطاعة وأخلصت العبادة لِمالِك جميع الخلق. ومدبرهم. ويجوز أن يكون العامل في: {وَلَقَدِ اصطفيناه} أي ولقد اخترناه في الدنيا إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت، وهذا كان منه حين قال: {ياقوم إِنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السماوات والأرض حَنِيفاً} [الأنعام: 78 - 79]. قال الطبري: " وذلك في الوقت الذي قال له ربه فيه: أسلم، من بعد ما امتحنه بالكوكب والقمر والشمس ". ثم قال تعالى: {ووصى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ}. أي: وأوصى بقوله: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين} إبراهيم - A [ و] على محمد - بنيه، وأوصى بها يعقوب A [ و] على محمد [بنيه].
والهاء في " بها " تعود على كلمة الإسلام وهي قوله: {أَسْلَمْتُ}. وقيل: تعود على الملة، وكلمة الإسلام أقرب إليها. [وقيل: بل] أوصاهم باتباع الملة، ف " يعقوب " على هذا معطوف على " إبراهيم ". وقيل: إن يعقوب مرفوع بإضمار فعل. والتقدير " وقال يعقوب: يا بني إن الله ". والمعنى في " أَوْصَى " عهد إليهم بذلك، وأمرهم به. قال ابن عباس: " وصّاهم بالإسلام ". وفي التشديد في " وصَّى " معنى تكرير الوصية. وقوله: {إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين}. معناه: اختاره لكم. ودخلت الألف واللام في " الدين " لتقدم علمهم به
وتكرير الوصية عليهم. ثم قال: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ}. أي: فاتقوا الله أن تموتوا إلا على الإسلام. والمعنى: لا تفارقن هذا الدين أيام حياتكم لأن أحداً لا يدري متى تأتيه منيته، فلذلك قال لهم: لا تموتن إلا وأنتم مسلمون، لأنكم لا تدرون متى يأتيكم الموت، ولم ينههم عن الموت / لأن ذلك ليس إليهم. وقيل: المعنى: الزموا الإسلام، فإذا أدرككم الموت صادفكم مسلمين. وعرف المعنى كما عرف في قول العرب / " لا أَرَيَنَّكَ هَا هُنَا ". فالنهي في اللفظ للمتكلم، وفي المعنى للمتكلم أي: لا تكن ها هنا، فإنه من يكن ها هنا أراه. قال الأخفش: " {بَنِيهِ}، قطع، ثم يبتدئ: {وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ}، أي: وقال يعقوب: يا بني ". وقال أبو حاتم وغيره: " الوقف {وَيَعْقُوبُ}، ثم يبتدئ {يَابَنِيَّ} ". أي:
وقال كل واحد منهما: {يَابَنِيَّ إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين}. ثم قال: " D { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت}. {أَمْ} بمعنى الألف، أي: أكنتم حاضرين يا معشر اليهود والنصارى المكذبين بمحمد A / إذ نزل بيعقوب الموت حين قال لبنيه: ما تعبدون من بعد موتي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وهو جده - وإسماعيل - وهو عمه - وإسحاق - وهو أبوه - صلوات الله عليهم [و] على محمد. وقدم إسماعيل لأنه أكبر من إسحاق. {إلها وَاحِداً}؛ أي: معبوداً واحداً، لا نشرك به شيئاً. {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}: أي: خاضعون متذللون بالعبادة له. وروي أنه لم يقبض الله نبياً قط حتى يخيّره بين الموت والحياة، فلما
خيّر يعقوب عليه السلام قال: أنظرني / حتى أسأل ولدي، وأوصيهم ففعل الله ذلك. فجمع يعقوب ولده وهم إثنا عشر - وهم الأسباط -، وجمع أولادهم فقال لهم: إنه قد حضرتْ وفاتي، وأنا أريد أن أسألكم وأوصيكم: فما تعبدون من بعدي؟ فأجابوه بما حكى الله تعالى عنهم، فدعا لهم ثم قبضه الله صلوات الله عليه وعليهم أجمعين وعلى محمد. فمعنى الكلام: إنكم يا أهل الكتابين لم تحضروا ذلك - ولا شاهدتموه فكفرتم بغير علم ولا يقين فادَّعَيْتُمْ على أنبياء الله الأباطيل ونحلتموهم إلى اليهودية والنصرانية، وإنما بعثهم الله [بالحنيفية المسلمة، وبذلك وصّوا بنيهم] فلو حضرتم ذلك وسمعتموه لعلمتم أنهم على غير ما تنحلونهم من الدين. وهذه الآيات نزلت تكذيباً من الله لليهود والنصارى في دعواهم إبراهيم / ويعقوب أنهما كانا على ملتهم.
وقرأ يحيى بن يعمر والحسن وأبو رجاء والجحذري " وإله أبيك " بلفظ التوحيد. فيحتمل أن يكون جمعاً مسلماً، فيكون كالقراءة التي عليها الجماعة. ويحتمل أن يكون موحداً وإبراهيم بدل منه وإسماعيل وإسحاق عطف على الأب وهما في القول الأول بدل الجمع الذي قبلهما. وجمع " إبراهيم " وإسماعيل " عند سيبويه والخليل: " بَرَاهيمُ " و " سَمَاعِيلُ ". وحكى الكوفيون " بَرَاهِمَةٌ " و " سَمَاعِلَةٌ "، فالهاء بدل من الياء كزنادقة وزناديق. وجمعهما عند المبرد: " أَبَارِهٌ " و " أَسَامِعٌ " و " أَبَارِيهٌ " و " أَسَامِيعٌ ". قال: لأن الهمزة ليس هذا موضوع زيادتها.
وأجاز أحمد بن يحيى: " بِرَاهٌ " / كما يجوز في التصغير " بُرَيْهٌ ". وجمع إسحاق أَسَاحِيقٌ. وحكى الكوفيون أَسَاحِقَةٌ وأَسَاحِيقٌ وَيَعْقُوبٌ وَيَعَاقِيبٌ، وَيَعَاقِبَةٌ وَيَعَاقِبٌ ". ولا يجوز عند أحد حذف الهمزة من " إسرائيل "، ويقال في جمعه: " أساريل ". وحكى الكوفيون " أَسَارِلَةٌ " و " أَسَارِلٌ "، وجمعه كله مسلماً أحسن. وقوله: {إلها وَاحِداً}. نصب على الحال أو على البدل من " إله " الأول. فإذا كان حالاً كان تقديره: نعبد إلهك في حال انفراده ووحدانيته. وأجاز يعقوب الوقف على {آبَائِكَ} ويبتدئ: {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ}، ينصب
ذلك على إضمار فعل. ومن قرأ (أَبِيكَ) بالتوحيد وقف على (إِسْحَاقَ). ثم قال تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ}. أي: قد مضت، أي: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب صلوات الله عليهم وعلى محمد، وولدهم / قد مضوا، فَدَعُوا ذكرهم والكذب عليهم يا معشر اليهود والنصارى، ولا تنحلوهم الكفر واليهودية والنصرانية. والأمة الجماعة هاهنا. وإنما قيل لمن مضى وانقرض: " قد خلا " لتخليه من الدنيا وانفراده من الإنس والبشر. وأصله: من " خَلاَ الرَّجُلُ " إذا صار بالمكان الذي لا أنيس به. ثم قال: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} أي: عملت. {وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. أي: لا تؤاخذون بذنوبهم ولا يؤاخذون بذنوبكم، فدعوا ما تنحلونهم من الأديان.
قال الأخفش: " {قَدْ خَلَتْ} وقف التمام ". وقال أبو حاتم: " {لَهَا مَا كَسَبَتْ} هذا الوقف الكافي الحسن ". ثم قال تعالى: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ}. أي: قالت اليهود: كونوا هوداً، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا. وقال بعض العلماء: " أو " هذه [يقال لها المصنفة] ليست التي للتخيير ولا للإباحة ولا للشك ". والمعنى: " وقال صنف: كونوا هوداً، وقال صنف: كونوا نصارى. وروي أن ابن صوريا الأعور قال لرسول الله [عليه السلام] ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتّبِعنا يا محمد تهتدي. وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله D هذه الآية، ثم قال
لرسوله عليه السلام: {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}، أي: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً لأن معنى {كُونُواْ هُوداً}: اتّبعوا دين اليهودية]. والتقدير: بل نتبع أهل ملة إبراهيم. وقال أبو عبيدة: " هو نصب على الإغراء، و {حَنِيفاً} نصب على الحال ". وقيل: على " أعني "، لأن الحال لا يكون من المضاف إليه. وقوله: {هُوداً} جمع هائد كحالٍ وحُولٍ. وقيل: هو مصدر يؤدي عن الجمع كقولك: " قوم صُومٌ "، و " قوم عدلٌ "، فيكون / المعنى ذوي هود. وقيل: الأصل يهود ثم حذفت الياء. ومعنى {حَنِيفاً} / مائلاً عن الكفر إلى الإيمان. وقيل: الحنيف الحاج. وقيل: الحنيف المخلص. ثم قال: {وَمَا كَانَ مِنَ المشركين}.
أي: لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان. قال ابن / مسعود: " سميت اليهود يهوداً لقول موسى A { إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ} [الأعراف: 156]. وسميت النصارى نصارى لقول عيسى A: { مَنْ أنصاري إِلَى الله} [آل عمران: 52]. تم الجزء [الثالث]
136
قوله {قولوا آمَنَّا بالله وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا} إلى قوله {عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} معناه: قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لكم كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا: " آمنا بالله "، أي: صدقنا به، وصدقنا بما أنزل إلينا وهو القرآن، وبما أنزل إلى إبراهيم وإلى إسماعيل وإلى إسحاق وإلى يعقوب وإلى الأسباط، وهم اثنا عشر ولداً ليعقوب أنبياء كلهم، ولد كل واحد منهم أمة من الناس فسموا الأسباط. والسبط في اللغة الشجرة. أي: هم في الكثرة مثل الشجر. قال ابن عباس: " كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح ولوط وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد A وعيسى صلى الله عليهم / أجمعين ". ثم قال: {وَمَآ أُوتِيَ موسى وعيسى}. أي: وصدقنا بما أوتي موسى وعيسى، يعني: التوراة والإنجيل، وصدقنا بما أوتي النبيون من ربهم يعني: من [الكتب، كل ذلك حق] {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} أي: لا نفرق بين أحد من النبيين فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، بل نؤمن
بالكل وبما جاء به الكل. وقال ابن عباس ووهب بن منبه: " الأنبياء كلهم مائة وأربعة وعشرون ألف / نبي كلهم من بني إسرائيل إلا عشرين نبياً. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله عليهم أجمعين. وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر كلهم من بني يعقوب إلا عشرين رسولاً ". وقال غير ابن عباس مثل قوله وزاد، فقال: " عدد الأنبياء صلوات الله عليهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، أولهم آدم وآخرهم محمد A وعليهم أجمعين. والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، ذكر الله منهم في القرآن ستة وعشرين وهم: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون والأسباط واليسع وإلياس ويونس / وأيوب وداود وسليمان وزكرياء وعزير ويحيى وعيسى ومحمد A وعليهم أجمعين. ومنهم خمسة لم تذكر أسماؤهم وذكروا بغير أسمائهم وهم: الذي مرّ على القرية قيل هو أرميا، وصاحب موسى وهو الخضر، وقيل
إنه ليس بنبي، وثلاثة ذكرهم الله في سورة " يس " ولم يذكر أسماؤهم، فأما ذو القرنين، فأكثر الناس على أنه ليس بنبي. وكذلك اختلف في ذي الكفل. ثم قال {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}. أي: خاضعون بالطاعة لله. وروى ابن عباس أن النبي [عليه السلام] سأله نفر من اليهود: بمن تؤمن من الرسل؟ فقرأ عليهم الآية. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن بعيسى، فأنزل الله جل ذكره: {قُلْ يا أهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله} [المائدة: 59] إلى {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 59]. [ثم قال]: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهتدوا}. إي: إن صدقوا بجميع الأنبياء وبجميع الكتب التي أنزلها الله كما آمنتم فقد اهتدوا إلى الحق، يعني به اليهود والنصارى. {وَّإِن تَوَلَّوْاْ}: أي: إن لم يؤمنوا بذلك وأعرضوا، {فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ}: أي: في مشاقة ومباعدة من الحق وفراق له ومحاربة له.
وقيل: المعنى: قد صاروا في شق غير شق المسلمين. والمماثلة في الآية إنما وقعت بين التصديقين، أي: إن صدقوا بمثل تصديقكم وأقروا بمثل إقراركم. ولم يقع التمثيل بين المؤمن به وهو الله D وسبحانه وتعالى؛ هذا كفر لا يجوز. فإن قيل: وهل للإيمان مثل، هو غير الإيمان فتصح المماثلة به؟ فالجواب: أنه محمول على المعنى، والتقدير: فإن أتوا بتصديق مثل تصديقكم فقد اهتدوا: أي: صاروا مسلمين. وهذا من كلام العرب، يقول الرجل لمن يتلقاه: " بشر استقبل مثلي بهذا ". وقد قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]. وتقول: " ليس كربنا شيء "، " وليس كمثل ربنا شيء ". والمعنى سواء. هذا قول أبي حاتم وغيره. ثم قال تعالى: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله} /. أي: فسيكفيك الله يا محمد هؤلاء المخالفين لك من اليهود والنصارى إما بقتل وإما بجلاء عن جوارك.
{وَهُوَ السميع العليم}: أي يسمع ما يقولون بألسنتهم ويعلم ما يبطنون لك ولأصحابك من البغضاء والحسد. فأنجز الله لرسوله وعده في اليهود وفي غيرهم وكفاه إياهم وسلَّطه عليهم وخذلهم، فقتل بعضاً، وأجلى بعضاً، وأذل بعضاً بالجزية. ثم قال تعالى: {صِبْغَةَ الله وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله}. " صبغة " منصوب على البدل من {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} / فيكون المعنى: " بل صبغة الله "، وذلك / أن النصارى إذا أرادت / أن تنصر أطفالها جعلتهم في ماء لهم يزعمون أن ذلك تقديس " لهم بمنزلة الختانة لأهل الإسلام، ويقولون: إن ذلك صبغة لهم في النصرانية. فلما قالوا للمسلمين: {كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ} قال الله لنبيه A: قل لهم: بل نتبع ملة إبراهيم، صبغة الله التي هي أحسن الصبغ وهي الحنيفية المسلمة، لا ما تغمسون فيه أبناءكم. وأجاز الكسائي نصبه على الإغراء والتقدير: الزموا تطهير الله بالإسلام لا ما تفعله اليهود والنصارى. وقيل: هو محمول على المعنى لأن معنى: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ونحن متبعون صبغة الله.
وقال قتادة: {صِبْغَةَ الله}: " دين الله ". وكذا قال ابن عباس وغيره. قال قتادة: " إن اليهود تصبغ أولادها يهوداً، والنصارى تصبغ أولادها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام، فلا صبغة أحسن من الإسلام / ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحاً والأنبياء بعده صلوات الله عليهم ". وقال مجاهد: " صبغة الله: فطرة الله؛ وهي فطرة الإسلام التي فطر الناس عليها ". والفطرة ابتداء ما خلق عليه الخلق وهو الإسلام، ثم غيّروا دين أنبيائهم بدين آخر. وأصل الصبغ حدوث شيء فكأنهم أحدثوا ديناً غير ما خلقوا عليه. وقوله: {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ}، أي: خاضعون في اتباع أمره وتصديق كتبه ورسله. ثم قال تعالى: {قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ}، أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى: أتخاصموننا في دين الله وهو معبودنا ومعبودكم وإلهنا وإلهكم واحد،
ونحن له مخلصون العبادة والطاعة، وأنتم قد عبدتم معه غيره، عبدت اليهود العجل، وعبدت النصارى المسيح. فكيف تخاصموننا وتزعمون أنكم أولى به منا وقد عبدتم غيره ونحن أخلصنا العبادة له. ثم قال: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} إلى قوله: {أَوْ نصارى}. أي: أتقول اليهود: إن هؤلاء الأنبياء كانوا هوداً؟ أو أتقول النصارى: إن هؤلاء الأنبياء كانوا نصارى؟ قل لهم يا محمد: أنتم أعلم أم الله؟ فإن الله قد أعلمنا أنهم على الملة الحنيفية المسلمة. ومن قرأ بالتاء، جعله خطاباً لهم. ومن قرأه بالياء أجراه على الإخبار عنهم. ثم قال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ الله}. أي: لا أحد أظلم ممن كتم شهادة / عنده من الله. أي: لا أحد أظلم منه.
وقيل: عني بذلك كتمانهم نبوة محمد A وهم يعلمون ذلك ويجدونه في كتبهم. قاله قتادة وغيره. وقيل: إنما كتموا ما في كتبهم من اتباع ملة إبراهيم A ومن ذُكِرَ معه، وقد علموا أنهم كانوا حنفاء مسلمين فكتموا ذلك. وادّعت اليهود أنهم كانوا يهوداً، وادّعت النصارى أنهم كانوا نصارى، وهم مع ذلك قد علموا أن اليهودية والنصرانية إنما حدثت بعد موت [هؤلاء] الأنبياء صلى الله عليهم وسلم. والهاء في {عِندَهُ} تعود على الظالم ودل عليه {أَظْلَمُ}. والأسباط من ولد يعقوب كالقبائل من ولد إسماعيل A وهم اثنا عشر سبطاً من اثني عشر ولداً ليعقوب عليه السلام. ثم قال تعالى: {وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. أي: ليس الله بغافل عن فعلكم وكتمانكم / ما قد علمتموه، بل يحصيه عليكم ويجازيكم به. ثم قال تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ}.
142
أي: إبراهيم ومن ذكر معه من الأنبياء صلوات الله عليهم أمة قد مضت بعملها. لها ما عملت، ولكم ما عملتم. {وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}: أي: لا يسأل أحد عن ذنب أحد. قوله تعالى: {سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس} إلى قوله: {لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. أي: سيقول الجهّال / من الناس وهم اليهود والمنافقون: ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، أي: ما حملهم على [ترك التوجه إلى بيت المقدس وما صرفهم] عن ذلك، وذلك حين ترك النبي عليه السلام التوجه نحو بيت المقدس وتوجه إلى الكعبة. وقيل: هم كفار أهل مكة أعلم الله تعالى نبيه A ما هم قائلون عند تحويل القبلة إلى الكعبة، وأعلمه ما يقول لهم وما يجاوبهم به، فقال: قل يا محمد [إذا قالوا ذلك]: {للَّهِ المشرق والمغرب يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، وذلك أن النبي A صلّى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً، وكان يتمنى أن يصرف إلى الكعبة ثم أراد الله
جل ذكره صرف قبلته إلى نحو المسجد الحرام فأخبره عما سيقول المنافقون واليهود وأخبره [ما الذي] ينبغي أن يرد عليهم من الجواب. فلما رده الله تعالى إليها، أتاه نفر من اليهود فقالوا: " يا محمد، ما ولاّك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك / على ملّة إبراهيم ودينه، ارجع إلى قبلتك ونصدقك " يريدون فتنته عن دينه. وقيل: إنه صلّى إلى بيت / المقدس ستة عشر شهراً، ثم صرف إلى الكعبة قبل بدر بشهرين. قاله ابن المسيب. وكان أول صلاة صرف فيها إلى الكعبة العصر، فلما صلاها إلى الكعبة خرج من عنده رجل، فمرّ بقوم يصلون فقال: أشهد، لقد صليت مع رسول الله A قِِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت. وروى أنس بن مالك " أن النبي [عليه السلام] صلّى نحو بيت المقدس تسعة أشهر وعشرة أيام بعد هجرته. قال: فبينما هو قائم يصلي الظهر بالمدينة وقد صلى
ركعتين نحو بيت المقدس، اُنصرف بوجهه إلى الكعبة فقال السفهاء: {مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا}. وقال معاذ بن جبل: " صلّى نحو بيت المقدس ثلاثة عشر شهراً ". وروي / عن الحسن وعكرمة أنهما قالا: " صلّى النبي A بعد هجرته نحو بيت المقدس اختياراً منه من غير أن يفرض ذلك عليه طمعاً من أن يستميل اليهود إذ هي قبلتهم، فأنزل الله D: { وَللَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله} [البقرة: 115]. وقال أبو العالية: " ان [نبي الله عليه السلام] خُيِّر أن يُوجِّه وجهه حيث يشاء، فاختار بيت المقدس لكي يتألف أهل الكتابيين [وهو في ذلك يقلب وجهه في السماء، ثم وجّهه الله D إلى البيت] الحرام ". وروي أنه صرف في رجب بعد مقدمه المدينة لسبعة عشر شهراً وكان بمكة والمدينة يصلي نحو بيت المقدس. فلما رجع سأله اليهود أن يرجع إلى قبلتهم يريدون فتنته، وقال كفار مكة: قد برد / أمر محمد وهو راجع إلى دينكم عاجلاً. فأنزل الله في
الجميع: {سَيَقُولُ السفهآء}، الآيات إلى قوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. وروي " أن الأنصار صلّت قبل قدوم النبي عليه السلام إلى المدينة نحو بيت المقدس حولين. فلما قدم النبي A المدينة صلّى معهم نحو بيت المقدس بضعة عشر شهراً، ثم نقله الله D إلى الكعبة. وقال ابن عباس: " لما هاجر [النبي عليه السلام إلى المدينة وكان أكثر أهلها] اليهود، أمره الله D أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها بضعة عشر شهراً. وكان A يحب قبلة إبراهيم A، وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله جلّ ذكره: {قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء} الآية. ورجع النبي A يصلي إلى الكعبة فارتاب [من ذلك اليهود]. وقالوا: {مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا}، فأنزل الله D: { قُل للَّهِ المشرق والمغرب يَهْدِي مَن يَشَآءُ} الآية. وقال ابن جريج: / كان النبي عليه السلام يصلي إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس، وصلّت الأنصار نحو بيت المقدس قبل قدومه المدينة بثلاث سنين، وصلّى
بعد قدومه ستة عشر شهراً، ثم صرف إلى الكعبة. ثم قال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}. أي: عدلاً. أي: كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد A وبما جاءكم به من الحق وفضلناكم بذلك، كذلك خصصناكم فجعلناكم أمة عدلاً خياراً. والأمة القرن من الناس. {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس}. أي: تشهدون / للأنبياء الذين أخبر الله بخبرهم محمداً A. فهو عام معناه الخصوص، إذ لم يطلع الله D نبيه A على [جميع النبيين وأخبارهم] بدلالة قوله: {مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: 78] فإنما تشهد أمة محمد A على الأمم الذين أخبر الله نبيه بهم وبكفرهم وجحودهم دون من لم يطلع الله نبيه على خبرهم من أمم الأنبياء صلوات الله عليهم الذين لم يطلع الله نبيه عنهم، ولا أخبره
بهم. فأمة محمد A تشهد للأنبياء الذين أخبر الله بهم النبي A على أممها أنها قد بلَّغت ما أرسلت به إلى الأمم. {وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً}. بإيمانكم وبما جاءكم به من عند الله. وقيل: " عليكم " بمعنى " لكم " مثل قوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب} [المائدة: 3] أي: للنصب. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي A قال: " يُدْعَى بِنُوحٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَالُ لِقَوْمِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيُقالُ لَهُ: مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ؟ فَيَقولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَهُوَ قَوْلُهُ: {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس} ". وفي حديث آخر رواه أبو هريرة: " فَيَقولُ قَوْمُ نُوحٍ A: كَيْفَ يَشْهَدُونَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَوَّلُ الأُمَمِ وَهُمْ آخِرُ الأُمَمِ؟ فَيَقولونَ: نَشْهَدُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولاً وَأَنْزَلَ عَلَينَا كِتَاباً وَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْنَا خَبَرَكُمْ ".
وهذا المعنى: أيضاً / مروي عن زيد بن أسلم. وروي أن أمة محمد [عليه السلام] تقول لهم: " كان فيما أنزل علينا: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ / المرسلين} [الشعراء: 105] إلى قوله: {العالمين} [الشعراء: 109]، فكذلك نشهد أنكم كذبتم الرسل. فتشهد للرسل أمة محمد A بالتبليغ. وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: " إِذَا جَمَعَ اللهُ عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، كَانَ أَوّلُ مَنْ يُدْعَى إسْرَافِيلُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَا فَعَلْتَ فِي عَهْدِي؟، هَلْ بَلَّغْتَ عَهْدِي؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبّ، قَدْ بَلَّغْتُ جِبْرِيلُ، فَيُدْعَى / جِبْريلُ فَيَقُولُ: قَدْ بَلَّغْتُ الرَّسُلَ. فَتُدْعَى الرُّسلُ، فَيَقُولونَ: قَدْ بَلَّغْنَا الأُمَمَ، فَتُدْعَى الأُمَمْ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يُكَذِّبُ الرُّسُلَ، فَيَشْهَدُ لِلّرُّسُلِ أمَّةَ مُحَمَّدٍ A / بِالتَّبْلِيغ ". وروى أشهب عن مالك أنه قال: " ينبغي للناس أن يأمروا بطاعة الله D. فإن عُصِيَ كان شهيداً على من عصاه ". قال الله D: { لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً}. وروى أبو عامر " أن أول مَنْ يسأل يوم القيامة من الرسل عن البلاغ
نوح A، فيقال له: هل بلغت قومك الرسالة؟ فيقول: نعم. فيقال لقومه: هل بلّغكم نوح الرسالة؟ فيجحدون؛ فيقولون: لم يبلغنا الرسالة. فيتنحى نوح من بين يدي الله D. فيكون بفناء العرش كئيباً حزيناً، وأمة محمد A غرّ محجلون من أثر الوضوء، فيأتون نوحاً عليه السلام فيقولون: ما لك يا شيخ، من أنت؟ فيقول: أنا نوح. فيقولون: ما لَكَ كئيباً حزيناً؟ فيقول: كذبني قومي، فيقولون له: ارجع إلى ربك فنحن نشهد لك بأنك قد بلّغت الرسالة، فيقول لهم: ومن أنتم؟ فيقولون: نحن أمة محمد A. فيقول: كيف تشهدون لي وأنتم آخر الأمم؟ فيقولون: إن نبيّنا أتانا بذلك فيقرأون عليه: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ} [نوح: 1] إلى آخرها، فيرجع نوح إلى الله، فيقول: رب، إن أمة محمد يشهدون لي بالبلاغ. ثم يسأل نبياً نبياً فتجحده أمته فتشهد له أمة محمد A بالبلاغ، فماذا سئل محمد عن البلاغ شهدوا بأن محمداً قد بلّغ الرسالة ". ثم قال: {وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ}.
قال ابن عباس: " إلا ليتميز أهل اليقين من أهل الشك والريبة ". والتقدير: وما جعلنا صرفك عن بيت المقدس إلى الكعبة إلاّ لنعلم علم عيان تجب عليه المجازاة، من يتّبع الرسول على قبلته ممن يرجع عن إيمانه فيخالف الرسول. وقيل: المعنى: إلا لنُعْلِم / رسولي وأوليائي ذلك. ومن شأن العرب إضافة ما فعله أتباع الرئيس وحزبه إليه، يقولون: " جبى الأمير الخراج وهزم العدو، وإنما فعله حزبه وأنصاره. ومثله في المعنى قول النبي A عن الله D: " مَرِضْتُ فَلَمْ يَعُدْنِي عَبْدِي، وَاسْتَقْرَضْتُهُ فَلَمْ يُقْرِضْنِي " يريد به عباده. وقيل: " علم " هنا بمعنى " رأى "، فالمعنى: إلا لنرى من يتبع. وقيل: إنهم خوطبوا على ما كانوا يسرون؛ كان اليهود والمنافقون والكفار ينكرون أن يعلم الله D الشيء قبل كونه، فيكون المعنى /: إلا لنبين لكم أنّا نعلم
الأشياء قبل كونها. وقيل: إنما قال: " لنعلم " على طريق الرفق بعباده، واستمالتهم إلى الطاعة كما قال: {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى} [سبأ: 24]. وقد علم أن محمداً A على هدى /، وأن الكفار على ضلال. فالمعنى: إلا لتعلموا أنتم إذ أنتم جهال به، فأضاف الفعل إلى نفسه، والمراد خلافه رفقاً به. وقال الضحاك: " قالت اليهود للنبي [عليه السلام]: إن كنت نبياً كما تزعم، فإن الأنبياء والرسل كانت قبلتهم نحو بيت المقدس، فإن صلّيت إلى بيت المقدس، اتبعناك، فابتلاهم الله بذلك. وأمره أن يصلي إلى بيت المقدس فصلى إليه سبعة عشر شهراً، فلم يتّبعوه، ثم صرفه الله D إلى البيت الحرام فذلك قوله: {وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَآ} يعني بيت المقدس. {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول}: إلى أي ناحية شاء. {مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ}: أي: لنعلم من يؤمن بالرسول من اليهود ومن لا يؤمن. وقيل: المعنى: وما جعلنا القبلة التي أنت عليها الآن، وهي الكعبة، إلا لنعلم من يتبع الرسول عليها. فكُنْتَ " بمعنى " أنت "، مثل {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران: 110] أي: أنتم خير
أمة. فروي أنه لما استقبل الكعبة أظهر المنافقون نفاقهم [و] قالوا: ما بال محمد يحوّلنا مرة إلى ها هنا ومرة إلى ها هنا، وقال المسلمون في أنفسهم وفيمن مضى من إخوانهم المسلمين: بَطَل أعمالنا وأعمالهم، / فأنزل الله تعالى ذكره: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي: صلاتكم نحو بيت المقدس. وقالت اليهود: {مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا}، وكذلك قال المنافقون، فأنزل الله D، { قُل للَّهِ المشرق والمغرب} الآية. وقيل: إن اليهود قالت للنبي [عليه السلام: إن كنت في القبلة] على هدى، فقد حوّلت عنه، وإن كنت على ضلالة، فقد مات أصحابك على ذلك. فأنزل الله D: { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي: صلاة من مات منكم وهو يصلي إلى بيت المقدس. وقال المشركون من أهل مكة؛ تحيّر محمد في دينه. فكان ذلك فتنة للناس واختباراً وتمحيصاً للمؤمنين. قال قتادة: " صلّت الأنصار حولين نحو بيت المقدس قبل هجرة النبي عليه السلام، ثم هاجر النبي A فصلّى نحوها ستة عشر شهراً. ثم وجّهه الله / نحو الكعبة، فقال قائلون من الناس: {مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا}، وقالوا: لقد اشتاق الرجل إلى
مولده. فابتلى الله D عباده بما شاء من أمره فأنزل الله تعالى في اليهود والمنافقين /: {سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا} إلى قوله: {مُّسْتَقِيمٍ}، وأنزل في المؤمنين: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} إلى {رَّحِيمٌ}. قال ابن جريج: " بلغني أن ناساً ممن أسلم رجعوا عن الإسلام حين استقبل النبي الكعبة، وقالوا مرة ها هنا ومرة ها هنا. فأظهر الله لخلقه من يرتد فينافق ويخالف الرسول في القبلة ممن اتبعه وآمن بما جاء به " ثم قال تعالى: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله} أي وإن كانت التولية لكبيرة. وقيل: المعنى: وإن كانت القبلة لكبيرة: وإن كانت التحويلة لكبيرة. وقيل: المعنى: وإن كانت الصلاة إلى بيت المقدس لكبيرة، أي: لعظيمة في صدور الناس حين قالوا: ما لهم صلّوا إلى هاهنا ستة عشر / شهراً ثم انحرفوا،
فعظم على قوم ذلك حتى نافقوا وارتدوا وحتى أظهر أهل النفاق نفاقهم. وقوله: {إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله}. أي الذين وفق الله إلى الحق، فإنهم ثبتوا على إيمانهم، وقبلوا ما جاءهم به الرسول A. وقوله: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}. قال ابن عباس: " لما توجّه النبي A إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك وهم يصلون نحو بيت المقدس؛ فأنزل الله D: { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}. وهذا معنى قول قتادة وغيره. وإنما أتى الجواب على الخطاب لهم دون الأموات، لأن الأموات غُيَّبٌ والسائلون عن ذلك مخاطبون. والعرب تغلب المخاطب على الغائب، فلذلك قال: {لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}. ولم يقل إيمانهم. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أنه قال في قول الله D: { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}: " هي الصلاة إلى بيت المقدس قبل أن تصرف القبلة إلى
الكعبة ". ثم قال: {إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. أي: إن الله بجميع عباده لذو رأفة ورحمة، فكيف يضيع أعمالهم التي عملوها فلا يثيبهم عليها وكيف يؤاخذهم على ما لم يفترض عليهم. والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الآخرة. وتسمية الله [جل ذكره الصلاة إيماناً في هذه الآية] ردّ على المرجئة الذين يقولون إن الصلاة ليست من الإيمان. وقال أشهب: " وإني لأذكر بهذه الآية الرد على المرجئة وعلى أن الإيمان في هذه الآية يراد به الصلاة نحو بيت المقدس ". وقاله البراء بن عازب، رفعه إلى
144
النبي A، وهو قول قتادة والسدي والربيع بن أنس وابن المسيب وزيد بن أسلم / ومالك وغيرهم. / قوله: {قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء}. إلى قوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. أي: قد نرى يا محمد تصرف نظرك نحو السماء. روي أنه A كان قبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة يرفع بصره إلى السماء ينتظر من الله الأمر بالتحويل إلى الكعبة. قال قتادة: " كان النبي [ A] يقلّب وجهه إلى السماء، يحب أن يصرفه الله تعالى إلى الكعبة حتى صرفه الله D إليها ". وهذا يدل على أنه لم يصلِّ إلى بيت المقدس إلا بوحي، فكان ينتظر متى يؤمر
بترك ما أمر به. ولو كان إنما صلّى إلى بيت المقدس باختياره لم ينتظر الأمر فيه، ولرجع إلى الكعبة باختياره أيضاً. وقد قال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى} [النجم: 3]. فكيف يأمرهم بالصلاة إلى بيت المقدس من عند نفسه. هذا بعيد. وقال بعض العلماء: " إنما أحب النبي [عليه السلام] أن يُرَدَّ إلى الكعبة لأن اليهود كانوا يقولون: يتبع قبلتنا ويخالفنا في ديننا! / فلما ردّه الله إلى الكعبة انقطع قول اليهود ". وقال ابن زيد: " قال الله D لنبيه A: { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله} فقال النبي [عليه السلام] " هَؤُلاَءِ قَوْمٌ يَهُودٌ يَسْتَقبلُونَ بَيْتاً مِنْ بُيُوتِ الله D، فَلَوْ أَنَّا اسْتَقْبَلْنَاهَا " فَاسْتَقْبَلَ النبي [عليه السلام] معهم بيت المقدس ستة عشر شهراً، فبلغه أن اليهود تقول: والله / ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي A، ورفع وجهه إلى السماء. فأنزل الله عليه {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام} الآية ".
فهذا يدل على أنه استقبل بيت المقدس من غير أمر أتاه من عند الله، وأنه إنما أتاه من الله الإباحة باستقبال أي موضع شاء. ثم نسخ الله فعله لأنه كان A يتبع آثار الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، فلذلك صلّى نحو بيت المقدس / مع ما طمع به من استمالة اليهود أن يؤمنوا به. وقال ابن عباس: " كان النبي عليه السلام لما هاجر إلى المدينة - وكان أكثر أهلها اليهود - أمره الله [جلَّ وعزَّ] أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله A بضعة عشر شهراً. فكان رسول الله A يحب قبلة أبيه إبراهيم وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله D: { قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء} إلى {صراط مُّسْتَقِيمٍ}. فهذا يدل على أن الله سبحانه أمره باستقبال بيت المقدس ثم نسخها بالكعبة. " وروي أن النبي [عليه السلام] كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس مع استقباله
الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة صلى نحو بيت المقدس أيضاً / سبعة عشر شهراً، ووقع في نفسه الصلاة نحو الكعبة، فأقبل يقلّب وجهه إلى السماء كيف يستقبل الكعبة. فأتاه جبريل عليه السلام، فقال له النبي A: " لَوَدِدْتُ يَا جِبْريلُ أَنَّ اللهَ صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ إِلَى غَيْرِهَا "، فقال له جبريل عليه السلام: إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على الله، فادعه وسله، ثم ارتفع جبريل، وجعل النبي يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل، فأنزل الله جل ذكره: {قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ} الآية ". وقال إبراهيم بن اسحاق: " أول أَمْر الصلاة أنها فرضت ركعتين بمكة في أول النهار، وركعتين في آخره. فلما كانت ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، أسري به A وفرض عليه خمسون صلاة، ثم نقصت إلى خمس صلوات، فأتاه جبريل A فأمَّهُ عند البيت، فأول ما صلّى به الظهر نحو بيت المقدس مع استقبال الكعبة. ثم قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فصلى إلى بيت
المقدس تمام سنة إحدى عشرة وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر ثم حوّلت القبلة في رجب. وروى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن القبلة صرفت في جمادى. وقال الواقدي: " في النصف من شعبان صرفت ". فوقع الاختلاف على مقدار اختلافهم في عدة الأشهر التي صلى في المدينة إلى بيت المقدس. وقيل: إنما نسخ الله باستقبال الكعبة قوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله} [البقرة: 115]. فأباح له أن يستقبل إلى أي ناحية شاء. ثم نسخ ذلك بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام}.
وقال ابن عباس: " أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة ". قال الله D لنبيه: {وَللَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله}. فصلى نبيه عليه السلام نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق ثم صرفه الله إلى البيت العتيق فقال: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} /. ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال: " بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال لهم: إن رسول الله A قد نزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم / إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ". وحدث مالك عن ابن المسيب أنه كان يقول: " صلى النبي A بعد أن قدم
المدينة / ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم حوّلت القبلة قبل بدر بشهرين ". وذكر البراء في ذلك كله نحوه. وقال أنس: " مرّ بهم رجل وهم ركوع نحو بيت المقدس، فنادى: " ألا إن القبلة قد صرفت إلى الكعبة ". فمالوا كما هم ركوعاً ". قال الواقدي: " صرفت / يوم الثلاثاء للنصف من شعبان سنة اثنتين ". وقال ابن شعبان: " صرفت إلى الكعبة في رجب ". وقال: {سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا} [البقرة: 142]. يعنون بيت المقدس، فأنزل الله: {قُل للَّهِ المشرق والمغرب يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. وروى ابن شهاب عن عروة عن عائشة Bها أنها قالت: " إن الصلاة أول ما فرضت، إنما فرضت ركعتين، ثم أتمّ الله صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاة
السفر على حالها ". قال ابن شهاب: فقلت لعروة: فما حمل عائشة على أن تصلي في السفر أربع ركعات؟ فقال عروة: تأولت عائشة في ذلك ما تأول عثمان [بن عفان] في إتمام الصلاة بمنى ". قال أبو عبيد: تأول عثمان في إتمام الصلاة بمعنى ثلاثة أوجه: فيقال: إنه اتخذ أهلاً بمكة. ويقال: إنه تأول: إني الخليفة فحيثما كنت فهو عملي. والوجه الثالث: أنه بلغه أن أعرابياً صلّى معه ركعتين فظن أن الفريضة ركعتان فانصرف إلى منزله فلم يزل يصلي ركعتين السنة كلها، فلما بلغه ذلك أتم الصلاة. / وأما عائشة Bها. فتأولت أنها أم المؤمنين فحيثما كانت فكأنها مع ولدها مقيمة ". " وروي أن أول من صلى إلى الكعبة من المسلمين بالمدينة البراء بن
معرور من بني سلمة، وذلك أنه كان قد بايع النبي [عليه السلام] على العقبة وكان نقيباً، فقال له النبي A: " إِنِّي رَمَقْتُكَ فَأُحِبُّ أَنْ تَعُودَ إِليَّ حَتَّى تُهَاجِرَ مَعِي فَتَكُونَ لَكَ مَعَ النَّصْرَةِ هِجْرَةٌ ". فلما توجه إلى المدينة مع السبعين الذين بايعوا رسول الله A من الأنصار على العقبة، مرض بالمدينة فكان يصلي إلى الكعبة لموعدة النبي صلى الله عليه سلم. فلما حضرته الوفاة، قال: اجعلوا مالي ثلاثة أثلاث: ثلثاً لله وثلثاً لرسوله وثلثاً لوليي، وإذا مت فحوّلوا وجهي نحو محمد A لموعدي معه. فكان أول من صلى إلى الكعبة، وأول من دفن نحوها، وأول من أوصى بثلثه. فلما قدم النبي A المدينة أخبر بوفاته وبالوصية،
فقال: " أَمَّا ثُلُثِي فَرَدٌّ عَلَى وَلَدِهِ، وَأَمَّا / [ثُلُثُ الله] فَأُنْفِقُهُ فِي سَبيلِ اللهِ D ". وكان له ابن صالح من خيار النقباء اسمه بشر بن البراء، وفيه قال النبي A: " هُوَ سَيِّدُ بَنِي سَلَمَةَ " وهو الذي أكل من الشاة التي سمّت للنبي A ومن ذلك مات يوم خيبر. / وقوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}: أي: فلنصرفنك إلى قبلة ترضاها وهي الكعبة. ومعنى ترضاها: تهواها وتحبها. ثم قال: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام}. أي: نحوه وقصده وتلقاءه. قال عبد الله بن عمر: " صرفت قبلته حيال ميزاب الكعبة ". وكان يجلس في المسجد الحرام حيال الميزاب، فإذا سئل عن ذلك تلا هذه الآية. وقال ابن عباس: ولّى وجهه نحن [البيت] كله "، وهو قول أكثر
العلماء. وقد قال أسامة بن زيد: " رأيت النبي [عليه السلام] حين خرج من البيت أقبل بوجهه إلى الباب فقال: " هَذِهِ القِبْلَةُ هَذِهِ القِبْلَةُ ". " وروي عنه A أنه صلى ركعتين مستقبلاً باب الكعبة وقال: " هَذِهِ القِبْلَةُ "، مرتين. " ثم قال: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}. أي: وأينما كنتم أيها المؤمنون فولّوا وجوهكم بصلاتكم نحو المسجد الحرام. فالهاء في " شَطْرِهِ " عائدة على المسجد الحرام. فأوجب الله بهذه الآية على المؤمنين فرض التوجه نحو المسجد الحرام في صلاتهم حيث ما كانوا من الأرض. ثم قال تعالى: {وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ}. أي: وإن أحبار اليهود وعلماء النصارى ليعلمون أن التوجه نحو المسجد
الحرام الحق الذي فرض الله على إبراهيم [عليه السلام] وذريته وسائر عباده بعده، فرض ذلك عليهم. قال قتادة والضحاك: " يعرفون أن القبلة هي الكعبة ". قال الضحاك: " كمعرفتهم أبناءهم ". والهاء في " أنه " تعود على التولية إلى الكعبة، ودل على التولية قوله: {فَوَلِّ}. وعن الكسائي أنه قال: " الهاء تعود على الشطر ". ثم قال: {وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}. من قرأ بالتاء رده على الخطاب في قوله: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}. ومن قرأه بالياء رده على الإخبار / عن الذين أوتوا الكتاب لتقدم ذكرهم. ثم قال: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ}.
أي: ولئن جئت يا محمد اليهود والنصارى بكل برهان وحجة بأن الحق ما جئتهم به من فرض التحول إلى المسجد الحرام، ما صدقوا به ولا اتبعوه مع قيام الحجة عليهم. وقوله: {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ}. أي: ما لك من سبيل يا محمد إلى / اتباع قبلتهم لأن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها، والنصارى تستقبل / المشرق. فمن أين يكون لك يا محمد السبيل إلى اتباع قبلتهم مع اختلاف وجوهها، فالزم ما أمرت به من استقبال المسجد الحرام. ثم قال: {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ}. أي: وما اليهود بتابعين قبلة النصارى، ولا النصارى بتابعين قبلة اليهود. قاله السدي وغيره. وقيل: معناه: وما الذين اتبعوك من اليهود بتابعين قبلة من لم يتبعك، ولا الذين لم يتبعوك بتابعين قبلة من اتبعك منهم. وقال السدي: " أنزل الله تعالى هذه الآية من أجل أن النبي A لما حوّل إلى الكعبة قالت اليهود: إن محمداً اشتاق إلى قبلة إبراهيم ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو / صاحبنا الذي ننتظره، فأنزل الله D: { وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ} إلى قوله: {لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
وهو قول ابن زيد. ثم قال: {وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظالمين}. أي: ولئن التمست يا محمد رضا هؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لك ولأصحابك: {كَانَ / هُوداً أَوْ نصارى}، فاتبعت قبلتهم من بعد ما جاءك من العلم أنهم على باطل وعلى عناد للحق، وأنهم يعرفون أن الحق ما أنت عليه إنك إذاً لمن الظالمين لنفسك. وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] ولسائر أمته. وقيل: المراد به أمته. ثم قال: {الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب}. يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى. {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} أي: يعرفون أن البيت الحرام هو قبلة إبراهيم A ومَن قبله مِن الأنبياء كما يعرفون أبناءهم. هذا قول قتادة وهو قول ابن عباس والربيع والسدي وابن زيد وابن جريج. وعن قتادة أيضاً: {يَعْرِفُونَهُ} أي: يعرفون محمداً A أنه نبي كما يعرفون
147
أبناءهم. وهو قول الزجاج. والهاء في {يَعْرِفُونَهُ} على القول الأول تعود على الشطر أو على التولية. وعلى القول الثاني تعود على محمد A ويكون التأويل: " يعرفونك يا محمد ". لكن صرف الكلام من المخاطبة إلى الغيبة على مذهب العرب. وقال مقاتل: " الهاء في (يَعْرِفُونَهُ) تعود على البيت الحرام ". ثم قال: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. أي وإن / طائفة من اليهود والنصارى ليكتمون أن القبلة هي المسجد الحرام وهم يعلمون أنها حق. وقال قتادة وغيره: " يكتمون أمر محمد A وهم يعلمون أنه حق يجدونه في التوراة والإنجيل ". قوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الحق مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين} إلى قوله: {وأولئك هُمُ المهتدون}. أي: هذا الحق من ربك. {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين} أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم.
وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته. ثم قال تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا}. " هو " يرجع إلى " كُلٍّ ". والهاء في " مُوَلِّيها " ترجع إلى القبلة. وقيل: " هُوَ " يرجع إلى الله جل ذكره. فأما من قرأ " هو مُوَلاَّها "، فهو يرجع إلى " كُلٍّ " لا غير. قال مجاهد: " معناه: ولكل صاحب ملة قبلة ". يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة. قال ابن عباس: " يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة الله D حيث توجه المؤمنون ".
وقال الضحاك: " معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه ". وقال السدي: " المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها ". والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه / أو وجهه. فأما من قرأ: " مُوَلاَّهَا " فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها. وقال الأخفش: " المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون " / يريد على قراءة موليها. وقال علي بن سليمان: " المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد ". وعن قتادة في قوله: {هُوَ مُوَلِّيهَا}، قال: " هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة ".
فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده ". وهو قول الأخفش الذي تقدم. ومعنى " مولِّيها " مول وجهه إليها ومستقبلها. وقال الطبري: " التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ " كل "، قال: " فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها. ورويت قراءة شاذة بإضافة " كل " إلى " وجهة "، وهي قراءة / لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر ". ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: " هُمَا مُوَلِّياهَا "، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا]
وعلى قراءة ابن عباس / في التثنية " هُمَا مُوَلَّياهَا ". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: " هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: " هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ ". ثم قال تعالى: {فاستبقوا الخيرات}. أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله D باستقباله وهو المسجد الحرام. ثم قال: {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعاً}. أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة. {إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير. ثم قال تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} الآية. وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع. ثم قال: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ}. الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا
يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة / ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد. وقال قتادة: " هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم ". قال الله تعالى: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشوني}. وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله فيهم: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشوني}. وهو قول عطاء والسدي وغيرهما. فهو على هذا التاويل استثناء صحيح،
وهو مذهب الطبري، قال: " نفى الله جل ذكره أن يكون لأحد من الناس حجة على النبي A وأصحابه في استقباله الكعبة إلا مشركي قريش فإن لهم قِبَلَكُم خصومةً باطلة بأن يقولوا: إنما توجهتم إلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً وأنكم كنتم على ضلالة في استقبالكم بيت المقدس ". وقال بعض النحويين: " هو استثناء ليس من الأول، / و " إلا " بمعنى " لكن ". قال أبو عبيدة: / " " إلا " بمعنى الواو ". وهو قول بعيد من الصواب لأنه يفسد المعاني ويغير ما بني عليه الكلام. و " إلا " إذا كانت بمعنى " لكن "، فإنما هي إيجاب لشيء بعدما تؤكده. وقوله: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشوني}. أي: لا تخشوا هؤلاء الذين سفهوا عليكم بالحجج الباطلة، واخشوا عقابي
إن خالفتم أمري. وهذا تحضيض من الله تعالى للمؤمنين على لزوم الصلاة إلى الكعبة وترك التوجه إلى غيرها. وقال السدي: " معناه: فلا تخشوا أن أردكم إلى دينهم ". ثم قال: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ}. قال الأخفش: " هو معطوف على {لِئَلاَّ يَكُونَ} أي: لئلا يكون، ولأتم نعمتي عليكم. فالمعنى: / ولّوا وجوهكم حيث كنتم من الأرض إلى نحو المسجد الحرام كي لا يكون لأحد من الناس عليكم حجة سوى مشركي قريش، فإن لهم حجة باطلة، وكي أتم نعمتي عليكم بإتمام شرائح الملة الحنيفية. وقال ابن جبير: " {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ}: " أي: ولأدخلكم الجنة ". قال: " ولن تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة ". وقال الزجاج: " اللام متعلقة بمحذوف والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتكم، وأنه لا حجة لأحد عليكم إلا الذين ظلموا فإنهم [سيحتجون
عليكم] بالباطل ". وقيل: التقدير: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ}، {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}. ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير. وهو قول الأخفش المتقدم الذكر. ثم قال تعالى: {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ}. تقديره: ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا إليكم رسولاً منكم تالياً عليكم الكتاب ومطهراً لكم من الذنوب ومعلماً لكم ما لم تكونوا تعلمون. فكل ما بعد " رسول " نعوت له مكررة. وقال الزجاج: " الكاف متعلقة بما بعدها، أي: فاذكروني كما أرسلت فيكم رسولاً منكم ". وهذا قول مردود لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه؛ تقول: " كما أحسنتُ إليك فأكرمني ". فتكون الكاف من " كما " متعلقة بـ " أكرمني " إذ لا جواب له. فإن قلت: " كما أحسنت إليك فأكرمني أكرمك "، لم تتعلق الكاف من " كما " بـ " أكرمني " بأن له جواباً، ولكن تتعلق بشيء آخر أو
بمضمر. فكذلك قوله: {فاذكروني أَذْكُرْكُمْ} / هو أمر له جواب، فلا [تتعلق " كما " به ولا] يحوز ذلك إلا على التشبيه بالشرط الذي يجاوب بجوابين، نحو قولك: " إذا أتاك فلان فأته ترضه "، فتكون " كما " و " أذكركم " جوابين [للأمر. والأول أفصح] وأشهر. وقيل: هي متعلقة بقوله: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} أي: " ولأتم نعمتي عليكم إتماماً كما أرسلنا ". وقيل: الكاف في موضع / نصب على الحال، أي: ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال. وقيل: المعنى: ولأتم نعمتي عليكم بإتمام شرائع دين الحنيفية ملة إبراهيم كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم تالياً عليكم آياتي، ومطهراً لكم ومعلماً لكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون. وكل ذلك بدعاء إبراهيم A [ في قوله]: {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} [البقرة: 128] وقوله: {رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة/ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} [البقرة: 129].
فدل هذا المعنى على ان الكاف متعلقة بقوله: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} فتلخيص المعنى: ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم كما أجبنا دعوته فيكم، فأرسلنا إليكم رسولاً منكم. ومعنى " يزكيكم " / يطهركم من دنس الذنوب. {وَيُعَلِّمُكُمُ الكتاب} أي: القرآن، والحكمة والسنن والفقه في الدين. {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}. أي أخبار الأنبياء والأمم قبلكم، وما هو كائن من الأمور. ومعنى {فاذكروني أَذْكُرْكُمْ}. قال ابن عباس: " إذا ذكر الله العبدُ وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته ". وقال عكرمة: " يقول الرب: يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الصبح ساعة وبعد صلاة العصر ساعة، وأنا أكفيك ما بينهما ". وقال ابن جبير: " اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة ". وقال الربيع في الآية: " إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من كفره ".
وكان بعضهم يتأوله من الذكر والثناء والمدح. وقيل: المعنى: اذكروني واذكروا نعمتي عليكم شكراً لها، أذكركم برحمتي والزيادة من النعمة. وقال السدي: " ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله جل وعز، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب ". والذكر فيما روي عن عمر Bهـ ذكران. أحدهما أفضل من الآخر وهما: / ذكر الله عند أوامره ونواهيه، وذكر الله بلسانه بالثناء عليه. فالأول أفضل، وكلاهما فيه فضل وأجر وثواب، إلا أن ذِكْر الله عند أمره ونهيه - فيفعل ما أمر به وينتهي عما نهى عنه - أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة أمره ونهيه. والفضل كله والشرف والأجر والثواب في اجتماعهما من الإنسان. وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره فيأتمر، وعند نهيه فينتهي، ولا ينساه من ذكره بلسانه. وكذلك الصبر صبران. وهما: الصبر على الطاعة وعن المعصية، / والصبر على المصيبة. والأول أفضل.
وقوله: {واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ}. أي اشكروه على نعمة الإسلام والهدى ولا تجحدوا إحسانه إليكم ونعمه عندكم. والشكر معناه الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة. ومعنى الكفر التغطية للشي. ثم قال: {يَآأَيُّهَا الذين آمَنُواْ استعينوا بالصبر والصلاة}. هذه الآية حض من الله تعالى للمؤمنين على طاعته، واحتمال المكروه في الله D. فالمعنى: استعينوا على طاعة الله بالصبر والتسليم لأمره في جميع ما يأمركم به، واستعينوا على ذلك أيضاً بالصلاة لأن بها تتقربون إلى الله سبحانه، فيجيب دعاءكم ويقضي حوائجكم. قال قتادة: " احتجوا على رسول الله A في انصرافه إلى الكعبة: [وقالوا: سيرجع محمد] إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأمرهم الله تعالى أن يستعينوا بالصبر
والصلاة ". وقيل: الصبر هنا الصوم، لأنه يقطع عن اللذات. وقيل: الصبر هنا الصبر عن المعاصي. {إِنَّ الله مَعَ الصابرين}: أي: ناصرهم وراض بفعلهم يظهر دينه على سائر الأديان لأن من كان الله معه فهو الغالب. ثم قال / تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ}. هذا يدل على أنه لا يقال للشهيد ميت، إنما يقال: شهيد وقتيل. فالمعنى: هم أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. قاله مجاهد. قال قتادة: " كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارَف في طير [خضر تأكل من ثمار] الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد في سبيل الله D ثلاث خصلات: من قتل في سبيل الله D منهم صار حياً مرزوقاً، ومن غلب آتاه الله أجراً
عظيماً، / ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً ". قال الربيع: " هم أحياء في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا. منها يأكلون، من حيث شاءوا ". وقال عكرمة: " أرواح الشهداء في طير بيض في الجنة ". وروى ابن عباس عن النبي [ A] أنه قال: " الشُّهَدَاءُ عَلَى نَهْرٍ بِبَابِ الجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ ". ويُرْوى أنهم بباب الجنة في روضة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً. [فنهى الله المسلمين أن يسموهم] أمواتاً وأمرهم أن يسموهم شهداء.
وعن النبي [ A] أنه قال / في شهداء أحد: " هَؤُلاءِ الشُّهَدَاءُ، وَأَنَا عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ، جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ في طَيْرٍ خضرٍ تَرْتَعُ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ ". وقيل: المعنى: لا تقولوا: " هم أموات في دينهم، بل هم أحياء في دينهم ". والقول الأول عليه أهل العلم. ثم قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف والجوع وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال والأنفس والثمرات}. أي: لنختبرنكم ولنمتحننكم بشدائد الأمور فيظهر من هو في الصبر والاحتساب على اتباع الرسول A باقٍ، ممن ينقلب على عقبيه كما ابْتَلَيْتُكُمْ بتحويل القبلة. وقد عدهم الله بذلك الامتحان في آية أخرى فقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين / خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} [البقرة: 214] الآية إلى {قَرِيبٌ} [البقرة: 214]. قال ابن عباس: " أخبر الله D المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشّرهم، فقال: {وَبَشِّرِ الصابرين}. وأخبر في الآية الأخرى أنه هكذا فعل بأوليائه قبلهم لتطيب أنفسهم فقال: {مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء وَزُلْزِلُواْ} [البقرة: 214].
وقوله: {بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف}. يعني خوف العدو. {والجوع}: يعني القحط. ثم قال: {وَبَشِّرِ الصابرين}: أي: الصابرين على الامتحان، ثم بيّنهم فقال: {الذين إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}. أي نحن وأموالنا له، ونحن إليه راجعون. وقيل: معناه: ونحن مقرون بأن نبعث ونعطى الثواب على تصديقنا والصبر على ما ابتلينا به. ثم قال: {أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ}. أي: مغفرة من ربهم. وقيل: ترحم من ربهم ورحمة. {وأولئك هُمُ المهتدون}. قال الليث في قوله: {إِنَّا للَّهِ} الآية " معناها: نحن والذي أصبنا به لله ونحن وإياه إلى الله راجعون ".
158
/ قال ابن جبير: " لم يعط هذه الآية أحد من الأمم قبلنا ولا نبي قبل نبينا. ولو علمها يعقوب عليه السلام لم يقل: {يا أسفى عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: 84]. وقال عكرمة: " انطفأ مصباح / النبي [عليه السلام] ليلة فقال: {إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}. فَقِيلَ: يَا نَبِيَّ اللهِ: أَمُصِيبَةٌ هَذِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ آذَى المُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيبَةٌ، / وَلَهُ فِيهِ أَجْرُ المُصِيبَةِ ". وروي أن النبي [ A] قال: " مَا مِنْ أَحَدٍ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَاسْتَرْجَعَ إِلاَّ اسْتَوْجَبَ مِنَ الله ثَلاثَ خِصَالٍ؛ كُلُّ خَصْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ". قَال أبو عبيد: يعني قوله: {أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولئك هُمُ المهتدون}. قوله: {إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَآئِرِ الله}.
إلى قوله: {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. الصفا والمروة جبلان متحاذيان بمكة معروفان، ولذلك دخلت الألف واللام فيهما للتعريف. وجمع الصَّفَا أَصْفَاء كَرَحَا وأَرْحَاء. ويجوز في جمعه: صُفِيٌّ وصِفِيٌّ، كَعَصَا وَعُصِيُّ وعِصِيٌّ. وجمع مَرْوَة مَرْو [كَتَمْرَةٍ وَثَمْرٍ]، وإن شئت مَرَوَاتٍ كَتَمَراتٍ. والصفا في اللغة الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئاً. والمروة الحصاة الصغيرة. وقوله: {مِن شَعَآئِرِ الله}. أي: من معالم الله التي جعلها لعباده مشعراً يعبدونه عندها إما بالدعاء وإما بالصلاة، وإما بأداء ما افترض عليهم من العمل عندهما. وقيل: شعائر الله من أعلام الله التي تدل على طاعته من موقف ومشعر ومذبح، والواحدة شعيرة من " شَعَرْتُ بِهِ ".
وكان مجاهد يرى أن الشعائر جمع شعيرة من إشعار الله تعالى عباده ما يجب عليهم من طاعته، قال: " أَشْعَرْتُهُ بِكَذَا "، أي: أعلمته به. وقال الطبري: " إنما أعلم الله عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنّها الله تعالى لهم، وأمر بها خليله إبراهيم A إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وهو [خبر يراد به] الأمر لأن الله سبحانه قد أمر نبيه A والمؤمنين باتباع ملة إبراهيم. ثم قال: {فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. هذه الآية نزلت في سبب أقوام من المؤمنين قالوا في سبب أصنام كانوا يطوفون بها في الجاهلية قبل الإسلام تعظيماً لها: كيف [نطوف بها، وقد] علمنا أن تعظيم الأصنام وجميع ما كانوا يعبدون من دون الله D / شرك بالله سبحانه؟ فلا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله D. فأنزل الله تعالى في ذلك {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} من أول الآية.
والجناح الإثم، مأخوذ من قولهم: " جَنَحَ عَلَيْه " إذا مال، و " جَنَحَ عَنِ الحَقّ " إذا مال عنه. ومنه سمي جناح الطائر لأنه مائل في ناحية، وقوله {واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} [القصص: 32]: معناه يدك لأنها في موضع الجناح. والهاء في (عَلَيْهِ) تعود على (مَنْ). و " من " تصلح للحاج أو المعتمر. قال السدي: " ليس عليه إثم، ولكن له أجر ". قال الشعبي: " كان على الصفا في الجاهلية صَنَم يسمى " إِسافٌ "، وعلى المروة وثن يسمى " نَائِلَةٌ "، فكانوا في الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوَثَنيْن. فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام امتنع المسلمون من الطواف بالصفا / والمروة لأجل الصنمين، فأنزل الله D { إِنَّ الصفا والمروة} الآية. وذُكر الصفا لأن الصنم / الذي كان عليه مذكر - يعني إسافاً - وأُنِثَ المروة
لأن الوثن التي كانت عليه مؤنثة - يعني نائلة -. وقال أنس بن مالك: " كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما من شعائر الجاهلية حتى نزلت هذه الآية ". وقال عروة: " قلت لعائشة Bها - وأنا يومئذ حديث السن -: أرأيت قول الله D: { إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَآئِرِ الله فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}، فما أُرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما ". قالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول كانت: " فلا جناح عليه ألا يطوف بهما " إنما نزلت هذه الآية في الأنصار؛ كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام، سألوا [رسول الله] A عن ذلك فأنزل الله [جل ذكره]: {إِنَّ الصفا والمروة} الآية. وهو قول مجاهد وابن زيد.
وعن ابن عباس أنه قال: " كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة. فلما جاء الإسلام قال المسلمون: يا رسول الله: لا نطوف بين الصفا والمروة فإنه شرك / كنا نضعه في الجاهلية، فأنزل الله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. وقال قتادة: " كان حي تهامة في الجاهلية لا يسعون بين الصفا والمروة، فأخبرهم الله D أن الصفا والمروة من شعائر الله ". والحج في اللغة القصد. يقال: " حججت إليه " بمعنى قصدت / إليه. وقيل: الحج التكرر في الإتيان مرة بعد مرة. فمن أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج. فعلى هذا إنما قيل للحجاج حاج لإنه يتكرر إلى البيت وقت الدخول ووقت الإفاضة وفي غير ذلك. وقيل للمعتمر متعمر، لأنه إذا طاف انصرف بعد زيارته. فمعنى الاعتمار الزيارة، وكل من زار إنساناً فهو له معتمر، يقال: " اعْتَمرْتُ فُلاَناً "، أي: قصدته. والطواف بين الصفا والمروة عند مالك والشافعي فرض، فمن نسي ذلك رجع
وسعى، وإن بَعُد، فإن كان قد أصاب النساء، فعليه عمرة وهدي مع تمام سعيه إذا رجع. ومذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف أن يجزيه دم إن نسي السعي بينهما، ولا عودة عليه إلا أن يشاء ذلك. وقال عطاء: " هو تطوع ولا شيء عليه إذا نسي ذلك ". واحتج بأن في قراءة ابن عباس: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. وكذلك هي في مصحف ابن مسعود. وكذلك روي عن أنس بن مالك أنه قال: " هو تطوع ". وروي ذلك عن مجاهد.
والعمل على القول الأول لإجماع المصاحف المعمول عليها، المجتمع على ما فيها من إسقاط " لا " منها كلها. وإيجابها عن ابن عباس أشهر وأوضح. والإسناد عن أنس ضعيف. وجميع من قرأ على مجاهد من الأئمة المشهورين لم ينقل عنه إلا بغير " لا ". وقد روى جابر عن النبي [ A] أنه: " لَمّا دَنَا مِنَ الصَّفَا فِي حَجَّتِهِ قَالَ: " إنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ "، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ ". ثم قال: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ}. أي: شاكر له على تطوعه، عليم بما تطوع. وقال ابن زيد: " معناه: فمن تطوع خيراً فاعتمر، فإن الله شاكر عليم، والعمرة / تطوع، والحج فرض ". ثم قال: {إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى}.
يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى كتموا أمر محمد A ونبوته وتركوا اتباعه مع كونه مذكوراً عندهم في التوراة والإنجيل موصوفاً. وذكر عن ابن عباس أن معاذ بن جبل سأل بعض أحبار اليهود عن ما في التوراة من ذكر النبي عليه السلام فكتموه إياه، فأنزل الله A: { إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ}. إلى: {اللاعنون}. وهو قول مجاهد. وقال قتادة: " هم أهل الكتاب كتموا الإسلام، وهو دين الله سبحانه وكتموا محمداً وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ". / وقوله: {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكتاب}. يعني بالكتاب هنا: التوراة والإنجيل. وهذه الآية وإن كانت خاصة لبعض الناس فإنها عامة لكل من سئل عن علم يعلمه فكتمه. وقال النبي [ A] " مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجَامٍ
مِنَ النَّارِ ". ثم قال: {أولئك يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون}. أي: أولئك الذين كتموا أمر محمد A يلعنهم الله D بكتمانهم، أي: يبعدهم الله من رحمته ويطردهم. وقوله: {وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون}. قيل: معناه: ويسأل ربَّهم اللاعنون أن يلعنهم لأن كل لاعن إنما يقول: " اللهم العن هذا ". وقيل: اللاعنون البهائم؛ إذا أسْنَتَتِ السَّنَةُ، قالت البهائم: " هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم ". وقال عكرمة: " يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب / يقولون: منعنا
القطر بذنوب بني آدم ". وإنما جُمِعَ جَمْعَ السلامة على هذا القول، وهو ما لا يعقل لأنه لما أخبر عنهم بمثل ما يخبر عن بني آدم جمعهم كما يجمع بني آدم. وقال قتادة: " اللاعنون هنا: " الملائكة والمؤمنون ". وقاله الربيع. قال مقاتل " اللاعنون كل ما على وجه الأرض إلا الثقلين: الجن والإنس، وذلك أن الكافر إذا أدخل قبره ضربته / الملائكة بمقمعة حين تقول له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فيصيح صيحة يسمعها كل ما على وجه الأرض من غير الجن والإنس، فلا تَقِر تلك الصيحة في سمع شيء إلا لعنه ". قال مجاهد: " اللاعنون البهائم ". ولما وصفت باللعنة: جاز جمعها بالواو والنون، وإن كانت لا تعقل. وله نظائر كثيرة. وقيل: / اللاعنون الملائكة الذين يسوقون أهل الكفر إلى النار. والهاء في {خَالِدِينَ فِيهَا} تعود على اللعنة.
واللعن أصله الطرد والبعد من الرحمة. قال مقاتل: " اللعنة النار ". وحسن ذلك عنده لما كانت عاقبة اللعنة المصير إلى النار. وقال السدي: " اللاعنون ما عدا بني آدم والجن ". وروي عن البراء بن عازب: " أن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن عينيها قدران من نحاس، معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح، فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته إلا الثقلين: الجن والإنس ". / وهو قول الضحاك. ويروى عن ابن مسعود أنه قال: " اللاعنون: الاثنان إذا تلاعنا ألحقت اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على اليهود ". وقيل: هذه اللعنة إنما تكون يوم / القيامة كما قال تعالى:
{وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} [العنكبوت: 25]. ثم قال تعالى: {إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ}. أي تابوا من الكفر وأصلحوا أعمالهم فيما بينهم وبين الله D، وبيّنوا للناس أمر النبي A الذي هو عندهم في كتابهم موصوف. وقيل: المعنى: وبيّنوا التوبة بإخلاص العمل. ثم قال: {فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ}: أي: أقبل توبتهم. {وَأَنَا التَّوَّابُ}: أي على من تاب. {الرَّحِيمُ} أي رحيم بالخلق أن أعذبهم بعد توبتهم من كفرهم. ثم قال: {إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله}. أي: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته. {والملائكة}: أي ولعنة الملائكة.
{والناس}: يعني قول الناس: {عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله}. وعني بالناس أجمعين هنا المؤمنون خاصة. قاله قتادة والربيع. وعن أبي العالية أن ذلك يكون يوم القيامة، قال: " إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون ". وهو اختيار الطبري واحتج بقوله تعالى: {أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين} [هود: 18]. وقال السدي في قوله: {والناس أَجْمَعِينَ}: " أنه لا يتلاعن إثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: " لعن الله الظالم " إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنه ظالم، فكل واحد من الخلق يلعنه ". ثم قال تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ}. أي: خالدين في جهنم باللعنة، لا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة ولا هم ينظرون لمعتذرة يعتذرون بها كما قال: {هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ} [المرسلات: 35] {وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 36].
قاله أبو العالية. [و] إنما جاء لفظ {والناس أَجْمَعِينَ} بلفظ العموم، وقد علم أن أهل دينهم لا يلعنونهم لأنهم وإن كانوا لا يقصدون باللعنة أهل دينهم فلا بد لهم أن يقولوا: " لعن الله الظالم " أو " الظالمين " فيدخل في ذلك كل كافر كائناً من كان. ثم قال: {وإلهكم إله وَاحِدٌ}. أي: معبودكم أيها الناس واحد، لا معبود غيره يستحق العبادة. {الرحمن الرحيم} / أي: الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بأوليائه. ومعنى " واحد " في صفته ونعته وأنه لا شبيه له ولا نظير. وليس معناه واحداً في العدد لأن كل مفرد من المخلوقات واحد في العدد، فالمعنى أنه من فرد واحد في الألوهية والقدرة والصفات [لا ثاني] له. ثم قال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار} الآية. هذه الآية فيها تنبيه من الله D لخلقه على قدرته ونعمه. والآية دالة على
توحيده المقدم ذكره في الآية الأولى. والمعنى: إن في رتبة هذه الأشياء وحدوثها وإحكام صنعتها لعلامات بينة، ودلالة واضحة على توحيد خالقها وإيجاب العبادة له دون غيره لقوم يعقلون. وروي أن قوله: {وإلهكم إله وَاحِدٌ} الآية، لما نزلت، قال المشركون: " ما البرهان على ذلك ونحن ننكر ذلك، ونزعم أن لنا آلهة كثيرة؟ فأنزل الله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض} الآية، احتجاجاً عليهم فيما ادّعوا. هذا قول عطاء. والمعنى بهذه القدرة والآيات تعلمون أن الإله إله واحد لا تجب العبادة إلا له. وقال أبو الضحى: " لما نزلت: {وإلهكم إله وَاحِدٌ} الآية، قال المشركون: إن كان هذه هكذا، فليأتنا بآية. فأنزل الله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض} الآية. وروى ابن جبير " أن قريشاً سألت / اليهود عما جاءهم به موسى / من الآيات
165
/ فحدثوهم بالعصا وبيده بيضاء، وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى A من الآيات، فحدثوهم أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. فقالت قريش للنبي A: " ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً، فنزداد يقيناً ونتقوى به على / عدونا ". فسأل النبي A ربّه، فأوحى الله D إليه: " إني أعطيهم أن أجعل لهم الصفا ذهباً، ولكن إن كذبوا بعد، عذبتهم عذاباً لم أعذبه أحداً من العالمين ". فقال النبي A: " دَعْنِي وَقَوْمِي فَأَدْعُوهُم يَوْماً بِيَوْمٍ فَأَنْزَلَ الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض} " الآية. أي: إن في ذلك لآية لهم إن كانوا يريدون أن أجعل لهم آية. وقاله السدي وغيره. قوله تعالى: {وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَاداً} إلى قوله: {مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. أي: ومن الناس من يعبد آلهة / وأصناماً من دون الله، يحبون الأصنام كحبهم لله. أي يُسوّون بين الله وبين الأصنام في المحبة، والمؤمنون أشد حباً لله من الكفار لآلهتهم. وجاءت الهاء والميم للأصنام وهي لا تعقل لأنها كانت عندهم ممن يعقل ويفهم، فخوطبوا على ما كان في ظنهم فأجريت مجرى من يعقل بالهاء والميم.
قال ابن مسعود: " قال رسول الله [عليه السلام]: " مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لله نِداً، أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ "، وأنا أقول: " من مات لا يجعل لله نداً، أدخله الله الجنة ". وقيل: المعنى: يحبون الأصنام كحبكم أنتم الله، وأنتم أشد حباً لله من الكفار لآلهتهم. وقيل: جاء ضمير الأصنام بالهاء والميم، وهي لا تعقل لأنهم لما عبدوها أنزلوها منزلة من يعقل. وقال السدي: " الأنداد هنا ساداتهم الذين كانوا يطيعونهم كما يطيعون الله. ثم قال: {وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب}. أي: ولو ترى يا محمد الذين كفروا وظلموا أنفسهم حين يرون عذاب الله لرأيت أمراً عظيماً، ولعلمت أن القوة لله جميعاً.
فجواب " لو " محذوف، وفتح " أن " على تقدير فعل محذوف وهو جواب " لو ". وقيل: إن " أنْ " فتحت بـ " تَرَى ". وهو قول المبرد والأخفش. و" ترى " بمعنى تعلم، التقدير: " ولو يعلم الذين ظلموا جميعاً لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة دون الله ". وهذا إنما يكون على قراءة من قرأ بالياء. وقيل: معنى: " ترى " تنظر، وأن التقدير: ولو تنظر يا محمد الذين ظلموا حين يرون العذاب لأقروا أن القوة لله. وقيل: فتحت " إن " على تقدير اللام أي: لأن القوة لله، والجواب أيضاً محذوف تقديره: لعلموا مبلغ عذاب الله ونحوه. ومن كسر " إِنّ " كسرها على الابتداء، وجواب " لو " محذوف أيضاً.
وقيل: إنَّ كسرَها على إضمار القول أي: " يَقولونَ: إِنَّ القُوَّةَ للهِ ". ثم قال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا}. والمعنى: وإِن الله شديد العذاب حين تبرأ الذين اتُّبعوا - وهم سادات الكفار وأهل الرأي منهم الجبابرة - من الذين اتَّبعوا - وهم أتباع السادات. {وَرَأَوُاْ العذاب}: أي: ورأى الجميع / عذاب الله وذلك كله في القيامة. {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب}. يعني القرابات التي كانت بينهم في الدنيا والصداقات فلم ينتفعوا. هذا قول قتادة وعطاء والربيع. والهاء في " بِهِمْ " ترجع على التابعين والمتبوعين. وكذلك الهاء في " يُرِيهِمْ " و " أعْمالِهمْ ". وقال السدي: " الذين اتبعوا هم / الشياطين تبرأُوا في القيامة ممن اتبعهم من الإنس ". وقيل: الآية عامة في كل من اتبع على شرك تبرأوا في الآخرة ممن اتبعهم. قال مجاهد: " الأسباب: الوصايل والمودة ". وقاله ابن عباس.
قال قتادة: " صارت مواصلتهم في الدنيا عداوة يوم القيامة ". قال تعالى ذكره: {يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} [العنكبوت: 25]. وقال: {الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين} [الزخرف: 67]. وعن ابن عباس أيضاً: " أن الأسباب هي المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا ". وعنه أيضاً: " الأسباب: الأرحام ". وقال السدي: " الأسباب الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا ". وقاله ابن زيد. {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب}: أعمال أهل التقوى. وقيل: أعطوا [أسباب أعمالهم السيئة، وتقطعت بهم أسباب] أعمال أهل التقوى. وأصل " السبب " الحبل يتعلق به إلى الحاجة التي لا يوصل إليها إلا
بالتعلق، ثم يقال لكل ما هو سبب إلى حاجة: سبب وإن لم يكن حبلاً. ثم قال تعالى: {وَقَالَ الذين اتبعوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ}. أي: وقال الأتباع: لو أن لنا رجعة إلى الدنيا فنبرأ من هؤلاء القادة الجبابرة الذين اتبعناهم في الدنيا على الشرك كما تبرأوا منا الآن. ثم قال {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} /. أي: كما أراهم الله العذاب وتبرأ بعضهم من بعض كذلك يريهم / أعمالهم حسرات عليهم: أي ندامات. والمعنى: كذلك يريهم الله عذاب أعمالهم السيئة ليتحسروا على عملها. قاله الربيع وابن زيد. وهو اختيار الطبري. وقيل: المعنى: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي افترضها الله عليهم في / الدنيا فضيعوها، ولم يعملوا بها ليتحسروا على تركها. قال السدي: " يرفع الله لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أنهم أطاعوا الله، فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله، ثم تقسم بين المؤمنين فيريهم الله
ذلك، فذلك حين يندمون ". وقال ابن مسعود: " ليس من نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة؛ فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال لهم: لو عملتم، فتأخذهم الحسرة. ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا أن الله مَنَّ عليكم ". فالمعنى على هذا: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي كانت / تلزمهم في الدنيا فتركوها وضيعوها حسرات عليهم. والحسرة في اللغة: أشد الندامة. ثم قال: {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النار}. أي: ليسوا يخرجون من النار أبداً، يعني به القوم الذين تقدمت صفتهم وتبرأ بعضهم من بعض، وتمنى بعضهم الرجعة إلى الدنيا. وهذه الآية تدل على فساد قول من زعم أن عذاب الله D للكفار له نهاية. وقوله: {يا أيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض حَلاَلاً طَيِّباً}. أي: كلوا مما أحل الله لكم من الأطعمة على لسان محمد A.
قوله: / {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان}. قال ابن عباس: " خطواته: عمله ". وقال مجاهد: " خطاياه ". وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد. أي: خطاياه التي يأمر بها ويدعو إليها. وقال السدي: " خطوات الشيطان: طاعته ". وقال أبو مجلز: " هي النذور في المعاصي ". قوله: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}. أي: ظاهر العداوة، فالمعنى: النهي عن اتباع ما يدعو إليه الشيطان مما هو خلاف لطاعة الله D. ثم قال تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بالسوء}. أي بما يسوؤكم، ولا تسركم عاقبته. {والفحشآء}: أي: ما فحش ذكره مثل الزنا والكفر.
170
قال السدي: " السوء: المعصية، والفحشاء: الزنا ". ثم قال تعالى: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. أي ويأمركم أن تقولوا ذلك، وهو تحريم البحائر والسوائب والوصائل والحوام التي كانت أهل الجاهلية تحرمه، ولم يأمر الله بذلك. قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله}. إلى قوله: {إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. الهاء والميم في " لهُمُ " تعودان على " من " في قوله {مَن يَتَّخِذُ}. وقيل: تعودان على " الناس " من قوله: {وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ}. وهو اختيار الطبري. وذكر ابن عباس أن النبي [عليه السلام] دعا نفراً من اليهود إلى الإسلام، ورغبهم وحذرهم عذاب الله. فقالوا: {بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} أي: وجدنا.
فأنزل الله D في ذلك: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا} الآية. والمعنى: وإذا قيل لهؤلاء الكفار اتبعوا ما أنزل الله؛ أي: اتبعوا ما حرم الله عليكم فحرموه وما [أحل الله] لكم فحللوه، ولا تحدثوا تحريم ما أحل الله لكم مثل البحائر والوصايل والسوائب والحوام التي قد حرمتم من عند أنفسكم، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فأبوا إلا الكفر واتباع الكفر. قال الله تعالى: / {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}. أي: لا يعقلون شيئاً من الدين، ولا يهتدون إلى شيء من الخير تتبعونهم. فالمعنى: كيف تتركون ما أمركم به الله D وتتبعون طريق من لا يهتدي للحق ولا يعقل الخير. ثم قال: {وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ}. أي: مثل الكافر في قلة فهمه لما يتلى عليه من عند الله D وما يدعى إليه ويوعظ به، مثل البهيمة التي تسمع الصوت إذا نعق بها، ولا تعقل ما يقال لها. قال عكرمة: " معناه: مثلهم كمثل البعير أو الحمار تدعوه فيسمع الصوت، ولا
يفقه ما تقول له ". قال ابن عباس: " معناه: مثل الكافر كمثل البعير أو الحمار أو الشاة، إذا قلت لبعضها: كُلْ، لم تعلم ما تقول، غير أنها تسمع الصوت. كذلك الكافر إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك ". قال مجاهد: " هذا مثل ضربه الله تعالى للكافر يسمع / ما يقال له، ولا يعقل، كمثل البهيمة تسمع النهيق ولا تعقل ". وعلى هذا المعنى فسره كل المفسرين. وقوله: / {إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً}. أي: لا تعقل البهيمة ما يقال لها، إنما تسمع دعاء ونداء، كذلك الكافر. والذي ينعق هو الراعي للغنم، فكما أن الغنم تسمع صوت الراعي إذا دعا بها ولا تفقهه، كذلك الكفار يسمعون ما يقول / لهم محمد A وما
يدعوهم إليه ولا يفهمونه ولذلك قال تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ}. أي: حالهم حال الأصم الأبكم الأعمى، إذ لا ينتفعون بذلك فيما يدعون إليه. فالمعنى: صم عن سماع الحق [بكم عن قول الحق، عمي عن النظر إلى الحق]. وإنما قدم " صُمّ " في هذا الموضع وفي أول السورة على ما بعده لأنه أشد بلاء مما بعده لأنه يذهب به السمع والعقل. ألا ترى إلى قوله تعالى: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ} [يونس: 42] فذكر ذهاب السمع [مع الصّمّ]، وذكر بعده ذهاب البصر مع العمي لا غير. وعن ابن عباس أن التقدير: " مثل وعظ الذين كفروا وواعظهم، كمثل الناعق بالغنم، والمنعوق بهم ". فأضيف المثل إلى الذين كفروا، وترك ذكر الوعظ والواعظ لدلالة الكلام عليه. وقيل: التقدير: ومثل الذين كفروا في تخلف فهمهم عن الله D ورسوله / كمثل / المنعوق بهم من البهائم.
وقال ابن زيد: " معنى الآية: مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة التي لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى، فهو يصيح بما لا يسمع ويجيبه بما لا نفع فيه ولا حقيقة ". وقيل: المعنى: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم وهي لا تفهم عنهم، كمثل الناعق بالغنم ينعق بما لا يفهم عنه قوله. فكما لا ينتفع الناعق بالغنم بأن تفهم عنه، كذلك الكافر مع آلهته. قال سيبويه: " تقديره: " مثلكم ومثل [الذين] كفروا، كمثل الناعق والمنعوق به الذي لا يسمع. قال: فلم يشبهوا بما ينعق، إنما شبهوا بالمنعوق به ". وكذا قال أبو عبيدة. وقال قطرب: " معناها: مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يعقل ولا يسمع، كمثل الراعي إذا [نعق بغنمه، وهو أن يصوت] بها، وهو لا يدري أين هي ". وهذه الآية عند الطبري نزلت في اليهود. وهو قول عطاء. ومعنى
ينعق: يصوت. ثم قال: {يا أيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}. أي من حلال الرزق الذي أحله الله لكم، وذروا ما حرم عليكم. {واشكروا للَّهِ}. أي: اثنوا عليه بما هو أهله على نعمه عندكم. {إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}: أي: إن كنتم منقادين لأمره سامعين له مطيعين. ثم قال: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله}. أي: لم يحرم عليكم شيئاً مما حرمتموه على أنفسكم من البحائر والوصائل والسوائب والحوام التي حرمتموها على أنفسكم، إنما حرم عليكم أكل لحم الميتة ولحم الخنزير وأكل الدم وأكل ما ذبح لغير الله مثل ما يذبح للأصنام والأوثان، وما ترك ذكر اسم الله عليه متعمداً، فإنْ تَرَكَه ناسياً فلا شيء عليه. وهذا المحرم لفظه عام وفيه تخصيص لأن الميتة من الجراد وصيد البحر والدم المخالط للحم الذي هو غير جار وما نسي عليه التسمية كله حلال أكله.
ومعنى: {وَمَآ أُهِلَّ}: ما ذبح لغير الله، يعني للأصنام. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. ف " ما " للأصنام. . . وقيل: هي للذبائح، للأصنام. وقيل: للصياح؛ النداءُ الذي ينادى به لغير الله على الذبائح. وأصل الإهلال رفع الصوت. وقيل: المعنى ما ذكر عليه غير اسم الله. ثم قال: {فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ}. أي / فمن لحقته ضرورة من جوع وجهد وخوف على نفسه من الهلاك، {غَيْرَ بَاغٍ} على المسلمين، ولا متعمد للأكل، {وَلاَ عَادٍ}، أي متعد على الناس. وقيل: {وَلاَ عَادٍ} معناه: ولا عائد لأكْلة أخرى لغير ضرورة فيكون / من المقلوب، أخرت الياء فصار كقاض. قوله: {فلا إِثْمَ عَلَيْهِ}. أي: لا حرج عليه في أكل ما يرد به روحه.
وقيل: " معناه: من أكره على أكل شيء من هذا المحرم فلا إثم عليه إنْ أكَله مكرهاً ". قاله مجاهد. وقال ابن عباس: " من أكل شيئاً من هذا وهو مضطر فلا حرج عليه، ومن أكله غير مضطر فقد بغى واعتدى ". قال ابن جبير في قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ}، قال: " هو أن يقطع الطريق فلا رخصة له إذا جاع أن يأكل الميتة، وإذا عطش أن يشرب الخمر ". وهو قول قتادة وعكرمة. وقال ابن زيد: " لا يأكل ذلك بغياً ولا تعدياً من الحلال إلى الحرام ". وقال النخعي: " غير باغ على المسلمين ". / قال مجاهد: {وَلاَ عَادٍ}: ولا متعد عليهم: من خرج يقطع السبل ويقطع الرحم فلا يحل له شيء من ذلك وإن اضطر ". فذهب إلى أن الباغي قاطع الطريق. والعادي قاطع الرحم.
قال الحسن: " غير باغ فيها، ولا متعد فيها يأكلها، وهو عنها غني ". وقيل: المعنى: غير باغ ما حرم الله، ولا عاد. وله في تركها وجه. وأجاز بكر القاضي لقاطع الطريق أن يأكل منها إذا اضطر، لأن قتله لنفسه معصية أخرى / فلا يأمره بها. قال مسروق: " ومن اضطر إلى الميتة فأبى أن يأكل حتى مات، دخل النار ". وقال مالك: " من اضطُر، أَكَل شِبَعه منها ".
174
وقال غيره: " إنما يأكل منها ما يقيم به الرمق ". وقيل: {غَيْرَ بَاغٍ}: غير خارج على المسلمين بسيفه باغياً عليهم ولا عادياً عليهم بحرب ظلماً. {فلا إِثْمَ} أي: فلا حرج، إن الله غفور رحيم. قوله: {إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب}. [إلى قوله: {المتقون}. هذه الآية عند قتادة وغيره نزلت في أهل الكتاب. كتموا ما أنزل الله D في كتابهم من أمر محمد A. قال ابن عباس: " هم اليهود كتموا اسم محمد A وأخذوا عليه طمعاً قليلاً ". وهو قول السدي والربيع. وقال عكرمة في هذه الآية وفي قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} [آل عمران: 77]: نزلت جميعاً في يهود ".
قال ابن مسعود: / " قال النبي A: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْطَعُ بِها مالاً لَقِيَ اللهَ، وهُوَ عَلَيْهِ غَضْبانٌ " وتصديقه في كتاب الله D: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً}. ومعنى {يَشْتَرُونَ} يبتاعون به. والهاء في: " به " تعود على الكتمان، أي: وابتاعوا بكتمانهم ما أنزل الله D في كتابهم / من ذكر محمد A. { ثَمَناً قَلِيلاً}: أي: أخذوا عليه طمعاً قليلاً، أي: أخذوا الرشوة وكتموا ما أنزل الله D وبدلوه وحرفوه. ثم قال تعالى: {أولئك مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار}. أي: ما يأكلون في بطونهم من الرشا إلا ما يؤديهم إلى النار، ومثله: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [النساء: 10] أي: ما يوردهم النار. فاستغنى في الآيتين بذكر
النار لفهم السامعين المعنى لأنه لما كان ما يأكلون من الطيبات بالرشا يوردهم النار كانوا كأنهم يأكلون النار. وإنما قال {فِي بُطُونِهِمْ}، وقد علم أن الأكل لا يكون إلا في البطن لأن العرب تقول: " جُعْتُ فِي غَيْرِ بَطْنِي " و " شَبِعْتُ في غَيْرِ بَطْنِي ". فقيل في الآية: {فِي بُطُونِهِمْ} / للفرق والتأكيد. وقوله: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ القيامة}. أي: لا يكلمهم بما يحبون ولا بما يشتهون، ويكلمهم بما يكرهون لأنه قد أخبر بأنه يقول لهم {قَالَ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108] وقيل: معنى {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ}: يغضب عليهم. يقال: " فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلاناً " إذا غضب عليه. وقيل: المعنى: لا يسمعهم كلامه لأن الأبرار يسمعون كلامه. وقيل: معناه: لا يرسل لهم الملائكة بالتحية. وقوله: {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ}: أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: أي موجع. ثم قال تعالى: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى}.
أي: أولئك الذين أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى، وأخذوا ما يوجب لهم عذاب الله يوم القيامة، وتركوا ما يوجب لهم عفوه. فاستغنى بذكر العذاب والمغفرة عن ذكر السبب الذي يوجبهما لفهم سامعي ذلك. ثم قال تعالى: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار}. قال ابن عباس: " معناه: ما الذي صبرهم على النار ". وقال أبو عبيدة: " معناه: ما الذي أصبرهم على النار، ودعاهم إليها، وليس بتعجب ". وهو قول السدي. فَ " ما " استفهام في القولين جميعاً. وقال مجاهد والحسن وقتادة: " هو تعجب ". ومعنى التعجب في هذا أن الله جل ذكره يعجب خلقه منهم، ومن جرأتهم على عمل يوردهم النار. وقال مجاهد: " معناه: / ما أعملهم بأعمال أهل النار ". أي: ما أشد جرأتهم
على عمل يوجب لهم النار. وقيل: معناه: ما أبقاهم في عذاب الله. وقيل: معناه: ما أصبرهم على الأعمال التي توجب لهم النار. ثم قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب بالحق}. أي: بالواجب. وحيثما ذكر الحق فمعناه الواجب. أي: ذلك فعلهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق. وقيل: المعنى: ذلك العذاب المذكور لهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق. فَ " ذلك " في موضع رفع في القولين. وقيل: المعنى: فعلنا ذلك لأن الله نزل الكتاب بالحق، فكفروا به، فَ " ذَلِكَ " في موضع نصب في هذا القول. ثم قال: {وَإِنَّ الذين اختلفوا فِي الكتاب لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}. يعني به اليهود والنصارى؛ اختلفوا في الكتاب فكفرت اليهود بما قص الله فيه من قصص عيسى A وأمه، وصدقت النصارى ببعض ذلك. [و] كفروا جميعاً بما أنزل الله فيه من الأمر بتصديق / محمد A.
/ والمعنى: [وإنهم لفي] منازعة ومباعدة للحق، بعيدة مِنَ الصواب والرشد. قال السدي: " {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}: لفي عداوة بعيدة ". ثم قال تعالى: {لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب}. أي: ليس البر الصلاة وحدها، ولكن البر الجمع لفعل هذه الخلال المذكورة بعده. قال ابن عباس: " هذا حين نزلت الفرائض وحدت الحدود ". وقاله الضحاك وغيره. وهو اختيار الطبري، وهو قول الربيع بن أنس. وقال قتادة: " كانت اليهود / تصلي قبل المغرب، والنصارى تصلي قبل المشرق، فأعلموا أن البر ليس هو كله ما يصنعون، ولكن البر عمل هذه الخصال التي بيَّنها بعد ". وقد قيل: إن هذه الآية خصوص في الأنبياء وحدهم صلوات الله عليهم، لأن هذه الأشياء التي وصفت في الآية لا يؤديها بكليتها على حق الواجب فيها إلا
الأنبياء صلوات الله عليهم، ولكن الله قد أمر جميع الخلق بالعمل بجميع ما فيها. وقوله: {وَآتَى المال على حُبِّهِ}. أي: على محبته إياه وشحه عليه. فالهاء في " حبه " تعود على المؤمن، أي: على حبه إياه، يعني المال. وقيل: هي راجعة على المال، أي: على حب الرجل المال. فأضيف الحب إلى المال فهو المفعول به. كما تقول: " أَعجبني أكلُ الخبز وشربُ الماء "، أي: أكلُ الرجلِ الخبزَ وشربُ الرجلِ الماءَ. وقيل: الهاء ترجع على الإيتاء، ودل عليه: " وَآتَى "، والتقدير: على حب الإيتاء أي: على حب الرجل الإيتاء. وقيل: / الهاء تعود على المؤمن، وتنصب " ذَوِي الْقُرْبَى " في هذا الوجه بالحب، أي: على حب المؤمن ذوي القربى. وتنصب " ذَوِي " في الوجوه المتقدمة بـ " آتَى ".
وقيل: الهاء ترجع على الله جل ذكره؛ أي: على حُبِّ / الله "، وتنصب ذوي بـ " آتَى ". قال ابن مسعود: " هُوَ أنْ يُؤْتِيَهُ وَهُوَ صَحيحٌ شَحِيحٌ يَأْمَلُ العَيْشَ وَيَخَافُ الْفَقْرَ ". ورواه ابن مسعود عن النبي [عليه السلام]. وروي عنه A أنه قال: " فِي المالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكاةِ " وتلا هذه الآية. قوله تعالى: {ذَوِي القربى}: أي ذوي الأرحام. وسئل النبي [عليه السلام] عن أفضل الصدقة فقال: " جُهْدُ المُقِلِّ عَلَى ذِي القَرَابَةِ الكاشِحِ ".
وقوله: {وابن السبيل}. قال قتادة: " هو الضيف ". وقيل: " هو المسلم يمر عليك من بلد إلى بلد ". قاله مجاهد وقتادة. وقيل للمسافر: " ابن السبيل "، لملازمته السبيل وهي الطريق، كما يقال لطير الماء: ابن الماء لملازمته الماء. ويقال للرجل الذي أتت عليه الدهور: هو ابن الأيام والليالي. وعلى هذا يُتأول حديث النبي [عليه السلام] في قوله: " لا يَدْخُلْ الجَنَّةَ وَلَدُ زِنا "، معناه اللازم للزنا، جعل ابن زنا لملازمته له، كما قيل: ابن السبيل، وابن ماء، وابن الأيام. وقوله: {والسآئلين}. يعني به المعترضين الطالبين للصدقة. وقوله: {وَفِي الرقاب}.
يعني: يعان به المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودية. وقوله: {وَأَقَامَ الصلاة}. أي: أدام العمل بها بحدودها في أوقاتها. قوله: {وَآتَى الزكاة}. أي أعطاها على ما فرضها الله تعالى عليه. وقوله: {والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ}. رفعت {والموفون} على العطف على " مَنْ " في قوله: {ولكن البر مَنْ آمَنَ}، أي: " ولكن البارُّ من آمن " على قراءة من خفف أو شدد. وبعده: {والصابرين} هو نصب على المدح. وقيل: {والموفون} رفع على إضمار مبتدأ " وهم الموفون "، تجعله مدحاً للمضمرين داخلاً في صلة " من ". وتنصب " الصابرينَ " على العطف على {ذَوِي القربى} أو على " أعني ". وأجاز الكسائي رفع {والموفون} / على العطف على " مَنْ " في قوله: {ولكن البر مَنْ آمَنَ}
على ما تقدم. وتنصب {والصابرين} على العطف على {ذَوِي القربى}. وهو خطأ لأنه يفرق بين الصلة والموصول، فيعطف على الموصول، ثم / يعطف بعده على ما في الصلة، فيفرق بين الصلة وهي: {والصابرين} والموصول وهو: " مَنْ "، بِ " المُوفُونَ ": وليس بداخل في الصلة. إنما هو معطوف على الموصول. وقيل: إن " المُوفُونَ " عطف على المضمر في " آمَنَ "، و " الصَّابِرِينَ " عطف على " ذَوِي القُرْبَى " أو على " أَعْنِي " على المدح. وقيل: إن " الصَّابِرِينَ " عطف على " السَّائِلِينَ "، ومعنى الكلام: والذين لا ينقضون عهد [الله] بعد المعاهدة، ولكن يوفون به.
وقوله: {والصابرين فِي البأسآء والضرآء}. أصل الصبر الحبس عن الشيء. فالمعنى: والحابسين أنفسهم عن ما يكرهه الله D في البأساء وفي الفقر، والضراء وهي السقم. قاله ابن مسعود. وعنه: " أن البأساء: الجوع، والضراء: المرض ". وعنه: " البأساء: الحاجة ". وقال قتادة: " كنا نحدث أن البأساء: البؤس والفقر، والضراء: السقم " / وهو قول الربيع. وقال قتادة أيضاً: " البأساء: البؤس، والضراء: الزمانة في الجسد ". قال الضحاك: " البأساء: الفقر، والضراء: المرض ". وقوله: {وَحِينَ البأس}.
قال ابن مسعود: " وحين القتال ". والضُّراء - بالضم - في اللغة الزمانة والمرض. والضَّراء بالفتح ضد النفع. و " البأْساءُ " و " الضَّرَّاءُ " جاءا على " فَعْلاءَ " وليس لهما " أفْعَلُ " لأنه اسم وليس بصفة، كما جاء " أَفْعَلُ " في الكلام وليس له " فَعْلاءُ " نحو " أَحْمَدَ ". وقد قالوا في الصفة: " أَفعَلَ "، ولم يأت منه " فَعْلاءُ "؛ قالوا: " أنْتَ مِنْ ذَلِكَ أوْجَلُ "، ولم يقولوا: " وَجْلاءَ ". وقد قيل: البأساء والضراء اسمان للفعل بمعنى المصدر، فهما بمعنى البؤس والضر، يقعان " لمؤنث ولمذكر ". ثم قال: {أولئك الذين صَدَقُواْ}. أي: صدقوا الله في إيمانهم به وحققوا قولهم بفعلهم، لا مَن ولى وجهه قِبَل المشرق والمغرب وهو يخالف أمره ويكتم وحيه ويُكذِّب رسله.
178
ثم قال: {وأولئك هُمُ المتقون}. أي هم الذين اتقوا عقاب الله، فتجنبوا معاصيه، ولم يتعدوا حدوده. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى}. إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. معناه: فرض عليكم القصاص في قتلاكم. ف " كتب " بمعنى " فرض "، ومنه قوله: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال} [النساء: 77] أي: فرضته. وقيل: كتب ذلك في اللوح المحفوظ. ويكون " كَتَبَ " بمعنى " قَضَى ". من قوله: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا} [التوبة: 51]. / أي: قضى علينا. ويكون " كتب " بمعنى جعل كقوله: {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان} [المجادلة: 22]. وكقوله: {فاكتبنا مَعَ الشاهدين} [آل عمران: 53]. و {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156]. ويكون " كَتَبَ " بمعنى " أَمَرَ " كقوله: {ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 21]. والمعنى: فرض عليكم أن تقتصوا ممن قتل أولياءكم إن شئتم ذلك، وليس
القصاص بفرض عليهم، إنما هو مباح لهم، وإن شاء الولي عفا وإن شاء أخذ الدية. قال ابن عباس: " كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، ثم بين تعالى كيف القصاص، فقال: {الحر / بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}، أي: يقتل هذا بهذا. ولا يقتل حر في عبد عند مالك والشافعي. وهذه الآية عند ابن عباس / منسوخة بقوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس} [المادة: 45]، لأن آية البقرة توجب ألا تقتل امرأة قتلت رجلاً، ولا رجل قتل امرأة، ولا عبد قتل حراً، وآية المائدة توجب قتل النفس بالنفس، فيلزم منها يقتل الحر بالعبد. لكن فيها تخصيص. قال ابن عباس: " كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فأنزل الله {النفس بالنفس} فجعل الله الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم في العمد، - رجالَهم ونساءَهم - في النفس وفيما دون النفس ".
وتأول أبو عبيد على ابن عباس أن مذهبه: أن آية المائدة ليست بناسخة لآية البقرة، وكأن آية المائدة مفسرة لآية البقرة، فبينت آية المائدة أن أنفس الأحرار متساوية فيما بينهم دون العبيد ذكوراً كانوا أو إناثاً، وأن أنفس المماليك متساوية أيضاً فيما بينهم وأنه لا قصاص للمماليك على الأحرار، فالآيتان محكمتان عنده إحداهما مبينة للأخرى مفسرة لها. وقال الشعبي: " نزلت آية البقرة في قوم اقتتلوا فقتل بينهم خلق كثير، فقالت الغالبة العزيزة من القبيلتين المتقاتلتين: " لا نقتل بالعبد منا إلا الحر منهم ولا بالأنثى منا إلا الذكر منهم " فأنزل الله: {الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}. وقال السدي: " نزلت في فريقين وقعت بينهما قتلى، فأمر النبي [عليه السلام] أن يقاص بينهما، ديات النساء بديات النساء، والرجال بالرجال ". فالآية على هذا محكمة مخصوصة. / وقال الحسن: " الآية على التراجع: إذا قتل رجل امرأة، كان أولياء المرأة
بالخيار، إن شاؤا قتلوا الرجل وأدوا نصف الدية، وإن شاؤا أخذوا نصف الدية. وإذا قتلت امرأة رجلاً؛ فإن شاء أولياء الرجل قتلوا المرأة وأخذوا نصف الدية، وإن شاؤا أخذوا الدية كاملة. وإذا قتل حر عبداً؛ فإن شاء مولى العبد أن يقتل الرجل ويؤدي بقية الدية بعد قيمة العبد. وإذا قتل عبد رجلاً حراً، فإن شاء أولياء الرجل قتلوا العبد، ويأخذون بقية الدية ". وقال مالك: " أحسن ما سمعت في هذه الآية يراد بها الجنس: الذكر والأنثى
فيه سواء "، يعني الأحرار وأعاد ذكر الأنثى إنكاراً لما كان في الجاهلية. ولا يقتل الحر بالعبد عنده، ولكن عليه قيمته. ولا يقتل المسلم بالذمي، وعليه الدية في العمد والخطأ. وبذلك قال عمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء وعكرمة وابن دينار والشافعي. ودليل ذلك إجماعهم أنه لا يقتص للعبد من الحر / فيما دون النفس، فكانت النفس كذلك. / فأما قوله: {النفس بالنفس} فإنما هو إخبار عما فَرَضهُ الله على بني إسرائيل. وقد أجمع على القصاص بين الأحرار، فدخل في ذلك قتل الأنثى بالذكر، والذكر بالأنثى من الأحرار. وقد قال ابن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة والثوري وأصحاب الرأي: " يقتل الحر بالعبد بدليل قوله: {أَنَّ النفس بالنفس} [المائدة: 45]، ولقول النبي [عليه السلام]: " المُؤْمِنونُ تَتَكافَأُ دِماءُهُمْ وَلِيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْناهُمْ "، والعبد المؤمن كالحر، وقالوا: لما لم يكن قوله: (الأُنْثَى بالأُنْثَى) بمانع من قتل الأنثى بالذكر والذكر
بالأنثى، كذلك لا يمنع قوله: (العَبْدُ بالعَبْدِ) مِن قتل الحر بالعبد. وهذا باب واسع يستقصى إن شاء الله في كتاب الأحكام. ثم قال تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ}. أي فمن ترك له ولي المقتول من الدية شيئاً. {فاتباع بالمعروف} أي فليتبع العافي القاتل بالمعروف. وقوله: {وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}. أي: وليؤد القاتل إلى الولي ما قَبِله من الدية بإحسان. وهذا قول مروي عن ابن عباس. [فَالهاءُ في " لَهُ " تعود على هذا القول] للقاتل. والهاء في " أخيه " للقاتل أيضاً. والهاء في " إِلَيْهِ " لولي المقتول العافي. و" مَنْ " اسم القاتل، و " الأخ " ولي الدم. / قال ابن عباس: " كان القصاص في بني إسرائيل، ولم تكن الدية، فأباح الله
لهذه الأمة أخذ الدية تخفيفاً ". وقيل: المعنى: " فمن قبل منه ولي المقتول في العمد الدية فلْيَتْبعْ الولي أخذَ الدية بمعروف، وليؤد القاتل إلى الولي الدية بإحسان إذا قبلها منه في العمد، ولم يُطالبه بالقصاص ". وهو أيضاً مروي عن ابن عباس، وعن جابر بن زيد، وهو أبين في نص الآية، والهاءات على حالها. قال مجاهد: " هو أن يعفو الولي عن الدم ويأخذ الدية ". وهو القول الذي قبله. وقال الحسن: " على هذا الطالب أن يطلب بمعروف، وعلى المطلوب أن يؤدي بإحسان ". وهو قول الشعبي وقتادة وعطاء وغيرهم، وقالوا كلهم: " العفو أن يأخذ الدية في العمد ".
/ وقيل: المعنى: فمن عفي له من الواجب له على أخيه من قصاص وَليِّه شيء، فاتباع من الولي بمعروف وأداء من القاتل إلى الولي بإحسان. وهو قول مالك. فالهاء في " لَهُ " على هذا القول تعود على ولي المقتول، والهاء في " أَخيهِ " للولي. و " مَن " اسم ولي الدم، و " الأخ " اسم القاتل. وفي هذه الآية نظر يطول تقصيه. وجملة الاختلاف فيها أن المعفو له عند مالك وغيره ولي الدم، والعافي القاتل، وعفى عنده بمعنى يسر، والمعفو له [عند غير مالك القاتل، والعافي ولي] الدم. وعفا بمعنى ترك. هذا اختصار معنى الاختلاف في الآية فافهمه. و" الأخ " عند مالك القاتل، وهو عند غيره ولي الدم. و" مَنْ " على قول مالك اسم ولي الدم. وعند غيره اسم القاتل.
قال أبو محمد: انظر كيف سمّى القاتل عمداً أخا الولي، ولم يُخرجه بالقتل عن أخوة الإسلام. ثم قال تعالى: {ذلك تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ}. أي: ذلك الذي حكمنا به في هذه الآية من إباحتي الدية في العمد ولم أبح ذلك لغيركم من الأمم تخفيفٌ من ربكم عليكم، خصصتُكم به دون غيركم من الأمم، ورحمة من ربكم لكم. وذكر ابن بكير أن العافي هو القاتل، وأن أولياء المقتول مخيرون في قبول الدية أو القتل. قال: " ألا تراه قال: {وَلَكُمْ فِي القصاص حياوة}. وقيل: إن هذه الآية ناسخة لما كان عليه بنو إسرائيل من القصاص بغير دية. ثم قال تعالى: {فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. أي: مَن قتل بعد أخذ الدِّية فله / عذاب مؤلم في الآخرة، وحكمه أن يقتل
180
ولا تقبل منه الدية. وقيل: العذاب الأليم هنا القتل. / وقيل: هو شيء إلى السلطان يعاقبه بما شاء. وقال الحسن: " تؤخذ منه الدية التي أخذ، ولا يقتل ". وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: " نُقْسِمُ أَلاّ يُعْفَى عَنْ رَجُلٍ عَفَا عَنِ الدَّمِ، وأَخَذَ الدِّيَةَ، ثُمَّ عَدَا فَقَتَلَ ". وقيل: أمره إلى الإمام يفعل به ما رأى. ثم قال: {وَلَكُمْ فِي القصاص حياوة يا أولي الألباب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. أي إذا عَلِم من يريد أن يقتل أنه يقاصَص فيُقتل، أَمْسَك عن القتل فصارت معرفته بالقصاص فيها حياته، وحياة من أراد قتله. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. أي: تتقون القتل فلا تتعدون إليه لعلمكم بالقصاص. قوله {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت} إلى قوله: {إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
معناه: فرض/ علكيم الوصية إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً - أي: مالاً -/ للوالدين والأقربين، كان الله D قد فرض علينا أن نوصي عند الموت للوالدين والأقربين، ثم نسخ ذلك بآيات الميراث في النساء. وقيل: هي محكمة واجبة لمن لا يرث من الوالدين والأقربين. وهو اختيار الطبري. وروي عن الضحاك أنه قال: " من مات ولم [يوص لذي] قرابته فقد ختم عمله بمعصية ". وقال الحسن: " إذا أوصى الرجل لغير ذي قرابته بثلثه فلهم ثلث الثلث وباقي الثلث لقرابته ". وقاله طاوس.
وكونها منسوخة قول ابن عباس وقتادة. وعن قتادة والحسن أنه " إنما نسخ منها الوالدان، وبقي الأقربون الذين لا يرثون بالوصية لهم فرض ". وقال ابن زيد: " نسخ الله ذلك كله، وفرض الفرائض ". وهو قول ابن عمر وعكرمة ومجاهد والسدي. واختلفوا في نسخها فقال أكثرهم: " نسختها آيات النساء في المواريث. وقال بعضهم: " نسخها قول النبي [عليه السلام]: " لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ". وجواب الشرط عند الأخفش فاء محذوفة، والتقدير: " فالوصية ". فعلى هذا
يبتدأ بها لأنها مرفوعة بالابتداء. ويجوز أن تجعل {الوصية لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين} جواب الشرط، وتقدر به التقديم لأن الشرط إذا كان فعلاً ماضياً جاز تقدم الجواب عليه، فيكون التقدير: " الوصية لِلوالدين والأقربين إن ترك خيراً، فيحسن رفع الوصية / أيضاً بالابتداء، ويحسن رفعها على ما لم يسم فاعله. وكلهم على أن {خَيْراً} في الآية: المال. قال قتادة: " الخير: ألف دينار فما فوقه ". وروى هشام بن عروة عن عروة، أن علي بن أبي طالب Bهـ دخل على ابن عم له يعوده فقال: إني أريد أن أوصي، فقال: لا توص، فإنك لم تترك خيراً فتوصي. قال: فكان ما ترك من السبعمائة إلى التسعمائة ".
وقالت عائشة Bها لرجل معه أربع مائة دينار وله ولد كثير: " لا توص ". وقال النخعي: " هو ما بين الخمسمائة درهم إلى الألف ". وقال الزهري: " الوصية حق مما قل أو كثُر ". وهو اختيار الطبري. ويروى عن علي أنه قال: " أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة ". ومعنى {بالمعروف}: أي لا يضار الورثة مما يوصي فيما يوصي، فيوصي بأكثر من الثلث. وقوله: {حَقّاً عَلَى المتقين}: أي: على من اتقى الله فاتبع ما أمره. ثم قال تعالى: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ}. أي: فمن بدل الإيصاء ولمن أوصى به بعدما سمعه من الميت فإنما إثمه / على [من بدله]. {إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
أي: يسمع ما يوصي به الموصي / ولمن يوصي وغير ذلك. عليم بما تعملون وما تبدلُون وغير ذلك. " والهاء " في " بدَّلَهُ " تعود على الإيصاء والموصى له، وإن لم يجر له ذكر. لكن الكلام الأول يدل عليه ويتضمنه لأن الوصية تدل على الإيصاء والإيصاء يتضمن موصياً وموصى له. والوصية عند أكثر أهل العلم غير واجبة، إنما هي مندوب إليها إلا الزهري فإنه قال: " هي واجبة على من ترك خيراً ". وكلهم أجمعوا على أن مَنْ قِبَلُه أماناتٌ وودائعٌ وديون ونحو ذلك الوصية فرض. ثم قال تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ}. أي: فمن حضر مريضاً يوصي بوصية لا تجوز له في الدين، فلا حرج عليه أن يصلح بينه وبين ورثته ويأمره بالعدل في وصيته، وينهاه عن منعه مما أذن الله له فيه
وأباحه له. وقيل: المعنى: فمن خاف جنفاً من الموصي فأصلح بين الورثة والموصى لهم فرد الوصية إلى العدل والحق فلا حرج عليه. قال ابن عباس: " إذا أخطأ الميت في وصيته وخاف فيها فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب ". وهو معنى قول قتادة والنخعي. وقال عطاء: " معناها: من خاف من موص جنفاً في عطيته عند موته بعض ورثته / دون بعض، فلا إثم عليه أن يصلح بين الورثة ". وقيل: معناه: من خاف من موص جنفاً في وصيته لمن لا يرثه بما يرجع نفعه على من يرثه فأصلح بين ورثته، فلا إثم عليه. وهو معنى قول طاوس، قال: " جنفه توليجه بوصيته لبني ابنه ليكون
المال إلى أبيهم، وتوصي المرأة لزوج ابنتها ليكون المال لابنتها، فيصلح بينهم الوصي والأمير، ويوعظ هو في حياته ". وقال السدي: " نزلت هذه الآية في الوالدين والأقربين ". فمعناها: فمن خاف من موص لآبائه وأقربائه جنفاً على بعضهم لبعض فأصلح بين الآباء والأقربين، فلا إثم عليه. واختيار الطبري أن يكون معناها: من خاف من موص جنفاً أن يحيف في وصيته / فيوصي بأكثر مما يجب له في وصيته، فلا حرج على الذي حضر أن يصلح بين الموصي والورثة بأن يأمر الميت / بالمعروف والحق. والضمير في " بَيْنَهُمْ " يعود على الورثة والموصى لهم. أو على الورثة والموصى على الاختلاف المتقدم.
183
وجاز إضمارهم، ولم يجر لهم ذكر، لأن معناهم في الخطاب وفحوى الكلام مفهوم، لأن الميت وذِكرَه يدل على الورثة، والوصية تدل على الموصى له والموصى والموصي إليه. قال ابن عباس: " جنفاً: خطأ ". وقال عطاء: " ميلاً ". وقال الضحاك: " الجنف: الخطأ، والإثم: العمد " وهو قول النخعي. ثم قال: {إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. أي: " غفور " للموصي فيما حدث به نفسه من الجنف والخطأ والإثم العمد إذا ترك ذلك ورجع إلى الحق، " رحيم " بالمصلح. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ} إلى قوله: {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. أي: فرض عليكم أن تصوموا أياماً معدودات كما كتب على الذين من قبلكم الصيام، يعني / النصارى.
وقال الشعبي: " فرض على النصارى شهر رمضان كما فرض علينا، فحوَّلوه إلى الفصل، وذلك أنهم ربما صاموه في القيظ فعدّوا ثلاثين يوماً، ثم أتى قوم من بعدهم، فأخذوا بالشقة لأنفسهم، فصاموا قبل الثلاثين يوماً وبعدها يوماً. ثم لم يزل الآخر يستن بسنة القرن الذي قبله ويزيد يوماً أولاً ويوماً آخر. حتى صار إلى الخمسين يوماً، وقال: لو صمت السنة كلها لأفْطَرْتُ اليوم الذي يشك فيه، فيقال من شعبان، ويقال من رمضان ". وقال السدي: " {الذين مِن قَبْلِكُمْ} هم النصارى كتب عليهم رمضان وكتب عليهم ألا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا ينكحوا النساء في شهر رمضان، فاشتد عليهم شهر رمضان وجعل يصعب / عليهم في الصيف. فلما رأوا ذلك اجتمعوا على صيام في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: " نزيد عشرين يوماً. نكفر بِهَا ما صنعنا ". فجعلوا صيامهم خمسين يوماً، فلم يزل
المسلمون يتركون الأكل بعد النوم وقرب النساء في ليل رمضان حتى كان من أمر أبي قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب Bهما ما كان، فأحل الله D لهم الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر ". وقال قتادة: " كان قد كتب الله D على الناس صوم ثلاثة أيام من كل شهر ثم فرض شهر رمضان ". وقال جابر بن سمرة: " نسخ صوم رمضان صوم يوم عاشوراء، لأن النبي [عليه السلام] كان أمر بصومه قبل أن يفرض رمضان. فمن شاء الآن صامه ومن شاء أفطره. ". وروى [أبو] قتادة أن النبي [عليه السلام] قال: " صَوْمُ يَوْمِ عاشوراءَ يُكَفِّرُ سَنَةٌ
مُسْتَقَبَلَةً ". قالت عائشة Bها: " كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية. وكان رسول الله يصومه. . فلما قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه فنزل صوم رمضان /، فكان رمضان هو الفريضة فمن شاء صام عاشوراء، ومن شاء ترك ". وقال تعالى: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ} قال: " كان كتب عليهم صيام ثلاثة أيام من كل شهر ". والآية ناسخة لصيام ثلاثة أيام من كل شهر على هذا القول. وقال أبو العالية والسدي: " هذه الآية منسوخة لأن الله تعالى كتب على من كان قبلنا إذا نام بعد المغرب لم يأكل ولم يقرب النساء، ثم كتب علينا ذلك في هذه الآية " فقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ} ثم نسخه بقوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ} [البقرة: 187] الآية ".
وذكر الحسن عن النبي [عليه السلام] أنه قال: " كانَ عَلَى النَّصَارَى صَوْمُ شَهْر، فَمَرِضَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقال لَئِنِ اللهُ شَفاهُ ليَزيدَنَّ عَشْراً، ثُمَّ كانَ آخرُ فَأَكَلَ لَحْماً فَأَوْجَعَ فاهُ، فقالَ: لَئِنِ اللهُ شَفاهُ لَيَزيدَنَّ سَبْعاً، ثُمَّ كانَ مَلِكٌ آخَرٌ فَقالَ: " لَتَتِمَّنَ هَذِهِ السَّبْعَةُ عَشْراً، وَلأَجْعَلَنَّ صَوْمَنا في الرّبيعِ "، قالَ: فصارَ خمْسينَ يوْماً " يعني: بِ " الرجال ": ملوكاً سنوا سنناً وزادوا وبدلوا الأوقات. واختار الطبري قول من قال: " فرض على من كان قبلنا من أهل الكتاب صوم شهر رمضان ففرضه علينا ". وقال: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ}. واستدل على ذلك أن مَنْ بعدَ إبراهيم - عليه السلام - من الأنبياء / كانوا مأمورين بالاتباع له؛ وذلك أنَّ الله تعالى جعله [إماماً للناس] وأخبرنا أن دينه كان [الحنيفة المسلمة]، وأمر نبينا عليه السلام باتباعه فدل على أن إبراهيم A ومن كان بعده من الأنبياء صلوات الله عليهم فرض / عليهم صوم شهر / رمضان كما فرضه / الله تعالى علينا الآن، فوقع التشبيه على الوقت.
وقيل: إنما فرض الله علينا شهراً، كما فرضه على من كان قبلنا شهراً، وفرض علينا ترك الأكل والوطء بعد النوم، ثم أباحه لنا إلى الفجر. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. أي تتقون أكل الطعام وشرب الشراب، وجماع النساء فيه. وهو معنى قول السدي وغيره. وقيل: معناه: إن الصيام وصلة إلى التقى. فكأنه " صوموا ليقوى رجاؤكم في التقوى ". ثم قال تعالى: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ}. قال عطاء: " كان على الناس صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ثم فرض الله على المسلمين صوم شهر رمضان ". فهذا القول يدل على أن أياماً منصوبة بـ " كُتِبَ "، وهو قول الفراء. قال ابن عباس: " كان عليهم صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخه الله بصوم شهر
رمضان ". وهو قول قتادة. وقيل: [الأيام المعدودات] هي أيام رمضان بعينها. فيكون نصبٌ: " أيام " بالصيام على هذا القول، وهو قول الأخفش، فتكون ظرفاً. ولا يكون نصبها على المفعول لأنك تفرق بين الصلة والموصول بالنعت وهو الكاف. وحسن ذلك في الظرف لأن الظرف تعمل فيها المعاني إلا أن تجعل الكاف مفعولاً للصيام، فيحسن أن تنصب " الأيام " على أنها مفعول بها. والكاف من " كما يجوز أن تكون نعتاً لمصدر محذوف أي: [كَتْباً كَمَا]، ويجوز أن يكون " صَوْماً كَمَا "، فلا يدخل في الصلة على القول الأول، ويدخل على القول الثاني. ويجوز أن تكون الكاف نصباً على الحال من الصيام، أي: مشبهاً لصيام من
كان قبلكم. ويجوز أن يكون في موضع رفع نعتاً للصيام. ثم قال تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}. أي: فمن لم يقدر على الصوم لمرض به أو لسفر فليفطر، وعليه أن يصوم مثل ما أفطر من أيام أخر. فمن الفقهاء من يرى أن الصوم في رمضان في السفر أفضل، ومنهم من يرى الإفطار. وكان أنس بن مالك يرى الصوم في السفر في رمضان، فقيل له: أين هذه الآية: {أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، فقال: " إنها نزلت يوم نزلت، ونحن نرتحل جياعاً، وننزل على غير شبع، واليوم نرتحل شباعاً، وننزل على شبع ".
و " أُخَرَ " لا تنصرف لأنها معدولة عن الألف واللام عند سيبويه، وذلك أن " فُعَلَ " سبيله أن يأتي بالألف واللام نحو " الكُبَر " و " الفُضَل ". وقال الكسائي: " هي معدولة عن " أُخْرَاء " كما تقول " حُمْرَاءَ " و " حُمَرَ " / فامتنعت من الصرف لذلك ". وقيل: منع من الصرف لأنه على وزن " جُمَع "، والعرب لا تقول " يوم أُخْرَى "، إنما تقول: " يوم أُخَر "، وإنما جاء " أَيَّامٍ أُخَر " لأن نعت " الأيام " مؤنث، فلذلك نعت بأخرى. وقيل: " أُخَر " جمع " أُخْرَى "، كأنه قال " أيام أُخْرَى "، ثم كثرت الأيام فجمع " أُخْرَى " على " أُخَرَ ". ثم قال تعالى: {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}. قال معاذ بن جبل:
" قدم النبي A المدينة، فصام يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، ثم إن الله فرض شهر رمضان وقال: {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً. ثم إن الله D أوجب الصيام على الصحيح المقيم، وثبت الإطعام على الكبير إذا أفطر ولم يستطع الصوم، فأنزل الله D: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشهر فَلْيَصُمْهُ} الآية. / وهو قول عكرمة / والحسن. وقال علقمة: " نسخها: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشهر فَلْيَصُمْهُ} ". وكذلك روى نافع عن ابن عمر. وهذه الآية في رواية ابن وهب عن مالك محكمة. قال ابن وهب: " قال لي مالك: " إنما ذلك في الرجل يمرض فيفطر ثم يبرأ فلا يقضي ما أفطر حتى يدركه رمضان آخر من قابل، فعليه أن يبدأ برمضان الذي
أدركه فيصومه، ثم يقضي الذي كان أفطر من رمضان الأول، ويطعم عن كل يوم مسكيناً / مداً من حنطة. ولو اتصل به المرض إلى أن دخل عليه رمضان آخر، فليس عليه إطعام إذ لم يفرط ". فالمعنى على هذا القول: وعلى الذين يطيقونه القضاء لما عليهم فلا يقضون حتى يأتي رمضان آخر فدية طعام مساكين مع القضاء. يعني يطعم مداً لمسكين عن كل يوم فرط في قضائه. وقال ابن أبي ليلى: " دخلت على عطاء وهو يأكل في رمضان فقال: إني شيخ كبير، وإن الصوم نزل فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً حتى نزلت هذه الآية: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشهر فَلْيَصُمْهُ} الآية، قال: فوجب الصوم على كل أحد إلا مريضاً أو مسافراً أو شيخاً كبيراً مثلي يفتدي ". وهو قول ابن شهاب. [وقال ابن عباس]: " جعل الله في الصوم الأول فدية طعام مساكين، فمن شاء [من مسافر أو مقيم أن يفطر ويطعم مسكيناً] كان ذلك رخصة لهم، ثم أنزل الله في
الصوم الأخير: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، ولم تدخل فيها الفدية، وثبت الصوم الآخر ". وروى / ابن سيرين عن عبيدة أنه قال في قوله: {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، قال: " نسختها التي تليها: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشهر فَلْيَصُمْهُ} الآية ". وقال الضحاك: " فرض الله الصوم من العتمة إلى مثلها من القابلة؛ [وإذا صلى الرجل العتمة، حرم عليه] الطعام والشراب والجماع إلى مثلها من القابلة. ثم نزل الصوم الآخر بإحلال الطعام والشراب والجماع في الليل كله، وهو قوله: {وَكُلُواْ واشربوا} الآية، وأحل الجماع بقوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ} الآية. وكان في الصوم الأول فدية، فمن شاء من مسافر أو مقيم أن يطعم مسكيناً
عن كل يوم ويفطر فعل ذلك. ولم يذكر الله D في الصوم الآخر الفدية لكن قال: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فنسخ هذا الصوم الآخر الفدية ". وقال ابن جبير: " كانت الفدية للشيخ الكبير والعجوز إذا أفطر وهما يطيقان الصوم ثم نسختها الآية التي بعدها قوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشهر فَلْيَصُمْهُ}، فنسخت الإطعام عن الكبيرَيْن إذا كانا يطيقان الصوم وأوجب عليهما الصوم، وثبت للشيخ والعجوز الفدية إذا كانا لا يطيقان الصوم، وللحبلى والمرضع إذا خافتا. وكذلك قال عكرمة والربيع. وقال السدي: " الآية محكمة ومعناها: " وعلى الذين كانوا يطيقون الصوم في صحتهم إذا مرضوا أو كبروا أو عرض لهم مانع من المقدرة على الصوم كالحامل والمرضع، الفدية إطعام مسكين لكل يوم، وإن تكلف الصيام على ضره فصام / فهو خير له ". قال ابن عباس: " إذا خافت الحامل والمرضع [أفطرتا
وأطعمتا] ولا تقضيان صوماً ". وقرأ ابن جبير وعطاء وعكرمة: " يُطَوَّقُونَهُ " بواو مشددة، أي: يكلفون صومه ولا يقدرون. يعني الشيخ والعجوز والحامل. وهي قراءة تروى عن عائشة. وكان إسماعيل القاضي يضعف هذه القراءة ويقول: كيف [يقرأ: " يُطَوَّقُونَهُ " على معنى " يُكَلَّفُونَهُ "]، وهم لا يقدرون على صومه وبعده: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}، وكيف يقال لمن لا يقدر على الصوم: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}؟ هذا معنى كلامه. وقد قرأ مجاهد به، أعني بالتشديد للواو. وروي أيضاً عن عكرمة: {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ} بالتشديد في الياء والطاء على معنى:
" يَتَطَيَّقُونَهُ ". وعن ابن عباس أنه قرأ: " يُطَيَّقُونَهُ " بضم الياء الأولى وتشديد الثانية. قال ابن [الأنباري: في هاتين القراءتين] لحن، لأن الفعل من الواو مأخوذ من الطوق، فلا معنى لقلب الواو ياء بغير علة / ولا أصل ". وروي أيضاَ عن مجاهد: " يَطَوَّقُونَهُ " بفتح الياء وتشديد الطاء والواو بمعنى " يَتَكَلَّفُونَهُ ". يعني الشيخ الكبير والعجوز لا يقدران على ذلك، فتكون الآية على هاتين القراءتين محكمة في الشيخ والعجوز والحامل ومن لا يقدر على الصوم لعذر يعرض له، وتكون الآية الثانية لجميع الأصحاء، فهما محكمتان. قال مالك: " إذا خافت الحامل على نفسها أفطرت ولا إطعام عليها لأنه مرض،
وعليها القضاء إذا صحت وقويت ". وروي عنه أنه قال: " تفطر وتطعم لكل يوم مداً بمد النبي عليه السلام. وذكره عن ابن عمر. وتفطر المرضع إذا خافت على ولدها ولم تجد من يرضعه لها وتطعم وتقضي. فمالك يفرق بين الحامل والمرضع، فيلزم المرضع الإطعام ولا يلزمه الحامل، لأنها مريضة. وروي عن ابن عباس وابن عمر أنهما يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما. وقيل: بل يفطران ويقضيان، [ولا إطعام] عليهما، وهو قول الحسن وعطاء / والضحاك والزهري وربيعة والأوزاعي وأهل العراق. وقيل: بل يفطران / ويطعمان
ويقضيان. وهو قول مجاهد والشافعي وأحمد بن حنبل. وأجمع أهل العلم على أن الشيخ الكبير والعجوز يفطران إذا لم يقدرا على الصوم. ولا إطعام عليهما عند مالك. وهو قول ربيعة ومكحول وأبي ثور. وقال ابن جبير وطاوس والأوزاعي والشافعي وأهل الرأي: " يطعم كل واحد منهما عن كل يوم أفطره مسكيناً واحداً ". والهاء في " يُطِيقُونَهُ " تعود على الصيام. وقال بعضهم: " تعود على الإطعام "، وليس بشيء. ثم قال تعالى: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ}. أي: فمن زاد فأطعم عن كل يوم أكثر من مسكين فهو خير وأجر
185
مُدَّخَرٌ له. قاله ابن عباس وغيره. وعن مجاهد أن معناه: " فمن أطعم المسكين أكثر من مد، فهو أجر مدخر له، إنما عليه مد ". وقال ابن شهاب: " معناه من صام مع الفدية فهو خير له في أخراه ". ثم قال: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي: والصيام خير لكم من أن تفطروا وتفتدوا. قال السدي: " معناه: من تكلف الصيام فصام، فهو خير له من الفدية والإفطار ". وقال من جعل الآية الأولى غير منسوخة: هذا للشيخ الكبير / والعجوز: اعلموا أن التكلف في الصيام خير لهم من الإفطار والفدية ". ثم قال: {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. أي: إن علمتم أنكم تقدرون / على الصوم، فالصوم خير لكم. وقيل: معناه: إن كنتم تعلمون أيها المؤمنون خير الأمرين. قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن} إلى قوله: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
أي: المفترض عليكم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إلى سماء الدنيا وذلك ليلة أنزل الله جل ذكره القرآن من اللوح المحفوظ جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك نجوماً على ما شاء الله. كذلك أتت الرواية عن النبي [عليه السلام]. قال ابن عباس: " أنزل الله القرآن جملة من الذكر في ليلة أربع وعشرين من شهر رمضان فجعل في بيت العزة ". وروى واثلة عن النبي A أنه قال: " نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَنَزَلَتْ التَّوْرَاةُ لِسِتٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ. [وَنَزَلَ الإِنْجِيلُ لِثَلاَثِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ. وَنَزَلَ الزَّبُورْ لِثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ. وَنَزَلَ القُرْآنُ لأَرْبَعٍ
وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ]. وَكَانَ بَيْنَ نُزُولِ أَوَّلِ الْقُرْآنِ وآخِرِهِ عِشْرُونَ سَنَةً ". وقيل: معناه شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن بفرضه على الناس. فأما إعرابه على هذا المعنى، فيكون فيه معدّى إليه الفعل بحرف جر، لا ظرفاً. وعلى القول الأول، يكون فيه ظرفاً للنزول. وروى جابر بن عبد الله أن النبي [عليه السلام] قال: " أَنْزَلَ الله أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُحُفَ [إبْرَاهِيمَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَى مُوسَى] لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزَلَ الزَّبورَ عَلَى داوُدَ لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزَلَ الإنْجِيلَ عَلى عِيسَى لِثمَانِي عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ مِنْ رَمَضانَ، وأنزل القرآن لأربع وعشرين
[ليلة خلت من رمضان ". / وأكثر الناس على أن القرآن أنزل] ليلة القدر من رمضان، والله أعلم أي ليلة كانت، وذلك كله إلى سماء الدنيا، ثم نزل متفرقاً على ما ذكرنا. فأما إعراب {شَهْرُ رَمَضَانَ}؛ فيجوز أن يكون " شَهْرُ " رفع بالابتداء، و (الَّذِي أُنْزِلَ) الخبر. ويجوز أن يكون التقدير: الأيام التي تصام شهر رمضان وشبهه. وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب: " شَهْرَ. " بالنصب. ورويت عن عاصم ونصبه عند البصريين على الإغراء، وعند الكوفيين بالصيام، وهو قبيح للتفرقة بين الصلة والموصول. وإنما سمي الشهر شهراً لشهرته ودخوله وخروجه، ومنه " شَهَرَ فُلانٌ سَيْفَهُ "
إذا أخرجه من غمده. فمن قال: " شَهْرُ رمضان " قال في التثنية " شهرَا رمضان " / وفي الجمع " أَشْهُرَ رمضان "، و " شَهْرَات رمضان ". ومن قال: " رمضان " بغير شهر قال في الجميع " رَمَضَاناتٍ ". وحكى الكوفيون " رماضين "، وحكوا " أَرْمِضَة "، وحكي " رُمَاضٌ ". ولم ينصرف لأن فيه ألفا ونوناً زائدتان، وهو معرفة. قال قطرب: " سمي رمضان رمضان لأنهم كانوا يصومونه في الحر. فهو مشتق من الرمضاء، والرمضاء الرمل الحامي من الشمس ". وكره مجاهد أن يقال رمضان للشهر، ولا يقال إلا " شهر رمضان "، كما قال الله. وقال: " لعل رمضان اسم من أسماء الله ". / وقاله عطاء. / وقد أتت الآثار عن النبي عليه السلام بذكر رمضان من غير لفظ شهر.
روى مالك أن ابن عباس قال: " إن رسول الله ذكر رمضان، فقال: " لا تَصُومُوا حَتَى تَرَوُا الهِلالَ ". وقال أنس بن مالك: " سافرنا مع رسول الله [عليه السلام] في رمضان كثيراً ". وإنما سمي القرآن قرآناً لأنه يجمع السور الكثيرة من قولهم: " قَرَاْتُ الماءَ في الإناءِ "، أي جمعته وضممته. وقيل: إنما سمي بذلك لأنهم يقولون: " قَرَأَتِ المَرْأَةُ "، و " قرأت " إذا حاضت وإذا ولدت، فكأنها / تظهر شيئاً كان مستوراً. والقارئ إذا أظهر شيئاً وبيَّنه، فهو من إظهار الشي وتبيينه. وقوله: {هُدًى لِّلنَّاسِ}. أي رشاد للناس إلى طريق النجاة. وقوله: {وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهدى والفرقان}.
أي: والقرآن أيضاً آيات واضحات من الرشاد، والفرق بين الحق والباطل. ثم قال: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشهر فَلْيَصُمْهُ}. أي فمن شهد منكم الشهر في المصر وهو صحيح فليصمه. و " شَهِدَ " بمعنى " حضر ". ومن كان مريضاً في المصر أو على سفر، فليفطر إن شاء، وعليه عدة من أيام أخر. وقيل: المعنى: فمن دخل عليه الشهر وهو مقيم في المصر لزمه الصوم [سافر بعد ذلك أو أقام]. رواه الضحاك عن ابن عباس قال: " إذا شهدت أوله في المصر فصم وإن سافرت ". وكذلك قال السدي. ورواه أيضاً قتادة عن علي Bهـ، وقاله عبيدة. وروي أيضاً / عن عائشة Bها. وعلى القول الأول كل العلماء: إن للمسافر الإفطار، وإن أخذه أول الشهر في المصر، ولا يجزي صيام إلا بتبييت قبل الفجر. ومذهب [مالك أنه إذا بيت الصيام] في أول الشهر أجزأه عن أن يبيته في
كل ليلة من بقية الشهر. وقال الشافعي وأحمد بن حنبل: " لا بد من تبييت الصوم في كل ليلة " وثبت عن / حفصة أنها قالت: " لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِع الصِّيامَ قَبْلَ الفَجْرِ " وأسندته إلى النبي [عليه السلام]. ثم قال تعالى: {[وَمَن كَانَ] مَرِيضاً}. أي مريضاً بمرض يشق عليه الصوم ويشتد عليه أفطر، وكذلك المسافر، لهما أن يفطرا ويقضيا جميعاً، ولا إطعام عليهما. ومن أكل أو شرب ناسياً في رمضان فعليه القضاء ولا كفارة عليه. وهو قول مالك وربيعة بن عبد الرحمن وأهل المدينة. وعن علي وأبي هريرة وابن عمر أنه: " لا قضاء عليه ".
و [به] قال عطاء وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي وابن أبي ذيب والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأصحاب الرأي. ومن وطىء نهاراً في رمضان ناسياً فعليه القضاء عند مالك ولا كفارة عليه، وهو قول عطاء والليث بن سعد والأوزاعي. وقال مجاهد والحسن والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي: " لا قضاء عليه ولا كفارة ". وقال أحمد بن حنبل: " عليه القضاء والكفارة ". وأجمعوا على أن من أكل ناسياً فظن أن ذلك قد فطره فجامع عامداً أن عليه القضاء ولا كفارة عليه. ومن أكل أو شرب عامداً في نهار رمضان فعليه القضاء والكفارة كالمجامع عامداً.
وهو قول مالك والزهري، وبه قال الحسن وعطاء. وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي ثور وإسحاق وأصحاب الرأي. وقال ابن المسيب: " عليه صوم شهر ". وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: " عليه صوم اثني عشر يوماً على عدة الشهور ". وعن عطاء أنه " لا قضاء عليه، وعليه تحرير رقبة، فإن لم يجد فبدنة، أو بقرة، أو عشرون صاعاً طعاماً للمساكين ". وعن النخعي أن " عليه ثلاثة آلاف يوم ". وعن ابن عباس / أن " عليه عتق رقبة، أو صوم شهر، أو إطعام ثلاثين مسكيناً ". وروي عن علي Bهـ أنه قال: " مَن أفطر يوماً في رمضان متعمداً لم يقضه أبداً طول الدهر ". وروي ذلك عن ابن مسعود. وعن الزهري أيضاً أنه قال: " إن كان فعل ذلك ابتداعاً لدين غير الإسلام، ضربت عنقه، وإن كان فعل ذلك فسقاً جلد ".
ومن استقاء فقاء، فعليه القضاء ولا كفارة عليه. وهو قول علي بن أبي طالب وزيد بن أرقم، وابن عمر وعلقمة، وهو قول الزهري ومالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. وقال عطاء وأبو ثور: " عليه الكفارة مع القضاء ". فإن دَرعه القيء فقاء فلا شيء عليه عند الجميع. ثم قال: {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر}. أي يرخص الله عليكم إرادة التيسير، ولا يريد بكم العسر في دينكم. ثم قال: {وَلِتُكْمِلُواْ العدة}: أي تكملوا عدة ما أفطرتم / فتقضوه في أيام أخر. ثم قال: {وَلِتُكَبِّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ}.
186
قال ابن عباس: " حق على المسلمين أن يكبروا إذا نظروا إلى هلال شوال ". وقيل: هو التكبير في العيد عند الغدو إلى المصلى. قاله علي بن أبي طالب، وزيد بن أسلم. وكذلك كان النبي [عليه السلام] يفعل إذا خرج إلى المصلى. فهو سنة عند الزهري وغيره. يقول الرجل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. أي [تشكرون على تسهيله عليكم وهدايته] لكم. قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} إلى قوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. قال الحسن: " هذه الآية نزلت في سائل سأل النبي [عليه السلام] فقال: أين ربنا؟ فأنزل الله D: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} الآية ".
وروي أن / سائلاً سأل [النبي عليه السلام] فقال: يا محمد: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله [جل ذكره]: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي}. الآية. وروي أن المشركين قالوا: كيف يكون الله قريباً وبيننا وبينه سبع سماوات غلاظ، كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين كذلك؟ فأنزل الله سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي}. الآية. وقال عطاء: " لما نزلت: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، قالوا: يا رسول الله، في أي ساعة؟ قال: فنزلت: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي}. الآية. قال السدي: " ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذي يدعو به رَزقه في الدنيا، وإن لم يكن له رزقاً في الدنيا، ادُّخِر له إلى يوم القيامة أو دفع [به عنه] مكروه. وكذلك قال ابن عباس. وعن النبي عليه السلام: أنه قال: " ما أُعْطِيَ أَحَدٌ الدُّعاءَ فَمُنِعَ الإِجَابَةَ لأنَّ اللهَ يقُولُ: {ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ".
والمعنى عند الطبري: " فإني قريب في كل / وقت أجيب دعوة الداعي إذا دعان ". وقال مجاهد: " لما نزلت: {ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله} [البقرة: 115]. ". وقال قتادة: " لما نزلت: {ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، قال قوم: كيف ندعو يا رسول الله؟ فنزلت: {وَإِذَا سَأَلَكَ} " الآية. وقوله: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ}. فمعناه: إذا شئت كما قال: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ} [الأنعام: 41]. وقوله: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي}. أي فليستجيبوا إلى طاعتي، يقال: " استَجبْتُ لَهُ واسْتجَبْتُهُ " بمعنى أجبته. وقال أبو عبيدة: " معناه: فليجيبوني ".
وتحقيق اللفظ عند / أهل العلم: فليستدعوا الإجابة، / كما يقال: " استنصر "، إذا استدعى النصر. وعن أبي رجاء الخراساني أنه قال: " {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} فليدعوني ". وقيل: هو التلبية. وقوله: {وَلْيُؤْمِنُواْ بِي}: أي وليصدقوا بي إذا هم استجابوا لي بالطاعة أني لهم من وراء طاعتهم لي في الثواب عليها، وإجزال الكرامة عليها. وقال أبو رجاء: {وَلْيُؤْمِنُواْ بِي}: معناه: و " ليصدقوا بي " أني أستجيب لهم. وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}. معناه: لعلهم يهتدون. و " لعل " من الله واجبة. وقيل: معنى الإجابة هنا، هو الإجابة بالثواب على الأعمال [والطاعات]، فمعنى الدعاء هنا مسألة العبد ربه، إتمام ما وعده إياه من الجزاء على الطاعة. وروي عن النبي [عليه السلام]. أنه قال: " " الدُّعَاءُ هُوَ العبادَةُ " ثم قرأ {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [غافر: 60] ".
وقيل: معناه: أجيب دعوة الداعي إن شئت. وقال الحسن في قوله تعالى: {ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ}: " اعملوا وأَبشروا فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ". وقوله: {فَإِنِّي قَرِيبٌ}. وقْف عند يعقوب. وقال نصير: الوقف " دعانِ " و " يَرْشُدُونَ ". والفعل من " يرْشُدونَ ": رَِشَدَ يَرْشُدُ رُشْداً، ويقال: رَشَدَ يَرْشَدُ رَشَداً، فيقال: الرُّشْدُ وَالرَّشَدُ، كما يقال: البُخْلُ والبَخَلُ، والشُغْلُ والشَّغَلُ، وَالسُّقْمُ وَالسَّقَمُ، وَالعُدْمُ والعَدَمُ، وَالحُزْنُ وَالحَزَنُ، وَالسُّخْطُ وَالسَّخَطُ، وَالخُبْرُ وَالخَبَرُ، وَالعُرْبُ وَالعَرَبُ، وَالْعُجْمُ والعَجَمُ. ثم قال: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ}. أي أبيح لكم أيها المؤمنون أن تجامعوا نساءكم في ليالي الصيام قبل النوم وبعد
النوم ما لم / يطلع الفجر. وحَدُّ [الليل من مغيب الشمس] إلى طلوع الفجر الثاني. وَحَد النهار من طلوع الفجر الثاني إلى مغيب الشمس. والرفث هنا كناية عن الجماع. قال ابن عباس: " الرفث الجماع ولكن الله كريم يكني ". وهو قول جميع المفسرين. وقال الزجاج: " الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من امرأته ". والرفث في غير هذا الموضع الإفحاش في المنطق، ومنه قوله: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج} [البقرة: 197]. قوله: {فالآن باشروهن}. المباشرة في هذا الموضع الجماع بدليل قوله: {وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ}، يريد الولد
بإجماع من المفسرين. وقد تكون المباشرة في غير هذا الموضع غير الجماع، وذلك المماسة / ويدل [أيضاً على ذلك] أن الرفث عند جميع المفسرين كناية عن الجماع. ثم قال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}. سمَّى كلَّ واحد لباساً لصاحبه لتجردهما عند النوم وتضامهما واجتماعهما في ثوب واحد، حتى يصير كل واحد منهما في التصاقه إلى الآخر بمنزلة الثوب الذي يلبسه الإنسان. وقال الربيع: " معناه: هن لحاف لكم، وأنتم لحاف لهن ". وقد [سُمي الفرش] لباساً والخاتم لباساً، وتقلد السيف لباساً. وهذا يدل على تحريم استعمال الحرير في الوطئ لتحريم النبي [عليه السلام] لباس الحرير. وقيل: إنما / جعل كل واحد منهما لصاحبه لباساً لأنه يسكن إليه، كما قال تعالى: {جَعَلَ لَكُمُ / اليل لِبَاساً} [الفرقان: 47]، أي سكناً تسكنون فيه، فكذلك زوجة
الرجل سكنه [يسكن إليها كما قال] {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189]. فيكون كل واحد منهما لباساً لصاحبه لسكونه إليه. وهو معنى قول مجاهد. والعرب تقول لما يستر الشيء ويواريه عن أبصار الناظرين: " هو لباسه وغشاؤه " فيكون قد قيل لكل [واحد] من الزوجين لباس للآخر لأنه يستر له فيما يكون بينهم من الجماع عن أبصار الناظرين. قال مجاهد وقتادة: " معناه: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن ". وقال ابن عباس أيضاً. وقوله: {عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ}. أي علم الله أيها المؤمنون أنكم كنتم تريدون أن تجامعوا النساء بعد النوم وتأكلوا وتشربوا بعد النوم، وذلك محرم عليكم فتاب مما [أضمرتم من مواقعة] الذنب / وعفا عنكم. وذلك أن الله قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] يعني أهل الكتاب. وكانوا لا يجامعون في ليالي الصيام ولا يأكلون ولا يشربون بعد النوم، فصعب ذلك على المسلمين؛ حتى إن عمر بن الخطاب
Bهـ جاء يريد امرأته فقالت له: قد كنتُ نمتُ. فظن أنها تعتل، فوقع بها، وجاء رجل من الأنصار فأراد أن يطعم، فقالت له امرأته: نسخن لك شيئاً. فغلبته عينه فنام، فلما انتبه امتنع من الطعام لنومه فجعل يُغشى عليه، فنزلت هذه الآية ناسخة لذلك، فأبيح الأكل والشرب والجماع في ليالي الصيام ما لم يطلع الفجر. وقال معاذ بن جبل: " كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يحل لهم شيء من / ذلك. فكان رجل من الأنصار يدعى أبا صرمة يعمل في أرض له، فلما كان عند فطره نام فأصبح صائماً قد جهد، فلما رآه النبي [ A] قال: ما لي أرى بك جهداً؟. فأخبره بما كان من أمره. واختان رجل نفسه في شأن النساء، فأنزل الله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث} الآية.
وقال ابن عباس في الآية: " كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء، حرم عليهم الطعام والنساء إلى مثلها من القابلة. ثم إن ناساً من المسلمين أصابوا الطعام [والنساء] في رمضان بعد النوم، منهم عمر بن الخطاب Bهـ، فشكوا ذلك إلى النبي A فأنزل الله: {عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} الآية. وقال كعب بن مالك: " كان الناس في رمضان إذا صام الرجل منهم فأمسى فنام، / حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد. وإن عمر بن الخطاب رجع من عند النبي [عليه السلام] ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت فأرادها، فقالت: [إني قد نمت، فقال: ما] نمت، فوقع بها. وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر إلى النبي [ A فأخبره فأنزل الله D: { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} الآية.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: " كان الناس أول ما أسلموا يصوم أحدهم يومه، حتى إذا أمسى طعم من الطعام، وجامع فيما بينه وبين العتمة، حتى إذا صُليت العتمة حرم ذلك عليهم إلى الليلة القابلة وإن عمر بن الخطاب بينما هو نائم إذ سولت له نفسه فأتى أهله ليقضي حاجته، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه كأشد ما رأيت من الملامة، ثم أتى رسول الله A فقال: يا رسول الله، إني أعتذر إلى الله وإليك مع نفسي هذه الخاطئة؛ فإنها زيَّنت لي فواقعت أهلي. هل تجد لي من رخصة يا رسول الله؟ [قال: لم تكن حقيقاً] بذلك يا عمر، فلما بلغ بيته أرسل إليه [فأنبأه الله بعذره] في آية من القرآن، وأمره الله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة وهي قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث} الآية ". وبهذه المعاني فسرها مجاهد وعكرمة وقتادة.
وقال قتادة: " [كان بدء الصيام أنهم] أمروا بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتين غدوة، وركعتين عشية، ثم افترض عليهم رمضان وخمس صلوات، وكان الأكل والشرب والجماع [لهم مباحاً] ما لم يرقدوا، فإذا رقدوا حرم ذلك عليهم / إلى مثلها من القابلة. وكانت خيانة القوم أنهم يأكلون ويشربون ويغشون نساءهم بعد النوم، ثم أباح الله D ذلك لهم إلى طلوع الفجر ". وقال السدي: " كتب الله على النصارى صوم شهر رمضان، وكتب عليهم ألا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا النساء بعد النوم. وكتب على المؤمنين مثل ذلك، فوقع قوم من المؤمنين في الأكل والشرب والجماع بعد النوم فشكوا ذلك إلى النبي A فنسخ الله D ذلك عنهم فقال: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث} الآية. قال أبو العالية وعطاء: " هذه ناسخة لقوله: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. وقوله: {فالآن باشروهن}. أي جامعوهن في ليل / الصيام ما لم يطلع الفجر إذا شئتم. فباشروهن كناية عن الجماع.
وقوله: {وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ}. هذا لفظه لفظ أمر، ومعناه التأديب والندب. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك: {وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ}: هو الولد ". وقاله أنس بن مالك. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: " وابتغوا ما كتب الله لكم من ليلة القدر ". وقال قتادة: " معناه: وابتغوا ما رخص الله لكم وأحل لكم، يعني الجماع ". وقيل معناه: " ابتغوا الذي كتب الله لكم في اللوح المحفوظ أنه يباح / لكم وهو الوطء بعد النوم في ليالي الصيام. والولد هو [مما كتبه الله في اللوح] المحفوظ أيضاً. وقوله: {حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر}.
أي بياض النهار من سواد الليل بطلوع الفجر. وقال الحسن: " معناه: حتى يتبين لكم النهار من الليل ". وقاله ابن عباس أيضاً. وهو مروي عن النبي [عليه السلام]. ويروى " أن عدي بن حاتم أخذ / خيطين أسود وأبيض فنظر فيهما عند الفجر فرآهما سواء، فأتى النبي [عليه السلام] فقال له: يا رسول الله: فتلت خيطين من أسود وأبيض فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء. فضحك رسول الله A حتى رأى نواجذه، ثم قال له: " ألَمْ أَقَُلْ لَكَ مِنَ الفَجْرِ، إنّما هُوَ ضوءُ النَّهارِ مِنْ ظُلْمَةِ الليلْ ". وقال سهل بن سعد. " نزلت هذه الآية: {وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود}،
ولم ينزل {مِنَ الفجر}. قال: فكان رجال إذا أراد أحدهم الصوم ربط في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له أحدهما من الآخر، / فأنزل الله D بعد ذلك (من الفجر) فعلموا أنه إنما عني بذلك من الليل والنهار ". وفي الكلام حذف وتقديم وتأخير / والتقدير: " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود من الليل ". وفي هذا دليل بالنص على أن الصائم إذا أصبح جنباً لا يضر ذلك صيامه. لأن له الوطء ما كان له الأكل والشرب، فإذا وطىء إلى الفجر أصبح جنباً ضرورة لا شك فيه، وصيامه تام بهذا النص من القرآن والسنة. والفجر فجران: فجر [أول وهو الضوء] الساطع في السماء، يقال له الصبح الكاذب، فلا يمنع ذلك أكلاً ولا جماعاً. والفجر الثاني هو المنتشر الذي يملأ ببياضه وضوئه الطرق، فذلك يمنع الأكل والجماع، يسمى الفجر الصادق.
والفجر الأول يذهب في السماء طولاً كأنه ذنب السرحان مستدق صاعد في غير اعتراض. والثاني يضرب إلى حمرة، وينتشر ضوؤه على الجبال، يقال له: المستطير أو المنتشر في الأفق وهو معترض. وكل شيء انتشر فقط استطار، ومنه قوله تعالى: {يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} [الإنسان: 7]: أي منتشراً فاشياً. والفجر في اللغة مصدر، " فجر الماء، يفجر فَجْراً " إذا بعثه وأجراه فكأنه اسم للمصدر، فقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: " فَجْرٌ "، لانبعاث ضوئه ونوره عليهم. والخيط في اللغة: اللون. وقوله: {مِنَ الفجر} معناه الذي هو من الفجر، وليس هو جميع الفجر. وقال التيمي: " هو ضوء الشمس من سواد الليل ".
وحكي عن حذيفة أنه كان يتسحر بعد طلوع الفجر. وحكى سالم مولى أبي حذيفة عن أبي بكر الصديق Bهـ أنه كان يتسحر بعد طلوع الفجر. وكذلك ذكره البراء عن ابن مسعود قال: " تسحرت أنا وابن مسعود ثم خرجنا والناس في صلاة الصبح ". وليس العمل عند جميع الفقهاء على شيء من هذه الأقوال. وعن التيمي أنه قال: " الوتر بالليل والسحور بالنهار ". وعنه: " السحور بالليل والوتر بالليل ". وبهذا العمل عند فقهاء الأمصار.
وقوله: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل}. إلى النهاية وليس بحد وإذا كانت نهاية، انتهى العمل إلى ما بعدها، ولا يدخل ما بعدها فيما قبلها، ولا صوم في شيء من الليل. والذي عليه / أهل النظر أن " إلى " إذا كان الذي بعدها من صنف ما قبلها، دخل في حكم ما قبلها كقوله: {إِلَى المرافق} [المائدة: 6] و {إِلَى الكعبين} [المائدة: 6]. والمرفقان والكعبان داخلان في الغسل. وإذا كان ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، لم يدخل في حكم ما قبلها نحو: {إِلَى الليل}. وقد بينا هذا / في المائدة بأشرح من هذا. وقوله: {وَلاَ تباشروهن وَأَنْتُمْ عاكفون فِي المساجد}. أي لا تجامعوا أو تلامسوا وأنتم معتكفون. فهذا يدل على جواز الاعتكاف. وفيه دليل عند قوم على أنَّ الاعتكاف جائز في كل مسجد تقام فيه الصلاة وفي كل وقت، مفطراً كان أو صائماً، لأن الخطاب خرج مطلقاً. ولا يعتكف عند مالك وغيره إلا صائم، ولا يعتكف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة.
ثم قال: {تِلْكَ حُدُودُ / الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا}. أي لا تقربوا ما نهاكم عنه من حدوده. ثم قال: {كذلك يُبَيِّنُ الله ءاياته لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}. أي يبين لهم ما حرم عليهم مما أحل لهم لعلهم يتقون حدوده ويخافون عذابه. ثم قال: {وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل}، أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل. {وَتُدْلُواْ بِهَا} أي: وتخاصموا بالأموال إلى الحكام. {لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ الناس} أي: من طائفة من أموالهم. {بالإثم} أي: بالحرام. {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: تعلمون أنكم ظالمون وأنه حرام عليكم. قال ابن عباس: " هذا في الرجل يكون عليه مال، ولا بينة عليه فيجحد المال ويخاصم صاحبه وهو يعلم أنه إثم ". ويقال: من مشى مع خصمه وهو ظالم فهو آثم / حتى يرجع إلى الحق. وقال عكرمة: " هو الرجل يشتري السلعة فيردها ويرد معه دراهم ". يقال: أدلى فلان إلى فلان بمال: خاصم. كأنه جعله كالرسالة.
189
ويقال: " أدلى فلان بحجته " إذا بيَّنها كأنه يرسلها إرسالاً. وأصله من إرسال الرجل الدلو في حبل؛ يقال: " أدليت الدلو " إذا أرسلتها، و " دَلَوْتُها " إذا رفعتها وأخرجتها. قوله: {يَسْأَلُونَكَ / عَنِ الأهلة}. الهلال مشتق من استهلال الصبي إذا بكى، فقيل له: هلال لأن الناس حين يرونه يرفعون أصواتهم بذكره. ويقال: أهَلَّ الهِلالُ واسْتَهَلّ. وسمي هلالاً لليلتين. وقيل: إلى الليلة السابعة. ومعنى الآية أنها سؤال من المشركين للنبي [ A] سألوه عن نقصان القمر وزيادته ما هو، فقيل له: قل يا محمد: {هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج}. معناه عند الطبري: يسألونك يا محمد عن الأهلة واختلافها وتغيرها في
محاقها وسرارها وتمامها واستوائها واستسرارها، وما المعنى الذي خالف له حالها حال الشمس التي لا تغير ولا تنتقل من حال إلى حال. فقيل يا محمد: فعل الله ذلك تعالى لتعلم عدة الآجال لمن استوجر وتصرم عدة النساء ووقت الصوم والإفطار وحلول ديونكم وأشباه / هذا. فهذا معنى قوله: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج}. ومعنى: " والحج " أي وهي مواقيت للحج تعرفون بها وقت حجكم ونسككم وإحرامكم وغير ذلك. فمن أجل هذا خالف الله بين القمر والشمس. وكان ذلك لسؤال سائل سأل النبي [عليه السلام] عن الأهلة. قال ابن جريج:
" سأل الناس: لم خُلقت هذه الأهلة، فأجيبوا بذلك ". وكذلك / قال ابن عباس وقتادة. وقوله: {وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا}. قال البراء: " كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها. فجاء رجل من الأنصار، فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه الآية إنذاراً لهم أن الدخول من ظهر البيت ليس من البر. فانتهوا عن ذلك ". وقال إبراهيم النخعي: " هم ناس من أهل الحجاز كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا من أبواب البيوت، فنهوا عن ذلك ". وقال مجاهد: " كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم ثقب كوة في ظهر بيته وجعل سلماً، ولم يدخل إلا من الكوة فنهوا في الإسلام عن ذلك ". وقال الزهري: " كان الناس من الأنصار إذا أحرموا لم يحل بينهم وبين السماء
شيء، يتحرجون. وكان الرجل تبدو له الحاجة بعد خروجه فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقيفة الباب أن تحول بينه وبين السماء، فيفتح في الجدار من وراء الحجرة ثم يدخل من ذلك الفتح. وكان الحمس لا يفعلون ذلك، فدخل النبي [عليه السلام من الباب وهو محرم، ودخل في إثره أنصاري]، فقال له النبي A: إني أحْمَسٌ، فقال [الأنصاري: وأنا] أحمس أي على دينك. فأنزل الله الآية ". وقال السدي: " كان أولئك الذين يفعلون هذا يسمون الحمس ". وقال قوم من أهل اللغة: كان قوم من قريش وجماعة من العرب إذا توجه الرجل في حاجة فلم يقضها ولا تيسرت له، تطير بذلك ورجع، فلم يدخل من باب بيته، فنهوا عن ذلك. وقال جماعة من أهل التفسير: " الحمس هم قريش وبنو عامر بن صعصعة وثقيف، وكان أحدهم إذا [أحرم لم يسأل السمن] ولم يبع الوبر ولم يدخل من باب بيته. وسموا حمساً لأنهم تحمسوا في دينهم، أي تشددوا ".
190
والحملة الشدة في الغضب وغيره. فأعلمهم الله أن ذلك ليس من البر، وأن البر التقوى. وذكر ابن الأنباري أن بعض الناس فسر البيوت بإتيان النساء في الأدبار مُنعوا من ذلك، وقيل لهم: إئتوا البيوت من أبوابها، أي ائتوا المرأة من الباب / المحل لكم الذي منه يكون الولد، ولا تأتوها من غير هذا الباب فتجوروا وتعصوا. وهو قول شاذ. وقال أبو عبيدة: " {وَأْتُواْ البيوت مِنْ أَبْوَابِهَا}: اطلبوا الخير من بابه ومن أهله ولا تطلبوه من الجهال المشركين ". وأكثر الناس على القول الأول. وقوله: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ}. هذه أول آية نزلت في القتال أمروا أن يقاتلوا من/ يقاتلهم
{وَلاَ تعتدوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين}. أي لا تقاتلوا من لم يقاتلكم. وقد ن سخ الله ذلك في براءة بقوله: {وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً} [التوبة: 36]، وبقوله: {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] و {وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً}. قال ابن زيد. وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز/ وغيرهم: " الآية محكمة غير منسوخة ". وقوله: {وَلاَ تعتدوا} أي: لا تقتلوا الشيخ/ الكبير والنساء والذرية، ولا من ألقى إليكم السلام، فإن فعلتم اعتديتم. ومعنى {الذين يُقَاتِلُونَكُمْ} على قولهم: أي الذين فيهم مقدرة على قتالكم ومَن عادتُهم القتال. ولا تقاتلوا من ليس ذلك من شأنه كالرهبان [ومن أدى] / الجزية، ولهذا نهى عن قتل الرهبان.
191
وقد قال بعض الفقهاء: ولا تؤخذ من الرهبان الجية، وكذلك لا يحل قتل من أدى الجزية. قوله: {واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم} أي: في أي مكان تمكنتم بهم. ومعنى " الثقافة بالأمر ": الحذق به والبصر. ومعنى " التَّثْقيفِ ": التقويم. ثم قال: {وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ}. هذا خطاب للمهاجرين أُمروا أن يُخرجوا الكفار من مكة، وهو الموضع الذي هاجروا - هم - منه، وأُخرجوا. {والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل}. أي الشرك الكفر. هذا قول قتادة؛ أي أن يُقتل أحب إليه من أن يكفر. وأصل الفتنة الاختبار والابتلاء. فمعناه الاختبار الذي يؤذي إلى الكفر أشد من القتل.
قوله: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المسجد الحرام} الآية. وجه قراءة حمزة والكسائي: " وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ " بغير ألف، من القتل حتى [يقتلوكم مثله، فإن قتلوكم] مثله، أنهم أمروا ألا يقتلوا أحداً عند المسجد الحرام حتى يُقتلَ بعضهم فقال: [ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم] أي يقتلوا بعضكم. والعرب تقول: " قد قُتل بنو فلان " ولم يُقتل إلا الأقل منهم. " ومات الناس " ولم يمت إلا الأقل منهم. فأمام عنى قراءة الجماعة بالألف في الثلاثة من القتال، فهو أمروا ألا يبدأوا بالقتال في المسجد الحرام حتى يبدأوهم، فإن بدأوهم به، قاتلوهم وقتلوهم. وقال قتادة: " أمروا ألا يقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى
يبدأوهم/ ثم نسخ ذلك قوله: {وَقَاتِلُوهُمْ} {حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي: لا يكون شرك {وَيَكُونَ الدين للَّهِ} أي يقال: " لا إله إلا الله محمد رسول الله ". وروي عن قتادة أيضاً أنها منسوخة بقوله: {فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين}، [التوبة: 5]. فأمروا بالقتال، {حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] عند [انسلاخ الأشهر في الحل و] الحرم حتى يشهدوا [أن لا إلا الله وأن] محمداً رسول الله ". وقال مجاهد: " الآية غير منسوخة، ولا يحل لأحد أن يقاتل في الحرم أحداً إلا أن يبدأه بذلك فيقاتله "، واحتَجَّ بحديث النبي A يوم فتح مكة: " إِنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ لَمْ تَحِل لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدي ". وأكثر الناس على أنها منسوخة، وأن المشركين يُقاتلون في كل موضع بقوله: {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} - وبراءة نزلت بعد البقرة - وبقوله:
{وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً} [التوبة: 36]، والحجة بما ثبت نصه وتلاوته أولى من غيره. قوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}، أي: شرك. الدين العبادة والطاعة. قوله: {فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين} أي: لا يُجازى إلا هم. وسيمت مجازاتهم عدواناً لأنها جزاء للاعتداء، وهو مذهب العرب. ومنه: {فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]. ومنه: {الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} [البقرة: 15]، ومنه: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40]، ومنه: {سَخِرَ الله مِنْهُمْ} [التوبة: 79]. ومعنى: {فَلاَ عُدْوَانَ}، أي لا يُقاتَل إلا من قاتل. قال الأخفش: " المعنى: فإن انتهى بعضهم فلا عدوان إلا على الذي لم ينته، وهو الظالم منهم ".
194
قوله: {الشهر الحرام بالشهر الحرام}. هو ذو القعدة وذلك أن النبي A صده المشركون عام الحديبية في ذي القعدة وهو محرم بعمرة، وذلك ي سنة ست/ من هجرته، فرجع من الحديبية ونحر - ثَم - هديه وحلقوا وقصر واثَم، وصالحهم في تلك السنة على أن يعود من الام المقبل، وهو سنة سبع من هجرته. فخرج النبي معتمراً في العام المقبل، وأخلى له المشركون مشكة، فأتم عمرته، وأقام ثلاثة أيام، فقال الله له وللمسلمين: هذا الشهر الحرام الذي قضيتم فيه عمرتكم عِوَضٌ عن ذلك الشهر الذي صدكم فيه المشركون. {والحرمات قِصَاصٌ}: بعضها قصاص لبعض؛ شهر حرام بشهر حرام. وإنما جمع في قوله: {والحرمات} وليس ثم الأشهر بدل من شهر لأنه أراد الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحرمة الحرم، فصارت حرمات/ قضاء الوقوف بها/ في عام سبع عوض من حرمات، صدوا عنها في عام ست. وقال ابن عباس: " معناه: أن الله أطلق للمسلمين أن يقتصوا ممن اعتدى عليهم ". فتقديره: والحرمات منكم - إذا تعدي عليكم فيها - قصاص. وكان الإنسان حراماً ضربُه وشتمه وجَرحُه وغير ذلك، فأبيح لهم القصاص.
قال: ثُمَّ نسخ ذلك، وصير الحكم إلى السلطان، فليس لأحد أن يقتص دون أن يرفع إلى السطان ". قوله: {فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ}. قال ابن عباس: " أمروا/ في/ أول الإسلام أن ينتقموا ممن آذاهم مثل ما صنع بهم، ثم نسخ ذلك، فرد الأمر إلى السلطان ". وقال أكثر أهل التفسير: " الآية في القتال: أي: فمن قاتلكم في الشهر الحرام فقاتلوه بدلالة ما قبله من الأمر بالقتال، والنهي عنه في المسجد الحرام، وهو نظير قوله: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ}. والآية منسوخة بالأمر بالقتال في الحرم وإن لم يبدأوا، بقوله: {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}، وبقوله: {وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً}. وبهذه الآية ونظيرها أجاز الشافعي أن يأخذ الرجل من مال من خانه بقدر ما خانه من غير رأيه. وقاله أصحاب الرأي. ولم يجزه مالك.
195
قوله: {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ تُلْقُواْ}. قال النبي [عليه السلام]: " مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً في سَبِيلِ الله كُتِبَتْ لَهُ بِسَبْعِمائة ضِعْفٍ ". و" إِلَى " متعلقة بـ {تُلْقُواْ}. والباء متعلقة بالمصدر عند المبرد، وهي زائدة عند الأخفش. والتهلكة: الهلاك. حضّ الله المسلمين على النفقة في سبيله والجهاد لئلا يقوى العدو، فتصير عاقبة أمرهم إلى الهلاك. والتهلكة عند سفيان: ترك النفقة في سبيل الله D. وقال ابن عباس: " التهلكة الإمساك عن النفقة في سبيل الله تعالى " وقال ابن زيد وغيره: " معناه: لا تخرجوا إلى الغزو بغير نفقة، أمروا أن ينفقوا في سبيل الله وأن لا يخرجوا بغير نفقة، فيهلكوا أنفسهم ".
وقال زيد بن أسلم: " كان رجال يخرجون إلى البعوث بغير نفقة، فإما أن يقطع بهم، وإما أن يكونوا عالة على الناس، فأمروا ألا يخرجوا على تلك الحال ". وقال البراء بن عازب: " {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة}: هو الرجل يصيب الذَّنْبَ فيلقي بيده إلى التهكلة، يقول: " لا توبة لي ". فأمروا ألا ييأسوا من رحمة الله عزو جل ". وقال أبو قلابة: هو الرجل يصيب الذنوب، فيقول: " لا توبة لي "، فينهمك في المعاصي، [فأمر/ ألا ييأس] من رحمة الله سبحانه ". وقال أبو أيوب الأنصاري:
" فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا/ معشر الأنصار لما أعز الله دينه قلنا سراً: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أقمنا فيها نصلحها ". فأنزل الله D يرد علينا ما قد هممنا به من التخلف عن الجهاد ". فمعناه: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة} أي: لا تتأخروا عما هو أنفع لكم وهو الغزو. والعرب تقول: " ألْقَى فلان بيديه " إذا استسلم. قوله: {وأحسنوا}. قيل: معناه: أحسنوا الظن بالله D في المغفرة لمن تاب. هذا على قول من قال: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة}. معناه في الذنوب، وألا ييأس من رحمة الله D. وقيل معناه: أحسنوا الإنفاق. وقيل: معناه: أداء الفرائض.
196
وقيل: معناه: أحسنوا الظن بالله تعالى أنه يضاعف الحسنات ويخلف النفقة. قوله: {فَمَا استيسر مِنَ الهدي}. " ما " ي موضع رفع، أي: فعليه ذلك. وقيل: فوجب عليه ما استيسر. ولمعنى واحد. وقيل: هي في موضع نصب تقديره: " فَليُهدِ ما استيسر من الهدي. قال أبو عمرو: " الهدي جمع. واحده: هَدْيَةٌ، كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ ". وقيل: هو مصدر لا واحد له كرجال صَومٍ. فهو يقع للواحد والجمع والتأنيث كأنه مصدر " هدى إلى البيت هدياً " وبنو تميم يُثقلون ياء الهدي.
وقال الفراء: " لا واحد له ". قوله: {فَفِدْيَةٌ} أي فعلهي فدية. ويجوز النصب على معنى: فليُفد فديةً، وفليأت فدية. قوله: {فَمَا استيسر مِنَ الهدي}. الثاني يجوز فيه ما جاز في الأول. قوله: {ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ} أي ذلك الفرض على من هذه حالته. قوله: {وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة}. أي: أتموا الحج إلى أقصى مناسكه، والعمرة إلى البيت، وفي قراءة عبد الله: " وأَتِمُوا الحَجّ والعُمْرَةَ إلَى البَيْتِ لله D ". وقرأ الشعبي: " والعُمْرَةُ لله " بالرفع/ وكأنه تأول أن النصب يوجب فرض العمرة، وليس كذلك عند أكثر العلماء، وإنما معنى النصب هو الفرض بإتمام ما قد دخل فيه الرجل. فالعمرة ليست بفرض، وإتمامها إذا دخل فيها الداخل فرض. فالقراءة بالرفع تخرج وجوب إتمام العمرة عند الدخول فيها أن يكون فرضاً بالآية.
ومعنى النصب: " أتموا الفرض والتطوع. والفرض قد بُيِن بقوله: {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} [آل عمران: 97]. قال ابن عباس: " مَن أحرم بحج أو عمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما ". وقال مجاهد: " إتمامهما ان يقضي مناسكهما ". وقال علي بن أبي طالب: إتمامها أنتحرم من دويرة أهلك ". ويرد هذا فعل النبي [عليه السلام] إذا لم يحرم إلا من الميقات. وقال طاوس: " إتمامها أن تفرد/ ولا تقرن ". وقال قتادة: " إتمام العمرة/ أن يحرم بها في غير أشهر الحج ". وإتمام الحج: أن تأتي بمناسكه حتى لا يلزمك دم القِران ولا متعة لأن
من أحرم من غيرها بعمرة في أشهر الحج، ثم حج عامة فهو متمتع وعليه دم. وقال سفيان: " إتمامها أن تخرج من بيتك لا تريد غيرهما، وتهل من الميقات. ليس أن تخرج لتجارة أو لحاجة/ حتى إذا صرت قريباً من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت ". وروي عن عثمان أنه قال: " إتمامها ترك الفسخ وأن تكون النفقة حلالاً. وليست/ العمرة بواجبة عند مالك وأبي حنيفة، وهي واجبة عند الشافعي. وقال عطاء وطاوس ومجاهد: " العمرة فرض كالحج ". وهو قول ابن جبير وعلي بن الحسين. وروي ذلك عن ابن عباس وعن ابن عمر. وروى جابر أن النبي [ A] سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ فقال: " لا، وأنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَك ". وعنه أنه قال: " الحجُّ جِهادٌ، وَالْعُمْرَةوُ تَطَوُّعٌ ". وهو قول نافع، والقاسم بن محمد. وقال ابن مسعود: " الحج فريضة، والعمرة تطوع ".
وليس في هذا دليل على فرض الحج، ولا العمرة، إنما افترض في قوله: {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} [آل عمران: 97]. إنما في هذه الآية فرض إتمام ما دخل فيه من حج أو عمرة. وهو داخل تحت قوله تعالى: {يا أيها الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود} {المائدة: 1]. فمن عقد عقداً من حج أو عمرة أو غير ذلك من الطاعات فعليه إتمامه فرضاً من الله بآية العقود. فبان من هذا أن العمرة غير فرض إذ لم تأت بذلك آية، كما أتت في الحج. ومعنى " اعتمر ": قصد، كأنه افتعلمن " عَمَرَ ". والحج القصد. وقيل: اعتمر، معناه: زار.
والإحصار عند مجاهد الحبس بمرض. وهو عند عطاء الحبس من كل شيء مرض أو خوف أو غيره. وقال ابن عباس: " هو منع العدو لا غير ". وإنما أنزل الله الآية في إحصار العدو لرسول الله [عليه السلام] ومنعهم إياه أن يتم عمرته حين رجع، و [أحل في موضعه وعاد] في العام المقابل. وأكثر الناس على أن العلل العارضة المانعة من الحج غير داخلة في الإحصار، وحكمها حكم من فاته الحج، وليس حكم من منعه العدو حكم من فاته الحج. قوله: فَمَا استيسر مِنَ الهدي}. " هو شاة " قال ذلك علي وابن عباس. وقال قتادة: " أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة ".
وقال ابن عمر: " هو البقرة دون البقرة في السن، والبعير دون البعير ". وهو قول ابن الزبير وعائشة. فمعنى ذلك أن حبسه شيء عن إتمام حجة أو عمرته، فعليه إذا أراد أن يحل شاة/ أو بقرة أو بعير على مذكرنا من الاختلاف. ومذهب مالك أن الشاة تجزي. ولا هدي عند مالك على من أحصر بعدو، ولا قضاء لحجه ولا لعمرته إلا أن يكون ضرورة فعليه الحج. فإن كان الإحصار بمرض ونحوه فلا يحله إلا البيت، وعليه الهدي، إذا فاته الحج ويفسخ حجه في عمرة، وعليه حج قابل يكون معه الهدي الذي لزمه لفوات الحج. قوله: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ}. أي من أراد أن يحل، فلا [يحلق رأسه حتى يبلغ الهدي] محله لأن حلقه إحلال.
وبلوغ الهدي محله هو نحره أو ذبحه في أي موضع كان، إذا أحصر بخوف أو عدو، لأن النبي [عليه السلام] حل بالحديبية ونحر بها حين صد، وحلقوا رؤوسهم. والحديبية ليست من الحرم. فالنحر مقدم على حلق الرأس بهذه الآية. قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} أي بمرض أو نحوه، فمحله بعد الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا/ والمروة. وليس على من أحصر بعدو أو خوف قضاء ولا هدي، ويحل في موضعه، [وينحر في مضعه من حل] أو حرم إذا فاته الحج بحصر العدو بخلاف حصر المرض ونحوه الذي يلزم/ فيه القضاء ولا يحله إلا البيت، ويلزمه الهدي عند قضاء ما فاته من حج أو عمرة؛ هذا مذهب مالك. إنما القضاء على من فاته الحج من غير إحصار عدو بمرض أو فوات. فإن كان الذي أحصر لم
يحج فعليه الحج لازم، وإن كان الذين أحصر بمرض لا يقدر على الوصول، ويخاف على الهدي أن يعطب، أرسله يُنحر بمكة، ويبقى هو على إحرامه حتى يطوف ويسعى وإن أقام سنين. قوله: {أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ}. أي شقيقة أو وجع أو كثرة قلم. " وهذه الآية نزلت في كعب بن عَجُرَة إذ شكا إلى النبي [عليه السلام] كثرة قمله وذلك عام الحديبية، فأمره النبي [ A] بحلقه، وأمره بالهدي، فقال: لا أجد، فقال النبي A: " صُمْ ثلاثَةَ أيامٍ أوْ [أطْعِمْ سَتَّةَ مَساكينَ]. لكل مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ "، ففي ذلك نزلت الآية ". وقال الحسن: " عليه صوم عشرة أيام، أو إطعام عشرة مساكين ". وقاله
عكرمة قياساً على المتمتع. قوله: {فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج}. ومعنى التمتع عند الفقهاء المدنيين والكوفيين أن يعتمر الرجل الذي ليس من أهل مكة، ويحل من عمرته في أشهر الحج ثُمّ يجج من عامة ولم يرجع إلى أُفقه، أو أُفق مثل أفقه/ بين الحج والعمرة. فمن حصل له ذلك فهومتمتع، وعليه شاة. وقيل: بقرة، وقيل: / بدنة. فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده، وهو معنى قوله: {ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام} أي هذا الحكم يجب على الغرباء إذا حلوا من عمرتهم في أشهر الحج ثم حجوا من عامهم. يعني من ليس بقاطن من الغرباء بمكة/ يلزمه ذلك، خاصة على ما فسرنا. قال ابن عباس: " الثلاثة الأيام ما بين إحرامه إلى عرفة ".
وعن ابن عمر: " هن [يوم قبل] التروية، ويوم التروية ويوم عرفة ". وروي ذلك عن علي. وروي عن علي أنه قال: " أخرها انقضاء أيام منى ". وقالت عائشة Bها: " يصوم أيام منى ". وقال مالك: " يصوم ثلاثة أيام قبل النحر، فإن لم يصم صام أيام التشريق و [هي ثلاثة أيام] بعد يوم النحر، فإن لم يصبها صام بعد ذلك ". ولا اختلاف بين الفقهاء أن يوم النحر ويوم الفطر لا يجوز صومهما لأحد. وقال ابن عباس: " إذا فاته الصوم في العشر، فعليه دم ". وهو قول سعيدي بن جبير. وهو قول أصحاب الرأي.
وقال ابن عباس: " صيامه الثلاثة الأيم ما بين إحرامه إلى يوم عرفة وليس له صوم، قبل إحرامه. وقال مالك: " يصومهن إذا أهلّ متى ما أهل ". وقال مجاهد وطاوس: " له صومهن في أشهر الحج متى صام، وإذا دخل في الصوم ثُم وجد هدياً، وتمادى على الصوم أجزأ ". واستحب مالك أن يهدي إذا وجد قبل أن يتم قبل الصوم، إن كان صام يوماً أو يومين. فإذا صام أكثر من ذلك استحب أن يهدي. فإن لم يفعل فلا شيء عليه. وروي عنه إيجاب الهدي إذا وجده، وقد صام يوماً أو يومين، ويصوم السبعة متى شاء؛ إن شاء أخرها حتى يعود إلى مصره، وإن شاء عجل صيامها. وقوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}. إما قال تعالى: " عَشَرَةٌ " لجواز أن يظن أن عليه ثلاثة أو سبعة فبيّن إيجاب العددين بقوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}.
وقال المبرد: " إنما قيل: {تِلْكَ عَشَرَةٌ} / لأنه يجوز أن يظن السامع أن ثم شيئاً آخر بعد السبعة، فأزال اللبس ". فأما قوله: {كَامِلَةٌ}، فقال الحسن: " معناه: كاملة من الهدي ". أي قد كملت في المعنى الذي جعلت بدلاً منه. وقيل: معناه الأمر، كأن معناه: " تلك عشرة فأكملوا صومها ولا تقصروا فيها. وقيل: معنى " كاملة " التوكيد، كما تقول: " سمعته بأذني، ورأيته بعيني "، وكما قال: / {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ} [النحل: 26]. وقيل: معناه: تلك عشرة وافية للهدي. وقيل: إنه قد كان جائزاً أن يقول: " وعليكم عشرة من قابل ونحوها " فلما قال: {كَامِلَةٌ}، علم أنه لا فرض بعد ذلك، كما تقول في آخر الحساب: " فذلك كذا وكذا " لتدل على أنه لم يبق شيء. وقيل: لما كانت العشرة/ تتركب من عددين عَيَّنَ الثلاثة والسبعة، ولو صامها أحد على غير [ثلاثة وسبعة] لم يكن يمكن بمكمل لما أراد الله D من الترتيب، فقال: {كَامِلَةٌ}، أي إذا صامها أحدهم على هذا الترتيب كانت كاملة. وإن لم يفعل،
فليست بكاملة في الفرض، وهي كاملة في العدد. ف " كاملةٌ " ليس بتأكيد للعشرة، وإنما هو تأكيد للكيفية في صومها وترتيبها. وقيل: لما كانت الواو قد تقع بمعنى " أو "، فتكون مخيرة في صيام سبعة أو ثلاثة. أتى بـ {عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} ليبين أن الواو ليست بمعنى " أو "، وأن السبعة والثلاثة يلزم صيامها، فبين بِ " عشرة " ذلك، وأزال اللبس والاحتمال. وهذا مبني على مذهب الكوفيين في إجازتهم لوقوع الواو بمعنى " أو "، وليس هو مذهب البصريين، لا تقع عندهم الواو بمعنى " أو " لاختلاف مَعْنيهما وحكميهما. قوله: {ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام}. قيل: اللام بمعنى " على " أي ذلك الحكم على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، كما قال: {لَهُمُ اللعنة} [الرعد: 25] أي [و] عليهم. ومنه قول النبي [عليه السلام لعائشة]: " اشتَرِطِي لَهُمْ الوَلاءَ " أي عليهم. وقيل: اللام على بابها، وأن المعنى: أن التمتع لم هو من غير أهل مكة
ليس بقاطن بها، لأنهم تمتعوا بأحد السفرين إذا اعتمروا وحجوا في سفر واحد وانتقال واحد في أشهر الحج. وقيلأ: يراد بذلك أهل الحرم كلهم، لا متعة عليهم. وقال مالك: " هم أهل مكة وأهل ذي طوى لا متعة عليهم، وليس أهل منى منهم، بلا يكونون متمتعين كغيرهم من غير أهل مكة والحرم ". وقيل: هم مَن منزلُه دون الميقات في حرم أو غيره. رواه ابن جريح عن عطاء. وقال الزهري: " هو الذي بينه وبين مكة اليوم واليومان لا متعة عليه ". وكان الطبري يقول: " هو الذي ليس بينه/ وبين مكة ما تقصر فيه الصلاة ". وقيل: التمتع لبس الثياب وأخذ الطيب فيما بين العمرة والحج. وفعله، فعليه ما استيسر من الهدي، وذلك إذا كانت عمرته في أشهر الحج، فتمتع؛ فلبس الثياب وأخذ الطيب، ثم حج/ من عامة، فهو متمتع إذا كان من غير أهل مكة. وهو خلاف
197
قول أهل المدينة. قوله: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج}. فرق أبو عمرو بين الجدال والرفث والفسوق فجعل " لا " مع الجدال للتبرئة، وفتح وجعلها مع الرفث والفسوق، بمعنى " ليس " / فرفع/ وذلك لأن الجدال أتى على غير معنى ما قبله، لأن معنى الأول النفي الذي ليس بعام إذ قد يقع فيه الرفث والفسوق من أهل الخطايا، فجعلت " لا " بمعنى " ليس ". ومعنى الثاني أنه نفي عام إذ قد استقرت معالم الحج وثبت فرضه واستقام أداؤه، فلا جدال في إيجابه لأحد من الناس، ففتحه على ذلك. وقيل: المعنى: ولا جدال في كون الحج في ذي الحجة لأنهم كانوا يقدموا فيحجون في غير أشهر الحج ويؤخرون مثل ذلك. وروي عن ابن عباس أنه قال: " الجدال أن تماري صاحبك ". فهذا التفسير يوجب أن تجري الثلاثة مجرى واحداً. ويجوز في الكلام النصب في الثاني والثالث والتنوين، [تعطفه على موضع لفظ
لا]، وما عملت فيه. ويجوز فتح الأول ورفع الثاني والثالث والتنوين؛ تعطفه على موضع " رفث " قبل دخول " لا ". وقرأ أبو جعفر يزيد برفع الثلاثة والتنوين، أجراها مجرا واحداً. قوله: {الحج أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}. معناه: أشهر الحج أشهر معلومات ثم حذف، وهي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. وقيل: ذو الحجة كامل. وهما مرويان عن مالك. قوله: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج} أي من أوجبه. وقيل: من أحرم فيهن. والرفث هو الإفحاش للمرأة بالكلام في الجماع. وقال ابن عمر: " الرفث إتيان النساء، والتكلم بذلك للرجال
والنساء ". وهو مروي عن ابن عباس. وقال مالك: " الرفث إصابة النساء "، قال: " والفسوق: الذبح للأصنام، والجدال هو تخاصم في المواقف ". قوله: {وَلاَ فُسُوقَ}. لا معاصي فيما نهى عنه من قتل صيد أو أخذ شعر أو تقليم ظفر، ونحوه. وروى مجاهد عن ابن عمر: " {وَلاَ فُسُوقَ}: لا سباب ". وكذلك روى عن ابن عباس. وقال ابن زيد: {وَلاَ فُسُوقَ} لا ذبح للأصنام، وقرأ: {أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله} [الأنعام: 145]. وقوله: {وَلاَ جِدَالَ فِي الحج}: أي لا يماري المحرم أحداً. وقيل: لا مراء فيه، أنه في ذي الحجة.
وقيل: معناه: لا يقال: / حجي أتم من حجك. وقيل: نهو أن يختلفوا في اليوم الذي يكون فيه الحج. وقيل: إنهم نهوا أن يتماروا في المناسك، فيقول هؤلاء: هذا موقف [إبراهيم ويقول الآخرون]: بل هذا. وقيل: بل ذلك إخبار من الله أن الحج/ قد استقامت أوقاته لا تتقدم ولا تتأخر وأن [النسيء باطل لا نسئ] فيه، قد استقام وثبتت أوقاته. فهذا على قراءة أبي عمرو حسن لأنه مخالف لما قبله في المعنى فخالف بين إعرابه. والأقاويل الأول تجري على قراءة فتحها كلها. أو من نوَّنها كلها، لأنها منهاج واحد. قوله: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى}.
نزلت هذه الآية في قوم كانوا يحجون بغير زاد، وكان بضعهم إذا أحرم رمى بما معه من الزاد، فأمروا بالزاد. قال ابن جبر: " هو الكعك والسويق ". وقال الشعبي: " هو التمر والسويق ". وقال ابن جبير: " هو الكعك والزبيب ". وقال سفيان: " حجوا فسألوا في الطريق، فنهوا عن ذلك وأمروا بالزاد ". وقال ابن عباس: " كان ناس يخرجون ولا يتزودون، ويقولون: نحج ولا يطعمنا الله كأنهم يمتحنون الأمر، فأمروا بالزاد ". وقيل: هم قوم كانوا يخرجون بلا زاد، يقولون: نتوكل. فأمروا بالزاد ". قوله: {يا أولي/ الألباب}. أي أولي العقول. [يقال: " لَبَبْتُ] أَلُبُّ، وليس في كلام العرب فعل يفعل في المضاعف غير هذا الحرف.
198
قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ}. أي لا حرج ولا ضيف في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده. ونزلت هذه الآية في القوم كانوا لا يتجرون إذا أحرموا، يرونه من البر، فأعلمهم الله أنه لا حرج فيه وليس من البر. وقيل: إن قوماً كانوا يزعمون أنه ليس لتاجر ولا جَمَّال ولا أجير حج، فأعلمهم الله أن ذلك مباح. قوله: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عرفات}: أي اندفعتم. وسميت عرفات بهذا الاسم، لأن نعتها كان عند إبراهيم A. فلما رآها عرفها، فقال: " قد عرفت " فسميت " عرفات ". وق السدي: " لما أذَّن [إبراهيم في الناس بالحج] أجابوه بالتلبية، فأمره الله D أن يخرج إلى عرفات، ونعتها له فخرج. فلما بلغ الشجرة عند العقبة، استقبله
الشيطان يرده فرماه بسبع حصيات/ يكبر مع كل حصاة فطار، فوع على الجمرة الثانية وهي [عقبة الثنية] فصدوه فرماه وكبر، فطار، فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبر، فلما رأى أنه لا يطيقه ذهب، فلم يدر إبراهيم أين يذهب حتى أتى ذا الجاز رآه. فلما انظر إليه، لم يعرفه وهو مكان، فسمي ذلك " المجاز ". ثم انطلق حتى وقف بعرفات، فلما نظر إليها عرف النعت، فقال: قد عرفت فسمي " عرفات "، فوقف بها حتى إذا أمسى ازدلف إلى " جمع "، فسمي " المزدلفة " / فوقف " بِمَجمع ". وقال ابن عباس: " كان جبريل يُعَلِّمُ إبراهيم المناسك، وإبراهيم A يقول: قد عرفت، فلذلك سميت عرفات. وسمي الموسم موسماً لأن الناس يسم فيه بعضهم بعضاً أي يعرف ". والمشعر هو ما بين جبلي المزدلفة من حد منتهى مأزمي عرفة إلى محسر، وليس مأزماً عرفة من المشعر. وموضع المصلى اليوم في بطن عرفة، فإذا خرج الإنسان عرفة فإذا خرج الإنسان منه صار بعرفة.
199
قوله: {وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضآلين}. معناه: وما كنتم من قبل الهدى إلا من الضالين، " فَإنْ " بمعنى " ما " واللام بمعنى " إلا ". وقد قيل: إنَّ " إنْ " بمعنى " قد " ذكره الطبري، وليس بجيد في اللغة. قوله: / {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس}. أمر الحمس وهم قريش أن يفيضوا من حيث أفاض جميع الناس لأنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفة افتخاراً وتعالياً، ويقولون: نحن أهل الحرم، فلا نخرج منه إلى عرفات. فأمروا أن يقفوا مع الناس. ويفيضوا من حيث أفاض الناس أي من عرفة. قالت عائشة Bها: " كانت قريش ومَن دانها يفقون بالمزدلفة، ويقف الناس بعرفة فأمروا أن يقفوا مع الناس ". وقال الضحاك: " معنى الآية: أن الله تعالى أمر جميع الناس أن يفيضوا من حيث أفاض الناس قبلهم ".
والناس هم إبراهيم A ومن كان معه وذلك/ من جمع. وتقدير {ثُمَّ أَفِيضُواْ}: ثم أمرهم بذلك على معنى التأكيد لما أمر الله به أوّلاً، لأنه تعالى قد ذكر المعشر والإفاضة من عرفات قبل ذلك ثم قال: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس}. فإن كان/ عرفات فليس الإفاضة من عرفات بعد الذكر في المشعر الحرام، فالمعنى هو التأكيد لا أنه اتباع حكم لحكم تقدم. وروي أن قريشاً كانت قد اتبدعت أشياء منها أنهم امتنعوا أن يَقِفُوا بعرفات لأجل أنها في الحل، فقالوا: لا ينبغي لنا أن نعظم إلا الحُرُم، فكانوا وحلفاؤهم يقفون يوم عرفة بمزدلفة، ويقف سائر العرب بعرفات وسما أنفسهم ومَن وَالاَهم على ذلك الحمس، وابتدعوا ألا يأتقطوا الأقِط ولا يسألوا السمن وهم محرمون، ولا يدخلوا بيتاً من شعر وهم حرم، ولا يستظلوا وهم حرم إلا في بيوت الأُدْم، ولا يأكلوا وهم حرم من طعام جيء به في من الحل، وابتدعوا ألا [يطوف القادم إلى البيت إلا في ثياب] الحمس، فإن لم يجد ذلك طاف عرياناً. فإذا تم طوافه أخذ ثيابه، فإن
طاف أَحَدٌ بثيابه ألقاها إذا فرغ/ من طوافه، فلا يأخذها أبداً هو ولا غيره. وكانت العرب تسمي لك الثياب اللُّقى، وسمحوا للمرأة أن تدع عليها درعها. فلم يزل الأمر ذلك حتى بعث الله محمداً A فأنزل الله: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس}. يعني قريشاً إذ كانت تفيض من مزدلفة. وقيل: يعني سائر العرب، إذ كانوا يفيضون من عرفات، فيكون في الكلام على هذا القول تقديم وتأخير، وفي ذلك أنزل: {يابنيءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ واشربوا} [الأعراف: 31] فأباح لهم ما حرموا على أنفسهم من لبس الثياب، والطعام والشراب. وقد قيل: إن " ثُمَّ " بمعنى الواو في هذا. فأما المعنى على قول الضحاك: فثم على بابها، لأنه يقول: أمرهم أن يفيضوا من جمع، والإفاضة من جمع لا شك أنها بعد الوقوف بمزدلفة وبعد الإفاضة من عرفات. وقد قال الطبري: " إن من قال: إنه عرفات، ففي الكلام تقديرم وتأخير، وتقدير. ومعناه: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج}، {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس واستغفروا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله}، قال: " ولولا الإجماع من أهل التأويل على أن المراد بقوله {ثُمَّ أَفِيضُواْ} من عرفات، لكان قول الضحاك هو لوجه
200
البين؛ إن المراد به " جمع " لأنه على ترتيب الكلام وسياقه ولا تقديم فيه ولا تأخير ". ويدل على أن المراد به " جمع " قوله: {واستغفروا الله} وذلك أن النبي [عليه السلام] قال: " دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يَغْفِرَ لأُمَّتِي ذُنُوبَهَا، فأجَابَنِي: أَنِّي قَدْ غَفَْتُ إِلاَّ ذُنُوبَهَا/ فيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَلْقِي، فَأعْدَتُ الدُّعَاءَ يَوْمَئِذٍ، فَلَمْ أُجَبْ شَيْئاً، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ المُزْدَلِفَةِ قُلْتُ: يَا رَبّ، إِنَّكَ قَادِرٌ أَنْ تُعَوِّضَ هَذَا الْمَظْلُوم مِنْ ظَلامَتِهِ، وَتَغْفِرَ لِهَذَا الظَّالِمَ، فأَجَابَنِي أَنِي قَدْ غَفَرْتُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ A فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ضَحِكْتُ مِنْ عَدُوِّ اللهِ إِبْلِيسَ لَمَّا سَمِعَ مَا سَمِعَ، أَهْوَى يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ وَيَضَعُ التُّرَابَ عَلَىَ رَأْسِهِ ". فأمر/ المسلمون أن يستغفروا في ذلك الموضع الذي غفر الله [لهم فيه] التبعات فيما بينهم وهي أعظم من التبعات فيما بينهم وبين الله. ومعنى: {واستغفروا الله}. استدعوا المغفرة. قوله: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ}. أي أهراقة الدماء. قاله مجاهد. وقيل: متعبداتكم التي أمر بها في الحج/ وكان القوم في الجاهلية إذ فرغوا
من حجهم وقفوا فيتفاخرون بمآثر آبائهم، فأمروا أن يكون ذلك الثناء على الله أو أشد منه، والخلاق: النصيب. وقال عطاء: {كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ}، هو قول الصبيان: " أبا، أبا " يلهج بذكر أبيه ". قوله: {رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا}. قال مجاهد غيره: " كانوا يسألون الله لأمر دنياهم والظفر على عدوهم، ولا يسألونه إلى الآخرة شيئاً ". قوله: {رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ}. أي عافية في الدنيا، وعافية في الآخرة. قاله قتادة.
وقيل: " الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة. وفي الآخرة: الجنة ". قاله الحسن وسفيان. وقال ابن زيد: " الحسنة في الدنيا: المال، وفي الآخرة: الجنة "، وقاله السدي. ومعنى: {سَرِيعُ الحساب}. أي يحصي ما يحصيه بغير كلفة ولا تكلف، وليس مثل ما يتكلف له بنو آدم من العقد/ وغيره. وقيل: معناه: يحاسبه بغير تذكر ولا كتاب. وقيل: معناه: مجاز للفريقين على أعمالهم. وقيل: معنى: " السرعة ": أنه يغفر السيئات ويضعف الحسنات بلا حساب على من فعل به ذلك ولا كلفة. قوله: {واذكروا الله/ في أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ}.
هذه الآيام هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وهي أيام منى عند مالك. وقال زيد بن أسلم: " المعلومات: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، والمعدودات: أيام التشريق ". وعن مجاهد وابن عباس: " المعلومات: " العشر. والمعدودات: " أيام التشريق ". وإنما سميت أيام التشريق لأن الناس يشرحون فيها للحم ويقددونه، فالتشريق التشريح. فكأنها سميت أيام التشريح، فأمروا بالذكر فيها عند رمي الجمار وغيرها. وقال النبي [عليه السلام] في أيام منى - وهي أيام التشريق -: " هِيَ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ ". والأيام المعلومات هي: يوم النحر، ويومان، بعده. فيوم النحر معلوم، ويومان
بعده معلومان معدودات، واليوم الثالث بعد يوم النحر معدود. قوله: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ}. أرخص الله تعالى أن ينفر الناس اليوم الثاني من الأيام المعدودات وأعلمهم أن من تأخر إلى اليوم الثالث أنه لا إثم عليه، أي لا حرج ولا ضيق في تركه الرخصة، ومن تعجّل فلا إثم عليه في تركه الاتمام إلى اليوم الثالث. وروي عن ابن مسعود وابن عمر: " لا إثم عليه: أي قد غفر له، ومن تأخر قد غُفر له ". وقل/ ابن عباس: " لا إثم عليه: أي رجع مغفوراً له "، وقال: " إن العمرة لتكفر ما معها من الذنوب، فكيف بالحج ". واستبعد جماعة تأويل من قال: " لا حرج عليه "، لأن من جلس إلى الثالث
فقد أتى بالغاية، فليس يقال لمن أدى فرضه: " لا حرج عليك فيما صنعت ". وقيل: معناه: لا حرج عليك في تركك الرخصة. ومن قال: " غفر له " معناه. فهو أبين وأحسن/ وعليه [أكثر] الناس. وقال مجاهد: " معناه: لا إثم عليه إلى الحج القابل ". {وَمَن تَأَخَّرَ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ}. أي لا حرج عليه إلى الحج القابل، أي مغفور له إلى ذلك الوقت. وقال أبو العالية: " معناه: غفر له ما تقدم "، وفي مصحف عبد الله: " لمن اتقى الله ". قال ابن عباس: " معناه: لا حرج عليه لمن اتّقى المعاصي فيما يستقبل، أي
غفر له ". وقيل: معنى {لِمَنِ اتقى} أي: اتقى قتال الصيد في الحرم. وقال ابن مسعود أيضاً: " {إِثْمَ} أي: مغفور له إن اتّقى ما حرم عليه في الحج ". وروى أبو حازم عن أبي هريرة أن النبي [عليه السلام] قال: " مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهِ ". وروي أن عمر قال لما سمع الآية: " خرج القوم من ذنوبهم، وربّ الكعبة ". وعن أبي هريرة أيضاً أن النبي A قال: " الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ/ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّةَ. والعُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا " ومعنى اللام في {لِمَنِ اتقى}: أي: هذا لمن اتّقى. وقيل: المعنى: قلنا فلا إثم عليه لمن اتّقى. واللام متعلقة بالقول. وقال
الأخفض: " ذلك لمن اتّقى ". وقيل: معنى: {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} أي: لا يقل المتعجل للمتأخر: أنت آثم، ولا المتأخر للمتعجل: أنت آثم. تم الجزء الرابع
204
قوله: {وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحياوة الدنيا} الآية. نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق، واسم الأخنس أبي، وأمه ضبيعة عمة عثمان Bهـ، كان حليفاً لبني زهرة، وكان قد أتى مع قومه بني زهرة إلى بدر مع المشركين يريدون قتال النبي A فلما أتوا الجحفة، أشار على بني زهرة بترك القتال فأطاعوه، فأخنس بهم من المشركين، ورجع فسمي الأخنس فلما بلغ النبي [عليه السلام] قوله وما أشار به على بني زهرة عجب من ذلك، ففيه نزلت: {وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} الآية. ثم إنه قعد ذلك قدم على النبي [عليه السلام] فأظهر المحبة للإسلام، وحلف أنه ما قدم إلا لذلك، وأنه صادق في قوله، فأعجب النبي [عليه السلام] منه ذلك وكان يبطن الغش والنفاق، فلما خرج أفسد زَرْعَ/ الناس بالنار وأهلك مواشيهم، فذلك قوله: {وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الحرث} أي: بالنار والنسل. وري أنه
عقر حمراً، وفيه نزلت: {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ/ لُّمَزَةٍ} [الهمزة: 1]. وفيه نزلت: {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ} [القلم: 10] إلى {الخرطوم} [القلم: 16]، لأنه حلف أنه ماقدم إلا رغبة في الإسلام وأنه صادق في يمينه، فقال الله D: { وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ} أي أنه صادق فيه قوله. وقوله: {أَلَدُّ الخصام}. أي شديد الخصومة. وقيل: معناه أنه كاذب في قوله. والخصام مصدر " خاصم ". وقال الزجاج والقتبي: " هو جمع خصم. يقال: خصم، وخصوم، وخصام ". وعن ابن عباس أنه قال: " نزلت في السرية التي أصيبت للنبي عليه السلام تكلم قوم من المنافقين فيها، فأخبر الله عن اختلاف سريرتهم وعلانيتهم ". وقيل: إن الآية عامة في كل منافق أخبر الله أنه يقول بلسانه ما لا يعتقد بقلبه. وقد
قال في موضع آخر، {وَإِذَا/ لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا} [البقرة: 14]، وقال: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ} [آل عمران: 119]. فأخبر الله أنه يشهد على ما في قلبه. يريد أنه يقول ما يقول، ويستشهد بالله أنه صادق في قوله؛ يقول: الله يشهد أني صادق فيما أقول وهو كاذب. فأخبرنا الله تعالى أنه شديد الخصومة، وأنه إذا تولى سعى في الأرض بالفساد الذي هو سبب هلاك زرع الناس لأنه إذا أفسد اشتغل بالحرب والقتال عن الزرع، وإذا لم يكن زرع لم تجد البهائم ما تأكل، فيذهب النسل/ وقوله: {وَيُشْهِدُ الله}. أي يقول: اللهم إنك تشهد أني صادق: " وهو كاذب ". وقرأ ابن محيصن: " ويَشْهَدُ اللهُ " بفتح الياء، ورفع الاسم على معنى: [والله] يشهد أنه كاذب في قوله. وقيل: معنى، {وَإِذَا تولى} إذا غضب، فعل ذلك.
207
وقال مجاهد: " إنه إذا أفسد وتعدى، كان ذلك سبب إمساك الله القطر، وإمساكه هلاك الحرب والبهائم، وقرأ مجاهد: {ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس} [الروم: 41]. وقرأ الحسن وقتادة: {وَيُهْلِكَ} بالرفع عطفاه على يُعْجِبُكَ. وقال أبو حاتم: " عطف على {سعى}، أي يسعى ويهلك، وقال الزجاج: " معناه: وهو يهلك ". وعن ابن كثير أنه قرأ: " ويهلك " بتح الياء والنصب، الحرب والنسيل بالرفع. ومثل الجماعة أشهر عنه. قوله: {وَمِنَ الناس مَن يَشْرِي نَفْسَهُ} الآية. أي يبيع نفسه من أجل مرضاة الله، ونزلت في المهاجرين والأنصار
المجاهدين منهم. وقال عكرمة: " نزلت في صهيب بن سنان وأبي ذر الغفاري وهو جندب ابن السكن خرجوا/ مهاجرين وطلبهم أهلوهم، فأما أبو ذر فانفلت منهم، وأما صهيب فأخذوه أهله، وافتدى بأهله وماله من مولاه وكان مملوكاً لزيد بن جدعان. وروي أنه كان يعرف بالرومي وأصله من العرب، وإنما سمي بذلك لأنه سبي وهو صغير، فسار إلى الشام، فتغير لسانه ثم صار مملوكاً لزيد بن جدعان، فلما أمر النبي [عليه السلام] بالهجرة آمن وافتدى من مولاه بماله كله، وخلى سبيله/، فخرجت بنو تميم في طلبه، فلما أدركوه أخذ
قوسه وخوفهم من قبله، وتواعدهم، فخافوا رميه ونبله وكان رامياً مجوداً فرجعوا وتركوه، فلما وصل المدينة قال له عمر: " ربح بيعك لا تقيل ولا تقال ". وشهد بدراً، ففيه نزلت {وَمِنَ الناس مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابتغآء} الآية. فيشري على هذا القول بمعنى يشتري، وعلى القول الأول بمعنى " يبيع ". وقال الربيع: " نزلت في رجل منع الخروج إلى النبي [ A] فافتدى منهم بداره وماله، وخلوه فخرج إلى النبي عليه السلام فلقيه عمر في رجال فقال: ربح بيعك، قال: وبيعك، فلا خَسِر، فما ذاك؟ قال له: أنزل فيهك كذا وكذا ". وقيل: نزلت الآية في رجل مسلم حمل على المشركين، بسيفه غضباً لله إذ
سمع الكفر به من رجل من المشركين، فقاتل حتى قتل. فيشري على هذا بمعنى/ يبيع. وقيل: نزلت في رجل مسلم قال لمشرك: قل: لا إلا الله. فأبى أن يقولها، فقال المسلم: والله لأشربن نفسي من الله ". أي لأَبِيعَنَّهَا، ثم تقدم فقاتل حتى قتل C. وقال ابن المسيب: " أقبل صهيب مهاجراً فاتَّبعه نفر من المشركين. فنزل عن راحلته وانتشر ما في كنانته، وقال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً وأَيْمُ الله، لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم. فعادهوه على أن يدلهم على بيته ماله بمكة ويدعوه
208
ففعل، وقدم على النبي [عليه السلام] فقال له: أبا يحيى، رح البيع، فأنزل الله {وَمِنَ الناس} الآية. وقيل: إنه عني بها كل من باع نفسه من الله، روي ذلك عن عمر وغيره. وهو أولى بظاهر الآية عند الطبري وغيره. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ ادخلوا فِي السلم}. / قال ابن عباس: " السِّلْمُ - بالكسر - الإسلام " وهو قول أبي عمرو.
وَالسَّلْمُ - بالفتح - المسالمة والصلح. فعلى هذا يكون الكسر هنا أقوى وأحسن لأن الخطاب للمؤمنين، فليس للصلح وجه. وأهل اللغة يسوون بينهما، / قاله الكسائي وغيره، ومعنى أمره إياهم بالدخول في الإسلام وهم مؤمنون على قول الضحاك، إنه إنما خاطب من آمن بالأنبياء أن يؤمنوا بمحمد [عليه السلام]. وقال عكرمة: " نزلت في ابن سلام وابني كعب: أسد وأسيد، قالوا بعد إسلامهم لرسول الله [عليه السلام]: إن السبت كان مفروضاً فأذن لنا أن نسبت وإن التوراة كتاب الله، فأذن لنا أن نحكم بها فأنزل الله: {يا أيها الذين آمَنُواْ ادخلوا فِي السلم}، أي في الإسلام. {كَآفَّةً}: أي في جميعه، فيكون " {كَآفَّةً} " على هذا القول حالاً من السلم.
وقيل: هي مخاطبة لجميع من آمن بمحمد A، ومعناها: ادخلوا في جميع شرائع الإسلام وحدوده. وقيل: نزلت في عبد الله بن سلام كان يقيم شرائع التوراة وشرائع القرى،، فأنكر ذلك [عليه المسملون]، فقال: أنا أقوى على هذا، فنزلت الآية فترك ما كان عليه ورجع إلى شرائع الإسلام وما في القرآن. واختار الطبري قراءة الكسر في السلم. ويختار أن يكون مخاطبة للمؤمنين بمحمد [عليه السلام] وأن الصلح لا معنى له على هذا، واختار {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ} [الأنفال: 61] لأنهم دعوه إلى الصلح، وليس في القرآن موضع أمر الله فيه المؤمنين بأن يبتدئوا بالصلح، إنما أمرهم بذلك إذا بدأهم به المشركون ورغبوا فيه، فلذلك يختار الكسر في البقرة لأنا لو فتحنا لأوجبنا أن الله أمر المؤمنين أن يبدأوا
المشركين بالصلح، ويختار الفتح في " الأنفال " لأنه قلا: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ} [الأنفال: 61] / أي ابتدأوا وطلبوا ذلك منك، فافعل ما سألوا وتوكل على الله. وإذا كان التأويل أن المؤمنين بمحمد A أمروا بذلك أو بضعهم، فيكون {كَآفَّةً} حالا من السلم على معنى: " ادخلوا في الشرائع كافة "، أي في جميعها. وإذا كان التأويل أن المؤمنين بالأنبياء - صلوا الله عليهم - الذين لم يؤمنوا بمحمد A، أمروا بالإيمان لمحمد A، فيكون " كافة " حالاً من المأمورين، أي ادخلوا جميعاً. وقال ابن عباس: " هم أهل الكتاب أمروا بالإيمان بمحمد A بالدخول في شرائعه ". ومعنى " كافة " الإحاطة والعموم، من " كَفَفْتُ فلاناً عن/ كذا "، منعته، ومنه " رجل مَكْفٌوفٌ " أي ممنوع من النظر، ومنه " كَفَّهُ الميزان لأنها تَكُفُّ الأخرى، أي تمنعها من أن تميل بها. ومنه سمي الْكَفُّ لأنه يمتنع بها. فمعناه على هذا إذا جعلت حالاً من الضمير: لا يمتنع منكم أحد أن يكف بعضهم بعضاً من الامتناع.
209
وجعله حالاص من " السلم "، فمعناه: تمنعكم هذه الشرائع من اتباع غيرها. قوله/: {خُطُوَاتِ الشيطان}. أي آثاره. وقال الضحاك: " هي الخطايا التي يأمر بها ". قوله: {فَإِن زَلَلْتُمْ}. أي أخطأتم. وقيل: ضللتم. وقال ابن عباس: " هو الشرك ". والبينات محمد A والقرآن. وقوله: {عَزِيزٌ} أي ذو عز لا يمنعه من الانتقام منكم مانع {حَكِيمٌ} فيما يفعله بكم من العقوبة على زللكم بعد إقامة الحجة وظهور البراهين. قوله: {فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام والملائكة}. مَن خَفَضَ " الملائكة " عَطَفَ على " {ظُلَلٍ} ".
وقال أبو إسحاق: " هي عطف على الْغَمَامِ "، وهي قراءة أبي جعفر، وقراءة الجماعة [الرفع على العطف] على الاسم المرفوع بعد " يَأتِيَهُمْ ". وقرأ أبو جعفر " في ظُلالٍ وَقَضَاءِ الأَمْرِ " بالمد والخفض. وفي قراءة أبي: " إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ وَالْغَمَامُ فِي ظلل مِنَ المَلاَئِكَةِ ". وهذا الإتيان عند أكثرهم يوم القيامة يكون. وقال قتادة: " ذلك عند الموت ". وهو قول شاذ. وقيل: معنى {فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام}، " بظلل "، ففي بمعنى " الباء ". وهذا قول حسن بَيِّن.
قال عكرمة: {ظُلَلٍ مِّنَ الغمام} " طاقات منه والملائكة حوله ". وأكثر أهل التفسير على أن في الكلام تدقديماً وتأخيراً في قراءة من رفع الملائكة، والمعنى: إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام. قالوا: والرب يأتي كيف شاء، و {فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام} من حال الملائكة. وجماعة منهم على أنه تعالى يأتي في ظلل من الغمام، وتأتي الملائكة/ كيف شاء. وهذا اختيار الطبري. وروى ابن عباس عن الن بي [عليه السلام] أنه قال: " إن الغمامة [طاقات يأتي الله جل وعز] فيها محفوفاً ". قال أبو محمد Bهـ: [ويجب] أن تعتقد أن صفات الله جل ذكره بخلاف صفات المخلوقين، فلا تعتقد إلا أن الإتيان والمجيء من الله تبارك وتعالى صفة وصف بها نفسه لا إتيان انتقال وتغير حال، تعالى الله عن ذلك.
211
وقد قدره قوم على حذف كأنه " إلا أن يأتيهم أمر الله ". وقيل: معناه: ثواب الله وعقابه. وهذا كله توعد لمن تقدم ذكره من التاركين للدخول في الإسلام ولسعيهم بالفساد في الأرض. ومعنى: {وَقُضِيَ الأمر}: فرغ منه. قوله: {وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور}. أعلمنا تعالى برد الحساب والعقاب إليه والأمور الآن وفي كل وقت إليه مصيرها، وبيده تصرفها، وعن مراده كونها. وإنما خص ذلك الوقت بالذكر لأنه وقت لا يدعي فيه أحد أمراً ولا نهياً ولا ملكاً ولا مقدرة، والدنيا يها الجبارون والكافرون يدعون ذلك لأنفسهم، والآخرة لا يدعي فيها أحداً شيئاً، فلذلك خص الله رد الأمور إليه/ في الآخرة مع كونها مردودة إليه في الدنيا. قوله: {سَلْ بني إِسْرَائِيلَ} الآية.
كتبوا في المصحف {نِعْمَةَ الله} هاهنا بالهاء، وكذلك في سائر القرآن إلا أحد عشر موضعاً كتبت بالتاء: في البقرة: {واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ} [الآية: 231]. وفي آل عمران {واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ} [الآية: 103]. وفي المائدة: {اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ} [الآية: 11]. وفي إبراهيم: {نِعْمَةَ الله كُفْراً} [الآية: 28]. وفيها: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34]. وفي النحل: {وَبِنِعْمَتِ الله هُمْ يَكْفُرُونَ} [الآية: 72]. / وفيها: {نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل: 83]. وفيها {واشكروا نِعْمَتَ الله} [النحل: 114]. وفي لقمان: {تَجْرِي فِي البحر بِنِعْمَةِ الله} [الآية: 31]. وفي فاطر: {نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ} [الآية: 3]. وفي: والطور: {فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} [الآية: 29]. والأصل في جميعها التاء، ولكن من موقف بالهاء فإنما ذلك للفرق بين الأفعال
والأسماء نحو " قامت " و " شجرة ". [وقال] سيبويه: فعل ذلك للفرق بين التاء الأصلية والملحقة والزائدة في " العنت " و " ألفت "، و " عفريت "، و " ملكوت " و " شجرة ". وهذه هي التاء الزائدة. ولغة طيء الوقف بالتاء. وقال الفراء: " من وقف بالتاء، أراد الوصل، ومن قف بالهاء أراد الوقف الصحيح ". وأنكر ذلك ابن كيسان وغيره. [وكل ما] كتب منه بالتاء، فمذهب المدنيين الوقف بالتاء على ما في المصحف. ومذهب أبي عمرو والكسائي وخلف وابن كيسان الوقف بالهاء على الأصل المشهور وقد قال ابن كيسان: " من وقف بالتاء فإنما نوى أصلها لأن أصلها التاء ". وقوله: {كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ}. يعني العصا وانفجار الحجر وانفلاق البحر ونحوه، ثم كفروا بعد ذلك وبدلوا هذه النعم، فأمر الله نبيه عليه السلام/ بالصبر وأخبره بفعل من قبله في سالف الدهر، وقال
212
له: سلهم كم أعطوا من الآيات ثم لم ينفعهم ذلك. ومعنى {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الله} أي: من يغير ما عاهد الله عليه من قبول/ ما جاء به محمد A من الإسلام فيكفر، فإن الله يعاقبه. قوله: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين آمَنُواْ}. أخبرنا الله تعالى أنه زين لهم حب الدنيا واتباعها، وأنهم يسخرون ممن اتبع الآخرة، وذلك أ، هم قالوا: " لو كان محمد نبياً لا تبعه أشرافنا، وما نرى اتبعه إلا أهل الحاجة ". وقال الزجاج: " معنى {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي زينها لهم إبليس لأن الله تعالى قد زهد فيها ". وقيل: معناه خلق الأشياء الحسنة المعجبة، فنظر إليها الكفار بأكثر من مقدارها، ومثله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ/ حُبُّ الشهوات} [آل عمران: 14]. قوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
213
قال قطرب: " معناه يعطي العدد، لا من عدد أكثر منه، فيوجب بذلك بقاء الكثير ". وقيل: معناه أن ثمة أشياء لا يحاسب بها ويغفرها. وقيل: معناه: ليس يرزق المؤمن على قدر إيمانه، والكافر على قدر كفره، أي ليس يرزق في الدنيا على قدر العمل. وقيل: معناه: نحو محاسبة أي ما يخاف أحداً/، يحاسبه عليه. وقيل: معناه: بغير حساب للمعطي. أي يعطيه من حيث لا يحتسب. قوله: {كَانَ الناس أُمَّةً واحدة}. الآمة هنا قول ابن عباس وعكرمة: من كان بين آدم ونوح، وهم عشرة قرون، وكانوا على دين من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال ذلك ابن عباس وغيره. وول من بعث الله نوحاً عليه السلام.
والأمة هنا معنها الأمم، ودل الواحد على الجماعة. وأصل الأمة الجماعة [تجتمع على دين] واحد قال تعالى: {وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المائدة: 48] أي على دين واحد. وقيل: معناه: كان آدم وحواء عليهما السلام أمة واحدة في الطاعة. وسيما بالجماعة لأنهما أصل لها. وقال ابي بن كعب: " معناه كان جميع الخلق أمة واحدة إذا استخرجهم من [صلب آدم] وقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى} [الأعراف: 172]. فأقروا كلهم فكانوا كلهم أمة واحدة مسلمين، ثم اختلفوا/ إذ ظهروا إلى الدنيا فبعث الله النبيين مبشرين من أقام على عهده بالجنة. ومنذرين من خالف ما عهدَهُ إليه بالنار ".
وقال ابن زيد عن أبيه " لم يكن الناس أمة واحدة قط، إلا حين أخرجهم الله من ظهر آدم A ". وقيل: الناس هنا: نوح ومن كان معه في السفينة. وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: " كانوا على الكفر فبعث الله النبيين ". قوله: {وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ}. أي لم يختلف في التوراة إلا الذين نزلت عليهم. {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات} الآية. أي الحجج أنه من عند الله، فكان خلافهم تعمداً للبغي بينهم لحب الدنيا وملكها والتنافس فيها فبغى بعضهم على بعض، وقتل بعضهم بعضاً على ذلك. وقال زيد بن أسلم: " اختلفوا في يوم الجمعة؛ فاتخذ اليهود السبت، / والنصارى الأحد فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة. واختلفوا في القبلة؛ فاستقبلت النصارى المشرق،
واليهود بيت المقدس، وهدى الله أمة محمد صلى الله عليه [وسلم] للقبلة. واختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنه من يسجد ولا يركع ومنهم من يصلي ويتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في الصيام؛ فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم A؛ فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً، وجعله الله حنيفاً مسلماً، فهدى الله أمة محمد A للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى A؛ فكفرت به اليهود، وقالوا في أُمِّهِ بهتاناً عظيماً، وجعلته النصارى إلهاً وولداً، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد صلى الليه عليه وسلم للحق من ذلك ".
والبغي: الاعتداء والطغيان، يقال للبحر إذا فاض وكثر ماؤه: " بَغَى الْبَحْرُ " أي طغى. وتقدير الكلام: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغياً بينهم من بعد ما جاءتهم البينات. وقد أنكر هذا قوم لأن المصدر لا يتقدم عليه ما تعلق به، وهذا الا عتراض لا يلزم لأن " من " متعلقة " بأُوتُوهُ " لا " بالبغي ". ومعنى: {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب} أي الكتب. قوله: {لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس}. وقرأ الجحدري. " لِنَحْكُمَ " بالنون. وقالوا أبو إسحاقَ: " معنى {وَمَا/ اختلف فِيهِ}. أي في النبي محمد A { إِلاَّ الذين أُوتُوهُ}، أي أعطوا علم نبوته، فعلوا ذلك للبغي. قوله: {فَهَدَى الله الذين آمَنُواْ}.
أي هداهم الله لمعرفة ما اختلفوا فيه من الحق إذ هداهم للإيمان بما اختلف فيه الأولون من الحق. قال النبي A: " نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُون/ يَوْم الْقِيَامَةِ؛ نَحْنُ أَوَّلُ/ النَّاسِ دُخُولاً الجَنَّة بَيْدَ أنَّهُمْ أُوتُو الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وأُتينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَهَدَانَا اللهُ لِمَا/ اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بإِذْنِهِ " فَهَذا اليّوْم الذِي هَدَانتَا اللهُ لَهُ وَالنَّاس لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، غداً لليهود، وبعد غَدٍ لِلنَّصَارى ". وهذا الاختلاف الذي هدى الله المؤمنين إليه، ووفقهم لإصابته وهي الجمعة ضلوا عنها، وقد فرضت عليهم كما فرضت علينا فجعلوها السبت، وجعلها النصارى الأحد. وقال ابن زيد: " اختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من صلى إلى المشرق، ومنهم من صلى إلى بيت المقدس، فهدانا إلى الكعبة. واختلفوا في الصيام؛ فمنهم من يصوم بعض يوم، ومنهم من/ يصوم بعض ليلة، فهدانا الله له. واختلفوا في الجمعة؛ فأخذ اليهود السبت،
وأخذ النصارى الأحد، فهدانا الله له. واختلفوا في إبراهيم A؛ فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً، فهدانا الله إلى إنه كان حنيفاً مسلماً، وكذلك اختلفوا في عيسى A؛ فهدانا الله لجميع ذلك على الحق بمحمد A ". وهذا عند أكثر أهل العلم فيه قلب، والمعنى: فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه، كما قال: كَانَ الزِّنَا فَرِيضَةَ الرَّجْمِ ... فالهداية إنما هي للحق ولم يهدهم للاختلاف. وظاهر الآية يعطي الهداية للاختلاف لأنه قال: {فَهَدَى الله الذين آمَنُواْ لِمَا اختلفوا فِيهِ مِنَ الحق}. ولكن الكلام فيه قلب أتى على لغة العرب وعادتها في كلامها. وهذا قول الطبري واختياره.
214
وقد قيل: إن المعنى: إن الله هداهم للاختلاف أنه باطل، فآمنوا بما كفر به غيرهم. قوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة}. " أم " للخروج من حديث إلى حديث. وقال الطبري: " أم " للاستفهام، ومعنى اللام " أحسبتم ". قال: وإنما تكون " أم " للاستفهام إذا تقدمها كلام، فإن لم يتقدمها كلام لم تقع كذلك ". قوله: {حتى يَقُولَ الرسول}. النصب فيه على الغاية كأنك قلت: " وزلزلوا إلى أن يقول الرسول ". فيكون الفعلان قد مضيا. ويجوز النصب في غير القرآن على أن تجعل الثاني من أجله وقع الأول،
كأنك قلت: " كي يقول "، فالأول حدث كي يكون الثاني، ولا يحسن هذا في الآية. والرفع في الآية على أن يكون ما بعدها جملة لا تعمل " حتى " فيه، أي " زلزلوا، فقال الرسول "، ويكون الفعلان أيضاً مضيا أي حتى هذه حال الرسول، ويجوز الرفع في الكلام على أن يكون الأول قد مضى، والثاني في الحال؛ تقول: " سرت حتى أدخلها " أي حتى أنا الآن أدخلها، فالسير مضى، والدخول الآن، ولا يجوز هذا في الآية. وقال أبو عمرو: " لما اختلف الفعلان في الآية، كان الوجه في الثاني النصب ". قوله: {ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ}. يجوز في " قريب " النصب على أنه نعت لظرف محذوف. ولا يثنى قريب
ولا يجمع ولا يؤنث إلا أن يكون للنسب والقرابة، فيجوز ذلك فيه. ومعنى الآية: أحسبتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة ولم يصبكم مثل ما أصاب من كان قبلكم من اتباع الأنبياء من الشدائد والخوف حتى قال الرسول والذين معه: {متى نَصْرُ الله}، كأنهم استبطأوا النصر فأخبرهم الله تعالى أن/ نصر الله قريب. وقيل: إن في الآية تقديماً وتأخيراً وحذفاً للاختصار والتقدير: وزلزلوا حتى يقولوا؟ {متى نَصْرُ الله}، ويقول لهم/ الرسول: {ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} اسبتطأوا النصر وزاد عليهم الخوف، فقالوا: متى نصر الله؟ فقال لهم الرسول: {ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ}. فقوله: {ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} من قول الرسول، وقوله: {متى نَصْرُ الله} من قول المؤمنين من أمة الرسول. وهذه الآية في قول السدي وقتادة نزلت يوم الخندق حين اشتد على المؤمنين أمر الأحزاب وآذاهم البرد وضيق العيش، وفيه نزل: {يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا
نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ} [الأحزاب: 9 إلى {قَدِيراً} [الأحزاب: 27]. قال السدي: [اشتد على/المؤمنين الأمر] حتى قال قائلهم: {مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} [الأحزاب: 12]. يريد قاله بعض المنافقين. {والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [الأنفال: 49]. أي شك. قالوا ذلك أيضاً/ كذلك حكى الله عنهم في سورة الأحزاب. وقيل: " إنها نزلت في المهاجرين إذ تركوا أموالهم ودورهم بمكة، فحكم فيها المشركون، فضاقت بهم الحال في المدينة فَآخَى النبي [عليه السلام] بينهم وبين الأنصار فَوَاسَوْهُمْ فنزلت الآية تعزية لهم وتصبيراً. وذكر وهب بن منبه: " أن سبيعن نبياً دفنوا في مسجد الخيف، كلهم ماتوا
من الجوع والقمل وقال النبي [ A] : " سأل نبي من الأنبياء سعة الرزق فأوحى الله إليه: (أَمَا يَكْفِيكَ أَنِّي عَصَمْتُكَ مِنَ الْكُفْرِ) ". فلو رضيَ اللهُ الدنيا لأحد من أوليائه ما نال منها الكافر جرعة ماء، ولكن الله لم يجعلها ثوباً لمؤمن ولا عقاباً لكافر. قوله: {البأسآء والضرآء} الفقر والمرض. وقيل: القتل والفقر. وقال القتبي: " البأساء: الشدة والضراء: البلاءً ". ومعنى {وَزُلْزِلُواْ} خوفوا وحركوا. وأصله من " زال الشيء من مكانه ". ومعنى " زلزلته " كررت زلزلته.
215
قوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ}. سأل/ أصحاب النبي [عليه السلام] على من ينبغي أن يفضلوا، فأنزل الله الآية، وهذا قبل أن تفرض الزكاة. وقيل: هي منسوخة بالزكاة. وقيل: هي محكمة فيها صفة أين يوضع التطوع، والزكاة مفروضة على بابها. وهذه الآية تدل على أن النفقة على الوالدين من الصدقة. قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال}. أكثر العلماء على أن الجهاد فرض يحمله الإمام ومن معه عن الناس، وليس على كل رجل ذلك فرض. ومعنى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} فرض عليكم، وهو كالصلاة على الموتى ودفنهم، دليله قوله: {فَضَّلَ الله المجاهدين بأموالهم وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى} [النساء: 95]. فأخبر أن الكل له الحسنى وهي الجنة، وأن المجاهدين أفضل له. وقال ابن جبير: " هو فرض على جميع المسلمين ".
وقد قيل: هي ناسخة واجبة لما أمروا به من العفو والصفح بمكة. وقيل: هي منسوخة بقوله: {وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} [التوبة: 122]. وقيل: هي على الندب لا على الوجوب. وقد قال عطاء: " هي فرض على الصحابة خاصة ". وهو قول مطعون فيه. قوله: {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ}. الكره بضم الكاف ما كان من نفسك، وبالفتح ما أُكْرِهْتَ عليه فيه. وقال معاذ بن مسلم: " الكُره المشقة، والكَره الإجبار ". وقيل: هما لغتان: كالضُّعف والضَّعف.
217
وقيل: الكره بالضم الاسم، وبالفتح المصدر. قوله: {وعسى أَن/ تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}. معناه: إن كرهتم القتال فهو خير لكم، لأن فيه الظفر والغنيمة والشهادة. {وعسى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ}. أي إنكم إن تحبوا القعود عن الجهاد فهو شر لكم لأنكم تحرمون الظفر والغنيمة و [الأجر. أو] الشهادة. {والله يَعْلَمُ}: أي يعلم ما هو خير ممّا هو شر لكم، فلا تكرهوا ما كتب عليكم من جهاد عدوكم فإنكم لا تعلمون. قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ}. قال السدي: " بعث رسول الله A سرية في سبعة نفر فبينما هم سائرون إذا بنفر من المشركين ببطن نخلة فاقتتلوا، فأسر المسلمون منهم وقتلوا وغنموا،
وكانت أول غنيمة غنمها أصحاب النبي [عليه السلام. وكان] ذلك في الشهر الحرام فتكلم الناس في القتل في الشهر الحرام. وروي أن النبي A قال لهم: " ما أمرتكم أَن تَقْتُلُوا فِي الْشَهْرِ الْحَرَامِ " فسقط في أيدي القوم [وأخذوهم الناس باللائمة]، فأنزل الله D: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ [كَبِيرٌ]} " فأخبرهم أنه منكر عظيم. ثم ق ل: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله}. أي وصدكم أيها المشركون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وكفركم بالله تعالى وأخراجكم أهل المسجد الحرام منه. يريد الله النبي A وأصحابه ذلك كله من فعلكم أكبر عند الله من القتل، أي الشرك الذي أنتم عليه أكبر من القتل في الشهر الحرام. / وكذلك قال ابن عباس. وقال الضحاك: " لما قتل عمرو بن الحضرمي في سرية بعثها رسول
الله [عليه السلام] إلى بطن نخلة وأمر عليها عبد الله بن جحش، عَيَّرَ المشركون المسلمين بالقتل في الشهر الحرام فأنزل الله الآية فأخبرهم/ أن ذلك كبير، وأن صد المشركين محمداً A وأصحابه عن سبيل الله D وعن المسجد الحرام والكفر بالله تعالى أكبر عند الله سبحانه من القتل الذي أنكروه. والآية عند أكثر العلماء والصحابة منسوخة لأنه تعالى قال: {قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} أي عظيم فأخبر أنه شيء عظيم منكر في الشهر الحرام وأنه محظور ثم نسخته آية/ السيف في براءة: {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5]. فأبيح ذلك في الحرام وغيره، ونسخه أيضا قوله: {وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً} [التوبة: 36]. والأشهر الحرم المذكورة في براءة ليست المعلومة، إنما هي أشهر كان فيها عَهْدٌ بينهم وبين النبي [عليه السلام] فأمر بقتلهم حيث وجدوا إذا انسلخت تلك الأشهر وهي أربعة أشهر بعد يوم النحر لمن كان له عهد، ومن لم يكن له عهد فإلى انسلاخ
218
الحرم عهده. وقال عطاء: " الآية محكمة، والقتال محظور في الأشهر الحرم ". ورويى ابن وهب أن النبي [ A] رد الغنيمة والأسى وودى القتيل. قوله: {يَرْجُونَ رَحْمَتَ الله}. كتبت " رحمت " بالتاء وذلك في سبعة مواضع؛ هذا، وفي الأعراف: {إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ} [الآيه: 56]، وفي هود: {رَحْمَتُ الله وَبَرَكَاتُهُ} [الآية: 73]، وفي مريم: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ} [الآية: 1]، وفي الروم: {إلى آثَارِ رَحْمَتِ الله} [الآية: 50]. وفي الزخرف: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} [الآية: 32]. وفيها {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ} [الزخرف: 32] وما عداها كتبت بالهاء.
/ قوله: {إِنَّ الذينءَامَنُواْ والذين هَاجَرُواْ وجاهدوا} الآية. نزلت هذه الآية حين قتلت السرية عمرو بن الحضرمي وأنكر عليهم القتل في الشهر الحارم الحرام، وقال بعض المسلمين في السرية، قد أصابوا وزراً، فأعلم الله أن من هاجر وجاهد فهو يرجو رحمة الله، وأنه غفور لما وقع منهم من القتل في الشهر الحرام ورحيم بهم. وروي أن عبد الله بن جحش وأصحابه قالوا: يا رسول الله، أنطمع أن يكون خروجنا [غزوة نعطى] فيها أجر المجاهد، فأنزل الله: / {إِنَّ الذينءَامَنُواْ
219
والذين هَاجَرُواْ}، الآية. قوله: {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ}. من قرأ بالثاء فقراءته مختارة، لأن الكثرة تشتمل على العظم واكبر، والكبر والعظم لا يشتمل على الكثرة فبالثاء أعم وأولى. وكل ما كثر فقد عظم وليس كل ما عظم بكثير، فوصف الإثم بالكثرة أبلغ من وصفه بالعظم، وقد قال تعالى: {وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً} [الفرقان: 14] وأيضاً فإن الإثم الأول بمعنى الأثام لقوله: " ومنافع " ولم يقرأ " ومنفعة ". والآثام فالبكثرة توصف أولى من العِظم. وأما الثاني فهو إجماع بالباء لأنه يراد به التوحيد لا الجمع. ومن قرأ بالباء فحجته إجماعهم على {أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} بالباء، أي
أعظم. وقوله: {حُوباً كَبِيراً} [النساء: 2]، وقول العرب: " إِثْمٌ صَغِيرٌ "، يدل على جواز " كبير " وحُسْنِه وترك استعمالهم " الإثم قليل "، يدل على بعد " كثير ". وأجماع المسلمين على قولهم: " صغائر وكبائر "، يدل على حسن " كبير ". ونزلت الآية جواباً لمن سأل النبي [عليه السلام] عن الخمر والميسر. / والخمر: ما خامر العقل أي ستره، فكل شراب ستر العقل وأحاله فهو خمر، يقال: " دخل فِي خِمَارِ النَّاسِ " أي هو مستتر في الناس، ويقال للضبع: " خَامِرِي أُمِّ عَامِر "، أي استتري. وخمار المرأة قناعها لأنه يسترها. وقوله: " اخْتَمَرَ الْعَجِينُ "، أي غطى فطورته الاختمار. والميسر القمار سمي بذلك لما كانوا ييسرون من الجزور وغيرها للقمار عليها. وقال مجاهد: " كل القمار من الميسر حتى لغب الصبيان بالجوز ". وقال عطاء: " حتى لعب الصبيان بالكعاب ".
وقال القاسم: " كل ما أنهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر ". قال ابن عباس: " كان الرجل في الجاهلية يخاطر عن أهله وماله، فأيهما قامر صاحبه ذهب بأهل الآخر وماله ". وأشعار العرب: تدل على أن الميسر كان قماراً بينهم في الجزور خاصة. وقيل: سمي ميسراً لأنهم كانوا يجزرون الجزور. وكل/ شيء جرزته فقد يسرته والياسر الجازر. وفقيل للضاربين بالقداح: ياسرون، لأنه سبب لتجزئة الجزور. ويقال للضارب بالقداح " يَسَرٌ وأَيْسَارٌ ". وقيل: إن " يَسْراً " جمع " لِيَاسِرٍ "، ثم يجمع " يَسَرٌ " على " أَيْسَارٍ " وكانت العرب أهل المقدرة منهم يقامرون على الإبل في الشدائد، ويجعلون لحومها للفقراء/ منهم لتعدل
أحوال الناس، ولذلك قال: {ومنافع لِلنَّاسِ} ". والقداح التي كانوا يقامرون بها عشرة: منها سبعة ذوات خطوط، على كل واحد علامة يعرف بها، وهي: الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى. ومنها ثلاثة لا خطوط فيها، يقال لها: " الأغفال/ والغفل من الدواب الذي لا سمة له؛ وهي: السفيح والمنيح، والوغد وليس لها سهام. والسبعة الأول للفذ منها نصيب، وللتوأم نصيبان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمبسل ستة، وللمعلى سبعة، وعلى كل واحد من العلامة على قدر ما له من الأنصباء. وقوله: {ومنافع لِلنَّاسِ}. هي أثمانها وما كانوا يصيبون من الجزور. {وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}. أي الإثم فيهما بعد التحريم أكبر من النفع قبل التحريم. قال سعيد بن
جبير " لما نزلت: {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ} كره الخمر قوم للإثم، وشربها قوم للمنافع وهو الفرح الذي فيها حتى نزلت {لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى} [النساء: 43]، فتركوها عند الصلاة حتى نزلت/ {إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] فحرمت ". فهذا يدل على أنها منسوخة بما في " المائدة ". وروي أن عمر Bهـ كان يقول: " اللهم بيّن لنا في الخمر "، فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر} الآية، فقرئت ع ليه، فقال: [اللهم بين لنا في ال خمر بياناً شافياً، فإنها تذهب العقل والمال]، فنزلت {لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى}، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت: {إِنَّمَا الخمر والميسر} الآية التي في المائدة فقال عمر: انتهينا، انتهينا ". فالخمر محرمة بنص القرآن لأن الله جل ذكره أخبرنا في هذه
السورة أن فيها إثماً كبيراً، وحرم تعالى اكتساب الإثم بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم} [الأعراف: 33] أي واكتساب الإثم. فهذا النص ظاهر في التحريم مع قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} [المائدة: 91]. فهذا تهدد ووعيد؛ وذلك لا يكون إلا في المحرمات مع قوله: {لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى} [النساء: 43]، فتحريم المسكر منصوص بَيِّنٌ في كتاب الله [جل وعز]، وكل ما أسكر فهو خمر، لأن كل مسكر يخامر العقل، وكل ما خامر العقل فهو خمر وهو مسكر. وإنما سميت الخمر خمراً لأنها تخامر العقل، أي تخالطه. وقيل: سميت بذلك لأنها تخمر، أي تغطي من الخمار الذي تغطى به. وقيل: سميت بذلك لأنها تخمر العقل، أي تستره من الخمار الذي يغطى به الرأس.
قوله: {قُلِ العفو}. أي تتصدق بما فضل عن أهلك. قال السدي: " كانوا يعملون كل يوم فيما فيه، فإن فضل في ذلك اليوم فضْلٌ عن العيال قدموه ". وقال ابن عباس: " العفو ما لا يتبين/ خروجه من المال ". وقال طاوس: " العفو اليسير من كل شيء ". وقال اليزيدي: العفو هو ما أطلقته من غير أن تجهد فيه نفسك ". وقيل: ما فضل عن أهلك. وروي أن هذه الآية {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} نزل في رجل أتى إلى النبي [ A] فقال: " إن لي ديناراً "، فقال: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ. فقال: إن لي دينارين. فقال: أَنْفِقْهُمَا عَلَى أهْلِكَ، فقال: إن لي ثلاثة، قال أَنْفِقْهَا عَلَى
خَادِمَكَ. [قال: إن] لي أربعة، قال: أَنْفِقْهَا عَلَى وَالِدَيْكَ، قال: إن لي خمسة. قال: أَنْفِقْهَا عَلَى قَرَابَتِكَ قال: إن لي ستة، قال أَنْفِقْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ ". يريد لي بالدينار غير الدينار، ولي اثنان غير الاثنين// وثلاثة غير الثلاثة، وكذلك ما بعده. وقيل: العفو ما لا يكون إسرافاً ولا إقتاراً. قاله عطاء والحسن وقال مجاهد: " العفو الصدقة عن ظهر غنى ". وروي عن ابن عباس في حد العفو: " أمر النبي A [ أن يأخذ] ما أتوا به من قليل أو كثير. وقال الربيع: " العفو/ ما طاب من المال ". / وقال قتادة: " العفو أفضل المال، وأطيبه أفضله ".
قال ابن عباس: " هي منسوخة بالزكاة ". وقيل: إنما هي الزكاة، وليست منسوخة. وقيل: إنما في التطوع، سألوا عنه فأجيبوا، فهي محكمة وليست بغرض. قوله {كذلك يُبيِّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدنيا والآخرة}. معناه: مثل ما بيك لكم الخمر والميسر وما فيهما يبين لكم الآيات لعلكم تتفكرون في نفاذ الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة ونعيمها فتعملون للباقية منهما. وقيل: معناه: لعلكم تتفكرون في فضل ما بينهما. وقيل: / في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: " يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة "، أي في أمرهما لعلكم تتفكرون. قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ}.
كان سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل: {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً} [النساء: 10]، انطلق من كان معه يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فكان يفضل الشيء من طعام اليتيم فيحبس له حتى يفسد فاشتد عليهم ذلك، فذكروا ذلك للنبي [عليه السلام]، فأنزل الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}. قاله ابن عباس وغيره. وقيل: إنه لما نزل: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام: 152]، اجتنب الناس مخالطتهم فنزلت {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}، فخالطوهم. {والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح}. أي يعلم حين تخلط مالك إلى مالك بماله، أتريد بذلك إصلاح ماله أو إفساده يريد الجنسين. قوله: {وَلَوْ شَآءَ الله لأَعْنَتَكُمْ}. أي: لحرم عليكم مخالطتهم
221
فتتبعون ويشق ذلك عليكم. وقيل: معناه: لأَوْيقَكُمْ فأهلككم بما قد أصبتم من أموالهم. قال أبو إسحاق: " معناه: لكلفكم ما يشتد عليكم، فتعنتون ". وأصله من: " عَنِتَ البَعِيرُ " إذا حدث في رجله كسر بعد جبر. قوله: {أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 209]. أي: عزيز في سلطانه، حكيم في فعله وأحكامه وتدبيره. قوله: {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ}. قال ابن عباس: " عَمَّ تحريمُ كل مشركة ثم استثنى منهن أهل الكتاب بقوله: {والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} [المائدة: 5]. وقال عكرمة والحسن: " نسخ من ذلك نساء أهل الكتاب ".
وكذلك قال مالك: " هي منسوخة "، وهو قول سفيان. وقال ابن جبير: " الآية عامة محكمة مخصومة في مشركات العرب، لم يع ن بها/ غيرهن ". وقد قيل: هي ناسخة للتي في النساء والمائدة روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وعن عمر Bهـ. والإجماع على خلاف ذلك، وطرق الأسانيد عنهم فيها ضعف. وروي أن عمر فرق بين طلحة بن عبيد الله ويهودية، وبين حذيفة بن اليمان ونصرانية، وأراد أن يبطش بهما على نكاحهما. وقال/ ابن عمر: " حرم الله المشركات في كتابه على المؤمنين، ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى ". وقد سمى الله اليهود والنصارى مشركين في كتابه في " براءة " وغيرها؛ قال: {اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله} [التوبة: 31]. فهذا هو الشرك بعينه.
وأكثر الصحابة والفقهاء على جواز نكاح الكتابيات وهو نص القرآن، ولم يختلف الفقهاء في منع نكاح المسلم إماء أهل الكتاب إلا أبا حنيفة فإنه أجازه. وأصل النكاح في اللغة الوطء. تقول العرب: " أَنْكَحْتُ الأَرْضَ الْبُرَّ " إذا بذرته فيها، ومن هاهنا ثبت أن قوله: {حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230] يراد به الوطء دون العقد، وبذلك أتت السنة، وقد كثر حتى استعمل اسماً للعقد إذ هو سبب الوطء. وجاز أن تقول: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ}، والمشرك لا خير فيه، كما تقول العرب: " الآباء أحق بالميراث من الخال ". ولا حق للخال في الميراث. وحكى نفطويه في كتاب " التوبة " له أن العرب تأتي بأفعال على ضربين: أحدهما تفضيل أحدهما على الآخر وفي الآخر فضل. / والثاني أن يكون إيجاباً
للأول ونفياً عن الثاني كقوله تعالى: {أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} [الفرقان: 24] فهو نفي عن أن يكون في النار خير. وقيل: / المعنى: وَلإِنْكَاحُ عبد مؤمن خير من إنكاح حر مشرك. وهذه الآية نزلت في رجل نكح أمة فعذل عن ذلك وكان الذين [عذلوه يريدون] تزويج نساء أهل الشرك لحسبهن ومالهن وجمالهن، فأخبر الله تعالى أن " أمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجتكم "، أي ولو أعجبكم حسنها وحسبها. ثم أخبرنا بمنع نكاح المشرك المسلمة من أهل الكتاب كان أو من غيرهم، فأعلمنا أن عبداً مؤمناً خير من مشرك. وبهذا يحتج من جعل الأول عاماً في الكتابية وغيرها.
ثم قال تعالى: {أولئك يَدْعُونَ إِلَى النار}. أي يعملون بأعمالهم. {والله يدعوا إِلَى الجنة والمغفرة بِإِذْنِهِ}. أي بإعلامه الطريق [التي بها يتوصل] إلى الجنة والمغفرة كل من عنده. وروي أن هذه الآية نزل في كناز بين الحصين/ [الغنوي أبي] مرثد بعثه/ رسول الله [ A] إلى مكة سراً ليخرج رجلاً من أصحابه أسر، وكان له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية، يقال لها: عناق. فقل لها: إن الإسلام قد حرم ما كان في الجاهلية. فقالت له: تزوجني. فقالظ: لا، حتى آتي رسول الله فسأله. فلما قدم بالأسير إلى رسول الله A سأله هل يحل له تزويج تلك المرأة، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات} الآية، فهي في غير أهل الكتاب مخصوصة على هذا التأويل. قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض}.
كان أصحاب النبي [عليه السلام] في بدء الإسلام لا يساكنون النساء في المحيض ولا يواكلونهن، فسألوا النبي [عليه السلام] عن ذلك، فعرفتهم الله تعالى في الآية أن [الذي يجتنب] من الحائض هو جماعها حتى تطهر، وأن ما سواء ذلك حلال. ثم قال: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله}. أي: في الفرج خاصة. فهذا يدل على منع إتيانهن في الأدبار. وقيل: معنى: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله} طهراً غير حيض. ومعنى: {قُلْ هُوَ أَذًى}. قال السدي: " قل يا محمد: قل هو قذر/ "، وكذلك قال قتادة. وقال مجاهد: " {قُلْ هُوَ أَذًى} قل هو دم ".
والآية ناسخة لما كان عليه بنو إسرائيل من شريعتهم لأنهم كانوا لا يجتمعون مع الحائض فبي بيت ولا يواكلونها، فنسخت الآية ذلك. فقالت اليهود عند نزولها: " ما يدعمحمد شيئاً من أمرنا إلا خالفنا فيه ". فللرجل أن يستمتع [من الحائض] بما دون الفرج غير الدبر. وهو قل عائشة وأم سلمة وابن عباس والحسن وعطاء والشعبي والنخعي والثوري وغيرهم. وهو قول الشافعي الصحيح. ويروى عن ميمونة وسعيد بن المسيب أنها تعتزل فيما بين السرة والركبة، ويستمتع بها فيما دون ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة. وقال عكرمة والشعبي: " لا بأس بإتيانها دون الفرج " [يريدان الفخذ].
وقال الثوري: " لا بأس أن يباشرها إذا اتقى موضع الدم ". فإن أتاها وهي حائض؛ فقال ابن عباس: " يتصدق بدينار أو بنصف ". وقيل: إن كان في فور الدم وقوته يتصدَّق بدينار، وإن كان في آخره وضعفه تصدق بنصف. قاله النخعي وغيره. وقال الأوزاعي: " إن كان وطئها في الدم تصدق بدينار، وإن وطئها بعد انقطاع الدم وقبل الطهر بالماء، تصدق بنصف دينارً ". وقال سعيد بن جبير: " عليه عتق رقبة ". وقال الحسن: " عليه مثل الذي على من وطئ في رمضان ". وجماعة/ الفقهاء التابعين يقولون: لا شيء عليه ويستغفر الله من ذلك ولا يعد، وقد أخطأ. قال مالك والشافعي وأبو حنيفة. وهو قول الشعبي والزهري وربيعة وأبي الزناد والليث بن سعد الثوري.
وقال مالك والشافعي وابن حنبل وغيرهم: " لا يطأها حتى تغتسل بالماء، فإن فعل قبل ذلك، وقد انقطع الدمع، لم يكن عليه شيء، وقد أخطأ ويستغفر الله ". وهو قول سالم/ بن عبد الله وسليمان بن يسار والزهري وربيعة والثوري. وقال عطاء وطاوس ومجاهد: " إذا احتاج إلى وطئها قبل أن تغتسل، أمرها أن تتوضأ، ثم أصاب منها ما شاء ". وهو معنى قراءة من قرأ: " حتى يَطْهُرْنَ " مخففاً، أي ينقطع عنهن الدم. وفي مصحف أبي وابن مسعود: " حتى يتطهرن " بالتاء أي بالماء
{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} أي اغتسلن. هذا قول الجماعة. وقال مجاهد وطاوس: " إذا تطهرن للصلاة ". فليس يجب للقارئ أن يقف على " يطهرن " في قراءة من خففه لئلا يبيح وطء الحائض إذا انقطع عنها الدم ولم تتطهر بالماء. فأما من قرأه بالتشديد، فالوقف عليه حسن لأن معناه: " يتطهرن بالماء " وقربها بعد التطهر بالماء إجماع. قوله: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله}. أي: من الوجه الذي نهيتهم عنه وهو الفرج. وقال مجاهد: " {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله} أمروا أن يأتوهن من حيث نهو عنه ". يعني ياتونهن بعد التطهر في الموضع الذي أمروا أن يتعتزلوه في الحيض وهو الفرج.
فهذا نص من الله على إتيان النساء في طهورهن في/ الفرج دون غيره. وقيل: معناه: من قبل طهرهن، لا من قبل حيضهن. وقيل: معناه إيتوهن من قبل النكاح الذي أمرتم بهن وحل لكم لا من قبل الزنا الذي نهيتم عنه، وحرم عليكم. قوله: {يُحِبُّ التوابين}. أي الراجعين/ عن الذنوب، والمتطهرين بالماء للصلاة. وهو/ ظاهر اللفظ، وعليه أكثر أهل التأويل. وقال مجاهد: " {وَيُحِبُّ المتطهرين}: أي الذي لا يأتون النساء في أدبارهن ". وقيل: معناه: ويحب المتطهرين من الذنوب أن يعودا بعد التوبة. و {المتطهرين} يعني به النساء والرجال، غلب المذكر على المؤنث، ولم يقل المتطهرات، لأنه يخص النساء خاصة إذ لا يغلب المؤنث على المذكر.
وقيل: عني بالمتطهرين اللواتي يتطهرن من الحيضة بالماء، وهذا يدل على أن الحائض لا توطأ إلا بعد التطهر بالماء/ لأن من وطئها قبل التطهر بالماء، فقد وطئ من لا يحبه الله، وذلك ممنوع. ومن وطئ بعد التطهر بالماء، فقد وطئ من يحب الله. وذلك حسن لأن الله إنما أحبهن على فعلهن وهو التطهر بالماء، ولم يحبهن على غير فعلهن، وهو انقطاع دم الحيض، فشكر الله لهن تطهرهن بالماء. وأتى " المتطهرين " بلفظ التذكير لأنه يكون من الرجال والنساء، فغلب المذكر. وقوله: {أنى شِئْتُمْ}. أي مقبلة ومدبرة في الفرج. ومعنى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ}. أي هُنَّ مزدرع للولد، بمنزلة الأرض هي مزدرع للحب فتقديره: " نساؤكم موضع حرِث لكم ".
وأكثر أهل التفسير على أن الآية نزلت لما كان اليهود يجتنبون، وذلك أنهم يقولون، من أتى امرأته في فرجها من دبرها، خرج ولدها أحول، فأنزل الله: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ}. أي كيف شئتم مقبلة ومدبرة في الفرج. ورواه مالك عن ابن المنكدر عن جابر. [وروى] ابن وهب عن ابن المسيب أنه قال في قوله: {أنى شِئْتُمْ}: هو العزل، إن شئت عزلتم وإن شئت لم تعزل، وإن شئت سقيته، وإن شئت أظميته ". وروي عن ابن عباس أنه قال: " كانت قريش تتلذذ بالنساء مقبلات ومدبرات في الفرج، فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار، فامتنعن عليهم من ذلك، وقلن: [لا نعرف] هذا، فبلغ ذلك النبي [عليه السلام]. فأنزل الله الآية وأصح الوجوه في
العربية أن يكون {أنى شِئْتُمْ} بمعنى من أي وجه شئتم. قال أبو محمد مكي: يجب لأهل المروءة والدين والفضل ألا يتعلقوا في جواز إتيان النساء في أدبارهن بشيء من الروايات، فكلها مطعون فيه ضع يف. وإنما ذكرناها لأن غيرنا من أهل العلم ذكرها، وواجب على أهل الدين أن ينزهوا أنفسهم عن فعل ذلك، ويأخذوا في دينهم بالأحوط فإني أخاف من العقوبة على فعله، ولا أخاف من العقوبة على تركه، وقد روي في ذلك أخبلار كثيرة، وأضيف جوازه إلى مالك وروي عنه وليس ذلك بخبر صحيح ولا مختار عند أهل الدين والفضل. وقد أضر بنا عما روي فيه لئلا يتعلق به متعلق، وأسقطنا ذكر ما روي فيه من كتابنا لئلا يستن به جاهل أو يميل إليه غافل وأسأل الله التوفيق في القول والعمل بمنه. وقد قال مسروق: " قلت لعائشة Bها: " ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً فقالت: كل شيء إلا/ الجماع ". ويدل على منعه قوله: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ/ أنى شِئْتُمْ} والحرث للولد يكون لأنه كالبذر للزرع، والولد لا يكون/ إلا جهة الفرج والإباحة إنما هي في الفرج لا غير، لذكره الحرب الذي به يكون الولد. فهذا نص ظاهر.
وقد روى يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب أنه قال: " سألت مالك بن أنس فقلت: إنهم قد ذكروا عنك أنك ترى إتيان النساء في أدبارهن. فقال: معاذ الله، أليس أنتم [قوماً عرباً]. فقلت: بلى فقال: قال الله D: { نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ}، وهل يكون الحرب إلا في موضع الزرع أو في موضع المنبت ". وكذلك روى الدارقطني عن رجاله عن إسرائيل بن روح أنه قال: سألت مالكاً، فقلت: يا أباع عبد الكله ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: أما أنتم قوم عرب؟ هل يكون الحرب إلا في موضع الزرع؟. أتسمعون الله يقول: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ} قائمة فقاعدة وعلى
جنبيها لا تتعدى الفرج. قلت يا أبا عبد الله، إنهم يقولون إنك تقول بذلك، فقال: " يكذبون علي، يكذبون علي، يكذبون علي ". قال أبو أحمد مكي: " [وهذا] الأشبه بورع مالك، وتحفظه بدينه ". وروى الدارقطني أيضاً عن رجاله عن محمد بن عثمان أنه قال: حضرت/ مالكاً، وعلي بن زياد يسأله، فقال: عندنا يا أبا عبد الله قوم بمصر يتحدثون عنك أنك تجيز الوطء في الدبر. فقال مالك: " كذبوا علي، عافاك الله ". وقد روي في منعه آثار كثيرة؛ فمنه ما روي عن عكرمة أنه قال: " أنى شئتم من قبل الفرج ". قاله ابن جبير ومجاهد. وعن/ ابن عباس أن النبي عليه السلام قال في حديث له طويل: " يَأْتِي الرّجُلُ امْرَأتَهُ
مُقْبلَةً وَمُدْبرَةً إذَا كَنَ ذَلكَ فِي الْفَرْجِ ". وروى عمارة بن خزامة بن ثابت عن أبيه أن البي [عليه السلام] قال: " إنّ الله لاَ يَسْتِحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَلاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ ". وقال أبي بن كعب: " من أتى امرأته في دبرها فليس من التوابين ولا من المتطهرين ". وقال ابن مسعود: " محاش النساء عليكم حرام ". وروى عبد الله بن أبي الدرداء عن أبيه أنه قال: " الذي يطأ امرأته في دبرها هو أعظم الفواحش ".
قوله: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله}. يدل على منع الإتيان في الدبر لأن الله لا يأمر بالفحشاء وقد سمى الله الإتيان في الدبر فاحشة بقوله: {أَتَأْتُونَ الفاحشة} [الأعراف: 80]، فكيف يبيح الفاحشة؟ / وإنما معناه في الفرج الذي أبيح لطلب الولد. وفي قول الله تعالى لقوم لوط: {أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ} [الشعراء: 165 - 166] دلالة على المباح الإتيان في الفرج دون الدبر وفي الآية دليل على منع الإتيان في الدبر من الرجال والنساء لأن قوله: {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ} يراد به الفرج، لأن " ما " بمعنى " الذي ". " والذي " لا يقع إلا على معهود مشار إليه، وهو الفرج الذي خلقه في النساء. ولو قال: " من خلق لكم، لكان المراد النساء لأن " من " لمن يعقل فلما جاءت " ما " وهي تقع لما لا يعقل علم أنه شيء في: النساء خاص/خلق الأزواج وهو الفرج. وقد قال ابن عباس في قوله: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله} " معناه: من حيث أمركم الله أن تعتزلوهن ".
224
وقد كثرت الروايات عن النبي A بالنهي عن ذلك. وقوله: {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ}. قال ابن عباس: " اذكروا الله عند الجماع ". وقيل: معناه طلب الولد. وقيل: معناه أنهم أمروا بتقديم الأعمال الصالحة. وهو الخير هو المفعول الثاني " لقدموا ". فهو مردود على ماقبله من قوله، {قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: 215] الآية. قوله: {وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ}. معناه: أن يقول الرجل إ ذا سئل في خير أو صلاح: عَليَّ يمين أن لا أفعل. فيجعل اليمين علة لترك فعل الخير. فأمرهم الله بأن يبروا أيمانهم ويتقوه في فعل الخير ويصلحوا بين الناس، قاله ط طاوس وغيره.
وقال ابن عباس: " هو الرجل يحلف ألا يكلم قرابته، ولا يتصدق عليهم، أو يكون بينه وبين رجل مغاضبة فيحلف ألا يصلح بينه وبين خصمه، فأمر أن يُكفِّر ويفعل ما حلف عليه ". وقال الضحاك: " هو الرجل يُحَرِّمُ ما أحل الله له على نفسه ويحلف، فأمره الله أن يُكفِّر ويأتي الحلال ". وقال السدي: " {عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ}: هو أن يعرض بينك وبين الرجل أمر فتحلف ألا تكلمه/ ولا تصله ". وقال مالك: " بلغني أنه حيلف بالله في كل شيء. قال ابن عباس: " معناه لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن لا تصنعوا الخير، ولكن كفِّروا إيمانكم واصنعوا الخير ". وقوله: {أَن تَبَرُّواْ} هو الرجل يحلف ألا يبر رحمه. ثم قال: {وَتُصْلِحُواْ} هو الرجل يحلف ألا يصلح بين اثنين/ إذا عصياه، غضباً عليهما في مخالفته، فأمر أن يكفر ويأتي ما حلف عليه. وجامع القول في هذا ما روي عن ابن عباس أنه قال: " هو الرجل يحلف على
225
شيء من الخير والبر ألا يفعله، فأمر أن يفعل ويكفّر ". وقالت عائشة Bها: " لا تحلفوا بالله وإن بررتم ". وقال ابن جريح: " نزلت الآية في أمر أبي بكر حيث حلف ألا يتصدق على مسطح ولا يعطيه شيئاً ". والعرضة في كلام العرب القوة والشدة؛ يقال: " هذا الأمر عرضة لك " أي قوة لك على أسبابك. فمعناه على هذا: لا تجعلوا يمينكم قوة لكم في ترك فعل الخير. وقال السدي: " نزلت هذه الآية قبل نزول الكفارات ". وقال غيره: " نزلت بعد نزولها ". قوله: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ}. قال ابن عباس: " هو ما سبق به اللسان على عجلة كقولك: " لا والله، بل
والله ". وكذلك قالت عائشة Bهـ. وقال مجاهد: " هما الرجلان يتبايعان فيقول أحدهما: والله لا أبيعك بكذا. ويقول الآخر: والله لا أشتريه بكذا وكذا، فهو اللغو ". وقال أبو هريرة: " لغو اليمين أن يحلف الرجل على الشيء يظن أنه هو يقين منه، ثم يظهر له خلاف ظنه ". وهذا القول أحسن الأقوال في لغو اليمين المعفو/ عنها. وروي مثله عن ابن عباس. وروي عنه أيضاً أنه قال: " هو الرجل يحلف على الشيء فيرى الذي هو خير منه فأمره الله أن يكفر عن يمينه ويفعله/، وأعلمه أنه لا يؤخذه على ذلك ". فهذه ثلاثة أقوال عن ابن عباس.
وقال عطاء بن يسار: " هو الخطأ في اليمين ". وقال الحسن وغيره: " هو الرجل يحلف على الشيء، وهو يظن أنه صادق، ثم يظهر له خلاف ذلك، فلا كفاركة عليه ولا إثم "، وهو قول أبي هريرة المختار. وقال طاوس: " هو الرجل يحلف في الغضب، فلا كفارة عليه ولا إثم "، وذكر قول النبي [عليه السلام]: " لاَ يَمِينَ فِي غَضَبٍ ". وقال: ابن جبير: " هو الرجل يحلف أن يعفعل ما نهى الله عنه أو يترك ما أمر الله به، فيمينه لغو، ولا كفارة عليه ". وقد قال ابن المسيب وابن الزبير: " لا كفارة في معصية ". وكذلك قال ابن عباس. وقال الشعبي: " كفارة من حلف على المعصية أن يتوب منها ".
وقال: [زيد بن] أسلم: " هو الرجل يقول: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا، وأخرجني الله من مالي إن لم أصنع كذا، وشبهه مما يدعو به على نفسه. فهو لغو ولا كفارة/ فيه ". وقال: ابن زيد: " هو قول الرجل: " أنا كافر إن فعلت كذا، وجعلت مع الله إلاهاً إن صنعت كذا، وشبهه، فلا كفارة فيه ". وقال الضحاك: " اللغو من الأيمان، هي اليمين المكفرة يحلف ألا يفعل فيكفر ويفعل، ولا يؤاخذه الله بذلك، ولكن يؤاخذه بما يحلف عليه وقلبه يتيقن أن يمينه كذبة. فتلك اليمين لا كفارة فيها، وهي اليمين الغموس، وهي أعظم من أن تكفر ". وقيل: لغو اليمين الحنث، لا يؤاخذ الله من حنث في يمينه وكفر، لأن التكفير يسقط الإثم ". وقال إبراهيم: " هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء، ثم ينسى فيفعله، فيمينه لغو ".
واللغو في كلام العرب ما لا يحتاج إليه. قال نفطويه: " اللغو في نفس اللغة الشيء المطرح يقال: ألغيت هذا، أي طرحته ". واللغة في الأيمان ما لم تكن النية معتقدة له، إنما في عرض الكلام. وهو معنى قول ابن عباس وعائشة. والسهو داخل في هذه الآية بغير نية، ويدخل فيه أيضاً ما ليس بيمين نحو قول الرجل: " لا وحياتك " وشبهه، وهذا يرجع إلى قول أبي هريرة وقول الحسن المتقدمي الذكر. وكان ابن عباس لا يرى الكفارة إلا في الإيمان التي تكون لغواً. فأما ما كسبت القلوب، وعقدت اليمين فيه وهي تعلم أنها كاذبة، فلا كفارة فيه، والله يؤخذ على ذلك بما شاء إن شاء.
وتقدير الآية التي في المائدة على هذا القول: " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم فكفارته إطعام عشرة/ مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فيصام ثلاثة أيام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ". أي حلفتم وأنتم تعلمون أنكم كاذبون. [كذلك التقدير] عند ابن عباس وابن جبير والضحاك وغيرهم. وقال قتادة: " المؤاخذة هنا في الإيمان الفاجرة إنما هي الزام الرجل الكفارة على يمينه؛ فمن حلف وهو يعلم أنه كاذب وجبت عليه الكفارة، وهي المؤاخذة التي ذكر الله. ومن حلف وهو يظن أنه/ صادق، فهو لغو يمين ولا كفارة فيه، ولا إثم ". وروي عن الربيع مثله. وهو قول عطاء والحكم. وقال السدي مثل ذلك إلا أنه قال: " يؤخذه في الدنيا بالكفارة على يمينه
الفاجرة ويؤاخذه في الآخرة إن شاء الله عليها إ ذ حلف وهو يعلم أنه كاذب ". والأيمان/ عند أكثر الفقهاء ثلاثة: - اللغو؛ وهو قوله: " لا والله وبلى والله فلا شيء فيها ". - والثانية: العمد؛ وهو أن يحلف متعمداً ألا يفعل الشيء، ثم يريد أن يفعله ويرى أن ذلك خير فيكفر ويفعل ولا شيء عليه. وهي التي في قوله: {بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: 89]. - والثالثة: الغموس؛ وهو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كذاب فلا كفارة فيها لعظمها، والله يفعل بفاعلها ما شاء. وهي التي في قوله: {ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}. وقل زيد بن أسلم: {ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}. قال: " هو الشرك
بالله والكفر لا اليمين ". يريد قول الرجل: أنا كافر بالله إن فعلت وأنا مشرك إن فعلت، يؤاخذ عليه إن اعتقده بقلبه. فإن لم يعتقده بقلبه، فهو اللغو الذي قال فيه: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ}. ومن قال: " أقسمت ألا أفعل "، فإن أراد بالله وفعل كفر، وإن لم يرد ذلك فلا شيء عليه، وكل/ أسماء الله يجب فيها الكفارة، وكذلك صفاته. وإذا حلف بالقرآن وحنث، فقال ابن مسعود: " عليه لكل آية كفارة "، وبه قال الحسن البصري. وأكثر الفقهاء على أن: فيه كفارة يمين، ومنهم من قال: " لا كفارة فيه لعظمه، وجلالة قدره ". والعهد والميثاق والكفالة إذا أضيف ذلك إلى الله جلّ ذكره وحلف به، فيه كفارة يمين عند مالك وغيره. ومن قال: " حلفت " ولم يحلف، فإن أراد اليمين كفر. وإن أراد الكذب لم يكن عليه شيء.
هذا قول مالك وغيره. ومن حلف بصدقة ماله أو بهديه أن يجعله في سبيل الله؛ فقال عطاء والشعبي وغيره: " لا شيء عليه ". وروي عن عمر Bهـ، وعائشة أن عليه كفارة يمين وهو قول جماعة من التابعين. وقال مالك: " يخرج ثلث ماله " وهو قول الزهري وغيره. وروي عن ابن عمر وابن عباس أنه: يتصدق من ماله بمقدار الزكاة. وقد قبل: يعني بما جعل على نفسه. روي ذلك عن ابن عمر. وقال قتادة: " يهدي بدنة ". وقال/ جابر بن زيد: " إن كان ماله كثيراً نحو ألفين فعشرة، وإن كان وسطاً نحو ألف، فسبعة، وإن كان قليلاً نحو خمسمائة فخمسه. ومن حلف بالمشي إلى بيت الله فحنث فلا شيء عليه عند أبن المسيب والقاسم بن محمد.
وقال الحسن وجابر بن زيد وطاوس والنخعي وعطاء وقتادة/ وغيرهم/ " عليه كفارة يمين ". وهو قول الشافعي. وقال الشعبي ومالك وأبو حنيفة: " يمشي كما حلف ". وقال ابن شبرمة: " يحرم من يومه ". وقال مالك Bهـ: " إن حنث في غير البلد الذي حلف فيه فعليه أن يأتي إلى ذلك البلد، فيمشي منه ". ومن حلف بعتق رقبة فحنث، فأكثر الناس [على أن عليه] كفارة يمين، وهو قول ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وعائشة وأم سلمة، وحفصة وقاله الحسن. وقال عطاء: " يتصدق بشيء من حنث في العتق ". وقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وجماعة من الفقهاء: " يعتق من حلف إذا حنث ". وقوله: {والله غَفُورٌ حَلِيمٌ}. أي غفور لأهل اللغو في الأيمان، حليم [في تركه]. العقوبة على أهل
226
اعتقاد الأيمان/ الكاذبة فلا يعاجلهم بها. وقوله: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} الآية. الإيلاء عند ابن عباس هو: أن يحلف الرجل في الغضب ألا يجامع امرأته. وكذلك روي عن علي Bهـ، وهو قول النخعي وقتادة والحسن. فإن حلف في غير غضب، فليس بمولي لأنه إصلاح. وقد ق ل مالك Bهـ: " من حلف ألا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها فليس بمولي ". وقال ابن مسعود: " يكون مولياً إذا حلف في الرضا والغضب ألا يطأ ". وبه قال الثوري وأهل العراق والشافعي وابن حنبل، وهو قول
مالك. كما أن سائر الأيمان من طلاق وغيره سواء في الرضا والغضب. وروي عن ابن عباس أنه قال: " لا يكون مولياً حتى يحلف ألا يطأها أبداً ". وقال مالك Bهـ والشافعي: " إذا حلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر، وتمت الأربعة أخذ بالوطء أو الطلاق؛ يطلق طلقة بائنة تملك بها نفسها، وله مراجعتها إن شاء بعقد مجدد وصداق ". وقد قال جماعة: " إن الطلاق يقع بمضي الأربعة أشهر ولا يوقف بعدها "، وهو قول ابن مسعود وابن عباس وجماعة معهما. وإيجاب توقيفه بعد الأربعة الأشهر هو قول عمر وعثمان وعلي وابن عمر وعائشة وأبي الدرداء وغيرهم من الصحابة، وعليه أكثر الفقهاء: مالك والشافعي وغيرهما.
والإجماع على أن الطلاق بكلام يسمع يدل على تمام الأربعة أشهر لا يكون طلاقاً حتى يتكلم به، وهو قول عمر وأبي الدرداء. وكل يمين عند مالك لا يقدر صاحبها عند الوطء من أجلها فهو مول بها/ لو حلف لغريمه ألا يطأ امرأته حتى يوفيه حقه فهو مول عند مالك. فكل يمين منعت من الوطء فصاحبها مول عند مالك والشافعي والشعبي والنخعي وسفيان وأصحاب الرأي/، وأبي ثور وأبي عبيد، وهو مروي عن ابن عباس. إلا أن مذهب مالك أنه إذا حلف ألا يطأ فتمضي أربعة أشهر من يوم حلف، يوقف، فإما فاء، و [إما طلق]، سواء رفع إلى السلطان بعد الأربعة أشهر وقبلها، إنما يحسب من يوم حلف، وإذا حلف على أمر يفعله بالطلاق منع من الوطء حتى يفعل ودخل عليه الإيلاء، لكن لا يوقف إلا بمضي الأربعة الأشهر من يوم يرفع إلى السلطان، ولا يحسب له من يوم حلف.
227
ومن قال لامرأته: " [إن قربتك فأنت] علي كظهر أمي "، فهو مول عند مالك. فإذا انقضت أربعة أشهر، فإما أن يطلق وإما أن يكفر ويطأ. وقوله: {يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ}. قيل/ معناه: على وطء نسائهم، " فمن " بمعنى " على " وفيه حذف مضاف معناه: " على وطء نسائهم "، ثم حذف الوطء كما قال: {مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ} [آل عمران: 194] أي " ألسنة وسلك "، ثم حذف الألسنة. وقوله: {فَإِنْ فَآءُو}. أي رجعوا إلى الوطء، وكفّروا عن عن إيمانهم، فإن الله غفور لهم على يمينهم، رحيم بهم أن يعاقبهم بعد كفارتهم. قوله: {وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق}. أي إن لم يكفروا ولا فاءوا إلى الطوء؛ أي رجعوا إليه وأرادوا الطلاق، فإن الله سميع لقولهم، عليم باعتقادهم وعزيمتهم. قوله: {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قروء}.
ومعناه: المطلقات المدخول بهن ذوات الحيض - غير الحوامل - يتربصن عن التزويج ثلاثة أطهار، وقيل: ثلاثة حيض. والقرء في اللغة: الوقت، فيصلح للطهر، ويصلح للحيض. والحيض عند أبي حنيفة وغيره أولى به. وهو يقول أحد عشر من الصحابة وجماعة من التابعين والفقهاء. وهو عند مالك الطهر، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين. فإذا طلقها وهي طاهر في طهر لم يمسها فيه فهو قرء تعتد به، وإن لم يبق منه إلا أقله. فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج، وهو قول عائشة. وابن عمر وزيد بن ثابت والقاسم وسالم وسليمان بن يسار/.
وبه قال الشافعي وغيره من الفقهاء. ويدل على أن المراد/ بالأقراء في هذه الآية الأطهار قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، فلهن أن يعتدن بما يطلقن فيه وهو الطهر الذي لم تمس فيه. والطلاق في الحيض عند أهل العلم مكروه، فدل ذلك على أن الطلاق إنما يكون في الطهر لا في الحيض: [وهو قول النبي عليه السلام]: " فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِراً مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ " فإذا طلقت/ في الطهر اعتدت به قرءاً. ودخول الهاء في ثلاثة يدل على أنه الأطهار، لأن الطهر ما ذكر والحيض مؤنث، فلو أريد به الحيض لم تدخله الهاء. قال ابن عباس: " استثنى الله من هذه الآية اللواتي لم يدخل بهن والحوامل ". وقال قتادة: " هو نسخ ". وقال غيرهما: " هو تبيين، لأن هذه الآية يراد بها الخصوص فبين المراد في
" الأحزاب " وسورة الطلاق، فهي مبينة لا منسوخة. قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله في أَرْحَامِهِنَّ}. / أكثر أهل التفسير على أن الذي نهين عنه أن يكتمن هو الحيض والولد وذلك أن تقول: " إني قد حضت الثلاثة، وهي لم تحض لتذهب ما يجب لزوجها من الرجعة، أو تكتم الولد ليذهب حقه من الرجعة حتى تلد وهو لا يعلم، فلا يكون له في الرجعة بعد الولادة حق. وقيل: هو الحمل خاصة؛ وذلك أنهن كن في الجاهلية يكتمن الولد خوفاً ألا يراجعهن أزواجهن، فيتزوجن وهن حوامل، فيلحقن الولد بالزوج الثاني،
فحرم ذلك عليهن. قال ذلك قتادة وغيره. وقال السدي: " كان الرجل في الجاهلية إذا أراد الطلاق سأل امرأته هل بها حمل خوف أن يطلقها وهي حامل، فتلحق ولده غيره، فإن كانت تكرهه كتمت حملها ليطلقها، فتلحق الولد غيره، فحرم ذلك. وهذا القول يدفعه قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ} بعد ذكر الطلاق ووقوعه، فإنما ظاهر القرآن يدل على النهي أن يكتمن ذلك في العدة ليذهب حق الرجل من الرجعة؛ إما أن تقول: " قد حضت "، ولم تحض، وأما أنو تقول " لست بحامل "، وهي حامل، فَتَجْحَدُ حتى تضع فتذهب رجعته. وهذه الآية تدل على أن المرأة مؤتمنة على عدتها وحملها. ومعنى: {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر}. أي: يحجزهن إيمانهن عن فعل ذلك، وليس ذلك يجوز أن يفعله من لا يؤمن. قوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ/ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ}. أي: أزواج المطلقات أحق بردهن في العدة إن أرادوا بالرد الإصلاح. فإن أراد المضارة، لا يحل له ذلك. قوله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بالمعروف}.
أي للزوجات على الأزواج من الأحسان والصحبة الجميلة مثل ما للأزواج على الزوجات. وقيل: معناه: يتزين الرجل للمرأة كما تتزين له. روي ذلك عن ابن عباس. قوله: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}. أي في الميراث والجهاد والشهادة ونحو ذلك، وأن فراقهن بيد الأزواج. وقال الشعبي: " الدرجة هو ما ساق إليها من الصداق، وأنها إذا قذفته حُدَّتْ، وإذا قذفها لم يُحد، وَلاَعَنَ. وعن ابن عباس: (دَرَجَةٌ): أداء/ حقها إليها ومؤنتها وتركه الواجب له عليها إحساناً ". وقيل: " الدرجة هو ما زين الله به الرجل من اللحية ". رواه عبيد بن الصباح عن حميد.
229
وقال ابن إسحاق: " المرأة تنال من اللذة مثل ما ينال الرجل، وله الفضل بنفقته وقيامه، وما ساق من الصداق فهي الدرجة ". قوله: {الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} أي: فعليكم إمساك، هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه؛ وذلك أن الرجل كان يطلق امرأته ما شاء من الطلاق، فإذا كادت تحل راجعها، فنسخ الله ذلك بأنه إذا طلق ثلاثاً، لم تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر. وقيل: إنها منسوخة بقوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] وقيل: هي محكمة، وقوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} تبيين لقوله: {الطلاق مَرَّتَانِ}. ومن قال: إنها محكمة منهم، قال: " لا ينبغي أن يطلق إلا اثنتين، ثم إن شاء طلق الثالثة أو أمسك لقوله: {الطلاق مَرَّتَانِ}. قاله عكرمة. وقال الشافعي: " يطلقها في كل ظهر لم يجامعها فيه ما شاء ".
وقال أكثر الناس: " يطلقها في كل طهر طلقة واحدة ". ومعنى {الطلاق مَرَّتَانِ}: أي: الطلاق الذي يجوز معه الرجعة وتملك المرأة بعده مرتان، فهو تبيين للعدد. / [وقوله]: {أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان}. هي الثالثة التي لا أملك للرجل على المرأة بعدها، روي ذلك عن النبي [عليه السلام]. وقيل: / معنى {تَسْرِيحٌ بإحسان}: يتركها فلا يراجعها حتى توفي عدتها. وعن ابن عباس: {أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان}: " لا يظلمها من حقها شيئاً ". قال ابن عباس: " {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [النساء: 21] هو {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}، أي صحبة حسنة، أو {تَسْرِيحٌ بإحسان}، لا يظلمها من حقها شيئاً ". قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً}.
أي مما أعطيتموهن إذا أردتم/ فراقهن. قوله: {إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله}. اختار أبو عبيد الضم في {يَخَافَآ} على قراءة حمزة، واحتج بقوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ}، فجعل الخوف لغيرهما، ولم يقل: " فإن خافا " وفيه حجة لمن جعل الخلع إلى السلطان ". والخوف هنا عند إبي عبيدة بمعنى اليقين. وهذا النص إنما هو في الخلع الذي يكون بين الزوجين، فيأخذ منها ما اتفقا عليه، ويتركها لقوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ}. ولا يحل للزوج أن يأخذ من المرأة شيئاً على طلاقها إذا كانت المضارة من قبله، وإنما يأخذ منها على الطلاق إذا كانت هي التي كرهته، وأحبت فراقه من غير مضارة منه لها.
وهذه لآية عند بعضهم منسوخة، ولا يجوز أن يأخذ منها شيئاً نسخها قوله: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} [النساء: 20]. وأكثر الناس على أنها محكمة، وأن له أن يأخذ منها ما اتفقا عليه، وتلك الآية في النساء إنما هي لمن أراد الاستبدال، وهذه لمن خيف منهما ألا يقيما حدود الله، فهما محكمتان. " وروي أن هذه الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي [بن] سلول وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وكانت تبغضه ويحبها، فأتت أباها فردها ولم يشكها، فصارت إلى النبي A وقالت: " إن ثابتاً [يظلمني ويضربني]. فأحضر رسول الله A ثابتاً فقال: " والله يا رسول الله ما على وجه الأرض أحد أحب إلي منها سواك ". فقال للمرأة: " مَا تَقُولينَ؟. فقالت: " يا رسول الله، ما كنت لأخبرك بخبر ينزل عليك الوحي بإبطاله، هو كما وصف، وفرق بيني وبينه ". فقال ثابت: " فترد إلي الحديقة التي جعلتها لها ". فأمرها النبي A بردها، ثم طلقها " ، كان ذلك أو خلع كان في الإسلام. والخلع
جائر بغير سلطان، وإنما يكون الخلع والافتداء إذا كان النشوز من قبل المرأة. قال ابن عباس: " هو أن يظهر من المرأة سوء الخلق والعشرة للرجل، فله أن يأخذ ما أعطته ويفارقها، فإن كانت راضية به، فلا يحل له أن يضارر بها حتى تفتدي منه، فإن فعل كان ما أخذ حراماً ". وإنما الخلع إذا كان الشيء المنكر من قبلها؛ / فتقول: " لا أغتسل لك من جنابة، ولا أَبَرُّ لَكَ قسماً " ثم افتدت منه وخالعها، فذلك جائز حسن. وقال القاسم بن محمد: " لا يحل الخلع حتى يخافا جميعاً ألا يقيما حدود الله في العشرة الواجبة بينهما ". وقال زيد بن أسلم: " إذا خافت المرأة ألا تؤدي حق زوجها/ وخاف الرجل ألا يؤدي حق زوجته، فلا جناح في الفدية ". قال مالك: " الأمر عندنا أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة، ولم تُؤتَ من قبله وأحبت
فراقه فحلال ما افتدت به ". قال: " ولم أرَ أحداً ممن/ يُقتدى به، يكره أن يفتدى بأكثر من صداقها ". وقال أبو حنيفة: " لا يكون بأكثر مما ساق إليها ". والخلع طلقة بائنة عند جماعة من الصحابة والتابعين، وهي قول مالك والشافعي وغيرهما من الفقهاء. وعدتها عدة المطلقة عند مالك والشافعي وغيرهما. وهو مروي عند جماعة من الصحابة والتابعين. ولا سبيل لزوج المختلعة إليها إلا بخطبة ونكاح جديد عند مالك والأوزاعي. وهو قول عطاء وطاوس والحسن النخعي والثوري. وقال ابن المسيب: " يَرُدُّ عليها ما أخذ منها، وليشهد على رجعتها ". وكذلك
قال الزهري. قال مالك: " عليها أن تكمل بقية عدتها ". وكذلك قال الحسن وعطاء، ثم بعد ذلك يراجعها بنكاح جديد إن شاء. وقوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}. أي لا جناح عليها فيما أعطت إذا كان النشوز من قبلها. ولا جناح عليه فيما أخذ إذا كان الضرر من قبلها. وقيل: {فَلاَ جُنَاحَ/ عَلَيْهِمَا}: هو مخاطبة للزوج وحده فيما أخذ منها ليتركها، وهذا كما قال: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ} [الرحمن: 22]، وإنما يخرج من الملح لا من العذب. وكما قال: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا} [الكهف: 61]، وإنما الناسي صاحب موسى. وتقول: " عندي دابتان أركبهما وأسقي عليهما "، وإنما تركب إحداهما. وقوله: {فِيمَا افتدت بِهِ}. قيل: من صداقها الذي كان أعطاها، لقوله: {مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} والذي أعطاها هو الصداق فرجع آخر الآية على أولها وكان ذلك أبين وأليق بالكلام. قال ذلك الأوزاعي.
230
وكره الشعبي أن يأخذ منها إلا ما ساق أو دونه " (روي) ذلك عن علي Bهـ. وأكثر الناس على أنه له أن يأخذ ما رضيت به من قليل كان أو كثير لعموم الآية. وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وعكرمة. قوله: {تِلْكَ حُدُودُ الله}. أي هذه حدوده. " وتلك " إشارة إلى الآيات التي تقدمت/ من قوله: {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ} إلى {فِيمَا افتدت بِهِ}. فمعنى: {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} أي لا [{تجاوزنها إلى ما لم يأمركم به، ومن تجاوزها}] فهو ظالم. وقد قال الضحاك: " معناه: من طلق لغير العدة فقد اعتدى وظلم " وأنكر ذلك غيره. قوله: / {فَإِنْ طَلَّقَهَا} الآية.
231
قال ابن عباس: " إن طلقها ثلاثاً لم تحل إلا بعد زوج ونكاح جديد ". وقال الضحاك: " وغيره - كل الفقهاء -: " إن طلقها واحدة بعد اثنتين لم تحل له إلا بعد زواج ". قوله: {حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}. يريد الوطء بالعقد الصحيح لقوله A: " حَتَّى تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ " ومعنى: {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ} أي من بعد الثالثة، ولذلك بنيت " بعد " للحذف والذي بعدها. وعن ابن المسيب: " أنها إذا نكحت نكاحاً صحيحاً لا يراد به تحليل حلت [به له]، وإن لم يقع وطء ". / وهو شاذ. قوله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} الآية.
هذا مخاطبة للأزواج، ويكون البلوغ المقاربة. وقيل: هو خطاب للأولياء، ويكون البلوغ التمام. وكونه خطاباً للأزواج أولى لقوله: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}. وهذا لا يكون للأزواج. ومعناه إذا كان للأزواج: وإذا طلقتم النساء فبلغن ميقاتهن من انقضاء العدة، أي قربن منها كما تقول: " إذا بلغت مكة فاغتسل " أي إذا قربت منها. أي إذا قربن منها فأمسكوهن. ومن قال: هو مخاطبة للأولياء قال: نزلت في أخت معقل بن يسار عضلها معقل عن مراجعة زوجها بعد انقضاء عدتها، وكان قد طلقها طلقة واحدة ". وقيل: هو خطاب للزوج يطلق امرأته طلقة واحدة. فإذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم يطلقها ليطول عليها، فنهى عن ذلك، وأصل العضل الحبس والمنع. وظاهر الآية يدل على أنه مخاطبة للأزواج. وبلوغ الأجل المقاربة؛ نهى الزوج أن
يراجعها إذا قرب تمام عدتها، ثم يطلقها ليضار بها ويطول عليها، وهو ظاهر الخطاب. وأكثر المفسرين على أنها مخاطبة للأولياء؛ ويكون بلوغ الأجل تمامه. وملك المرأة لنفسها، إذا جعلته خطاباً للأولياء. وإن جعلته خطاباً للأزواج فبلوغ الأجل المقاربة. فالمعنى: فراجعوهن إن أردتم مراجعتهن. {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ} أي اتركوهن حتى تتم العدة. {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً}. أي: لا يحل لكم أن تراجعوهن مضارة لتطول العدة عليها فيضرّ بها. وقال الضحاك وغيره: " {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً}: " هو أن يطلقها حتى إذا كادت أن تنقضي عدتها راجعها، فإذا كادت أن تنقضي راجعها مضارة، وهو لا يريد / إمساكها، فنهى الله عن ذلك ". وهو قول ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم.
وقال السدي: " نزلت في رجل من الأنصار وهو ثابت بن يسار، طلق امرأته، حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة راجعها ثم طلقها. ففعل ذلك حتى مضت لها تسعة أشهر مضارة، / فأنزل الله الآية ". قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}. أي من يضارر برجعته فإنما يضر / نفسه لأنه يأثم. قوله: {وَلاَ تتخذوا آيَاتِ الله هُزُواً}. قال الحسن: كانوا على عهد النبي A يُطَلّق الرجل أو يعتق، فيقال له: ما صنعت؟ فيقول: " إنّي كنت لاعباً "، فأنزل الله: {وَلاَ تتخذوا آيَاتِ الله هُزُواً}. وروى أبو هريرة عن النبي [عليه السلام]: أنه قال: " ثَلاَثٌ جِدُّهُّنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَلاَقُ وَالعَتَاقُ وَالرَّجْعَةُ ".
232
وقالت عائشة Bها: " كان الرجل يطلق امرأته ويقول: " والله لا أُؤْوِيكِ وَلاَ أَدَعُكِ؟ قالت: وكيف ذلك؟ قال: إذا كِدتِ تقضين عدتك راجعتك. فنزلت: {وَلاَ تتخذوا آيَاتِ الله هُزُواً}. قوله: {واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ}. يعني الإسلام. {وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الكتاب والحكمة}. يعني القرآن. {يَعِظُكُمْ بِهِ}: أي بالقرآن. {واتقوا الله} أي خافوه فيما أمركم به مما أنزل عليكم ووعظكم به. قوله: / {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} الآية. نزلت في رجل كان له أخت، زوجها من ابن عم له، فطلقها ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، فأراد أن يتزوجها المطلق لها وهي فيه راغبة، فمنعها أخوها من ذلك.
ولما نزلت هذه الآية دعا النبي [عليه السلام] معقلاً فنهاه عن ذلك وتلاها عليه، فترك الحمية وزوّجها من زوجها الأول على التراضي، كما قال: {إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بالمعروف}. فقيل: إن أخا المرأة كان جابر بن عبد الله الأنصاري. وقيل: معقل بن يسار. وقيل: ابن سنان. وقيل: إن جابر بن عبد الله كان أبا المرأة المطلقة فمنعها من أن ترجع إلى زوجها بعد انقضاء العدة أنفة، فنزلت الآية. وقال ابن عباس: " نزلت في أولياء المرأة يمنعونها من مراجعة زوجها بعد
انقضاء العدة ". وقوله: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ}. أي لا تحبسوهن. وقيل: لا تضيقوا عليهن. وحكى الخليل: دَجَاجَةٌ مُعْضِلٌ؛ إذا احتبس بيضها. وأصل العضل الضيق والمنع، ومنه الداء العضال، وهو الذي لا يطاق لضيقه عن العلاج. وهذه الآية تدل على أنه لا نكاح إلا بولي، إذ لو جاز أن تنكح نفسها لم يخاطب الله الأولياء في المنع لها من الزواج. قوله: {ذلك يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ}. أي هذا المذكور في الآية. و " ذلك " محمول على معنى الجمع ولو قال: " ذلكم " لجاز وهو الأصل. وقيل: إن ذلك / خطاب للنبي [عليه السلام] فلذلك وُحِّدَ، ثم رجع إلى مخاطبة /
المؤمنين فقال {مِنكُمْ} وقال في آخر الآية: {ذلكم أزكى لَكُمْ}. ومعنى: {وَأَطْهَرُ}، أي أطهر للقلوب من الريبة لأنه إذا كان في قلوب الزوجين كل واحد من صاحبه شيء، ثم منعا من النكاح الذي هو حلال لهما، لم يُؤْمِنْ أن يتجاوزا إلى ما لا يحل أو يُتّهَمَا بذلك. {والله يَعْلَمُ}. أي يعلم أسراركم، وما فيه حسن العاقبة لكم، وأنتم لا تعلمون ذلك. وقوله: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ}. هذا خطاب للأولياء بلا اختلاف، فلا يكون البلوغ في هذا إلا تمام العدة. ولو كان على معنى المقاربة، لم يكن للولي حكم في منعها من المراجعة إلا أن يكون الطلاق بائناً فيحتمل البلوغ الوجهين: المقاربة والتمام. فإنما هو في هذا الخروج من العدة، فعند ذلك يقدر الوالي على منع المراجعة. وبهذا علمنا أنه لا نكاح إلا بولي؛ إذ لو كان لها أن تراجع زوجها بغير إذن وليها لم يخاطب الله الأولياء في ترك المنع، فعلم أن للأولياء المنع من المراجعة والإجازة في الطلاق البائن وبعد إتمام العدة في الطلاق الرجعي بهذه الآية. [ولو] كان قوله: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} يريد به المقاربة لكان الحكم للزوج، يردها
233
إذا شاء، وكان الطلاق رجعياً، ولا يسأل عن وليها أجاز، أو لم يجز. فلا بد أن يكون بلوغ الأجل تمام العدة إذا جعلت الخطاب للأولياء. قوله: {والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} الآية. قرأ مجاهد وحميد بن قيس، وابن محيصن / " لِمَنْ أَرَادَ أَنْ تُتِم الرضاعة " بالرفع بالتاء. وقرأ أبو رجاء / " الرِّضَاعَةَ " بكسر الراء. وقرأ: " لاَ تَكَلَّفُ " بفتح التاء أراد تَتَكَلَّفُ. قوله: {لاَ تُضَآرَّ}. من رفع فهو خبر عن الله، معنى الأمر، ومعناه: / لا تضار والدة
في علم الله، ولا تكلف نفس إلا وسعها. والفتح أبين على النهي. ويجوز الكسر، لالتقاء الساكنين والفتح أخف. وروى أبان عن عاصم " لاَ تُضَاررْ " بالجزم والإظهار، وهي لغة أهل الحجاز، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس، غير أن ابن مسعود يفتح الراء الأولى. وإجماع المسلمين أن تحريم المضارة للطفل من أبويه يدل على الجزم على النهي. كان اليزيدي يقول: " الرفع فيه معنى النهي " كأنه يريد أن الضمة ليست بإعراب، إنما هي لالتقاء الساكنين. وهذا بعيد لأنه يشبه النهي بالنفي.
ومعنى الآية / أن لفظها لفظ الخبر، ومعناها الإلزام، كما تقول: " حَسْبُكَ دِرْهَمٌ ". فلفظه لفظ خبر، ومعناه الأمر، فكذلك: {والوالدات يُرْضِعْنَ} هو على الإلزام ولفظه لفظ الخبر. وقوله: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}. أَكّدَ " بكاملين " لجواز أن يكون " حولان " معناه حولٌ وبعضُ آخر، لأن العرب تقول: " أَقَامَ فُلاَنٌ شَهْرَيْنِ "، وإن كان أقام شهراً أو بعض آخر. وهذا كما قال: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203]. والمتعجل إنما يتعجل في [يوم ونصف]، وكذلك اليوم الثالث. والعرب تقول: " لم أرك مذ يومان "، تقوله في اليوم الثاني، وهو لم يتم يومان. ومعنى ذلك: " لا ينزع الولد من أمه وهي تحب رضاعه وتأخذ كغيرها، فيكون " تُضَارَّ " فعلاً لم يسم فاعله، ويجوز أن يكون فعلاً سمي فاعله.
ومعناه: لا تترك رضاع ولدها وأخذ الأجرة، والصبي لا يقبل غيرها فتضارر بالأب والصبي. قوله: {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ}. معناه: لا يضارر الوالد فيلقى إليه الطفل بعد ما عرف أمه وَأَلِفَها؛ تفعل ذلك لتقرب عدتها فتتزوج، لأنها إذا كانت ترضع، أبطأ عندها المحيض فتلقي الصبي، وهو لا يقبل غيرها فتضارر بالوالد والولد في ذلك. فنهى الله النساء عن ذلك. فيجوز أن يكون أيضاً " مَوْلُودٌ " رفع على ما لم يسم فاعله على هذا التفسير. ويجوز أن يكون فاعلاً، ويكون المعنى: ولا يضارر الوالد بولده فيمنعه من أن يرضع أمه، وقد ألفها ولا يقبل غيرها، وهي تأخذ كما يأخذ غيرها فنهى الأب عن ذلك. قوله: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا}. أي إن أرادا أن يفطما قبل الحولين عن تراض من الأبوين فلا جناح عليهما
في ذلك، وليس لأحدهما فعل ذلك حتى يرد الآخر عند الثوري. قوله: {وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ}. أي على الأب رزق المرضعة وكسوتها بالمعروف، ورزق الولد على قدر الجدة، لا يكلف فوق ما يطيق. {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}. أي لا [تمتنع من رضاعه]، وتقذفه [إلى أبيه] لتنكي به الأب. {وَلاَ مَوْلُودٌ / لَّهُ بِوَلَدِهِ} لا يمنع أمه من أن ترضعه ليحزنها. قوله: {وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك}. أي على وارث الصبي مثل الذي على الأب لو كان حياً، أي عليه ألا يضارر بها
كما كان على الأب. قال السدي وقتادة. قال الحسن: " على عصبته نفقته إن لم يكن له أب ولا مال ". وقال الضحاك: {وَعَلَى الوارث} " هو الصبي المرضع، عليه نفقة أمه من ماله إن لم يكن له أب ". وهو اختيار الطبري وغيره. وقال ابن عباس: " على وارث / الصبي من أجر الرضاع مثل ما كان على الأب إذا لم يكن له مال ". وقال الشعبي ومجاهد وسفيان: {وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك}: أي: وعلى وارث الصبي ألا يضار بالأم. وهو مروي عن ابن عباس. فلا يكون {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ} على هذا القول إلا " تُفَاعِلَ " بكسر / العين لأن: {وَعَلَى الوارث} معطوف عليه، وهو فاعل، ولا تكون {وَالِدَةٌ} إلا فاعلة.
فأما على القول الآخر، فيحتمل {تُضَآرَّ وَالِدَةٌ} أن يكون: " تُفَاعَلْ "، و " تَفَاعَلَ "، لأن، {وَعَلَى الوارث} ليس بمعطوف عليها إنما هو معطوف على قوله: {وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف} " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف وعلى الوارث مثل ذلك "، فهو عطف جملة على جملة كلاهما من ابتداء وخبر، فيحسن على هذا في {تُضَآرَّ وَالِدَةٌ} الوجهان جميعاً. ولا يحسن في الآخر إلا أن تكون فاعلة. وقال مالك: " هو منسوخ لا يلزم عصبة نفقة صبي / ولم يبين الناسخ لها. حكاه ابن القاسم في " الأَسَدِيّةِ " عن مالك. وعن مالك أيضاً أن المعنى: " وعلى الوارث ألا يضار " فهو محكم، وهي رواية ابن وهب وأشهب عن مالك. وقيل: إن ورثة الصبي ينفقون عليه على قدر / ميراثهم منه لو مات. قاله قتادة، وهو قول أبي حنيفة.
قوله: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تسترضعوا أَوْلاَدَكُمْ}. أي إن أبت أمه أن ترضعه أو انقطع لبنها، فأردتم أن ترضعه أجنبية فلا حرج. قوله: {إِذَا سَلَّمْتُم} أي إذا سلمتم للأم ما [فرضتموه] عليه من الأجرة بالحساب. وقيل: معناه: إذا سلمتم للاسترضاع، عن مشورة من الأب والأم، قاله قتادة. وقيل: معناه: وإذا سلمتم إلى الأم الذي أعطيتموها على الأجرة بالمعروف. وقال سفيان: " إذا سلمتم إلى هذه التي تستأجرونها حقها بالمعروف، فليس عليكم جناح فيما صنعتم من الاسترضاع إذا أبت الأم رضاعه أو انقطع لبنها ". وقيل: معناه: إذا سلمت أم الولد، فرضيت برضاعه من غيرها، لتعتد
234
هي وتتزوج ورضي الأب بذلك. قوله: {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} الآية. هي ناسخة لقوله: {وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى الحول} [البقرة: 240] قاله عثمان بن عفان وابن الزبير، فنسخ أربعة أشهر وعشر الحول. وأما الوصية فنسخها آية الميراث. وروي عن ابن مسعود أنه قال: " نسخ منها الحوامل ". قيل: ليس هو بنسخ، وإنما هو بيان أن الذي في " البقرة " لغير الحوامل وغير المدخول بهن، وزيدت العشرة / على الأربعة أشهر لأن في ذلك يتبين الحمل. وقال سعيد: " في العشر ينفخ فيه الروح ". قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}.
235
أي إذا تمت العدة فلها أن تتزوج من شاءت. / {بالمعروف} أي بولي وصداق. قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النسآء}. هو أن يعرض لها في العدة، فيقول: " إنك لجميلة، وإن النساء من حاجتي، وإني فيك لراغب حريص، ولأحسنن إليك " ونحوه. قوله: {أَوْ أَكْنَنتُمْ في أَنْفُسِكُمْ}. أي أخفيتم الخطبة ولم تبدوها، لا حرج في جميع ذلك. قال جابر بن زيد: " {لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً}: قال: هو الزنا ". وقاله الحسن وقتادة والضحاك. وقال ابن جبير: " سراً نكاحاً ". وأصل السر الغشيان من غير وجهه. وقال ابن عباس: لا تواعدوهن سراً، ألا ينكحن غيركم، ولا تعاهدوهن
على ذلك. وقال مجاهد وعكرمة: " لا تعاهدها على النكاح و [تأخذ ميثاقها ألا] [تتزوج غيرك، تفعل ذلك معها] سراً ". وقال ابن زيد: " {لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً}: لا تنكحوهن وتخفوا النكاح، فإذا خرجت من العدة، أظهرتموه ". واختار الطبري أن يكون السر الزنا. قوله: {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}، هو التعريض المذكور. قال ابن زيد: " نسخ هذا كله بقوله: {وَلاَ تعزموا عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ}. وأكثر الناس على أنه محكم، وأنه كله نهي عن عقد النكاح في العدة، ثم أرخص في التعريض الذي [ليس هو] بوعد ولا عقد.
236
ومعنى {يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ}: تنقضي العدة. وقال السدّي: " حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر وهو الكتاب الذي ينقضي ". وقاله قتادة، وهو قول ابن عباس والضحاك. قوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} الآية. رفع الله الحرج عمن طلق المفروض لها الصداق قبل أن يدخل بها. ومعنى {تَمَسُّوهُنَّ}: تجامعوهن. قاله ابن عباس وغيره. ومعنى: {أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ}: رفع الجناح أيضاً عمن طلق التي لم يفرض لها قبل الفرض، فمعناه: أو توجبوا لهن فريضة. قوله: {وَمَتِّعُوهُنَّ}. قال ابن عباس وغيره: " هو واجب للتي لم يفرض لها؛ يمتع الموسر
بخادم، والوسط بالورق، ودون ذلك بالكسوة والنفقة ". وقاله قتادة. وقال أبو حنيفة: " يمتع التي لم يفرض لها، إذا طلق قبل الدخول بنصف مقدار صداقها ". وبه قال الشافعي، ولم يجد / نصفاً من غيره. وأوجب علي بن أبي طالب Bهـ المتعة لكل مطلقة. وبه قال الحسين فرض لها أو لم يفرض دخل بها أو لم يدخل. وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: " لكل مطلقة متعة إلا التي سمى لها صداقاً ولم تمس، فحسبها نصف ما فرض لها ". ومذهب مالك أنه لا يجبر على المتعة أحد من المطلقين إنما هو ندب، وبه قال شريح.
وقال ابن المسيب: / " كانت المتعة واجبة بالآية التي في الأحزاب لقوله: {فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ / سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 49]، قال: " ثم نسختها التي في البقرة لقوله: {حَقّاً عَلَى المحسنين} ولم يقل: " حقاً عليكم " ولا " واجباً عليكم ". وقد أجمعوا / أن المطلقة قبل الدخول لا تضرب بالمتعة مع الغرباء كان قد فرض لها أم لم يفرض، فدل على أنها غير واجبة، فصارت المتعة في البقرة ندباً لمن أحسن واتقى لا فرضاً. وروي عن ابن عباس أنه قال: {عَلَى الموسع قَدَرُهُ} أي على قدر يسره، {وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ}: أي على قدر عسره للتي لم يسم لها صداقاً، ولم يدخل بها خاصة ". ومعنى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}، أي الجناح مرفوع / عنكم في الطلاق قبل المسيس لأنه يجوز أن يقع بعد المسيس الجناح على المطلق، وذلك الذي يتزوج للذوق. قال النبي A: " إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ وَلاَ الذَّوَّاقَاتِ " فَرَفْعُ الجناح في الطلاق قبل المس يدل على أنه قد يقع في الطلاق بعد المس وهو ما ذكرنا. وقيل: إنما رفع الجناح عن طلاق التي لم يدخل بها، لأن الرجل يطلق متى شاء
237
[حائضاً كانت أو طاهراً]، ولا عدة ولا سنة في طلاقهن، وليس ذلك في المدخول بها، لأنه إن طلق وهي حائض وجب عليه مراجعتها، ولحقه ضيق وإثم إن تعمد مخالفة السنة، ولزمت العدة. قوله: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} الآية. بيّن الله في الآية التي قبلها حال من لم يفرض لها، وحض على المتعة لها على قول من قال: هو ندب، وفرضها على قول من قال: هو فرض، ثم بين في هذه الآية حال المطلقة قبل الدخول التي قد فرض لها فرضاً أن تعطى نصف الطلاق الذي فرض لها. وهذه الآية تبيين لصدر الآية التي قبلها لأن قوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} هي المفروض لها. وقوله: {أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 236]. أي أو لم تفرضوا لهن فريضة، فهي غير المفروض لها، فكرر هذه الآية في
التي قد فرض لها للبيان والتأكيد. وقال قتادة: هذه الآية/ نخست التي قبلها لأنه لم يفرض لها أولاً شيئاً، وجعل لها متعة، ثم فرض لها الآن نصف الصداق ولا متعة لها ". وهو قول الربيع وجماعة معه. قوله: {إِلاَّ أَن يَعْفُونَ}. يريد إلا أن تعفو الثيب أو البكر التي زوجها غير أبيها التي لا ولي لها عن أخذ نصف الصداق. قال ذلك ابن عباس، وهو قول الجماعة من التابعين والفقهاء. قوله: {أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح}. قال ابن عباس: " هو ولي البكر إذ كانت لا يجوز أمرها في مالها فله أن يعفو عن النصف إن شاء، فإن أبت جاز فعل الولي ".
وهو قول الحسن وعطاء وإبراهيم وعكرمة وطاوس وربيعة وزيد بن أسلم ومحمد بن كعب القرظي ويشريح وأصحاب ابن مسعود والشعبي وقتادة والسدي وغيرهم. وقال الزهري وغيره: " هو الأب في انبته البكر، أو السيد في أمته لهما أن يعفوا، وإن أبت ". وهو قول مالك. قال مالك: " هو الأب في ابنته البكر، أو السيد في أمته ". وليس له أن يعفو ولم يقع طلاق، إنما العفو طلاق، وكل ذلك في التي لم يدخل بها. وقاله علي بن أبي طالب ومجاهد وسعيد بن جبير. وروي أيضاً عن ابن عباس: " أن الذي بيده عقده النكاح هو الزوج المطلق ".
ومعنى: {أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح}: أي يعفو الزوج فيعطي الصداق كله. والذي يرد هذا أن العفو إنما هو ترك ما يجب للعافي. هذا أصله في اللغة. وليس هو موضوعاً على إعطاء الرجل ما لا يلزمه فإضافته إلى الولي أولى به وأبين في الخطاب، لأنه ندب إلى أن يترك ما وجب لوليته. ومن كلام العرب: " عفا ولي المقتول عن القاتل "، أي ترك له حقه من الدية. وليس/ يقال: " عفا القاتل "، إذا أعطى أكثر من الدية التي تلزمه ولو كان العافي الزوج يعطي الصداق كله، لكانت الترجمة عن هذا بالهبة أولى منه بالعفو لأنه إذا أعطى الصداق كله فهو واهب، وليس بعافٍ إنما العافي من يترك حقه، ليس هو من يهب ماله. وأيضاً فإنه قال: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} يريد الزوجات المالكات لأنفسهن، ثُمَّ قال: {أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح}، فهذا ثالث غير الأول والثاني ولا ثالث إلا الولي. وأيضاً فإن الله إنما ذكر العفو بعد/ وقوع الطلاق، فكيف يقال لمن طلق ولا
شيء في يديه/ أنه هو الذي بيده عقدة النكاح، وهو الآن [لا] عقدة في يديه إذ قد طلق. وقيل: إنما هو مخاطبة للأزواج الذين دفعوا الصداق/ كله، ثم طلقوا قبل الدخول فندبوا [إلى أن يعفوا] عن نصف الصداق ولا يرجعون به على الزوجات. وهذا القول يدل على أن الآية خاصة في بعض الأزواج، وليست الآية كذلك، إنما هي عامة اللفظ. ويدل على أيضاً على أن المراد به غير الأزواج قوله: {بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح}، والمطلق لا عقدة بيده من إثبات نكاح التي طلق قبل الدخول/ إنما عقدة نكاحها بيد الولي، فهو المراد. وكذلك غير المطلق لا عقدة بيده، إنما عقدة النكاح للولي، وإنما بيد الزوج عقدة نكاح نفسه، وبيد الولي عقدة نكاح المرأة. وأيضاً فإن معنى: {عُقْدَةُ النكاح} أي نكاحها. والألف واللام عوض من الهاء كما قال: {فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى} [النزعات: 41]. أي: مأواه، فكان رد الضمير المحذوف إليهن، لأنهن أقرب ذكر في قوله:
238
{إِلاَّ أَن يَعْفُونَ} أولى به. قوله: {وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى}. هذا مخاطبة للأولياء والمطلقات المالكات أمرهن. وقيل: خوطب بذلك أزواج المطلقات في أن يتركوا الصداق كله إن كان قد ساقوه قبل الطلاق إلى الزوجة. قوله: {وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل}. أي لا تتركوا فعل الخير فيما بينكم؛ يتفضل الزوج على المرأة بإعطاء الصداق كله فإن لم يفعل فتنفصل برد نصف الصداق الذي وصل إليها، أو تترك الكل فذللاك فضلها. قال مجاهد: " هو إتمام الزوج الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها واجب ". وقال السدي وعكرمة وسفيان وابن زيد مثله. قوله: {حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى}.
قال ابن عباس وأبو هريرة وابن عمر وأبو سعيد الخدري وعائشة وسعيد بن جبير والضحاك ومجاهد وغيرهم: " الوسطى صلاة العصر " وروي ذلك عن النبي [ A] . وقال زيد بن ثابت وابن أبي ذئب: " هي الظهر ". وروي ذلك عن ابن عمر. وروي أن النبي عليه السلام كان يصلي في الهاجرة والناس في هاجرتهم، فلا يجتمع إليه أحد، فتكلم في ذلك فأنزل الله: {والصلاة الوسطى}، يريد الظهر. وقال قبيصة بن ذؤيب: " هي المغرب لكونها بين الليل والنهار ".
وقال جابر بن عبد الله وعطاء وعكرمة: " هي الصبح/ لكونها أيضاً بين الليل والنهار ". ولقوله: {وَقُومُواْ للَّهِ قانتين}. والقنوت إنما يكون في الصبح. وهو [أيضاً مروي] عن ابن عباس [وعلي بن أبي طالب] / وهو قول الربيع وعبد الله بن شداد بن الهاد، وروي ذلك عن مجاهد، وهو قول مالك. وهو قول أبي أمامة الباهلي وزيد بن أسلم وعبد الله بن عمر. وقد تظاهرت الأخبار عن النبي [عليه السلام] أنها العصر. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك: أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح.
قال مالك: " الظهر والعصر في النهار، والمغرب والعشاء في الليل، والصبح فيما بين ذلك ". قال مالك: " والصبح لا تجمع إلى غيرها، وقد يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ". قال مالك: " وهي كثيراً ما تفوت الناس ويتلهون عنها ". قلت: وصلاة الصبح أفضل الصلوات، ولذلك أكد الله في المحافظة عليها، يدل على ذلك قول النبي عليه السلام: " مَنْ شَهِدَ الصُّبْحَ فَكَأَنَّمَا قَامَ لَيْلَةً، وَمَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ لِيْلَةٍ ". وقال: " بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُنَافِقِينَ شُهُودُ الْعَتْمَةِ والصُّبْحِ، لاَ يَسْتَطِيعونَهُمَا ". وقال: " لَوْ يَعْلَمُوَ مَا فِي الْعَتْمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً ". ففضل العتمة والصبح على سائر الصلوات، ثم فضل الصبح على العتمة
فدل على أنها أفضل الصلوات، فهي الوسطى. وقد قال عمر: " لأن أشهد صلاة أحب إلي من أن أقوم ليلة ". وقد قرأ الرؤاسي: {والصلاة الوسطى} بالنصب، بمعنى: وألزموا الصلاة، وقد روي عن عائشة Bها أنها أثبتت في المصحف: " والصلاة الوسطى، وصلاة العصر "، بالواو. وكذلك روى نافع أن حفصة أمرت أن يكتب ذلك في مصحفها، وقالت سمعت رسول الله A يقرأها كذلك ". وليست هذه الزيادة توجب أن تكون الوسطى/ غير العصر، لأن سيبويه قد حكى: " مررت بأخيك وصاحبك " والصاحب هو الأخ، فكذلك الوسطى هي العصر، وإن عطفت بالواو.
الصلاة الوسطى هي أفضل الصلوات إعادتها بلفظها بعد أن دخلت في جملة الصلوات كما قال: {وملائكته} [البقرة: 98]. ثم قال: {وَجِبْرِيلَ وميكال} [البقرة: 98]، وكما قال: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ/ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68]. فأعاد " جبريل وميكائيل " وقد دخلا في جملة الملائكة، وأعاد " النخل والرمان "، وقد دخلا في جملة الفاكهة، وذلك لفضل فيهما، فأعيدا للتنبيه على الفضل، فكذلك الصلاة الوسطى أعيدت لأنها أفضل الصلوات. وقد بينا أن صلاة الصبح أفضل الصلوات فهي هي بغير شك. وقرأ ابن عباس: " والصلاة الوسطى صلاة العصر " على التقدير. وذكر ابن حبيب عن بعضهم أنها صلاة الجمعة، وهو قول شاذ. وأصل القنوت/ الطاعة، وهو أيضاً طول القيام. وقيل: هو هنا السكوت لأنهم كانوا يتكلمون في الصلاة.
239
قال زيد بن أرقم: " كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: {وَقُومُواْ للَّهِ قانتين}، فأمرنا بالسكوت. وقيل: القنوت هنا الدعاء. وقيل: هو الركوع/ والخشوع في الصلاة. وقال مجاهد: " هو غض البصر/ في الصلاة وضم الجناح وطول الركوع وأصله كله يرجع إلى الطاعة ". قوله: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً}. نصبهما على الحال. والمعنى: فصلوا في هذا الحال. والرجال جمع راجل، والمعنى: " فرجالاً " أي مشاة على أرجلكم " أو ركباناً " وهو جمع راكب. وزذلك في الخوف من العدو، وقال: يصلي كيف قدر ماش وراكب. فمعناه: وإن خفتم من العدو أن تصلوا قياماً في الأرض فصلوا ماشين وركباناً،
وكيف قدرتم إيماء وغير إيماء، وذلك على قدر شدة الخوف والمسايفة. قوله: {فَإِذَآ أَمِنتُمْ فاذكروا الله}. أي إذا أمنتم من عدوكم فاشكروا الله كما خفف عنكم وعلمكم ما لم تعلموا من أحكامه. وقال ابن زيد: " معناه إذا أمنتم من العدو فصلوا كما افترض عليكم. تم الجزء الخامس.
240
قوله: {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً} الآية. في هذه الآية نسخان، نسخت آية المواريث الوصية. وقيل: الوصية منسوخة بقول النبي A: " لاَ وَصِيَّة لِوَارِثٍ "، ونسخت {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} الحول. وقد قيل: إن هذا ليس بنسخ، إنما هو تخصيص ونقص؛ وذلك أن المرأة كانت إذا توفي زوجها سكنت، وأنفق عليها حولاً إن شاءت. فنسخ ذلك آية الميراث. مقاله الربيع وغيره. وقال مجاهد: " الآية محكمة، ولها السكنى والنفقة من مال زوجها إن شاءت ". ومعنى {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} أي لا تخرج إلا أن تشاء الخروج، فيبطل حقها بخروجها وهو قوله: {فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ} أي ليس لها شيء إذا خرجت، وكان ذلك المقام عليها إباحة وندباً ولمي يكن فرضاً، فلها الخروج متى أحبت.
241
قوله: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف}. عني بهن اللواتي دخل بهن لأن الآية الأولى عني بها من لم يمدخل بهن وهي ندب لا فرض عند أكثر العلماء. وهو مذهب مالك والشافعي. وقال عطاء: " عني بها كل مطلقة أن لها متاعاً حقاً على المتقين كالثياب والنفقة والخادم ونحوها على قدر الطاقة ". وقال ابن زيد: " هذا يوجب المتعة/ لكل مطلقة ". هذا معنى قوله. قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت}. قال ابن عباس: كانوا أربعة ألاف خرجوا فراراً من الطاعون ". وقيل: فراراً من الحمى، حتى إذا كانوا بموضع شاء الله فيه موتهم أماتهم، فمر بهم نبي فدعا ربه أن يحميهم فأحياهم.
وروي أن نبياً من أنبياء الله أمر قومه أن يخرجوا إلى عدوهم فجبنوا وكرهوا الخروج، وقالوا: إن الأرض التي تخرجنا إليها فيها الطاعون، وكانوا سبعين ألفاً، ففروا من الطاعون أن يأتيهم في بلادهم، فلما توسطوا البلاد أماتهم الله، فسمي ذلك الموضع واسطاً، وهي واسط العراق، فخرج نبيهم في طلبهم فوجدهم بعد ثمانية أيام موتى قد أنتنوا فتضرع إلى الله وبكى، وقال: يا رب، كنت في قوم يحمدونك ويكذرونك فبقيت وحيداً. فأوحى الله إليه أني قد جعلت/ حياتهم إليك. فقال: / أحيوا بإذن الله، فحيوا. فتلك الرائحة فيهم. وقيل: إن اسم ذلك النبي حزقيل. وقال وهب بن منبه: " أصاب ناساً من بني إسرائيل بلاء وشدة فشكو ما أصابهم إلى نبيهم وتمنوا الموت لما هم فيه. فأوحى الله إليه: أي راحة لهم في الموت، أيظنون أنني لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت، فاطلق إلى جبانة كذا، فإن فيها أربعة
آلاف وهم الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت، فقم فيهم [وناجهم. / وكانت] عظامهم قد تمزقت وتفرقت، فنادى النبي على نبينا وعليه السلام: يا أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل إنسان منهم، ثم نادى: أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم، فاكتست اللحم، وبعد اللحم الجلد. ثم نادى: يا أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن تعودي في أجسادك، فقاموا فكبروا تكبيرة واحدة ". وقال الضحاك: " هم ألوف كثيرة أمروا أن يقاتلوا في سبيل الله ففروا من الجهاد، فأماتهم الله ثم أحياهم، وأمرهم أن يعاودوا الجهاد، ودل على ذلك قوله: {وقاتلوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}. وقيل: كانوا أربعة آلاف من بني إسرائيل عصوا الله، وصرفوا عن
الجهاد، وقالوا: البلاد التي تقصدها بلاد طاعون. فأماتهم الله عقاباً لهم، ثم أحياهم بدعاء نبيهم وتضرعه إليه. وقال السدي: " كانت قرية عند واسط وقع بها الطاعون فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية، وهلك أكثر من بقي في القرية، فلما ارتفع الطاعون/ رجع الهاربون إلى القرية. فقال الذين بقوا من أهل القرية: لو صنعنا مثل ماصنع أصحابنا بقينا ولئن وقع الطاعون مرة أخرى لنخرجن معهم، فوقع من قابل، فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفاً ثم نزلوا بواد أفيح فناداهم ملَك من أسفله، وآخر من أعلاه أن موتوا، فماتوا. فمر بهم نبي، فوقف عليهم، وجعل يفكر في أمرهم، فأوحى الله تعالى إليه: أتريد أن أريك كيف أحييهم؟ قال: نعم، وقيل له: فنادِ فيهم. فنادى: يا أيتها العظام: إن الله يأمركِ أن تجتمعي فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض، فاجتمعت، ثم/ ناداها فاكتست اللحم ثم ناداها فقامت ".
وقد قيل: إن معنى ألوف مؤتلفون. قوله: {وقاتلوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}. قيل: هو أمر مراد للذين أحياهم الله بعد موتهم لأنهم فروا من الجهاد فماتوا. وقيل: هو عام لجميع الخلق. قوله: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فيضاعفه لَهُ} الآية. قال ابن زيد: " هذا في الجهاد يضاعف له بالواحد سبعمائة. ولما نزلت الآية، قالت اليهود: " هو فقير يستقرض "، يُمَوِّهُونَ بذلك على الضعفاء، فأنزل الله: {لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} [آل عمران: 181].
وقال السدي: " هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو؟ ". " وروي أن هذه الآية نزلت في أبي [الدحدح الأنصاري كان من أفاضل الأنصار رحمه/ الله. ولما حض الله المؤمنين على الصدقة، قال: يا رسول الله، ربنا يستقرض منا؟ قال رسول الله [عليه السلام]: نعم، ليعظم بذلك ثوابك، فقال يا رسول الله، والله ما أَمْلِكُ غير حائطي، وقد جعلته لله D وأرضى بثوابه. ثم مضى إلى الحائط وفيه امرأته وصبيانه، فصاح من خارج بامراته: خذي بيد الصبية فاخرجي، فإني سمعت الله يستقرض خلقه ليعظم بذلك ثوابهم فأقرضته حائطي. فقالت له امرأته: لا تقيل ولا تقال، ربح بيعك. وأخذت بيد الصبية، وخرجت والنخيل موقورة رطباً وزهواً. فقال رسول الله A: " كم من غدق مذلل في الجنة لأبي الدحداح ".
وقالت اليهود: " إنما ربنا فقير يستقرض منا، ولم نر غنياً يستقرض من فقير. فأنزل الله، {لَّقَدْ [سَمِعَ الله قَوْلَ] الذين قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} [آل عمران: 181] الآيات. وعن الحسن أنه قال في حديث له طول: " لما نزلت الآية أتى أبو الدحداح النبي A وقال: يا نبي/ الله إني قد أقرضت الله حائطي. فقال له رسول الله A /: أَيُّ أَحَدِهِمَا يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ؟ قال: اختر خيرهما. قال: أَبْشِرْ يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ، فَإِتنَّ اللهَ قَدْ أَضْعَفَ لَكَ ذَلِكَ فِي الجَنَّةِ بِأَلْفِ أَلْفٍ. قال: فمضى أبو الدحداح وأخرج أولاده من الحائط وجعل يخرج التمرة من فم هذا ومن حجر هذا، ومن كم هذا، ويلقيها في الحائط وأنشأ يقول: " يَا أُمَّ دَحْدَاحِ هَدَاكِ الهَادِي ... إِلَى سَبِيلِ الخَيْرِ وَالرَّشَادِ بيني مِنَ الحَائِطِ وَسْطَ الوَادِي ... فَقَدْ مَضَى قَرْضاً إِلَى التَّنَادِ أَقْرَضْتُهُ الهَ عَلَى اعْتِمَادِ ... طَوْعاً بِلاَ مَنٍّ وَلاَ ارْتِدَادِ
إِلاَّ رَجَاءَ الضِّعْفِ فِي الْمَعَادِ ... فَوَرِّطِي الحَائِطَ قَبْلَ الغَادِ وَارْتَجِلي بالْفَقْرِ وَالأَوْلادِ/ ... قَبْلَ تَدَاعِيهِمْ إِلَى الجَدادِ وَاسْتَبْقِي وُفقْتِ لِلرَّشَادِ ... إِنَّ التُّقَى وَالبِرَّ خَيْرُ زَادِ قَدَّمَهُ الْمَرْءُ إِلَى الْمَعَادِ ... " فأجابته أم الدحداح: " بَشَّرَكَ اللهُ بِخَيْرٍ وَفَلاَحْ ... مِثْلُكَ أَجْرَى مَا لَدَيْهِ وَنَصَحْ وَانْتَهَزَ الحَظَّ إِذَا الحَظُّ وَضَحْ ... قَدْ مَتَّعَ اللهُ عِيَالِي مَا صَلَحْ بِالْعَجْوَةِ السَّوْدَاءِ وَالزَهْوِ الْبَلَحْ ... وَاللهُ أوْلَى بِالَّذِي كَانَ مَنَحْ
246
مَعْ عَاجِلِ التَّضْعِيفِ فِيمَا قَدْ شَرَحْ ... وَالمَرء يَسْعَى وَلَهُ مَا قَدْ كَدَحْ طُولَ اللَّيالِي وَعَلَيْهِ مَا أجْتَرَعْ ... " فبلغ ذلك رسول الله A، فقال: " إِنَّ اللهَ قَدْ أَضْعَفَهُ لَهُ فِي الجَنَّةِ بِأَلْفَيْ أَلْفٍ ". ومعنى {يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} - بالصاد - أي يقبض الأرزاق فيضيقها على من يشاء ويبسطها فيوسعها على من يشاء. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. أي إليه مرجعكم في معادكم. قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ مِن بني إِسْرَائِيلَ/ مِن بَعْدِ موسى} الآية. معنى أَلَمْ تَرَ، في جمع القرآن: ألم تعلم، ألم يبلغك خبرهم يا محمد. والملأ هنا أشرف القوم ووجوهم، جمع لا واحد له من لفظه. والنبي، قال
السدي: اسمه سمعون، سمي بذلك لأن الله سمع دعاء أمه وأجابها في أن وهبها إياه فسمته سمعون إذ قد سمع دعاءها. وقال وهب: اسمه إسمويل. وقيل: هو يوشع بن نون، قاله قتادة: وهو أحد الرجلين اللذين أنعم الله عليهما وذلك بعد موت موسى. قال السدي: " كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة/ وكان ملك العمالقة جالوت، فظهرت العمالقة على بني إسرائيل فضربوا عليهم الجزية فسألوا الله أن يبعث إليهم/ نبياً يقاتلون معه. وكان سبط النبوة قد هلك من عندهم، فلم يبق إلا أمرأة حبلى من شيخ من سبط النبوة، فأخذوها وحبسوها في بيت خوفاً أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبتهم في ولد ذكر منها، فجعلت المرأة تدعو الله أن يزرقها غلاماً، فولدت غلاماً، فسمّته سمعون إذ قد سمع الله دعاءها فيه فكبر وتعلم التوراة فأتى جبريل عليه السلام، والغلام نائم إلى جنب الشيخ فدعاه بلحن الشيخ،
فقام الغلام وقال: يا أبتاه، أنت دعوتني؟ فكره الشيخ أن يقول: لا، فيفزع الغلام. فقال با بني، أرجع فننم. فدعاه جبريل الثانية. فأتى الغلام الشيخ فقال: دعوتني؟ فقال له: ارجع فنم، فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني، فلما كان الثالثة ظهر جبريل عليه السلام، فقال له: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك، فإن الله قد بعثك نبياً. فأتاهم فكذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوة، وقالوا: إن كنت صادقاً فابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله آية نبوتك. فقال لهم سمعون: عسى إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا. فقالوا وكيف لا نقاتل، وقد غلب علينا وأخرجنا من ديارنا وأبنائنا ". أي أسر منهم من أسر فأخرج من دياره وأبنائه، وهم في وقت قولهم قد كانوا في ديارهم وأبنائهم، ولكن المعنى: أن من أسر منهم قد فُعِلَ به ذلك، فأُخبروا عن أنفسهم والمراد به بعضهم، فهو عام يراد به الخصوص. فأما قوله: {عَسَيْتُمْ}، فقد ضعف قراءة من كسر السين لأنه يلزم أن يجيز " عَسِيَ أَنْ أَقُومَ "، وذلك لا يقال.
247
قال أبو حاتم، " لا وجه للكسر، ويلزم منه فَعَسِيَ {أَن يَأْتِيَ بالفتح} [المائدة: 52]. وقد حكى أهل اللغة؛ يعقوب وغيره/، " أن الكسر مع المضمر خاصة، لغة ". قال أبو غانم: " هي لغة أهل الحجاز يكسرون مع المضمر خاصة ". قوله: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً}. قال لهم ذلك سمعون بأمر الله له، [فلم يرضوا] به، وكان طالوت هو من سبط ابن يامين بن يعقوب، فقالوا: أنى يكون له الملك علينا، وهو من سبط ابن يامين، ولا ملك فيه. {وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك}. لأنا من سبط يهوذا بن يعقوب. {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المال}: عابوه/ بفقره. قيل: طالوت كان سقاءً وكان دباغاً.
قال وهب بن منبه: " لما سألوا نبيهم أن يبعث الله إليهم ملكاً يقاتلون معه سأل نبي الله في ذلك، فأمره أن ينظر إلى قرن في بيت فيه دهن، فقيل له: هذا الدهن/ إذا نشَّ عند دخول رجل فهو الملك، فَأَدْهِنْ رأسه منه ومَلَّكْهُ عليهم، فأقام النبي ينتظر متى يدخل ذلك الرجل عليه. فخرج طالوت يوماً في طلب دابة له، ومعه/ غلام له فمر ببيت النبي فقال غلام طالوت لطالوت: لو دخلت بنا على هذا النبي فسألناه عن دابتنا ليرشدنا إليها، ويدعو لنا بخير، فدخلا عليه، فبينما هما عنده يذكران شأن دابتهما ويسألانه الدعاء، إذ نش الدهن الذي في القرن، فأخذه النبي وقال لطالوت: قَرِّبَ رأسك فَدَهِّنْهُ من الدهن، [ثم قال] له: أنت ملِك بني إسرائيل. فشاع الأمر في بني إسرائيل [وأتت] عظماء بني إسرائيل لنبيهم وقالوا: ما لطالوت يُمَلَّك علينا ونحن أحق بالملك منه لأنك قد علمت أن الملك والنبوة في آل لاوي وآل يهوذا فقال لهم: {إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ}: أي اختاره وزاده بسطة في العلم والجسم ".
وقال السدي: " لما سألوه ملكاً يقاتلون معه أتاهم بعصا، وقال: إن صاحبكم طوله طول هذه العصا، فقاسوا أنفسهم بها، فلم يكونوا مثلها، فقال لهم: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا ما كنت قط أكذب منك الساعة ". قال ابن عباس: " كان من بني إسرائيل سبط نبوة وسبط خلافة، ولم يكن طالوت من أحد السبطين، فلذلك قالوا: {أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا} أي من أين له ذلك؟، وليس هو [من أحد] السبطين {وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ}، لأنا من أحد السبطين ". وقال غيره: " [كان طالوت من سبط قد أتوا] ذنباً فنزع منهم الملك، فلذلك أنكروا أن يكون ملكاً إذ هو من سبط قد أتوا ذنباً، ونزع منهم الملك ". قال وهب بن منبه: " كان طالوت يطول بني إسرائيل من منكبيه إلى فوق؛
248
يزيد ذلك على أطولهم ". قوله: {والله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ}. أي: يضعه حيث يشاء. {والله وَاسِعٌ}. أي: يوسع من فضله على من يشاء. {عَلِيمٌ} بمن هو أحق بالمملكة، وبما فيه حسن العاقبة وهذه الآية تدل على جواز إقامة المفضول لأن نبيهم كان أفضل من طالوت فقد قدم المفضول على الفاضل. قوله: {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} الآية. دلت هذه الآية على أن في الكلام حذفاً واختصاراً كأنهم قالوا: ما آية ملكه وما علامته؟ فقال: آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة. وهذا التابوت كان عندهم من عهد موسى A وهارون/، فسلبهم إياه ملوك من أهل الكفر، فجعل الله رده عليهم آية لملك طالوت.
قال ذلك/ قتادة والربيع، قالا: " كان التابوت في البرية، وكان موسى A / خلفه عند فتاة يوشع بن نون، فحملته الملائكة حتى وضعته في دار طالوت. وقال أهل التفسير: كان بنو إسرائيل ينبهون بالتابوت ويستنصرون به على الأعداء، ويقدمونه أمامه إذا قاتلوا أهل الكفر. فلما عصوا الله D وخالفوا أنبياءه، أظهر الله عليهم أهل الكفر، فسلبوهم التابوت وجعلوه في مخرأة عناداً وتصغيراً له. فلما تقذر الموضع الذي هو فيه، ابتلاهم الله بالواسير، فضاقوا بها ذرعاً وعلموا السبب الذي من أجله ابتلوا بها، فأجمع رأيهم على أخراج التابوت، فأخرجوه وجعلوه على بقرة ذات لبت، فحملته الملائكة حتى وضعته بين بين إسرائيل، فرضوا بطالوت ملكاً. وكان لهم في هذا التابوت آية عظيمة كانوا يهزمون به العدو ويظهرون به على الكفار. فقالوا: إن جاءنا التابوت آمنا وسلمنا، وكان العدو الذين أخذوه أسفل
الجبل - جبل إيلياء عبدة أوثان - وكان ملكهم/ جالوت، وكان طالوت قد أعطاه الله شجاعة وقوة وشدة وبطشاً، وكان الكفار قد جعلو التابوت في كنيسة لهم فيها أصنام، فكانت الأصنام تصبح مكنسة رؤوسها، وبعث الله D على أهل تلك القرية فأراً يبيت الرجل الفأرة فيصبح ميتاً قد أكلت ما جوفه، فاستشأموا بالتابوت، وقالوا: هذا بلاء قد أصابكم مذ كان هذا التابوت بين أظهركم، قد رأيت أصنامكم تصبح كل غداة منكسة،، ولم تكن تصنع هذا إلا مذ كان التابوت معها فأخرجوه من بين أظهركم. فدعوا بعجلة فحلموا التابوت عليها ثم علقوها بثورين ثم ضربوا على جنوبها. فمرت الملائكة تسوق الثورين حتى وقفوا على بني إسرائيل فكبروا، وحمدوا الله وجدوا في الحرب ". وقال ابن عباس: " لم يبق من الألواح إلا سدسها، وكانت العمالقة
أخذت التابوت وهم فرقة من عاد، فحملت/ الملائكة التابوت بين السماء والأرض وهم ينظرون حتى وضعته عند طالوت، فسلموا له الأمر وملكوه. وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالاً قدموا بين أيديهم التباوت ". قال ابن عباس: " بلغني أن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة ". قال وهب: " كان نحو ثلاثة أذرع في ذراعين ". / قوله: {فِيهِ سَكِينَةٌ}. قيل: هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان. قال ذلك على بين أبي طالب. وروي عنه أنه قال: " هي ريح خجوج ولها رأسان ".
وقال مجاهد: "السكينة لها رأس كرأس الهر، وجناحان وذنباً كذنب الهر ". وقال السدي: " هي طست من ذهب من الجنة تغسل فيه قلوب الأنبياء، وفيها رضاض الألواح. وكانت الألواح من درر وياقوت وزبرجد ". وروي عن وهب بن منبه " أن السكينة روح/ من الله يتكلم، إذا اختلفوا في شيء، بين لهم ما يريدون ". وقال ابن جريج: " سألت عطاء عن السكينة فقال: هي ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها ". وقال الربيع: " السكينة الرحمة ". وقال قتادة: " السكينة الوقار ". وروى الضحاك عن ابن عباس أن السكينة دابة مثل الهرّ
لعينيها إشعاع، فإذا التقى الجمعان أخرجت يديها ونظرت إليهم، فنهزم ذلك الجيش من الرعب. وقال بعض بني إسرائيل من علمائهم: " السكينة رأس هرة ميتة كانت إذ صرخت في التابوت صراخ الهر، أيقنوا بالنصر ". واختار الطبري أن تكون السكينة ما يسكنوه إليه من الآيات، وهو قول عطاء، وكل ما ذكرنا من الأقوال فهي آيات تسكن إليها النفوس، فهي داخلة تحت هذا القول. وقوله: {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ موسى}. قيل: هي عصا موسى، ورضاض الألواح لأن موسى A حين ألقى
الألواح تكسرت، فوقع منها رضاض، فجعل في التابوت. قاله عكرمة وقتادة والسدي. وروي عن ابن عباس. وقال مقاتل: " البقية رضاض الألواح، وصر في طست من ذهب وعمامة موسى وعصاه ". وعن السدي أنه قال: " هي التوراة ورضاض الألواح والعصا ". وقال أبو صالح: " هي لوحان من التوراة وثياب موسى وهارون صلى الله عليهما وسلم وعصاهما وكلمة الفرج، لا إله إلا الله الحليم الكريم، وسبحان الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين ". وقيل: هي عصا موسى وعصا هارون ورضاض الألواح. قاله أبو صالح وعطية بن سعد.
وقال الثوري: " هي العصا والنعلان ". وقيل: " هي العصا وحدها. وقال القتبي: " هو من المَنِّ الذي كان ينزل عليهم ورضاض الألواح. قوله: {تَحْمِلُهُ الملائكة}. قيل: حملته إليهم عياناً حتى وضعته بين أظهرهم. وقيل: حملته حتى وضعته في دار طالوت. وقيل: حمل إليه التابوت بأمر الملائكة، كما تقول: " حَمَلَ السلطان الأمير إلى بلد كذا "، وإنما/ أمر بحمله ولم يحمله هو/ بنفسه، فلما وصل إليهم التابوت أقروا غير راضين، وخرجوا للقتال ساخطين. قال ابن زيد. وقيل: معنى {تَحْمِلُهُ} تسوقه علجة تجرها بقر. وقد ذكرنا ذلك.
249
ومعنى {إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ}. إن كنتم تصدقون إذا جاء التابوت، ولم يكونوا مؤمنين قبل مجيء التابوت لأنهم كذبوا بنبيهم/ فيما قال لهم وسألوه أن يبين صدقه بآية. قوله: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} الآية. أي مختبركم، وذلك أنهم شكوا إلى طالوت قلة المياه بينهم وبين العدو [وكان قد أخرجوا] في ثمانين ألفاً، ولم تخلف منهم إلا ذو عذر. والنهر بن الأردن وفلسطين، امتحنهم الله به على عطش كانوا فيه. فقال: " من شرب منه فليس مني:، أي ليس من أهل ولايتي ". {إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ} سمح الله لهم في الغرفة. / {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ}، أي من تركه، ولم يشرب منه فهو مني. فلما جاوزوا النهر شربه أكثرهم، ولم يقنعوا بغرفة، فكان من شرب عطش، ومن اغترف غرفة روى. وجعل الكفار منهم يشربون فلا يروون، والمؤمن يغترف
بيده فترويه. فعبر معه منهم أربعة آلاف، وهم الذين اغترفوا، ورجع ستة وسبعون ألفاً "، وهم الذين شربوا. وقال ابن زيد: " قال طالوت حين فصل، لا يصحبني إلا من نية في الجهاد، فلم يتخلف عنه مؤمن، ولم يصحبه منافق رجعوا كفاراً، وأخذ من بقي منهم غرفة، ومنهم من لم يمسه ". وكان البراء يقول: " إن أصحاب النبي عليه السلام يوم بدر، على عدة من جاز مع طالوت النهر، وذلك ثلاثمائة وبضعة عشر ". وقال السدي: " عبر/ النهر معه أربعة ألاف، ورجع ستة وسبعون ألفاً، فلما نظروا إلى جالوت وجنوده، قال المنافقون منهم: {لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ}، فرجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون، وخلص طالوت في ثلاثمائة وبضعة عشر، - عدة أهل بدر -، وهم الذين قالوا: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله}.
ومعنى {يَظُنُّونَ} يوقنون، ويجوز أن يكون " يشكون " أي يشكون هل يقتلون [في تلك الغزاة، أو يسلمون، ليس هو شك في البعث. قال أكثر المفسرين: واختبرهم الله بالنهر، وامتحنهم/ بالعطش الشديد فشربوا إلا قليلاً منهم اغترفوا ولم يكثروا وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر وكان جالوت في مائة ألف. قوله: {والله مَعَ الصابرين} أي إذا صبروا في طاعته. وذكر ابن وهب أن ابن عباس قال لكعب: أخبرني عن ست آيات في القرآن لم أكن علمتهن، ولا تخبرني عنهم إلا بما تجد في كتاب الله المنزل: ما سجين؟ [المطففين: 8] وما عليين؟ [المطففين: 18] وما سدرة المنتهى؟ [النجم: 14]، وما جنة المأوى؟ [النجم: 15] وما بال أصحاب الرس ذكرهم الله في الكتاب؟ [ق: 12]
وما بال طالوت رغب عنه قومه؟، وما بال إدريس ذكره الله فقال {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} [مريم: 57]. قال كعب: " والذي نفسي بيده لا أخبرك عنهن إلا بما أجد في كتاب الله المنزل. أما " سجين "، فإنها صخرة سوداء تحت الأرضين السبع مكتوب فيها اسم كل شيطان. فإذا فبضت نفس الكافر، عرج بها إلى السماء، فغلقت أبواب السماء دونها ثم رمي بها إلى سجين فذلك سجين. وأما " عليون "، فإنه إذا قبضت نفس المسلم عرج بها إلى السماء، وفتحت لها أبواب السماء، حتى تنتهي إلى العرش، فتخرج كف من العرش فتكتب له: نزله وكرامته فذلك " عليون ". وأما سدة المنتهى، فإنها سدرة عن يمين العرش، انتهى إليها علم العلماء فلا يعلم العلماء ما وراء تلك السدرة. وأما " جنة المأوى "، فإنها جنة تأوي إليها أرواح المؤمنين. وأما " أصحاب الرسّ "، فإنهم كانوا قوماً مؤمنين يعبدون الله في ملك جبار لا يعبد الله فخيرهم أن يكفروا أو يقتلهم، فاختاروا/ القتل على الكفر، فقتلهم ثم
250
رمى بهم في قليب فلذلك سموا اصحاب الرس ". وأما " طالوت "، فإنه كان من غير السبط الذي الملك فيه فلذلك رغب عنه قومه. وأما " إدريس "، فإنه كان يعرج بعمله إلى السماء، فيعدل عمله على جميع أهل الأرض، فاستأذن فيه ملك من الملائكة أن يؤاخيه فأذن الله له أن يؤاخيه. . الحديث " وهو مذكور في مريم بتمامه والله المستعان. / قوله: {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} الآية. أي أنزل علينا الصبر لقتالهم وانصرها عليهم. قوله: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ الله وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ الله الملك}. أي أتى داود، وذلك أن جالوت برز وقال: من يبرز فيقتلني، فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم، فأتى بداود إلى طالوت، فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته، وأن يحكمه في ماله فألبسه/ طالوت سلاحاً، فكره داود أن يقاتله بسلاح، وقال: إن الله إن لم ينصرني عليه، فلا تغني السلاح شيئاً، فخرج بالمقلاع ومخلاة فيها أحجار، ثم
برز إليه. فقال له جالوت: أنت تقاتلني؟ فقال داود: نعم. فقال جالوت: ويحك ما خرجت/ إلا كما يخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة، لأُبَدِّدَنَّ لحمك ولأطعمنك اليوم الطير والسباع ". فقال له داود: " بل أنت عدو الله شر من الكلب ". فأخذ داود حجراً فرماه بالمقلاغ، فأصاب بين عينيه حتى نفذ في دماغه، وصرع جالوت وانهز من معه، وأخذ رأسه. ورجع الناس إلى طالوت، فادَّعَوْا قتل جالوت، فأتى بعضهم بسيف وبضعهم بشيء من جسده، والرأس مع داود. فقال طالوت: " من جاء بالرأس فهو الذي قتله. فجاء داود به، وطالب طالوت بما وعده. فندم طالوت على ما جرى بينهما من الشرط، فقال طالوت: إن بنات الملوك لا بد لهن من صداق وأنت رجل جريء شجاع، فاجعل صداقها ثلاثمائة غلفة من أعدائنا - يرجو بذلك أن يتقل داود -: فغزا معه داود، وأسر ثلاثمائة وقطع غلفهم وجاء بها، فلم يجد بداً من تزويجه وأدركته الندامة، فأراد قتل داود حتى
هرب منه إلى الجبل، وحاضره طالوت، فلما كان ذات ليلة تسلط عليهم النوم فنزل داود/ فأخذق إبريق طالوت الذي كان يشرب فيه، وقطع شعرات من لحيته وشيئاً من هدبة ثيابته ورجع إلى كانه، وناداه: أن تعهد حرسك، فإني لو شئت قتلتك البارحة، وهذا إبريقكم وشيء من شعر لحيتك، وشيء من هذبة ثيابك، وبعث به إليه. فعلم طالوت أنه لو شاء قتله، فعطفه ذلك عليه فأمنه وعاهده ألا يرى بأساً ثم انصرف ". قال ابن إسحاق: " إن داود كان له أربعة إخوة خرجوا مع طالوت، وبقي داود في الغنم يرعاها لهم، وكان أصغرهم، فأمره أبوهأن يحمل إليهم زاداً ويرجع، وفخرج داود ومعه زاد إخوته ومخلاته فيها حجارة، ومقلاعه الذي يرمي به فمر بحجر فناداه يا داود، خذني فاجعلني في مخلاتك/ تقتل بي جالوت، فإني حجر يقعوب، فأخذه [وجعله] في مخلاته ومضى فناداه حجر أخر مثل ذلك، وقال: أنا حجر إسحاق، فأخذه ومضى، فنادي ثالث مثل ذلك، وقال: أنا حجر إبراهيم فأخذه/ ووصل إلى الوقوم فدفع إليهم أزودتهم، فسمع داود خوض الناس في العسكر وتعظيمهم لأمر
جالوت فقال لههم: " إنكم لتعظمون من أمره، والله لو أراد الملك لقتلته فأدخلوني على الملك طالوت. / فأدخل عليه فقال: أيها الملك، إني أراكم تعظمون أمر هذا العدو ووا لله لو أردته لقتلته. فقال له طالوت: يا فتى، ما عندك من القوة على ذلك، وفيمن جربت نفسك؟ قال داود: قد كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي فأدركه وآخذ برأسه فأفك لحييه عنها، فآخذها من فيه، فادع لي بدرعك حتى ألبسها، فدعا بالدرع فلبسها. فلما أصبحوا رجعوا إلى جالوت فلما التقى الناس، قال داود: أروني جالوت. فأروه إياه على فرس، فلما رآه جعلت الأحجار الثلاثة تتواثب في مخلاته [ويقول] هذا: خذني، وهذا خذني. فأخذ أحدها وجعله في مقلاعه، ثم أرسله فصك به بين عينيه، ورفعه، وتنكس عن دابته فقتله. وانهزم وقال الناس: قتل داود جالوت، وخلع طالوت حتى لم/ يسمع له ذلك ". {وَآتَاهُ الله الملك والحكمة}. أي داود. والحكمة: النبوة.
قوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} الآية. أي بدفع أهل الطاعة عن أهل المعصية، وبالبر عن الفاجر. {لَفَسَدَتِ الأرض}. أي بهلاك أهلها. وروى ان عمر عن النبي [عليه السلام] أنه قال: " إِنَّ الله لَيَدْفَعُ بِالمُسْلِمِ الصَّالِحِ عَنْ مَائَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِهِ الْبَلاَءَ " ثم قرأ ابن عمر {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض}. وعن جابر بن عبد الله، قال: قال [النبي عليه السلام]: " إِنَّ اللهَ لَيُصْلِحُ بِصَلاَحِ المُسْلِمِ وَلَدَهُ، وَوَلَدَ وَلَدِهِ، وَأَهْلَ دُوَيْرَتِهِ وَدُوَيْرَاتِ جِيرَانِهِ. وَلاَ يَزَالُونَ فِي حِفْظٍ مَا دَامَ فِيهِم ".
252
وأكثر أهل التفسير على أن المعنى: لولا أن الله يدفع بمن يصلي عن من لا يصلي، وبمن يتقي عن من لا يتقي لأهلك الناس بذنوبهم. وقيل المعنى: لولا أن الله أمر بحرب الكفار، لكان إفسادهم في الأرض أكثر، ولولا أمره في الحرب لَعُمِلَ بالكفر، فيهلك الناس بذنوبهم. قوله: {تِلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق}. أي هذه آيات الله، أي علاماته تتلى عليك يا محمد. {وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين}. أي ما تلي عليك من إماتة من ذكر وإحيائه، وبعث طالوت ملكاً وقتل داود جالوت، وشبه ذلك مما تقدم من الآيات/ التي لا يخبر بمثلها إلا نبي، وإنك إذ جئتهم بهذه الآيات والحجج وأنت أمي لا تقرأ الكتاب لمن المرسلين إذ لا يأتي بهذه الآيات المعجزات إلا مرسل. قوله: {تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا/ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ}.
" تلك " إشارة إلى ما تقدم ذكره من الرسل: موسى وإبراهيم ويعقوب وإسماعيل وإسحاق وداود ممن تضمنه ما تقدم. قال أبو العزم " {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله} هو موسى، ورفع بعضهم درجات: هو محمد A أرسله إلى الناس كافة، وكلمته الشجرة، وأنشق له القمر وأطعم الخلق الكثير ومن اليسير من الطعام في أشباه لهذا لا تحصى، رفع الله بها درجة محمد صلى الله عليه [وسلم]. وروى أبو موسى الاشعري أن النبي A قال: " أُعْطِيتُ خَمْساً/ لَمْ يُعْطَهُنَّ [أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي: بُعِثْتُ إِلَى الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِل لِنَبيٍّ كَانَ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَة، وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ قَدْ سَأَلَ الشَّفَاعَةَ وَإِنِّي أَخَّرْتُ شَفَاعَتِي فَجَعَلْتُهَا لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ".
قوله: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات}. أي أعطيناه الحجج والدالة على نبوته، وهي: إبراء الأكمة، وأحياء الموتى ونفخه في الط ين فيكو طائراً، وشبه ذلك. {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس}. أي قويناه بجبريل، وقد تقدم الاختلاف في روح القدس. وهو جبريل عند الضحاك وغيره. قوله: {وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم}. أي من بعد الرسل. وقال قتادة: " من بعد [عيسى وموسى صلى الله على محمد وعليهما [وسلم خاصة. " وهو قول الربيع. {وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا}.
254
أي لحجزهم عن القتال ومنعهم منه. {ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}. أي يوقفق من يشاء فيطيع، ويخذل من يشاء فيعصي. قوله: {يا أيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِمَّا رزقناكم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ}. أي يأتي يوم هذه صفته، أنه لا بيع يه ولا خلة ولا شفاعة. أي يأتون يوم هذه صفته. وعني بالنفقة هنا الزكاة [و] التطوع. أمرهم تعالى أن يدخروا لأنفسهم من ذلك من قبل أن يأتي يوم صفته أنه {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ}: أي لاتباع [فيه] الأعمال فلا كسب {وَلاَ خُلَّةٌ}: أي لا صداقة. {وَلاَ شَفَاعَةٌ}: أي لا شفاعة للكافرين.
255
فالآية عامة، أي لا صداقة ولا شفاعة للكافرين. فالآية عامة الظاهر خاصة، قد بينت أنها خاصة/ للكافر السنة. ويجوز أن يكون/ المعنى: ولا شفاعة إلا بإذن الله بدليل قوله بعد هذا: {مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]. وقوله تعالى: {وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23]. وفي القرآن جواز الشفاعة لمن شاء الله لأنه قد قال: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى} [الأنبياء: 28]، وقال D: { مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}. فهذا كثير يدل على جواز الشفاعة يوم القيامة/ ممن شاء الله عزو جل ولمن شاء الله سبحانه فالآية مخصوصة [في الكفار]، لا شفاعة لهم ولا فيهم. قوله: {والكافرون هُمُ الظالمون}. كما تقدم في أول الآية/، ذكر صنفين كافرين ومؤمنين في قوله: {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ}. صرف آخر الآية إلى الكفار بعد أن خص ذكر أهل الإيمان في وسط الآية بما ذكر تعالى. قوله: {الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم} الآية. أجاز النحاس: لا إله إلا إياه على الاستثناء.
وروي عن أبي ذر أنه سأل النبي [عليه السلام] فقال له: أي ما أنزل عليك من القرآن أعظم "، فقال النبي A: { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم} ". وقال ابن عباس: " أشرف آية في القرآن الكرسي ". نبه الله تعالى ذكره عباده بهذه الآية ألا يعبد غيره، وأن يحذر مما وقع فيه من تقدم ذكره، في قوله: {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ} واختلفوا فاقتتلوا وشبهه. وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب أنه قال: قال رسول الله A: " مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِي إِذَا نَامَ، لَمْ يَزَلْ فِي أَمَانِ الله حَتَّى يَنْتَبِهَ. وَمَنْ قَرَأَهَا إِذَا انْتَبَهَ، لَمْ يَزَلْ فِي أَمَانِ الله حَتَّى يَعُودَ، وَمَنْ قَرَأَهَا إِذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ لَمْ يَزَلْ فِي أَمَانِ اللهِ D حَتَّى يَعُودَ. وَمَنَ قَرَأَهَا عِنْدَ حِجَامَةٍ كَانَتْ لَهُ مَنْفَعَتَانِ: مَنْفَعَةٌ لِلْحِجَامَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَمَنْفَعَةٌ لِلْحِجَامَةِ
الَّتِي تَكُونُ بَعْدَهَا. وَمَنْ قَرَأَهَا كُلِّ صَلاَةٍ، أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ ". وروى أبو هريرة أن النبي [عليه السلام] قال: " لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامٌ، وَسَنَامُ القُرْآنِ سُورَةُ البَقَرَةِ، مِنْهَا آيَةٌ لاَ تُقْرَأُ فِي بَيْتٍ فِيهِ شَيْطَانٌ إِلاَّ خَرَجَ مِنْهُ، وَهِيَ آيَةُ الكُرْسِي ". وقوله: {الحي القيوم}. الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا يزول. وقيل: بل هو اسم من أسمائه تسمى به، فقلناه تسليماً لأمره. وقوله: {القيوم}. قال ابن عباس: " معناه: الذي لا يزول ". وقال مجاهد: " معناه القائم على كل شيء ".
وهو " فَيْعُولٌ " من " قَامَ "، ولا يحسن أن يكون " فَعُولاً " لأنه يلزم منه أن يقال: " قَوُومٌ ". وقال ابن كيسان: " ليس في كلام العرب، فعول من الواو ". وروي عن عمر أنه/ قرأ " الْقَيَّامُ " ووزنه " فَيْعَالٌ " من " قَامَ ". وقرأ علقمة " الْقَيِّمُ "، ووزنه عند البصريين " فعيل "، ثم أدغم فكان أصله قيوماً، وأصل عند الكوفيين " قويم " مثل فعيل، ويلزمهم ألا يعل كما لم يعل " طويل " وشبهه. وصفات/ الله مطلقة في غاية الكمال والتمام، لا يجوز عليها حوالة ولا تغيير، بخلاف صفات المخلوقين. قوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ}. أي نعاس. قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وغيرهم. ولا نوم فيستثقل. وأصل " سنة " وسنة، كزنة وعدة.
قال السدي: " السنة ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان ". وقال الربيع: " السنة هو الذي كون به الإنسان بين النائم واليقظان، وهو الوسنان، والنوم الاستثقال ". نفى الله تعالى عن نفسه الآفات التي تدخل على المخلوقين، فتذهب حسهم تعالى عن ذلك. وقد روى أبو هريرة أن النبي A قال: " وَقَعَ نَفْسِ مُوسَى A: هَلْ يَنَامُ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ؟ فأَرَسَلَ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكاً فأَرَّقَهُ ثَلاَثاً ثُمَّ أَعْطَاهُ قَرُورَتَيْنِ، فِي كُلِّ يَدٍ قَارُورَةٌ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ بِهِمَا. فَجَعَلَ يَنَامُ وَتَكَادُ يَدَاهُ/ تَلْتَقِيَانِ ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا عَنْ الأُخْرَى، حَتَّى نَامَ نَوْمَهُ فَاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ فَانْكَسَرَتْ القَارُورَتَانِ، فَجَعَلَ اللهَ لَهُ ذَلِكَ مَثَلاً "، أي أن الله لو كان ينام لم تمتسك السموات والأرضون
كما لم تمتسك القارورتان في يدي موسى عليه السلام. قوله: {مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}. أي من يشفع لمن أراد الله عقوبته إلا بأمره لهم بالشفاعة. وهذا دليل على جواز الشفاعة بإذنه لمن شاء من رسله وأوليائه. وقيل: معناه: من ذا الذي يذكر الله بقلبه حتى يأذن له، لا إله إلا هو. قوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}. قال ابن جريج: " يعلم ما مضى أمامهم من الدنيا {وَمَا خَلْفَهُمْ} ما يكون بعدهم من أمر الدنيا والآخرة ". وهذا يدل على/ قدم علم الله تعالى، وأنه لم يزل/ عالماً ولا يزال. {إِلاَّ بِمَا شَآءَ}. ما شاء هو أن يعلمه. قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض}. قال ابن جبير عن ابن عباس: " كرسيه: علمه "، ودل على ذلك قوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا}. قال أبو هريرة: " الكرسي بين يدي العرش ".
قال مجاهد: " ما السموات والأرض في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة ". قال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي بين يدي العرش وهو موضع قدميه ". قال ابن زيد: " حدثني أبي، قال: قال رسول الله A /: " مَا السَّمَوات السَّبْع فِي الكُرْسِيِّ إِلاَّ كدرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ ". وقال أبو ذر: سمعت النبي [عليه السلام] يقول: " مَا الْكُرْسِيُّ فِي العَرْشِ إِلاَّ كَحَلَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ ". وروى ليث عن مجاهد أنه قال: " ما السموات والأرض في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة ". وروى الأعمش عن مجاهد أنه قال: " مثل السموات تحت الكرسي كحلقة ملقاة في الفلاة ". وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: " الكرسي الذي وسع السموات والأرض موضعه من العرض موضعه من السرير، ولا يقدر قدر العرش إلا
الذي خلقه ". وقال الحسن: " الكرسي هو العرش نفسه ". وقال الضحاك: " كرسيه الذي يوضع تحت العرش ". وقيل: " كرسيه: قدرته ". اختار الطبري أن يكون علمه لقوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا}، ولقوله: {وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} [غافر: 7]. وفيه لغتان: ضم الكاف وكسرها. قوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ}. أي لا يثقله ولا يشق عليه. يقال: ما آدَكَ هو لي آئِدٌ ". وقال القتبي:: يقال: آدَاهُ يَؤُودُهُ، [وَأَدَهُ] يئده، والوأد الثقل ". والهاء في
{يَؤُودُهُ} لله جل ذكره. وقال أبو إسحاق: " يجوز أن تكون للكرسي ". وقوله: {حِفْظُهُمَا}. أي حفظ السموات والأرض. {وَهُوَ العلي}. أي ذو الارتفاع عن شبه خلقه بقدرته. {العظيم}. أي لاشيء أعظم منه جلالة وهيبة وسلطانا. ولا يحسن أن يكون بمعنى العلو في المسافة والارتفاع من مكان إلى مكان تعالى الله عن ذلك - إنما هو علو قدرة وجلالة وهيبة وسلطان، لا علو ارتفاع من مكان إلى مكان، ليس كمثله شيء. لا يجوز عليه الحركة ولا الانتقال ولا التغير من حال إلى حال، فافهمه. وقيل: معنى {العلي}: العلي عن النظراء والأشباه، لا علو مكان. وقيل: إن {العظيم} هنا بمعنى المعظم، الذي يعظمه خلقه لم يزل على ذلك. ولا يحسن أن يتأول أن تعظيمه محدث. / بل لم يزل معظماً قبل كون الخلق كما
256
لم يزل قادراً وعالماً قبل كون المعلوم والمقدور، ولا يزال معظماً بعد فناء الخلق. وقد طعن/ في هذا القول. وقيل: يلزم ألا يكون معظماً قبل الخلق ولا بعدهم، إلا معظم له. فالجواب عن ذلك ما ذكرنا أنه لم يزل ولا يزال كذلك كالعلم والقدرة وشبههما. تقول العرب: " هذه خمر عتيقة "، بمعنى معتقة. وقيل: معنى " العظيم ": أن له عظمة هي صفة له/ لا تكيف. قوله: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي}. أكثر الناس على أن هذه الآية مخصوصة نزلت في أهل الكتاب ألا يكرهوا على الدين، إذا أدوا الجزية. فأما أهل الأوثان فلا تؤخذ منه الجزية ويكرهون على الدين. قاله ابن عباس؛ قال: " كانت المرأة تجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تُهَوِّدَهُ، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: لا ندع
أبناءنا، فأنزل الله: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين} الآية، فمن شاء لحق، ومن شاء لم يلحق ". وقد قيل: إن الآية منسوخة منسخها: {يا أيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين} [التوبة: 73]. وأكثر الناس على أن هذه الآية نزلت في غير عبدة الأوثان، ومن [لاكتاب له]، ومن لا يؤدي الجزية من أهل الكتاب. والألف واللام في " الدِّين " عوض من ضمير يعود على الله. والمعنى: " وهو العلي العظيم لا إكراه في دينه ". وقيل: هما للتعريف. والدين: الإسلام. قوله: {قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي}. قرأ أبو عبد الرحمن " الرَّشَدَ " بفتحتين، وهما لغتان، كالبُخْل والبَخَل والشُّغْل والشَّغَل والسُّقْم والسَّقَم والعُدْم والعَدَم/ والعُرْب والعَرَب، والعُجْم والعَجَم، والسُّخْط والسَّخَط، والحُزْن والحَزَن، والوُلْد والوَلَد.
والرشد إصابة الحق، والغي ضده. وهو مصدر غَوِيَ يَغْوِ غَيّاً، وأصله " غَوْياً ". وبعضهم يقول: غَوَى، يَغْوى بالفتح فيهما. وقال بعضهم: غَوَى يَغْوِ/ إذا عدا الحق فضل، فمعناه: استبان الإيمان من الكفر. قوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت} أي بالشيطان، والجبت: السحر. وقيل: الكاهن. وقال مجاهد في قوله {يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت} [النساء: 60]، هو كعب بن الأشرف، وهو مشتق من " طغى " مقلوب وأصله طَغَوُوتٌ مثل جَبَرُتٌ. وقيل أصله طَيَغُوتٌ لأنه يقال: طَغَوْتُ وَطَغَيْتُ. وقيل: هو في معنى الطغيان وليس بمشتق منه، إنما يؤدي عن معناه، كما
قيل: رجل لآلٌ من اللؤلو، يؤدي عن معناه، وليس بمشتق منه. قوله: {بالعروة الوثقى}. أي تمسك بأويثق ما يستوثق به ويتمسك به. وقيل: الجبت والطاغوت كل ما يعبد من دون الله. قال سيبويه: " الطاغوت واحد مؤنث يقع على الجميع ". وقال المبرد: " هو جماعة "، ويريد الشياطين. وقال أنس: " العروة الوثقى: القرآن ". ذكره عنه ابن أبي شيبة. / وقيل: العروة الوثقى: العهد الوثيق. وقال ابن عباس: " العروة الوثقى: لا إله إلا الله. قوله: {لاَ انفصام لَهَا}. أي لا انكسار لها. وقال/ السدي: " لا انقطاع لها ".
257
{والله سَمِيعٌ}. أي يسمع إيمان المؤمن وكفر الكافر. {عَلِيمٌ}. أي عليم بمن وافق قلبه في الإيمان لسانه وأخلص في قوله. قوله: {الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ}. أي يتولاهم بتوفيقه فيخلصون ويثبتون على الإيمان ويعينهم على عدوهم ويتولى ثوابهم. قوله: {مِّنَ الظلمات إِلَى النور}. أي: من الكفر إلى الإيمان. نزلت هذه الآية في قوم كانوا قد كفروا بعيسى فلما جاءهم محمد A آمنوا به، فكانوا في ظلمة ثم صاروا في نور، وهم العرب وعبدة الأوثان والجاهلية، كلهم من آمن منهم، وكان قوم آخرون آمنوا بعيسى فكانوا في نور، فلما جاءهم محمد كفروا به فصاروا في ظلمة وهم النصارى. روى ذلك عن ابن عباس ومجاهد. قوله: {أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت}. أي الشياطين. وهذا مما يدل على أن الطاغوت جمع.
258
قوله: {يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النور إِلَى الظلمات}. أي من الإيمان إلى الكفر، وهم الذين كفروا بمحمد A يعني قريشاً وكفار العرب. وقيل: هم اليهود. وقيل: هم النصارى كانوا مؤمنين بعيسى صلى الله على محمد وعليه وسلم. هذا قول مجاهد وغيره. وإنما مثل الكفر بالظلمة، لأن الظلمة تحجب البصر عن إدراك الأشياء، كذلك الكفر يحجب القلب عن إدراك الحقائق، حقائ الإيمان. {أولئك أَصْحَابُ النار}. هو إشارة إلى الكفر. قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ}. ألِف {أَلَمْ} ألِف توقيف لفظها. لفظ الاستفهام، وفيها معنى التعجب والتنبيه على ما يتعجب منه. والهاء في {رَبِّهِ} تعود على {الذي}، أو على إبراهيم A. ومعنى: ألم تعلم، ألم تر بقلبك يا محمد.
قوله: {أَنْ آتَاهُ الله الملك}. الهاء تعود على [الكافر الملك] وعليه أكثر الناس. وقيل: هي تعود على إبراهيم A. / والذي حاج إبراهيم هو نمروذ بن كنعان بن كوشب بن سا بن نوح. قاله مجاهد. قال قتادة: " نمروذ، صاحب الصرح، وهو أول من تجبر في الأرض ببابل ". أخبر الله D نبيه A بهذه القصص ليكون ذلك عبرة وتعجباً مما كان، وليكون حجة على أهل الكتاب ومشركي العرب لأنه نبأ لا يعلمه إلا من قرأ الكتب ودرسها، أو من يوحى إليه، فلما لم يكن محمد عليه السلام عندهم/ ممن
يقرأ [الكتاب فينقل منهان وجب أن يكون ذلك] بوحي، فيجب قبول قوله، والإيمان به ضرورة لمن وفق. قال مجاهد: " نمروذ، هو أحد الأربعة الذين ملكوا الأرض كلها: كافرَيْن ومؤمنَيْن، فالمؤمنان: سليمان بن داود A، وذو القرنين عليه السلام. والكافران: نمروذ، وبخت نصر البابلي ". قوله: {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ}. أي حين قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت: أي يملك ذلك ولا يملكه أحد غيره، قال نمروذ: " أنا أحيي وأميت، أستحيي من أردت قتله وأقتل آخر ". قال له إبراهيم: " فإن الله يأت بالشمس من مشرقها، فأت بها/ إن كنت صادقاً من مغربها ".
قال الله: {فَبُهِتَ الذي كَفَرَ}. أي الكافر، أي انقطع وعجز عن الجواب. وقرىء: " فَبَهَتَ الَّذِي كَفَرَ " أي فبهتَ إبراهيمُ الكافرَ ف " الذي " في موضع نصب، على هذه القراءة. قال قتادة: " دعا نمروذ/ برجلين فقتل أحدهما واستحيى الآخر، وقال: أنا أحيي وأميت. فقال له إبراهيم: " فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب. / فبهت الذي كفر " فلم يجب لأنه لو ادعى أنه [هو الذي يأتي] بالشمس من المشرق لكذبه جميع أهل مملكته، لأنهم يعرفون أنه محدث، والشمس كانت على حالها قبل حدوثه، فليس يقدر أن يقول: " أنا أتيت بها من المشرق قبل حدوثي، ولو ق ل: أنا آتي بها من المغرب لعجز عن ذلك. فلما رآى أنه لا مخرج له سكت وانقطع فبهت.
قال زيد بن أسلم: " كان الناس يمتارون من عند نمروذ طعاماً، وكان أول جبار في الأرض، فخرج إبراهيم يمتار مع الناس فكلما مر بنمروذ ناس قال لهم: من ربكم؟ قالوا: أنت. حتى مر به إبراهيم عليه السلام، فقال له نمروذ: من ربك؟ قال: الذي يحيي ويميت. قال: أنا أحيي وأميت. قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر، ورد إبراهيم بغير طعام. فرجع إبراهيم عليه السلام إلى أهله، فمر على كثيب أعفر - يعني من رمل - فقال: ألا آخذ من هذا فآتي به أهلي، فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم. فأخذ منه فأتى أهله فوضع متاعه ثم نام. فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته، فإذا هي بأجود طعام رأى أحد، فصنعت له منه، فقربته إليه. وكان قد عهد أهله ليس عندهم طعام، فقال من أين هذا؟ قالوا: من الطعام الذي/ جئت به. فعلم أن الله D قد رزقه [فحمد الله
تعالى]، ثم بعث الله جل وعز ذكره إلى نمروذ ملكاً يقول له: أن آمن بي [وأتركك] على ملكك، قال: وهل رب غيري؟، فجاء الثانية فقال له فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه. فقال له الملك: أجمع جموعك إلى ثلاثة أيام. فجمع الجبار جمعه، وأمر الله D الملك ففتح عليهم باباً من البعوض، فطلعت الشمس ولم يروها من كثرتها، فبعثها الله سبحانه عليهم، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ولم يبقى إلا [العظام، والملك كما هو لم يصبه] من ذلك شيء، فبعث الله D عيه بعوضة فدخلت في منخره، فمكمث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، فأرحم الناس به من جمع يديه ثم يضرب بهما رأسه، وكان قد تجبر أربعمائة سنة فعذبه الله بها أربعمائة سنة وأماته. وقال السدي: " لما أخرج إبراهيم A من النار، أدخل على الملك، ولم يره
259
قبل ذلك، فقال له: من ربك؟ قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. فلما قال له إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب فبهت وقال: إن هذا إنسان مجنون، فأخرجوه، ألا ترون أنه اجترأ على ألهتكم، وأن النار لا تأكله. وخشي الملعون الفضيحة من قومه فأخرجوه، وهو قوله {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءاتيناهآ إبراهيم على قَوْمِهِ} [الأنعام: 83]. قوله: {والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين}. أي لا يهديهم للحجة عند الخصومة لما هم/ عليه من الضلالة قاله ابن اسحاق. وليس (الظالمين) بوقف، لأن (أو كالذي) معطوف عليه. / قال الفراء والكسائي: " معنى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ}: هل رأيت كالذي حاج، أي كالذي مر على قرية، فهو معطوف عليه ". وقيل: الكاف زائدة، والمعنى: " الم تر إلى الذي حاج أو الذي مر على قرية. قوله: {أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا}.
قال ابن عباس وقتادة وعكرمة والربيع والسدي: " وهو عزير ". وقيل: هو أرميا. وروي أن اسمه أرميا، وهو الخضر. وقال مجاهد: " هو رجل من بني إسرائيل ". وقال وهب بن منبه: " القرية بيت المقدس. لما خربت وحرقت، وقف أروميا على ناحية الجبل، فقال: أَنَّى يحُيْى/ هذه الله بعد موتها ". على معنى: التطلع على مشاهدة قدرة الله، لا على الإنكار لإحياء الله إياها فأراه الله ذلك. والذي خربها بخت نصر البابلي. وكذلك قال قتادة/ وعكرمة والضحاك غير أنهم قالوا: " وقف عليها عزير ". وقال ابن زيد: " هي القرية التي خرج منها ألوف حذر الموت، فقال [لهم]
الله: موتوا. قال: فمر بها رجل وهي عظام تلوح، فنظر وقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها ". {وَهِيَ خَاوِيَةٌ}. أي خالية من أهلها. {على عُرُوشِهَا}. [أي على أبنيتها]، سقوفها وبيوتها. وسميت القرية قرية لاجتماع الناس فيها من قولهم: " قَرَبْتُ الماءَ " إذا جمعته. وقال السدي: معنى {خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا}: ساقطة على سقفها. وأصل ذلك أن تسقط السقوف، ثم تسقط الحيطان عليها. قال وهب بن منبه: " أوحى الله إلى أرميا، وهو بأرض مصر بعد أن خرب بخت نصر بيت المقدس: أن الحق بأرض الشام، فركب حماره حتى كان ببعض الطريق ومعه سلة من تين وعنب، وكان معه سقاء جديد فَمَلأَهُ ماء، فلما بدا شخصُ
بيت المقدس وما حوله نظر إلى خراب لا يوصف، قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ ثم سار حتى تبوأ منزلاً، فربط حماره بحبل جديد، وعلق سقاءه، وألقى الله عليه السبات، فلما نام نزع الله روحه مائة عام. فلما مرت من المائة سبعون عاماً أرسل الله ملَكاً إلى ملِك من ملوك فارس عظيم، فقال: إن الله يأمرك أن تسير بقومك فتعمر بيت المقدس إيليا وأرضها، حتى تعود أَعْمَرَ ما كانت. فقال له الملِك: أنظرني ثلاثة أيام حتى أتأهب/ لهذا العمل. فأنظره، فانتدب ثلاثة آلاف قهرمان، ودفع إلى كل قهرمان ألف عامل وما يصلحه من أداة العمل، فسار إليها قهارمته، فلما وقعوا في العمل، رد الله روح الحياة في عين أرميا خاصة، وأخر جسده ميتاً، فنظر إلى إيليا وما حوليها تعمل وتعمر وتجدد حتى صارت كما كانت بعد ثلاثين سنة تمام المائة، فرد الله إليه روحه، فنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنه؛ أي لم يتغير. ونظر إلى حماره واقفاً كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب، أحياه الله له وهو يرى. ونظر إلى الحبل لم يتغير، وقد أتى عليه ريح مائة عام ومطرها وشمسها وبردها، فعندها قال له: كم
لبثت؟ قال: لبثت يوماً أو بعض يوم. قال: بل لبثت مائة/ عام ". وإنما قال: يوماً أو بعض يوم، لأنه فيما ذكر قتادة وغيره: أميت ضحى، وبعث آخر النهار، فظن أنه يومه الذي كان فيه ". قوله: {فانظر إلى/ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانظر إلى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا}. من قرأ " نُنْشِرُهَا " بالراء، فمعناه كيف نحييها، من: " أَنْشَرَ اللهُ المَيِّتَ: أَحْيَاهُ ". ومن قرأ بالزاي، فمعناه: كيف نرفع بعضها إلى بعض من النَّشْزِ، وهو المرتفع، ومنه نشوز المرأة وهو ارتفاعها عن موافقة زوجها. ومنه قوله:
{وَإِذَا قِيلَ انشزوا فَانشُزُواْ} [المجادلة: 11]، أي ارتِفعوا وانْضَموا. قال وهب بن منبه وغيره: " معناه: وانظر إلى إحياء حمارك وإلى عظامه كيف أنشرها ثم أكسوها لحماً. قال وهب: " كان ينظر إلى حماره يتصل بعضه ببعض، ثم كسي لحماً ثم جرى فيه الروح فقام [ينهق. ونظر إلى عنبه] وتينه، فإذا هو على هيئته حين وضعه. فلما عاين ما عاين، قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير ". قال السدي: " كانت الطير قد ذهبت بعظام الحمار إلى كل سهل وجبل فبعث الله ريحاً، فجاءت بها واجتمعت/ وهو ينظر. فركب بعضها في بعض فصار حماراً من عظام لا لحم فيه ولا دم، ثم كسى اللحم والدم، ثم أقبل ملك يمشي فأخذ بمنخر
الحمار فنفخ فيه فنهق. فقال عندما عاين: أعلم أن الله على كل شيء قدير ". ومن قرأ [بوصل ألف " أعلم " جعل الفعل] لله والقول لله، والله هو القائل له بعدما أراه من البراهين: " اعْلَمْ يا أرميا أن الله على كل شيء قدير ". قال الضحاك: / " أول ما نفخ الله الروح، ففي رأسه وبصره، وبقي جسده ميتاً، فرأى حماره قائماً كهيئته يوم تركه وطعامه وشرابه كهئته، فقال له الله جل ذكره: {وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا} أي عظامك، فأراه التئام عظامه، وكون اللحم عليها، ونفخ الروح في باقي جسده. [والعبرة] في نفسه أعظم. فلما رأى ذلك وحيي كله قال: {أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ". وكذلك قال قتادة.
وقال: ابن زيد: " أراه إحياء جسده، والتئام عظامه وهو ينظر، والحياة في عينيه ورأسه فقط ". قال ابن زيد: " جعل الله الروح في بصره ولسانه، فنظر إلى خلقه والتئام عظامه، وأمره أن يدعو بلسانه إلى عظامه وأعضائه أن تلتئم فنادى بلسانه ليلحق كل عضو بآلِفِه فجاء كل عظم إلى صاحبه حتى اتصلت وهو يراها، / حتى إن الكسرة من العظم لتأتي إلى الكسرة الأخرى فتتصل بها، ثم شدت بالعروق والأعصاب وهو يرى. ثم التحمت وهو يرى، ثم كسيت بالجلد وهو يرى، ثم جرى [فيها الروح، فقال عند ذلك]: {أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ". وقال الله له ذلك يأمره به. ويجوز أن يكون الأمر منه لنفسه فتستوي القراءتان. وقد قاله الطبري.
فالعطف في قوله: {أَوْ كالذي} مردود على معنى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ} لأن معناه: هل رأتي مثل الذي حاج إبراهيم. فعطف على المعنى فقال: {أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ}، تقديره: " أو رأيت مثل الذي مر ". [و] العطف على المعنى كثير كما قال: {كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وشهدوا أَنَّ الرسول حَقٌّ} [آل عمران: 86]، ف " شهدوا " معطوف على معنى إيمانهم لا على كفرهم، تقديره: " بعد أن/ آمنوا وشهدوا ". وقوله: {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ}. قال الأعمش: " جاء شاباً وولده شيوخ ". وقال السدي: " جاء فوجد داره قد بيعت وبَلِيت، وهلك من كان يعرفه. فقال: اخرجوا من داري، قالوا: من أنت؟ قال: أنا عزير. قالوا: هلك عزير منذ كذا وكذا سنة. فأخبرهم بما جرى عليه، فخرجوا له من الدار ".
وروي أن عزيراً كان ممن سباه بخت تنصر ومضى به إلى إرض بابل فرأى عزير دير هرقل قد خرب، ومضى عليه حين من الدهر، فقال: كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام ثم بعثه، وقد عمر الدير وذلك كله بأرض بابل. وعلى [أن] القرية بيت المقدس أكثر أهل التفسير. وقوله: {لَمْ يَتَسَنَّهْ} من أثبت الهاء في الوصل، فهو من سانَهْتُ فسكون الهاء عَلَم الجزم، والهاء أصلية، وهو أحسن. ومعناه: أنه مأخوذ من " السَّنَةَ "، أي لم تأخذه السِّنُونَ وتحله. ومن قرأ " يتَسَنَّه " فأصله يتسنن، من " سَنَّ المَاءَ " إذا تغير. فمعناه لم يتغير
فأبدلوا من النون/ الآخيرة ياء، فقالوا: يتسنى كما قالوا: " تَقَضَّيْتُ " في " تَقَضَّضْتُ "، ثم حذفت الألف للجزم [و] زيدت الهاء في الوقف لبيان الحركة. وقرأ طلحة من مصرف: " لَمْ يَسَّنَّ " أدغم التاء في السين. وقد قال بعض أهل اللغة: " لَمْ يَتَسَنَّ " من أَسِنَ الماء إذا أنتن. ويلزمهم من هذا " يَتَأَسَّنْ ". وقال الشيباني: " هو من قولهم: " حَمَأٌ مَسْنُونٌ ". ومعنى " يَتَسَنَّ ": يتغير. ولا يجوز عند أأبي إسحاق أن يكون من " مَسْنُونٍ " لأن معنى " مَسْنُونٍ "، مصبوب. والصحيح أنه من السَّنَةِ، فتكون الهاء أصلية/ تقول في تصغيرها: " سُنَيْهَةٌ " على قول من قال: " يَتَسَنَّه ". و " سُيينةٌ " على قول من
260
قال: " يتسن ". قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى}. " إذا " في موضع نصب بمعنى: " واذكر ". وقيل: هو معطوف على ما قبله لأن قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ}: " ألم تر بقلبك يا محمد، فتذكر الذي حاج، وتذكر إذ قال إبراهيم ". قال قتادة: " مر إبراهيم عليه السلام على دابة قد تقسمتها السباع والدواب والطير والرياح، فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ ". وكذلك قال الضحاك. وقال ابن زيد: " مر إبراهيم بحوت نصفه في [البر، ونصفه في البحر]، فما كان في البحر فدواب البحر تأكله، وما كان في البر فدواب البر تأكله. فقال له الخبيث الشيطان/ يا إبراهيم: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فقال إبراهيم: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى}؟، ليرى ذلك/ عياناً ". ومعنى {لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}: أي ليطمئن إلى ما تَاقَ إليه من العيان لا أنه شك
دخل عليه. وقال السدي: " لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً سأل ملك الموت ربه D أن يأذن له فيبشر إبراهيم عليه السلام بذلك، فأذن له، فأتى إبراهيم وليس هو في البيت فدخل داره. وكان إبراهيم A أغير الناس يغلق بابه إذا خرج، فلما جاء وجد في داره رجلاً ثانياً، فبادر إليه ليأخذه، / وقال له: من أذن لك أن تدخل داري؟ فقال له ملك الموت: أذن لي رب هذه الدار فقال إبراهيم: صدقت، وعرف أنه ملك، قال له: من أنت؟ ق ل: ملك الموت، جئت أبشرك أن الله قد اتخذك خليلاً، فحمد الله تعالى، وقال: يا ملك الموت. أرني الصورة التي تقبض فيها أنفاس الكفار، فقال: [يا إبراهيم، لا تطيق] ذلك، قال: بلى. فعرض عليه فإذا هو برجل [أسود ينال] رأسه السماء، يخرج من فيه لهب النار، وليس من شعرة في جسده إلا صورة رجل أسود يخرج من فيه ومسامعه لهب النار. فغشي على إبراهيم عليه السلام ثم أفاق، وقد تحول ملك الموت في الصورة
الأولى فقال: يا ملك الموت، لو لم يلق الكافر من البلاء والحزن إلا صورتك لكفاه ذلك، فأرني كيف تقبض أنفاس المؤمنين، قال: فَأَعْرِضْ. فَأَعْرَض إبراهيم عليه السلام ثم التفتَ فإذا هو برجل شاب أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم ريحاً في ثياب بيض. قال: يا ملك الموت، لو لم يكن للمؤمني عند ربه D من قرة العين والكرامة إلا صورتك/ هذه لكان يكفيه. فانطلق ملك الموت وقام إبراهيم صلى الله " عكلى محمد " وعليه وسلم يدعو ربه، يقول: رب أرني كيف تحيي الموتى حين أعلم أني خليلك. قال: أو لم تؤمن بأني خليلك؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي بذلك ". وقال ابن عباس: " ما في القرآن آية أرجى عندي منها "، يريد أن إبراهيم دخل قلبه الشك، فنحن آكد أن يعترضنا ذلك. وقال عطاء بن أبي رباح: " دخل قلب إبراهيم A بعضُ ما يدخل
قلوب الناس ". وروى مالك عن الزهري أن ابن المسيب وأبا عبيدة أخبراه عن أبي هريرة أن النبي A قال: " رَحِمَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ، نَحْنُ أَحَقُّ بَالشَّكِّ مِنْهُ، إِذْ قَالَ إِبْرَاهيِمُ: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى}، وَقالَ: {لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ". واختار الطبري هذا القول لرواية أبي هريرة لهذا الخبر عن النبي [عليه السلام] لأن الشيطان يعرض لجميع الخلق. وقد قال النبي [عليه السلام]: " ذَلِكَ مِنْ مَحْضِ الإِيمَانِ ". وهذا القول من نبي الله A إنما هو على التواضع والتذل لله، ونفى التكبر كما قال: " لاَ تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ " ويعيذه الله من الشك الذي يدخل في قلوب المذنبين المؤمنين. ويجوز أن يكون قوله: " نَحْنُ أَحَقُّ بَالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم "، يعني به أمته، كأنه
A يعذرهم فيما يوسوس [به إليهم الشيطان]. وقد عفا الله عما يوسوس به الشيطان في قلوب المؤمنين إذا لم يبدوه ولم يعتقدوه. وقال قال سعيد بن جبير: " معنى {لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}: ليزداد يقيناً ". وعن ابن عباس: " ليطمئن قلبي " في إجابتك إياي إذا دعوتك بأمرٍ وسألتك فيه ". ولم يرد أن إحياء المتى يطمئن به. قال أبو إسحاق: " ولم يكن شاكاً، ولكن أراد مشاهدة ذلك عياناً ليزداد يقيناً، فليس الخبر كالمعاينة ". قوله: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطير}. قال مجاهد/ وابن جريج وابن زيد: " أخذ طاووساً وديكاً وغراباً وحمامة ".
وجعل ابن عباس الكُرْكِيَّ في موضع الغراب. قوله: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ}. من ضم فمعناه: أضممهن إليك ووجههن إليك، يقال: / " صُرْ وَجُهَكَ إِلَيَّ " أي أقبل به إلي، ووجهه إلي. قال ذلك الكسائي. وفي الكلام حذف: " وقطعهن بعد الضم ". وقال مجاهد: " {فَصُرْهُنَّ}: انتفهن بريشهن ولُحُومِهِنَّ ". وقال أبو عبيدة: " صِرت [بالكسر: قطعت، وصُرْت] بالضم: جمعت ". وقيل: الكسر والضم بمعنى واحد، وهو ما ذكرنا. وقيل: معنى الكسر: قطعهن.
/ قال أبو حاتم: يقال: صار، إذا قطع. ويكون في الكلام تقديم/ وتأخير على هذا التفسير. ومعناه: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطير فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ}، أي فقطعهن. وقد قال عطاء: " {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ}: / أضممهنَّ إليك ". وقال ابن زيد: " أجمعهن ". وقال قتادة: " أمر أن يذبحن ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن ثم يجزئهن على أربعة أجبل ". قال ابن جريج: " جعل لُحُومَهُنَّ وريشهن على سبعة أجبل وهي الأجبال التي رأى الطير والسباع [ذهبت فيها، وهن] اللواتي أكلن من لحم الجيفة التي كانت سبب سؤاله، وأمسك إبراهيم [ A] عند نفسه رؤوسهن ثم دعاهن بإذن الله D، فنظر إلى كل قطرة من دم تطير إلى القطرة الآخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة
261
الأخرى، وكل بضعة وكل عظم بعضها إلى بعض. فلما تتامت عليه في الهواء انقضت عليه فوصلت كل جثة إ لى الرأس الذي [في يده] ". قوله: {واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. أي لا يمتنع [عليه ما أراد، حكيم في تدبيره. قوله: {مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله}. قال الطبري: " هذه الآية مردودة إلى قوله: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فيضاعفه لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} وإلى الآيات التي بعدها ". قال السدي: " نزلت في الذي ينفق على نفسه في سبيل الله D ويخرج ". والمثل في هذه الآية إنما هو للنفقة لا للمنفق، وفي الكلام حذف، والتقدير: " مثل نفقة الذين ينفقون "، ودل " ينفقون " على النفقة فحسن حذفها. وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: " لما نزلت: {مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله
كَمَثَلِ حَبَّةٍ} الآية، قال النبي عليه السلام: " اللَّهُمَّ زِدْ أُمَّتِي "، فنزلت: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فيضاعفه لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً}. فقال رسول الله A: " رَبِّ زِدْ أُمَّتِي " فنزلت: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ". قال مالك في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] " هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها ". قال مالك: " وبلغني أن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ". قلت: والصبر على طاعة الله D وعن محارم الله تعالى أفضل من الصبر على المصائب والفجائع. كذا، قال عمر وغيره. ثم قال: {والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ}. أي ممن أنفق في غير سبيل الله، يضاعف أيضاً إن شاء. وقيل: {لِمَن يَشَآءُ} هو المنفق في سبيل الله D، يزيد على سبعمائة ضعف إلى ألفي ألف ضعف إن شاء. روي ذلك/ عن ابن عباس. قوله: {والله وَاسِعٌ}.
262
أي يزيد من يشاء من خلقه على السبعمائة ما شاء. {عَلِيمٌ}. أي عليم بما ينفق المنفقون في سبيله. وقيل: عليم بمن يزيده على السبعمائة ضعف ومن لا يزيده. / قوله: {الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ}. قال الكلبي وغيره: " أصل نزول هذه الآية في عثمان بن عفان وعبد الرحمن ابن عوف، أتى عبد الرحمن بن عوف إلى النبي صلى عليه السلام بأربعة آلاف دينار. وقال: يا رسول الله، اجتمع عندي ثمانية آلاف فعزلت لنفسي وعيالي نصفها،
263
وجعلت لله نصفها، فجزاه رسول الله A خيراً. وقال عثمان بن عفان: يا رسول الله، عليّ تجهيز كل عاجز عن النهوض معك لفقره إلى تبوك، واشترى رومة يبرأ بوقفها للمسلمين ". ثم " الآيات لكل " من فعل مثل فعلهما. وهذه الآيات فيما قال ابن زيد:: هي لمن ينفق، وليس يجاهد، ولم يقل للمجاهدين شيئاً ". وقيل: هي عامة، علم الله D أقوماً يمنون بعطيتهم فقدم في ذلك. قال زيد بن أسلم: " إن ظننت أنه يثقل عليه سلامك، فكي سلامك عنه ". يعني الذي تصدق عليه. قوله: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى}. " قول " مبتدأ، و " معروف " نعته، والخبر محذوف كأنه " أمثل " و " أولى ". و " مغفرة ": مبتدأ و " خير من صدقة " الخبر.
264
قال الضحاك: " إن تمسك مَالَكَ خير من أن تنفقه، ثم تتبعه المن والأذى ". قوله: {والله غَنِيٌّ}. أي عنى عن ما يتصدق به بالمن والأذى. {حَلِيمٌ}. لا يعجل بالعقوبة على من يتبع صدقته المن والأذة، وقيل: المعنى: قول جميل، ودعاء للسائل خير من أن تعطي صدقة [يتبعها أى ومَنٌّ ". قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم} الآية/. أمروا أن يكفوا عن المن والأذى اللذين يبطلان ثواب الصدقة، كما يبطل الرياء صدقة المتصدق المافق/ الذي يوهم بصدقته أنه مؤمن فيرائي. والمراد في قوله: {وَلاَ يُؤْمِنُ بالله}.
هو المنافق، وإنما ذلك لأنه أضاف إليه الرياء. وذلك من فعل المنافق الساتر لكفره. فأما الكافر فليس عنده رياء، لأنه مناصب للدين مجاهر بذلك. وقيل: المراد به الكافر المجاهر. وذلك أن الكافر قد ينفق ماله، ليقول الناس: " ما أكرمه! ما أفضله "، ولا يريد بإنفاقه إلا الثناء، لا غير. فنهاهم الله أن يكونوا مثله إذا منوا أو آذوا. وقوله: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ}. الصفوان: الحجر الأملس. وقرأ ابن المسيب والزهري: " صَفَوَانٍ " بفتح الفاء. وحكى قطرب " صِفْوَانٍ " بكسر الصاد. قال الأخفش: " صَفْوَانٌ، جماعة صَفْوَانَةٍ ". وقال غيره: " هو واحد والصلد هو الذي لا شيء عليه من نباته
265
ولا غيره ". مَثَّلَ الله المنافقين وأعمالهم بالحجر الأملس عليه تراب، وأصابه مطر وابل؛ وهو العظيم القطر، فتركه لا شيء عليه. فكذلك صدقات المنافقين للرياء. ومعنى: {لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ}. أي لا يقدرون يوم القيامة على وجود شيء مما كسبوا، أي من ثواب ما كسبوا في الدنيا لأنه كان لغير الله. {والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين}. أي لا يسددهم لإصابة الهدى في فعلهم وقولهم. وهذا يقوي قول من ق ل: أراد بما تقدم الكافر لا المنافق. قال معنى ما ذكرنا: قتادة والربيع/ وغيرهما. قوله: {وَمَثَلُ الذين يُنْفِقُونَ [أَمْوَالَهُمُ] ابتغآء مَرْضَاتِ الله}. ضرب الله الآية الأولى مثلاً لأعمال الكافرين يوم القيامة، وشبه صدقة أهل الرياء والكفر بالصفوان الذي عليه تراب فأصابه مطر شديد، ثم ضرب هذه الآية
مثلاً لأعمال المؤمنين وصدقاتهم. فمعنى قوله: {وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ}، أي يقيناً وثقة. قاله السدي وقتادة وأبو صالح. وقال مجاهد: " يثبتون: أين يضعون أموالهم ". قال الحسن: " يعني زكاتهم ". وروي عن قتادة: " {وَتَثْبِيتاً}: احتساباً من أنفسهم ". وعن الحسن أنه قال: " يثبت إذا أراد أن ينفق، فإن كان لله أنفق وإلا أمسك ". قوله: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ}. شبه فعل هؤلاء في صدقاتهم بجنة بربوة، وهي الترعة أصابها وابل وهو المطر الشديد العظيم القطر، فإن أخطأها الوابل أصابها الطل وهو الندى.
وقال الضحاك: " هو الرذاذ من المطر، يعني اللين منه ". والهاء في {أَصَابَهَا} تعود على الجنة أو على الربوة، وكذلك الهاء في " يصبها ". قوله: {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ}. أي فهي لا تخلف؛ لابد من إتيان الأكل. فكذلك عمل المؤمن لا خلف لخيره. وسميت الربوة ربوة لأنها ربت على وجه الأرض. / أي ارتفعت من: " ربا " إذا زاد. قال مجاهد: " الربوة المكان الظاهر المستوي ". وكذلك قال الحسن. وقال الضحاك: " الربوة المكان المرتفع الذي تجري فيه الأنهار ". وقال السدي: " {بِرَبْوَةٍ}: برابية من الأرض " يريد المنخفض. وقال ابن عباس: " الربوة: المكان المرتفع الذي لا تجري فيه
266
الأنهار " / وتقدير الكلام عند المبرد: " فطل يكفيها ". وعلى ذلك يستحسن الوقف على {فَطَلٌّ}. وقدَّره غيره. " فهو طل " أو " أصابها طل ". قوله: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} الآية. قوله: {وَأَصَابَهُ الكبر}. على تقدير: " وقد أصابه الكبر "، ولذلك عطفه على " أَيَوَدُّ " وهو مخالف له. وقيل: هو محمول على المعنى، تقديره: " أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر ". وهذا مثل ضربه الله لنفقة المنافق والمرائي. ينفقانهما رياء الناس، فهو يحمد على ما ظهر منه في الدنيا ولا حاجة به إلى ذلك في الآخرة كالرجل الذي له جنة من نخيل وأعناب ولا كبر معه ولا ذرية. فلما كبر، وصارت له ذرية ضعفاء. وضعف عن الكسب والتصرف، ولا طاقة لذريته على التكسب لضعفهم وصغرهم، فعند ذلك
احترقت جنته، فانطقع في أحوج ما كان إليها، ولم ينتفع بها في شيببته وقلة عياله إذ كانت سالمة. كذلك المنافق أو المرائي، إذا أتى في الآخرة لم يجد شيئاً من عمله، وهو أحوج ما يكون إليه، ولم ينفعه حمد الناس على ما ظهر لهم من عمله. فحاجته إلى العمل الصالح، كحاجة هذا الكبير الذي له ذرية ضعفاء إلى جنته. قوله {إِعْصَارٌ}. أي ريح فيها سموم فاحترقت، وهي ريح عاصفة تهب من الأرض إلى السماء كأنها عمود/ والجمع أعاصير، وهي التي تسميها الناس: الزوابعة. وقال الحسن: " {إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ}: ريح فيها برد شديد ". {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ}. أي هكذا البيان المُتَقَدم في الصدقة، والجهاد، وقصة إبراهيم، وجميع ما سلف.
267
{يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات} أي العلامات. {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}. قال/ ابن عباس: " تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها ". وقال مجاهد: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}: أي تطعون ". قوله: {يا أيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ}. قال علي Bهـ: " من الذهب والفضة، الجياد منها ". أي زكوا من ذلك. وقيل: من الحلال. وقال مجاهد: " ما كسبتم من التجارة، {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض}: يعني ما فيه زكاة مما بينته السنة ". {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث}: أي الرديء، اي لا تعمدوا إلى الرديء تتصدقون به فتجعلوه
زكاتكم. ونزلت هذه الآية في رجل من الأنصار، علق قِنوا من حشف للصدقة وكانوا يعلقون في أيام الجداد في مسجد النبي [عليه السلام] / بين كل أسطوانتين أقناء يأكل منها المهاجرون والأنصار، فعلق هذا الرجل قنوا من حشف فنهوا عن ذلك، وهو الخبيث يراد به الرديء. وقال علي: " كان الرجل يعزل الرديء من التمر للصدقة، فنزلت الآية ". وهو قول الحسن ومجاهد وعطاء. وقال ابن زيد: " الخبيث: / الحرام ". أي لاتتدصقوا من الحرام. وتصدقوا من الحلال.
قوله: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ}. أي لستم بآخذين الرديء من المال من غرمائكم إلا عن إغماض منكم؛ أي كراهية، فتأخذونه كأنكم قد أغمضتم أعينكم، فلا ترونه كراهة فيما أعطيتم. وقرأ الحسن " أن تُغْمَضُوا " بفتح الميم وضم التاء. أي لستم تأخذونه حتى تنقصوا من سعر غيره. وكذلك قرأ قتادة. قيل: معناه: لستم تأخذونه إلا أن يهضم لكم من ثمنه أي ينقص. وقرأ الزهري: " تَغْمِضُوا " بفتح التاء، وكسر الميم. وعنه أيضاً بضم التاء، وتشديد الميم.
268
وقال علي: " لستم ممن يأخذ الرديء حتى يهضم لكم "، أي يرخص عليكم من ثمنه، فيقول تعالى: " ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم إلا عن تغمض وترخص في أخذه وكراهة ". وقال ابن زيد: " لستم ممن يأخذ الحرام حتى يغمض لكم في من الإ ثم ". قوله: {واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ}. أي غني عن أن تتصدقوا بالرديء والدنيء، وتأخذوا لأنفسكم الجيد. / {حَمِيدٌ} لمن تصدق بطيب ماله. قوله: {الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر}. أي يخوفكم به ويوسوس إليكم، فلا تخرجون الزكاة. {وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء} أي [بترك الصدقة فتكونون عاصين]. {والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً} أي يجازيكم على صدقاتكم بالمغفرة. وقال ابن عباس: " الشيطان يقول: " لا تنفق مالك، أمسكه
269
عليك "، والله يعدل مغفرة على تركك هذه المعاصي، وفضلاً في الرزق ". وقال قتادة: " والله يعدكم مغفرة لفحشائكم، وفضلاً لفقركم ". {والله وَاسِعٌ} يعطيكم من سعته، ما شاء لمن شاء. {عَلِيمٌ} بمن [يطيعه فيتفضل] عليه، ومن يعصيه فيغفر له أو يعاقبه. وروي أن في التوراة مكتوباً: " عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك من فضلي، فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة ". وفي القرآن نظير/ هذا، {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرازقين} [سبأ: 39]. قوله: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ}. قال ابن عباس: " الحكمة علوم القرآن/ مقدمة ومؤخرة وناسخة ومنسوخة،
ومحكمة ومتشابهة ". وقال قتادة: " الحكمة: الفقه في القرآن ". وقال مجاهد: " الحكمة: الإصابة في القول ". وقال ابن زيد: " الحكمة: العلم بالدين ". قال مالك: " الحكمة: المعرفة بدين الله، والفقة فيه، والاتباع له ". وروى عنه ابن القاسم أنه قال في الآية: " الحكمة: التفكر في أمر الله والاتباع له ". وعنه أيضاً أنه قال: " الحكمة: طاعة الله والاتباع له، والفقه في الدين والعمل به ". وقال مالك: " إنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في الدين يدخل الله في القلوب من رحمته وفضله ".
270
وقال الربيع بن أنس: " الحكمة: الخشية ". وقال السدي: " الحكمة: النبوءة ". وقال زيد بن أسلم: " الحكمة: الفهم عن الله في أمره ونهيه ". وقال ابن زيد بن أسلم: " الحكمة: العقل في الدين ". وقال مجاهد أيضاً: الحكمة: القرآن ". وقاله الضحاك. قوله: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب}. أي لا يتذكر ولا يتعظ بهذه الآيات إلا أولوا العقول وهم المؤمنون. قاله ابن سلام. قوله: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ}.
الهاء " في {يَعْلَمُهُ} تعود على الإنفاق أو على النذر. أي ما تصدقتم من صدقة لم تعقدوها على أنفسكم أو نذرتم من نذر، فعقدتموه على أنفسكم، فإن الله يعلم ذلك، أي يعلم من تصدق ونذر لوجه الله، ومن فعل ذلك للرياء. و" ما " لمن ظلم نفسه فتصدق لغير الله، ونذر لغير الله. قال الحسن: " قال رسول الله A: " مَا أَنْفَقَ النَّاسُ/ مِنْ نَفَقَةٍ أَعْظَمُ إِلَى اللهِ مِنْ قَوْلٍ ". وقال الحسن أيضاً عن النبي عليه السلام أنه قال: " مَا أَنْفَقَ النَّاسُ مِنْ نَفَقَةٍ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلاَ إِلَهَ إِلاَ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِالله، وَقِرَاءَةُ القُرْآن ". وقَال: " أَفْضَلُ النَّفَقَةِ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى وَالِدَيْكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى وَلَدِكَ وَزَوْجَتِكَ وَعِيَالَكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى قَرَابَتِكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ الله " هذا معنى الحديث.
271
قوله: {مِنْ أَنْصَارٍ}. أي ما للظالم من نصير ينصره يوم القيامة. قوله: {إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِيَ} الآية. قال الربيع: " كل مقبول، إذا كانت النبية خالصة، والسر أفضل ". وكذلك قال ابن جبير وغيره. وهذا في التطوع. قال [ابن عباس: " صدقة التطوع في السر أفضل من العلانية، يقال: بسبعين ضعفاً. وصدقة الفريضة في العلانية/ أفضل من السر بخمسة وعشرين ضعفاً ". وكذلك جميع الفرائض والنوافل على هذا القياس. ومن قرأ: " يُكَفِّرْ " بالياء، فمعناه: ويكفر الإعطاء. وقيل: معناه: ويكفر الله، و " مِنْ " للتعبيض. ومعنى {سَيِّئَاتِكُمْ} أي يكفر منها ما شاء لمن يشاء، ليكون العباد على وَجَلٍ
272
من الله، لئلا يتكلوا على الصدقات أنها تكفر الذنوب كلها. وقيل: " من " زائدة، فتكون الكفارات للسيئات كلها. قوله: {والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. أي خبير بما تصنعون في صدقاتكم من أخفائها وإعلانها. ومعنى {خَبِيرٌ} / ذو خبر. قوله: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ}. هذا مثل/ {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم} [البقرة: 119]، على قراءة من رفع، أي ليس عليك سوى البلاغ المبين، ولست عليهم بمسيطر. {ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ}، أي يوفقه للهداية. وهذا الآية نزلت في المشركين لأن المؤمنين كانوا لا يتصدقون عليهم ليدخلوا في الإسلام، فنزلت: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} إلى {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ الله}.
وقيل: " نزلت في أسماء بنت أبي بكر امتنعت مِن بِر جدها [أبي قحافة] إذ لم يسلم/ وغيره، فتصدق عليهم ". قال ذلك ابن عباس وابن جبير، قالا: " كان ناس من الأنصار لهم قرابة ضعفاء مشركون فلا يتصدقون عليهم، فنزلت الآية، فتصدقوا عليهم ". وروى ابن جبير أن النبي A " كان لا يتصدق على المشركين حتى نزلت هذه الآية فتصدق عليهم. وقال ابن زيد: " لك ثواب نفقتك، وليس علكيم من عمله شيء ". وهذا إنما هو في التطوع، فأما في الواجب فلا يعطى منه إلا المسلمون. قال مالك: " يتصدق على اليهود والنصارى من التطوع، ولا يعطون من الواجبات لا من الزكاة ولا من صدقة الفطر، ولا مما أشبههما ". قوله: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ}.
273
أي ما تتصدقوا من مال - والخير المال - فإنه لأنفسكم تجزون به. [روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: " إِذَا تَصَدَّقَ الْعَبْدُ بِالْصَدَّقَةِ وَقَعَتْ فِي يَدِ اللهِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي كَفِّ الْسَّائِلِ فَيُرْبِيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرْبِي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مَثْلَ أُحُدٍ ". وتصديق ذلك في كتاب الله: {َيَمْحَقُ الله الرباوا وَيُرْبِي الصدقات} [البقرة: 276]، وقال: {وَيَأْخُذُ الصدقات} [التوبة: 104]. قوله: {لِلْفُقَرَآءِ الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله}. اللام متعلقة بقوله: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} للفقراء الذين من حالهم وقصتهم - {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ}. وعني به فقراء المهاجرين بالمدينة. ومعنى {أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله}: منعوا أنفسهم من التصرف وحبسوها على جهاد عدوهم. قاله قتادة وغيره. وقال ابن زيد: " كانت الأرض للعدو، فلا يستطيعون تصرفاً فهم محصرون ".
وقال السدي: " معناه: حصرهم المشركون بالمدينة ". {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرض}. أي تقلباً ولا تصرفاً في المعاش والتجارات. وقال ابن جبير: " نزلت في قوم أصابتهم جراحات في سبيل الله، فصاروا زمنى من أجل عدوهم، أو من أجل حرصهم على الجهاد والغزو. قوله: {يَحْسَبُهُمُ}. بكسر السين وفتحها لغتان، ونظيره " نَعِمَ " و " يَئِسَ "، يأتي المستقبل بالفتح والكسر. وحكى أبو إسحاق أن مثله عهد، يقال: " يَعْهِدُ وَيَعْهَدُ. ومعنى: {يَحْسَبُهُمُ الجاهل}. أي الجاهل بأمرهم وحالهم، أغنياء من تعففهم عن المسألة والتعرض لها. تعرفهم يا محمد بعلاماتهم وهي السيماء وهي أثر السجود.
وقيل: هي الخشوع والتواضع. قاله مجاهد. وقيل: هي أثر الفاقة والحاجة. قال السدي. وقال ابن زيد: " هي رثاثة ثيابهم، / لأن الجوع خفي ". ومن العرب من يمد السيماء، ومنهم من يقول سيماء بالمد وزيادة ياء بعد الميم. قوله: {لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً/}. أي إلحاحاً، أي لا يشملون الناس بالسوال، ومنه اللحاف. والمعنى: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحافاً. وهو كقول امرئ القيس:
274
" عَلَى لاَ حِبٍ لاَ يَهْتَدِي لِمَنَارِهِ ". أي ليس فيه منار فيهتدي به. ويقال: قد ألحف السائل إذا ألح. ويقال: " أَلْحَفَ الرجل " و " أَلَحَّ " و " أَخْفَى "، بمعنى واحد. قوله: {الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً}. قال ابن عباس: " نزلت في علي بن أبي طالب Bهـ؛ كانت معه أربعة دراهم فأنفق بالليل درهماً. وبالنهار درهماً، وسراص درهماً، وعلانية درهماً ". وقيل: " إنها نزلت في علف الخيل في سبيل الله ". ذكر ذلك أيضاً عن ابن عباس، وعن أبي ذر الغفاري.
275
/ وقال أبو أمامة: " نزلت في أصحاب الخيل ". وكذلك قال الأوزاعي: " هي في الذين يربطون الخيل في سبيل الله ينفقون عليها بالليل والنهار " وروي ذلك عن أبي الدرداء. وعلى أنها في الخيل أكثر أهل التفسير. قوله: {الذين يَأْكُلُونَ الرباوا لاَ يَقُومُونَ}. معناها: الذين يأكلون الربا في الدنيا لا يقومون في الآخرة إذا بعثوا من قبورهم إلا مثل قيام المجنون. والمس: الجنون. قاله مجاهد وقتادة وابن جبير وغيرهم؛ قاوا: " يقوم الخلق من قبورهم مسرعين كما قال تعالى: {يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً} [المعارج: 43] إلا أكله الربا، فإن الربا يربو في بطونهم فيقومون ويقسطون، يريدون الإسراع فلا يقدرون، فهم بمنزلة المتخبط من الجنون ". قال ابن جبير: / " يبعث أحدهم حين يبعث، وشيطان يخنقه ".
والقصد بالنهي في هذه الآية: كل من أخذ الربا أكله أو لم يأكله. وكان أهل الجاهلية إذا حل أحدهم الأجل في دين/ عليه، يقول الذي عليه الدين: " زِدْنِي في الأَجَل وَأَزيدُكَ فِي دَيْنِكَ "، فنهى الله عن ذلك، وقال: {اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرباوا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ} [البقرة: 278 - 279]. وأصل الربا الزيادة، وهو في التجارة والبيع والشراء جائز إذا كان على وجهه الذي قد بينته السنة والكتاب. فأصل الربا المحرم أن يقول الذي عليه الدين: " أَخِّرْنِي وَأَزِيدَكَ فِي دَينك "، ثم جرى مجراه كل ما شابهه في البيوع والدين، وغير ذلك ما قد أحكمته السنة وفسره العلماء. وقد روى محمد بن كعب القرظي أن النبي A قال: " كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبَا ". قوله: {فَلَهُ مَا سَلَفَ}. أي ما أكل وأخذ قبل مجيء الموعظة فذلك مغفور له.
276
{وَأَمْرُهُ إِلَى الله}. أي في المستقبل، إن شاء ثبته وإن شاء رده إلى ما نهاه عنه. والموعظة: القرآن. ومن عاد فعمل بالربا حتى يموت فأولئك أصحاب النار. قال ذلك سفيان. وقال غيره: " من عاد فقال: إنما البيع مثل الربا، وتمادى عليه، فهو من أصحاب النار ". قوله: {يَمْحَقُ الله الرباوا وَيُرْبِي الصدقات}. معناه: ينقص الله الربا ويذهبه، ويضاعف الصدقات وينميها. قوله: {إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} الآية. أي إن الذين تابوا من أكل الربا فآمنوا بما أنزل عليهم، وانتهوا عما/ نهو عنه وعملوا الصالحات، فهم أصحاب الجنة. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرباوا}. معناه: / يا أيها الذين صدقوا محمداً: ذروا ما بقي لكم من الربا زيادة على رؤوس أموالكم. ونزلت هذه الآية في قوم أسلموا، ولهم على قوم أموال من ربا كانوا أربوا عليهم فقبضوا بعضاً، وبقي بعض، فعفا لهم عما كانوا قبضوا وحرم عليهم ما بقي
مما زاد على رأس المال. قال ابن المسيب: " لا ربا إلا في ذهب أو ورق أو ما [يكال و] يوزن مما يؤكل ويشرب ". يعني في المبايعة. وفسره بعض العلماء فقال: " ما كان مما يكال أو يوزن من نوع من الطعام، فلا تأخذ إلا وزناً بوزن، ومثلاً بمثل، يداً بيد، وكذلك الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، فإن اختلف النوعان فَزِدْ واستزد يداً بيد ". قال عبد الله بن سلام: " أكل الربا يعدل سبعين فجرة، أدنى فجرى منها مثل أن يضطجع الرجل مع أمه ". وروى الحكم بن عتيبة عن علي Bهـ أنه قال: " درهم ربا أشد من/ ست وثلاثين زنية ". وروى أبو هريرة أن النبي A قال: " الرِبَا سَبْعُونَ حُوباً، أَيْسَرُهَا مِثْلَ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ ".
279
قال ابن مسعود: " الربا بضع وسبعون بابا ". قوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله}. أي فأيقنوا بحرب. وقال الأصمعي: " معناه: كونوا على علم ". ومن قرأ بالمد فمعناه: فأعلموا أصحابكم بالحرب. {وَإِنْ تُبْتُمْ}. أي تركتم الربا. {فَلَكُمْ رُؤُوسُ أموالكم}. بلا زيادة. {لاَ تَظْلِمُونَ}. فتأخذون ما ليس لكم. {وَلاَ تُظْلَمُونَ}. فتنقصون من رؤوس أموالكم. وروى المفضل عن عاصم: " لا تُظْلَمُونَ وَلاَتَظْلِمُونَ "، المفعول قبل
280
الفاعل. قوله: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ}. أي إن وقع ذلك. ولا خبر ل " كان "، هي " كان " التامة تستغني باسمها عن الخبر. فليست بالداخلة على الابتداء والخبر، تلك هي الناقصة التي تحتاج إلى خبر. وقد قيل: إن الخبر محذوف، والتقدير: " وإن كان ذو عسرة في الدين فظرة إ لى ميسرة ". وفي مصحف عبد الله: " وَإِنْ كَانَ ذَا " بالألف على تقدير: وإن كان الذي عليه الدين ذا عسرة، فهي " كان " الناقصة على هذا. وقرأ مجاهد: " فَنَاظِرْهُ إِلَى مَيْسُرِ هِي "، بضم السين، وصلت الهاء بياء. وهو لحن عتد أهل العربية: ليس في الكلام مفعل بتغيير هاء التأنيث.
قال الأخفش: / " ولو قرأوا بفتح السين لكان حسناً، لأن " مفعلاً " في الكلام كثير ". وقوله: {فَنَظِرَةٌ}. هو من التأخير. ورفعها على معنى: " فعليكم نظرة ". / وحكى أبو إسحاق: " فناظرة " من التأخير. وقيل: [هو من أسماء المصادر كقوله: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} [الواقعة: 2]. ورد أو حاتم ذلك وقال: " إنما يجوز هذا في نظر العين، مثل الذي في النمل قوله: {بِمَ يَرْجِعُ المرسلون} [النمل: 35]. والمعنى: " إن كان الذين لكم أن ترجعوا عليهم برؤوس أموالكم ذوي عسرة، فعليكم أن تنظروهم إلى مسيرة ". وفتح السين وضمها لغتان. وأجاز النحاس النصب على
المصدر. وهذه الآية ناسخة لما كان في أول الإسلام. كان الرجل إذا اتبع في دين ولم يكن معه ما يقضيه بيع في الدين. روي عن النبي عليه السلام: " أنه أمر أعرابياً ببيع رجل له عليه دين، ولا مال معه ". وقال قوم: " إنما هذا الإنظار في الربا خاصة، وليس لمن عليه دين لا يؤديه إلا السجن حتى يؤديه كان معه أو لم يكن لقوله: {إِنَّ الله/ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا} [النساء: 58]. قال ابن عباس: " نزلت في الربا ". / وأكثر الفقهاء على أن الآية عامة في كل من عليه دين، ولا شيء معه، ينظر إلى يسره إذا صح فَقْرُهُ وثبت.
قوله: {وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}. أي وصدقه رؤوس أموالكم على المعسر خير لكم إن كنتم تعلمون الفضل. وقال قتادة: " ندبوا أن يتصدَّقوا برؤوس أموالهم على الغني والفقير ". وقال غيره: " ذلك على المعسر خاصة ". قال عمر بن الخطاب رضي لله عنه: " آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإن نبي الله قبض من قبل أن يفسرها ". قال ابن عباس: " آخر آية نزلت: {واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله}. كذلك قال السدي وعطية وابن جريج. واليوم في هذا يوم القيامة.
282
وقيل: هو يوم موت الإنسان لأنه وقت قدومه على الله. ويروى أن النبي عليه السلام قال: " أَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقَالَ: اجْعَلْهَا عَلَى رَأْسِ ثُمَانَينَ وَمَائَتَيْنِ مِنَ البَقَرَةِ ". ومعنى الآية: التحذير والتخويف في أخذ الربا وارتكاب ما نهي عنه. وروي أنها نزل على النبي عليه السلام قبل موته بثلاث ساعات فقال النبي عليه السلام: " اجْعَلُوهَا بَيْنَ آيَةِ الدَّيْنِ وَآيَةِ الرِّبَا ". وقال مقاتل: " نزلت قبل/ وفاته بتسع ليال ". قوله: {يا أيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ}. قال ابن عباس: " نزلت في السلم خاصة، في كيل معلوم إلى أجل معلوم ". يريد بثمن نقد معلوم من غير أن يكون طعام في طعام.
وروي عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري " أنه واجب أن يكتب إذا باع بدين ". وهو قول ابن سيرين وأبي قلابة والضحاك وجابر بن زيد ومجاهد. / وقال عطاء: " أشهد إذا بعت، وإذا اشتريت بدرهم أو نصف درهم أو بثلث درهم أو أقل من ذلك، فإن الله يقول: {وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. وهو مذهب الطبري. وقال أبو سعيد الخدري: " كان ذلك فرضاً ثم نسخه {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283]. وبه قال الحسن والحكم وعبد الرحمن بن زيد والشعبي. وأكثر الفقهاء على أنه ندب وإرشاد لا على الحكم. وهو قول مالك والشافعي.
وقال الطبري: " الآية على الأمر حتى يأتي دليل يدل على أنها ندب وإرشاد ". وقال: " من جعل الإشهاد فرضاً، لا يجوز أن يكون هذا منسوخاً لأنه يلزم منه رفع حكم الإ شهاد. والإشهاد جائز بإجماع. وفي تركه وقع الاختلاف فلو كانت منسوخة لم يجز الإشهاد لأن حكم المنسوخ ألا يبقى حكمه ولم تأت آية فيها/: " لا تكتبوا ولا تشهدوا ". بل لك حسن جائز بإجماع وواجب عندنا. وإنما معنى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} عند عدم الكاتب والشهود ". قال أبو محمد Bهـ: وهذا الاعتراض لا يلزم لأنه يجب منه ألا يعمل بما نسخ البتة. وقد نسخ فرض صوم عاشوراء وفرض صوم ثلاثة أيام من كل شهر. ونسخ فرض قيام الليل، وفعل ذلك حسن مُرَغَّبٌ فيه. كذلك فرض الإشهاد، هو منسوخ، وفعله حسن جائز. وقول الطبري: " الآية على الأمر حتى يأتي دليل يدل على الندب ". جوابه: أن الدليل على أنه صار ندباً قوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً}. ولا يحمل
على معنى عدم الكاتب والشهود إلا بدليل. قوله: / {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ}. قيل: هو واجب عليه أن يكتب إذا دُعي إلى ذلك. قال الضحاك: " نسخها: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ}. وقال السدي: " لا يأب كاتب أن يكتب إذا كان فارغاً ". {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً}. أي لا يظلم ولا ينقص من حق الرجل/ الذي له الحق شيئاً. قوله: {فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق}. أي من عليه الدين. {سَفِيهاً}. أي جاهل بالصواب الذي يمليه عليه الكاتب. {أَوْ ضَعِيفاً}. أي أخرق. قاله ابن عباس، وقاله مجاهد وغيره. وقال السدي: " السفيه الصغير ".
وأصل " السفيه " الخفيف العقل من قولهم: " تَسَفَّهَتِ الْرِّيحُ الشَّيْء " إذا استخفته فحركته. قال السدي: " الضعيف الأحمق ". {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل}: أي ولي السفيه والضعيف. قاله الضحاك. وقال ابن عباس: " ولي الدين هو الذي هو عليه " أي فَلْيُقِرْ وَلَيُّهُ بِمَا عَلَيْهِ وَلْيَشْهَدْ. وقيل: ولي الدين هو العيي واليتيم. فالهاء في {وَلِيُّهُ} تعود على الدِّين أو على صاحب الدَّين أو على المطلوب. قوله: {واستشهدوا شَهِيدَيْنِ}. اختير " فَعِيلٌ " لأنه للتكثير، فمعناه: استشهدوا من عُرف بالشهادة والشاهد يقع لغير التكثير، يقال: " فُلاَنٌ شَهِيدِي وَشَاهِدِي ".
قوله: {مِّن رِّجَالِكُمْ} أي من الأحرار المسلمين. قوله: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان}. قال ابن بكير: " هذا مخاطبة للحكام "، أي إن لم يأت صاحب الحق برجلين أتى برجل وامرأتين، فليس معناها أنه لا يشهد الرجل والامرأتان إلا عند عدم الرجلين. لأن فاعلاً لو فعله وهو واحد الرجلين لتم إشهاده ". ومعنى الآية/ عند غيره أنها مخاطبة لصاحب الدين، أي فاستشهدوا [من حضر]؛ رجلين، أو رجلاً وامرأتين. ومعنى: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء}. أي من العدول المرضيين، وإنما تجوز شهادة النساء عند مالك، ومن قال بقوله في الأموال خاصة؛ لأنه المكان الذي تكون فيه لا يتعدى إلى غيره. قوله: {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى}. أي فتصير إحداهما ذكراً باجتماعهما. تقول العرب " اذَّكَرَتِ المَرْأَةُ " إذا
ولدت ذكراً، قال ذلك ابن عيينة. وليس هو عنده من الذِّكر بعد النيسان. وأكثر الناس على أنه من الذكر بعد النسيان لقوله تعالى: {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} أي إن تنسى فتذكرها الأخرى ما نيست. قوله: {وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ}. أي لا يتخلفوا عن أداء الشهادة إذا دعوا ليشهدوا على الكتاب والحقوق. قاله قتادة والحسن. وقيل: معناه: لا يتأخروا إذا دُعُوا ليؤدوا ما قد شهدوا عليه، وذلك إذا لم يجد غيره، فإن وجد غيره فهو مخير/ فأما إذا دعيت إلى شهادة لم تشهد بعد بها، فأنت مخير في ذلك. هذا/ قول مجاهد وعطاء وغيرهما. وهو قول مالك.
والألف واللام في {الشهدآء} يدلان على أنه لشهادة متقدمة إذا دعوا [ليوصلوها إلى] حكم، فلا يتخلفوا إذا لم يوجد غيرهم. وعن عطاء أنه إذا دعي ليشهد لزمه ذلك. قوله: {وَلاَ تسأموا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إلى أَجَلِهِ}. أي لا تملوا أن تكتبوا صغير حقوقكم وكبيرها إلى أجله، فإن الكتاب أحضر للأجل والمال. {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ} أي أعدل. {وَأَقْومُ} أي أصوب. {وأدنى أَلاَّ ترتابوا}. أي أقرب ألا تشكوا في الدين والأجل. ثم أرخص في التجارة الحاضرة التي هي يداً بيد غير أن يكون طعام في طعام متفاضلاً ألا تكتبوها.
ثم قال: {وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. قال الضحاك: " ما كان من بيع حاضر، فإن شاء أشهد وإن شاء ترك. وما كان من بيع إلى أجل فليشهد ". قال مالك: " هو مخير في الإشهاد، وتركه ". / ويروى عن ابن عمر أنه قال: " الشهادة واجبة في كل ما يباع من قليل أو كثير بقوله D: { وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. وهذا عند جماعة منسوخ بقوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ}، وهو نسخ/ فرض إلى ندَب، كنسخ رمضان ليوم عاشوراء؛ من شاء صامه، ومن شاء تركه. وكالامتحان؛ من شاء امتحن، ومن شاء ترك، بعد قوله: {فامتحنوهن} [الممتحنة: 10]. فكان الإشهاد واجباً ثم صار ندباً بقوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً}. ففي هذا الحكم ثلاثة أقوال: الأول: أنه محكم يعمل به، والثاني: أنه منسوخ، والثالث: أنه ندب وترغيب. تم الجزء السابع
قوله: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}. قال الحسن وغيره: " معناه لا يضار كاتب فيزيد ما لم يملل عليه في الكتاب أو يُحرّف، ولا شهيد فيكتم الشهادة أو بغيرها ". وقال ابن عباس وغيره: " معناه لا يضارا فيتخلفا عن الكتابة والشهادة ويقولان: علينا شغل ولنا حاجة ". وقيل: المعنى: لا [يضار فيما قد شهدا] فيه فيتخلفا عن أدائه إلى الحاكم. وفي كل هذه الأقوال يرتفع [الكاتب والشهيد/ معاً بفعلهما]. وروي عن عمر Bهـ أنه كان يقرأ: " وَلاَ يُضَارَر " برأءين ظاهرتين الأولى مفتوحة.
وكذلك روى الضحاك عن ابن مسعود. وكذلك روى ابن كثير عن مجاهد. وتأويله: أن يضارا في أن يدعيا وعنهم غنى، ويشغلا عن أشغلالهما، ويعنفا تعمداً. وقال الضحاك: " هو أن يكونا على حاجة مهمة فيقولان: اطلب غيرنا، فيقول: إن الله أمركما بذلك، ليؤثمهما ". وكذلك قال السدي وطاوس، وهو اختيار الطبري، لأن الخطاب من أول الآية إنما هو للمكتوب له والمشهود له، وليس للكاتب والشاهد خطاب تقدم فيرد هذا عليه، ويبين هذا قوله: {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}، ولم يقل: " وإن تفعلا "، فيرد على الكاتب والشاهد، إنما رده على أهل الكتابة/ والشهادة فالنهي لهم أبين، ألا يضاروا الكاتب والشهيد فيشغلوهما عن شغلهما وهم يجدون غيرهما.
ومعناه: وإن تضاروهما فإنه إثم حال بكم. فيكون الكاتب والشهيد على هذا التأويل مرفوعين على أنهما مفعولان لم يسم فاعلهما. وكان الزجاج يختار أن يكون النهي للكاتب ألا يزيد في كتابته ولا يحرف، و [للشهيد ألا] يتخلف ولا يغير، ويكون قوله: {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} رداً إلى الكاتب والشهداء؛ أي إن حرفتم أو زدتم أو تخلفتم من غير عذر فإنه إثم وخروج عن الحق. والهاء في {فَإِنَّهُ} عائدة على الضرار. وقيل: على الفعل، أي فإن هذا الفعل فسوق بكم. وقيل: الفسوق هنا الكذب في الشهادة والكتاب. قوله: {واتقوا الله}. أي في ترك المضارة، وفيما تقدم ذكره من حدوده. قوله: {وَيُعَلِّمُكُمُ الله}. أي يبين الله لكم الواجب لكم وعليكم لتعمَلُوا به.
283
{والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. أي علم جميع ما تعملون ويحصيها عليكم ليجازيكم بها، فاحذروا المخالفة. قوله: {وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً} الآية. قوله: {فرهان} هو جمع رهن، كبَغْلٍ وبِغَالٍ وكَبْشٍ وكِبَاشٍ. ومن قرأ: " فَرُهُنٌ " فهو جمع الجمع. هو جمع " رِهَانٍ ": ك " كِتَابٍ ": و " كُتُبٍ "، / و " حِمَارٍ " و " حُمُرٍ ". وقيل: هو جمع " رَهْنٍ "، ك " سَقْفٍ " و " سُقُفٍ ". ومن قرأ " فَرُهْنٌ " بالإسكان/ فإنما أسكن الضمة لثقلها. وقرأ ابن عباس " كِتَاباً "، وقال: " قد لا توجد الصحيفة "، وكذلك قرأ
أبو العالية وعكرمة والضحاك ومجاهد. وهو واحد الكتب. وقيل: هو جمع " كَاتِبٍ "، كما يقال: " قَائِمٌ " و " قِيَامٌ ". وروي أيضاً عن ابن عباس: {وَلَمْ تَجِدُواْ} " كُتَّاباً "، على وزن " فُعَّالٍ " وهو جمع " كاتب "، " كضَارِبٍ " و " ضُرَّابٍ ". وهذه الآية أرخص الله فيها في قبض الرهان عند عدم الكاتب، والرهن لا يكون رهناً حتى يقبض من مالكه بقوله: {مَّقْبُوضَةٌ}، سواء قبضه المرتهن عنده أو جعله على يدي عدل عند مالك. قوله: / {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن}. أي إن ترك صاحب الدين، أخذ الرهن، وأمن الذي عليه الدين، فليؤد ما عليه لأنها أمانة، وليتق الله ربه فيما قد اؤتمن به.
284
وقال الضحاك: " هذه الأمانة التي فسخ فيها إنما في السفر، دون الحضر ". قوله: {وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة}. هو نهي للشهداء وتحذير لهم. {فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}. أي فاجر قلبه. {والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}. أي يعلم ما تصنعون في شهاداتكم من أحالتها، والإتيان بها على وجهها فيحصي ذلك عليكم/ ويجازيكم به. قوله: {للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض}. قال ابن عباس: " قوله: {وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله}، منسوخة بقوله: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت}. ومعنى قول: " إنها منسوخة "، أي نزلت على نسختها لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ.
وقيل قي: إن الآية محكمة، وإن المؤمن والكافر يحاسبان بما أبديا وأخفيا، فيغفر للمؤمن، ويعاقب الكافر. وقيل: إن الآية مخصوصة في كتمان الشهادة خاصة وإظهارها. روي ذلك عن ابن عباس. وروي عن عائشة أنها قالت: / " ما هَمَّ به العبد من خطيئة عوقب على ذلك بما يلحقه من الهم والحزن في الدنيا ". قال ابن عباس " إذا جمع الله الخلائق يقول: أنا أخبركم بما أكننتم في أنفسكم. فأما المؤمنون فيغفر لهم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من شكهم وتكذيبهم، فذلك قوله: {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ}. قال ابن عباس: " لما نزلت هذه/ الآية وقع في قلوبهم شيء، فقال لهم النبي عليه السلام: " قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا "، فَأَلْقَى اللهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَنْزَلَ:
{ءَامَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والمؤمنون} إلى {أَوْ أَخْطَأْنَا}. قال " قَدْ فَعَلْتُ " {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً}، قال: " قَدْ فَعَلْتُ "، {واعف عَنَّا} إلى آخر السورة. قال: قَدْ فَعَلْتُ ". وقال السدي: " وقعت عليهم شدة عند نزول: {وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} حتى نسخها ما بعدها ". أي أزالت الشدة، من قولهم: " نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ " أي أزالته. {والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. أي يقدر على العفو لما أخفته نفس المؤمن، وعلى العقاب فيما أخفته نفس الكافر من الكفر والشك في الدين. وقال حذيفة: " سمعت النبي عليه السلام يقول: " أُعْطِيتُ آيَاتٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، لَمْ يُعْطَهَا نَبِيٌّ قَبْلِي، وَلاَ يُعْطَاهَا أَحَدٌ مِنْ بَعْدِي، ثم قرأ: {للَّهِ ما فِي السماوات
وَمَا فِي الأرض وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ} حتى ختم السورة ". وروى أبو هريرة أنه: " لما نزلت على النبي عليه السلام هذه الآية: {للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض}، وسمعوا فيها: {وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله} أتوا النبي A فجثوا على الركب فقالوا: " لا نطيق، كلفنا من العمل ما لا نطيق ولا نستطيع، فأنزل الله: {ءَامَنَ الرسول} إلى آخرها. وقال محمد بن كعب القرظي: " ما بعث الله نبياً إلا أمره أن يعرض على قومه، {للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} إلى قوله: {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} إلا قالوا: لا نطيق أن نؤاخذ بما نوسوس في قلوبنا، فلما بعث الله محمداً A أنزلها عليه فآمن بها، وعرضها على قومه، فآمنوا بها، وقالوا: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا}، قال: فخفف الله عنهم، فأنزل: {ءَامَنَ الرسول}. وحكى عنهم " أنهم قالوا: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} وأنزل الله: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت}، فنسخ المؤاخذة بالوسوسة. وقاله ابن مسعود. وقالت عائشة: هو الرجل يهم بالمعصية، ولا يعملها، فيرسل عليه من الهم
والحزن بقدر ما همَّ به من/ المعصية، فذلك محاسبته ". وروي أنها لما نزلت قال النبي [عليه السلام]: " وَيَحِقُّ لَهُ أَنْ يُؤْمِنَ " يعني نفسه. " وروي أنهم شكوا إلى النبي A شدة ما يلقون من قوله: {وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله}، / فقال لهم النبي [عليه السلام]: " لَعَلَّكُمْ تَقُولُونَ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا " كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرائِيلَ. بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا " فأنزل الله ذلك من قول النبي A ". وقرأ ابن عباس وابن مسعود: " لاَ يُفَرِّقُ " بالياء، رد على (كُلٌّ) أي " كُلٌّ لاَ يُفَرِّقُ ". وقوله: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} أي سترك علينا. وروي أن النبي A لما أنزل عليه: {ءَامَنَ الرسول} / إلى {وَإِلَيْكَ المصير}. قال له
جبريل: " إن الله قد أَجَلَّ الثناء عليك/ وعلى أمتك، فَسَلْ تُعْطَهُ ". فسأل إلى آخر السورة: " رَبَّنا رَبَّنا ". قوله: {إِلاَّ وُسْعَهَا}: أي طاقتها فيما تعبدنا به. فهذا توسيع ورخصة من الله وهو/ مثل قوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، ومثل: {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر} [البقرة: 185]، ومثل: {فاتقوا الله مَا استطعتم} [التغابن: 16]. قوله: {إِن نَّسِينَآ}. أي: نسينا فرضاً فرضته علينا، فلم نفعله. {أَوْ أَخْطَأْنَا}. أي: في فعل شيء نهيتنا عنه، ففعلناه على غير قصد إلى معصيتك. قال النبي A: " تَجَاوَزَ اللهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ نِسْيَانِهَا وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ". وكان النحاس يقول: النيسان هنا الترك لأن الله تعالى لا يوصف بأن يعاقب
على النيسان فيسأل في العفو عنه، لأنه ليس من تعمد العبد. إنما هي آفة تدخل عليه. وهو قول قطرب. قوله: {إِصْراً}. أي: عهداً. قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم. وقال غيره: " لا تحمل علينا ذنوبنا، فتعاقبنا بمسخ أو عذاب كما كان من قبلنا ". وقال الضحاك: في قوله: {وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله}، قال: " إذا دعي الناس ليوم الحساب أخبرهم الله بما كانوا يسرون في أنفسهم، فيقول: " إِنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنِّي شَيْءٌ وَإِنَّ كُتَّابِي مِنَ المَلاَئِكَةِ لَمْ يَكُونُوا يَطَّلِعُونَ عَلَى مَا تُسِرُّونَ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَإِنِّي لاَ أُحَاسِبُكُمْ بِهِ الْيَوْمَ ". قال الضحاك: هذا قول ابن عباس. وعن ابن عباس أن الله جل ذكره نسخ هذه الآية بقوله: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}، قال: لما نزلت: {وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ} الآية، وجدوا في أنفسهم منها وجداً
شديداً فنسخ الله ذلك وأجارهم. منها، ثم علمهم أن يقولوا إذا عملوا سيئة: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} إلى قوله: {مِن قَبْلِنَا}. قال: " وكان الذين من قبلهم، إذا عملوا سيئة حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم، وذلك قوله: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ/ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160]. وقال للمؤمنين: قولوا: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} إلى قوله: {الكافرين}. قال: " فهذا شيء أعطاه الله أمة محمد A لم يُعْطِهِ أحداً ممن كان قبلهم من الأمم ألا يؤاخذوا بنسيان ولا خطأ غيرَهم ". وقال الحسن: " قال النبي A: " تَجَاوَزَ اللهُ لاِبْنِ آدَمَ عَمَّا نَسِيَ وَعَمَّا أَخْطَأَ وَعَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ وَعَمَّا غُلِبَ عَلَيْهِ ".
وروى عبد الله بن أبي أوفى أن النبي عليه السلام قال: " إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ ". وروي أن ابن عمر قرأ هذه الآية وبكى بكاءً شديداً، ثم ق ل: " والله لئن آخَذنا اللهُ بهذا لنهلكن "، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: " يرحم الله أبا عبد الرحمن؛ لقد وجد المسلمون منها مثل ما وجد حتى أنزل الله بعدها: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت}. قال ابن جبير: " لما نزل: {وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ}، شق ذلك على الناس حتى نزلت بعدها: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت} ". قال مجاهد: " معنى: {وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}: يعني من الشك واليقين ".
قال ابن جبير: " نسخت {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} قوله: {وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ} أو تخفوه الآية ". وقاله إبراهيم/ والشعبي. قال الضحاك: " لما نزلت {ءَامَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ}، إلى آخر/ السورة، قال الله جل ذكره: " قَدْ فَعَلْتُ ". وروي عن الحسن والضحاك - أو عن أحدهما - أنه قال في قوله تعالى: {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}: " معناه: سمعنا القرآن أنه جاء من عند الله وأطعنا ". يقول: " أقروا على أنفسهم بالطاعة لله فيما أمرهم به ونهاهم عنه ". وروى حذيفة أن النبي عليه السلام قال: " أُوتِيتُ هَؤُلاَءِ الآيَاتِ مِنْ [آخِرِ سُورَةِ] البَقَرَةِ مِنْ بَيْتٍ كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ، لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِنْهُ قَبْلِي، وَلاَ يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُ بِعْدِي ".
وروى النعمان بن بشير أن النبي عليه السلام قال: " إِنَّ الله تَعَالَى كَتَبَ كِتَاباً قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بِأَلْفَيْ عَامٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ البَقَرَةِ وَلاَ تُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلاَثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبَهَا شَيْطَانٌ ". وقال علي بن أبي طالب Bهـ: " إن خواتم سورة البقرة وفواتحها من كنز تحت العرش ". وروي أنها لما نزلت قال النبي A: " وَيَحِقُّ لَهُ أَنْ يُؤْمِنَ " يعني نفسه. وذكر ابن الأنباري في هذه الآية ثلاثة أقوال: قال: إن الله تعالى يعاقب الذي يحدث/ نفسه بالمعصية، ولا يعلمها، بِهَمٍّ أو حزن وبشبهه، ثم لا يحاسبه على
ذلك يوم القيامة وهو معنى قول عائشة Bها. / والقول الثاني: إن الله يُقبل على العبد يوم القيامة فيخبره بما حدث به نفسه من خير وشر، ثم لا يجزيه بما لم يظهر منه من عمل، وهو معنى قول الضحاك. والقول الثالث: إنه منسوخ بقوله: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}. فالوسوسة وحديث النفس لا يملك الإنسان صرفه، ولا قدرة له على دفعه. قوله: {لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا}. روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قال النبي A: / " أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، اللهُ يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ لَكَ: إِنِّي قَدْ تَجَاوَزْتُ لَكَ عَنْ أُمَّتِكَ الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ". وقال ابن زيد: " {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً}، اي ذنباً لا توبة منه ولا كفارة فيه ". وقال ابن وهب عن مالك: " الإصر: الأمر الغليظ ". وقال أهل اللغة: " الإصر: الثقل ".
وقيل: معناه: لا تحمل علينا فرضاً يصعب علينا أداؤه، كما حملت على بني إسرائيل بعضهم يقتل بعضاً، وشبهه. قوله: {وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}: أي لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق. وقال قتادة: معناه: لا تشدد علينا كما شددت على] من كان قبلنا. ومعنى: {مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} أي: ما لا نستطيعه إلا بمشقة شديدة وكلفه عظيمة. فإنما سألوا دفع ما في طاقاتهم لو كلفوه، ولكن له مشقة كلفة. ولم يسألوا دفع ما لا يطيقونه لو كلفوه، لأن ذلك لا يوصف به الله D فيجوز أن يسألوا في دفعه عنهم. قوله: {واعف عَنَّا}: أي امح ذنوبنا. والعافي الدارس. {واغفر لَنَا}: أي حط عنا ذنوبنا. {أَنتَ مولانا}: أي ولينا. وروت أم سلمة أن النبي عليه السلام قال: " إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لَكُمْ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ الْخَطَأ
والنِّسْيَانِ وَالاسْتِكْرَاهِ ". وعن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: " إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ ".
الهداية إلى بلوغ النهاية لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 347 هـ المجلد الثاني آل عمران - النساء 1429 هـ - 2008 م
آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم سورة آل عمران وهي مدنية قوله: {الم * الله لا إله إِلاَّ هُوَ}. قد تقدم ذكر {الم} في أول البقرة، وذكر {لا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم} عند ذكر آية الكرسي. وأجاز الأخفش كسر الميم في {الم * الله} لالتقاء الساكنين.
ومن أسكن الميم وقطع فعلى نية الوقف، وكذلك إسكان الميم في {الم * ذَلِكَ الكتاب} [البقرة: 1 - 2] و {الم * غُلِبَتِ الروم} [الروم: 1] وشبههما. ومن فتح فإنه حرك الميم لسكونها وسكون الياء قبلها، ولم يكسر لاستثقال الكسر بعد الياء وقد قال الفراء: " من فتح ألقى حركة الهمزة على الميم ".
3
وفي " القيوم " من القراءات والمعاني مثلما ذكر في آية الكرسي. وأحسن ما قيل فيه: إنه القائم على كل شيء، الذي لا يزول، الدائم. قوله: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق} يعني القرآن. {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: يصدق ما تقدمه من كتب الله. وقوله: {وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل} أي: من قبل نزول القرآن. وقوله {هُدًى لِّلنَّاسِ}: يعني اليهود والنصارى، وهذا كله رد على من جحد القرآن. وكان سبب هذه السورة في نزولها بالتوحيد، وذكر يحيى وعيسى: أن طائفة من النصارى قدموا على النبي A من نجران فحاجوه في عيسى وألحدوا، فأنزل الله في أمرهم وأمر عيسى من هذه السورة نيفاً وثمانين آية من أولها، احتجاجاً عليهم، ودعاهم النبي عليه السلام إلى الإسلام فقالوا: قد أسلمنا فقال A: كذبتم.
يمنعكم من الإسلام ادعاؤكم لله ولداً، وعبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير، فأبوا إلا المقام على كفرهم، فدعاهم إلى المباهلة، فأبوا ذلك وسألوه أخذ الجزية فقبلها، وانصرفوا إلى بلادهم. وكان من أول ما سألوه أن قالوا: من أبو عيسى عليه السلام؟ فسكت النبي A. فأنزل الله صدر السورة بتوحيده وتعظيمه رداً عليهم، ووصف نفسه بالحياة تقريعاً لهم، لأنهم يعبدون عيسى وهو عندهم قد مات وقال: {هُوَ الذي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَآءُ} [آل عمران: 6]. وقال: {إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِءَادَمَ} [آل عمران: 59]. وكان ممن قدم عليه ثلاثة رؤساء (لهم) منهم: أحدهم العاقب، وهو
عبد المسيح. والآخر: السيد، وهو الأيهم. والثالث أبو حارثة بن علقمة، أخو بكر بن وائل. والإنجيل " الأصل من: نجلته " الشيء: أخرجته، ويقال نجله أبوه أي: جاء به وجمعه أناجيل، وهو إفعيل وجمع التوراة: توار. قوله: {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}، (أي) لما قبله من كتاب ورسول ". قوله: {وَأَنزَلَ الفرقان}. هو ما يفرق به بين الحق والباطل في أمر عيسى.
5
وقيل: في أحكام الشرائع، وقيل: فيهما. قوله: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}. أي: إن الذين حجدوا بآيات الله وقالوا: إن عيسى ولده واتخذوه إلأهاً {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}. معناه: من كان بهذه الحال يا محمد كيف يخفى عليه ما يضاهي به هؤلاء في عيسى. قوله: {هُوَ الذي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَآءُ}. أي: يجعل هذا ذكَراً وهذا أنثى، وهذا أسود وهذا أحمر فلذلك خلق عيسى لا من رجل كيف شاء، ولو كان إلهاً ما اشتملت عليه الآرحام، وانتقل من حالة إلى حالة. قوله: {هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ}. قال ابن عباس: [هي]:
{قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] إلى ثلاث آيات، وفي بني إسرائيل {وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين} [الإسراء: 23]، قال: والمتشابه نحو: آلَم، والروح وشبهه. وقال مجاهد وعكرمة، ويحيى بن يعمر: المحكمات: الحلال والحرام والأمر والنهي، وما سوى ذلك فمتشابه يصدق بعضه بعضاً. وقال الضحاك: المحكمات الناسخات، والمتشابهات المنسوخات. وأهل المعاني على (أن) المحكم ما قام بنفسه، وفهم في ظاهر لفظه، ولم يحتمل إلآ ذلك، والمتشابه ما احتاج إلى تأويل وتفسير واحتمل المعاني.
وسمى المحكمات أم الكتاب لأنهن معظمه، وأكثره. وقيل: سماهن أم الكتاب لأن فيهن الدين من: حلال وحرام وأمر ونهي وفرض وغير ذلك، فهذا الأصل الذي تعبدنا به. وإنما وحد الأم لأن معناه: هن أصل الكتاب. وقيل: المعنى هن الشيء الذي كل واحدة منهن أم الكتاب. قوله: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}. قيل معناه: اشتبهت على اليهود إذ سمعوها وهي أوائل السور: حروف التهجي، متشابهات في التلاوة مختلفات في المعاني. وقال ابن عباس: متشابهات: هو المنسوخ، والمقدم والمؤخر.
وقال قتادة وغيره: المحكمات: الناسخات، والمتشابهات المنسوخات. وقيل: المحكمات ما حكمت في ألفاظ قصص الأنبياء والأمم، والمتشابهات ما حكمت فيه ألفاظ القص والأخبار، قاله، قاله ابن زيد. [قال:]: نحو {فاسلك فِيهَا} [المؤمنون: 27]، {احمل فِيهَا} هود: 40]، {اسلك يَدَكَ} [القصص: 32]. . . . . . . [ادخل يدك]، {حَيَّةٌ تسعى} [طه: 20]، {ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} [الشعراء: 32]، ونحوه، فهذا المتشابه. وقيل: المحكم ما علم تأويله العلماء، والمتشابه ما لم يعلم تأويله أحد، وقد أفردنا الكلام على هذه الآية في كتاب مفرد متقصى فيه
الاختلاف فيها وموضع الوقف. قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ}. أي: ميل عن الحق وهو الشك {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} وهو ما احتمل التأويلات " يبتغون بذلك الفتنة " أي: الكفر. قال ابن عباس: يحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم يلبسون على الناس. وقال السدي: يعترضون في الناسخ والمنسوخ فيقولون: ما بال هذه وما بال هذه. وعنى بهذا الوفد من نصارى نجران ومن هو مثلهم. لأنهم خاصموا النبي A في عيسى. وقال قتادة: إن لم يكونوا الحرورية فما أدري من هم؟.
وروت عائشة أن النبي A قال: " إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنوا بقوله: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} ". قال السدي والربيع {ابتغاء الفتنة} أي: الشرك وقال مجاهد: ابتغاء الشبهات. قال ابن عباس معنى: {ابتغاء تَأْوِيلِهِ} هو طلب الأجل في مدة محمد وأمته من قبل الحروف التي في أوائل السور وذلك أنهم حسبوها على حروف الجمل بالعدد فقالوا: هذه مدة محمد وأمته. قال السدي: أرادوا أن يعلموا عواقب القرآن وهو تأويله متى ينسخ منه شيء.
وقيل معناه: وابتغاء تأويل المتشابه على ما يريدون من الزيغ. قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله}. أي: ليس يعلم متى تقوم الساعة وتنقضي مدة أمة محمد عليه السلام إلا الله. {والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ}. أي: يسلمون ويقولون صدقنا، وهو قول ابن عباس وعائشة وابن مسعود، وجماعة من التابعين، وهو قول مالك. وروى عن نافع ويعقوب والكسائي، إن الوقف {إِلاَّ الله} وهو قول
الأخفش والفراء وأبي حاتم، وأبي إسحاق، وابن كيسان، وهو اختيار الطبري. ومعنى التأويل: التفسير وهو عند أكثرهم قيام الساعة لأنه ما تؤول إليه الأمور. ومعنى: {والراسخون فِي العلم} الذين قد أتقنوا علمهم، وأًله من: رسخ إذا ثبت.
وروي عن ابن القاسم أن مالكاً سئل عن الراسخون في العلم: من هم؟ فقال: العامل بما علم، المتبع له. (وقال في رواية ابن وهب عنه: العالم العامل بما علم المتبع له). وعن أسامة أن النبي A سئل عن الراسخون في العلم فقال: " من برّت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وعَفَّ بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم ". وقيل: الراسخ في العلم من وقف حيث انتهى به علمه. قوله: {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}. أي: ما نسخ وما لم ينسخ من عند الله.
8
وقول أكثر العلماء: إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه. قال عروة بن الزبير: الراسخون في العلم لا يعلمون تأويله ولكن يقولون: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}. قوله: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب}. أي ما يتذكر فيعلم الحق فيؤمن به إلا أولو العقول. قوله: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا}. أي: لا تملها عن إيمانها بالمتشابه والمحكم فأنت هديتنا. قوله: {رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ الناس. . .}. أي: ويقولون أيضاً مع قولهم: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ}، ومع قولهم {آمَنَّا بِهِ}: {رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ}. لا شك فيه. قوله: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ. . . .}.
11
يعني: من حاجَّ محمداً ( A) في عيسى لا تغني عنهم الأموال والأولاد يوم القيامة في شيء. قوله: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ}. أي: كعادتهم، وقيل كصنعهم: وقيل كشأنهم. وقيل: كسنتهم في التكذيب والكفر، أي: تكذيب هؤلاء (كتكذيب هؤلاء) وصنعهم كصنعهم، وسنتهم كسنتهم والدأب: العادة قوله: {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ}. من قرأ بالتاء فعلى الخطاب لهم لقوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} كأنه قال: [قل] يا محمد للذين
(يتبعون) ما تشابه من القرآن ابتغاء الفتنة: {سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ} يعني اليهود، فهم المغلوبون. ومن قرأ بالياء فعلى معنى، قل لليهود سيغلب المشركون. فمن قرأ بالتاء كان المعنى: إن الله أمر النبي A أن يقول لهم هذا القول بعينه. [ومن قرأ بالياء فالمعنى: إن الله أمر النبي A أن يقول لغيرهم هذا القول وهم اليهود. واحتج] من قرأ بالتاء أن النبي عليه السلام جمع يهود بعد وقعة بدر، فقال لهم: أسلموا قبل أن يصيبكم مثلما أصاب قريشاً يوم بدر، فأبوا، وقالوا: لا تغرنك نفسك أنك قاتلت قريشاً وكانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت ما نحن عليه فأنزل الله [تعالى] {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ} إلى قوله {الأبصار}.
13
وحجة من قرأ بالياء ما روي أن اليهود تضعضعوا، وخافوا مثل يوم بدر وقالوا: هذا لا تزيح له راية فقال بعضهم لا تعجلوا بتصديقه حتى تكون وقعة أخرى فلما نكب المسلمون يوم أحد كذبت اليهود وفرحت فأنزل الله: قل يا محمد لليهود سيغلب المشركون ويحشرون إلى جهنم قوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا. . . .} الآية. قرأ الحسن {فِئَةٌ}، {كَافِرَةٌ} بالخفض فيهما على البدل، من {فِئَتَيْنِ}. ومن رفع فعلى إضمار مبتدأ.
وقال أحمد بن يحيى: يجوز النصب على الحال. وقال الزجاج: النصب بمعنى أعني. ومن قرأ {يَرَوْنَهُمْ} بالتاء فعلى المخاطبة لليهود، أي ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين. ومن قرأ بالياء جعل الرؤية للمسلمين، أي: يرى المؤمنون المشركين مثلي أنفسهم. وكان المسلمون يوم بدر ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً. وقيل ثلاثة عشر، والمشركون تسعمائة وخمسون. وقيل: كانوا ألفاً.
وقيل: كانوا ما بين ألف إلى تسعمائة. وقد وعد الله المؤمنين بأن الرجل منهم يغلب الرجلين فأراهم الله المشركين مثليهم لتقوى نفوسهم، وكانت تلك آية أن رأوا الكثير قليلاً كما قال: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ} [الأنفال: 44]. وأنكر أبو عمرو قراءة من قرأ بالتاء وقال لا يلزم أن يقرأ مثليكم، هذا الرد إنما يلزم لو كانت الرؤية تنصرف على المسلمين، ولا يمكن إلا ذلك. وقراءة التاء تنصرف على اليهود الذين تقدم ذكرهم. والمعنى: قد كانت لكم أيها اليهود علامة في صدق محمد A وصحة ما دعاكم إليه بنصر (الله) تعالى إياه يوم بدر وأعداؤه مثلا من معه.
وقيل: [المعنى] على قراءة التاء في ترونهم أيها المؤمنون مثلي أصحابكم. وقال ابن كيسان: الضمير في {يَرَوْنَهُمْ} يعود على {أخرى كَافِرَةٌ}. والهاء والميم في {مِّثْلَيْهِمْ} يعودان على فئة. وقال الفراء: معنى " مثليهم " ثلاثة أمثالهم. قال ابن كيسان: كأنه جعل ترونهم يرجع إلى الكل أي: ترون الكل ثلاثة أمثال أصحابكم: هذا على [معنى] من قرأ بالتاء ". [ومن قرأ بالياء فعلى معنى يرى المؤمنون الكل ثلاثة أمثالهم، وتكون التاء مخاطبة لليهود فيكون المعنى ترون أيها اليهود الكل ثلاثة أمثال المؤمنين] وهذه كله يوم بدر. {والله يُؤَيِّدُ} اي: يقوي {بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ}.
14
وقوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات مِنَ النساء} الآية. هذا توبيخ لليهود إذ آثروا الدنيا على الآخرة، فنبذوا اتباع محمد A خوف أن تذهب رياستهم. وروي عن عمر أنه قال لما نزلت هذه الآية: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات}: " الآن يا رب حين زينتها " فنزل {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكم} الآية. فالمعنى: زين الله للناس ذلك ابتلاءً واختباراً منه كما قال: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: 7]، فأخبر بالعلة التي من أجلها جعل ما في الأرض زينة لها. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية ".
وقيل عنه: " القنطار ألف دينار ومائتان ". وقال ابن عباس: القنطار اثنا عشر ألف درهم. وقال ابن المسيب: القنطار ثمانون ألفاً. وعن أبي هريرة: أنه اثنا عشر ألف أوقية. وعن ابن عباس أنه قال: " هو دية أحدكم " وعنه: ثمانون ألف درهم [وعنه سبعون] ألفاً. وقال قتادة: القنطار ثمانون ألف درهم. وقيل: هو مائة رطل من ذهب، وهو قول قتادة. وعن مجاهد: القنطار سبعون ألف دينار.
وقيل: هو المال الكثير. وقيل: [هو] أربعون أوقية من ذهب أو فضة. وقال القتبي وغيره: هو ملء مسك ثور من ذهب، والمقنطرة المكملة. وقال الفراء: المقنطرة: المضعفة. وقال ابن كيسان: لا تكون المقنطرة أقل من تسعة قناطير. وقال السدي معنى المقنطرة: المضروبة دراهم ودنانير. وواحد الخيل عند أبي عبيدة: خايل. سمي بذلك لأنه يختال في مشيته وهو
كطير وطائر. وقيل: هو اسم للجمع لا واحد له من لفظه. والمسومة: الراعية، قاله ابن عباس، وابن جبير، وقتادة ومجاهد. وعن مجاهد أيضاً: هي الحسان المطهمة الحسنة الصورة. وعن ابن عباس أيضاً: المسومة: الممرجة، يريد الراعية في المروج. وقال ابن زيد: المسومة: المعدة للجهاد.
15
وواحد الأنعام: نَعَم ونِعَم، لا واحد [له من] لفظه قوله: {ذلك مَتَاعُ الحياة الدنيا}: أي: هذا الذي ذكر متاع الحياة الدنيا {والله عِنْدَهُ حُسْنُ المآب} أي: حسن المرجع للذين اتقوا ربهم، وهي الجنة والخلود فيها. والمآب: المفعل، من آب يؤوب، وأصله المأوب، ثم نقلت فتحة الواو على الهمزة، وانقلب [الواو] ألفاً كالمقال والمجال. قوله: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكم} الآية. (رفع {جَنَّاتٌ} على) الابتداء. ويجوز الخفض على البدل من {بِخَيْرٍ}.
ويجوز النصب على إعادة الفعل ويكون للذين متعلق بـ {أَؤُنَبِّئُكُمْ}. وقوله: {وَرِضْوَانٌ} أي زيادة الرضا بعد دخول الجنة. وروى ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله: أعطيكم أفضل من هذا؟ فيقولون أي ربنا، أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: أحل لكم رضواني ". وهذه الآية نزلت تعزية للمهاجرين الذين أخرجوا وتركوا ديارهم وأموالهم [فأعلمهم الله أن خيراً مما تركوا من الدنيا الجنة للذين اتقوا. قوله: {والله بَصِيرٌ بالعباد} أي: ذو بصر بمن يتقيه ويخافه ممن
16
لا يتقيه ويتبع الشهوات. وروي أن هذه الآية نزلت تعزية وتصبيراً للمهاجرين إذ فارقوا ديارهم وأموالهم] قدموا بلداً لا مال لهم فيه [ولا] ديار، فأُعلموا أن خيراً مما تركوا من الدنيا: الجنة، ثم مدحهم الله فقال: {الذين يَقُولُونَ رَبَّنَآ. . . .} الآية. قوله: {الذين يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ. . . .} الآية. في هذه الآية صفة من يتقيه ويخافه. ومعنى {فاغفر لَنَا}: استر علينا ذنوبنا. ثم وصفهم فقال: {الصابرين والقانتين}. الآية. ومعنى {الصابرين} الذين صبروا في البأساء والضراء وحين البأس أي: في القتال. وقال قتادة: صبروا عن محارم الله، وصبروا على طاعة الله ( D) . وقيل: الصابرون هم الصائمون، يقال لشهر رمضان شهر الصبر.
وقيل هم الذين يصبرون على طاعة الله D ويصبرون عن المعاصي وهو قول قتادة. ومعنى {والصادقين} في قول قتادة: هم قوم صدقت نياتهم. وعنه (هم) قوم صدقت أفواههم واستقامت قلوبهم وألسنتهم. والقانتون: المطيعون، وقيل: المصلون. والمنفقون: الذين يزكون كما أمر الله. ومعنى: {والمستغفرين بالأسحار}. قال قتادة: هم الذين يصلون بالأسحار. وروي عن ابن مسعود أنه الاستغفار بعينه. (و) عنه: أنه سمع رجلاً بالسحر يقول: أمرتني فأطعتك وهذا سحرك،
18
فاغفر لي. قال أنس بن مالك: أمرنا أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفارة. وقال زيد بن أسلم: " والمستغفرون بالأسحار " هم الذين يشهدون صلاة الصبح. وقيل: هو الاستغفار بعينه. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " إن الله يتنزل في ثلث الليل الأخير إلى السماء الدنيا يقول من يدعوني أستجب له من يستغفرني أغفر له ". قوله تعالى: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ. . .} الآية. نفى الله D بهذه الآية ما أضافته إليه النصارى الذين حاجوا النبي عليه السلام - في عيسى - وغيرهم، أنه إله فأخبرهم أنه {لاَ إله إِلاَّ هُوَ}، وأن ذلك شهد به هو،
19
وملائكته وأهل العلم من خلقه. قال أبو عبيدة: معنى شهد الله: قضى الله، أي: علم. وأنكر ذلك جماعة، ومعنى {قَآئِمَاً بالقسط} أي: بالعدل. وقرأ أبو المهلب: " شهدآء الله " رده على ما قبله، ونصبه على الحال. وروى عنه: شهداءَ الله على الحال أيضاً. وعنه: شهداءُ الله، رفع بالابتداء. قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام. . .} الآية. {بَغْياً بَيْنَهُمْ} منصوب بفعل دل عليه (اختلف) كأنه: اختلفوا بغياً بينهم، وقال الأخفش: [نصبه] باختلف، هذا الظاهر تقديره: (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغياً بينهم).
وهو حال عند الجميع. وقيل: مفعول من أجله. ومن كسر إن فعلى الابتداء، ومن فتح رده على شهداء أي: ويشهد بأن الدين. وقال ابن كيسان: إن الثانية بدل من الأولى، لأن الإسلام تفسير بمعنى [الدين] الذي هو التوحيد. وعن ابن عباس: شهد الله إنه، بالكسر فجعله خبراً وتفتح أن الدين برفع الشهادة عليها. وقد ألزم من قرأ بالفتح في أن الدين أن يقرأ: أن الدين عنده الإسلام،
لأن الإظهار يستغنى عنه، وقد منع النحويون: شهدت أن زيداً عالم، وأن زيداً بصير، والثاني هو الأول. وقال المحتج للكسائي: وقع الإظهار هنا للتعظيم والتفخيم كما قال: لا أرى الموت يسبق الموت (شيء). على التعظيم للموت. والذي هو أحسن من هذا، أن النحويين إنما منعوا الإظهار [فيما يمكن أن يتوهم أن الثاني غير الأول فيخاف الالتباس عند الإظهار]، والآية لا يمكن ذلك فيها، لأن هذا الاسم ليس هو إلا لواحد لم يتسم به غيره، لا إله إلا هو، فإظهاره مرة بعد مرة لا يوهم أن الثاني غير الأول، وإظهار زيد مرة [بعد
مرة] يوهم أن الثاني غير الأول. فليست الآية تشبه ما يقع في الكلام من غلإظهار بعد الإظهار، إذ زيد وغيره يصلح لكل أحد، وأما الموت فإنما ظهر في الثاني لأنه لا لبس فيه، إذ ليس ثم غير موت واحد، فليس يتوهم أن الثاني غير الأول وفي الإظهار مع زوال الالتباس معنى التعظيم والتفخيم كما تقدم. والدين: الطاعة ومعنى الإسلام: شهادة أن لا إلأه إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله. وأصل الإسلام: الخشوع والانقياد. وروى ابن عمر عن النبي عليه السلام أنه قال: " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان ".
وفي هذه الآية دلالة على ضعف قول من يفرق بين الإسلام والإيمان، ويجعل الإيمان أفضل من الإسلام، إذ أخبر الله جل ذكره {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام} فهو الإيمان بعينه، إذ لا يرضى الله من خلقه بما هو أدون، ويدل على ذلك قوله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]. فالإسلام: هو الإيمان إذا استوى الباطن والظاهر، فإن خالف الظاهر الباطن فيهما فليسا بدين يتقبله الله، نحو قوله: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] ونحو قوله {وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله وباليوم الآخر وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] لم يحصلوا على شيء لما خالف باطنهم ظاهرهم. وقد قيل: " إن الإسلام أعم من الإيمان، لأن الإيمان ما صدق به الباطن، والإسلام ما صدق به الباطن ونطق به الظاهر. ومعنى {الذين أُوتُواْ الكتاب} أي: الإنجيل، وهم النصارى الذين اختلفوا في محمد A. وقيل: في عيسى للبغي من بعدما جاءهم العلم، فعلوا ذلك طلباً للرياسة والدنيا، قوله: {سَرِيعُ الحساب} أي: أحصى كل شيء بلا معاناة ولا عدد.
20
وقال الربيع: {الذين أُوتُواْ الكتاب} هم اليهود، و {الكتاب}: التوراة، وذلك أن موسى على نبينا وعليه السلام، لما حضرته الوفاة دعا سبعين حَبْراً من أحبار " بني إسرائيل، فاستودعهم التوراة، واستخلف عليهم يوشع بن نون، فلما مضت ثلاثة قرون بعد موسى A وقعت الفرقة والاختلاف بين أبناء أولئك السبعين تنافساً في الدنيا، وطلباً للملك والرياسة. قوله: {فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ. . .} (أي): فإن حاجك يا محمد، النفر من نصارى نجران في أمر عيسى، فقل: أخلصت وجهي لله، أي: عبادتي لله، {وَمَنِ اتبعن} أخلص أيضاً، " من " في موضع رفع عطف على التاء في {أَسْلَمْتُ} أي ": أسلمت أنا ومن تبعني وجوهنا لله. وقيل: هي موضع خفض عطف على " الله " ومعنى الكلام أخلصت نفسي لله ول: " من اتبعني "
قوله: {وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب} يعني: اليهود والنصارى و {الأميين} يعني: " الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب، كأنهم نسبوا إلى الأم لجهلهم بالكتابة كالأم. وقيل: نسبوا إلى مكة، وهي أم القرى. أسلمتم أي: أقررتم بالتوحيد، {فَإِنْ أَسْلَمُواْ} أي: انقادوا وخضعوا لله ولدينه {فَقَدِ اهتدوا} والكلام يراد به الأمر وأخرج مخرج الاستفهام. والمعنى: قل لهم أسلموا، ولذلك دخلت الفاء في الجواب وهي مثل قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} [المائدة: 91] أي: انتهوا. [قوله: {وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ} هذا منسوخ. بالأمر بالقتال].
21
قوله: {إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقٍّ} الآية. قال أبو العالية: جاء النبيون إلى ناس من بني إسرائيل يدعونهم إلى الله فقتلوهم، فقام ناس من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم. وعن عبد الله: إن بني إسرائيل كانت تقتل في اليوم سبعين نبياً، ثم تقوم سوق بقلهم في آخر النهار. وروي أن النبي عليه السلام قال: " قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من (أول) النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل منهم، واثنا عشر رجلاً من عبادهم، فأنكروا عليهم، فقتلوا جميعاً في آخر النهار في ذلك اليوم " ثم تلا الآية. دخلت الفاء في الخبر من أجل: إن الذي فيه إبهام فدخل به في حيز المجازات، فجاز دخول الفاء في الخبر وحسن مع " إن " لأنها للتأكيد لا تغير
24
معنى الابتداء، ولو دخلت لعل، أو ليت، أو كأن، لم يجز دخول الفاء في الخبر مع الذين لأن الكلام يتغير معناه بهن. وخوطب من كان بالحضرة بالآية، وهم لم يقتلوا، وإنما ذلك لأنهم على مذهب من فعل ذلك في آبائهم، راضون بفعلهم، مصرون على ذلك إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فلو وجدوا إلى قتل النبي A ما تركوه، فخوطبوا بذلك لأنهم وآباؤهم سواء. قوله: {أولئك الذين حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أي: بطلت، فلا ثناء عليهم في الدنيا ولا محمدة، ولا خير لهم في الآخرة ولا رحمة، وما لهم من ينصرهم من عذاب الله، وعقابه. وقرأ أبو السَمّال: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}، بالفتح وهي لغة شاذة. قوله: {ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} [أي إنما أبوا أن يحكم بينهم كتاب الله،
25
لأنهم قالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات "] وهي أربعون يوماً، عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل. {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}، أي: غرهم افتراؤهم وهو كذبهم وهو قولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] وقولهم: {لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ}. قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ}. أي: فكيف يكون حالهم في ذلك الوقت، وقد قدموا الافتراء والكذب والكفر، والتبديل واتباع المتشابه، وفضلوا الدنيا وزينتها على الآخرة. والمعنى: جمعناهم لحساب يوم لا شك فيه. وقال الكسائي: اللام بمعنى: في، والمعنى عنده: في يوم. قوله: {قُلِ اللهم مَالِكَ الملك} الآية. ذُكِرَ أن النبي عليه السلام سأل الله أن يجعل مُلك فارس والروم لأمته، فأنزل الله:
قل يا محمد: {اللهم مَالِكَ الملك} الآية. وروي أن النبي عليه السلام، بشر أصحابه بفتح الشام وملك قيصر وكسرى، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: هيهات، هيهات، فعظموا ما صغر الله من ملك الكفار، فقال الله لنبيه A: قل يا محمد {اللهم مَالِكَ الملك} الآية. فلما سمعوا بذلك ذلوا، (طلبوا الموادعة)، فكانوا في رفاهية من العيش حتى بغوا، فرد الله بغيهم عليهم، فقُتِلوا، وأُجْلُوا. قال مجاهد: {تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ}: النبوة وقيل: الملك، والمال، والعبيد. وقيل: هو الغلبة.
27
{وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} " أي: بالغلبة، يقال: عزه إذا غلبه. قوله: {تُولِجُ الليل فِي النهار وَتُولِجُ النهار فِي الليل. . .}. قال ابن عباس: ما ينقص في (ذا) يزيد في ذا ومعنى تولج: تدخل قوله: {وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت}. قال مجاهد: الإنسان الحي من النطفة الميتة (ويخرج الميت من الحي): النطفة الميتة من الإنسان الحي، وكذلك قال: الضحاك والسدي: وقتادة وغيرهم. وقيل المعنى: يخرج النخلة من النواة، والنواة من النخلة والسنبل من الحب والحب من السنبل، والبيض من الدجاج والدجاج من البيض، قال ذلك عكرمة والسدي. وقال الحسن: معنا: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن روي ذلك
28
عن ابن مسعود ورفعه الزهري إلى النبي A. فالمؤمن حي القلب والكافر ميت القلب. قوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي: ليس يخاف نقصاً فيخرج الأشياء بالحساب والتحصيل. قوله: {لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ. . .}. قال ابن عباس: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار يتخذوهم أولياء، إلا أن يكون الكفار لهم القوة والغلبة، فيظهر لهم اللطف بالقول لا غير وهو قوله: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تقاة}. قال الضحاك: التقية أن يحمل على أمر يتكلم به بلسانه من معصية الله فيفعل
وهو مطمئن بالإيمان، فلا إثم عليه. قال الحسن: ذلك في المشركين يكرهون المؤمنين على الكفر وقلوبهم كارهة. وقال قتادة: التقاة: أن تصل رحمك من الكفار من غير أن توليهم على المؤمنين فتصله لقرابة منك ولا تواليه في الدين. ويقال: إنها نزلت في عمار بن ياسر، وحاطب بن أبي بلتعة، أما عمار فخاف أن يقتله المشركون فكلمهم ببعض ما أحبوا، وأما حاطب فكتب إلى المشركين يعلمهم بأخبار النبي عليه السلام ليحفظوه في أهله بمكة وهو مطمئن بالإيمان. وقرأ مجاهد وجابر بن زيد وحميد والضحاك: تقية
29
وهي فعلية، وتقاة: فعله، وهما مصدران. {وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ} (أي) من نفسه، أي: تركبوا ما نهيتم عنه. قوله: {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ} الآية. معناه: قل يا محمد للذين نهوا أن يتخذوا الكافرين أولياء {أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين}: إن تخفوا ما في أنفسكم من ولاية الكافرين أو تبدوه فذلك سواء، الله يعلم الجميع فيجازيكم عليه، فيغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء ". قوله: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ} الآية. أي: هو على كل شيء قدير ذلك اليوم. وقيل المعنى: واذكر يوم تجد. وقيل (المعنى): ويحذركم الله نفسه يوم تجد.
31
ومعنى {مُّحْضَراً}: موقرا، {أَمَدَاً بَعِيداً} " قال السدي: مكاناً بعيداً ". وقال ابن جريج: أجلاً بعيداً. وقال الحسن: لا يسر أحدكم أن يلقى عمله أبداً. وقال الزجاج معناه: ويحذركم الله إياه، ثم استغنوا عنه بالنفس. وقال غيره: المعنى: عقابه، ثم حذفت. قوله: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني} الآية. قال الحسن: قال قوم على عهد النبي A إنا نحب ربنا فأنزل الله: " قل (يا محمد) {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله} (كما زعمتم) {فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ الله}. وقيل إنها نزلت في نصارى نجران، وذلك أنهم ادعوا في عيسى A ما
33
اخترقوا، وقالوا: نقوله حباً لله وتعظيماً له فقيل لهم: إن كنتم صادقين في قولكم فاتبعوا محمداً A فيحببكم الله. ثم قال: قل [يا] محمد اطيعوا الله في اتباعي، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به، كله مخاطبة للنصارى من وفد نجران. وعن مالك أنه قال: معناه من أحب طاعة الله أحبه وحببه إلى خلقه. " قوله: {إِنَّ الله اصطفىءَادَمَ وَنُوحاً} الآية. نصب {ذُرِّيَّةً} عند الأخفش على الحال، وعلى القطع عند الكوفيين. وأجاز الزجاج نصبها على البدل مما قبلها فيعمل فيها {اصطفى} والذرية
35
هنا الجماعة، ويقع للواحد، قال الله تعالى: {هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} [آل عمران: 38] فهو واحد كما قال: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} [مريم: 5]. فذكر الله في هذه الآية رجلين، وأهل بيتين، وفضلهم على العالمين فمحمد A من آل إبراهيم، وآل الرجل قد يكون أتباعه. قال مالك: [آل محمد A: أهل الاتباع له. وعنه أنه قال]: آل محمد A كل تقي، وهو مروي عن النبي A. ومعنى، بعضها من بعض أي: في الدين والمعاونة على الإسلام والنية والإخلاص. وقيل معناه: متقاربون في النسب مجتمعون. قوله: {إِذْ قَالَتِ امرأت عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ} الآية.
المعنى سميع عليم إذ قالت. وقيل: واذكر إذ قالت. وقال أبو عبيدة: {إِذْ} زائدة، وأنكر ذلك جماعة النحويين. وقال الزجاج: المعنى: اصطفى آل عمران إذ قالت. واسم امرأة عمران حنة، وزكريا هو ابن آذر، وعمران هو ابن ماتان وكلاهما من ولد داود النبي من سبط يهود بن يعقوب صلى الله عليهم ويلم أجمعين. وذلك أن زكريا وعمران تزوجا اختين، فكانت أم مريم عند عمران، وأم يحيى عند زكريا، فهلك عمران، وأم مريم حامل بها وكانت في حياة عمران قد أمسك عنها الولد حتى يبست، وكانوا أهل بيت [لهم] عند الله مكان، فبينا هي ذات يوم
في ظل شجرة نظرت إلى طائر يطعم فرخاً، فتحركت له نفسها للولد، فدعت الله أن يهب لها ولداً، فحملت ثم مات عمران، فلما علمت أن في بطنها جنيناً حسبته ذكراً فنذرته ليكون حبيساً لخدمة الكنيسة، وقيل: خدمة بيت المقدس. قال الكلبي: لما وضعتها لفتها في خرقتها ثم أرسلت بها إلى بيت المقدس، فوضعتها فيه، فتنافست الأحبار بنو هارون. فقال زكرياء: أنا أحقكم بها عندي خالتها، فذرها لي. فقالت الأحبار: لو تركت لأفقر الناس إليها لتركت لأمها، ولكنا نقترع عليها، فاقترعوا عليها بأقلامهم [التي]، يكتبون بها الوحي، فقرعهم زكريا عليه السلام، واسترضع لها حتى إذا شبت بنى لها محراباً في المسجد على الباب فلا يرقى إليها إلا بِسلم. ومعنى {مُحَرَّراً} عتيقاً لعبادتك لا ينتفع به لشيء من أمور الدنيا.
وقال مجاهد " محرراً خادماً للكنيسة. ونصب {مُحَرَّراً} على أنه نعت لمفعول محذوف أي: غلاماً محرراً. وكانوا إنما يحررون الغلمان، فظنت أنه تلد غلاماً فلما وضعت أنثى قالت: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى} تريد أنه إنما يحرر الغلمان للخدمة. وقيل المعنى إن الأنثى تحيض فلا تصلح لخدمة بيتك. ثم دعت لها فقالت: {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم} فاستجاب الله لها وأعاذها وذريتها منه. وأصل المعاذ: الملجأ والمفعل، والهاء في " وضعتها لما على المعنى. وقيل: لمريم ولم يجر لها ذكر ولكن المعنى مفهوم فحسن. ومن قرأ {وَضَعَتْ} بإسكان التاء ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى} {وَلَيْسَ الذكر كالأنثى} فهذا من كلامها، ثم قال تعالى إخباراً منه {والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ}.
ومن قرأ بضم التاء فليس فيه تقديم ولا تأخير وهذا كله من كلام أم مريم. وقرأ ابن عباس: " وضعتِ " بكسر التاء ومعْناه إنه خطاب من الله لها. قال ابن عباس: ما ولد مولود إلا قد استهل سوى عيسى ابن مريم A فإنه لم يسلط عليه الشيطان لأن الله أجاب دعاء أم مريم في قولها: {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ} الآية. قال وهب بن منبه: لما ولد عيسى A أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام قد انكسرت رؤوسها! فقال: هذا في حادث حدث، فقال: مكانكم، وطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلم يجد شيئاً، ثم طار ثانية فوجد عيسى A قد ولد عند مدوذ حمار، والملائكة قد حفت به، فرجع إليهم فقال لهم: إن نبياً قد ولد البارحة مت حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها
إلا هذه، فيئسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة. وقال النبي عليه السلام " كل آدمي طعن الشيطان في جلده إلا عيسى ابن مريم وأمه جعل بينها وبينه حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شيء ". وروى أبو هريرة أن النبي A قال: " ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من لمس الشيطان إياه إلا مريم وابنها " (ثم) يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم}. قوله: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا}: أي: رضيها مكان المحرر {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} من غذائه. وقرأ مجاهد: وتقبلْها بالإسكان، {رَبُّهَا} بالنصب عن النداء و " أنبتها " بكسر الباء والإسكان، و " كفلْها " بالإسكان " زكرياءَ " بالنصب. وقوله: {بِقَبُولٍ} أتى مصدراً على غير المصدر، وكان القياس ضم القاف
كالجلوس، ولكن أتى بالفتح فلا نظير له عند سيبويه. وقال غيره، قد أتى منه الولوع والوجود والسعوط كل مصدر على فعول بالفتح. قوله: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} المد في زكرياء لغة، وزكري لغة، وزكر، وحكى أبو حاتم بغير صرف، وهو غلط عند النحويين لأن ما كانت في هذه الياء. والتخفيف في كفلها على أن زكريا الفاعل. ومن شدد فمعناه كفلها الله زكرياء لأنه تعالى أخرج قلمه إذ ساهم مع أحبار بني إسرائيل عليها من يكفلها. وكان زكريا زوج خالتها. وقيل زوج أختها كان. وامرأة زكريا بني امرأة عمران، فهي أخت مريم.
وروي أن زكرياء كان ابن عم مريم أيضاً. فلما همت بالبلوغ فكانت تخدم في صغرها (مسجد) بيت المقدس، أراد زكريا، أن يكفلها، وقال: هي ابنة عمي، وأختها زوجتي، فلم يتركها له جماعة الأحبار والأنبياء، فتساهموا عليها، وأتوا بسهامهم إلى عين، فطرحوها فيها فغرقت سهامهم كلهم، إلا سهم زكرياء، فضمها زكرياء لنفسه فكانت عنده في غرفة بسلم. وقوله: {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً}. قال الضحاك: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. وقال ابن إسحاق: كفلها زكرياء بعد هلاك أمها [و] ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا بلغت أدخلوها الكنيسة لنذر أمها، فأصابت بني إسرائيل ضدة، فضعف زكرياء عن حملها فتقارع بنو إسرائيل عليها: من يقوم بها؟ وكلهم يشتكي من الشدة ما يشتكي زكرياء، ولكن لم يكن لهم بد من حملها، فخرج السهم لحملها على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له جريج، [فعرفت مريم في وجهه شدة مؤونة ذلك عليه،
فقالت: يا جريج]، أحسن بالله الظن، فإن الله سيرزقنا، فجعل جريج يرزق بمكانها عنده فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها، فينميه الله ويكثره، فيدخل عليها زكريا، فيرى عندها فضلاً من الرزق ليس بقدر ما يأتيها به جريج، فيقول: {يامريم أنى لَكِ هذا} أي: من أي وجه لك هذا؟ فتقول: {هُوَ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. قد تقدم في البقرة تفسير قوله {بِغَيْرِ حِسَابٍ} والاختلاف في ذلك. والمحراب: هو مقدم كل مجلس ومصلاه. وهو أيضاً: المكان العالي. فلما رأى زكرياء من الله لها ما رأى، طمع بالولد مع كبر سنه من المرأة العاقر فدعا الله في الولد من ذلك الوقت، وهو قوله تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} فبشر وهو يصلي بالمحراب. وقيل: بشر يحيى بعد أربعين سنة من وقت دعائه ولذلك قال عند البشارة: {رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} لأنه نسي دعاءه لطول المدة التي بين الدعاء والإجابة.
والمحراب: المسجد، وهو الآن مقام الإمام في المسجد. وقال الطبري: المحراب: " مقدم كل مجلس ومصلى " وهو سيد المجالس وأشرفها وأكرمها. والذرية في هذا الوضع: الولد، ويكون في غيره للجميع. قوله: {مِن لَّدُنْكَ} أي: من عندك. ومعنى: {طَيِّبَةً} زكية مباركة. {إِنَّكَ سَمِيعُ الدعآء} أي: تسمع من دعاك. قوله: {فَنَادَتْهُ الملائكة}. قال قتادة وغيره: جبريل ناداه. وأكثر الناس على أن الجماعة من الملائكة نادوه.
ومن أنَّثَ فلتأنيث الجماعة ومطابقة اللفظ. ومن ذَكَّر فعلى المعنى، ولتذكر الجمع. ومن كسر (إن) أجرى النداء مجرى القول. [وفي قراءة عبد الله: يا زكريا إن الله، فهذا يدل على إضمار القول]. ومن فتح: أعمل النداء لأنه فعل. وسمي بيحيى لأن الله أحياه بالإيمان. قوله: {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله}، أي: بعيسى ابن بنت خالته ". وقيل: بابن خالته هو.
قال الضحاك وغيره، كان أول من صدق بعيسى يحيى. قال ابن عباس: كانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى وتقدمه في ذلك، ويحيى أكبر من عيسى. وقال أبو عبيدة: {بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله}، أي: بكتاب من الله وأكثر المفسرين على أن الكلمة عيسى. وسمي كلمة لأن الناس يهتدون به. ويجوز أن يكون سمي كلمة لأنه من غير ذكر بقوله: " كن " أي: فهذه الكلمة. والسيد: الشريف في العلم والعبادة. وقال الضحاك: السيد الحليم التقي. وقال مجاهد السيد: الكريم.
وقال عكرمة، وابن زيد: (السيد) الذي لا يغلبه الغضب {وَحَصُوراً} ممتنعاً من جماع النساء لا يشتهيهن. وقيل: الحصور الذي لا يولد له، وليس له ماء. وقيل: الهيوب. وقال ابن عباس: هو الذي لا ينزل الماء. وقال ابن المسيب: كان يحيى حصوراً معه مثل الهُدْبَة. وقيل: الحصور هنا هو الذي لا يأتي الذنوب كأنه محصور عنها أي: ممنوعاً منها.
قال مالك: بلغني أن يحيى إنما قتل في امرأة، وأن بختنصر لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل، وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا فار فسأل بني إسرائيل عن ذلك فقالوا: لا علم لنا، هكذا وجدناه، وأخبرنا آباؤنا بأنهم هكذا وجدوه، فقال بختنصر: هذا دم مظلوم، ولأقتلن عليه، فقتل عليه سبعين ألفاً من المسلمين والكفار، فهدأ بعد ذلك. وروي أن امرأة كانت طلبته فامتنع، فاشتكت إلى صاحبها أنه طلبها فقتله. وروي أن جباراً من الجبابرة استفتاه: هل يتزوج بنت أخيه؟ فمنعه من ذلك، فسعت ابنة أخيه في قتله فقتل بها. قال ابن شهاب: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى. قال مجاهد: كان طعام يحيى العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه يحرقه، ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في خدِّه. وقال أبو عبيدة، الكلمة هنا: الكتاب يعني التوراة، ولا يجوز أن يكون
عيسى كلمة الله على الحقيقة لأنه مخلوق، وكلمة الله غير مخلوقة. قوله {قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} أي: من أي وجه وأنا كبير {وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر} أي: بلغته {وامرأتي عَاقِرٌ}. والعلة التي من أجلها سأل زكريا فقال: {أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} فإنه روي أنه لما سمع نداء الملائكة بالبشارة أتاه الشيطان فقال: إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان، فسأل عندما لبس عليه ليتثبت لا على طريق الإنكار بقدرة الله ولا لاعتراض لما يورد الله سبحانه وتعالى عن ذلك. وقال: لما سأل (عن ذلك) ليعلم هل من زوجته العاقر يكون ذلك، أو من غيرها؟. وقيل: إنما سألأ عن ذلك عن طريق التواضع والإقرار فكأنه يقول: بأي منزلة أستوجب هذا عندك يا رب. . .! وقيل: إنما سأل: هل يرزق ذلك وهو شيخ وامرأته عاقر، أو يرد شاباً، وامرأته
41
كذلك سالمة من العقم؟ أم يرزقان ذلك على حالتهما؟ فأجابه الله فقال {كَذَلِكَ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}، أي: يولد العاقر والشيخ فلا يتعذر عليه شيء أراده. وقيل: إنما سأل لأنه نسي دعاءه بأن يهب له غلاماً، وكان بين دعائه والبشارة بيحيى أربعين عاماً. قوله: {قَالَ رَبِّ اجعل [ليا] آيَةً}. . . الآية. معناه: قال زكريا: رب كان هذا الصوت من عندك فاجعل لي علامة تدل على أن ذلك من عندك، فجعل الله آيته أن منعه من الكلام ثلاثة أيام إلا إيماء أو إشارة. قال قتادة: عوقب بذلك لسؤاله بعد مشافهة الملائكة بالبشارة فسأل الآية على ذلك. ويروى أن لسانه ربا في فيه حتى أطلقه الله بعد ثلاث. وأكثرُ أهل التفسير على أن الله جعل احتباس لسانه عن الكلام علامة يعلم بها الوقت الذي يهب له فيه الغلام، وليس بعقوبة.
والرمز: الإشارة بالعينين والحاجبين. وقيل: هو تحريك الشفتين من غير صوت. وقال الضحَّاك: هو تحريك اليدين. وقرأ علقمة بن قيس " إلا رُمُزا " بالضم فيهما. وقرأ الأعمش " رَمَزا " بفتحتين، وهما اسمان. وقراءة الجماعة على المصدر. وقيل: إنما منعه الكلام وهو يقدر على ذلك، وأباح له الإشارة باليد، أو بالرأس، ثم نسخ الله ذلك بقول النبي " لا صمت يوماً إلى الليل " وهذا على قول
من أجاز النسخ القرآني بالسنة. وقيل: إنما منع النبي الصمت عن ذكر الله، فأما عن الهدر، وما لا فائدة فيه' فالصمت عنه حسن. ودل على هذا القول أمره تعالى [زكرياء] بالذكر والتسبيح فلو منعه الكلام كافة لم يأمره بالذكر والتسبيح اللذين لا يكونان مع الآفة. وقد قال: إنها آفة دخلت عليه في الثلاثة الأيام، جماعة من المفسرين. وقيل: فعل به ذلك عقوبة له إذ سأل فقال: {أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} وهذا قول مرغوب عنه. ومعنى: " [و] سبح " نزه ربك من السوء بالعشي والإبكار. وقرىء {بالعشي والإبكار} جمع بكر. والكسر مصدر أبكر.
42
وفي زكريا أربع لغات " زكرياء ممدود ومقصور وقد قرئ بهما وزكري مشدد الياء معرب، وزكري مخفف الياء. قوله: {وَإِذْ قَالَتِ الملائكة يامريم. . .} الآية (إذ) عطف على ما تقدم. وقيل: المعنى واذكر إذ قالت. {اصطفاك} اختارك، {وَطَهَّرَكِ} " أي: طهر دينك من الريب والشكوك، وقاله مجاهد وقيل معناه: طهرك من الحيض والنفاس. {واصطفاك على نِسَآءِ العالمين} أي اختارك على نساء عالم زمانك. وقيل {على} جميع العالم وذلك بعيسى إذ ولدته من غير ذكر. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين ".
44
وروي عن أنس بن مالك أنه قال " خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ( A) . ومعنى {اقنتي}: أخلصي الطاعة. وقيل معناه: أطيعي القيام والركوع. وقال النبي عليه السلام " أفضل الصلاة طول القنوت " أي: القيام. وقال مجاهد: لما قيل لمريم ذلك قامت حتى ورم قدماها. قوله: {" ذلك " نُوحِيهِ إِلَيكَ} الآية. أي هذه الأشياء التي أخبرناك بها من الغيب الذي كنت لا تعلمه، وهو أدل ما يكون على نبوتك، إذ لست ممن يقرأ الكتب وتخبر بما فيها، ولا صاحبت أهل الكتاب فتنقل عنهم، إنما ذلك عندك بوحي من عندي.
45
قوله: {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}. معناه ينظرون أيهم كما تقول: اذهب، فانظر أيهم قائم {إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ} أي: سهامهم على مريم من يكفلها. وقال ابن عباس: اقترعوا بأقلامهم التي [كانوا] يكتبون [بها] الوحي، فقرعهم زكرياء، فما كنت يا محمد عندهم في جميع ذلك فإخبارك بما لم تشهده دليل على صدقك في النبوة وأنه وحي من عندي. وقال عكرمة: ألقوا أقلامهم في الماء فذهب [ت] أقلامهم مع الجرية، وأصعد قلم زكرياء يغالب الجرية فذهب [ت] بأقلامهم غير قلم زكرياء، فكفلها. وقيل: هي أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة. وقيل: هي السهام التي يقترع بها. قوله: {إِذْ قَالَتِ الملائكة يامريم} الآية معناه: لم تكن يا محمد عندهم إذ
يختصمون في أمر مريم من يكفلها حين قالت الملائكة. وقيل: المعنى وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة كذا وكذا إذ يختصمون، فلم تكن يا محمد عندهم وقت بشارة الملائكة لمريم، وما قالت وما قيل لها، فإخبارك به يصحح دعواك في نبوتك. ومعنى {بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} هو بشارته التي بشرت بها مريم. وقيل: {بِكَلِمَةٍ [مِّنْهُ]} هو قوله {كُنْ} فسماه كلمة لأنه عن كلمته (كان). وقال ابن عباس: الكلمة هو عيسى اسم له. والهاء في {اسمه} تعود على الكلمة لأنها عيسى في المعنى. وفي الظاهر على قول ابن عباس. والمسيح: فعيل: فنقول في مفعول: أصله ممسوح أي: مسحه الله فطهره من الذنوب. وقيل: مسحه بالبركة.
47
وقيل: مسح بدهان كانت الأنبياء تمسح به، فيعلم أنها أنبياء. وقال النخعي: المسيح الصّدِّيق وقيل: سمي المسيح لأنه كان إذا مسح بيده على أهل العاهة أفاقوا كما ذكر الله فيكون فاعلاً غير منقول عن مفعول. وذكر ابن حبيب عن ابن عباس أنه قال: المسيح تفسيره الملك. وفسره ابن حبيب فقال: سمي ملكاً لأنه ملك إبراء الأكمه والأبرص وأحيى الموتى، وغير ذلك من الآيات. قوله: {قَالَتْ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ}. أي: من أين يكون لي ولد؟ أمن بعل أتزوجه، أم تبتدئ [خلقه] من غير بشر أتزوجه؟، فأعلمها الله أنه يخلق ما يشاء، فيعطي الولد من غير فحل لك، ويحرم ذلك نساء العالمين، وإذا أراد أمراً {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، والهاء في " له " تعود على الأمر. [وقيل المعنى: فإنما يقول (له) من أجله {كُنْ فَيَكُونُ} أي: من أجل، الأمر]
الذي يقضي به ويريد. قال ابن عباس: وضعت مريم عيسى عليه السلام لثمانية أشهر فلذلك لا يعيش من (ولد) لثمانية أشهر. قوله: {وَيُعَلِّمُهُ الكتاب} أي: يكتب بيده، {والحكمة}: السنة التي توحَى إليه، {والتوراة}: هي التي أنزلت فبله على موسى عليه السلام و {والإنجيل} أي: الكتاب الذي أنزل عليه، ولم يعطه أحد قبله، وتعليمه إياه إلهام منه إليه بذلك، و {رَسُولاً} أي: ويجعله رسولاً، فالابتداء به حسن وقيل المعنى: ويكلمهم رسولا وقيل: هو معطوف على وجيه، فالابتداء به على ذلك. ومن فتح {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ} فهو متعلق برسول، أي: فإني قد جئتكم بآية تصدقني أني رسول.
والآية بمعنى الآيات، وهي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وإحداث الطير من الطين. وغير ذلك من: الإنجيل وغيره. قوله: {أني أَخْلُقُ} من فتح أني جعلها بَدَلاً من (أن) الأولى، وإن شئت بدلاً من (آية)، (و) إن شئت على إضمار هي فتكون أن في موضع رفع. وقرأ يزيد بن القعقاع (أخلق لكم من الطين كهيأة الطائر) فيكون طائراً. وقال ابن اسحاق: حبس [عيسى] عليه السلام يوماً مع غلمان في الكتاب [فأخذ طيناً]
ثم قال: أجعل لكم هذا الطين طائراً؟ قالوا: وتستطيع ذلك؟ قال: نعم، بإذن الله ربي، قال: ثم هيأه حتى إذا صار في هيأة الطائر نفخ فيه، ثم قال كن طائراً بإذن الله، فخرج يطير بإذن [الله] بين كفيه فذكر الغلمان ذلك لمعلمهم فأفشوه في الناس، وترعرع، فعمت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمير ثم خرجت به هاربة. قال ابن جريج وغيره: قال لهم: أيُّ الطير أشد خلقاً؟ قالوا: الخفاش، إنما هو لحم، ففعل مثله من الطين، وقال في هذه الصمورة {فَأَنفُخُ فِيهِ} رده على الطير، وفي المائدة {فَتَنفُخُ فِيهَا} [المائدة: 110] رده على الهيأة، ويجوز رد الهاء في هذه السورة] على الهيأة لأنها
(بمعنى) المثال والشبه، وتأنيثها غير حقيقي ولا سلطت لا في نسخ. ولا يجوز في سورة المائدة رجوع الهاء على الطير لأنه اسم جمع. وقوله: {وَأُبْرِىءُ الأكمه}. قال مجاهد: هو الذي يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار. وقال الأوزاعي: هو الذي لا يبصر بالليل، وهو الذي به عشى. وقال قتادة: هو الذي ولد أعمى، وكذلك قال أكثر المفسرين. وعن ابن عباس وغيره: هو الأعمى حَدَث به ذلك، أو ولد [به] وقال عكرمة: هو الأعمش. وقال وهب: كان عيسى عليه السلام قد هربت [به] أمه إلى أرض مصر من قومها
فلما بلغ اثني عشر سنة أوحى الله D إليها أن انطلقي إلى الشام، ففعلت حتى إذا بلغ ثلاثين سنة، جاءه الوحي على رأس الثلاثين فكانت نبوته ثلاثين سنة، ثم رفعه الله إليه. وقد روي عن النبي E: " أنه نعى نفسه لفاطمة حين بلغ سنّة ستين سنة وقال: " ما من نبي إلا يعمر مثل نصف عمر من قبله (و) أن عيسى عمّر مائة سنة وقد بلغت ستين سنة وما أراني إلا ميتاً في هذا العام " أو كلام هذا معناه " ". قال وهب: ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى خمسون ألفاً من أطاق أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، فكان عيسى يداويهم بالدعاء وكان يُحْيي الموتى.
قوله {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ}. أصل تدخرون: تفتعلون من ذخرت، فلما اختلف الحرفان، بأن كانت الذال حرفاً مجهوراً، والتاء حرفاً مهموساً أبدل من التاء حرفا مجهوراً يشبه الدال في الجهر، ويقرب منها في المخرج وهو الدال، ثم ادغمت الذال في الدال. قال ابن إسحاق: لما بلغ [عيسى] تسع سنين أو عشراً، أدخلته أمه الكتاب، فلا يذهب المؤدب يعلمه شيئاً إلا بادره عيسى A قبل أن يعلمه إياه، فيقول المؤدب ألا تعجبون لابن هذه الأرملة، أذهب أعلمه شيئاً إلا وجدته أعلم به مني. قال ابن جبير وغيره: كان يخبر الصبيان بما صنع في بيوتهم وبما صنع آباؤهم، ويقول يا فلان: إن أهلك قد خبأوا لك كذا وكذا من طعام، ويقول للصبي: انطلق فإن أهلك يأكلون كذا وكذا، ويقول: إنطلق فقد خبأ لك أهلك كذا وكذا. فينطلق
الصبي يبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء، فيقولون له: من أخبرك بهذا فيقول: عيسى. فلما رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا لأولادهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر، وحبسوا أولادهم عنه، فجمعوهم في بيت فجاء عيسى عليه السلام (يطلبهم فقالوا: ليس هم هنا، فقال عيسى عليه السلام): وما في هذا البيت؟ فقالوا: خنازير! فقال عيسى عليه السلام: كذلك يكونون، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير، فذلك قوله (تعالى): {لُعِنَ الذين كَفَرُواْ مِن بني إِسْرَائِيلَ على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ} [المائدة: 78] قال قتادة: معنى قوله: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} ذلك في أمر المائدة التي نزلت عليهم كانت خواناً تنزل أين ما كانوا بثمر من ثمار الجنة، وأمروا ألا يخونوا فيه ولا يدخروا لغد، ابتلاهم الله بذلك فكانوا إذا فعلوا من ذلك شيئاً، وادخروا لغد انبأهم عيسى A به، فهو قوله: {بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ} أي: من المائدة التي نهوا عن ادخار ما
ينزل عليهم فيها. وقرأ مجاهد والزهري تدخرون، بدال مخففة. {إِنَّ فِي ذلك لآيَةً}، أي: في جميع ما ذكر آية، أي: في نبوة عيسى. وقوله {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة} أي: ما قبلي من التوراة إيماناً بها، وتصديقاً بما فيها، وإن كانت شريعته تخالفها فإنه، ونحن مؤمنون بما صح منها، ولم يبدل ولم يغير على أن عيسى A كان عاملاً بالتوراة لم يخالف فيها شيئاً إلا ما خفف الله أشياء كانت حراماً فيها وهو قوله {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} وذلك أنه حلل لحوم الإبل والثروب وأشياء من الطير والحيتان كانت في التوراة محرمة. واللام متعلقة بفعل محذوف والمعنى، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم. وكان أبو عبيدة يجيز أن يكون البعض هنا بمعنى الكل، وهذا يوجب أن يحل لكم القتل والسرق والزنى وغيره لأن كل ذلك كان محرماً عليهم في الوراة، فلا يجوز
52
ما قال، ولا وجه له في العربية ولا في المعنى. وقد قيل: إنما أحل لهم عيسى A أشياء حرمتها عليهم الأحبار لم تكن محرمة في التوراة، فهو غير مخالف للتوراة. وقيل: إنما أحل لهم أشياء حرمتها عليهم ذنوب اكتسبوها ولم يكن في التوراة تحريمها نحو: أكل الشحوم وكل ذي ظفر. قوله: {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ} أي: بعلامة تعلمون بها أني صادق فيما أقول لكم {فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ}. قوله: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر. . .} الآية معناه: فلما (علم) عيسى A أنهم يريدون قتله وأحس بمعنى: وجد وعلم برزية أو غيرها. يقال: أحس الأمر إذا علمه، وحس القوم قتلهم، والحس حس الدابة من الغبار، والحس ضد البرد.
وقيل معناه: فلما علم عيسى A الجحود به، والتكذيب له. {مَنْ أنصاري إِلَى الله} أي: من أعواني على هؤلاء (مع الله). وإلى بمعنى: " مع ". وكان من قصة عيسى A ما حكاه السدي في حكاية طويلة نذكر معناها مختصراً، قال: كذبت بنو إسرائيل عيسى A، وأخرجته حين دعاهم إلى الإيمان به، فخرج هو وأمه، فنزل على رجل، فأضافهما وأحسن إليهما، وكان على تلك المدينة جبار معتد (فجاء) صاحب البيت يوماً وعليه، حزن وهم، فقالت مريم لزوجته: ما شأن زوجك؟ أراه حزيناً؟ فأبت أن تخبرها بشيء، فقالت لها مريم: أخبريني لعل الله D يفرج كربته، قالت المرأة لمريم: إن لنا ملكاً جباراً يجعل على كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وقد بلغت نوبته اليوم علينا [وليس معنا سعة، فقالت مريم لها: فقولي له: فلا يهتم فإني آمر لبني [أن] يدعو له، فَيُكْفَى]. فقالت مريم لعيسى A في ذلك، فقال عيسى A: " يا أمه إني إن
فعلت كان في ذلك شر، قالت: فلا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال عيسى A فقولي له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه فدعا عيسى A الله D فحول ما في القدور لحماً ومرقاً وخبزاً وما في الخوابي خمراً لم ير مثله، فلما جاء الملك أكل وشرب فقال: من أين لك هذا؟ وتقصى عليه حتى أخبره فقال: عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه وأنه دعا الله حتى جعل الماء خمراً، وكان قد توفي للملك ابن، فقال: إن رجلاً دعا الله حتى رد الماء خمراً ليستجيبن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى A، فكلمه وسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه - فقال عيسى A: " لا تفعل [فإنه إن] عاش كان شراً، فقال الملك: لا أبالي أراه فقط، فاشترط عليه عيسى A أن يحيي ولده، ويتركه هو وأمه يخرجان فشرط له ذلك فدعا الله تعالى، فقام الغلام، وانصرف عيسى A. فلما رأى أهل المملكة الغلام عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: قد أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتلوه. ومر عيسى A وأمه فصحبهما يهودي وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى A رغيف فقال له عيسى A: تشاركنا؟ فقال اليهودي: نعم، فلما رأى اليهودي أن ليس مع عيسى إلا رغيف ندم فلما نام جعل اليهودي يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى A: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء حتى
فرغ [من] الرغيف كله، فلما أصبحا قال له عيسى A: طعامك فجاء برغيف، فقال له عيسى A: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد. ثم انطلقوا حتى مروا براعي غنم فقال عيسى A: يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال الراعي: نعم، أرسل صاحبك يأخذها: فأرسل عيسى A اليهودي فجاءه بالشاة، فذبحوها وشووها ثم قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً. فأكلوا حتى شبعوا فرد عيسى A العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة، فقال: يا صاحب الغنم: خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى إبن مريم، قال له: أنت الساحر، وفر منه، فقال عيسى A لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد. فمروا بصاحب بقر، فسأله عيسى A عجلاً فأعطاه عجلاً فذبحه، وشواه وأكله، وصاحب البقر ينظر، ثم جمع عيسى A العظام في الجلد وقال: قم بإذن الله، فقام وله خوار، فقال: يا صاحب البقر، خذ عجلك فقال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: عيسى الساحر، ثم فر منه، فقال عيسى A لليهودي: بالذي أحيى الشاة بعدما
أكلناها، والعجل بعدما أكلناه، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد. ثم انطلقا حتى أتيا قرية، فنزل عيسى A في أسفلها واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى A وقال: أنا أحيي الموتى وكان يملك تلك القرية مرض شديد فانطلق اليهودي ينادي من يبتغي طبيباً؟ حتى أتى باب الملك، فأخبر بمرض الملك فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، فدخل عليه فأخذ برجله، وضربه بالعصا كما كان عيسى A يفعل، فمات الملك من الضربة فأخذ اليهودي ليصلب فبلغ عيسى A الخبر، فأتى ووجده قد رفع على الخشبة [فقال]: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركو لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيى عيسى A الملك، وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة، والله لا أفارقك أبداً، قال له عيسى A: أنشدك بالذين أحيى الشاة والعجلة بعدما أكلناها وأحيى هذا بعد [ما] مات، وأنزلك من الجذع بعدما رفعت عليه كم كان معك رغيفاً؟ فحلف اليهودي بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقا حتى مرَّا على كنز قد حفرته السباع فقال اليهودي: يا عيسى هذا المال؟ فقال له عيسى A: دعه فإن له أهلاً يهلكون عليه وجعل اليهودي يتشوق إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى A، فانطلقا.
ومر بالمال بعدهما أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه فقال اثنان لصاحبهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاماً ودواباً نحمل عليها هذا المال، فانطلق الرجلان فابتاعا ذلك فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن تجعل لصاحبينا في طعامهما سماً؟ فإذا أكلا ماتا، فيصير المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم، ففعلا، وقال الآخران الباقيان مع المال: إذا أتى صاحبانا فليقم كل واحد منا إلى صاحبه فيقتله فيكون الطعام والمال بيننا، فاتفقا على ذلك. فلما جاء صاحباهما، قتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا، فرجع عيسى A إلى المال فوجد القوم عليه موتى، فقال لليهودي: أخرجه حتى نقسمه، فأخرجه اليهودي فجعل عيسى A يقسمه على ثلاثة، فقال اليهودي: اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثة؟ فقال له عيسى A: هذا لي، وهذا لك، وهذا لصاحب الرغيف، قال اليهودي: وإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا المال؟ قال [عيسى] A: نعم، قال: أنا هو، فقال له عيسى A: خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة، فلما حمله مشى [به] شيئاً
فخسف به. وانطلق عيسى A فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك فأعلمهم بنفسه فآمنوا به وانطلقوا معه فذلك قوله: {مَنْ أنصاري إِلَى الله}. وقيل: إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين. وقيل: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. وقيل: كانوا غسالين يغسلون الثياب. وقال قتادة: " الحواريون خاصة الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة. وقال الضحاك: الحواريون الأصفياء الأنبياء صلوات الله عليهم. وروي أن مريم دفعت عيسى A في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يبيضون الثياب، ويصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألأواناً شتى من ماء واحد فآمنوا به واتبعوه.
وروي أنه أدخل ثياباً كثيرة بيضاء في خابية واحدة وخرجت مختلفة الألوان كما أرادوا، فعجبوا من ذلك، وأيقنوا أنه ليس بسحر فآمنوا [به] واتبعوه. قوله: {واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} هذا قول الحواريين لعيسى A، فدل ذلك أن عيسى A كان على ذلك، لا على اليهودية ولا على النصرانية ولكن كان مسلماً وكذلك برأ الله إبراهيم A من سائر الأديان إلا من الإسلام. قول: {فاكتبنا مَعَ الشاهدين} أي: أثبت أسماءنا مع أسماء من يشهدون بالحق، وأقروا بالتوحيد، واجعلنا في عددهم وهذا كله احتجاج على أهل نجران الذين خالفوا النبي A في أمر عيسى A، فأخبروا أن قول من اتبع عيسى كان خلاف قولهم. وقال ابن عباس: (اكتبنا مع الشاهدين)، قال مع محمد A، وأمته الذين شهدوا له أنه ققد بلغ الرسالة، وشهدوا للرسل عليهم السلام أنهم قد بلغوا. وقوله: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله}: هذا إخبار عن الذي أَحَسَّ عيسى منهم الكفر وهو ما اجتمعوا عليه من قتل عيسى A، وتكذيبه فيما أتى به، فمكرهم هو ما نووا من قتله، ومكر الله سبحانه ما ألقى من الشبه على بعض أتباع عيسى A حتى قتله الماكرون يظنونه عيسى A، ثم رفع الله عيسى A.
وقيل المكر من الله جل ذكره الاستدراج والإمهال، وذلك أن بني إسرائيل حصروا عيسى A، ومعه تسعة عشرة رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه، من يأخذ صورتي فيقتل وله جنة؟ فأخذها رجل منهم ورفع الله عيسى إلى السماء ثم خرج الحواريون فأخبروا أن عيسى A رفع إلى السماء فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدة ويرون، صورة عيسى A فيهم فشكوا فيه، فقتلوه وصلبوه يرون أنه عيسى A، ويروى أن اليهود كفروا بعيسى A، وهموا بقتله، وكان مع عيسى رجل من اليهود آمن بعيسى فدل على عيسى فحوله [الله] في صورة عيسى، فأخذه بنو إسرائيل، فقتلوه، وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى A، فذلك قوله: {ولكن شُبِّهَ لَهُمْ}. والمكر: الحيلة، المكيدة، والمكر من الله سبحانه عقوبة، وجزاء من حيث لا يعلم العبد. قوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} قيل هي وفاة نوم.
{وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} في نوم قال ذلك الربيع. وقيل معناه إني قابضك من الأرض حياً ورافعك إلي، وذلك أن عيسى لما رأى كثرة من كذبه، وقلة من اتبعه شكا ذلك إلى الله D، فأوحى الله إليه {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}. وقال النبي عليه السلام: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها. وقال كعب: (يبعث) عيسى A على الأعور الدجال فيقتله ثم يعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة ثم يموت ميتة الحي. وحكي أن الله تعالى أوحى ذلك إلى عيسى A مع قوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} وقال ابن زيد في قوله: {تُكَلِّمُ الناس فِي المهد وَكَهْلاً} أن كلامه وهو كهل حين ينزل
بقتل الدجال. وقيل معنى {مُتَوَفِّيكَ}: قابل عملك ومتقبله منك. وقال ابن عباس، معنى {مُتَوَفِّيكَ} هي وفاة موت (يعني) بعد نزوله من السماء. وقال وهب بن منبه: توفي عيسى A ثلاث ساعات ثم أحيي ورفع. والنصارى يزعمون أنه توفي سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. وقيل: 'ن الكلام تقديماً وتأخيراً. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. وذلك إذا نزل لقتل الدجال في الدنيا، والواو يحسن فيها ذلك.
وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني [وبينه] نبي وأنه خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير ويقبض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذَّاب، وتقع في الأرض الأمنة حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان مع الحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، يلبث في الأرض [أربعين سنة] ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه. قوله: {وَجَاعِلُ الذين اتبعوك فَوْقَ الذين كَفَرُواْ}: هذا خطاب لعيسى A وأمته، جعلهم الله تعالى فوق اليهود: في النصر والحجة والإيمان بعيسى والتصديق به وقول الحق فيه. وقيل: هو خطاب لمحمد A. قوله: {فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدنيا} هو القتل والسبي وأداء الجزية {والآخرة} هو
عذاب النار. قوله: {ذلك نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ}: الإشارة إلى ما تقدم من ذكر قصص الأنبياء والحجج {والذكر} القرآن {الحكيم} المحكم أي: ذو الحكمة. قوله {إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِءَادَمَ خَلَقَهُ. . .} (و) هذا احتجاج على نصارى نجران، الذين خاصموه في عيسى وقالوا للنبي: بلغنا أنك تذكر صاحبنا، وتأول أنه عبد، قالوا له: هل رأيت عيسى؟ فأنزل الله {إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِءَادَمَ} الآية. . أي: خلق هذا من غير ذلك وهذا كذلك. وقيل: إنهم قالوا للنبي A: كل إنسان له أب فما شأن عيسى A ليس له أب فأنزل الله D هذه الآية: وقوله {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} ابتداء المماثلة، وليس بمتصل بآدم A إنما هو تبيين قصة آدم A، لأن الماضي لا يكون حالا. قوله: {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} قال بعض أهل المعاني: إن هذا الكلام أتى على خبرين منفصلين، ولو كان على
خبر واحد لكان خلقه له من تراب بغير {كُن} ويكون خلقه بـ {كُن} بعد خلقه له من تراب، وليس الأمر كذلك إنما أخبر تعالى أنه خلق آدم عليه السلام من تراب ثم أخبر آخر أنه قال له: {كُن} فكان، أي: قال له: كن خلقاً من تراب فكان ما أراد لأنه خلق من تراب بغير كن، فما يصنع بقوله تعالى {لِمَا خَلَقْتُ [بِيَدَيَّ]} [ص: 75]، ثم قال له {كُن} بعد خلقه له من تراب على ما أراد بعد قوله كن، ولهذا نظائر كثيرة. وأبين هذا أن يكون المعنى: قد قدر خلقه من تراب فلما أراد تعالى ذكره إظهار ما قدر قال: {كُن} فكان ما قدر بقوله {كُن}. قوله: {الحق مِن رَّبِّكَ} أي: هو الحق، أي هذا الذي أنبأتك به هو الحق {فَلاَ تَكُنْ مِّن الممترين} أي: الشاكين ومعناه: قل يا محمد للشاكين في ذلك (لا تكن من الممترين).
وقيل: هو خطاب لجميع الناس، وظاهر الخطاب للنبي A والمراد غيره. قوله: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ} أي: في عيسى وقيل في الحق الذي ذكر، {مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم} أي من بعدما بين لك فادعوهم إلى المباهلة، ومعنى نبتهل أي نجتهد في الدعاء باللعنة {فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله} على من كذب في أمر عيسى A. قوله: {وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ} أي: أهل ديننا ودينكم فرضوا بالجزية وبأشياء شرطها عليهم يؤدونها. وروي أنهم قالوا: نباهلك فأخذ النبي A بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، فلما رأوا ذلك نكصوا وعلموا أن اللعنة عليهم واقعة، فرضوا بالجزية ولم يباهلوا. وروي أن رئيسهم العاقب قال لهم: قد علمت أنه نبي وما لاعن نبي قوماً فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن فعلتم فهو استئصال، فوادعوا محمداً وانصرفوا إلى بلادكم فرضوا بالجزية، وبعث معهم النبي A أبا عبيدة بن الجراح ولم يباهلوه.
64
قال ابن عباس: لو باهلوه لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا ولداً. قوله: {إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق} أي: إن الذي أنبأتك به في أمر عيسى A أنه رسول، وكلمته ألقاها الله D إلى مريم: هو الحق {وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله} هذا رد على من جعل عيسى إله من أهل نجران وغيرهم. قوله: {قُلْ يا أهل الكتاب تَعَالَوْاْ} الكلمة {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله} وما بعده. وقيل: الكلمة لا إله إلا الله والسواء: النَصَفَة والعدل والقصد. ونزلت هذه الآية فيمن كان حول المدينة من اليهود، وهم الذين حاجوه في إبراهيم A. وقيل: نزلت في الوفد من نصارى نجران لأنه دعاهم فأخبرهم بالقصص الحق في أمر عيسى A، فأبوا أن يبلوه، فأمر أن يدعوهم إلى المباهلة فأبوا، فأمر أن يدعوهم إلى ما ذكر آخراً فأبوا، فأمر الله المؤمنين أن يقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون.
65
وإن في موضع خفض على البدل من (كلمة). وقيل: هي في موضع رفع، وذلك على التأويل الأول أي: هي ألا نعبد، ولا نفعل، ولا نصنع. {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً}: هو طاعة العوام الرؤساء فيما يأمرونهم به من المعاصي كما قال {اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله} [التوبة: 31] يأمرونهم بالمعصية وينهونهم عن الطاعة فيسمعون ويطيعون. وقيل {أَرْبَاباً}: هو سجود بعضهم لبعض قاله عكرمة. وقيل معناه: لا نعبد عيسى من دون الله كما عبدت النصارى، ولا عزيراً كما عبدت اليهود، ولا الملائكة كما عبدت جماعة المشركين، ولا نقبل من الرهبان تحريمهم علينا ما لم يحرمه الله كما فعلت اليهود والنصارى والمشركون. قوله: {يا أهل الكتاب لِمَ تُحَآجُّونَ في إِبْرَاهِيمَ} هذا خطاب لليهود والنصارى ولأنهم ادعاه كل فريق منهم، وأنه على دينهم فرد الله ذلك عليهم، وأراهم المناقضة فيما يدعون لأن اليهود تدعي أنه على ما في التوراة دينه، والنصارى تدعي أنه على ما في الإنجيل دينه، وفي الكتابين إنما أنزل بعد إبراهيم A فهذا تناقض أن يكون دينه على شيء لم يكن بعده.
66
وذلك أن نصارى نجران وأحبار يهود اجتمعوا على النبي A فتنازعوا في أمر إبراهيم A، فادعاه كل فريق منهم، فأنزل الله ذلك يعلمهم أن اليهودية والنصراينة إنما حدثت بعد إبراهيم فكيف يكون على دين لم يكن، ولا أوله أن يكون، فذلك جهل عظيم، ولذلك قال تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. قوله: {هاأنتم هؤلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ. . .}. معناه: أنتم القوم الذين خاصمتم فيما لكم به علم من أمر دينكم، وما لحقتم من زمانكم، وجاز ذلك بينكم، فلم تخاصمون فيما لا علم عندكم فيه؟ وهو دين إبراهيم A، ولم يكن في زمانكم. {والله يَعْلَمُ} أي: يعلم ما غاب عنكم فلم تشاهدوه {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك فتخاصموه فيه. قوله: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً. . .}. ذلك رد لقولهم وادعائهم {وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً} أي: حاجاً وأصل
الحنف: (إقبال صدر الرجل على الأخرى إذا كان ذلك خلقة)، فالحنيف: المائل إلى الإسلام. والمسلم: المتذلل لأمر الله D. فأما معنى قوله: {يَحْكُمُ بِهَا النبيون} [المائدة: 44] {الذين أَسْلَمُواْ} [المائدة: 44] ولا يكون نبي إلا مسلم فإنه يريد النبيين الذين استسلموا أو سلموا لما في التوراة من أحكام الله D التاركون التعقب وكثرة السؤال عما فيها. وروي أن عزيراً أكثر السؤال عن القدر، فمحي من ديوان النبوة. ومن هذا قول ابراهيم A: { واجعلنا مُسْلِمَيْنِ} [البقرة: 128]. أي: مسلمين لأمرك،
68
منقادين لحكمك بالنية والعمل وكذلك {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين} [البقرة: 128] أي: [انقدت لأمره]. قوله: {إِنَّ أَوْلَى الناس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتبعوه}. أي أخفهم بولايته ونصرته من اتبع دينه {وهذا النبي} هو محمد A { والذين آمَنُواْ} أي: الذين صدقوا محمداً A، وقال النبي A: " لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليلي إبراهيم A " ثم قرأ الآية " ". قوله: {وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب}. أي: جماعة من أهل نجران ومن اليهود لو يصدونكم عن الإسلام فتهلكوا، وما يُهلكون إلا أنفسهم أي أتباعهم وأنفسهم وكلهم يود ذلك، و [من] ليست للتبعيض، وإنما هي للإبانة والجنس. ومعنى {وَمَا يَشْعُرُونَ} (ليس هو أنهم يجهلون ما يفعلون فيكون ذلك عذراً لهم
70
وإنما معناه وما يشعرون) أنهم لا يصلون إلى إضلال المؤمنين. وقيل: معناه، وما يشعرون بصحة الإسلام. وقيل: عنى به قريظة، والنضير، وبنو قينقاع. قوله {يا أهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله} أي بالتوراة والإنجيل {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}، هذا توبيخ لهم، لأنهم جحدوا نبوة محمد A، وهم يعلمون أنه نبي مكتوب عندهم في كتابهم في التوراة والإنجيل، فهو قوله {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} أي: تشهدون أنه نبي حق، ثم تكفرون حسداً وبغياً. وقيل: المعنى: وأنتم تشهدون أن آية الله حق وأن ما جاء به حق. قوله: {يا أهل الكتاب لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل}. أي تظهرون من الإقرار بمحمد A خلاف ما تعتقدون فتخلطون الحق بالباطل. وقيل: [لم] تخلطون اليهودية والنصرانية بالإسلام وقد علمتم أن الدين الذي لا يقبل غيره: الإسلام.
72
وقال ابن زيد: الحق: التوراة، والباطل: ما كتبوه بأيديهم {وَتَكْتُمُونَ الحق} هو أمر النبي عليه السلام يجدونه في كتبهم ويكتمونه {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه نبي حق، وأن ما جاء به من عند الله حق. قوله: {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب آمِنُواْ} الآية. معناها أن اليهود قال بعضهم لبعض: آمنو بالنبي وما أنزل إليه أول النهار، واكفروا آخره لعلهم يرجعون معكم. وقال ابن عباس: نظر اليهود إلى النبي A يصلي الصبح إلى بيت المقدس، فأعجبهم ذلك، ثم حولت القبلة في صلاة الظهر إلى الكعبة، فقالت اليهود: {آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار} أي بصلاة الصبح إذا صلوها إلى بيت المقدس {واكفروا آخِرَهُ} أي: بصلاة الظهر لأنهم صلوها إلى الكعبة {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} إلى قبلتكم. وقال السدي: قالت اليهود لضعفائها: آمنوا بمحمد أول النهار، فإذا كان بالعشي قولوا: قد عرفنا علماؤنا أنكم لستم على شيء لعلهم يرجعون عن دينهم ويشكون فيه.
73
قوله {وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} الآية. قال المبرد: فيها تقديم وتأخير، وتقديرها عنده: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى مثلما أوتيتم {أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله} وقيل تقديرها: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم إلا لمن تبع [دينكم] واللام زائدة. ومعنى ذلك أنهم قالوا لضعفائهم: لا تصدقوا أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم من علم ورسالة وشرف، إلا لمن تبع دينكم، فصدقوا أن يؤتى مثلما أوتيتم. وقيل معناها على هذا التقدير: ولا تصدقوا أن تكون الرسالة إلا فيكم. وقيل: تقديرها قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم أي كراهة أن يؤتى كأنه بعد أن يؤتى اليهود مثلما أوتي المؤمنون، فتكون على هذا المخاطبة للنبي A وأمته.
وقرأ ابن عباس ومجاهد وعيسى بن عمرو، وابن كثير أن يؤتى بالاستفهام معناه أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا يؤمنون؟ مثل {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين} [القلم: 14 - 15] أي: من أجل هذا قال كذا وكذا. وقرأ الأعمش (إن يؤتي بكسر إن فجعلها بمعنى " ما " على معنى ما يؤنى أحد مثلما أوتيتم. وقد زعم قوم أنه لحن لحذف النون من يحاجوكم وليس هو لحن عند أهل النظر لأن (أن) تضمر مع أو، فهي مضمرة ناصبة للفعل، ومن جعل في الكلام تقديماً
وتأخيراً فاللام زائدة، ومن في موضع نصب استثناء ليس من الأول. ومن قدر الآية على وجهها، ولم يقدر تقديماً ولا تأخيراً جعل اللام أيضاً زائدة أو متعلقة بمصدر، كأنه: لا تجعل تصديقكم إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى أحد. وقال الفراء: يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله " دينكم " ثم قال لمحمد A: { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله} أي: البيان بيان الله {أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ}، أو: لا يؤتى أحد، " وإن عنده بمعنى لا، ولذلك دخلت " أحد " في الكلام هنده. وقوله: {إِنَّ الهدى هُدَى} معناه: الهدى إلى الخير بيد الله يؤتيه من يشاء، فلا تتنكروا أيها اليهود أن يؤتى أحد سواكم مثلما أوتيتم، فإن أنكروا وهو معنى " يحاجوكم عند ربكم " فقل يا محمد: {إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}. وقال الأخفش: {أَوْ يُحَآجُّوكُمْ} معطوف على {تؤمنوا} معناه ولا تصدقوا أن يحاجوكم، أي: قالت اليهود لضعفائها: لا تصدقوا بأن يحتجوكم أحد عند ربكم فيما أنكرتم من نبوة محمد A. وقال الفراء: أو بمعنى حتى (و) إلا: أن.
وقال مجاهد: {قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله} اعتراض في الكلام وسائر الكلام متصل. فالأول خبر عن اليهود ومعناه {وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ}، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثلما أتيتم، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم، أي: ليس يحاجوكم أحد عند ربكم ثم قال تعالى بعد ذلك: قل يا محمد: {إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}. وقوله {أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ}. قيل: هو إخبار عما قالت اليهود لضعفائها، أي: لا تكون النبوة إلا فيكم. وقيل معناه: لا يكون العلم والشرف إلا فيكم. وقيل: هو إخبار من الله تعالى للنبي A معناه: لا يؤتي أحد من الأمم مثلما أوتيت يا محمد وأمتك من الإسلام والهدى، وهذا قول السدي. ومعنى: {أَوْ يُحَآجُّوكُمْ} إلا أن يحاجوكم، وهذا التأويل لا اعتراض فيه، ولا تقديم ولا تأخير، وأن في موضع رفع خبر عن الهدى، والتأويل الأول يقع فيه التقديم والتأخير وأن في موضع نصب على ما ذكرنا، وذلك حسداً، قالوا لضعفائهم من
74
اليهود: لا يكون نبي مثل نبيكم ولا كتاب مثل كتابكم. وقال الزجاج: معنى الآية: أن اليهود قالت لا تجعلوا تصديقكم لنبي في شيء مما جاء به إلا اليهود، ولا تقولوه للمشركين، فإن ذلك إن قلتموه لهم كان عوناً لهم على تصديقه. وقال أكثر المفسرين: معناه لا تصدقوا أن يعطى أحد مثلما أوتيتم من علم، ولا تصدقوا أن يحاجوكم أحد: لا يكونوا لأحد حجة عند الله إلا من كان مثلكم. قوله: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ}. بمعنى: النبوة، وقيل: الإسلام والقرآن. قوله: {وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} الآية. وجه من قرأ بالإسكان في يؤده وشبهه أنها لغة العرب يسكنون الهاء كما
يسكنون الميم في أنتم، ورأيتم، وأنشد الفراء: " فيصلح اليوم ويفسده غداً " وأنشد الأخفش وغيره: بيت لدى البيت العتيق أخيله ... ومطواي مشتقاقان له ارقان وبعض النحويين لا يجيزه إلا في الشعر، وبعضهم يمنعهم البتة. وعد المبرد إسكان الهاء لحناً. وقيل: اسكنت الهاء على التوهم أن الجزم عليها وقع.
وقد روي عن أبي عمرو: الاختلاس، وهو اختيار أهل النظر. ومعنى الآية أن الله أخبر أن من أهل الكتاب المؤتمن ومنهم الخائن، والناس لا يميزون الخائن منهم، فصارت الفائدة أنها تحذير من الله للمؤمنين أن يأتمنوهم لأن منهم الخائن وغيره، وهم لا يميزون ذلك فاجتنابهم أخلص. ومعنى {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً}: إلا أن تلح عليه بالتقاضي والمطالبة. والباء في بقنطار " و " بدينار بمعنى على، وهما يتعاقبان في مثل هذا. وقيل: معنى {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} أي: يقر بالأمانة ما دمت قائماً على رأسه في وقت عطائها، فإذا ذهب ثم جئت تطلبها كابرك وجحدك. وقيل: قائماً بمعنى ثابتاً لازماً له، حكى سيبويه: قام بمعنى ثبت.
قوله [ذلك] لأنهم قالوا: أي: فعلهم ذلك (و) أمرهم ذلك ومعناه، فعلوا ذلك لأنهم يقولون: لا حرج علينا فيما أصبنا من أموال العرب لأنهم على غير حق، قال ذلك قتادة. وقال ابن جريج: كان لرجل من المسلمين على اليهود ديون داينهم بها قبل أن يسلموا، فلما أسلموا طالبوهم بها فقال اليهود: ليس لكم علينا أمانة، ولا قضاء لأنكم تركتم دينكم الذي (كنتم) عليه، وإنما كان حقوقكم واجبة علينا في الأمانة، وغيرها قبل أن ترجعوا عن دينكم، فلما تركتم دينكم ورجعتم إلى الإسلام لم تلزمنا لكم حقوق ولا أداء أمانة، وادعوا أنهم يجدون ذلك في كتابهم، فرد الله عليه قولهم بقوله عقب الآية: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ} وعنوا بالأميين العرب، نسبوا إلى ما عليه الأمة قبل أن يتعلموا الكتابة. وقيل: نسبوا إلى الأم لأنها لا تعرف تكتب.
76
وقيل: نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة. قوله: {بلى مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ} الآية. معناها ليس الأمر كما يقول هؤلاء من أنه ليس في أموال الأميين حرج لكن من أوفى بعهد الله وهي وصيته إياهم في التوراة من الإيمان بمحمد A وما جاء به. فالهاء في {بِعَهْدِهِ} تعود على الله جل ذكره. ومعنى {وَاتَّقَى} أي: واتقى الشرك قاله ابن عباس وقيل: المعنى، واتقى الله ولم يكذب. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله}. . . الآية. معنى الآية: إن الذين يستبدلون بعهد الله الذي عهد إليهم في كتابهم وبإيمانهم الكاذب عوضاً قليلاً أي: خسيساً من عرض الدنيا، {لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخرة} أي: لا حظ لهم فيها أي: لا نصيب {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله} معناه: لا يكلمهم بما يسرهم.
وقيل: لا يسمعهم كلامه بلا سفير. وقيل معناه: غضب عليهم كما يقال: فلان لا يكلم فلاناً أي: هو غاضب عليه. {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ}، أي: لا يعطف عليهم بخير، كما يقال: انظر إلي نظر الله إليك أي: اعطف علي عطف الله عليك. ما زالت هذه الآية في أحبار اليهود منهم كعب بن الأشرف وحيي بم الأخطب. وقيل: " إنها نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له اختصما في أرض، فقال النبي A لليهودي: احلف، فقال الأشعت: إذن يحلف فيذهب حقي "، فأنزل الله الآية، وقال النبي عليه السلام بعقب ذلك: " من حلف بيمين كاذبة ليقطع بها حق أخيه
لقي الله D ( وهو عليه غضبان) ". وروي عن مجاهد أنه قال: نزلت في رجل أقام سلعة في أول النهار، فلما كان آخره جاء رجل يساومه فيها، فحلف لقد منعها أول النهار من كذا وكذا، ولولا المساء ما باعها بهذا العطاء فأنزل الله الآية. وقال ابن المسيب: اليمين الفاجرة من الكبائر وتلا هذه الآية. وقال قتادة: من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها حق أخيه فليتبوأ مقعده من النار، ثم تلا هذه الآية. وقال ابن مسعود: كنا نرى ونحن مع رسول الله A أن من الذنب الذي لا يغفر: يمين الصبر إذا فجر فيها صاحبها. وعن مجاهد أنه قال: هو الرجل يقول أعطيت بسلعتي كذا وكذا كذباً.
78
وقيل: إنها نزلت في قوم من اليهود ضاقت عليهم معاشهم، فخرجوا إلى المدينة، فلما رجعوا رؤساءهم سألوهم عن النبي عليه السلام فقالوا: هو الصادق لا شك فيه، فقال الرؤساء: الآن حرمْتُم أنفسَكم بِرَّنَا ونَفْعَنَا. فانقلب القوم، إلى منازلهم، وأخرجوا كتبهم فحكوا صفة النبي A وأثبتوا صفة غيره، وراحوا إلى رؤسائهم فقالوا: إنا فتحنا كتبنا فرأينا الأمر فيها على ما تصفون في محمد A فنفعوهم وأعطوهم، فأنزل الله D هذه الآية فيهم. وروى ابن مسعود بأن النبي عليه السلام قال " من حلف بيمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ} الآية ". قوله: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بالكتاب} الآية. ومعناها وإن من اليهود الذين جرى ذكرهم لفريقاً يحرفون ألسنتهم بالكتاب لتظنوا أنه من الكتاب وما ذلك من الكتاب أي: وما ذلك الذي حرفوا من الكتاب، ويزعمون أن الذي حرفوا من عند الله: أي ما نزل على أنبيائه {وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله} وإنما
79
أحدثوه من عند أنفسهم فيكذبون على الله وهم يعلمون أنهم كاذبون. يقال: لويته عدلته عن قصده. وقال القتبي: يلوون: يقلبون ألسنتهم بالتحريف والزيادة قوله: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ الله الكتاب والحكم والنبوة} أي: ما ينبغي لبشر أن ينزل الله عليه الكتاب ويعطيه الحكم، وهو الفقه في الدين، ويعطيه النبوءة ثم يدعو الناس إلى عبادته، بل يدعوهم إلى الله وإلى عبادته. وروي أنها نزلت في النفر من اليهود والنصارى الذين دعاهم النبي A إلى الإسلام. " وروي أن اليهود قالت له: تريد يا محمد أن نعبدك كما عبدت النصارى عيسى؟ وقال الرئيس من نصارى نجران: ذاك تريد منا يا محمد؟ فقال النبي A: معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غيره ما بذلك بعثت فأنزل الله جل ذكره {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} الآية ".
ثم قال: {ولكن كُونُواْ ربانيين} أي. . . حكماء علماء {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ} من شد فهو مشتمل على معنى التخفيف لأن من علمنا شيئاً فقد علم. قال الضحاك: لا ينبغي لأحد أن يدع حفظ القرآن جهده، فإن الله تعالى يقول: {ولكن كُونُواْ ربانيين} فقهاء علماء بعلم الكتاب ودرسكم إياه. هذا على قراءة من خفف. (ومن شدد فمعناه: بتعليمكم الكتاب وبدرسكم إياه ") وكل معلم عالم، وليس كل عالم معلماً، فالتشديد أعم وأبلغ وأمدح. " ونزلت هذه الآية حين قالت اليهود من أهل نجران وغيرهم: أتريد يا محمد أن نعبدك فقال النبي A: معاذ الله أن
نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غير الله ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني " أو كما قال فأنزل الله D { مَا كَانَ لِبَشَرٍ} الآية ". ومعنى {ولكن كُونُواْ ربانيين} أي: ما ينبغي لبشر أن يفعل ذلك مع الناس وأن يقول لهم ذلك، ولكن يقول لهم كونوا ربانيين " . أي حكماء علماء. وقيل: فقهاء علماء فتركوا القول لدلالة الكلام عليه. وقال ابن زيد: الربانيون ولاة الأمر، وقرأ {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الربانيون}، وقال: هم ولاة الأمر. والألف والنون في " ربانيين " دخلت للمبالغة كجماني للعظيم الجمة، وكذلك غضبان للمتلئ غيظاً ومعنى الرباني العالم بدين الرب، وكأنه في الأصل الربي منسوب إلى الرب ثم دخلت الألف والنون للمبالغة، وجمع جمع السلامة بالياء والنون والألف والنون. قال مجاهد: الربانيون، فوق الأحبار.
80
قال النحاس: الأحبار العلماء، والربانيون الذين جمعوا مع العلم السياسة والصلاح. من قولهم: ربَّ فلان الأمر إذا أصلحه. وقد قيل في {وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} أي: الفقه. والأحسن أن يكون مردوداً على ما قبله فتكون الدراسة للكتاب الذي جرى ذكره، ولم يجر ذكر للفقه. والكتاب هنا القرآن، قاله عاصم. قوله {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين} الآية من نَصَبَ يأمركم عطفه على الأول على {يُؤْتِيهُ} كأنه وما كان لبشر أن يأمركم. ومن رفع قطعه من الأول وتقديره عند سيبويه: ولا يأمركم الله، وعند الأخفش: وهو لا يأمركم.
81
والتفسير يدل على النصب لأنهم قالوا للنبي A: أتريد أن نعبدك، فأنزل الله {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} أن يفعل كذا وكذا، ولا أن يأمركم بكذا فنفى عنه ما أسندوا إليه، ثم قال: ولكن له أن يقول ويأمر {كُونُواْ ربانيين}. ثم قال: {أَيَأْمُرُكُم بالكفر} أي أيأمركم نبيكم بالكفر فهذا ظاهر الآية والتفسير، وهو تابع لقراءة النصب في المعنى. وقيل المعنى أيأمركم الله بالكفر فهذا رد على قراءة من قراء بالرفع. قوله: {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم}. أي: واذكر إذ أخذ الله. واللام في " لما " لام تأكيد " وما " بمعنى الذي في موضع رفع بالابتداء، و (من) لبيان الجنس والهاء محذوفة من آتيناكم و، {مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} الخبر هذا مذهب الخليل وسيبويه.
وأجاز الأخفش أن يكون الخبر {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} وهذا لام قسم كأنه قال: والله لتؤمنن به. وقال الكسائي: ما للشرط وهي في موضع نصب، واللام لام تأكيد كما تقول والله لئن زيد ضربت لأضربنك به. ومن كسر اللام في " لما " فهي لام الجر أي: أخذ الميثاق الذي أتاهم من كتاب وحكمة، ويكون {لَتُؤْمِنُنَّ} من أخذ الميثاق وكأن تقول: أخذت ميثاقك لا تفعلن. وفي قراءة ابن مسعود {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين}، وكذلك قرأها أبي بن كعب، ودليله قوله: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ} وهو محمد A ولم يأتِ إلا لأهل الكتاب، وغيرهم دون النبيين، ثم {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} فليس في هذا أمر من نبيين، إنما هو أمر لمن أخذ الله عليه الميثاق، وهم أهل الكتاب، وهذا المعنى مروي عن مجاهد وغيره قالوا: إنما أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب في الإيمان بالأنبياء والنصر لهم، ولم يؤخذ على النبيين نصر لقومهم، ولا إيمان بقومهم. وقال ابن عباس: المعنى وأخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وقال طاووس: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً.
وقال علي بن أبي طالب Bهـ: لم يبعث الله نبياً آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد A لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد على قومه بذلك. وقال قتادة: أخذ الله على النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً وأن يبلغوا كتاب الله D ورسالته إلى قومهم ففعلوا وأخذوا على القوم أن يؤمنوا بما بلغت إليهم رسلهم، وكان فيما بلغت إليهم الرسل الأمر بالإيمان بمحمد A والتصديق به، والنصر له. وقال السدي: لم يبعث الله نبياً من لدن نوح A إلا أخذ ميثاقه أن يؤمن بمحمد A وبنصره إن بعث وهو حي وأن يأخذ الميثاق على قومه بذلك إن بعث وهم أحياء. وقوله: {أَأَقْرَرْتُمْ} أي: بالميثاق على نحو ما تقدم " {وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي} أي: عهدي {قالوا أَقْرَرْنَا}. قيل: الضمير يعود على الأنبياء أي قال الأنبياء: أقررنا بما التزمنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدقين لما معنا من كتب. {قَالَ فاشهدوا} أي: اشهدوا أيها النبيون بما أخذت به ميثاقكم عليكم، وعلى
أممكم {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشاهدين} أي: أشهد عليكم وعليهم بذلك. وقيل: إن الضمير راجع إلى الذين أوتوا الكتاب على تقدير الاختلاف المذكور. {فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك}: أي من أعرض بعد العهد الذي أخذ عليه، فهو فاسق أي خارج من دين الله. وفي هاتين الآيتين تذكير - لمن كان على عهد رسول الله A من أهل الكتاب - وتخويف. قوله: {أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ} أي: أفغير طاعة الله يا أهل الكتاب تطلبون، وهو الذي خضع له من في السماوات والأرض، وأسلم طائعاً، وهم: الملائكة، والنبيون والمؤمنون {وَكَرْهاً} وهم الذين آمنوا بالتوحيد، وأشركوا عن علم كما قال: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله} [الزخرف: 87]. وقيل: إسلام الكاره هو حين أخذ عليه الميثاق. وقال مجاهد: إسلام الكاذب سجود ظله. والطائع: المؤمن.
وقيل: إسلام الكاره تقلبه في مشيئة الله، واستكانته لقضائه. وقال قتادة: إسلام الكاره هو حين لا ينفعه إسلامه، وذلك في الآخرة، وحين رأى الموت، قال الله تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} [غافر: 85]. وقيل المعنى: له خضع الجميع طائعين، وكارهين لأنه جبلهم على ذلك، وخلقهم كذلك. وفي تفسير الحسن {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السماوات} انقطع الكلام. ثم قال: {والأرض} طوعاً أو ركهاً أي أسلم من في الأرض طوعاً وكرهاً، فالكاره المنافق لا ينفعه إيمانه. وقيل: إن أهل الأرض أسلموا كلهم حين أخذ الله عليهم الميثاق واستخرجهم من ظهر آدم، فالتأويل: أفغير طاعة الله تريدون وهذه صفته. ثم أمر الله تعالى محمداً عليه السلام وأمته أن يقولوا: {آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ على إِبْرَاهِيمَ} ومن ذكر بعده [وأن] لا يفرقوا بين أحد منهم، وأعلمهم الله تعالى أنه لا يقبل ديناً غير الإسلام، وأن من ابتغى غيره فهو خاسر في الآخرة. أي: يخسر نفسه وذلك الخسران المبين.
86
ولما نزلت {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} ادعى كل قبيل، وكل أهل ملة انهم هم المسلمون فأنزل الله [ D] { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين} [آل عمران: 97]، فحج المسلمون وقعد الكافرون، فظهر فساد دعوى كل من ادعى الإسلام إلا المسلمون. قوله {كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} الآية. قال ابن عباس: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد، وهو الحارث بن سويد فأرسل إلى قومه أن يسألوا النبي A: هل لي من توبة؟ فأنزل الله D { كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} ثم أنزل الله {إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فأرسل إليه قومه وأسلم. وقال مجاهد: نزلت الآيتان بعد ارتداد الحارث بن سويد فحملهما إليه رجل فقرأ عليه الآية الأولى ثم قرأ عليه الآية {إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك} الآية فقال الحارث: إنك - والله ما علمت - لصدوق، وإن رسول الله A أصدق منك. وإن الله سبحانه لأصدق الثلاثة ثم رجع فأسلم وحسن إسلامه. قال السدي: نزلت في الحارث بن سويد حين ارتد ثم نسخها الله بقوله:
{إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ}. وروي أنه كان يظهر الإسلام فلما كان يوم أحد قتل المجذر بن زياد بدم كان له عليه، وقتل قيس بن زيد، وارتد ولحق بمشرك، فأمر رسول الله A عمر أن يقتله إن ظفر به، ففاته، ثم بعث إلى أخيه من مكة يطلب التوبة، فأنزل الله D { كَيْفَ يَهْدِي الله} الآيتين. وقال كثير من المفسرين: إنما نزلت في اليهود لأنهم وجدوا في التوراة إن الله جل ذكره ناجى موسى عليه السلام وكان في مناجاته " يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني، ورحمتكم قبل أن تسترحموني، فقال موسى عليه السلام: جعلت وفادتي لغيري "، وذلك قوله تعالى لمحمد A: { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا} [القصص: 46] " أي: إذ ناجينا موسى بهذا أن: يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني إلى آخر القصة. وقيل: نزلت في قوم ارتدوا. وقيل: نزلت في أهل الكتاب لأنهم عرفوا محمداً A وصفته، ثم كفروا به عن
87
علم بصحة نبوته. وقال القرظي: [كان] ناس من أهل مكة أتوا النبي A فآمنوا، فمكثوا ما شاء الله في المدينة، ثم خرجوا وارتدوا ولحقوا بالمشركين فأنزل الله ذلك فيهم ثم تعطف عليهم فأنزل الله {إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ} الآية. قوله: {وشهدوا أَنَّ الرسول حَقٌّ}: معطوف على الفعل الذي تضمنه المصدر وهو إيمانهم، تقديره بعد أن آمنوا وشهدوا ولا يجوز عطفه على {كَفَرُواْ} لفساد المعنى. وقال الحسن: هم اليهود والنصارى عرفوا صفة محمد A عندهم وشهدوا أنه حق قبل مبعثه فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك وكذبوه وأنكروا حسداً وبغياً، وقلوبهم تشهد أنهم مبطلون في ذلك. قوله {أولئك جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله} الآية. معناه: جزاء من هذه حاله بعنة الله، أي: يبعده من الرحمة ولعنة الملائكة والناس أي: يلعنهم كل من خالفهم يوم القيامة من المخلوقين كما قال: {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} [العنكبوت: 25]: ويجوز أن يكون الناس يراد بهم من كان مؤمناً. ويجوز أن يكون أراد بهم: لعن
بعضهم بعضاً في الدنيا لاختلاف أديانهم فيها. {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب} أي: لا ينقص عنهم: {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي: لا يؤخرون عن الوقت. وقيل: لا ينظرون لمعذرة يعتذرون بها. وكل ما في القرآن من اللعنة فالخط فيها في المصحف بالهاء إلا في موضعين كتبت بالتاء: في آل عمران {فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله عَلَى الكاذبين} [آل عمران: 61] و [في] النور {والخامسة أَنَّ لَعْنَتَ الله عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الكاذبين} [النور: 7] هذان بالتاء لا غير. قوله {إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك} أي: استثنى من تاب ممن ذكر قبله. وقيل: هو ناسخ ل {كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ} الآية وقد ذكرناه. ومعنى: {وَأَصْلَحُواْ} أي: أصلحوا أعمالهم، وقيل: معناه وعملوا الصالحات. قوله: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} عنى بها من كفر ببعض الأنبياء قبل محمد A ثم
كفروا بمحمد A فلن تقبل توبتهم عند الموت ومعاينته. قال قتادة: عنى بها اليهود لأنهم كفروا بالإنجيل - وبعيسى عليه السلام {ثُمَّ ازدادوا كُفْراً} بمحمد A - والقرآن. وقيل: عنى بها اليهود والنصارى كفروا بكتابهم، فبدلوه، {ثُمَّ ازدادوا كُفْراً} بمحمد عليه السلام. وقيل: كفرهم الأول هو حجدهم بمحمد A وازدادوا كفراً [أي: ذنوباً]. وقيل: هم اليهود والنصارى كفروا بمحمد A، [ وازدادوا كفراً] لم يتوبوا مما فعلوا في الصحة لم تقبل توبتهم عند الموت. وقيل: {ثُمَّ ازدادوا كُفْراً} ماتوا على الكفر. [و] اختار الطبري أن يكون المعنى: ثم ازدادوا كفراً بما أصابوا من الذنوب، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم حتى يتوبوا من كفرهم
91
بمحمد A والآية عنده عنى بها اليهود. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ} الآية. معناه: لن يقبل ممن كان بهذه الصفة جزاء ولا فدية ولو كانت ملء الأرض ذهباً، روى أنس بن مالك أن النبي A كان يقول: " يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد سئلت ما هو أيسر من ذلك ". وقال الزجاج معناه: لو عمل من الخير فتصدق بملء الأرض ذهباً - وهو كافر - لم ينفعه ذلك مع كفره. قوله: {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}. قال ابن مسعود وغيره: البر هنا الجنة.
{لَن تَنَالُواْ} حتى تتصدقوا {مِمَّا تُحِبُّونَ} أي: تهوون، ومثله {وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ} [الإنسان: 8] [وقوله] {وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]. ولما نزلت هذه الآية " جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله، فحمل النبي (عليه السلام) [عليها] أسامة بن زيد وهو ولده فوجد زيد في نفسه فلما رأى ذلك النبي A قال: أما إن الله قد تقبلها منك ". وقيل: إن البر العمل الصالح الذي يدهو إلى الجنة. وفي الحديث " عليكم بالصدق فإنه يدعوا إلى البر، والبر يدعو إلى الجنة، وإياكم والكذب، فإنه يدعو إلى الفجور والفجور يدعو إلى النار ".
93
قوله: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ} أي: فتصدقوا بشيء فإنه محفظ لكم. وقال الحسن: النفقة هنا يعني بها الزكاة الواجبة. قوله: {كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ} الآية. إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم A أخبرنا الله تعالى أن الأطعمة كلها كانت حلالاً لولده يعقوب إلا ما حرم يعقوب على نفسه قبل نزول التوراة، وحرمه وُلْدَه على أنفسهم من غير فرض من الله تعالى عليهم، وكان بيعقوب A عرق يسمى النساء، فيأخذه بالليل ويتركه بالنهار فحلف: إن الله عافاه منه ألا يأكل عرقاً أبداً، فحرَّم الله عليهم لبغيهم فنزلت التوراة بتحريم ما كانوا حرَّموه على أنفسهم، فذلك قوله: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} ثم قال: إن أنكرتم ذلك فاتوا بالتوراة فاتلوها فإنكم تجدون ذلك فهذا قول السدي. وقيل: إن الذي حرموه على أنفسهم إنما تبعوا فيه يعقوب A، ولم تنزل التوراة بشيء منه، ولكنهم ادعوا أنه في التوراة فقال الله: قل يا محمد ايتوا بالتوراة فإنه لا شيء فيها مما يقولون. وقال ابن عباس: حرم إسرائيل على نفسه وعلى ولده العرق وليس
94
بمكتوب في التوراة. فمجاهد وقتادة وابن عباس وغيرهم يقولون: الذي حرم إسرائيل على نفسه هو العرق لعرق كان به يؤذيه. [وقال عطاء] وابن جريج: حرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها، وهو قول الحسن. " ويروى أن عصابة من اليهود حضرت رسول الله A فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا أي شيء حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ فقال النبي A: أنشدكم بالذي أنزل التوراة هل تعلمون أن إسرائيل - يعقوب - مرض مرضاً شديداً، فطال سقمه منه، فنذر لله نذراً لئن عافاه الله منه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لُحمان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها، فقالوا: اللهم نعم ". وروي انه حرم على نفسه أحب الطعام إليه إن برئ، وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وشحومها، وشحوم الضأن والبقر والمعز، فحرم ذلك على نفسه. قوله: {فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب} الآية. أي: فمن ادعى بعد قراءة التوراة - وعدم ما ادعيتم من تحريم العروق ولحوم
95
الإبل وألبانها فيها -: إن ذلك في التوراة، وأن الله أنزل تحريم ذلك فيها فهو ظالم. قوله: {قُلْ صَدَقَ الله فاتبعوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} معناه: قل يا محمد صدق الله في جميع ما أخبرنا به وأن إسرائيل حرم لحوم الإبل وألبانها من غير تحريم من الله في كتابه، فإن كنتم أيها اليهود على حق في قولكم {فاتبعوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} فإنه لم يكن مشركاً. والوقف على قوله {قُلْ صَدَقَ الله} حسن. قوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ. . .} الآية. أخبر الله تعالى: أن أول بيت وضع للناس مبارك وهدى للعالمين هو الذي ببكة، وكان قبله بيوت إلا أنه ليس لهن هذه الصفة، هذا قول علي بن أبي طالب Bهـ فهو على قوله أول بيت وضعت فيه البركة والهدى مقام إبراهيم. وقال الحسن: هو أول مسجد عبد الله فيه في الأرض. وقال ابن عمر: هو أول بيت وضع في الأرض، خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان إذ كان عرشه على الماء على زبد وبيضاء فدحيت الأرض من تحته. وقال مجاهد: أو بيت خلق الله: الكعبة، ثم دحا الأرض من تحتها، وقال السدي. وقيل: إن موضع الكعبة موضع أول بيت وضعه الله في الأرض. وقال قتادة:
هبط البيت مع آدم حين هبط، يطوف حوله كما يطاف حول العرش ثم رفعه الله في الطواف فصار معموراً في السماء، ثم إن إبراهيم تتبع منه أساساً حين أمره تعالى ببنائه فبناه على أساس قديم. ومعنى وضع للناس [أي]: لعبادة الله. وسئل النبي عليه السلام عن أول مسجد وضع؟ فقال: " المسجد الحرام، ثم مسجد بيت المقدس وكان بينهما أربعون سنة ". وبكة: حول البيت مع الطواف (من) قولهم بكة: إذا زحمه، فسميت بذلك البقعة للازدحام [الذي يكون] فيها وما عدا ذلك في خارج المسجد: مكة. قال ابن شهاب: بكة البيت والمسجد، ومكة الحرم كله. وقال مالك: بكة موضع البيت، ومكة غيره من المواضع. قال ابن القاسم: يريد القرية. وروي عن ابن وهب أنه قال: بكة موضع البيت، ومكة ما حول البيت
97
من المواضع. وقيل: إنما سميت مكة لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها. قال مقاتل: بكة ما بين الجبلين، ومكة الحرم كله وإنما سميت بمكة لأنها تمك المخ من العظم أي تمحقه لما يحتاج (إليه) الإنسان من السعي والطواف والعمل. يقال: مككت العظم إذا أخرجت ما فيه. وقيل: سميت مكة لأن الناس كانوا يمكون، ويضجون فيها من قوله: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35] يقول: تصفيق وصفير. وقال الضحاك: بكة هي مكة، وعلى ذلك أهل اللغة أن الميم بدل من الباء كما يقال: لازب، ولازم وسبل شعره وسمله إذا استأصله. وسميت بكة لأن الناس يتباكون حولها الرجال والنساء يعني يزدحمون، وقيل سميت بذلك لأنها تبك أعناق الجبابرة. قوله {فِيهِ ءايات بينات. . .} الآية. هي: مقام إبراهيم، المشعر الحرام {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}. وقال مجاهد: مقام إبراهيم الحرم كله، وهي آيات كثيرة. منها: الصفا والمروة والركن والحطيم والملتزم والحجر وغير ذلك، ومنها: أن الطائر لا يعلو البيت صحيحاً ويعلوه مريضاً للتشفي [به] ومنها: أن الجارح يتبع
الصيد فإذا دخل الحرم تركه. ومنها: أن الغيث إذا كان من ناحية الركن اليماني كان الخصب باليمن، وإذا كان من ناحية الشامي كان الخصب بالشامي، والعراقي كذلك، وإن عم الأركان عم الخصب الدنيا. ومنها: أن الجمار تزداد فيه كل عام لا يحصى كثرة وهي ترى على قدر واحد. وأمثال ذلك كثيرة لا تحصى. وعلى هذا القول يكون {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} خبر مبتدأ. وقد قرأ " فيه آيات بينة " على أنها المقام الموجود الساعة ويكون أيضاً ما بعد مبتدأ. ومعنى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} كان أهل الجاهلية من جنى منهم جناية ثم لجأ إلى حرم الله لم يطلب، ولم ينتصف وأما في الإسلام فليس يمنع من حدود الله D مانع. وعن يحيى بن جعدة {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} قيل: كان آمناً من النار. وأهل التفسير على أن المعنى: ومن دخله فاراً من غيره مستجيراً به أمن ممن يطلبه. وقيل: [المقام] هو الحجر الذي فيه أثر رجلي إبراهيم عليه السلام.
وروي أن الله D أمره أن يؤذن بالحج كما قال تعالى: {وَأَذِّن فِي الناس بالحج} [الحج: 27] فوقف على المقام وهو الحجر، فأعطاه الله في صوته ما يسمعه كل من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأعطاه من القوة حتى رسخت رجلاه مقر الحجر فنادى يا عباد الله، أجيبوا داعي الله، والحج إلى بيته الحرام يخرجك من النار، ويسكنكم الجنة " فالناس اليوم يلبون دعوة إبراهيم فمن أجابه مرة حج مرة ومن أجابه مرتين حج مرتين، وكذلك (أكثر) من ذلك. قوله: {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً. . .}. هذا فرض من الله واجب علينا مع وجود الاستطاعة. قال ابن الخطاب وابن عباس Bهـ: الاستطاعة: الزاد والراحلة، وهو قول ابن جبير والحسن. وعن ابن عباس: من ملك ثلاثمائة درهم فهو السبيل. وقال الضحاك: إن قدر [أن] يؤاجر نفسه ويمشي فهو مستطيع.
وروي عن النبي A أنه قال: " السبيل الزاد والراحلة ". وعن علي Bهـ أنه قال: من ملك زاداً وراحلة يبلغانه إلى بيت الله D فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً. وقال عكرمة: السبيل: الصحة. وقال ابن زيد: السبيل القوة في النفقة والجسم والحملان. وقيل السبيل الطاقة بأي وجه. وهو اختيار (الطبري) وجماعة من العلماء، وهو مذهب مالك وأصحابه. والهاء في " إليه " تعود على البيت " وقيل على الحج ".
قوله: {وَمَن كَفَرَ} أي: من لم يحج وهو يقدر عليه. وقيل: معناه من لزمه فرض الحج فأنكره فإن الله غني عن حجه. وقال ابن عباس: من كفر من قال الحج ليس بفرض. وقيل: معناه من اعتقد أنه لا أجر له في سعيه وحجه، ولا إثم عليه في تأخيره قاله مجاهد. " وسأل رجل من هذيل النبي A قال: " يا نبي الله من تركه كفر؟ قال النبي A: " من تركه لا يخاف عقوبته، ومن حج لا يرجو ثوابه فهو ذلك " أي: كافر. وعن مجاهد أيضاً أنه قال: معنى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين} أي: وكفر بالله واليوم الآخر، ويروى أن النبي A جمع الناس عند نزول فرض الحج، وخطبهم وأمرهم بالحج وأنه فرض عليهم. فحج البيت هو ملة واحدة وهي: من آمن بالله، وتركه خمس ملل، وهم الذين لم يؤمنوا بالنبي A فأنزل D: { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين}. وعن ابن عباس أنه قال لما نزلت: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً} الآية، قالت: الملل كلها نحن مسلمون فأنزل الله {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} فحج المؤمنون وقعد الكافرون. قال ابن زيد معناه ومن كفر بهذه الآية يعني التي تقدم ذكرها وهي: مقام
98
إبراهيم {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}. قال عطاء: {وَمَن كَفَرَ} بالبيت. وقال السدي: {وَمَن كَفَرَ} معناه: من وجد ما يحج به ثم لم يحج فهو كافر. ويروى عن عمر أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى الأمصار فينظرون إلى كل رجل لم يحج وهو واجد فيضربون عليه الجزية ما هم بمسلمين. وعنه أنه قال: لو أن ناساً تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما قاتلناهم على الصلاة والزكاة. واختار بعضهم أن يكون المعنى: ومن كفر فأنكر فرض الله ووجوبه. قوله: {قُلْ يا أهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله}. هذا خطاب لليهود والنصارى وتوبيخ لهم لأنهم كفروا بمحمد وهم يشهدون أنه حق يجدونه عندهم في التوراة مكتوباً والله يشهد عليهم بأنهم على باطل في إنكارهم له وهم يعلمون أنه نبي حق. قوله {قُلْ يا أهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ} الآية. هو أيضاً لليهود والنصارى، ومعنى صدهم عن سبيل الله هو جحدهم
100
بمحمد وما جاء به من الدين، والسبيل: الطريق. {تَبْغُونَهَا عِوَجاً} " أي يبغون لها أي: السبيل أي: يطلبون السبيل المعوج وهو الميل عن الحق في الدين. العوج بالفتح يكون في الحائط والعود ونحوه. قال السدي: وكانوا إذا سألهم أحد هل يجدون محمداً A في التوراة؟ قالوا: لا، فيصدون عن الإيمان به، والإيمان بمحمد A هو السبيل إلى الله سبحانه. قوله {يا أيها الذين آمنوا إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً} الآية. نزلت هذه الآية في قوم من اليهود أرادوا أن يحدثوا الفتنة بين الأوس والخزرج، وقد كان بين القبيلتين فتنة فذهبت بالنبي عليه السلام، فأراد قوم من اليهود أن يحدثوها بينهم، فنهى الله D عن ذلك وأخبرهم أنهم إن أطاعوهم كفروا، ثم قال: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ آيَاتُ الله وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} [معناه: وعلى أي حال تكفرون أيها المؤمنون وآية الله تقرأ عليكم ورسوله] بين أظهركم يدعوكم إلى الحق ويبينه لكم، فليس لكم عذر في ارتدادكم عن الحق {وَمَن يَعْتَصِم بالله} أي: يمتنع
102
به {فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. قال ابن جريج: {وَمَن يَعْتَصِم بالله}: من يؤمن بالله. قال ابن العباس: كانت الأوس والخزرج بينهم حرب في الجاهلية كل شهر، فبينما هم جلوس إذ ذكروا ما كان بينهم حتى غضبوا فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فنزلت هذه الآية {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ}، ونزلت {واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ}. وروي أن شاس بن قيس كبير اليهود دس على الأوس والخزرج من يذكرهم ما كان بينهم من الحروب والدعاء طمعاً أن يقرف إلفتهم، فلما ذكروا بذلك ثار بينهم سر حتى أخذوا السلاح، فخرج النبي A وأصحابه ووعظهم وذكرهم بالله والإسلام، فرجع القوم، وعلموا أنها نزعة من الشيطان، فبكوا وتعانقوا [وانصرفوا] مع النبي A، فنزلت الآيات في توبيخ أهل الكتاب على فعلهم وتذكير الأنصار ووعظهم. قوله {يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ}. هذا خطاب للمؤمنين، ومعنى {اتقوا الله} راقبوه ودوموا: على طاعته. ومعنى {حَقَّ تُقَاتِهِ} أي: حق خوفه وهو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر،
103
قال السدي وطاووس وقتادة، وغيرهم. {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ}: لربكم. وعن ابن عباس {حَقَّ تُقَاتِهِ}: أن يجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذه في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. وعن قتادة إنها منسوخة بقوله: {فاتقوا الله مَا استطعتم} وكذلك قاله الربيع ابن أنس، وقاله السدي وابن زيد. وأهل النظر على أن هذا لا نسخ فيه لأن الأمر بالتقوى لا ينسخ ولكنه خفف بالآية الأخرى. ومعنى {وَلاَ تَمُوتُنَّ} أي: كونوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت، وليس ينهاهم عما لا يملكون ولكن هذا معناه. وحكى سيبويه: لا أرينك هاهنا، وهو لم ينه نفسه، وإنما المعنى لا يكن ها هنا، فإنه من يكن ها هنا أراه. قوله: {واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}.
أي: تعلقوا بأسباب الله {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} أي: تمسكوا بدين الله. والحبل في اللغة الذي يتوصل به إلى البغية. قال ابن مسعود: حبل الله الجماعة. وعن النبي A أنه قال: " كتاب الله حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض ". وقيل: حبله، عهده وأمره، وأكثر المفسرين على أنه القرآن، وقال أبو العالية حبل الله الإخلاص والتوحيد. وقال ابن زيد: حبل الله: الإسلام. وقال القتبي: حبل الله: دينه. وروى ابن مسعود عن النبي A، أنه قال: " أيها الناس عليكم بالطاعة، والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإن ما تكرهون في الطاعة والجماعة هو خير مما
تحبون في الفرقة " وهذا تذكير للأنصار إذ كانوا يقتتلون في كل شهر فلما أتى الإسلام واجتمعوا عليه ألف الله بينهم وزالت العداوة التي كانت بينهم عشرين ومائة سنة، وقد كانوا بني عم. ومذهب البصريين أن {واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ} تمام الكلام، ومذهب الكوفيين أن {إِذْ كُنْتُمْ} متصل بـ {واذكروا}. {وَكُنْتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النار}، هذا مثل لما كانوا عليه من الكفر، أنقذهم الله من ذلك بالإسلام. وشفا الحفرة: طرفها. وقيل: {فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا} بمحمد A قاله السدي، فالآية للأنصار خاصة لما أزال الله عنهم من القتل الذي كان بينهم. وقيل: هي لقريش لأن بعضهم كان يغير على بعض فلما دخلوا في الإسلام حرمت عليهم الأموال والدماء فأصبحوا إخواناً. والهاء في {مِّنْهَا} تعود على النار، وقيل على الحفرة.
104
قوله {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير} الآية. معناها: ولتكن منك أيها المؤمنون جماعة مستقيمة يدعون [الناس] إلى الخير، وهو الإسلام، ويأمرونهم بالمعروف أي: باتباع محمد عليه السلام. وما جاء به، وينهونهم عن المنكر، وهو التكذيب لمحمد A وما جاء به أولئك الذين يكونون هكذا من المفلحين. وقيل: إن [من] هاهنا لبيان الجنس، ولأن المعنى ولتكونوا كلكم أمة مستقيمة يدعون إلى الخير. [ومن] مؤكدة أن الأمر للمخاطبين ومثله {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} [الحج: 30] فلم يأمرهم باجتناب بعض الأوثان وإنما المعنى: فاجتنبوا الأوثان فإنها رجس، فكذلك لم يأمر بعض المؤمنون بالدعاء إلى الخير دون البعض إنما أمرهم كلهم، ودل على ذلك قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} [آل عمران: 110]. وقال من زعم أن [من] للتبعيض، إنما أمر الله بعض المؤمنين بالدعاء إلى الخير، لأن الدعاء ينبغي أن يكونوا علماء بما يدعون الناس إليه، وليس كل الخلق علماء، فالأمر واقع لمن فيه علم، وهو بعض الناس، فمن للتبعيض على أصلها. والأمة: الجمعة، والقائمة: المستقيمة، الطريقة الصحيحة: الديانة.
105
وقرأ عثمان بن عفان Bهـ: [وينهون عن المنكر ويستعينون بالله [على] ما أصابهم " زاد خمس كلمات، وما يقرأ بذلك اليوم لأنه خلاف لخط المصحف المجمع عليه] ". قوله: {(وَلاَ تَكُونُواْ) كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا} حذر الله المؤمنين أن يكونوا مثل اليهود الذين اختلفوا في كتابهم وتفرقوا فرقاً. أمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالجماعة، وينهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالاختلاف والمراء والخصومات في دين الله. وقال الحسن: هم اليهود والنصارى اختلفوا في دينهم فنهانا الله عن مثل ذلك. ثم أخبر أن هؤلاء المختلفين لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه أي: عذاب عظيم في هذا: اليوم الذي تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه. ويجوز في غير القرآن كسر التاء في {تَبْيَضُّ} و {وَتَسْوَدُّ}.
ومعنى تبيض: تشرق كما قال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ} [عبس: 38 - 39] فهي تشرق لما تصير إليه من [النعيم، وتسود وجوه من أجل ما تصير إليه] من العذاب. قوله {أَكْفَرْتُمْ} معناه: فيقال لهم أكفرتم؟ قال جماعة من العلماء: عنى بهذا بعض أهل القبلة من المسلمين وروي أن النبي A قال: " والذي نفسي بيده ليردن على الحوض ممن صحبني أقوام حتى إذا رفعوا إلي ورأيتهم اختلجوا دوني فأقول: يا رب، أصحابي أصحابي. فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ". قال أبو أمامة {فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ}: (هم) الخوارج. وعن أبي بن كعب أنه قال صاروا يوم القيامة فريقين: يقال لمن اسود وجهه:
أكفرتم بعد إيمانكم وذلك الإيمان هو الذي كان قبل الاختلاف حين أخرجهم من ظهور آدم وأخذ منهم عهدهم وميثاقهم، فقال الله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى} [الأعراف: 172] فأقروا كلهم بالعبودية، وفطرهم على الإسلام، ثم لما خرجوا إلى الدنيا كفروا، فيقال لهم يوم القيامة: {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} فالآية عنده للكفار خاصة. قال: والآخرون فقاموا على إيمانهم المتقدم فهم في رحمة الله خلوداً. وقال الحسن: {فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ} هم المنافقون أظهروا الإيمان وأسروا الكفر. واختار الطبري قول أبي بن كعب أن يكون للكفار، ويكون الإيمان هو الذي أخذه الله عليهم حين أخرجهم من ظهور آدم كالذر فأقروا بأنه ربهم ثم كفروا بعد ذلك. وذكر النحاس في قوله: {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} قال: عنى بها اليهود بشروا بالنبي A واستفتحوا به قبل بعثه فكان ذلك منهم إيماناً، فلما بعث كفروا به هذا معنى قوله. قوله: {فَفِي رَحْمَةِ الله} أي: في ثواب رحمة الله وهي الجنة وتأولها مالك في أهل الأهواء. وروى أبو أمامة: أنها في الحرورية، سمعته من رسول الله A غير مرة، ولا
اثنتين، ولا ثلاثاً، ولا أربعاً، حتى بلغ سبعاً. وروى عبد الملك بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، قال: قال رسول الله A: " إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند الله تبارك وتعالى: أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية مسودة وجوههم زرقاً عيونهم قد دلعوا ألسنتهم يسيل لعابهم على صدورهم يقذرهم كل من في القيامة فيقولون: ما لنا؟ ما عبدنا شمساً، ولا قمراً، ولا وثناً، فيأتيهم النداء من عند الله صدقتم ما عبدتم شمساً ولا قمراً ولا وثناً ولكن جاءكم الكفر من حيث لا تحتسبون ". قوله {تِلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} أي: هذه آيات الله تتلى عليكم يا محمد بالحق. . .
109
وليس يريد الله أن يظلم أحداً من خلقه. أعيد ذكر الاسم في الآية لأنه أفخم ولأنه لا يقع فيه أشكال إذ هذا الاسم إنما هو للرب لا يشركه فيه أحد. وقال الكوفيون: إنما أعيد ظاهراً، لأن كل واحد من الاثنين في قصة مفارق معناها للأخرى وليس مثل قول البيت في قول الشاعر: " لا أرى الموت يسبق الموت شيء ". ... لأن الثاني من تمام الأول وإنما أظهر في البيت اضطراراً وليس كذلك الآية. قوله {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} الآية. قال ابن عباس: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وقيل: هو خطاب لأصحاب رسول الله A كلهم. وقال عكرمة: نزلت في ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ ابن جبل. وقال الحسن وغيره: الخطاب لأمه سيدنا محمد عليه السلام كلهم وكانوا يقولون نحن آخرها وأكرمها على الله. وعن الحسن أنه قال: معناها كنتم خير الناس للناس.
وقال أبو هريرة في معناها: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعماقهم حتى يدخلوا في الإسلام، وروي أن النبي عليه السلام قال " ألا إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله " وقال يوماً وهو مسند ظهره إلى الكعبة: " نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرها ". وقيل: كان زائدة، والمعنى أنتم خير أمة بمنزلة قوله: {وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَآ} [البقرة: 142] أي: أنت عليها وبمنزلة {قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكاذبين} [النمل: 142]، وقد ذكر هذا كله في مواضعه وفي بعضه اختلاف. وقيل: المعنى كنتم في اللوح المحفوظ خير أمة، ومثله {واذكروا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً} [الأعراف: 85] أي إذ أنتم. وقيل المعنى: كنتم خير أمة إذ كنتم تأمرون بالمعروف أي: إذا كان هذا حالكم
111
فأنتم خير أمة. ومعنى: {تَأْمُرُونَ بالمعروف} تشهدون ألا إله إلا الله وتقرون بما أنزل الله وتنهون عن المنكر تقاتلون على ذلك. والمنكر: هو التكذيب بمحمد A وبما جاء به هذا قول ابن عباس. وأصل المعروف هو فعل كل ما كان مستحسناً جميلاً غير مستقبح. قوله: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} الآية هذا خطاب للنبي A معناه لم يضروكم أيها المؤمنون أهل الكتابين {إِلاَّ أَذًى} بألسنتهم لا غير يسمعونكم تكذيب نبيكم A وقوله البهتان في عيسى وعزير صلى الله عليهما وسلم، وهو استثناء منقطع.
112
وإن قاتلوكم ولُّو الأدبار وانهزموا {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}، فهذا وعد من الله أن أعداء [هم] لا ينصرون، وأنهم هم المنصورون. قوله {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثقفوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله} الآية. معناها: ألزم الله المكذبين بمحمد الذلة وهي الصغار حيثما وجدوا، فهم تحت أقدام المسلمين لا منعة لهم فهم في ذلة وخوف {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله} [أي بسبب من الله]. أو بسبب من المؤمنين، فإنهم يأمنون على أنفسهم، وذرياتهم، والذلة لا تفارقهم، والسبب هو العهد إذ عوهدوا. وتقدير الآية عند الكوفيين إلا أن يعتصموا بحبل من الله وحبل من المؤمنين، ولذلك دخلت الباء وهي متعلقة بهذا الفعل المحذوف. وقال بعض الكوفيين - أيضاً -: هو استثناء من الأول محمول على المعنى لأن المعنى ضربت عليهم الذلة بكل مكان إلا بموضع من الله. وقال بعض البصريين: هو استثناء ليس من الأول.
113
وقوله: {أَيْنَ مَا ثقفوا} تمام، ثم قال: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله} أي: لكنهم (يعتصمون) بحبل من الله. قوله: {وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله}، أي: تحملوا وانصرفوا ورجعوا به، وحقيقته: لزمهم ذلك، يقال: تبوأت الدار أي: لزمتها. (تم السفر الأول من كتاب الهداية إلى بلوغ النهاية والحمد لله الذي بعونه. .). قوله: [ D] { ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله} أي: تبوءهم الذي باءوا به من غضب الله، وضرب الذلة بدل مما كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق، فكأنهم ألزموا الذلة، والغضب لفعلهم هذا، ثم قال: {ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} أي: فعل بهم ذلك بعصيانهم واعتدائهم كذلك في موضع نصب وهو ذلك الثاني. قوله: {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الكتاب}. هذا مردود على [قوله] {مِّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون} ثم قال: {لَيْسُواْ سَوَآءً} أي: ليس المؤمنون والفاسقون سواء وتم الكلام، ويعني بذلك من آمن من أهل الكتاب ومن لم يؤمن.
والفراء يقدره بمعنى ليست تستوي أمة من أهل الكتاب قائمة من حالها كذا وأمة على غير ذلك، وهو غلط من وجوه: أحدها أنه يقدر محذوفاً ولا يحل التمام سواء، وترتفع أمة بسواء، وإذا فعل ذلك لم يعد على اسم ليس ذكر وساء ليس بجار على الفعل فيرفع الظاهر، والمضمر الذي يضمر لا يدل على شيء من الكلام. وأبو عبيدة يجعل {لَيْسُواْ} على لغة من قال: أكلوني البراغيث، ويجعل {أُمَّةٌ} اسم ليس و {سَوَآءً} الخبر ويقدر محذوفاً، وهو ذكر الكفار من أهل الكتاب، وهو بعيد لأن ذكر أهل الكتاب قد تقدم، فليس [هو] مثل أكلوني البراغيث لأنه لم يتقدم [له] ذكر. وتصغير {آنَآءَ} أوينا تبدل من الألف التي هي فاء الفعل واواً كما تقول: أويد في آدم، ومعنى الآية: أنه تعالى أعلمنا أنه ليس أهل الإيمان من أهل الكتاب والكفر سواء، والضمير في {لَيْسُواْ} يعود على ما تقدم من ذكر المؤمنين والفاسقين (من أهل الكتاب فقال): من أهل الكتاب {أُمَّةٌ} شأنها بالمدح والثناء هذا
مذهب البصريين. والكوفيون يجعلون أمة مرفوعة بسواء والكلام عندهم متصل، وقد تقدم ما يدخل عليهم كأن تقديره عندهم لا يستوون من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وأخرى كافرة، قالوا: وترك ذكر الأخرى لدلالة ذكر المؤمنة عليها ومن مذهبهم ألا يجوز سواء [علي] قمت حتى تقول أم قعدت، وأجازوا هنا الحذف، ويجيزون الحذف إذا كان الكلام مكتفياً بواحد نحو ما أبالي، وما أدري لاكتفاء ما أبالي بواحد، أجازوا ما أبالي أقمت، وما أدري أجليت يريدون أم فعلت كذا ويحذفونه، ويلزمهم الا يجيزوا الآية على تأويلهم لأنهم لا يجيزون الحذف مع سواء لنقصانه، وقد أجازوه في الآية، وهذا تناقض لأنهم أجازوا في الآية ما لا يجوز في الكلام. روى ابن وهب عن مالك: أمة قائمة أي قائمة بالحق وهو قول مجاهد والسدي وقتادة والربيع بن أنس وروي مثله عن ابن عباس. ونزلت هذه الآية في قول عكرمة وابن جبير وابن عباس في عبد الله بن سلام
وثعلبة بن سعية، وأسيد بن عبيد وهم أخيار أهل الكتاب في الوقت، وأسلم معهم غيرهم فقال: من بقي من أحبار يهود: ما آمن بمحمد - A - إلا شرارنا فأنزل الله الآية يفضل فيها من آمن منهم على من لا يؤمن. وقال الحسن: إن قوله: {يَتْلُونَ آيَاتِ الله آنَآءَ الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ} يريد ما بين المغرب والعشاء. وقال ابن مسعود: معناها ليس أهل الكتاب سواء وأمة محمد A، القائمة يتلون آيات الله ويؤمنون بالله، ويفعلون كذا وكذا. قال مجاهد: قائمة عادلة. وقال قتادة: قائمة على كتاب الله D وفرائضه وحدوده. وقال ابن عباس: قائمة أي: مهتدية على أمر الله سبحانه مستقيمة. وقال السدي: قائمة مطيعة. وقال الأخفش: من أهل الكتاب أمة (أي: ذو أمة) بمعنى: ذو طريقة حسنة. وواحد آناء الليل اني: كقُنو وأقناء، وقيل واحد أني كمعي وأمعاء وحكى
الأخفش أني. وقال قتادة: آناء الليل ساعاته أي: يتلون في ساعات الليل. وقال السدي: هي جوف الليل. وقال ابن مسعود: [آيات الله] آناء الليل صلاة العتمة يصلونها، وما سواهم لا يصليها وروى ابن مسعود " أن النبي A خرج عليهم ليلة، وقد أخر الصلاة قال: فجاء النبي عليه السلام ومنا المصلي ومنا المضطجع فبشرنا، وقال: إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب: فأنزل الله D { لَيْسُواْ سَوَآءً} الآية ". وروى الثوري عن منصور أنه نزلت في قوم كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء. ومعنى يتلون آناء الليل: يتبعون بعضها بعضاً، (ومعنى) {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} أي: يصلون.
115
وقيل: المعنى يتلون الآيات في الصلاة، وهم مع ذلك يسجدون في الصلاة يعني السجود المعروف في الصلاة. ثم وصفهم الله فقال: {يُؤْمِنُونَ بالله} أي: يصدقون به وبما أنزل على أنبيائه من غيب الآخرة {وَيَأْمُرُونَ بالمعروف} أي: بالإيمان بالله ورسوله {وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} أي: ينهون الناس عن الكفر بالله، وبمحمد A، ودل هذا من وصفهم على أن غيرهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. قوله: {مِنَ الصالحين}. أي: من عداد الصالحين. قوله: {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ} الآية. من قرأ بالتاء رده على المخاطبة في {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} تفعلون وتصنعون. ومن قرأ بالياء رده على الإخبار في قوله: {أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ الله} ويفعلون كذا وكذا ثم قال {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ}. والياء فيها تخصيص لهؤلاء المذكورين. والتاء فيها عموم لجميع الأمة واختار الطبري وغيره التاء.
116
ومعنى [فلن تكفروه] فلن يغطى عليه، فتتركوا بلا مجازات عليه، وقال قتادة: " فلن تكفروه " فلن يضل عنكم. قوله: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ} الآية. هذه الآية وعيد بالأمة الفاسقة من أهل الكتاب الذين تقدم ذكرهم، ومعنى الكفر هنا تغطية ما أتى به محمد A وجحوده، ومعنى (ذلك) أن أموالهم لم تمنع عنهم ما ينزل بهم من العذاب في الآخرة شيئاً. قوله: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذه الحياة الدنيا} الآية. المثل هنا بمعنى الشبه ومعناها: شبه ما يتصدق به الكافر يا محمد كشبه ريح فيها صر، وهو البرد الشديد {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ} أي: زرعهم الذي أملوا إدراكه كما أمل الكفار وجود عملهم في الآخرة. ومعنى {ظلموا أَنْفُسَهُمْ}: عصوا الله ورسوله فأهلكته فصدقة الكافر كزرع هذا الظالم لنفسه، ونفقة الكافر هنا: صدقاتهم على أقربائهم تقرباً إلى الله D. وقيل: نفقتهم هو ما ينفقون على قتل النبي A وأذاه. وقيل: هي نفقة الكافر في الدنيا.
118
وقيل: هي قوله بلسانه ما ليس في قلبه فهو لا ينفعه [كما لا ينتفع] بالزرع الذي أصابته الريح التي فيها برد شديد. ومعنى {كَمَثَلِ رِيحٍ} أي: كمثل مهلك ريح، فتحقيق المثل إنما هو للحرث. والتقدير: مثل نفقة هؤلاء كمثل حرث أصابته ريح فيها صرٌ فأهلكته، فهو بمنزلة قوله: {كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً} [البقرة: 171] والمعنى: [كمثل] المتعوق به أي: مثلهم في أنهم لا يعقلون ما يقال لهم كمثل الغنم لا تعقل بما يقال لها. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ. . .}. نهى الله المؤمنين أن يتخذوا الكافرين والمنافقين أولياء في هذه الآية. والبطانة: الدخيلة الذين يطلعهم الرجل على سره لأنهم كانوا لا يبقون غاية في التلبيس على المؤمنين، فأمر الله المؤمنين ألا يداخلوهم. وقيل: البطانة: الأصدقاء، وقيل: للأخلاء، والمعنى في ذلك متقارب ومعنى {مِّن دُونِكُمْ} أي: من دون أهل دينكم كما قال: {فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ} أي: على أهل دينكم {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} أي: لا يقصرون في السوء والشتات بينكم، وهي البطانة
المنهي عنها. {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} أي: يتمنون لكم العنت والشر في أنفسكم ودينكم. وقيل: " ودوا عَنَتكم، أي: ما شق عليكم، وما نزل بكم من مكروه وضر. وأصل هذا أن يقال: أكمة عنوت: إذا كانت طويلة شاقة. ويقال: عنت العظم: إذا انكسر بعد جبر، ومنه قوله {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت [مِنْكُمْ]} [النساء: 25] أي: المشقة. ونزلت هذه الآية في قوم من المسلمين كانوا يخالطون حلفاءهم من اليهود وأهل النفاق منهم، ويصافونهم المودة قال ذلك ابن عباس. فنهاهم الله أن يصادقوهم دون المؤمنين وأن يستهجوهم في شيء من أمر دينهم فإنهم لا يقصرون في الخبال والشر لهم. وأكثر أهل التفسير على أنها نزلت في النهي عن مصافاة اليهود والمنافقين
119
ومخالطتهم ومصادقتهم وإنشاء الشر إليهم وأخبرهم أنهم يودون كفرهم وإضلالهم وما ينزل بهم من شر. وقوله: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} هو خبر مستأنف وليس بحال من البطانة. وقد قيل: إن {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} صفة ثانية للبطانة والصفة الأولى {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً}. {قَدْ بَدَتِ البغضآء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} أي: ظهرت بألسنتهم وهو إقامتهم على الكفر، أو النفاق، والذي تخفيه صدورهم من البغضاء والعداوة لكم مما بدا لكم بألسنتهم {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ} أي: العبارات من أمر هؤلاء {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} عن الله آياته ومواعظه. {هَآأَنْتُمْ أولاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} الآية. معناها: " أنتم أيها المؤمنون تحبون الكفار الذين نهيتكم عن اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين. وقيل [هم] المنافقون نهى الله المؤمنين عن محبتهم لأن المؤمنين أحبوهم لما أظهروا الإيمان، فأخبر الله بما يسرون من العداوة والبغضاء لهم، ولأنهم لا يحبونهم، ويعضون عليهم الأنامل من الغيظ فقال: {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} أي: بل يبطنون لكم
العداوة والغش. وأولاء عند الطبري بمعنى: الذين، وهي على بابها عند غيره وأنتم: ابتداء، وأولاء: الخبر. وذهب القتبي إلى أنه نداء والمعنى: أنتم يا هؤلاء. وقيل: الضمير للمنافقين بدليل قوله: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قالوا آمَنَّا} وقوله: {وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ} الكتاب هنا بمهنى: الكتب كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس، يريد الدراهم. وقال ابن عباس: {وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ} أي: بكتابكم وبكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك. وهذا يدل على أن الآية التي قبلها في اليهود دون المنافقين لأنهم أهل كتاب، ولا كتاب للمنافقين. قوله: {وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ} أي: عضوا على ما يرون من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم - والأنامل أطراف الأصابع - {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ} أي: بالغيظ
120
الذي بكم أي: اهلكوا به، وهو دعاء في لفظ الأمر. [قوله] {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ}. معناها أي: إن تنالوا سروراً، [وظفر] بعدوكم وزيادة الناس في الدخول في الإسلام، وتصديق النبي A ساء ذلك اليهود. وقيل: يعني المنافقين - وإن يصبكم ضرر من عدوكم واختلاف بينكم فرح بذلك اليهود. وقيل: هم المنافقون. {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً}. من قرأ بكسر الضاد، والتخفيف، فهو من ضاره يضيره، وجزمه لأنه جواب الشرط. ومن قرأ يضركم فهو يحتمل ثلاثة أوجه: يجوز أن يكون ضم لالتقاء الساكنين مع الإدغام، وأصله يضرركم من ضره يضره فيم على لغة من قال: مد يا في كمن قال مديا.
وأهل الحجاز يظهرون في مثل هذا التضعيف، وقوله {إِن تَمْسَسْكُمْ} أظهر على لغة أهل الحجاز، ولا يضركم أدغم على لغة غيرهم. وقال الكسائي والفراء: رفعه على إضمار الفاء على معنى فليس [يضركم]. وقيل: هو مرفوع على تقدير التقديم والمعنى لا يضركم كيدهم إن تصبروا كما قال: يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع وإجماعهم على الأخير يدل على قراءة من قرأ بالتخفيف. وروى المفضل عن عاصم لا يضركم بالتشديد والفتح، وهو أحسن من
121
الضم لأن الضم فيه إشكال. قوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ المؤمنين} الآية. معناه واذكر إذ غدوت. واليوم الذي عنى به ذلك: يوم أحد عند مجاهد، وهو قول ابن عباس والسدي. وقال الحسن: هو يوم الأحزاب. واستدل من قال يوم أحد بقوله: {إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ} ولم يختلف المفسرون، وأهل السير أن الطائفتين هم بنو سلمة وبنو حارثة، وأن الذي ذكر من أمرهما إنما كان يوم أحد. واحتج من قال هو [يوم] الأحزاب بأن أهل الأخبار والتواريخ يقولون: إنما راح النبي A إلى أحد من أهله للقتال يوم الجمعة بعدما صلى الجمعة بالناس في المدينة والله يقول: {وَإِذْ غَدَوْتَ} ولم يقل: وإذ رحت. وقيل: " إنما أمرهم النبي A يوم الجمعة غدوة أن يفتقدوا مواضع لنفسهم وجلس حتى صلى عليه السلام ثم خرج، فتبوؤه كان بالغداة بأمره لهم ومشورته إياهم ". و" لما شاورهم النبي A فيما يصنع أتاه النعمان بن مالك الأنصاري فقال: يا رسول الله، لا تحرمني الجنة فوالذي بعثك بالحق، لأدخلن الجنة. فقال: بم؟ قال: يا
122
نبي الله بأني أشهد ألا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله وأني (لا) أفر من الزحف، قال: " صدقت " فقتل يومئذ. وقالت: الأنصار: يا رسول الله، ما علمنا عدواً لنا أتانا في دارنا قط فكيف وأنت فينا؟ وسألوه الخروج إليهم وكان رأي عبد الله هذا اسم أبيه أُبي واسمه عبد الله بن أُبي بن سلول ألا يخرج ويدعهم يدخلون وأكثر عليه الأنصار بالخروج إليهم فدعا رسول الله A بدرعه فلبسها فلما رأوه قد لبسها ندموا وقالوا: كيف نشير على رسول الله A، والوحي يأتيه، فقاموا، واعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيت؟ فقال رسول الله A: " لا ينبغي لنبي أن يلبس لامته، فيضعها حتى يقاتل " ". قوله: {إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ}. معناه: {والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ}. والعامل في " إذ " ما قبله. والفشل: الجبن والضعف. والطائفتان هم بنو حارثة وبنو سلمة وذلك يوم أحد هموا بأمر فعصم الله منه، وهم خيار الأنصار.
123
وقد قال مجاهد: أما بنو سلمة فهو نحو سلع يوم الخندق قال السدي: خرج النبي A يوم أحد في ألف رجل فلما خرج رجع عبد الله بن أُبي بن سلول في ثلاثمائة فهمَّ بنو حارثة، وبنو سلمة بالرجوع حين رجع عبد الله فعصمهم الله، وبقي رسول الله في سبعمائة وبنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس. قال جابر بن عبد الله: نحوهم بنو سلمة وما يسرنا أنها لم تكن. فمعنى: إذ همت طائفتان منك أن تفشلا [لقول الله] والله وليهما. قوله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ. . .}. هذا تذكير من الله لنبيه عليه السلام وللمؤمنين بنصره لهم في بدر، فالمعنى: فكذلك ينصركم فيما بقي.
ومعنى {أَذِلَّةٌ}: قليلون، فقد نصركم الله وأنتم قليلون فهو إلى نصركم وأنتم كثيرون أقرب، وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر، ويوم أحد ثلاثة آلاف ويوم حنين اثني عشر ألفاً. وكانت بدر في سبع عشرة ليلة خلت من رمضان لثمانية عشر [شهراً] من الهجرة بعد تحويل القبلة بشهرين، كذلك رواه مالك وكانت أحد على رأس واحد وثلاثين شهراً من مقدم النبي A المدينة في شوال يوم السبت للنصف من شوال من سنة ثلاث. قال مالك: فقتل من المهاجرين يوم أحد أربعة ومن الأنصار سبعون. قال مالك: " بلغنا أن رسول الله A - يوم أحد كسرت رباعيته وأصيبت وجنته، وجرح في وجهه وتهشمت البيضة على رأسه وأنه أتى بماء في جحفة فكان يغسل به عنه الدم، وأحرق له حصير فأتى به فقال النبي A: اشتد غضب [الله] على قوم أدموا وجه رسوله " فأنزل الله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ} الآية ".
وقال أنس: كان يمسح الدم عن وجهه ويقول: " كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم " فأنزل {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ}. قال أبو سعيد الخدري: " رمى عتبة بن أبي وقاص يومئذ رسول الله [ A] فكسرت رباعيته اليمنى وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب شجه في جبهته، وأن ابن قميئة جرح وجنته، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع رسول الله A في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، وأخذ علي بن أبي طالب بيده ورفعه طلحة حتى استوى
قائماً، ومص ما لك بن سنان، ابو أبي سعيد الخدري الدم عن وجهه ثم ازدرده، فقال النبي A: " من مس دمه دمي لا تصيبه النار " ". وسمي الموضع بدراً لأنه كان لرجل يسمى بدراً، فسمي الموضع باسم صاحبه. وقيل: كان هناك بير يسمى صاحبه بدراً، فسمي الموضع باسم صاحب البير، وقيل هو اسم للموضع وهي قرية بين المدينة والجار، وهو أول قتال قاتله النبي عليه السلام، اجتمع فيه مع المشركين على غير تواعد. وقوله: {فاتقوا الله} أي: قد كنتم قليلين فنصرتم بلزومكم الطاعة، وقد نزل بكم ما نزل يوم أحد وأنتم كثرة، وذلك لمخالفتكم لأمر نبيكم A وهو ما فعل الرماة جعل الله D " ما أصيب من المشركين يوم أحد عقوبة لما فعل الرماة، إذ عهد إليهم النبي عليه السلام ألا يبرحوا من مكانهم فمضوا للنهب وظنوا أن المشركين قد فرغ منهم، وقد كان قال لهم النبي عليه السلام: " لا تبرحوا، فلن يزال النصر لنا ما ثبتم في مكانكم " فلما رأوا المشركين قد انهزموا اطمأنوا وزالوا من مكانهم طمعاً في النهب فرجعت الهزيمة على المسلمين، فأصيب خلق كثير كل ذلك بذنوب الرماة ومخالفتهم ما أمر به نبيهم A فذلك قوله: {فاتقوا الله} أي: لا تعصوا النبي A في أمره لكم.
124
قوله {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ}. إذ متعلقة بتشكون. والمعنى: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة إذ تقول للمؤمنين: ألن يكفيكم، وذلك كله يوم بدر، وذلك أن المسلمين حُدِّثوا أن كرز بن جابر الحارثي بمد المشركين فاغتنموا لذلك، فقيل لهم {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءالاف مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ} {بلى إِن تَصْبِرُواْ} على عدوكم {وَتَتَّقُواْ} أمر دينكم {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالاف مِّنَ الملائكة مُسَوِّمِينَ} ثم لم يأت كرز، ولم يمددهم الله بخمسة آلاف. وقال أبو أسيد مالك بن ربيعة وكان شاهد بدر وقد ذهب بصره: لو كنت معكم اليوم [ببدر] ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، فعلى هذا يكون الله قد أمدهم وفعل بهم ما وعدهم به. وقال ابن عباس: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف على بدر، ونحن مشركان ننتظر الواقعة على من تكون. قال: فبينما نحن على الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلاً يقول: أقدم حيزوم قال: أما ابن عمي فأكشف قناع فلبه فمات مكانه، أما أنا فكدت
أهلك، وتماسكت. وقال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر وإنما كانوا في غيره من الأيام عدداً ومدداً لا يضربون. وحكى أبو داود المازني وكان شهد بدراً قال: إني لأتبع رجلاً من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري. وحكى ابن عباس عن أبي رافع أنه قال: كنت أسلمت مع العباس بمكة، وكان العباس يكتم إسلامه، وكان قد خرج مع القوم وكنت أجلس في حجرة زمزم أنحت القداح، فوصل إلينا خبر أهل بدر وما نزل بهم، فسرنا، فدخل أبو لهب يجر رجليه حتى جلس على طنب الحجرة، ظهره إلى ظهري فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم فقال أبو لهب: هلم يا ابن أخي فعندك الخبر، فجلس إليه، والناس قيام عليه، فقال له: أخبرني كيف كان أمر
الناس؟ قال: لا شيء، والله إن كان إلا أن لقيناهم، فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا، ويأسروننا كيف شاؤوا! لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض، وما تلين شيئاً، وما يقوم لها شيء، قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة. ثم قلت: تلك الملائكة. قال ابن عباس: " أسر أبو اليسر كعبُ بنُ عمرو العباسَ وكان أبو اليسر رجلاً مجموا وكان العباس رجلاً جسيماً فقال رسول الله A: كيف أسرت العباس؟ فقال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك، ولا بعده هيأته كذا وكذا، فقال رسول الله A: لقد أعانك عليه والله ملك كريم ". وقيل: إن قوله: {إِذْ تَقُولُ} وما بعده في قصة يوم أحد هو كله وإنما وعدوا يوم بدر بأن يمدهم الله بألف من الملائكة مردفين. قال قتادة: قوله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} أي: قليلون. ثم رجع إلى قصة أحد فقال: إذ تقول للمؤمنين الآيات ووعد الله [تعالى] المؤمنين يوم أحد أنهم إن ثبروا واتقوا بعد هذا اليوم أمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسمين ففروا يوم أخد، ولم يتقوا النبي A [ في أمره، فلم يمدهم بشيء.
وقال ابن زيد: " سألوا النبي A] فقالوا يا رسول الله: هل يمدنا كما أمدنا يوم بدر؟ وذلك يوم أحد، فقال لهم النبي A: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءالاف مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ} " قال الشعبي وغيره: وعدهم بخمسة آلاف، إن جاءوا من ذلك الفور، فلم يجيئوا ولم يمدهم بخمسة آلاف وأمدهم يوم بدر بألف من الملائكة مردفين، يوم أحد بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين فهم أربعة آلاف وهم اليوم في جنود المسلمين. ومعنى {مِّن فَوْرِهِمْ هذا} أي: من وجههم هذا. وقيل: من غضبهم هذا لأنهم غضبوا يوم بدر. واستدل من قال أنه تعالى قد أمدهم بقوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ}. وقال مجاهد: معنى مسومين " معلَّمين مجززة أذناب خيلهم ونواصيها [فيها] الصوف العهن، وذلك التسويم. وقال قتادة: ذكر لنا أن سيماهم يومئذ الصوف بنواصي خيلهم وأذنابها وأنهم
كانوا على خيل بلق وقد سوم النبي A أصحابه بالصوف. وقيل: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق عليها عمائم صفر، وكذلك كانت عمامة الزبير. وهذا كله يوم بدر، على كسر الواو لأنها سومت أنفسها، ومن فتح أضاف تسويمها إلى الله [تعالى ذكره. ومن فتح الواو أيضاً احتج بقوله {مُنزَلِينَ} بإضافة النزول إلى الله] سبحانه فكذلك التسوم، كانوا أنزلوا مسومين. وقيل: معنى مسومين: مرسلين من سومت الخيل: أرسلتها إلى السائمة. وحكى بعض النحويين سوم الرجل غلامه أرسله، وخلا سبيله فيكون المعنى على هذا مرسلين إلى الكفار وكذلك (قال) الأخفش معناه: مرسلين. وأكثر الناس على أن معنى مسومين معلمين: من السومة.
126
وقال مجاهد: لم تقاتل الملائكة يوم بدر، وقال: مسومين معلمين بالصوف في أذناب خيلهم. قوله: {وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى لَكُمْ} الآية. أي: ما جعل الله النصر والمدد والوعد بذلك إلا بشرى لكم ولتسكن إليه قلوبكم. وقال مجاهد: لم يقاتلوا معهم يوم أحد، ولا قبله ولا بعده إلا في يوم بدر. {وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله}. قال ابن زيد: لو شاء أن ينصركم بغير الملائكة فعل لأنه عزيز في انتقامه حكيم في تدبيره. فالهاء في {جَعَلَهُ} تعود على الإمداد، ودل عليه {يُمِدَّكُمْ} وقيل: تعود على المدد، وهم الملائكة لدلالة يمددكم على الملائكة الين يُمَدُّ السلمون بهم، وقيل: تعود على التسويم. وقيل: تعود على الإنزال لدلالة [منزلين] على ذلك. وقيل: تعود على العدد لأن خمسة آلاف عدد، فرجعت الهاء على المعنى. قوله: {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الذين كفروا} الآية. المعنى: ليقطع طرفاً من الذين كفروا
نصركم، فبهذا تتعلق اللام. ويجوز أن تكون متعلقة بـ " يمددكم ". والطرف: الطائفة [من الكفار بمحمد A] . [ وتقدير الآية {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ} فيهلك من الذين كفروا بمحمد A] . قال قتادة: قطع الله بدر طرفاً من الذين كفروا، وقتل صناديد رؤسائهم في الشر. وقال السدي: عنى بذلك يوم أحد قتل منهم ثمانية عشر رجلاً، فذكرهم الله في قوله: {لِيَقْطَعَ طَرَفاً}، ثم ذكر الشهداء فقال بعد ذلك {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله} [آل عمران: 169] ومعنى: {أَوْ يَكْبِتَهُمْ} أو يخزيهم بالخيبة مما رجوا من الظفر {فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ}. وقيل: معناه: أو يصرعهم لوجوههم سُمِعَ من العرب كبته الله لوجهه بمعنى صرعه. ذكره أبو عبيدة، وعن أبي عبيدة أيضاً، الكبت: الهلاك، وقيل: معناه: يغيظهم ويخزيهم ومنه {كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ الذين مِن قَبْلِهِمْ} [المجادلة: 5]. والأصل فيه عند أهل النظر يكبدهم من أصاب كبده بشر وحزن وغيظ، ثم أبدل من الدال تاء لقرب مخرجهما كما قال: هرت التوب وهردت إذا حرضه يقال قد
128
أخرق الحزن كبده، والخائب الذي لم ينل ما أمل. قوله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ} الآية. هذا معطوف عند الطبري وغيره على {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الذين كفروا أَوْ يَكْبِتَهُمْ}، والمعنى عنده: {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الذين كفروا أَوْ يَكْبِتَهُمْ} {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ} ففي الكلام في قوله تقديم وتأخير. وعند غيره أو بمعنى إلا، فهي الناصبة بإضمار إن، ولا تقديم ولا تأخير في الكلام. ومعنى الآية: ليس لك يا محمد من الحكم في عبادي شيء، أو أتوب عليهم برحمتي إن شئت، فيؤمنوا أو أعذبهم فيموتوا على كفرهم {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} أي: قد استحقوا العذاب بظلمهم. وكان سبب نزول هذه الآية " أن النبي عليه السلام لما أصابه بأحد ما أصابه قال كالآيس منهم أن يؤمنوا: " كيف يفلح قوم فعلوا [هذا] بنبيهم " وقد كانوا كسروا رباعيته، وشج، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول " كيف يفلح قوم خضبوا نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم "؟ فأنزل الله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} الآية فكف رسول الله A عن الدعاء حين نزلت عليه الآية، وكان قد دعا عليهم قبل الآية وقال، في عتبة بن أبي وقاص حين كسرت رباعيته، ووشاء وجهه فقال
" اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافراً " فما حال عليه [الحول] حتى مات كافراً ". وقال ابن عمر: كان النبي A يقول: " اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية فنزلت {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ} الآية ". وروى أبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث بن هشام " أن النبي A صلّى الفجر فلما رفع رأسه من الركعة الثانية قال: اللهم انجِ عياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المسلمين، اللهم اشدد وطأتك
129
على مضر اللهم سنين كسني يوسف فأنزل الله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ} الآية " وروى ذلك أبو هريرة أيضاً - عن النبي A غير أنه قال: " واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، وزاد فيها الدعاء على قوم آخرين "، فلما نزلت {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ} ترك ذلك. وروى ابن وهب عن رجاله يرفعه إلى النبي عليه السلام " أنه كان يدعو على مضر إذ جاء جبريل A فأومأ إليه أن اسكت، فسكت فقال يا محمد: إن الله لم يبعثك سباباً ولا لعاناً، وإنما بعثك رحمة، ولم يبعثك عذاباً {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} قال: ثم علمه القنوت " اللهم إنا نستعينك. . . إلى آخره ملحق ". وقال بعض الكوفيين: إن هذه ناسخة للقنوت الذي كان النبي عليه السلام جعله في صلاة الصبح، وأكثر الناس على أنه ليس بمنسوخ. قوله: {وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ}. هذا تأكيد لما قبله أن الله له كل الأشياء يفعل ما يريد ويحكم ما يريد فيغفر لمن يشاء ويتوب على من يشاء ويعذب من يشاء. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرباوا أضعافا مضاعفة} [أضعافاً]: حال من الربا.
133
قال النحاس: هو مصدر، وهو غلط منه، وهذا نهي من الله D للمؤمنين أن يأكلول الربا بعد إسلامهم. ومعنى {أضعافا} أي: تضعفون الدين إذا أخرتم الأجل، كان الذي عليه الدين يقول: أخرني، وأزيدك فإذا حان قال: أخرني وأزيدك، فيتضاعف الدين عليه. {واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي: تنجون. والمفلح الذي أدرك ما أمل ونجا مما خاف. {وَأَطِيعُواْ الله والرسول} أي: أطيعوه فيما نهاكم عنه من أكل الربا، وأطيعوا الرسول أن تخالفوه كما خالفتموه يوم أحد فهذه معاتبة من الله D للذين عصوا يوم أحد، قال ابن عباس. قوله: {سارعوا إلى مَغْفِرَةٍ} الآية. معناه: بادروا بالأعمال الصالحات، أي: إلى ستر ذنوبكم من ربكم، والمغفرة الستر - ومنها المغفر. وسارعوا أيضاً إلى جنة هذه صفتها. ومعنى {عَرْضُهَا السماوات والأرض}.: أي عرضها كعرض السماوات السبع، والآراضين السبع إذا ضم بعضها إلى بعض. قال ابن عباس: تقرن السماوات السبع، والآرضون السبع كما تقرن الثياب بعضها إلى بعض، فذلك عرض الجنة ولا يصف أحد طولها لاتساعه، والله أعلم بذلك. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: لو أن السماوات بسطن، ثم وصل بعضها إلى بعض ما كُنَّ في سعة خلق الله إلا بمنزلة
134
الحلقة في المفازة. وكم لله من عالم أعظم من السماوات والأرض! [وروي أن لله تعالى اثني عشر عالماً السماوات والأرض] منها عالم واحد. قال أبو محمد Bهـ: والله أعظم من ذلك كله، ويقدر على أكثر من ذلك كله لا إله إلا هو. وقد قيل معنى {عَرْضُهَا السماوات والأرض} أي: سعتها كسعتهن ومن قول العربي أرض عريضة أي: واسعة، وليس يريد العرض الذي هو خلاف الطول. قال أنس بن مالك: يعني بالمسارعة: التكبيرة الأولى. وسئل النبي عليه السلام وقيل له: " هذه الجنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال: هذا النهار إذا جاء فأين الليل؟ " وروي أن بعض أهل نجران سألوا عمر عن ذلك فأجابهم بذلك فقالوا: لقد نازعت بمثل ما في التوراة. قوله: {الذين يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ والضرآء} الآية. هذه صفة المتقين الذين أعدت لهم الجنة ينفقون أموالهم في الله في حال السرور. والسراء مصدر سرني مسرة وسروراً. والضراء مصدر، قد ضُرَّ فلان إذا أصابه الضر، وهو الضيق والجهد. قال ابن
عباس: في السراء والضراء في اليسر، والعسر. {والكاظمين الغيظ} أي: الذين يتجرعون غيظهم عند امتلاء أنفسهم. وقيل الكظم: الحبس، فمعناه: والحابسين غيظهم {والعافين} أي: الصافحين عن جنايات الناس وذنوبهم وهم على الانتقام قادرون. قال أبو العالية: {عَنِ الناس} أي: عن المماليك. وقال النبي صلى الله عليه سلم " من كظم غيظاً، وهو يقدر على إنفاذه ملأه الله أمناً وإيماناً " وقال ابن عباس: هذا كقوله: {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى 34] {والعافين عَنِ الناس} مثل قوله: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ} [النور: 22]. . . إلى قوله: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ} [النور: 22] الآية. وروي عن النبي A أنه قال: " ما تجرع عبد جرعة خير له من جرعة غيظ ".
135
وقال " أفضل أخلاق المسلمين العفو ". {والله يُحِبُّ المحسنين} أي: يحب من عمل بهذه الصفات. وعن الحسن أنه قال: {والكاظمين الغيظ} عن الأرقاء {والعافين عَنِ الناس} إذا ما جهلوا عليهم. قوله: {والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} الآية. هذا كله من نعت المتقين الذين أعدت لهم جنة عرضها السماوات والأرض. وروي عن جابر أنه قال: الفاحشة هنا: الزنا وكذلك (قال) السدي. وقيل: هي كل فعل قبح [في] الشر [ع]. ومعنى {أَوْ ظلموا أَنْفُسَهُمْ}: فعلوا غير الذي ينبغي. قال النخعي: الظلم من الفاحشة والفاحشة من الظلم. ومعنى {فاستغفروا} أي: استدعوا الغفران من الله D وهو الستر على فعلهم {وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله} أي: من يسترها على فاعلها إلا الله. وقال عطاء بن أبي رباح: قال أصحاب النبي A: " يا نبي الله، بنو إسرائيل
أكرم على الله منا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه [على بابه] مكتوبة: أجدع أنفك، افعل كذا، فسكت رسول الله A، فنزلت {سارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}. . . إلى قوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فقال النبي A: ألا أخبركم بخير من ذلكم؟ ثم قرأ الآيات. فقيل: إنها خصوص أمة محمد A، لأن بني إسرائيل كانت تمتحن على ذنوبها، وتعاقب عليها في الدنيا ". قال ثابت البناني لما نزلت. {وَمَن يَعْمَلْ سواءا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} الآية: بكى إبليس فزعاً منها، قال: وبلغني أنه بكى حين نزلت {والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظلموا أَنْفُسَهُمْ} الآية. قال علي بن أبي طالب: كنت إذا سمعت من رسول الله A حديثاً ينفعني الله منه بما يشاء أن ينفعني، وإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر قال: " سمعت رسول الله A يقول: ما من رجل يذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، فيحسن الطهور، ثم يستغفر الله إلا غفر له " ثم تلى هذه الآية {والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً}. وروي عنه زيادة في هذا الحديث وهو أنه قال: ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر.
وروي أن هذه الآية نزلت في نبهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه ثمراً فضرب على عجزها فقالت: والله ما حفظت غيبة أخيك، ولا نلت حاجتك؟ فأُسقط في يده، فذهب إلى أبي بكر فقال له: إياك أن تكون امرأة غازٍ. ثم قال له عمر مثل ذلك، وقال النبي عليه السلام مثل ذلك، فذهب يبكي فنزلت في اليوم الرابع {والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} الآية. وقال النبي عليه السلام: " إن الله يغضب للغزاة كما يغضب للمرسلين ويستجيب لهم كما يستجيب للمرسلين ". وروي أن نبهان التمار أقام ثلاثة أيام صائماً حزيناً يبكي على ذنبه، فلما نزلت الآية أعلمه النبي A بها فشكر الله، ثم قال: يا نبي الله هذه توبتي قبلها الله مني، فكيف حتى يتقبل شكري؟ فأنزل الله {وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ اليل} [هود: 114] الآية. ومعنى {ذَكَرُواْ الله} [أي]: ذكروا نهي الله عما ركبوا وما أحدثوا فاستغفروا {لَمْ يُصِرُّواْ} أي: لم يتمادوا ولم يثبتوا على ما فعلوا. وقيل {لَمْ يُصِرُّواْ} أي: لم يسكتوا عن الاستغفار قاله السدي. والمعنى عند أكثر المفسرين، وأهل اللغة لم يقيموا متعمدين على الذنب، وترك التوبة منه.
136
وقال الحسن: المعنى لم يواقعوه إذ هموا به، جعل الآتي للذنب مصراً في حال إتيانه، وهو بعيد عند أهل اللغة، وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: " ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ". وقال السدي: معنى {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي: لم يقيموا على ترك الاستغفار وهم يعلمون [أنهم اذنبوا. وقيل: المعنى يعلمون أن الذي أتوا معصية. وقيل المعنى {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}] أنهم إن تابوا تاب الله عليهم. وقيل المعنى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} إني معاقب على الإصرار. وقيل: المعنى: وهم يذكرون ذنوبهم. قوله {أولئك جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ} الآية. المعنى: أولئك الذين مضت صفتهم جزاؤهم مغفرة أي: ثوابهم مع ما ذكر مما أعد لهم {وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين} أي: ثواب المطيعين. قوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأرض}.
138
المعنى: قد مضت وسلفت مني فيمن كان قبلكم يا أصحاب محمد سنن وسير نحو: إهلاك عاد وثمود وقوم لوط ونحوهم فتركتهم عبراً {فَسِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين} للرسل الجاحدين للكتب. وهذا إعلام من الله تبارك وتعالى للمؤمنين أنه سيهلك من أدال له على المسلمين للمشركين يوم أحد، وأنه إنما فعل لهم ذلك استدراجاً منه لهم، وإمهالاً حتى يبلغ الكتاب أجله. وأصل السنة الطريقة المستقيمة. وقيل: {سُنَنٌ} هنا أمثال فيمن كان قبلكم. قوله: {هذا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} الآية. وقال الحسن: {هذا} إشارة إلى القرآن، وقاله قتادة. وقال الربيع: {هذا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} عامة وهو القرآن {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} خاصة. وقال ابن اسحاق: {هذا} إشارة إلى قوله {قَدْ خَلَتْ} الآية. وقال الشعبي: {وَهُدًى} من الضلال {وَمَوْعِظَةٌ} من الجهل وذلك لمن اتقى المحارم. قوله: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا} الآية هذه الآية تعزية لأصحاب محمد A فيما
140
أصابهم يوم أحد من الجراح، والقتل فعزَّاهم الله، وبشّرهم أنهم الأعلون. ومعنى {وَلاَ تَهِنُوا}: لا تضعفوا عن قتال عدوكم {وَلاَ تَحْزَنُوا} على ما فات، فإلى النعيم المقيم صار، وأنتم مع ذلك الظافرون فيما تستقبلون {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي: مصدقين لمحمد A وما أتى به. قال ابن جريج: " لما انهزم أصحاب النبي عليه السلام يوم أحد في الشعب قالوا: ما فعل فلان، ما فعل فلان؟ فنعى بعضهم بعضاً، وتحدثوا أن الرسول A [ قتل، فكانوا في هم وحزن على النبي A] فبينا هم كذلك إذ علا خالد بن الوليد [الجبل] بخيل من المشركين فلما رأى المسلمون النبي A فرحوا، وثاب قوم من الرماة [من المسلمين فصعدوا الجبل فرموا المشركين حتى انهزموا وعلا المسلمون الجبل فنزل {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} فقال النبي A " اللهم لا قوة إلا بك وليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر " ". قال ابن عباس: لما أتى خالد بن الوليد يريد أن يعلو الجبل بخيل معه، قال النبي عليه السلام: " اللهم لا يعلون علينا " فأنزل الله: {وَلاَ تَهِنُوا} الآية. قوله {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ} الآية. هذا تعزية للمسلمين فيما أصابهم من الجراح والقتل يوم أحد وأنهم إن كان
أصابهم ذلك فقد أصاب المشركين مثله يوم بدر، ثم قال: {وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس} أي: إن ظفرتم يوم بدر فكانت لكم دولة، ثم كانت الدولة للمشركين يوم أحد غليكم بمعصيتكم أمر نبيكم A كل ذلك ليبتلي الله المؤمنين، وليبلغ الكتاب أجله. وروي أن المسلمين قتلوا من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقتل من المسلمين يوم أحد سبعون، وكثر الجراح في الباقين حتى شج رسول الله A، وكسرت رباعيته والقَرح والقُرح لغتان عند الكسائي والأخفش وقطرب كالضُعف والضَعف. وقال الفراء: الفتح اسم الجرح، والضم اسم الألم. ولم يعرف أبو عمر الضمن. وقال يعقوب الحضرمي: المفتوح ما كان بسلاح، والمضموم الجهاد كذا وقع عنه. قال ابن عباس: " لما كان يوم أحد وأصاب المسلمين ما أصاب صعد النبي A الجبل فجاء أبو سفيان فقال يا محمد: الحرب سجال يوم لنا، ويوم لكم فقال النبي عليه السلام: أجيبوه فقالوا له: لا سواء لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في الناؤ. فقال له أبو سفيان: لنا عزى ولا عزى لكم، فقال النبي A أجيبوه. فقالوا: الله مولانا ولا مولى
لكم [فقال أبو سفيلن: أعل هبل أعل هبل، فقال النبي A: قولوا: الله أعلى وأجل]. فقال أبو سفيان: موعدنا، وموعدكم بدر الصغرى، فنزلت {وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس} ". قوله: {وَلِيَعْلَمَ الله الذين} أي: داوها ليعلم الله المؤمنين من المنافقين علم مشاهدة، وهو عالم بهم قبل أن يخلقهم الله ولكن أراد العلم الذي يقع عليه الجزاء {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} أي: يكرم من أراد بالشهادة. والشهداء جمع شهيد، وسمي شهيداً لأنه مشهود له بالجنة. قال ابن جريج: كان المسلمون يسألون الله أن يريهم مثل يوم بدر، فيقاتلون ويلتمسون فيه الشهادة، فابتُلوا بيوم أحد، فخالف الرماة، فقتل من المسلمين، واتخذهم الله شهداء، فبلغهم أملهم الذي كانوا قد أملوا وسألأوا. وقال ابن عباس: يسألون الشهادة فقتلوا يوم أحد. تم الجزء التاسع
141
قوله: {وَلِيُمَحِّصَ الله الذين آمَنُواْ}. المعنى: داول الله [الأيام] بين الناس، فيعلم المؤمنين من المنافقين، وليمحص ذنوب المؤمنين. يقال: محصه إذا خلصه فمعناه على هذا: وليخلص الله المؤمنين من ذنوبهم داول الأيام بين الناس، ومنه قولهم: اللهم محص عنا ذنوبنا أي خلصنا من عقوبتها. وقيل: معنى ليمحص ليبتلي. ومعنى: {وَيَمْحَقَ الكافرين} أي: يستأصلهم. وقيل يمحق أعمالهم. وقيل: ينقصهم ويفنيهم. يقال: محق فلان الطعام إذا نقصه وأفناه. وقال مجاهد: وليمحص وليختبر. قوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ} الآية. قرأ الحسن ويحيى بن يعمر {وَيَعْلَمَ الصابرين} عطفاً على {وَلَمَّا يَعْلَمِ الله}. ومن نصب في ظهر " أن " عند الخليل وسيبويه، وعلى الصرف عند الكوفيين،
143
ومعنى الصرف عندهم أن يكون في أول الكلام جحد، أو استفهام أو نهي، ولا تمكن إعادته مع حرف العطف فإذا لم تمكن إعادته لم يعطف بالثاني على الأول، ولكن يصرف على العطف على النصب. والمعنى: أم حسبتم أيها المؤمنون أت تنالوا الكرامة، ولم تختبروا بالشدة والبأساء، فيعلم منه صدقكم وصبركم واقعاً وقد كان تعالى ذكره، علمه غيباً، ولكن لا تقع المجازاة إلا على ما خرج من الأفعال إلى الوجود. قوله: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت} الآية. المعنى: لقد كنتم يا أصحاب محمد تتمنون الموت، وذلك أن أناساً فاتهم حضور بدر، وما أ'طي أهل بدر من الفضل، فكانوا يتمنون الموت أن يجاهدوا، فيبلوا العذر في القتال في الله D. ومعنى: {تَمَنَّوْنَ الموت} أي: القتل الذي هو سبب الموت {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} أي: رأيتم سبب الموت {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} أي: بصراء تشهدون ذلك عن قرب. قال القتبي {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ}: يعني أسباب الموت وهي السيف والسلاح. وقيل: الهاء في رأيتموه تعود على محمد A. فلما كان يوم أُحد حضروا القتال، فولى قوم وأبلى [قوم] العذر، وأوفوا بما
144
عاهدوا، وهم الذين قال الله فيهم: {مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ} [الأحزاب: 23] أي: استشهد فقتل، {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} أي: الشهادة {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} أي: ما بدلوا العهد الذي عاهدوا الله عليه من ابتلاء العذر في الجهاد في الله D. وقيل: إنهم كانوا يتمنون الشهادة في القتال فقتلوا يوم أحد. قال الحسن: لما سألوا، ابتلوا بيوم أحد [فلا] والله ما كلهام صدق. قوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل} الآية. معنى الآية أن الله أخبرهم أن محمداً كبعض رسله المتقدمين في الرسالة والدعاء، الذين قد مضوا وخلوا، فلما حضرت آجالهم ماتوا فمحمد A مثلهم ميت عند انقضاء أجله، وهذا إنما هو معاتبة من الله للمؤمنين على ما كان منهم من الهلع والجزع حين قيل فب أحد إن محمد A قد قتل، ومقبحاً لهم انهزام من انهزم منهم حين سمع ذلك. ومعنى: {انقلبتم على أَعْقَابِكُمْ} أي: ارتددتم عن دينكم لو مات، وهل هو إلا مثل من تقدمه من الرسل ميت عند انقضاء أجله؟ فلو مات أكنتم تكفرون؟ {وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ} أي: من يرتدد عن دينه {فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً} سبحانه ارتداده. وفي
لفظ الاستفهام تقديم وتأخير، وذلك أنهم إنما وبخوا وعوذلوا على الانقلاب على العقبين، فهم لم ينكروا موت محمد A فيقع عليه لفظ الاستفهام الذي يدل على التوبيخ، ولا أنكر عليهم ذلك، إنما أنكر عليهم انقلابهم، فحق الاستفهام الذي للتوبيخ أن يقع على ما أنكر عليهم وهو انقلابهم، ومثله {أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون} [الأنبياء: 34] لم يستفهم عن الموت وإنما استفهم عن خلودهم بعد موت محمد A؟ أيكون أم لا؟ فحق الاستفهام أن يقع عليهم، فيكون: أفهم الخالدون إن مت؟ وكذلك هذا حقه. أتنقلبون على أعقابكم إن مات محمد أو قتل؟ ففيه اتساع معروف في كلام العرب مشهور قد علم معناه. والأصل في ذلك أن كل استفهام دخل على حرف الجزاء، فالاستفهام في غير موضعه وحقه، وموضعه أن يكون قبل جواب الشرط داخلاً على الجواب، فهذا تقديره حيث وقع. أو قولهم {وَسَيَجْزِي الله الشاكرين} أي: وسيثيب الله D من شكره على هدايته له، وتوفيقه إياه. قال علي بن أبي طالب Bهـ: أبو بكر أمير الشاكرين، فالآية إنما نزلت فيمن انهزم من أصحاب النبي A. قال قتادة: لما كان يوم أحد من الشناعة ما
كانت في قتل النبي A قال ناس: لو كان نبياً ما قتل. وقال ناس من عليه أصحاب النبي A: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى يفتح الله، أو تلحقوا به، فأنزل الله تبارك وتعالى في عتاب من قال: لو كان نبياً ما قتل {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل}. وذكر الربيع أن رجلاً من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمداً A قد قتل؟ فقال الأنصاري: وإن كان محمد A قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم. قال السدي: " لما برز رسول الله A إليهم يوم أحد بعد صلاة لجمعة يوم الجمعة، أمر الرماة فقاموا في أصل الجبل في وجوه خيل المشركين. وقال لهم: لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، وأمر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات، ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن لأسود على المشركين فهزموهم وحمل A وأصحابه فهزموهم وهزموا أبا سفيان.
فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة من المسلمين، فانقطع، فلما نظر الرماة إلى رسول الله A وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينهبونه بادروا الغنيمة، فقال بعضهم لبعض: لا تتركوا أمر رسول الله A، وانطلق عامتهم فلحقوا بالمعسكر فلما رأى خالد قلة من بقي من الرماة صاح فيه خيله، ثم حمل فقتل الرماة، وحمل على أصحاب محمد، فلما رأى المشركون خيلهم تقاتل شدوا على المسلمين وتنادوا فقتلوا من المسلمين عدداً، وأتى ابن قميئة الحاري فرمى [رسول الله A بحجر فكسر رباعيته، وشجه في وجهه، وتفرق عن النبي A أصحابه، فدخل بعضهم المدينة، وصعد بعضهم الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها وجعل] رسول الله A يدعوا الناس ويقول: [إلي عباد الله] فاجتمع إليه ثلاثنون رجلاً، وجعلوا يسيرون بين يديه، ولم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف، وأقبل أبي بن خلف الجمحي وقد حلف ليقتلن النبي A فقال له النبي A: بل أنا أقتلك فقال: يا كذاب، أين تفر؟ فحمل عليه فطعنه النبي A طعنة في الدرع، فجرحة فوقه يخور خوار الثور، فحماه المشركون وقالوا: ليس بك بأس، فما
145
يجزعك؟ فقال: أليس قال: لأقتلنك، لو كانت الضربة لجميع ربيعة ومضر لقتلتهم فلم يلبث حتى مات [و] فشا في الناس أن محمداً A قد قتل فقال بعض أحصاب الصخرة: ليتنا أخذنا من المشركين أماناً، وضعفوا، وقال بعضهم: يا قوم إن كان محمد A قد قتل، فإن رب محمد A لم يُقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم A اللهم إنا نعتذر إليك مما قال هؤلاء ". ويروى " أن الذي قال ذلك واعتذر: أنس بن النضر، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل. وانطلق رسول الله A يدعو حتى أتى أصحاب الصخرة فلما رأوه أراد رجل منهم أن يرميه، ولم يعرفه فقال: أنا رسول الله، ففرحوا وفرح رسول الله بهم، وذهب عنهم الحزن وأنزل الله تعالى {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل} الآية ". وقال الضحاك: نادى منادٍ يوم أحد: ألا إن محمداً قد قتل فارجعوا إلى دينكم الأول فأنزل الله {وَمَا مُحَمَّدٌ} الآية. قوله {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} الآية معناه: لا تموت نفس إلا بإذن الله، وليس هو نهي للنفس، لأن ذلك ليس هو في يديها وهو بمنزلة
146
{فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} [البقرة: 132] أي: كونوا مسلمين حتى يصادفكم الموت عليه، وليس هو نهي عن شيء لأن ذلك ليس إليهم ليس الموت في أيديهم، وله نظائر كثيرة ليس معناها النهي عن المذكور إنما معناها النفي، كأنه قال: لا تفارق الإسلام حتى يأتيكم الموت، وأنتم عليه كذلك. هذا نعنى لا تموت نفس إلا بإذن الله، أخبرهم الله في هذه الآية أن محمداً A وغيره لا يموت إلا بإذن الله، وإذا أتى أجله. " وكتاباً " منصوب على المصدر أي كتب الله ذلك كتاباً. قوله: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي: من يرد بعمله أعراض الدنيا دون ما عند الله يعطه ما قسم الله منها يرزق أيام حياته، ولا حظ له في الآخرة، {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة}، أي ما عند الله من الكرامة {نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشاكرين} أي: سنتيب من أطاعني وقبل أمري، لأن اتباع أمر الله والعمل بطاعته من أعظم الشكر. قوله: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ} الآية.
قال الخليل: من قرأ كأين بهمزة بعد ألف وهي قراءة أهل مكة فإنما قدم الياء قبل الهمزة ثم جعلها ألفاً وسكنت الياء الثانية لأنها بعد همزة مكسورة. وأما من قرأ وكأي فإنها عند الخليل (أي): دخلت عليه كاف التشبيه فصار في الكلام معنى كم، فيجب على قوله أن تقف بغير نون في قراءة الجماعة كما تقف على (أي): وهو مذهب سيبويه وكذلك حكى عن أبي عمرو، والكسائي، وروي عنهما الوقف على النون. فمن وقف بالنون في هذه القراءة، فإنما ذلك لأنه اتبع السواد وهو في المصحف بالنون على قراءة من قدم الألف قبل الهمزة وهي قراءة ابن كثير ومن قرأ: " قتل ": فالمعنى عند عكرمة أن القتل إخبار عما فعل بالأنبياء عليهم السلام، وأنهم قتلوا فيما مضى، وأن من كان معهم لم يضعف بعده ولا تضعضع. ثم أخبر عن قولهم بعد نبيهم A، وثباتهم على دينهم، فيكون التمام على هذا قتل وفيه بعد لأن ما بعده من صفة نبي ويكون معنى الآية: أن الله وبخ بذلك
أصحاب النبي الذين ضعفوا يوم أحد حين قيل: قتل محمد! فأخبرهم أن كثيراً من الأنبياء قتلوا فلم يضعف من كان معهم ليتأسوا بهم. وقيل: المعنى أن الله D أخبر أنه قد قتل مع الأنبياء عليهم السلام {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} فما وهن من بقي ولا ضعف ولا ذل، فيتأسى المسلمون بهذا، فلا يضعفون لما أصاب أصحابهم من القتل يوم أحد، فلا يكون التمام على هذا قتل لأن " الربيون " مرفوع بقتل، والأول أحسن لأن كعب بن مالك قال: أول من عرف رسول الله A يوم أحد أنه لم يقتل: أنا، رأيت عينيه تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي هذا رسول الله A فأومأ إلي النبي A أن: اسكت. وكان قد صاح الشيطان يوم أحد قتل محمد فانهزم المسلمون إلا قليلاً منهم، فأنزل الله D { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ} أي: كثير من الأنبياء قتلوا فلم يضعف من كان بعده ولا ذل، فكيف اردتم أيها المؤمنون أن تضعفوا حين سمعتم الشناعة بأن محمداً A قد قتل، فتأسوا أيها المؤمنون بمن كان قبلكم من أصحاب الأنبياء صلوات الله عليهم، الربيين.
وعلى تأويل اختار قوم من العلماء قراءة من قرأ قتل لأنهم عوقبوا على ضعف بعضهم لما سمعوا لقتل النبي A. ومن قرأ قاتل حمله على معنى أنهم وهنوا لقتل أصحابهم وجراحم، فأنزل الله D عليهم يعلمهم أن كثيراً من الأنبياء قاتل مع أصحابه وأتباعه، فلم يضعفوا لما أصابهم من قتل وجراح فتأسوا بهم. واختار بعض أهل اللغة قاتل لأنه أبلغ في المدح من قتل لأن الله تعالى إذا مدح من قاتل كان من قتل أدخل في المدح لأنه لم يقتل إلا بعد القتال، فالقاتل والمقتول ممدوحان في قراءة من قرأ قاتل وهو إذا مدح من قتل فليس من قاتل، ولم يقتل بالممدوح، فقاتل أبلغ في المدح للجميع. " والربيون " الذين يعبدون الرب نسبوا إليه لعبادتهم إياه وإقرارهم له، وهو معنى مروي عن الحسن وغيره. واحدهم ربي منسوب إلى الرب ولكن كسرت الراء اتباعاً للكسرة التي بعدها كما قالوا: نسي وعصي فكسروا الأول للاتباع، وقيل: الربانيون الجماعات. وقيل: هم العلماء الألوف.
قال ابن عباس: ربيون جموع كثيرة. وقال ابن جبير: علماء كثير. وقال الحسن: فقهاء وعلماء. وقال ابن المبارك: أتقياء صُبُر. وقال ابن زيد: الربانيون الأتباع، والربانيون الولاة. وقيل الربانيون: منسوب إلى الرب أيضاً واحد ربي وزيدت الألف والنون للمبالغة كالنسبة إلى الجهة: جهاتي ثم جمع بعد الزيادة وقد مضى ذكره. وقال ابن زيد: هذا عتاب من الله D لأصحاب النبي عليه السلام حين صاح إليهم الشيطان يوم أُحد أن محمداً قد قتل، فارجعوا إلى عشائركم يؤمنوكم. وقرأ الحسن وعكرمة وأبو رجاء: رقبيون بضم الراء غُير أوله بالضم كما قالوا في النسب إلى الدهر دهري. قوله: {فَمَا وَهَنُواْ} أي: ما ضعفوا، ولا عجزوا لما أصابهم من آلام الجراح، وقتل أصحابهم: وقيل: لم يعجزوا لما أصابهم من قتل نبيهم A ولا آلام جراحهم، ولم يعجزوا عن القتال في سبيل الله تعالى بعد نبيهم A.
147
والوهن أشد الضعف. وكان سعيد بن جبير يقول: لم أسمع بنبي قتل في الحرب، فلا يكون الوقف على قوله: قتل البتة. قوله: {وَمَا استكانوا} أي: ما خشعوا لعدوهم بالدخول في دينهم، ولكن مضوا على بصيرتهم في نصر دينهم وصبروا. قال ابن اسحاق: ما وهنو لفقد نبيهم، وما ضعفوا عن قتال عدوهم وما استكانوا لما أصابهم في الحرب. قوله: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا}. حكى الله D للمؤمنين قول الربيين الذين ذكرهم ليتأسوا بهم، فأخبرهم أنهم لم يعتصموا إلا بالصبر ومجاهدة عدوهم، ومسألة ربهم المغفرة والنصرة على عدوهم. ومعنى: {وَإِسْرَافَنَا في أَمْرِنَا} أي: خطايانا وظلمنا لأنفسنا. وقال الضحاك: هي الكبائر وسألوه المغفرة فيها. قوله: {فَآتَاهُمُ الله ثَوَابَ الدنيا} الآية]، المعنى: فأعطى الله المؤمنين الربيين ثواب الدنيا أي: النصر على عدوهم والظفر والغنيمة {وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة} أي: خير
149
جزاء الآخرة وهو الرضوان من الله: {والله يُحِبُّ المحسنين} أثنى عليهم أنهم محسنون وأن الله يحبهم. قوله {يَا أَيُّهَا الذين آمنوا إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ} الآية. هذه الآية تحذير من الله تعالى للمؤمنين أن يطيعوا المنافقين والكافرين بمحمد في أمر، أو يقبلوا منهم نصيحة، وأ'لمهم أنهم إن قبلوا منهم ردوهم كافرين مثلهم، فيخسرون دنياهم وآخرتهم. قوله {بَلِ الله مَوْلاَكُمْ} أي: بل الله وليكم ينقذكم من طاعة الكافرين التي ترديكم فأطيعوه ولا تستنصروا بغيره فهو خير من استنصرتم به. قوله: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب} الآية. بشر الله تعالى المؤمنين بما صنع بالمشركين، ويصنع بهم. قال السدي: " ارتحل المشركون يوم أُحد متوجهين نحو مكة إذا بلغوا بعض الطريق ندموا فقال لهم أبو سفيان: بئس ما صنعنا، قاتلناهم حتى إذا لم يبق إلا الشديد تركناهم ارجعوا فاستأصلوهم، فقذف الله D في قلوبهم الرعب وانهزموا، فلقوا أعرابياً فجعلوا له جعلاً فقالوا له: إذا لقيت محمداً، وأصحابه فأخبرهم بما قد جمعنا لهم. كذباً منهم لما قد جعل في قلوبهم من الرعب، وأعلم الله D نبيه A بأمرهم ورعبهم، فخرج النبي A في طلبهم فلم يلحقهم، وقال النبي A " نصرت بالرعب " ".
152
قوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ} الآية. أعلم الله D المؤمنين أنه قد صدقهم وعده الذي أتاهم على لسان نبيه، وهو قوله للرماة بأحد: اثبتوا مكانكم ولا تبرحوا، وإن رأيتمونا هزمناهم، فإن لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، ووعدهم بالنصر إن انتهوا إلى أمره. وقال لمن معه غير الرماة: إذا هزمناهم فلا تتبعوهم فقام الرماة بأصل الجبل. ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون أن الله تعالى يعجلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة، فهل منكم من أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة، أو يعجلني بسيفه إلى النار، فقام إليه علي بن أبي طالب Bهـ فقال: والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار، أو يعجلني بسيفك إلى الجنة، فضربه علي فقطع رجله فسقط، وانكشفت عورته فقال: أنشدك الله والرحم ابن عم، فتركه وكبّر النبي A، وقال لعلي أصحابه: ما منعك أن تجيز عليه؟ فقال: إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه، [ثم شد الزبير بين العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزمهم، وحمل النبي A وأصحابه وهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فنقمع، ثم أيقن الرماة بأن المشركين انهزموا، وأن
رسول الله A [ وأصحابه] ينهبونهم، فلحق أكثرهم بالعسكر من نهب وثبت [الأقل] لأمر رسول الله A. فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة صاح في خيله، ثم حمل على من بقي من الرماة فقتلهم، وحمل على أصحاب محمد A، فلما رأى المشركون خيلهم تقاتل تراجعوا فشدوا على المسلمين فهزموهم، وقتلوا وجرحوا فأصيب من المسلمين سبعون رجلاً، وكان أبو سفيان أقبل إلى المدينة في ثلاث خلون من شوال، فنزل بأحد، وكانوا في ثلاثة آلاف معهم مائتا فارس، فخرج إليهم النبي A [ في سبعمائة رجل، فمعنى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ} أي: الذي وعدكم على لسان نبيه A] من النصر إذا ثبت الرماة حق، وكان النبي A أخبرهم [أنهم] سيهزمون المشركين، فكان ما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيهم A حق، فهو الوعد الذي صدقهم الله تعالى. فلما (فشلتم وتنازعتم وعصيتم) طلباً للغنيمة يعني ما فعله الرماة والذين اتبعوا الهزيمة {بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} وهو هزيمة المشركين. ومعنى {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} أي: تقتلونهم بعلمه، والحسن: القتل الذريع وذلك في أول الهزيمة التي كانت على المشركين قبل أن يزول الرماة من مكانهم.
وقيل: بإذنه بحكمه. وقيل: بتسليطه إياكم عليهم. ومعنى: {وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر} هو اختلاف الرماة قال قائلون: نمضي للغنيمة. وقال آخرون: لا نبرح ولا نخالف أمر رسول الله A فمضى الأكثر وكان ذلك سبب قتل من بقي. ومعنى: {فَشِلْتُمْ} جبنتم، وتخاذلتم، وعصيتم النبي A فيما أمركم به وقد كان الله تعالى: صدقكم وعده الذي أخبركم به نبيكم A { أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} من النصر إذ هزم عدوكم ولكنكم اخترتم الدنيا وهي الغنيمة. قال مالك: لما نزلت يوم أحد: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة} قال عبد الله بن مسعود: والذي بعث محمداً A بالحق ما ظننت أن فينا أحداً يريد الدنيا. ومعنى: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} أي: يريد الغنيمة، وأخذ الأموال وقوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} أي: ثم صرفكم أيها المؤمنون عن المشركين بعد أن استوليتم عليهم، ورأيتم ما تحبون من هزيمتهم، وقتل صاحب رايتهم فعل ذلك بكم {لِيَبْتَلِيَكُمْ} أي يختبركم {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} هذا لمن عصى من الرماة خاصة. وقال ابن جريج: معنى
153
{وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} إذ لم يستأصلكم بالقتل، وقاله غيره. قوله: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ} الآية. العامل في إذ عفا، كأنه قد عفا الله عنكم أيها المؤمنون {إِذْ تُصْعِدُونَ} أي: تلوون منهزمين في الوادي والرسول يدعوكم إليّ عباد الله، فالهرب في مستوى الأرض وبطون الأودية اصتعاد، وفي الجبل صعود لأنه كالسلالم والدرج. وقرأ الحسن " إذ تَصعَدون " بفتح التاء والعين على تأويل إنهم صعدوا الجبل منهزمين، وقد روي أن بعضهم صعد الجبل. قال السدي: " لما وقعت الهزيمة على المسلمين دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل النبي A يقول: إلي عباد الله إلي عباد الله ". وقال القتبي: {إِذْ تُصْعِدُونَ} تبعدون في الهزيمة يقال: اصتعد في الأرض إذا أمعن
في الذهاب. {وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ} أي: لا ترجعون ولا يلتفت بعضكم إلى بعض هرباً من عدوكم {فأثابكم غَمّاًً بِغَمٍّ} أي: جزاكم بفراركم عن نبيكم A، وفشلكم عن عدوكم، ومخالفتكم غماً على غم، الباء في موضع على. ومعنى: {فأثابكم} جعل ما يقوم مقام الثواب لكم غماً بعد غم مثل: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21، التوبة: 34، والانشقاق: 24]. فالغم الأول: ما لحقهم على نبيهم A حين سمعوا أنه قتل. والثاني: ما لحقهم من الجراح، وقتل أصحابهم لأنه قتل يومئذ ستة وستون من الأنصار وأربعة من المهاجرين. قوله: {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ} أي: من الغنيمة {وَلاَ مَآ أصابكم} من ألم الجراح والقتل. وقيل: الغم الأول: ما صاحبهم على قتل أصحابهم، وجراحهم. والثاني: ما أصابهم حين سمعوا أن محمداً A قتل. وقيل: الغم الأول: أسفهم على ما فات من الغنيمة. والثاني: اطلاع أبي سفيان عليهم في الجبل، فخافوا حين أتاهم، فرموه، فرجع عنهم وقد كانوا فزعوا منه أن يميل عليهم فيقتلهم فهو الغم الثاني. وكان من قتل يومئذ ستة وستون من الأنصار وأربعة من المهاجرين.
154
قوله: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً} الآية. النعاس: بدل من أمنة. ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله. وأمنة مصدر في الأصل. وقيل: هو اسم فاعل. أخبرهم الله تعالى أنه جعلهم طائفتين طائفة أمنة حتى نعست، وطائفة أهمتها نفسها حين ظنت بالله غير الحق: أي ساء ظنها بالله سبحانه. وسبب ذلك فيما ذكر السدي: " أن المشركين انصرفوا [من أحد] بعدما كان منهم، واعدوا النبي A بدراً من قابل فقال لهم: نعم، فتخوف المسلمون أن ينزل المشركون المدينة فبعث النبي A رجلاً: أنظر، فإن رأيتهم قعوداً على أثقالهم، وجنبوا خيلهم، فإن القوم ينزلون المدينة، فاتقوا الله، واصبروا وَوَطَّنهم على القتال، وإن رأيتهم سراعاً عجالاً، فليس ينزلون المدينة، فلما أبصرهم الرسول - قعود على الآثقال - سراعاً عجالاً نادى بأعلى صوته بذهابهم، فلما رأى المؤمنون ذلك أمنوا وناموا، وبقي أناس من المنافقين يظنون أن القوم يأتوهم فطار عنهم النوم، ولم يركنوا إلى قول النبي A وما أخبرهم به: أنهم لا ينزلون المدينة ".
قال أبو طلحة: كنت أنعس حتى يسقط سيفي من يدي. ثم أخبر D نبيه A أن هؤلاء المنافقين يخفون في أنفسهم ما لا يبدون للنبي A، وأن الذي يخفون منه قولهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هاهنا} وأمر نبيه A أن يقول لهم: {لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الذين} قدر الله عليهم القتل إلى مضاجعهم التي سبق في علمه أنهم يقتلون بها. ومعنى: {لَبَرَزَ الذين} [أي]: لصاروا إلى براز من الأرض، وهو المكان المنكشف. وقرأ أبو حياة: لبُرِّز الذين. مشدداً على ما لم يسم فاعله. قوله: {وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ} يعني به: المنافقون يبرزون من بيوتهم إلى مضاجعهم التي يموتون بها. وقيل المعنى: {وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ} فرض عليكم القتال. وقال الطبري: معناه وليختبر الذي في صدوركم من الشك فيميزكم بما يظهر للمؤمنين من نفاقكم، فيميزكم المؤمنون.
155
{وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} أي: يكفر عنكم سيئاتكم إن كنتم على يقين من دينكم {والله عَلِيمٌ} بما في صدوركم. قوله: {إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان} الاية. هذه الآية إعلام من الله تعالى أنه قد غفر لهم انهزان بوم أحد من أصحاب النبي A، وأخبرنا تعالى أنهم إنما دعاهم إلى الزلة الشيطان ببعض ما تقدم لهم من أمرهم فانهزموا. قيل: إنه ذكرهم بذنوب لم يتوبوا منها، فكرهوا أن يلقوا الله - D - على غير توبة، فانهزموا لئلا يقتلوا قبل التوبة، فغفر الله لهم فرارهم. وقال السدي: عنى بذلك من دخل المدينة منهزماً خاصة دون أن يصعد الجبل. وقيل: " نزلت في رجال لأعيانهم فروا، منهم: عثمان بن عفان وغيره، فروا وأقاموا على فرارهم ثلاثاً، ثم رجعوا إلى رسول الله A فقال لهم: لقد ذهبتم في أرض عريضة، فاعلمنا الله D أنه عفا عنهم ". قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ} الآية. نهى الله المؤمنين أن يكونوا مثل المنافقين {كالذين كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرض} أي: إذا خرجوا إلى سفر في تجارة {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} أي: خرجوا لغزو، فهلكوا في سفرهم أو غزوهم، {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُو} في سفرهم {وَمَا قُتِلُواْ} في غزوهم، جعل الله قولهم ذلك حسرة في قلوبهم. روي أن المنافقين قالوا في من بعثه النبي A من السرايا إلى بئر معونة، فقتلوا رحمة الله
عليهم {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} وهم عبد الله بن أبي بن سلول، وأصحابه قالوا ذلك، وأصل الضرب في أرض الإبعاد. وأصل الكلام أن يكون في موضع (إذا): (إذ) لأن في الكلام معنى الشرط، إذ فيه الذين، وإنما وقعت إذا موضع إذ كما يقع الماضي في الجزاء موضع المستقبل، فتقول إن تزرني زرتك. أي: أزورك، فكذلك وقعت إذا وهي للمستقبل موضع إذ، ومثله {إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ} [الحج: 25] وقع [كفروا] موضع يكفرون لأن الذي فيه معنى الجزاء، فجاز فيه ما يجوز في الجزاء، ودل على يكفرون قوله: {وَيَصُدُّونَ}. ثم أخبر تعالى [أنه] يحيي من يشاء ويميت من يشاء ليس جلوسهم عندهم بمنجيهم من الموت، ولا مسيرهم لسفر أو غزاة بمقرب لما بعد من آجالهم {والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: بعمل هؤلاء المنفقين بصير، فهذا على قراءة من قرأ بالياء، فذكر المنافقين أقرب. ومن قرأ بالتاء رده على أول الكلام في قوله {لاَ تَكُونُواْ كالذين} وكان الياء أقوى لأن الذين وضع عليهم الدم أولى بالتهديد من غيرهم، وكلا الأمرين حسن.
157
قوله {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ} الآية. هذا خطاب للمؤمنين خاصة، لأنهم إن ماتوا في سبيل الله أوم قتلوا فإنهم يصيرون إلى مغفرة ورحمة، وذلك خير مما يجمع المنافقون هذا على قراءة من قرأ يجمعون بالياء. ومن قرأ بالتاء، رده على المخاطبة، وأن المغفرة والرحمة خير مما تجمعون أيها المؤمنون من حطام الدنيا الذي يمنع من الجهاد. وقال ابن اسحاق معناها: إن الموت كائن لا بد منه، فموت في سبيل الله خير لو علموا وأيقنوا. وتأويل الكلام: ليغفرن الله لكم وليرحمنكم. ثم أعلمهم أن الرجوع إليه في كل حال من موت، أو قتل فقال: {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ} وهذا الأمر خطاب للمؤمنين والمشركين أعلمهم أن مصير الجميع إليه، فيجازي كل صنف بعمله. قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ} الآية. هذا خطاب للنبي A، والمعنى: فبرحمة من الله لنت للمؤمنين حتى آمنوا بك فسهلت عليهم الأمر، وبينت لهم الحجج، وحسنت خلقك، وصبرت على الأذى {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} أي: لتركوك {فاعف عَنْهُمْ} أي: تجاوز عنهم، واصفح فيما نالك منهم، ثم قال: {واستغفر لَهُمْ} أي: ادع ربك لهم بالمغفرة. وقوله {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر} أَمَر الله تعالى نبيه A أن يشاور أصحابه عند الحرب ولقاء العدو،
وتطييباً لأنفسهم، وتأليفاً لهم على دينهم. قال أبو اسحاق: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر} معناه: ليريهم أنه يستعين بهم، ويسمع من آرائهم، فيكون أطيب لأنفسهم وقد كان عنهم غنياً لتوفيق الله D له بالوحي. وقيل: إنما أمره بذلك لما فيه من الفضل وليتأسى أمته A بذلك بعده. روى ابن وهب أن مالكاً قال: ما تشاور قوم قط إلا هُدوا. و " سئل النبي A عن الحزم فقال " تستشيروا الرجل ذا الرأي ثم تمضي إلى أمرك به " ويقال: ما هلك امرؤ عن مشورة، ولا سعد بتوحيد رأي. وقال النبي عليه السلام " المستشار بالخيار ما لم يتكلم، فإذا تكلم فحق عليه أن ينصح ". قال الحسن والله ما تشاور [قوم] قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم. قال أبو هريرة Bهـ: ما رأيت من الناس أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله A. قال ابن شهاب: بلغني أن عمر بن الخطاب قال: واستشر في أمرك الذين يخشون الله.
160
وعن النبي A أنه قال: " ما شقي عبد بمشورة ولا سعد عبد باستغناء رأي ". وقال الشعبي: مكتوب في التوراة من لم يستشر يندم. أنس بن مالك قال: قال رسول الله A " ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار ". وقال ابن عباس: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر} أبو بكر وعمر Bهـ. وقيل: إنما أمر أن يشاورهم فيما لم يكن عنده علم فيه وحي لأنه قد يكون عند بعضهم فيه علم، والناس قد يعرفون من أمور الدنيا ما لا تعرف الأنبياء صلوات الله عليهم. {فَإِذَا عَزَمْتَ} أي: إذا ثبت الرأي على أمر {فَتَوَكَّلْ عَلَى الله} فيه، وامض فيه، إن الله يحب من يتوكل عليه ويفوض الأمر إليه. قوله: {إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} الآية. هذا خطاب للمؤمنين أن الله تعالى إن نصرهم لم يغلبهم أحد، وإن خذلهم لم ينصرهم أحد، فجميع الأمور إليه ترجع، والهاء في {مِّنْ بَعْدِهِ} تعود على الله D ذكره. وقيل: تعود على الخذلان لدلالة يخذلهم عليه. قوله: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} الآية.
من قرأ بضم الياء فهو على معنى ما كان لنبي أن يوجد خائناً كما يقال أحمد الرجل وجدته محموداً، وأحمقته وجدته أحمق. وروى الضحاك أنهم قالوا: بادروا الغنائم لئلا تؤخذ فقال الله D: ما كان لنبي أن يوجد خائناً أي: ما ينبغي ذلم ولا يكون. وقيل: المعنى: ما ينبغي لنبي أن يغل منه أي: يخان منه. وقد قيل: إن المعنى: أن يخون، وهذا لا يصلح لأنه يلزم أن يكون يغل. وقد قيل: إنه لما اجتمعت ثلاث لامات حذفت الواحدة. ومن قرأ بفتح الياء فمعناه أن يخون: أي: لا ينبغي أن يخون النبي A أصحابه ولا يكون ذلك. قال محمد بن كعب معناه: ما كان له أن يكتم شيئاً من كتاب الله D، وما أمر به. وقيل: إن قوماً من المنافقين اتهموا النبي A في شيء من المغنم، فأنزل الله جل ذكره ذلك، وعليه أكثر المفسرين. فالقراءة [على الفتح] بمعنى: لا ينبغي أن يخون هو، وبالضم: ما كان لنبي أن يوجد خائناً، ولا يمكن ذلك مثل أحمدته. أو يكون المعنى: ما كان لنبي أن يخون، فيتهم
بما لا يليق بالأنبياء صلوات الله عليهم، أو يكون المعنى: ما كان لنبي أن يخان منه. وقد قوى قراءة الضم بأن الآية نزلت في قوم غلوا فنفى الله أن يخان النبي A، وأنه لا ينبغي أن يخان. وقوى آخرون قراءة الفتح بأن الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت من الغنائم يوم بدر فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله أخذها، وأكثر في ذلك فأنزل الله D { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} أي: يخون أصحابه. وقال سعيد بن جبير القراء [ة] {يَغُلَّ} بفتح الياء قال: وأما يُغل فقد كان، والله يغل ويغتل. وروي عن ابن عباس Bهـ وغيره أنه قال: نزلت الآية في طلائع كان رسول الله A وجههم في أمر فلم يقسم لهم، فأعلمه الله D في هذه الآية أنه ليس له أن يقسم لطائفة دون آخرين فيخون في أنفسهم. وقال الضحاك: يغل بالفتح معناه أن يعطي بعضاً، ويترك بعضاً وبالفتح كان يقرأ. وقال ابن اسحاق: نرى ذلك في النفي عن النبي A أنه لا ينبغي له أن يكتم من الوحي شيئاً فالفتح أولى به على هذا. {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة} أي: من يخن من غنائم المسلمين شيئا يأتي به يوم القيامة. قال ابن عباس Bهـ قال رسول الله A: " لا أعرف أحدكم يأتي يوم القيامة
162
يحمل شاة لها ثغاء فينادون: يا محمد، يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً فقد بلغتك " ثم قال في الجمل مثل ذلك، وفي الفرس مثل ذلك غير أنه قال: جمل له رغاء، أو فرس له حمحمة. قوله: {أَفَمَنِ اتبع رِضْوَانَ الله} الآية. معناها أفمن ترك الغلول، فاتبع رضوان الله بذلك كمن غل فرجع بسخط، من الله على غلوله قال معناه الضحاك، وقيل الآية عامة في كل من عمل خيراً، ومن عمل شراً. قوله: {هُمْ درجات عِندَ الله والله} الآية. قيل المعنى: أن الغال، وغير الغال، والصالح وغير الصالح، أصحاب درجات عند الله، رداً على ما قبله. والدرجات: الجنة والنار. وقيل المعنى: {هُمْ درجات عِندَ الله}: يعني من اتبع رضوانه خاصة قاله مجاهد والسدي. وقيل: المعنى هم طبقات عند الله أي: أهل الرضوان طبقات. وقيل: المعنى: هم ذوو درجات، يعني المؤمنين، وذلك في الفضل بعضهم أرفع من بعض، كذلك قال القتيبي وغيره. قوله: {والله بَصِيرٌ} أي: بما يعمل الجميع، فيوفي كلاً بقسطه.
164
قوله: {لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً} الآية. {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} منهم، والكتاب: القرآن، والحكمة: السنة، قاله قتادة وغيره، وقيل: معنى {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ}: بشر مثلهم يظهر البراهين، فيعلم أنه نبي إذ هو بشر مثلهم يأتي بما لا يمكن أن يأتوا بمثله هم، وما كانوا من قبله إلا في ضلال مبين أي: في جهالة وحية ظاهرة. فإن بمعنى: ما، واللام في {لَفِي} بمعنى: إلا هذا قول الكوفيين. ومذهب سيبويه أن أن مخففة من الثقيلة، واسمها [مضمر] والتقدير على قوله: وأنهم كانوا من قبل محمد A لفي ضلال مبين أي: أنهم لفي ضلال مبين كانوا قبل محمد A، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن على نحو هذا الاختلاف من تقدير أن وتقدير الكلام، فاعرف الأصل فيها إن تركنا ذكرها اكتفاء بما ذكرنا. قوله: {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ}. المعنى: أحين أصابكم أيها المؤمنون مصيبة، وهي ما قتل يوم أحد - وأنتم قد أصبتم مثليها أي: مثل المصيبة يعني يوم بدر إذ قتل المسلمون للمشركين سبعين،
وأسروا سبعين وقتل المشركون من المسلمين يوم أحد سبعسن، فالذين ظفر بهم المسلمون مثلاً، ما ظفر به المشركون، فمن أين قلتم كيف هذا؟ ومن أي وجه هذا؟ أي: من أين أصابنا هذا؟ كل هذا توبيخ للمؤمنين لقولهم: كيف أصابنا هذا القتل يوم أحد " فقيل له: أتقولون هذا، وأنتم قد أصبتم يوم بدر مثلي ما أصابكم يوم أحد " ثم قال تعالى لمحمد A: كل الذي أصابكم يوم أحد هو من عند أنفسكم. أي: بذنوبكم، ومخالفتكم أمر النبي A إذ ترك الرماة أمر النبي A، ومضوا في طلب النهب. قال قتادة: " لما قدم أبو سفيان بالمشركين رأى رسول الله A رؤيا، رأى بقراً تنحر، فتأولها قتلى في أصحابه، ورأى سيفه ذا الفقار انقسم، فكان قتل عمه حمزة، كان يقال: أسد الله، ورأى أن كبشاً أغبر قتل، فكان قتل صاحب لواء المشركين: عثمان ابن أبي طلحة أصيب يومئذ وكان معه لواء المشركين وهو منهم، فقال النبي A لأصحابه بعد هذه الرؤية: إنا في جُنَّة حصينة يعني المدينة فدعوهم يدخلون نقاتلهم، فقال أناس من الأنصار: يا نبي الله إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة، وقد كنا نمتنع
من العرب في الجاهلية، والإسلام أحق نمتنع فيه فأبرز بنا إلى القوم، فمضى النبي عليه السلام ولبس لامته وندم القوم على ما كسروا به على النبي A فيما أشاروا به فاعتذروا إليه فقال: " إنه ليس للنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل ستكون فيكم مصيبة، قالوا: يا رسول الله خاصة أو عامة؟ قال سترونها " ". فقتادة يذهب إلى [أن] الذنب الذي عدده الله عليهم في قوله {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} هو ما أشاروا به من رأي أنفسهم على النبي A في الخروج وكان قد قتل من الأنصار يومئذ ستة وستون، ومن المهاجرين أربعة. " وروى ابن سيرين أن النبي A قال للمؤمنين في أسارى بدر: اختاروا أن تأخذوا منهم الفداء، وتقووا به على عدوكم، فإن قبلتموه قتل منكم سبعون، أو تقتلوهم، فقالوا: بل نأخذ الفدية منهم، ويقتل منا سبعون، فأخذوا الفدية وقتل منهم يوم أحد سبعون. فيكون المعنى على هذا: قل يا محمد ما أصابكم يوم أحد من القتل فمن عند أنفسكم أي باختياركم أخذ الفدية من السبعين الذين أسرتم ببدر، ورضاكم أن يقتل فيكم بعددهم وتركتم قتلهم ". وقال علي بن أبي طالب - Bهـ: " إن جبريل أتى النبي A فقال: يا محمد، إن الله
166
قد كره ما فعل قومك في أخذه الأسارى، وقد أمرك أن تخبرهم بين أمرين: إما أن يقدموا، فتضرب أعناقهم، أو يأخذوا منهم الفدية على أن يقتل من المؤمنين مثل عدة من أخذت الفدية منه من المشركين، فقال لهم النبي A ذلك، فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا، لا، بل نأخذ منهم الفدية فتتقوى بها على عدونا، ويستشهدوا منا بعدتهم، فليس في ذلك ما نكره فأخذوا الفدية وقتل منهم سبعون يوم أحد، فذلك قوله {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} " أي: باختياركم، ورضاكم، وفي ذلك نزلت. {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى} [الأنفال: 67] [أي]: ليس له إلا القتل حتى يتمكن في الأرض، ثمّ وبخ الله المؤمنين في أخذ الفدية فقال: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الآخرة}. قوله: {وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان فَبِإِذْنِ الله} الآية. هذا خطاب للمؤمنين والمعني: الذي أصابكم أيها المؤمنون من القتل والجرح يوم أحد فبإذن [الله] [أي]: بقدره وقضائه وقيل: بعلمه. قوله: {وَلِيَعْلَمَ المؤمنين}. أي: ليظهروا إيمان المؤمنين من نفاق المنافقين في قلة الصبر، وتحقيق معناها: أنه قد دار عليهم ما
167
أصابهم يوم أحد ليميز المؤمن من المنافق. قوله: {وَلِيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا} يعني به عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه الذين رجعوا من خلف رسول الله عليه السلام حين خرج إلى أحد فقال لهم المسلمون حين رأوهم راجعين: تعالى قاتلوا المشركين معنا أو ادفعوا بتكثير سوادنا {قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ} إنكم تقاتلون لسرنا معكم، ولكن لا نرى أن يكون بينكم وبين القوم قتال فأظهروا من كلامهم ما ليس يعتثدون، وكان عبد الله بن أبي بن سلول انخذل عن النبي A لما خرج إلى أحد بنحو ثلث الناس، واتبعهم عبد الله بن عمرو ابن حزام وهو يقول: يا قوم، أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم، وقومكم فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولك لا نرى أن يكون قتالاً فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله، وسيغني الله عنكم، ومضى مع النبي A. [ وقال السدي: رجع] عبد الله بن أبي " بن سلول " من وراء النبي A ومعه
168
ثلاثمائة. {والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} أي: يعلم ما يكتمون من النفاق، وأن قولهم خلاف ما يسرون. قوله: {الذين قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ} الآية. أي: وليعلم الله الذين نافقوا، وقالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع المسلمين {وَقَعَدُواْ} أي: قالوا ذلك وهم قعود عن الحرب مع النبي عليه السلام {لَوْ أَطَاعُونَا} (أي): لو تأخروا معنا ما قتلوا هناك، قال الله D لنبيه A: قل لهم يا محمد: {فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} " في قولكم إن إخوانكم لو قعدوا عندكم ما قتلوا " أي: ادفعوا عن أنفسكم الموت، وهذا أقرب لأن من قدر أن يدفع الموت عن غيره فهو إلى دفعه عن نفسه أقرب. قال قتادة: نزلت في عدو الله عبد الله بن أبي بن سلول قال ذلك فيمن قتل مع النبي A بأحد من قرابته وأهل معرفته. قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله}. معناها: ولا تظنن أن من قتل بأحد من أصحابكم أمواتاً لا يلتذون، ولا يحسون شيئاً بل هم أحياء بما آتاهم الله من فضله مستبشرين بثوابه وعطائه.
وقال ابن عباس Bهـ، قال النبي A: " " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش معلقة يجاوب بعضها بعضاً عملوا مثل الذي عملنا، فيسارعوا إلى مثل الذي سارعنا فيه، فإنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا، وأرضانا، فوعدهم الله D ليخبرن نبيه A بذلك، فيخبرهم فأنزل الله {وَلاَ تَحْسَبَنَّ} الآية وقيل: إنهم لما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب قال الله تعالى: أنا أبلغكم عنكم، فأنزل الله هؤلاء الآيات. قال النبي A لجابر بن عبد الله Bهـ وكان قد قتل أبوه عبد الله بأحد: " يا جابر ألا أبشرك أن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله فقال: ما تحب يا عبد الله بن عمر أن أفعل بك؟ فقال: يا رب أحب أن تردني في الدنيا، فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى ". ولما أتى جابر بن عبد الله Bهـ النبي A حزيناً قال له النبي A: أتحزن على رجل نظر الله إليه كفاحاً؟ ثم عاد فأقعده بين يديه فقال له: سلني ما شئت؟ فقال:
أسألك يا رب أن تعيدني إلى الدنيا حتى أقاتل في سبيلك فأقتل، قالها ثلاثاً، فقال له الله إني قضيت على نفسي ألا أرد خليقة قبضتها إلى الدنيا فقال أبو جابر: يا رب، فمن يبلغ قومي ما صنعت بي فقال الله D: أنا أبلغ قومك، فأنزل الله D { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ} الآية. ودفن عبد الله بن جابر يوم أحد مع عمرو بن الجمح بقبر واحد، فروي أنهما أخرجا بعد خمسين سنة، فإذا هما وطاب لم ينثنوا ولم يتغيروا، ويد عبد الله على جرحه في وجهه إذا نزعت يده على وجهه يشخب الجرح دماً، وإذا تركت رجعت إلى الجرح، فحبست الدم، ووجد عمرو بن الجموح ويده على رأسه إذا نزعت يشخب الجرح دماً، وإذا تركت رجعت على الجرح. قال ابن مسعود Bهـ: " أرواحهم في طير خضر تسرح في الجنة في أيتها شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش قال: بينما هم كذلك اطلع عليهم ربك اطلاعه فقال: سلوني ما شئتم؟ فقالوا: يا ربنا ماذا نسألك " ونحن في الجنة نسرح في أيها شئنا، فلما رأوا أنهم لم يتركوا من [غير] أن يسألوا
قالوا: نسألك " أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا حتى نقتل في سبيلك. فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا، تركوا " ". وقال قتادة: قال رجل من أصحاب النبي A: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا يوم أحد، فأنزل الله D { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ} الآية. قال الضحاك: [كان] المسلمون يسألون الله D يوماً كيوم بدر، فيبلون فيه خيراً، ويرزقون فيه الشهادة، فلقوا المشركين يوم أحد فاتخذ الله منهم شهداء وهم الذين ذكرهم الله D في قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ} الآيات. قيل معناه: {أَمْوَاتاً} أي: في دينهم بل هم أحياء كما قال: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فأحييناه} [الأنعام: 122]. وروي: أن عبد الله بن عمرو أبا جابر Bهـ قال لابنه جابر يوم أحد: يا بني كن مع أخوتك، - وكن تسعاً - فلا ندري ما يكون، فإن رزقت الشهادة كنت أنت معهن وإن سلمت رجوت أن يثيبك الله D ثواب من حضر، واستشهد C بأحد،
171
قوله: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ} أي: يفرحون بهم وبكونهم على الجهاد في ذات الله D، وأنهم إن قتلوا نالوا من الكرامة مثلما نال هؤلاء. وقال ابن اسحاق: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم} أي: يفرحون بهم إذا لحقوهم على ما تركوهم عليه من جهاد عدوهم فهم شهداء مثلهم لا خوف عليهم ولا حزن. وروي أنهم يقول بعضهم لبعض: تركنا إخواننا فلاناً وفلاناً يقاتلون العدو، فيقتلون إن شاء الله، فيصيبون من الرزق والكرامة والأمن ما لنا. قوله: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ} الآية أي: يفرحون لما عاينوه من وفاء الوعد، وعظيم [الثواب] ويستبشرون بأن الله تعالى لا يضيع أجر المؤمنين: أي لا يبطل جزاء أعمالهم. وقال ابن مسعود Bهـ: " أرواحهم كطير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت
172
تأوي إلى قناديل تحت العرش، اطلع عليهم ربهم اطلاعه فقال: سلوني. فقالوا: يا رب نحن نسرح في الجنة حيث شئنا، ثم اطلع عليهم ثانية فقالوا مثل ذلك ثم اطلع عليهم ثالثة فقال: سلوني: فقالوا: يا رب نحن نسرح في الجنة حيث شئنا، فلما رأوا أن لا بد لهم من الجواب قالوا: يا ربنا رد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل ثانية ". قوله: {الذين استجابوا للَّهِ والرسول} الآية. المعنى: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله من بعد ما أصابه الجرح والألم، وعنى بهذا من خرج مع رسول الله A في طلب أبي سفيان، وأصحابه بعد انصؤافه من أحد وبعدما نال من المسلمين من القتل والجرح. وذلك أن رسول الله A لما رجع من أحد، وقد قتل من أصحابه سبعون، وجرح خلق كثير، أمر بلالاً أن ينادي في الناس لينفروا في طلب عدوهم، فنفروا معه على ما بهم من ألم الجراح، والحزن على من قتل منهم، وكان أخوان من بني عبد الأشهل مثخنين بالجراح، فقال أحدهما للآخر: تفوتنا غزاة مع رسول الله A فقال الأخر: والله ما بي حراك! فقال له أخوه: غفر الله لك، توكأ علي، وأتوكأ عليك حتى نبلغ، فخرجا مجروحين.
فأنزل الله D { الذين استجابوا للَّهِ والرسول} الآية إذ خرج النبي A في طلب أبي سفيان وأصحابه حتى بلغ إلى خمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، وأقام بها [ثلاثاً]، ثم رجع إلى المدينة، وفعل ذلك عليه السلام ليرى الناس أن به وبأصحابه قوة على عدوهم. وكان يوم أحد في قول عكرمة يوم السبت للنصف من شوال. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كانت أحد في شوال لإحدى وثلاثين شهراً من الهجرة. فلما كان يوم الأحد أذن مؤذن رسول الله A في الناس بطلب العدو فقال: لا يخرجن معنا إلا من حضر بالأمس فكلمه جلبر بن عبد الله بن عمرو Bهما فقال يا رسول الله: إن أبي كان خلفني على أخواتي لي تسع وقال لي: يا بني لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أترك بالجهاد مع رسول الله A فتخلف على أخواتك، فتخلفت [معهن] فأذن له رسول الله A فخرج في طلب المشركين، وفعل النبي A ذلك ليرهب المشركين، ويبلغهم أنه لم
173
يضعف وأنه خرج في طلبهم، وأن الذي أصاب أصحابه لم يُوهِنُهُم فالذين خرجوا هم الذين عُنوا في هذه الآية. قال السدي: قال أبو سفيان لأصحابه حين انصرفوا [من أحد]: بئس ما صنعتم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشديد تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فقذف الله D في قلوبهم الرعب، فهزموا، فأخبر الله عز ذكره رسوله A بذلك، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد رأس ثمانية أميال عن المدينة، فالذين خرجوا معه هم الذين استجابوا لله والرسول من بعدما أصابهم الجراح بأحد. ثم قال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ واتقوا أَجْرٌ عَظِيمٌ} معناه: للذين أحسنوا، فداموا على الطاعة، وأداء الفرائض، واتقوا المحارم حتى لحقوا بالله D { أَجْرٌ عَظِيمٌ}. قوله: {الذين قَالَ لَهُمُ الناس} الآية. المعنى: للذين أحسنوا أجر عظيم القائلين لهم الناس. وقيل المعنى: وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين الذين قال لهم الناس. فالناس الأول قوم سألهم أبو سفيان أن يثبطوا النبي A وأصحابه، إذ خرجوا في طلبه لما دخله من فزع، [والناس] الثاني أبو سفيان وأصحابه.
{قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} أي: قد أعدوا للقائكم فاحضروهم {فَزَادَهُمْ إِيمَاناً} أي: زاد التخويف تطريقاً لله D، ولوعده سبحانه، ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي خرجوا فيه مع رسول الله A حتى صاروا إلى موضع ردهم منه رسول الله A، وقالوا عند التخويف لصحة صدقهم: {حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل} أي: كافينا الله، ونعم القيم الحافظ والناصر الله. يقال حسبه إذا كفاه. وقيل: إن الناس الأول: نعيم بن مسعود، بعثه أبو سفيان، وأصحابه [أن يثبط النبي عليه السلام وأصحابه، ويخوفهم من المشركين ووعده بعشرة من الإبل إن هو ثبط النبي A وخوفهم. والناس الثاني أبو سفيان وأصحابه]. {فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ} أي: فرجعوا سالمين مما خوفوا به، وهرب منهم عدوهم وأمِنُوا. وقيل: إنهم اشتروا أدَماً وزبيباً، فربحوا فيه، وأقاموا ثلاثاً بحمراء الأسد " وهي
على ثمانية أميال من المدينة ". وقال السدي: لما انصرف أبو سفيان وأصحابه عن أحد ندموا إذ لم يستأصلوا أصحاب النبي A ويقتلوهم، وأداروا الرأي في الرجوع، فقذف الله D في قلوبهم الرعب، فهزموا فلقوا أعرابياً، وجعلوا له جعلاً، وقالوا له: إذا لقيت محمداً وأًحابه، فأخبرهم أنا قد جمهنا لهم، فأخبر الله D نبيه A بذلك، فخرج في طبلهم حتى بلغ حمراء الأسد، فلقوا أعرابياً هنالك فأخبرهم ما قال له أبو سفيان من الكذب والتخويف، فقالوا: {حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل}، أي: كافينا الله ونعم الكافي. قال ابن عباس Bهـ: كان آخر قول إبراهيم A حين ألقي في النار: [حسبي الله ونعم الوكيل] " فالناس الأول هو الأعرابي، والثاني أبو سفيان وأصحابه. وقال ابن عباس Bهما: وافى [أبو سـ]ـفيان عيراً واردة المدينة
ببضاعة لهم، فسألهم أبو سفيان ووعدهم، وقال لهم: إن لقيتم محمداً وأصحابه، فأخبروهم أني جمعت لهم جموعاً كثيرة خوفاً منه أن يتبعه النبي A، ففعلت العير ذلك، فأنزل الله D الآية. فالناس الأول [أهل] العير، والثاني أبو سفيان وأصحابه. وقال مجاهد: كان النبي A قد واعد أبا سفيان، وأصحابه من عام قابل من عام أحد: اللقاء بدر الصغرى، قال أبو سفيان: موعدكم ببدر حيث قتلتم أصحابنا. فانطلق رسول الله A بموعده حتى أتوا بدراً الصغرى فوافقوا السوق فيها، ولم يأت المشركون فابتاعوا مما كان في السوق فذلك قوله: {فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله} يعني الأجر {وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ [سواء]} وهي غزوة بدر الصغرى.
175
قال مجاهد: فالفضل ما أصابوا في التجارة. قوله: {إِنَّمَا ذلكم الشيطان يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} الآية. [يقال] خوفت الرجل إذا صيرته خائفاً، وخوفته أيضاً إذا صيرته بحال يخافه الناس. فالمعنى: يخوفوكموهم {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ}. وقيل المعنى: إنما خوفتم به من عند الشيطان يخوفكم بأوليائه، وأولياؤه أبو سفيان وأصحابه. والمفعول الأول محذوف، والياء محذوفة كما قال: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب وقيل: أولياؤه هنا الشيطان.
176
وقيل المعنى: يخوفكم من أوليائه الكفار، أو الشياطين. ومثله في القرآن {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً} [الكهف: 2] أي: لينذركم [ببأس] ومن بأس ثم حذف المفعول الأول وحذف حرف الجر. وقال أبو إسحاق: أولياؤه: الرهط الذين أتوا بالرسالة والتخويف من عند أبي سفيان. وقال السدي: إنما ذلكم أيها المؤمنون الشيطان يعظمكم أولياءه في أنفسكم فتخافوهم {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي: مصدقين حقاً. قوله {وَلاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر} الآية. المعنى: ولا يحزنك يا محمد كفر الذين يسارعون في الكفر وهذا خطاب للنبي A ولأصحابه {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً} كما أن مسارعتهم إلى الإيمان لو سارعوا لم تكن نافعة لله تعالى، قال مجاهد: يعني بذلك المنافقين. وهذه الآية نزلت في قوم أسلموا ثم ارتدوا، فاغتم النبي A وأصحابه لذلك فأنزل الله D { وَلاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر} الآية.
177
قوله {أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخرة} أي: يريد أن يحبط أعمالهم بالكفر. قوله: {إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً}. هذا أيضاً في المنافقين الذين ذكرهم لما استبدلوا الكفر بعد الإيمان صاروا بمنزلة من باع شيئاً بشيء، ثم كرر نفي الضرر عن نفسه تعالى [بكفرهم للتأكيد] تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. قوله {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ} الآية. من قرأ بالياء الذين هم الفاعلون و {أَنَّمَا} في موضع المفعولين وما مع نملي مصدر ويجوز أن تكون " ما " بمعنى الذي، والهاء محذوفة من {أَنَّمَا}، والمعنى: ولا يحسبن يا محمد الكافرون الإملاء خيراً لهم، فلما دخلت إن قامت مقام المفعولين فارتفع خير على خبر أن. ومن قرأ بالتاء، فقد زعم أبو حاتم أنه لحن، وتابعه على ذلك غيره " لأن الذين كفروا " يكونون في موضع نصب، والمخاطب هو الفاعل وهو محمد A فلا
معنى لفتح " أن " على هذا. وقال الزجاج: " إن " بدل من {الذين كَفَرُواْ} وهي تسد مسد المفعولين كأنه قال: ولا تحسبن يا محمد أن إملاءنا للذين كفروا [خير لهم. والكسائي الفراء يقدران الكلام على حد كأنه: ولا تحسبن الذين كفروا] لا تحسبن أن ما نملي لهم، وحذف المفعول الثاني من هذه الأفعال لا يجوز عند أحد فهو غلط منهما. وقد قرأ يحيى بن وثاب بكسر إن والياء كأنه ليبطل عمل حسب مع أن كما أبطلها مع اللام وهو قبيح. وتأويل قول النحاس فيها يدل على أن يحيى قرأه بالتاء وكسر إن وذلك قبيح
أيضاً أبعد مما قبله. قال أبو حاتم: سمعت الأخفش يذكر كسر: إن " يحتج به لأهل القدر لأنه كان منهم، ويجعلهم على التقديم والتأخير، كأنه قال: ولا تحسبن الذين [كفروا] أنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، إنما نملي خيراً لأنفسهم. قال: ورأيت في مصحف في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفاً فصار: إن ما نملي لهم ليزدادوا إيماناً، فنظر إليه يعقوب القارئ فتبين اللحن، فحكه. ومعنى: نملي لهم نؤخر لهم في الأجل. قال ابن مسعود Bهـ: الموت خير للكافر، ثم تلا {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً}، وقال الموت خير للمؤمن ثم تلا: {وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} [آل عمران: 198]. وقيل: إن الآية مخصوصة أريد بها قوم بأعيانهم علم الله تعالى منهم أنهم لا يسلمون أبداً، وليست في كل كافر إذ قد يكون الإملاء له مما يدخله في الإيمان، فيكون
179
أحسن له وهو الصحيح في المعاني. قوله {مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ} الآية. معناها: إن الله تعالى ذكره أخبرهم أنه لم يكن ليدع المؤمن ملتبساً بالمنافق وما يعرف بعضهم بعضاً ولكن ميزهم يوم أحد فعرف نفاق من رجع، وإيمان من ثبت فالخبيث المنافق والطيب المؤمن. وقيل المعنى: يميز المؤمن [من] الكافر. وقيل: يميزهم بالهجرة فيعلم المؤمن من الكافر. قال السدي: قالوا إن كان محمد صادقاً، فليخبرنا بمن يؤمن [منا] ممَن يكفر به. وقيل المعنى: حتى يميزهم بالفرائض [ولا] يدعهم على الإقرار فقط. ثم قال: {وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب} أي: وما كان الله ليطلع المؤمنين على الغيب فيما يريد أن يبتليكم به فتحذروا منه {وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} فيطلعه على ذلك. وقيل:
180
المعنى ما كان الله أيها المؤمنون ليطلعكم على ضمائر عباده، فتعرفوا المؤمن من المنافق، ولكنه يميز بينكم بالمحن والابتلاء {وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} فيطلعه على بعض ضمائر من يشاء بوحي. ومعنى يجتبي: يستخلص ويختار. وقيل المعنى: {وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ} من يصير كافراً بعد إيمانه، ومن يثبت على إيمانه، ولكن الله يطلع على ذلك من رسله من يشاء. وقيل: إنهم قالوا ما بالنا نحن لا نكون أنبياء؟ أي: المنافقين، فأنزل الله ذلك. قوله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ} الآية. من قرأ بالياء فالذين فاعلون، والمفعول الأول محذوف دل عليه يبخلون و " خبراً " مفعول ثان، والتقدير ولا يحسبن الباخلون [البخل] هو خير لهم، وهو فاصلة عند البصريين، وعماد عند الكوفيين، ودل يبخلون على البخل، لأنه منه أخذ.
ومن قرأ بالتاء ففي الكلام حذف مضاف دل عليه ما يتصل بالمضاف إليه، تقديره ولا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون خيراً لهم، فخيراً مفعول ثان، وبخل مفعول أول، ومعنى الآية: ولا يحسبن الباخلون ولا ينفقون في سبيل الله: البخل خيراً لهم بل هو شر لهم في الآخرة. [ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للنبي A والمعنى: ولا تحسبن يا محمد بخل الباخلين عن الإنفاق في سبيل الله خيراً لهم بل هو شر لهم في الآخرة]. وقيل: عنى بذلك الزكاة وهو إخبار عمن لم يؤد الزكاة: وقيل: إخبار عن اليهود الذين بخلوا أن يبينوا للناس ما نزل عليهم من التوراة من أمر النبي A قاله ابن عباس ومجاهد Bهـ. {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة} أي: سيجعل ما بخل به المانعون الزكاة طوقاً من نار في أعناقهم يوم القيامة أي: كهيأة الطير، قال رسول الله A: " ما من ذي رحم يأتي [ذا] رحمه فيسأله من فضل ما أعطاه الله إياه، فيبخل عليه إلا أُخرج [له] يوم
القيامة شجاع من النار يتلبط حتى يطوقه " وقرأ {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ} الآية " وقال ابن مسعود Bهـ: قال رسول الله A: " ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مُثّل له شجاع أقرع يطوقه " ثم قرأ {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ} الآية. قال الشعبي: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة} قال: شجاع يلتوي على عنقه. وروى أبو هريرة أن النبي A قال: " من أتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثِّل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - يقول له: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ} ". وقيل: يجعل الذي بخلوا به طوقاً من نار في أعناقهم.
وقال أبو وائل: هو الرجل يرزقه الله مالاً فيمنع منه قرابته الحق الذي جعل الله لهم في ماله، فيُجعل حية يطوقها، فيقول: ما لي ولك؟ فيقول: أنا مالك. وقال مجاهد: {سَيُطَوَّقُونَ} سيكلفون أن يأتوا يوم القيامة بمثل الذي بخلوا به. وقيل: المعنى سيطوقون جزاء ما بخلوا به وعقاب ما بخلوا به. والتطوق: إلزام الله تعالى لهم ذلك، ومنعهم من التخلص منه. وقيل: المعنى سيكلفون يوم القيامة إحضار الأموال التي بخلوا بها، وهم لذلك غير مستطيعين، قال ابن مجاهد وغيره. وقيل: المعنى: سيطوق اليهود ثم الذين بخلوا [به]، هو صفة محمد A، والنبوة فيه كتموا ذلك، وهو عندهم في كتابهم. قوله {وَللَّهِ مِيرَاثُ السماوات والأرض} أعلم الله الخلق في هذه الآية أنهم سيفنون كلهم، فصار ما بقي بعدهم بمنزلة الميراث الذي يبقى بعد الميت فسماه ميراثاً على ذلك، وإلا فكل شيء له، أولاً وآخراً، ولكن سماه هنا ميراثاً إعلاماً منه أنهم سيفنون، وأن
181
الأمور كلها ترجع إليه، والعرب تسمي كل ما بقي في يد الإنسان، فصار إلى غيره بعد موته: ميراثاً، فخوطبوا على ما يعقلون ولذلك قال (وهو خير الوارثين). قوله: {لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قالوا إِنَّ الله} الآية. " نزلت هذه الآية في بعض اليهود، قالوا لأبي بكر وقد عرض عليهم الإيمان وقال لهم: قد علمتم أن محمداً A مكتوب عندكم في التوراة، فآمنوا به؟ فقالوا: ما بنا إلى الله من فقر، وإنه لفقير إلينا وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان غنياً ما استقرض من أموالنا، فغضب أبو بكر Bهـ وضرب وجه رئيس لهم ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت عنقك يا عدو الله. فذهب المضروب إلى النبي A وشكا إليه بأبي بكر فخاطب النبي A أبا بكر وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله، قال: قولاً شديداً، زعم عدو الله كيت كيت، وحكى ما سمع، فجحد اليهودي ذلك وقال: ما قلت من ذلك شيئاً، فأنزل الله D تصديقاً لقول أبي بكر وتكذيباً لهم وإنكاراً لكفرهم {لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ} الآية. وقال لأبي بكر [حين] اشتد غضبه مما سمع، وللمؤمنين: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ} الآية ". وقال الحسن لما نزلت {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً} [البقرة: 245، الحديد: 11] الآية قالت اليهود: إن ربكم
183
يستقرض منكم، فنزلت {لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قالوا} الآية وروي أن الذي قال ذلك من اليهود حيي بن أخطب، وقيل: فنحاص. قوله: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} أي: سنكتب قولهم، فنجازيهم عليه ونكتب قتلهم الأنبياء، فالقول كان ممن هو على عهد النبي A، والقتل كان لآبائهم، وقد مضى مثله في سورة البقرة، وإنما أضيف إليهم لأنهم راضون بما فعل آباؤهم فكأنهم فعلوا ذلك [فأضيف إليهم] لرضاهم به واتباعهم لما كان عليه سلفهم الذين قتلوا الأنبياء مثل زكرياء ويحيى وغيرهم. قوله: {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق} أي: نقول لمن قال ذلك ورضي بقتل الأنبياء: ذق عذاب النار المحرقة أي: الملهية {ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} أي: ذلك العذاب بذنوبكم المتقدمة وبأن الله عدل لا يظلم عبيده. قوله: {الذين قالوا إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا} الآية. المعنى: لقد سمع الله قول الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء الذين قالوا
184
{إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا}. والمعنى: الذين قالوا: إن الله أوصانا، وتقدم في كتبه إلينا ألا نصدق رسولاً {حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار} فقال الله لنبيه A: قل يا محمد {قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بالبينات وبالذي قُلْتُمْ} أي: الآيات الظاهرات {بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار} كما قلتم {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في قولكم الآن {إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا} بذلك، والمخاطبة لهم في القتال، والمراد آباؤهم وأسلافهم. روي أن بني إسرائيل كانوا يذبحون لله إذا أرادوا أن يفعلوا شيئاً، ثم يأخذون الثوب، وأطايب اللحم فيضعه على موضع لهم في بيت كبير والسقف في ذلك الموضع مكشوف ثم يقوم النبي - A - بين ذلك الموضع يناجي ربه، وبنو إسرائيل دارجون حول البيت فلا يزال كذلك حتى تنزل نار فتأخذ ذلك الثوب، واللحم فهو القربان فيخر النبي A ساجداً ثم يوحى إليه بأمر قومه يفعلوا ما سألوا. قوله: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} الآية. هذه تعزية للنبي A أنه إن كذبه من أرسل إليه فقد كذب رسل من قبله جاؤوا إلى أممِهِم بالآيات والزبر - وهو جمع زبور وهو الكتاب وكل كتاب زبور
185
يمعنى مزبور أي: مكتوب يقال زبرت: إذا كتبت {والكتاب المنير} التوراة والإنجيل. قوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت}. المعنى أن الآية: تهديد ووعيد لهؤلاء المفترين. قوله {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار} أي: نجا {فَقَدْ فَازَ} أي: نجا وظفر {وَما الحياة الدنيا} أي: لذتها وشهوتها إلا متعة متعتكموها، و {الغرور}: الخداع المضمحل. وقال ابن سابط: الدنيا كزاد الراعي تزوده الكف من التمر أو شيء من الدقيق. والغرور مصدر: غره، فإن فتحت العين فهو صفة الشيطان، لأنه يغر ابن آدم حتى يوقعه في المعصية. روى أبو هريرة Bهـ عن النبي A أنه قال: " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها " واقرؤوا إن شئتم {وَما الحياة الدنيا إِلاَّ مَتَاعُ الغرور}. قوله: {لَتُبْلَوُنَّ في أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} الآية. المعنى: لتختبرن بالمصائب في أموالكم،
187
وأنفكسم وهو موت الأقارب والعشائر {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً}، الذين أوتوا الكتاب هنا: هم اليهود والمشركون هم النصارى، وأما اليهود فسمعوا منهم {إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} [آل عمران: 181] وقولهم {يَدُ الله مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64]، وقولهم: {عُزَيْرٌ ابن الله} [التوبة: 30] في أشباه لهذا، وأما النصارى فقولهم: {المسيح ابن الله} [التوبة: 30]. وقيل: إنها نزلت في كعب بن الأشرف كان يهجو النبي A، ويشبب بنساء المسلمين، ذكر ذلك الزهري. {وَإِن تَصْبِرُواْ} على أذاهم {وَتَتَّقُواْ} الله {فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور}. وقيل: المعنى أنه أخبرهم بأنه قد فرض عليهم الجهاد بأموالهم وأنفسهم، وفرض عليهم الزكاة فذلك ابتداؤه إياهم. قوله: {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب لَتُبَيِّنُنَّهُ} الآية. من قرأه بالياء رده على ما قبله من اللفظ وهو قوله: {الذين أُوتُواْ الكتاب} ورده أيضاً على ما بعده وهو قوله: فنبذوه وراء دبورهم واشتروا فالذي قبله والذي بعده يدل على الخبر عن غائب فكانت الياء أولى به.
ومن قرأ بالتاء أجراه على الحكاية عن الميثاق، وما هو كان المعنى قلنا لهم لتبيننه، واختار الطبري وغيره الياء لقوله {فَنَبَذُوهُ} ولم يقل فنبذتموه. والمعنى اذكر يا محمد إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب من اليهود وغيرهم ليبينن أمرك الذي في كتابهم للناس ولا يكتمونه، {فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} إن كتموا أمر الله D وضيعوه، ونقضوا ميثاقه {واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي: عرضاً رخيصاً من عرض الدنيا: قبلوا [الرشا] على تركه وكتمانه، ورضوا بالرياسة في الدنيا، [وكتبوا ما كتبوا بأيديهم، وقالوا هذا من عند الله، وحرفوها بثمن قليل أخذوه عليها، وكل ما في الدنيا] قليل {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} به والذي عنى به في هذه الآية: اليهود. وقيل: عنى بها كل من اوتي علماً بأمر الدين. قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله D على أهل العلم فمن علم شيئاً، فليعلمه، وإياكم كتمان العلم فإن كتمانه هلكة.
188
قال ابن جبير عن ابن عباس Bهـ: إنه كان يقرأ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ويقول: والمعنى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم ألا يكتموهم شيئاً، فنبذه القوم وراء ظهورهم أي تركوا ما بلغت إليهم الرسل. فالذين أوتوا الكتاب هم الرسل في قوله، والضمير في {فَنَبَذُوهُ} يعود على الناس. قوله: {لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} الآية. من قرأ بالتاء جعله خطاباً للنبي A و {الذين} مفعول أول {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ} مكرر للتأكيد و {بِمَفَازَةٍ} المفعول الثاني لحسب الأول، وحسب الثاني مع المصدر للتأكيد، ولطول القصة. وقيل: إنه ليس بتأكيد وأن {بِمَفَازَةٍ} مفعول حسب الثاني محذوف لعلم السامع كما تقول في الكلام ظننت زيداً ذاهباً وظننت عمراً، يريد ذاهباً، ثم تحذف لدلالة الأول عليه كما قال: {والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] فحذف لدلالة الكلام على المحذوف. ومن قرأ بالياء فقوله {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ} للتأكيد، والهاء والميم مفعول أول. و {بِمَفَازَةٍ} الثاني كأنه قال: لا يحسبن الكافرون أنفسهم بمنجاة من العذاب.
ومن ضم الباء أراد الجميع، وحسب وأخواتها تتعدى إلى الفاعل نفسه. ولم يقرأ أحد الأول بالتاء والثاني بالياء مكرراً للتأكيد. أجاز أبو إسحاق: لا تظن أخاك إذا أتاك بخبر، فلا تظنه صادقاً تعيد الفاعل للتأكيد. ونزلت الآية في قول أبي سعيد الخدري Bهـ في رجال تخلفوا عن رسول الله A [ وفرحوا لمقعدهم خلاف رسول الله، ثم إذا قدم رسول الله - A] أقبلوا يعتذرون إليه، ويحلفون أنهم لا يتخلفون عنه بعد ذلك، {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ}. وقال مروان لأبي سعيد الخدري Bهـ وقرأ هذه الآية: يا أبا سعيد إنا لنحب أن نحمد بما لم نفعل، ونفرح بما آتينا. فقال أبو سعيد: إن ذلك ليس كذلك، إنما ذلك أن أناساً من المنافقين كانوا يتخلفون عن النبي A، فإذا رجع على ما يحب حلفوا له ألا يتخلفوا عنه بعد ذلك، وأحبوا أن يحمدوا على هذا، وإن رجع النبي A على ما
يكره، فرحوا بتخلفهم عنه، وقاله زيد بن ثابت، وروى مثله مالك عن نافع. قال نافع: نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا واعتذروا. فقال ابن زيد: هؤلاء المنافقون يقولون للنبي A: لو خرجت لخرجنا معك، فإذا خرج تخلفوا ورأوا أنهم قد احتالوا حيلة، وفرحوا بفعلهم ذلك. وقال ابن جبير: نزلت في أحبار اليهود يفرحون بما جاءهم من الدنيا من الرشا على إضلال الناس، ويحبون أن يقول لهم الناس عُلماء، وليسوا بعلماء. وقال الضحاك: نزلت في قوم من اليهود فرحوا باجتماع كلمتهم على الكفر بمحمد A وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه ونحن أهل الصلاة والصيام، فأحبوا أن يحمدوا بذلك وليسوا بأهل له. وقال السدي: كتموا محمد A ففرحوا بذلك وقالوا: نحن على دين إبراهيم، ونحن أهل الصلاة والزكاة، وهم ليسوا كذلك، فأحبوا أن يزكوا أنفسهم بما لم يفعلوا.
189
وقال ابن عباس Bهـ: هم أهل الكتاب حرفوه، وحكموا بمال سفيه وفرحوا بذلك وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. وروي عن ابن عباس Bهـ أيضاً: أنها نزلت في قوم من اليهود سألهم النبي A عن شيء فكتموه، وأخبروه بغيره ففرحوا بكتمانهم، وطلبوا المحمدة على ما أخبروه به من الكذب فقال {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} وقال قتادة: نزلت في يهود، حين أتوا النبي A فزعموا أنهم متبعوه وأخفوا الضلالة، ففعلوا ذلك ليحمدهم الله على إيمانهم بمحمد A، ويحمدهم النبي A على ذلك فأنزل الله الآية. قوله: {وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض}. هذا تكذيب للذين قالوا {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} فأعلمهم الله أن له ما في السموات والأرض، فكيف يكون فقيراً؟ وله كل شيء. قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض} الآية. معنى الآية: أنها تنبيه لخلق أولي العقول على قدرة الله D، وإحكامه لما خلق من السماوات والأرض، وما دبر فيهما من المعايش واختلاف الليل والنهار، وأن ذلك علامات ظاهرات لأولي العقول، فكيف ينسب إلى من كان بهذه الصفة فقر أو نقص، ثم مدح أولي العقول ووصفهم فقال:
{الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً} الآية. المعنى: قياماً في صلاتهم، وقعوداً في تشهدهم وغيره، وعلى جنوبهم مضطجعين. وقال ابن جريج: هو ذكر الله تعالى في الصلاة وغيرها وقراءة القرآن. قال ابن مسعود Bهـ في معنى الآية: من لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً، أو مضطجعاً. وقيل: المعنى: أنهم كانوا يذكرون الله على كل حال. وفي حكاية ابن عباس Bهـ: " إذ بات عند رسول الله A: فاستوى عليه السلام قاعداً - يريد من نومه - ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: " سبحان الملك القدوس " ثلاث مرات، ثم قرأ {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار} حتى ختم السورة ". قوله: {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ} أي: يقولون ربنا ما خلقت هذا من أجل الباطل أي عبثاً، {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض} أي: في عظمة الله {سُبْحَانَكَ} أي: تنزيهاً لك من السوء أن تكون خلقت هذا باطلاً، والتفكر في عظمة الله D من أعظم العبادة.
192
وقال أبو الدرداء Bهـ: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. وقيل لأم الدرداء: ما كان أفضل عمل أبي الدرداء؟ قالت: التفكر. وقال كعب: من أراد أن يبلغ شرف الآخرة فليكثر التفكر يكن عالماً. قوله: {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} الآية. أي: يقولون: ربنا إنك من تدخل النار فقد أبعدته من رحمتك، وهذا الكافر، ولا يخلو مؤمن فيخزى، وقال أبو الدرداء Bهـ: المؤمنون هم العجاجون بالليل والنهار والله ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجيب لهم. وقيل: عنى بذلك كل من يدخل النار من مخلدين وغير مخلدين لأن كل من عذب بالنار فقد أخزي. والخزي: هتك ستر المخزي وفضيحته، ومن عاقبه الله على ذنوبه فقد فضحه. يقال: أخزيته أذللته، وأشد الخزي أشد الذلة وأبلغها.
193
قوله: {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً} الآية. المعنى: يقولون ربنا إننا سمعنا، والمنادي القرآن. وقال محمد بن كعب: هو القرآن وليس كلهم لقي نبي الله A، وليس كلهم بلغ إليه القرآن. وقال ابن جريج: المنادي سيدنا محمد A، فالمعنى سمعنا نداء مناد، المنادي غير مسموع وإنما المسموع نداؤه. وقال قتادة: سمعوا دعوة الله D فأجابوها. قوله {وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار} أي: في عددهم، وفي زمرتهم وقيل: المعنى وتوفنا أبراراً مع الأبرار، والأبرار جمع بر وهو فعل ككتف أكتاف، وهم الذين بروا الله بطاعتهم إياه وخدمتهم له Bهم. وقيل واحدهم بربار على فاعل كصاحب وأصحاب. قوله {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا} الآية.
195
أي: يقولون: ربنا آتنا ما وعدتنا على لسان رسلك: وهو الجنة وهذا سؤال وطلب، ومعناه الخبر، لأن الله تعالى منجز وعده من غير سؤال، ومعناه وتوفنا مع الأبرار لتؤتينا ما وعدتنا فهذا معناه، لأنهم قد علموا أن الله لا يخلف الميعاد، ولكنه خبر. وقيل: إنه خرج منهم على طريق الطلب أن يجعلهم ممن يؤتيه ما وعده من الكرامة. وقيل: إنهم سألوا الله D أن يؤتيهم ما وعدهم على لسان الرسول A من النصر على أعدائهم. {وَلاَ تُخْزِنَا} أي: لا تذلنا {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد} أي: أنك قد وعدت من آمن بك ووحدك: الجنة في الآخرة والنصر في الدنيا على أعدائك. قوله: {فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ} الآية. المعنى: فأجابهم ربهم {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ} عمل خيراً، روي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله يذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله D { أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى} أي ذكراً كان أو أنثى.
196
قال الكوفيون: دخلت {مِّن} في قوله {مِّن ذَكَرٍ} على التفسير لقوله {مِّنْكُمْ} أي: منكم من الذكور والإناث، قال: وليست من هناهنا يجوز حذفها لأنها دخلت لمعنى لا يصلح الكلام إلا بها وإنما يجوز حذفها إذا كانت تأكيداً للجحد. وقال بعض البصريين: دخلت {مِّن} هناهنا كما دخلت في قولك: قد كان من حديث فلان كذا، قال: وحرف النفي قد تقدم في قوله {أَنِّي لاَ أُضِيعُ} قد دخلت للتأكيد، والأحسن أن تكون من للتفسير كما تقدم. ومعنى: {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} أن بعضكم في النصر والمذلة والجزاء من بعض أي حكم الجميع الذكر والأنثى سواء {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي لأمحونها عنهم ولأسترنها عليه {ثَوَاباً} مصدر لأنه كما قال {وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جنات تَجْرِي} كان بمعنى لأثيبنهم ثواباً. قوله: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ} الآية. المعنى: لا يغرنك يا محمد تصرف الذين كفروا في البلاد أي: بالتجارات، والأموال بغير عذاب فالخطاب للنبي A، والمراد به أمته {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} أي: كسبهم وربحهم متاع قليل أي متعة يتمتعون بها
198
قليلاً {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المهاد} أي الفراش. قوله: {لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي} الآية. لكن الذين اتقوا الله، فعملوا بطاعته لهم جنات أي: بساتين {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار}، و {نُزُلاً} منصوب على التفسير. وقيل: هو في موضع إنزال، لأن الكلام يدل على أنزلتموها {وَمَا عِندَ الله} أي: ما عنده من كرتمة والرضوان خير للأبرار. قوله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن بالله} الآية. {خاشعين} نصب على الحال من المضمر في {يُؤْمِنُ} عند البصريين والفراء ومن {مِنْ} عند الكسائي. وقال نصير: هو حال من المضمر في إليكم أو في إليهم، وهذه الآية نزلت في الأربعين رجلاً من أهل نجران منهم: اثنان وثلاثون من بني الحارث من الحبشة، وثمانية من الروم على دين عيسى A آمنوا بالنبي عليه السلام، وقيل: نزلت في النجاشي.
وروى ابن المسيب عن جابر بن عبد الله Bهـ " أن النبي A قال: " اخرجوا فصلوا على أخيكم " فقال فصلى بنا فكبر أربع تكبيرات، فقال: هذا النجاشي أصحمة فقال المنافقون انظروا كيف يصلي على علج نصراني لم يره قط، فأنزل الله D { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب} الآية ". قال قتادة: " قال لهم النبي A إن أخاكم النجاسي قد مات فصلوا عليه قالوا نصلي على رجل ليس بمسلم قال فنزلت {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب} قال: وقالوا فإنه كان يصلي إلى القبلة، فأنزل الله {وَللَّهِ المشرق والمغرب} الآية ". وأصحمة بالعربية: عطية. وقيل عنى بالآية عبد الله بن سلام ومن آمن معه قاله ابن جريج. قال مجاهد وغيره: عنى بذلك من آمن من أهل الكتاب اليهود والنصارى، وهو مثل القول الأول، والآية تدل على هذا لأنها عامة اللفظ في أهل الكتاب.
200
قوله: {لاَ يَشْتَرُونَ بآيات الله ثَمَناً قَلِيلاً} الآية. أي: لا يحرفون أمر محمد A فيقبلون على تحريفه وإنكاره - الرشا فهم يؤمنون بالله، وما أنزل إليكم وهو القرآن، وما أنزل إليهم وهو التوراة والإنجيل {خاشعين للَّهِ} أي: متذللين خائفين، و {لاَ يَشْتَرُونَ}: في موضع الحال أيضاً لأن غير مشترين بآيات الله ثمناً قليلاً {أولائك لَهُمْ أَجْرُهُمْ} أي عوض أعمالهم {إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب} أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم فهو يحتاج إلى حساب ذلك وإحصائه لئلا يبقى منه شيء. قوله: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ} الآية. {اصبروا} على دينكم {وَصَابِرُواْ} عدوكم {وَرَابِطُواْ} في سبيل الله. وقيل: المعنى وصابروا وعدي إياكم على طاعتكم لي، ورابطوا على أعدائكم حتى يرجعوا إلى دينكم، ويتركوا دينهم. وقيل المعنى: ورابطوا على الصلوات: أي: انتظروها واحدة بعد واحدة، قاله أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: لم يكن في زمن رسول الله A غزو يرابط فيه، قال: ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة.
النساء
سورة النساء بسم الله الرحمن الرحيم قوله: {يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ}. قوله: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} يدل على أن الخنثى لا بد أن يكون رجلاً أو امرأة، إذ لم يخلق الله D من ظهر آدم A ' لاّ رجلاً أو امرأة لا ثالث. ومن قرأ " الأرحام " بالخفض، فهو غير جائز عند البصريين، وقبيح عند الكوفيين، لأنه عطف ظاهر على مضمر مخفوض.
وقد قيل: إن الخفض على القسم، وقد قيل: إن المعنى وربّ الأرحام. وفي واحد الأرحام لغات: رَحِمٌ ورِحِمٌ، ورَحْمٌ [ورِحْمٌ]. والرحم مؤنثة، ومعنى الآية: أن الله تعالى نبّه خلقه على قدرته وأمرهم بتقواه، والنفس هنا: آدم A. [ وقوله]: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} الآية. قال مجاهد: خلق حواء عن قصيري آدم وهو نائم، استيقظ فقال " أثا " بالنبطية: امرأة. قال السدي: أُسكِنَ آدم الجنة فكان يمشي فيها وحيشاً ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ، فإذا عند رأسه امرأة قاعدة، خلقها الله تعالى من ضلعه، فسألها: من أنت؟ فقالت: امرأة، قال: ولم خُلقتِ؟ قالت: لتسكن إليّ.
قال ابن إسحاق: ألقى الله D على آدم السنة فنام فأخذ ضلعاً من أضلاعه من شقّه الأيسر، ولأم مكانه لحماً، فخلق منه حواء ليسكن إليها، فلما انتبه رآها إلى جنبه فقال: لحمي ودمي، وزوجي، فسكن إليها. وعن ابن عباس أنه قال: إن الله جلّ ذكره خلق آدم A بيده سبحانه وتعالى في جنات عدن، فرأى آدم A كل شيء يشبه بعضه بعضاً، ولم يرَ في الجنة شيئاً يشبهه، وأحبّ أن يكون معه من يشبهه ليأنس به، وأحبّ الله D أن يؤنسه بزوجته ليكون منهما النسل، فأسبته الله D، والجنة لا نوم فيها، ولا نعاس ولا سبات، فخلق حواء من ضلع من أضلاعه وهي: القصيري فلما ذهب عنه السبات رأى من يأنس به، ويشبهه فسمي إنساناً حيث أنس، فقال لها: ما أنت؟ قالت: أثا، وأثا بالسريانية أنثى، وقيل: معناه امرأة. قال جماعة من المفسرين: لما خلق الله D ( وتعالى) آدم A، ألقى عليه النوم، فلما نام خلق حواء من أحد أضلاعه، وهو لا يشعر ولا يألم، فلما انتبه فرآها قال: من هذه؟ قيل: هي زوجتك، فعطف عليها، وأحبّها ولو ألِم لخلْقها لم يحنُ عليها، ولم
يعطف أبداً، وإنما سمّيت حواء لأنها خلقت من حي. قال ابن عباس: خلق الرجل من الأرض فجعلت همّته في الأرض، وخلقت المرأة من الرجل فجعلت همّتها في الرجل، فاحبسوا نساءكم. قوله: {وَبَثَّ مِنْهُمَا [رِجَالاً]} أي: نشر من آدم وحواء خلقاً كثيراً. ومعنى {تَسَآءَلُونَ} أي: اتقوا الله الذي إذا سأل بعضكم بعضاً سأل به وجعله وسيلة، يقول السائل أسألك بالله، أنشدك بالله وشبهه، فكما تعظمونه بألسنتكم، عظّموه بالطاعة فيما أمركم به ونهاكم عنه. وقال الضحاك: {تَسَآءَلُونَ بِهِ} أي تعاقدون به، وتعاهدون به. وقال ابن عباس: {تَسَآءَلُونَ بِهِ} فتتعاطفون به. {والأرحام} أي اتقوا الأرحام، هذا على قراءة من قرأ بالنصب. ومن قرأ بالخفض. فمعناه: تساءلون به وبالأرحام (تقولون أسألك بالله وبالرحم). قال ابن عباس والمعنى: واتقوا الله في الأرحام فصلوها.
2
{إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} أي: حفيظاً محيصاً لأعمالكم ومجازيكم عليها. قال يعقوب: الوقف {تَسَآءَلُونَ بِهِ} على قراءة النصب و " الأرحام " على قراءة الخفض. قوله: {وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ} الآية. هذه الآية عنى بها أوصياء اليتامى أن يعطوهم ما لهم إذا بلغوا الحلم وأنس منهم الرشد، ولا يقال يتيم إلاّ لمن (لم) يبلغ الحلم. قال النبي A: " لا يُتم بعد البلوغ "، وسموا يتامى في الآية وإن كان قد بلغوا الحلم على الاسم الأول. {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب} أي الحرام عليكم من أموالهم بالحلال من أموالكم. قال الزهري: تعطي لهم مهزولاً وتأخذ سميناً أي: لا تأخذ الجيد من أموالهم وتعطي مكانه الرديء تقول شيئاً بشيء ودرهماً بدرهم وشاة بشاة والذي تأخذ خير من الذي تعطي والاسم واحد.
قوله: {وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ} معناه: لا تخلطوا أموالهم مع أموالكم فتأكلوا الجميع فنهموا عن أكلها، وأحلّ الله لهم المخالطة بقوله: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 218] وذلك أنهم اشتدّ عليهم عزل أموال اليتامى، فشكوا ذلك إلى رسول الله A فأنزل الله {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}. وحذّرهم هنا من أكلها عند المُخالطة. (وإلى) بمعنى: مع، وقيل: (إلى) على بابها، والمعنى لا تجمعوا أموالهم إلى أموالكم (إنه كان) أي: إن أكلكم أكوال اليتامى إثم كبير. وقيل معنى: {وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ} لا تربح على يتيمك يهوى عندك دابة أو ثوباً أو غير ذلك وهو غير جاهل فتزداد عليه في الثمن. وكون (إلى) بمعنى مع أولى، وعليه أكثر الناس، وذلك أن (إلى) أصلها أن تكون نهاية أو تكون حداً نحو {إِلَى الليل} [البقرة: 187] فهذا نهاية لا يدخل [ما] بعدها فيما قبلها ونحو قوله: {إِلَى الكعبين} [المائدة: 6] فهذا حد تدخل الكعبان في الغسل ومثله (إلى المرافين) فإن خرجت إلى عن هذين الأصلين كانت بمعنى حرف آخر، فلما لم يحسن فيها في هذا
3
الموضع النهاية ولا الحد كانت بمعنى مع. والهاء في (إنه كان) قيل: تعود على الأكل. وقيل: تعود على التبدل. [وقيل: على المال]. والحوب: الإثم. وقال نافع: {بالطيب} تمام، [وقال أحمد بن موسى {إلى أَمْوَالِكُمْ} تمام]. قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى. . .} الآية. إنما جاز أن تقع (ما) لمن يعقل، لأنها، والفعل: مصدر، وهي تقع للنعوت فكأنه قال: فانحكوا الطيب من النساء أي: الحلال، {فواحدة} أي: فانكحوا واحدة. وقرأ الأعرج بالرفع على معنى: فواحدة تقنع يرفع بالابتداء
ويضمر الخبر. وهذا أيضاً خطاب للأولياء في صداق اليتامى، والمعنى: فإن خفتم يا أولياء ألاّ تعدلوا في صداقهن، فتبلغوا صدقات أمثالهن فلا تنكحوهن {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء} أي: الطيب يعني الحلال من غيرهن من واحدة إلى أربع {فَإِنْ خِفْتُمْ} أن تجوروا إذا نكحتم أكثر من واحدة، فانكحوا واحدة أو ما ملكت أيمانكم. قالت عائشة Bهـ: هي اليتيمة تكون في حجر وليّها يعجبه مالها ويريد أن ينكحها بأدنى من سنة صداقها، فنهى أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا أن ينكحوا من سواهن من النساء. وقيل: معناها إنهم نهوا عن نكاح ما فوق الأربع لأن قريشاً كانت تتزوج العشرين من النساء والأكثر، فإذا صار الرجل معدماً رجع إلى مال يتيمه فأنفقه أو تزوّج به فنهوا عن ذلك. وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموال اليتامى ألاّ تعدلوا فيها من أجل حاجتكم إليها، فلا تجاوزوا فيما تنكحون من النساء أربعاً، فإن خفتم أيضاً مع الأربع ألاّ تعدلوا في أموال يتاماكم، فاقتصروا على واحدة أو على ما ملكت أيمانكم قاله عكرمة.
وقيل: إن معناها أنهم كانوا يتحرون في أموال اليتامى ولا يتحرون في العدل بين النساء فلا تنكحوا منهن إلاّ من واحدة إلى أربع، ولا تزيدوا على ذلك. {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} في الأربع فانكحوا واحدة {أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم} قاله ابن جبير والسدي، وقاله ابن عباس والضحاك وغيرهم، وهو اختيار الطبري. وقال الحسن المعنى: وإن خفتم ألاّ تعدلوا في يتاماكم إذا نكحتموهنّ، فانكحوا ما طاب لكم منهنّ: اثنين أو ثلاثة أو أربعاً {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} فانكحوا واحدة، أو فاقنعوا بما ملكت أيمانكم. ومعنى: {تُقْسِطُواْ فِي اليتامى} أي: في نكاح اليتامى ثم حذف. ومعنى {وَإِنْ خِفْتُمْ} عند أبي عبيدة: وإن أيقنتم. وقال القتبي معناه: وإن علمتم. ومعنى: {مَا طَابَ لَكُمْ}: ما حلّ لكم، وهذه الآية ناسخة لما كانوا عليه في الجاهلية
من تزويج ما شاء الرجل من النساء. {ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ} أي أقرب ألاّ تجوروا، وتميلوا. يقال: عال إذا جار، يعول عولاً، ويقال: من الحاجة عال يعيل عيلة إذا احتاج، وأعال يعيل إذا كثر عياله. قال الحسن: العول الميل في النساء، وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة وغيرهم. وقال مجاهد: ألا تعولوا: ألاّ تضلوا. وعن عائشة: ألاّ تجوروا. وعول الفرائض من هذا لأنها تميل عن وجهها وحقها.
4
وقال الشافعي: {أَلاَّ تَعُولُواْ}، ألاّ يكثر من {أَلاَّ تَعُولُواْ}، وخطأه (في) هذا جميع النحويين وأهل اللغة، وإنما كان يجب على قوله: أن تعيلوا. وأيضاً، فإنه قد أحلّ لنا ملك اليمين، وإن كثروا وهو ممّا يعال. وقوله: {مثنى وثلاث ورباع} معدول عن اثنين اثنين، وثلاث ثلاث، وأربع أربع دل عليه، ولا تتجاوز العرب في العدل إلى ما بعد الأربع. قوله: {وَآتُواْ النسآء صدقاتهن نِحْلَةً} الآية. {نِحْلَةً} مصدر لأن قوله {وَآتُواْ النسآء} بمنزلة انحلوهنّ، فعمل في نحلة، وقيل: هي مصدر في موضع الحال.
قوله: {هَنِيئاً مَّرِيئاً} حال من الهاء في {فَكُلُوهُ} يقال: قد هناني ومراني، فإذا أفردت قلت: أمراني ومعناه: فكلوه دواءً شافياً. يقال قد هناني الطعام، ومراني إذا صار لي دواء، وعلاجاً شافياً. ومعنى الآية أن الله تعالى أمر المؤمنين أن يعطوا النساء مهورهنّ عطية واجبة. قال قتادة: {صدقاتهن نِحْلَةً} فريضة. وقيل: ديانة. وقيل: المعنى: " نحلة " من الله D للنساء دون الرجال إذ جعل على الرجل الصداق، ولم يجعل على المرأة شيئاً فينحي لها ذلك. وقيل: نحلة عن طيب نفس. وواحد الصدقات: صدقة، والصداق يفتح ويكسر عند يعقوب، وقال
المازني يفتح ولا يكسر. وقال ابن زيد في معنى الآية: إنها أمر من الله ألاّ تنكح امرأة إلاّ بشيء واجب، والمخاطب بهذ الأزواج، قيل لهم: أعطوا من نكحتم صداقها [ولا] تنكحوا بغير صداق. وقيل: إن المخاطب بهذا الأولياء لأنهم كانوا لا يعطونهنّ من صداقهن شيئاً يأخذه الولي نفسه، فنهى الله D عن ذلك. وقيل: بل المخاطب الأولياء أيضاً، لأنهم كانوا يعطي الرجل منهم أخته للآخر على أن يعطيه الآخر أخته، وهذا نكاح الشغار الذي نهى النبي A عنه، وعنه نهى الله D في هذه الآية. قوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً} أي: من الصداق إن تركنَ ذلك من غير
5
مضارة منكم لهن: {فَكُلُوهُ} فهو مخاطبة للأزواج، وقيل: هو مخاطبة للأولياء إن وهبن من هنّ في حجورهم شيئاً من الصداق فهو حلال لهم لهم وأن تكون الآية خوطب بها الأزواج أولى وعليه أكثر الناس. والهاء في {مِّنْهُ} تعود على المال، لأن المعنى: وآتوا النساء هذا المال الذي اسمه: صدقات فرجعت الهاء على المعنى الذي دلّ عليه الكلام. وقيل: تعود على الإيتاء. وقيل: على الصداق. وقال نافع: {صدقاتهن}، تمام. وهذا يدل على أن نحلة لا يعمل فيه ما قبله وأن المعنى أنحلهن الله D نحلة، أضمر الفعل. والأحسن في التمام أن تقف على " مريئاً ". قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ} الآية. من قرأ: قياماً فهو مصدر، والمعنى الذي تصلح به أموركم فتقومون بها قياماً،
وجعله الأخفش جمع قائمة. ومن قرأ: قيماً فهو عند البصريين جمع قيمة أي: جعلها الله قيمة للأشياء. وقرأ النخعي {التي} بالجمع. قال الفراء الأكثر في كلام العرب: النساء اللواتي، والأموال التي. والسفهاء هنا: النساء والصبيان، وهو قول قتادة وابن جبير والحسن والسدي والضحاك. وقيل: هم الصبيان خاصة قاله ابن عباس. وقيل: هم الصغار ولد الرجل خاصة. وقيل: هم النساء خاصة. وقيل: هم اليتامى الذين لم يبلغوا الرشد وهذا قول حسن والمعنى: لا تسلطوهم على اموالكم التي جعلها الله قيام معاشكم، فيفسدوها ولكن ارزقوهم، واكسوهم، وإن كانوا ممن تلزمكم نفقتهم، وهذا قول من قال: السفهاء ولد الرجل وامرأته.
6
ومن قال: إن السفاهء المُولى عليهم: فمعناه أنه أضاف الأموال إلى الأولياء لأنها بأيديهم، وهم الناظرون فيها وأمرهم أن يرزقوهم منها ويكسوهم. قوله: {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوف} أي: عدوهم وعداً حسناً من البر والصلة، وقيل: المعنى ادعوا لهم بالصلاح. وقيل: المعنى علموهم أمر دينهم. وقال ابن جريج: المعنى: قولوا لهم إن صلحتم ورشدنم سلمنا إليكم أموالكم، وخلينا بينكم وبينها. قوله: {وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} الآية. والمعنى اختبروهم في عقولهم وصلاحهم، وتثمر أموالهم وذلك بعد الاحتلام {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ} الرشد {فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}. وقد قال أبو حنيفة: لا حجر على بالغ. وعامة الفقهاء على خلافه.
ومعنى {إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} أي الحلم، قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد، ومعنى {آنَسْتُمْ} وجدتم وعلمتم وأحسستم منهم الرشد، وأصل آنست في قول القتبي: أبصرت، والرشد هنا العقل والصلاح في الدين. وقيل: الرشد: الصلاح في الدين والمال، وقال مجاهد: الرشد هنا العقل. {فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} هذا كلام يدل [على] أن الآية في المُولى عليهم من يتامى الصبيان الإناث والذكور، وقال الحسن: رشداً في أموالهم وصلاحاً في دينهم. قال زيد بن أسلم: وذلك بعد الاحتلام. قوله: {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً} أي: لا تأكلوا أموال اليتامى بغير ما أباح الله D. وقيل: لا تسرفوا في أكلها، والإسراف في كلام العرب تجاوز الحد المباح إلى
غيره بنقص أو زيادة، وهي في الزيادة أكثر إسرافاً. يقال سَرِفَ يَسْرَفُ، ويقال مررت بكم فَسَرَفْتُكم أي: فسهوت عنكم وأخطأتكم. وقوله: {بِدَاراً} أي: مبادرة أن يكبروا، وهو مصدر بادرت. أي: لا تأكلوها مبادرة منكم (بلوغهم وإيناس الرشد منهم فيأكلوها لئلاّ يرشدوا فيأخذوها منكم). قوله: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} أي: عن أموال اليتامى بماله. {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف} أي: يستقرض من مال يتيمه، ثم يؤديه إذا
أيسر، قاله عمر Bهـ وابن جبير وعبيدة وأبو العالية. وروي أن ابن عباس والشعبي وغيرهم: أن له أن يأكل منه إذا احتاج قرضاً ويؤديه إذا أيسر مثلما أكل. وقال السدي: إذا كان الولي فقيراً أكل من يتيمه بأطراف أصابعه، ولا قضاء عليه، وقاله الشعبي، وروي مثله عن ابن عباس بأنه لا قضاء عليه. وعن عائشة: إنّ الوصي يأكل من مال اليتيم مكان قيامه عليه إذا كان فقيراً (أكل بالمعروف، ولم يذكر قرضاً ولا رداً وقال النخعي إذا كان الولي فقيراً) أخذ من مال يتيمه ما يسدّ به جوعته ويستر عورته، ولم تذكر قضاء.
وقال عطاء: يأكل إذا افتقر ولا قضاء. وقال ابن زيد: يأكل إذا احتاج لقيامه عليهم وحفظه لأموالهم ولا قضاء عليه. وقيل: المعنى أكل الولي مع اليتيم هو في التمر وشرب رسل الماشية خاصة دون غيره، ولا قضاء عليه، وقد توقف بعض أهل العلم فيها وقال: لا أدري لعلها منسوخة بقوله: {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً} الآية [10]. قال أبو حنيفة: لا يأكل معه شيئاً إلاّ أن يسافر من أجله فيأخذ القوت.
7
وقد روي عن ابن عباس أنه قال {فَلْيَأْكُلْ بالمعروف}: يقوت نفسه يعني من مال نفسه حتى لا يحتاج إلى مال يتيمه. وهذا نختار عند العلماء، وحكى معناه الشافعي. وقال نافع بن أبي نعيم: سألت يحيى بن سعيد وربيعة عن قول الله D: { وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} فقال: أنفق عليه بقدر فقره، وإن كان غنياً أنفق عليه بقدر غناه، ولم يكن للولي منه شيء. ثم أمر الله تعالى الأولياء بالإشهاد على اليتامى إذا رشدوا ودفعوا إليهم أموالهم فقال: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وكفى بالله حَسِيباً} الآية. أي: كافياً من الشهود الذين يشهدون على القبض، ونصب (حسيباً) على الحال. قوله: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون} الآية.
8
{نَصِيباً} الأخير منصوب على الحال عند الزجاج وفيه معنى التأكيد كأنه قال مفروضاً، وهو نصب على المصدر عند الأخفش والفراء كأنه قال فرضاً لازماً، وما وقبله يدل على أنه فرض ذلك عليهم. وهذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية، كانوا يورثون الذكر دون الإناث، وكان الكبير من ولد الذكور (يرث) دون الصغير يقولون: لا يرث، إلا من طاعن بالرمح، فنسخ الله D ذلك، وأعلمنا أنه لكل واحد نصيب مفروض أي واجب مما قل ومما كثر من التركة. قوله: {وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى} الآية. هذه الآية في قول ابن عباس، وابن حبيب، ومجاهد محكمة واجبة، يعطي الورثة للقرابة الذين لا ميراث لهم ما طابت به أنفس الورثة، كأنهم ينحون إلى أنها ندب وليس بفرض.
9
وقال السدي وابن المسيب والضحاك: هي منسوخة بالمواريث وقد روي مثل ذلك عن ابن عباس أيضاً، قالوا: كان هذا فرضاً قبل نزول المواريث، ثم نزلت المواريث فنسخت ذلك. وقيل: إنها محكمة عنى بها الميت يقسم وصيته وهو حي، فيوضي بها فهو ندب أيضاً. قوله: {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} أي يعتذر إليهم إن لم يعطوا شيئاً، يقول الولي: ما لي في هذا المال شيء، وهو مال اليتامى، وقيل: القسمة في هذا قسمة الوصية أمر أن يعطى منها من لا يرث من القرابة على الندب لذلك. قوله: {وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً} الآية. لم يأت ليخش مفعول لذكره بعد ذلك الخوف، وإتيانه بمفعوله فسد ذلك مسد مفعول يخشى (لأن الخوف والخشية سواء، ومثلهما معنى الاتقاء فسد مفعول يخشى) مفعول الخوف ومفعول الاتقاء، كما قال: {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} [النحل: 110] فسَدَّ خبر إن الثانية مسدَّ خبر الأولى في قوله {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ} [النحل: 110].
وقيل: مفعول يخشى محذوف كأنه قال: وليخشى الله الذين. والمعنى: وليخف الذين يحضرون وصية الموصي أن يأمروا الموصي أن يفرق ماله على غير ولده، ولكن ليأمروه أن يبقى ماله لولده، كما لو أنه كان هون الموصي يسره أن يحثه من يحضره على توفير ماله لولده لضعفهم وعجزهم قال ذلك ابن عباس. وقال قتادة: معناه: من حضر ميتاً فلينهه عن الحيف وليأمره بإحسان، وليخش على عيال المتوفى ما كان يخشى على عياله لو حضره الموت، وهو مثل القول الأول ومثل هذه المعنى قال السدي. وقال الضحاك قولاً قريباً من الأول: قال هذا عند الموت لا يقول أحدكم لرجل عند وصيته: اعتق وتصدق حتى يفرق ناله، ويدع ورثته عالة لعياله كما كان يحب هو أن يفعل به لو حضرته الوفاة وعنده ذرية ضعفاء. قوله: {وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} أي يأمرون الميت في وصيته بما لا ضرر فيه على ورثته كما يحب هو أن يفعل في ورثته بما يأمر به نفسه. وقال مجاهد: هذا عند تفريق المال وقسمته، يقول الذين يحضرون: زد فلاناً وأعط فلاناً، فأمرهم الله D أن يقولوا مثلما كان يحبون أن يقال لولده بعدهم. وكل هذه الأقوال لا تمنع الوصية أن يوصي لقرابته بخمس ماله أو بربعه أو بثلثه كذا
10
ذكر أكثرهم. وقيل: إنهم لا يأمرونه أن يوصي لأحد البتة إذا كان له أولاد ضعفاء يخاف عليهم الضيعة كما كنتم تصنعون لو حضركم الموت أيها الحاضرون وعندكم أولاد ضعفاء تخافون عليهم الضيعة. وروي أن أصحاب النبي A كان من اجتهادهم في الخير والعمل الصالح إذا حضروا مريضاً منهم قالوا له: انظر لنفسك فليس ينفعك ولدك ولا يغنون عنك من الله شيئاً، ويقدم جل ماله ويجحف بولده، وكل هذا قبل الوصية بالثلث، وتحديدها من النبي A فكره الله سبحانه ذلك وأمرهم أن يأمروا الذي حضرته الوفاة بما يحبون أن يأمروهم به إذا حضرتهم الوفاة ولهم ذرية ضعفاء. وقد قيل: إن هذا أمر للموصي على الأيتام أن يفعل فيهم ما يحب [أن يفعل] بعده في أولاده. وروي عن ابن عباس أن الآية نزلت في الوصية لولاة اليتامى ألا يأكلوا أموالهم كما يحبون لو ماتوا وتركوا أولاداً ضعفاء أن يحتاط على أموال أولادهم كما يحتاطون هم على مال يتاماهم، أي: لتفعلوا بهم ما تحبون أن يفعل بولدكم بعدهم. قوله: {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً} الآية.
11
هذا تحذير ووعيد من الله D لمن يأكل مال يتيمه. قال السدي: إذا قام من أكل مال اليتيم من قبره بعث ولهب النار يخرج من فيه، ومسامعه وأذنيه وأنفه وعينيه يعرفه من رآه بآكل مال اليتيم. وقال النبي A فيما روى الخدري عنه من خبر ليلة الإسراء: " نَظَرْتُ فِإِذَا أنَا بِقَوْمٍ لَهُمْ مَشافِرٌ كَمَشَافِرِ الإِبِلِ، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأخُذُ بِمَشَافِرِهِم، ثَمَّ يَجْعَلَ في أفْوَاهِهِمْ صَخْراً مِنْ نَارٍ تَخْرُجُ مِن أسَافِلِهِم، قُلْتُ: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء {الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً} ". وقال ابن [زيد] عن أبيه: هي لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم ويأكلون أموالهم، وإنما جاز أن يخبر عنهم بأكل الناس لأنهم لما أكلوا ما يؤديهم إلى النار كانوا بمنزلة من يأكل النار، وإن كان يأكل الطيب في الدنيا. قوله: {يُوصِيكُمُ الله في أولادكم لِلذَّكَرِ} الآية. ومعنى قوله {إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} معناه: لم يزل كذلك، كأن القوم عاينوا
حكمة وعلماً، فأعلمهم الله أنه لم يزل كذلك هذا مذهب سيبويه. وقال المبرد: ليس في قوله: (كان) دليل على نفي أنه كان ذلك في الحال وفي الاستبقال. وفيها قول ثالث وهو: أن كان يخبر بها عن الحال كما قال: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً} [مريم: 29]، وقول رابع: أن الإخبار من الله D في الماضي والمستقبل واحد لأنه عنه معلوم. ومعنى {يُوصِيكُمُ} يفرض عليكم فلفظه لفظ الخبر، ومعناه الإلزام كما قال: -[" ذلكم وصاكم به أي فرضه عليكم ". وقيل معناه: يعهد إليكم إذا مات منكم ميت وخلف] أولاداً أن يقسم عليهم على كذا وكذا. وقوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين} وما بعده هو تفسير ما وصاهم به، بين الله للنبي A وأمته الواجب في مواريث من مات منهم في هذه السورة ونسخ به ما كان عليه أهل الجاهلية من توريث الأولاد المقاتلة دون الصغار وتوريث الذكور دون الإناث. وقال مجاهد وغيره كانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله تعالى بما أحب
وفرض هذه السورة ما قد نص عليه. وروي أن هذه الآية نزلت لما استشهد سعد بن الربيع يوم أحد، وترك بنتين وامرأة، وأباه الربيع، فأخذ أبوه جميع ما ترك على ما كانوا عليه في الجاهلية، فأتت امرأة سعد النبي A فشكت ذلك إليه مرتين وهي تبكي، وتذكر فقر بنيها، وأنه لا أحد يرغب فيهما لفقرهما، فنزلت آية المواريث {يُوصِيكُمُ الله في أولادكم}. قال أبو محمد: وقد كان هذا في علم الله D أنه سيفرضه علينا، ويجعل لإنزاله علينا سبباً، وكذلك جميع ما أنزله علينا من الفرائض وغيرها، قد تقدم علمه بذلك لا إله إلا هو. قوله: {فَإِن كُنَّ نِسَآءً} أي فإن كان المتروكات نساء. وقوله: {فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} (فرض الله تعالى لما فوق الاثنين من النساء:
الثلثين، وليس للاثنين فرض مسمى، فقال قوم " فوق " هاهنا زائدة والمعنى فإن كان المتروكات نساء اثنتين فلهن ثلثاً ما ترك) كما قال: {فاضربوا فَوْقَ الأعناق} [الأنفال: 12] فيكون على هذا القول لا فرض لما فوق الاثنين، والقول فيها إن فرض الاثنين غير منصوص عليه لكن يعطين بالإجماع بدليل النص (الثلثين). والدليل: هو أن الله تعالى جعل فرض الاثنين من الأخوات: الثلثين بالنص، والابنتان أمس قرابة، وأقرب من الأختين، فوجب ألا ينقص عن فرض الأختين، وأيضاً فإن الله تعالى جعل [فرض] الأختين للأم كفرض ما فوق ذلك، (فكذلك يجب أن يكون فرض الابنتين كفرض [الأختين] فما فوق). ودليل آخر وهو أنه جعل فرض الأخت كفرض البنت، فيجب أن يكون فرض البنتين كفرض الأختين، وكذلك أعطى الأخوات الجماعة الثلثين قياساً على فرض البنات المنصوص عليه، وكان المبرد يقول: إن في الاية دليلاً على أن فرض البنتين: الثلثان، وهو أنه قال: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين} (فأقل العدد ذكر وأنثى، فإذا كان
للواحدة الثلث دل ذلك على أن للاثنتين) الثلثين. وقيل: (إن) الابنة لما وجب لها مع أخيها في مال أبيها الثلث، كانت أحرى أن يجب لها في مال أبيها مع أختها أيضاً الثلث، ويكون لأختها معها مثلما وجب لها وهو الثلث، فوجب للابنتين الثلثان بهذا الاستدلال. والهاء في {لأَبَوَيْهِ} تعود على الميت، ولم يجر له ذكر، لكن الكلام يدل عليه، والأولى من هذا كله أن تكون الابنتان أعطيتا الثلثين لفعل النبي A فقد روي عنه أنه أعطى للابنتين الثلثين. وقيل: أُعطيتا الثلثين بالإجماع. والأولاد فيما ذكر الله تعالى هم أولاد الصلب الذكور والإناث وولد الابن خاصة وإن سفلوا الذكور والإناث، وكذلك ولد ابن الابن ابن الابن إذا نسب إلى الميت من قبل آبائه والأعلى يحجب الأسفل إلا أن يكون الأعلى أنثى، فإن لها ما للبنت، والباقي لمن هو أسفل منهما من ولد الابن إذا كان فيهم ذكر، ولهذا تبيين يطول ذكره، وهو مذكور في كتاب الفرائض، وكذلك الابنتان لهم الثلثان والباقي لمن هو
أسفل منهما إذا كان فيهم ذكر. قوله: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} الآية. مذهب بعض الصحابة وبعض الفقهاء أن الإخوة الذين يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس هم ثلاثة فما فوق ذلك لقوله (إخوة فأتى بلفظ الجمع)، وقال أكثرهم، وكثير من الفقهاء (وإن كانوا أخوة، رجالاً ونساءً) وهو مذهب زيد الاثنان يحجبان الأم كالثلاثة والإخوة في الآية يراد بهم اثنين فما فوقهما، وإنما جاز أن يقع لفظ الجماعة للاثنين لأنهما شبها بالشيء الذي ليس في الإنسان منه غير عضو (واحد) كقولك: الزيدان صغت قلوبهما وخرجت أنفسهما، وفقئت أعينهما، فلما جمع في موضع التثنية كان هو المشهور عن العرب، وأتى به القرآن، شبه الشخصان بالأعضاء التي في كل واحد منهما عضو واحد في موضع التثنية (كما يجمع الأعضاء في موضع التثنية). والشبه الذي بينهم أن الشخصين كل واحد غير صاحبه كذلك الأعضاء كل واحد غير الآخر، فأخرج تثنيتهما بلفظ تثنية العضوين. وقال بعض النحويين:
ضمك واحد إلى اثنين كضمك واحداً، إلى واحد. وقال: [الخليل]: الاثنان جماعة، وقولهما فعلنا حقيقة، وقول الواحد فعلنا مجاز، وقد قال تعالى: {وَإِن كانوا إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً} ولا اختلاف أن هذا يصلح لاثنين فصاعداً. والاثنان جماعة لأنه ضم واحد إلى واحد وجمع واحد إلى واحد وقد قال تعالى: {وَأَطْرَافَ النهار} [طه: 130] يريد طرفيه إذ ليس له سوى طرفين، وقد قال النبي A " ( صلاة) الاثنين جماعة " وقال
تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القوم} [الأنبياء: 78] ثم قال بعقب ذلك {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] فأخبر أولاً عن اثنين ثم أتى بلفظ الجمع آخراً لأن الاثنين جماعة. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: {إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 15]. أراد به موسى وهارون المتقدم ذكرهما، وقال في قوله: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] وإنما أراد به علياً Bهـ والوليد، فجمع (يستوون). وقالوا في قوله: {وَأَلْقَى الألواح} [الأعراف: 150] أنهما كانا لوحين فجمع في موضع التثنية،
وقالوا في قوله: {أولئك مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور: 26] أنهما عائشة Bهـ وصفوان ابن المعطل، فجمع، والناس يقولون: شهد الشهود على فلان وإن كان إنما شهد عليه شاهدان. ويقولون: أعط هذا لأولادك وإن كان ليس له ولدان، وأهل الحساب على تسمية الاثنين عدداً والعدد كثير في المعنى. وإنما نقصت الأم بالإخوة (وزيدت للأب) لأن على الأب مؤنتهم دون الأم. قوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} الآية. " أو " هنا للإباحة، والكلام فيه تقديم وتأخير، والدين هو المتقدم على الوصية وليست " أو " بمعنى الواو، لأن الواو لو كانت لجاز أن يتوهم أن الحكم لا ينفذ إلا باجتماع الدين والوصية. قوله: {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} المعنى لا يعلمون أيهم أقرب لهم نفعاً في الدنيا والآخرة. وقال ابن عباس: لا تدرون أيهم أرفع درجة في الجنة، لأن الآباء يشفعون في
12
الأبناء والأبناء يشفعون في الآباء إذا كان [بعضهم] أعلى درجة من بعض رفع الأٍفل إلى الأعلى. فالمعنى على هذا لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً في الآخرة. وفرض الزوج والزوجة ظاهر في النص غير خفي، فلذلك لم يذكر. قوله: {فَرِيضَةً} منصوب على الحال المؤكدة لما قبلها من الفرض، وقيل: هو مصدر لأن معنى قوله {يُوصِيكُمُ} يفرض عليكم. ثم قال: {فَرِيضَةً} فأعمل فيه المعنى الذي دل عليه يوصيكم، وهذا قول حسن. قوله: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كلالة أَو امرأة} الآية. " نصب (كلالة) على أنه خبر كان عند الأخفش، وإن شئت على الحال يجعل كان بمعنى وقع " ويورث " صفة رجل، وهذا على أن الكلالة هو الميت، وهو قوله البصريين لأنهم يقولون الكلالة الميت الذي لا ولد له، ولا والد وقد روي ذلك
عن أبي بكر Bهـ، وكذلك قال علي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عباس وجابر ابن زيد. قال البصريون: هو كما تقول رجل عقيم: إذا لو يولد له، مشتق من الإكليل كأن الورثة غير الولد، والولد قد أحاطوا به فحازوا المال. وقرأ الحسن وأبو رجاء (يورِث كلالة) بكسر الراء جعل الكلالة مفعول به. وقرأ بعض الكوفيين (يورِث كلالة) بكسر الراء وتشديد نصب كلالة على أنه مفعول بها. والكلالة في عاتين الروايتين: الورثة أو المال.
وقال أبو عبيدة: كلالة أصله مصدر من كلالة النسب إذا أحاط به، والأب والابن طرفان للرجل، فإذا مات ولم يخلقهما فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسمي ذهاب الطرفين كلالة كأنها اسم للمصيبة في تكلل النسب. وقد قيل: الكلالة الورثة لا ولد فيهم ولا أب وهو قول أهل المدينة وأهل الكوفة، وشاهد هذا القول قراءة الحسن وأبي رجاء المتقدم ذكرهما، ويبعد هذا القول لأجل نصب كلالة لأنه يجب على هذا القول أن ترتفع على معنى يورث منه كلالة. وقال عطاء: الكلالة المال الذي لا يرثه ولد ولا والد، وهو قول شاذ، فيكون نصبها على أنه صفة لمصدر محذوف والتقدير: يورث وارثه كلالة. وقال ابن زيد: الكلالة الحي والميت الذي لا ولد له ولا والد. والكلالة مشتق من الإكليل المنعطف على جبين الملك، ومن الروضة المكللة وهي التي قد حف بها النّوْرُ، وشبه ذلك بالقمر إذا حا بالإكليل وهو منزلة من منازل القمر ذات نجوم، يقال يتكلله النسب إذا أحاط به، وإنما سمي الميت الذي لا ولد له، ولا والد كلالة لأن كل واحد من الولد والوالد إذا انفرد يحيط بالميراث كله.
13
قوله: {غَيْرَ مُضَآرٍّ} نصب غير على الحال أي: يوصي بها غير مضار. وقرأ الحسن غير مضار وصيةٍ، بالإضافة ولحن في ذلك لأن اسم الفاعل لا يضاف إلى المصدر، ووجهه غير مضار بوصية أي: غير مضار بها ورثته في ميراقهم لا يقدر بما ليس (عليه) ولا يوصي بأكثر من الثلث. و" وصية " نصب على المصدر. وأكثر العلماء على أن الكلالة في أول هذه السورة يراد بها الإخوة [من الأم والكلالة في آخر السورة يراد بها الاخوة] من الأب والأم. قوله: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} إنما وحد في أوله وقد تقدم ذكر رجل وامرأة، لأن الاسمين إذا تقدما وعطف أحدهما على الآخر بأو، جاز أن تضيف الخبر إليهما أو لأحدهما، إن شئت أن تقول: من كان عنده غلام أو جارية، فيحسن إليه، وإن شئت: إليها وإن شئت إليهما. قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ الله وَمَن يُطِعِ الله}. الآية.
15
المعنى: تلك فرائض الله. وقيل سنة الله وأمره. وقيل شروط الله، والإشارة بتلك إلى ما تقدم من الحكام في الفراض، والتقدير تلك القسمة حدود الله لكم يبين الحق والباطل تنتهون إليها، فمن يطع الله ورسوله في تنفيذها وغير ذلك يدخله الجنة، ومن يعصيه ويتعد حدوده في ترك تنفيذها يدخله النار، ويخلده فيها إذا مات مصراً على ذلك، والهاء في " حدوده " تعود على الرسول لأنه المبلغ لحدود الله. قوله: {واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة} الآية. " اللاتي " لا تكون إلا للنساء. والمعنى: والنساء اللاتي يأتين الفاحشة، فاستشهدوا عليهن فيما آتين أربعة رجال، فإن شهدوا عليهن بالفاحشة {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت} حتى يمتن {أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً} أي: طريقاً إلى النجاة فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، وكان هذا قبل نزول الحدود، فلما نزل: {الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، نسخ ذلك.
قال عطاء: السبيل: الحدود والرجم، والجلد. قال السدي: نزلت هذه الآية في التي دخل بها إذا زنت، فإنها تحبس في البيت ويأخذ زوجها مهرها. قال الله تعالى: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} قال: هي الزنا، ثم جاءت الحدود فنسختها فجلدت ورجمت وصار مهرها ميراثاً فكان السبيل هو الحد الذي نزل. وقيل: إن حكم الزاني والزانية الثيبين والبكرين كان أن يحبسا حتى يموتا، فنسخ الله ذلك بالآية التي بعدها وصار حكمهما أن يؤذيا بالسب والتعيير لقوله " فآذوهما " ثم نسخ ذلك بالحدود، هذا قول الحسن وعكرمة وروي عن عبادة بن الصامت. وقال قتادة كان حكم البكرين الزانيين أن يؤذيا بالتعيير، وحكم المحصنيين أن يحبسا حتى يموتا، فنسخ بالحدود،: الجلد للبكرين ونفي الرجل بعد الجلد عاماً،
والرجم على الثيبين بعد الجلد، والجلد في جميعهم مائة. وقال مجاهد: {واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة} عام لكل ثيب وبكر من النساء {واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ} عام لكل من زنى من الرجال خاصة ثيباً كان أو بكراً، وهو مروي عن ابن عباس. واختاره النحاس وغيره، لأنه قال {واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ} ولم يقل منكم، وقال {واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ} أي يأتين الفاحشة منكم يريد الرجال بعد ذكر النساء، ثم نسخت الآيتان بالحدود. وقد اختلف في الحد على الثيب فقال علي Bهـ: الجلد ثم الرجم، وقال: أجلد بكتاب الله، وأرجم بسنة رسول الله A. وبه قال الحسن وإسحاق. وأكثر العلماء على ان عليه الرجم دون الجلد، وهو مروي عن عمر Bهـ وهو [قول]
مالك، والشافعي، والكوفيين والأوزاعي والنخعي، فمنهم من قال: إن الجلد منسوخ عن المحصن بالرجم جعل سنة تنسخ القرآن، ومنهم من قال هو منسوخ بما حفظ لفظه ونسخ رسمه في المصحف من قوله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. واختلف في نفي البكر: فقال العمران ما: يجلد ولا ينفى، وكذلك قال عثمان وعلي وابن عمر Bهما وهو قول عطاء وسفيان ومالك، والشافعي، وابن أبي ليلى، وأحمد وإسحاق وغيرهم.
واختلف في المعترف في الزنا. فقال الحسن إذا اعترف (يحد) وهو قول الشافعي وأبي ثور، وروي عن مالك أنه قال: إذا اعترف من غير محنة يحد، وإن اعتذر، وذكر عذراً يمكن قُبِل منه، وإن اعترف بمحنة قبل منه الرجوع عن اعترافه. وقال قوم: لا يحد حتى يعترف أربع مرات في موضع أو في مواضع قال مالك: لا يقام عليه الحد إن كان بعذر وهو مذهب الأوزاعي. وأما الإحصان الذي يجب معه الرجم فهو الوطء للمسلمة الحرة بنكاح صحيح، فإن كان فاسداً لم يكن محصناً بذلك النكاح في قول عطاء وقتادة والليثي
ومالك، والشافعي وغيرهم، وقال غيرهم من الفقهاء: يحصن بذلك النكاح. وروي عن علي وجابر بن عبد الله في الذمية إذا دخل بها، والمسلمة سواء، وعند الحسن البصري وعطاء والزهري، وقتادة ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق يحصن (المسلم)، ولا يحصن المسلم الذمية. وروي عن ابن عمر أنها لا تحصنه (وهو قول الشعبي وعطاء والنخعي ومجاهد والثوري. والأمة يدخل بها الحر تحصنه عند ابن المسيب والزهري، ومالك، والشافعي. وقال عطاء والحسن البصري وابن سيرين، وقتادة، والثوري وغيرهم: لا تحصنه فأما الحرة تكون تحت العبد فهو يحصنها عند (ابن) المسيب والحسن البصري،
ومالك، والشافعي، وأبي ثور وغيرهم. وقال عطاء والنخعي، وأصحاب الرأي: لا يحصنها. ومذهب مالك والشافعي والأوزاعي في الصبية التي لم تبلغ (يدخل بها البالغ الحر: أنها تحصنه، ولا يحصنها، وقال أصحاب الرأي لا تحصنه الصبية، ولا المجنونة). وقال الشافعي تحصنه المجنونة إذا دخل بها. وقال مالك في الصبي: إذا جامع امرأته لا يحصنها.
16
وقال ابن عبد الحكم: لا يحفر للمرجوم ويرجم على وجه الأرض وهو قول أصحاب الرأي، وقال غيره: يحفر له، وكلهم قالوا: يرجم حتى يموت. قوله: {واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا} الآية. المعنى عند الطبري: الرجل والمرأة اللذان يأتيان الفاحشة منكم أي: من رجالكم {فَآذُوهُمَا}، قيل: يعني بذلك غير المحصن، وبالذي قبلها: المحصنان. وقيل: عنى بذلك الرجلان الزانيان. وقيل: هذه الآية والتي قبلها منسوخة بالحدود، وعليه العمل عند الصحابة والعلماء. وقيل: هي ناسخة لما قبلها ومنسوخة بالحدود.
17
ومعنى {فَآذُوهُمَا} فسبوهما وعيروهما، ونحوهما. وقال ابن عباس: معناها: يؤذيان باللسان ويضربان بالنعال. والسبيل في الآية التي قبلها هي الحدود التي نزلت في النور. قوله: {إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء بِجَهَالَةٍ} الآية. معناها عندها الطبري: أن التوبة ليست لأحد إلا الذين يعملون السوء، وهم جهال: ثم يتوبون قبل الموت، فإن الله يتوب عليهم، وأكثر الصحابة على أن كل ذنب فعله الإنسان فعل جهالة عمداً كان أو غير عمد. قال مجاهد: كل من عصى ربه فهو جاهل حتى يتوب عن ذلك، وعلى ذلك أكثر التابعين وأهل التفسير. وقد قال الضحاك: إن الجهالة: العمد خاصة وروي مثله عن مجاهد. وقال عكرمة: الجهالة: الدنيا. فالمعنى على قوله: للذين يعملون السوء في
الدنيا، وقال: الدنيا كلها جهالة. وقيل معنى: {بِجَهَالَةٍ} أي: بجهالة منهم لما في الذنب من العقاب عمدوا ذلك أو جهلوه. وقيل: الجهالة أن يعمل المعصية وهو يعلم أنها معصية، فإن لم يعلم ذلك، فهو خطأ وليست بجهالة. قوله: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} الآية. أي: في صحة لا مرض فيها قبل نزول إمارات الموت، قاله ابن عباس والسدي وغيرهما، وقيل: المعنى من قبل معاينة الموت (وروي ذلك عن ابن عباس، وقاله الضحاك، وقال عكرمة وابن زيد " من قريب " من قبل الموت). وقد روي قتادة عن أبي قلابة أنه قال: ذكر لنا أن إبليس لعنه الله لما لعن وأُنظْر قال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح، قال الله D: لا
18
أمنعه التوبة ما دام فيه الروح. وقال النبي A: " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ". وقال أهل المعاني: " ثُمّ يثوبون " قبل مماتهم في الحال التي يفهمون فيها أمر الله D ونهيه، وقبل أن يغلبوا على أنفسهم وعقولهم {فأولئك يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ} أي: يرزقهم إنابة إلى طاعته ويتقبل منهم توبتهم إليه. قال الأخفش: قال إني تبت الآن " تمام وخولف في ذلك لأن و {الذين يَمُوتُونَ} عطف على " الذين " الأول. قوله: {وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات} الآية.
المعنى: ليست لمن يصر على معاصي الله حتى إذا حشرج بنفسه وعاين ملائكة ربه قد أتوا لقبض روحه قال في نفسه أتوب الآن وهو موقن من الموت لا يطمع في حياة، هذا لا توبة له يضمرها، لأنه غير مستطيع لإظهارها. قال ابن عمر: التوبة مبسوطة ما لم يُسَق. وعنى بذلك أهل النفاق. وقال ابن الربيع: نزلت الأولى في المؤمنين يعني قوله: {إِنَّمَا التوبة عَلَى الله} ونزلت الثانية - الوسطى - في المنافقين وهي قوله: {وَلَيْسَتِ التوبة} ونزلت الآخرة في الكفار يعني قوله: {وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} لا توبة لهم في الآخرة إذ ليست بدار عمل. وقيل: هي في أهل الإسلام، وذكر عن ابن عباس أنه منسوخة بقوله: {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48 و116]، قال: فحرم الله المغفرة على من مات، وهو
19
كافر، وإرجاء أهل التوحيد إلى مشيئته ولم يؤيئسهم من المغفرة. والسيئات هنا: ما دون الكفر. ومعنى {أَعْتَدْنَا} - وهو أفعلنا - من العتاد. قولهم: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً} الآية. الكَره والكُره لغتان بمعنى عند البصريين والكسائي. وقال الفراء: الكَره بالفتح أن يكون على الشيء، والكُره المشقة، هذا معنى قوله. وقال القتبي: الكره بالفتح بمعنى القهر والضم بمعنى المشقة. ومعنى الآية عند أبي بكير وغيره: أنها نهي للرجل يحبس المرأة، وليس له بها حاجة رجاء أن يرثها، ونهاه أن يعضلها حتى تفتدي منه بما أخذت منه، أو ببعضه. وقوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}، معناه أن تشتم عرضه، أو تخالف أمره وتبذو
عليه، فكل فاحشة (نعتت) مبينة فهي من البَذاء باللسان، وكل فاحشة مطلقة فهو الزنا، والزنا يُسْتَر ويَخفى، فلا تكون مبينة، والنطق بالبذاء يظهر، فهو مبين من لسان فاعله، ودل (على) ذلك قوله: {يانسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} [الأحزاب: 30] عنى بذلك مخالفة (أمر) الرسول A والأذى بالنطق ونعوذ بالله من أن يعني بذلك أنه كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها كان ابنه من غيرها، أو قريبه أولى بها من غيرهما، ومنه بنفسها، فإن شاء نكحها وإن شاء منعها من التكاح وهو العضل فحرم الله ذلك على المؤمنين بهذه الآية. فمعنى الوراثة هو أن يأخذها لنفسه، ويكون بها أولى من ولي نفسها، ومن غيره، ومعنى العضل: أن ياخذها ويمنعها من تزوج غيره، كذلك قال جماعة أهل التفسير،
ولكن اختلفوا (فقبل كان ذلك سنة قريش في الجاهلية). وقيل: كان ذلك سنة الأنصار. وقيل: كان ذلك سنة الجميع يمنع امرأة قريبه أن تتزوج ويغصبها نفسها إن شاء. قال الضحاك: كان الرجل إذا مات وترك امرأته أتى حميمه، فألقى ثوبه عليها، فورث نكاحها وكان أحق بها، وكان ذلك عندهم نكاحاً، فإن شاء أمسك حتى تفتدي منه، وقال ابن عباس: كان حميم الميت يلقي ثوبه على امرأته فإن شاء تزوجها بذلك، وإن شاء حبسها حتى تموت، فيرثها فذلك. قوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً} لأنهم يمنعونها من التزويج حتى تموت، فيرثها بذلك إلا أن تذهب إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ثوبه فتكون أحق بنفسها، كذلك حكمهم فيها. وقال زيد بن أسلم: كان الرجل إذا مات في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله وكان يعضلها حتى يتزوجها أو يزوجها من أراد. وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة (المرأة) حتى يطلقها، أو يشترط عليها ألا تنكح إلا من
أراد حتى تفتدي ببعض ما أعطاها، فنهى الله عن ذلك. وقال مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها كان نكاحها بيد ابن زوجها، يعني من غيرها، فإذا ماتت قبل أن تنكح كان ميراثها له، فكان الرجل يعضل امرأة أبيه عن النكاح حتى تموت فيرثها فنهى الله عن ذلك ونسخه. قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ} الآية. أي: تحبسوهن عن النكاح لتأخذوا من أموالهن إذا متن ما كان موتاكم ساقوا لهن من صدقاتهن، قال ذلك ابن عباس والحسن وعكرمة فهو خطاب عند هؤلاء لورثة الميت. وروي عن ابن عباس في معناها أيضاً أنها في مخاطبة الأزواج ألا يحبسوا النساء وهم كارهون لهن ليأخذوا منهن ما دفعوا إليهن. قال قتادة المعنى: لا ينبغي لك أن تحبس امرأتك وأنت كاره لها لتفتدي منك. وقال بعض أهل التفسير نزل صدر الآية في الجاهلية، وآخرها في أمر الإسلام فقوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً} في الجاهلية. وقوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} في الإسلام وهو ما ذكرنا من قول قتادة وما روي عن
ابن عباس. وقال الضحاك: العضل أن يكره الرجل المرأة حتى تفتدي منه قال الله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ}. وقيل: إن المنهي عن العضل هنا أولياء النساء، قاله مجاهد، وقال ابن زيد: كان العضل في قريش بمكة، ينكح الرجل المرأة الشريفة ثم لا توافقه فيفارقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، فيشهد بذلك عليها، فإذا خطبها الخاطب لم تتزوج حتى تعطي الأول، وترضيه فيأذن لها وإلا منعها. وقوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} الآية. سمح للأزواج في المضارة إذا أتين بفاحشة ظاهرة يفتدين ببعض ما أعطوهن قال ذلك الحسن. وقال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة سلَّمَت إليه ما أخذت منه، وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود. وقال أبو قلابة: للرجل أن يضار بالمرأة إذا أتت بفاحشة، ويضيق عليها حتى تختلع منه. وقال ابن عباس: الفاحشة هنا النشوز، إذا نشزت وجاز له أن يأخذ منها
الفدية. وقيل: الفاحشة هو بذاء اللسان على زوجها، والزنى، والنشوز، فله إذا فعلت شيئاً من ذلك أن يأخذ منها الفدية ويضارر بها حتى تفتدي منه، وإذا كانت الفاحشة بالألف واللام فهي الزنا واللواط. قوله: {وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف} الآية. أي: صاحبوهن بالمعروف في المبيت والكلام. وقيل: المعروف إمساكهن بأداء حقوقهن التي لهن عليكم أو تسرحوهن بإحسان. قوله: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ} الآية. {خَيْراً كَثِيراً} أي: في إمساكه {خَيْراً كَثِيراً} أي: في الصبر على إمساك ما تكرهون. فالهاء في " فيه " تعود على الإمساك. قال مجاهد المعنى: ويجعل الله في الكراهة خيراً كثيراً. قال السدي: {وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} أي: الولد. قال ابن عباس: خيراً كثيراً أي: يعطف عليها، ويرزق منها ولداً ويجعل الله في ولدها خيراً كثيراً. فالهاء في (فيه) على قول مجاهد تعود على الكراهة.
20
قوله: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ} الآية. نهى الله المؤمنين أن يأخذوا من أزواجهم شيئاً، وإذا أرادوا طلاقهن ليستبدلوا بهن غيرهن. والقنطار: المال الكثير وفي تحديد عدده اختلاف قد ذكرناه في آل عمران، والبهتان: الباطل: {أَتَأْخُذُونَهُ} كله على طريق التحذير والتوبيخ ألا يؤخذ منهن شيء، وإن كثر ما عندهن، وهو تحذير لمن فعله ومعنى {أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ} الملامسة والمباشرة أي: تلامستم وتباشرتم، وأصل الإفضاء في اللغة: المباشرة والمخاطبة، يقال: القوم فوضى فضا أي: مختلطون لا أمير لهم، فالإفضاء في هذه المواضع عند أكثر العلماء
22
الجماع في الفرج. {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً}: هو الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان، وهذا قول عامة الفقهاء. وكان في عقد النكاح قديماً أن يقال للناكح: " الله عليك " أي: " لتمسك بالمعروف أو تسرح بإحسان ". وقال ابن زيد: رخص عليهم بعد ذلك فقال: {إِلاَّ [أَن] يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ} [البقرة: 229] وهذه ناسخة لتلك في قوله. وأكثر الناس على أنها محكمة فليس له أن يأخذ منها إذا أراد أن يستبدل بغيرها شيئاً مما أعطاها، وأجاز له في البقرة أن يأخذ منها إذا أرادت هي طلاقها لتفتدي منه إذا كان كارهاً للطلاق، وليس في حكم إحدى الآيتين نفي للأخرى فكلاهما محكم، تلك يجوز أن يأخذ منها لأنها مريدة للطلاق وهو كاره، وهذه لا يجوز أن يأخذ منها لأنه هو المريد للطلاق ليستبدل غيرها. {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} الآية.
قوله: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} إنما دخلت كان عند المبرد هاهنا زائدة، والمعنى أنه كان فاحشة على كل حال ويكون. وقال الزجاج: لا يجوز زيادة كان هاهنا لأنها قد عملت، ولكنها غير جائزة، ومعناها أنه كان مستقبحاً عندهم، والجاهلية يسمونه فاحشة فخوطبوا بما كان عندهم. وقوله: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} هو أن الأبناء كانوا في الجاهلية ينكحون نساء آبائهم وهو من الاستثناء المنقطع، المعنى لكن ما سلف دعوة فإنه مغفور، وقيل المعنى {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}. فإنكم لا تؤاخذون به. قال ابن بكير: نهى الله D أن يفعلوا (ما كان) أهل الجاهلية يفعلونه كان الرجل يخلف أباه على زوجته إذا توفي الأب، وقوله: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} معناه لكن ما قد سلف في الجاهلية و {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً} فهو ذم لما كانوا عليه. ذم الله تعالى ما كانوا عليه في آخر الآية، ونهى عنه في أولها هذا معنى قول ابن بكير، ف، " ما " بمعنى من في هذه الأقوال، والمعنى: ولا تتزوجوا النساء اللواتي تزوجهن آباءكم، فحرم الله أن يتزوج الرجل المرأة التي تزوجها أبوه دخل بها أو لم يدخل، لأنه إذا عقد عليها فهو نكاح، وحرم أن يتزوج الرجل زوجة ابنه مثل قوله
تعالى: {وحلائل أَبْنَائِكُمُ} دخل الابن بها، أو لم يدخل تحرم على الأب بالعقد. وقيل: معنى الآية: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ}: كنكاح آبائكم الفاسد الذي لا يجوز مثله في الإسلام، لكن ما سلف فإنه معفو عنه. والمعنى عند الطبري، ولا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم، إلا ما قد سلف في الجاهلية، ومضى بـ {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً}، فمن متعلقة عنده بتنكحوا {مَا نَكَحَ} بمعنى استثناء منقطع، وهو قول أهل التأويل فيما ذكره الطبري لأن " ما " لا تكون لمن يعقل، فقال: ولو كان المعنى لا تنكح النساء اللواتي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع (ما) من وهو معنى قوله الزجاج، فالنهي إنما وقع على ألا ينكحوا مثل (نكاح) آبائهم، ولم يقع على ألا ينكحوا حلائل الأبناء، والقول الأول يكون النهي إنما وقع على ألا ينكحوا حلائل الأبناء (فتكون)، " ما " لمن يعقل. وقيل: المعنى {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} من فعلكم ذلك، فإنه كان فاحشة ومقتاً، فلا
تفعلوه، فحرّم الله نكاح ما نكحه الآباء ومثله {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} أي ما سلف من فعلكم، فإنه مغفور لكم، فلا تفعلوه الآن، فهو حرام. وقوله: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً} أي لم يزل كذلك. وقيل: كان زائدة والمعنى إنه فاحشة. وعقد الأب على الابن، وكذلك عقد الابن يحرم على الأب بإجماع. ومعنى: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} أنهم كانوا يفعلونه، ويعلمون قبحه. ومعنى {وَمَقْتاً} هو أنهم كانوا إذا ولد للرجل ولد من امرأة أبيه سمي ولد مقت، وأولاده المقت معروفون عند أهل النسب يقولون: فلان مقتي النسب، والمقت أشد البغض. {وَسَآءَ سَبِيلاً} أي: ساء فعلهم طريقاً، ونصبه على التفسير والبيان.
23
قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم} الآية. حرم عليكم نكاح أمهاتكم، حرم الله تعالى في هذه الآية من النسب سبعاً، ومن الصهر سبعاً: فالتي من النسب: الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت، والتي من الصهر: الأم من الرضاعة، والأخت من الرضاعة، وأم الزوجة، وبنت الزوجة المدخول بها، وامرأة الابن من نسب، أو رضاعة، والجمع بين الأختين، والسابعة قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء} والعمات وإن بعدن مثل العمات وإن قربن، وبنات الأخ والأخت وإن بعدن مثل من قرب منهن. واختلف في أمهات النساء اللوتي لم يدخل بهن إذا ماتت البنت قبل الدخول. يروى عن علي Bهـ: جواز نكاحها وعن زيد بن ثابت مثله، جعلها كالربيبة تحرم إذا دخل بأمها، ولا تحرم إذا لم يدخل بالأم وإن كان عقد. وقال جماعة من العلماء والصحابة والتابعين غير ما ذكرنا أنها تحرم، وإن لم يدخل بالبنت، وليس مثل الربيبة لأنها قد نص عليها أنها لا تحرم إلا بالدخول بالأم، فنعتها بقوله: {الاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}. فهو نعت للنساء اللاتي خفضن " بمن " ولا يحسن أن يكون نعتاً للنساء المخفوضات بالإضافة، لاختلاف العاملين، فقد أجازه الكوفيون
وهو تأويل على قول علي وزيد بن ثابت إذ جعل أم الزوجة لا تحرم إلا بالدخول بالبنت. وقد بينا هذه المسائل مفردة في غير هذا الكتاب وفيما أشرنا إليه في هذا كفاية. وكل امرأتين لو كانت إحداهما ذكراً والأخرى (أنثى) ولا يحل أحدهما لصاحبه، فلا يجوز الجمع بينهما، هذا أصل جامع في تحريم الجمع بين امرأتين، ومعنى الدخول هنا الجماع، وقيل الدخول: هو التجرد للفعل، وإن لم يفعل. وقال الزهري في الرجل يلمس أو يقبل أو يباشر ينهى عن ابنتها. (وحلائل الأبناء) أزواجهم، وسميت حليلة لأنها تحل معه في فراش واحد، وكل العلماء أجمع على أن حليلة ابن الرجل تحرم عليه بعقد ولده عليها، وإن لم يدخل. ومعنى قوله: {الذين مِنْ أصلابكم} أي: الذين ولدتموهم دون الذين تبنيتموهم، فإما حلائل الأبناء من الرضاع فبمنزلة حلائل الأبناء من الأصلاب لأن الله تعالى قد جعل الأختين من الرضاعة كالأخت من النسب، والأم من الرضاعة
كالأم من النسب، وقال النبي A: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب "، فزوجة الابن من الرضاعة تحرم على الأب بالعقد كزوجة الابن من البنت قال عطاء: كنا نتحدث أنها نزلت في النبي A حين نكح امرأة زيد بن حارثة، وقال (كان) النبي A تبناه، فتكلم المشركون في ذلك فنزلت {وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم} [أي] لا الذين تبنيتموهم، ونزلت {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} [الأحزاب: 4]، ونزلت {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40]. وإذا اشترى الرجل الجارية فباشرها، أو عشرها، أو قبل، ولم يجامع حرمت على ابنه، وعلى أبيه في قول مالك، وأكثر العلماء، وابن الابن وإن سفل بمنزلة الابن في هذا كله والجد بمنزلة الأب وإن علا في هذا كله فاعلمه، والوطء في النكاح الفاسد
حكمه في التحريم كحكم النكاح الصحيح يحرم ما يحرم الصحيح، هذا مذهب مالك زالشافعي وسفيان، وغيرهم من الفقهاء، والجمع بين الأختين في النكاح حرام بالنص فأما بالملك فإن عثمان قال: أحلتهما آية وحرمتهما أخرى أما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك. قوله: {وَرَبَائِبُكُمُ الاتي فِي حُجُورِكُمْ} كل العلماء على تحريم الربيبة التي دخل بأمها كانت في حجر الزوج أو لم تكن في حجره إلا ما روي عن علي Bهـ: أنه أجاز نكاح الربيبة بعد موت أمها إذا لم تكن في حجر الزوج اتباعاً لظاهر الآية لأن الله قال: {الاتي فِي حُجُورِكُمْ} أي في بيوتكم. وسئل عمر عن المرأة وابنتها من ملك اليمين هل يطأ إحداهما بعد الأخرى، فنهى عن ذلك وحرمه. وقال علي Bهـ: يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد. وكره ابن مسعود Bهـ الجمع بينهما من ملك اليمين فقال له رجل: يقول الله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم} [النساء: 3] فقال له ابن مسعود: وبعيرك مما ملكت يمينك.
وأكثر العلماء على كراهة ذلك، ولم يحرموه. لكن من أراد وطأ الأخرى (فليخرج الأولى من ملكه بما يحرم على نفسه فرجها، بعتق أو بيع أو هبة، ويطأ الأخرى). هذا قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن علي Bهـ، وفعله ابن عمر Bهما، وقال الحسن والأوزاعي، وقال قتادة: إذا أراد أن يطأ الأخرى اعتزل الأولى، فإذا نفقت عدتها وطئ الثانية، ويضمر في نفسه ألا يقرب الأولى. وقال النخعي: إذا كانت عنده أختان فلا يقرب واحدة منهما حتى يخرج الأولى عن ملكه، وقال الحكم وحماد. وقوله: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} أي: ما مضى في الزمن الأول فإنه كان حلالاً، وروي أن يعقوب عليه السلام تزوج أختين أم يوسف وأم يهودا، وكان ذلك لجميع المم فيما ذكر [فحر] م الله D على هذه الأمة رحمة منه لهم لما يلحق النساء من الغيرة، فيوجب التقاطع والعداوة بين الأختين. ونهى النبي A أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، وقال: " يحرم من الرضاع
24
ما يحرم من النسب " فإذا أرضعت المرأة غلاماً بم يتزوج شيئاً من أولادها إلا ما ولدت قبل الرضاع لا بعده، وجائز أن يتزوج إخوته من أولاد المرأة إن شاءوا. وكذلك إن أرضعته جارية لم يحل لها أن تتزوج أحداً من أولادها، ولأخواتها أن يتزوجن أولاد المرأة المرضعة إن شاؤوا. وكره الحسن وعكرمة أن يتزوج الرجل (امرأة رجل وابنته من غير المرأة ويجمع بينهما، وكل الفقهاء على جوازه. وكره طاوس أن ينكح الرجل) المرأة وينكح ابنه ابنتها إذا كانت ولدتها بعد وطء الأب لها (وكل الفقهاء على جوازه، فإن كانت ولدتها قبل وطء الأب لها) فلم يكرهه أحد. قوله: {والمحصنات مِنَ النسآء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم} الآية.
قال مالك في قوله {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم}: هن السبايا ذوات الأزواج، أي: وطؤهن جائز لكم يعني لهن أزواج بأرض الشرك أحلهن الله لنا، يعني بعد الاستبراء والمحصنات هنا ذوات الأزواج وقوله {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم} يريد به إلا ما ملكت من ذوات الأزواج التي فرق بينهن وبين أزواجهن السباء. قال ابن عباس: وطء كل ذات زوج زنا إلا ما سبي، وكذلك قال ابن زيد وابو قلابة ومكحول والزهري. فالمعنى: حرمت عليكم النساء اللواتي أحصنهن الأزواج إلا ما ملكت أَيْمانكم من ذوات الأزواج السبايا فإنه حلال لكم، ونزل ذلك في سبي (أصاب) المسلمون بأوطاس لهن أزواج فكرهوا أن يقعوا عليه ولهن أزواج، فسألوا النبي A عن ذلك فنزلت {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم} من السبايا ولهن أزواج في بلد الشرك، وإنهنَّ حلال لكم يعني: بعد الاستبراء. وقال آخرون: المعنى في {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم} أي: وطئهن جائز لكم يعني بعد الاستبراء، إن الله حرم نكاح المحصنات بالأزواج، واستثنى ملك اليمين، وهي المملوكة، ذوات الزوج يبيعها مولاها سيكون بيعها طلاقها
وتحل للمشتري. قال ابن عباس وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله: بيع المملوكة طلاقها. وقال أبو العالية " والمحصنات هنا العفائف التي أحصنهن عفافهن، وهو مردود إلى أول السورة، والمعنى عنده {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3] ثم حرم ما حرم من النسب والصهر، ثم قال: (والمحصنات من النساء) أي: إنهن حرام إلا بصداق وولي وشهود، ويجب على هذا القول نصب المحصنات لأنه عطف على مَثْنَى وما بعده. وقال ابن جبير وعطاء: {والمحصنات مِنَ النسآء} حرم الله المحصنات فوق الأربع مع تحريم القرابة المذكورة. وقيل المعنى: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم} بنكاح أو ملك، فحرم الله ذوات الأزواج من النساء ما حرم قبله من ذوي الأرحام، واستثنى ما ملكت اليمين بعقد نكاح صحيح أو بثمن، قال ذلك مجاهد، وقيل: المحصنات: الحرائر، وقال أبو سعيد الخدري Bهـ: إن الآية نزلت في نساء مهاجرات قدمن المدينة، فتزوجهن بعض
المسلمين، ثم قدم أزواجهن مهاجرين، فنُهِيَ المسلمون عن نكاحهن. وروي أن ابن عباس كان يتوقف في تفسير هذه الآية، قال ابن جبير: كان ابن عباس لا يعلمها. وروي عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إ'ليه أكباد الإبل يعني {والمحصنات مِنَ النسآء}. والإحصان: يكون بالحرية كقوله {والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} [المائدة: 5] يريد الحرائر من أهل الكتاب ويكون بالإسلام كقوله: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة} [النساء: 25] على قراءة من فتح الهمزة يريد أسلمن، ويكون بالعفة كقوله: {والذين يَرْمُونَ المحصنات} [النور: 4]، يريد العفائف، ويكون بالزوج. والفائدة في قوله: {مِنَ النسآء} أن المحصنات يقع على معنى: والأنفس المحصنات فيكون للرجال والنساء، فبين أنه للنساء بقوله {مِنَ النسآء} دليل ذلك أنه قال: {والذين يَرْمُونَ المحصنات} فلولا أنه يراد به الأنفس المحصنات لم يحد من قذف رجلاً بالنص على ما ذكرنا.
قوله {كتاب الله عَلَيْكُمْ} نصب: كتاب (الله) عليكم: المصدر عند سيبويه، لأنه لما قال {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ} على أنه كتب ذلك، فالمعنى كتب الله عليكم ذلك كتاباً، وقيل نصبه على الإغراء أي: الزموا كتاب الله، وهذا قول ضعيف مردود، وهو قول الكوفيين لأن عليكم هو الذي يقوم مقام الفعل في الإغراء، وهو لا ينصرف ولا يجوز تقديم المفعول عليه عند أحد، لا يجوز زيد عليك، ونصبه عند بعض الطوفيين على الحال كأنه قال: كتاب الله عليكم. ومعنى {كتاب الله عَلَيْكُمْ} قال عطاء والنخعي هو الأربع لا يزيد عليهن، وقاله السدي، وقال ابن زيد: معناه أمر الله عليكم، يريد ما حرم الله من هؤلاء وما أحل لهم، وقرأ {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذلكم} الآية. ومن فتح الهمزة، فلقرب اسم الله تعالى من الفعل، فأسنده إليه، فتقديره كتاب الله ذلك عليكم، وأحل لكم. ومن ضم فإنه أجراه على أول الآية، لأنه جرى على ترك
تسمية الفاعل وهو قوله {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ} فأجرى التحليل على لفظ التحريم لتسابق الألفاظ ولئلا تختلف، فكأنه حرم عليكم كذا وأحل لكم كذا، ومعنى {مَّا وَرَاءَ ذلكم} ما دون الخمس {أَن تَبْتَغُواْ بأموالكم}، على وجه النكاح، وقال السدي: ما دون الأربع وقال عطاء: {مَّا وَرَاءَ ذلكم} ما وراء القرابة التي قد حرمت عليكم أن تبتغوا بأموالكم: المحصنات من الحرائر الأربع والمماليك. وقال قتادة {مَّا وَرَاءَ ذلكم}؛ ما ملكت يمينكم " وقال الطبري: بين الله لنا المحرمات بالنسب والصهر، ثم أخبرنا أنه قد أحل لنا ما وراء هؤلاء المحرمات في هاتين الآيتين بأن نبتغيهما بأموالنا نكاحاً، وملك يمين لا سفاحاً، وقد أعلمنا أن ما زاد على أربع حرام، وما كان من الإماء ذوات الأزواج حرام ما لم ينتقل الملك. قوله: {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين} معناه: أعفَّاء غير مزانين والسفاح: الزنا، والإحصان هنا العفاف، وقال مجاهد: محصنين متناكحين.
قوله: {فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً}: يقول: فالشيء الذي استمتعتم به من النساء فأعطوهنّ أجورهنّ أي صدقاتهم فريضة معلومة، وقال ابن عباس: معناها إذا نكح الرجل المرأة مرة واحدة فقد وجب الصداق، فالمعنى فأي شيء استمتعتم به، وإن قلّ فآتوهنّ أجورهن أي صدقاتهنّ والاستمتاع النكاح، وقاله: الحسن ومجاهد. وقال السدي: وغير الاستمتاع هنا أن يتزوّجها إلى أجلٍ مسمّى بإذن وليّها، ويشهد شاهدين، فإذا تمّ الأجل أمر أن يدفع إليها ما شرط لها، وليس له عليها سبيل وتعتد، ولا ميراث بينهما. وسئل ابن عباس عن متعة النساء فقال: أما تقرؤون فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى فقيل له لو قرأناها هكذا لكان الأمر على ذلك. فقال: فإنها كذلك. وفي قراءة أبي زيادة: إلى أجل مسمى، وكذلك ابن جبير. وقالت عائشة Bها كانت المتعة حلالاً، ثم نسخ الله ذلك بالقرآن، وروي ذلك
عن ابن عباس وهو قول ابن المسيب والقاسم وسالم وعروة. قال ابن عباس: نسخها {يا أيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]. وقال ابن المسيب: نسخت المتعة بآية الميراث يعني: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم} [النساء: 12] لأن المتعة كانت لا ميراث بها. وروي عن عائشة Bها قالت حرم الله المتعة بقوله {والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 5 والمعارج: 29]. وكانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة إلى أجل معلوم، وشرط (ألا) طلاق بينهما، ولا ميراث ولا عدة. [وقال أبو عبيدة: نسخت المتعة بالقرآن والسنة لأن النبي A حرم المتعة يوم الفتح وغيره.
ومن قال: إن المعنى إذا تزوجتم المرأة، فنكحتموها ولو مرة واحدة] فأعطوها صداقها، فهي عنده محكمة لا نسخ فيه، والتقدير: فما استمتعتم به من الدخول بالمرأة فلها الصداق كاملاً فأعطوها إياه، ودل على ذلك قوله {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تراضيتم بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة} أي: إن وهبت لك النصف، أو ما كان فلا جناح، وإن وهبت لها النصف، فأعطيتها الكل، ولم تدخل بها فلا جناج. وقيل: المعنى: إن أدركتم عسرة بعد أن فرضتم لنسائكم أجورهن {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تراضيتم بِهِ}. وقيل المعنى: لا جناح عليكم إذا تم الأجل الذي اشترطتم في الاستمتاع أن يزدنكم في الأجل، وتزيدهن في الأجر قبل أن يستبرئن أرحامهن، وهو منسوخ. وقال السدي: إن شاء أرضاها بعد الفريضة بأجرة، ثم تقيم معه إلى الوقت الذي يتراضون أيضاً عليه، وهو منسوخ. وقيل: المعنى: لا جناح عليكم فيما وصعه نساؤكم عنكم من صدقاتهن بعد الفريضة.
25
قال ابن زيد: إن وضعت لكم من صداقها فهو سائغ فالمعنى على هذا لا إثم على الرجل أن تضع المرأة عليه مهرها، أو يهب الرجل للمرأة التي لم يدخل بها نصف الصداق، فيدفعه إليها كاملاً. قال الأخفش {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم} تمام. وقال غيره {كتاب الله عَلَيْكُمْ} التمام، وهو أحسن لأن العامل فيه ما قبله من المعنى الذي دل عليه كتاب، وإنما يصح قول الأخفش إذا نصبت {كتاب الله} على الإغراء، وهو بعيد. (وفريضة) مصدر كأنه قال: فرض ذلك عليكم فريضة وهو التمام. قوله {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} الآية. قرأ الكسائي المحصنات في كل القرآن - بكسر الصاد، إلا قوله {والمحصنات مِنَ النسآء} قال: لأنه أراد به ذوات الأزواج من السبايا أحلهن الله بعد استبرائهن بالحيض، فالأزواج أحصنوهن، قال: وغير ذلك يكون المراد به غير التزوج، إما إحصان إسلام، أو عفة أو بلوغ، فتكون هي التي أحصنت نفسها بإسلامها أو بعفتها أو ببلوغها، ولا يحتمل عنده {والمحصنات مِنَ النسآء} إلا إحصان
التزويج، وهو مذهب ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وابن المسيب وغيرهم. ومن فتح الصاد في جميع ذلك قال: إن الإسلام يحصنهن كما يحصنهن التزويج، وكذلك العفاف والبلوغ والحرية وشبهه. وحكى أصحاب أبي عمرو (أن العرب) لا تقول: هذا قاذف محصِنة، ولكن تفتح، ومن ضم " أحصن " أجراه على محصنات جعلهن مفعولات في الموضعين، فأما من فتح الهمزة، فحجته أن التفسير ورد على إضافة الإحصان إليهن، ولأن من قرأ بضم الهمزة يلزمه في الحكم ألا يوجب الحد على المملوكة إلا إذا كانت ذات زوج دون الأيم، وفي إجماع الجميع على إيجاب الحد (على) المملوكة الأيم دليل واضح على فتح الهمزة بمعنى: فإذا أحصن أي: أحصن أنفسهن بالعفاف أو بالإسلام. والاختيار عند أهل اللغة: الضم لأنه قد تقدم ذكر إسلامهن في قوله {أَن يَنكِحَ المحصنات} فدل على أن الثاني غير الإسلام فيكون أحصن بمعنى تزوجن، فالمعنى فإذا أحصنهن الأزواج، ويكون حدها إن زنت بالكتاب، وحَدَّ الأيم بالسنة،
ومعنى الآية: أن الطَوْل: السعة في المال عند أكثر أهل التفسير وقال ابن زيد: الطَّول أن يجد ما ينكح به حرة. وقال بعضهم: الطول الهوى قاله ربيعة، إذا هوى أمَتَه، وخشي على نفسه، وهو يقدر على نكاح الحرة فأرى أن ينكح الأمة. وقال جابر: لا يتزوج الحر الأمة إلا أن يخشى على نفسه العنت، فليتزوجها. وقال عطاء: لا يفعل ذو الطول إلا أن يخشى على نفسه البغي. وأكثر الناس على أن ذا الطول لا يتزوج الأمة وإن خشي على نفسه لأن وجود الطول إلى الحرة فيه قضاء شهوة، ولذة وليس هو كالمضطر إلى الميتة، والله D قد حرم نكاح الأمة إلا لمن (لم) يجد طولاً إلى الحرة، فلا يخرج عن التحريم فيخلص
لقضاء لذة، فمعناها: وإن لم يقدر أن ينكح الحرائر المؤمنات لقلة ما بيده، فلينكح الأمة المؤمنة إذا خاف العنت، فيتعفف بها ويكفيه أهلها مؤنتها. قال الشافعي وغيره: لا ينكح الأمة حتى يعدم ما يتزوج به الحرة ويخاف الزنا، فإن لم يجتمع الأمران عليه فلا يتزوج الأمة. وإذا نكح الأمة على الحرة فإن مالكاً قال: لا يفعل فإن فعل جاز النكاح، وكانت الحرة مخيرة إن شاءت أقامت وإن شاءت اختارت نفسها. وقال الشافعي: النكاح باطل. وقال الزهري: يفرق بينه وبين الأمة، ويعاقب. وقال عطاء: لا ينكح المة على الحرة إلا بأمرها، فإن اجتمعا كان للحرة ثلثا النفقة. وكان مجاهد يقول: مما وسع الله به على هذه الأُمَة نكاح الأَمَة، واليهودية والنصرانية وإن كان هو شراً، يعني إذا خاف العنت على نفسه في الأمَّة لهوى نزل به. وقال مسروق الشعبي: نكاح الأمة لا يحل إلا لمضطر كالميتة، فإذا تزوج حرة على أمة حرمت عليه الأمة كالرجل يجد طعاماً ومعه ميتة. والمحصنات هنا العفائف (وقيل الحرائر) وهو الأشبه لذكر المماليك
بعدهن. والفتيات جمع فتاة وهن الشواب. وقوله {مِّن فتياتكم المؤمنات} يدل على أن تحريم نكاح غلإماء المشركات واجب وهو محرم عند مالك وجماعة من العلماء. قال أهل العراق: ذلك على الإرشاد، وليس بمحرم، وإنما هو ندب. فأما نكاح الحرة على الأمة فهو جائز عند ابن المسيب وعطاء والشافعي، وأبي ثور وأصحاب الرأي. وروي عن علي Bهـ جوازه، وقال: يفرض للحرة يومان وللأمة يوم. وقال مالك والزهري: للحرة الخيار إذا علمت بذلك إن شاءت أقامت، وإن شاءت فارقته. وقال ابن عباس: نكاح الحرة طلاق الأمة، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال النخعي: يفارق الأمة إذا تزوج الحرة أن يكون له من الأمة ولد، فلا يفارقها،
ويكون للحرة يومان وللأمة يوم. وقال مالك: إذا خشي على نفسه العنت يتزوج من الإماء حتى يبلغ أربعاً، وهو قوله أصحاب الرأي. وروي عن الزهري أنه قال: يتزوج أربعاً، ولم يذكر عنتاً. وروي عن ابن عباس أنه لا يتزوج إلا واحدة، وبه قال قتادة والشافعي. وقال أحمد: يتزوج من الإماء اثنتين لا غير. وقوله: {بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ} أي: أنتم بنو آدم. وقيل: معناه أنتم مؤمنون كلكم إخوة. وقيل: نزل ذلك لما كانت العرب تعير ابن الأمة وتسميه هجيناً. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات}
ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات " فلينكح بعضكم من بعض " هذا فتاة هذا (وهذا) فتاة هذا وعلى هذا القول مرفوعون بفعلهم في التأويل لأن المعنى {مَّا مَلَكَتْ أيمانكم} فلينكح مما ملكت فرد بعضكم على ذلك. وقوله {والله أَعْلَمُ بإيمانكم}، أي: يعلم من آمن منكم وصدق بما جاء من عند الله D ( ورسوله) A. وقوله: {فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} أي تزوجوهن بإذن مواليهن، ورضاهن {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي: أعطوهن مهورهن بالمعروف على ما تراضيتم به مما أحل الله لكم أن تجعلوه مهوراً {محصنات غَيْرَ مسافحات} أي: عفائف غير زناة. {وَلاَ متخذات أَخْدَانٍ} وليس ممن لهن أصدقاء على السفاح لأنهن في الجاهلية كان لهن الخليل، والصديق يحبسن أنفسهن للفجور عليه سراً، وكانوا في الجاهلية
يحرمون الزنا ما ظهر منه، ويسمحون فيما أسر، يقولون: ما ظهر منه لؤم، وما خفي منه فلا بأس به، فأنزل الله {وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 152]. وقال السدي وغيره: ولا مسافحات معلنات بالزنا. قوله: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} أي: صرن ممنوعات الفروج بالأزواج وهذا المعنى يدل على الضم في الهمزة. وقيل: أحصن: أسلمن قاله السدي وهذا المعى يدل على القراءة بفتح الهمزة. وقال سالم والقاسم: إحصانها عفافها، وإسلامها. وأكثر الناس على أن المعنى فإذا تزوجن. {فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات} معنى ذلك: إذا أتت الأمة بزنى بعدما أحصنت بالزوج فعليها {نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات} أي الحرائر الأبكار. وقيل: ذوات الإسلام التي أحصنهن دينهن غير محصنات بأزواج. وقوله
{مِنَ العذاب} أي: من الحد إذا زنيت. وسميت البكر محصنة لأنه يكون بها فيما يستقبل كما يقال: ضحته قبل أن يضحي بها، وقيل: المحصنات هنا المتزوجات، فعلى الإماء المتزوجات نصف حد الحرة وهو خمسون، والرجم لا يتبعض لأن المرجوم قد يموت بحجر واحد، وربما لم يمت بألف حجر، فنصف الرجم متعذر حده، فلا بد من الرجوع إلى نصف الجلد. وق قال النبي A: " إذا زنت الأمة فاجلدوها " وإحصان الأمة إسلامها، وقد يجوز أن يكون معنى قوله {نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات} يعني من الأبكار لأن إحصان الحرة قد يكون العفاف، وقد يكون الإسلام، وقد يكون التزويج، ولا يحصن الأمة لا تزويج ولا غيره إلا: الإسلام. و {العذاب} الحد غير الرجم، قال ابن عباس: على الأمة إذا زنت وهي مع حر نصف حد الحرة، وهو خمسون والمعنى فلازم لهن نصف حد الحرة. قوله {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ} معناه ذلك الذي أبيح من نكاح الأمة لمن خشي العنت، وهو الزنا. وقيل: هو الإثم. وقيل: العقوبة.
26
وقيل: الهلاك. وأصل العنت في اللغة المشقة يقال: أكمة عنوت إذا كانت شاقة، فهذا يدل على جواز نكاح الإماء إنما يكون باجتماع الشرطين المذكورين، وهما: عدم الطول، وخوف العنت وروي عن علي Bهـ أنه قال: لا ينبغي للحر أن يتزوج أمة وهو يجد الطول إلى الحرة، فإن فعل فرق بينهما وعزر. قوله: {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي: عن نكاح الإماء خير لكم {والله غَفُورٌ} أي: غفور لكم عن نكاحهن على ما نصه لكم، وأذن لكم فيه قال ذلك السدي وابن عباس وطاوس وغيرهم. قوله: {رَّحِيمٌ} أي: رحيم بكم إذ أذن لكم في نكاحهن عند الاقتدار وعدم الطول للحرة. قوله {يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} الآية. المعنى يريد الله أن يبين لكم حلاله من حرامه، ويبين لكم طرق الإيمان من قبلكم لتتبعوه، {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} أي: يرجع بكم إلى طاعته {والله عَلِيمٌ} عليم بمصلحة عباده حكيم في تدبيره فيهم. والمعنى عند النحويين يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم ومثله
27
{وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشورى: 13] أي: أمرت بهذا لأعدل بينكم، وفي هذه الآية عند أهل النظر دليل على أن ما حرم علينا قد حرم على من قبلنا لقوله {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ}، وقيل: المعنى سنن من قبلكم من المؤمنين خاصة. قوله {والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} الآية. والمعنى والله يريد أن يرجع بكم إلى طاعته ليغفر لكم ما سلف لكم من ذنوبكم في جاهليتكم من نكاحكم حلائل آبائكم وأبنائكم، وغير ذلك مما ركبتموه {وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات أَن تَمِيلُواْ} أي: ترجعوا عن الحق وهو الزنا. قال مجاهد: يريدون أن تزنوا مثلهم. ومعنى الشهوات: شهوات الدنيا ولذاتها. وقيل: هم اليهود والنصارى قاله السدي، وقيل: هم اليهود خاصة يريدون أن تنكحوا الأخوات من الأب مثلهم لأنهم يحلون ذلك.
28
وقال ابن زيد: هم طلاب الباطل، وأهل الزنا. قوله {يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} الآية. أي: يريد أن يوسع عليكم في نكاح الفتيات المؤمنات عند عدم الطول، وخوف العنت: {وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً} أي لا يستطيع الصبر عن شهوة النساء. وقرأ ابن عباس: وخلَق الإنسانَ بالفتح أي: وخلق الله الإنسان شعيفاً، يعني ضعيفاً في أمر النساء لا يقدر على الصبر عن الجماع. قال أبو محمد Bهـ: وتخفيف الله (تعالى) عن عباده أعظم من أن يحصى، لم يكلفهم ما ليس في وسعهم ولا ما يطيقون، وضاعف حسناتهم بعشر أمثالها، إلى سبعمائة مثل " وإذا همَّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة ضعف، وإذا همَّ بسيئة ولم يعملها لم يكتب عليه شيء وتكتب له حسنة، وإن عملها كتبت سيئة واحدة فإن استغفر منها محيت عنه " وفضل الله
29
ورأفته بخلقه أكثر من أن يحصى. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تأكلوا أموالكم بَيْنَكُمْ} الآية. {إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة} الأكثر في كلام العرب أن تستعمل إلا أن يكون في الاستثناء لغير ضمير فيها على معنى إلا يحدث أو يقع وإن في موضع نصب استثناء ليس من الأول واختار أبو عبيدة النصب على إضمار الأموال في تكون، وغير مختار عند أهل اللغة لأن أكثر كلام العرب في هذا لا يضمرون فيها شيئاً. ومعنى الآية إنهم نهوا عن أكل الأموال بالربا، والقمار والظلم والبخس {إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة} فليربح ما شاء فيها قال ذلك السدي، وغيره وهو اختيار الطبري فهي محكمة. وقيل: نزلت في ألا يأكل أحد متاع أحد إلا بشراء، أو بقيود، ثم نسخ ذلك بقوله: {لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ} [النور: 61] الآية.
قال ذلك الحسن وعكرمة وغيرهما. قال الطبري: في هذه الآية دليل على فساد قوله من ينكر طلب الأقوات والتجارات، والصناعات من المتصوفة الجهلة لأنه حرم أكل الأموال بالباطل، وأباح أكلها بالتجارات عن تراض من البائع والمشتري، ومعنى {عَن تَرَاضٍ} هو الخيار فيما تبايعا فيه ما لم يفترقا من مجلسهما الذي تبايعا فيه، وهو قول الشافعي. وقيل: التراضي هو الرضى بعقد البيع والشراء، فإذا تراضيا فقد تم البيع افترقا أو لم يفترقا، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. وقال القتبي {عَن تَرَاضٍ} [عن] موافقة منكم لما أحله الله تعالى وتورع عما
30
حرمه من القمار والربا والبيوع الفاسدة. وقيل: {عَن تَرَاضٍ} عن رضى من البائع والمشتري. قوله: {وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ} أي: لا يقتل بعضكم بعضاً، وهو معنى قول النبي A " لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ". وقيل معناه: لا تتجروا في بلاد العدو فتغدروا بأنفسكم. وقرأ الحسن " ولا تقتّلوا " بالتشديد على التكثير. {إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}، أي: رحمكم الله بأن حرم دماءكم، بعضكم على بعض. قوله {وَمَن يَفْعَلْ ذلك عُدْوَاناً} الآية. المعنى: ومن يقتل أخاه المؤمن اعتداء وظلماً {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً}. وقيل: المعنى ومن يفعل ما قد حرم الله عليه مما ذكر في أول السورة إلى {وَمَن يَفْعَلْ ذلك عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً}.
31
وقيل: المعنى من يأكل مال أخيه بالباطل {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً}. والعدوان المجاوزة للشيء {نُصْلِيهِ} نورده ناراً فيصلاها. قوله: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} الآية. الكبائر هي: من أول السورة إلى ثلاثين آية منها في قول جماعة من العلماء. وقال علي Bهـ على المنبر في الكوفة: والكبائر سبع فسئل عنها، فقال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، يريد أن يرجع الرجل أعرابياً بعدما هاجر إلى الله (تعالى) ورسوله. وقيل: الكبائر منصوصة في كتاب الله D على ما روي عن علي Bهـ وهي سبع قوله: {وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء} [الحج: 31] وقوله: {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً} [النساء: 10] وقوله: {الذين يَأْكُلُونَ الرباوا لاَ يَقُومُونَ} [البقرة: 275].
وقوله: {إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات المؤمنات} [النور: 23]. وقوله: {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار} قال فيمن ولي {فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله} [الأنفال: 16] وقوله: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً} [النساء: 92]. وقوله: {إِنَّ الذين ارتدوا على أَدْبَارِهِمْ} [محمد: 25]. وقال عطاء: الكبائر سبع وهي: قتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ورمي المحصنات، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وروي أن ابن عمر قال: تسع زاد على ما قال عطاء: السحر، والإلحاد في البيت الحرام. وقال ابن مسعود: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، قال الله D: { وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء} [الحج: 31]. وقال: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون} [الحجر: 56] وقال: {لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون} [يوسف: 87] وقال {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون} [الأعراف: 99].
وقال ابن عباس: كل ما نهى الله عنه فهو (كبيرة)، وروي عنه أنه قيل له: أسبع هي، قال: هي إلى السبعين أقرب. وأنه قال هي إلى سبع مائة أقرب. وقيل: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار، وقاله عمر Bهـ وروي عن ابن عباس أنه قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو عذاب وهذا قوله جامع. وقال الحسن: الكبائر كل ذنب توعد الله عليه بالنار في كتابه: كالشرك، وهو أكبر الكبائر، وقتل النفس، وأكل الربا، والزنا، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وقذف المحصنات، وشهادة الزور، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والإدمان على الخمخر وشبهه. وقد يكون الذنب صغيراً فإذا أصر عليه صار كبيراً بالإصرار عليه، وترك التوبة، والإقلاع عنه، فالإصرار على الذنب ذنب عظيم. (وقيل: الكبائر كل ما لا يقبل معه عمل، نحو الشرك بالله سبحانه، وقيل الأولاد، والسحر، والكفر برسول الله عليه السلام وبآبائه، وشبهه). وقال زيد بن أسلم: كل ذنب يصلح معه عمل فليس بكبيرة والله يغفر
السيئات والحسنات. وقد قال بكر القاضي: من أعظم الكبائر سب السلف وتنقصهم، وشهادة الزور عند الحكام، وعدول الحكام على الحق، واتباعهم للهوى. ومن الكبائر: اللواط، والإصرار على الصغائر من الكبائر. " والندم توبة " والصغائر تكفرها الطهارة والصلاة والجماعات. وقال أبو بكر Bهـ: إن الله يغفر الكبيرة فلا تيأسوا، ويعذب على الصغير فلا تغتروا. وقال عمر: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار. و " سئل النبي A عن الكبائر فقال: " الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قوله الزور (أو) قال وشهادة الزور " وروي أنه قال: " اليمين الغموس ". وروي عنه أنه قال: " من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان واجتنب
الكبائر، فله الجنة، قيل: وما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف ". وقال ابن مسعود " سألت النبي A عن الكبائر؟ فقال: " أن تدعو لله نداً وقد خلقك، (وأن تقتل ولدك) من أجل أن يأكل معك، أو تزني بحليلة جارك، وقرأ علينا رسول الله A { والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق وَلاَ يَزْنُونَ} [الفرقان: 68] ". وروي عنه A أنه قال: " هو الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف وقذف المحصنة، وقل الزور، والغلول، والسحر وأكل الربا واليمين الغموس ". ومعنى قوله {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} أنه تعالى وعد أن يكفر الصغائر باجتناب الكبائر وقال النبي عليه السلام: " اجتنبوا الكبائر وسددوا وابشروا ". وقال ابن مسعود: في خمس آيات من سورة النساء لهن أحب إلي من الدنيا قوله: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}
وقوله: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 40] وقوله: {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48 - 116] وقوله: {وَمَن يَعْمَلْ سواءا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 110] وقوله: {والذين آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} [النساء: 151] الآية. قال (ابن عباس): ثمان آيات نزلت في سورة النساء هن خير لهذه الأمة لما طلعت عليه الشمس وغربت أولها {يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 26]. الآية، والثانية {والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27] الآية، والثالثة {يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28] الآية ثم ذكر الخمس التي ذكرها ابن مسعود. وقيل: إن السيئات تكفرها الصلوات الخمس ما اجتنبت الكبائر. ومن فتح الميم من (مَدخلاً) احتمل أن يكون مصدر دخل، وأن يكون
32
اسماً للمكان من أدخل، والمدخل الكريم هو المكان الحسن في الجنة. قوله: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ} الآية. نهى المؤمنين أن يتمنوا ما فضل الله به بعضهم على بعض وأمرهم أن يسألوه من فضله، وروي أن أم سلمة قالت يا رسول الله: لا نعطى الميراث؟ ولا نغزو في سبيل الله تعالى فنقتل؟ فأنزل الله D { وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ} الآية. قال ابن عباس: هو الرجل يقول: وددت لو أن لي مال فلان، فنهى الله تعالى عن ذلك، وأمرهم أن يسألوه من فضله لأن التمني يورث الحسد والبغي. وقال السدي: نزلت في الرجال والنساء. وقال الرجال: لو كان لنا من الأجر مثلا ما للنساء كما لنا من الميراث مثلا ما لهن، وقال النساء: لو كان لنا أجر مثل الرجال الشهداء، فلو كتب علينا القتال لقاتلنا، فقال الله تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ} وقال {واسألوا الله مِن فَضْلِهِ}. وقال ابن جبير: {واسألوا الله مِن فَضْلِهِ} العبادة. وقيل: اسألوه التوفيق، والعمل بما يرضيه.
{إِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}. أي: لم يزل عالماً بما يصلح عباده، فلا يحسد بعضهم بعضاً. قوله: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبن} المعنى: للرجال نصيب مما اكتسبوا من الأبواب على الطاعة، والعقاب على المعصية وللنساء مثل (ذلك). وقال قتادة: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء شيئاً، فلما أنزل الله ميراثهم، قال النساء: لو جعل أنصباءنا (في الميراث كالرجال، وقال الرجال: إنَّا لنرجو أن نفضل النساء في الحسنات في الآخرة كما فُضِّلنا) في الدنيا عليهن بالميراث فأنزل الله تعالى {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبن} يقول: المرأة تجزى بحسنتها {عَشْرُ أَمْثَالِهَا}. وقيل: إنه لما نزل {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين} قالت النساء: كذلك عليهم نصيبان من الذنوب، كما لهم نصيبان من الميراث فأنزل الله D { لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبوا} أي: من الذنوب وللنساء مثل ذلك {واسألوا الله مِن فَضْلِهِ}.
33
وقيل: المعنى: للجميع نصيب من موتاهم. وقيل: المعنى: للرجال نصيب من موتاهم. وقيل: المعنى: للرجال نصيب من الأجر وهو الجهاد، وخصوا به وبأجره، وللنساء نصيب من الأجر خصصن به، وهو حفظها لزوجها في السر والعلانية، ونظرها لزوجها، وطاعتها له وإصلاحها عليه كل لها فيه أجر خصت به. قوله {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا موالي مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون} الآية. الموالي: الورثة، يعني العصبة، كذلك قال ابن جبير عن ابن عباس، وقال مجاهد وقتادة: فالمعنى ولكلكم جعلنا عصبة يرثون ما تركتم، ولفظ الآية عام يراد به الخصوص إذ ليس [كل إنسان له عصبة معلومة ترثه، وكل إنسان له عصبة غير معلومة. وقد قال مالك: كل] من هلك من العرب فلا يخلوا أن يكون له وارث بهذه الآية وإن لم تعرف عينه. قوله: {والذين عَقَدَتْ أيمانكم فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} كان الرجل يحالف الرجل وليس بينه
وبينه نسب يرث أحدهما الآخر، فأمروا أن يعطوهم نصيبهم. ثم نسخ الله ذلك بالميراث بقوله {وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله} [الأنفال: 75، والأحزاب: 6] وقال ابن عباس: " كانت الأنصار ترث المهاجرين للأخوة التي آخى النبي A بينهم حين نزلت {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا موالي مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون} فنسخت ما كانوا عليه. قوله {والذين عَقَدَتْ أيمانكم فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} يعني من النصر والنصيحة والرفد ويوصى لهم. وقال ابن عباس وغيره: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات قبل صاحبه ورثه، فأنزل الله D { وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين} [الأحزاب: 6] ثم قال: {إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ} [الأحزاب: 6] أي: إلا أن ترضوا للذين عاقدتم وصية، فهي لهم جائزة من الثلث. والمعاقدة التي كانت بينهم هو أن يقول: دمي ودمك، وتطلب بي وأطلب بك، وتورثني وأرث بك، فجعل في أول الإسلام السدس من المال، ويقسمُ الباقي في الورثة ثم نسخ ذلك في الأنفال.
34
وقيل: نزلت في الذين كانوا يتبنون في الجاهلية، فأمروا أن يوصوا لهم ونسخ فرضهم. وقال ابن إسحاق: كان الرجل الذليل يأتي العزيز فيعاقده باليمين ويقول له: أنا ابنك، ترثني وأرثك، وحرمتي وحرمتك، ودمي ودمك، وثأري ثأرك، فأمر الله D بالوفاء لهم قبل تسمية الميراث، ثم نسخ بالميراث في الأنفال. قوله: {الرجال قوامون عَلَى النسآء} الآية. قال ابن عباس: الرجل أمين على المرأة تطيعه فيما أمرها به، فهو قائم عليها يقوم بنفقتها، ومؤنتها ويسوق مهرها، فهو فضله (الذي فضله) الله D عليها. وقال السدي: معنى قوله: " قوامون يأخذون على أيديهن ويؤدبوهن. وهذه الآية نزلت في رجل من الأنصار، لطم امرأته فخوصم، إلى النبي عليه السلام فقضى لها بالقصاص فأنزل الله D { الرجال قوامون عَلَى النسآء} الآية: فلم يقتص منه، قاله الحسن وقتادة.
وقيل: إن قوله {وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114] نزل في أمر الرجال حين جعل عليه القصاص، وعلى ذلك أهل التفسير. كان الزهري يقول: ليس بين الرجل، وامرأته قصاص فيما دون النفس. وروي أن أم سلمة Bها زوج النبي A قالت: ما بال النساء لهن نصيب وللرجال نصيبان؟ ما بال شهادة امرأتين مثل شهادة رجل؟ وذكرت أشياء في فضل الرجال، فأنزل الله D { الرجال قوامون عَلَى النسآء}. وقال معاذ بن جبل Bهـ: " قدمتُ الشام، فرأيت النصارى يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوقع في نفسي أَنَّا أحق أن نفعل هذا بالنبي فلما قدمت المدينة سجدت له، فقال ما هذا فأخبر (ته) بما رأيت فقال: " لو كنت آمراً أن يسجد أحد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفسي بيده لا تؤدي امرأة حق الله عليها حتى تؤدي حق زوجها " ". ومعنى: {بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} الآية.
أي: بفضل الرجل على النساء، كانوا قوامين عليهن بما فضل، هو جودة العقل والتمييز والإنفاق، وسَوْق المهر والجهاد وجواز الشهادة وغير ذلك، كله فضل به الرجل على المرأة. قوله: {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أموالهم}: " فضل الرجال على النساء بما ذكرنا، {وَبِمَآ} ساققوا من أموالهم إلى النساء من مهور ونفقة {فالصالحات} هن المستقيمات لأزواجهن " {قانتات} أي: طائعات لله ولأزواجهن {حافظات لِّلْغَيْبِ} أي يحفظن أنفسهن عند غيبة أزواجهن [في فروجهن وأموال أزواجهن. وقيل: المعنى: طائعات لأزواجهن] ما غاب عنهم من سرهن وشأنهن. وقال النبي A: " " خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك. وإذا أمرتها أطاهتك وإذا غبت عنها حفظتك، في مالك ونفسها " ثم قرأ رسول الله A { فالصالحات قانتات} الآية ". ومعنى {بِمَا حَفِظَ الله} أي: يحفظ الله إياهن: أي صيرهن كذلك قال سفيان:
لحفظ الله إياها إذ جعلها كذلك. ومن نصب " الله " وهي قراءة جعفر، فالمعنى: فيهن يحفظهن الله في طاعته، وأداء حقه فيما لزمهن به في حفظ غيبة أزواجهن، كقولك للرجل: ما حفظت الله في كذا وكذا والمعنى: بمراقبتهن في حفظ أزواجهن. وفي قراءة ابن مسعود: بما حفظ الله فأحسنوا إليهن وأجملوا. والرجل له الحجر على المرأة بنفسها، ومالها إذا تجاوزت الثلث ولا تفعل شيئاً إلا بإذنه إلا في الفرائض التي فرض الله عليها، فلا طاعة له غليها في ذلك من الصلوات وإخراج الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، هذا مذهب مالك، وله أن
يؤدبها تأديباً غير مبرح. قوله: {والاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} الآية. " واللاتي " في موضع رفع بالابتداء، وتقديره عند سيبويه: وفيما يتلى عليكم الألاتي، والمحذوف: الخبر، وعند غيره: الخبر: {فَعِظُوهُنَّ}، ويجوز أن تكون " اللاتي " في موضع نصب على قول من قرأ: {والسارق والسارقة} [المائدة: 38] بالنصب. و {تَخَافُونَ} عند الفراء وأبو عبيدة بمعنى توقنون وتعلمون، (وهو) على بابه عند غيرهما. والنشوز هو: امتناع المرأة من فراش زوجها، والخلاف له فيما يلزمها من طاعته. وأصل النشوز الارتفاع والانزعاج، فكأنهن ارتفعن عن أداء حق الأزواج، وطاعتهم يقال: نشزت ونشصت. وقيل: النشوز البعض قاله السدي. وقال ابن زيد: النشوز المعصية والخلاف. وقال عطاء: النشوز أن تحب فراقه.
وقال ابن عباس: هو أن تستخف بحقه، ولا تطيع أمره " فعظوهن " أي: خوفوهن، وذكروهن الله. وقال ابن عباس: فعظوهن بكتاب الله وبطاعته، وهو قول الجماعة. {واهجروهن فِي المضاجع} إذا لم يرجعن مع الوعظ فاهجروهن بترك جماعهن ومضاجعتهن. وقال السدي: وغيره: " يرقد عندها ويوليها ظهره، ويطؤها ولا يكلمها ". روي عن ابن عباس أنه قال: يهجرها في المضجع من غير أن يذكر نكاحاً، وذلك عليها شديد. (وقيل: المعنى [اهجروهن في الكلام حتى يرجعن إلى مضاجعتكم كأنه قال]: اهجروهن من أجل المضاجع. وقال ابن عباس الهجران إنما هو في أمر المضجع، وأنها لو تركت لم تضاجع، وقال ابن جبير اهجروهن يأتين مضاجعكم). وقال عكرمة وغيره: إنما الهجران بالمنطق، ويلزم من قال هذا أن يقطع الألف لأنه إنما يقال في هذا المعنى الإهجار، يقال: أهجر فلان في منطقه إذا تكلم بالقبيح. وروى أبو هريرة Bهـ أن النبي A قال: " إذا باتت المرأة مهاجرة لزوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع ".
35
وقوله {واضربوهن} أي: إن لم يرجعن بالهجران في المضاجع، فيضربن ضرباً غير مبرح، كذلك قال المفسرون: وقال النبي A في خطبة له " ضرباً غير مبرح " وعنه " غير مؤثر ". واختار الطبري في الآية أن يكون المعنى: واضربوهن من أجل المضاجع. {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} إلى ما يجب عليهن {فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أي: فلا تلتمسوا عليهن طريقاً في الظلم، وهو التعالي عليهن {إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً} المعنى لا تبغوا عليهن العلل فتٌعلوا أيديكم عليهن، فإن الله ذو علم فوقكم وفوق كل شيء، فأيديكم وإن كانت عالية، فليس من أجلها علوا تبغوا عليهن، وتطلبوا العلل فإن الله أعلى يداً وأكبر من كل شيء. وقيل: المعنى: لا تبغوا عليهن سبيلاً لا تكلفوهن الحب لكم إنما لكم عليهن المساعدة في الجماع أما القلب فليس بيدها منه شيء. قوله {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} الآية. خفتم عند أبي عبيدة بمعنى أيقنتم، ورد ذلك الزجاج وقال: لو أيقنا لم نحتج إلى الحكمين، وخفتم على بابه. والمعنى: وإن خفتم أيها الناس مشاقة أحد الزوجين لصاحبه، وهو إتيان كل واحد منهما ما يشق على الآخر فالمرأة تقصر عن أداء حقه،
والزوج أن يمسك بغير معروف {فابعثوا حَكَماً} هذا مخاطبة للسلطان الذي يرفع إليه أمرهما قال: وإذا نشزت المرأة يعظها، فإن انتهت وإلا هجرها، فإن انتهت وإلا ضربها فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان، فيبعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها فيقول الحكم الذي من أهلها: يفعل بها كذا وكذا، ويشتكي بما تشتكي منه، ويقول الحكم الذي من أهله: تفعل به كذا، فيشتكي أيضاً بما يشتكي الزوج منه، فأيهما كان أظلم رده السلطان وأخذ عليه. وقال السدي: " المرأة تبعث حكماً من أهلها، والرجل نفسه يبعث حكماً من أهله بتوكيل كل واحد منهما، لكنها بالنظر لهما، فيعملان ما وكل به، وروي ذلك عن علي Bهـ. وروي عنه أنه قال لحكمين وَجَّه بهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما. وقال ابن عباس: (بعثت أنا ومعاوية حكمين، فقيل لنا: إن رأيتما أن تجمعا
جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما) فإن عثمان قد بعثهما. قال مالك: أحسن ما سمعت من أهل العلم أن الحكمين يجوز قولهما بين الرجل والمرأة في الفرقة والاجتماع. وقال قتادة: يبعث السلطان الحكمين ليعرفا الظالم من المظلوم، فيحملاهما على الواجب فلا يفرقان بينهما. وقال الشافعي: لا يفرقان إلا بأمر الزوج. وقال جماعة: حكم الحكمين ماذ في التفرقة وغيره، وإنما يأتي الحكمان فيخلو حَكَم الرجل به ويسأله عما يشتكي. ويخلو حَكَم المرأة بها، ويسألها عما تشتكي؟ ثم يجتمعان، فيجتهدان، فإن رأيا التفريق فرقا، وإن رأيا الترك تركا، وأصلحا. وقيل: إنهما ينظران الظالم منهما، فإن كانت المرأة وعظها، وجبرها على طاعة زوجها، وإن كان الرجل وعظاه وجبراه أن يتقي الله تعالى فيها، فيمسك بمعروف أو يسرح بإحسان، والحكم هنا الناظر بالعدل، قاله الضحاك وغيره.
36
وقيل: هما القاضيان بينهما يقضيان بما فوض إليهما الزوجان. وقوله: {إِن يُرِيدَآ} قيل: الضمير للحكمين إن يريدا أن يصلحا بين الرجل والمرأة {يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ} أي " بين الرجل والمرأة، قال ابن عباس وابن جبير ومجاهد. وقيل الضمير للزوجين لأنه لا يقال حكم إلا لمن يريد الإصلاح فغير جائز أن يقال: إن يرد الحكمان إصلاحاً وهما لا يسميان بهذا الاسم إلا وهما يريدان الإصلاح {إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً} بما يريد الزوجان أو الحكمان من إصلاح خبيراً بذلك. قوله تعالى: {واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} الآية. قوله: {وبالوالدين إِحْسَاناً} أي: وأحسنوا بهم إحساناً كقولك ضرباً زيداً، بمعنى اضرب زيداً، وأجاز الفراء رفع إحساناً بالابتداء، والمخفوض الخبر كأنه قال: وعليكم بالوالدين إحسان. ومعنى الآية: أن الله تعالى أمر عباده بالتذلل له والطاعة ولا
يشركوا به، وأمرهم بالإحسان إلى الوالدين، وإلى ذي القربى، واليتامى، والمساكين وإلى الجار ذي القربى، وهو ذو القرابة، والرحم منك، قاله ابن عباس وغيره. وقيل: هو الذي جمع الجوار والقرابة فله حقان، قاله الضحاك وقتادة وابن زيد. وقيل: هو الذي تقرب منك بالإسلام والجوار، لا بالرحم. {والجار الجنب} هو الذي يبعد منك لا قرابة بينك وبينه، [قاله ابن عباس، وقال قتادة ومجاهد: هو جارك الذي ليس بينك وبينه] قرابة فله حق الجوار. وقال السدي: هو الغريب يكون بين القوم، وقال: الجار الجنب: الزوجة، ذكره ابن وهب عن بعض رجاله. وقيل: هو اليهودي والنصراني. {الجنب} البعد، ومنه اجتنب فلان فلاناً إذا بعد منه، ومنه قيل للجنب: جنب لبعده من الطهر، والصلاة حتى يغتسل، ومن قيل: رجل أجنبي أي بعيد غريب، فمعنى ذلك: والجار المجانب للقرابة أي: البعيد منها.
وسئل أعرابي عن الجار الجنب فقال: هو الذي يجيء فيحل حيث تقع عليه عينك. وقال القتبي: الجيران على أربعة أقسام أحدهم: من ساكنك في الدار ولهذا سمت العرب الزوجة جارة، وقال الأعشى لامرأته: أي جارتنا بيني فإنك طالقة كذاك أمور الناس غاد وطارقة. والثاني: الملاصق منزلك، والثالث: الذي معك في المحلة، وإن لم يلاصقك وعلى هؤلاء الثلاثة وقعت الوصية من الله D والرابع: هو الذي جمعك وإياه بلد واحد يقول الله تعالى في المنافقين: {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً} [الأحزاب: 60] يعني المدينة. وكان الأوزاعي يقول: الجوار أربعون دار من كل ناحية. وقيل من سمع الإقامة فهو جار. قال علي Bهـ: من سمع النداء فهو جار المسجد. وروي عن النبي A أنه قال: " الجيران ثلاثة: جار (له) عليك حق وهو
(غير) المسلم، له عليك حق الجوار، وجار له عليك حقان هو المسلم، له حق الجوار وحق الإسلام، وجار له عليك ثلاثة حقوق، وهو المسلم ذو القرابة له حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة ". قوله: {والصاحب بالجنب} الآية. قال ابن عباس وغيره: هو رفيق الرجل في سفره، وكذلك قال قتادة ومجاهد وعكرمة. وعن ابن عباس: هو الرجل الصالح. وكذلك روي عن علي Bهـ، والحسن بن علي: أنه امرأة الرجل. وعن ابن عباس مثله، وهو قول النخعي وابن أبي ليلى. وقال ابن جريج وابن زيد: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك ورفقك. {وابن السبيل} المسافر يجتاز بك ماراً، قاله مجاهد وقال الضحاك: هو الضعيف. والسبيل: الطريق، وابنه صاحبه الماشي فيه فله حق على من يمر به إذا كان مستقره في غير معصية، وأضيف إلى الطريق لأنه إليها يأوي وفيها يبيت.
37
قوله: {وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم} يعني حض الله تعالى [خلقه] بجميع ما ذكر أن يحسنوا إليهم، قوله: {مُخْتَالاً} أي: ذو خيلاء وهو المفتعل من خال الرجل يخول: " والخال ثوب من. . . . . . . . . . . " والفخور المفتخر على عباد الله D بما أنعم الله تعالى عليه من رزقه، وهو مع ذلك كفور لربه D لا يشكره، فهو مستكبر على ربه سبحانه، مستطيل مفتخر على عباد الله جلت عظمته، وقال مجاهد المختال: المتكبر. قوله: {الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل} الآية. {الذين} " بدل مِن " مَن وقيل: هم في موضع رفع بالابتداء، والخبر {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] أي لا يظلم. وقال الأخفش: الذين في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف دل عليه ما بعده، وتقديره الذين يبخلون قرناء الشيطان ودل
على هذا قوله: {وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً} [النساء: 38] وقد أغفل النحاس في الإعراب هذا القول فلم يذكره وهو في كتاب الأخفش. وقيل: الذين في موضع (رفع) بدل من الضمير في فخور، ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ويجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار أعني. والبخل لغتان، وفيه [لغتان] غير هاتين، ويقال: البُخُل والبَخْل، ومعنى الآية: إن الله لا يحب المختال الفخور الذي يبخل بماله ويأمر الناس بالبخل. وقد روي أن البخل هنا: كتمان أمر محمد عليه السلام، وعنى به اليهود والنصارى وهم يجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل.
ومعنى {وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ} هم اليهود كتموا و {مَآ آتَاهُمُ الله} من أمر محمد A وما عندهم من علمه. وقال ابن زيد: هم اليهود بخلوا بما آتاهم الله من الرزق، وكتموا ما آتاهم من العلم في أمر النبي A وغيره. وقال ابن عباس: كان الرجل من أشراف يهود يأتون رجالاً من الأنصار، ويخالطوهم، ويستنصحون لهم، لا تنفقوا أموالكم فإنا نخاف عليكم الفقر في ذهابها، فأنزل الله D { الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ} أي: يكتمون نبوة محمد A وأمره وذلك كله في التوراة. وروي أن فيها: خاتم النبيين، وسيد العاملين، وأمته الحمادون، ويشدون أوساطهم، ويفترسون جبالهم، تسيل دموعهم على خدودهم يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم. قوله: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} أي للجاحدين نبوة محمد A { عَذَاباً مُّهِيناً} أي مذلاً.
38
قوله: {والذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} الآية. {والذين} في موضع جر عطف على الكافرين، ويجوز أن يعطف على {الذين يَبْخَلُونَ} و {رِئَآءَ الناس} مفعول من أجله، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال: {وَلاَ يُؤْمِنُونَ} حال كأنه: مرائين غير مؤمنين. ويجوز أن يكون مؤمنون مرفوعاً على القطع أي: وهم لا يؤمنون. ومعنى الآية: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} {والذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَآءَ الناس وَلاَ يُؤْمِنُونَ بالله} {عَذَاباً مُّهِيناً} هذا من صفة المنافقين. وقيل: هو صفة اليهود أيضاً، وهو بصفة المنافقين أليق وأحسن، لأنهم لا يؤمنون بالبعث، واليهود يؤمنون بالبعث، وقد وصفهم الله تعالى أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر فهو إلى المنافقين أقرب. قوله: {وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً} أي: خليلاً يعمل بطاعته، ويتبع أمره، ويترك أمر الله تعالى، فبئس الخليل خليله. قوله: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ} المعنى: أي الشيئين على الذين يبخلون إذا أنفقوا
40
رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لو آمنوا وصدقوا وأنفقوا مما رزقهم الله لوجه الله، ولم يبخلوا مما رزقهم الله {وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً} أي هو ذو علم بما يعملون لم يزل كذلك ولا يزال. قوله: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} الآية. قوله: {يضاعفها} يدل على أضعاف كثيرة إذ لو أراد مرة لقال: يضاعفها، ومعنى الآية: إن الله تعالى لا يبخس واحداً فعل خيراً مثقال ذرة أي: قدر وزن الذرة فما فوق ذلك، والذرة في قول ابن عباس: رأس النملة الحمراء. وقال النبي A: " إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيعظم بها في الدنيا فإذا كان يوم القيامة لم تكن له حسنة " وقال A: " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان "، وقال الخدري: حين حدث بهذا الحديث عن النبي عليه السلام فإن شككتم (فَاقْرَءُوا) {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}.
وأتى رجل إلى أبي هريرة Bهـ فقال له: بلغني أنك تقول الحسنة تضاعف ألف ألف ضعف، وقال أبو هريرة: لم أقل ذلك، ولكني قلت تضاعف الحسنة ألفي ألف ضعف. والذرة هنا عند أهل العلم النملة الصغيرة وقال يزيد بن هارون: زعموا أنه لا وزن لها. وقال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد من عند الله تعالى: ألا من كان يطلب مظلمة فليجيء إلى حقه فيأخذه " قال فيفرح والله المرء أن له الحق على ولده وولده أو زوجته وأخته فيأخذه منه، وإن كان صغيراً، ومصداق ذلك في كتاب الله {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} [المؤمنون: 101]. فيقال له: إيت هؤلاء حقوقاً؟ فيقول: يا رب من أين يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله D لملائكته: انظروا [في] أعمله الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة، قالت الملائكة: يا ربنا - وهو أعلم بذلك منها - أعطينا كل ذي حق حقه، وبقي له مثقال ذرة من حسنة، فيقول الله D لملائكته: ضعفوها لعبدي وأدخلوه برحمتي الجنة " ومصداق ذلك في كتابه {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ
41
حَسَنَةً يضاعفها وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ} أي: من عنده {أَجْراً عَظِيماً} أي: الجنة يعطيها تفضلاً منه لا إله إلا هو، وإن فنيت الحسنات، وبقيت السيئات وبقي طالبون قال الله تعالى: ضعوا عليهم من أوزانهم واكتبوا له كتاباً إلى النار. قوله: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها} هذا لأهل الإيمان كلهم، وروي عن ابن عمر: أنها في المهاجرين خاصة، قال: " نزلت الآية في الأعراب {مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] قال: فقال رجل: ما للمهاجرين؟ فقال النبي A: ما هو أعظم من ذلك وقرأ {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} الآية ". واختار الطبري أن تكون المضاعفة أكثر من عشرة للمهاجرين خاصة، وقال: هو في معنى حديث أبي هريرة، تضاعف بألفي ضعف أي للمهاجرين، واحتج بأن الله D قد اخبرنا أن الله يجزي بالحسنة عشر أمثالها، فلا يجوز أن يكون في خبره اختلاف، ولكن ذلك للمهاجرين وهذا لغيرهم. قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} الآية. العامل في " كيف " " جئنا " المعنى: فكيف يكون حالهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد يشهد على أعمالهم، وجئنا بك يا محمد على أمتك شهيداً، وكان النبي عليه السلام إذا أتى على هذه الآية فاضت
عيناه، وقال ابن مسعود: أمرني رسول الله عليه السلام أن أقرأ عليه سورة النساء حتى بلغت {وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً} فاضت عينا رسول الله A بالدموع فسكت. قال السدي يأتي النبي يوم القيامة منهم من أسلم معه من قومه واحد والاثنان، والعشرة، وأقل وأكثر من ذلك حتى ياتي لوط صلوات الله عليه وسلم لم يؤمن معه إلا بنتاه فيقال للنبيين: هل بلغتم ما أرسلتم به؟ فيقولون: نعم فيقال له: من يشهد لكم؟ فيقولون: أمة محمد عليه السلام. فتدعى أمة محمد عليه السلام فيقال لهم: إن الرسل ادعوا عندكم شهادة فبم تشهدون؟ فيقولون: يا ربنا نشهد أنهم قد بلغوا كما شهدوا في الدنيا في التبليغ، فيقال: من يشهد على ذلك؟ فيقولون: محمد A، فيشهد محمد A أن أمته قد صدقت، وأن الرسل قد بلغوا فذلك قوله {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً}. ومن رواية يونس عن ابن وهب عن إبراهيم عن حيان بن أبي جيلة بسنده إلى النبي عليه السلام أنه قال: " إذا جمع الله عباده يوم القيامة كان أول من يدعى إسرافيل فيقول الله D: ماذا فعلت في. . . هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم، أي رب، قد بلغت جبريل، فيدعى جبريل فيقول له: هل بلغك إسرافيل عهدي؟ فيقول: نعم يا رب، قد بلغني، فيخلى عن إسرافيل، فيقال لجبريل: هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم قد بلغته الرسل، فيدعى الرسل فيقول: هل بلغكم جبريل عهدي؟ فيقولون: نعم، فيخلى عن جبريل ثم، يقال للرسل: ما فعلتم بعهدي؟ فيقولون: بلغنا أممنا، فيدعى الأمم، فيقال لهم: هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمنهم المكذب، ومنهم المصدق، فيقول الرسل: إن
لكم علينا شهداء يشهدون أنا قد بلغنا مع شهادة، فيقول الله D: من يشهد لكم؟ فيقول الرسل: أمة محمد A، فتدعى أمة محمد A، فيقول الله D: أتشهدون أن رسلي هؤلاء قد بلغوا عهدي إلى من أرسلوا إليهم؟ فيقولون: نعم، رب شهدنا أنهم قد بلغوا، فتقول تلك الأمم: (لا). كيف يشهدون علينا ولم يدركنا؟ فيقول لهم الرب: كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولاً، وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، فقصصت علينا قصصهم، فشهدنا بما عهدت إلينا، فيقول الرب تعالى ذكره: صدقوا، فكذلك قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس} الآية ". وقد مضى في هذه الآية ما فيه كفاية وهذه زيادة إن لم يتقدم لفظها وإن كان قد تقدم معناها. وفي رواية أخرى عن الأوزاعي قال النبي A: " أول من يسأل يوم القيامة عن البلاغ: اللوح المحفوظ. يقال: هل بلغت إسرافيل ما أمرت به؟ فيقول: نعم، قيل لإسرافيل: هل بلغك اللوح المحفوظ ما أمر به؟ فيقول: نعم، فما أرى شيئاً أشد فرحاً يوم القيامة من اللوح المحفوظ حين صدقه إسرافيل، ثم كذلك إسرافيل وجبريل والأنبياء ".
42
قال في الحديث: فما أرى شيئاً (أشد فرحاً) من كل واحد إذا صدقه من أرسل إليه ثم قرأ الأوزاعي: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} الآية. قال الضحاك هو قول الله تعالى {هُوَ سَمَّاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس} [الحج: 76]. قوله: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ} الآية. يوم يجيء من كل أمة شهيد يتمنى الكافرون {لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض} أي: يصيرون تراباً مثلها كما قال: {وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً} [النبأ: 40]. ومن قرأ " تُسوى " (بالضم)، فالمعنى يتمنون لو سواهم الله والأرض سواء، ومن قرأ " تَسوى " بالفتح والتخفيف، فهو مثل المشددة، إلا أنه حذف إحدى التاءين. وقيل المعنى: لو انقسمت بهم الأرض فيصاروا في بطنها. وقال الحسن في فراءة الضم: إن المعنى " لو تسوى " بالتخفيف عليهم، والباء بمعنى على، فالمعنى
تنشق فتسوى عليهم. قوله: {وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً} أي: لا تكتم جوارحهم حديثاً من الله. قال ابن عباس: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام جحدوا فقالوا: {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] فختم الله على أفواههم وتكلمت (أيديهم)، وأرجلهم فلا يكتمون الله حديثاً، وعنه هذا التفسير باختلاف ألفاظ. وسبب تفسيره لهذا الهذا القول من له يقول الله عن الكافرين أنهم قالوا: {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] وقد كتموا ويخبر أنهم لا يكتمون الله حديثاً ففسره بما ذكرنا، وقوله {وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً} على قول غير ابن عباس أنهم يودون لو استووا بهم الأرض، ولا يكتمون الله حديثاً لما عاينوا جوارحهم تشهد عليهم. وقيل: المعنى يومئذ لا يكتمون الله حديثاً، ويودون لو تسوى بهم الأرض، وهو
معنى تفسير ابن عباس لأن السائل سأل كيف أخبر أنهم لم يكتموا الله حديثاً، وقد أخبر أنهم كتموا في قولهم {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. وقيل: المعنى يتمنون لأو استووا مع الأرض، وليس يكتمون الله حديثاً أي هو عالم بهم وبما أسروا مما يودون ويتمنون بهم، وإن لم ينطقوا به، فليس ذلك بكتمان على الله [تعالى - كأن الكلام قد تم على قوله - لو تسوى بهم الأرض، ثم قال: وليس يخفى على الله] من حديثهم شيء وهذا جواب ثالث عن الآيتين. وقيل: المعنى أنهم يتمنون إذ عصوا الرسول أن يسووا مع الأرض ويودون لا يكتمون الله حديثاً. وكتمانهم الذي ندموا عليه هو قولهم {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} وهو جواب ثالث
لمن سأل عن الآيتين. وقال قتادة: هي مواطن في يوم القيامة، فمواطن يجحدون، ومواطن يقرون. وجاء رجل إلى ابن عباس فقال له: رأيت أشياء تختلف علي في القرآن، فقال: ما هو؟ أشك في القرآن؟ فقال: ليس بشك، ولكنه اختلاف، فقال: هات ما اختلف عليك من ذلك، فقال: أسمع الله D يقول: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] وقال {وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً} فقد كذبوا إذا ادعوا الإسلام. فقال ابن عباس: وماذا؟ قال أسمعه يقول: {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} [المؤمنون: 101] وقال: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} [الصافات: 50] وقال: {أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً} [فصلت: 9]. إلى قوله: {ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11] الآية. وقال في آية أخرى: {أَمِ السمآء بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا * [وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا]} [النازعات: 27 - 29] {والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30]. وأسمعه يقول: {[وَكَانَ] الله عَلِيماً حَكِيماً} الآية [النساء: 17].
فقال ابن عباس: " أما قولهم {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله لا يغفر إلا لأهل الإسلام، يغفر لهم الذنوب جميعاً، ولا يتعاظم ذنب يغفره، ولا يغفر شركاً، جحدوا وقالوا: {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} رجاء أن يغفر لهم، فختم الله D على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك {يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً} يريد أنهم ندموا في جحدهم وقالوا: {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. وأما قوله: {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السموات، ومن في الأرض إلا من شاء الله {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ}. {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر: 68] {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} [الصافات: 50]. وأما قوله {أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ. . .} الآية فإن الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخاناً فسواهن سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض. وأما قوله: {والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} فإنه تعالى دحاها بعد خلق السموات، وجعل فيها جبالاً وأنهاراً وبحوراً. وأما قوله: {وَكَانَ الله} فإن الله لم يزل كذلك عزيراً حكيماً قديراً لم يزل كذلك وما اختلف عليك من القرآن فهو شبه ما ذكرت لك. وقال مجاهد: {والأرض بَعْدَ ذَلِكَ} أي: مع ذلك.
43
قوله: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى} الآية. {جُنُباً} و {عَابِرِي سَبِيلٍ} نصب على الحال. ومعنى {سكارى} أي: من الخمر، وهذا قبل تحريم الخمر فأمرهم الله ألا يقربوها، وهو سكارى حتى يعلموا ما يقولون. وقيل: إن ناساً من أصحاب النبي A شربوا الخمر قبل تحريمها، فصلى بهم أحدهم فقرأ: {قُلْ يا أيها الكافرون} فخلط فيها، فنزلت الآية، ينهاهم عن قرب الصلاة في حال السكر حتى يعلموا ما يقرأون ثم نسخ شربها بالتي في المائدة. وروي عن علي Bهـ أنه قال: " فِيَّ أنزلت الآية " {لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى} قال: دعانا رجل من أصحاب النبي A طلحة وغيره فأكلنا وشربنا. فقدموني إلى الصلاة فقرأت فيها: (قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما تعبدون) فكان هذا قبل تحريم الخمر. وقيل هي محكمة. ومعنى السكر هنا: " السكر من النوم "، قاله الضحاك.
وعلى القول الأول أكثر أهل التفسير والعلماء لتواتر الأخبار أنها نزلت في الخمر قبل تحريمه. قوله: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} أي: لا تقربوها جنباً إلا أن تمروا [ب] موضعها مجتازين حتى تغتسلوا. وقيل المعنى: في {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} أي: إلا أن تكونوا مسافرين فتتيمموا لها. وقال علي بن أبي طالب وقاله مجاهد وابن جبير قال: هو الرجل يكون في السفر تصيبه جنابة فيتيمم ويصلي. وعليه جماعة من أهل التفكير فيكون المعنى لا تصلوا وأنتم جنب إلا تكونوا مسافرين غير واجدين للماء، وقيل: معنى لا تقربوا مواضع الصلاة جنباً إلا عابري سبيل أي: أن تكونوا مجتازين في المسجد. [قال ابن عباس {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ}. قال لا تقربوا المسجد إلا أن يكون
طريقك فتمر فيه مراً ولا تجلس، وقال النخعي: يمر فيه إذا لم يجد طريقاً غيره. وقال ابن زيد: نزلت في رجل من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، وكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، يريدون الماء فلا يجدون ممراً، إلا المسجد، فأنزل الله D { وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} رخصة لهم. وذهب مالك والشافعي أن الجنب يمر في المسجد عابر سبيل. قال مالك: لا تدخل الحائض المسجد، وأرخص له غيره أن تمر فيه كالجنب. وقال ابن حنبل: إذا توضأ الجنب فلا بأس أن يجلس في المسجد. وكذلك قال إسحاق. والجنب هنا من أنزل في قول جماعة من العلماء دون أن يجامع ولا ينزل، روي عن النبي A أنه قال: " الماء من الماء " فلا غسل عليه إلا بإنزال الماء عند جماعة من الصحابة هو قوله
علي وابن مسعود والخدري وابن عباس وأُبي بن كعب، وسعد بن أبي وقاص، ورافع بن خديج، وأبي أيوب الأنصاري. قال غيرهم: والجنب في الآية من أنزل، أو التقى منه الختانان، وإن ينزل لأن في كلاهما الطهر عندهم، فمن أولج، ولم ينزل بمنزلة من أنزل في الحكم فكلاهما لا يقرب المسجد إلا عابري سبيل. وإيجاب الطهر من التقاء الختانين، وإن لم ينزل قوله عامة الفقهاء، وهو قول عمر، وعثمان، وابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم وهو مذهب مالك والشافعي والثوري وأهل العراق، وجماعة من الفقهاء، وقد تراترت الأخبار بإيجاب الغسل من التقاء الختانين عن النبي A.
قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى} أي: بجرح أو جُدري أو غير ذلك من الأمراض المانعة من الغسل فتيمموا. قال مالك: المرض هنا هو المريض الذي به جراحه رخص له في التيمم. وقيل: المريض هنا هو الذي لا يجد من يأتيه بالماء. {أَوْ على سَفَرٍ} أي: مسافرين غير واجدين الماء وأنتم جنب فتيمموا. قوله: {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط} أي: من قضى حاجته فلم يجد ماء فليتيمم، والغائط: ما اتسع من الأرض، وقيل: هو الموضع المنخفض المستور وكثر ذلك حتى قيل لمن قضى حاجته متغوط. قال أبو عبيدة: " أصل الغائط المكان المطمئن من الأرض ". قةله: {أَوْ لامستم النسآء} اللمس هنا الجماع، وقيل: هو ما دون الجماع، أرخص الله لهم أن يتيمموا إذا لم يجدوا ماء، والمقيم والمسافر في جواز التيمم له عند عدم الماء سواء، وعلى من عدم الماء التيمم لكل صلاة لأنه يطلب الماء لكل صلاة وعند عدمه يتيمم. ومعنى لمستم أو لامستم واحد.
وقيل: لامستم يريد به الجماع، ولمستم: القبلة والمباشرة. وقال المبرد: " لمستم الأولى أن يكون بمعنى قَبَّلْتُم، لأن لكل واحد منهما فعلاً، ولمستم بمعنى غشيتم، ومسستم أن المرأة ليس لها في هذا الفعل شيء فلمستم بمعنى غشيتم. وقال أبو عمرو: " لامستم بمعنى: الجماع ". ومذهب الكسائي: أن اللمس بمعنى الغمز والإفضاء ببعض الجسد إليها. والصعيد: الأرض الملساء التي لا نبت فيها قاله قتادة. وقيل: هو الأرض المستوية، قاله ابن زيد. وقيل: الصعيد التراب، وقيل: وجه الأرض. والصعيد في اللغة وجه الأرض، والطيب هنا النظيف الطاهر، وقال
سفيان: " معنى طيباً " أي حلال لكم، كما تقول هنالك ذلك. قوله: {بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} أي منه، ومسح الأيدي في التيمم هو إلى حد الوضوء إلى المرفقين، وهو قول ابن عمر والحسن والشعبي وسالم بن عبد الله، وهو قول مالك والليث والثوري والشافعي وعبد العزيز بن أبي سلمة وأصحاب الرأي. وقيل: التيمم إلى الكفين إلى الزندين، وهو موضع قطع السارق، وهو مذهب عكرمة، والأوزاعي وابن جبير ومكحول وعطاء، وروي ذلك عن ابن المسيب والنخعي وغيرهم. وقيل التيمم إلى الآباط، وهو قول الزهري.
44
وهذه الآية نزلت في قوم من أصحاب النبي A نزلت بهم جنابة في سفر فلم يجدوا ماء، وشاهد هذا القول ما قالت عائشة Bها في قصة العقد فكانت الآية، والرخصة من بركتها رضوان الله عليها. قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب} الآية. {أَلَمْ تَرَ}: ألم تعلم، وقيل: ألم تخبر يا محمد. وقيل: ألم تر بقلبك، يا محمد إلى الذين أُعطوا حظاً من كتاب الله، والنصيب الحظ - وهو اليهود. {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السبيل} أي تعدوا عن الحق والطريق المستقيم {يَشْتَرُونَ الضلالة} أي: يختارون الضلالة على الهدى {والله أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} أي: أعلم منكم بأمرهم وبما يسرون من آرائهم، {وكفى بالله وَلِيّاً} أي: [به] فاكتفوا، وله فانتصروا على أعدائكم. قوله: {مِّنَ الذين هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ} الآية. المعنى أن " من " متعلقة بـ {الذين أُوتُواْ نَصِيباً} أي هم من الذين هادوا. وقيل: المعنى من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم. وقيل: المعنى من الذين هادوا من يحرفون
الكلم. حكي هن العزيز يقول أي: من يقول ذلك. وقيل: " من " متعلقة بنصير، أي: وكفى بالله نصيراً من هؤلاء القوم، أي: ينتصر منهم في الآخرة، فاكتفوا بنصرته منهم أيها المؤمنون. واختار قوم أن يكون المحذوف من كما قال: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} [الصافات: 164] أي: من له، كما يقول له: منا يقول ذلك ومنا لا يقوله، أي: من يقوله ومن لا يقوله ومذهب سيبويه تقدير قوم كما ذكرنا أولاً. واختار أهل التفسير أن يكون " من " متعلقة بالذين أوتوا نصيباً من الكتاب ". ومعنى {يُحَرِّفُونَ الكلم} أي: يتأولونها على غير وجهها، ويعدلونها عن ظاهرها، والكلم هنا كلام النبي عليه السلام، وقال مجاهد: الكلم كلم التوراة يبدلونها، وهو جمع كلمة. {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}: يقولون لمحمد A: سمعنا قولك، وعصينا أمرك،
47
يخفون العصيان، ويظهرون السمع والطاعة إذا أرادوا أن يكلموه، قال: {واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ} أي: يقولون في أنفسهم: لا سمعت، يقولون {راعنا} يوهمونهم أنهم يريدون: أرعنا سمعك، وهم يريدون به الرعونة في لغتهم. وقيل معنى {واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ} أي: اسمع غير مقبول منك، ويلزم قائل هذا أن يقول غير مسموع منك. ومعنى {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ} أي: تحريفاً إلى السب والاستخفاف. وقيل: كانوا يريدون بقولهم {راعنا} أي: راعينا مواشينا، ويوهمون أنهم يريدون راعنا، أي: انتظرنا وارفق بنا، وإنما يريدون الرعي رعي المواشي عن طريق الهزء والاستخفاف والمغالطة. قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أي: سمعنا قولك وأطعنا أمرك {واسمع} أي: اسمع منا {وانظرنا} أي: انتظرنا نفهم عنك ما تقول لكان ذلك [{خَيْراً لَّهُمْ] وَأَقْوَمَ} أي وأعدل. قوله: {يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا} الآية. هذا خطاب لليهود الذين كانوا حوالي رسول الله A أمرهم الله تعالى أن يؤمنوا بالقرآن الذي هو مصدق للتوراة ومحقق لها.
وروي " أنها نزلت في نفر من اليهود، خاطبهم النبي عليه السلام، ودعاهم إلى الإسلام وقال لهم: والله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به حق، فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد فتوعدهم الله جل ذكره بقوله: {يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ} ". وروي أن عبد الله بن سلام كان بالشام، فأقبل حتى أتى النبي عليه السلام قبل أن يدخل هلى أهله فأسلم - وقال: لقد خفت، وأنا مقبل ألا أصل إليك حتى يصير وجهي خلفي. وقيل: معنى {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ} أي: آمنوا من قبل أن تمحق صورة الوجوه حتى تصير كالأفقية تذهب بالأنف والعين والحاجب وغير ذلك من أدوات الوجه ويصير كالقفا. وقيل المعنى: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ} أبصار الوجوه فتصير لا تنظر شيئاً كالقفا. ومعنى {فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ} يرجع الوجه في موضع القفى، فيصير يمشي القهقري، قال قتادة: {فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ} تحول وجوهها قبل ظهورها. وقال مجاهد والحسن: المعنى من قبل أن نعمي قوماً عن الحق فنردهم على أدبارهم في الصلاة والكفر. وقيل: المعنى: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} أي: نمحو آثارها، فنردها على أدبارها
أي: نجعلها منابت للشعر كوجوه القردة. واختار الطبري قول ابن عباس أن المعنى من قبل أن نعمي أبصارها، فنردها في موضع القفى، وتصير الوجوه في موضع القفى فيمشي القهقري، ولا معنى لقول من قال: معناه أن نعمي قوماً فنردهم عن الحق إلى الضلالة لأن المخاطبين بهذا هم اليهود، وهم ضالون كافرون، فلا معنى لتوعدهم أن يجعلوا ضالين كافرين وهم كذلك. وقد قيل: معناه من قبل أن نطمس وجوههم التي هم فيها يريد مواضعهم وترددهم إلى الشام وهو بعيد، والطمس في اللغة العفو والدثور. وقال مالك: كان أول إسلام كعب أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ {يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً} الآية فوضع كعب يده على وجهه ورجع القهقري إلى بيته، فأسلم مكانه وقال: والله لقد خفت ألا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي. قوله: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أصحاب السبت} معناه أن نخزيهم، فنجعلهم قردة كما أخزينا أصحاب السبت الذين اعتدوا فيه. قاله قتادة والحسن والسدي وابن زيد، وهذا من الرجوع إلى الغيبة بعد المخاطبة مثل {حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ} [يونس: 22].
48
وقد قيل: معناه: أو نلعن أصحاب الوجوه، فلا يكون فيه خروج من خطاب إلى غيبة على هذا. قوله: {وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً} أي: كائناً موجوداً، والأمر في هذا الموضع: المأمور، وسمّي بالأمر عن الأمر كان (فمعناه): ولم يزل مأمور الله موجوداً كائناً إذا أراده وجده لا إله إلا هو، فهو مصدر وقع موقع المفعول كما قال {هذا خَلْقُ الله} [لقمان: 11] أي: مخلوقه. قوله: {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} الآية. قال ابن عمر: كنا معشر أصحاب رسول الله A لا نشك في قاتل المؤمن، وأكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، يعني في الشهادة له بالنار حتى نزلت: {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} فأمسكنا عن الشهادة. وروي عن ابن عمر أنه قال: لما نزلت {قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ} [الزمر: 53] إلى قوله {إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً} [الزمر: 50] قام رجل إلى النبي A فقال: والشرك يا رسول الله. فنزلت {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} فكان قوله
49
{إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً} أنه ما دون الشرك. وقيل: المعنى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء بعد التوبة ولا يحسن هذا لأنه يجب منه أن يكون من تاب، ومات على توبته موقوفاً على المشيئة إن شاء غفر له وإن شاء لم يغفر له، وهذا قول لم يقله أحد، ولا يجوز اعتقاده بل الميت على توبته مغفور له بإجماع. قوله: {وَمَن يُشْرِكْ بالله}: أي: يشرك في عبادته غيره {فَقَدِ افترى} أي: اختلق: {إِثْماً عَظِيماً}. روى جابر بن عبد الله أنه قال: " سئل النبي A عن الموجبتين، فقال: " من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله دخل النار " ". قوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} الآية. معناه ألم تر بقلبك يا محمد، إلى اليهود الذين يطهرون أنفسهم من الذنوب ويمتدحونها، وهو قولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] فلا ذنوب لنا، قاله قتادة. وقال الحسن وابن زيد: هم اليهود والنصارى قالوا: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى} [البقرة: 111] وقالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ}.
قال الضحاك والسدي: قالت اليهود ليس لنا ذنوب إلا كذنوب أولادنا يوم يولدون إنما نحن مثلهم ما عملنا بالنهار كفّر عنا بالليل، وقال الله D: { انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ} الآية [النساء: 50]. وقال مجاهد: تزكيتهم تقديم أولادهم لإمامتهم ولدعائهم يزعمون أنهم لا ذنوب لهم. وقال عكرمة: كانوا يقدمون الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم يصلون بهم، يقولون: ليست لهم ذنوب. وقال ابن عباس كانوا يقولون: إن أبنائنا إن توفوا فهم لنا قربة عند الله يستشفعون لنا ويزكوننا. وقال: ابن مسعود: " كانوا يقولون: كان بعضهم يزكي بعضاً، فقال الله تعالى: {يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} أي: يزكي بعضهم بعضاً، كما قال {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 84] أي: يقتل بعضكم بعضاً. قوله: {بَلِ الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ}. أي: يوفق من يشاء للطاعة، والعمل بما يزكيه
50
أي: يزكي عمله. والزكاة: النماء. قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} أي: ليس ينقصون من حقوقهم مقدار الفتيل، وروي عن ابن عباس انه قال: الفتيل ما خرج بين أصابعك من الوسخ إذا فتلتهما. وقيل: ما خرج بين الكفين إذا فتلتهما. وعن ابن عباس أيضاً: الفتيل الذي في بطن النواة، يعني في شق النواة كالخيط، ومثله عن مجاهد، وهو فعيل بمعنى: مفعول: وقيل: الفتيل ما في (بطن) النواة. والنقير: (النقرة) التي في ظهرها منها تنبت [النخلة]. والقطمير: القشرة الملفوفة عليها. قال الأخفش: يزكون أنفسهم تمام، وخولف في هذا لأن ما بعده متصل به. قوله: {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ} الآية. معناها: انظر يا محمد، كيف يختلقون الكذب على الله في تزكيته لأنفسهم
51
وقولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 20] وكفى بفعلهم {إِثْماً مُّبِيناً} أي: ظاهراً. قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب} الآية. معناها: ألم تر يا محمد بقلبك إلى الذين أعطوا حظاً من الكتاب يعني: علماء بني إسرائيل أعطوا في كتابهم أمر النبي A وصفته فكتموه. قال عكرمة: الجبت والطاغوت صنمان كان المشركون يعبدونهما. وقال ابن عباس: الأصنام هي الجبت والطاغوت الذين يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس. وروي عن عمر Bهـ وأرضاه أنه قال: الجبت الساحر والطاغوت الشيطان. وقال ابن جبير: الجبت بلسان الجبشة الساحر، والطاغوت الكاهن، وكذبلك قال أبو العالية. وقال قتادة: الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن، وكذلك قال السدي. وعن ابن جبير أيضاً: الجبت الكاهن والطاغوت الشيطان.
وعن ابن عباس: الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف، وهما رئيسان من رؤساء اليهود، وكذلك قال الضحاك والفراء. والجبت والطاغوت عند أهل اللغة كل ما عبد من دون الله [ D، وروي عن ابن وهب عن مالك أنه قال: الطاغوت ما عبد من دون الله] سبحانه، قال الله D: { اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا} [الزمر: 17]، قال: فقلت لمالك: وما الجبت قال: سمعت من يقول: هو الشيطان. قال قطرب: الجبت أصله عند العرب الجبس، وهو الثقيل الذي لا خير فيه ولا عنده، فأبدلت التاء عن السين، وهي لغة رديئة لا يجب أن يحمل القرآن عليها. وعن عمر: أن الجبت السحر، والطاغوت الشيطان. وقوله: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هؤلاء أهدى مِنَ الذين آمَنُواْ سَبِيلاً} أي: يقول اليهود لبعض الكفار، هؤلاء أصحابكم أهدى من المؤمنين بالله ورسوله طريقاً، يغبطونهم بتكذيب محمد A وما جاء به، وذكر أن ذلك من قول كعب بن الأشرف. وقال ابن عباس: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له قريش: أنت خير أهل
المدينة وسيدهم، قال: نعم، ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج، وأهل السداة، وأهل السقاية، قال: أنتم خير منه، فأنزل الله {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر} [الكوثر: 3] وأنزل {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ. . .} الآية. قال عكرمة: انطلق كعب بن الأشرف إلى المشركين من كفار قريش فاستجاشهم على النبي A وأمرهم أن يغزوه، وقال: أنا معكم نقاتله فقالوا: أنتم أهل كتاب، وهو صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكر منكم، فإن أردت أن نخرج معك، فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما، ففعل، وقال: أنتم خير من محمد، فأنزل الله D { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب} الآية. فالجبت والطاغوت على هذا الخبر هما الصنمان. وقال ابن زيد: فاعل ذلك حيي بن أخطب. وقيل: هو كعب، وحيي ورجلان من اليهود من بني النضير لقوا قريشاً بالموسم، فقال لهم المشركون: أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ إن أهل
53
السقاية والسدانة وأهل الحرم، فقال له: لا أنتم أهدى من محمد وأصحابه، وهم يعلمون أنهم كاذبون حملهم على ذلك الحسد، فأنزل الله D { أَلَمْ تَرَ}، الآية. قوله {أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله} أي: أخزاهم وأبعدهم من رحمته {وَمَن يَلْعَنِ الله} أي: يخزيه ويبعده عن توفيقه ورحمته {فَلَن تَجِدَ لَهُ} من ينصره من عقوبة الله ولعنته سبحانه. قوله: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الملك} الآية. أم هاهنا بمعنى: بل أي: بل لهم نصيب. وقيل: أم عاطفة على شيء محذوف قبلها تقديره: أهم أولى بالنبوة ممن أرسلت أم لهم نصيب؟. والمعنى: ليس لهم حظ من الملك، ولو كان لهم لم يعطوا الناس منه نقيراً لبخلهم. وقيل: الناس هنا: محمد A. والنقير النقطة في ظهر النواة وقيل: النقير هنا نَقْر الإنسان بأطراف أصابعه، والفائدة فيها: وصفهم بالبخل وأنهم لو كانوا ملوكاً لبخلوا بالشيء الحقير اليسير. قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ الناس} الآية. المعنى: أن اليهود حسدوا قريشاً إذ كان النبي A منهم، فوبخهم الله D وقال: {فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إبراهيم الكتاب والحكمة} فيجب أن يحسدوهم أيضاً، {وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} وهو ما أعطى سليمان A فكيف لم يحسدوا هؤلاء. وقال ابن عباس: عنى بالناس: محمد A ومن آمن به. وعنه أنه قال: نحن
الناس: يعني قريشاً، وهو قول عكرمة والسدي ومجاهد والضحاك. . . حسدوه في أمر النساء، وقالوا: قد أحل الله له من النساء ما شاء، فأنزل الله D: { يَحْسُدُونَ الناس} أي: محمداً A على ما أحل الله له من النساء، وهو الفضل فوق أربع، فأم بمعنى بل هنا، {وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} قال السدي: كانت لداود مائة امرأة ولسليمان أكثر من ذلك. وقال القتبي: كانت لسليمان سبعمائة امرأة وثلاثمائة سرية. قال همام: {مُّلْكاً عَظِيماً} أيدوا بالملائكة والجنود. قال أبو عبيدة: معنى {أَمْ يَحْسُدُونَ}: (أيحسدون). وقيل الناس هنا: العرب، حسدهم اليهود إذ كان محمد A منهم فهو الفضل. وقيل: الملك العظيم النبوة. وقيل: هو تحليل النساء لهم. وقيل: هو ما
55
أعطي سليمان. وقيل: " الملك العظيم ": هو تأييدهم بالملائكة. واختار الطبري أن يكون {مُّلْكاً عَظِيماً} هو ما أوتي سليمان A من الملك وتحليل النساء. قوله: {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ} الآية. المعنى: فمن أهل الكتاب الذين قيل لهم آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم: من آمن بالله D. وقيل: بمحمد A. وقيل: بالقرآن وهو أبينها لقوله: {آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً} ثم قال {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ} أي: بما نزلنا، وهو القرآن، {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} أي: لم يؤمن به. وقيل: {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} أي: عن محمد A ( أي): أعرض عنه، وقيل: {مَّنْ آمَنَ بِهِ}: القرآن. قاله مجاهد، وقيل: " به " بهذا الخبر. وذكر السدي في قصة طويلة أن إبراهيم صلوات الله عليه، كان عنده طعام كثير بورك له فيه كسبه من زرع زرعه من قمح كونه من عند الله تعالى، فكان الناس يأتونه في مجاعة يطلبون
56
منهم شراء الطعام، فيقول: هذا الطعام من آمن بالله فليأخذ منه، ومن لا يؤمن بالله فلا شيء له، وآمن بعض وأخذوا، وامتنع قوم من الإيمان فلم يأخذوا، فهو قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ}. وفي هذه الآية دليل علي أن من لم يؤمن قد أخرت عقوبته التي توعد بها في قوله: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ} إلى يوم القيامة لإيمان من آمن منهم وهو قوله: {وكفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} وإنما كان الوعيد لهم من الله جلت عظمته بالعقوبة على مقام جميعهم على الكفر، فلما آمن بعضهم خرجوا عن الوعيد الذي توعدوا به في دار الدنيا، وهو الطمس وأخرت عقوبة المقيمين على الكفر. وسعير: فعيل، مصروف عن مفعوله كما قال: كف خضيب، ولحية دهين، والمسعورة: الموقودة بشدة التوقد، والمعنى وكفى بجهنم سعيراً لمن صد عنه، أي: أعرض عن محمد A، وما جاء به. قوله: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ بآياتنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً} الآية. هذا وعيد من الله D لمن أقام على الكفر وأعرض عن النبي A وما جاء به {سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً} أي نلقيهم في النار.
وقيل المعنى: سوف نشويهم بنار. يقال أصليته: ألقيته في النار وصليته شويته، فنلقيهم أولى بالمعنى لأنه رباعي. قوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} أي احترقت واشتوت. قال ابن عمر: إذا احترقت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها بيضاء مثل القراطيس. قال الحسن: تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فيكونون كما كانوا. قال الربيع: سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهم أربعون ذراعاً، ومنه تسعون ذراعاً، وبطنه لو وضع فيه جبل وسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلوداً غيرها. قال الحسن: تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة. قال: وغلظ جلد الكفار أربعون ذراعاً، والله أعلم بأي ذراع. وإنما جاز أن يبدلوا جلوداً غير جلودهم التي كانت في الدنيا فيعذبون منها
وهي لم تذنب، لأن الألم إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم، وإنما تحرق النار الجلد ليصل الألم إلى الإنسان، وينعم ليصل النعيم إلى الإنسان، وليس بألم الجلد ولا اللحم وإنما يألم الإنسان، ألا ترى أنه لو مات وحرق الجلد واللحم لم يكن ألم ثابت يحس، وإنما بمنزلة الجندل إذا زالت الإنسانية منه. وقيل: المعنى: بدلناهم جلوداً غير محرقة، أي يصير الجلد (غير) محرق، وهو كما تقول: صغ لي خاتماً من هذه الفضة، فإذا تم الخاتم فهو الفضة بعينها. وقيل: المعنى: كلما نضجت سرابيلهم بدلوا سرابيل من قطران غيرها، فجعلت السرابيل لهم جلوداً لملازمتهم لها كما يقال: الشيء الخاص بالإنسان هو الجلدة ما بين عينيه لملازمته لها. وقد أخبر الله بلباسه السرابيل من قطران فقال {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ} [إبراهيم: 50] فأما جلودهم فليس تحرق لأن في احتراقها فناءها، وفي فنائها راحتها وجواز فناء غيرها من أجسامهم ولحومهم. وقد أخبر الله تعالى أنهم لا يخفف عنهم ولا يموتون.
57
والاختيار عند أهل النظر أن يكون الجلد الأول أعيد جديداً كما كان، كما تقول صغت من خاتمي خاتماً فأنت وإن غيرت المصوغة، فالفضة واحدة لم تبدلها. قوله: {لِيَذُوقُواْ العذاب} أي: فعلنا ذلك ليذوقوا العذاب أي: ألمه وشدته {إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً} أي: لم يزل عزيزاً في انتقامه لا يقدر على الامتناع منه أحد {حَكِيماً} في تدبيره وقضائه. قوله: {والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ} الآية. المعنى الذين آمنوا بمحمد A وبما جاء به وأدوا العمل الصالح فندخلهم يوم القيامة بساتين تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً أي: بغير نهاية ولا انقطاع {لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} أي بريئا من الأدناس والريب والحيض والغائط والبول والمخاط، وغير ذلك من أقذار بني آدم {وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً} (أي): كثيفاً كما قال {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} [الواقعة: 32]. وقال أبو هريرة عن النبي A: " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ". وقيل: معنى {ظِلاًّ ظَلِيلاً} أي: يظل من الحر والبرد وليس كذلك كل ظل
58
فأعلمهم الله تعالى أن ظل الجنة لا حر معه ولا برد. قوله: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا} الآية. قال زيد بن أسلم: نزلت الآية في ولاة أمور المسلمين. قال مكحول في وقوله: {وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ}: هم أهل الآية التي قبلها في قوله: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا}. وقال ابن زيد: قال أبي: هم الولاة أمرهم الله D أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها. وقال ابن جريج: خوطب بهذا النبي عليه السلام أن يرد مفاتيح الكعبة على عثمان بن طلحة كان المفتاح لآبائه من قصي، وكان أبوه قتل يوم بدر فورثه من أبيه
طلحة. وروي أن النبي A قال: " يا عثمان خذ المفاتيح على أن للعباد معك نصيباً، فأبى أن يأخذه حتى نزلت الآية، فدفعه النبي A ولم يشرك معه أحداً، فهو اليوم في ذريته الأمثال فالأمثال. وكان النبي A قد أخذها منه يوم فتح مكة، ففتح البيت ودخله، ثم خرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفاتيح ". وقيل: نزلت لما أخذ النبي A مفاتيح الكعبة من شيبة بن عثمان. وروى أهل التفسير أن العباس عم النبي عليه السلام سأل النبي عليه السلام أن يجمع له السقاية والسدانة، وهي الحجابة، وهو أن يجعل له مع السقاية فتح البيت وإغلاقه، فنازعه شيبة بن عثمان فقال: " يا رسول الله: اردد علي ما أخذت مني "، يعني مفاتيح الكعبة فرده A على شيبة. وقال الحسن: " لما فتح رسول الله A مكة دعا عثمان بن طلحة فقال: " أرنا المفتاح "، فلما أتاه به قال عباس: " يا رسول الله اجمعه لي مع السقاية، فكف عثمان يده مخافة أن يدفعه إلى العباس، فقال رسول الله A: يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم
الآخر فأرني المفتاح ". فقال: هاك في أمانة الله D، فأخذه رسول الله A، ففتح باب الكعبة، ثم دخل، فأفسدها ما كان في البيت من التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم A فوضعه حيث وصعه، ثم طاف بالبيت مرة أو مرتين، ونزل جبرئيل عليه السلام بالآية يأمره أن يرد المفتاح إلى أهله، فدعا عثمان فقال: هاك المفتاح إن الله يقول: " أدوا الأمانات إلى أهلها وقرأ الآية كلها ". وقال ابن عباس: الآية على العموم في كل من ائتمن على شيء فعليه رده إلى أهله. واختار أهل النظر أن يكون خطاباً لولاة أمور المسلمين أن يؤدوا الأمانة. يما ائتمنوا عليه من أمور المسلمين في أحكامهم والقضاء في حقوقهم بكتاب الله، والقسم بينهم بالسوية، ويدل على صحة ذلك أن الله تعالى أمر المسلمين بطاعتهم بعد ذلك فقال: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ} فحض الولاة على العدل والإنصاف بين المسلمين، وحض المسلمين على طاعة الولاة. قوله: {إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} أي: نعمه العظيمة يعظكم بها يا ولاة أمور المسلمين، في أداء ما ائتمنتم عليه من أموال المسلمين {إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً} أي: لم يزل
سميعاً لما تقولون وتنطقون وتحكمون في رعيتكم {بَصِيراً} بما تعملون فيما أئتمنكم عليه من الحكم والإنصاف، لا يخفى عليه شيء من أفعالكم. وهذا كان لولاة أمور المسلمين ومن قام مقامهم من الحكام، وقد حض على ذلك في غير موضع من كتابه فقال: {إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآءِ ذِي القربى} [النحل: 90]. وقال: {ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله} [ص: 26]. وقال: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الفاسقون} [المائدة: 47]، {فأولئك هُمُ الفاسقون} [المائدة: 47]، و {فأولئك هُمُ الظالمون} [المائدة: 45]. وقال: {كُونُواْ قوامين بالقسط شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ على أَنْفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين} [النساء: 135]. وقال A " المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمان، وكلتا يديه - جلت عظمته - يمين هم الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وأموالهم ". وقال A: " إن أحب الناس إلى الله D وأقربهم إليه سبحانه وتعالى - إمام
عادل " وقال: " إن أبغض الناس إلى الله جل ذكره وأشدهم عذاباً إمام جائر " وقال A: " إن أفضل عباد الله منزلة إمام عادل رقيق، وإن شر عباد الله تعالى منزلة يوم القيامة إمام جائر ". وقال معقل المزني عند موته: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ليس من ولي أمة قَلت أوكثرت لم يعدل فيهم إلا كبه الله على وجهه في النار". وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ما من أمير عشرة إلا وهو يجيء يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يكون عمله هو الذي يطلقه أو يوبقه، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ". وقال - صلى الله عليه وسلم -: " سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله: إمام مقسط، وشاب نشأ في عبادة الله - عز وجل - حتى توفاه الله على ذلك، ورجل ذكر الله في خلا، ففاضت عيناه من خشية الله - عز وجل -، ورجل كان قلبه متعلقاً بالمسجد حين يخرج منه حتى يرجع إليه، ورجل قال أحدهما للآخر: إني أحبك في الله، وقال الآخر: إني أحبك في الله، فتصادرا على ذلك، ورجل دعته امرأة ذات جمال ومنصب إلى نفسها فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ".
59
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فى خطبته: "اصحاب الجنه ثلاثة: ذو سلطان مقسط ,ومصدق مؤمن , ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذى قربى ومسلم , ورجل عفيف فقير. قال ابن مسعود, إذا كان الإمام عادلا فله الأجر , وعليكم الشكر وإذا كان جائرا فعليه الوزر وعليكم الصبر. وقال بعض الحكماء انفع من خصب الزمان. قوله: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله. . .} الآية. أي: دوموا على طاعته {وَأَطِيعُواْ الرسول} في سنته، وما أتاكم به {وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ} أي: ولاة أموركم، وهم الأمراء، قال ذلك أبو هريرة، وابن عباس وغيرهما. وقيل: هم أصحاب السرايا على عهد رسول الله A. وقال زيد بن زيد أسلم: هم السلاطين. وقال جابر بن عبد الله " هم أهل العلم والفقه والخير، قاله مجاهد وقتادة، وأبو العالية، وروي عن ابن عباس مثله وقاله عطاء، ولذلك قيل، إن الأمر في هذا: القرآن: فمعناه: وأولي القرآن، وأولي العلم بالقرآن، ودل على أن الأمر: القرآن
قوله: {ذَلِكَ أَمْرُ الله أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ} [الطلاق: 5]. وعن ابن عباس أنه قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي A في سرية. وروي عن مجاهد أنه قال: هم أصحاب محمد A. وقال عكرمة: هم أبو بكر وعمر. واختار أهل النظر أن يكون المراد أمراء مسلمين لقوله A: " سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره، ويليكم الفاجر بفجوره فاسمعوا لهم، وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم ". قال A: " على المرء المسلم الطاعة ". وقال A: " لا يزال الناس بخير ما استقامت لهم هذاتهم وولاتهم " والهداة العلماء العاملون بعلمهم. قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله} الآية.
60
المعنى: إن اختلفتم في شيء من أمور دينكم فردوه إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله، وحكمه. وقيل: المعنى إن اختلفتم في شيء فقولوا: الله أعلم، على التغليظ في الاختلاف والنهي عنه، قوله: {ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي هذا الفعل خير لكم في دنياكم وأخراكم، وأحسن عاقبة، لأنه يدعوكم إلى الإلفة وترك الاختلاف والتنازع، والفرقة. وقال مجاهد {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}: أحسن جزاء. وقيل: أحسن ثواباً وخير عاقبة. قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُو} الآية: معناه ألم تعلم بقلبك الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك من الكتاب، وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمرهم الله أن يكفروا به: أي: بما جاء به الطاغوت. والطاغوت كل ما عبد من دون الله D فهو جماعة، وهو يذكر ويؤنث، فإذا ذُكِّر ذهب به إلى [معنى] الشيطان وإذا أُنِّث ذُهب [به] إلى معنى الألوهية، وإذا جمع ذهب به إلى [معنى] الأصنام.
قال الله في التذكير: {وَقَدْ أمروا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} فذكر على معنى الشيطان، وقيل: هو كعب بن الأشرف. قال الله جل ذكره: {اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا} [الزمر: 17] فأنث على معنى الألوهية. وقال في الجمع: {أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُمْ} [البقرة: 257] فجمع على معنى: أوليلؤهم الأصنام. قوله: {يُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ} أن يضلهم أي: يضل هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن الحق أي: يصدهم عنه. وروي أن هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين دعا رجلاً من اليهود في خصومة كانت بينهما، فكان المنافق يدعوه إلى اليهود لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، واصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن جهينة ليحكم بينهم، ورسول الله A بين أظهرهم، فأنزل الله هذه الآية فقوله: {يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} يعني به المنافق {وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} يعني به اليهود {يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت} وهو الكاهن {وَقَدْ أمروا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} أمر هذا في كتابه، وهذا في كتابه أن يكفروا بالكاهن. وقيل: إنهما رجلان من اليهود تخاصما فدعا أحدهما إلى النبي A والآخر يدعو إلى الكاهن فمضيا، فأنزل الله هذه الآية.
وقال ابن عباس: كانت اليهود إذا دعيت إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أبوا، وقالوا: بل نتخاصم إلى كعب بن الأشرف، فأنزل الله هذه الآية. وقوله {ضَلاَلاً} مصدر لفعل دل عليه {يُضِلَّهُمْ} كأنه فيضلهم {ضَلاَلاً} مثل: {أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً} [نوح: 17]. قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَآ أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول} هذا ذم لفعل المذكورين أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت، فأخبر الله تعالى أنهم إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله " أي: إلى كتابه جلت عظمته وإلى رسوله A { رَأَيْتَ المنافقين يَصُدُّونَ} أي: يمتنعون عنك. و {صُدُوداً}: هو اسم للمصدر عند الخليل، والمصدر عنده الصد، وهو مصدر عند الكوفيين، والصد أيضاً مصدر عندهم. ووقع الإخبار عن المنافق بالصد لأنه هو الذي دعا إلى الكاهن، ولم يمض إلى رسول الله A. وقال ابن جريج: دعا اليهودي المنافق إلى رسول الله A. وقيل: " دعا اليهودي المنافق إلى رسول الله A، فقال المنافق: بيني وبينك الكاهن، فلم يرض اليهودي بالكاهن، ومضيا إلى النبي A فحكم لليهودي على
62
المنافق، فقال المنافق: لا أرضى، وقال: بيني وبينك أبو بكر، فحكم أبو بكر لليهودي، فلم يرض المنافق، فقال: بيني وبينك عمر، فمضيا إلى عمر فأخبره اليهودي أن المنافق قد حكم عليه النبي A، وأبو بكر فلم يرض بحكمهما، فقال عمر للمنفق: كذلك؟: قال: نعم، قال عمر اصبر، فإن لي حاجة ادخل فأقضيها وأخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه وخرج إلى المنافق فضاربه بالسيف فقتله، فجاء أهله فشكوا إلى النبي A، فسأله عن قصته فقال عمر: رد حكمك يا رسول الله! فقال النبي A: أنت الفاروق ". ومعنى: يصدون عنك أي: عن حكمك. قوله: {فَكَيْفَ إِذَآ أصابتهم مُّصِيبَةٌ} الآية. معنى: كيف في هذا: الاستفهام، ولها معان أخرى. تكون بمعنى التحذير، والتخويف نحو قوله {فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ} [النمل: 51]. وتكون بمعنى الجحود فتتبعها إلى نحو قوله {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله} [التوبة: 7] ألا ترى بعده {إِلاَّ الذين} [التوبة: 7] تقديره ما يكون للمشركين عهد. وتكون كيف استفهام بمعنى التوبيخ والتعجب، نحو قوله {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أمواتا} [البقرة: 28] {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ آيَاتُ الله} [آل عمران: 101] وتكون تنبيهاً نحو قوله:
{انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا} [الإسراء: 21]، {انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال} [الإسراء: 48]. وتكون توكيداً لما قبلها، وتحقيقاً له، نحو قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} [النساء: 41] فهذا كله من تفسير الكوفيين النحويين وهو صحيح. والمعنى كيف يكون حال هؤلاء الذين يتحاكمون إلى الطاغوت ويزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ويمتنعون أن يأتوا حكمك إذا أصابتهم مصيبة أي: نزلت بهم نقمة من الله تعالى {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: بذنوبهم التي تلفت منهم {ثُمَّ جَآءُوكَ} حالفين بالله {إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إحسانا وَتَوْفِيقاً}. أخبر الله عنهم أنهم لا يردعهم عن النفاق: والعبر والنقمات وأنهم إذا أصابتهم مصيبة بذنوبهم أخذوا يحلفون كاذبين أنا لم نرد إلا الإحسان والتوفيق أي: لم نرد باحتكامنا إلى الكاهن إلا الإحسان من بعضنا البعض، ولم يرجعوا إلى التوبة والاعتراف. وقيل: أنهم أتوا النبي A في أمر القتيل الذي قتله عمر وحلفوا، أنا أردنا بطلب الدم إلا إحساناً وموافقة الحق.
64
قوله: {أولئك الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ} أي: يعلم ما أضمروا من احتكامهم إلى الكاهن، وتركهم الاحتكام إلى كتاب الله ورسوله A، فهو يعلم ذلك منهم، وإن حلفوا أنا أردنا إلا الإحسان والتوفيق {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} (أي): فدعوهم ولا تعاقبهم في أبدانهم ولكن {عِظْهُمْ} بالتخويف من الله D أن تحل بهم عقوبة منه {وَقُل لَّهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} هذا التوعد بالقتل لمن خالف حكم الله وكفر به. وقيل: قوله {في أَنْفُسِهِمْ} مؤخر عن موضعه يراد به التقديم، فكيف إذا أصابتهم مصيبة في أنفسهم بما قدمت أيديهم. وكونه في غير موضعه من غير تقديم ولا تأخير، أحسن لتمام المعنى بذلك، إنما يحسن تقدير التقديم والتأخير إذا لم يكمل معنى الآية، وتقدير التقديم والتأخير مروي عن مجاهد. قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله} الآية. المعنى {وَمَآ أَرْسَلْنَا} رسولاً إلا افترضنا طاعته على أمر من أرسل إليهم، فأنت يا محمد من الرسل الذين فرضت طاعتهم على من أرسلته إليهم فهذا توبيخ لمن احتكم إلى غير النبي A. قوله: {بِإِذْنِ الله} أي: بعلمه، فدل هذا، أن هؤلاء الذين لم يتحاكموا إلى
65
رسول الله A وتركوا طاعته إنما ذلك لشيء سبق في علم الله D، فطاعته تكون ممن سبق في علم الله أنه يطيعه، وكذلك خلافه. قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلموا أَنْفُسَهُمْ} لو أن هؤلاء المنافقين إذ تحاكموا إلى الكاهن، فظلموا أنفسهم بذلك {جَآءُوكَ} تائبين مستغفرين مما فعلوا، فسألت الله العفو عن جرمهم {لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً} ومعنى تواباً راجعاً عما يكرهون إلى ما يحبون، رحيماً بهم في تركه عقوبتهم على ذنبهم. قوله: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} الآية. المعنى في قوله: {فَلاَ} أي: ليس الأمر على ما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك، ثم استأنف القسم فقال: {وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي: وربك يا محمد، لا يؤمنون أي: لا يصدقون بالله D ونبيه A { حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}، أي: يحكمونك حَكَماً بينهم في خصوماتهم. وقرأ أبو السمأل: {شَجَرَ بَيْنَهُمْ} بإسكان الجيم وهو بعيد لخفة الفتحة. قوله: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ} أي: ضيقاً من حكمك أي لا تأثم أنفسهم بإنكارها حكمك، وشكها في طاعتك لأن الحرج الإثم، وكأنه قال: ثم لا
تحرج أنفسهم بإنكارها حكمك، قال: معنى ذلك مجاهد والضحاك. وقيل: الحرج: الشك وكله يرجع إ'لى الإثم. {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} أي: يسلموا لحكمك إقراراً بنبوتك. ويروى أن هذه الآية نزلت في الزبير بن العوام وخصم له، " ذكر عن الزبير أنه خاصم رجلاً من الأنصار وهو حاطب بن أبي بلتعة في شريج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري سرح الماء يمر، وكانت أرضه أسفل من أرض الزبير فأبى عليه، فاختصما إلى النبي A، فقال رسول الله A: اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك. فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله إن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله A، ثم قال: يا زبير اسق، ثم تحبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر، ثم أرسل الماء إلى جارك، فاستوعب رسول الله A للزبير حقه في صريح الحكم وكان
أولاً أراد النبي A الرفوت والسعة لهما فنزلت الآية ". وقيل: نزلت في اليهودي والمنافق اللذين تقدم ذكرهما قاله مجاهد وغيره، وهو أولى بسياق الكلام. قال الطبري: ولا ينكر أن تكون الآية نزلت في الجميع فيكون حكم المتحاكمين إلى الطاغوت، وحكم الزبير وخصمه. ومن قال إنها في الزبير وخصمه ما زالت أحسن الوقف على ما [قبل الآية، ومن قال: إنها في اليهود والمنافق ما زالت، فليس الوقوف على ما] قبلها بتمام، لأن القصة واحدة. وروي " أنها نزلت في رجلين اختصما إلى النبي A، فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه ردنا إلى عمر، فقال النبي A: انطلقا إلى عمر، فلما أتيا عمر قال الذي له الخق: يا ابن الخطاب قضى رسول الله A على هذا، فقال: ردنا إلى عمر فردنا إليك، قال: كذلك؟ قال: نعم! قال عمر: مكانكما حتى أخرج فأقضي بينكما، فخرج إليهما مشتملاً على سيفه، فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فاراً إلى
66
رسول الله A فأخبر النبي A: " ما كنت أطن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن "! فأنزل الله D: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} الآية ". قوله {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} الآية. فالمعنى: ولو أنا كتبنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك المتحاكمين إلى الطاغوت أي: فرضنا عليهم قتل أنفسهم، والخروج من ديارهم ما فعل ذلك إلا قليل منهم. ومعنى: قتل أنفسهم قتل بعضهم بعضاً كما أمر أصحاب موسى A، ولما نزل ذلك افتخر ثابت بن قيس ورجل من اليهود، فقال اليهودي، والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم فقتلنا أنفسنا وبلغت القتلى منا سبعون ألفاً، فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا، فأنزل الله D { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} وقيل: " إن الآية لما نزلت قال رجل من أصحاب النبي A قيل: هو أبو بكر Bهـ لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك النبي A فقال: " إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي ".
69
ومعنى {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} أي: أثبت لهم في أمورهم وأقوى. وقال السدي: وأشد تثبيتاً أي تصديقاً. قوله: {وَإِذاً لأتيناهم مِّن لَّدُنَّآ أَجْراً عَظِيماً} المعنى: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً، {وَإِذاً لأتيناهم مِّن لَّدُنَّآ أَجْراً عَظِيماً}، أي ثواباً في الآخرة {وَلَهَدَيْنَاهُمْ} أي لوفقناهم للصراط المستقيم وهو طريق الجنة. قولهم: {وَمَن يُطِعِ الله والرسو} الآية. المعنى من يطع الله D والرسول A بتسليم لأمرهما والرضا بحكمهما، فهو مع الذين أنعم الله عليهم لأنبيائه، وأهل طاعته في الآخرة {وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً} أي: وحسن الأنبياء ومن معهم رفيقاً. و {رَفِيقاً} منصوب على الحال عند الأخفش، بمعنى رفقاء، وقال الكوفيون: نصبه على التفسير، وقال بعض البصريين نصبه على التمييز. والصديقون: أتباع الأنبياء صلوات الله عليهم، صدقوهم فهو فعيل من الصدق وقد كثر ذلك عنه.
وقيل: هو فعيل من الصدقة كأنه (كثر) ذلك منه. وروي عن النبي A في حكاية أنه قال: " الصديقون المتصدقون ". وفعيل أصله المبالغة في ذم أو مدح. {والشهدآء} جمع شهيد، وهو المقتول في سبيل لله [شهد لله D بالحق، فسمي شهيداً لذلك. وقيل: سمي شهيداً لأنه يشهد كرامة الله] سبحانه وقيل: لأنه يشهد على العباد بأعمالهم يوم القيامة، وقيل: هم الذين قاموا وشهدوا لله بالحق. ويقال: الشهداء عدول يوم القيامة. {والصالحين} كل من صلحت سريرته وعلانيته. {وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً} في الجنة. والرزق لفظه لفظ واحد وهو في معنى الجمع. ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم حزنوا على فقد النبي A حذر ألا يروه في الآخرة، فأخبرهم الله D أن من أطاعه، وأطاع رسوله مع النبيين في الجنة.
وقال ابن جبير: " جاء رجل من الأنصار إلى النبي A وهو محزون: قيل: هو عبد الله بن زيد الذي رأى الآذان في منامه، فقال له النبي A: " مالي أراك محزوناً؟ " فقال: يا نبي الله، شيء فكرت فيه يقال: " ما هو؟ " فقال: نحن نغدر ونروح ننظر في وجهك ونجالسك، وغداً ترفع مع النبيين فلا تصل إليك، فلم يرد عليه النبي A شيئاً، فأتاه جبريل A بهذه الآية: {وَمَن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين} الآية. فبعث إليه النبي A فبشره ". وقال مسروق: قال أصحاب رسول الله A له: ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك لو قدمت رفعت فوقنا، فلم نرك، فأنزل الله D { وَمَن يُطِعِ الله والرسول} الآية: وروي نحو ذلك قتادة والسدي وغيرهما. وقال عطاء: " جاء رجل من الأنصار إلى النبي A وهو يبكي، فقال: " ما يبكيك يا فلان؟ " فقال: يا نبي الله والله الذي لا إله 'لاّ هو، لأنت أحب إلي من أهلي ومالي، والله الذي لا إله إلا هو، لأنت أحب إلي من نفسي، وأنا أذكرك وأنا في أهلي،
71
فيأخذني الجنون حتى أراك، فذكرت موتك وموتي، فعرفت ألا اجتمع معك، إلا في الدنيا، وأنت ترفع مع النبيين وعرفت أني إن دخلت الجنة منزلتي أدنى من منزلتك، فلم يرد النبي A شيئاً، فأنزل الله D { وَمَن يُطِعِ الله والرسول} الآية ". قيل هو عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في المنام وروي أنه لما بلغه موت رسول الله A قال: اللهم اعمني حتى لا أرى شيئاً بعد حبيبي A فعمي من وقته. قوله: {ذلك الفضل} أي ذلك العطاء بأن يكونوا مع النبيين صلوات الله عليهم، فضل من الله D عليهم، بأن وفقهم للطاعة، فجعلهم من النبيين والصديقين في الجنة، فهو سابقة منه لهم، لم يطيعوا إلا بفضله، وبالطاعة التي هي بفضله وصلوا إلى فضله، فكل من عنده، وبفضل منه، لا إله إلا هو، لا خير إلا من عنده، ولا توفيق إلا به يوفق للخير ويجازي عليه بخير، فهذا الفضل العظيم الظاهر {وكفى بالله عَلِيماً} أي اكتفوا به. قوله: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ. . .} الآية. هذا أمر من الله للمؤمنين أن يأخذوا أسلحتهم وينفروا إلى عدوهم مجتمعين أو متفرقين، جماعة بعد جماعة، يعني سرايا متفرقين.
فقوله: {ثُبَاتٍ} جمع ثبة، والساقط منها اللام، وهو ياء وتصغيرها ثبية، وثبت الحوض، وهو يثوب الماء إلى الحوض أي رجع، الساقط منها العين وهو واو، لأنها من: ثاب يتوب، وتصغيرها: تويبة، والثُبات هنا: الجماعة المتفرقة. قوله: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ}: لام " لام " تأكيد وليبطئن لام قسم، كان التقدير لمن أقسم: ليبطئن، والتشديد [في الطاء] بمعنى التكثير. وقرأ مجاهد: " ليبطئن " بإسكان الباء، وتخفيف الطاء. ومن قرأ كأن لم تكن، فلتأنيث لفظ المودة. ومن قرأ بالياء حمله على معنى الود. لأن المودة والود بمعنى واحد. وقرأ الحسن ليقولن بضم اللام على الجمع حمله على معنى من، فَضَم، لتدل على الواو المحذوفة. ومعنى الآية أن الله تعالى أعلم المؤمنين منهم من يبطئ أن ينفر معهم إلى جهاد
74
العدو، أي يتأخر وهم المنافقون، فإن أصابتكم أيها المؤمنون مصيبة. أي: هزيمة أو قتل أو جراح من عدوكم قال: {قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً} أي حاضر، فيصيبني ما أصابهم ولئن أصابكم فضل من الله " اللام في " لئن لام اليمين و " فضل " أي: ظفر على عدوكم أو غنيمة. {لَيَقُولَنَّ} هذا الذي أبطأ عنكم، وجلس عن قتال عدوكم: {ياليتني كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} هذا كله صفة المنافق يشمت إذا أصاب المؤمن ضرر ويحسدهم إذا أصابوا نفعاً وظفراً، فهو غير راج ثواباً، ولا خائف من عقاب كل هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم. والتقدير في: كأن لم يكن بينكم وبينه مودة " أن يكون مؤخر المعنى " [فأفوز فوزاً عظيماً كأن لم يكن بينكم وبينهم] أي: كأن لم يعاقبكم على الجهاد. وقيل: التقدير {قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً} كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة ولا أن أصابكم فضل من الله ". قوله: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله الذين يَشْرُونَ الحياة} الآية. حض الله D المؤمنين على القتال في هذه الآية غالبين أو مغلوبين، ومعنى، {فِي سَبِيلِ الله} أي: في ذات الله ودينه، ومعنى {يَشْرُونَ} يبيعون حياتهم الدنيا بنعيم الآخرة، يقال: شربت الشيء بعته، وشريته اشتريته {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} أي:
75
نعطيه في الآخرة ثواباً عظيماً [ال] معظمه مقدار يبلغ إليه الخلق. قوله: {وَمَا لَكُمْ لاَ تقاتلون فِي سَبِيلِ الله والمستضعفين} الآية. {المستضعفين} عطف على السبيل كأنه قال: " وفي المستضعفين أي: في خلاصهم. وقيل: المعنى: وفي سبيل المستضعفين، وهم الذين أسلموا بمكة وغلبوا على أنفسهم بالقهر، وعذبوا في أبدانهم ليرجعوا عن دينهم. حض الله D المؤمنين على القتال من أجل دين الله سبحانه [ومن أجل] المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، عذرهم الله، وأخبر أنهم يقولون {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية الظالم أَهْلُهَا} أي: التي ظلم أهلها. روى الحسن وقتادة: أن رجلاً من بني إسرائيل خرج من القرية الظالمة إلى القرية الصالحة فأدركه الموت في الطريق فنأى بصدره إلى القرية الصالحة، فاحتجت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمروا أن يعدوا أقرب القريتين إليه، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر، فتوفته ملائكة الرحمة، وقيل: أن الله قرب إليه القرية الصالحة والقرية الصالحة هي مكة. قوله: {واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} أي: من عندك ولياً يلي خلاصنا.
76
{واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} أي: من عندك من ينصرنا على أعدائك، وينصرنا على الخلاص منهم، والذين في موضع خفض على البدل من المستضعفين، أو نعت لهم، أو نعت للجميع المذكور من الرجال وغيرهم. قوله: {الذين آمَنُواْ يقاتلون فِي سَبِيلِ الله} الآية. أخبر الله D أن: {الذين} صدقوا بالنبي A وبما جاء به يقاتلون في سبيل الله. وأن الكافرين يقاتلون في سبيل الطاغوت، وهو الشيطان هاهنا بدليل قوله: {فقاتلوا أَوْلِيَاءَ الشيطان} أي: الذين يتولونه ويطيعون أمره {إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً}: لأولياؤه ضعاف لأنهم يقاتلون لغير الثواب، والمؤمنون يقاتلون رجاء الثواب. قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كفوا أَيْدِيَكُمْ} الآية. هذه الآية نزلت في ناس من أصحاب النبي A تسرعوا إلى قتال المشركين بمكة قبل الهجرة، بما يلقون منهم من الأذى، فقيل لهم: كفوا أيديكم عن القتال وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فكانوا يتمنون القتال {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ} كرهه جماعة منهم، ومعنى كتب فرض، ومعنى {لولا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ} أي: إلى أن نموت
بآجالنا، ولا نتعرض للقتال فنقتل، حباً للدنيا فقال الله تعالى {قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ والآخرة خَيْرٌ لِّمَنِ اتقى}. قال ابن عباس: هو عبد الرحمن بن عوف وأصحابه سألوا النبي A القتال ثم كرهه جماعة منهم لما فرض غليهم. وقال السدي: قوم أسلموا قبل أن يفرض القتال فسألوا القتال، فلما فرض عليهم كرهه جماعة منهم وخاف منه كما يخاف الله وأشد من ذلك. وقيل: هم المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه. وقيل: نزلت في يهود فعلوا ذلك، فنهى الله هذه الأمَة أن تصنع صنيعهم. ويجوز - والله أعلم - أن يكون هؤلاء اليهود الذين فعلوا ذلك هم الذين ذكرهم الله في البقرة في قوله {إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعث لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله} [البقرة: 246] ثم قال: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال} [البقرة: 246] أي فرض {تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} [البقرة: 246]. ومن قراء {وَلاَ تُظْلَمُونَ} بالتاء أجراه على الخطاب لأن بعده {أَيْنَمَا تَكُونُواْ}.
78
ومن قرأ بالياء أجراه على ما قبله وهو قوله: {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} وقوله {وَقَالُواْ} وقوله {لَهُمْ} وقوله {كفوا} وشبهه. {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} الآية. هذا توبيخ من الله D لهؤلاء الذين يخشون الناس كخشية الله فراراً من الموت، فقال الله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}. قال مالك: في قصور السماء، ألا تسمع قوله: {والسمآء ذَاتِ البروج} [البروج: 1] وقيل: معناه: " في قصور محصنة قاله قتادة. وقيل المعنى: في قصور السماء، قاله أبو العالية. والمشيدة عند أهل اللغة المطولة، والمشيدة بالتخفيف المزينة، وقيل: هي المعمولة بالشيد وهو الجص. وقال بعض الكوفيين: التخفيف والتثقيل أصلحهما واحد. والتشديد يراد به الجمع كقولهم: غنم مذبحة، وقباب مصنعة، فيقال: " قصور
مشيدة " على ذلك {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} [الحج: 45] مثل: كبش مذبوح وكباش مذبحة. (ومَّشِيدٍ) مفعول: فالمشيدة على هذا المعمولة بالشيد وهو الجص وكذلك قال عكرمة. قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله} أي: رضاء أو ظفر أو غنيمة {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ} أي: شدة وهزيمة أو جراح (يقولوا هذه من سوء تدبيرك) {قُلْ} يا محمد {كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله} أي: الشدة والرخاء، والظفر والهزيمة {مِنْ عِندِ الله} أي: بقضائه وقدره {فَمَالِ هؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} أي: ما شأنهم لا يفقهون أن كلاً من عند الله سبحانه. والوقف على {فَمَالِ هؤلاء} لا يحسن، لأنه إن خالف خط المصحف لم يحسن، وإن وقف على الكلام قبح لأنه لام خفض وقد روي عن بعضهم الوقف على اللام وهو حمزة والكسائي وعاصم قياساً على أصولهم في اتباع السواد، وروي عن غيرهم من القراء الوقف على {فَمَا} على الأصل، والاختيار ألا يوقف عليه فهو
79
أسلم وأحسن، وليس بموضع تمام، وإنما تكلم فيه الناس على الاضطرار وانقطاع النفس، ووقع ذلك كيف يكون الوقف، فأما أن يتعمد الوقف على هذا فلا يجوز. قوله: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله. . .} الآية. قال الأخفش: {مَّآ} بمعنى الذي. وقيل: {مَّآ} للشرط. والمعنى: ما أصابك يا محمد من خصب ورخاء وصحة وسلامة، فبفضل الله عليك وإحسانه، وما أصابك من جدب وشدة وسقم وألم، فبذنب أتيته قوقبت به، والخطاب للنبي A، والمراد أمته، وكان النبي A يقول: " ما يصيب الرجل من خدش من عود ولا غيره إلا بذنب، وما يغفر الله D أكثر ". وقال ابن عباس: الحسنة هنا فتح بدر وغنيمتها، والسيئة ما أصابه يوم أحد عوقبوا عند خلاف الرماة لأمر النبي A، فكان ما عوقب به بذنوبهم التي اجترحوها، فهو قوله {فَمِن نَّفْسِكَ} قال أبو زيد: " وقوله في آل عمران ":
{قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] معناه بذنوبكم وهو بهذا المعنى. وقرأ ابن عباس: فمن نفسك وأنا كتبتها عليك وكذلك هي قراءة عبد الله بن مسعود. وعن ابن عباس أن الآية نزلت في قصة أحد تقول: ما فتحت عليك يا محمد من فتح فمني وما كانت من نكبة فمن ذنبك وأنا قدرت ذلك عليك. وقد ذكر النحاس: أن القول محذوف من الآية والتقدير {لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} يقول ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة من نفسك [أي: بشؤمك]. وذكر ابن الأنباري قولاً ثالثاً: أن المعنى: ما أصابك الله به من حسنة فمنه،
وما أصابك من سيئة فمن نفسك] أي: بذنبك فالفعلان من الله D، وهذا يرجع إلى القول الأول. وذكر فيه قولاً رابعاً: وهو أن يقدر ألف الاستفهام محذوفة والتقدير: وما أصابك من سيئة. أفمن نفسك؟ كما قال: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا (عَلَيَّ)} [الشعراء: 22] على معنى: وتلك نعمة كما قال في قوله تعالى: {فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبِّي} [الأنعام: 78] أي: هذا ربي لأنه لم يوجب أنه ربه وإنما قال هذا ربي على سبيل الاستخبار. قال نفطوية: أصل السيئة ما يسوؤك، فالمعنى وما أصابك من أمر يسوؤك فهو بذنبك وذلك أمر من الله. وقال الضحاك عن ابن عباس: الحسنة هنا ما أصاب المسلمين من الظفر يوم بدر، والسيئات ما نكبوا به يوم أحد. قوله: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} الآية. رسولاً: مصدر مؤكد لأرسلناك، ودخلت " من " في قوله: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ}
80
كما تدخل مع حروف الشرط تقول: إن يكرمني من أحد أكرمه، فتدخل من لأنه غير واجب كما تدخل في النفي إذا هو غير واجب، ولكنها تلزم في الشرط في مثل هذا. قوله: {مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله} الآية. هذا إعذار من الله D إلى خلقه في طاعة نبيه عليه السلام فإنه عن الله يأمر وينهى، وهو رد إلى قوله: {وَأَرْسَلْنَاكَ} للناس رسولاً، ثم قال: ومن يطعك فقد أطاع الله، لكنه خرج من لفظ الخطاب إلى لفظ الغيبة، كما قال: {حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك} [يونس: 22] ثم قال: {وَجَرَيْنَ بِهِم} [يونس: 22]، {وَمَن تولى} أي: من طاعتك يا محمد {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً}، رجع الكلام إلى الخطاب ولو جرى على الغيبة لقال: فما أرسلناه. وقيل: معنى الآية: من يطع الرسول في سنته فقد أطاع الله في فرائضه، وهذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين، لأن قوله فما أرسلناك عليهم حفيظاً. يدل على الإعراض عنهم وتركهم إذا تولوا عنه، وهذا مثل " {إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ} [الشورى: 48] " ثم
81
أتى بعد ذلك الغلظة والأمر بالقتال، قال ذلك ابن زيد. وقال أبو عبيدة: معنى " حفيظاً " محتسباً. قوله: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ} الآية. " طاعة " رفعت على معنى: أمرنا طاعة، فالمبتدأ مضمر وأجاز الأخفش النصب [على] المصدر كأنهم يقولون نطيع طاعة، وهذه الآية، نزلت في الذين تقدم ذكرهم أنهم لما كتب عليهم القتال خشوا {الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} [النساء: 77]. فالمعنى: يقولون أمرنا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه يا محمد، فإذا خرجوا من عندك يا محمد {بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الذي تَقُولُ} أي: غير جماعة منهم ليلاً الذي تقول أي: تقول الطائفة. ويجوز أن يكون المعنى غير الذي تقول يا محمد من القرآن وغير ذلك، وكل من
82
عمل عملاً فقد بيته، {والله يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} أي: يثبت ما يغيرون من قولك في كتب أعمالهم التي تحصى عليهم. قال السدي: هم المنافقون يطيعون، إذا حضروا، فإذا خرجوا غيروا وبدلوا، وقال ابن عباس وغيره. وقيل معنى: يكتب ما يبيتون أي ينزله في كتابه إليك يا محمد ويخبرك به، وفي ذلك أعظم الآيات للنبي A لأنه يخبرهم بما يسرون ليلاً. قوله: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي: دعهم قال الضحاك: المعنى لا تخبرهم بأسمائهم. {وَتَوَكَّلْ عَلَى الله} فوض أمرك إليه، {وكفى بالله وَكِيلاً}، أي: حسبك ناصراً على عدوك. قوله: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله} الآية. [المعنى]: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ} المبيتون غير ما تقول {القرآن} فيعلمون حجة الله عليهم، وأنك أتيتهم بالحق من عند الله متسق المعاني مختلف الأحكام بعضه يشهد على بعض بالتحقيق وأن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض، فليس من كلام آدمي إلا وفيه اختلاف، إما في
83
وصفه، وإما في معناه، وإما في بلاغته، وإما في غير ذلك، من أنواع فنونه، والقرآن لا يدخله شيء من ذلك كله. وقوله: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله} معناه على قولكم ودعواكم إذ ليس يجوز أن يأتي من عند غير الله مثله، ومعنى {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن} ألا ينظرون في عاقبته، يقال: " تدبرت الشيء فكرت في عاقبته ". قوله: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ} الآية. هذا خبر من الله D هؤلاء المنافقين الذين يبيتون غير ما يقول القرآن إذا جاءهم [خبر] من سرية غزت للمسلمين أنهم آمنون من عندهم، (أو) أنهم خائفون: صحيح أو غير صحيح، لم يتوقفوا حتى يصح، ويثبت، وأفشوه في الناس. وقوله: {أَذَاعُواْ بِهِ} أي: أفشوا (ونشروا) وأسمعوا به، وأعلنوه كان خيراً
أو شراً فبثوه في الناس قبل رسول الله A. وقوله: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ} أي: ولو ردوا الأمر الذي جاءهم إلى الرسول A حتى يكون هو الذي يخبر الناس به إن كان صحيحاً، ويسكت عنه إن كان سقيماً {وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ} أي: ليعلموا صحته وسقمه فيخبرون الناس بالصحيح. والهاء في {بِهِ} وفي {لَعَلِمَهُ} و {يَسْتَنْبِطُونَهُ} للأمر، وقيل: للخوف، وقيل: عليهما جميعاً، واكتفى بالتوحيد عن التثنية. ومعنى: {يَسْتَنْبِطُونَهُ} أي: يبحثون عن صحته، ويستخرجونه. والهاء والميم في " منهم " تعود على أولي الأمر أي: ليعلم ذلك من أولي الأمر من يستنبطه أي: يبحث عن صحته ويستخرجها. يقال: استنبطت الركية: استخرجت ماءها وسمي النبط نبطاً لاستنباط الماء. أي: استخراجهم الماء، والنبط: الماء المستخرج من الأرض. وقيل: إن الذين عنوا بذلك ضعفة المسلمين كانوا يسمعون من المنافقين أخباراً غير صحيحة فيفشونها فعذلهم الله على ذلك، وأمرهم برد ما سمعوا إلى النبي A، وأولي الأمر فيعلمون صحة ما قيل من سقمه، ويعرفون كذبه من صحته
بالاستنباط. وقوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} أي: لولا نعمته عليكم بأن عافاكم مما ابتُلي بـ هؤلاء المنافقون الذين وصفهم بالتبييت والخلاف {لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان} وهو خطاب للذين قال لهم {خُذُواْ حِذْرَكُمْ فانفروا ثُبَاتٍ}. وقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً} الآية. هو استثناء من المستنبطين قاله قتادة، وهو قول الزجاج واختياره. وقال ابن عباس هو استثناء من قوله: {أَذَاعُواْ بِهِ} {إِلاَّ قَلِيلاً} فهو استثناء من الإذاعة، وهو قول الأخفش والكسائي وأبي عبيدة، وأبي حاتم [وأبي عبيد] وجماعة من النحويين، وهو اختيار الطبري.
84
وقال الضحاك: هو استثناء من {لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان إِلاَّ قَلِيلاً} وهم أصحاب النبي A، الذي لم يهموا باتباع الشيطان كما هم الذين استنقدهم الله. ومعنى {أَذَاعُواْ بِهِ} وأذاعواه سواء، قاله الكسائي. قوله: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} الآية. المعنى: جاهد يا محمد أعداء الله {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} أي: لا يلزمك إلا أن تقاتل بنفسك {وَحَرِّضِ المؤمنين} أي: حضهم على القتال معك، وأعلمهم ثواب الله في الآخرة للشهداء، {عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ} أي: يكف قتاهم، وعسى من الله واجبة، {والله أَشَدُّ بَأْساً} أي: نكاية في الكفار {وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} أي: عقوبة، وهذه الفاء في {فَقَاتِلْ} متعلقة بقوله {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} {فَقَاتِلْ} أي: من أجل هذا فقاتل. وقيل: هي متعلقة بقوله: {وَمَا لَكُمْ لاَ تقاتلون فِي سَبِيلِ الله} [النساء: 75] وإنما أمره تعالى بالقتل وحده لأنه وعده بالنصر، ولما أمره الله D بالقتل بنفسه لبس يوم أحد
85
درعيم، وركب فرسه وأسكب نبله، فلما نزعه انكسرت بينية القوس من قوته، فأكب نبله، وجعل يناول سعداً سهماً ويقول: ارم فداك أبي وأمي، ولم يقلها لأحد قبله، ولا بعده، فهو من فضائل سعد، ثم أخذ النبي A رمحاً صغيراً أعطاه له قتادة ابن النعمان، فيه قتل أُبي بن خلف الجمحي. قوله: {مَّن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا} الآية. المعنى: من يشفع لأخيه شفاعة حسنة يكن له نصيب منها في الآخرة، أي: حظ {وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} أي: إثم منها في الآخرة. وقال مجاهد: هو شفاعة الناس بعضهم لبعض، وقاله الحسن وابن زيد وغيرهم.
وقال الطبري: " المعنى: من يشفع وتراً لأصحابك يا محمد في جهاد عدوهم يكن له نصيب منها: حظاً في الآخرة، ومن يشفع وتراً لكافرين يكن له كفل منها أي: وزر وإثم في الآخرة. وإنما اختار ذلك لأنه في سياق الآية التي حض الله D النبي A على القتال فيهت، وحضه على أن يحرض المؤمنين على القتال معه، فصارت هذه الآية وعداً لمن أجاب تحريض رسول الله A على القتال، وكان ذلك أشبه عنده من شفاعة الناس بعضهم لبعض إذ لم يجر له ذكر قبل ولا بعد. والكفل والنصيب عند أهل اللغة سواء، قال تعالى: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} [الحديد: 27] أي: نصيبين، والنصيب قد يكون خيراً أو شراً. وقال الحسن: الشفاعة الحسنة ما يجوز في الذين، والشفاعة السيئة ما لا يجوز في الدين. وقال الحسن: من يشفع شفاعة حسنة كان له أجرها وإن لم يُشَفَّع. وروي أن قوله: {وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} نزل في اليهود كانوا يدعون على المؤمنين في الغيبة بالهلاك، ويقولون لهم في الحضور: السام عليكم، وهو دعاء أيضاً، ثم اتْبع ذلك بقوله: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} وهو: السلام. والمقيت: الحفيظ عند ابن عباس.
86
وقيل: الشهيد، قاله مجاهد. وقال السدي: المقيت: القدير وهو اختيار الطبري. وقال الكسائي: مقيتاً مقتدراً. وقال أبو عبيدة: المقيت: الحافظ المحيط. وقال ابن جريج: المقيت القائم على كل شيء رواه عن ابن كثير. وقال بعضهم: وَذيِ ضَغَنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عنه ... وَكُنْتُ على مُسَاءَتِه مَقِيتاً قوله: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} الآية
المعنى: إذا دعي لأحدكم بطول الحياة والبقاء والسلامة فردوا ذلك بأحسن منه، أو ردوا التحية. وقيل: المعنى: إذا قيل لكم السلام عليكم، فقولوا السلام عليكم ورحمة الله، فهذا خير من التحية، أو يردها فيقول: السلام عليكم، كما قيل له، قال ذلك السدي، وروي عن ابن عمر أنه يرد: وعليكم السلام. وقال ابن عباس: {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} على أهل الإسلام أو ردوها على أهل الكفر، وقال: من سلم عليك من خلق الله فأردده عليه، وإن كان مجوسياً، وقال ذلك قتادة. وقال ابن زيد: قال أبي: " حق على كل مسلم (حُيَّيَ) بتحية أن يُحَيِّيَ
بأحسن منها " للمسلمين {أَوْ رُدُّوهَآ} على الكفار. وروي عن ابن عباس: {أَوْ رُدُّوهَآ} يقول: وعليكم: على الكفار. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم ". واختار الطبري أن يكون المعنى للمسليمن، يرد عليهم أحسن من تحيتهم بزيادة الرحمة والبركة، أو يرد عليهم تحيتهم بعينها بغير زيادة، ويكون الرد على أهل الكتاب معمولاً به بقوله النبي A ولا يزاد على ذلك. فقول النبي A: قولوا لهم: وعليكم يظن على أن يقال لهم مثل ما قتالوا، فيجب أن تكون الآية كلها في المسلمين وبين النبي A أنه لا يجوز أن يبدأوا بالسلام، والسلام عند الجماعة تطوع والرد فريضة، وقال مالك في معنى الآية: إن ذلك على المشمت في
87
العطاس. وقال: مجاهد الحسيب: الحفيظ. وقال أبو عبيدة: كافياً. وقيل معنى حسيب: محاسب كما يقال: أكيل بمعنى: مواكل. والحسيب عند أهل اللغة الكافي. يقال حسبه إذا كفاه، ومنه {عَطَآءً حِسَاباً} [النبأ: 36] أي: كافياً: ومنه {حَسْبُكَ الله} [الأنفال: 64] أي: يكفيك الله. قوله تعالى: {الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ}. (معنى الآية) أنه تخويف وتحقيق للبعث والحشر وأن ذلك لا ريب فيه أي لا شك فيه {يَوْمِ القيامة} يوم القيام لرب العالمين، والهاء زيدت للمبالغة، وقيل: سميت بذلك لأنه يوم يقوم الناس من قبورهم فيه، والهاء للمبالغة أيضاً. ومعنى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً} أي: لا أحد أصدق حديثاً من الله.
88
قوله: {فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ} الآية. هذه الآية نزلت في الذين تخلفوا عن رسول الله A يوم أحد، رجعوا إلى المدينة، وقالوا لأصحاب النبي عليه السلام: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ} [آل عمران: 167] فكان أصحاب رسول الله A فيهم فرقتين فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، فنزلت: {فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ} أي: فرقتين {والله أَرْكَسَهُمْ} أي: ردهم إلى أحكام أهل الشرك في إباحة دمائهم، وذلك بما كسبوا من خلاف رسول الله A. وقال مجاهد وغيره: نزلت في قوم أتوا مكة: زعموا أنهم مهاجرون، ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا رسول الله A أن يخرجوا إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم، فاختلف فيهم أصحاب النبي A ففرقة تقول: إنهم منافقون، وفرقة تقول: هم مؤمنون، فأنزل الله الآية. وقيل: نزلت في قوم قدموا المدينة مسلمين فأقاموا ما شاء الله، ثم استوخموا المدينة، فسألوا النبي A أن يخرجوا إلى البادية، فأذن لهم، فتكلم الناس فيهم،
واختلفوا في نفاقهم وإيمانهم فأعلمهم الله بنفاقهم وأعلمهم أنه أركسهم بما كسبوا من المعاصي: أركسهم في النفاق بذنوبهم. وقيل: {أَرْكَسَهُمْ} معناه أضلهم. ثم قال مخبراً عنهم {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ} فدل على أنهم ارتدوا، وأن النفاق كفر، وقوله تعالى {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حتى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله} يدل على أنهم قوم كانوا بمكة يَدَّعون الإيمان، وليسوا بمؤمنين وهو قول ابن عباس وعمر وغيرهما. وقيل: إنهم لما خرجوا يريدون البادية مضوا إلى مكة فاختلف أصحاب النبي A في أمرهم، فأوضح الله D خبرهم، وحكمهم في هذه الآية. وقال معمر: كتب ناس من أهل مكة إلى أصحاب رسول الله A يقولون لهم: إنهم قد أسلموا، وكان ذلك منهم كذباً، فلقيهم المسلمون بعد ذلك، فاختلفوا فيهم، فقالت طائفة: دماؤهم حلال، وقالت طائفة: دماؤهم حرام فأنزل الله الآية، وهم ناس لم يهاجروا وأقاموا بمكة، وأعلنوا الإيمان فاختلف فيهم أصحاب النبي A.
89
وقال ابن عباد: هم قوم كانوا بمكة فكلموا بالإسلام وكانوا يعاونون المشركين على المسلمين فخرجوا من مكة في حاجة، فاختلف فيهم أصحاب النبي A فنزلت الآية. وقال ابن زيد: هذا نزل في شأن ابن أبي حين تكلم في عائشة بما تكلم به. وأركسهم: ردهم، وقيل: أوقعهم وقيل: أضلهم وأهلكهم. وقال القتبي: أركسهم نكسهم وردهم في كفرهم،، وحكى الفراء أركسهم وركسهم بمعنى ردهم إلى الكفر. قوله: {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله} الآية. هذا تبعيد لهدي من أضل الله {وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أي: طريقاً مستقيماً، وقيل: سبيلاً إلى الحجة. قولهم: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ} الآية. المعنى: تمنى المنافقون الذين بمكة، الذين اختلفتم فيهم فرقتين لو تكفرون مثلهم، فتكونون أنتم وهم في الكفر سواء {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ} أي: أخلاء {حتى يُهَاجِرُواْ} أي: يخرجوا من ديار الشرك إلى ديار الإسلام، ويكون خروجهم ابتغاء وجه الله {فَإِنْ تَوَلَّوْاْ} أي: أدبروا عن الله ورسوله والهجرة إليكم، {فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} أي: أين اصبتموهم من أرض الله، {وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ}:
90
أي: خليلاً {وَلاَ نَصِيراً} أي: تناصراً في دينكم على أعدائكم فإنهم {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} [آل عمران: 118] قوله: {إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} الآية. المعنى اقتلوا من وجدتم من المنافقين الذين اختلفتم فيهم إن لم يهاجروا إلا أن يتصل قوم منهم بمن بينكم وبينهم عهد فيدخلون فيما دخلوا فيه، ويرضون بما رضوا، فلا يقتل من كانت هذه حاله منهم فإن لهم حكمهم. قال السدي: المعنى إذا أظهروا كفرهم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم إلا أن يكون أحد منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق، فأجروا عليه مثلما تجرون على القوم واحكموا في الجميع بحكم واحد. ومعنى: {يَصِلُونَ} يتصلون. وقال أبو عبيدة: معنى: {يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ}: ينتسبون إليهم. وهو بعيد، لأن النبي A قد قاتل من ينتسب إلى من بينهم وبينه عهد، وليس النسب مما يمنع قتال الكفار لعهد بيننا وبين قرابتهم.
وروي عن ابن عباس أنها منسوخة بقوله: {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] وقال قتادة: {إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ [مِّيثَاقٌ]} نسخ بعد ذلك، فنبذ إلى كل ذي عهد عهده، ثم أمرنا بالقتال في براءة. وقال ابن زيد: نسخها الجهاد. قوله: {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} الآية. المعنى: إلا الذين جاؤوكم قد ضاقت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم، فدخلوا فيكم، فلا تقتلوهم، {وَلَوْ شَآءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ} أي: لسلط عليكم هؤلاء الذين يتصلون بقوم بينكم وبينهم ميثاق، والذين يجيئونكم قد {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} أي: ضاقت عن قتالكم، وقتال قومهم، فيقاتلوكم مع اعدائكم من المشركين، ولكن الله كفهم عنكم. وقوله: {فَلَقَاتَلُوكُمْ} ليست اللام بجواب للقسم [كاللام في {لَسَلَّطَهُمْ}، وإنما دخلت للمجاءاة لا للقسم]، ومثله قوله: {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [النمل: 21]. ليست اللام
بجواب للقسم وإنما دخلت للمحاذاة للامين اللتين قبلها، اللتين هما جواب قسم سليمان في قوله {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ} [النمل: 21] ولهذا نظائر ستراها. قوله: {فَإِنِ اعتزلوكم} أي: اعتزلكم هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عن قتالهم فلم يقاتلوكم {وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم}. أي: صالحوكم، وقيل المعنى: استسلموا إليكم. {فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} أي: ليس لكم إليهم طريق فتستحلونهم بما في أنفسهم وأموالهم وذراريهم، وهذا كله منسوخ بقوله: {فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: 5]. وقال الحسن وعكرمة: قوله: {إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ} إلى قوله {سُلْطَاناً مُّبِيناً} [النساء: 91] وقوله: {لاَّ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين} [الممتحنة: 8] إلى {يُحِبُّ المقسطين} [الممتحنة: 8] قالا: بنسخ ذلك في براءة فجعل لهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر.
قال قتادة: {إِلاَّ الذين يَصِلُونَ} إلى {مُّبِيناً} منسوخ ببراءة، وقال ابن زيد: نسخ هذا كله، نسخة الجهاد وضرب لهم أجل أربعة أشهر إما أن يسلموا وإما أن يكون الجهاد. واختلف في {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ}، فقال المبرد المعنى: الدعاء، لأنه قال: {أَوْ جَآءُوكُمْ} أحصر الله صدوركم أي: ضيقها عن قتالكم، وقتال قومهم. وقال الزجاج: يجوز أن يكون خبراً بعد خبر، فالمعنى أو جاءكم ثم خبر بعد فقال: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ}، وأكثر النحويين على أنه حال، وقد مضمرة والتقدير: أو جاؤوكم قد حصرت أي: ضاقت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم. أي: جاؤوكم في هذه الحال فلا تقاتلوهم. وقال الطبري: المعنى: أو جاؤوكم قد حصرت.
91
وقرأ الحسن حصرةً بالتنوين والنصب على الحال أي: ضيقت صدورهم، واستحسن هذا المبرد، ويجوز على قراءة الحسن الخفض على النعت، والرفع على الابتداء. وقرأ أبي بن كعب: {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ}، وحصرت صدورهم بإسقاط أو {جَآءُوكُمْ}، ولا يقرأ به الآن. قوله: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ} الآية. المعنى: إن هؤلاء قوم كانوا يظهرون الإسلام للنبي A وأصحابه ليأمنوا منهم، ويظهرون الكفر لأهل مكة إذا رجعوا إليهم ليأمنوهم، {كُلَّ مَا ردوا} أن يخرجوا من {الفتنة} - وهي الشرك - {أُرْكِسُواْ فِيِهَا}. أي: ردوا فيها. وأصل الفتنة الاختبار فالمعنى فلما ردوا إلى الاختبار. {أُرْكِسُواْ} أي: نكسوا. قيل: هم أسد، وغطفان قدموا على النبي A، فأسلموا، ثم رجعوا إلى
92
ديارهم، فأظهروا الكفر. وقيل: نزلت في قوم من المشركين [طلبوا الأمان من رسول الله A ليأمنوا عنده وعند أصحابه وعند المشركين] قاله قتادة. وقال: {كُلَّ مَا ردوا إِلَى الفتنة أُرْكِسُواْ فِيِهَا} أي: كلما عرض عليهم بلاء هلكوا فيه. وقال السدي: نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي كان يأمن في المسلمين والمشركين. قوله: {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ويلقوا إِلَيْكُمُ السلم} أي: فإن لم يعتزلكم هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ويساسلموا [إليكم] ويعطونكم القيادة في الصلح {ويكفوا أَيْدِيَهُمْ} يعني عن القتال. {فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} أي: اقتلوهم أين أصبتموهم أي: إن لم يفعلوا ذلك {وأولئكم جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً} أي: حجة {مُّبِيناً} أي: ظاهرة. قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} الآية.
قوله: {إِلاَّ خَطَئاً} استثناء ليس من الأول. وإلا عند البصريين في هذا النوع بمعنى لكن. وهذا كلام أوله حظر، وآخره في الظاهر إباحة، وقتل المؤمن لا يباح لكنه محمول على المعنى الباطن، ومعناه ما كان مؤمن ليقتل مؤمناً على النفي، والنفي يستثنى منه الإثبات، فهو محمول على معنى الأول وباطنه، فالمعنى أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ فهو خبر، خبر بأنه قد يقع، وليس بإطلاق ولا إباحة قتل، ومثله {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} [مريم: 35] فظاهر هذا الحظر، والله لا يحظر عليه. ومعنى الآية: أنه ليس لمؤمن قتل مؤمن البتة إلا أن يقتله خطأ، فإن قتله خطأ، فعليه تحرير رقبة في ماله، ودية مسلمة إلى أهل المقتول يؤديها عاقلة القاتل {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} أي: أن يتصدق أولياء المقتول على عاقلة القاتل بديته فيسقط عنهم الدية. وقرأ أبو عبد الرحمان السلمي:
{إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} بالتاء أراد: تتصدقوا ثم أدغم. قال مجاهد وغيره: هذه الآية نزلت في عيا [ش] ابن أبي ربيعة قتل رجلاً مؤمناً يحسب أنه كافر، وقد كان ذلك الرجل يعذب عياشاً بمكة، أخبر عياش النبي A فنزلت: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً}. قال ابن زيد: نزلت في أبي عامر، والد أبي الدرداء خرج في سرية فعدل إلى شعب يريد حاجة، فوجد رجلاً في غنم، فقتله، وكان يقول: لا إله لا الله، وأخذ غنمه فوجد من ذلك في نفسه، فذكر ذلك للنبي A فأنكر عليه النبي (عليه السلام) قتله، إذ قال: لا إله إلا الله فنزلت الآية: وقيل: نزلت في اليمان والد حذيفة،
واسمه حسل من بني عبس قتل خطأ يوم أحد. وروي أن حذيفة وأبا الدرداء تصدقا بدية أبويهما على من قتلهما، وكذلك قتل هشام بن صبابة الكناني خطأ فنزلت الآية في ذلك. والآية عند جماعة العلماء عامة في كل من قتل خطأ واختلف في الرقبة، فقيل: لا يُعْتَق إلا مؤمن قد صام وصلى وعقل وبلغ، وقيل: كل مؤمن يجزئ وإن لم يبلغ. ومعنى {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ} أي موفرة، والدية مائة من الإبل على أهل الإبل. وروي عن عمر أن على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشرة آلاف درهم.
قال مالك: على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق إثني عشر ألف درهم. وقيل: دية الحر مائة من الإبل لا يجزئ غيرها، وبه قال الشافعي، قال إلا ألا توجد فيُأخذ الفدية، ويجعل [الإبل] خمسة أخماس خمس جذاع وخمس حقاق وخمس بنات لبون. وخمس بنات مخاض وخمس بنو لبون، وهو قول لمالك والشافعي وغيرهما. ودية المرأة نصف دية الرجل، وهو قول جماعة الصحابة والتابعين، والفقهاء، إلا الشاذ منهم.
وأهل الذهب: الشام ومصر، وأهل الورق أهل العراق وأهل الإبل أهل البوادي. وكل ما جناه جان خطأ فعلى عاقلته الدية، إلى أن يكون الذي يجب في ذلك أقل من ثلث الدية، فليس على العاقلة شيء، وذلك في مال الجاني، وتؤجل دية الخطأ في ثلاث سنين، وثلث الدية تؤديها العاقلة في سنة، ونصف الدية يجتهد فيها الإمام، فيجعلها في سنتين أو في ستة ونصف وثلاثة أرباع الدية في ثلاث سنين، وهي على الرجال البالغين دون النساء والصبيان، وليس على كل واحد شيء معلوم ولكن على كل واحد قدر يسره، فأما دية العمد فهي على القاتل خاصة إذا قبلت منه. وقوله: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي: فإن كان المقتول خطأ من قوم كفار أعداء لكم {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي: والمقتول مؤمن فقتله مؤمن يظن أنه كافر {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} أي: فعليه ذلك. قال عكرمة: هو الرجل يسلم في دار الحرب، فيقتل يظن أنه كافر، فليس فيه دية، وفيه الكفارة: تحرير رقبة مؤمنة. وروي ابن القاسم عن مالك أنه قال: إنما ذلك في حرب رسول الله عليه السلام أهل مكة، يكون فيهم الرجل المؤمن لم يهاجر، وأقام معهم فيصيبه المسلمون خطأ، فليس على المسلمين فيه دية لأنه تعالى (يقول): {والذين آوَواْ ونصروا أولئك بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ} [الأنفال: 72]، وعليهم الكفارة تحرير رقبة على كل نفس. وقال ابن عباس والسدي وغيرهما: هو أن يكون الرجل مؤمناً، وقومه كفار لا عهد لهم، فيقتل خطأ، فليس لأهله دية لأنهم كفار، وعلى القاتل الكفارة تحرير رقبة، وقاله قتادة. وقال الحسن البصري، وجابر بن زيد: هو مؤمن من قوم معاهدين، وهو قول مالك. وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: كان الرجل يسلم، ثم يأتي قومه، فيقيم فيهم، وهم مشركون، فيمر بهم الجيش لرسول الله A، فيقتل فيمن قتل فلا دية فيه، وفيه الكفارة. وجماعة أهل التفسير على أن المعنى إن كان المقتول في دار الحرب مؤمناً، وهو من قوم كفار وهو بينهم فلا دية فيه وفيه الكفارة. قوله: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}. المعنى: وإن كان المقتول خطأ بين أظهرهم من قوم كفار بينكم وبينهم عهد، ففيه الدية إلى أهله، والكفارة تحرير رقبة مؤمنة. وقيل: المعنى: إن كان المقتول خطأ في دار قومه من قوم كفار بينكم وبينهم عهد
ففيه الدية والكفارة [كسائر المؤمنين، واختلف في المقتول هنا: فقيل عن ابن عباس أنه إن كان كافراً، ففيه الدية والكفارة] كالمؤمن لأن له عهداً وميثاقاً. وقال الزهري: دية الذمي دية المسلم. وقيل: المراد به إن كان المقتول مؤمناً قتل خطأ، وهو من قوم كفار بينكم وبينهم عهد ففيه الدية إلى قومه الكفار، وفيه تحرير الرقبة المؤمنة قاله النخعي ومثله روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: ذلك في الهدنة التي كانت بين النبي A، وبين المشركين أنه إن أصيب مسلم كان بين أظهركم لم يهاجر وأصيب خطأ فإن ديته على المسلمين يردونها إلى قومه الذين كان بين أظهركم الكفار، ومما يبين ذلك أن أبا جندل ورجل آخر أتيا النبي A مسلمين في الهدنة، فردهما إليهم فكما كان لهم أن يردوا
إليهم، فكذلك كانت ديته لهم إذا قتل خطأ، ودية الخطأ عند مالك والشافعي في هذا تؤدى في ثلاث سنين على كل رجل ربع دينار، وروي ذلك عن جابر بن عبد الله، وقاله الحسن. وكان الطبري يختار أن يكون المقتول من أهل الذمة لأن الله سبحانه وتعالى لم يقل: " وهو مؤمن " كما قال في الأول {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} وقد قال جماعة: إن دية الذمي والمسلم سواء، وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان وابن مسعود ومعاوية. وقال عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير: دية الكتابي نصف دية المسلم، وبه قال عطاء وابن المسيب والحكم وعكرمة، وهو قول الشافعي.
فأما دية المجوسي فثمان مائة درهم روي ذلك عن عمر بن الخطاب، وبه قال ابن المسيب وعطاء وسليمان بن يسار، والحسن وعكرمة ومالك والشافعي. وقال عمر بن عبد العزيز: دية المجوسي نصف دية المسلم. وروى عن النخعي والشعبي والثوري أن ديته مثل دية المسلم.
وإذا قَتَل العبد المؤمن حراً مؤمناً خطأ، فدمه في رقة العبد وأن لا دية فيه لأن العبد لا عاقلة له وعلى العبد الكفارة، فعتق رقبة على قول من قال: إن العبد يملك ما لم يمنعه سيده، ومن قال: لا يملك العبد، فعليه صيام شهرين متتابعين، وكذلك حكمه في الظهار لا يجزئه الصيام في قول مالك لأنه عنده يملك. قوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ} أي: لم يجد رقبة مؤمنة لعسرته، وقلة ما في يده، فعليه صيام شهرين متتابعين. وقال الشعبي: صوم الشهرين عن الدية والرقبة جميعاً إذا لو يجدها لفقره، وفقر عاقلته. وقال الطبري: عن الرقبة خاصة لأن الدية على العاقلة، وهو قول جماعة العلماء. قوله: {تَوْبَةً مِّنَ الله} مصدر، وقيل مفعول من أجله. {وَكَانَ الله} أي: لم يزل بما يصلح عباده {حَكِيماً} " فيما يقضي به ويأمر ". تم الجزء الحادي عشر قوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} الآية.
93
قيل: معناه: من لم يجد الدية، ولا الرقبة، فليصم شهرين متتابعين. وقيل: معناه: من لم يجد الرقبة فعليه صيام شهرين متتابعين، وهذا القول أولى لأن الدية لم تجب على القاتل خطأ فيكون الصيام يقوم مقامها، وإنما وجبت الدية في الخطأ على العاقلة، فلا يجزئ عنها صوم القاتل. قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} الآية. وروى أبو هريرة: أن النبي A قال: " والله للدنيا وما فيها أهون على الله من قتل مسلم بغير حق ". وروى عنه أيضاً أنه قال: " من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوب على جبهته: آيس من رحمة الله " وعنه A أنه قال: " كل ذنب عسى [الله] أن يغفره إلا لمن مات مشركاً، أو من قتل مؤمناً متعمداً " المعنى: من يتعمد قتل مؤمن فجزاؤه جهنم.
وقتل العمد عند مالك سواء كان بحجر أو عصا أو حديدة فيه القود. وقال غيره: لا يكون قتل العمد إلا بحديد، وأثبت جماعة شبه العكد وهو قول الشافعي، وهو الضرب بالخشبة الضخمة والحجر، فجعلوا فيه ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة وأربعين خليفة. وليس عند أكثرهم في القتل غير الخطأ أو العمد، فأما شبه العمد فليس له نص في كتاب الله، ولا تواترت به الأخبار عن النبي A. .. مذهب مالك: ومن أحرق رجلاً قتل به، وهو عمد، ولو أطعمه شيئاً فقتله، وقال: لم أرد قتله إنما أردت أن أسكره، فقال مالك: يقتل، ولا يقبل منه،
وهو عمد. ومن قتل رجلاً بخنق فهو عمد، وقال محمد بن الحسن: إذا خنقه، وألقاه من ظهر جبل أو سلم (فمات) فهو خطأ. وإذا أمسكه واحد وقتله الآخر قتلا به جميعاً عند مالك، إلا أن يكون الممسك أمسكه وهو لا يظن أن الآخر يقتله، فيعاقب ولا يقتل الممسك، وإذا أمر الرجل عبده بقتل رجل فقتله العبد فيقتلان جميعاً عند مالك، وهو قول قتادة. وروي عن علي Bهـ أنه قال: أما العبد فيسجن، وأما السيد فيقتل. وقال أبو هريرة: يقتل الآمر دون العبد وكذلك قال الحسن وعكرمة، وقال الشعبي يقتل العبد ويضرب السيد. وقال الشافعي: إن كان العبد أعجمياً، أو صبياً فعلى السيد القود دون العبد، وإن كان يعقل ويفهم، فعلى العبد القود، وعلى السيد العقوبة. فإن أمره رجل بقتل آخر، فقتله فعلى القاتل القود عند مالك، والشافعي، وجماعة من التابعين. وقوله: {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خالدا فِيهَا} معناه: فجزاؤه إن جازاه، قاله التميمي
وغيره، ورواه ابن جبير عن ابن عباس. وهو كما يقول الرجل لعبد قد جنى عليه: ما جزاؤك إلا كذا وكذا، وهو لا يفعل به ذلك، فمعناه هذا جزاؤك إن جوزيت على ذنبك، كذلك الآية، معناها: فجزاؤه إن جوزي على فعله جهنم، والله أكرم الأكرمين، له العفو وله العقوبة بفعل ما يشاء لا معقب لحكمه. وقوله: {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48] يدل على جواز العفو على القاتل عمداً. وقيل: إنها نزلت في رجل بعينه أسلم، ثم ارتد، وقتل رجلاً مؤمناً، فمعنى الآية: ومن يقتل مؤمناً متعمداً مستحلاً قتله فجزاؤه جهنم، فالكافر يقتل المؤمن مستحلاً وليس كذلك المؤمن، بل إن قتل فإنما يقتل وهو يعلم أن قتله حرام. وقيل: نزلت في رجل من الأنصار قُتِل ولي له. وقبل الدية، ثم وثب على قاتل وليه فقتله وارتد، قال ذلك ابن جريج وغيره. وقال مجاهد: إلا من تاب يعني ان العفو من الله جائز للقاتل عمداً إذا
تاب، وهو قول ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجماعة من العلماء. وعن ابن عباس أنه لا توبة له، وأنها محكمة لم تنسخ. وقال زيد بن ثابت: نزلت {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} الآية بعد أن نزلت {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} الآية بأربعة أشهر. وقال ابن عباس: هذه الآية التي في النساء مدنية نسخت التي في الفرقان {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ} [الفرقان: 70] لأنها مكية. وعن ابن عمر وزيد بن ثابت: إن للقاتل توبة وهو قول جماعة من العلماء لقوله: {إِلاَّ مَن تَابَ} وقوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ} [طه: 80] وقوله: {وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ} [الشورى: 23]. وروي عن ابن عباس أنه قال: التي في الفرقان نزلت في
94
أهل الشرك. وعن زيد بن ثابت أنه قال: نزلت سورة النساء بعد الفرقان بستة أشهر. وكان الطبري يقول: جزاؤه جهنم حقاً، ولكن الله يعفو ويتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيه بالخلود فيها إما أن يعفو، فلا يدخلهم النار، وإما أن يدخلهم، ثم يخرجهم بفضل رحمته لقوله {إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً} [الزمر: 30]. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ} الآية. من قرأ بالتاء، فمعناه: فتثبتوا حتى يتبين لكم الفاسق من غيره، والمأمور بالتثبت في فسحة أوسع من المأمور بالتبيين، لأن المأمور بالتبيين قد لا يعذر على ذلك، والمأمور بالتثبت لا شك أنه يقدر على ذلك، فهو في فسحة من أمره، ومقدرة على فعل ما أمر به، وليس كذلك المأمور بالتبين لأنه قد لا يتبين له ما يريد إذا تبين، والتثبت لا يمنع عليه من نفسه. ومن قرأ بالياء فمعناه: تبينوا الفاسق من غيره، ولا تعجلوا حتى تتبينوا، فإن العجلة من الشيطان. وقال أبو عبيدة: إحداهما قريبة من (الأخرى).
وقال النحاس وغيره: فتبينوا أؤكد لأن الإنسان قد يتثبت ولا يتبين. وهو لا يتبين إلا مع التثبت، ففي البيان يقع التثبت وليس بالتثبت يقع البيان. [فالبيان] لا بد منه فكل من تبين أمراً فبعد أن يتثبت فيه بان له، وليس كل من تثبت في أمر تبينه، فالبيان على هذا أوكد وأعلم، ولكنه أشد كلفة في التثبت. ومعنى الآية أن الله تعالى أمر المؤمنين إذا ضربوا في الأرض أي: ساروا في الجهاد أن يتثبتوا في القتل، إذا أشكل عليهم الأمر، فلم يعرفوا حقيقة إسلام من أرادوا قتله، وأن لا يقولوا لمن ألقى إليهم السلم، أي: من استسلم في أيديهم {لَسْتَ مُؤْمِناً} ليأخذوا ما معه. ومن قرأ السلام: فمعناه لا تقولوا لمن سلم عليكم {لَسْتَ مُؤْمِناً} لتأخذوا ما معه، فعند الله مغانم كثيرة من رزقه، فلا يغرنكم سَلَب من استسلم في أيديكم. {كذلك كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ} أي: كنتم من قبل مثل هذا الذي قتلتموه، وأخذتم ماله استخفى بدينه من قومه حذراً على نفسه منهم، وكذلك كنتم. وقيل: معناه، وكذلك كنتم كفاراً مثله، فهداكم الله وأعز دينكم، ومَنَّ عليكم
بالإسلام والتوبة. وقيل: معنى: {فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ} فقد مَنَّ الله عليكم بالتوبة من قتيلكم هذا الذي استسلم إليكم، ثم قتلتموه وأخذتم ماله، فتثبتوا أي: لا تعجلوا في قتل من التبس عليكم أمر إسلامه. وقرأ أبو رجاء: السِلْم بكسر السين. وقرأ أبو جعفر: (لست مؤمَناً) بفتح الميم أي: لسنا نؤمنك. وهذه الآية نزلت في قتيل من غطفان اسمه مرداس كان قد أسلم، فقتلته سرية لرسول الله A بعد أن قال: إني مسلم، وقيل: بعدما سلم عليهم. وقيل: بعدما قال: إني مسلم لا إله إلا الله، وكانت معه غنيمة فأخذوها. ويروى أن الذي قتله مات ودفن، فلفظته الأرض ثلاث مرات، يدفن وتلفظه الأرض فأمرهم النبي A أن يلقوه في غار من الغيران، وقال A: " إن الأرض تقبل من هو شر منه، ولكن الله جعله لكم عبرة ".
95
وقراءة من قرأ السلام يدل على أن ما روي أنه كان رجل معه غنيمة لقيه سرية من المسلمين، فقال: السلام عليكم، وكانت جُنَّة لا يقتل من قالها، فقتل الرجل وأخذ ما معه. وحجة من قرأ السلام ما روي أنه قال لهم: إني مسلم وما روي أنه قال: إني مسلم لا إله إلا الله. قوله: {[إِنَّ الله] كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} أي: خبيراً بما تصنعون في طلبكم الغنيمة، ولم تقبلوا منه ما قال لكم. قوله: {لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِي الضرر} الآية. من قرأ: غيرَ بالنصب فعلى الاستثناء بمعنى [إلا] أولي الضرر، فإنهم يستوون مع المجاهدين، ويجوز النصب على الحال بمعنى لا يستوي القاعدون في حال صحتهم. ومن رفع على النعت للقاعدين بمعنى لا يستوي القاعدون الأصحاء عن
الجهاد يوم بدر والمجاهدون. وقدره أبو إسحاق: {لاَّ يَسْتَوِي القاعدون} الذين هم {غَيْرُ أُوْلِي الضرر}، وهو بمعنى [الصفة] التي ذكرنا وقرأه أبو حيوة غيرِ مخفوض على النعت للمؤمنين. وقال المبرد: هو بدل لأنه نكرة والأول معرفة. {دَرَجَةً} نصب على البدل من قوله {أَجْراً}. وقيل: إن فيه معنى التأكيد كما تقول علي ألف درهم عرفاً. ومعنى الآية: لا يعتدل من جاهد في ذات الله، ومن قعد عن ذلك، إلا أن يكون القاعدون من أولي الضرر، فإنه يستوي مع المجاهد. هذا على قراءة النصب، والنصب في الآية أحسن لما روى البراء Bهـ أن رسول الله A قال: " " إيتوني بكتف أو لوح فكتب " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون " وعمر بن أم مكتوم خلف
ظهره فقال: هل لي من رخصة يا رسول الله؟ فنزلت {غَيْرُ أُوْلِي الضرر} " على الاستثناء. وقال زيد بن ثابت: املى علي رسول الله A. { لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِي الضرر والمجاهدون فِي سَبِيلِ الله}. قال: فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها علي فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، قال: فأنزل الله عليه، وفخذه على فخذه، فثقلت حتى خشيت أن تسترض فخده [ثم] سرى عنه فقال: {غَيْرُ أُوْلِي الضرر}. وهذا في غزاة بدر، وقد قال ذلك عطاء وقتادة والسدي والزهري ذكروا أن الاستثناء نزل في ابن أم مكتوم. قوله: {فَضَّلَ الله المجاهدين بأموالهم وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً}، أي: فضيلة يريد القاعدين من أولى الضرر، فضل الله المجاهدين على القاعد للضرر درجة واحدة لجهاده بنفسه وماله {وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى} أي: المجاهد والقاعد من أولي الضرر، وعدهم الله الحسنى، وهي الجنة لأنهم كلهم مؤمنون. وذكر الأموال في هذا الموضع، وتفضيل الذين ينفقونها في سبيل الله يدل على تفضيل الغنى على الفقر، وهو في القرآن كثير، فلا يستوي في الفضل من أعطاه الله
مالاً، فأنفقه في سبيله، ومن لم يعطه الله مالاً، فود لو كان معه مال فأنفقه في سبيل الله، لا يستوي [من نوى] ففعل، مع من نوى ولم يفعل، فقد أنفق عثمان Bهـ على جيش العسرة وبان بفضل ذلك، وود أصحابه أن يقدروا على مثل فعله. وقد كان أبو بكر وعمر وعثمان Bهم أيسر من كثير من أصحاب رسول الله A. وأجمع المسلمون أنهم أفضل ممن هو أفقر منهم في ذلك الوقت من الصحابة. وحديث النبي A " إن فقراء أمتي يدخلون الجنة قبل اغنيائهم بنصف يوم من أيام الآخرة " معناه الفقراء من أصحاب النبي A يدخلون الجنة قبل الأغنياء من غير أصحاب محمد A لفضل الصحابة لا للفقر. ويدل على ذلك ما " روي عن رسول الله A أنه سئل: من أول الناس وروداً الحوض؟ فقال: " نفر من المهاجرين الشعثة رؤوسهم الدنسة ثيابهم، الذين لا
تفتح لهم السدود، ولا ينكحون المتنعمات " ". قوله: {وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً} يعني: على القاعدين من المؤمنين من غير أولي الضرر. وقوله: و " درجات منه " أي فضائل منه، ومنازل من منازل الكرامة. وقال قتادة: الدرجات كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الإسلام درجة، والقتل في الجهاد درجة. وقال [ابن] زيد: الدرجات التي فضل بها المجاهد على القاعد تسع، وهي التي ذكرها الله D في براءة، قوله: {ذلك بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكفار وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين} [التوبة: 120]. فذلك خمسة، والسادسة والسابعة قوله تعالى: {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [التوبة: 121]. وقيل الدرجات: سبعون درجة ما بين الدرجتين حضر الفرس الجواد
97
المضمر سبعين سنة. قوله: {إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ} الآية. المعنى: إن الذين تقبض الملائكة أرواحهم ظالمين أنفسهم أي مكتسبين غضب الله D وسخطه {قَالُواْ}: أي: قال لهم الملائكة {فِيمَ كُنتُمْ} أي: أي شيء كنتم من دينكم؟ وقيل المعنى: قالت لهم الملائكة: أكنتم في المشركين، أم في أصحاب النبي A؟ فأجابوا الملائكة بأن قالوا: {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ} في أرضنا بكثرة العدو، وقوته قالت لهم الملائكة، {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} أي: تخرجوا من بين أظهر المشركين إلى أرض الإيمان. {فأولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي: هؤلاء الذين هذه صفتهم مصيرهم إلى جهنم وهي سكناهم {وَسَآءَتْ مَصِيراً} أي: ساءت جهنم مصيراً لأهلها. وروي أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا أسلموا والنبي A بمكة، فلما هاجر النبي عليه السلام أقاموا بمكة، فمنهم من ارتد إلى الشرك فتنه أبوه وعشيرته حتى ارتد، ومنهم من بقي على حاله. فلما خرج المشركون لنصرة غيرهم إلى بدر خرجوا مع المشركين، وقالوا إن
كان محمد في كثرة ذهبنا إليه، وإن كان في قلة بقينا في قومنا. فلما التقوا بالنبي A، في بدر نظروه في قلة فبقوا في قومهم فقتلوا، فتوفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم، فاعتذروا بأنهم استضعفوا بمكة، ثم استثنى فقال: {إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنسآء والولدان} وهو من عجز عن الهجرة، ولا طاقة له بالخروج قد استضعفهم المشركون {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} أي لا يعرفون طريقاً يخلصهم من المشركين، لا قوة لهم ولا معرفة طريق {فأولئك عَسَى الله أَن يَعْفُوَ [عَنْهُمْ]} أي إن هؤلاء المستضعفين لعل الله أن يعفو عنهم للعذر الذي هم فيه وهم مؤمنون. {وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً} أي: بعباده قبل أن يخلقهم ومعناه: لم يزل كذلك. وقيل: إن (كان) من الله بمنزلة ما في الحال. فالمعنى والله عفو غفور. وروي أن هاتين الآيتين، والتي بعدهما نزلت في أقوام من أهل مكة كانوا قد أسلموا، وآمنوا، وتخلفوا عن الهجرة مع النبي A حين هاجر، وعرض بعضهم على الفتنة فافتتن، وشهد مع المشركين حرب المؤمنين، فلم يقبل الله تعالى معذرتهم وقولهم
" كنا مستضعفين في الأرض ". وقال ابن عباس: كان قوم من أهل مكة أسلموا وأخفوا الإسلام فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم لقتال المسلمين، فأصيب بعضهم فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا فاستغفروا لهم، فأنزل الله D: { إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ} الآية فكتب المسلمون إلى من بقي بمكة: ألا عذر لهم بهذه الآية، فخرجوا من مكة فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة فنزلت فيهم {وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ آمَنَّا بالله فَإِذَآ أُوذِيَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله} [العنكبوت: 10] فكتب بها المسلمون إليهم، فخرجوا، ويئسوا من كل خبر فنزل فيهم {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ} [النحل: 110] الآية، فكتبوا إليهم بذلك إن الله قد جعل لكم مخرجاً، فخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل. ومعنى: {المستضعفين مِنَ الرجال} يعني الشيخ الكبير. قال السدي: " لما أسر العباس، وعقيل قال رسول الله A للعباس: " افْدِ
100
نفسك، وابن أخيك " فقال: يا رسول الله، ألم نصل [ل] قبلتك ونشهد شهادتك؟ قال: " يا عباس: إنكم خاصمتم فخصمتم "، ثم تلا عليه هذه الآية: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فأولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً} " فيوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجروا {إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنسآء والولدان لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} أي: لا يعرفون طريقاً إلى المدينة. قال ابن عباس: كنت أنا من الولدان. وروى عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين. قال السدي: الحلية المال، والسبيل الطريق إلى المدينة. قوله: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الآية. المعنى أن من يفارق أرض الشرك، ويمضي إلى أرض الإسلام فإنه يجد مذهباً، ومسلكاً إلى أرض الإسلام، فالمراغم: المذهب. قال مالك: المراغم الذهاب في الأرض، والسعة سعة البلاد. قال مالك: لا ينبغي المقام في أرض يسب فيها السلف، ويعمل فيها بغير الحق، والله يقول: {يَجِدْ فِي الأرض مراغما كَثِيراً وَسَعَةً}.
وقال الثوري: ومعنى " وسعة " أي: سعة من الرزق. وقال ابن عباس: المراغم: المتجول من أرض إلى أرض. وقال مجاهد: المراغم: المندوحة عما يكره. وقال ابن زيد: المراغم: المهاجر. وقال أهل اللغة: المراغم: المضطرب والمذهب. قوله: {وَسَعَةً} يريد سعة في الرزق. وقال قتادة: " وسعة " أي " سعة من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى الغنى. والمراغم: مشتق من الرغام وهو التراب، يقال: رغم أنف فلان: إذا ألصق بالتراب، يستعار ذلك لمن ذل وصغر. يقال راغمت فلاناً: إذا عاديته. فسمي المهاجر مراغماً، لأن المهاجر يعادي من يخرج عنه من أهل الكفر. وقوله: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً} الآية. المعنى: إنه لما نزل {إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ} الآية.
قال ضمرة بن نعيم وكان بمكة عليلاً: لي مال ولي رقيق، ولي خليلة، فاحملوني فخرج، وهو مريض أو هاجر، فأدركه الموت، عند التنعيم فدفن، ثم نزلت فيه {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ}. وقيل: اسم أبيه جندب، وقيل زنباع، وقيل العيص. وقال ابن زيد: هو رجل من بني كنانة هاجر إلى النبي A من مكة، فمات في الطريق، فسخر به قومه واستهزءوا وقالوا: لا هو بلغ الذي يريد، ولا هو أقام في أهله يقومون عليه، فأنزل الله {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ} الآية. ومعنى: {وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله} قال ابن جبير: هو رجل من خزاعة يقال له ضمرة بن العيص، أو العيص بن ضمرة بن زنباع، كان مريضاً فأمر أهله أن يحملوه إلى رسول الله A على سرير ففعلوا، فأتاه الموت بالتنعيم فنزلت فيه الآية وفي من كان مثله. وقيل: نزلت في رجل من كنانة من بني ضمرة مرض بمكة بعد إسلامه،
101
فقال: أخرجوا بي إلى الروح، يريد المدينة، فخرجوا به، فلما كان بالحصاص مات قال عكرمة. وبهذه الآية أوجب العلماء للغازي إذا خرج للغزو ثم مات قبل القتال أن يعطى سهمه، وإن لم يشهد الحرب وذلك مذهب أهل المدينة فيما ذكر يزيد بن [أبي] حبيب، ذكر ابن المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد. قوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} الآية.
ذكر بعض أهل المعاني [أن الآية] في قصتين وحكمين. فقوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة} في الإقصار في السفر، وتم الكلام عند قوله: {مِنَ الصلاة}. ثم ابتدأ قصة أخرى في إباحة صلاة الخوف وصفتها. وقال علي بن أبي طالب Bهـ سأل قوم رسول الله A: فقالوا يا رسول الله: أنضرب الأرض؟ أي: نسير، فأنزل الله D { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة} ثم انقطع الوحي فلما كان بعد ذلك بحول وغزا النبي A فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم هو وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل: إن لهم أخرى مثلها في أثرها، فأنزل الله D { إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا} - إلى قوله - {عَذَاباً مُّهِيناً} فنزلت صلاة الخوف بكيفيتها. وقال ابن عباس: معنى القصر هنا هو أن يقصروا من ركوعها وسجودها في حال الخوف، ويصلي كيف ما أمكن إلى القبلة وإلى غيرها ماشياً أو راكباً، كما قال: {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} [البقرة: 239] وهو اختيار الطبري، قال: ودليله قوله {فَإِذَا اطمأننتم} وإقامتها إتمام ركوعها وسجودها، وفرائضها من قبلة وغيرها. فقد قال جماعة من التابعين والصحابة منهم: حذيفة وجابر بن عبد الله وابن
جبير، وروى مجاهد عن ابن عباس، وقالوا: فرض الله على المقيم أربعاً، وعلى المسافر ركعتين وفي الخوف الخوف ركعة، قالوا: فقصر الصلاة في الخوف أن تصلي ركعة لأنهم مسافرون، فصلاتهم ركعتان، وقصر الركعيتن لا يكون إلى ركعتين إنما ذلك أن يصلوا ركعة واحدة، وتواترت الأخبار عن عائشة Bها أنه قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم أتمت صلاة المقيم، وأُقرت صلاة المسافر بحالها. وقرأ أبي بن كعب " أن تقصُروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا " بحذف {إِنْ خِفْتُمْ} على معنى كراهة أن يفتنكم. وروي عن عائشة أنها قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما أتى النبي A المدينة صلى إلى كل صلاة مثلها إلا صلاة المغرب فإنها وتر، وإلا صلاة الصبح لطول قراءتها، فكان رسول الله A إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى ركعتين. قال ابن عباس: من صلى في السفر أربعاً كمن صلى في الحضر ركعتين.
102
(وقال عمر بن عبد العزيز: صلاة السفر ركعتان حتم لا يصلح غيرهما)، وروى عن مالك الإعادة على من أتم في السفر. قال ابن القاسم: في الوقت يعيد. وقال أصحاب الرأي: إذا صلى المسافر أربعاً، فقعد في الثانية قدر التشهد فصلاته تامة، وإن لم يقعد قدر التشهد، فصلاته فاسدة وقال الشافعي وأبو ثور: المسافر بالخيار في الإتمام والقصر. قوله: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ} الآية. المعنى: وإذا كنت يا محمد في الضاربين في الأرض من أصحابك، وثم خوف من عدو فأقمت لهم الصلاة {فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ [مِّنْهُمْ]} معك في الصلاة وباقيهم في وجاه العدو {وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ} أي: ولتأخذ الطائفة المصلية معك أسلحتهم من سيف يتقلد به الرجل، وخنجر يشده إلى وسطه، ودرع يلقيه على نفسه (ونحوه). وقال ابن عباس: الطائفة المأمورة بأخذ السلاح التي وجاه العدو، وليست المصلية، لأن المصلي لا يحارب.
وقال النحاس: " يجوز أن يكون الجميع هو المأمور بأخذ السلام لأن ذلك أهيب للعدو، ويجوز أن يكون المأمور بذلك هو الذي وجاه العدو، لأن الذي في الصلاة لا يقاتل ". قوله: {فَإِذَا سَجَدُواْ} أي: سجد الذين معك " {فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ} أي: فلينصرفوا بعد سجودهم خلفكم في موضع الذين لم يصلوا. فمن قال إن صلاة الخوف ركعة قال: ينصرفون بسلام فيقفون بإزاء العدو ولا قضاء عليهم، وتأتي طائفة أخرى فيصلي بهم ركعة ويسلمون بسلام الإمام، ولا قضاء عليهم، وكذلك وصف حذيفة أنه صلى مع النبي A ركعة بكل طائفة، ولم يقضوا شيئاً. وقد روى عن جابر بن عبد الله، وعمر وابن عمر أن الركعتين ليستا بقصر. وروي عن جابر أنه قال: ليست الركعتان في السفر بقصر إنما القصر واحدة عن القتال وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة وحماد في شدة الحرب قالوا: يؤمنون بها. وقال الضحاك: فإن لم يقدروا يكبروا تكبيرتين حيث كان وجهه. وروى الزهرى عن سالم عن ابن عمر أنهم يصلون ركعتين كيفما تيسر، وحيثما
توجهوا، وهو مذهب مالك، والشافعي والنخعي والثوري وأكثر الفقهاء. وصفة ذلك أن يقوم الإمام بطائفة، والأخرى وجاء العدو، فيركع بالطائفة التي معه، ركعة بسجدتيها ثم يقوم ويثبت قائماً ويتمون لأنفسهم الركعة الثانية. ثم يسلمون وينصرفون وجاه العدو والإمام قائم وتأتي الطائفة الأخرى فيكبرون مع الإمام ويركع بهم الركعة الأخرى بسجدتيها ثم يسلم، ويقومون فيأتون بركعتهم لأنفسهم بسجدتيها، ثم يسلمون وفيها أقوال غير ما ذكرنا. ولا يصلي صلاة الخوف إلا من كان في سفر عند مالك. فأما الخائفون في الحضر فإنهم يصلون أربعاً على سنة صلاة الخوف إذا خافوا العدو، ويصلى الإمام في الخوف لأهل الحضر والسفر المغرب بالطائفة الأولى ركعتين ثم يتشهد بهم، ويثبت قائماً. ويتمون لأنفسهم ويسلمون، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة ويتشهد ويسلم، ويقومون هم لتمام ما بقي عليهم، ويقرأون فيما يقضون بأم القرآن وسوره.
وفي حديث يزيد بن رومان: لا يسلم الإمام حتى تتم الطائفة الأخرى لنفسها ما بقي عليها، ثم يسلم بهم. وفي حديث ابن القاسم أنه يسلم ويقومون يتمون ما بقي عليهم، وإليه رجع مالك، وقد كان يقول بحديث يزيد بن رومان ثم رجع عنه لحديث القاسم. فإن سها الإمام بنقص سجدت الطائفة الأولى قبل السلام بعد قضاء ما عليها، وإن زاد سجدت بع السلام، والإمام قائم لا يسجد، فإذا أتت الطائفة الأخرى صلى بهم الركعة الباقية. فعلى حديث القاسم يسجد ويسلم إن كان نقصاً، ولا يسجدون حتى يتموا لأنفسهم. وسجدوا بع السلام إن كان زيادة، ويسجدون هم أيضاً إذا أتموا، وعلى قول ابن رومان يثبت حتى يتموا لأنفسهم ثم يسجد بهم، ويسلم أو يسلم ويسجد. قوله: {وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً} الآية. معناها: تمنى الكافرون [لو] تشتغلون بصلاتكم عن سلاحكم وأمتعتكم
103
التي بها بلاغكم في أسفاركم، فيحملون عليكم حملة واحدة فيقتلونكم، فحذر الله المؤمنين وأعلم بما تمنى به المشركون وأمرهم أن يقترفوا عند الصلاة، فتقوم طائفة مع الإمام وطائفة تمنع العدو، على الترتيب الذي ذكرنا رفقاً منه تعالى بالمؤمنين وتيسيراً عليهم. قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مرضى أَن تضعوا أَسْلِحَتَكُمْ} الآية. (أي: ليس عليكم إثم إن نالكم ضرر من مطر، وأنتم وجاه العدو، وإن كنتم مرضى أي: جرحى أو أعلاه، {أَن تضعوا أَسْلِحَتَكُمْ} أي: ضعفتم عن التمادي في حملها فأباح تعالى للمؤمنين أن يضعوا السلاح إذا وجدوا ضرراً في حملها، ولكن حذرهم عند وضعها فقال: {خُذُواْ حِذْرَكُمْ} لئلا يميلوا عليكم وأنتم غير مسلحين غافلين. وأصل الجناح: العدل، ومنه جناح الطائر لأنه غير معتدل والإثم غير مستو فسمي به. قوله: {عَذَاباً مُّهِيناً} أي مذلاً. وذكر ابن عباس أن قوله {أَوْ كُنتُمْ مرضى} نزل في عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً. قوله: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة. . .} الآية. المعنى: إن الله تعالى أمرهم بذكره بعد الفرائض من الصلاة التي قد بينها لهم
إرادة البركة بالذكر ليكون سبب النصر على الأعداء والفتح، ونظيره قوله: {يا أيها الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [الأنفال: 45]. قوله: {فَإِذَا اطمأننتم فَأَقِيمُواْ الصلاة} [أي: فإذا سكن خوفكم، فأقيموا الصلاة] بتمامها في أوقاتها كما فرضت عليكم. فالمعنى: عند من جعل القصر في صلاة الخوف هو النقص من تمام السجود والركوع لا من العدد: فإذا أمنتم في سفركم، فأتموا الركوع والسجود، قاله السدي وهو اختيار الطبري. والمعنى عند من لم ير ذلك: فإذا اطمأننتم في أمصاركم ودوركم، فأقيموا الصلاة التي أمرتم أن تقصروها في حال خوفكم وسفركم، قال ذلك مجاهد وقتادة. وقال ابن يزيد: المعنى: فإذا اطمأننتم من عدوكم فصلوا الصلاة، ولا تصلوها ركباناً، ولا مشاة ولا جلوساً فهو إقامتها. قوله: {كتابا مَّوْقُوتاً} أي: فريضة مفروضة قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقال قتادة: {كتابا مَّوْقُوتاً} منجماً يؤديها في أنجمها أي: في أوقاتها. وقيل: معنى {مَّوْقُوتاً} محتوماً لا بد من أدائها بتمامها في أوقاتها.
وقال ابن مسعود: إن للصلاة وقتاً كوقت الحج. وقال ابن زيد بن أسلم: " كتاباً موقتاً " أي منجماً. كلما [مضى] نجم أي: كلما [مضى] وقت جاء وقت. وروي عن النبي A قال: " ليس بين العبد والكافر إلا ترك الصلاة ". وقال: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر ". وقال النخعي وابن المبارك وأحمد وإسحاق: من ترك الصلاة عامداً حتى خرج وقتها بغير [عذر] فهو كافر، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل، ولم يسمعه مالك كافراً، ولكن قال: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك قال الشافعي. وروي أنه يستتاب ثلاثاً فإن صلى وإلا قتل. وقال الزهري: يضرب ويسجن إلا أن يكون ابتدع ديناً غير دين الإسلام، فإنه
104
يقتل إن لم يتب. قوله: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابتغآء القوم إِن تَكُونُواْ. . .} الآية. قرأ عبد الرحمن الأعرج: أن تكونوا تالمون بفتح إن على معنى لأن تكونوا أي: لا تهنوا من [أجل] ألمكم،، أي لا تضعفوا عن عدوكم من أجل ما أصابكم من الجراح، والتعب فإنهم قد أصابهم مثل ما أصابكم، ولكم عليهم فضيلة، وهي أنكم ترجون من الله الجنة في الآخرة، والأجر والخلاص من النار، وترجون الغنيمة في الدنيا وهم لا يرجون جنة ولا أجراً، ولا يأمنون من عذاب، فأنتم أيها المؤمنون أولى ألا تضعفوا وأن تصبروا على عدوكم. وقيل: معنى ترجون هنا: تخافون.
وقيل: لا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلا إذا تقدمه جحد، كقوله: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} [نوح: 13] أي: لا تخافون الله عظمة. والرجاء هنا بمعنى الأمل أحسن وأقوم. ومعنى: {ابتغآء القوم} في طلبهم. فقال عكرمة نزلت يوم أحد {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مِّثْلُهُ} [آل عمران: 140] ونزلت {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ}. قال ابن عباس: " لما صعد رسول الله A يوم أحد الجبل جاء أبو سفيان فقال: يا محمد: ألا تخرج؟ ألا تخرج؟ الحرب سجال، يوم لما ويوم لكم، فقال رسول الله A: " أجيبوا- "، فقالوا: لا سواء، لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، فقال أبو سفيان: عزى لنا ولا عزى لكم، فقال رسول الله A قولوا: إن الله مولانا ولا مولى لكم.
105
قال أبو سفيان: أُعْلُ هبل، أُعْلُ هبل، فقال رسول الله A ( قولوا): [الله] أعلى وأجل ". قال أبو سفيان: موعدنا وموعدكم بدر الصغرى، وكان بالمسلمين جراح. فقاموا وبهم الجراح. قوله: {وَكَانَ الله عَلِيماً} أي: لم يزل عالماً بمصالح خلقه. {حَكِيماً} أي: حكيماً في تدبيره وتقديره. قوله: {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله} الآية. المعنى: إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن {لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله} أي: بما أنزلنا إليك من كتابه {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} أي: لا تكن لمن خان مسلماً أو معاهداً خصيماً. وقد كثرت الروايات في السبب التي نزلت فيه هذه الآية. غير أنها، وإن اختلفت ألفاظها ترجع إلى معنى واحد. واختصار القصة أن رجلاً من الأنصار اسمه: طعمة بن أبيرق وكان منافقاً، سرق درعاً لعمة كانت عنده وديعة، فلما أن خاف أن يعرف فيه قذفها على يهودي، وأخبر بني عمه بذلك فجاء اليهودي إلى رسول الله A يخبره بالدرع، وقال: والله ما سرقتها يا أبا القاسم ولكن طرحت علي، فلما رأوا ذلك بنو عم طعمة جاءوا إلى
رسول الله A يبرئوا صاحبهم من الدرع، ويسألونه أن يبرئه منها، فهم رسول الله A أن يبرئه من السرقة حتى نزل {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} يريد طعمة وبني عمه. وقيل: إن رسول الله A برأه بقولهم على رؤوس الناس. فقال الله D: { استغفر الله} أي: مما هممت به، ومما فعلته {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} يريد طعمة ومن أعانه وهو يعلم بسرقته. وقال السدي: بل الخيانة التي ذكرها الله D هي وديعة كان قد استودعها يهودي عند طعمة بن أبيرق وهي درع، فأخفاها طعمة، وجحدها، ثم رماها في دار رجل آخر من اليهود. فأتى اليهودي إلى النبي A فأخبره أنها رميت في داره. وروي أن طعمة قال لليهودي صاحب الدرع: إنك إنما استودعت درعك عند فلان، وأنا أشهد لك عليه، ثم ألقى طعمة الدرع في دار ذلك الرجل الذي يريد أن يشهد عليه فجادل الأنصار عن طعمة أنه لم يفعل شيئاً، وأتوا النبي A، فقالوا: يا رسول الله، جادل عن طعمة وأكذب اليهودي، فهم النبي A أن يفعل فأنزل الله D { وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} إلى رأس ثلاث آيات.
ولما نزل القرآن في طعمة لحق بقريش وارتد، ثم عاد، إلى مشربة الحجاج حليف لبني عبد الدار فنقبها فسقط عليه حجر، فوحل لحمه، فلما أصبح أخرجوه، ونفوه من مكة فخرج فلقي ركباً فعرض لهم، وقال: ابن سبيل منقطع به، فحملوه حتى إذا جن الليل عدا عليهم، فسرقهم، ثم انطلق، فخرجوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات. قال ابن جريج: فهذه الآيات كلها فيه نزلت. ومعنى: {يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} أي: يُخوِّنونها، أي: يجعلونها خونة أي: يلزمون الخيانة. {إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً} أي: لا يحب من كانت هذه صفته. قوله: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس} أي يخفون أمر خيانتهم من الناس الذين لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً. و {وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله} الذي هو مطلع عليهم، ويعلم ما تخفون فهو أحق أن
109
يستخفى منه {إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يرضى مِنَ القول} وذلك أنهم قالوا: تقول إن اليهودي سرقها، ويحلف طعمة على ذلك، فيقبل من طعمة بيمينه، لأنه على دين محمد A، ولا يقبل من اليهودي لأنه على غير دينه فهذا ما أعدوا في الليل. وقيل: يبيتون " يبدلون، وقيل يؤلفون ". وهذا كله في الرهط الذي مشوا إلى النبي A في شأن طعمة يبرئونه وهم يعلمون أنه سارق الدرع. وعن ابن عباس: " أن طعمة دفن الدرع فأتي جبريل النبي A، فقال له: إذا غَدوت من منزلك، فإنك سترى أثراً بيناً، فاتبعه حتى إذا انقطع، فأمر من يحفر، فإن الدرع مدفون ففعل النبي A ذلك، فاستخرج الدرع، وقال النبي A: " إنما أنا بشر فمن كان ألحن بحجته من صاحبه فقضيت له بحق ليس له، فإنما أقطع له قطعة من النار: وهرب المنافق إلى مكة ". قوله: {وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً} أي لم يزل محيطاً بما يصنعون وما يبيتون لها، لا يخفى عليه شيء منها حتى يجازيهم بها. قوله: {هَا أَنْتُمْ هؤلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الحياة الدنيا} الآية.
أم في قوله: {أَمْ مَّن يَكُونُ} منفصلة من " من " في أربعة مواصع فقط في السواد. {أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً}. {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} [التوبة: 110]. {أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} [الصافات: 11]. {أَم مَّن يأتي آمِناً} [فصلت: 39]. وسائره في القرآن " أمَّن " غير منفصل والانفصال هو الأصل، والاتصال استخفاف إذ وجب الأدغام، والمدغم بمنزلة حرف واحد فكتب على ذلك. و" هؤلاء " بمعنى الذين خبروا الابتداء.
110
وقيل: " هؤلاء " نداء ولم يجزه سيبويه [لأنه] لا يجيز حذف حرف من المبهم، ولا من النكرة، ويجيزه الكوفيون وكلهم أجازوا الحذف من غير هذين النوعين كقوله: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا} [يوسف: 29] وكقوله: {قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي} [آل عمران: 40] وحذفه من المضاف كثير في القرآن والكلام. والمعنى أنتم الذين جادلتم عنهم أي: عن بني أبيرق في الحياة الدنيا {فَمَن يُجَادِلُ الله عَنْهُمْ يَوْمَ القيامة} أي: فمن يخاصم الله في الآخرة؟ " أم من يكون عليهم وكيلاً "؟ أي من ذا الذي يتوكل لها، ولا الخائنين يوم القيامة في خصومتهم بين يدي ربهم، الذي يعلم الغيوب، ولا يستر عليه شيء مما بيتم وما صنعتم. قوله: {وَمَن يَعْمَلْ سواءا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} الآية. هذه الآية نزلت في الذين يختانون أنفسهم الذين ذكرهم الله أولاً [و] أخبر أنه من عمل سوءاً [أ] وذنباً أو ظلم نفسه بأن ألزمها ما يستحق عليه العقوبة {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله} أي: يستدعي المغفرة من الله فإنه يجد الله غفوراً لذنبه، رحيماً به، وهي عامة في كل من أصاب ذنباً.
111
قوله: {وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ} الآية. المعنى: من يكسب ذنباً فإنما وباله على نفسه دون غيره، فالمعنى، لا تجادلوا عن من اختان نفسه، فإن من كسب ذنباً فإنما هو راجع عليه {وَكَانَ الله عَلِيماً} أي: عالماً بما تصنعون أيها المجادلون وجميع خلقه. و {حَكِيماً} بسياستكم وجميع خلقه. قوله: {وَمَن يَكْسِبْ خطيائة أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً} الآية. الخطيئة ما أتاه الإنسان [من ذنب] متعمداً، وغير متعمد والإثم ما أتاه متعمداً فقط. ومن أجل ذلك فصل بينهما في الاكتساب. فالمعنى: ومن يكسب خطيئة على غير عقد منه لها، أو إثماً على عمد منه، {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً} أي يضيف ذلك إلى بريء {فَقَدِ احتمل بُهْتَاناً} أي تحمل بفعله ذلك فرية وكذباً وإِثْماً عَظِيماً. وقيل: إن الخطيئة والإثم واحد، ولكن لما اختلف اللفظان جاز. وقيل: إن الخطيئة هي الصغيرة، والإثم في الكبيرة ولذلك انفصلا. وقال أبو إسحاق: سمى الله تعالى بعض المعاصي خطايا، وسمى بعضاً إثماً فأعلم أن من اكتسب معصية تسمى خطيئة، أو كسب معصية تسمى إثماً، ثم رمى
بها من لم يعملها {فَقَدِ احتمل بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً}. والبهتان: الكذب. وهذا نزل في شأن طعمة وما رمى به اليهودي أو غيره من سرقة الدروع، والهاء في " به " تعود على الإثم، ولا يجوز أن تعود على الإثم والخطيئة، لأنها بمعنى الجرم والذنب، ولأن الأفعال، وإن اختلفت العبارات منها فهي راجعة، إلى معنى واحد، فرجعت الهاء على ذلك، هذا قول من قال: لما اختلف اللفظان جاز أن يكررا، والمعنى فيهما سواء. ويجوز أن تعود على الخطيئة لأنها بمعنى الذنب. وقيل: تعود على الكسب [ودب] عليه يكسب. وقوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ}. المعنى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} بأن نبهك على الحق، وعصمك بتوفيقه، وبين لك من الخائن {لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ} بمساعدتهم، فتبرئ طعمة من سرقة الدروع على رؤوس الملأ، وتلحقها باليهودي لأنهم سألوه في ذلك، فهم به حتى نزلت عليه الآية، {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ} أي ليس يضرك هؤلاء الخائنون شيئاً، إنما يضلون أنفسهم ويضرونها.
114
قوله: D { لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} الآية. المعنى: لا خير في كثير من نجوى المتناجين من الناس إلا في من أمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس، فإن أولئك فيهم الخير، فنجوى على هذا اسم للناس المتناجين. والصدقة: معروف. وقوله: {أَوْ مَعْرُوفٍ} هو جميع فعل الخير غير الصدقة. وقد قيل: المعروف في هذا: القرض يقرضه الإنسان المحتاج فقد أتى: " أن القرض كالصدقة " وأن فيه أجراً عظيماً. وقيل: المعنى: لا خير في كثير من نجوى الناس إلا في نجوى من أمر بصدقة. فتكون على القول الأول النجوى هم الناس، ولكنه خرج على جمع جرحى،
115
وشكرى، ويكون في القول الثاني على بابها: اسم للسر لكن تقدر في الثاني حرف تقديره " إلا في نجوى من أمر بصدقة ". قوله: {وَمَن يُشَاقِقِ الرسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى. . .} الآية. المعنى: من يباين الرسول من بعدما تبين له أنه رسول الله A، وأن ما جاء به الحق {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين} أي غير طريقهم، ومنهاجهم، وهو التصديق بمحمد A وبما [جاء به] {نُوَلِّهِ مَا تولى} أي: نجعل ناصره من استنصر به واستعان به الأوثان والأصنام. وقال مجاهد: {نُوَلِّهِ مَا تولى}: نتركه وما يعبد. وقيل: نتركه واختياره. {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} أي نجزه بها. {وَسَآءَتْ مَصِيراً} أي ساءت جهنم مصيراً، وهو الموضع الذي يصير إليه.
ونزلت هذه الآية أيضاً في الخائنين الذين تقدم ذكرهم لما أبى التوبة طعمة بن الأُبيرق، لحق بالمشركين من عبدة الأوثان مرتداً عن الإسلام، فهو [من] الذين شاقوا الرسول من بعد أن كان مؤمناً، واتبع غير طريق المؤمنين. ورجع إلى عبادة الأصنام، فقال الله D: { نُوَلِّهِ مَا تولى}. " وجهنم ": في قول بعض اللغويين اسم مختلق للنار، لا يعرف له اشتقاق، ومُنِع من الصرف للتعريف والعجمة. وقال أكثرهم: هو اسم عربي مشتق من قول العرب: هذه رِكية جهنام: إذا كانت بعيدة القعر، فسميت النار جهنم لبعد قعرها، ومنعت من الصرف على هذا القول للتعريف والتأنيث. ولما مات ابن الأبيرق مقتولاً من أجل السرق الذي سرق بعد ارتداده، أنزل الله D { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} إلى قوله: {فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} معناه: إن الله لا يغفر لطعمة إذ أشرك به، ومات على شركه، ولا لمن هو مثله، {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ} يعني أن طعمة لولا أنه أشرك ومات على شركه لكان في مشيئة الله سبحانه على ما سلف من
117
خيانته ومعصيته. {وَمَن يُشْرِكْ بالله} أي: من يجعل له في عبادته شريكاً فقد ذهب عن طريق الحق، وزال عن قصد السبيل ذهاباً بعيداً. قوله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إناثا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً. . .} الآية. المعنى: إن الله أخبر عما يعبد الذين ذهب إليهم طعمة، وصار على دينهم وهم كفار قريش. ومعنى: {إناثا} اللات والعزى ومناة ونائلة، فسمى هذا إناثاً لأن المشركين سموها بأسماء الإناث، قاله السدي وابن زيد. وقال الحسن: الإناث هنا. المرأة حجر أو خشب. وقال الضحاك: قوله: {إناثا} هو أن المشركين كانوا يَدَّعون أن الملائكة بنات الله تعالى الله أن يكون له ولد. وقيل: إنهم كانوا يقولون لأصنامهم أنثى بني فلان، فأنزل الله ذلك كذلك على نحو تسميتهم لها. وقال مجاهد: {إناثا} أي إلا أوثاناً. وفي مصحف عائشة إلا أوثاناً. وكان ابن عباس يقرأ [أُثُنا] جمع [وثن وأصل الهمزة على هذا واو مثل
إخوة، وحقيقة هذا الجمع أنه جمع وثنا على] وثان كجمل وجمال، ثم جمع وثاناً على وُثُن كمثال ومُثُل ثم أبدل من الواو همزة. قوله: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً} أي ما يدعون إلا شيطاناً متمرداً على الله سبحانه، والمتمرد الخارج عن الخير. والمريد: العاتي {لَّعَنَهُ الله} أي قد لعنه الله أي: أخزاه وأبعده من كل خير. وقال {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} أي معلوماً. قال الشيطان إذ لعنه الله: لأتخذن منهم بإغوائي إياهم عن طريق الحق نصيباً مفروضاً، أي: معلوماً، وقال الشيطان أيضاً: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ} أي: عن الحق إلى الكفر {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} أي ولأزيغنهم بما أجعله في نفوسهم من الأماني عن طاعتك (و) توحيدك إلى طاعتي. وقيل: المعنى: أمنيهم طول الحياة وتأخير التوبة مع الإصرار على المعاصي. {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعام} أي: لآمرنهم أن يشرعوا غير ما شرعت لهم
فأجعلهم يقطعون [آذان الأنعام، وهي البَحيرة كانوا يقطعون] آذانها لطواغيتهم، وهو دين شرعه لهم إبليس. والبَحيرة كانت عندهم: الشاة أو الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن شقوا آذانها، ولم ينتفعوا بها. والبتك: القطع. {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله} الآية. (قيل: إخصاء البهائم، قاله عكرمة وسفيان). وقال ابن عباس: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله} دين الله، قاله مجاهد. وروي عن قتادة والحسن والضحاك {خَلْقَ الله} الفطرة دين الله. وقيل: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله} هو: الوشم. وقيل: معنى: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله} هو أن الله خلق الشمس والقمر، والحجارة
للمنفعة [بها] فحولوا ذلك، وعبدوها من دون الله. وكان الطبري يختار قول من قال: المعنى دين الله، لقول الله تبارك وتعالى: {فِطْرَتَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا} [الروم: 30] وقوله {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ [الله]} [الروم: 30] أي: دينه يدل عليه قوله: {ذَلِكَ الدين القيم} [الروم: 30]. قوله: {وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مِّن دُونِ الله} أي: يطيعه في معصية الله سبحانه {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً} أي: هلك هلاكاً ظاهراً. وقوله: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ} أي: يعد أولياءه، ويمنيهم الظفر [على] من حاول خلافهم {وَمَا يَعِدُهُمُ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً} أي: باطلاً لأنه يقول لهم يوم القيامة {إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ. .} [إبراهيم: 24] الآية. وقيل معنى: {يَعِدُهُمْ} أي: يعدهم الرياسة والجاه والمال. قوله: {فأولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً} أي: أولئك الذين اتخذوا الشيطان ولياً {مَأْوَاهُمْ} أي: مصيرهم إليها {جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً} أي: لا يجدون عن جهنم إذا
122
صيرهم إليها معدلاً يعدلون إليه، ولا محيداً. يقال: حاص فلان عن الأمر إذا عدل عنه وحاد. وحكى جاص بالجيم والصد المعجمة بمعنى جاص في الكلام لا في القرآن. قوله: {والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي} الآية. المعنى: إن الله يدخل المؤمنين جنات تجري من تحتها الأنهار وعداً حقاً لا كعدة الشيطان لأوليائه، وتمنيه الذي هو غرور {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً} أي: لا أحد أصدق منه قيلاً والقول والقيل سواء. وقيل: تمام إن جعلت قوله: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} مخاطبة للمسلمين، مقطوعاً عما قبله وإن جعلته مخاطبة للكفار الذي تقدم ذكرهم لم يكن {قِيلاً} تمام وكان قطعاً. قوله: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ} الآية. قال مسروق: تفاخر النصارى والمسلمون، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: نحن أفضل منكم.
فأنزل الله D: { لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب} الآية. ثم أفلح الله تعالى حجة المؤمنين فقال: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة} ثم زاد في الفضل فقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ} الآية. وقال قتادة: تفاخر المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أحق بالله منكم، وقال المسلمون: نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} الآية. أي: ليس ذلك الي قلتم بأمانيكم ففي ليس اسمها في جميع هذه الأقوال. {مَن يَعْمَلْ سواءا} ابتداء شرط، وجوابه خبره وهو: {يُجْزَ بِهِ}. وقال الضحاك: تخاصم أهل الأديان: اليهود والنصارى والمسلمون فأنزل الله {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} الآية. وقال مجاهد: عنى بذلك أهل الشرك من عبدة الأوثان، قالوا: لن نبعث ولن نعذب، وقالت اليهود والنصارى {لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى} [البقرة: 111]. فأنزل الله {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} يعني المشركين في قولهم: لن نبعث ولن نعذب.
{ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب} يعني قولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى {مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ} خلافاً لمن أدعى الجميع. والمعنى: ليس الكائن من أمركم بما تتمنون يا أهل الشرك ولا بما يتمنى أهل الكتاب، وهو اليهود والنصارى بل {مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ}. وقيل: التقدير: ليس ثواب الله بأمانيكم لأنه قد جرى ذكر ذلك في قوله: {والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ} الآية {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} أي: مقدار النقير وهو النقطة في ظهر النواة وهي منبت النخلة. وقالت عائشة Bها في قوله: {مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ} ذلك ما يصيبهم في الدنيا، وقاله مجاهد وغيره. وقال الحسن: {مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ} الكافر وقرأ {وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور} [سبأ: 17]، وقال في قوله {لِيَجْزِيَ الذين أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ} [النجم: 31]: " هِمُ الكُفَّارَ " {وَيِجْزِيَ الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى} [النجم: 31] قال: كانت والله لهم ذنوب، ولكنه غفرها لهم، ولم يجازهم بها. وقال ابن زيد: يعني المشركين يريد بالآية قال: وعد الله المؤمنين أن يكفر عنهم
سيئاتهم. وقال الضحاك: {مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ} يعني بذلك اليهود والنصارى، والمجوس وكفار العرب. قوله: {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}. وروي أن هذه الآية لما نزلت قال أبو بكر الصديق Bهـ: " يا رسول الله: وإن لمجزون بأعمالنا؟ قال رسول الله A: " أما المؤمن فيجزى بها في الدنيا، وأما الكافر فيجزى بها يوم القيامة " ". وقال الحسن وابن أبي كثير {مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ} أي يعمل شركاً يجز به بدلالة قوله: {وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور} وتلاها الحسن مع هذه (الاية) استشهاداً بها.
وروى عن ابن عباس أنه قال: السوء هنا: الشرك، ومعنى من يشرك: يجز به. وقال ابن جبير: {مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ} أي: من يشرك. قالت عائشة وأبي بن كعب: إن المعنى: من عمل سوءاً من مؤمن، أو كافر جوزي به، وهو اختيار الطبري، واحتج بما روى أبو هريرة قال: " لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين منهم ما شاء الله أن تبلغ، فشكوا ذلك إلى النبي A فقال: قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها، أو الشوكة يشاكها ". وروت عائشة عن أبي بكر Bهـ أنه قال: " لما نزلت هذه الآية: يا رسول الله {مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ} فقال له النبي A: " أوليس يصيبك كذا (ويصيبك كذا) فهو كفارة " ". وقال ابن عمر: سمعت أبا بكر يقول: " سمعت النبي A يقول: {مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ} في الدنيا ". وروى عن ابن أبي بكر Bهـ أنه قال: " يا نبي الله: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال النبي A " غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك
125
اللاواء؟ فهو ما تجزون به " ". وروي أن أبا بكر قال: " لما نزلت هذه الآية، جاءت قاصمة الظهر، فقال رسول الله A: " إنما هي المضائق في الدنيا ". قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ} الآية. روي أن هذه الآية نزلت في أبي بكر Bهـ. والمعنى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ} أي: استسلم لله، وانقاد له {وَمَنْ أَحْسَنُ} أي: عمل بما أمر به {واتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم} أي: دينه {حَنِيفاً} مستقيماً. وقيل: {حَنِيفاً} مائلاً عن سائر الأديان غير دين إبراهيم. {واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} أي: اتخذ [هـ] يعادى فيه، ويحب فيه، ويوالي فيه، والخلة التي في إبراهيم النبي، والخلة التي في الله لإبراهيم A هي نصره له على من حاوله بشر كالذي فعل به إذ أراده نمرود بالإحراق، وكالذي فعل به إذ أعانه على ملك مصر إذ أراده عن أهله، ومن ذلك تصييره إماماً لمن بعده من عباده وشبه ذلك.
وقيل: سمي خليلاً للفظة خرجت منه A فسمي بها خليلاً. وذلك أنه أصاب أهل ناحيته جدب فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل، وقيل: من أهل مصر يمتار طعاماً من عنده لأهله فلم يصب عنده حاجته. فرجع فلما قرب من أهله مر بمغارة فيها رمل فقال: لو ملأت غرائري من هذا الرمل لئلا أُغم أهلي بدخولي إليهم بغير ميرة، وليظنوا أني قد أتيتهم بما يحبون، ففعل ذلك فحول الله ما في غرائره من الرمل دقيقاً. فلما صار إلى منزله، نام، وقام ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقاً فعجنوا منه وخبزوا، واستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا من أين هو؟ فقالوا من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فعلم ما صنع الله D له، فقال نعم. هو من عند خليلي فسماه الله D بذلك خليلاً.
والخليل في اللغة يكون للفقير كأنه به اختلال. وقد قيل: في قوله {واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} معناه فقيراً محتاجاً إليه، ويكون الخليل المحب المنقطع إلى الله D الذي ليس في انقطاعه إلأيه اختلال، فيكون سمي (خليلاً) لانقطاعه إلى الله سبحانه، ومحبته له من غير خلل يدخل ذلك. ويكون الخليل أيضاً الذي يختص الإنسان فيكون سمي بذلك لأن الله D قد اختصه في الوقت بالرسالة دون غيره. وقد قال النبي A: " واتخذ الله صاحبكم خليلاً يعني نفسه "، أي: اختصه بالرسالة، وهذا القول قول مختار. وقد قال النبي A: " لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً " أي: لو اختصصت أحداً بشيء من الدنيا لاختصصت أبا بكر. وقد قال بعض أهل اللغة: الخليل الذي ليس في محبته خَلَل فسمي إبراهيم
127
خليلاً لذلك. قوله: {وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} أي له ما فيهن، فلم يتخذه خليلاً لحاجة إليه، لأن له ما في السموات وما في الأرض، ولكنه اتخذه خليلاً لمسارعته إلى رضاه فكذلك سارعوا أنتم إلى ذلك فيتخذكم أولياء. {وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً} أي: يحيط بما يعمله الخلق، لا يخفى عليه شيء. قوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ. . .} الآية. " ما " في قوله: {وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ} في موضع رفع عطف على اسم الله D. " وما " هو القرآن. أي الله يفتيكم فيهن، والقرآن يفتيكم فيهن أيضاً، وهو قول ابن عباس وغيره. وقال الفراء، {مَا} في موضع خفض عطف على الضمير في {فِيهِنَّ} أي: الله يفتيكم في النساء، وفيما يتلى عليكم يفتيكم، وهو غلط عند البصريين لأنه عطف ظاهر على مضمر مخفوض. وقيل {مَا} في موضع رفع بالابتداء، و {مَا} القرآن أيضاً على معنى: (ما
يتلى عليكم يفتيكم). قوله: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ}. المعنى عن أن، وأن في موضع نصب بحذف الخافض. وقيل المعنى: وترغبون في أن تنكحوهن، والإعراب واحد، والمعنى مختلف معنى قول من أضمر " عن " إنهم لا يريدون نكاحهن ومن أضمر " في " فمعناه أنهم يريدون نكاحهن ويرغبون في ذلك. قوله: {والمستضعفين} عطف على يتامى النساء، أي يتلى عليكم في يتامى النساء، وفي المستضعفين. ومعنى الآية: إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون المولود حتى يكبر، ولا يورثون المرأة، فلما كان الإسلام سأل المؤمنون النبي A عن ذلك، فقال الله D لنبيه A: { قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب} يفتيكم أيضاً يعني ما في أول السورة من الفرائض في اليتامى. قالت عائشة: " هذا في اليتيمة تكون عند الرجل لعلها أن تكون شريكته في ماله، وهو أولى بها من غيره فيرغب عنها أن ينكحها ويعضلها لما لها فلا يُنكحها غيره كراهة أن يشركه أحد في مالها ".
فهذا التفسير يحري على قول من أضمر " عن " مع " أن ". وقال ابن جبير: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ، ولا يرث الصغير ولا المرأة، فلما نزلت المواريث في أول النساء توقفوا، ثم سألوا النبي A عن ذلك، فأنزل الله D { قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب} أي: في أول السورة، قال وكان الولي إذا كانت عنده المرأة ذات الجمال والمال رغب فيها ونكحها، وإن لم تكن ذات جمال ومال أنكحها غيره. وقال النخعي: كان الرجل إذا كانت عنده يتيمة دميمة لم يعطها ميراثها وحبسها عن التزويج حتى تموت فيرثها فنهى الله D عن ذلك {وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يتامى النسآء الاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} أي: عن أن تنكحوهن، وذلك كله كان في الجاهلية. وقال ابن جبير {وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب} هو ما أتى في آخر السورة قوله: {إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 175]. روى أن عمرة بنت عمرو بن حزم، كانت تحت سعد بن الربيع، فقتل يوم أحد، فكانت لها منه ابنة، فأتت عمرة النبي A تطلب ميراث ابنتها من أبيها، فنزلت الآية في ابنتها، وكان أمرهم في الجاهلية، أن الرجل إذا مات ورث أكبر ولده ماله
كله. وقيل: المعنى: {قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} وفيما {وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يتامى النسآء} والذي يتلى هو قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء} [النساء: 3]. فما في موضع خفض على هذا التأويل. وقيل: المعنى {قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} والقرآن يفتيكم وهو قوله: {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وثلاث ورباع}. {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} أي ترغبون عن نكاحهن لدمامتهن وفقرهن. وقيل: المعنى وترفبون في نكاحهن وذلك لمالهن وحسنهن. واختار الطبري أن يكون المعنى: وترغبون عن نكاحهن لأنهم إنما عيب عليهم أن يأخذوا مالها ويحبسوها ولا ينكحوها، ولم يعب عليهم نكاحها إلا إذا لم يعطوها صداق مثلها، ولم يذكر هنا الصداق فالمعنى أنهم لا يعطونهم ميراثهن ويرغبون عن نكاحهن. قوله: {والمستضعفين مِنَ الولدان} أي: {وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يتامى النسآء} وهي اليتيمة يأخذ مالها ولا يتزوجها ولا يزوجها، وفي المستضعفين من الصبيان كانوا لا يورثون إلا بالغاً. {وَأَن تَقُومُواْ} أي: وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط تعطوا الصغير والكبير حقه،
128
وفرضه الذي نص الله D عليه لكم هو {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين} [النساء: 11] والذي أفتاهم في اليتامى قوله {وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2]. وقيل هو: {وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب} [النساء: 2]. والذي يتلى عليكم في التزويج هو قوله: {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3]. قوله: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} أي: ما تفعلوا من عدل في اليتامى، فإن الله لم يزل عالماً بما هو كائن منكم من ذلك. قوله {وَإِنِ امرأة خَافَتْ مِن بَعْلِهَا [نُشُوزاً] أَوْ إِعْرَاضاً. . .} الآية. قرأ الجحدري {أَن يُصْلِحَا} بتشديد الصاد وكسر اللام. وأصله أن يصطلحا ثم أدغم الثاني في الأول أعني: دغم الطاء في الصاد.
(وصلحاً) منصوب على معنى فيصلح الأمر بينهما صلحاً. وفي قراءة عبد الله: فلا جناح عليهما [إن أصلحا]. ولذلك اعتبر الكوفيون قراءتهم فقرأ وا " يصلحا " ولقوله: " صلحاً ". والصلح الاسم، والعرب تضع الاسم موضع المصدر كقولهم المطية لمطاء. فأما من قرأ " يصلحا " فليس " صلحاً " باسم له ولا مصدر، فقراءة الكوفيين أقرب إلى {صُلْحاً} من قراءة غيرهم لأن {صُلْحاً} اسم الفعل لأصلح. ومعنى الآية فيما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: " خشيت سودة أن يطلقها رسول الله A فقالت: لا تطلقني واحبسني مع نسائك ولا تقسم لي ففعل " فنزلت " {وَإِنِ امرأة خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً} الآية.
فالمعنى أنه إن علمت امرأة من بعلها ميلاً إلى غيرها وهو النشوز أو " إعراضاً " أي: إن أعرض عنها بوجهه وبمنفعته فلا جناح عليهما أن يصالحا أي: لا إثم عليهما في الصلح وهو أن ترضى المرأة أن تترك له يومها أو تسمح له ببعض ما يجب لها من المنفعة لتستديم المقام عنده وتستعطفه بذلك. {والصلح خَيْرٌ} أي: جرب تسمح فبقى في حرمتها أولى وأحسن من الطلاق والفرقة. وقيل: المعنى {والصلح خَيْرٌ} من الفرقة ولكن حذف لدلالة الكلام عليه. قال ابن عباس: هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر فيريد أن يتزوجها عليها فيتصالحا على أن لهذه يوماً ولهذه يومين أو ثلاثة أو أكثر. وقالت عائشة Bها: هي المرأة تكون عند الرجل ولعله لا يستكثر منها، ولا يكون لها ولد وتكون له صاحبة فتقول له: لا تطلقني وأنت في حل من شأني. وعلى هذه المعنى في الآية جميع أهل التفسير. وروي أن هذه الآية نزلت في خولة بنت محمد بن مسلمة الأنصاري، والبعل
رافع بن خديج الأنصاري ثم هي عامة. قوله: {وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح} أي: أنفس النساء. حريصة في الشح على الأيام، وقيل: هو على نصيبها من الرجل، ونفس الرجل في حرصه على الميت عند من تميل نفسه إليها. وقال عطاء: [هو] في الأيام والنفقة. وقال ابن جبير: نزلت الآية في صفية زوج النبي A كانت قد كبرت، فأراد النبي A أن يطلقها، فاصطلحا على أن يمسكها، ويجعل يومها لعائشة شحاً منها على رسول الله A. وقال ابن زيد وغيره معنى: {وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح} يعني نفس الزوجة، والزوج لا يترك أحد حقه لصاحبه.
129
قوله: {وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ} أي: إن تحسنوا أيها الأزواج إلى النساء إذا كرهتم منهن شيئاً، وتتقوا الله فيهن في الصحبة بالمعروف، فإن الله لم يزل حبيراً بما تعملون. قوله: {وَلَن تستطيعوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النسآء وَلَوْ حَرَصْتُمْ. . .} الآية. المعنى: ولن تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين النساء في حبهن بقاؤكم حتى تعدلوا بينهن، فلا تكون لبعضهن مزية على بعض {وَلَوْ حَرَصْتُمْ} فإن ذلك مما لا تقدرون عليه {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل} أي: لا تميلوا على من لم تملكوا صحبته من قلوبكم فتجوروا عليها بترك أداء الواجب لها {فَتَذَرُوهَا كالمعلقة} أي كالتي هي لا ذات زوج، ولا هي أيم. وليس في قوله: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل} دليل على جواز بعض الميل، إنما معناه لا تميلوا بما تقدرون على تركه ميل الميل فهو أمر يُغلب الإنسان عليه، ولذلك كان عمر Bهـ يقول: " اللهم أما قلبي أملك، وأما غير ذلك فأرجو أن أعدل ". وكان النبي A يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: " اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ". قال ابن أبي مليكة: " نزل ذلك في عائشة Bها. يعني كان النبي A يحبها
130
أكثر من غيرها ". قال سفين: " نزلت في الحب والجماع ". وقال السدي: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل} قال: " يجوز عليها فلا تنفق ولا تقسم ". وروى أبو هريرة عن النبي A أنه قال: " من كانت له امرأتان يميل [مع] إحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد شقيه ساقط ". وقال قتادة: " المعلقة ": المحبوسة. وقال ابن جبير: " لا مطلقة ولا ذات بعل. قوله: {وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ} أي تصلحوا أعمالكم، فتعدلوا في أزواجكم، وتتقوا الله فيهن {فَإِنَّ الله} لم يزل {غَفُوراً رَّحِيماً} لكم أي يستر عليكم ما سلف منك (رحيماً بكم). قوله: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ. . .} الآية. المعنى: وإن رأت المرأة التي مال عنها زوجها، إلا أن تفارقه، ولا تسمح له بشيء من حقها، وأبى الزوج الأخذ عليها بالإحسان، فتفرقا بطلاق الزوج إياها {يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ} أي: الزوج والمرأة أن تتزوج من هو أصلح لها من الأول، ويتزوج هو من هي أصلح له منها في رزقه وعصمته. {وَكَانَ الله وَاسِعاً} أي: ذا سعة في الرزق لخلقه {حَكِيماً} فيما قضى به بينهما
131
والواسع: الكثير العطايا. وقيل: الواسع: المحيط بكل شيء، ومنه قوله تعالى: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} [طه: 96] أي أحاط به. وقال أبو عمرو في " واسع كريم " قال الواسع الغني والكريم الجواد. قوله: {وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَلَقَدْ وَصَّيْنَا} الآية. كرر تعالى ذكره، ذكر كون ما في السموات وما في الأرض أنه له، في ثلاثة مواضع متوالية، وفي كل آية معنى من أجله وقع التكرير: 1 - أما الأول فإن الله جل ذكره نبه الخلق على ملكه بعقب قوله {وَكَانَ الله وَاسِعاً}، فأخبر أن من سعته أن له ما في السموات والأرض، وفي هذا تقوية لقول أبي عمرو أن الواسع الغني، ثم رجع تعالى بعد إعلامه إيانا، وتنبيهه على ملكه إلى إعلامه إيانا أنه قد وصى من كان قبلنا بتقواه كما وصانا بالتقوى في الأزواج وغيرها، والذين من قبلنا من أهل الكتاب وصاهم بذلك في التوراة والإنجيل، وصانا نحن في القرآن بالتقوى أيضاً، فقال: {أَنِ اتقوا الله}. 2 - ثم قال: {وَإِن تَكْفُرُواْ} كما كفر أهل الكتاب {فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات [وَمَا فِي الأرض]} إنه لا يضره كفرهم إذ له كل شيء، كما لم يضره ما فعل أهل الكتاب في مخالفتهم أمره، {وَكَانَ الله غَنِيّاً} أي غني عن خلقه، فأخبرنا في هذه الآية بغناه عنا،
133
وحاجتنا إليه. 3 - [ثم] أعلمنا في الآية الثالثة بحفظه لنا، وعلمه بنا فقال {وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلاً} أي كفى به حفيظاً. فهذا فائدة التكرير أنه تعالى نبهنا على ملكه، وسعته بعد قوله {وَكَانَ الله وَاسِعاً}. فأعلمنا أنه من سعة ملكه أن له ما في السموات وما في الأرض. وأعلمنا في الثانية بحاجتنا إليه، وغناه عنا. وفي الثالثة أعلمنا بحفظه لنا وعلمه بتدبيرنا. وتقدم قوله: {غَنِيّاً حَمِيداً} على {وكفى بالله وَكِيلاً} لأنه خاطبهم أولاً فأخبرهم أنه لا يحتاج إليهم، إن كفروا، وأنهم مضطرون إليه، إذ له ما في السموات وما في الأرض. قوله: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ. . .} الآية. هذه الآية مردودة على وقوله: {وَإِن تَكْفُرُواْ} فقال تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} بالفناء {وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} من غيركم وهو قادر على ذلك. وقيل: إنها ترجع على طعمة، وأصحابه الذين تقدم ذكر نياتهم توبيخاً لهم، وقد روى النبي A " لما نزلت هذه الآية ضرب على ظهر سلمان بيده وقال: " هم
134
قوم هذا " " يعني عجم الفرس. هذه الآية نزلت في المنافقين الذين أظهروا [الإيمان ليدفعوا عن أنفسهم الضرر في الدنيا، والمعنى من كان أظهر الإيمان بمحمد A من أهل النفاق لغرض {فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا} يعني جزاؤه في الدنيا ما يأخذ من الغنم إذا شهد مع المسلمين، وثواب الآخرة، وهو نار يصلاها أبداً، ومثل هذا قوله {مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار} [هود: 15 - 16] الآية. وقيل: إن الآية نزلت في أمر الذين سعوا في أمر طعمة وعذروه، وهم يعلمون أنه سرق. قوله: {وَكَانَ الله} أي: يسمع قوله هؤلاء الذين يريدون ثواب الدنيا بأعمالهم، ويقولون آمنا إذا لقوا المؤمنين {سَمِيعاً بَصِيراً} بهم فيما يكتمون. وقيل: إن الآية نزلت في الكفار، وذلك أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، ويتقربون إلى الله ليوسع عليهم في الدنيا، ويدفع عنهم مكروهاً، فأنزل الله D: { مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا. . .} الآية.
135
قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ كُونُواْ قوامين بالقسط} الآية. قوله: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فالله أولى بِهِمَا} وقال الأخفش: " أو " بمعنى الواو، فلذلك قال: " بهما " ولم يقل به. وقيل: المعنى: إن يكن المتخاصمان غنيين أو فقيرين. وقيل: هو مثل قوله {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس} [النساء: 12]. وقيل: لما كان المعنى فالله أولى بغنى الغني، وفقر الفقير، رد الضمير عليهما. وقيل: إنما ردع الضمير إليهما لأنه لم يقصد فقيراً بغني، فجاء الرد عليهما: بالتثنية، وبالتوحيد وبالجمع. ومعنى الآية: " إن الله تعالى تقدم إلى عباده أن يقوموا بالقسط أي: بالعدل، ولو على أنفسهم أو والديهم أو قرابتهم ولا يكونوا كالذين قالوا لطعمة بغير القسط لقرابته منهم.
والقسط: العدل. وأن لا يميلوا لفقر فقير، ولا لغنى غني، فيجوروا. {فالله أولى بِهِمَا} أي أحق بهما لأنه خالقهما، ومالكهما دونكم {فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى} في الميل مع أحدهما. والشهادة على نفسه هو أن يقر بها عليه. وقيل: إن الآية نزلت في النبي A، تخاصم إليه غمي وفقير، فكان ميله مع الفقير يروى أنه لا يظلم الغني لفقره. وقيل: نزلت في الأمر بالشهادة بالحق، وترك الميل مع الغني لغناه، أو مع فقير لفقره. قال ابن شهاب: كان فيما مضى من السلف الصالح تجوز شهادة الوالد لولده والأخ لأخيه ويتأولون في ذلك قول الله {كُونُواْ قوامين بالقسط شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ على أَنْفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين} فلم يكن يتهم أحد في ذلك من السلف الصالح ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة. ومذهب الحسن البصري والنخعي والشعبي، وشريح ومالك والثوري
والشافعي وأحمد بن حنبل أنه: لا تجوز شهادة الوالد لولده. وقد أجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولاً. وروي عن عمر Bهـ أنه أجازه، وكذلك روي عن عمر بن عبد العزيز، وبه قال إسحاق وأبو ثور والمزني. ومذهب مالك Bهـ جواز شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلاً [إلا] في النسب. وروى ابن وهب هنه: أنها لا تجوز إذا كان في عياله أو في نصيبه مال يرثه. ولا تجوز عند مالك شهادة الزوج والمرأة أحدهما للآخر، وأجازه الشافعي. ولا تجوز شهادة الرجل المصاحب له بصلة، أو بعطف عليه عند مالك. وكذلك لا تجوز شهادة رجل لرجل، والشاهد [في عيال] المشهود له، قوله
{وَإِن تَلْوُواْ} هي مخاطبة للحكام، فالمعنى: وإن تلووا أيها الحكام، في الحكم لأحد الخصمين على الآخر أو تعرضوا، فإن الله لم يزل خبيراً بما تعملون. وقال ابن عباس: هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي فيكون لَيُ القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر. وقيل: هي مخاطبة للشهداء، والمعنى أن تلووا أيها الشهداء ألسنتكم بغير الحق، أو تعرضوا عن الحق. وقيل: أو " تعرضوا " عن الشهادة فتتركوها. وقال مجاهد: {وَإِن تَلْوُواْ} تبدلوا الشهادة: {أَوْ تُعْرِضُواْ} أي: تكتموها كذلك قال قتادة والسدي. قال ابن زيد: {وَإِن تَلْوُواْ} تكتموا بعضها، أو تعرضوا [تكتموها] فتأتوا الشهادة، تقول: أكتم عن هذا أنه مسكين، رحمة به، ويقول: هذا غني أتقيه، وأرجو ما قِبَلَه، فهو قوله {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فالله أولى بِهِمَا} أي: إن يكن المشهود عليه غنياً أو
فقيراً، فأقيموا الشهادة عليه لأن الله أولى به. {فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى} في ألا تعدلوا: {وَإِن تَلْوُواْ} تغيروا الشهادة {أَوْ تُعْرِضُواْ} تكتموها {والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} مجازيكم ومن قرأ {وَإِن تَلْوُواْ} بواو فيحتمل أن تكون مثل تلوا من اللي ولكن أبدلت من الواو المضمومة همزة، ثم ألغيت حركتها على اللام على أصل التسهيل، ويكون المعنى واحداً. ويجوز أن يكون من الولاية، قال ذلك الكسائي، فيكون المعنى وإن تلوا شيئاً من الشهادة، فتبلغوه على حقه، ولا تجوروا فيه {أَوْ تُعْرِضُواْ} أي: تتركوا تبليغه
136
فتكتموه، فإن الله لم يزل خبيراً بأعمالكم. قوله {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ. . .} الآية. المعنى: يا أيها الذين آمنوا بمن قبل محمد A من الأنبياء، والرسل وصدقوا آمنوا بمحمد A وبالكتاب الذي أنزل من قبل وهو التوراة والإنجيل. {وَمَن يَكْفُرْ بالله} أو بما جاء به محمد A من عند الله وملائكته وكتبه ورسله {فَقَدْ ضَلَّ} أي: ذهب عن الحق وجار جوراً بعيداً، فهو خطاب لمن آمن بما قبل محمد A، ولم يؤمن بمحمد A. وقيل: هو خطاب للمؤمنين بمحمد A. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بمحمد A آمنوا أي اثبتوا على الإيمان به، وبما جاء من عند الله. وقيل: هو خطاب للمنافقين، والمعنى يا أيها الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم آمنوا بالله ورسوله، أي صدقوا به بقلوبكم إيماناً يقيناً يوافق اللسان القلب. قوله: {إِنَّ الذين آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ. . .} الآية. المعنى: إن الذين آمنوا بموسى ثم كفروا به، ثم آمنوا بعيسى يعني النصارى ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفراً بمحمد A، وكفرهم بموسى وعيسى عليه السلام [هو]
تغيير ما أتى به كل واحد منهما من عند الله D، وتبديله وقبول الرشا عليه {لَّمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ} إذ كفروا بكتبه ورسله {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ [سَبِيلاً]} أي طريق هدى. وقيل: عُنِي بذلك المنافقون آمنوا مرتين وكفروا مرتين، ثم ازدادوا كفراً بعد ذلك. وقيل: هم اليهود والنصارى. وقال قتادة: هم اليهود والنصارى: آمنت اليهود بالتوراة، وكفرت بالإنجيل، ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا [كفراً] بكفرهم بمحمد A. وآمنت النصارى بالإنجيل ثم تركت العمل بما فيه، فكفرت بذلك، ثم ازدادوا كفراً بالقرآن وبمحمد A { لَّمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ} أي: لا يغفر لهم كفرهم الأول والآخر، وذلك أن الكافر إذا آمن غفر له كفره، فإن رجع إلى الكفر لم يغفر له كفره الأول. وقال ابن عمر: يستتاب المرتد ثلاثاً، أي كلما ارتد يستتاب، فإن آمن، ثم ارتد استتيب، فإن تاب، ثم ارتد استتب، فإن تاب ثم ارتد قتل، فإنما يستتاب ثلاث
138
مرات قياساً على هذه الآية. وقيل: يستتاب، كلما ارتد. قوله: {بَشِّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين} الآية. المعنى اجعل ما يقوم لهم مقام البشارة بالعذاب الأليم {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة} أي: المنعة باتخاذهم لهم أولياء {فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً} أي: المنعة لله، والنصر من عنده. يقال أرض عزاز وعزاز إذا كانت صلبة شديدة، ومنه قولهم: عز الشيء إذا لم يوجد أي: اشتد وجوده، أي: صعب. وقال النحاس: " هذا يدل على أن من عمل معصية من الموحدين ليس بمنافق لأنه لا يتولى الكافرين. قوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب} الآية. المعنى قد أخبرتم أيها المنافقون في القرآن {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ الله يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}.
فاتخذتموهم أولياء {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} كفار، إذا جالستموهم على تلك الحال، لأن من لم يجتنبهم، فهو راض بفعلهم، فالرضا بالكفر كفر. وهذه الآية تدل على اجتناب أهل المعاصي إذ ظهر منهم منكر، ومجانبة أهل الباطل من كل نوع من المبتدعة والقدرية وغيرهم إذا خاضوا في فسقهم. وروى إبراهيم التيمي عن أبي وائل قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة في المجلس من الكذب ليضحك بها جلساؤه فيسخط الله عليهم. وقال إبراهيم النخعي: إذ سمع هذا عن أبي وائل، صدق أبو وائل، أو ليس ذلك في كتاب الله D { أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ الله يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حتى يَخُوضُواْ
141
فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} أي: يجمعهم بموالاة بعضهم بعضاً فكلهم كافر. قوله: {الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} الآية. في قراءة أبي: ومنعناكم في موضع: نمنعكم. وأجاز الفراء: ونمنعكم بالنصب على الصرف. ومعنى الآية: أنها صفة للمنفقين لأنهم كانوا يتربصون بالمؤمنين، فإن كان فتح من الله جل وعز للمؤمنين، قالوا للمؤمنين: ألم نمنعكم في جهادكم، فطلبوا الفيء من الغنيمة {وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ} ظفر على المؤمنين قالوا للكافرين {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} أي: نغلب عليكم حتى قهرتم المؤمنين {وَنَمْنَعْكُمْ} من المؤمنين، أي: كنا عيوناً لكم نأتيكم بالأخبار في السر، ونخذل المؤمنين حتى غلبتموهم {فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة} أي: بين المؤمنين والمنافقين {وَلَن يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى المؤمنين سَبِيلاً} أي: حجة يوم القيامة. وهذا وعد من الله جل ذكره للمؤمنين يكون في القيامة فأما في الدنيا فقد يغْلِبون ويُغلَبون، ودل على ذلك قوله {فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة}. وقيل: معناه: لا يجعل الله الكافرين على المؤمنين سبيلاً يوم القيامة في قتلهم لهم، وسبيهم لذراريهم، ذلك مباح للمؤمنين في الدنيا، ولا درك عليهم في
142
ذلك في الآخرة. وقال ابن جريج: معن: {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} ألم يتبين لكم أنا معكم. وأصل الاستحواذ الغلبة والاستيلاء. قوله: {إِنَّ المنافقين يُخَادِعُونَ الله} الآية. معنى الآية أن المنافقين يخادعون الله بإحرازهم لإيمانهم دماءهم وأموالهم، {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} هو ما حكم فيهم من منع دمائهم وأموالهم بما ظهر من إيمانهم مع علمه بباطن اعتقادهم استدراجاً للانتقام منهم في الآخرة. وقال السدي: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} يعطيهم الله يوم القيامة نوراً يمشون به مع المؤمنين كما كان معهم في الدنيا إيمان يمنع من دمائهم ثم يسلبهم ذلك النور فيطفئه، فيقومون في ظلمتهم ويضرب بينهم بسور. وقال ابن جريج: إخداع الله لهم هو ما ذكر من قولهم {انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} [الحديد: 13]. وقال الحسن: يلقى على كل مؤمن ومنافق نور يمشون به حتى إذا انتهوا إلى
الصراط طفئ نور المنافقين ومضى المؤمنون بنورهم فينادونهم {انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} ألم نكن معكم في المسجد والحج والغزو؟ {قَالُواْ بلى ولكنكم فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} باعتقادكم خلاف ما أظهرتم {وَتَرَبَّصْتُمْ} عن التوبة {وارتبتم} أي: شككتم في رسول الله A وثواب الله D وعقابه سبحانه. قال الحسن: فتلك خديعة الله إياهم. وقيل: المعنى: يُخادعون أولياء الله وهو أنهم يظهرون خلاف ما يبطنون {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} أي معاقبتهم، وسمي الثاني خداعاً لأنه مجازاة للأول، وقيل: لازدواج الكلام. وقيل: معنى: {يُخَادِعُونَ الله} أي نبيه A لأن من خادع النبي A، فقد خادع الله سبحانه كما قال {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله} [الفتح: 10]. قوله: {وَإِذَا قاموا إِلَى الصلاة قَامُواْ كسالى} الآية. هذا إعلام من الله تعالى أن المنافقين لا يعملون شيئاً من الفروض إلا رياء، وإبقاء على [أنفسهم، فهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، إذ ليست عندهم بفرض. إنما يقومون للناس] رياء إذ لا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً.
ثم يقال: {وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً} أي إلا ذكراً قليلاً. والمعنى: أنهم يذكرون الله رياء لا ذكر مؤمن موقن بتوحيد الله D فلذلك سمي قليلاً، إذ هو غير مقصود به الله سبحانه، وما عنده تعالى، فمن أجل هذا وصف بالقلة، مع أنه ليس في ذكر الله D قليل، إنما قل من أجل اعتقادهم لا من أجل قلة ذكرهم. قال الحسن: إنما قل لأنه كان لغير الله سبحانه. وقال علي Bهـ " ما قل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل! يريد قوله {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين} [المائدة: 27] فمن تقبل شيء من عمله، فهو من المتقين، ومن كان من المتقين فهو من أهل الجنة، يقول الله: {إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ} [القمر: 54]. قوله: {مُّذَبْذَبِينَ} أي: متحيرين في دينهم مضطربين، وأصل التذبذب التحرك والاضطراب، فهم يتحيرون في دينهم لا مع المؤمنين على بصيرة، ولا مع المشركين على جهالة، فهم حيارى. قال النبي A: " مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة،
144
وإلى هذه مرة ولا تدري لأيهما تتبع ". قال قتادة: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين. وقيل: إلى المؤمنين ولا [إلى] أهل الكتاب {وَمَن يُضْلِلِ الله} أي: ومن يخذله الله {فَلَن تَجِدَ لَهُ} يا محمد {سَبِيلاً} أي: طريقاً يسلكه إلى الحق. قوله: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَآءَ} الآية. المعنى: إن الله نهى المؤمنين أن يوالوا الكافرين، فيجعلون على أنفسهم الحجة لله، والسلطان: الحجة، وهو يذكر ويؤنث وبالتذكير أتى القرآن. فمن ذَكَّر ذهب إلى معنى صاحب السلطان، أي صاحب الحجة، وقيل ذهب إلى البرهان والاحتجاج. ومن أَنَّث فلتأنيث الحجة، والعرب تقول: قضت به عليك السلطان أي الحجة. قوله: {إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار} الآية.
معنى الدرك الأسفل: القعر الأسفل والنار أدراك سبعة، فهم في القعر السابع، نعوذ بالله منها. والدَرْك والدَرَك لغتان بمعنى. والفتح: الاختيار عند بعض العلماء لقولهم: أدراك كجمل وأجمال وجمعة في الكثير: الدروك. ومن أسكن الراء جمعه في القليل على أدرك، والكثير الدروك، وقال عاصم: " لو كانت الدروك بالفتح لقيل السفلى " ذهب إلى أن الفتح إنما هو على أنه جمع دركة ودرك، كبقرة وبقر. وطبقات النار سفل سفل، يقال لها أدراك. ومنازل الجنة يقال لها درجات وهو علو علو. وقوله: {وَسَوْفَ يُؤْتِ} كتب بغير ياء على لفظ الوصل.
147
والوقف عند سائر القراء على ما في السواد. ومذهب النحويين في هذا: الوقف على الياء. ومعنى الآية: أن الله تعالى أعلمنا أن المنافقين في الطبق الأسفل من النار، وأنهم لا ناصر لهم ينقذهم منها. والعرب تقول لكل ما تسافل درك، ولكل ما تعالى درج. وقال ابن مسعود: إن المنافقين في توابيت من حديد مغلقة عليهم في النار. وقال أبو هريرة: {فِي الدرك الأسفل} في توابيت ترتج عليهم. وقال ابن عباس: في أسفل النار. ثم استثنى تعالى التائبين فقال {إِلاَّ الذين تَابُواْ} أي: رجعوا عن نفاقهم وشكهم إلى اليقين بالله ورسوله A وبما جاء به وأصلحوا أعمالهم فعملوا بما أمرهم الله D { واعتصموا بالله} D أي: تمسكوا بما أمرهم الله به {وَأَخْلَصُواْ} طاعتهم له D، ولم يعملوا رياء الناس {فأولئك مَعَ المؤمنين} في الجنة {وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً}. وقال الفراء: {مَعَ المؤمنين} أي: من المؤمنين. قوله: {مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ. . .} الآية. المعنى: ما يفعل الله بعذابكم أيها المنافقون إن تبتم، ورجعتم وآمنتم، بمعنى أي
148
شيء يصنع الله بعذابكم، وما حاجته إلى ذلك بل سيشكر لكم ما يكون منكم من الطاعة، والإيمان فيجازيكم عليه، بأن يعافيكم من الدرك الأسفل من النار، ويدخلكم الجنة خالدين. قال قتادة: في هذه الآية: " إن الله لا يعذب شاكراً ولا مؤمناً ". وقيل: معنى: {شَاكِراً} مشكوراً على كل حال. قوله: {لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ} الآية. قرأ زيد بن أسلم، والضحاك وابن أبي إسحاق {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} بفتح الظاء. ومعنى الآية: لا يحب الله أن يجهر أحد بالدعاء [على أحد] إلا من ظُلم فيدعو على ظالمه. أي: لكن من ظُلم فله أن يدعو على ظالمه، ولا يكره الله ذلك. قال ابن عباس: أُرخص للمظلوم أن يدعو على ظالمه، وإن صبر فهو خير له. قال قتادة: عذر الله سبحانه المظلوم.
وقال الحسن: هو الرجل يُظلم يظلم الرجل فلا يدع عليه، ولكن ليقل: اللهم أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي، ونحو ذلك. و" من " في موضع رفع بالهجر، كأنه: لا يحب الله أن يجهر بالسوء إلا المظلوم وإن شئت في موضع نصب كما قال تعالى: {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ * إِلاَّ مَن تولى وَكَفَرَ} [الغاشية: 22 - 23] وكقولهم: إني لا أكره الخصومة، والمراء إلا رجلاً يريد الله بذلك، فهذا محمول على المعنى وأن لم يكن قبله أسماء. وأصل الاستثناء المنقطع أن يكون منصوباً، وهذا من ذلك. وقال مجاهد في الآية: هو الرجل لا تحسن ضيافته، فيخرج فيقول أساء ضيافتي، رخص له أن يقول ذلك. وقال السدي: إن الله لا يحب الجهر بالسوء من أحد ولكن من ظلم فانتصر بمثل ما ظلم فليس عليه جناح. ومن قرأ بفتح الظاء، فمعناه إلا من ظلم فلا بأس أن يُجْهَر له بالقول. قيل: إن هذه الآية: نزلت في الرجل ينزل بالرجل وعند المنزول به سعة، يضيفه، فإن تناوله بلسانه في تأخره عن ضيافته فقد عذره الله D، وسمى الله سبحانه ترك
149
الضيافة ظلماً. وقال ابن زيد معنى الفتح: لا يحب الله أن يقول لمن تاب عن النفاق: ألست نافقت؟ ألست الذي ظلمت وفعلت؟ {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} أي: إلا من أقام على النفاق، فإنه يقال له ذلك، ودل على هذا قوله تعالى {إِلاَّ الذين تَابُواْ}. وقيل: المعنى {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} فقال سوءاً، فإنه ينبغي أن يأخذوا على يديه. وقال قطرب: {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} أي: إلا المكره لأنه مظلوم. {وَكَانَ الله سَمِيعاً} أي: لما تجهرون به {عَلِيماً} أي بما تسرون وبغير ذلك. قوله: {إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ. . .} الآية. المعنى: إن تقولوا جميلاً لمن أحسن إليكم، فتظهروا ذلك وتخفوه. أي: تتركوا إظهاره، فلا تبدوه {أَوْ تَعْفُواْ عَن سواء} أي: تصفحوا لمن أساء إليكم عن إساءته، فلا تجهروا له بالسوء، أي: الذي قد أُذن لكم أن تجهروا به وهو قوله {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} فإن الله كان عفواً، أي: لم يزل عفواً عن خلقه مع قدرته على الانتقام منهم. وهذا
150
التأويل يدل على خلاف قول من تأول لقوله {لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ} أنه في المنافق التائب، والذي لم يتب، لأن الله D لم يأمر المؤمنين بالعفو عن نفاقهم ولا نهاهم أن يسبوا من كان منهم معلناً النفاق. قوله: {إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ} الآية. معنى الآية أنها في اليهود والنصارى يكفرون بالله بكفرهم برسول الله A. { وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ} أي: يزعمون أنهم افتروا على ربهم {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} آمنت اليهود بموسى، وكفرت بعيسى، وبمحمد A، وآمنت النصارى بعيسى وكفرت بموسى، وبمحمد A، { أولئك هُمُ الكافرون} أي: مَنْ، هذه صفته كافر {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً} أي: طريقاً لا مع المؤمنين ولا مع غيرهم وقيل بين الإيمان والجحد طريقاً. قوله: {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً} الآية. المعنى: الذين صدقوا بواحدانية الله D، وأقروا برسله [صلوات الله عليهم] {وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} [أي لم يكذبوا ببعض وآمنوا ببعض {أولئك سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ} أي من هذه صفته سوف نؤتيهم أجورهم أي يعطيهم
153
أجورهم] على تصديقهم للجميع {وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً} أي: يغفر لمن فعل ذلك من خلقه أي يستر ذنوبه، وكان {رَّحِيماً} بهم أي: لم يزل كذلك. قوله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السمآء. . .} الآية. قوله: {جَهْرَةً} حال من الضمير في قالوا، وهو العامل فيه، أي: قالوا مجاهرين بذلك، قال ذلك أبو عبيدة. وقيل: هو نُعت بمصدر محذوف [تقديره] رؤية جهرة. ومعنى الآية: أن اليهود سألوا النبي A أن ينزل عليهم كتاباً من السماء مكتوباً كما جاء موسى بني إسرائيل بالتوراة، قالوا له: إن موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقك، فأنزل الله {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب} الآية. قال ابن جريج: سألوا أن ينزل عليهم رجال منهم كتاباً من السماء بتصديقه واتباعه وهم اليهود والنصارى. وقيل: هم اليهود خاصة سألوا النبي عليه السلام أن يصعد إلى السماء وهم يرونه بلا كتاب، وينزل ومعه كتاب تعنتاً. فأعلمه الله D أنهم قد سألوا موسى عليه السلام أكبر من هذا {فقالوا أَرِنَا الله جَهْرَةً} أي: رؤية منكشفه {فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة} أي صعقوا بظلمهم أنفسهم، في عظيم ما سألوا موسى A مما ليس لهم أن يسألوا مثله {ثُمَّ اتخذوا العجل} أي
154
اتخذوه إلهاً بعد إحيائهم من صعقتهم {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات} أي الدلالات الواضحات أنهم لا يرون الله عياناً في الدنيا، وأنه لا معبود إلا الله، فمن الآيات إصعاق الله إياهم عند مسألتهم ثم أحياؤهم. قوله: {فَعَفَوْنَا عَن ذلك} أي: عفونا عن عبادتهم العجل {وَآتَيْنَا موسى سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي: أعطيناه حجة تبين عن صدقه وصحة نبوته. قوله: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بِمِيثَاقِهِمْ. . .} الآية. المعنى: ورفعنا فوقهم الجبل لما امتنعوا من العمل بما في التوراة، وقبول ما جاءهم به موسى A { بِمِيثَاقِهِمْ} أي ما أعطوا الله من الميثاق ليعملوا بما في التوراة {وَقُلْنَا لَهُمُ ادخلوا الباب سُجَّداً} يعني باب حطة أمروا بذلك، فدخلوا يزحفون على أستاههم {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السبت} أي لا تتجاوزوا في يوم السبت ما أبيح لكم، وذلك أنهم أمروا ألا يأكلوا الحيتان يوم السبت، ولا يتعرضوا لها. {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} أي شديداً أنهم يعظمون ما أمرهم الله، وينتهون عما نهاهم عنه. قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ الله} الآية. المعنى: وينقض هؤلاء الذين تقدمت صفتهم: الميثاق - وهو كتمانهم أمر
النبي A، وقد أخذ عليهم {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} [آل عمران: 187] وكفرهم بآيات الله أي: بإعلامه وأدلته وب {وَقَتْلِهِمُ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ} وب {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي: عليها غشاوة وأغطية عما يقول، فلا نفهمه عنك، فأخبر الله D بكذبهم في قولهم، وقال {بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} أي: ليست بغلف، ولكن طبع الله عليها طابعاً من أجل كفرهم بالله {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} لأنهم إنما صدقوا ببعض الأنبياء، فإيمانهم قليل لأنهم قد كذبوا بأكثر الأنبياء فيما جاءوا به، ومن كذب بالبعض، فهو مكذب بالكل من جهة أن الذي صدق به من نبي وكتاب يصدق ما كذب به هو ويقرب بصحته وهذا كلام متصل بما قبله. والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم وبكفرهم، وبكذا وبكذا أخذتهم الصعقة. قال الطبري: هذا غلط لأن الذين أخذتهم الصاعقة قوم موسى A، والذين رموا مريم بالبهتان بعدهم بدهر طويل، فهؤلاء غير هؤلاء. والذي قال الطبري لا يلزم، لأن اليهود قد تأخروا، وهم الذين طالبوا عيسى A بالصاعقة، وإن لم تأخذهم بأعيانهم، فقد أخذت آباءهم. فالمراد آباؤهم على ما مضى في البقرة وفي غيرها لأنهم راضون بما كان عليه آباؤهم من الكفر فلهم من الحكم ما لآبائهم إذ هم على مذهبهم. وقال قتادة: {لَعنَّاهُمْ} محذوف من الكلام كأنه: فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم
كذا وكذا لعناهم وهو اختيار الطبري. قال: ودل على المحذوف قوله: {بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} لأن من طبع الله على قلبه فقد لعنه الله وغضب عليه. وقيل: المعنى: فبنقضهم ميثاقهم كذا (وقولهم كذا). طبع الله عليها. وقال الزجاج: المعنى: فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. قوله: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} أي: بمحمد A { وَبِكُفْرِهِمْ} هو أنهم رموها بالزنا {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح} أي: بدعواهم ذلك، فأكذبهم الله في ذلك، فقال: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبِّهَ لَهُمْ}. قيل: إن اليهود أحاطوا بعيسى ومن معه وهم لا يشبهون عيسى بعينه فحولوا جميعاً في صورة عيسى، فأشكل عليهم أمر عيسى، فخرج إليهم بعض من كان في البيت مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبون أنه عيسى.
قال وهب بن منبه: أتى عيسى ومن معه سبعة عشر من الحواريين في بيت، فأحاط بهم اليهود، فكلما دخلوا عليهم صورهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا لترزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعاً، قال عيسى لأصحابه: من يشتري اليوم نفسه بالجنة؟ قال رجل منهم: أنا فخرج إليهم. فقال: أنا عيسى، فأخذوه وقتلوه، وهو على صورة عيسى، وصلبوه وظنوا أنه عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك، إذا الصورة مشبهة، ورفع الله عيسى من يومه ذلك. وقيل: إنه كان محبوساً عند خليفة قيصر، فاجتمعت اليهود إليه فتوهم يريدون خلاصه، فقال: أنا أخليه لكم، فقالوا: بل نريد قتله، فرفعه الله إليه، فأخذ خليفة قيصر رجلاً فقتله، وقال لهم: قد قتلته، خوفاً منهم، وهو الذي شبه لهم. قوله: {وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} يعني اليهود الذين أحاطوا بعيسى، ومن معه وأرادوا قتله، وذلك أنهم كانوا عرفوا عدد من كان في البيت، قبل دخلوهم فيما ذكر بعض أهل التأويل: فلما دخلوا فقدوا واحداً من العدد، ووجدوا الشبه فالتبس عليهم أمر عيسى بفقدهم واحداً من العدد، فقتلوا الذي عليه الشبه على شك. وقيل: إن شكهم فيه هو أن بعضهم زعم أنه الله وما قتل. وزعم بعضهم أنه ما قتل، فهم شاكون فيه. ودل على صحة شكهم قوله تعالى:
{مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن} فقتلوا من قتلوا على شك لا على يقين وعلم. {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} أي: ما قتلوا لظنهم في المقتول أنه عيسى يقيناً، ولكنهم قتلوه على شك، فالهاء عائدة على الظن. قال ابن عباس: المعنى ما قتلوه ظنهم به يقيناً. وقال السدي: وما قتلوا أمره يقيناً أنه هو عيسى. وقال الفراء: المعنى: ما قتلوا العلم به يقيناً. وقيل المعنى: الذي شبه لهم إنه عيسى يقيناً، بل قتلوه على شك {بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ} أي عيسى. " ومن جعل الهاء تعود على العلم أو الظن أو النفس أو المشبه بعيسى وقف على يقيناً ". " ومن جعلها تعود على عيسى وقف على قتلوه على النفي، ويكون يقيناً نعت لمصدر محذوف المعنى: قال هذا قولاً يقيناً ". قال النحاس: إن قدرت أن يكون المعنى: " بل رفعه الله إليه يقيناً " فهو خطأ لأنه لا يعمل ما بعد بل فيما قبلها لضعف بل،. . . وكون الهاء تعود على عيسى قول خارج عن قول أهل التأويل. وقال بعض أصحاب حمزة ": عيسى ابن مريم تمام. لأنهم لم يقروا بأنه رسول
فليس بمتصل بما قبله. وقال نافع: {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} تمام. وأجاز ابن الأنباري الوقف على " قتلوه " على أن ينصب " يقيناً بإضمار فعل هو جواب القسم، تقديره: ولقد صدقتم يقيناً، ولقد أوضح لكم يقينه إيضاحاً يقيناً، ثم تبتدئ {بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ} مستأنفاً. قوله: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} أدخله بعضهم في باب الاستعارة لأنه أريد به تحقيق الأمر واستيقانه. والاستعارة في كلام العرب باب، وهذا فصل نبين فيه نُبَذاً من معاني الاستعارة [فالاستعارة] معناها: أن نضع الكلمة في موضع ما هو قريب منها أو ما هو سببها، أو ما يشبه الآخر أي مقارب له بمعنى كقولك " النبات نوء " لأنه [عنه] يكون، والمطر سماء، لأنه منها ينزل، ويقولون " ضحكت الأرض " لأنها تبدي عن حسن النبات. وتفتر عنه كما يفتر الضاحك عن الثغر. ويقولون " لقيت من فلان عرق القربة " أي: شدة، وأصل هذا أن حامل القربة يتعب في نقلها حتى يعرق جبينه، فاستعير عرقه في موضع. ومن ذلك قول الله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} [القلم: 42] أي: شدة الأمر، وذلك أن
الرجل إذا وقع في أمر يحتاج إلى معاناة، شمر عن ساقه، فاستعير الساق في موضع الشدة، وهو كثير في القرآن، وإنما هذا في أصل كلام العرب ثم خاطبهم الله على ما يعقلون في كلامهم وما اعتادوا منه. ومنه قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء: 49] {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} [النساء: 124] إذ لم يرد أنهم لا يظلمون ذلك بعينه، إنما أراد مقدار هذين الحقيرين والعرب تقول: ما رزانه، زبالاً، فالزبال ما تحمله النملة بفيها. ومنه قوله: {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} [فاطر: 13] يريد به التقليل أي ما يملكون من شيء. ومنه {فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} [الفرقان: 23] أراد به أبطلناه، كما أن الهباء المنثور مبطل لا فائدة فيه، وهو ما سطع في شعاع الشمس من كوة البيت، والمنبث ما سطع من سنابك الخيل. ومنه: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} [إبراهيم: 43] أي: لا تغني خيراً، لأن المكان إذا كان خالياً فهو هواء لا شيء فيه. ومنه: {وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} [الكهف: 21] أي أطلعنا، وأصله من عثر بشيء وهو غافل ثم
نظر إليه فاطلع عليه فصار العثار سبباً للتبين فاستعير مكان التبيين والاطلاع. ومنه: {حُبَّ الخير} [ص: 32] يريد الخيل سميت خيراً لما فيها من الخير وهو منافعها. ومنه: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فأحييناه} [الأنعام: 122] أي كافراً فهديناه {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً} [الأنعام: 122] أي إيماناً {كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات} [الأنعام: 122] أي في الكفر فاستعير الموت مكان الكفر، والحياة مكان الهدى والنور مكان الإيمان. ومنه: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} [الشرح: 2] أي: إثمك وأصل الوزر ما حمل على الظهر فشبه الإثم بالحمل، وشبه بالثقل، لأن الحمل والثقل سواء فقال: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13] أي آثاماً مع آثامهم. ومنه: {ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} [البقرة: 235] أي نكاحاً لأن النكاح يمون سراً، ولا يظهر فاستعير له السر. ومنه: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} [البقرة: 223] كما تزرع الأرض، فشبه الولد بالزرع والبطن بالأرض. ومنه: {إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} [البقرة: 266] أي ترخصوا وأصله أن يصرف المرء، بصره عن
159
الشيء ويغمضه فسمي الترخيص إغماضاً. ومنه: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187] جعل كل واحد لصاحبه كالثوب للإنسان يتضامان، ويلتصقان كالثوب في تضامه، والتصاقه على الإنسان، وقد قيل معنى {لِبَاساً} سكناً، كما قال {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189] {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} [يونس: 67 - القصص: 73]. ومنه: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] أي: نفسك من الذنوب، فجعل موضع النفس، لأنه يشتمل عليها، وشبه ذلك كثير. قوله: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ. . .} الآية. التقدير عند سيبويه، (وإن من أهل الكتاب أحد). وعند الكوفيين (وإن من أهل الكتاب إلا (من) ليؤمنن [به]) حذفوا الموصول وهو قبيح. وسيبويه إنما قدر حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، وذلك كثير في
القرآن والكلام، قال الله: {أَنِ اعمل سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ} [سبأ: 11] أي: دروع سابغات فحذف الموصوف، فقول سيبويه أحسن واختيار جيد. وحذف الموصول وإقامة الصلة مقامه على قول الكوفيين غير جائز ولا موجود لأن الصلة كبعض الموصول، ولا يحسن حذف بعض الاسم، ولأن الصلة لا بد منها للموصول وليس الصفة كذلك فقد يستغنى عنها. والمعنى: إنهم كلهم يؤمنون بعيسى إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الأمم كلها واحدة ملة الإسلام، كذلك قال ابن عباس، والحسن وقتادة. قال ابن زيد: إذا نزل عيسى لقتل الدجال لم يبق يهودي إلا آمن، وذلك حين لا ينفعهم إيمانهم، فالهاء في " به " يعود على عيسى A في هذين القولين. وروى عن ابن عباس أنه قال: ليس من أهل [الكتاب] أحد إلا يؤمن
بعيسى قبل موته " أي موت الكتابي إذا عاين الحق ". وقال [مجاهد]: لا تخرج نفس الكتابي حتى يؤمن بعيسى قال وإن غرق، وإن تردى من حائط لا بد أن يؤمن بعيسى. وقد قرأ أُبي: " قبل موتهم " فهذا يدل على أنها لأهل الكتاب وهو قول أكثر المفسرين. وقال ابن عباس: " لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، وإن عجل عليه بالسلاح. وقال عكرمة: لو وقع يهودي من فوق القصر لم يبلغ الأرض حتى يؤمن بعيسى، فالهاء تعود على الكتابي على هذه الأقوال ويجوز أن تكون لعيسى. وروي عن عكرمة أيضاً، لا يموت اليهودي والنصراني حتى يؤمن بمحمد عليه السلام. فالهاء في " به " تعود على محمد A. وفي حرف أُبي ومصحفه " قبل موتهم " يعني: أهل الكتاب.
160
واختار الطبري أن تكون لعيسى، وأن يكون المعنى ليس أحد من أهل الكتاب الحاضرين عند نزول عيسى إلا ليؤمن بعيسى قبل موت عيسى عليه السلام. وروى أبو هريرة عن النبي A أنه قال: " الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بينه وبيني نبي، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، بين ممصرتين، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال ويقاتل الناس على الإسلام حتى يُهلك الله D في زمانه الملل كلها غير الإسلام، ويُهلك الله في زمانه المسيح الكذاب الدجال وتقع الأمنة في زمانه حتى ترتع الأسود مع الإبل، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان والصبيان بالحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، ثم يلبث في الأرض ما شاء الله - وربما قال - أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه ". قوله: {وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} أي: شاهداً على تكذيب من كذبه، وتصديق من صدقه، وأنه بلغ الرسالة وأقر بالعبودية. قوله: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} الآية. قال ابن إسحاق: هذا بدل من {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} والذي حرم عليهم هو قوله: {وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا
كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: 146] الآية. والظلم هنا هو نقضهم الميثاق {وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ الله} {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ}. {وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} وعلى عيسى. فهذا هو الظلم، فمن أجله حرمت عليهم الطيبات وهي كل ذي ظفر والشحوم من البقر والغنم. وقوله: {وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله} أي صدوا أنفسهم، وغيرهم عن الحق {وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ} هو قولهم أؤخرك بديني وتزيدني {وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ الناس بالباطل} هو ما يأكلون من الرشا في الحكم، وعلى تغيير الدين يأخذون أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم، ويقولون هذا من عند الله، فسمي ذلك باطلاً لأنه أخذ بغير استحقاق. {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ} أي من هؤلاء اليهود {عَذَاباً أَلِيماً} أي موجع أي مؤلماً. قوله: {لكن الراسخون فِي العلم مِنْهُمْ والمؤمنون} الآية: نصب {والمقيمين الصلاة} عند سيبويه على التعظيم. وقال الكسائي: هو في موضع خفض عطف على " ما " جعل المقيمين هم الملائكة عليهم السلام، وهو اختيار المبرد، والطبري. واستبعد المبرد النصب على المدح لأن المدح إنما يكون بعد تمام الخبر، والخبر لم
يأت بعد. ومذهب سيبويه أن " يؤمنون " الخبر فقد أتى قبل الراسخون. ومذهب المبرد أن أولئك الخبر، فهو لم يأت بعد. وقيل: هو معطوف على قبلك. وقيل: على الكاف في قبلك. وقيل: على الكاف في أولئك. وقيل: على الهاء، والميم في منهم. وهذه الأقوال الثلاثة عطف فيها على مضمر مخفوض على مذهب الكوفيين، وهو لا يجوز عند البصريين. قوله: {والمؤمنون} في رفعه خمسة أقوال: رفعه عند سيبويه على الابتداء. وقيل: رفع على إضمار مبتدأ. وقيل: عطف على المضمر في المقيمين. وقيل: عطف على المضمر في " يؤمنون ".
وقيل: هو معطوف على الراسخين. ومعنى الآية: إن الله تعالى أخبر عن أهل الكتاب أنهم سألوا محمد A أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، ثم بيّن أنهم ليسوا كلهم قالوا ذلك، فأخبر أن الراسخين في العلم منهم أي: من أهل الكتاب والمؤمنون أي منهم أيضاً يؤمنون بالقرآن، والتوراة والإنجيل، وجميع كتب الله، وهو ما أنزل من قبل محمد A فهم لا يسألون ما سأل أولئك. وقوله: {والمقيمين الصلاة} هم من أهل الكتاب أيضاً. قال أبان بن عثمان: هو غلط من الكاتب يعني كونه بالياء وإنما حقه الرفع بالواو وهي قراءة ابن مسعود. وقالت عائشة Bها لعروة إذ سألها عن اختلاف الإعراب في {والمقيمين الصلاة} وفي {والصابئون} [المائدة: 71] في المائدة وفي {إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ} [طه: 63] في طه، يا ابن أختي، هذا عمل
163
الكاتب غلطوا في الكتاب. وفي قراءة عبد الله " والمقيمون " بالرفع. وقال عثمان Bهـ أرى فيه لحناً، وستقيمه العرب بألسنتها، يريد المصحف، وهذه الأحاديث مطعون فيها عند العلماء لصحة جواز المصحف على لغة العرب. وإذا كان للشيء وجه لم يجز أن يحمل على الغلط، وقد ذكرنا أن كونه بالياء له وجوه سائغة في لغة العرب، ويدل على أنه ليس بخطأ من الكاتب إن في مصحف أُبَيّ {والمقيمين} أيضاً فلو كان الرفع الصواب لم تجتمع المصاحف على تركه. قوله: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إلى نُوحٍ. . .} الآية. قرأ الحسن: يونس ويوسف بالكسر جعله فعلاً مستقبلاً سمي به من آسف وآنس، وعلى هذا يجب أن يصرفا في النكرة، ويهمزا، ويكون جمعهما: يا أنس ويا أسف. ومن لم يهمز قال في الجمع: يوانس ويواسف.
وحكى أبو زيد: يونس ويوسف بالفتح لغة. ومعنى الآية إن الله أخبر نبيه A أنه أرسل إليه بالرسالة كما أرسل إلى من ذكر من الأنبياء وإلى من لم يسم. وقيل: معناه: أوحى إلى جميعهم وإلى محمد A { أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} [الشورى: 13]. وكان سبب نزول هذه الآية أن النبي A لما أخبرهم بما أوحى الله إليه من سؤالهم إياه أن ينزل عليهم كتاباً فتلا ذلك عليهم وفضحهم: {مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} بعد موسى، فأنزل الله هذه الآية تكذيباً لهم. وقيل: إنهم قالوا عند نزول هذه الآية {مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} [الأنعام: 91] ولا على عيسى، ولا على موسى، فأنزل الله {وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] الآية. وروي أن سكين بن عدي بن زيد قال للنبي A: والله، يا محمد ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله هذه الآية.
وروى [أبو] ذر عن النبي A أنه قال: " الأنبياء مائة ألف وعشرون ألف. والرسل منهم ثلاثة مائة وثلاثة عشر منهم أربعة سريانيون وهم آدم، وشيث وإدريس، ونوح، ومنهم أربعة من العرب: هو وشعيب وصالح ونبيكم محمد A ". وأول أنبياء بني إسرائيل بعد أولاد إسرائيل وإسرافيل يعقوب موسى، وآخرهم عيسى صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وروى أيضاً عنه أنه (قال): جميع كتب الله التي أنزل مائة كتاب، وأربعة كتب: أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل،
والزبور والقرآن، فكانت صحائف إبراهيم أمثالاً كلها: يا أيها الملك المسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة مظلوم، فإني لا أردها وإن كانت من كافر. . . " وكان فيها: " وعلى العاقل أن تكون له ساعات: [ساعة] يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر فيها في صنيع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. ". " وعلى العاقل ألا يكون صاحباً إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. . . " وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه. ومن حسب كلامه: " من عمله قل كلامه ". قال: وكانت صحف موسى كلها عبراً. " عجبت لمن أيقن بالموت وهو يفرح ". " وعجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو يسخط ". " وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها ". " وعجبت لمن أيقن بالحساب غداً ثم لا يعمل ". ويروى أن آدم عاش ألف سنة وفي التوراة عاش ألأف سنة إلا سبعين عاماً. وكان بين آدم والطوفان ألفاً سنة ومائتا وإثنان وأربعون سنة.
164
وبين الطوفان وبين موت نوح ثلاثمائة وخمسون سنة. وبين نوح وإبراهيم ألفاً سنة ومائة سنة وأربعون سنة. وبين إبراهيم وموسى سبعملئة سنة. وبين موسى وداود خمسائة سنة. وبين داود وعيسى ألف سنة ومائتا سنة. قال وهب بن منبه: كان بين آدم ونوح عشرة آباء، وبين نوح وإبراهيم عشرة آباء. قال عكرمة: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام. قال القتيبي: قرأت في الإنجيل: أن بين إبراهيم وداود أربعة عشر قرناً، ومن داود إلى جالية بابل أربعة عشر قرناً، ومن جالية بابل إلى عيسى أربعة عشر قرن. قوله: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ} الآية. [رسلاَ] نصب عطفاً على معنى {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ}، لأن معناه إنا بعثناك وبعثنا رسلاً. وقيل: هو منصوب بفعل يفسره ما بعده كأنه: وأرسلنا رسلاً قصصناهم عليك. وقيل: المعنى: وقصصنا رسلاً قصصناهم عليك، والمعنى إنها معطوفة على ما
166
قبلها. ومعنى الآية أن الله أخبر نبيه محمداً A أنه أوحى إليه كما أوحى إلى من ذكر من الأنبياء، وكما أوحى إلى رسل قد قصهم عليه، وإلى رسل لم يقصهم عليه، تكذيباً لليهود إذ قالوا {مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} ثم أعلمه أنه خص موسى بالكلام، وأكده بقوله {تَكْلِيماً} ليعلم أنه حقيقة لا مجاز، ولأن الفعل في كلام العرب إذا أكد بالمصدر علم أنه حقيقة لا مجاز. قال كعب: كلم الله موسى بالألسنة كلها، فجعل موسى يقول: يا رب لا أفهم، حتى كلمه بلسان موسى آخر الألسنة. وقوله: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ} نصب على الحال من أسماء الأنبياء. {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ} أي كيلا يقولوا: هلا {أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} [طه: 134 - القصص: 47]. قوله: {لكن الله يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ. . .} الآية. المعنى: إن جحدوا ما أنزل إليك يا محمد بأن قالوا: {مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} فإن الله يشهد أنه أنزله إليك بعلم منه أنك خِيرته من خلقه ويشهد بذلك ملائكته
167
{وكفى بالله شَهِيداً} أي اكتفوا به شهيداً على صدق نبيكم، أي: حسبكم ذلك. وقيل معنى: {بِعِلْمِهِ} أي وفيه علمه، كما تقول: جائنا فلان بالسيف أي ومعه. قال ابن عباس: " نزلت هذه الآية في جماعة من يهود دخل عليهم رسول الله A فقال لهم: إني والله أعلم، أنكم لتعلمون أني رسول الله فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله {لكن الله يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ} ". المعنى: إن الذين جحدوا نبوتك بعد علمهم بها {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله} أي: عن الدين الذي بعثك الله به، وهو الإسلام وهو قولهم: لمن سألهم عن النبي A ما نجد صفته في كتابنا، وقولهم: إن النبوة لا تكون إلا في ولد هارون، وذرية داود {قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيداً} أي قد جاروا عن قصد الطريق جوراً شديداً. قوله: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ. . .}. الآية. المعنى: إن الذين جحدوا نبوة محمد، ووضعوا الحق في غير محله، ليس يغفر لهم الله ذلك، إذا ماتوا عليه، ولم يكن ليهديهم طريقاً إلى الحق، ولكن يخذلهم حتى يسلكوا طريق جهنم فيقيمون فيها، خالدين [فيها] أبداً.
170
وقيل معنى: {[وَلاَ] لِيَهْدِيَهُمْ} أي لا يوفقهم إلى الإسلام. {وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً} اي الخلق خلقه، والأمر أمره يفعل ما يشاء. قوله: {يا أيها الناس قَدْ جَآءَكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ. . .} الآية. {خَيْراً لَّكُمْ} نصب عند سيبويه بإضمار فعل التقدير (وأتوا خير لكم). وهو عند الفراء: نعت لمصدر محذوف. وعند أبي عبيدة خبر كان، التقدير: يكن خيراً لكم. وقيل: نصبه على الحال. لأن التقدير: وآمنوا خيراً لكم، فلما حذف هو، الذي هو كناية عن مصدر يرتفع خير به، اتصل خبر بمعرفة قبله فنصب على الحال، وفي بعد، لأن خيراً غير جار على الفعل، ولا هو بمعنى الجار. والمعنى: أنه خطاب لمشركي العرب وسائر أصناف الكفر. والحق هو الإسلام. والمعنى: {وَإِن تَكْفُرُواْ} أي: تجحدوا، رسالة A وتردوها فعن ذلك لا يضر الله شيئاً. لأن له ما في السموات والأرضين، فلن ينقصه كفركم شيئاً، ولم يزل الله عليماً بكم، وبما أنتم إليه صائرون وعاملون حكيماً في أمره إياكم. قوله: {يا أهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق. . .} الآية.
معنى {وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ}: أي: آلهتنا ثلاثة. {انتهوا خَيْراً لَّكُمْ} نصب {خَيْراً} عند سيبويه على إضمار فعل دل عليه الكلام لأنه أمرهم بالانتهاء عن الكفر والدخول في الإيمان، فالمعنى: وأوا خيراً لكم. قال: لأنك إذا قلت أنتم فأنت تخرجه من شيء، وتدخله في آخر، ومثله عنده. قواعد من سر حتى ملك ... أو الربا بينهما أسهلا والمعنى: وآت أسهلا. ومذهب أبي عبيدة أنه خبر كان، والتقدير يكن خيراً لكم، ورد ذلك المبرد
لأنه يضمر الشرط وإضماره لا يحسن. ومذهب الفراء أنه نعت لمصدر محذوف كأنه قال: انتهوا انتهاء خيراً لكم. قوله: {سُبْحَانَهُ} انتصب انتصاب المصدر. و {أَن يَكُونَ} إن في موضع [نضب] بحذف الخافض المحذوف، [والتقدير على أن يكون، وقد قيل: في موضع خفض بإعمال الخافض المحذوف]. ومعنى الآية: أنها خطاب للنصارى. فمعنى: {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} أي: " لا تجاوزوا الحق في دينكم. {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله [إِلاَّ الحق]} أي: لا تقولوا في عيسى إلا الحق فإن قولكم في عيسى غير الحق إذ تقولون إنه: ابن الله، فهذا قولهم على الله غير الحق. و {المسيح} فعيل بمعنى مفعول بمعنى ممسوح وسمي بذلك لأن الله مسحه من الذنوب والأدناس. وقد قيل: إنها لفظة أعجمية أصلها مشيحا فأعرب فقيل المسيح، وقد ذكرنا
ذلك في غير هذا الموضع بأشبع من هذا التفسير. ومعنى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ} الكلمة هنا الرسالة التي أمر الله ملائكته أن تأتي بها مريم مبشرة من الله لها التي ذكرها الله في آل عمران. قال قتادة: كلمة [قوله] {كُنْ فَيَكُونُ}. ومعنى: {أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ} أعلمها بها وأخبرها، كما تقول: ألقيت إليك كلمة حسنة، بمعنى أعلمتك، بها. ومعنى: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} أي: ونفخ منه، وذلك أنه حدث عيسى في بطن أمه بأمر الله، وتقديره من غير ذكر من نفخة جبريل عليه السلام في درع مريم بأمر الله إياه، فنسبه تعالى إليه لأنه عن أمره كان. وسمي النفخ روحاص: لأنه ريح تخرج من الروح. وقيل: معنى: {وَرُوحٌ مِّنْهُ}: أنه كان بإحياء الله إياه بقوله {كُنْ} فمعناه وحياة منه. وقيل: معنى: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} ورحمة منه كما قال {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} [المجادلة: 22] فمعنى برحمة منه أي جعله رحمة لمن تبعه وصدقه. كما قال: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} [مريم: 20].
172
وقال أُبي بن كعب [في قوله] {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172] الآية. قال: أخذهم فجعلهم أرواحاً، ثم صورهم ثم، استنطقهم، فكان روح عيسى عليه السلام من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد، والميثاق فأرسل تلك الروح إلى مريم، فدخل في فيها فحملت فهو قوله {وَرُوحٌ مِّنْهُ}. وقيل: الروح في الآية معطوف على المضمر في {أَلْقَاهَا} والمضمر اسم الله، والروح اسم جبريل كان تقديره: ألقى الله وجبريل الكلمة إلى مريم، كما قال: {نَزَلَ بِهِ الروح الأمين} [الشعرا: 193] وهو جبريل عليه السلام. وقيل معنى: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} وبرهان منه لمن اتبعه، وذلك ما أنزل عليه من كتابه، وسمي البرهان روحاً، لأنه يحيى به من قبله قوله: {لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح. . .} الآية. {أَن} في موضع نصب، أي: من إن، أو: عن إن. والمعنى: {لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح} و {لاَ الملائكة المقربون} أن يقروا بالعبودية لله والإذعان له.
و {المقربون} هم من قرب منهم من الله في المنزلة لا قرب المسافة. وقيل: هم من قرب منهم من السماء السابعة قاله الضحاك. وفي هذا اللفظ دليل على فضل الملائكة على بني آدم. ومعنى: {لَّن يَسْتَنكِفَ} لن يتعظم ويستكبر. {وَمَن يَسْتَنْكِفْ} أي يتعظم من عبادته ويستكبر عنها. {فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً} أي يبعثهم، فأما المؤمنون وهم المقرون بالوحدانية {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} [بعد ذلك] تفضلاً منه. [وذلك أنه تعالى [وعد] المؤمنين للحسنة عشر أمثالها، ثم يزيدهم تفضلاً منه] ما شاء غير محدود. وقيل: الزيادة إلى سبعمائة ضعف، وقيل إلى ألفين. قوله: {وَأَمَّا الذين استنكفوا} أي " تعظموا عن عبادته " {واستكبروا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي مؤلماً. {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} أي: يستنقذهم من عذاب الله.
174
قوله: {يَا أَيُّهَا الناس قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ. . .} الآية. المعنى: إنه خطاب لجميع الملل. ومعنى: {بُرْهَانٌ} أي حجة. ومن أجل تذكير البرهان في اللفظ قال {قَدْ جَآءَكُمْ} ولم يقل قد جاءتكم، وهو محمد A هو حجة على جميع الخلق. {وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} أي القرآن. قوله: {فَأَمَّا الذين آمَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ} أي تمسكوا بالنور وهو القرآن فالهاء تعود على القرآن. وقيل: معنى {واعتصموا بِهِ} أي اقتنعوا بكتابه عن معاصيه. {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} أي: يوفقهم لإصابه فضله، ويهديهم لسلوك طريق من أنعم عليه من أهل طاعته. وقال بعض الكوفيين في نصب الصراط: إنه على القطع من الهاء في إليه. وقيل: معنى {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ} أي: إلى ثوابه. والهاء في إليه تعود على الله جل ذكره. وقيل: تعود على الفضل. وقيل: على الرحمة والفضل لأنهما بمعنى الثواب والرحمة في قول مقاتل: الجنة. قوله: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة. . .} الآية.
قوله: {يُبَيِّنُ الله لَكُمْ} أي: كراهة أن تضلوا قاله المبرد. وقال الكسائي والفراء: المعنى: لئلا تضلوا. وروى ابن عمر، أن النبي A قال: " لا يَدْعُوَنَّ أحدكم على ولده، أن يوافق من الله إجابة " المعنى: لئلا يوافق. وقيل: المعنى: يبين الله لكم الضلالة لتجتنبوه. ومعنى الآية: أن عمر بن الخطاب سأل النبي A عن الكلالة، فنزلت {يَسْتَفْتُونَكَ. . .} الآية. والكلالة من لا ولد له ولا والد من الموتى، فهو اسم للميت الذي لم يترك ولداً ولا والداً. وقيل: الكلالة اسم للورثة الذين لا ولد فيهم ولا والد، وقد مضى ذكر هذا بأشبع من هذا. وقيل: إنها نزلت في جابر بن عبد الله عاده النبي A في مرضه، قال جابر: فقلت يا رسول الله: كيف أقضي في مالي؟ وكان له تسع أخوات ولم يكن له ولد ولا
والد، قال: فلم يجبني النبي A بشيء حتى نزلت آية الميراث {يَسْتَفْتُونَكَ} الآية. وقال الفراء وأنس: هي آخر آية نزلت من القرآن. وقال جابر: نزلت في المدينة. وقيل نزلت في سفر كان فيه النبي A ومعنى حكمها: أن من مات لا ولد له ولا والد {وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ} إن مات وليس لها ولد ولا والد، وللاثنين فأكثر من أخيهما الثلثان. فإن ترك إخوة ذكوراً وإناثاً {فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين} والأخ للأب يقوم مقام الأخ للأب والأم عند عدمه، وكذلك الأخت. وقوله: {فَإِن كَانَتَا اثنتين} فيه قولان: قال الأخفش: التقدير: فإن كان من ترك اثنتين ثم ثنى الضمير على معنى من. وقال المازني: فائدة الخبر هنا أنه لما قال {كَانَتَا} كان يجوز أن يكون الخبر صغيرين، أو كبيرين، فلما قال {اثنتين} اشتمل على الصغير والكبير فأفاد ذلك.
الهداية إلى بلوغ النهاية لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 347 هـ المجلد الثالث المائدة - الأنعام 1429 هـ - 2008 م
المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم سورة المائدة قال علقمة: ما كان في القرآن {يا أيها الذين آمَنُواْ} فهو نزل بالمدينة، وما كان {يا أيها الناس} فهو نزل بمكة. وهذا قول جرى من علقمة على معنى أن الأكثر كذلك، وليس يصحب ذلك في كل القرآن، بل " قد " يكون في المدني {يا أيها الناس} وفي المكي {يا أيها الذين آمَنُواْ}.
ولكن ما كان فيه {يا أيها الذين آمَنُواْ} فهو مدني، وما كان (فيه) {يا أيها الناس} ولَيْسَ فِيه {يا أيها الذين آمَنُواْ} فهو مكي، وفي " النور " اختلاف. قوله {غَيْرَ مُحِلِّي الصيد} نصب على الحال من المضمر في {أَوْفُواْ} يراد به التقديم، وقيل: هو حال من الكاف والميم " في قوله {أُحِلَّتْ لَكُمْ}. وقيل: من
الكاف والميم " في {عَلَيْكُمْ}. ومعنى الآية الأولى - من هذه السورة - أن العقود: العهود التي (قد) كان عاهد بعضهم بعضاً بها في الجاهلية من النصرة والمؤازرة، أمروا في الإسلام أن يوفوا بها، قال ذلك ابن عباس ومجاهد والضحاك / وقتادة والسدي والثوري.
وروي أن النبي عليه السلام قال: " أَوْفوا بِعَقْدِ الْجاهِلِيَّةِ وَلا تُحدِثوا عَقْداً في الإِسْلامِ ". وقال الكلبي: العقود هنا الفرائض وما أُحِلَّ لهم وما حرم عليهم. وقيل: هو كل شيء عقده الإنسان على نفسه: من حج أو يمين أو هبة أو عتق أو نكاح أو طلاق أو شبه ذلك.
وكل طاعة ألزمها الإنسان نفسَه، فليس له أن يخرج منها حتى يُتِمَّها، وعليه القضاءُ إن قطعها من غير عذر. " و " قال ابن جريج: هي العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق محمد، فهي لأهل الكتاب خاصة، وكان في كتاب رسول الله الذي بعثه إلى نجران: هذا بيانٌ من الله ورسولِه: {يا أيها الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود} إلى {سَرِيعُ الحساب}.
وقال زيد بن أسلم: العقود - في هذه الآية - " سِتَّة ": " عهد الله وعقد الحلف وعقد الشركة وعقد البيع وعقد النكاح وعقد اليمين ". (و) قوله {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام} " الآية. " قال الحسن: بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم ". وقال قتادة والسدي والضحاك: بهيمة الأنعام: {الأنعام} كلُّها. وقال ابن عمر: بهيمة الأنعام: ما في
بطونها. قال عطية: هو بمنزلة كبدها يؤكل، وسئل ابن عمر عنه يخرج ميتاً، فأجاز أكله، يريد بعد ذكاة أمه، (لقول النبي A: " ذَكاةُ الْجَنينِ ذَكاةُ أُمِّهِ "). فأما إِن خَرجَ ميّتاً - والأم حية - فلا يؤكل أَلبتَّة، وقال ابن عباس مثل ذلك. وروي " عن " الضحاك أن بهيمة الأنعام الوحش مثل (الظباء والحمر) وشبهه.
والأنعام - في اللغة - يشتمل على الإبل والبقر والغنم، وسميت الأنعام بهيمة، لأنها أُبْهِمَت عن التمييز. وقوله {إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ} أي: فإِنَّه حرام، وهو قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة (والدم)} [المائدة: 3] وما بعدها. وقيل: {إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ} هو الخنزير. وقيل: {إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ} هو الدم المسفوح، لأنه أحلها ثم حرّم دمها. {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}: الحُرم جمع حرام، " وحرام " بمعنى مُحرِم.
2
وهذه الآية - على عدد المدني، من أول السورة إلى {يُرِيدُ} - فيها خمسة أحكام: - الأول قوله: {أَوْفُواْ بالعقود}. - والثاني قوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام}. - والثالث قوله: {إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ}. - والرابع قوله: {غَيْرَ مُحِلِّي الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}. - ودل على أن الصيد حلال لغير المحرم، فهو الحكم الخامس. قوله: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله} الآية.
قوله: {شَنَآنُ قَوْمٍ} مصدر أصله الفتح، و [لكن] من أسكن جعله اسماً. وقد توهم أبو عبيدة وأبو حاتم أن من أسكنه جعله مصدراً، فأنكراه على ذلك، وليس هو عند من أسكن مصدراً، بل هو اسم " ككسلان " و " غضبان ". وقرأ يحيى بن وثاب {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} بالضم.
وهي عند الكسائي لغتان: " أَجرَم " و " جَرَم "، ولا يعرف البصريون " أجرم " إلا في الجنابة. ومن قرأ {أَن صَدُّوكُمْ} بالكسر، فالمعنى: " ولا يجرمنكم شنآن قوم أن تعتدوا إن صدّوكم "، فالصد لم يكن بعد. وفي حرف ابن مسعود شاهد للكسر، لأنه قرأ (إِن يَصُدّوكُم)، ومثله: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ} [محمد: 22].
ومن قرأ بالفتح، احتج أن الصد قد كان، وذلك أن الآية نزلت عام الفتح، سنة ثمان، وكان المشركون صدوا المؤمنين عام الحديبية سنة ست /، فالصدّ كان قبل الآية. وقيل: " إِنْ " بمعنى " إذْ "، فهو صَدٌّ قد كان، فالكسر أولى به، ويدل على الكسر قوله: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله [وَلاَ الشهر الحرام] وَلاَ الهدي وَلاَ القلائد} ولا كذا ولا كذا، فهو أمر للمؤمنين ألا يعتدوا إنْ صَدّ لهم، ولو كان الفتح الصواب لكان نَهْياً للمشركين ولم يقل {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ}، وقد جعل النحاس هذه الحجة حجة للفتح، وهو خطأ، إنما
تكون حجة للكسر. ومعنى الآية: أن الله نهى المؤمنين أن يحلوا شعائره، وهي معالمه وحدوده التي جعلها علماً لطاعته في الحج. وقال عطاء: شعائر الله حرماته، حضهم على اجتناب سخطه واتباع طاعته.
وقال السدِّي: شعائر الله حرَم الله. وقال ابن عباس: " شعائر الله مناسك الحج ". وعن ابن عباس أيضاً: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله} نهاهم أن يرتكبوا ما نهى عنه المحرمَ أن يصيبه. وواحد الشعائر: شعيرة، وقيل: هي " فعيلة " بمعنى: " مُفعَلَة ". قال أبو عبيدة: الشعائر الهدايا. قال الأصمعي: أشعرتها: أعلمتها.
ابن قتيبة: الإشعار أن [يُجَلَّلَ] ويُقلَّد ويُطعَن في سنامه ليُعلَم بذلك أنه هدي، فنهى الله أن يستحلوه قبل أن يبلغ مَحِلَّه. وقيل: الشعائر العلامات بين الحِلِّ والحَرم، فنُهوا أن يجاوزوها غير مُحرِمين، وهو مشتق من قولهم " شَعر فُلانٌ بالأمرِ " إذا علم به. قال زيد [بن] أسلم: الشعائر ست: الصفا والمروة، والبدن، والجمار، والمشعر الحرام، وعرفة، والركن. قال: والحرمات خمس: الكعبة الحرام، والبلد [الحرام]، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمُحرِم حتى يَحِلَّ. وقال الكلبي: كان عامة العرب لا يَعُدُّون الصفا والمروة من الشعائر، ولا
يقفون في حجهم (عليهما، وكانت الحُمْسُ لا يرون عرفات من الشعائر ولا يقفون بها في حجهم)، فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية وغيرها. وقوله: {وَلاَ الشهر الحرام} أي: لا تستحلوه بأن تقاتلوا فيه [أعداؤكم]، وهو مثل قوله: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: 217]. وعنى بالشهر الحرام رَجَب مُضَر، كانت مضر تحرّم فيه القتال. وقيل: عنى به ذا القعدة. وقيل: إنهم كانوا يُحرّمونه مرة ويُحلّونه مرة، فنهوا
عن تحليله. وقوله {وَلاَ الهدي وَلاَ القلائد}: أما الهدي فهو ما أهداه المؤمن من بعير " أو بقرة " أو شاة إلى بيت الله، حرّم الله سبحانه أن يُغْصَب أهله عليه أو يمنعوا أن يبلغوه محلّه. وقوله {القلائد} أي: لا تحلوا الهدايا المقلدات ولا غير المقلدات، فقوله {الهدى} هو ما لم يقلد، وقوله {القلائد} هو ما قلد منها. وقيل: القلائد هو ما كان المشركون يتقلدون به - إذا أرادوا الحج مُقبلين إلى مكة - من لحاء السَّمِرُ فإذا انصرف تقلد من الشَّعَر، فلا يعرض له أحد.
وقيل: إنه كان يأخذ معه من شوك الحرم فلا يعرض له أحد. قال قتادة: كان الرجل - في الجاهلية - إذا خرج من بيته يريد الحج، تقلد من السَّمُر فلم يعرض له أحد، وإذا رجع تقلد قلادة من شعر فلا يعرض له أحد. وقال عطاء وغيره: كان الرجل إذا خرج من الحرم تقلد من لحاء شجر الحرم فيأمن، فأمر الله المؤمنين ألا [يحِلُّوا] من تقلد بذلك. وهو منسوخ، وكذلك / قال السدي وابن زيد. وقيل: إنما نهى الله أن يُنزع شجر الحرم فيُتَقلّد به على ما كانت الجاهلية تصنع. فالتقدير على هذه الأقوال: ولا أصحاب القلائد.
وقيل: كان الرجل إذا خرج من أهله حاجاً أو معتمراً - وليس معه هدي جعل في عنقه قلادة من شعر أو وبر فَأمِن بها إلى مكة، وإذا خرج من مكة علق في عنقه من لحاء شجر مكة فيأمن بها إلى أهله. وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من الشعائر ولا يطوفون بينهما: فأنزل الله {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله} أي: لا تستحلوا ترك ذلك، {وَلاَ الهدي} أي: لا تعرضوا لهدي المشركين، {وَلاَ القلائد} أي: لا تستحلوا من قلد بعيره، وكان أهل مكة يُقَلِّدون بلحاء الشجر، وسائر العرب يقلدون بالوبر، وقوله {ولا آمِّينَ البيت الحرام} أي: لا تستحلوا منع القاصدين للبيت الحرام. وقرأ الأعمش (ولا آمِّي البَيْتِ) بالإضافة.
وقيل: المعنى: ولا تستحلوا منع قصد القاصدين البيت. و" هذه الآية [نزلت] في رجل من ربيعةَ يقال له الْحُطَم " بن هند - كافرٍ، أتى حاجاً، قد قلد هديه، فأراد أصحاب النبي A أن يخرجوا إليه فنزلت الآية، فنهاهم الله (عن) ذلك. قال ابن جريج: " قدم الحُُطَمُ البكري على النبي A فقال: إني داعِيةُ قومي وسَيِّدُ قومي، فأْعْرِض عَلَيَّ ما تقول، فقال له النبي: أدعوك إلى الله أن تعبده: لا تشرك به (شيئاً) وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت.
قال الحطم: في أمرك غِلظة، أَرجعُ إلى قومي فأذكر لهم ما ذكرتَ، فإن قبلوا أقبلتُ معهم، وإن أدبروا كنت معهم. قال له النبي: ارْجِعْ. فلما خرج قال: لقد دخل عليَّ بِوجهٍ كافرٍ وخرج عنّي بقفاً غادِرٍ، وما الرجل بمسلم. فَمَرّ على سَرْح لأهل المدينة، فانطلق به وقَدِم اليمامة وحضر الحج، فتجهز [خارجاً]- وكان عظيم التجارة - فاستأذن أصحابُ النبي أن يتلقّوه ويأخذوا ما معه "، فأنزل الله D { لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله} الآية. والحُطَم هذا هو القائل: قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطم ... ليس براعي إبلٍ ولا غَنَم
ولا بِجَزَّارٍ على ظَهْرِ وَضَمٍ ... باتوا نِياماً وابنُ (هندٍ لَمْ) ينَمْ (بَاتَ يُقاسيها) غُلامٌ كالزَّلَم ... خَدَلَّجَ (السَّاقَيْن) مَمْسوحَ الْقَدَم وقيل: اسم الحُطم [ضُبَيْعَة] بن شرحبيل البكري، قال ذلك إذ ساق السرح وهرب به. وقال ابن زيد: جاء ناس يوم الفتح يَؤُمّون البيت بعمرة وهم مشركون، فقال المسلمون: نُغِيرُ عليهم، فنزل {ولا آمِّينَ البيت الحرام}.
قال الشعبي: هذه الخمسة الأحكام منسوخة، كأنه يريد [أنها] نسختها {[فاقتلوا] المشركين} [التوبة: 5]، قال الشعبي: ولم ينسخ من سورة المائدة غير هذه. وكذلك قال ابن عباس وقتادة في {ولا آمِّينَ البيت الحرام}: أمر ألا يمنع مشرك من الحج، ثم نسخ ذلك بالقتل. وقال ابن زيد: هذا كله منسوخ بالأمر بقتالهم كافة. (و) قال قتادة: نسخ من المائدة {لا آمِّينَ البيت الحرام}، نسخه آية القتل
في " براءة ". ومن قال: نزلت كلها في شأن الحطم، قال: هي منسوخة. ومن قال: الشعائر حدود الله ومعالمه، قال: هي محكمة. وأما (الشهر الحرام) فهو منسوخ أيضاً، لأن الجميع قد أجمعوا على أن الله تعالى قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها. (و) قوله / {وَلاَ القلائد} منسوخ، لأن المشرك لو تقلد بجميع شجر الحرم لم نؤمّنه الآن: إجماع من الأمة، فهو منسوخ.
وقد قيل: إن المائدة لم ينسخ منها شيء، لأنها آخر ما نزل فيما ذكرت عائشة Bها. وقد قال البراء: آخر سورة نزلت " براءة " وآخر آية نزلت {يَسْتَفْتُونَكَ} آخر النساء. وقوله: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً} قال قتادة: هي للمشركين يلتمسون فضل الله ورضوانه عند أنفسهم وفيما يُصلح شأنهم في الدنيا خاصة. قال ابن عباس: يترضون الله بحجِّهم عند أنفسهم، وقال مجاهد: يبتغون الأجر والتجارة.
وقيل: هي للمسلمين، فهي محكمة، لأن المشرك لا يبتغي رضوان الله وفضله بحجه. وكونها في المشركين أبين في أقوال المفسرين وأكثر. قوله {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا} هذا إباحة (وليس بحَتْمٍ). قال عطاء بن (أبي رباح): [أربع رخصة وليس بعزيمة]: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا}، {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]. {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا} [الحج: 36]، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض} [الجمعة: 10]. قوله {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} المعنى: لا يحملنّكم بغض قوم أن
تعتدوا من أجل أن صدوكم عن المسجد الحرام، هذا على قراءة الفتح، ومن كسر فمعناه: إن فعلوا ذلك بكم فيما تستقبلون. والقوم - هنا - أهل مكة صدوا النبي عليه السلام ومن معه عن المسجد الحرام يوم الحديبية. وقيل: معنى {" وَ " لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} لا يكسبنكم. وقوله {أَن تَعْتَدُواْ} قيل: إنها نزلت في النهي عن الطلب بِنُحول الجاهلية أمروا ألا يطالبوا بما (مضى من أجل أنهم صُدُّوا عن البيت، فيحملهم البغض [أن] يطالبوا بما) تَقدَّم في الجاهلية من قتل أو غيره. ثم أُمروا أن يتعاونوا على
3
البر والتقوى، والبِرُّ: ما أُمِرْتَ به، والتقوى: ما نُهيتَ عنه: قاله ابن عباس. وقال سهل بن عبد الله: " البر: الإيمان، والتقوى: السنة ". {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان} {الإثم}: الكفر، {والعدوان}: البدعة. {واتقوا الله} أي: خافوه إنه شديد العقاب. قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير} الآية. المعنى: أن الله تعالى حرم [أكَلَ كل] ما مات من الأنعام وغيرها قبل التذكية، وحرم الدم المسفوح ولحم الخنزير [مُذَكّى] أو غير [مُذَكّى] وحرم {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ} وهو (ما ذبح) للأصنام والأزلام وشبهها مما أريد به غير الله، ومما تُعُمِّدَ في وقت ذبحه تَركُ ذكر اسم الله عليه، وحرم {المنخنقة} وهي التي
تَخْتَنِقُ بحبل أو بين حجرين أو عودين - ونحو ذلك - فتموت قبل التذكية، وحرم {والموقوذة} وهي التي تموت من ضرب عصا أو حجر أو [غير] ذلك فتموت قبل التذكية، وحرم {والمتردية} وهي التي تسقط من جبل أو في بئر ونحو ذلك فتموت قبل التذكية، وحرم {النطيحة} وهي التي تموت من نطح شاة أخرى لها، أو من نطحها لشاة أخرى، وكانوا يأكلون ذلك في الجاهلية من غير تذكية. واختلف في {النطيحة} فقيل: (هي) " فعلية " (بمعنى " مفعولة " وقيل هي) بمعنى " فاعلة "، ولذلك ثبتت الهاء (فيها).
وقال الفراء: إنما ثبتت الهاء، لأنه ليس قبلها مؤنث فتحذف الهاء لدلالة المؤنث على التأنيث، إنما تحذف إذا كان قبلها ما يدل على التأنيث. وحرم {وَمَآ أَكَلَ السبع} وهو أن [يؤخذ] منه وقد أكل بعضها وليس مما علّم / للصيد. وكان سبب ذكر هذه الأشياء أن العرب الجاهلية كانت تضرب الشاة بالعصا حتى تموت وتأكلها، وكانت تأكل ما لحقت من الشاة وغيرها في فم الأسد، وكانت تخنق الشاة بالحبل حتى تموت وتأكلها، وكانت تأكل جميع ما ذكر الله تحريمهُ، فأنبأنا الله بتحريمه، وهذه حجة من أجاز أكل جميع ذلك إذا ذكى وفيه حياة على أي: حال كان.
قوله {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} اختلف العلماء في هذا الاستثناء: فأكثرهم على أنه مستثنى ذكر تحريمه، كأنه حرم علينا جميع ما ذكره إلا ما أدركنا ذكاته وفيه شيء من روح. وأكثر الفقهاء على أن ما أدرك من جميعه فذكيّ وتحركت رجله أو طرف بعينه أو علم أنه بقيت (فيه) حياة، فإنه يؤكل. ومنهم من يرى أن هذا الاستثناء إنما هو من التحريم، لاَ مِنَ المحرمات المذكورة، كأن تقديره: إلا ما أحله الله لكم بالتذكية، وهو مذهب أهل المدينة، فيكون المعنى: إلا ما ذكيتم مما ذكر مما تُرجى له الحياة لو ترك، لا ما ذكيتم مما لا ترجى (له) الحياة لو ترك، فكل ما أصيب من ذلك في مقتل، فلا تنفع فيه الذكاة وإن أدرك
وفيه حياة، هذا مذهب مالك وأهل المدينة. ويدل على صحة هذا القول أن هذه الأشياء المذكورات بالتحريم لو كانت لا تحرم إلا بالموت قبل الذكاة، لكان قوله {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة} يغني عن ذكر ما بعده، ولا يكون لِذكرِ ما بعد الميتة فائدة. وقد قال المخالف: الفائدة في ذكر ما بعد الميتة وهو من الميتة ما تقدم ذكره من أن (أهل) الجاهلية كانت تخنق الشاة حتى تموت وتأكلها وتضرب الشاة حتى تموت وتأكلها، فأعيد ذكرها بعد الميتة لهذا السبب.
وقد سئل مالك عن الشاة يخرّق بطنها وتدرك (و) فيها حياة، قال: لا أرى أن تذكى ولا تؤكل، وكذلك مذهبه في كل ما تيقن أنه لا يعيش مما نزل به: أنه لا يذكى ولا يؤكل إن ذكي وفيه بعض حياة. وأصل التذكية - في اللغة - التمام، يقال: " لفلانٍ ذَكاءٌ " أي: تمام الفهم، " وذَكَّيْتُ النار ". أتْمَمْتُ إيقادَها. وقرأ الحسن: (السَّبْع) بالإسكان، وهي لغة أهل نجد. وأجاز مالك أكل ذبيحة السارق، ومنعه غيره. ولا يؤكل ما ذبحه المُحْرِم من صيد، لا يأكله هو ولا غيره عند مالك وغيره، بخلاف ما ذبح السارق. وقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم} مخصوص، لأن الدم الذي هو غير مسفوح - كالكبد وما أشبهه - حلال،
" وأحل النبي A أكل الحيتان والجراد والميتة "، فالدم خصصه قوله في " الأنعام " {أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} [الأنعام: 145]، والميتة خصصتها السنة. وقوله {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب} حرم الله ما ذبح ليقرب إلى الأصنام، وقيل: النصب حجارة يذبح عليها أهل الجاهلية ويعبدونها. قوله {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام}: أي وحرم ذلك عليكم، وهو أن أحدهم
(كان) إذا أراد سفراً أو غزواً أجال القداح - وهي الأزلام - وكانت مكتوباً على بعضها " نهاني ربي "، وعلى بعضها، " أمرني ربي "، فإذا خرج القدح الذي عليه النهي لم يسافر، وإذا خرج الذي عليه الأمر سافر. وقيل: الأزلام حصىً بيض كانوا يضربون بها. وقيل: الأزلام كعاب فارس كانوا يتقامرون بها. وقيل: هي الشطرنج. ومعنى {تَسْتَقْسِمُواْ} تستدعوا القِسْمَ، كما تقول: استسقى إذا استدعى
السقي، والاستقسام من القِسْم، كأنهم يطلبون بها النصيب من سفرٍ أو بركة على ما يريدون. وقال ابن إسحاق: كانت هبل أعظم صنماً لقريش بمكة، وكانت على بئر في جوف الكعبة يروى أن إبراهيم وإسماعيل حفراها ليكون فيها ما يهدى إلى الكعبة من حلي وغيره، وكانت عند هبل سبعة أقداح، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه " العقل " إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، وقدح فيه " نعم "، إذا ضربوا به فخرج " نعم " عملوا به، وقدح فيه " لا " فإذا أرادوا
أمراً فضربوا (به) فخرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك، وقدح فيه " منكم "، وقدح فيه " مُلصَق "، وقدح فيه " من غيركم "، وقدح فيه " المياه "، فإذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح - وفيها ذلك القدح - فإذا خرج عملوا به، وكانوا يستعملون ذلك في نكاحهم وجميع أمورهم، وكانوا إذا شكوا في نسب أحد [منهم] ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم، فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها، ثم قرّبوا صاحبهم وقالوا: يا إلهنا، هذا فلان (بن فلان) أَخْرِجْ لنا الحق فيه، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فيضرب، فإن خرج عليه " منكم " كان من أوسطهم، (وإن خرج عليه " من غيركم " كان حليفاً)، وإن خرج [عليه] " ملصق " كان لا نسب له ولا حلف، وإن خرج " لا " أخّروه عامهم ذلك وأتوا به عاماً آخر: أحكاماً لم يأمر (الله بها) ولا رضيها.
قوله {اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} الآية، المعنى: الآن يئس الكفار منكم أن تتركوا دينكم وترتدوا إلى دينهم، وذلك اليوم (يوم) عرفة، عام حج النبي عليه السلام حجة الوداع، بعد دخول العرب في الإسلام. وقيل: ذلك يوم جمعة، نظر النبي A إلى الناس فلم ير إلا موحداً فحمد الله على ذلك، فنزلت الآية. وقيل: المعنى: الآن، والعرب تقول: " أَنَا الْيَوْمَ قَد كَبِرْتُ عن هذا " أي: الآن. وقال الحسن: يئسوا أن تستحلوا في دينكم ما استحلوا في دينهم. {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} أي: لا تخافوهم أن يقهروكم فيردوكم عن دينكم، وخافون أي: إن خالفتم أمري. وروي عن عائشة Bها أنها قالت: المائدة آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه.
فهذا يقوي قول من (قال): " لا منسوخ فيها "، وهو قول الحسن وغيره، وليس عليه العمل، بل فيها ناسخ ومنسوخ عند أكثر العلماء. قوله {اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} أي: أتْممتُ فرائضي عليكم وحدودي، ونزل ذلك يوم عرفة في حجة الوداع، ولم يعش النبي عليه السلام - بعد نزول هذه الآية - إلا إحدى وثمانين ليلة، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، " ولما نزلت هذه الآية بكى عمر، فقال له النبي A: ما يُبْكِيكَ؟ فقال: كُنَّا في زيادةٍ من ديننا، فَأَمَّا إِذا كَمُلَ، فإنه لم يكمل شيء إلا نقص. فقال له النبي A: صَدَقْتَ ".
قال عمر: نزلت يوم جمعة يوم عرفة. وقيل: معنى كمال الدين: أنه منع أن يحج مشرك وكمل الحج للمسلمين ونُفِيَ المشركون من البيت الحرام والحج، قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما وقيل: المعنى: اليوم أظهرت دينكم على سائر الأديان وأهلكت عدوكم. وذكر بعض العلماء أن في المائدة (ثمان عشرة) فريضة ليست في غيرها (وهي): تحريم الميتة / والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب، والاستقسام بالأزلام، وتحليل طعام أهل الكتاب، وتحليل المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، والجوارح
مكلِّبين، وتمام الطهور: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]، وحكم السارق والسارقة، ونفي (فرض) البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، وهي آخر سورة نزلت. واختيار الطبري أن يكون المعنى أن الله أعلم نبيه أنه أكمل لهم دينهم
بانفرادهم بالبلد الحرام وإجلائه عنه المشركين حتى حج المسلمون، لا مشرك يخالطهم، فأما إكماله بتمام الفرائض فيعارضه ما روى البراء بن عازب أن آخر آية نزلت {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة} [النساء: 176] الآية، (و) أيضاً فإن قول من قال: " نزل بعد ذلك فرائض "، أولى من قول من قال: " لم ينزل "، لأن الذي نفى يخبر أنه لا علم عنده، والنفي لا يكون شهادة مع خبر الصادق بالإيجاب. وقوله {[وَ] أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} هو منع المشركين الحرام وانفراد المسلمين به. (وقوله) {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً} أي: رضيت لكم أن تستسلموا لأمري
وطاعتي، {دِيناً}: ولم يزل تعالى راضياً به لهم، ولكن لما تَمَّ وكمُل ذكر الرضى به. وقيل: إن هذه الآية نزلت بالمدينة يوم الاثنين. وقوله {فَمَنِ اضطر فِي مَخْمَصَةٍ} أي: من أصابه ضرّ في مجاعة، فالميتة حلال له. والمخمصة: من خَمَصِ البطن، وهو ضموره من الجوع، وذكر بعضهم أنه مصدر من: " خَمَصَهُ الجوع " وقيل: هو اسم للمصدر. ومعنى {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} أي: غير مائل ولا متحرف إلى أكلها يريد به
التعمد - من غير ضرورة - (واتباع الشهوة) وقيل: معناه: غير مُتَعَمّدٍ لاكتساب الإثم بأكله من غير ضرورة، يقال: " جنف القوم "، إذا مالوا وكل أعرج فهو أجنف. قوله {فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: له، وفي الكلام حذف، والمعنى غير متجانف لإثم فأكله. [والمعنى]: فإن الله يسترُ له عن أكله ويرحمه، ومن رحمته أنه أباح له ما حرم عليه عند الضرورة.
قال الحسن والنخعي والشعبي: إنما يأكل المضطر من الميتة قدر ما يقيمه. وقال عطاء: يأكل منها قدر ما يرد نفسه، ولا يشبع. وقال مسروق: من اضطر إلى الميتة فتحرّج أن يأكل منها حتى مات، دخل النار. قال مسروق: (و) ليس في الخمر رخصة، إذا اضطر إليها [مضطر] لأنَّها لا تروي.
4
ولا يحل أكل الميتة لمضطر خرج لفساد الطرق وقطعها، قاله مجاهد. قوله {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ} الآية. المعنى: أنهم سألوا النبي A ما الذي أحل الله لهم، فقال الله له {[قُلْ] أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات} وهو الحلال الذي أذن فيه من الذبائح، وأعلمهم أنه أحل لهم (مع ذلك) أكل صيد ما علموا من الجوارح، وهي سباع البهائم والطير، سميت " جوارح " (لكسبها لأربابها) أقواتهم، فالجوارح: الكواسب، (و) واحدها: جارحة يقال: جرح فلان أهله خيراً "، إذا أكسبهم خيراً، و " فلان جارحة أهله " أي: كاسبهم، و " لا جارح لفلان " أي: ليس له كاسب، و " فلان يجترح " أي: يكتسب، ومنه قوله تعالى: / {أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات} [الجاثية: 21] أي:
اكتسبوها، ومنه قوله تعالى {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار} [الأنعام: 60] أي: ما اكْتَسَبْتُمْ. وفي الكلام حذف، والتقدير: قل أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح. وكان النبي قد أمر بقتل الكلاب، فسألوا عما يحل اتخاذه منها وصيده، فنزل {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الجوارح} فعلم أنه مباح اكتساب كلاب الصيد سلوقية أو غير سلوقية. ومعنى {مُكَلِّبِينَ}: أصحاب كلاب، قال مجاهد: الفهد من الجوارح، وكلهم على أن الصقر والبازي من الجوارح، وكذلك العقاب. والجوارح هي المعلَّمة من هذه الأنواع، إذا دعيت أجابت وإذا زجرت أطاعت،
فكل من أرسل منها شيئاً فسمى الله D فأصابت صيداً أكل، وإن قتلته فهو حلال، غير أن الضحاك قال: الجوارح: الكلاب المعلّمة دون غيرها لقوله {مُكَلِّبِينَ}، وقد " روي أن النبي A سئل عن صيد البازي، فقال: " ما أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُل " ". وما صاد غير المعلَّم لا يؤكل إلا أن تدرك ذكاته وهو حي صحيح، لم يحدث فيه ما إن ترك لم يعش. وإذا أكل الكلب المعلم من الصيد، أكل باقيه عند مالك. ومعنى {مُكَلِّبِينَ} أصحاب كلاب، ويقال: أكلب الرجل، إذا كثرت عنده الكلاب، فهو مُكْلِب.
وقد قرأ ابن مسعود (مُكْلِبين) بإسكان الكاف، يريد كثرة كلابهم، وقيل معنى {مُكَلِّبِينَ} معلّمين محرّشين. وقوله {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله} أي: تؤدبوهنّ من التأديب الذي أدبكم الله به والعلم الذي علمكم، وهو الطاعة إذا زُجر والأخذ إذا أُمر. قال ابن عباس: التعليم: أن يمسك الصيد فلا يأكل حتى يأتيه صاحبه فيدرك ذكاته، فإن أكل من صيده قبل أن يأتيه فلا يؤكل، وهو قول سعيد بن جبير والنخعي والشعبي وقتادة وعطاء وعكرمة والشافعي، وروي عن أبي هريرة.
وقال ابن عمر: يؤكل وإن أكل وبه قال (مالك وجماعة معه). ومن أرسل كلباً غير معلم فأخذ، فلا يؤكل ما أخذ إلا أن يُدْرِكَ ذكاته فإن أرسل معلماً فأخذ ولحقه قبل أن يموت - فاشتغل عن تذكيته حتى مات - فلا يؤكل، لأنه أدركه حيّاً وفرَّط في تذكيته، فإن (كان) أدركه (حيّاً) وقد أنفذ الكلب - أو البازي - مقاتله فلم يذكه حتى مات، أكل، لأن الذكاة ليست بشيء إذ هو ميت لا محالة لو ترك.
فإن أرسل المُعَلَّم فوجد معه كلباً آخر - معلَّما أو غير معلَّم - فلا يؤكل، لأنه لا يدري لعل الآخر قتله وهو لم يرسله ولا سمى الله عليه، كذلك قال مالك والشافعي وغيرهما، وقال الأوزاعي: إن كان الثاني معلَّما أكل، وإن كان غير معلّم لم يؤكل، وكذلك قياس البازي. فإن أرسله على صيد فأخذ غيره، فإن مالكاً يكره أكله، فإن أرسله في جماعة: فأيها أخذ أكل. ولا بأس عند مالك بلعاب الكلب الصائد يصيب ثوب الإنسان، وقال الشافعي: هو نجس. فإن انفلت المعلّم من يد صاحبه - ولم يرسله - فأخذ، فلا يؤكل ما أخذ عند
مالك والشافعي، وقال عطاء والأوزاعي: يؤكل. ولا يؤكل صيد أهل الكتاب عند مالك، لأن الله تبارك اسْمُهُ قال {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} [المائدة: 94] وتؤكل ذبائحهم. وأجاز الشافعي وعطاء وغيرهما أكل ما صاد كلب الكتابي المعلم. وأما صيد المجوسي فأكثرهم منعه ولم يجز أكله، فأما صيد الكتابي والمجوسي للحيتان والجراد فهو / حلال أكله عند أكثر العلماء، وكره مالك صيد المجوسي الجراد، ولم يكره الحيتان، فرق بين صيد البر والبحر، وكذلك قال النخعي.
وكل ما أصاب المِعْراض يؤكل إذا كان بغير عَرْضه عند مالك والشافعي. فأما صيد البندقة فكرهه مالك والشافعي وغيرهما. ولم ير مالك Bهـ بأساً بأكل الصيد يغيب عن عين صاحب الكلب إذا وجد فيه أثراً من كلبه، وكذلك السهم ما لم يبت عنه. ولم يجز ابن القاسم أكل الصيد إذا بات عن المرسل. وقال ابن الماجشون: إذا أنفذ سهمك - أو كلبك - مقتل الصيد
فكله. وإن بات عنك، وإذا لم ينفذ مقتله فلا تأكل إذا بات عنك، لعل غير كلبك قتله، وقاله أشهب وأصبغ. وقوله {[مِمَّآ] أَمْسَكْنَ} من: للتبعيض. وقيل: هي زائدة. ومعنى التبعيض أنه يؤكل، لحمه حلال، ويترك دمه [وفَرْثه]، لأن الدم حرام. وقوله: {واذكروا اسم الله " عَلَيْهِ "} أي: حين الإرسال. وقيل: حين
5
الأكل. ومن نسي فلا شيء عليه، فإن تركها عامداً لم [يؤكل] ما أخذ، كما لا يؤكل ما ذبح إذا ترك التسمية عامداً. قوله: {واتقوا الله} أي: اتقوه فيما أمركم به، وأن لا تأكلوا صيد غير معلم، {إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب} أي: لمن حاسبه، حافظ لجميع ما تعملون. قوله: {اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات} الآية. الطيبات - هنا - الحلال من الذبائح. وقيل: هي كل ما تلذذ به من الحلال. {وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ} أي: ذبائحهم، {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} (أي) ذبائحنا جائز (لنا)
أن نطعمهم إياها، فتحليل ذلك هو لنا لا لهم، ومثله قوله {وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ} [الممتحنة: 10] أي: أعطوهم ما أنفقوا، فالأمر لنا لاَ لَهم، لأنهم ليسوا ممن يؤمن بالقرآن فيكون الأمر لهم. ومذهب الشعبي وعطاء وغيرهما أنه تؤكل ذبائحهم وإن سَمَّوا عليها غير اسم الله، وهذا عندهم ناسخ لقوله {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ} [الأنعام: 121]، ويروى ذلك عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت. ومن العلماء من قال: هذا استثناء وليس بناسخ لِما في الأنعام، تؤكل ذبائح
أهل الكتاب وإن ذُكِر عليها اسم المسيح. ومذهب عائشة Bها وعلي بن أبي طالب وابن عمر أنه لا تؤكل ذبيحة الكتابي [إذا] لم يسم عليها. و" كان " مالك يكره ذلك ولم يحرمه. وأما إن ذكر عليه اسم المسيح فلا تؤكل عند مالك. وكره مالك ذبائح أهل الكتاب لكنائسهم ولم يحرمه. فأما ذبيحة المجوسي فلا تؤكل.
وذبيحة نصارى تغلب لا تؤكل. وقال ابن عباس: تؤكل ذبائحهم، وهم بمنزلة غيرهم، وقال بذلك غيره من الفقهاء. وقال علي بن أبي طالب: لا تؤكل ذبائحهم، وبه قال الشافعي: فأما الحديث الذي يروى عن النبي A في المجوس: " سُنّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتابِ " فإنه غير متصل الإسناد، (و) أيضاً فإن الحديث إنما جرى على سبب الجزية لا غير، وقوله " سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتابِ " يدل على أنهم ليسوا منهم.
وقوله {والمحصنات مِنَ المؤمنات} أي: أحل لكم الحرائر من المؤمنات والحرائر من الذين أوتوا الكتاب - نصرانية أو يهودية -، إذا أعطيتها صداقها وهو {أُجُورَهُنَّ}. وقيل: المحصنات - هنا - العفائف من هؤلاء ومن هؤلاء، فأجاز قائل هذا / نكاح الإماء من أهل الكتاب وتحريم غير العفائف من الجميع، قال ذلك مجاهد، وقاله سفيان والسدي. والحربية من أهل الكتاب - وغيرها سواء - جائز نكاحها. ومن قال: المحصنات العفائف، فالحربية - من الإماء والحرائر - جائز نكاحها عنده، ومذهب مالك وغيره أن إماء أهل الكتاب لا يجوز نكاحهن. وروي أن ثواب الرجل مع الزوجة المؤمنة أفضلُ من ثوابه مع الزوجة الكتابية، وروي أن الرجل إذا قبَّل زوجته المؤمنة، كتب له عشرون حسنة، وإذا جامعها
كتب له عشرون ومائة حسنة، فإذا اغتسل منها، لم يمرّ الماء بشعرة من جسده إلا كتبت (له (عشر)) حسنات ومحي عنه عشر سيئات، وباهى الله به الملائكة فقال: انظُروا إلى عبدي قام في ليلة [قَرَّةٍ] يَغتَسِلُ من خَشْيَتي، ورَأَى أن ذلكَ (حقٌّ لي) عليه، اشهدوا يا ملائكتي أنّي قَد غَفرتُ لَه. وروي أن المرأة لا تضع شيئاً من بيت زوجها، تريد بذلك إصلاحه، ولا ترفعه إلا كتب لها عشر حسنات ومحي عنها عشر سيئات، فإذا حملت ثم طلقت، فلها بكل طلقة كأنما أعتقت نسمة (من ولد إسماعيل) خير النسم،
فإذا أرضعت كان لها بكل مصة عشر حسنات ومحي عنها عشر سيئات، فإذا أفطمته نادى منادٍ من السماء: أَيَّتُها المرأة قد غفر لك فاستأنفي العمل. وروي عن (ابن المسيب) والحسن أنهما كانا لا يريان بأساً بنكاح إِماء اليهود والنصارى. و (قد) قيل: عنى بذلك نساء أهل الذمة من أهل الكتاب خاصة، ونساء
أهل الحرب حرام، روي ذلك عن ابن عباس. قوله {مُحْصِنِينَ} أي: أعِفّاء، {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} أي: غير مزانين، {وَلاَ متخذي أَخْدَانٍ} أي: أَخِلاّءٌ على الزّنى، والخدن: الخليل للمرأة يزانيها. قوله {وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان} أي: بما جاء به محمد A، وقيل: بالإيمان بالله D وبرسوله محمد A. وقيل: بالإيمان: بما نزل من الحرام والحلال والفرائض. ونزل ذلك في قوم تَحَرَّجوا نكاح [نساء] أهل الكتاب، فأنزل الله {وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين}، أي من يردّ من أتى
6
به محمد A. وقيل: الإيمان - هنا - التوحيد، وهو مثل قوله {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ومثل قوله {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً} [آل عمران: 85] الآية. قوله: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة} الآية. قوله {وَأَرْجُلَكُمْ}: من خفض. (فهو) عند الأخفش وأبي عبيدة على الجوار، والمعنى للغسل، شبه
الأخفش بقولهم " هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ "، وهذا قول مردود، لأن الجوار لا يقاس عليه، إنما يسمع ما جاء منه ولا يقاس عليه. وأيضاً فإن الأرجل معها حرف العطف، ولا يكون الإتباع مع حرف العطف. وقيل: إنه إنما خفض لاشتراك الغسل والمسح في باب الوضوء، كما قال {وَحُورٌ عِينٌ} [الواقعة: 22] فخفض وعطفه على الفاكهة التي يطاف بها، وهذا مما لا يطاف
به، ولكن عطفه عليه لاشتراكهما في التنعم بهما، وكما قال الشاعر: شرّابُ أَلْبَانٍ وتَمْرٍ وأَقطٍ. ... فعطف التمر والأقط على ما يشرب، وليس يشربان، ولكن فعل ذلك لاشتراكهما في التغدي بهما، ومثله قوله: ورأيتُ زوجَكِ قد غدا ... مُتَقَلِّداً سيفاً ورُمحاً فعطف الرمح على / السيف وليس الرمح مما يتقلد به، ولكن عطفه عليه لاشتراكهما في الحمل وفي أنهما سلاح، ومثله: عَلَفتُها تِبْناً وماءً بارداً. ... فعطف الماء على التّبن وليس مما يوصف بالعلف، ولكن فعل ذلك لاشتراكهما
في أنهما غذاء لها. ومثله قوله: وزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ والْعُيونا. ... فعطف العيون على الحواجب وليست مما يُزَجَّجَ إنما تكحّل، ولكن عطفه عليه لاشتراكهما في التزيّن بهما، فكذلك يحمل الغسل على المسح لاشتراكهما في باب الوضوء. وتقدير ما ذكرنا - عند النحويين - على حذف فعل فيه (كله) على قدر معانيه، كأنه قال [وأكّالِ تَمْرٍ]، (وحامِلاً رُمْحاً)، (وَسَقيْتُها ماءً)، (وكَحَّلنَ الْعُيُونَ) ونحو ذلك من التقدير.
وقال علي بن سليمان تقديره: وأرجِلكم غسلاً. وقيل: المسح - في كلام العرب - يكون بمعنى الغسل يقال: تمسحت للصلاة أي: توضأت لها فاحتمل المسح للأرجل أن يكون بمعنى الغسل وبغير معنى الغسل، فبيّنت السنّة أن المسح للرؤوس بغير معنى الغسل، وأن المسح للأرجل بمعنى الغسل. وقال قوم من العلماء - منهم الشعبي -: من قرأ بالخفض [فقراءته] منسوخة بالسنة. واستدل من قال: أن معنى الخفض النصب، بقوله {إِلَى الكعبين}، فحدد كما
حدد اليدين إلى المرفقين، ولما كانت اليدان مغسولتين بالإجماع وجب أن تكون الرجلان كذلك لاشتراكهما في التحديد. وقال ابن عباس: [قراءة] النصب ناسخة للمسح على الخفين وهو مذهب عائشة وأبي هريرة. قال ابن عباس: ما مسح رسول الله A على الخفين بعد نزول المائدة. وقد أجاز المسح على الخفين جماعة من الصحابة ورووه عن النبي عليه السلام أنه مسح بعد (نزول) المائدة، ومن أوجب شيئاً أولى بالقبول ممن نفى،
وعليه جماعة الفقهاء، وهو قول علي وسعد وبلال و (عمرو بن) أمية وحذيفة وبريدة وغيرهم.
وهذه الآية ناسخة لقوله: {لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى} [النساء: 43]، وهو قول جماعة. وقيل: هي ناسخة لما كانوا عليه: روي " أن النبي A كان إذا أحدث (لم يكلم أحداً) حتى يتوضأ فنسخ ذلك بالوضوء عند افتتاح الصلاة " وقيل: هي منسوخة، لأنها لو لم تنسخ لوجب على كل قائم إلى الصلاة الوضوء، فنسخها فعل النبي A وجمعه صلاتين وصلوات بوضوء واحد. وروي عن علي Bهـ أنه قال: هي على الندب، نَدَبَ كُلَّ قائم إلى الصلاة إلى الوضوء وإن كان (على وضوء) وقيل: يجب على كل من قام إلى الصلاة الوضوء -
وإن كان) متوضئاً - بظاهر الآية، وهذا قول خارج عن قول الجماعة، وهو قول عكرمة وابن سيرين. وروي أن علياً Bهـ كان يتوضأ لكل صلاة. وقال زيد بن أسلم وأهل المدينة: الآية مخصوصة فيمن قام من النوم. وقيل: الآية مخصوصة يراد بها من كان على غير طهارة، وهو قول الشافعي، قال: المعنى: إذا قمتم - وقد أحدثتم - فافعلوا كذا. ومعنى {إِذَا قُمْتُمْ}، إذا أردتم القيام، كقوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن
فاستعذ بالله} [النحل: 98] أي: إذا أردت [قراءة] القرآن. وقوله {وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ}: الباء للتوكيد / لا للتعدية، والمعنى: (و) امسحوا رؤوسكم، ولا يجزئ مسح بعض الرأس لأجل دخول الباء، كما لا يجزئ مسح بعض الوجه في التيمم لدخول الباء في قوله: {فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ} [النساء: 43]، وهذا إجماع، فالرأس مثله. وقوله: {إِلَى المرافق}: روى أشهب عن مالك أنه قال: الغسل إليهما ولا يدخلان في الغسل، وروى غير أشهب عنه أن غسلهما واجب مثل الكعبين اللذين أجمع على غسلهما، وهو قول عطاء والشافعي.
وأصل (إلى) - في اللغة - الانتهاء، كقوله: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل} [البقرة: 187]، فالليل آخر الصوم غير داخل في الصوم، وكذلك المرفقان غير داخليْن في الوضوء. ومَن أدخل المرفقين في الغسل، فإنما هو على أن يجعل " إلى " بمعنى " مع " كما قال: {وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] أي: " مع "، وكما قال: {مَنْ أنصاري إِلَى الله} [آل عمران: 52، الصف: 14] أي: مع الله، هذا قول بعض أهل اللغة. ومنع ذلك المبرد وغيره من النحويين لأن اليد - عند العرب - حدها إلى الكتف فلو كانت " إلى " بمعنى " مع " وجب غسل اليد كلها إلى الكتف، لأنه آخرها، و " إلى " عنده على بابها، قال المبرد: إذا كان ما بعد " إلى "
مِمّا قبلها، فما بعدها داخل فيما قبلها كآية (الوضوء)، وإذا كان بعدها مخالفاً لما قبلها، فالثاني غير داخل فيما دخل فيه الأول، كقوله {إِلَى الليل}، فلو قلت " بِعتُ هذا الفدّان إلى هذه الدّار "، لم تدخل الدّار في البيع، لأن الدار مخالفة للفدان، ولو قلت " بعتُ هذا الثّوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف "، دخل الطرف الثاني في البيع، كذلك لمّا كانت المرفقان من جنس اليد، دخلتا في الغسل مع اليد، فإذا كان الحد من جنس المحدود دخل معه، وإذا كان من غير جنسه لم يدخل معه، هذا التفسير قول المبرد، وهو حسن جيد، ولذلك يقول الموثقون: " اشترى الدّار بحدودها "، فالحدود داخلة في البيع.
(وكان الطبري يقول): ليس غسلهما بواجب، فهو ندب من النبي A لقوله: " أمتي الغر المُحَجَّلون من آثار الوضوء، فمن استطاع أن يطيل غُرَّتَه فليفعل ". قوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً} أي: [ذوو] جنب، " وجُنُبٌ " مصدر لا يثنى ولا يجمع، كعدل ورضًى وصَوْم، يقال: قوم صَوْمٌ، ورجل صَوْمٌ، يقال: أجنب
الرجل وجَنَب وجَنُب. (و) قوله: {وَإِن كُنتُم مرضى} أي: جرحى أو مجدورين وأنتم جنب، {أَوْ على سَفَرٍ} أي: مسافرين وأنتم جنب. وقوله: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء} قيل: اللمس: الجماع. (وقيل): هو المس دون الجماع، كالقبلة والمباشرة. ويسْأل من قال: هو الجماع، ما وجه تكريره وقد مضى حكم الجنب في قوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا}؟ فالجواب: أن الأول بيَّن حكمه وأمره بالطهر إذا وجد الماء، ففَرَض عليه الاغتسال، ثم بيَّن - ثانيةً - حكمه إذا أعوزه الماء، فأعلَمه أن التيمم
بالصعيد طهور حينئذ. والتيمم: القصد والتوخي إلى الشيء. قوله: {مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم (مِّنْ حَرَجٍ)} أي: ضيق في فروضكم، {ولكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} أي: يطهركم بما فرض عليكم فَتَطَّهَّرونَ من الذنوب، " وروى شهر بن حوشب عن أبي أمامة أن رسول الله A قال: إنّ الوضوءَ يُكفِّر ما قبله، ثم تصير الصلاةُ نافلةً، قلت: أنت سمعت هذا من رسول الله؟ قال: نعم، / غير مرةٍ ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس ". وقال ابن جبير: معنى {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ}: ليدخلكم الجنة، (أي) فإنها لم تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة، ولن يدخله الجنة حتى يغفر له، كذلك
7
قال لنبيه: {لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} [الفتح: 2] فلم تتم النعمة إلا بعد المغفرة، وهو قول زيد بن أسلم ذكر جميع ذلك ابن وهب وغيره. قوله: {واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ} الآية. قوله: {بِذَاتِ الصدور}: قال الأخفش والفراء وابن كيسان: الوقف بالتاء على (ذات) وهو خط المصحف، لأن التاء كأنها متوسطة. ومذهب الكسائي والجرمي أن تقف بالهاء، وهو اختيار أبي غانم، لأن هذا تأنيث الأسماء.
8
ومعنى الآية أن الله تعالى ذكرهم بنعمته أن هداهم لما فيه النجاة لهم. ومعنى {وَمِيثَاقَهُ} هو ما بايعوا عليه النبي عليه السلام من السمع والطاعة فيما (أحبوا) وكرهوا والعمل بكل ما أمرهم به، قال ذلك ابن عباس وغيره وقال مجاهد: الميثاق - هنا - ما أخذه الله D على عباده إذ أخرجهم من صلب آدم فقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى} [الأعراف: 172]، فأقروا بأن الله ربهم، وصار ذلك ميثاقاً عليهم، فمن آمن بالله وأسلم فقد تمسك بالميثاق، ومن كفر فهو نقض الميثاق. وقيل: هي بيعة الرضوان. قوله: {واتقوا الله} أي: خافوا الله أن تُضمروا لرسوله A خلاف ما تبدون، فإنه يعلم ما في الصدور. قوله: {يَا أَيُّهَآ الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ} الآية. المعنى: أن الله D حضّ المؤمنين أن يكونوا شهداء بالعدل في أوليائهم
9
وأعدائهم. قوله {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ} أي لا يَحمِلنَّكم بغض قوم على ألا تشهدوا بالحق وعلى ألا تعدلوا في حكمكم فيهم، والمعنى: لا يحملنكم بغض المشركين على ترك العدل. وهذه الآية نزلت حين هم اليهود بقتل النبي A. ثم أمرهم بالعدل فقال: {اعدلوا} أي: اعدلوا في الأعداء وغيرهم، فالعدل أقرب إلى التقوى، أي: أن تكونوا من أهل التقوى لا مِنْ أهل الجور، وهو كناية عن العدل. قوله {وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} الآية. يقال " وعدتُ الرجل " تريد: " وعدته خيراً "، و " أوعدته " تريد: " أوعدته شراً "، فإذا ذكرت الموعود قلت فيهما جميعاً " وعدته " و " أوعدته " فإذا لم تذكر الموعود قلت في الخير " وعدته "، وفي الشر " أوعدته "، هذا قول أكثر العلماء.
10
وقوله {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} هو على الحكاية، (لأنه لا يجوز في الكلام " وعدتُ لكَ درهماً "، وإنما جاء في القرآن على الحكاية)، كأن تقديره: قال الله جل ذكره: لِلَّذين آمنوا عندي جنات، ثم أمر النبي عليه السلام أن يخبرهم، ثم أخبر ما قال فحكاه، فقوله {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} يقوم مقام الموعود، وهو تفسير للوعد. قوله {والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ (بِآيَاتِنَآ)} الآية. أي الذين جحدوا وحدانية الله ونقضوا ميثاقه وعهوده وكذبوا بآياته وجحدوا [أنبياءه]: (هم) أصحاب الجحيم. قوله: {يَا أَيُّهَآ الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ} الآية.
معنى الآية: أن الله جل ذكره أمر نبيه A المؤمنين بالشكر على نعمه (إذ دفع) عنهم كيد اليهود عليهم اللعنة. وكان / سبب نزول هذه الآية أن النبي عليه السلام أمّن رجلين مشركين من بني كلاب وأعطاهما سهمين من سهامه أماناً لهما، فلقيهما عمرو بن أمية الضَّمْري وهو مقبل من بئر معونة فقتلهما ولم يعلم أن معهما أماناً من النبي A، فلما قدم عمرو على النبي عليه السلام قال له: قَتَلْتَهُما (و) معهما أماني؟! قال: لم أعلم، فَوداهُما النبي عليه السلام ومضى إلى بني النضير من اليهود ومعه أبو بكر وعمر وعلي وعثمان Bهم، يَسْتعينهم على دية الكلابِيَيْن
اللّذَيْن قتلهما عمرو فلما قَرُبَ من مدينتهم، خرجوا إليه فتلقَّوه وقالوا: مرحباً بك يا أبا القاسم، ماذا جِئْتَ له؟، فقال: رجل من أصحابي أصاب رجلين من بني كلاب - معهما أمانٌ منّي - فقتلهما فَلَزِمَني دِيَتُهما، فأريد أن تُعينوني قالوا: نعم والحُبُّ لَك والكَرامةُ يا أبا القاسم، اقْعُد حتى نجمع لك، فقعد النبي A وأصحابه تحت الحصن، فلما خلا بنو النضير - بعضهم (إلى بعض) - قالوا: لن نجد محمداً أقربَ منه الآن، فَمَن رَجُلٌ يَظهَر على هذا الجدار فَيَطْرح عليه رحىً أو حجراً فيريحنا منه؟، فقال رجل منهم: أنا، وهو عمرو بن جحاش، فأتى جبريل النبي صلى الله عليهما فأعلمه الخبر، فقام وتبعه
أصحابه، فأنزل الله جل ذكره {يَا أَيُّهَآ الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ} الآية، وفي ذلك نزل {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ (إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ)} [المائدة: 13]، فعند ذلك بعث (إليْهم النبيُّ) محمد بن مَسْلَمَة الأُوسي، وأمره أن يأمرهم بالرحيل والخروج من جواره، فلما أتاهم محمد بن مسلمة، تلقوه وسلموا عليه، فقال [لهم]: إني أُرسِلْتُ إليكم برسالة، ولَسْتُ أَبَلِّغكُمُوها حتّى أَسْأَلَكُم عن شيء قلتموه لي قبل اليوم، قالوا: (سَلْنا عمّا بدا لَكَ)، فقال لهم محمد بن مسلمة: أليس قد أتَيْتُكم سَنَة كذا وكذا فقلتم لي: يا ابن مَسلمةٍ، إن (شِئت هَدَيْناك وإن شئت غدّيناك)، فقلت: والله
ما لي حاجة بهداكم، فقَرَّبْتُم إليّ طعاماً في صَحْفة جَزْع - كأني انظر: إليها -، فلما فَرَغْتُ من [غذائي]، قلتم لي: ما الذي أرغبك عن التوراة؟، فقلت: ما لي بها حَاجة، فقلتم كأنك تريد الحنيفية؟، فقلت: إيهاً والله أريدها، فقلتم لي: أما إنَّ صاحبها قد [رهنك] خروجه، وأشرتم نحو مكةَ وقلتم لي: ذلك الضّحوك القتّال يركب البعير ويَلبَس الشملة و [يجتزئ] بالكسوة، سيفه على عاتقه، (لتكونن - على يديه - في هذه البلاد) ملاحم وملاحم وملاحم، قالوا: قد قلنا لك ذلك، ولكن ليس هو هذا. قال: أشهد (أن
لا) إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، هو - والله - هذا، وقد بعَثَني إليكم وقال: قد غدرتم مرةً ومرةً ومرةً، فارْتحِلوا من بَلَدي وارتحلوا من جواري، فقالوا: أخِّرنا عشرة أيام نتجهز ونخرج، ففعل، ثم أتى رسول الله A فأخبرَه، فَصَوَّبَ أمرَه، وأمرَ النّبي A بحراسة المدينة، فدبّّ إليهم المنافقون وقالوا: لِمَ ترتحلون، وإنّما أنتم أهل الثمار والأموال، وقد نَزَل بكم محمد ولم تَنزِلوا به؟، فبعثوا إلى النبي A: اصْنَع ما أنت صانع فلسنا بمُرتَحلين، فكبّر النبي A ثلاث تكبيرات ثم قال: خابَتْ يَهودُ، لا تُصَلُّوا الظُّهرَ إلاّ عندهم، فغزاهم النبي A فصالحوه / على ما حمل (الحافر والخُفَّ):
الجمل بين رجلين، والحافر لرجل واحد، وَارْتَحَلوا. قال قتادة: هذه الآية نزلت على النبي عليه السلام وهو بنَخْل في الغزوة السابعة، أراد بنو ثعلبة أن يفتكوا بالنبي عليه السلام فأطلعه الله على ذلك. وقيل: النعمة التي أمر الله بالشكر عليها - هنا - هي أن اليهود كانت همت بقتل النبي A في طعام دَعَوْهُ إليه، فأعلم اللهُ نَبيَّه بما همُّوا به، فلم يأتهم. وقيل: هي ما أطلع الله نبيه من أمر المشركين إذ هموا أن يميلوا على المسلمين - وهم في صلاتهم - ميلة واحدة، وذلك يوم بطن [نخل]، فعلَّم الله نبيَّه صلاة
الخوف والحذر منهم، وهي الغزوة السابعة. وقيل: هي ما فعل الأعرابي، وذلك " أن النبي A كان مستظلاً تحت شجرة - وأصحابه متفرقون - إذ جاء أعرابي إلى سلاح رسول الله A - وهو معلق في شجرة - فأخذ السيف وسله، ثم أقبل على النبي A فقال: مَن يمنعك مني؟، قال: الله، قال الأعرابي - مرتين أو ثلاثاً -: من يمنعك مني؟، والنبي A يقول: الله، فشام الأعرابي السيف، فدعا النبيّ A أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه "، قال قتادة: كان قوم أرادوا أن يفتكوا برسول الله عليه السلام، فأرسلوا هذا الأعرابي. وقيل: " هم قريش بعثت رجلاً ليفتك برسول الله، فأتى وسَلَّ سيف رسول الله A ثم قال: من يمنعك مني يا محمد؟، [قال: الله]، ثم رد السيف في غمده ".
12
قوله {وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ} الآية. أخبر الله تعالى في هذه الآية بما كان من أسلاف هؤلاء الذين أرادوا كيد رسول الله A. ( و) قوله: {اثني عَشَرَ نَقِيباً}: النقيب - في اللغة - كالأمين والكفيل والعريف. قال قتادة: جعل من كل سبط (رجلاً شاهداً) عليهم. والأسباط: نسل (اثني عشر ولداً) ليعقوب، (فنسل كل ولد ليعقوب) سبط، (فجعل من كل سبط) رجل أمين عليهم. قال السدي: أمر الله موسى وبني إسرائيل بالسير إلى بيت المقدس - وفيها
جبارون - فلما (قَرُبوا) بعث موسى اثني عشر نقيباً من جميع أسباط بني إسرائيل ليأتوه بخبر الجبارين، فلقيهم رجل من الجبارين - يقال له عاج - فأخذ (الإثني عشر) فجعلهم في حُجْزَته، وعلى رأسه حملة حطب، فانطلق بهم إلى امرأته (وقال): انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يقاتلوننا، فطرحهم بين يديها وقال: (ألا أطْحَنهُم) برجلي، فقالت له امرأته: لا بلْ خلِّ عنهم حتى يُخبروا قومَهم بما قد رَأوا، ففعل ذلك، فقال بعضهم لبعض: يا قوم إنكم إن أخبَرْتُم بني إسرائيل خبر القوم، ارتدوا عن نبي الله، ولكن اكتموه وأخبروه [نَبِييَ] الله فيكونان هما يَرَيان رأيهما، فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ثم رجعوا،
فنكث عشرة منهم العهد، فجعل الرجل يخبر أخاه وأباه بما رأى من عاج، وكتم رجلان منهم، فأتوا موسى وهارون صلى الله عليهما وسلم فأخبروهما الخبر. وقال مجاهد: أرسل موسى النقباء - من كل سبط رجلاً - إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كمّ أحدهم اثنان منهم، ولا يَحمِل عنقود عنبِهم إلا خمسةُ أنفس، ويدخل في شطر [الرمانة]- إذا نُزِع حَبُّها - خمسة أنفس، فرجع النقباء، كلهم ينهى سبطه عن قتالهم إلا يوشع بن نون وآخر معه فإنهما / أمرا بقتالهم، فعصوا وأطاعوا أمر الآخرين، فعند ذلك قالوا: {فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا
هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]. قال ابن عباس: جاء النقباء بحبة من فاكهتهم يحملها رجل، فقالوا: اقْدُروا قوة قوم هذه فاكهتهُم. {وَقَالَ الله إِنِّي مَعَكُمْ} أي: " ناصركم على عدوكم "، قيل: هو للنقباء. وقيل لجميعهم. (ومعنى) {(وَ) عَزَّرْتُمُوهُمْ} أي: نصرتموهم. وقيل معناه [وَقَّرْتُموهم] بالطاعة (لهم).
13
وأصل التعزير المنع. ومعنى {وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً} أي: " أنفقتم في سبيل الله ". وقوله: {قَرْضاً} خرج مصدراً على " قرض "، كما قال {نَبَاتاً} [نوح: 17] وقبله {أَنبَتَكُمْ} [نوح: 17]. وقوله تعالى {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة} وما بعده: تفسير لأخذ الميثاق كيف هو وما هو. وقوله: {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ} إلى قوله {مَعَكُمْ}: اعتراض بين الميثاق وتفسيره، غير داخل في الميثاق الذي نقضه بنو إسرائيل دون النقباء، لأن الله تعالى قال للنقباء: {إِنِّي مَعَكُمْ}، ومن كان الله معه لم ينقض ميثاقه. قوله {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ} الآية. (ما) زائدة مؤكدة للقصة، أو نكرة. و {نَقْضِهِم} بدل منها.
و {قَاسِيَةً} و (قسِيّة) لغتان، كعالم وعليم، ويؤيد قراءة {قَاسِيَةً} قوله: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} [الزمر: 22]. ويؤيد قَرَأَةَ (قسية) أن " فعيلاً " أبلغ - في المدح والذم - من " فاعل "، فعليم أبلغ من عالم، وسميع أبلغ من سامع، فالمعنى: من أجل نقضهم للميثاق - للذي أخذ عليهم - لعنهم الله، أي: أبعدهم من رحمته، وجعل (الله) قلوبهم قسية، أي: غليظة [نابية] عن الإيمان والتوفيق بطاعة الله.
والقاسية والعاتية: واحد. وقوله: {يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ} أخبر الله D عن فعلهم أنهم يبدلون ما في التوراة ويكتبون بأيديهم غير الذي أنزله الله، ويقولون لجهالهم: هذا كلام الله. وهذا من صفة القرون (التي) كانت بعد موسى من اليهود، ومنهم من أدرك عصر نبينا، فأخبره الله عنهم بما [يعملون]، وأدخلهم في ذكر ما كانوا قبلهم إذ كانوا من أبنائهم وعلى منهاجهم. وقيل: معنى {يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ} يتأولونه على غير تأويله. وقيل: معنى {[وَجَعَلْنَا] قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً}: (أي وصفناهم بهذا). وقوله: " {وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} أي: تركوا نصيباً مما أُمِرُوا بِهِ ". قال الحسن: تركوا عُرى دينهم، أي: تركوا (الأخذ والعمل) بالتوراة.
وقوله: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ} أي: لا تزال يا محمد تطلع من اليهود - الذين نقضوا الميثاق - على خيانة {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ}، والخائنة، الخيانة، وضع الاسم موضع المصدر، كقولهم " خاطئة " في موضع " خطيئة " و " قائلة " في " قيلولة ". وقيل: (التقدير): على فرقة خائنة. وقيل على رجل خائنة، كما يقال: رجل راوية، يريد: لا تزال يا محمد تطلع على مثل الذين هموا بقتلك. وقيل: المعنى على نسمة خائنة منهم. ويجوز أن يكون التقدير: على فرقةٍ خائنة، أو: على طائفة خائنة. وقيل: الهاء للمبالغة، وقيل: (المعنى): على خائن
14
منهم. {فاعف عَنْهُمْ واصفح}: أمر النبي A بالعفو عن هؤلاء الذين أرادوا قتله من اليهود. وقال قتادة: هي منسوخة بآية القتال في " براءة ". وقيل: هي منسوخة بقوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ} [الأنفال: 58]. وقيل: المعنى: فاعف عنهم واصفح ما دام / بينك وبينهم ذمة وعهد. قوله {وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} الآية. هذا في الإعراب كقولك " من زيد أخذت درهمه " وهو حسن، ولو قلت: " درهمه من زيد (" أخذت "، و " ميثاقهم من الذين قالوا إنا نصارى أخذنا "، و " أخذت درهمه من زيد ")، و " (ألْيَنَهَا لبِست من الثياب) "، لم يجز [لتقدم] المضمر على
المظهر. ومعنى الآية: أن الله تعالى أعلمنا أنه أخذ أيضاً من النصارى ميثاقهم، فسلكوا مسلك اليهود، فبدلوا ونقضوا وتركوا حظهم الذي ذكّروا به من الإنجيل مثل اليهود. وقوله: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة} أي: حرضنا وألقينا. وهي الأهواء المختلفة والتباغض والخصومات في الدين التي بين اليهود والنصارى. وقيل: بين النصارى بعضهم مع بعض، وبين اليهود بعضهم مع بعض. والهاء والميم في {بَيْنَهُمُ} تعود على اليهود والنصارى. وقيل: على النصارى، لأنهم قد افترقوا فرقاً منهم: النسطورية
15
واليعقوبية و [الملكانية] وغير ذلك، فالعداوة بين بعضهم مع بعض. قوله {يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً} الآية. المعنى: أن الله D أعلم أهل الكتاب أنه أرسل إليهم محمداً A يبين لهم كثيراً مما أخفوا من الكتاب - وهو التوراة والإنجيل -، وكان ذلك من أدل ما يكون على نبوة محمد A إذ أعلم الناس بما فعل أهل الكتاب، فمما بينه: رجم الزانيين المحصنين - وقد أخفوه وغيروه -، وقتل النفس بالنفس وغيره.
وقال [القرظي]: أول ما نزل على النبي A من القرآن - حين قدم المدينة - هاتان الآيتان وكانت اليهود بها يومئذ، ثم نزلت السورة كلها جملة (واحدة) عليه بعرفات. ومعنى {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} أي: (و) يترك أخذكم بكثير مما كنتم تخفون من كتابكم، فلا يأمركم بالعمل به، إلا أن يأمره الله بذلك. وقيل: هو ما جاؤهم به رسول الله A من تخفيف ما كان الله شدده عليهم وتحليل ما كان حرم عليهم. قوله {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} إلى {صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. والمعنى: يا أهل التوراة والإنجيل {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ} وهو محمد A. هو نور لمن استنار به، {وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} هو القرآن. [وقيل: النور: التوراة، والكتاب المبين: القرآن]. {يَهْدِي بِهِ} أي:
17
بالكتاب، {مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ} أي: يهدي الله بالكتاب {سُبُلَ السلام} من اتَّبع رضى الله D في قبول ما أتاه من ربه. و [{السلام}] هنا: اسم الله جلت عظمته، أي: سبل الله. وقيل [السلام]- هنا - السلامة، أي: طرق السلامة، والرضى من الله القبول للعبد. وقيل: هو خلاف السخط. {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظلمات} أي: من الكفر {إِلَى النور} أي: إلى الإسلام، {بِإِذْنِهِ} أي: بأمره، أي: [بأمر] الله له بذلك. قوله: {لَّقَدْ كَفَرَ الذين قآلوا إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ} الآية. معنى الآية أنها ذمّ للنصارى في قولهم واحتجاج عليهم في قولهم. ومعنى {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ} أي: (من) يقدر ويطيق رد ما أراد الله D، فلو كان
18
المسيح إِلهاً، لقدر على رد ما يأتيه من أمر الله سبحانه، وفي عجزه عن ذلك دليل على أنه ليس بإله، إذ الإله لا يكون عاجزاً مقهوراً تلحقه الآفات، فعيسى كسائر ولد آدم. قوله تعالى: {وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض} أي: تصريف ما فيهما وما بينهما، فهو يهلك من يشاء ويبقي من يشاء. (ووحّد) الأرض، لأنها تدل على النوع. / قوله: {وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله} الآية. معنى الآية أن قوماً من اليهود والنصارى كلمهم النبي A وخوّفهم فقالوا: ما تُخَوِفُنَا يا محمد؟ نحن أبناء الله وأحباؤه، فقال الله لنبيه: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم (بِذُنُوبِكُم)} إن كنتم كما زعمتم، وذلك أن اليهود قالت:
{وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} [البقرة: 80]، فأقروا بالعذاب وادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه. ثم قال: قل لهم يا محمد {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} أي: أنتم مثل سائر بني آدم، لا فضل لكم عليهم إلا بالطاعة. {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} أي: يستر ذنوبه، وهم المؤمنون، {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} أي: يميته على الضلالة فيعذبه. وقال السدي في معنى {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} أي: يهدي من يشاء في الدنيا فيغفر له، {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} (أي يميته على الضلالة) فيعذبه. {وَ [للَّهِ] مُلْكُ السماوات والأرض} أي: تدبيرها وتدبير ما بينهما، وإليه مصيركم فيجازيكم بأعمالكم. وقوله {فَلِمَ يُعَذِّبُكُم} معناه: فلم عذّبكم بذنوبكم فمسخكم قردة وخنازير؟ وإنما احتج عليهم النبي A بما قد كان وعلم، ولم يحتجّ عليهم بما لم يقع بعد، لأنهم ينكرون ذلك ويدّعون أنهم لا يعذبون فيما يستقبلون، فالماضي [أولى] به وعليه
19
المعنى. قوله {يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مِّنَ الرسل} الآية. قوله {أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا}: {أَن} في موضع نصب أي: [كَرَاهَةَ] أن تقولوا. وقال الفراء: المعنى: (لأن لا) تَقُولُوا. ومعنى الآية أنها مخاطبة لليهود الذين كانوا بين ظهرانيْ (مُهَاجَرِ النَّبِي) A، وذلك أنهم لما دعاهم النبي إلى الإيمان به وبما جاءهم به، قالوا: ما بعث الله من نبي بعد موسى، ولا أنزل كتاباً بعد التوراة. (و) قال ابن عباس: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن
وهب لليهود: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته، فأنكروا ما قالوا لهم، وقالوا: ما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بشيراً ولا نذيراً بعده، فأنزل الله الآية. ومعنى {على فَتْرَةٍ مِّنَ الرسل}: على انقطاع من الرسل وسكون، وذلك أنه كانت الرسل بين موسى وعيسى متواترين. وقد اختلف في الفترة التي كانت بين محمد وعيسى عليهما السلام: فقال قتادة: هي خمس مائة سنة وستون سنة. وقيل عنه: خمس مائة وأربعون، وقيل عنه: ست مائة وزيادة سنين.
20
وقال الضحاك: هي أربع مائة سنة وبضع وثلاثون سنة. وقال ابن عباس: هي أربع مائة سنة فترة لا نَبِيَّ فيها، وكانت مائة سنة بعث الله فيها أربعة أنبياء، منهم ثلاثة رسل، وهم الذين ذكروا في " يس "، فبين ميلاد عيسى وميلاد محمد خمس مائة سنة. وقيل: هو ما جاءهم به رسول الله من تخفيف ما كان الله شدد عليهم وتحليل ما كان حرم عليهم. ومعنى {أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} أي: أعذرنا إليكم برسول وكتاب كراهة أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير. قوله {وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ} الآية. روي عن ابن كثير أنه قرأ {يَاقَوْمِ} بالرفع على معنى: يا أيها القوم، رواه
شبل بن عباد عنه. وهذه الآية إعلام من الله جل ذكره لنبيه A، / فقديم فسق اليهود وغيهم، وإن موسى A ذكرهم بنعم الله تعالى عليهم، إذ أرسل (إليهم) الأنبياء يأتونهم بالوحي، وأنه حرضهم على الجهاد، وأن لا يرتدوا على أدبارهم في قتال الجبارين الذين أمرهم الله D بقتالهم. وقيل: الأنبياء - الذين جعلهم الله D فيهم - هم الذين اختارهم موسى للميقات، وهم السبعون الذين ذكرهم الله في " الأعراف ".
{وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} أي: تُخْدَمُون، ولم يكن في ذلك الوقت من بني آدم من يُخْدَم سِواهم، قال قتادة: هم أول من سخر له الخدم. وروي عن النبي A أنه قال: " من كان له بيت وخادم فهو ملك ". وقيل: المعنى: جعلكم ذوي منازل لا يُدْخَلُ عليكم فيها إلا بإذن. وقيل: المعنى: (جَعلَكم تَملِكُون أمركم لا يغلبكم عليه غالب). (وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يذكر عن عبد ربه) بن سعيد أن معنى {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} هو أن يكون للرجل المسكن يأوي إليه والمرأة يتزوجها والخادم
21
تخدمه، هو أحد الملوك. وقوله: {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن العالمين} الذي آتاهم هم المن والسلوى والبحر والحجر والغمام، قاله مجاهد. وقيل: هو الدار والخادم والزوجة. ومعنى {مِّن العالمين} من عالَمي زمانكم. وقال ابن جبير: {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً} هذه لأمة محمد A. قوله: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} الآية. قال ابن عباس: هي فلسطين والأردُنُّ (و) عنه وعن مجاهد: الأرض المقدسة: الطور وما حوله أمرهم موسى بدخولها عن أمر الله لهم. وقيل: هي
الشام، قاله قتادة. وقيل: هي دمشق (و) فلسطين، (و) قال مقاتل: هي أريحا أرض الأردن. والمقدسة: المطهرة، وقيل: المباركة. وقوله: {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أي: التي كتبها الله لبني إسرائيل، وقد سكنها بنو إسرائيل ولم يسكنها هؤلاء الذين خاطبهم موسى A لقوله {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ}،
22
ولم يعن موسى A أن الله كتبها للذين خاطبهم، وإنما عنى أن الله تعالى كتبها لبني إسرائيل وقيل: معناه: التي وهب الله لكم وأعلم بها أباكم إبراهيم. وقال السدي: التي أمركم الله بدخولها. {وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ} أي: امضوا لأمر الله في قتالهم ولا ترجعوا القَهْقَري، {فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} لِنكولكم عن قتال عدوكم الذي أمركم الله به. قوله: {قَالُوا ياموسى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ} الآية. المعنى: أن الله تعالى ذكره أخبر عن (قول) قوم موسى له إذا أمرهم بدخول الأرض المقدسة، وأنهم قالوا: إن فيها قوماً جبارين لا طاقة لنَا بِهم.
سموا " جبارين " لشدتهم وعظم خلقهم وقوتهم. وأصل الجبار: أن يكون المصلح أمر نفسه ومن يلزمه أمره، ثم استعمل في كل من جر إلى نفسه نفعاً بباطل أو حق، حتى قيل للمعتدي: جبار وقال بعض أهل اللغة: " الجبار - من الآدميين - (العاتي) الذي يَجبُر الناس على ما يريد ". وقولهم {لَن نَّدْخُلَهَا} لم تدخل (لن) للعصيان منهم وللامتناع من أمر الله لهم، ولو كان كذلك لكفروا، إنما دخلت لتدل على امتناع الدخول للخوف من الجبارين ودل على ذلك قولهم {فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}، ومن أسماء الله جل وعز: الجبار، لأنه المصلح أمر / عباده. قال ابن عباس: لما قرب منهم موسى، بعث إليهم اثني عشر نقيباً ليأتوه
23
بخبرهم، فدخلوا المدينة فرأوا أمراً عظيماً (من) هيئتهم وأسجامهم فدخلوا حائطاً لبعضهم، فجاء صاحب الحائط يجتني الثمار فنظر إلى آثارهم فتتبعها، فوجدهم، فكلما أصاب واحداً منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة حتى التقط الإثني عشر كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم. فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم. وقال الضحاك: {اإِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ} قال: سفلة لاَ خَلاَقَ لهم ". فعند ذلك قالوا لموسى {(إِنَّا) لَن نَّدْخُلَهَا حتى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}. قوله: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الذين يَخَافُونَ} الآية. قرأ سعيد بن جبير {الذين يَخَافُونَ} على ما لم يسم فاعله، فأخبر الله تعالى نبيه بما
قال رجلان صالحان من بني إسرائيل وهما يوشع بن نون وكلاب بن [يافنا]- وقيل: كالب، وقيل: اسمه كالوب بن مَافِنَة - فَوَفَيَّا موسى بما عهد إليهما. وقال ابن عباس: لما نزل موسى بمدينة الجبارين بعث من بني إسرائيل اثني عشر نقيباً ليأتوا بخبره فصاروا فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه (فحملهم) حتى أتى بهم المدينة ونادى في قومه، فاجتمعوا إليه [فقالوا]: من أنتم؟ فقالوا: نحن قوم موسى بَعَثنا إليكم لنأتيه بخبركم. فأعطوهم حبة عنب [بِوِقْرِ] الرجل: فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدُروا قدر قوم هذه فاكهتهم، فلما أتوهم قالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا،
{قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الذين يَخَافُونَ} وهما رجلان - كانا من أهل المدينة - أسلما واتبعا موسى وهارون فقالا لموسى {ادخلوا عَلَيْهِمُ الباب فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى الله فتوكلوا (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)} الآية. قال الكلبي: كانوا [بجبال] أريحا من الأردن فَجُبِنَ القوم أن يدخلوها فأرسلوا جواسيسَهم - من كل سبط رجلاً - يأتوهم بخبر الأرض المقدسة فدخل الإثنا عشر فمكثوا بها [أربعين] ليلة ثم خرجوا، فصدق اثنان وكذب عشرة، فقالت العشرة: رأينا أرضاً تأكل أهلها ورأينا حصونا منيعة، ورأينا رجالاً جبابرة ينبغي لرجل منهم مائة منا، فجبنت بنو إسرائيل وقالوا: لا ندخلها حتى يخرجوا منها، فقال يوشع بن نون وكالوب وهما الرجلان [اللذان] أنعم الله عليهما بالإيمان -:
24
نحن أعلم بالقوم من هؤلاء، إن القوم قد (مُلِئوا منّا) رعباً، ادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين قالوا: يا موسى أَيُكَذِّبُ منا عشرة ويُصَدِّقُ اثنان؟ إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها. قال الله عند ذلك: فإنها محرمة عليهم أبداً، وهم مع ذلك يتيهون في الأرض أربعين سنة. فلم يدخلها أحد ممن كان مع موسى، هلكوا كلهم في التيه، إلا الرجلين فإنهما دخلاها، ودخلها (مع) موسى أبناء القوم الهالكين في التيه، وهذا على [قراءة] من قرأ: (يُخافون) بالضم. ومعنى / {أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا} أي: بطاعته واتباع نبيه. وقيل: أنعم الله عليهما بالخوف. وقال الضحاك: أنعم الله عليهما بالهدى، وكانا من مدينة الجبارين. قوله: {قَالُواْ ياموسى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا} الآية. (و) هذا أيضاً خبر من الله عن قول القوم لموسى، ومعنى (أبداً): أيام حياتنا ومقامهم.
25
ومعنى {فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ} أي: وليعنك ربك، لأن الله لا يجوز عليه الذهاب وإنما الذي سألوه الذهاب موسى وهذا إعلام من الله نبيه محمداً A أن بني إسرائيل لم يزالوا يعصون الأنبياء وأن [الذين] بحضرتك أسوة في العصيان. قوله: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي} الآية. المعنى: قال موسى - عند قولهم له ما حكى عنهم، ونكولهم عن قتال عدوهم -: ربِّ إِنّي لاَ أَمْلِكُ إِلا نَفْسي، وَأخي كذلك، أي: وأخي [أيضاً لا يملك] إلا نفسه. (وقيل: المعنى لا أملك إلا نفسي، ولا أملك إلا أخي، فيكون نسقاً على نفسي). فالأخ - على القول الأول - في موضع رفع، عطف على موضع {إِنِّي}، وعلى
الثاني في موضع نصب. ويجوز الرفع في الأخ من وجه آخر: وهو أن يكون معطوفاً على المضمر في {أَمْلِكُ}، كأنه قال: إني لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا. ويجوز النصب على أن [يكون] نسقاً على الياء التي هي اسم (أنّ)، بمعنى قال: إني وأخي لا أملك إلا أنفسنا. ومعنى الآية: أنه خبر من الله عن موسى وما قال عندما قال له قومه. ومعنى {فافرق بَيْنَنَا} (أي فافصل بيننا) {وَبَيْنَ القوم الفاسقين} أي: افصل بيننا بقضاء منك تقضيه فينا وفيهم، يقال " فرقت بين الشيئين " بمعنى: فصلت بينهما، قال ابن عباس: اقض بيننا. وقيل: المعنى: اجعل الجنة دارنا ليكون بيننا وبينهم فرق. وأجاز أبو حاتم الوقف على {إِلاَّ نَفْسِي}، قال: لأن المعنى: وأخي لا يملك إلا
26
نفسه، وهذا قول مردود، لأن كل إنسان يملك نفسه فلا فائدة في الكلام على هذا، ولو كان موسى لا يملك أخاه، لم يكن في تخصيص ذكره فائدة، لأنه أيضاً لا يملك قومه، فهم بمنزلة الأخ على هذا القول. (وقد أنكر هذا القول) المبرد وغيره. قوله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً} الآية. {أَرْبَعِينَ سَنَةً} منصوب بـ {يَتِيهُونَ}، لأن موسى غضب عليهم لما قالوا، فدعا عليهم، فحرمها الله عليهم أبداً وألزمهم أن يتيهوا أربعين سنة عقوبة ولم يدخلوها. وقيل: وهو منصوب بـ {مُحَرَّمَةٌ} وأنهم عوقبوا بأن حرمت عليهم أربعين
سنة، و {يَتِيهُونَ}، حال العامل فيه {مُحَرَّمَةٌ}، ثم بعد الأربعين فَتَحَها لهم وأسكنهم إياها وكانوا يومئذ ست مائة ألف مقاتل، فلبثوا أربعين {سَنَةً} في ستة فراسخ جادين في السير، فإذا سئموا ونزلوا، فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا، فاشتكوا إلى موسى ما فُعِل بهم، فأنزل الله D عليهم المن والسلوى و (ظللهم بالغمام)، وانفجر لهم حجر أبيض عن اثنتي عشرة عيناً، لكل سبط منهم عين، فلما تمت الأربعون سنة أمرهم الله أن يأتوا المدينة، فقد كفوا أمر عدوهم، وقال لهم: إذا أتيتم المسجد فَأْتوا الباب واسجدوا وقولوا " حطة "، بمعنى: حط عنا ذنوبنا، فأتى عامة القوم وسجدوا على خدودهم وقالوا: حنطة. قال السدي: / لما ضرب عليهم التيه، ندم موسى فمكثوا أربعين سنة، ثم إن
موسى اجتمع بعاج، [فنزا] موسى في السماء عشرة أذرع، وكانت عصاه عشرة أذرع، وكان طوله عشرة أذرع، فأصاب كعب عاج فقتله، ولم يبق أحد ممن أبى (أن يدخل) قرية الجبارين - ممن كان مع موسى - إلاَّ مات ولم يشهد الفتح، وإنما كان معه أبناؤهم، ثم إن الله [نَبَّأ] يوشع بن نون وأمره بقتال الجبارين، فآمن به بنو إسرائيل، فهزموا الجبارين، قال: فكانت العصابة من بني إسرائيل تجتمع على عُنُقِ الرجل يضربونها لا يقطعونها. قال ابن عباس: كل من دخل التيه - ممن جاز العشرين سنة - مات في التيه، ومات موسى عليه السلام في التيه، ومات هارون قبله، وبرز يوشع [بمن بقي] معه مدينة الجبارين فافتتحها.
قال قتادة: مات موسى في الأربعين سنة ولم يدخل بيت المقدس إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا ما قالا. قال الطبري: ثبتت الأخبار أن موسى قتل عاج بن عناق وهو من أعظم الجبارين، وموسى A هو الذي افتتح مدينة الجبارين والرجلان على مقدمته. وروي أن طول عاج ثمان مائة ذراع، وأنه لما ضربه موسى بعصاه [في] الكعب [سقط] ميتاً، فكان جسراً للناس يمرون عليه. وروى ابن زيد عن أبيه أن النبي عليه السلام قال: " كان طول موسى عشرة أذرع، وطول عصاه عشرة أذرع، ونزا موسى عشرة أذرع (فما نال من عوج إلا العِرق) - الذي تحت الكعب - فقتله بتلك الضربة " قال زيد: فبلغني أن جيفته سدَّت بطن وادي الأردن.
قال نوف البكالي: كان طول عوج ثمان مائة ذراع، وعرضه أربع مائة ذراع. وقال وهب بن منبه: لما نظر عوج إلى عسكر موسى - وكانوا ستمائة (ألف مقاتل) ونيفاً - اقتلع من الجبل صخرة - على قدرهم من الأرض - فاحتملها رافعاً بها يديه ليرسلها على العسكر، فبعث الله D الهدهد - ومعه قطعة من ماسٍ - فأداره على الصخرة تلقاء رأسه، فما نزا موسى فأصاب عرق عوج، سقط موضع التقوير من الصخرة في عنق عوج فسقط ميتاً.
وقوله: {يَتِيهُونَ} أي: يحارون. وقوله: {فَلاَ تَأْسَ} خطاب لموسى. وقيل: لمحمد عليهما السلام. والتمام عند الأخفش وأبي حاتم ونافع ويعقوب: {مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} على أن نصب " الأربعين " بـ {يَتِيهُونَ}. " قال أبو العالية: كانوا ست مائة ألف، سماهم الله " فاسقين " بهذه
27
المعصية ". قوله: {واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابنيءَادَمَ بالحق} الآية. المعنى: أن الله تعالى أمر نبيه A أن يتلو (خبر ابني) آدم على اليهود الذين ذكر قصتهم فيما تقدم، فيخبرهم عاقبة الظلم ونكث العهد، وما جزاء المطيع منهما وما آل إليه أمر العاصي منهما. وابنا آدم هما: هابيل وقابيل، أمرهما الله D أن يقربا قرباناً، وكان أحدهما صاحب غنم وكان له حمل يحبه - ولم يكن له مال أحبَّ إليه منه - فقربه وقبله الله منه، وهو الذي فدى به إبراهيم A، ( لم يزل يرتع في الجنة حتى فدى به الذبيح، وقرب الآخر شرَّ حرثه - وكان صاحب حرث - / فلم يتقبل منه، قال ابن عمر: وَأَيْمُ الله، لقد كان المقتول أشدَّ الرجلين، ولكن منعه التحرّج أن يبسط يده إلى أخيه. قال ابن عباس: كان قَبول القربان أن تأتي نار فتأكل المُتَقبَّل وتترك الذي لم
يُتقبَّل - ولم يكن في الوقت مسكين يُتصدَّق عليه، فحسد الذي لم يُتقبَّل منه المُتقبَّل منه، فقال: {لأَقْتُلَنَّكَ}، قال له أخوه: وما ذنبي؟، {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين}. قال مجاهد: لما قتله عقل الله إحدى رجليه بساقها إلى يوم القيامة، وجعل وجهه إلى الشمس، حيث ما دارت [دار] عليه حظيرة من ثلج في الشتاء، وفي الصيف حظيرة من نار، معه سبعة أملاك، كلما ذهب ملك جاء آخر. وقابيل هو القاتل لهابيل - فيما ذكر المفسرون -، وقابيل هو الأكبر. وذكر ابن مسعود عن ناس من أصحاب رسول الله A أن آدم كان يولد له غلام وجارية، فإذا ولد له بطنان، زوج أخت هذا لهذا وأخت هذا لهذا، وإن قابيل كان له أخت حسنة أحسن من أخت هابيل، فأبى أن يزوجها لهابيل، وقال: أنا أحق بها، فأمره آدم أن يزوّجها منه فأبى، وإنهما قَرَّبا قُرباناً إلى الله: أيّهما أحق بالجارية، وكان آدم قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها، وكان قد قال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، فأَبَت، وقال للأرض، فأبت، وقال للجبال فأبت، وقال لقابيل فقال: نعم،
فاذهب تجد أهلك كما يسرك. فلما قرّبا قرباناً، قرّب هابيل جَذَعَة سمينة، وقرّب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة فَفَرَكَها وأكلها، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، وقد كان قابيل يفخر بأنه الأكبر وأنه وصيُّ آدم، فغضب قابيل وقال: لأقتلنّك حتى لا تنكح أختي. قال الحسن: كانا رجلين من بني إسرائيل ولم يكونا ابني آدم لصلبه. وقيل: إنهما لما امتنع قابيل أن يزوج أخته لهابيل، غضب آدم وقال: اذهبا فتحاكما إلى الله وقرِّبا قرباناً، فأيّكما قُبِل قربانُه فهو أحق بها، فقرَّبا القربان بمنى - فمِن ثَمَّ صار مذبحُ الناس اليوم بمنىً - فنزلت نار فأحرقت قربان هابيل، ولم تأكل قربان قابيل، فقتله قابيل بحجر: رضخ رأسه (به)، واحتمل أخته حتى
أتى بها وادياً من أودية اليمن - في شرقي عدن - (فكَمَن) فيه، وبلغ آدمَ الخبرُ فأتى فوجد هابيل قتيلاً. قال ابن جريج: لم يدر كيف يقتله، يلوي برقبته ويأخذ برأسه، فنزل إبليس فأخذ طيراً، فوضع رأسه على صخرة ثم أخذ حجراً، فرضخ به رأسه (وقابيل ينظر ففعل [ذلك] بأخيه فرضخ رأسه). ومكث آدم مائة سنة حزيناً لا يضحك، ثم أُتِيَ (فقيل له) (حيّاك الله) وبيّاك. معنى " بيّاك ": أضحكك. وروي عن علي أنه [قال]: بكاه آدم وقال: تغيَّرتِ الْبِلادُ ومَنْ عَليْها ... فَوَجْهُ الأَرضِ مُغْبَرٌّ قَبيحُ
تَغيَّر كلُّ ذي طَعْمٍ وَلَوْنٍ ... وقَلَّ بَشاشَةَ الْوجْهُ المُليحُ. " بشاشَةَ ": نصب على التفسير، لكن حذف التنوين لالتقاء الساكنين. ومن الناس من يرويه بخفض " الوجهِ المليحِ " على أنه [مُقْوٍ]. / و {المتقين} - هنا -: " الذين اتقوا الله وخافوه ". وقيل: هم من اتقى الشرك، قاله الضحاك وغيره. وروي أن الذي قرّب هابيلُ كان كبشاً سميناً من خيار غنمه، وأن الله تعالى
28
أدخل ذلك الكبش الجنة، فلم يزل حتى فدي به ولد إبراهيم. قوله: {لَئِن بَسَطتَ (إِلَيَّ) يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي} الآية. أخبر الله - في هذه الآية - بتحرّج المقتول عن القتل، وقال ابن عمر: وأيْمُ الله - إنْ كان المقتول لأشدَّ الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط إلى أخيه يده. قال مجاهد وغيره: كان فرض الله عليهم ألا يمتنعوا ممن أراد قتلهم. {إني أَخَافُ (الله) رَبَّ العالمين} أي: أخافه إن خالفت أمره فمددت يدي إليك. قوله: {إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي} الآية. ومعنى إرادته لأن يبوأ أخوهُ بإثمه: أن المؤمن يريد الثواب ولا ينبسط إليه،
فصار في كف يده - عمن يقتله - بمنزلة من يريده، فهو مجاز على هذا، وهو قول المبرد. وقيل: هو حقيقة، لأنه لمّا قال {لأَقْتُلَكَ}، استوجب النار بما تقدم في علم الله D أنه سيفعل، فعلى المؤمن أن يريد ما أراد الله. وقال ابن كيسان: إنما وقعت الإدارة بعدما بسط يده بالقتل. وقيل: المعنى: بإثم قتلي إن قتلتني. وقيل: المعنى: إذا قتلتني أردت ذلك " لك "، لأنه إرادة الله للقاتل.
ومعنى {بِإِثْمِي} أي: بإثم قتلي، ومعنى {وَإِثْمِكَ} (أي وإثمك) الذي من أجله لم يُتقبّل منك، وهو قول مجاهد. وقيل: معناه: بإثم قتلي وإثم اعتدائك عليَّ، لأنه يأثم في الاعتداء وإنْ لم يقتل. وقيل: المعنى: {بِإِثْمِي} الذي كان يلحقني لو بسطتُ يدي إليك، وإثمك في تحمّلك قتلي. وعن ابن عباس: بإثم قتلي وإثم معاصيك المتقدمة لك. وقال إبراهيم بن عرفة: (أراده عن) غير محبة ولا شهوة، لأنّه لمّا لم يكن بُدٌّ من أن يكون قاتلاً أو مقتولاً، اختار - عن ضرورة وعن غير محبة لذلك - أن يُقتل، كما تقول للرجل - يحاول ظلمك -: " أريد أن أَفدي نفسي منك " وأنت لا تحب ذلك ولكن الضرورة ألجأتك إلى هذه الإرادة.
30
(و) قوله: {وَذَلِكَ جَزَآءُ الظالمين} قيل: هو (من) قول المقتول. وقيل: هو إخبار من الله لنا. وهذا يدل على أن الله D قد كان أمر آدم ونهاه وولده " ووعدهم " وأوعدهم. وقال النبي A: " ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمَاً إِلاّ على ابنِ آدَمَ الأولِ كِفلٌ منها، ذلك بأنه أوَلُ مَن سَنَّ القتل ". ومعنى {تَبُوءَ} أي: تحمل وتلزم وتنصرف به. قوله: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} الآية. معنى " طوّعت ": أجابته إلى ذلك وانقادت (له إلى ذلك ففعل). وقيل: معناه: زَيَّنَت. وذلك أنه وجده نائماً فشدخ رأسه بصخرة: وذلك أن
31
الغلام فَرَّ منه فطلبه فوجده نائماً عند غنم له يرعاها فشدخ رأسه. وذكر (. . .) ابن جريج أن إبليس علّمه ذلك. قوله: {فَبَعَثَ الله غُرَاباً} الآية. قرأ الحسن: (أَعَجِزَتْ) بكسر الجيم، وهي لغة شاذة، إنما يقال: " عَجِزَت المَرْأةُ ": إذا كبِرت عجيزتها. ومعنى الآية: أن القاتل لم يدر ما يصنع به. قال ابن عباس: فمكث يحمل أخاه في خِوان على رقبته سنة، فبعث الله غرابين، فرآهما يبحثان. فقال: أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي؟. / وقيل: بعث الله غراباً حياً إلى غراب ميت، فجعل الحي يواري الميت فتعلم منه ابن آدم. وقيل: بعث الله غرابين أخوين فاقتتلا قدّامه، فقتل أحدهما الآخر،
فأقبل القاتل يواري المقتول فتعلم ابن آدمَ القاتلُ منه، فوارى أخاه. وقال مجاهد: كان يحمله على عاتقه مائة سنة لا يدري ما يصنع به حتى رأى الغراب يدفن الغراب، فقال: {يَاوَيْلَتَا} أعجَزت أن {أَكُونَ} أفعل مثل ما فعل هذا؟. وهذا كله مَثَلٌ ضربه الله لابن آدم وحرصه في الدنيا. ومعنى {مِنَ النادمين} أي: من النادمين على قتل أخيه. قال نافع: {مِنْ أَجْلِ ذلك} التمام، وخالفه في ذلك جماعة العلماء باللغة، وقالوا التمام {مِنَ النادمين}، لأن الذي كُتب على بني إسرائيل إنما كان من أجل قتل ابْْنَي آدم: أحدهما الآخر. وإذا وقف على {مِنْ أَجْلِ ذلك}، صار إنما كُتب عليهم لغير علة،
32
وليس التفسير على ذلك. قوله: {مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بني إِسْرَائِيلَ} الآية. قرأ الحسن: {أَوْ فَسَادٍ} بالنصب، على معنى: أو تحمل فساداً، ويجوز أن يكون مصدراً على معنى: أو أفسد فساداً. و [قراءة] الجماعة بالخفض على معنى: أو بغير فساد في الأرض. ومعنى الآية: من أجل هذا القتل كتبنا - أي: [حكمنا]- على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً ظلماً - لم تَقْتُل نفساً - أو قتلها بغير فساد كان منها في الأرض، وفسادُها: إخافة السبل. وقوله: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}. قال ابن عباس: معناه من قتل نبياً أو إماماً عدلاً فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أعان نبياً أو إمامَ عدلٍ فنصره من القتل، فكأنما أحيا الناس جميعاً. وقيل المعنى: من قتل نفساً بغير ذنب فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها - أي: ترك قتلها مخافة الله
- فكأنما أحيا الناس جميعاً. وقيل المعنى: فكأنما قتل الناس عند المقتول، ومن استنقذ نفساً من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ. وقيل: المعنى: أن صاحب القتل يَصْلى النار، فهو بمنزلة من قتل الناس جميعاً، ومَن سَلِم مِن قتلها فكأنما سلم من قتل الناس جميعاً. وقال مجاهد: معناه أنه يصير إلى جهنم بقتل نفس كما يصير إليها بقتل جميع الناس. وقيل: المعنى (أنّ) من قتل نفساً، يجب عليه من القصاص والقَوْد كما يجب على من قتل الناس جميعاً، قال ذلك ابن زيد عن أبيه. وقيل: معنى {مَنْ أَحْيَاهَا}: مَن عفا عمن يجب عليه القصاص، فهو مثل من عفا عن جميع الناس لو وجب (له عليهم قصاص). قال ابن زيد أيضاً: {مَنْ أَحْيَاهَا}: من عفا عنها، أعطاه الله من الأجر مثل لو عفا
عن الناس جميعاً. وعن مجاهد: من أحياها من غرق أو حرق أو هلكة. قال الحسن: وأعظم إحيائها: إحياؤها من كفرها وضلالتها. وقيل: المعنى يُعذَّب - كما يعذب قاتل الناس جميعاً - من قتل نفساً، ويُؤجَر من أحيا نفساً - أي: استنقذها - كما يؤجر من أحيا الناس جميعاً. وقيل: المعنى هو: في الجرأة على الله والإقدام على خلافه كمن قتل الناس جميعاً، تشبيهاً لا تحقيقاً، لأن عامل السيئة لا يجزي إلا بمثلها. وقوله / {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ} هذا يُعْطَى من الأجر مثل ما يعطى من أحيا الناس جميعاً، لأن الحسنات تضاعف ولا تضاعَفُ السيئات، فهذه حقيقة والأول على التشبيه لا على الحقيقة.
33
قوله: {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا} الآية؛ أي: جاءت بني إسرائيلَ الرسلُ بالحجج الواضحة البيّنة، {إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذلك فِي الأرض لَمُسْرِفُونَ} أي: بعد مجيء الرسل بالآيات البيّنات {لَمُسْرِفُونَ} أي: " لعاملون بمعاصي الله ". قوله: {إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ} الآية. معنى الآية: أنها بيان من الله عن حكم المفسد في الأرض. والقطع من خلاف: أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى. ونزلت هذه الآية في قوم من أهل الكتاب نقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، وقطعوا السبل، فخيّر الله D نبيّه A بالحكم فيهم، قاله ابن عباس (وغيره، قال ابن عباس): خيّر الله نبيه، إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يصلب وإن شاء أن يقطع من خلاف. (و) قال الحسن: نزلت هذه الآية في المشركين.
وقيل: نزلت في قوم - من عُكْل وعُرَيْنة - ارتدوا عن الإسلام (وحاربوا رسول الله A، قاله أنس وغيره، إنهم ارتدوا " واسْتَاقُوا المواشي وقتلوا الرِّعاء، فقطع النبي أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا. وقال بعض العلماء: إن هذه الآية ناسخة لما فعل النبي بالعُرَنيين إذ مثَّل بهم، فلم يعد النبي A إلى المثلة. وقيل: بل فعل ذلك النبي بوحي وإلهام لقوله:
34
{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى} [النجم: 3]. والسَّمْلُ: فَقْءِ العينِ بحديدة أو بشوكة. وقوله: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض}: قيل: يخرجون من ديار الإسلام إلى دار الحرب، وهو مذهب الشافعي. وقال مالك: ينفى من البلد الذي أحدث فيه ذلك إلى غيره. وقال الكوفيون: النفي - هنا - الحبس، لأنه لا يمكن أن ينفى من الأرض كلها لو تركنا والظاهر. قوله: {إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} الآية. أي: إلا الذين تابوا من محاربتهم وشركهم والسعي في الأرض بالفساد من قبل أن تملكوهم، فإن الله يغفر لهم، أي: يستر عليهم ما تقدم من فعلهم ويرحمهم.
35
وهذه الآية - عند جماعة - إنما في المشركين - وأما الرجل المسلم فليس يحرزُه من الحد إذا قتل أو أفسد الأموال توبته. وقيل: هي للمؤمنين وغيرهم إذا استأمنوا أو تابوا أو أمَّنَهُم الإمام، فليس لأحد أن يطلبهم بدم ولا بغيره، قاله السدي وغيره. وقال مالك: لا يطلب بشيء إذا جاء تائباً - المؤمن ولا غيره - إلا أن يكون معه مال يُعرف فيأخذه صاحبه أو تقوم على المسلم بينة بالقتل فيقاد منه، ولا يتبعه الإمام بشيء من الدماء التي لم يطلبها أولياؤها. وقال الشافعي: تضع توبتُه عنه حقوق الله ولا يَسقط عنه بها حقوقُ بني آدم. وقيل: إنما تضع التوبة الحقوق عمن لحق - في حرابته - بدار الكفر ثم أتى تابئاً، وأما من لم يلحق بدار الكفر، فالحقوق كلها لازمة له - تاب أو لم يتب -. قوله: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ} الآية.
36
المعنى: خافوه فيما أمركم / به واطلبوا إليه القربة. والوسيلة: القربة. وقيل: هي المحبة. وقيل: الوسيلة درجة في الجنة. {بِسمِ الله الرحمن الرَّحِيمِ}، قوله: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض} الآية. (و) معناها: أن الذين كفروا بمحمد A وبما جاء به، وماتوا على ذلك، لو ملكوا - يوم القيامة - ما في الأرض كلها وضِعْفَهُ معه، لرضوا أن يفتدوا به من العذاب وليس يُتَقبّل منهم ذلك ولا ينفعهم. وهذا إعلام من الله D لليهود والنصارى ومشركي قريش أنهم لا بد لهم من الخلود في النار، وأن قولهم {لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} [البقرة: 80] باطل كذب. (ثم) أخبر تعالى أنهم يريدون أن يخرجوا من النار بعد دخولها وأنهم ليسوا
38
بخارجين منها وأنهم في عذاب مقيم، (أي دائم) أبداً. قال نافع بن الأزرق لابن عباس: تزعم أن قوماً يخرجون من النار (و) قد قال الله D: { وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا}، فقال له ابن عباس: ويحك، اقرأ ما فوقها، هذا للكفار. قال الحسن: (كلما رفعتهم) بلهبها حتى يصيروا إلى أعلاها، أعيدوا فيها. قوله: {والسارق والسارقة} الآية. قال سيبويه: أبت العامة إلا الرفع، يريد بالعامة الجماعة من الرواة والقراء، والاختيار عنده النصب، لأن الأمر بالفعل أولى، فهو عنده مثل " زيداً فاضربه "،
وخولف في ذلك فقال الكوفيون: الرفع أولى، لأنك لا تقصد إلى سارق بعينه، وإنما المعنى: كل من سرق فاقطعوا يده، ولذلك أجمعوا على أن [قرأوا]: {واللذان يَأْتِيَانِهَا} [النساء: 16] بالرفع، وهو مذهب المبرد. وقال: {أَيْدِيَهُمَا} بالجمع ليفرق بين ما في الإنسان منه واحد وما فيه اثنان، هذا قول الخليل. وقال الكوفيون: أكثر ما في الإنسان - من الجوارح - اثنان " اثنان " مثل اليدين والرجلين والقدمين والأذنين، فلما جرى أكثره على هذا، ذُهِب بالواحد منهم - إذا أضيف إلى آخر - مذهب الجمع. وقيل: فعل ذلك، لأن التثنية جمع. وقيل: لأنه لا يُشْكل.
وأجاز سيبويه جمع غير هذا مما (ليس) في الإنسان في حال التثنية وحكى (" وَضَعا رِحالَهما): يريد رَحْلَيْ راحِلَتَيْن. وقرأ ابن مسعود " والسّارق والسّارقَةَ " بالنصب، وبه قرأ عيسى بن عمر. {جَزَآءً} مفعول من أجله، ويكون مصدراً، ومثله {نَكَالاً}. وقرأ ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما). والألف واللام في {السارق والسارقة} دخلتا لتعريف النوع ك { BR الزانية والزاني} [النور: 2]،
و [ليستا] لتعريف الجنس، إنما يكونان لتعريف الجنس فيما لزمته الألف واللام (من أجل جنسه: كالرجل والدينار والدرهم، وما لزمه الألف واللام) لأجل فِعله، فهو تعريف النوع كالسارق والزاني وشبهه، وهذا يزول عنه هذا الاسم بزوال فعله، والأول لا يزول عنه أبداً. ومعنى الآية: من سرق من رجل أو امرأة فاقطعوا أيديهما. وعنى بذلك سارق ثلاثة [دراهم]، أو ربع دينار أو (ما قيمته) ربع دينار، أو ثلاثة [دراهم] فصاعداً، هكذا بيَّنَته السنة.
ولا يقطع السارق حتى يسرق من حرز وما أشبه الحرز، وهو قول أهل المدينة: مالك وأصحابه. وقد قطع النبي A في مجن / قيمته ثلاثة دراهم، وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعائشة Bهم. وروي أن علياً قطع في ربع دينار: درهمان ونصف. وروي عن ابن مسعود أن القطع في دينار أو عشرة دراهم فصاعداً، لا فيما دون ذلك. وقال عطاء: لا تقطع يد السارق فيما دون عشرة دراهم.
وقال النخعي: تقطع يد السارق في دينار أو في قيمته. وروي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن اليد تقطع في أربعة [دراهم] فصاعداً، لا فيما دون ذلك. وقد أوجب قوم القطع على كل من سرق وإن قَلَّ ذلك، على ظاهر الكتاب. ولا قطع على السارق حتى يُخرج المتاع من حرزه أو ما يشبه الحرز، وهو قول الشعبي والزهري وعطاء، وروي ذلك عن عثمان وابن عمر، وهو قول مالك
والشافعي وغيرهما. ولو نقب بيننا فأدخل يَدَه وأخذ متاعاً فرمى به إلى الخارج ثم خرج فأخذه، فعليه - في ذلك - القطع عند مالك وغيره، لأنه قد أخذه من حرزه - وهو الحائط -، ولو ناوَلَهُ آخرَ خارجاً من البيت، كان القطع على الداخل ولم يُقطع الخارج. ولو دخل جماعة بيتاً وأخذوا متاعاً وحملوه على أحدهم وخرجوا به، فقال ابن القاسم عن مالك: لا يقطع إلا مَن حمله، وقال ابن أبي أويس (عنه): يقطعون جميعاً. ولا قطع على من سرق باب دار أو باب مسجد، لأنه ظاهر لا حرز عليه.
وإذا سرق من بيت الحمام - ومع المتاع من يُحرزه - قطع عند مالك، فإن لم يكن مع المتاع من يحرزه لم يقطع. وإذا سرق رجلان شيئاً - لو سرقه أحدهما وجب عليه القطع - قُطِعَا جميعاً عند مالك، كالرجلين يَقتُلان رجلاً، فإنهما يُقتَلان به. وقال الشافعي: لا قطع على أحدهما حتى يكون في حظ كل واحد منهما ما فيه القطع. وإذا سرق من رجلين أربعة [دراهم] فصاعداً، قطع عند مالك. وإذا سرق سارق ما يجب فيه القطع ثم سرقه منه آخر، فعليهما القطع عند مالك وغيره، ولو كانوا سبعين قطعوا. وقيل: لا قطع على الثاني.
ولو كان لرجل على رجل مائة دينار دَيْناً فسرق الذي له الدّيْنُ من مال الذي عليه الدّيْن مائة درهم، فإنه يقطع عند مالك. فإذا سرق السارق ثم رد ما سرق ورفع إلى الإمام بعد ذلك، قطع في قول مالك وإن عفا عنه صاحب المتاع. وقيل: إنّه لا يقطع إذا عفا عنه صاحب المتاع. ويقطع عند مالك [في الفواكه] إذا كان فيها قيمة ما تقطع عليه اليد. وقيل: لا قطع في ذلك. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " لا قَطْعَ في ثَمَرٍ وَلا كَثَرٍ " " والكَثَرُ: الجُمَّار ". ومن سرق مصحفاً قطع عند مالك والشافعي. ولا قطع على مختلس أو خائن عند جماعة العلماء.
وأوجب مالك وغيره القطع على الطرّار الذي يَطُرُّ النفقة من الكم. وقيل: إن كانت الصُرَّةُ داخل الكم قطع، وإن كانت خارجاً لم يقطع. وعلى الولد إن سرق من مال والده القطع، وهو قول مالك. وقيل: لا قطع عليه. وكلهم لم يوجبوا على الوالدين قطعاً إذا سرقا [من] مال ولدهما. فأما [ذوو] المحارم فقال الشافعي: يقطعون. / وقال غيره: لا
يقطعون. وكذلك اختلف في الزوجين، فقال مالك: يقطع كل واحد منهما إذا سرق مال الآخر. وقال غيره: لا قطع على واحد منهما. وإذا سرق السارق قطعت يده اليمنى، ثم إن سرق قطعت رجله اليسرى، (ثم إن سرق قطعت يده اليسرى)، ثم إن سرق قطعت رجله اليمنى، ثم إن سرق عُزر وحُبس، هذا قول مالك والشافعي وغيرهما. وقيل: تقطع [أولاً] اليمنى ثم يده اليسرى، ثم إن سرق حبس. وقيل: تقطع يده اليمنى ثم رجله ثم لا قطع عليه، قاله الزهري وغيره.
وإذا كانت يمنى السارق شلاء قطعت يسراه عند مالك. وقيل: تقطع الشلاء. وذكر ابن القاسم أن مالكاً لم يجبه فيها بشيء، قال: ثم بلغني أنه قال: تقطع اليسرى. وقال غير ابن القاسم عن مالك: تقطع رجله، لأن يَدَهُ الشّلاء كالمقطوعة. وإذا أمر الحاكم بقطع يمينه (فقطعت يساره) أجزأ. وقال مالك: إذا كان السارق مريضاً يُخاف عليه لم يُقطع حتى يبرأ.
و (العبد والحر) في (جميع) ذلك سواء عند مالك. ولا يُحَدّ إلا بالغ، والإنبات في حد البلوغ عند جماعة من العلماء، وحد البلوغ - عند مالك - الاحتلام أو يبلغ من السن ما لا يجاوزه غلام (إلا احتلم). وأجاز جماعة من العلماء أن يُشفع في الحدود ما لم يبلغ السلطان، روي ذلك ابن عباس والزبير بن العوام، وهو مذهب الأوزاعي وابن حنبل. وروي عن ابن عمر وغيره كراهة ذلك، وقال ابن عمر: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد صاد الله في حكمه.
39
وقال مالك: من لم يُعرف منه أذى للمسلمين (و) إنما كانت منه (تلك) زلة، فلا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام أو الشُّرَط أو الحرس. ومعنى {نَكَالاً مِّنَ الله} أي: مكافأة بفعلهما، {والله عَزِيزٌ} أي: عزيز في انتقامه من السارق وغيره (و) من أهل معصيته، {حَكِيمٌ} في فرائضه وحدوده. قوله: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ} الآية. المعنى: فمن تاب من هؤلاء السراق من بعد سرقته وأصلح، {فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ} أي: يرجعه إلى ما يحب ويرضى عن ما يسخطه، {إِنَّ الله غَفُورٌ (رَّحِيمٌ)} أي: ساتر على من تاب رحيم بعباده الراجعين إليه.
40
فتوبة الكافر عن كفره تدرأ عنه الحد، لأن ذلك أدْعى إلى الدخول في الإسلام. وتوبة المسلم عن السرق والزنى لا تدرأ عنه الحد، لأن ذلك أعظمُ لأجره في الآخرة وأمنع بِمَن هَمَّ أن يفعل مثل ذلك، وقال مجاهد: توبة السارق في هذا الموضع إقامة الحد عليه. " وروي أن النبي A ( أمر بقطع) امرأة سرقت حلياً فقالت المرأة: هل من توبة؟، فقال لها رسول الله: أنتِ اليومَ مِن خَطيئَتِك كيومَ ولَدَتْكِ أمّك "، فأنزل الله: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ} الآية. قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض} الآية. هذا خطاب للنبي A والمراد به من كان بالمدينة وحواليها من اليهود، والمعنى: ألم يعلم هؤلاء القائلون: {لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} [البقرة: 80] الذين يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه أن الله مدبر ما في السماوات وما في الأرض وأنه يعذب من يشاء / ويغفر لمن يشاء قادر على ذلك لا يمتنع عليه. قوله {يا أيها الرسول لاَ يَحْزُنكَ} الآية.
هذه الآية نزلت في أبي لبابة قال: " لبني قريظة - حين حاصرهم النبي A -: إنما هو الذبح فلا تنزِلوا على حكم سعد ". وقيل: (إنّه) إنما أشار إليهم بيده إلى حلقه يريد أنه الذبح إن نزَلتم على حكم سعد. وقيل: " إنها " نزلت في عبد الله بن صوريا ارتد بعد إسلامه، وأُمِر النبي ألاّ يَحزن عليه: وقال أبو هريرة: إن أحبار اليهود اجتمعوا في أمر رجل (زنى بامرأة) وهما محصنان، فقالوا: امضوا بنا إلى محمد فَسَلوه كيف الحكم فيهما: فإنْ حَكَم بعملكم من التحميم - وهو الجَلد بحبل من ليف مطلي بِقارٍ - ثم
يُسَوَّد وجهه ثم يُحمل على حمار ويُحوَّل وجهه ما يلي دُبُر الحمار، وكذلك يُفعل بالمرأة، فاتَّبِعوه وصدِّقوه، فإنه ملك، وإن (هو) حكَم بالرجم فاحْذَروه على ما في أيديكم. فأتوا النبي، فمشى النبي عليه السلام حتى أتى أحبارهم (فقال لهم): أَخرِجوا إليَّ أعلمَكم، فأخرَجوا ابنَ صوريا الأعور - وكان أحدثَهم سنّاً - فخلا به النبي A وقال: يا ابن صوريا أُذكِّرك أيادِيَ الله عند بني إسرائيل، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه في التوراة بالرجم؟، فقال: اللهم نعم، أما واللهِ يا أبا القاسم إنهم ليعلمون أنك نبي مرسل، ولكنهم يحسدونك! فخرج (رسول الله) فأمر بهما في جماعة - عند باب مسجده - فرُجما، ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، فأنزل الله: {يا أيها الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر} الآية. وقال البراء: مُرَّ (على) النبي بيهودي مُحمَّمٍ مجلودٍ، فدعا النبي رجلاً
من علمائهم فقال: [هكذا] تجدون حد الزاني فيكم؟ قال: نعم، قال: فأُنشِدك بالذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني ما حَدّثتك، ولكن كثر الزنى في أشرافنا، فكنّا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا نجتمع فنضع شيئاً مكان الرجم فيكون على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال النبي A: ( اللهم) أنا أول من أحيا أمرك إذ أماتوه!، فأمر به فرجم، فأنزل الله {لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر} الآية. وذكر ابن حبيب أن اليهود أنكرت أن يكون الرجم في التوراة فرضاً عليهم، فقال لهم النبي A: مَن أعلَمُكم يا معشر يهود؟ قالوا: ابن صوريا - وهو
غلام منهم أمرد أبيض أعور - فدعاه (رسول الله)، [فقال " له "]: أنت أعلم يهود؟، قال: كذلك يزعمون، قال له رسول الله: فماذا تجدون (في الرجم) في كتاب الله الذي أنزله على موسى؟ قال: يا محمد إنهم يفضحون الشريف ويرجمون الدني، وجعل [يَرُوغ] عما في كتابهم، فنزل جبريل عليه السلام على (رسول الله) A فقال له: اِسْتَحْلِفْه بما آمرك به، فإن حلف وكذب، احترق بين يديك وأنت تنظر، فقال له رسول الله - وهو الذي أمره به جبريل -: أُنشِدك الله الذي لا إله إلا هو القوي، إلَه بني إسرائيل الذي [أخرجكم] من مصر وفرق لكم البحر - وأحلفه بأشياء كثيرة - هل تجد في التوراة آية الرجم (على) المحصن؟، قال: نعم، والله يا محمد لو قلتُ غير هذا لاحترقتُ بين يديك
وأنت تنظر. وقال ابن جريج ومجاهد: " هم " {سَمَّاعُونَ / لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ - آخَرِينَ} - هم اليهود -. والمعنى: لا يحزنك تسرع (من تسرع منهم إلى الكفر، لأنهم آمنوا بألسنتهم ولم (يؤمنوا بقلوبهم). {وَمِنَ الذين هَادُواْ} أي: ولا يحزنك تسرع) الذين هادوا إلى جحود نبوتك، ثم وصفهم فقال: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} أي: هم سماعون للكذب، وهو قَبولهم ما قال لهم أحبارُهم من الكذب: أن حكم الزاني المحصن - في التوراة - التحميم - والجلد، وهو صفة لليهود خاصة، ثم أخبر أنهم سماعون لقوم آخرين لم يأتوا النبي، وهم أهل الزاني والزانية، بعثوا إلى النبي يسألونه عن الحكم ولم يأتوا النبي.
وقيل: إن السماعين يهود فَدَكٍ، و " القوم الآخرين " - الذين لم يأتوا النبي - يهود المدينة. وقيل: المعنى سماعون من أجل الكذب، أي: يستمعون منك يا محمد ليكذبوا عليك. {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} أي: يستمعون منك ليُبَلغوا ما سمعوا قوماً آخرين، فهُمْ عليك عُيون لأولئك الغيب. {يُحَرِّفُونَ الكلم}: أي يغيرون حكم الله الذي أنزله في التوراة في حكم المحصنين من الزناة، ومعنى: {يُحَرِّفُونَ الكلم} أي: حكم الكلم، {مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} أي: من بعد وَضعِ الله ذلك مواضِعَه، فأحلّ حلاله وحرّم حرامه، مثل {ولكن البر مَنْ آمَنَ بالله} [البقرة: 177]. {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ} أي: (إن حكم) بهذا الحكم المحرف (فاقبلوه،
يقول ذلك أحبار اليهود لهم في أمر الزانيين، [يقولون]: إن حكم محمد بينكم بهذا الحكم المحرف) - وهو التحميم والجلد - فخذوه، {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فاحذروا} أي: وإن لم يحكم بينكم به فاحذروه ولا تؤمنوا به. وقال السدي: يهود فدك يقولون ليهود المدينة: إن أوتيتم هذا فخذوه - وهو الجلد - وإن لم تؤتوه فاحذروا - وهو الرجم -. وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما حكَّموا النبي A في اللَّذَيْن زنيا، دعا رسول الله بالتوراة وجلس حبر منهم يتلوها - وقد وضع يده على آية الرجم - فضرب عبد الله بن سلام يد الحبر ثم قال: هذه - يا نبي الله - آية الرجم يأبى أن يتلوها عليك، فقال لهم النبي عليه السلام: يا معشر يهود، ما دعاكم إلى ترك حكم الله وهو
بأيديكم؟ فقالوا: أما إنه قد كان فيما نعمل به حتى زنى منا رجل بعد إحصانه من بيوت الملوك وأهل الشرف، فمنعه الملك من الرجم، ثم زنى رجل بعده فقالوا: لا والله لا نرجمه حتى يرجم فلان، (فلما فعلوا ذلك، اجتمعوا فأصلحوا أمرهم على التحميم وأماتوا ذكر الرجم)، فقال النبي: فأنا أول من أحيا أمر الله، ثم أمر بهما ورجما عند باب المسجد، قال ابن عمر: فكنت ممن رجمهما. وقال قتادة: الآية نزلت في قتيل من بني قريظة، قتله بنو النضير، وكانت بنو النضير إذا قتلت قتيلاً وَدَت الدية - لا غير - لفضلهم، وإذا قُتل لهم قتيل لم يرضوا إلا بالقَود تَعزُّراً، فأرادت النضير أن ترفع أمر القتيل - الذي قتلوه -
إلى النبي، فقال لهم رجل من المنافقين: إن قتيلكم هذا قتيلُ عمد، متى رفعتموه إلى محمد خَشِيتُ عليكم القَوَد، فإن قُبلت منكم الدّية فأعطوها، وإلا فكونوا منه على حذر. وقوله: {وَمَن يُرِدِ / الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً}: هو تسلية للنبي عليه السلام ألا يحزن على مسارعة من سارع إلى الكفر من المنافقين واليهود، وفتنته: ضلالته. {فَلَن تَمْلِكَ (لَه (ُ مِنَ الله شَيْئاً}: لا اهتداء له أبداً. {أولئك الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} أي: بالإسلام " في الدنيا ". {لَهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ} أي: ذل وصغار وأداء الجزية عن يد، {لَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ}. وزعمت المعتزلة والقدرية أن الله لم يرد كفر أحد من خلقه، وأراد أن يكون جميع الخلق مؤمنين، فكان ما لم يرد ولم يكن ما أراد - تعالى عن ذلك -، وقد قال
(الله): {لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} وقال: {وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى} [الأنعام: 35] وقال: {وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253]، وقال: {وَلَوْ شَآءَ [رَبُّكَ] مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112] وقال: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ولكن حَقَّ القول مِنِّي [لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ]} [السجدة: 13]. وقال: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله} [الإنسان: 30]، وقال: {وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً}، وقال: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ [مَن] فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً} [يونس: 99]، وقال: {أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً} [الرعد: 31]، وقال: {وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ولكن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} [النحل: 93]، وفي كتاب الله من هذا ما لا يحصى، يخبر تعالى في جميعه أنه أراد جميع ما كان وما يكون، وأن جميع الحوادث كانت عن
إرادته ومشيئته، وأنه لو شاء لأحدثها على خلاف ما حدثت فيجعل الناس كلَّهم مؤمنين. فعَندت المعتزلة عليها لعنة الله عن ذلك وخالفته، وقالت: حدث كفر الكافر على غير إرادة من الله، وعلى إرادة من الشيطان، وقد أجمع المسلمون على قولهم: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وقالت المعتزلة: يكون ما لا يشاء الله، وهو كفر الكافر، معاندةً لإجماع الأمة، وقد حصلت المعتزلة في قولها على أنه ليس لله - تعالى ذكره - على إبليس مزيَةٌ، لأن إبليس شاء [ألا] يؤمن أحد فآمن المؤمنون، فكان خلاف ما شاء، وشاء الله - عندهم - ألا يكفر أحد فكفر الكافرون، فكان خلاف ما شاء، فلا فرق بينهما على قولهم الملاعين، تعالى ربنا عما قالت المعتزلة علواً كبيراً، بل كان عن مشيئته، كان يفعل (ما) يشاء: يوفق من يشاء فيؤمن، ويخذل من يشاء فيكفر، لا معقب لحكمه ولا رادّ لمشيئته، وخلق من شاء للسعادة فوفقه
42
لعملها، وخلق من شاء للشقاء وخذله عن العمل بغير عمل أهل الشقاء، " كل مُيَسَّر لِما خُلِقَ لَهُ "، هذا هو الصراط المستقيم، أعاذنا الله من الزيغ عن الحق. قوله: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآءُوكَ} الآية. السحت: فيه لغتان: إسكان الحاء وضمها. وروى خارجة عن نافع: " السَّحْت " بفتح السين وإسكان الحاء، جعله
مصدر: " سحته سحتاً ". ومعنى الآية: أن الله زاد في وصف من تقدم وصفه من اليهود أنهم {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ}، فذكر أيضاً أنهم {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} على التأكيد. ويجوز أن يكون الأول معناه: أنهم يسمعون " مِن " قول مَن يقول لهم: " محمد ليس بنبي "، ويقول لهم: " ليس على المحصن رجم إذا زنى / "، ويكون الثاني معناه: أنهم يستمعون إليك ليكذبوا عليك - وقد قيل ذلك في معنى الأول، وقد ذكرته -. ثم وصفهم تعالى بأنهم: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} وهو الرّشا في الحكم. قال قتادة والحسن: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} هم حكام اليهود، يسمعون الكذب ويقبلون الرشا. والسحت - في اللغة -: كل حرام يسحت الطاعات أي: يذهبها، يقال: سحته: إذا أذهبه قليلاً قليلاً، ويقال للحالق: " اِسْحَتْ " أي: استأصل. وقيل: السحت: الرشا في الأحكام، وأكل ثمن الخمر، وأكل ثمن الميتة، وثمن
جلدها الذي لم يُدْبَغ، وأكل ما نهى النبي عن أكله من كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. وأدخل قوم في السحت أكل (أموال الناس) بالباطل. وقوله: {فَإِن جَآءُوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ} معناه: فإن جاءك قوم المرأة - الذين ذكر أنهم لم يأتوا بَعْدُ -، فاحكم بينهم إن شئت بالحق، وإن شئت فأعرض عنهم، أي: دع الحكم بينهم إن شئت. وقيل: نزلت في الدية في بني النضير وقريظة، كانت دية النضيري كاملة، ودية القرظي نصف دية لشرف [النضيري]، فتحاكموا إلى النبي A، فأمره الله أن يحكم بينهم بالحق، ثم خيّره في الترك، قاله ابن عباس. (و) قال ابن زيد: كان في حكم حيي بن أخطب للنضيري ديتان،
43
وللقرظي دية، فلما علمت [قريظة] بحكم النبي قالوا: لا نرضى إلا بحكم محمد، فخيّر الله نبيه A في الحكم بينهم. قال: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التوراة فِيهَا حُكْمُ الله} الآية. وهو الرجم على المحصن إذا زنى. (و) قوله: {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذلك} هو ما غيَّروا من حكم الرجم المنصوص في التوراة، وجَعلُهم عوضه التحميمَ والضربَ بحبل لِيف مفتول أربعين ضربة استحرافاً منهم [لحكم] لم يؤمروا به، والحاكم مخير إذا تحاكم إليه أهل الكتاب بهذه الآية، إن شاء حكم بالحق على مذهبه، وإن شاء لم يحكم، وهو مذهب الشعبي والنخعي وعطاء وعمرو بن شعيب، وهو قول مالك، فهي محكمة على قول هؤلاء.
وقيل: إن الآية منسوخة بقوله {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} الآية، وذلك أن النبي صلى الله عليه لما قدم المدينة - واليهود بها كثير - كان الأدعى لهم والأصلح أن يردوا إلى أحكامهم، فقال {أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} فأباح له ترك الحكم بينهم، فلما قوي الإسلام أنزل [الله] {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله} [المائدة: 49]. قال ابن عباس: نسخت من سورة المائدة آيتان: القلائد وقوله: {فَإِن جَآءُوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}، وهو قول عكرمة، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، وهو المشهور عن الشافعي، وهو قول الكوفيين. وكل العلماء أجاز للإمام أن ينظر بينهم إذا تحاكموا إليه، وإنما اختلفوا في الإعراض عنهم.
44
وقوله: {وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً} أي: إن أعرضت عنهم - فلم تحكم بينهم - فإنهم لا يضرونك. {وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُمْ بالقسط} أي: إن اخترت أن تحكم بينهم، فاحكم بالعدل، إن الله يحب العادلين في حكمه. قوله: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ} الآية. المعنى: وكيف يحكمك هؤلاء اليهود ويرضون بحكمك {وَعِنْدَهُمُ التوراة فِيهَا [حُكْمُ الله]} أن على الزاني المحصن الرجم، والنفس بالنفس، {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ} عن حكمها، أي: يتركون حكم التوراة جرأة على الله، وهذا تقريع لليهود، لأنهم تركوا حكم ما في أيديهم من كتابهم، ورجعوا إلى حكم النبي عليه السلام وهم يجحدون نبوته، ثم قال {وَمَآ أولئك بالمؤمنين} أي: (ما) من فعل هذا بمؤمن. قوله: {إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} الآية. المعنى: أن الله أنزل التوراة فيها هدى لما سألوا عنه من حكم الزانيين المحصنين،
وفيها (نور: أي) جلاء مما أظلم عليهم من الحكم. وقيل: المعنى {فِيهَا هُدًى} أي: بيان أمر النبي، {وَنُورٌ} أي: بيان ما سألوا عنه. ومعنى قوله {النبيون الذين أَسْلَمُواْ} أي: الذين سلموا لما في التوراة من أحكام الله، فلم يتعقبوا بالسؤال عنه، وليس الإسلام - هنا - ضد الكفر، لأن النبي لا يكون إلا مسلماً مؤمناً، وإنما الإسلام هنا: الانقياد والتسليم، ومثله قول إبراهيم: {واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} [البقرة: 128] أراد مسلمين لأمرك، منقادين لحكمك بالنية والعمل، وكذلك قوله {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين} [البقرة: 131] أي: سلمت لأمره. ومعنى {لِلَّذِينَ هَادُواْ} أي: يحكم بالتوراة النبيون والربانيون والأحبار {لِلَّذِينَ هَادُواْ}، أي: عليهم، فاللام بمعنى " على "، كما قال النبي A لعائشة:
" اشترطي لهم الولاء أي: عليهم، ولم يأمرها بأن تشترط الولاء لهم، وهو لا يجوز، (فلا يأمرها بفعل ما لا يجوز)، وإنما أمرها بفعل ما يجوز، وهو أن يكون الولاء لها، فلما اشترطوا الولاء لأنفسهم قال A: ما بال قوم يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله ". وقيل: المعنى: للذين هادوا (و) عليهم، أي: يحكمون لهم (و) عليهم، ثم حذف لدلالة الكلام عليه. وقيل: المعنى: فيها هدى ونور للذين هادوا، يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون والأحبار. (و) عني بالنبيين - هنا - محمد A ومن قبله، قاله السدي وقتادة و [غيرهما].
وروي (أن) النبي A قال - لما نزلت هذه الآية -: " نحن - اليوم - نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان ". والأحبار: [العلماء] [الحكماء]، واحدهم حَبْرٌ، وقيل: حِبْرٌ. وسموا أحباراً، لأنهم يحبرون الشيء، فهو في صدورهم مُحَبّرٌ. وسمي الحبر - الذي يكتب به - حبراً، لأنه يحبر به، أي: يكتب به. وقال الفراء: التقدير فيه: مداد حِبْرٍ، (لأن العالم يقال له " حِبْر " فإذا [قلت: " هذا] حِبْرٌ " للمداد، فالمعنى: مداد حِبْرٍ)، أي: مداد عالم، ثم تحذف مثل {وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82]. وقال الأصمعي: (إنما سمي) الحبر - الذي هو المداد - حِبْراً لتأثيره، يقال:
" على [أسنانه] حبرَةٌ " أي: صُفْرَةٌ أو سَوَادٌ. {والربانيون والأحبار}: القراء والفقهاء. وقيل: الفقهاء والعلماء. و " قال ابن زيد: الربانيون ": الولاة، والأحبار: العلماء ". والرَّبَّاني - عند أهل اللغة -: رب العلم، أي: صاحبه، والألف والنون للمبالغة. وقيل: معنى {لِلَّذِينَ هَادُواْ}: للذين تابوا من الكفر، أي: يحكم هؤلاء بما في التوراة للذين " تابوا " من الكفر. وقوله: {بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله} أي: يحكمون بما استودعوا من كتاب الله، والباء متعلقة بالأحبار، والمعنى: يحكم بها النبيون والربانيون والأحبار، أي: والعلماء / بما استودعوا من كتاب الله، {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} أي: وكان النبيون
والربانيون والأحبار شهداء أنهم قضوا عليهم بكتاب الله، وقال ابن عباس: الشهداء - هنا - الربانيون والأحبار شهداء أن الذي قضى [به] محمد A حق في أمر الزانيين المحصنين وقد أخبرنا الله أنهم استحفظوا كتابهم، وأعلمنا أنهم بدلوا وغيّروا، وأعلمنا تعالى أنه يحفظ علينا ما أنزله من القرآن فقال {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] فغير جائز أن يبدل أحد أو يغير ما حفظه الله علينا، فنحن أمة محمد عليه السلام برآء من التبديل والتغيير لشيء من كتاب الله، إذ الله تولى حفظه علينا، ولم يسلم أهل التوراة من ذلك، إذ الله استحفظهم عليه فخانوا، ولم يحفظه هو. وقوله {فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشون} هذا خطاب للربانيين والأحبار، أمرهم ألا يخشوا الناس في تنفيذ حكمه وإمضائه على ما في كتابه، وأن يخشوه في ذلك، قاله السدي وغيره. وقوله {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} أي: لا تأخذوا [الرّشى] في الأحكام، فإنه
عِوَضٌ خسيس وثمن قليل. {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله} أي: من كتم حكم الله الذي أنزله في كتابه في الزانيين المحصنين وغيرهما من دية القتيل، {فأولئك هُمُ الكافرون} أي: الساترون الحق. وهذه في كفار أهل الكتاب. وقيل: هي في المشركين. وقيل: المعنى ومن لم يحكم بما أنزل الله مستحلاً له، فأولئك هم الكافرون. وقال بعد ذلك: {هُمُ الظالمون}. وقال بعد ذلك: {هُمُ الفاسقون}. فقيل: إن الأوصاف الثلاثة لمن غير حكم الله [ومن جميع الخلق.
45
وقيل: هي لليهود المغيرين حكم الله]. وقيل: الوصف الأول لليهود، والثاني والثالث للمسلمين. وقيل: نزل {الكافرون} في المسلمين إذا غيّروا حكم الله، و {الظالمون} في اليهود، و {الفاسقون} في النصارى. وهو ظاهِرُ النص. قوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس [بالنفس]} الآية. قرأ الكسائي برفع (العين) وما بعده، واحتج له بإجماعهم (على الرفع) في {والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]، وقوله {والله وَلِيُّ المتقين} [الجاثية: 19]، فرفع [ما] بعد (أنّ)
فيهما على القطع، فكذلك (العين) وما بعدها. وقيل: هو معطوف على موضع {النفس (بالنفس)}. وقيل: هو معطوف على المضمر الذي في [النفس]. وقال بعض العلماء: من نصب جعله كله مكتوباً في التوراة، من رفع جعل {والعين بالعين} وما بعده ابتداء حكم في المسلمين، وجعل {النفس بالنفس} هو المكتوب في التوراة دون ما بعده. والرفع [قراءة] النبي عليه السلام فيما روي عنه. ومن نصب {والجروح} عطفه على ما قبله، وأعمل فيه {أَنَّ}، و {قِصَاصٌ}
الخبر. ومن رفع قطعه مما قبله، [واختير قطعه مما قبله] لمخالفة خبره خبر ما قبله، ولمخالفة حكمه حكم ما قبله، ولمخالفة إعراب خبره (إعراب) خبر ما قبله، فلما خالف ما قبله، من هذه الوجوه قوي القطع، فرُفع على الابتداء. والمعنى: وكتبنا على هولاء اليهود الذين يحكمونك - وعندهم التوراة - في التوراة أن يحكموا بالنفس [في النفس] والعين " بالعين " وما بعده. قال ابن عباس: لم يجعل الله لبني إسرائيل دية، إنما هو النفس بالنفس أو العفو. فهذا استوى فيه أحرار المسلمين: الرجال والنساء فيما بينهم في النفس، وفيما دون النفس / إذا كان عمداً، ويستوي فيه العبيد: رجالهم ونساؤهم فيما بينهم إذا كان عمداً في النفس، وفيما دون النّفس.
والقصاص من العين هو ظاهر النص، وبه علي بن أبي طالب والشعبي والنخعي والحسن ومالك والشافعي وغيرهم و [قراءة] الرفع توجب ذلك، لأنه حكم مستأنف للمسلمين، وليس بحكاية عما في التوراة. والنصب إنما هو حكاية عما في التوراة، فيجوز ألا يكون (حكماً لنا). ويكون القصاص في الأنفس عندنا من قوله تعالى: [{الحر بِالْحُرِّ} الآية، ويجوز أن يكون (حكماً لنا) أيضاً بنص آخر وهو]: {العبد بالعبد}، فيكون هذا بيان أن ذلك حكم لنا. وأحسن ما روي في صفة الاقتصاص من العين ما فعل " علي " بن أبي طالب: وهو أنه أمر بِمِرْآةٍ فَأحْمِيَتْ، ثم وضع على العين الأخرى قُطناً، ثم أخذ المِرآة
بكلبتين. فأدناهما من عينه حتى سال إنسانُ عينه. وإذا ضرب رجل عين رجل فأذهب بعض بصره وبقي بعض، فالحكم فيها - على ما فعل علي بن أبي طالب -: أن تُعْصَب عينُه الصحيحة، ويعطى رَجُلٌ بيضة ويذهب " بها "، فحيث ما انتهى بصر المضروب عُلِّمَ، [ثم يرجع فيغطّي] عينه، وتكشف الأخرى، ثم يذهب الرجل بالبيضة فحيث ما انتهى بصر المضروب علم]، ثم يحوّل المضروب فيفعل به من ناحية أخرى في عينيه جميعاً مثل ذلك، ويكال الموضعان فإذا استويا نظر ما بين امتداد نظر الصحيحة والسقيمة، فيعطي من مال الضارب بقسطه، وبذلك قال مالك والشافعي.
ولو فقأ أَعْورُ عين صحيح: فقيل: لا قود عليه، وعليه الدية. روي ذلك عن عمر وعثمان. وقيل عليه القصاص، وهو قول علي بن أبي طالب، وبه قال الشافعي. وقال مالك: إن شاء فقأ عينه، وإن شاء أخذ دية عين أعْوَر كاملة. وإذا أُوْعِبَ جَدْعُ الأنفِ، ففيه الدية، وهو قول سائر العلماء. ولو كسره
عمداً لكان فيه القود عند مالك، وإذا كسره خطأ - فبرأ على غير عثم - فلا شيء فيه عند مالك، وإن برأ على عَثْمٍ، ففيه اجتهاد الإمام. وكذلك قال: (ابن) القاسم إن خَرّم أنفه: وإذا قطع من أصله - أو من العظم - ففيه الدية كاملة عند مالك -. وإذا أفسد الخياشيم فانكسرت حتى " لا " يتنفس، ففيها الاجتهاد. وأما السن: فجاء من الخبر من أنه أقاد من السن، وأنه قال: (و) في السن
خمس من الإبل. وظاهر النص " القصاص ". ورُوي عن علي بن أبي طالب وابن عباس في السن بخمس من الإبل أي: سن كانت، وبه قال عروة بن الزبير والزهري وقتادة ومالك والشافعي والثوري وغيرهم. وروي عن عمر أنه حكم فيما أقبل من الفم - الثنايا والرباعيات والأنياب - بخمس فرائض في كل سن. كل فريضة: عشرة دنانير، فذلك خمسون ديناراً في كل سن.
وقضى في الأضراس (ببعير بعير)، وقضى معاوية في الضرس بخمس فرائض. فالدية تزيد إذا أصيب الفم كله عند معاوية، وتنقص عند عمر. وإذا اسودت السن من ضربة أو جناية، فقد تم عقلها عند مالك وغيره، لأن جمالها قد ذهب، فإن طرحت بعد ذلك، كان فيها عقلها، لأن منفعتها قد ذهبت. وروي عن عمر أنها إذا اسودت ففيها ثلث ديتها. وقيل: فيها حكومة إذا اسودت، وبه قال الشافعي. (وإن) قلعت سن الصبي، فنبتت، فلا شيء فيها، إلا أن تنبت ناقصة
الطول (عن ما) هو مثلها، / فيؤخذ من الجاني بقدر ما نقصت، هذا مذهب مالك والشافعي وغيرهما. وقال مالك: لأولياء الصبي أن يضعوا عقلها، فإن نبتت ردوها على أهلها. وقيل: في ذلك حكومة. وإذا أخذ الكبير دية سنه ثم نبتت، فلا يرد ما أخذ عند مالك، لأنه أخذه بحق. وقال أصحاب الرأي: يرد ما أخذ. واختلف في ذلك قول الشافعي. ولو جنى عليها آخر فسقطت، أخذ صاحبها إرشها تاماً.
ولو قلعت سن قوداً ثم أخذها صاحبها فردها فالتحمت، فلا شيء عليه عند ابن المسيب، وهو قول عطاء، وقال: ليس له أن يردها ثانية، وإن ردها، أعاد كل صلاة صلاها وهي عليه، ويَجْبُره السلطان على قلعها مرة أخرى. وكذلك قول الثوري وغيره: تقلع ثانية، لأن القصص للشَّيْن، فلا بد من قلعها. وقال مالك في قصاص الأسنان: " الثنية بالثنية "، والرباعية بالرباعية والسفلى بالسفلى. ولا [تقاد] سن إلا بمثلها في موضعها، فإن لم يكن له مثل الذي طرح، رجع ذلك إلى العقل.
ولو قلعت سن رجل فداواها وردها [فالتحمت]، فلا شيء فيها على الجاني عند مالك إذا عادت كهيئتها. وقال الشافعي: لا يسقط عن الجاني شيء مما وجب عليه. وفي السن الزائدة إذا قلعت - عند مالك - حكومة، وهو قول الثوري والشافعي. وقال زيد بن ثابت: فيها ثلث السن. فإن كسر بعضها أعطى صاحبها بحساب ما نقص منها، وهو قول الجماعة. [وأما] الأذنان: فإذا ذهب سمعهما ففيهما الدية، فإن قطعتا ولم يذهب
السمع ففيهما الاجتهاد، هذا قول مالك. فإن ضرب رجل رجلاً فادعى المضروب أن سمعه ذهب، اغتفل المضروب وصيح به، فإن أجاب جواب من يسمع، لم يقبل قوله، وإن لم يجب، أحلف بالله: لقد صممت وما وجدت الصمم إلا منذ ضربت، فإذا حلف أعطي عقله كاملاً. وفي اللسان الدية. فإن قطع بعضه، نظر ما نقص من مخارج الحروف من ثمانية وعشرين حرفاً، فيكون على الفاعل - من الدية - بمقدار ما ذهب من كلامه. وليس في اللسان قود عند مالك، وروي عنه أنه قال: فيه القود إن كان
يستطاع القود منه. وفي لسان الأخرس حكومة عند مالك والشافعي وأهل العراق وغيرهم. وقال النخعي: فيه الدية كاملة، وقال قتادة: فيه ثلثا الدية. وفي ذهاب الصوت الدية عند جماعة من الفقهاء، وقيل: فيه حكم. وفي كل اثنين من الإنسان الدية كاملة: في الأذنين والشفتين واليدين والرجلين ونحو ذلك. وعن زيد بن ثابت أن في الشفة السفلى ثلثي الدية، وفي العليا الثلث، وهو
قول ابن المسيب والزهري. وفي اللحية حكومة عند ابن القاسم. وقال غيره: إن أنبتت فلا شيء فيها، وإن لم تنبت ففيها الدية. وفي نتف الحاجبين وأشفار العينين حكومة عند مالك " وإن لم تنبت ". والأصابع إذا زالت من الكف ففيها عقل اليد. وفي اليد من المنكب دية اليد لا غير. وما كان من ذلك خطأ، حملته العاقلة، وما كان عمداً ففيه القصاص. / وإذا شلت اليد أو الرجل فقد تم (عقلها)، فإن كان الضرب: عمداً، ضرب الضارب مثل ما ضرب.
/ وإذا شلت [الأصابع] تمت ديتها، فإن قطعت الشلاء (أو) [الأصبع] الأشل، فإنما في ذلك حكومة في مال الجاني. ومن قطع يد رجل - ناقصة منها أصبع - قطعت يده ولا يسأل عن نقص [الأصبع]، أي: أصبع كانت. فإن كانت اليد تنقص أصبعين أو ثلاثة، لم يقطع يد الجاني، ولكن عليه العقل في ماله. ومن قطع (من) يد رجل أصبعين وما يليهما من الكف (في ضربة) واحدة، وجب عليه خمساً دية الكف. ومن قطع كفاً لا أصابع فيها، ففيها حكومة. ومن قطع يمين رجل - ولا يمين له -، فعليه العقل مثل عقل العمد - إذا قُبلت
- من ماله. ومن أصيب أصبعه خطأً، أو ذهبت بأمر من الله، ثم قطع كفه خطأ، فإنما له أربعة أخماس الدية على العاقلة. وكذلك إذا ذهبت الأنملة، ثم قطع الكف، إنما له حساب ما بقي. وفي الظفر الاجتهاد إذا برأ على عثم، وإن كان عمداً ففيه القصاص. وروي عن النبي A أنه " جعل في الأصابع عشراً عشراً ". وأصابع اليد والرجل سواء، لا فضل لبعضها على بعض.
وروي عن عمر أنه قضى في الإبهام بثلاثة عشر، وفي التي تليها باثني عشر، وفي الوسطى بعشرة، وفي التي تليها بتسعة، وفي الخنصر بست. والأشهَر أنها سواء (عشر عشر) لكل واحدة. وفي كل أنملة ثلث دية الأصبع إلا الإبهام ففيها الثلثان، في كل أنملة نصف دية [الأصبع]. وروي عن مالك أنه قال: في الإبهام ثلاثة أنامل: الثالثة مع الكف، ففي كل واحدة ثلث دية الأصبع كسائر الأصابع. وروي عنه أنه قال: الإبهام مفصلان: في كل مفصل نصف دية أصبع، وفي
الثالثة التي تلي الكف حكومة، بمنزلة باقي الكف إذا قطعت بعد الأصابع. وعن عمر أنه جعل في اليد الشلاء والرجل الشلاء ثلث ديتها. وقال ابن شهاب: فيها نصف ديتها، ومثله الأصبع الأشل، وقال الشافعي: فيها حكومة. وفي الذّكَر الديةُ كاملة عند جميع العلماء، وهو مروي عن النبي A. وفرق قتادة: فجعل في الذي لا يأتي النساء ثلث الدية، وفي الذي يأتي الدية. وفي الحشفة: الدية كاملة عند مالك إذا قطعت خطأ، وهو قول الشافعي وغيره.
وفي الذّكَر الديةُ كاملة عند جميع العلماء، وهو مروي عن النبي A. وفرق قتادة: فجعل في الذي لا يأتي النساء ثلث الدية، وفي الذي يأتي الدية. وفي الحشفة: الدية كاملة عند مالك إذا قطعت خطأ، وهو قول الشافعي وغيره. فإن قطع القضيب بعد الحشفة ففيه اجتهاد عند مالك، وينتظر به حتى ينظر ما يحدث عليه من قطعه. فإن قطع من طرف الحشفة، قيس مقداره فيما بقي وكان بحساب ذلك، ولا يقاس ما بقي القضيب، لأن في الحشفة الدية كاملة.
وفي الأنثيين - في خطأ - الدية كاملة، وفي العمد القصاص. وفي بيضة واحدة نصف الدية. وقال سعيد بن المسيب: في اليسرى ثلثا الدية، لأن الولد منها، وفي اليمنى الثلث. وإن قُطع ذكر رجل وأنثياه، ففي ذلك ديتان، وكذلك إن قطعا في وقتين، ففي كل واحد الدية. وفي ذكر الخَصِيّ حكومة عند مالك، وفي الدية " كاملة " عند الشافعي. وقال قتادة: فيه ثلث الدية.
وفي كسر العظام إذا [كسرت] القصاص عند مالك: الساق بالساق، ولا قصاص فيما فوقه، ولا في كسر ظهر ولا فخذ. ويجتهد الإمام في اللطمة عند مالك. و " قد " قيل: / فيها القصاص. وفي الموضحة - وهي الضربة التي توضح العظم - خمس من الإبل. وهي تكون في الرأس والوجه قال مالك: إنْ كانت التي في الوجه تَشِينهُ، زِيدَ على الجاني بقَدْر شَيْنِها. وليس موضحة البدن مثل موضحة الرأس والوجه. ولا يعجل
بأخذ الدية من صاحب الموضحة حتى ينظر (إلى) ما يصير إليه أمرُها، فإن مات منها كان في ذلك قسامة. وقال مالك: يقاد من العمد، ولا يعقل جراحات الخطأ إلا بعد البرء، وإن اقتص من الجارح عمداً فبرأ، فإن كان جرحُه مثلَ جُرح المَجروح أوّلاً أو أكثر فلا شيء (عليه) للأول، وإن كان في الأول عثل وبرأ المقتص منه على غير عَثَلٍ، أو على عثل دون عثل الأول، اجتهد الإمام في الحكومة على قدر ما زاد شَيْنُ المجروح الأول.
والموضحة في الوجه - عند مالك - من اللَّحْيِ الأعلى فما فوقه خاصة. و [لا] تكون الموضحة في الأنف عند مالك. وفي الموضحة - في سائر البدن - حكومة عند مالك والشافعي. وروي عن أبي بكر وعمر أن فيها نصف عشر دية ذلك العضو الذي وقعت فيه، وسند ذلك إليهما ضعيف. وفي الهاشمة القودُ عند مالك إلا أن يخاف منها فلا يقتص منها، وفيها
عشر من الإبل. وفي المُنَقّلة خمسَ عشرة من الإبل عند مالك وجماعة العلماء، ولا قود فيها عند مالك والشافعي وغيرهما. والمُنَقِّلَة: (التي ينقل منها) العظام. وفي المأمومة - وهي التي تصل إلى أم الدماغ - ثلث الدية، وهو قول مالك
وجماعة العلماء، ولا قود فيها عند مالك وأكثر العلماء. والشجاج - التي دون الموضحة - ست: أولها: الدامية: وهي التي تَدْمَى ولا يسيل دمها. ثم الدامعة: وهي التي يسيل دمها. ثم الخارصة: وهي التي تَحرِص الجلد (أي) تشقه قليلاً، ومنه قيل: حَرَصَ الثوبَ القَصَّارُ: إذا شَقّهُ.
ثم الباضعة: وهي التي تشق الجلد وبعض اللحم. ثم المتلاحمة: وهي التي أخذت في اللحم أكثر من الباضعة. ثم السمحاق: وهي التي لم يبق بينها وبين العظم إلا قشرة " رقيقة " وكل قشرة رقيقة فهي سمحاقة، ويسميها أهل المدينة: المِلْطاة، وفي جميع ذلك - عند مالك والشافعي وغيرهما - حكومة. وقد حد غيرهم في كل نوع حدا: قضى زيد بن ثابت (ببعير في الدامية)، وفي الدامعة بنصف بعير، وفي الباضعة ببعيرين، وفي المتلاحمة بثلاثة أبعرة، وفي
السمحاق بأربعة أبعرة. وروي عن علي في السمحاق مثل ذلك، وروي أن فيها نصف دية الموضحة، وروى مالك أن عمر وعثمان قضيا في [الملطاء]. وفي السمحاق بنصف الموضحة، وكان يرى فيها حكومة كسائرها. ورأى مالك: القصاص فيما دون الموضحة، مما ذكرنا إذا كان عمداً.
وفي الْجَائِفَة ثلث الدية، قضى به رسول الله A، وبه قال مالك وغيره. ولا فرق بين العمد والخطأ في الجائفة. وفي الجائفة [النافذة] ثلثا الدية. وفي ثدي المرأة نصف الدية، وفيهما جميعاً الدية كاملة، هذا مذهب الجميع. وفي الحُلْمة - إذا انقطع لبَنُها - نصف الدية عند مالك. وفي ثدي الرجل حكومة عند مالك. وعن زيد بن ثابت أن فيها ثمن
الدية. وقال الزهري: خمس من الإبل. وقوله: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ} أي: من تصدق بجرحه، هدم عنه ذنوبه مثل ما تصدق به، [قاله] جابر بن زيد. وروى الشعبي عن / رجل من الأنصار قال: سئل النبي عليه السلام عن قوله تعالى {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} قال: هو الرجل تُكسَرُ سِنُّه، أو يُجْرح في جَسَدِه فَيَعْفو عنه فَيُحَط من خَطاياه بقَدْر ما عفا: إن كان نصف الدّية فنصفُ خَطاياهُ، وإن كان ثُلثُ الدية فَثُلُث خَطاياهُ، وإن كان رُبُع الدية فَرُبُع خطاياه، وإن كانت الدية كلها فخطاياه كلها. وقال قتادة: " {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} يقول: لولي القتيل الذي عفا ". فالهاء المجروح،
أو لولي القتيل. وقيل: الهاء للجارح، والمعنى: إن تَصَدَّق المجروح على الجارح بإِرْش جُرحِه، فالصدقة كفارة للجارح، ليس يبقى عليه ذنب من الجرح. قال زيد بن أسلم: " إِنْ عَفا عنه، أو اقتص منه، أو قَبل منه الدية فهو كفارة له "، أي: للفاعل، وفي هذا القول بُعْدٌ، لأنه لم يَجْرِ ذكر للجارح، وإنما جرى ذِكرُ المجروحِ في (" مَنْ ")، فالهاء تعود عليه أَوْلى، وهو اختيار الطبري، قال: ولأَنّ المعهود أن التكفير إنّما يكون للمتصدِّق دون المتصدَّق عليه. وقيل: الهاء في (بِهِ) لإرش الجرح، وفي (لَهُ) للجارح، أي: مَن تصدق بما وجب له من الإرش والدية {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ}، أي: فذلك الفعلُ كفارةٌ للجارح والقاتل في
46
حُكم الدنيا، و (مَن) اسم للمجروح (أو لولي) المقتول. وقيل: (" مَن ") اسم للقاتل والجارح، والهاء في (به) تعود على القتل أو الجرح، والهاء في (له) تعود على القاتل أي: من تصدق بِبيان أنه هو القاتل وهو الجارح، فذلك الإقرار كفارة للمُقِرّ، لأنه قد أباح نفسه بإقراره لأخذ الحدّ منه، ورفع التُّهم عن الناس: قال مجاهد: إذا أصاب الرجلُ الرجلَ بأمر، ولم يعرف الفاعل، فاعترف الفاعل، وأقرّ، فهو كفارة له، وقد روي أن عروة بن الزبير أصاب عين رجل خطأً عند الركن فقال: أنا عروةُ، فإن كان بعينك [بأس فأنا] بها. قوله: {وَقَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ} الآية. المعنى: و " أَتْبَعْنا عيسى بنَ مريم على آثارِ النبيين الذين أسلموا من قبلك ".
47
{مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة} أي: مصدقاً لما أتى به موسى " قبله ". {وَآتَيْنَاهُ الإنجيل} أي: أعطيناه كتاباً اسمه الإنجيل، {فِيهِ هُدًى} أي: بيانُ ما جهِله الناس من حكم الله في زمانه، {وَنُورٌ} أي: وضياء من عمى الجهالة، {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: وجعلنا الإنجيل مصدقاً لما قبل عيسى من التوراة وغيرها من الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه قبل عيسى، {وَهُدًى} أي: هدى إلى صحة ما أنزل الله على أنبيائه من الكتب، {وَمَوْعِظَةً} أي: [زجراً] لهم عما يكرهه الله إلى ما يحبه من الأعمال، {لِّلْمُتَّقِينَ} أي: للذين خافوا الله واتقوا عقابه. قوله: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَآ أَنزَلَ الله فِيهِ} الآية. مَن كسر اللام ونصب الفعل في {لْيَحْكُمْ}، جعلها لام " كي "، والمعنى:
48
أعطيناه ذلك كي يحكم أهل الإنجيل، فخالفوا حكمه. ومن أسكن اللام، جعلها لام الأمر، والمعنى: وأمرْنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه، فلم يفعلوا ما أُمِروا به. قال ابن زيد: كل شيء في القرآن " فاسق " فهو بمعنى " كاذب " إلا قليلاً، فالفاسقون هنا الكاذبون. قوله: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق} الآية. المعنى: أنه خطابٌ للنبي A، والكتاب - هنا -: القرآن، ومعنى {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: يصدق ما قبله من كتب الله أنها حق من الله، {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} أي: شهيداً على الكتب / أنها حق، وأصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب، يقال للرجل إذا حفظ الشيء وشَهِدَه: " قد هَيْمَنَ، يُهَيْمِنُ هَيْمَنَةً ". قال ابن عباس: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}
أي: شهيداً " عليه، وهو قول السدي. وقال قتادة: مهيمناً: [أي]: أميناً وشاهداً. وقال ابن جبير: {وَمُهَيْمِناً} ([أي] مؤتمناً)، القرآن مُؤتمن على ما قبله من الكتب، وكذلك (روي أيضاً) عن ابن عباس والحسن وعكرمة. وقال عبد الله بن الزبير: المهيمن: القاضي على ما قبله من الكتب. وقال المبرد: الأصل " مُؤَيْمن "، ثم أُبدِل من الهمزة هاء. قال أبو عبيد: يقال: هيمن على الشيء، إذا حفظه.
وقرأ مجاهد وابن محيصن: {وَمُهَيْمِناً} بفتح الميم. قال مجاهد: " محمد عليه السلام مؤتمن على القرآن ". فيكون على قول مجاهد {وَمُهَيْمِناً} حالاً من الكاف في {إِلَيْكَ}. وعلى قول غيره حال من الكتاب، مثل: {مُصَدِّقاً}. والهاء في {عَلَيْهِ} - في قول مجاهد - تعود على الكتاب (الأول الذي هو القرآن. وعلى قول غيره تعود على الكتاب) الثاني الذي هو بمعنى الكتب
المتقدمة التي القرآن يصدقها ويشهد عليها بالصحة أنها من عند الله. وقد طعن قوم في قول مجاهد من أجل الواو التي مع " مهيمن "، لأن الواو توجب عطفه على " مصدق "، و " مصدق " حال من الكتاب الأول، والمعطوف شريك المعطوف عليه، قال: ولو كان حالاً من الكاف التي للنبي A في {إِلَيْكَ}، لم يؤت بالواو، فالواو تمنع من ذلك. ولو تأول متأول أن {مُصَدِّقاً} حال من الكاف في {إِلَيْكَ}، {وَمُهَيْمِناً} عطف عليه، لَبَعُد ذلك، من أجل قوله: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}، ولم يقل " يديك ". وهو جائز على بُعدِه على التشبيه بقوله: {وَجَرَيْنَ بِهِم} [يونس: 22] بعد قوله: {حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك}. فإن تأولته على هذا، كان " مصدق " و " مهيمن " حالين من
الكاف التي هي اسم النبي A، فهو المصدق للكتب المتقدمة، والمؤتمن على الكتاب، وهو القرآن. وقوله: {فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله} أي: إذا أتوك فاحكم بينهم بشرائع الله التي [أنزلها] عليك، {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحق} إذ قالوا: {إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فاحذروا} [المائدة: 41] أي: إن حَكَم بينكُم (في المحصنين) بالتَّحْميم والجَلْدِ بِحَبْل ليف فاقبلوا منه، وإن لم يحكم بذلك فاحذروا أمره ولا تتبعوه، وذلك قول يهود فَدَك ليهود المدينة، فأمر الله نبيَّه ألا يتبع أهواءهم في ذلك، وأن يحكم بما أنزل الله أي: بحدوده. قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً [وَمِنْهَاجاً]} أي: شريعة، {وَمِنْهَاجاً} أي: طريقاً واضحاً.
قال قتادة: معناه أن للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يُحِلُّ الله فيها ما يشاء، ويُحرِّم ما يشاء لِيَعْلَم أهل طاعته، والإخلاصُ واحد، والتوحيدُ واحدٌ لا يختلف، ولا يقبل غيره، وهو الإسلام، فالإسلام دين الأنبياء كلهم وشرائعهم في (الحلال والحرام) والصلاة والصوم وغير ذلك من العبادات مختلِفٌ على ما أراد الله من أمة كل نبي، لِيبلوَ الجميع بما يشاء من أحكامه، فَيَجْزِي الطائعَ ويعاقب العاصي، لا إله إلا هو. وقال مجاهد: معناه: لِكُلِّكُم جعلنا القرآن شِرعةً ومنهاجاً، أي: شرعة وطريقاً واضحاً، عنى بذلك أمة محمد A خاصة، هذا معنى قوله. واختار الطبري القول الأول، وهو أن يكون: لكل أمة جعلنا شريعة
وطريقاً، / واستدل بقوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي يجعلكم (كلكم) - أيها الأُممُ - على شريعة واحدة، قال: ولو عنى بذلك أمة محمد A لم يكن لقوله {لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} فائدة، لأنهم أمة واحدة - أمة محمد - قد فعل بهم ذلك. ويدل على أنه أراد به الأمم (أنه قد جرى) ذكر الكتب التي قبل القرآن، وذكر عيسى وغيره، فرجع الكلام على ذلك. وقال ابن عباس (شرعة ومنهاجاً): سبيلاً وسنة، وكذلك قال الحسن ومجاهد والسدي وقتادة والضحاك: إن الشرعة السبيل، والمنهاج السنة. {وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: على دين واحد وعلى شريعة واحدة. قوله تعالى: {ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم} في الكلام حذف، والمعنى: ولكن جعل شرائعكم مختلفة ليختبركم فيما آتاكم من شرائعه. وهذا خطاب للنبي A،
49
والمراد به النبي ومن معه ومن مضى من الأمم. {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي: فبادروا إلى عملها قبل أن تعجزوا عنها بموت أو هرم أو مرض، فإن (مرجعكم إلى الله)، فيجازيكم بأعمالكم، ويخبر كل فريق بعمله، ويبين المحق من المبطل، (وتنقطع الدعاوى، لأن الأنبياء قد أخبرت بالمحق من المبطل) في الدنيا، ولكن الدعاوى لم تنقطع، ففي الآخرة تنقطع الدعاوى وتقع الحقائق. قوله: {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} الآية. هذا معطوف على {الحق} [المائدة: 48] أي: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق وبأن احكم بينهم. وهذا - عند جماعة - ناسخ للتخيير الذي تقدم في الحكم بينهم، أمره الله
بالحكم بينهم وأن لا يتبع أهواءهم في الأحكام التي قد أحدثوها في القتيل من بني النضير ومن قريظة، وفي التحميم الذي جعلوه على المحصن من عند أنفسهم، حذّره منهم أن يفتنوه عن الحكم الذي أنزل الله فيردوه إلى [حكمهم]. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي: أعرضوا عن الاحتكام إليك والرضا بحكمِك، فاعلم أن ذلك إنما هو من الله ليعجل لهم عقوبة ذنوبهم السالفة في عاجل الدنيا. {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس لَفَاسِقُونَ} يريد به اليهود، إنهم لتاركون العمل بكتاب الله وخارجون من طاعته: ذكر ابن عباس أن بعض علماء اليهود قالوا: امضوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه، فقالوا: قد علمت أننا علماء يهود وأشرافها، وإنا
50
إذا اتَّبعْناك [اتّبَعَنا] يهود، فنؤمن بك كلنا، وبيننا وبين قوم خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن بك ونصدقك. فأبى ذلك النبي A، فأنزل الله: {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ} الآية. قال ابن زيد: معنى {أَن يَفْتِنُوكَ}: أن يقولوا لك كذا وكذا في التوراة بخلاف ما فيها، قد بين الله له ما في التوراة، فقال: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس} [المائدة: 45]، يعني: كتب ذلك في التوراة. قوله: {أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ} الآية. قرأ الحسن وقتادة والأعمش {أَفَحُكْمَ الجاهلية}، والحَكَم والحاكم سواء، والعامل فيهما [(يبغون)]، والحُكْم في الجاهلية: الكاهن.
51
ومن قرأ بالتاء في (تبغون) فمعناه قل لهم يا محمد، أفحكم الجاهلية تبغون، على المخاطبة، ومن قرأ بالياء، فعلى الخبر من الله عنهم. ومعنى (تبغون) تطلبون، وهو خطاب وتوبيخ لهؤلاء اليهود الذين لم يرضوا بحكم رسول الله، ثم وبخهم أيضاً فقال: / {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً} أيها اليهود عند من كان يؤمن بالله، فأي حكم أحسن من حكم الله؟!. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ} الآية. أكثر العلماء على أن المأمور بذلك جميع المؤمنين. وقيل: نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي بن سلول، كان بينهما وبين بني قَيْنُقاع عهد وحلف، فلما حاربت بنو قينقاع النبي عليه السلام، قام دونهم عبد الله بن أبيّ و [حاجّ] عنهم، ومضى
عبادة بن الصامت إلى النبي عليه السلام [وتبرأ] من حلفهم وعهدهم وقال: أنا أتولى الله ورسوله والمؤمنين. وقال الزهري: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من يهود: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر. فقال بعض اليهود: غركم أن أصبتم رهطاً من قريش لاَ عِلْمَ لَهُمْ بالقتال، أما أنّا لو عزمنا عليكم واستجمعنا لم يكن لكم يَدان بقتالنا، فتبرأ عبادة بن الصامت عند رسول الله من أوليائه من يهود، فقال عبد الله ابن أبي: لكن أنا لا أبرأ من ولاء يهود، أنا رجل لا بد لي منهم، فأنزل الله: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى} الآية.
وقيل نزلت في قوم من المؤمنين (هموا - حين) نالَهم بأُحُدٍ ما نالهم - أن يأخذوا من اليهود والنصارى عُصَمَاء، فنهاهم الله D عن ذلك. وقال السدي: لما كانت وقعة بأُحُدٍ، اشتد على قوم ذلك، فقال رجل لصاحبه: [أما أنا] فأَمُرُّ بذلك اليهودي فآخُذُ منه أماناً، فإِنِّى أخاف أن يِدَّال علينا، وقال آخر: أما أنا فألحق بفلان النصراني فآخُذُ منه أماناً، فأنزل الله: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ} الآية.
وقال عكرمة: بعث رسول الله عليه السلام أبا لُبابة - من الأوس - إلى قريظة حين نقضت العهد، فلما أطاعوا له بالنزول أشار إلى حُلقِه: الذَّبح (الذبح)، فأنزل الله الآية فيه. وقيل: نزلت في المنافقين، لأنهم كانوا يخبرون اليهود والنصارى بأسرار المؤمنين ويوالونهم. والاختيار عند الطبري أن يكون نهياً عاماً لجميع المؤمنين. وقوله: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} أي: اليهود بعضهم أنصار بعض، وكذلك النصارى ففيه معنى التحريض للمؤمنين: أن يكون أيضاً بعضهم أولياء بعض. قوله: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} أي: من والاهم فهو منهم، لأنه لا [يواليهم] إلا وهو بدينهم راض، فهو منهم. {إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين} أي: " لا يُوَفِّقَ " من وضع الولاية في غير موضعها، فوالى اليهود والنصارى مع عداوتهم لله ورسوله ".
52
قوله: {فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ [يُسَارِعُونَ فِيهِمْ]} الآية. هذه الآية بيان لما في الآية التي قبلها، والمعنى: ترى قوماً في قلوبهم مرض يسارعون في ولاية اليهود والنصارى، {يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} أي: تكون الدائرة علينا، فيوالون اليهود والنصارى لضُعْفِ إيمانهم. وقيل: يعني بذلك عبد الله بن أبي بن سلول المنافق. وقال مجاهد: كان المنافقون يَصَانِعُونَ اليهود ويَسْتَرْضُونَهم ويستعرضون أولادهم يقولون: نخشى أن تكون الدائرة لليهود، وفيهم نزلت الآية، وكذالك قال قتادة. قال ابن عباس: معنى قولهم: {نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} (أي): نخشى (ألا يدوم) الأمر لمحمد ويغلب علينا المشركون. وقيل: يراد بها عبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه، لأن النبي A لم يزل في طلب بني / قَيْنُقاع حتى أسرهم، ولم يزل عبد الله بن أبي يسأل فيهم حتى خلاهم له وقال:
خذهم لا بارك الله لك فيهم، فماتوا حتى بقي منهم نافخ النار. وقيل: المعنى: نخشى أن يصيبنا قحط فلا يفضلوا علينا، فيوالونهم لذلك. والأول أحسن لقوله: {فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح} أي: بالنصر. (و) قال ابن عباس: فأتى الله بالفتح، فَقُتِلَتْ مُقَاتِلَة قُريظَةَ، وسُبِيَت ذراريهم، وأُجْليَ بنو النضير. ومعنى {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} يخبر بأسماء المنافقين الذين يوالون اليهود والنصارى. {فَيُصْبِحُواْ على مَآ أَسَرُّواْ (في أَنْفُسِهِمْ)}. (من) موالاة اليهود والنصارى {نَادِمِينَ}.
53
وقيل: {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} إيجاب الجزية على اليهود والنصارى. وقيل معنى: {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} بالخصب. ومعنى: (بالفتح): فتح مكة، فيصبحوا نادمين إذا رأوا النصر. وقيل: الفتح: القضاء، ومن قوله: {رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق} [الأعراف: 89]. قوله: {يَقُولُ الذين آمَنُواْ أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله} الآية. من نصب (يقولَ) عطفه على (أن يأتي)، وهو بعيد جداً، لأنك (لو قلت): " عسى زيد أن يقوم ويأتي عمروا " لم يجز، كما لا يجوز: " عسى زيد أن يقوم عمرو ". ولو قلت: " عسى أن يقوم زيد ويأتي عمرو " حَسُنَ، كما يَحسُن " " عسى أن
يقوم عمرو ". فلو كان نص الآية: " فعسى أن يأتي الله بالفتح "، حَسُن العطف، وإنما تجوز الآية على أن تحمل على المعنى، لأن قولك: " عسى أن يأتي الله بالفتح " و " عسى الله أن يأتي بالفتح "، سواء فيجعل النصب على المعنى، ويكون مثل قول الشاعر: مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً ... ومعنى الآية أنها متعلقة بما قبلها، والمعنى: {فَيُصْبِحُواْ على مَآ أَسَرُّواْ في أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} إذا رأوا النصر، {يَقُولُ الذين آمَنُواْ} بعضهم لبعض، تعجّباً منهم ومن نفاقهم: {أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} مؤمنين والمعنى - على [قراءة] من أتى بالواو - مثل ذلك وهو أبين.
54
ومن قرأ بالنصب فمعناه: وعسى أن يقول الذين آمنوا كذا وكذا. وقال مجاهد: المعنى: {فَيُصْبِحُواْ على مَآ أَسَرُّواْ في أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [حينئذ] {يَقُولُ الذين آمَنُواْ أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ} إنهم مؤمنون. قال الكلبي: فجاء الله بالفتح، فأمر الله نبيه بقتل بني قريظة وسبي ذراريهم وإجلاء [بني] النضير، فندم المنافقون حين أُجلِيَ أَهْلُ وَدِّهِمْ، وظهر (نفاقهم)، فعند ذلك قال المؤمنون - بعضهم لبعض - {أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ}. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} الآية.
هذه الآية وَعيدٌ لمن يرتد فيما يُستقبل، لأن الله تعالى قد علم أنه سيرتد بعد وفاة نبيه قوم. وقوله: {فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}: قال الحسن والضحاك وغيرهما: هم أبو بكر الصديق وأصحابه، رَدُّوا من ارتد بعد النبي وقال: لا نؤدي الزكاة إلى [أهل] الإيمان. وقيل: هم أهل اليمن. وقيل هم آل أبي موسى الأشعري، " روي أن النبي A أَوْمَأ إلى أبي موسى الأشعري عند نزول هذه الآية، وقال: هم قوم هذا، وهم أهل اليمن " وعن مجاهد أنه قال: " هم قَوْمُ سَبَإٍ ". وقال السدِّي: هم الأنصار.
وقوله: {أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين} (أي) جانبهم لين للمؤمنين / {أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين} أي: جانبهم خشن على الكافرين. وقيل: (أعزة) بمعنى أشداء عليهم ذوي غلظة. وقال علي بن أبي طالب: أذلة: ذوي رأفة " وأعزة: ذوي عنف. وقال ابن جريج: أذلة: رحماء، أعزة: أعداء. {يُجَاهِدُونَ} أي: يجاهدون من ارتد ولم يؤمن، {وَلاَ يَخَافُونَ} في جهادهم ذلك {لَوْمَةَ لائم}. وهذا مما يدل على صحة خلافة أبي بكر، لأنه جاهد بعد النبي من ارتد لم يرجع لقول قائل، وقد كان كسر عليه جماعة عن قتال أهل الردة فأبى إلا قتلهم، فقاتلهم حتى رجعوا إلى الإسلام وأداء الزكاة، فرأى كل من كسر عليه أولاً
55
أن الذي فعل هو الصواب، Bهم أجمعين. قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ} الآية. هذه الآية راجعة إلى ما تقدم من تحذير الله المؤمنين أن يتخذوا اليهود والنصارى أولياء، فأعلمهم في هذه [الآية] أن الذي هو وليهم الله ورسوله والذين آمنوا. وقيل: نزلت في عبادة بن الصامت حين تبرأ من ولاية يهود. وقال: الكلبي: " بلغنا أن عبد الله بن سلام ورهطاً من مسلمي أهل الكتاب أتوا النبي عند صلاة الظهر، فقالوا: يا رسول الله، بيوتنا قاصية، ولا نجد متحدثاً دون المسجد، وإنَّ قومنا لَمَّا رأونا صَدَّقْنا الله ورسوله وتركنا دينهم، أظهروا لنا العداوة، وأقسموا ألا يخالطونا ولا يجالسونا، فشق ذلك علينا. فبينما هم يشكون ذلك إلى النبي حتى نزلت {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ} الآية، فلما قرأها رسول الله A عليهم
56
قالوا: رضينا بالله ورسوله والمؤمنين أولياء، وأذن بلال بالصلاة، فخرج رسول الله والناس يصلون بين قائم وراكع وساجد، وإذا هو بمسكين يسأل، فدعاه رسول الله A فقال له: هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم، قال: ماذا؟ قال: خاتم من فضة، قال: مَن أعطاكَ؟ قال: ذلك الرجل القائم، فإذا هو عليّ، قال: على أي: حال أعطاك؟ قال: أعطانيه وهو راكعٌ. فزعموا أن رسول الله كبَّر عند ذلك ". قوله: {الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ}، قيل: هو علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع. قال السدي مرَّ به سائل - وهو راكع - فأعطاه خاتمه. وقيل: عنى به جميع المؤمنين. قوله: {وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ} الآية. المعنى: أن الله أعلم أن من [تبرأ] من يهود - الذين هم حزب الشيطان -
57
ووالى الله ورسوله والذين آمنوا، هم حزب الله، {فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون}، والحزب: الأنصار. قوله: {اأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً} الآية. ومعنى الآية: أن الله حذر المؤمنين ألا يتخذوا اليهود والنصارى أولياء، ووصفهم تعالى بأنهم اتخذوا الإسلام هزواً ولعباً، وهم (قد) أوتوا الكتاب من قبلنا، يعني التوراة والإنجيل. و [حذرهم] ألا يتخذوا الكفار أولياء، وهم مشركو قريش. فمن نصب (الكفار) فالمعنى فيه: أنه تعالى نهانا عن اتخاذهم أولياء ولم يخبرنا أنهم اتخذوا ديننا هزواً ولعباً كأهل الكتاب. ومن خفض فمعناه أنه تعالى
58
نهانا عن اتخاذهم أولياء، وأخبرنا أنهم اتخذوا ديننا هزواً ولعباً كما فعل أهل الكتاب. ومعنى اتخاذهم ديننا هزواً ولعباً: / هو إيمانهم: ثم كفرهم وإظهارهم خلاف ما يبطنون أخبر الله عنهم أنهم {وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14]. {واتقوا الله} أي: اتقوه (في اتخاذهم) أولياء، {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: مصدقين بالله. قوله: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاة} الآية. المعنى: أنه إخبار عما يفعل اليهود والنصارى، أنهم كانوا إذا نودي بالصلاة سَخِرُوا ولعِبوا من ذلك، لأنهم قوم لا يعقلون، ما في إجابتهم إليهم لو فعلوا، وما عليهم إذا سخروا من العقاب على ذلك. قال السدي: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع في النداء " أشهد أن
محمداً رسول الله " (قال): " حُرِّقَ الكَاذِبُ " فدخلت خادم - ذات (ليلة من الليالي) - بنار - وهو نائم - فسقطت [شرارة] من النار فأحرقت البيت واحترق هو وأهله. وقال ابن عباس: ضحك قوم من اليهود والمشركون من المسلمين وقت سجودهم فأنزل الله (هذه). الآية. قال الكلبي: كان إذا نادى منادي رسول الله للصلاة، قالت اليهود والمشركون:
59
قد قاموا، لا قاموا، وإذا ركعوا سخروا (و) استهزأوا بهم وضحكوا. قوله: {قُلْ يا أهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ} الآية. المعنى: قل يا محمد لليهود والنصارى: هل [تكرهون] منا وتجدون علينا شيئاً من الأشياء إلا إيماننا بالله وإقرارنا به، وبما أنزل إلينا، وبما أنزل من قبل أي: التوراة والإنجيل وجميع الكتب؟ {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} أي: وهل تنقمون منا إلا أن أكثركم فاسقون؟، كأنه: هل تنقمون إلا إيماننا وفسقكم؟. ومنع بعض العلماء حمل {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ} على {تَنقِمُونَ}، وقال: كيف يجوز " هل تنقمون (منا) إلاَّ فسقكم "، والفسق منهم، فغير جائز أن ينقموا على غيرهم فسقهم، قال: وإنما هو مردود على (بالله) أي: هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وبأن أكثركم
60
فاسقون. وذكر ابن عباس أن ناساً من يهود أتوا النبي A [ فسألوه] عمن يؤمن به من الرسل، فقال: {آمَنَّا بالله وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط وَمَآ أُوتِيَ موسى [وعيسى]}، وما أوتي النبييون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: " لا نؤمن (بمن آمن) به "، فأنزل الله {قُلْ يا أهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ} الآية. قوله: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً} الآية.
{مَن لَّعَنَهُ (الله)} [من]: في موضع رفع، كما قال: {شَرٌّ}: النار. والتقدير فيه هو: لَعْنُ مَن لَعَنَهُ الله ويجوز أن تكون {مَن} في موضع نصب {أُنَبِّئُكُمْ}، ويجوز أن تكون في موضع خفض على البدل من {شَرٌّ}. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا [دينكم] هزواً ولعباً م الذين أوتوا الكتاب والكفار -: هل أنبئكم بشر من ثواب ما تنقمون هو لعن {مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير}، وهم أصحاب السبت من اليهود.
وقرأ حمزة {وَعَبَدَ الطاغوت} بضم الباء وخفض الطاغوت، بإضافة " عبد " إليه، ومعناه: وخَدَمُ الطَّاغُوتِ. {أولئك شَرٌّ مَّكَاناً} أي: شر من هؤلاء الذين نَقَمتُم عليهم لإيمانهم بالله وبما أنزل من قبل، {وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السبيل} أي: أجْوَرُ / عن قصد الحق، وهذا كلام فيه تعريض لليهود الذين نقموا إيمان المؤمنين، فهم [المُعْنيون] بذلك. وقيل: المعنى: أولئك الذين نقموا عليكم - أيها المؤمنين - شرُّ مَكاناً عند الله من الذين لعنهم الله، وجعل منهم القردة والخنازير. وقيل: المعنى أولئك الذين آمنوا شرّ؟ أم مَن لعنه الله؟، (ويعني به المقول) لهم ذلك من اليهود.
61
قوله: {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قالوا آمَنَّا} الآية. المعنى: وإذا جاءكم - أيها المؤمنون - هؤلاء المنافقون من اليهود، قالوا: " آمنا "، وقد دخلوا عليكم بالكفر إذا جاؤكم، وخرجوا به أيضاً كما دخلوا، لم يحولوا عما يعتقدون، وإنما كذبوا بألسنتهم وقالوا ما لا يعتقدون، {والله أَعْلَمُ بِمَا [كَانُواْ] يَكْتُمُونَ} من كفرهم، قال السدي: هؤلاء ناس من المنافقين - كانوا يهود - دخلوا كفاراً (وخرجوا كفاراً)، إذ لم ينتفعوا بما سمعوا. قوله: {وترى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ} الآية. المعنى: ترى يا محمد كثيراً من هؤلاء اليهود يسارعون في الأثم، [أي] في الكفر، والعدوان، وهو مجاوزة حدود الله، فمعنى ذلك أنهم يسارعون في معاصي الله وترك حدوده، ويسارعون في أكلهم السحت، وهو الرشا في الأحكام.
63
{لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [في الكلام معنى القسم، والمعنى: أقسم بالله لبئس ما كانوا يعملون] في مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكلهم السحت. قوله: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الربانيون والأحبار} الآية. المعنى: هلاَّ ينهاهم عن ذلك الربانيون، وهم أئمتهم وعلماؤهم. وقيل: وُلاتهم. (والأحبار) (و) هم الفقهاء والعلماء. {عَن قَوْلِهِمُ الإثم} وهو الكفر. وقيل: {وَأَكْلِهِمُ السحت} وهو الرشوة في الأحكام. {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} أي: لبئس صنيع الربانيين والأحبار إذ لا ينهون عامتهم عن ذلك.
64
وهذه الآية أشد آية وُبِّخ فيها العلماء، قال ابن عباس: ما في القرآن آيةٌ أَشَدُّ توبيخاً من هذه، والمعنى: أقسم [لبئس ما] كانوا يصنعون. وقرأ أبو الجراح (الرِّبِّيُّون) وهم [الجماعات]، مأخوذ من الرِّبَّة، والرِّبَّةُ: الجماعة، ونُسب إليها فقيل: رِبِّيٌّ، ثم جُمع فقيل: رِبِّيُّونَ. قوله: {وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ} الآية. هذه الآية من أدل دليل على صحة نبوة محمد A، إذ أخبرهم بمكنون سرهم وخفي اعتقادهم. ومعنى قولهم {يَدُ الله مَغْلُولَةٌ}: " خير الله مُمسَك " وعطاؤه محبوس عن الاتساع عليهم واليد - هنا - بمنزلة قوله تعالى في تأديب نبيه: {وَلاَ تَجْعَلْ
يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ} [الإسراء: 29] أي: لا تقتر في النفقة حتى تضر بنفسك وبمن معك، {(وَ) لاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط} [الإسراء: 29] أي: لا تسرف في الإنفاق والتبذير، فتبقى لا شيء لك. وإنما خصت اليد بأن جعلت في موضع الإمساك والإنفاق، لأن عطاء الناس وبذلهم مَعْروفهم، الغالب عليه باليد، فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضاً بالكرم أو بالبخل بأن أضافوه إلى اليد التي بها يكون العطاء والإمساك، فخوطبوا بما يتعارفونه في كلامهم، فحكى الله عن اليهود أنهم قالوا {يَدُ الله مَغْلُولَةٌ} أي: أنه يبخل علينا بالعطاء كالذي يده مغلولة عن العطاء، تعالى الله عما قال أعداء الله علواً كبيراً.
وقال بعض المفسرين (في) معنى الآية: نعمة الله مقبوضة عنا. لأنهم كانوا إذا نزل بهم خير، / قالوا: يد الله مبسوطة علينا، وإذا نزل بهم ضيق وجدْبٌ، قالوا: يد الله مقبوضة عنا، أي: نعمته وأفضاله. وقد قيل: في قوله {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}: أنهما مطر السماء ونبات الأرض، لأن النعم (بهما ومنهما) تكون. قوله: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} أي: من الخير، {وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} أي: أبعدوا من رحمة الله D لقولهم ذلك. وقيل: غلت في الآخرة، وهو دعاء عليهم. ثم قال تعالى - راداً لما حكى من قولهم -: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي: بالبذل
والإعطاء، {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} أي: يعطي: فيحرم هذا ويُقَتِّرُ عليه، ويُوسِّع على هذا. قال عكرمة ومجاهد والضحاك: قولهم {يَدُ الله مَغْلُولَةٌ} معناه: أنه بخيل ليس بالجواد. وكذلك معنى قول ابن عباس وغيره. قوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} قيل: معناه: نعمتاه الظاهرة والباطنة على خلقه مبسوطتان. وقيل: معناه: نعمتاه، يعني نعمته في الدينا ونعمته في الآخرة. والعرب تقول: " لفلان عند فلان يد "، أي: نعمة. وقيل: عنى بذلك القوة، كقوله: {أُوْلِي الأيدي والأبصار} [ص: 45] أي: أصحاب القوة والبصائر في الدين. وقد قيل في معنى قولهم: {يَدُ الله مَغْلُولَةٌ} أي: عن عذابنا، [أي يده مقبوضة عن
عذابنا، و] معنى {مَبْسُوطَتَانِ} أي: [مطلقتان]. واليد - عند أهل النظر والسنة في هذا الموضع وما كان مثله - صفة من صفات الله، ليس بجارحة، فعلينا أن نصفه بما وصف به نفسه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، فلا يحل لأحد أن يعتقد الجوارح لله، إذ ليس كمثله شيء، و (أن ما) وقع من ذكر هذا وشبهه، وذكر المجيء والإتيان، صفات لله، لا أنها فيها انتقال وحركة وجارحة، فسبحان من ليس كمثله شيء من جميع الأشياء، فلو أنك أثبت له حركة أو انتقالاً أو جارحة لكنت قد جعلته كبعض الأشياء الموجودة، وقد قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، فاحذر أن يتصور في عقلك أن البارئ جل ذكره يشبه شيئاً من الأشياء التي عقلت وفهمت، ومتى فعلت شيئاً من هذا فقد ألحدت، وأهل السنة يقولون: ان يديه غير نعمته.
وقوله: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} أي: ليزيدنهم ما أطلعناك عليه من خفي اعتقادهم، وسوء مذهبهم، {طُغْيَاناً} عن الإيمان بك، {وَكُفْراً} بما جئت به. {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة} أي: بين اليهود والنصارى. وهو مردود إلى قوله: {لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ} [المائدة: 51]. {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله} أي: كلما أجمعوا أمرهم على شيء شتته الله وأفسده عليهم. قال قتادة: (لن تلقى) يهودياً ببلد إلا وجدته (من) أذل أهل ذلك البلد، ولقد جاء الإسلام - حين (جاء - وهم) تحت أيدي المجوس أبغض خلق الله إليه.
65
وهو كلام تمثيل، وتحقيقه: كلما تجمعوا لتفريق المؤمنين وحربهم، شتتهم الله و [محقهم]. {وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً} أي: يسعون في إبطال الإسلام، والكفر برسوله وآياته، {والله لاَ يُحِبُّ المفسدين} أي: " من كان عاملاً بمعاصيه ". قوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتابءَامَنُواْ واتقوا} الآية. المعنى: لو أن اليهود والنصارى آمنوا بالله و [رسوله]، واتقوا مخالفتهما، {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ [سَيِّئَاتِهِمْ]} أي: لغطينا ذنوبهم وسترنا / عليها. {ولأدخلناهم جنات النعيم} أي: بساتين يتنعمون [فيها] في الآخرة.
66
قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة [والإنجيل]} الآية. أي: لو أن اليهود أقامت التوراة، أي: عملت بما فيها وأقرت بما فيها من صفة النبي ونبوته، ولو أن النصارى أقامت الإنجيل، أي: عملت بما فيه وأقرت بصفة النبي ونبوته التي هي فيه، {وَ [مَآ] أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ} يعني القرآن، أي: وأقاموا ما أنزل إليهم من ربهم، والمعنى في ذلك: التصديق بجميع الكتب. (و) قوله: {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ} أي: من قطر السماء، {وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}: من نبات الأرض. وقيل: معناه التوسعة عليهم في الأرزاق كما يقول القائل: " هو في خير من قرنِهِ إلى قدمه ". {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ}: أي مؤمنة بمحمد. وقيل: مقتصدة في القول في عيسى أنه
67
{رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ}. قال مجاهد: هم مسلمو أهل الكتاب. {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ} أي: عملهم مذموم. قوله: {يا أيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} الآية. والمعنى: أن الله تعالى: أكد على النبي في تبليغ ما أنزل إليه من ربه، لأنه كان يرفق بالناس في أول الإسلام وابتدائه، فأمر بالاجتهاد في التبليغ. وقوله: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} أي: إن تركت آية وكتمتها، لم تبلغ رسالته، قاله ابن عباس. وقيل: المعنى: إن (لم) تبلغ ذلك معلناً، غير مُتَوَقٍّ أمراً، فما
بلغت، وهو مثل قوله {فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94]. وقوله: {والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس} أي: أمره تعالى بالتبليغ، وأخبره بالعصمة من الناس. قال ابن جبير: " لما نزلت {والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس}، قال رسول الله A: لا تحرسوني، فإنّ ربي قد عصمني. وكان ناس من أصحابه يتعقبونه في الليل، فلما نزلت {والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس}، قال: يا أيها " الناس " إِلْحَقُوا بملاحقكم، فإن الله قد عصمني من الناس " وروي " أن النبي كان إذا نزل منزلاً، اختار له أصحابه شجرة يقيل تحتها، فأتاه أعرابي فخرط سيفه ثم قال: من يمنعك مني؟ فقال النبي: الله،
68
فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده، وضرب برأسه الشجرة حتى (انْتَثَرَ) دماغه، فأنزل الله {والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس} " وقيل: " كان " النبي " صلى الله عليه يخاف قريشاًَ، فلما نزلت هذه الآية، استلقى ثم قال: من شاء فَلْيَخْذُلني، مرَّتين أو ثلاثاً ". قوله: {قُلْ يا أهل الكتاب لَسْتُمْ على شَيْءٍ} الآية. المعنى: لستم على دين حتى تصدقوا بما في التوراة من الفروض وصفة محمّد، و [بما] في الإنجيل، وتصدقوا [بما] أنزل إليكم من ربكم، وهو القرآن الكريم. (و) قوله: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} أي: ليزيدنهم ما أطْلَعْتُكَ عليه من أمرهم، {طُغْيَاناً} أي: تجاوزاً في التكذيب، {وَكُفْراً} أي: [وجحوداً
69
لنبوتك] {فَلاَ تَأْسَ} أي: لا تحزن عليهم، فإنهم كافرون. قوله تعالى: {إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ} الآية. مذهب الخليل وسيبويه في [الصَّابون] أنه رفع على أنه عطف على موضع (إن) وما عملت فيه. وقال الكسائي والأخفش: هو عطف على المضمر في {هَادُواْ}. وقو قول مطعون فيه، لأنه يلزم أن يكون {الصابئون} دخلوا في اليهودية. وقال الفراء: / إنما جاز الرفع، لأن {الذين} لا يظهر فيه عمل (إن). وأجاز الكسائي: إن [زيدا وعمرو]. قائمان " قال: لضعف " إن " واستدل بقول الشاعر: فإني وقيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ. ...
وقال الفراء: لا حجة للكسائي في هذا البيت، لأن قيارا قد عطف على اسم مكنّىً عنه، والمكنّى لا يتبيَّن فيه الإعراب ك {الذين}، فهل فيه أن يعطف على الموضع. وقرأ [سعيد] بن جبير " والصَّابِينَ " بالنصب، على ظاهر العربية. ومعنى الآية: أن الذين آمنوا بألسنتهم، يعني المنافقين، واليهود والصّابين والنصارى، من آمن منهم، أي: من حقّق الإيمان بمحمد - وما أتى به - بقلبه، وباليوم الآخر، وعمل صالحاً، فلا خوف عليهم. وقيل المعنى: أن الذين آمنوا بألسنتهم وقلوبهم، من ثبت منهم على الإيمان {وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} أي: لا يخافون يوم
70
القيامة ولا يحزنون. قوله: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً} الآية. اللام في {لَقَدْ} لام قسم، " والمعنى: أقسم " لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل على إخلاص التوحيد، والعمل بما أمرهم به، والانتهاء عما نهاهم عنه، وأرسلنا إليهم (بذلك رسلاً)، كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسُهُم، فريقاً كذّبوا وفريقاً قتلوا، نقضاً للميثاق الذي أخذ عليهم. فالتكذيب اشتركت فيه اليهود والنصارى، والقتل هو من فعل اليهود خاصة، كانت تقتل النبيين (والمرسلين) إذا أمروا بالمعروف ونهو عن المنكر. قوله: {وحسبوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} الآية. المعنى: وظن هؤلاء الذين أُخِذَ ميثاقهم أنه لا يكون لهم من الله ابتلاء " واختبار بالشدائد من العقوبات، {فَعَمُواْ وَصَمُّواْ} أي: عن الحق والوفاء بالميثاق الذي
أخذ عليهم. و (كثير) بدل من المضمر. وقيل: هو تأكيد كما تقول: " رأيت قومك ثلثهم " وقيل: رفعه على إضمار مبتدا، [و] المعنى: العمى كثير منهم وقيل: التقدير: العمى والصم منهم كثير. وقيل هو على لغة من قال: " أكلوني البراغيث "، فيرتفع (كثيرٌ) بـ[عَموا وصَمُّوا]. ويجوز - في غير القرآن - النصب على أنه نعت لمصدر محذوف. (و) قال مجاهد: (هم) اليهود خاصة وقيل: المعنى: وحسبوا ألا يكون اختبار. لقولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18]، فعموا عن الحق وصموا.
72
{ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} أي: لم يعلموا بما سمعوا، ولا انتفعوا بما رأوا من الآيات فكانوا بمنزلة العُمْيِ الصُّم. وقيل: معنى {ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِمْ}: ثم بعث الله محمداً يخبرهم أن الله يتوب عليهم إن تركوا الكفر وآمنوا، {فَعَمُواْ وَصَمُّواْ} أي: لم ينتفعوا بما قيل لهم. قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ} الآية. أخبر الله عن النصارى أنه لما اختبرهم بوفاء الميثاق، كفروا وقالوا: المسيح الله، وقد عملوا أنه (ابن) مريم، والله لا يكون مولوداً، تعالى (الله) عن ذلك. وأخبر عن المسيح أنه قال لهم {اعبدوا الله} إلى آخر الآية، وهذا قول اليعقوبية من اليهود. والمسيح: الصديق.
73
وقال ابن عباس: سمي مسيحاً، لأنه كان أَمْسَحَ الرجل، لا أخمصَ له. وقيل: سُمِّيَ مسيحاً، لأنه كان لا يمسح بيديه ذا عاهة إلا برأ، ولا يضع يديه على شيء إلا أعطي فيه مراده. وقال / ثعلب: سمي بذلك لأنه كان يمسح الأرض، أي: يقطعها بالسياحة. و [قيل]: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن. وأما المسيح الدجال، فإنما سمي به لأنه أمسح العين، فهو بمعنى ممسوح، ك " قتيل " بمعنى " مقتول ". قوله: {لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} الآية. أخبر الله في هذه الآية قولَ بعضهم وكفرهم، وهو قول جمهور النصارى.
74
وقوله: (منهم) تعود (على أهل الكفر) من الذين قالوا: {[إِنَّ] الله هُوَ المسيح [ابن مَرْيَمَ]} ومن الذين قالوا: {[إِنَّ] الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ}، فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. قوله: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إلى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ} الآية. (و) المعنى: [أفلا] يرجعون عن قولهم ويستغفرون منه، {والله غَفُورٌ} أي: ساتر: لذنوب الناس، {رَّحِيمٌ} بهم. قوله: {مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ} الآية. هذا احتجاج على فرق النصارى في قولهم في عيسى. فالمعنى: ليس عيسى
أول رسول مبعوث إلى الناس فيعجبوا من ذلك، بل قد خلت من قبله الرسل إلى الخلق، فهو واحد منهم، (فهو) مثل قوله في محمد {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل} [الأحقاف: 9]، و (مثل) قوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل} [آل عمران: 144]. (والصدّيقة: الفعلية من الصدقٍ]. ومعنى الآية: ما المسيح في إنبائه بالمعجزات - من إبراء الأكمه وإحياء الموتى - {إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل} أي: مثل الرسل التي قد خلت من قبله، أتى بالمعجزات كما أتى موسى وابراهيم، فهو أظهر الآيات، (فهو) كغيره ممن تقدم من الرسل الذين أظهروا الآيات. - ومعنى {خَلَتْ}: تقدمت -، فليس هو بأول رسول فيعجب منه.
76
قوله {كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام} كناية عن إتيان الحاجة، فنبه بأكل الطعام على عاقبته، وغلَّبَ المذكر على المؤنث. وقيل: المعنى: كانا يتغديان كما يتغدَّى البشر، ومن كان هكذا فليس بإله، لأن الإله لا يحتاج إلى شيء. قوله: {انظر كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيات} أي: انظر يا محمد كيف نبين لهؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى {الآيات}، وهي العلامات على بطلان ما يقولون في أنبياء الله، ثم انظر: يا محمد - مع تنبيهنا إياهم على ذلك - كيف يؤفكون، أي: من أين يصرفون عن الحق. يقال لكل مصروف عن شيء: (هو مأفوك عنه)، و (وقد أفكت فلاناً عن كذا) أي: صرفته عنه، آفِكُه أَفْكاً، و (قد أُفِكَتِ الأَرْضُ): إذا صرف عنها المطر. قوله: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} الآية. المعنى: قل يا محمد لهؤلاء القائلين في المسيح ما ذكرت عنهم: أتعبدون سوى الله الذي يملك ضركم ونفعكم، والذي خلقكم ورزقكم، فيخبرهم تعالى أن المسيح -
77
الذي زعموا أنه إلهٌ - لا يملك لهم دَفْعَ ضُرٍّ إِنْ أَحَلَّهُ الله [بهم]، ولا صَرْفَ نَفْعٍ إن أعطاهم الله إيّاه. {والله هُوَ السميع العليم} أي: أنتم أقررتم أن عيسى كان في حال لا يسمع ولا يعلم، والله لم يزل سميعاً عليماً، " وهذا من ألطف ما يكون من الكناية ". وقيل: المعنى: {هُوَ السميع} لاستغفارهم لو استغفروه من قولهم في المسيح، {العليم} بتوبتهم - لو تابوا منه - وبغير ذلك من أمورهم. قوله: {قُلْ يا أهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحق} الآية. المعنى: قل يا محمد: يا أهل الإنجيل لا تغلوا في دينكم أي: لا تفرطوا في القول في أمر المسيح فتجاوزوا الحق في جعلكم إياه [إلهاً]، ولكن قولوا: {رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ [مِّنْهُ]}.
{وَلاَ تتبعوا أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ} أي: أهواء اليهود الذين قد ضلوا من قبلكم عن سبيل الله الهدى {وَأَضَلُّواْ كَثِيراً} أي: أضل هؤلاء اليهود كثيراً من الناس عن الحق، فحملوهم على الكفر بالله والتكذيب بالمسيح، {وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السبيل} أي: عن قصد السبيل. وسمي (الهوى / هوى، لأنه يهوي) بصاحبه في الباطل والهوى - في القرآن - مذموم. والعرب لا تستعمله إلا في الشر، وأما في الخير فيستعملون الشهوة والمحبة.
78
وقال ابن أبي نجيح: {وَأَضَلُّواْ كَثِيراً} اليهود أضلوا المنافقين. قوله: {لُعِنَ الذين كَفَرُواْ} الآية. (ذلك) في موضع رفع، على معنى: ذلك اللعن بما عَصَوا، أو على معنى: الأمرُ ذلك بما عصوا، ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: فعلنا ذلك بما عصوا. والمعنى: أن الذين لعنوا على لسان داود (هم) أهل السبت، والذين لعنوا على لسان عيسى (ابن مريم) هم أصحاب المائدة، قاله ابن عباس. وقيل: الذين لعنوا على لسان داود مسخوا قردة، والذين لعنوا على لسان عيسى مسخوا خنازير. قال النبي A: " أول ما وقع النقص في بني إسرائيل: أن أحدهم كان يرى أخاه على
المعصيةِ فينهاهُ، ثم لا يمنعه ذلك من الغد أن يكون أكيله وشريبه ". قال ابن عباس: لعنوا بكل لسان: لعنوا على عهد موسى في التوراة، ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على عهد محمد في القرآن. وقال مجاهد: لعنوا على لسان داود فصاروا قردة، وعلى لسان عيسى فصاروا خنازير. والمراد بذلك - والله أعلم - أنه (تعالى) حذرهم أن يقولوا في عيسى ما قالوا فلعنوا كما لعن هؤلاء. ورُوي أن داود عليه السلام دعا عليهم على عهده: وذلك أنه مرَّ على نفر وهم
في بيت، فقال: من في البيت؟ [فقالوا]: خنازير، فقال: (اللهم اجعلهم خنازير)، فأصابتهم لعنته، ودعا عليهم عيسى فقال: " اللهم الْعَنْ مَنْ افْتَرَى عَلَيَّ وَعَلَى أُمِّي، فَاجْعَلْهُمْ " قردة خاسئين. ذلك بعصيانهم واعتدائهم. ثم أخبر تعالى أنهم {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ}. أي: لا ينهى بعضهم بعضاً، والمنكر: المعاصي. {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} في الكلام معنى القسم. والمعنى: أقسم لبئس الفعل فعلهم في تركهم النهي عن المعاصي. وروي أن النبي عليه السلام قال: " إن أولَ ما كان من نقض بني إسرائيل ومعصيتهم: أنهم كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، شبه تعْذير، فكان أحدهم إذَا لقي
صاحبه الذي كان يعيب عليه آكله وشاربه وخالطه، كأنه لم يعب عليه شيئاً، فلعنهم الله على لسان داود وعيسى بن مريم ". وروي عنه عليه السلام أنه قال: " لا يزال العذاب مكفوفاً عن العباد ما استتروا بمعاصي الله، فإذا أعلنوها، فلم تنكر، استحلوا عقاب الله ". وقال عليه السلام: " إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أظهرت فلم تُغَيَّر ضرتِ العامة ". وقال A: " ( لا تعذب) الخاصة بعمل العامة حتى تكون الخاصة تستطيع أن تغير على العامة، فإذا استطاعت ذلك - فلم تفعل - عذبت (الخاصة والعامة) ".
80
قوله تعالى: {ترى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الذين كَفَرُواْ} الآية. المعنى: ترى يا محمد كثيراً من اليهود يوالون المشركين من عبدة الأوثان ويعادون أولياء الله قال مجاهد: يعني المنافقين. {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ} ف (أَنْ) في موضع رفع، فالذي قدمت لهم أنفسهم هو سَخَطُ الله بما فعلوا. {وَفِي العذاب هُمْ خَالِدُونَ} / أي: مقيمون في الآخرة. المعنى (لعنوا) - عند أكثر المفسرين -: أبعدوا من رحمة الله فمسخوا بذنوبهم. (و) روى ابن حبيب في حديث يرفعه إلى النبي عليه السلام أنه قال: الممسوخ خمسة عشر صنفاً: الفيل، والدب، والضب، والأرنب، والعنكبوت، والخنفساء،
والوطواط، والعقرب، والقنفذ، والدعموص، و [الجريث]، والقردة، (و) الخنازير، وسُهَيْلٌ، والزهرة. قيل: يا رسول الله، فما كان سبب هؤلاء إذ مُسخوا؟، فقال: أما الفيل فكان رجلاً لوطياً، وكان ينكح البهائم، لا يدع رطباً ولا يابساً، فمسخه الله فيلاً. وأما الدب فكان (رَجُلاً) مؤنثاً يؤتى، فمسخه الله دباً. وأما الضب فكان أعرابياً يسرق الحاج فمسخه الله ضباً. وأما الأرنب: فكانت امرأة [قذرة] لا تغتسل من حيض ولا غير ذلك، فمسخها الله أرنباً. وأما الخنفساء: فكانت امرأة سحرت ضرتها فمسخها الله
خنفساء. وأما العنكبوت فكانت امرأة عاصية لزوجها معرضة عنه، مبغضة له، فمسخها الله عنكبوتاً. وأما الوطواط: فكان رجلاً يسرق الرطب من رؤوس النخيل ليلاً، فمسخه الله وطواطاً، وأما القنفذ، فكان رجلاً سيء الخلق، فمسخه الله قنفذاً. وأما العقرب: فكان رجلاً همّازاً لا يسلم من لسانه أحد، فمسخه الله عقرباً. وأما [الدعموص] فكان رجلاً نمَّاماً يفرق بين الأحبة، فمسخه الله دعموصاً. وأما [الجريث]: فكان رجلاً ديوثاً يدعو الرجال إلى حليلته فمسخه الله [جريثاً]. وأما القردة: فالذين تعدوا في السبت من بني إسرائيل. وأما
الخنازير: فالذين سألوا عيسى نزول المائدة ثم كانوا بعد نزولها أشد ما يكونوا تكذيباً. وأما سهيل: فرجل عَشَّار كان باليمن متعدّياً فمسخه الله شهاباً. - وروي أن (رسول الله A) يلعنه إذا رآه -. وأما الزهرة: فامرأة افتتن بها هاروت وماروت، فمسخها الله شهاباً. وسورة المائدة: من آخر ما نزل من القرآن. وروي أن فيها إحدى وعشرين فريضة ليست في شيء من القرآن وهي: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكيتم، وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام، وما علمتم من الجوارح مكلبين، وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم، وطعامكم حلٌّ لهم،
81
{والمحصنات مِنَ المؤمنات} والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، وتمام الطهور، والسارق والسارقة، وآية المحاربين، ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم، وكفارة الإيمان، وتحريم الخمر، وتحريم الصيد في الحرم، وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، وروي عن عائشة Bها أنها قالت: المائدة آخر سورة نزلت جملة، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه. وروي عن النبي A أنه قال: " سورة المائدة تدعى في ملكوت الله: المنقذة، تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب وتخلصه. وقد اختلف هل فيها منسوخ (أولا)، وقد ذكرنا ذلك في [موضعه] ". قوله تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله} الآية. المعنى: ولو كان هؤلاء الذين يتولون الذين كفروا
82
/ {يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ ولكن كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} أي: خارجون عن طاعة الله. وقال مجاهد: المنافقون. ولم يبين. قوله: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً} الآية. قوله: {قِسِّيسِينَ} هو جمع (قسِّيس) مسلماً، (و) تكسيره على (قساوسة)، أُبدل من إحدى السينات واواً. ويقال: (قَسٌّ) في معناه، وجمعه (قُسُوس)، ويقال للنميمة (قَسَّ).
ورهبان جمعه رهابنة ورهابين. والمعنى: لتجدن - يا مُحَمَّد - أشد الناس عداوة للذين اتبعوك، فآمنوا بك {اليهود والذين أَشْرَكُواْ}، وهم عبدة الأوثان، ولتجدن أقربهم مودة لمن آمن بك، النصارى. {ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن الحق. وهذه الآية والتي بعدها نزلت في نفر من نصارى الحبشة لما سمعوا القرآن أسلموا. " وقيل: إنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وَأَصْحَابٍ له أسلموا ". قال سعيد بن جبير: بعث النجاشي وفداً إلى النبي، فقرأ عليهم القرآن
فأسلموا، فأنزل الله فيهم هذه الآية، فرجعوا إلى النجاشي فأخبروه فأسلم. قال ابن عباس: بعث النبي - وهو بمكة، حين خاف على أصحابه من المشركين - نفراً إلى النجاشي، منهم: ابن مسعود وجعفر بن أبي طالب، فبلغ ذلك المشركين، فبعثوا عمرو بن العاصي في رهط إلى النجاشي يحذرونه من محمد، فسبق أصحاب المشركين، فقالوا للنجاشي: خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها وقد بعث إليك رهطاً ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك بخبرهم، قال: إن جاءوني نظرت فيما يقولون (لي)، فقدم أصحاب النبي، فأتوا باب النجاشي، وقالوا: استأذِنوا لأَولياء الله، فقال: ائذن لهم، فمرحباً بأولياء الله. فلما دخلوا عليه، سلموا، فقال له الرهط من المشركين: ألا ترى - أيها الملك - لم يحيوك بتحيتك!
فقال لهم: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي. فقالوا له: إِنَّا حَيَّيْنَاكَ بتحيةِ أهل الجنة وتحية الملائكة. فقال (لهم): ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ [قالوا]: هو عبد الله وكلمة من الله وروح منه، ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم: إنها العذراء البتول. قال: فأخذ عوداً من الأرض (وقال): " ما زاد عيسى وأمَّه على ما قال صاحبكم قدرَ هذا العود "، فكره المشركون قوله وتغيرت وجوههم. قال لهم النجاشي: هل تعرضون شيئاً مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: اقرأوا، فقرأوا، وهناك قسيسون ورهبان ونصارى، فعرفت كل قرأوا، وانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، فأنزل الله الآية. وقال الكلبي: كانوا أربعين رجلاً: اثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من رهبان الشام، فأسلموا حين هاجر إليهم المؤمنون وسمعوا القرآن فعرفوا الحق وانقادوا
إليه، وكانت اليهود أشد عداوة لمن آمنوا برسول الله يومئذٍ بالمدينة، وكذلك كانت قريش لمن آمن بمكة. وقيل: إن الذي قرأ على النجاشي هو جعفر بن أبي طالب، قرأ عليه أول سورة مريم. وقال السدي: بعث النجاشي اثني عشر من الحبشة: سبعة " قسيسون وخمسة " رهبان، ينظرون إلى النبي A ويسألونه، فلما لقوه قرأ عليهم ما أنزل الله، فبكوا وآمنوا، / وأنزل الله فيهم: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع [مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فاكتبنا مَعَ الشاهدين]}، فرجعوا إلى النجاشي فآمن وهاجر بمن معه، فمات في الطريق، فصلى عليه رسول الله A والمسلمون واستغفروا له. وروى ابن شهاب عن أم سلمة - زوج النبي عليه السلام، وكانت قد هاجرت إلى
أرض الحبشة مع من هاجر من مكة من المسلمين حين آذاهم المشركون - فقالت: لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار - النجاشي -، أَمِنَّا على ديننا، وعَبَدْنا الله D، لا نُؤذَى ولا نَسمَع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جَلْدَيْنِ، وأن يهدوا له هدايا مما يستظرف من متاع مكة، فجمعوا له هدايا ولم يتركوا بطريقاً من بطارقته إلا أهدوا إليه هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاصي، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق (منهم) هديته قبل أن تُكَلِّما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه، ثم سَلاَهُ أن يُسَلِّمَهُم إليكما قبل أن يكلمهم.
قالت أم سلمة: فخرجا حتى قدما على النجاشي - ونحن عنده بخير دار عند خير جار - فلم يبق من بطارقته بِطْريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، وقالا لكل بطريق: " إنه قد صبأ إلى بلاد الملك مِنّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مُبْتَدَع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومنا لنردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأَشِيروا على أن يُسَلِّمَهم إلينا ولا يكلّمهم، فإن قومهم أعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهما: نعم، ثم إنهما قربا هدية النجاشي فقبلها منهما، ثم كلّماه فقالا: أيها الملك، إنه قد صبأ إليك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، ابتدعوا ديناً لا نعرفه نحن ولا أَنْتَ، وقد بَعَثَنا إليك فيهم أشرافُ قومنا من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم
لنردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم. فقالت البطارقة من حوله: صدقاً - أيها الملك -، فأَسْلِمْهُم إليهما. قالت: فغضب النجاشي (وقال): لاها الله اذن، وَلاَ أُسْلِمُهُم، (ولا يكاد قومٌ جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني من سواي) حتى أدعوهم [فأسألهم] فما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما [يقولان]، أسلَمتهم إليهما ورددتُهم إلى قومهم، وإن كانوا على غَير ذلك، منعتهم
(منهم)، وأحسنت جوارهم ما [جاوروني]. قال أم سلمة: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو بن العاصي من أن يسمع النجاشي كلام المؤمنين، فدعا النجاشي المؤمنين، فلما جاءهم رسول النجاشي، اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: ما تقولون اذا جئتموه؟ قالوا: نقول - والله - ما علّمنا نبيُّنا وما أمرنا كائناً في ذلك ما كان. فلما جاءوا - وقد دعا النجاشي أساقِفَته فنشروا مصاحبهم حوله - سألهم فقال: ما هذا الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا (به) في ديني، ولا (في) دين أحد من [هذه] الملل؟، (و) قالت أم سلمة: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب Bهـ، فقال له: أيها الملك، كنَّا
قوماً، - أهلَ جاهلية - نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام، نُسيء الجِوار، ويأكل القويُّ (الضعيفَ، فكنا على ذلك) حتى (بعث) الله إلينا رسولاً منّا، نعرف نسبَه وصِدْقَه وأَمانَتَه وعافيته، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونَخْلَعُ ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا / من الحجارة والأوثان، وأَمَرنا بِصِدْق الحديث وردِّ الأمانة وصِلَة الرحم وحُسنُ الجِوار والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقولِ الزور وأكل (مال) اليتيم، وقذف المحصنة، وأَمَرَنا أن نعبدَ الله ولا نشرك به شيئاً، وأَمَرنَا بالصلاة والزكاة وبالصيام. - قالت أم سلمة: فَعَدَّدَ عليه أمور الإسلام - فصدّقنا وآمنّا به، واتّبعناهُ على ما جاءنا به من عند الله، وحرَّمنا ما حرَّم علينا، وأَحْلَلنا ما أحلَّ لنا، فَعَدا علينا قومنا فعذَّبونا وفَتنونا عن ديننا
ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحلَّ ما كُنّا نستحلُّ من الخبائث فلما قَهَرونا (وظَلَمونا) وضَيّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا (أن لا) نظلم عندك أيها الملك. قالت أم سلمة: فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله (من) شيء؟، قال له جعفر: نعم، قال: فَاقْرَأْهُ عليَّ. قالت: فقرأ عليه صدراً من {كهيعص} [مريم: 1]، فبكى النجاشي (وبكى أساقفته حِينَ سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي): إن هذا والذي جاء به عيسى لَيَخرُج من مِشْكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسْلِمْهم
إليكما أبداً، ثم قال لجعفر (وأصحابه): اذهبوا فأنتم شُيُومٌ بأرضي - والشُّيُومُ في لسانهم: الآمنون -، من سبَّكُم [غَرِم]، من سبّكم [غَرِم]، قالها ثلاثاً، ثم قال: رُدُّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، (فوالله) ما أخذ [الله] (الرشوة مني) حين رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي فآخُذُ الرشوة (فيه)، وما أطاع الله الناس فيَّ فأطيعهم فيه. قالت أم سلمة: فخرجا من عنده مقبوحين. ففي النجاشي وأصحابه نزل {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول [ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ
الحق]} الآيات. قالت عائشة Bها في قول النجاشي: " ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخُذَ الرشوَة فيه، وما أطاع الله الناس فيّ فأطيع الناس فيه "، قالت: إن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد غيره، وكان للنجاشي عم، له من صلبه اثنا عشر ولداً، فقالت الحبشة بينهم: لو قتلنا أبا النجاشي، وملَّكْنا أخاه، فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لأخيه من صلبه [اثني] عَشَرَ ولداً، فيتوارثوا الملك من بعده وتبقى الحبشة بعده دهراً. فغَدوا على أبي النجاشي فقتلوه، وملّكوا أخاه، فمكثوا على ذلك حينا. ونشأ النجاشي مع عمه، وكان لبيباً حازماً من الرجال، فَغَلَبَ عَلَى أَمْرِ عَمِّه (ونزل) منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكَانَه من عمِّه قالت
بينهم: والله لقد غَلَب هذا الفتى على أمر عمّه، وإنا لنتخوف أن يُمَلِّكه علينا، وَإِنْ مَلَّكَه (علينا) ليقتلنا أجمعين، لقد عَرَفَ أنَّا نحْن قتلنا أباه. فَمَشَوا إلى عمه فقالوا: إمّا أن تقتل هذا الفتى، وإما أن تُخرجه من بين أظهرنا، فإنا قد خِفْنا على أنفسنا. فقال: ويلكم، قَتلتُم أباهُ بالأمس وأقتُلهُ اليومَ؟ بل أُخرجُه من بلادكم، فخرجوا به إلى السوق فباعوه [من رجل] من التجّار بست مائة درهم، فقذفه في سفينة وانطلق به حتى [إذا] [العشيّ] من ذلك اليوم، هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمّه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة، فقتلته ففزعت الحبشة إلى ولده فإذا هم حمق، ليس في واحد منهم خير، فمرج على الحبشة أمرُها، فلما ضاق عليهم أمرهم، قال بعضهم لبعض، تَعْلَموا - والله - أن مَلِككم -
الذي لا يقيم أمركم غيرُه - الذي بعتم، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه. قالت: / فخرجوا في طلبه وطلب الرجل الذي باعوه منه حتى أدركوه، فأخذوه منه وجاءوا به، وعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير الملك، فملَّكوه أنفسهم، فجاءهم التاجر الذين كانوا باعوه منه، فقال: إما أن تعطوني مالي، وإما أن أكلمه في ذلك؟ فقالوا: لا نعطيك شيئاً، قال: إذن والله أكلمه. قالوا: فدونك. قالت: فجاءه التاجر، فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعتُ غلاماً من قوم بالسوق بست مائة درهم فأسلموا إليّ غلامي (وأخذوا دراهمي حتى إذا سِرْت، خرجت بغلامي، أدركوني فأخذوا غلامي مني ومنعوني دراهمي. فقال لهم النجاشي: لتُعْطُنَّه دراهمه، أو ليضعن غلامه) يده في يده، فليذهبن به حيث
شاء. قالوا: [بل] نعطيه دراهمه. قال: فلذلك قال: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه. قالت: وكان ذلك أول ما خبر من صلابته في دينه، وعدله في حكمه. وقالت عائشة Bها: لما مات النجاشي، كان يُتَحَدَّثُ أنه لا يزال نور يرى على قبره. وقال ابن جبير: هم سبعون رجلاً وجَّهَ بهم النجاشي، وكانوا ذوي فقه وسنن، فقرأ عليهم النبي {يس} [يس: 1]، فبكوا، وقالوا: {رَبَّنَآ آمَنَّا فاكتبنا مَعَ الشاهدين} وفيهم نزل: {الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} [القصص: 52] إلى قوله {يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} [القصص: 54] إلى آخر الآية.
وقال قتادة: هم ناس كانوا على الحق من شريعة عيسى، ثم آمنوا بالنبي عليه السلام. والرهبان يكون واحداً وجمعاً، وإذا كان جمعاً فواحده: " راهب "، وإذا كان واحداً فهو كقربان، وجمعه: رهابين، مثل قرابين. ثم نعتهم تعالى ذكره في الآية الأخرى فقال: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع [مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق]} يعني الرهبان والقسيسين الذين أتوا من عند النجاشي، فقرأ النبي A { يس} [يس: 1] ففاضت أعينهم لما سمعوا الحق وعرفوه. ومعنى: {فاكتبنا مَعَ الشاهدين}: قال ابن عباس: مع محمد وأمته، لأنهم شهدوا أنه قد بلغ، وأن الرسل كما قال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: 143]. ثم ذكر تعالى قولهم أنهم قالوا: {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله وَمَا جَآءَنَا مِنَ الحق} [الآية] وهو النبي والقرآن. {وَنَطْمَعُ} أي: ونحن نطمع، {أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القوم الصالحين} أي: المؤمنين
85
المطيعين. قوله: {فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُواْ} الآية. المعنى: فجزاهم الله بقولهم ذلك وإقرارهم وتصديقهم، {جَنَّاتٍ} أي: دخول جنات، {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} في الآخرة، {خَالِدِينَ فِيهَا وذلك جَزَآءُ المحسنين}. أخبر تعالى أن من كفر منهم ومن غيرهم، وكذب بالقرآن، أنهم أصحاب الجحيم. " {الجحيم}: ما اشتد حره من النار، وهو الجاحم " أيضاً. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ} الآية. (معنى الآية): أن الله أباح أكل الطيبات التي تشتهيها الأنفس، وألا يحرمها أحد على نفسه، ثم نهاهم عن الاعتداء، وهو تعدي الحدود التي (قد)
حرمت. وهذه [الآية] " نزلت في أبي بكر وعمر (وعثمان) وعلي وابن مسعود وغيرهم، اجتمعوا في (دار) عثمان بن مظعون على أن يَجُبُّوا أنفسهم، وأن يعتزلوا النساء، ولا يأكلوا لحماً ولا دسماً وأن يلبسوا المسوح، ولا يأكلوا من الطعام إلا القوت، وأن يسيحوا في الأرض / كهيئة الرهبان، فبلغ ذلك النبي عليه السلام، فأتى عثمان بن مظعون في منزله فلم يجده ولا [إياهم]، فقال لامرأة عثمان أحقّ ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟، فقالت: ما هو يا رسول الله؟،
فأخبرها، فكرهت أن تكذب رسول الله A، وكرهت أن تبدي على زوجها، فقالت: يا رسول الله، إن كان عثمان أخبرك فقد صدقك، فقال لها: [قولي] لزوجك وأصحابه - إذا رجعوا -: إن رسول الله يقول لكم: إني آكل وأشرب، وآكل اللحم والدسم، وأنام وأصلي، وآتي النساء، وأصوم وأفطر، فمن رغب عن سنتي فليس مني. ثم انصرف. فلما رجع عثمان وأصحابه أخبرتهم امرأته بما أمرها (به) رسول الله، فجاء عثمان إلى النبي A، فقال: يا رسول الله [حَدَّثَتْني] نفسي فلم أحب أن أحدث شيئاً حتى أذكر لك، فقال (له النبي A: ( و) ما تحدثك به نفسك يا عثمان؟، قال: تحدثني أن أختصي. قال: مهلاً يا عثمان، فإن خصاء أمتي الصيام. فقال: (يا) رسول الله، فإن نفسي تحدثني أن أترهب في رؤوس الجبال. فقال: مهلاً يا عثمان، فإن ترهب أمتي الجلوس في المسجد لانتظار الصلوات. فقال: يا رسول
الله (فإن نفسي) تحدثني أن أسيح [في الأرض] قال: مهلاً يا عثمان، فإن سياحة أمتي الغزو في سبيل الله والحج والعمرة. قال: يا رسول الله، فإن نفسي تحدثني أن أخرج من مالي كله. قال: مهلاً يا عثمان، فإن صدقتك يوماً بيوم، وتكف عيالك وترحم المسكين واليتيم فتعطهما أفضل لك. فقال: يا رسول الله، فإن نفسي تحدثني أن أطلق خولة [بنت خويلد] امرأتي، قال: مهلاً يا عثمان، فإن الهجرة في أمتي من هجر ما حرم الله، وهاجر في حياتي، وزار قبري بعد مماتي، أو مات وله امرأة أو امرأتان أو ثلاث أو أربع. قال: فإن نفسي تحدثني بأن لا أغشى النساء. قال: مهلاً يا عثمان، فإن الرجل، المسلم إذا غشي أهله أو ما ملكت يمينه، فإنه
لم يكن له من وقعته تلك ولد، كان له وصيف في الجنة، وإن كان (له) ولد من وقعته فمات قبله، كان له فرطاً وشفيعاً يوم القيامة، وإن مات بعده كان له نوراً يوم القيامة. قال: يا رسول الله، فإن نفسي تحدثني بأن لا آكل اللحم. قال: مهلاً يا عثمان، فأنا أحب اللحم وآكله إذا وجدته، ولو سألت [ربي أن] يطعمنيه (في) كل يوم لأطعمنيه. قال: يا رسول الله: فإن نفسي تحدثني ألا أمس الطيب. قال: مهلاً يا عثمان، فإن جبريل أمرني بالطيب غباً، لا ترغب عن سنتي، [فمن] رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب، ضربت الملائكة وجهه عن حوضي يوم القيامة. فقام رسول الله A ( وغلّظ) فيهم المقالة وقال: إنّما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع. اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم يستقم لكم " ، فنزلت:
88
{يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ} إلى {مُؤْمِنُونَ}. والاعتداء " ها " هنا هو ما نووا من جب أنفسهم، نهو عن ذلك، قاله السدي. وقيل: هو ما نووا من التحريم على أنفسهم. وقال الحسن: معنى: {لاَ تعتدوا} إلى {مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ}. وأصل الاعتداء: التجاوز إلى ما لا يحل. قال تعالى: {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حلالا طَيِّباً} حلالاً لكم، ذلك (و) طيباً. {واتقوا الله} في أن تحرموا ما أحل (الله) لكم، أو تحلوا ما حرم الله عليكم، {الذي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} أي: مصدقون مقرون. قوله: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ} الآية. معنى الآية: أن الذين ذكر أنهم أرادوا أن يحرموا الطيبات في الآية التي قبلها،
/ كانوا قد حلفوا ليفعلُن ذلك، فنهوا عن تحريم ما أرادوا تحريمه، وأُعلموا أن الله لا يؤاخذ باللغو في الأَيمان. قال ابن عباس: لما نهاهم النبي عن ما أرادوا أن يفعلوا من التحريم، قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع في أيماننا التي حلفنا بها؟، فأنزل الله {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ} (الآية). ({ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان}): من شدّد {عَقَّدتُّمُ} فمعناه: بما وكدتم الأيمان، فالتشديد يدل على تأكيد اليمين. ومن خفف فِلأَن " عقدهُ " تلزم فيه الكفارة إذا [حنث] بإجماع.
واختير التخفيف - عند من قرأ به -، لأن السامع إذا سمع التشديد سبق إليه أن الكفارة لا تكون إلا مع التأكيد وتكرير اليمين وهذا لا يقول به أحد. والتخفيف يدل على أنه إن عقده ولم يكرره لزمته الكفارة إذا حنث. وأنكر أبو عبيد على من قرأ بالتشديد، وقال: لأنه يوهم أن الحنث لا يجب إلا بتكرير اليمين، لأن " فعّل " - في كلام العرب - لتكرير [الفعل]. وهذا الاعتراض لا يلزم، وإنما يكون التشديد للتكرير مع الواحد، فأما مع الجميع فلا، لأنه قد تكرر واحد يمين عقده كقولك: " ذَبَّحتُ الكباش "، فكذلك ([عقّدتم الأيمان])، إنما وقع التكرير من أجل الجمع، ولو
كانت الآية " عقدتم اليمين "، للزم ما قال أبو عبيد، فالتشديد يكون للتكرير، (إلا أن) التكرير ينقسم قسمين: - قسم يتكرر الفعل فيه على الواحد. - وقسم يتكرر الفعل فيه على آحاد: مرة لكل واحد، وهو الذي في الآية. وقال مجاهد: {بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان}: بما تعمدتم الأيمان. وقال عطاء: " بِما عقَّدتم الأيْمَانَ " كقولك " والله الذي لا إله إلاّ هو ". وروى نافع عن ابن عمر: إذا حلف من غير أن يُؤَكِّدَ اليمين أطعم عشرة مساكين، لكل مسكين [مد] وإذا وكَّد اليمين أعتق رقبة. فقيل لنافع: ما معنى " وكَّد اليمين "؟، قال: أن يحلف على الشيء مراراً. ولغو اليمين: أن يحلف على الشيء يراه أنه كما حلف، ثم لا يكون كذلك، وهو
قول مالك وجماعة معه، وقيل هو قولك: " لا والله " و " بلى والله "، وهو قول الشافعي وجماعة معه. وقيل: هو تحريمك ما أحل الله لك، فلتفعله ولا كفارة عليك، قاله ابن جبير وغيره. وقال مسروق: لغو اليمين: كل يمين في معصية ليس فيها كفارة. وعن ابن عباس أنه قال: لغو اليمين: أن تحلف وأنت غضبان. لا كفارة في جميع ذلك على الاختلاف المذكور. والأيمان ثلاث: - يمين تُكَفَّر، كيمينك ألا تفعل الشيء ثم تفعله. - والثانية: يمين لا تكفر لشدتها، وجرمها عظيم، وهو أن تتعمد فتحلف على الشيء وأنت تعلم أنك كاذب.
- ويمين لا تكفر، ولا جرم لها، وهي اللغو. وقوله: {فَكَفَّارَتُهُ}: الهاء تعود على ما في قوله {بِمَا عَقَّدتُّمُ}، فمعناه: " فكفارة ما عقدتم منها إطعام عشرة مساكين ". وقيل: الهاء تعود على " اللغو "، وفيه ذكرت الكفارة، وأما ما عقدتم يمينه فلا كفارة له وهو أعظم من أن يكفر. والأحسن أن تعود الهاء على (ما): لأن اللغو في اللغة: المطرح، (ولو) كان اللغو يكفر لم يكن مطرحاً. وقيل المعنى: فكفارة " إثمه ". والإطعام: أن تطعم لكل مسكين مداً في قول مالك وغيره. وقيل: تطعم
لكل مِسْْكين صاعاً. ومعنى {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} أي: من أعدل ذلك، قيل: الخبز والسمن. وقيل: الخبز والتمر. و [قيل]: الخبز و [الزيت] وقيل: المعنى: من أوسط ذلك في الشبع: / إن كان ممن يشبع أهله، أشبع المساكين، وإن كان ممن يقوتهم، قوت المساكين. وروي عن عاصم من طريق الشموني عن أبي بكر (أوسط)
بالصاد. قال مالك: إن غذاهم وعشاهم أجزأه، ولا يجزيه قيمة الطعام عند الشافعي، وهو قياس مذهب مالك، وأجازه بعض العراقيين، ولا يعطي إلا مسلماً. ولا يجزيه إلا مؤمنة إن أعتق. ولو أعتق مولوداً أو مرَضعاً من قِصَر النفقة أجزأه عند مالك. [{فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} أي: إن لم يجد الإطعام ولا العتق والكسوة فعليه
صيام ثلاثة أيام، ولا يصوم إلا عند عدم الإطعام أو العتق. وفي قراءة ابن مسعود (فَصِيَامُ ثَلاثةِ (أَيَّامٍ) مُتَتَابعاتٍ). والتفريق عند مالك يجوز في كفارة اليمين، وهو قول الشافعي وغيره. والصوم للعبد أحسن وإن أذن له سيده بالعتق والإطعام، ولم يُجِز له جماعة إلا الصوم، واختلف فيه قول مالك. والكفارة قبل الحنث جائزة، وبعده أحسن. وقد قيل: لا تجزي قبله.
وروي عن النبي عليه السلام: " كَفِّر عَن يمينك و [أْتِ] الذي هو خير ". وقد بدأ تعالى ذكره في هذه الآية بالتخفيف، ثم أتى بالأشد بعده، وبدأ في الظهار بالأشد، ثم أتى (بالأخف بعده)، وذلك أن الله جل ذِكره إنما بدأ بالأخف ثم أتى بالأشد على طريق التخيير، فأتى بـ (أوْ) للتخيير، ثم أتى بالأَخف بعد ذلك عند عدم ما وقع فيه التخيير، فقال: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ}، وبدأ في الظهار بالأشد، ثم أتى بالأخف عند عدم الأشد، لا على طريق التخيير في ذلك. قوله: {ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ}: (ذلك) إشارة إلى ما تقدم من الإطعام أو العتق أو الكسوة، أو الصيام عند عدم الثلاثة، ومعنى {كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ} أي: ستر إثم
90
أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم وأنتم قد عقدتم الأيمان. {واحفظوا أَيْمَانَكُمْ} أي: احفظوها أن تحنثوا، ولا تكفروا. {كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ}: أي: كما يبين لكم الكفارة في أيمانكم، يبين الله لكم آياته، أي: علاماته، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (أي تشكرون) على هدايته لكم وبيانه لكم. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر} الآية. أخبر الله تعالى الذين أرادوا التحريم على أنفسهم - بعد أن نهاهم عن التحريم - أن الخمر والميسر - وهو الذي يتياسرونه -، والأنصاب - وهي التي يذبحون عندها -، والأزلام التي يقتسمون بها {رِجْسٌ} أي: إثم ونتن، {مِّنْ عَمَلِ الشيطان} أي: مما زيَّنه الشيطان لكم وحسنه في أعينكم، [{فاجتنبوه}] أي: فاتركوه وارفضوه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
والميسر: القمار. وسئل القاسم بن محمد عن الشطرنج والنرد، (فقال): هو ميسر، وقال [كل ما] صد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر. قال مالك: الميسر ميسران: ميسر اللهو، وميسر القمار، فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار هو ما يتخاطر الناس عليه. قال الأصمعي: الميسر كان في الجزور خاصة، كانوا يقتسمونها على
ثمانية وعشرين سهماً. وقال الشيباني: على عشرة أسهم. ثم يلقون القداح ويتقامرون على مقاديرها. " والأنصاب: حجارة كانوا يعبدونها في الجاهلية، " والأزلام: القداح ". والرجس: كل عمل يقبح فعله، (وهو) النتن. (و) قوله {فاجتنبوه}: الهاء تعود على " الرجس ". وقيل: تعود على " الخمر ". / وقيل: المعنى: فاجتنبوا هذا الفعل. وقيل: المعنى: فاجتنبوا ما ذكر. وذكر ابن المنكدر أن النبي عليه السلام قال: " مَن شَربَ الخمرَ ثُمّ لم يسكر، أَعْرَضَ
91
اللهُ عَنه أربعين ليلةً، وإن أسكر لم يَقبَل اللهُ منه صَرْفاً ولا عَدلاً أربعين ليلة، فإن مات فيها، مات كعابد الأوثان، وكان حقاً على الله أن يَسْقِيَه يوم القيامة من طينة الخَبال. قيل: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: عُصارة أهل النار: القيح والدم ". قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة} الآية. (المعنى): إنما يريد الشيطان بكم شرب الخمر ليوقع بينكم العداوة والبغضاء {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله} أي: يصدكم بغلبة الخمر والميسر عليكم عن ذكر الله وعن الصلاة، {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} أي: عن شرب الخمر. ويقال: إن عمر ذكر لرسول الله مكروه عاقبة الخمر، فأنزل الله تحريمها. وروي أنه قال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية في " البقرة ": {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر} [البقرة: 219] الآية، فقُرِئت على عمر فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في " النساء ": {لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى} [النساء: 43] الآية، فكان النبي يقول إذا
حضرت الصلاة: فلا يَقْرَبَن الصلاةَ سكران، (ودعي) عمر فقرئت عليه، فقال: اللهمَ بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في " المائدة ": {يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر} الآية [إلى) {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}، فقال عمر: انتهينا، انتهينا. وقيل: نزلت بسبب سعد بن أبي وقاص [لاحى] رجلاً على شراب فضربه بلَحْيَيْ جَمل ففزر أنفه فنزل ذلك. وكان الرجل في الجاهلية يقامر عن أهله وماله حتى يقعد حزيناً سليباً، ينظر إلى ما له في يد غيره، فيورث ذلك عداوة بينهم. فنهى الله عن ذلك، وهو الميسر.
92
وقال مصعب بن سعد: صنع رجل (من الأنصار طعاماً)، فدعاني وأبي - سعداً - فشربنا الخمر قبل أن تحرم فانتثينا. فتفاخرنا، فأخذ رجل من الأنصار لَحْيَي جزور فضرب به أنف سعد ففزره، فنزل: {إِنَّمَا الخمر والميسر} الآية. وقال ابن عباس: شرِب حيّان من الأنصار الخمر حتى سكروا، فلما سكروا جرح بعضهم بعضاً، فلما صَحَوْا، جعل (يرى الرجل) الأثر في وجهه ورأسه ويقول: فعل هذا بي أخي فلان!، وكانوا إخوة لا ضغائن بينهم، فصارت بينهم ضغائن، فنزلت الآية بالتحريم. قوله: {وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول واحذروا} الآية. المعنى: وأطيعوا الله D في اجتنابكم ما تقدم فيه النهي عن الخمر والميسر
93
والأنصاب والأزلام، وأطيعوا الرسول فيما بلغ إليكم. {واحذروا} أي: احذروا الخلاف لما أمرتم به، {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} (أي) إن " لَمْ " تفعلوا ما أمرتم به، {فاعلموا أَنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين} أي: ليس هو بمسيطر عليكم، إنما عليه أن يبلغكم ما أرسل به، ويوضحه لكم، والعقاب على الله المرسِل، ليس على المرسَل وهذا تهدد لمن خالف (أمر) الله. قوله: {لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ} الآية. المعنى: في قول ابن عباس وغيره -: أن المؤمنين قالوا لما نزل تحريم الخمر: (يا رسول) الله، فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟، فنزلت: {لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا} الآية. {إِذَا مَا اتقوا} أي: اتقى اللهَ الأحياء منهم في اجتناب ما حرم عليهم، {وَآمَنُواْ}
أي: وصدقوا الله ورسوله فيما أمرهم به، {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} أي: واكتسبوا من الأعمال ما يرضاه الله، / {ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ} أي: " وَ " اتقوا محارمه وصدقوا فثبتوا على ذلك، {ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ} أي: اتقوا الله، فدعاهم تقواهم إلى الإحسان، وهو العمل بما (لم) يفرض عليهم: من الخير والنوافل. فالاتقاء الأول: اتقاء تلقي أمر الله وقبوله، والثاني: الاتقاء بالثبات على الاتقاء الأول وترك التبديل، والاتقاء الثالث: الاتقاء بالإحسان والتقرب بالنوافل. فهذه الآية نزلت - في قول الجميع - فيمن مات منهم وهو يشربها، أُعلِموا أنه لا جناح عليهم. وقال جابر بن عبد الله: صبح ناس غداة أُحد الخمر فقتلوا من يومهم جميعاً شهداء، وذلك قبل تحريمها، يريد: فنزلت الآية فيهم.
وقيل: نزلت فيما أكلوا من الحرام بالميسر و (ما شربوا) من الخمر فأُعلِموا أنه لا جناح عليهم في ذلك إذا ما اتقوا فيما يستقبلون. وقيل: معنى {إِذَا مَا اتقوا وَآمَنُواْ} أي: اتقوا شرب الخمر، وآمنوا بتحريمها " {ثُمَّ (اتَّقَواْ وَآمَنُواْ)} أي: اتقوا الكبائر وازدادوا إيماناً، " {ثُمَّ اتَّقَواْ} " أي: اتقوا الصغائر، {وَّأَحْسَنُواْ} بالنوافل. وقيل: {إِذَا مَا اتقوا} الكفر، {ثُمَّ اتَّقَواْ} الكبائر، {ثُمَّ اتَّقَواْ} الصغائر. وقيل: [معنى هذا: {إِذَا مَا اتقوا} فيما مضى: على إضمار " كان " مع " إذا "، {ثُمَّ اتَّقَواْ} في الحال التي هم فيها، {ثُمَّ اتَّقَواْ} فيما يستقبلون. (وقيل: {. . . . . .} {إِذَا مَا اتقوا}: في الحال التي هم فيها [{ثُمَّ اتَّقَواْ} فيما
94
يستقبلون] {ثُمَّ اتَّقَواْ} أي: ماتوا على ذلك وهم محسنون. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله بِشَيْءٍ مِّنَ الصيد} الآية. أي: يا أيها الذين صدقوا. ليختبرنكم الله في الطاعة والمعصية بشيء من الصيد، أي: ببعضه، لأنه صيد البر خاصة، ف (مِن) للتبعيض. وقيل: هي لبيان الجنس. قوله {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ} يعني ما يؤخذ باليد من البيض والفراخ. {وَرِمَاحُكُمْ} كالحمير والبقر والظبا، وما يصاد بالنبل، امتحن الله عباده في حال إحرامهم لعمرتهم وحجهم، فلا [يقربوه]. {لِيَعْلَمَ الله مَن يَخَافُهُ بالغيب} أي: كي يعلم من يتبع أمره ممن لا يتبع، {بالغيب}: في
95
الدنيا بحيث لا يراه أحد، والمعنى: ليعلم أولياء الله من يخاف الله فيتقي محارمه بحيث لا يراه أحد. وقيل: ليعلم ذلك علم معاينة يقع عليها الجزاء، وقد علمه غيباً لا إله إلا هو عَلاَّم الغيوب. قوله: {فَمَنِ اعتدى} أي: فمن تجاوز حد لله في الصيد بعد تحريمه عليه {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} الآية. {هَدْياً} حال من الهاء في (به)، ويجوز نصبه على البيان، ويجوز نصبه على المصدر. و {بَالِغَ الكعبة} نعته، والتقدير فيه: التنوين. والمعنى: يا أيها الذين صدقوا، لا
تقتلوا صيد البر وأنتم حرم لحج أو عمرة. {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً} (أي) ناسياً لإحرامه، معتمداً لقتل الصيد، فإن كان ذاكراً لإحرامه وتحريمه، فمجاهد وابن زيد يقولان: لا حكم عليه و [نقمة] الله منه أعظم. ومن الناس ما قال: لا حج له. ومن قتل الصيد خطأ، فعليه ما على المتعمد عند مالك وجماعة غيره. وقيل: لا شيء عليه، إنما أتى النص في المتعمد. وقال الزهري: نص الله
على المتعمد وأتت السنة بما على المخطيء. (قال أبو محمد): (وإيجاب الجزاء على المخطئ) يحتاج إلى نظر، وقد أفردنا لذلك كتاباً لاتساع الكلام في ذلك، إذ ظاهر النص يعطي ألا شيء على المخطئ، وإيجاب الجزاء على المخطئ [أولى] لدخوله تحت عموم الابتلاء في قوله {لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله} [المائدة: 94]، ولدخوله تحت عموم النهي في قوله: {لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}، ولدخوله تحت عموم التحريم في قوله / {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً} [المائدة: 96]، ولأنه عمل أهل المدينة، ولِمَا قال ابن شهاب: إنه السنة. ومعنى {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم} هو (أن ينظر) إلى أشبه الأشياء به، فيجزيه
(به) ويهديه إلى الكعبة. فمن أصاب نعامة فعليه بَدَنَة، وفي بيض النعامة عُشر ثَمن البدنة، هذا قول مالك، كما يكون في جنين الحرة (غُرَّةٌ: عَبْدٌ أو) وليدة، وقيمة الغرة خمسون ديناراً وذلك عُشر دية الأم. وفي الظبي شاة. وفي الأرنب - عند مالك - قيمتها من طعام، وكذلك ما أشبه الأرنب، مثل اليربوع وشبهه، مثل الضب: فإن شاء أطعم كل مسكين مداً، وإن شاء صام لكل مُدٍّ يَوْماً، هو بالخيار. وفي الحَمَام - عند مالك شاة. وفي حمام الحِلّ حكومة عند مالك، وليس كحمام الحرم، وكره مالك أن يذبح الأهلي وهو محرم.
وعلى كل واحد من الجماعة - إذا اشتركوا في قتل صيد - جزاء عند مالك. وصيد الحرم حرام على الحلال عند جميع العلماء. ورخص مالك في إدخال الصيد من الحل إلى الحرم. ومنعه غيره، وكرهه ناس. وإذا نتف المحرمُ من الطيرِ ما يَضُرُّ به ويخاف منه هلاكه، فعليه جزاؤه تامّاً عند مالك. وإذا أحرم وفي يده صيد فعليه أن يرسله. ويأكل المحرم لحم
الصيد إلا ما اصطيد من أجله (عند مالك، فإن أكل منه وقد صيد من أجله) فعليه جزاء ذلك الصيد عند مالك. وكفارة الصيد في قتل الصيد ككفارة الحر. ولا يكون الجزاء إلا بمنى أو بمكة. ويحكم في الجزاء عدلان يجتهدان. ولا يحكمان في ذلك من الإبل والبقر والغنم إلا بما يجوز في الضحايا. وإذا اختلفَ الحكمان في الجزاء، ابتدأ الحكم غيرهما. ولهما أن يحكما بغير أمر الإمام، وله أن يرجع إلى غيرهما.
وعلى من قتل صيد الجزاء أن يكفر بإطعام مساكين، أو يصوم لكل مُدٍّ يَوْماً، فللحكمين أن يُقوِّما الجزاء بطعام، فإن شاء أتى بالجزاء، وإن شاء أطعم الطعام: مداً لكل مسكين، وهو قوله {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} وإن شاء صام عن كلّ مُدٍّ يَوْماً، وهو قوله: {أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً}، هو مخير في ذلك. ولا يطعم بعضاً ويصوم بعضاً، بل يطعم الكل أو يصوم عن الكل. وقيل: يصوم عن كل نصف صاع يوماً، وهو قول من قال: يعطي
الطعام، نصف صاع لكل مسكين. والعَدْل: المِثْلُ، والعِدْلُ (نصف) الحمل. وقال الكسائي: هما لغتان في المثل. وقرأ طلحة بن مصرف والجحدري: {أَو عَدْلُ} بالكسر، وأنكر ذلك جماعة من أهل اللغة، لأن العِدل (نصف) الحمل.
وقال الكسائي: عَدل الشيء: مثله من غير جنسه، وعِدله: مثله من جنسه. وقوله: {عَفَا الله عَمَّا سَلَف} أي: عفا لكم عما سلف لكم في جاهليتكم من قتل الصيد وأنتم حرم، ولكن من عاد فقتله - وهو محرم - فالله ينتقم منه في الآخرة وعليه الكفارة. وقد ذكر ابن عباس أن المعنى: من عاد مرة أخرى فقتل متعمداً، فلا حكم عليه، والله (ينتقم منه)، ومن عاد خطأ حكم عليه.
96
وقال عكرمة: لا يحكم عليه، ذلك إلى الله. وقيل: المعنى عفا (الله) لكم عن قتلكم الصيد قبل تحريمه عليكم، ومن عاد لقتله بعد تحريمه عليه. عالماً بقتله وبِإِحْرامِه، فالله ينتقم منه، ولا كفارة عليه. {والله عَزِيزٌ} / (أي): ممتنع، {ذُو انتقام} أي: ذو عقوبة لمن عصاه. قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ} الآية. المعنى: {أُحِلَّ لَكُمْ} - وأنتم حرم - {صَيْدُ البحر} وهو حيتانه. و {مَتَاعاً} مصدر، والمعنى: متعتم به متاعاً، لأن المعنى {أُحِلَّ لَكُمْ}: متعتم بصيد البحر متاعاً.
وكل نهر تسميه العرب بحراً، فالأنهار صيدها داخل في هذا، حلال بإجماع. ومعنى {وَطَعَامُهُ} (أي): ما قُذِفَ ميتاً. وقيل: طعامه ما كلن مملحاً، قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقيل: طعامه ما جاء به الموج. وقيل: صيده أن يصطادوه، وطعامه أن يأكلوه، فذلك حلال لهم، وهذا قول حسن، أباح الله الصيد واللحم. وقرأ ابن عباس: (وطُعْمُهُ) بضم الطاء من غير ألف. ولم يرَ في الحوت يُطرح في النار حياً بأساً. وكرهه غيره. ودواب
البحر كلها - مثل الحيتان حلال للمحرم، وتؤكل الميتة منها. ولم يُجز جماعة أكل خنزير الماء وإنسان الماء للمحرم ولغيره. وليس في شيء يخرج من البحر ذكاة. وليس طير الماء من صيد البحر، (لأنها تعيش) في البر. قوله: {مَتَاعاً لَّكُمْ}: (أي منفعة لكم)، {وَلِلسَّيَّارَةِ} أي: يأكل منها السيارةُ في أسفارهم، وهو المملح. قوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً} أي: حرم الله عليكم أن تصطادوا من البر ما
97
دمتم محرمين. وأجاز قوم للمحرم أن يشتري الصيد المذبوح من ماله، لأن النهي إنما وقع على صيده. {واتقوا الله} أي: احذروه فيما أمركم به، فإنه إليه تحشرون فيثيبكم بأعمالكم. قوله: {جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام} الآية. إنما سميت الكعبة كعبة لتربيعها، قاله عكرمة ومجاهد. وقيل: لتربيع أعلاها. ومعنى {قياما} أي: جعلها بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر أتباعه، فهي تحجزهم عن ظلم بعضهم بعضاً، وقيل: جعلها مصالح لأمورهم، كالرئيس الذي يصلح أمر من يتبعه، وكذلك {الهدي والقلائد} جعل ذلك أيضاً قياماً للناس. والناس - هنا -: مَن كان في الجاهلية، كان الرجل لا يخاف إذا دخل في الحرَم
ولو لَقِي من قتل أباه أو أخاه، لم يخف الفاعل في الحرَم، وإذا لَقِي الهدي لم يَعرِضْ له القاطع ولا الجائع، وكان الرجل إذا أراد الحج تقلد بقلادة من شعر، وإذا رجع تقلد بقلادة من لحاء شجر الحرم، فلا يعرض له ولا يؤذى حتى يصل (إلى) أهله. وقيل: الناس هنا: جميع الناس. قال ابن عباس: قياماً لدينهم ومَعْلَماً لحجهم. قال ابن زيد: كان الناس كلهم فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض، ولم يكن في العرب ملوك يدفع عن بعضهم (ظلم بعض)، فجعل الله لهم البيت الحرام قياماً، يدفع بعضهم عن بعض، وكذلك الشهر الحرام لا يؤذى أحد في الحرم، ولا في الشهر الحرام وإنْ كان ذا جناية، وهذا (كله منسوخ) بالحدود (و) بقوله: {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5]، لا يمنع الحرم من الاقتصاص من جان، ولا من إقامة حد على من وجب عليه الحد، وهذا إجماع.
وقيل {قياما} يأتمون بها ويقومون بشرائعها. وقيل: (معنى) {قياما لِّلنَّاسِ}: أي: بالحج يَسْلَمُون من استعجال العقوبات. قال بعض العلماء لو ترك الناس الحج عاماً واحداً ما أنظِروا. / قوله: {ذلك لتعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} الآية. (ذلك) إشارة إلى ما تقدم من قوله: {جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام} الآية، فالمعنى: ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما تحدثون وما تصنعون، كما يعلم ما في السموات و {مَا فِي الأرض}، ولتعلموا أن الله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء من أموركم. قال المبرد: كانت الجاهلية تعظم البيت الحرام و {الأشهر الحرم}، كانوا يُسَمُّون رجباً: الاصم "، لأنه (لا) يسمع فيه وقع السلاح، فأعلم الله ما يكون منهم من إغارة بعضهم على بعض، فألهمهم (الله) ألا يقاتلوا في الأشهر الحرم، ولا
98
عند البيت الحرام ولا مَن كان معه القلائد، ثم أعلمهم أن الذي ألهمهم هذا يعلم ما السماوات وما في الأرض. وفي تكرير الاسم في قوله: {وَأَنَّ الله}، ولم يقل: " وأنه "، معنى التعظيم. قال: {اعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب} الآية تخويفاً، والمعنى: اعلموا - أيها الناس - أن الله شديد العقاب لمن عصاه، وأنه غفور لذنوب من أطاعه، أي: ساتر لها، رحيم (به). قوله: {مَّا عَلَى الرسول} الآية. هذه الآية تحذير من الله لعباده ووعيد، والمعنى: ليس على الرسول إلا أن يبلغ الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية، ثم إلى الله فعل الثواب بمن أطاع، والعقاب بمن عصى، {والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} أي: غير خفي عليه ما تبدون من طاعته ومعصيته، وما تخفون من ذلك.
100
وقيل: هذا مردود إلى قوله: {مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41]، وأخبر (الله) تعالى أنه يعلم ما يبدون من ظاهر الإيمان وما يكتمون من الكفر. قوله: {قُل لاَّ يَسْتَوِي الخبيث} الآية. المعنى: قل يا محمد: لا يعتدل الصالح والطالح {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث} أي: لو كثر أهل المعاصي، فإن أهل الطاعة - وإن قَلُّوا - هم أهل رضوان الله. و {الخبيث}: المشركون، والطيب: المؤمنون. وهذا خطاب للنبي عليه السلام، (و) يراد به أمته، ودل على ذلك قوله: {فاتقوا الله يا أولي الألباب} أي: فاتقوه فيما أمركم يا أولي العقول واحذروا أن يستفزكم الشيطان بإعجابكم بكثرة المشركين، وتضعف نيتكم بقلة المؤمنين، فإن المؤمن لا يستوي مع المشرك.
101
قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ} الآية. هذه الآية: نزلت في سبب أقوام سألوا النبي مسائل امتحاناً له، فيقول له بعضهم: (من أبي)؟، ويقول بعضهم إذا ضَلَّت ناقته: أين ناقتي؟، فنهى الله عن ذلك. قال أنس: " سأل الناس النبي حتى أحفوه بالمسألة، فصعد المنبر ذات يوم وقال: لا تسألوني عن شيء إلا بينتُ لكم. فألقى الناس ثيابهم على رؤوسهم يبكون، فأنشأ رجل كان إذا لاحى دعي بغير أبيه - فقال: يا رسول الله، من أبي؟، قال: حذافة، فقام عمر فقبّل رِجلَ رسول الله فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، أعوذ بالله من شر الفتن. فقال النبي A: أما والذي
نفسي بيده: لقد صُوِّرَت مثل (النار والجنة) آنفاً في عُرض هذا الحائط، فلم (أر كاليوم) في الخير والشر. قال الزهري: فقالت أم عبد الله بن حذافة له: ما رأيت ولداً أعقَّ منك قط!، أكنت تأمن أن تكون أمُّك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية، فتفضحها على رؤوس الناس؟، فقال: والله لو ألحقني بعبد / أسود للحقته ". وقال أبو هريرة: " خرج رسول الله صلى الله عليه - وهو غضبان - حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل (فقال): أين أنا؟ فقال: في النار. و (قام آخر فقال): من أبي؟، قال: (أبوك) حذافة. فقام عمر (وقال): رضينا بالله رباً
وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وبالقرآن إماماً، فنزلت هذه الآية ". وقال علي بن أبي طالب Bهـ: " لما نزلت هذه الآية {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً}، قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟، فسكت، ثم قالوا: أفي كل عام؟، فسكت، ثم قال: لا ولو قلت " نعم " لوجب، فأنزل (الله) الآية ". وروي أنه قال " لما كرر عليه السؤال: والذي نفسي بيده، لو قلت: " نعم " لوجبت، (ولو وجبت) عليكم، ما أطعتموه، ولو تركتموه لكفرتم، فأنزل الله {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ} الآية ". وروي عنه أنه قال: " لو قلت " (نعم) " لوجبت، و (لو وجبت) ثم تركتم،
لهلكتم، أسكتوا ما سكتَّ عنكم، فإنما هَلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فأنزل الله الآية ". وهذه القصة فيها ثلاثة فصول من النظم مختلفة: فمن قوله: {يا أيها} إلى قوله: {تَسُؤْكُمْ}: نهى عن السؤال للنبي فيما لا يعنيهم، فهذا فصل. - والثاني: قوله: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا} إلى {لَكُمْ}، والمعنى: وإن تسألوا عن أشياء أُخَر - غير الأول - تظهر لكم، (لأن) الله قد نهاهم عن السؤال، فكيف (يبيح لهم) ذلك؟ إنما تقديره: وإن تسألوا عن غيرها حين ينزل القرآن تظهر لكم، فيكون الكلام فصلاً ثانياً (مبيناً على حذف) المضاف وهو " غير "، إذ قد امتنع أن يقول لهم: لا تسألوا عن ذلك، وإن تسألوا عنه حين ينزل القرآن يظهر
لكم، فلما امتنع هذا لم يكن بد من تقدير حذف. والفصل الثالث: قوله: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ} فهذا سؤال لغير شيء، والسؤال الأول والثاني إنما هما سؤال عن الشيء: ما هو؟ وكيف هو؟، سؤال عن حال. وعن ابن عباس أنهم سألوا عن البحيرة (والسائبة) والوصيلة والحامي، فأنزل الله الآية ينهى عن السؤال، قال: ألا ترى أن بعده {مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ} [المائدة: 103] الآية، فهو جواب لمن سأل عنه. قوله: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ}. أي: ولكن [إن تسألوا] عنها إذ أنزل القرآن بها، فإنها تظهر لكم، قال تعالى:
{مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38] فنهاهم أن يسألوا عما لم يُنْزِلْ به كتاباً ولا وحياً. قوله: {عَفَا الله عَنْهَا} أي: ما لم يكن مذكوراً في حلال ولا حرام، فهو شيء عفا الله عنه، فلا تبحثوا عنه، فإنما هي أشياء حرَّمها الله فلا تنتهكوها، وأشياء أحلها فلا تحرموها، وأشياء عفا عنها وسكت عنها، فلا تبحثوا عنها، فلعلها إن ظَهَر لكم حكمها ساءكم ذلك، وإن سألتم عنها إذا نزل القرآن بها ظهرت لكم. {والله غَفُورٌ} أي: ساتر لذنوبكم، {حَلِيمٌ} عما ترتكبون من مخالفته. ثم أخبر أن قوماً سألوا عنها من قبلنا، فلما فرض عليهم، وبيّن لهم ما سألوا عنه وأعطوا ذلك، كفروا به، وذلك كقوم صالح الذين سألوا الناقة، وقوم عيسى الذين سألوا المائدة فكفروا لما نزلت. وقيل: المعنى: أنها نزلت فيما سئل النبي بمكة من قولهم: اجعل لنا الصفا ذهباً، فلم يلتفت إلى قولهم صلى الله عليه، فكفروا.
103
قوله: {مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ [وَلاَ سَآئِبَةٍ} الآية. أي: ما حرم الله ذلك. وقيل: المعنى: ما بحر الله بحيرة]، ولا وصل وصيلة ولا / سيب سائبة، ولا حمى حامياً، ولكن الكافرين اخترقوا ذلك. وقد تعلق قوم من الجهلة القائلين بخلق القرآن بقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً} [الزخرف: 3] أنه بمعنى فعلناه، أي: خلقناه، وهذه الآية تظهر جهلهم، وهو قوله: {مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ}، فإن كان " جعلنا " بمعنى " خلقنا " قد نفى عن نفسه هنا الجعل، فمن خلقها؟ (أَثَمَّ) خالق غير الله؟ ويدل على فساد قولهم: قوله تعالى:
{وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين} [القصص: 5]، فإن كان " جعل " بمعنى " خلق " فلم يكن القوم إذاً موجودين. وقد أخبر عنهم أنهم استضعفوا في الأرض، وقال: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} [البقرة: 124]، فيجب على قولهم أن يكون إبراهيم غير مخلوق في ذلك الوقت وقال: {وَيَجْعَلَ الخبيث بَعْضَهُ على بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ} [الأنفال: 37] فواجب - على قولهم - أن يكون قد ميز الخبيث من الطيب وهو غير موجود، وقال: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات} [النحل: 57] حكاية عن الكفار، (وتراهم) أيها الجهلة القدرية خلقوهم (هم)، إنما سموهم، ويلزمهم أن يكون القرآن خلق مرتين لقوله: {الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ} [الحجر: 91]، وقوله: {جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} [الزخرف: 3]، وهذا أكثر من أن يحصى. والجعل يكون بمعنى التعبير والوصف والتسمية، وقد يكون بمعنى الخلق بدلالةٍ تدل عليه، نحو قوله: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الأعراف: 189] أي: وخلق، لكن إذا كانت " جعل " بمعنى " خلق " لم تتعد إلا على مفعول واحد.
(و) روى زيد بن أسلم عن النبي A أنه قال: " قد عرفت أول من بحر البحيرة، (و) هو رجل من بني مُدْلج، كانت له ناقتان، فجدَع آذانهما، وحرم ألبانهما (وظهورهما وقال: هاتان لله: ثم احتاج إليهما فشرب ألبانهما) وركب ظهورهما، قال: فلقد رَأيتُه في النار، يُؤذي أهل النار (ريحُ قُصبِه) ". والبحيرة: " فَعِيلة " بمعنى " مفعولة "، وهي الناقة المشقوقة الأذن، يقال: بحرت أذن الناقة. والسائبة: " فاعلة " بمعنى " مَفعِلة "، كما قيل: راضية بمعنى مَرْضِية، وهي
المُخَلاَّة من المواشي، كانت الجاهلية تفعله ببعض المواشي، فيُحرِّم الانتفاع به على نفسه. وأما الوصيلة: فإن الأنثى من نعمهم كانت - في الجاهلية - إذا أتت بذكر وأنثى، قيل: " قد وصلت أخاها "، أي: منعته من الذبح، فسموها وصيلة. وأما الحامي: فهو الفحل من النعم يحمى ظهره من الركوب والانتفاع بسبب تتابع أولاد [تَحدُث] في فِحْلَتِه. وقال قتادة: كانت الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، نظر إلى البطن الخامس، فإن كان ذكراً أكله الرجال دون النساء، وإن كان ميتة اشترك فيه الرجال والنساء، وإن
كانت أنثى بحروا أذنها - أي: شقوها - وتركت، فلا يشرب لها لبن ولا [تركب]، وكانوا يسيّبون ما شاءوا من أموالهم، فلا يُمنع من ماء ولا كلأ، ولا ينتفع به. وكانت الشاة إذا نتجت سبعة أبطن، نظروا إلى البطن السابع، فإن كان ذكراً ذبح، فكان للرجال دون النساء، وإن كانت ميتة أكله الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت، وإن (كانت ذكراً) وأنثى، قيل: وصلت أخاها فمنعته من الذبح. وكان الحامي هو الفحل إذا ركب من ولده عشرة، / قيل: حمى ظهره، فلا يركب ولا ينتفع به ويطلق. ويقال: إن الناقة كانت إذا (تتابعت باثنتي عَشْرَةَ أنثى) ليس فيهن ذكر، سيبت فلم يركب ظهرها، ولم يجزّ وبرها ولم يشرب لبنها، فما نتجت - بعد ذلك - من أنثى شقَّ أذنها وخلاّها مع أمها في الإبل، فلم يركب ظهرها، كما (فعل)
بأمها، فهي البحيرة ابنة السائبة. والوصيلة: هي الشاة إذا نتجت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيهن ذكر، جعلت وصيلة، وقالوا: وصلت، فما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون إناثهم، إلا أن يموت منها شيء، فيشتركون في أكله: الذكور والإناث منهم. والحامي: هو الفحل إذا نتج (له) عشر إناث متتابعات، ليس بينهن ذكر، حمى ظهره فلم يركب ولم يجز وبره ويخلى في إبله يضرب فيها ولا ينتفع به لغير ذلك. فنفى الله جل ذكره عن نفسه أن يكون سمى شيئاً من ذلك أو صيّره كذلك، فقال: {ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب} أي: يخترقونه. و {الذين كَفَرُواْ}: هم اليهود، والذين {لاَ يَعْقِلُونَ}: أهل الأوثان.
وقيل: المراد بذلك أهل الجاهلية الذين سنّوا ذلك، فهم الكفار، والذين لا يعقلون: أتباعهم، أي: لا يعقلون أنه إنما سن لهم ذلك مَن تقدمهم من غير أمر (من) الله فيه، وأنه باطل كذب، وذِكْرُ أهل الكتاب - في هذا - لا معنى له، إذ ليس لهم في هذا صنع ولا سنة، وإنما ذكر ذلك عن مشركي العرب، فهم الذين عنوا بذلك. وقيل: إنهم لا يعقلون (أن) الشيطان حرمه عليهم وسنَّه لهم. وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله قال: " قَد عَرَفْتُ أََوَّلَ مَن سَيَّب السُّيَّب، ونصَّب النُّصُب وغَيَّرَ عَهْدَ إِبراهيمَ: عمرو بنُ لُحَيّ، لقد رأيتُه وإِنَّه لَيَجُرَّ قُصَبه في النار يؤذي أهلَ النار بريحه " القُصْبُ: الأمعاء. روى مالك أيضاً عن زيد بن أسلم عن عطاء أن النبي قال: " قد عرفت
104
أول من بحر البحائر: رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدع [آذانهما]، وحرَّم ألبانهما وظهورهما، ثم احتاج فركبهما وشرب ألبانهما، فلقد رأيتُهما وإيّاه في النار، وإنهما لتخبطانه بأخفافهما، وتعضانه بأفواههما " وفي ذلك اختلاف كثير والمعنى متقارب. قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَآ أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول} الآية. المعنى: وإذا قيل لهؤلاء الذين قد سموا ما ذكر من البحيرة وغيرها: تعالوا إلى كتاب الله وإلى رسوله ليتبين لكم كذب قولكم فيما سننتم، {قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ} أي: يكفينا ما صنع آباؤنا، ويرضينا من تحليل وتحريم، ثم قال الله تعالى لنبيه: أولو كان - يا محمد - آباء هؤلاء القائلين لا يعلمون شيئاً {وَلاَ يَهْتَدُونَ} أي: ولا يهتدون، جهلوا أنهم يفترون على الله بقيلهم ما كانوا يقولون، أيتبعونهم على فعلهم،
105
وهذه حالهم في الجهل. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الآية. (والمعنى): عليكم أنفسكم [إذا] أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يقبل منكم. وقال ابن عمر: هذه لأقوام يأتون بعدنا، إن قالوا لم يُقبل منهم، وأما نحن فقد قال رسول الله: ليُبَلِّغ الشاهد / الغائبَ، فكنا نحن الشهودَ وأنتم الغيب. وحكى جبير بن نفير عن جماعة من أصحاب النبي أنهم قالوا له في هذه الآية: عسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شُحّاً مطاعاً، وهوىً متَّبعاً وإعجابَ كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يَضرُّك من ضل إذا اهتديت. وقال ابن مسعود: لمّا يجىء تأويل هذه بعد، إن القرآن أُنزل حيث أُنزل،
منه آيٌ قد مضى تأويلهن قبل أن يَنْزِلْن، ومنه آي تأويلهن على عهد النبي، ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي بيسير، ومنه آي قد وقع تأويلهن يوم الحساب، فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تُلبَسوا شيعاً، ولم (يَذُق بعضكم) بأس بعض، فأْمُروا بالمعروف وانْهُوا عن المنكر. وإذا اختلفت الأقوال والأهواء، وأُلْبِستم شيعاً، وذاق بعضكم بأس بعض فامرُؤ ونفسَه، عند ذلك جاء تأويل هذه الآية. وقيل: هي في الكفار، لا يضر المسلمَ كفُر الكافر، عليه نفسه إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر. وجعلها ابن عباس وغيره عامة، وقال في معناها: إنّ العبد إذا أطاع الله فيما أمر به من الحلال والحرام فلا يضره من ضل بعده. وقال ابن المسيب وغيره: معناها: لا يضركم مَن ضل بعد أمركم إياه (بالمعروف) ونهيكم عن
المنكر. وروي عن أبي بكر الصديق أنه قال: يا أيها الناس لا تَغْتَرّوا بقول الله جل وعز {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} فيقول أحدكم: " علي نفسي "، والله، لَتَأْمُرُنَّ بالمعروف ولَتُنْهَوُنَّ عن المنكر [أو] لَيَسْتَعْمِلَنَّ عليكم شراركم فَلَيَسُومُنَّكم سوء العذاب، (وَلَيَدْعُنَّ) الله خيارُكم فلا يستجيب لهم. قال أبو بكر: سمعت رسول الله A يقول: إذا رأى الناس المنكر والظالم، فلم يأخذوا على يديه، فيوشك أن يَعُمَّهم الله بعقابه. وقال ابن جبير: معناها: لا يضرُّكُم من كَفَرَ بالله من أهل الكتاب، فإنما عليكم أنفسكم، وليس يضركم كفر الكافر.
(و) قال ابن زيد: كان الرجل إذا أسلم قال له أهل دينه الذي كان عليه: سفَّهتَ آباءك وضللتهم، وفعلت [بآبائك]. كذا وكذا، وكان ينبغي لك أن تنصر [آباءك]، فأنزل الله: {لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم} الآية، (أي) إنما عليكم أنفسكم، وليس عليكم من ضلالة آبائكم شيء. وقد قيل: إن ذلك في الأمر، أُمِروا بأنفسهم، وأُعلِموا أنهم لا يضرهم ارتداد من ارتد، ولا كفر من كفر وقيل: الآية منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والاختيار عند أهل المنظر أن يكون المعنى: لا يضرّكم من ضل بعد أمركم إياه بالمعروف ونَهيِكم عن المنكر، وإنما ذلك لأن الله أمر المؤمنين بالقيام بالقسط، وأن يتعاونوا على البر والتقوى: ومن القيام بالقسط: الأخذ على يدي الظالم، ومن التعاون على البر والتقوى: الأمر بالمعروف وليس في ذلك رخصة إلا العجز عن القيام بها. ومعنى {إِذَا اهتديتم}: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، فليس يضركم من ضل بعد ذلك. وقد قال الله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} [آل عمران: 104]، وذم اليهود فقال: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} [المائدة: 79] / ولعنهم على تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأجمع أهل العلم على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض يجب على الأمراء، ويُعينُ على ذلك المؤمنون إذا احتيج (إليهم)، وبعض الناس يحمله عن بعض: كالجهاد، فهذا إجماع العلماء ويجب على الإنسان - في النظر والقياس - أن يأمر
106
من ضيع شيئاً من الخير بما يأمر به نفسه، وينهى عن الشر كما ينهى عنه نفسه. وكل شيء وجب لك فعله، وجب عليك الأمر به [أو النهي عنه. والأمر بالمعروف هو النهي عن المنكر]، لأن ترك المنكر معروف وترك المعروف منكر. قوله: {إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} أي: إليه تردون فيحكم بينكم فيما أمرتم به فلم يقبل منكم، أو نهيتهم عنه، فينتقم من المتَعدِّي على محارمه، ويجازي الدال على مرضاته. قوله: {يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت} الآية. وهذه الآية - عند أهل المعاني - من أشكل ما في القرآن إعراباً! ومعنى وحكماً.
فقوله: {شَهَادَةُ} رفع بالابتداء، و {اثنان} الخبر، والتقدير: فيه شهادة اثنين، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وقيل: التقدير: عدد شهادة بينكم اثنان، ثم حذف، و " ما " محذوفة مع " بينكم "، تقديره: ما بينكم، و [" ما " المحذوفة] إشارة إلى التنازع والتشاجر. وقيل: {اثنان} رفع بفعلهما، والتقدير: ليكن منكم أن يشهد اثنان.
وقيل: {إِذَا حَضَرَ} خبر الشهادة: لأنها مستأنفة ليست واقعة لكل الخلق، و {اثنان} - على هذا - بفعلهما، تقديره أن يشهد اثنان، ودل على ذلك {شَهَادَةُ} المتقدم ذكرها. قوله: {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ} {آخَرَانِ}: ارتفعا بفعل مضمر، و {يَقُومَانِ} نعت، و {الأوليان} بدل من {آخَرَانِ} أو من المُضمر في {يَقُومَانِ}. روى اسحاق الأزرق عن أبي بكر عن عاصم (شهادةٌ) بالتنوين، (بينكم) بالنصب، وهي مروية عن الأعرج.
ورُوي عن أبي عبد الرحمن المقريُ {شَهَادَةَ} بالنصب والتنوين على: " ليشهد اثنان شهادةً "، فهو مصدر. (و) روى عبد الله بن مسلم {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله} بالنصب فيهما وتنوين (شهادةً) على معنى: لا نكتم الله شهادةً. وقيل تقديره: ولا نكتم شهادة والله، فلما حذفت الواو تعدى الفعل [إلى] المُقسم به فنصب.
وقرأ الشعْبي (شهادةً) بالتنوين، (اللهِ) بالخفض على القسم، أعمل الحرف وهو محذوف، وقد أجازه سيبويه، ومنع ذلك غيره. وقرأ أبو عبد الرحمن {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله} بالمد، جعل ألف الاستفهام عوضاً من حرف القسم، فخفض بها كالحرف. وقرأ ابن محيصن: [(إنا إذاً لملاثمين)] أدغم النون في اللام، وهو بعيد في العربية، وهو مثل (عادً [لوُلَى] في قراءة نافع، وإنما بعد، لأن اللام حكمها
السكون، والحركة التي عليها إنما هي للهمزة، والمدغم لا يدغم أبداً إلا في متحرك أصلي، وليست اللام بأصلية الحركة. ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا ليشهد بينكم - إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية - اثنان ذوا عدل منكم، (أي من المسلمين وقيل: من أهل الموصي. والأول أكثر. قال الحسن: {اثنان ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} أي: من العشيرة، لأن العشيرة أعلم بالرجل وماله وولده، وأجدر ألا ينسوا ما يشهدون عليه، فإن لم يكن من / العشيرة أحد، فآخران من غير العشيرة، فإن شهدا - وهما عدلان - مضت شهادتهما، وإن ارتيب في شهادتهما حبسا بعد صلاة العصر فيقسمان بالله {لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قربى
وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله}، فتمضي شهادتهما إذا حلفا، وإنما استُحلفا، لأنهما وصيان شاهدان، فإن اطلع - بعد ذلك - أنهما شهدا بزور، حلف وليان من الورثة، واستحقا ما حلفا عليه، وهو معنى قوله: {فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقآ إِثْماً} أي: (حلفاً) زوراً، {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} أي: مقام الشاهدَيْن، {فَيُقْسِمَانِ بالله لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا} أي: لَيمَينُنا أحق من يمينهما، {ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَآ}، أي: يأتي الشاهدان بالشهادة على حقها، ولا يغيّرانها. وهذا منسوخ عند أكثر العلماء. وقال الحسن: يحلف الشهود، وليس بمنسوخ. ومن قال: إن معنى {ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} من المسلمين، (قال: أو) من غيركم: من غير المسلمين لتصح المحاذاة، لأن نقيض المسلم الكافر. ومن قال: معنى:
{ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} من قبيلتكم أو من عشيرتكم أو من أهليكم، قال: معنى: ([من] غيركم): من غير قبيلتكم أو من غير عشيرتكم أو [من] (غير) أهليكم، فهو كله (في المسلمين) لتصح المحاذاة في الطرفين، ثم يقع الاختلاف في النسخ على ما ذكرنا وما نذكر على اختلاف هذه المعاني. والشهادة (هنا) بمعنى الإشهاد على الوصية، فالاثنان يشهدان على الوصية.
وقيل: الشهادة هنا بمعنى الحضور، أي: ليشهد اثنان، أي: ليحضر اثنان حين الوصية، فهما وصيان لا شاهدان، واستدل الطبري على أنه غير الشهادة التي تؤدي للمشهود له، أنْ قال: إنا لا نعلم لله حكماً يجب فيه على الشاهد اليمين، فيكون جائزاً أن يصرف الشهادة في هذا، وتكون هي التي يقام بها عند الحاكم للمشهود له، (و) في حكم اله باليمين على ذوي العدل [أو] على من قام مقامهما باليمين - يقول: {تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصلاة فَيُقْسِمَانِ بالله} - أَوُضَحُ دليل على أنه ليس يراد به الشهادة التي يقضى بها للمشهود له. وقوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} قال ابن المسيب: معناه: من غيركم، أي: من أهل الكتاب. وقال ابن جبير: أي: من غير أهل ملتكم، وقال الحسن: معناه: شاهدان من قومكم أو من غير قومكم. وقيل: معناه: من غير حيّكم.
قوله: {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض} أي: سافرتم ذاهبين وراجعين، فنزل بكم الموت. وقوله: {تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصلاة} هذا خطاب للمؤمنين، والمعنى: إذا ضربتم في الأرض، فأصابتكم مصيبة الموت، فأوصيتم إلى اثنين عدلين، وفي الكلام حذف واختصار، تقديره: ودفعتم إليهما ما معكم من مال ثم متم، وذهبا إلى ورثتكم بالتركة، فارتابوا في أمرهما واتهموهما (وادعوا) عليهما خيانة، فإن الحكم في ذلك أن [تحبسوهما]، أي: تتوثقوا منهما بعد الصلاة، وفي الكلام حذف أيضاً وهو ما ذكرنا، فيقسمان بالله لا نشتري بأيماننا ثمناً، (أي) لا نحلف كاذبين على عرض نأخذه من حق هؤلاء الورثة، {وَلَوْ كَانَ ذَا قربى} يقسمان / بالله لا نشتري بأيماننا ثمناً قليلاً ولو كان الذي نقسم له به ذا قرابة منا.
قال ابن عباس: إنما هذا لمن حضره الموت في سفر ولم يجد مسلمين، فأمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين، فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد العصر: بالله لم نشتر بشهادتنا ثمناً. فقوله: {تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصلاة} (- على قول ابن عباس - من صفة الآخرين، والمعنى: أو آخران من غيركم تحبسونهما من بعد الصلاة) إن ارتاب الورثة في مال الميت، فيقسمان بالله لا نشتري بأيماننا ثمناً، ولو كان ذا قربى. والصلاة - عند أبي موسى الأشعري وابن جبير - صلاة العصر. وقيل: هي صلاة من صلاة أهل دينهم. قال السدي وغيره: أمر الله المؤمنين أن يُشهدوا عند الموت في الحضر شاهدْين (من المسلمين) فيما عليه وله، وأمرهم أن يشهدوا في السفر شاهدين
من غير ملتهم إذا عدموا أهل ملتهم، كانوا يهوداً أو نصارى أو مجوساً، فإذا دفع إليهما ماله، (فإن أتهمهما) أهل الميت حبسوهما بعد الصلاة وحلفا: بالله لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى، وذلك صلاة أهل ملتهما، ويقولان بعد ذلك: {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآثمين}، إن صاحبكم لبهذا أوصى، وإن هذه التركة، (ويخوفهما) الامام قبل اليمين، ف {ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَآ}. قال ابن زيد: " لا نشتري به ثمناً " لا نأخذ به رشوة. قال: الهاء في " به " تعود على القسم، وهو اليمين، وقيل: بل تعود على الله جل ذكره. قوله: {فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقآ إِثْماً} أي اطلع على أنهما خانا بعد حلفهما، وأنهما حلفا كاذبين في أيمانهما (ما خنا)، فيقوم آخران من ورثة الميت حينئذ
مقامهما، فيحلفان أنه كان كذا وكذا، ويستحقون ما حلفوا عليه. وقال ابن عباس: يحلفان: إن شهادة الكافرين كانت باطلاً، وأنّا لم نَعْتَدِ في دعوانا، إذا اطلع أنهما كذبا في يمينهما وخانا، فترد شهادة الكافرين وتجوز شهادة المؤمنين. وقيل: إنما يحلف أولياء الميت إذا أدعى الشاهدان أنه أوصى بما لا يجوز في دين الإسلام، كقولهم: أوصى بماله كله "، فيحْلف اثنان من أولياء الميت: إن صاحبنا (ما كان يرضى بهذا ولا نرضى به، وإنهما) يكذبان. وشهادتنا أحق من شهادتهما. والأكثر على أن الأولياء يحلفون إذا وجدوا خيانة بعد يمين الكافرين، أو قيل لهم (إنهما) غير مرضيين، فيحلفان: لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإنه لقد ترك كذا وكذا، وما أوصى بكذا ونحوه. وقيل: إنما ألزم الشاهدان اليمين، لأنهما زعما أن الميت أوصى لهما بكذا وكذا، فإن عثر على أنهما كاذبان في ذلك، حلف آخران من أولياء
الميت: لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا. وجماعة من العلماء يقولون: كان هذا ثم نُسخ. ولا تجوز شهادة كافر على مسلم، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة، وهي منسوخة عندهم. وقيل: ذلك جائز إذا كانت وصية، وهو قول ابن عباس وغيره. وقيل: الآية كلها / في المسلمين، والآخران من المسلمين، وهو قول الزهري والحسن. وقيل: الشهادة - هنا - بمعنى الحُضور، وقد تقدم ذكره. وقيل: الشهادة - هنا بمعنى اليمين، فمعنى " شهادة أحدكم ": أي: يمين
أحدكم أن يحلف اثنان، وهو اختيار الطبري. فال ابن عباس: كان تميم الداري وعدي يختلفان إلى مكة للتجارة - نصرانيين -، فخرج معهما رجل من بني سهم، فتوفي بأرض ليس بها مسلم فأوصى إليهما، فوصّلا تركته إلى أهله، وحبسا جَاماً من فضة مُخَوَّصاً بالذهب، ففقده أولياء الميت السهمي، فأتوا النبي، فاستحلفهما: " ما كتمنا ولا اطلعنا "، ثم عُرفَ الْجامُ بمكة، [فقالوا]: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي
فحلفا بالله إن هذا لَجَامُ السهمي، ولشهادتُنا أحقُّ من شهادتهما وما اعتدينا، إنّا إذاً لمن الظالمين، وأخذا الْجَامَ، ففيهم نزلت الآيات. والروايات في هذا الخبر كثيرة مختلفة الألفاظ، ترجع إلى معان يقرب بعضها من بعض. وتقدير قراءة من قرأ بضم التاء وقرأ (الأوليان) أنه أراد: فآخران من أهل الميت - الذين استحق المؤتمنان على مال الميت الإثم منهما - يقومان مقام [المُسْتَحِقَّيِ] الإثم منهما لخيانتهما. و (من قرأ) بفتح التاء، فتقديره: فآخران يقومان [مقام] المؤتمَنيْن
109
اللَّذَين عثر على خيانتهما. قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل} الآية. المعنى: " واحذروا يوم يجمع الله الرسل. ومعنى {مَاذَآ أُجِبْتُمْ}: ما أجابتكم أممكم حين دعوتموهم؟، فذهلت عقول الرسل عليهم السلام لهول اليوم، فقالت: {لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ}، فلما سئلوا في موضع آخر ورجعت إليهم عقولهم أجابوا. وقيل: المعنى: لا علم لنا، لأنك أعلم به منا. وقال ابن عباس: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا. وقال ابن عباس: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا. وهو اختيار الطبري، يدل على ذلك أنهم ردوا العلم إليه، فقالوا {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب}.
وقال مجاهد: تنزع أفئدتهم فلا يعلمون، ثم ترد إليهم أفئدتهم فيعلمون. وقيل: معناه: لا علم لنا بما عملته أُمَمُنا بعدَنا، {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب}. وقال ابن جريج: المعنى: ماذا عملت أمتكم بعدكم؟، فيقولون: لا علم لنا حقيقة، (أي لا علم لنا) بما غاب عنا، إنك أنت علام الغيوب. وَيشُدُّ هذا التأويل قول النبي عليه السلام: " يَرِد عليَّ قومٌ الحوضَ [فَيُخْتَلَجون]، فأقول: أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ".
وقد طُعِن في قول ابن جريج، لأن الله لا يسأل عما غاب عن الأنبياء ولم يُعلمهم به، وقد قيل: إن الرسل لا يفزعون، لانهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والمعنى: ماذا أجبتم في السر والعلانية، ومعنى مسألة الله الرسل [عما] أجيبوا، إنما هو بمعنى التوبيخ لمن أرسلوا إليهم، كما قال: {وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ * (بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ)} [التكوير: 8 - 9]، وإنما تُسأل هي على التوبيخ (لقاتلها). وقيل: إنما سألهم الله عن السر والعلانية، فرَدّوا الأمر إليه، إذ ليس عندهم إلاّ علمُ الظاهر، والباطن عِلمُه إلى الله، لأنه يعلم الغيب، وهذا القول أحب الأقوال إليّ، لأن سؤاله لهم سؤالاً عاماً يقتضي السؤال عن سر الأمم وعلانيتها، والسر علمه إلى من يعلم / الغيوب، (وهو الله جل ذكره، فأقروا بأنهم لا علم عندهم منه، ورَدّوا
110
العلم إلى من يعلم الغيب). قوله: {إِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ اذكر نِعْمَتِي} الآية. قرأ ابن محيصن {إِذْ أَيَّدتُّكَ}، وكذلك روي عن مجاهد، وهما لغتان. والمعنى: واحذروا يوم يجمع الله {الرسل}، فيقول كذا وكذا، إذ قال الله يا عيسى ابن مريم. (و) قوله: {(أَيَّدتُّكَ) بِرُوحِ القدس} أي: أعنتك بجبريل. وقوله: {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكتاب} هو الخط، {والحكمة}: الفهم بمعاني الكتاب، {والتوراة}: وهو ما أنزل على موسى، {والإنجيل}، وهو الذي أنزل عليه، ومعنى {بِإِذْنِي}: أي: بعوني لك.
ومعنى {تَخْلُقُ} تعمل وقيل: تُقَدِّر. {وَتُبْرِىءُ الأكمه} هو الذي يولد أعمى، وقيل: يكون الأكمه أيضاً (الذي) يعمى بعد البصر. {وَإِذْ تُخْرِجُ الموتى} أي: تخرجهم أحياء من قبورهم، {بِإِذْنِيِ} أي: بعوني {وَإِذْ كَفَفْتُ بني إِسْرَائِيلَ عَنكَ} أي: منعتهم إذ هموا بقتلك لما جئتهم بالبينات، وهذا كله تعديد نِعمِ الله على عيسى. والبينات: الأدلّة المعجزة الدّالّة على نبوتك. {إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}: من قرأ {سِحْرٌ} فمن أجل أن بَعْدَه {مُّبِينٌ}، والسحر مما يوصف بالبيان.
111
ومعنى {سِحْرٌ} أي عمله، وما أظهره سحر. ومن قرأ: (ساحر)، فلأن المذكور في الكلام هو عيسى، وليس مما يوصف بأنه سحر، لأن الإنسان لا يكون سحراً، إنما يكون ساحراً، وكل ساحر لا يسمى بذلك حتى يعمل السحر، وكل من أضيف إليه سحر فهو ساحر فالقراءتان متقاربتان. والكهل: ابن أربعين سنة، وقيل: ابن أربع وثلاثين سنة. ومعنى النعمة على عيسى في أن يكلم الناس كهلاً: أنه مد في عمره إلى أن بلغ الكهولية. قوله: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين} الآية. المعنى: واذكر اذ أوحيت إلى الحواريين، ومعنى {أَوْحَيْتُ}: قذفت في قلوبهم،
112
قاله السدي. وقيل: ألهمتهم، والحواريون: وزراء عيسى. قوله: {إِذْ قَالَ الحواريون ياعيسى ابن مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ} الآية. روي عن ابن عامر: (الحواريون) بالتخفيف، استخفافاً، والتشديد الأصل. ومعنى الآية: أنهم سألوا ذلك ليثبتوا في صدقه، كما قال إبراهيم {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى} [البقرة: 260]. وقيل: إنهم إنما سألوا (هذا) قبل أن يعلموا أن عيسى يبرئ الأكمه، ويحيي الموتى، فسألوه آية.
ومعنى: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ}، أي: ينزل علينا ربك مائدة، كما تقول للرجل: " أتستطيع أن تنهض معي في كذا؟ "، وأنت تعلم أنه مستطيع، وإنما تريد: " أتنهض معي في كذا؟ ". وقيل: معناه: هل يستجيب لك ربك إن سألته؟. وقال الحسن: المعنى: هل ربك فاعل بنا ذلك؟. والعرب تقول: " ما أستطيع ذلك "، أي: ما أنا فاعل ذلك، وهو يستطيع. وقيل: إنهم سألوه قبل أن يكونوا مؤمنين محققين، ثم آمنوا بعد ذلك، ودل على ذلك استعظام عيسى لقولهم، وقوله لهم: {اتقوا الله إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ}. قال ابن شهاب: قال ابن عباس: قال عيسى لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على مَن عمل له!، [ففعلوا ثم قالوا: يا معلّم الخير، قلتَ لنا: " إن أجر العامل على مَن عمل له "]، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً، ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً
إلا أطعمنا - حين فرغ - طعاماً، فهل يستطيع ربك أن ينزّل / علينا مائدة من السماء؟ فقال عيسى: {اتقوا الله إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ}، فاعتذروا بقولهم: {نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} أي: بنبوتك، ونعلم صدقك، فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء، عليها سبعة (أرغفة وسبعة أحوات) حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم. قال السدي المعنى: " هل يطيعك ربك إن سألته ". وقرأه الكسائي بالتاء، ونصب (ربَّك)، ومعناها: أن الحواريين لم يكونوا شاكين، إنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟. قالت عائشة: كان الحواريون لا يشكون أن الله قادر على أن ينزل عليهم
مائدة. (و) روي عنها أنها قالت: كان الحواريون أعرف بالله من أن يقولوا: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}. (و) تقدير قراءة الكسائي: هل تستطيع مسألة ربك أن ينزل علينا مائدة. والمائدة فاعلة، من مادَ فلان القوم يميدهم: إذا أطعمهم. قال أبو عبيدة: (مائدة) من العطاء، وهي " فاعلة " بمعنى مفعولة وقال الزجاج: " مائدة: فاعلة من مادَ يميد: إذا تحرك "، ومنه ماد الرجل في البحر: إذا دار رأسه وقيل:
114
المائدة: المطعمة، كأنها الطاعمة. ومعنى قوله: {اتقوا الله} أي: اتقوه أن تَنزِل بكم عقوبة، فإن الله سبحانه لا يعجز عن شيء أراده، فلا تَشُكّوا في قدرته هذا على قراءة الجماعة. قوله تعالى: {قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ اللهم رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا} الآية. قوله: {تَكُونُ لَنَا}: حال بمعنى: كائنة. وقرأ الأعمش (تكُن) جعله للطلب. وقرأ الجحدري: (لأولانا وأُخرانا).
فالمعنى: نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيداً لما ولمن بعدنا. وقيل: معناه: نأكل منها جميعاً، قاله ابن عباس. (و) روي أن عيسى عليه السلام قام فلبس الشعر، وكان يلبس الصوف بالنهار والشعر بالليل، فلبس جبة من شعر ورداء من شعر، ووضع يمينه على شماله ثم وضعهما على صدره، ثم صف (بين) قدميه، فألصق الكعب بالكعب، وساوى الإبهام بالإبهام، وطأطأ رأسه خاشعاً، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فبكى حتى سالت الدموع على لحيته، فجعلت تقطر على صدره، فقال: {اللهم رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء}، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها، وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها تهوي مُنْقَضّة وعيسى صلوات الله عليه يبكي ويقول: اللهم اجعلني لك من الشاكرين، إلهي اجعلها رحمة ولا تَجعلها عذاباً، إلهي كم أسألك من العجائب فتعطيني، إلهي أعوذ بك من أن تكون أنزلتها غضباً وزجراً، اللهم اجعلها عافية وسلامة
ولا تجعلها مثلة ولا فتنة حتى استقرت بين يدي عيسى والناس حوله يجدون ريحاً طيباً، لم يجدوا مثلها قط، وخرّ عيسى ساجداً والحواريون معه، وبلغ اليهود ذلك، فأقبلوا غماً وكيداً ينظرون أمراً عجيباً، وإذا منديلٌ قد غطى السفرة، وجاء عيسى عليه السلام، فجلس وقال: من كان أَجرأَنا وأَوثَقَنا بنفسه، وأحسَنَنا يقيناً عند ربنا، فليكشف عن هذه الآية حتى ننظر ونأكل ونسمي اسم ربنا ونحمد إلهنا. فقال {الحواريون}: أنت أولى بذلك يا روح الله وكلمته /. فئوضاء عيسى وضؤاً جيداً، وصلى صلاة طويلة، ودعا دعاءً كثيراً، وبكى بكاءً طويلاً، ثم قام حتى جلس عند السفرة ثم قال: بسم الله خير الرازقين، وكشف المنديل، فإذا سمكة طرية مشوية، ليس عليها قشورها، وليس لها شوك، وتسيل سيلاً من الدسم، قدم نُضِّد حولها
البقول ما خلا الكراث، وإذا خلٌّ عند رأسها، وملح عند ذنبها، وسبعة أرغفة، على كل واحد منها زيت، وعلى سائرها حَبَّ رمان وتمر، فقال شمعون رأس الحواريين -: يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا، (أم من) طعام الآخرة؟، فقال عيسى صلى الله عليه: أو ما نُهيتم عن تفتيش المائدة؟، ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا. فقال (شمعون): لا وإله إسرائيل، ما أردت سوءاً (يابن) الصديقة. قال عيسى: نزلت وما عليها من السماء شيء، وليس شيء مما ترون عليها من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة، هي وما عليها: شيء ابتدعه الله بالقدرة الغالبة، قال (له الله): " كن "، فكان، فكلوا مما سألتم واحمدوا عليه ربكم يمددكم ويزدكم. قالوا: يا روح الله وكلمته، لو أَرَيْتَنا اليوم آية من هذه الآية. فقال عيسى: احْيَِيْ بإذن الله، فاضطربت
السمكة حية (طرية)، تدور عيناها في رأسها، ولها وبيص تتلمط بفيها كما يتلمط الأسد، وعاد عليها قشورها، ففزع القوم، فقال عيسى: ما لكم تسألون عن أشياء إذا أعطيتموها كرهتموها، ما أخوفني عليكم (أن تُعذَّبوا)، يا سمكةُ عودي كما كنت بإذن الله، فعادت السمكة مشوية كما كانت، ليس عليها قشور بإذن الله. فقالوا: كن أنت - يا روح الله - الذي يأكل منها أول مرة، ثم نأكل نحن. فقال عيسى: معاذ الله، بل يأكل منها من طلبها وسألها، ففَرِق الحواريون من أن يكون نزولها سخطاً ومثلة، فلم يأكلوا منها، فدعا عيسى أهل الفاقة والزَّمانة من العميان والمجذومين والبُرْص والمُقْعدين والمجانين وأصحاب الماء الأصفر، فقال لهم:
كلوا من رزق ربكم، وادعوه يزدكم، إنه ربكم واحمدوه يكن المُهْنَأ لكم، والبلاء لغيركم، واذكروا اسم الله وكلوا. ففعلوا وصدروا عن تلك السمكة والأرغفة وهم ألف وثلاث مائة بين رجل وأمرأة، (و) من بين فقير وجائع وزَمِن، فصدروا كلهم شباعاً يَتَجَشَّؤون، فنظر عيسى صلى الله عليه فإذا المائدة كهيئتها إذ نزلت من السماء، فرفعت السفرة وهم ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها، فلم يزل غنياً حتى مات، وبرأ كل زَمِن أكل منها، وقدم الحواريون وسائر الناس ممن أبى أن يأكل منها. ثم كانت تنزل بعد ذلك، فيأتي الناس إليها من كل مكان، فزاحم بعضهم بعضاً: الأغنياء والفقراء والرجال والنساء والأصحاء والمرضى، فلما رأى (ذلك عيسى) جعلها نُوَباً بينهم، فكانت تنزل غباً، تنزل يوماً ولا تنزل يوماً،
كناقة صالح في الشرب، فأقاموا بذلك أربعين صباحاً تنزل عليهم ضحاً، فلا تزال موضوعة حتى إذا (فاء الفيء) طارت صاعدة ينظرون / إلى ظلها حتى تتوارى عنهم، وأوحى الله D إلى عيسى (أن) اجْعل مائدتي ورزقي في اليتامى والزَّمنى دون الأغنياء من الناس. فلما فعل ذلك، أعظمت (ذلك) الأغنياء، فادعت القبيح حتى شككوا الناس وشكوا، فوقعت الفتنة في قلوب الشاكين، حتى قال قائلهم: يا مسيح، وإن المائدة لحق؟، (و) إنها لتنزل من عند الله؟، فقال عيسى: ويلكم هلكتم، (فأبشروا) (بالعذاب) إلا أن يرحم الله. فأوحى الله إلى عيسى: إني آخذ شرطي من الكذابين، وقد اشترطت عليهم أن أعذب من كفر منهم بعد
نزولها (عذاباً) لا أعذبه أحداً من العالمين. فقال عيسى: (رب) {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} [المائدة: 118]، فمسخ الله جل ذكره ثلاثة وثلاثين رجلاً منهم خنازير من ليلتهم، فأصبحوا يأكلون العذرة والخشوش، وأصبح الناس يطوفون بعيسى (فزعاً ورهباً من عقوبة الله، وعيسى) يبكي، وأهلوهم يبكون معه، وجاءت الخنازير تسعى على عيسى حين أبصرته، فأطافوا به ينظرون إليه، ويشمّون ريحه، ويسجدون له، وأعينهم تسيل دموعاً لا يستطيعون الكلام، فقام عيسى يناديهم بأسمائهم: " يا فلان "، فيومئ إليه برأسه: " نعم "، فيقول " قد كنت أحذركم عذاب الله، وكأني كنت انظر: إليكم قد مُثّل بكم في غير صوركم.
قال وهب بن منبه: كانت مائدة يجلس عليها أربعة آلاف، فقال رؤساء القوم لقوم من ضعفائهم: إن هؤلاء يُلطّخون علينا ثيابنا، فلو بنينا (لها بناء) يرفعها. فبنوا لها دكاناً، فجعلت الضعفاء لا تصل إلى شيء، فلما خالفوا أمر الله رفعها عنهم. قال ابن عباس: أكل منها آخرهم كما أكل أولهم، فكانت لجميعهم عيداً. وقوله: {وَآيَةً مِّنْكَْ}: (أي آية) على قدرتك، وعلى أني رسولك. ونزلت عليهم وعليها حوت وطعام، فأكلوا (منها)، ثم رفعت لأحداث أحدثوها. (وقيل): كان في المائدة سمكة فيها من طعم كل طعام.
قال ابن عباس: نزلت المائدة مرتين وعنه: نزلت مراراً. وقال سلمان كذلك. وقيل: وكانت تنزل يوماً وتغيب يوماً. قال الحسن: لما قال الله {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} قالوا: لا حاجة لنا إليها فلم تنزل. قال الفراء: نزلت - فيما ذكر - يوم الأحد مرتين: غدوة وعشية، فلذلك اتخذوه عيداً. وعن ابن عباس أنه قال: كانوا يأكلون منها أينما نزلوا إذا شاءوا. وقال وهب بن منبه: نزلت عليهم قرصة من شعير وأحوات. وقال مجاهد: هو طعام ينزل عليهم حيث ما نزلوا. وقال إسحاق بن عبد الله: نزلت على عيسى
سبعة أرغفة وسبعة أحوات، يأكلون منها متى شاءوا. قال فسرق بعضهم منها وقال: لعلها لا تنزل غداً (فرفعت). وروي عن ابن عباس أنه قال: أُنزل على المائدة كل شيء غير اللحم. قال قتادة: لما صنعوا في المائدة ما صنعوا من الخيانة، حُوِّلوا خنازير، وكانوا أمروا ألا يخونوا ولا (يخبئوا ولا يدخروا)، فخانوا وخبؤوا وادخروا. (و) روى عمار / عن النبي عليه السلام أنه قال: " نزلت المائدة خبزاً ولحماً، وأمروا ألا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا و (رفعوا لغد)، فمسخوا قردة وخنازير ".
قال عمار بن ياسر: لم يتم يومهم حتى خانوا وادخروا ورفعوا. وروي عن عمار بن ياسر أنه قال: كان عليها ثمر من ثمار الجنة. قال مجاهد: إنما هو مثل ضربه الله لينتهوا عن مسألة النبي، ولم ينزل الله عليهم شيئا. وقيل: لما قيل لهم: {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ} الآية، استعفوا، فلم ينزل عليهم شيء، قال ذلك الحسن. وقال مجاهد: أبوا ذلك حين عرض عليهم العذاب. والذي عليه أكثر العلماء أن الله أنزلها عليهم، لقوله {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ}، ولا يجوز
أن يخبر أنه ينزلها، ثم لا ينزلها. ومعنى {مِّنَ العالمين}: من عالمي زمانكم. وكان نزول المائدة يوم الأحد، فلذلك اتخذوه عيداً. والعذاب الذي أُوعِدوا به، قيل: هو متأخر إلى الآخرة. وقيل إنَّهم عُجِّل لهم ذلك في الدنيا بأنهم مسخوا قردة وخنازير. وروي أن المائدة لما نزلت عليهم فرقوا أن تكون عقوبة وسخطاً، فقالوا: يا روح الله، كن أنت أول من يأكل منها، ثم نأكل نحن. فقال عيسى: معاذ الله، ولكن يأكل منها الذين طلبوها. فلم يأكلوا منها خوفاً أن تكون سخطاً عليهم، فدعا لها عيسى أهل الفاقة والحاجة والزمنى والعمي والبرص، وكل مَن به داء، فقال لهم: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واذكروا اسم الله. فأكلوا حتى شبعوا وهم ألف وثلاث مائة، قاله سليمان.
116
وقال مقاتل: كانوا خمسين ألفاً، وأفاقوا من كل دائهم. قوله: {وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} الآية. المعنى: واذكر إذ قال {الله}. وجماعة من المفسرين على أن الله أخبرنا أنه قال لعيسى حين رفعه إليه، قاله السدي وغيره. وقيل: هو خبر من الله عما يكون في القيامة، قال ابن جريج: يقول ذلك لعيسى والناس يسمعون، فيراجعه بالإقرار والعبودية، فيعلم من كان يقول في عيسى ما يقول أنه إنما كان باطلاً. ودَلّ قوله: {هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين} على أنه يوم القيامة. و (إذ) - على هذا - بمعنى " إذا "، ويكون {قَالَ} بمعنى " يقول " كما قال: {وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ} [سبأ: 51] أي:
إذا (فزعوا) وإذ يفزعون. والمسألة في قوله: {أَأَنتَ قُلتَ} إنما هي على وجه التوبيخ للذين ادعوا عليه ذلك، وهم بنو إسرائيل. واختار الطبري قول السدي أنه خبر قد كان حين رفعه الله إليه، لأن (إذ) {فِي} (الأغلب) من كلام العرب - لما مضى - فحَمْلُ الكلام على الاكثر الفاشي أولى، ولأن عيسى لا يشك - هو ولا أحد من الأنبياء - أن الله لا يغفر لمن مات على شركه، فيجوز أن يتوهم على عيسى أنه قال في الآخرة - مجيباً لربه إذ سأله عمن اتخذه (هو) وأمه إلهين {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} [المائدة: 118].
ووجه سؤال الله لعيسى عما قد علم أنه لم يفعله: هو على معنى تنبيه المسؤول على الاستعظام، كقولك للرجل: " أفعلت كذا وكذا؟ " - وأنت تعلم أنه لم يفعله - / ليستعظم فعل ما قد سألته عنه، وقيل: إنما سأله عن ذلك على وجه إعلامه أن أمته قد فعلت ذلك بعده، فأعلمه حالهم بعده. ومعنى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي} أي: تعلم غيبي، ولا أعلم غيبك حتى تُطلِعَني عليه، {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب} أي: علام الخَفِيّات من الأمور. وقيل: المعنى: تعلم حقيقتي ولا أعلم (غيبك) ولا حقيقتك. والنفس - في كلام العرب - يجري على ضربين: على النفس التي بخروجها يكون الموت، كقولك: " خَرَجَت نفسُ فلان " أي: مات. ويكون جملة الشيء وحقيقته، تقول: " قَتَل فلان نفسَه "، فليس المعنى (أن) الهلاك وقع ببعضه، إنما وقع بذاته كلها وحقيقته. وأجاز بعضهم الوقف على (ما
117
ليس {لِي}، ويكون {بِحَقٍّ} متعلقاً بـ {عَلِمْتَهُ} على معنى: فقد علمته بحق، ورد ذلك بعضهم، لأن التقديم والتأخير لا يجوز إلا بتوقيف أو فيما {لاَ} يمكن إلا ذلك. والتمام عند نافع وغيره {بِحَقٍّ}. وكذلك روي أن النبي صلى الله عليه وقف عليه. قوله: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ} الآية. قوله: {أَنِ اعبدوا الله}: (أن) مفسرِّة لا موضع لها من الإعراب، بمنزلة (أَنِ امْشوا)، وقيل: هي في موضع نصب على معنى: ما ذكرت لهم إلا عبادة الله.
118
قوله: {مَّا دُمْتُ فِيهِمْ}: (ما) في موضع نصب، {وَ} المعنى: مدة دوامي، فهو ظرفٌ عَمِلَ فيه {شَهِيداً} أي: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً}، {مَّا دُمْتُ} أي: مدة دوامي. {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} أي: قبضتني إليك، {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} أي: الحفيظ عليهم. قوله: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} الآية. المعنى: إن تعذبهم بقولهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم بتوبتهم عما قالوا فتستر عليهم، {فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز} في انتقامك، {الحكيم} في أفعالك. وقال السدي: المعنى: إن تعذبهم فتميتهم على نصرانيتهم فيحق عليهم العذاب
فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فتخرجهم من النصارنية وتهديهم إلى الإسلام، فإنك أنت العزيز الحكيم، قال: هذا قول عيسى في الدنيا. وقال بعض أهل النظر: يكون هذا من عيسى في القيامة وإنما يقوله على التسليم لأمر الله، وقد أيقن أن الله لا يغفر لكافر، ولكنه سلم الأمر، ولم يكن يعلم ما أحدثوا بعده: أكفروا أم لا. قال ابن الأنباري: لم يقل هذا عيسى وهو يقدّر أن الله يغفر للنصارى إذا ماتوا مصرين على الكفر، لكنه قاله على جهة تفويض الأمر إلى ربه، وإخراجِهِ نَفْسَه من حالة الاعتراض. والمعنى: إن غفرت لهم، لم يكن {لِي} و {لاَ} لأحذ الاعتراض عليك من حكمك، وإن عذبتهم (فبعدل) منك، ذلك لكفرهم. وقيل: الهاء في {تُعَذِّبْهُمْ} للبعض الذين أقاموا على الكفر، والهاء في {(وَ)
119
إِن تَغْفِرْ لَهُمْ} للبعض الذين تابوا من الكفر. وقيل: الهاءات كلها للنصارى والكفار، والمعنى: إن تعذبهم بتركك إياهم على الكفر فهم عبادك، وإن تغفر لهم بتوفيقك إيّاهم للإيمان والتوبة فأنت العزيز الحكيم. قوله: {قَالَ الله هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ} آية. حكي عن المبرد أنه منع قراءة من نصب (يوماً)، قال: لأنه (خبر الابتداء) والنصب جائز عند غيره، لأن المعنى: قال الله هذا لعيسى في {يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ} /، ف (يوم) ظرف للقول، وهو الناصب له. وقيل: المعنى: هذا الأمر وهذا الشأن في {يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ} أي: في يوم
القيامة، فيكون العامل في (يوم) المضمر، وهو " الأمر " و " الشأن ". وقيل: هذا كله مقول يوم القيامة، لقوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل} [المائدة: 109] ولقوله: {قَالَ الله هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين}. وقال بعض أهل النظر: لم يقصد عيسى إلى (أن الله) يغفر لمن مات مشركاً، وإنما مقصده: وإن تغفر لهم الحكاية عني (التي) كذبوا علي فيها، والحكاية كذب، ليست بكفر، والكذب جائز أن يغفره {الله}. وهو - عند الكوفيين - بناء: لأنه مضاف إلى غير متمكّن، وهذا لا يجوز عند البصريين، لأن الفعل معرب، وإنما يبنى إذا أضيف إلى غير معرب كالماضي و " إذ " وشبه ذلك، والإضافة عند البصريين في هذا إنما هي (إلى المصدر).
120
وقال أبو اسحاق: حقيقته الحكاية. ومعنى {يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ}: الذي كان في الدنيا ينفعهم في القيامة، لأن الآخرة ليست بدار عمل، ولا ينفع أحداً (فيها) ما قال وإنْ أحسن، ولو صدق الكافر (وأقر) بما عمل، وقال: " كفرت " (أو أسأت)، ما نفعه. وإنما الصادق ينفعه صدقه الذي كان منه في الدنيا، (لا) في الآخرة. قوله: {لَهُمْ جَنَّاتٌ} أي: لهم في الآخرة - بصدقهم في الدنيا - جنات مخلدين فيها. {رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} إذ وفّى لهم بوعده. قوله: {للَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض} الآية. المعنى: لله - أيّها النصارى - ملك السماوات والأرض وما فيهنّ، دون عيسى
الذي جعلتموه وأمّه إلهين، وعيسى وأمُّه داخلان في المُلك، وهو يقدر على إفناء ذلك كما ابتدعه وأظهرَه قبل أن لم يكن شيئاً. وفي وصل (قدير) بـ (الحمد {للَّهِ} خمسة أوجه: الأول: المستعمل عند القراء: أن تكسر للتنوين، وتحذف ألف الوصل وتصل. الثاني: أن تحذف التنوين لالتقاء الساكنين وتصل. والثالث: أن تُلقي حركة ألف (الحمد) على التنوين فنفتحه، كأنك تنوي الابتداء بـ (الحمد). والرابع: أن تسكن الراء وتبتدئ (الحمدُ للهِ) بالقطع، وهذا مستعمل عند القراء أيضاً. والخامس: أن تنوّن وتقطع ألف (الحمد) لتدل على الانفصال.
الأنعام
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأنعام "قال أبو محمد": روى أنس بن مالك عن النبى - صلى الله عليه وسلم - (أن) سورة الأنعام نزلت ومعها موكب من الملائكة، سد ما بين الخافقيّن، لهم زَجَل بالتسبيح، والأرض لهم ترتج، ورسول الله يقول: (سبحان ربي العظيم) ثلاث مرات. قال ابن عباس: نزلت بمكة جملةً، ومعها سبعون ألف ملك حولها.
1
بالتسبيح وعن ابن عباس: نزلت ليلا بمكة, وحولها سبعون ألف ملك (يجأرون) حولها بالتسبيح. قوله: {الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض} الآية. المعنى: الحمد الخالص الكامل لله. ومُخرج الكلام مخرج الخبر، ومعناه الأمر، أي: أخلصوا الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وهي من أعظم الآيات، وأضاف إلى ذلك - من آياته - إظلام الليل وضياء النهار. قال قتادة: " خلق السماوات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، والجنة قبل النار ". ومعنى: {وَجَعَلَ} هنا، خلق، وإذا كانت بمعنى " خلق "، لم تتعد (إلا)
إلى مفعول واحد. وقوله: {ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} الآية. {ثْمَّ} لغير مُهلَة، لأن الله قد قضى الآجال كلها قبل خلق كل / شيء، وإنما {ثْمَّ} لإتيان خبر بعد خبر، لا لترتيب زمان بعد زمان. ومعناه: أن الله يعجب خلقه من هؤلاء الذين يجعلون لله عديلاً ومثيلاً ومساوياً، وهو خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، ومن جعلوه عديلاً لا يقدر على شيء من ذلك ولا من غيره، فذلك عجب من فاعله. وقيل: إنها نزلت في (المانية) الذين يعبدون النور والظلمة يقولون: الخير من النور، والشر من الظلمة، فعدلوا بالله خلقه، وعبدوا
2
المخلوقات. (و) ذكر (عن) عبد الله بن أبي رباح أنه قال: فاتحة التوراة، فاتحة الأنعام: {الحمد للَّهِ} إلى {يَعْدِلُونَ} قال: وخاتمة التوراة خاتمة هود {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. قال مجاهد: {يَعْدِلُونَ} يشركون. وهذه الآية نزلت في أهل الكتاب عند جماعة من المفسرين. وقال أكثرهم: (عني) بها المشركون من عبدة الأوثان وسائر أصنافهم. قوله: {هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ} الآية. المعنى: أن الله خلق آدم من طين، فخوطب الخلق بذلك، لأنهم ولده، وهو أصل لهم، قال قتادة ومجاهد والسدي. قال ابن زيد: خلق آدم من طين، ثم خُلقنا
من آدم حين أخرجنا من ظهره. وقيل: المعنى: أن النطفة من طين، لكن قَلَبهَا الله تعالى ذكره حتى كان الإنسان منها. وقوله: {ثُمَّ قضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ}. الأجل الأول: أجل الإنسان من حيث يخرج إلى الدنيا إلى أن يموت، والأجل الثاني: هو ما بين وقت موته إلى أن يُبعث، قاله قتادة والضحاك والحسن. وقال ابن جبير: الأول الدنيا، والثاني الآخرة. وكذلك قال مجاهد. وقال عكرمة: الأول: الموت، والثاني: الآخرة، كالقول الأول، وكذلك قال ابن عباس، وقاله السدي. و {ثُمَّ} - على هذه الأقوال كلها - يراد بها التقديم للخبر الثاني على الأول. كما قال الشاعر: قُل لِمَنْ ساد ثمَّ ساد أَبوهُ ... ثُمَّ قَدْ سادَ بَعْدَ ذَلَكَ جَدُّه
فالجد سابق للأب، والأب سابق للمدوح. وقيل: الأول قبض الروح في النوم، والثاني قبض الروح عند الموت، روي ذلك عن ابن عباس أيضاً. وقيل: معنى ذلك أن الأول هو ما أعلمنا (أَلاَّ نبَيَّ) بعد محمد A، والآخر هو القيامة. وقيل: الأول ما نعرفه من الأهِلّة وأوقات الزروع ونحو ذلك، والأجل الثاني: موت الإنسان متى يكون. ومعنى {ثُمَّ قضى أَجَلاً} لم يرد أنه قضى الأجل خلق آدم، بل الأجل قَضاهُ قبل خلق المخلوقات كلها، ولكن الكلام محمول على الخبر من الله جل ذكره لنا، كأنه قال: أخبركم أن الله خلقكم من طين، يعني آدم، ثم أخبركم أن الله قضى أجلاً قبل خلقه لآدم، ف (ثم) إنما دخلت لنسق الخبر الثاني على الأول، لا لوقت الفعلين. وقوله: {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} معناه: تشكون (في من) خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، وقضى أجل الموت وأجل الساعة، إنه إله واحد قادر، لا عديل له ولا شبيه.
5
وقوله: {ثُمَّ قضى أَجَلاً} وقف حسن عند نافع وغيره من النحويين. فسوف يأتيهم (أخبار) تكذيبهم، وهي ما حل عليهم من الأسر والسيف يوم بدر، وفتح (مكة) وغير ذلك، ومعناه: سوف يعلمون ما تؤول إليه أمورهم. قوله: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} الآية. والمعنى: ألم ير هؤلاء المكذبون بمحمد، كم أهلكنا من قبلهم من القرون، وهي الأمم الخالية، مُكّنوا في الأرض ما لم يمكن لهؤلاء، وأرسلت السماء عليهم مدراراً، وفجرت العيون من تحتهم. ومعنى مدراراً (أي) (غزيراً دائمة)، فأعطت الأرض ثمارها، فعصوا، فأهلكوا بعصيانهم. وهذا وعظ وتخويف من الله
لمن كذب بمحمد ألا يصيبهم ما أصاب من هو أقوى منهم وأمكن في البلاد منهم وأطغى منهم. والقرن: ستون عاماً. وقيل: سبعون. وقيل: ثمانون. وقيل: مائة. وقيل: القرن كل عالم في عصر، وهو مأخوذ من الاقتران، لأن بعضهم مقترن ببعض، فهذا يدل على أنه العصر. قوله: {وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً - آخَرِينَ}: أي: أحدثنا، ومعنى الخطاب في الآية في قوله: {لَّكُمْ} - وقد تقدم ذكر الغيبة في قوله: {أَلَمْ يَرَوْاْ} - أن العرب إذا أخبرت خبراً عن غائب - فأدخلت فيه قوماً - وجهت الخبر أحياناً إلى الغائب وأحياناً إلى المخاطب، فيقولون: قلت لعبد الله: " ما أكرمه "، وإن شئت: " ما أكرمك "، وهو مثل:
7
{حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك} الآية. قوله: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِي قِرْطَاسٍ} الآية: معنى الآية: أن الله أعلم نبيه أن هؤلاء المكذبين لا ينفعهم شيء من الآيات، (و) لا يرجعون عن جحودهم، وأنهم لو رأوا كتاباً نزل (عليهم) من السماء في قرطاس ولمسوه بأيديهم، ورأوا فيه صدق ما جئتهم به، لكفروا به وقالوا: هذا سحر مبين. قال ابن عباس: لو نزل من السماء صُحُف فيها كتاب لزادهم ذلك تكذيباً. روي عن نافع أن الوقف على {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ}، وهو بعيد عند غيره، لأن {لَقَالَ} جواب (لو). قوله: {وَقَالُواْ لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} الآية. المعنى: أن الله أخبر عنهم أنهم قالوا لمحمد: هلا أنزل عليك ملك في صورته يصدقك ويخبرنا بنبوتك، فقال تعالى: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر} أي: لو فعلنا فكفروا
9
وكذبوا لنزل (عليهم) العذاب، فقضى أمرهم ولا يؤخرون. وقيل: المعنى: لو رأوه / في صورته لماتوا، قاله ابن عباس. وقد قال في " الفرقان " عنهم إنهم قالوا {لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} أي: هلا كان ذلك. {بِسمِ الله الرحمن الرَّحِيمِ} قوله (تعالى): {وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً} الآية. المعنى: لو جعلنا الرسول إليهم ملكاً لجعلناهُ في صورة رجل، لأنهم لا يستطيعون مخاطبة الملك على هيئته، ولا يرونه. قال ابن عباس: معنى {لَّقُضِيَ الأمر} أي: لو رأوه لماتوا من صورته، ولا يخاطبهم إلا مَن هو في صورة الآدمي، فإذا كان رجلاً كان ذلك أكثر لبساً عليهم
10
فيقولون: هو ساحر كذاب. قال أبو إسحاق: كانوا يقولون لضعفتهم: إنما محمد بشر، لا فرق بينكم وبينه، فيلبسون عليهم بهذا، فأعلم الله نبيه أنه لو أنزل ملكاً لأنزله في صورة رجل، إذ كانوا لا يقدرون على رؤية الملك في صورته كما سألوا، ولكان يقع عليهم من الّلبس ما وقع عليهم في محمد. يقال: " لَبَسْتُ الأَمرَ ": (أي) أشكلته وشبهته، أي: أدخلت فيه الشبه. ومُخرج قوله: {وَلَلَبَسْنَا} مُخرج قوله: {يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} [البقرة: 15] لأنه مجازاة لفعلهم، فسمي باسمه، وليس به. قوله: {وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} الآية. المعنى أن الله جل ذكره سَلّى نبيه ليهُوَّن ما يلقى من المشركين، وأعلمه أن من تمادى على ذلك يحل به ما حل بالأمم الماضية الذين استهزأوا برسلهم. ومعنى " فحاق بهم ": أي: وجب ونزل وأحاط بهم ما كانوا يُنكرون، وهو العذاب.
11
والمضمر في {مِنْهُمْ} يعود على الرسل، وتقديره: فحاق بالذين سخروا من الرسل عقاب ما كانوا يستهزئون. قوله: {قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ثُمَّ انظروا} الآية. المعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بالله غيره، المكذبين بك: سيروا في الأرض، أي: جولوا فيها، تروا ما (صار) إليه عاقبة أشكالهم من الناس - الذين كذبوا الرسل - من العذاب والهلاك فتحذروا (أن يصيبكم) مثل ما أصابهم. قوله: {قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض (قُل للَّهِ)} الآية. قوله {الذين خسروا} في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن يكون في موضع نصب على البدل من المضمر في {لَيَجْمَعَنَّكُمْ}، وهو قول الأخفش. وقيل: إن
{لَيَجْمَعَنَّكُم} بدل من {الرحمة} على معنى التفسير لها. ورد المبرد قول الأخفش، وقال: لا يجوز أن يبدل من المخاطب إلا المخاطب، لو قلت: " مَرَرْت بك زيدٍ "، و " مررت بي زيد " لم يجز، لأن هذا لا يُشكِل فيُبيَّن، ولكنه مرفوع بالابتداء، و {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} الخبر. وقال ابن قتيبة: {الذين} في موضع خفض على البدل أو النعت " للمكذبين " الذين تقدم ذكرهم. ومعنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء العادلين المكذبين {لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض} أي: لمن ملك ذلك؟، وليس لهم جواب عن ذلك، فكأنهم طلبوا الجواب من السائل، فقالوا لمن ذلك؟، فقيل لهم: {للَّهِ}، فصار السؤال والجواب من جهة واحدة في الظاهر والجواب إنما هو (جواب) لسؤال مضمر، لأنهم عجزوا عن الجواب فقالوا: لمن ذلك؟، فأجيبوا: {للَّهِ}، أي: هو للهِ، فأخبرهم أن ذلك للهِ، وأعلمهم أن الله كتب على نفسه الرحمة لعباده، فلا يعجل عليهم بالعقوبة، فتوبوا إليه. روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: " كَتَب اللهُ كِتاباً قبلَ الخَلْقِ: إن رَحْمَتي
تَسْبِقُ غَضَبِي ". وعن سلمان أن الله لما خلَق السماء و (الأرض)، خلقَ مائةَ رحمة، كلُّ رحمةٍ تملأُ ما بين السّماء والأرضِ، فَعِندهَ تِسعٌ وتسعونَ رحمةً، وقَسَّمَ رحمةً بينَ الخلائقَ، (فبها يتعاطفون)، فإذا كان ذلك - يعني يوم القيامة - قَصَرها الله على المتقين، وزادهم تسعاً وتسعين. وعن سلمان قال: نجد ذلك في التوراة. وروى الحكم بن أبان عن عكرمة قال: إذا فَرَغ الله D من القضاء بين خَلْقه، أخرج كتاباً من تحتِ العرش فيه: (أن رَحْمَتِي سَبَقَت غضبي وأنا أرحمُ الراحمين). قال: فيَخْرُجُ من النار مثل أهل الجنة، أو مِثْليْ أهل الجنة، مكتوباً ها هنا - وأشار الحكم إلى نحرِهِ - " عُتَقاء اللهِ ". فقال رجل لعكرمة: فإن الله يقول: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [المائدة: 37]. قال عكرمة: أولئك أهلها
" الذين هم أهلها ". وعن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إن لله مائة رحمةٍ، أهبط منها رحمةً إلى أهل الدنيا، يتراحم بها الجِنُّ والإِنسُ وطائرُ السماءِ، وحيتان الماء، ودوابُّ الأرض وهوامُّها، وما بين الهواء، واختزن عنده تسعاً وتسعين رحمة، حتى إذا كان يوم القيامة، اختلج الرحمة التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا، فحَولها إلى ما عنده، فجعلها في قلوب أهل الجنة، (و) على أهل الجنة. فمعنى {كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة}: أمهلكم إلى يوم القيامة، لأن معنى {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} أي: يُمهلكم حتى يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه. ومعنى {كَتَبَ} هنا: قضى.
وقيل: {إلى} بمعنى " في "، أي: ليجمعنكم في يوم القيامة. وقيل: المعنى ليؤخرن جمعكم إلى يوم القيامة، ف (إلى) لغير معنى " في ". واللام في {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} لام قسم، جواب لِ {كَتَبَ}، لأن {كَتَبَ} بمعنى " أوجب " والقسم إيجاب، (فاحتاج الايجاب إلى جواب، إذ هو بمعنى القسم في الإيجاب)، وله نظائر كثيرة في القرآن تقاس على هذا. والوقف على {الرحمة} حسن عند أبي (حاتم والفراء)، ويكون {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} مبتدأ على القسم على قولهما. وقيل: إن {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} بدل من (الرحمة)، فلا يوقف على (الرحمة)، ومعنى
13
البدل أن اللام بمعنى " أن "، فالمعنى: الرحمة: أن يجمعكم، أي: كتب ربكم على نفسه أن يجمعكم. ومثله على مذهب سيبويه: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ (مَا) رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّه} [يوسف: 35] المعنى: أن يسجنوه، ف " أن " الفاعلة، ومثله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة أَنَّهُ} [الأنعام: 54] في قراءة من فتح (أن). قال نافع: {قُل للَّهِ} تمام. {لاَ رَيْبَ فِيهِ}: وقف حسن عند نافع وغيره. قوله: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليل والنهار} الآية. المعنى: وقل لهم - يا محمد -: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليل والنهار} أي: ما استقر، فكيف تعدلون به وتشركون بمن له الخلق والأمر.
14
قوله: {قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً} الآية. المعنى: قل (لهم) يا محمد: أغير الله أتخذ ولياً وهو فاطر السماوات (والأرض)، أي: مبتدعهما وخالقهما. قال ابن عباس: كنت لا أدري ما {فَاطِرِ السماوات والأرض}، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: " أنا فطرتها ": (أي) ابتدأتها. وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد والأعمش: (ولا يَطعم) بفتح الياء، وقرأوا الأول مثل الجماعة على معنى: وهو يَرزقُ ولا يأكل. وقرأه الجماعة على معنى: " وهو يَرزق ولا يُرزق ". وقوله: (تعالى): {إني أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} أي: قل لهم يا محمد: إني أمرت
15
أن أكون أول من خضع بالعبودية، وقيل: (لي: لا) تكونن من المشركين. وقال بعض العلماء قوله: {أُمِرْتُ} بدل من " قيل لي: كن أول من أسلم و (قيل لي): لا تكونن من المشركين "، فالثاني محمول على معنى الأول، اجتُزئ بذكر. الأمر عن ذكر / القول، والمعنى: قل " إني قيل لي: كن أول من أسلم، ولا تكونن من المشركين ". فهما جميعاً محمولان على القول لكن أتى الأول بغير لفظ القول وفيه معناه، فحمل الثاني على المعنى. والوقف على (الأرض) حسن، وعلى (يُطعَم حسن.) قوله: {قُلْ إني أَخَافُ} الآية.
16
المعنى: (قل) يا محمد لهؤلاء الذين لا يخافون: {إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي: هائل شديد. قوله: {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ} الآية. من قرأ {يُصْرَفْ} بضم الياء وفتح الراء، فعلى ما لم يُسمَّ فاعله. ومن فتح الياء وكسر الراء، فعلى إضمار، والتقدير: " من يَصرِف اللهُ عنه العذاب " يومئذ. والأول أحسن عند سيبويه، لأن الإضمار كلما قل كان أحسن. فتقدير من ضم الياء: من يُصرَف عنه يومئذ فَقد رحِمَه اللهُ، ففي {يُصْرَفْ} ذكر العذاب المتقدم، ويضمر الاسم بعد (رحمه)، وفي الفتح يضمر الاسم والعذاب جميعاً.
وقيل التقدير - في قراءة من فتح الياء - مَن يَصرف (الله) عنه شرَّ يومئذ، ثم حذف المضاف. وفي قراءة عبد الله وأُبيّ: (من يصرف الله عن يوم القيامة)، وهذا شاهد لمن قرأ بالفتح. واحتج بعضهم لقراءة من فتح الياء أنه قريب من اسم الله، كأن تقديره: من يَصرف ربّي (العذاب عنه) فقد رحمه، واحتج أيضاً بقوله: {فَقَدْ رَحِمَهُ} ولم يقل: (" فقد رُحم ")، فجريان آخر الكلام على أوله أحسن من مخالفته لأوله. قال: ولو قلت: " من وَهَب لك درهماً فقد أكرَمَك "، كان أحسن من أن تقول: " من وُهِبَ له درهم فقد أكرمه "، وقولك: " من يؤخذ منه ماله، فقد ظُلم " أحسن من قولك " من يؤخذ منه ماله فقد ظَلَمه "، وهو بعيد في الكلام وكذلك من قرأ: (" من " يُصرَف عنهُ يوْمَئذ فَقد رَحَمِه.
17
وقراءة الفتح اختيار أبي عبيد وأبي حاتم على معنى: من يصرف الله عنه يومئذ عذابه فقد رحمه. {وَذَلِكَ ا}: إشارة إلى صرف العذاب. و {الفوز}: النجاة من الهلاك، والظفر بالمطلوب، {المبين} (أي) الظاهر لمن وفقه الله. قوله: {وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} الآية. المعنى: إِن يمسك (الله) - يا محمد - بضر، فلا يكشفه إلا هو، (و) الضر - هنا -: الشدة في العيش والضيق، {وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} أي: برخاء في عيش وسَعَة، فهو على ذلك وغيره قدير. قوله {إِلاَّ هُوَ} تمام حسن. قوله: {وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ} الآية. المعنى: والله المُذلّل لعباده، العالي عليهم علّو قدرة وقهر،
19
لا (علو) انتقال من سفل، بل استعلى على خلقه بقدرته فقهرهم بالموت وبما شاء من أمره، لا إله إلا هو. ولمّا وصف نفسه تعالى بأنه المذل القاهر، ومن صفة القاهر أن يكون مستعلياً، قال {فَوْقَ عِبَادِهِ}، {وَهُوَ الحكيم} أي: في علوه، {الخبير} بمصالح عباده. قوله: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شهادة} الآية. {أَيُّ} اسم مبهم معرب، وإنما أُعرِب دون سائر المبهمات لعلتين: - إحداهما: أنه قد أُلزم الإضافة فخالف سائر المبهمات، والمضاف إليه يَحل محل التنوين فيه، إذ لزمه ما هو عِوضٌ من التنوين، وإذا قدر التنوين فيه وجب إعرابه، لأن التنوين علامة للأمكن، والأمكنُ لا يكون إلا معرباً. - والوجه الآخر: أنه مخالف لسائر المبهمات، لأنه يدل على البعض المعيّن،
فإذا قلت: " أيُّ الرجليْن أتاك "؟، فالذي تسأل عنه داخل في " الرجلين "، وليس ذلك في " ما " و " من ". ومعنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء الذين جحدوا نبوتك: أي: شيء أعظم شهادة؟، ثم أخبرهم بأن الله أعظم شهادة ممن يجوز عليه السهو والغلط والكذب والخطأ من خلقه. وقيل: المعنى: سلهم يا محمد: أي: شيء أكبر شهادة حتى أستشهد به عليكم؟. (و) قال الكلبي: قال المشركون - من أهل مكة - للنبي: من يعلم أنك رسول الله فيشهد لك، فأنزل الله {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أني رسوله، {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ}. والله - جل ذكره - شيء بهذه الآية، لكنه شيء لا كالأشياء {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]. وقوله: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن} (أي وقل لهم: أوحي إلي هذا القرآن) لأنذركم
به عقاب الله، {وَمَن بَلَغَ}: (أي) وأنذر به من بلغه ذلك بعدي. قال محمد بن كعب القرطبي: من بلغته آية فكأنما رأى الرسول. قال ابن عباس: " من بلغه هذا القرآن فهو له نذير ". ف {من} في موضع نصب. وقيل: المعنى في {وَمَن بَلَغَ}: أي: وأنذر من بلغ الحلم، لأن من لم يبلغ الحلم، فليس بمخاطب ولا متَعَبد. والقول الأول: " إن معناه: ومن بلغه القرآن "، وهو أولى. وقال مجاهد {وَمَن بَلَغَ} أي: من أسلم. وقيل معناه: {لأُنذِرَكُمْ بِهِ} أيها
العرب {وَمَن بَلَغَ} أي: العجم، كقوله: {بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مِّنْهُمْ} [الجمعة: 2] يعني العرب، ثم قال: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ} [الجمعة: 3] أي: من الذين أرسل إليهم، يعني العجم. (و) قوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهءَالِهَةً أخرى}: هذا على التوبيخ لهم. ثم قال لنبيه: قل يا محمد لا أشهد بما تشهدون، إنما هو إله واحد، وإنني بريء من إشراككم بربكم. (و) روى ابن عباس " أن طائفة من اليهود قالوا للنبي: يا محمد، ما نعلم مع الله إلهاً غيره!، فقال رسول الله: لا إله إلا الله، بذلك بُعثت وإلى ذلك أدعو "،
20
فأنزل الله: {قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} إلى قوله: {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. ووقف نافع: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شهادة}. والتمام عند الجماعة {وَمَن بَلَغَ}. قوله: {الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب} الآية. (معنى ذلك أن أهل الكتاب - هنا - (هم)) اليهود والنصارى. ومعنى {يَعْرِفُونَهُ}: أي: يعرفون أن دين الله الاسلام، وأن محمدا رسول الله كما يعرفون أبناءهم، وهو عندهم في التوراة والانجيل. وقيل: المعنى: يعرفون محمداً كمعرفتهم أبناءهم. وقد قال بعض من أسلم من أهل الكتاب: والله لنحن أَعَرفُ به من أبنائنا، لأن صفته ونعته في الكتاب، وأما أبناؤنا فلسنا ندري ما أحدث النساء فيهم.
21
وقيل: المعنى يعرفون أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسوله. وقيل: يعرفون القرآن. وأكثر العلماء على أن الهاء تعود على النبي. وقوله: {الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ} أي: أوبقوها في النار بإنكارهم محمداً، {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بخسارتهم أنفسهم. و {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ}: تمام إن جعلت {الذين} مبتدأ. قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً} الآية. المعنى: من أشدُّ ظلما ممن اختلق على الله قول الباطل، أو (جحد آياته)
22
وأدلته، {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون} أي: لا ينجح القائلون على الله الباطل. قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} الآية. المعنى: أن هؤلاء المفترين على الله الكذب لا يفلحون في الدنيا، ولا يوم نحشرهم جميعاً (أي) ولا يوم القيامة، ففي الكلام تقدير محذوف. ومعنى: {الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} (أي تزعمون) " أنهم (لكم آلهة) من دون الله افتراءً وكذباً ". وقال القتبي: المعنى أين آلهتكم التي جعلتموها لي شركاء، فنسبها إليهم، لأنهم ادعوها أنها شركاء لله.
23
قوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} الآية. قرأ ابن مسعود وأبي (وما كان فتنتهُم) بالرفع. ومن (قرأ) تكن بالتاء، ونصب " الفتنة "، فإنما أنَّث، لأن " القول " هو " الفتنة "، فأنث على المعنى، وهو مذهب سيبويه. وقيل: إنما أنت، لأن {إِلاَّ أَن قَالُواْ} بمنزلة " مقالتهم " فأنث على ذلك. و (قد قرئ) برفع " الفتنة "، والياء في (يكن) على المعنى، لأن " الفتنة بمعنى " الفتون ".
ومعنى {فِتْنَتُهُمْ}: مقالتهم. وقيل: معذرتهم إلا أن أقسموا بالله ربهم إنهم لم يكونوا مشركين. ومعناه عند أبي إسحاق أن المشركين افتتنوا بشركهم في الدنيا، فأخبر الله عنهم أن فتنتهم التي كانت في الدنيا عادت انتفاء من الشرك، وهذا مِثْل إنسان يرى (محبّاً له) في هَلكة فيتبرأ منه، فيقال له: صارت محبتك (تبرؤا). واختار الطبري قراءة النصب في (ربَّنا)، لأنه جواب من المشركين الذين قيل لهم: {أَيْنَ شُرَكَآؤُكُم} [الأنعام: 22]؟، فنفوا عن أنفسهم أن يكونوا فعلوا ذلك وادعوه أنه ربهم كان فنادوه، ولذلك قال لمحمد: {انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ} [الأنعام: 24]. وإنما قصدوا إلى نفي الشرك عن أنفسهم دون سائر الذنوب والكبائر، لأنهم
24
رأوا أن كل شيء يغفرُهُ الله إن شاء إلا الشرك، فنفوه عن أنفسهم رجاء أن يغفر لهم ما ارتكبوا دون الشرك، ودل على ذلك قوله {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48] (فدل هذا) على أن ما دون الشرك مغفور إن شاء الله، ذلك: إما بتوبة وإقلاع، وإما بفضل من الله ورحمة. قوله: {انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ} الآية. معنى النظر هنا: هو نظر القلب " معناه: تَبيَّنْ فاعلم كيف كذبوا في الآخرة ". وقوله: {كَذَبُواْ} معناه: يكذبون، إلا أنه لما كان أمراً يقع بلا شك، أخبر عنه بمثل ما يخبر (عما) وقع. ومعنى {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي: وفارقتهم الأنداد والأصنام، وتبرأوا منها. وقيل: (معناه) ذهب عنهم ما كانوا يختلقون.
قال ابن عباس: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا (تعالوا) فلنجحد ما كنا فيه، فقالوا: {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}، فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم، فلا يكتمون الله حديثاً، فود الذين كفروا حين ذلك لو تسوى بهم الأرض، و {لاَ يَكْتُمُونَ} حديثاً. وقال ابن جبير: لما أمر بإخراج من دخل النار من أهل التوحيد، قال من فيها من المشركين: تعالوا فلنقل " لا إله إلا الله " لعلنا نخرج من هؤلاء. فقالوا، فلم يُصَدّقوا، فحلفوا فقالوا: {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. وقال قطرب: إنهم لم يتعمدوا الكذب، ولكنهم قالوا ما قالوا وهم عند أنفسهم صادقون، لكنهم كاذبون عند الله، ولذلك قال: {انظر كَيْفَ كَذَبُواْ}. والذي يدل على خطأ قول قطرب قوله: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا
25
يَحْلِفُونَ لَكُمْ} [المجادلة: 18]. فلم (يحلفوا للنبي) قط إلا وهم يعلمون أنهم كاذبون، وقد أخبر الله أن (اليمينين متساويتان). وقوله: {انظر كَيْفَ كَذَبُواْ} يدل على أنهم تعمدوا الكذب. قوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} الآية. المعنى: ومن هؤلاء المختلقين على الله الكذب من يستمع القرآن منك يا محمد - قال مجاهد: هم قريش - ويستمع كل واحد ما تدعوه إليه من الإيمان، فلا ينفعه ذلك، ولا يَعِيهِ، ولا يتدبره، ولا يعقله عنك، لأن الله جعل على قلبه كنانا، أي / غطاء، وجمعه أكنة، وجعل في آذانهم وقراً عن ما تقول لهم
وتتلو عليهم. فعل ذلك بهم مجازاة لهم على كذبهم، وليس المعنى أنهم لا يسمعون ألبتة ولكن لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، كانوا بمنزلة الذي في أذنيه وقر، وعلى قلبه غطاء. (و) قوله: {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} يريد أنهم رأوا القمر منشقاً، فقالوا: (سحر، ثم) أخبر عنهم أنهم إذا أتوا يجادلون قالوا: هذا سحر ((مبين)). قوله: {مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} ((و)) {وَقْراً} تمامان عند الأخفش. و {أَن يَفْقَهُوهُ} (تمام) عند غيره. و (بها) التمام الحسن عند أبي حاتم.
ومعنى {أساطير الأولين} أي: أحاديثهم. وقيل: أساجيع الأولين. وقيل: المعنى ما كتبه الأولون. ومعنى جدالهم المؤمنين أن ابن عباس قال: كان المشركون يجادلون المسلمين في الذبيحة، يقولون لهم: ما ذبحتم وقتلتهم تأكلون، وما قتل الله لا تأكلون وأنتم تتبعون أمر الله. (وواحد الأساطير " أسطورة " كأًُضْحوكة (وأُحدوثَة)، وقيل:) واحده " أَسْطار "، كأقوال، وأَسْطار جمع سَطَر، (يقال: سَطْر) وسَطَر. وقال الأخفش: هو من الجمع الذي لا واحد له، كأبابيل ومذاكير وعباديد، وقد قيل: إن واحد الأبابيل " إِبيّل ". وقيل: هو " إِبّوْل "، كِعَجَّوْلِ.
26
قوله: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} الآية. المعنى أن الله أخبر عن المشركين أنهم ينهون الناس عن اتباع النبي والقبول منه، {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} أي: يبعدون. قال ابن عباس: لا يأتونه ولا يدّعون أحداً يأتيه. فالهاء - على هذا - تعود على النبي. وقيل: المعنى أنهم ينهون [الناس عن] أن يستمعوا ما في القرآن، ويتباعدون هم عن استماعه، فالهاء للقرآن. وقيل: المعنى: أنهم ينهون الناس عن أذى محمد، (ويتباعدون هم) عنه، أي: عن اتباعه.
(و) روي عن ابن عباس أنها نزلت في أبي طالب عم النبي عليه السلام ونفر من كفار قريش كانوا ينهون ((الناس)) عن أذى النبي ولا يؤمنون به، ولا بما جاءهم به، وكان أبو طالب ينهى أن يؤذى محمد، ويتباعد عن قبول ما جاء به. وهذا يدل على أنها في قريش. وكان الطبري يختار أن تكون عامة في المشركين، لأن أول الكلام جرى على العموم، فيكون المعنى على هذا: وهم ينهون الناس أن يتبعوه ويتباعدون عن اتباعه، وما {يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} أي: ما يهلكون بصدهم عنك إلا أنفسهم، لأنهم يكسبونها سخط الله {وَمَا يَشْعُرُونَ} (أن) ذلك راجع عليهم. وقرأ الحسن {وَيَنْأَوْنَ (عَنْهُ)} بإلقاء حركة الهمزة على النون على
27
أصل التسهيل. قوله: {وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار} الآية. من قرأ برفع (نكذبُ) و (نكونُ) فعلى القطع، (أي: يا ليتنا) نرد، ثم ابتدأ على معنى: ونحن لا نكذب. هذا قول سيبويه، والمعنى عنده: ونحن لا نكذب رُددنا أو لم نُردّ، فإنما سألوا الرد وقد أوجبوا على أنفسهم أنهم لا يعودون للتكذيب ألبتة، رُدوا أو لم يُردوّا، ومثله عند سيبويه: " دعني ولا أعود ": أي: وأنا لا أعود. تركتني أو لم تتركني. ومن نصب فإنما أراد أن يكون " رد " يتبعه ترك عودة، كأنه في المعنى: إن رُددنا لم نعد للتكذيب. ومثله: " زرني وأزورَك "، (أي، لتكن
منك) زيارة وأن أزورَك، ولو رفعت لكان المعنى: وأنا أزورُك، زُرتَني أو لم تَزرْني. ووجه آخر في الرفع، وهو أن يكون معطوفاً على (نُرد)، كأنهم تمنوا أن يردوا، وتمنوا (ألا) يكذبوا / وأن يكونوا من المؤمنين. والأول أحسن، لأنهم لم يتمنوا هذا، إنما تمنوا الرد وادعوا أنهم إذا رُدوا لم يكذبوا وكانوا من المؤمنين. (والنصب) على جواب التمني، كأنه: يا ليتنا وقع لنا الردّ و (ألا) نكذب، فالواو في جواب التمني كالفاء، وقيل: المعنى في الرفع: لا نكذب واللهِ
ونكون - والله - من المؤمنين، وهو أيضاً منقطع. وأنكر جماعة النصب، وقالوا: هو خبر أخبروا به عن أنفسهم، ألا ترى أن الله كذبهم فيما أخبروا به، والكذب لا يقع إلا في جواب الخبر. وأنكر بعض النحويين أن يكون الجواب للتمني بالواو، وقالوا: إنما يكون بالفاء. وأجاز أبو إسحاق أن يكون التمني داخلاً في الخبر، قال: لأن الرجل الفاسق (يقول): " ليتني في الجنة "، فيقال له: كذبت، لو أردت ذلك لاتقيت الله. وقد قيل: إنه منصوب على الظرف، وإن معنى الكلام: أنهم تمنوا أن يوقفوا ((وهم) غير مكذبين، لأنهم وقفوا مكذبين، فتمنوا أن يوقفوا) على غير تلك الحال.
(والآية) عند أبي عمرو على التمني، ولا يجوز فيه صدق (ولا) كذب، وإنما كذب الله خبرهم، لا تمنيهم، وخبرهم هو قولهم: (ولا نكذب)، (ونكونُ)، (إن رددنا) فعلنا ذلك، فهذا خبر، فأكذبهم الله في ذلك الخبر الذي أخبروا به عن أنفسهم، لا في تمنيهم. أو يكون المعنى - على الرفع - (ولا نكذبُ)، (ونكونُ): أي: نفعل ذلك، رُددنا أو لم نُردّ، فهذا خبر منهم، فأكذبهم الله في ذلك، التكذيبُ إنما هو للخبر الذي أخبروا به عن أنفسهم، لا للتمني. وقال بعض النحويين: إنما يكون هذان الفعلان - في حال النصب - غير متمنَّيْن إذا كانا جواباً لِما في (ليتنا)، وتكون الواو الأولى بمعنى الفاء. فأما
إن كانت الواو على جهتها، ونصبت على الظرف منويا به الحال، فالفعلان متمنَّيان، والتكذيب للتمني وقع. ومن قرأ (ولا نكذّبُ) بالرفع، ونصب (ونكونَ)، فالمعنى: أنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين، وأخبرَوا أنهم لا يكذِّبون بآيات ربهم إنْ رُدُّوا إلى الدنيا. قوله {وَلَوْ ترى} فعل منتظر، وقوله و {إِذْ وُقِفُواْ}: فعلان ماضيان، وكذلك {فَقَالُواْ}، وكلها منتظرة لم تقع. وهو حسنٌ لطيف فصيح، غاية في البلاغة، لأن كل ما هو كائن - ولم يكن بعد - فهو عند الله بمنزلة ما قد كان، لصحة وقوعه على ما أخبر به عنه، ولِنفوذِ حكم الله به، وتقديره لوقوعه على ما أخبر به، فالكائن وغير الكائن سواء في علم الله. وقوله {وُقِفُواْ} بمعنى: حُبسوا، و {عَلَى النار} بمعنى " في النار "، بمنزلة قوله:
{على مُلْكِ سليمان} [البقرة: 102] أي: في ملكه. وقيل: معنى {وُقِفُواْ عَلَى النار}: أُدخلوها، كما تقول: " قد وَقفتُ على ما عندك "، أي: عَرفتُ حقيقته. وقيل: أوها. وقيل: رأوها. وقيل: جازوا عليها. و {إِذْ} بمعنى " إذا "، لأنه خبر لا بد أن يكون، فصارِ بمنزلة ما قد كان. يقال: " وقفتُ وقفاً للمساكين " و " وقفتُ أنا "، (وقِفْ) دابتك يا رجلُ. وحكي عن أبي عمرو أنه قال: ما علمت أحداً من العرب يقول: " أوقفتُ الشيء " بالألف، إلا أني لو رأيت رجلاً في مكان فقلت له: " ما أَوْقَفَكَ ها هنا؟ بالألف، لرأيته حسناً. وفي الآية معنى التعظيمِ لِما هُم فيه.
28
قوله: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ} الآية. المعنى: بل ظهر لهم في الاخرة من أعمالهم ما كانوا يخفون في الدنيا، {وَلَوْ رُدُّواْْ} إلى الدنيا {لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} أي: (لو وصل) الله لهم دنيا كدنياهم، لعادوا، {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فيما أخبروا به عن أنفسهم. فأعلمنا الله - في هذه الآية - أن ما لا يكون، كيف كان يكون، لو كان. وفي هذا دليل على قدم علمه بجميع الأشياء، لا إله إلا هو، لم يزل يعلم ما يكون كيف يكون، قبل كونه بلا أمد. قوله: {وقالوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا} الآية. أي قال هؤلاء المشركون: ماَثمَّ حياة إلا حياة الدنيا، وما ثَمَّ بعث بعد الفناء، وهذه حكاية عنهم، وما كانوا يقولون في الدنيا. وقال ابن زيد: هي خبر
30
عنهم أنهم لو رُدّوا لقالوا ذلك، ولعادوا لما نهوا عنه. وقد كره قوم الوقف على {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} لقبح اللفظ بنفي البعث، ولو صح هذا، لكان الوصل كالوقف، ولوجب امتناع القراءة بهذا اللفظ، وهو قول ساقطٌ مردود، فالوقف على {بِمَبْعُوثِينَ} جائز حسن عند أهل العربية، ولا شناعة فيه، إنما هو حكاية عن قول المشركين، وقد جهل من منع ذلك واستخف به. قوله: {وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هذا بالحق} الآية. المعنى: ولو ترى يا محمد هؤلاء القائلين: " ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين "، إذ حُبسوا (على ربهم): أي: على حكم ربهم وقضائه وعدله فيهم، فقيل لهم، أليس هذا الحشر والبعث بعد الممات - الذي كنتم تنكرونه في الدنيا - حقاً؟، فأجابوا: بلى وربنا إنه لحق، قال: فذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا جزاءً لكفركم وتكذيبكم. وقال: {وَلَوْ ترى}، فأتى بالمستقبل لأنه أمر ينتظر يوم القيامة، ثم قال: (إذ): و " إذ " لما مضى وانقضى، وقال: (وَقِفوا) ف {قَالُواْ}، فجاء بفعلين ماضيين قد كانا،
31
وإنما ذلك، لأن (كل ما) أعلمنا الله به أنه سيكون هو كالكائن الواقع، لصدق المخبِر بذلك ونفوذ علمه بكونه، فصار كالواقع الكائن، فأتى بلفظ الماضي. قوله: {قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الله} الآية. المعنى: قد وُكس فيه بيعه من باع الإيمان بالكفر. وقيل: المعنى: " قد خسروا أعمالهم وثوابها ". ومعنى لقاء الله هنا: أنه البعث والنشور اللذان عندهما يكون لقاء الله والمصير إليه. ويجوز أن يكون معناه: كذبوا بلقاء ثوابه وعقابه - (وقد قيل) في قوله تعالى: {فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} [السجدة: 23] أي: في شك من لقاء موسى ربَّه وتكليمهِ له -، ولا يكون اللقاء في هذه الآية النظرَ إلى الله جل ذكره، لأنهم لم يؤمنوا بالبعث، فضلاً عن النظر إليه، وإذا لم يؤمنوا بالبعث، فأحرى ألا يؤمنوا بالنظر، لأن البعث يؤدي إلى
النظر إلى الله تعالى ذكره، يَرَاه المؤمنون يوم القيامة. وقد يكون اللقاء بمعنى القرب والنظر في غير هذا. ويكون اللقاء بمعنى السبب الذي يؤدي إلى اللقاء، مثل هذه الآية، ومنه قولهم: " اللهم بارك لنا في لقائك "، يراد به: بارك لنا في الموت الذي يؤدي إلى البعث الذي فيه لقاؤك، وقال الله: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ الله} [العنكبوت: 4] أي: يخاف الموت. و {بَغْتَةً} نصب على الحال، وهو مصدر في موضع الحال عند سيبويه، ولا يقاس عليه غيره. قوله: {ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا}: هذا (حين) يرى أهل النار منازلهم من الجنة لو عملوا بعمل أهل الجنة، فيندمون على التفريط / في الدنيا، فيقولون: {يا حسرتنا} أي: تعال يا حسرة، فهذا وقتُك وإِبّانُكِ. والهاء في (فيها) عائدة على الصفقة، وهي التي ذكرت قبل في قوله: {قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الله} أي: خسروا ببيعهم الايمان بالضلالة، ومنازلهم في الجنة
بمنازلهم في النار، فإذا جاءتهم الساعة، تبين لهم خسران بيعهم، وندموا صفقتهم فقالوا: {ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} أي: في الصفقة؟ ويجوز أن تعود الهاء على {الدنيا} [الأنعام: 29]، لأن فيها كان تفريطهم. وقوله: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ} أي: " آثامهم وذنوبهم ". وخص " الظهر "، لأن الحمل قد يكون على غيره. وروي عن عمرو بن القيس المُلائي أن المؤمن إذا خرج من قبره، استقبله أحسن شيء صورة، وأطيبُه ريحاً، فيقول: هل تعرفني؟، فيقول: لا، إلا أن الله قد طيّب ريحك وحسّن صورتك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طال ما ركبتك في الدنيا، فاركبني، أنت اليوم، وتلا
{يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً} [مريم: 85]. (وإن) الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحاً، فيقول: هل تعرفني؟. فيقول: لا، إلا أن الله قد قبح صورتك ونتن ريحك. فيقول: كذا كنت في الدنيا، أنا عملك السيء طال ما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك. وتلا {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ}. ورواه أبو هريرة عن النبي عليه السلام بهذا المعنى، واللفظ مختلف. وقال السدي: (قوله): {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ}: ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره، إلاّ جاءه رجل قبيح الوجه، أسود اللون منتن الريح، عليه ثياب دَنِسَة حتى يدخل معه في قبره. فإذا رآه قال له: ما أقبح وجهك!، قال: كذلك كان عملك قبيحاً. قال ما أنتن ريحك!، قال: (كذلك كان) عملك منتناً. قال: ما أدنس ثيابك! (قال كذلك) كان عملك دنساً. قال: من أنت؟ قال: أنا عملك. فيكون معه في قبره. فإذا بعث يوم القيامة قال: إني كنت أحملك في الدنيا
32
باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني. قال: فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار، فذلك قوله: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ}. وروى المقبري عن أبي هريرة في حديث يرفعه قال: " إذا كان يوم القيامة، بعث الله مع كل امرئ مؤمن عمله، ويبعث مع الكافر عمله فلا يرى المؤمن شيئاً يروعه ولا شيئاً يفزعه ولا يخافه إلا قال له عمله: " أبشر بالذي يسرك، فإنك لست بالذي يراد بهذا ". ولا يرى الكافر شيئاً يفزعه ولا يروعه ولا يخافه إلا قال له عمله: " أبشر يا عدو الله بالذي يسوءك، فوالله (إنك) لأنت الذي (يراد بهذا) " ". وقوله: {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} معناه: بئس الشيء يحملون. قوله: {وَمَا الحياوة الدنيآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} الآية. هذه الآية تكذيب للكفار في قولهم: {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا} [الجاثية: 24] فأخبر الله تعالى أن الحياة الدنيا لعب ولهو، وأخبر أن الدار الآخرة خير، على معنى: ولَعَمَل الدار الآخرة خير للذين يتقون، أفلا تعقلون.
33
قوله: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ} الآية. المعنى: أن / (قد) في هذا وشبهه تأتي لتأكيد الشيء وإيجابه وتصديقه، و (نعلم) بمعنى: " علمنا ". والتقدير: قد نعلم - يا محمد - إنه ليحزنك قولهم إنك كاذب، وإنك ساحر. {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ} جهلاً منهم بصدقك، بل أنت - فيما يسرون - صادق، ولكنهم حسدوك فكذبوك، وهم يعلمون أنهم ظالمون لك، وأنك صادق، هذا على قراءة من قرأ بالتشديد. قال أبو عمرو: وتصديقها {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ على مَا كُذِّبُواْ} [الأنعام: 34]. ومعنى قراءة التخفيف - عند الفراء والكسائي -: هو من قولهم: " أكذبت الرجل "، إذا أخبرت أنه كاذب فيما قال فقط. و " كذّبته ": إذا أخبرت أنه كاذب في كل
ما يأتي به. وحكى أبو عبيدة: " أكذبت الرجل " إذا أخبرت أنه جاء بالكذب، و " كذّبته " إذا أخبرت أنه كاذب. وروي أن أبا جهل قال للنبي: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ}. ومعنى التشديد - عند غير هؤلاء - فإنهم لا ينسبونك إلى الكذب. ومعنى التخفيف فإنهم لا يجدونك كاذباً، كما يقال: " أحمدت الرجل "، إذا أصبته محموداً.
ويكون معنى التخفيف (أيضاً): لا يبيِّنون عليك أنك كاذب، يقال: " أكذبته "، إذا احتججت عليه وبيّنت (أنه كاذب)، وقال قطرب: " أكذبت الرجل ": دللت على كذبه. وروي " أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله يوماً وهو جالس حزين، فقال له: ما يُحزنك؟، فقال: كذّبني هؤلاء. فقال له جبريل: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ} هم يعلمون أنك صادق، {ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ} ". ويروى أن الأخنس بن شريق الثقفي مر بأبي جهل (بن هشام) يوم بدر، فقال له: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، (أصادق) هو أم كاذب؟ فأنه ليس هنا من قريش غيري وغيرك يسمع كلامنا؟!، فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبؤة،
34
فما يكون لسائِر قريش؟ فذلك قوله: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ} أي: عن يقين. وقيل معناه: فإنهم لا يكذبونك ولكن يكذبون ما جئت به، (وروي أن أبا جهل قال للنبي A: ما نتهمك، ولكن نتهم الذي جئت به). قوله: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ} الآية. وهذه (الآية) تسلية للنبي A، أعلم أنه قد حل برسل من قبله مثل ما حل به، فصبروا على التكذيب والأذى، فاصبر أنت يا محمد كما صبروا حتى يأتيك الصبر كما أتاهم. (قوله): {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله} أي: لما سبق في علمه، لا بد أن يكون. {وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ المرسلين} أي: أتاك (نبأهم) أنهم كذبوا وأوذوا فصبروا
35
حتى أتاهم النصر. قوله: {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} الآية. المعنى: وإن كان يا محمد عظُم عليك إعراض هؤلاء المشركين عنك وعن تصديقك، فلم تصبر، فعظم عليك أن يعرضوا إذ سألوا أن تنزل عليهم ملكاً، {فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأرض} أي: سرباً فتذهب فيه، {أَوْ سُلَّماً فِي السمآء} تصعد فيه، - (في) بمعنى " إلى " -، {فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ}، فافعل. (و) السلم: المصعد هو مشتق من السلامة، كأنه يسلمك إلى الموضع الذي تريد. وجواب الشرط هنا محذوف، المعنى فافعل ذلك. قوله: {وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى}. أي على كلمة الحق، لفعل، ولكنه لم يفعل لسابق علمه أنه يهدي من
36
يشاء ويضل من يشاء، فليس الاهتداء بفعل للعبد، بل هو لله، يوفق من يشاء ويخذل من يشاء. {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين} أي: ممن لا يعلم أن الله لو شاء لجمع على الهدى جميع خلقه، وهذا يدل على رد (قول) من زعم أنْ ليس عند الله لطف يوفق به الكافر حتى يؤمن. وقيل: معنى الخطاب لأمة محمد، والمعنى: فلا تكونوا من الجاهلين. ومثله في القرآن كثير. قوله: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ} الآية. المعنى: أن الله أعلم نبيه أنه إنما يستجيب لدعائه الذين فتح الله أسماعهم إلى سماع الحق، وسهل لهم اتِّباع الرشد. {والموتى يَبْعَثُهُمُ الله} أي: والكفار الذين هم عدد الموتى يبعثهم الله في عدد
37
الموتى الذين لا يسمعون صوتاً ولا يعقلون قولاً، {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} في القيامة. و {يَسْمَعُونَ} تمام عند الجميع. وقال الحسن: المعنى: أن الكفار مثل الموتى، والله يوفق منهم من يشاء إلى الإيمان فيكون ذلك بعثهم من موتهم. {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} يوم القيامة. وقال مجاهد: معناه: حين يبعثهم الله {يَسْمَعُونَ} يعني الكفار، أي: إذا وفقهم الله يسمعون. قوله: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} الآية. أي قال هؤلاء العادلون بالله غيره: هلا نزل على محمد آية، أي: علامة، قل يا محمد: {إِنَّ الله (قَادِرٌ على) أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: لا يعلمون أن الله إنما ينزل ما فيه الصلاح لعباده.
38
قوله: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض} الآية. المعنى: أنه ليس طائر يطير ولا دابة إلا وقد أحصى الله عملها وآثارها وحركاتها، فهي تتصرف - كما يتصرفون - فيما سخرت له، ومحفوظاً عليها ما عملت من عمل، لها وعليها، حتى يجازى (به) يوم القيامة، لم تخلق عبثاً، فمن أحصى أعمال الطير وجميع البهائم هو قادر على إحصاء أعمالكم وتصرفكم أيها العادلون بالله. ومعنى {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} أي: يعرفون الله ويعبدونه. والأمم: الأجناس. وقال ابن جريج: {أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} أي: " أصناف مصنفة تعرف بأسمائها ". قال أبو هريرة: ما من دابة في الأرض ولا طائر إلا سيحشر يوم القيامة ثم يقتص
لبعضها من بعض، حتى (يقتص للجماء) من ذات القرن، ثم يقال لها: كوني تراباً، فعند ذلك {وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً} [النبأ: 40]. وإن شئتم فاقْرَأوا: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض (وَلاَ طَائِرٍ) يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} إلى {يُحْشَرُونَ}. ومعنى: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} - وقد علم أنه لا يطير إلا بهما -: أن هذا كلام جرى على عادة العرب في لغاتها في التأكيد فخوطبوا بما يعلمون أنه مستعمل عند العرب، ((تقول العرب): " مشيتُ إليه برجلي " و " كلمته بفمي " فوكد الطيران ((بقوله)): (بجناحيه) على ذلك. وقيل: لما كانت العرب تستعمل لفظ " الطيران " في غير الطائر، فتقول لمن ترسله في حاجة: " طِ~ر في حاجتي "، تريد " أسرع ". ويقولون: " كاد الفرس يطير " إذا أسرع في جريه، فيعبرِّون بالطيران عما ليس له جناحان، ففرق
بذكر الجناحين بين المعنيين. ويكون " الطائر " عمل الإنسان اللازم له من خير وشر، ويكون " الطائر " من السعد والنحس، كقوله: {طَائِرُكُمْ عِندَ الله} [النمل: 47]، فبين في الآية /. أنه الطائر الذي يطير بجناحيه، لا غير. وقيل: معنى {(إِلاَّ أُمَمٌ) أَمْثَالُكُمْ} أي: خلقهم ودبّرهم ورزقهم وكتب آثارهم وآجالهم كما فعل بكم. (و) قوله: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ} أي: قد دللنا على كل شيء من أمر الدين في القرآن، إما دلالة مشروحة، وإما جملة. قال ابن عباس: " ما تركنا شيئاً إلاَّ قد كتبناه في أمِّ الكتاب "، يعني اللوح المحفوظ مما يكون وكان.
وقيل: المعنى: أن آثار هذه الأمم وآجالها وأرزاقها، كل مكتوب عند الله، فلم يفرط فيه في الكتاب الذي عنده، كل مكتوب فيه. ف (الكتاب) على هذا القول والذي قبله: هو اللوح المحفوظ و (الكتاب) في القول الأول: هو القرآن. وروي أن النبي عليه السلام قال: " إن الله قد حد حُدوداً فلا تنتهكوها، وسنَّ سُنناً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء - لم يدَعْها نِسياناً، كانت رحمة من الله - فَاقْبلَوها ". وقال A لابن عباس: " الأمور ثلاثة - يا ابن عباس - أمرَ بَانَ لك رُشُده فاتَّبِعْه، وأمر بَانَ لك غيُّه فاجتنبه، وأمرٌ غاب عنك فكِلْهُ إلى الله D ". وقيل المعنى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ} مما يحتاجون إليه، يعني القرآن. وقوله {ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} قال ابن عباس: " موت البهائم: حشرها ". قال الفراء:
39
" حشرها: موتها، ثم تحشر مع الناس فيقال لها: كوني تراباً، فعند ذلك يتمنى الكافر أنه كان تراباً ". وقيل: الحشر هنا: الجمع يوم القيامة. و" روي أن عنزين انتطحا، فقال النبي A: " أتدرون فيما انتطحا؟، قالوا: لا ندري. قال: لكنّ اللهَ يدري، وسيقضي بينهما " ". قوله: {والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ} الآية. المعنى: أن الله تعالى أعلمنا أن الكافرين بآيات الله {صُمٌّ} عن سماع الهدى، {وَبُكْمٌ} عن قول الحق، {فِي الظلمات} أي: في الكفر، وذلك أنهم لما لم ينتفعوا بما سمعوا ولا قالوا ما ينتفعون به، كانوا بمنزلة الصم والبكم، ثم أخبر تعالى أنه المضل لمن يشاء من خلقه عن الإيمان، وأنه يهدي من يشاء إلى الحق والصراط المستقيم، كل ذلك قد تقدم (في) علمه. والتمام عند بعضهم: {فِي الظلمات}. قوله: {قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أتاكم عَذَابُ الله} الآية.
حكى أبو (عبيد) عن ورش في " أرايت " و " أرايتكم " أنه يحقق الأولى، ويسقط الثانية ويعوض منها ألفاً. فمن أجل هذه الرواية رواه جماعة عن ورش بالمد. والذي عليه أهل العربية أنه يسهل الثانية فيجعلها بين الهمزة والألف، فلا يقع فيه إشباع مدُّ. وقد قرأنا فيه لورش بالمد على القول الأول.
واختُلف في الكاف: فقال البصريون: لا موضع لها من الإعراب، وإنما هي للمخاطبة. وقال الكسائي: هي في موضع نصب لوقوع الرؤية عليها، والمعنى: أرأيتم أنفسكم. وقال الفراء: هي في موضع رفع، لأنه لم يرد أن يوقع فعل الرجل على نفسه، لأنه يسأل عن غيره. وفرق الكسائي بين (رؤية) القلب والعين: فأسقط الهمزة من رؤية القلب، (لأن رؤية القلب) معناها: أخبروني عن كذا. وليس ذلك في رؤية العين. ففرق - بطرح الهمزة - بين المعنيين، وهو خطاب للكفار.
41
/ ومعنى الآية: أخبروني أيها العادلون بالله غيره إنْ أتاكم عذاب الله، كالذي جاء من كان قبلكم من الامم الظالمة، أو جاءتكم الساعة فبُعثتم للعرض، أغير الله تدعون في ذلك الوقت إن كنتم محقّين في دعواكم أن آلهتكم تنفع وتضر. قال: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} الآية. أي إليه تستغيثون، {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ} (أي) فيكشف الضر الذي من آجله دعوتم. {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} أي: تنسون شرككم إذا أتاكم العذاب. فقوله: {إِنْ شَآءَ} مشيئة قدرةٍ، و (هو لا يشاء أن يكشف) عنهم العذاب عند نزوله، (لقوله): {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} [غافر: 85]. قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إلى أُمَمٍ} الآية. (هذه الآية) تحذير للعادلين بالله غيره أن يتمادوا على ظلمهم فيهلكهم الله بالبأساء والضراء، كما أهلك من كان قبلكم حين كذبوا الرسل. والبأساء: شدة
43
الفقر والضيق في المعيشة، والضراء: الأسقام والعلل في أجسامهم. وقيل: البأساء: الجوع والفقر، والضراء: نقص الأموال والأنفس. وقال القتبي: " (البأساء): الفقر وهو البؤس، والضراء: البلاء ". وفي الكلام حذف، تقديره: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلاً، فكذبوهم، فأخذناهم. ومعنى {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} أي: ليكونوا على رجاء من التضرع، هذا مذهب سيبويه. والتضرع: التفعل من الضراعة، وهو الذل والاستكانة. قوله: {فلولا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا} الآية. " المعنى: فهَلاّ إذ جاءهم بأسنا تضرّعُوا "، أخبر الله D عنهم أنهم قد بلغ
44
(منهم - من القسوة -) ما تركوا التضرع معها، والطلبة عند اتيان العذاب. وتحقيق المعنى: لعلهم يتضرعون فلم يتضرعوا، {فلولا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ} فيصرف عنهم العذاب. {ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: أقاموا على التكذيب وأصروا عليه وزيّن لهم الشيطان أعمالهم. قوله: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} الآية. المعنى: فلما تركوا العمل بما أُمروا به على ألسن الرسل. وقوله: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} أي: استدرجناهم بالنعم التي كنا متعناهم إياها. روي عن النبي عليه السلام أنه قال: " إذا رأيتَ الله يُعطي العبدَ مَا يُحِبّ وهو مقيمٌ على معاصيه، فإنّما ذلك استدراج " ثم نوع بهذه الآية {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} (إلى قوله {رَبِّ العالمين}.
ومعنى: {أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} أي: كل شيء) كان قد أَغلق عنهم من الخير، جَعل مكان الضراء الصحة والسلامة، ومكان البأساء الرخاء والسعة، حتى إذا فرحوا بما فتح عليهم من النعيم والصحة اللذين كانا قد أَغْلَقَ عنهم، {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} أي: أخذناهم بالعذاب فجأة وهم لا يعلمون. قال ابن جريج: أخذوا أعجب ما كانت الدنيا إليهم. {فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} قال السدي: معناه، هالكون قد انقطعت حجتهم، نادمون على ما سلف منهم. وقال بعض (أهل) اللغة: معنى {فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا}: ظنوا أنهم إنّما أوتوا / ذلك استحقاقاً، قال: والمبلس: الشديد الحسرة الحزين.
45
قال ابن زيد: الإبلاس أشد من الاستكانة. وروي عن النبي عليه السلام (أنه) قال: " إذا رأيتَ اللهَ يُعطي عبدهَ في دُنياهُ، فإنّما هو اسْتِدراجٌ "، يعطي: يوسع عليه دنياهُ وهو لا يقلع عن المعاصي، يدل على ذلك الحديث الذي بعده، " ثم تلا هذه الآية {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} الآية. وعنه A أنه قال: " إذا رأيتَ اللهَ يعطي العِبادَ ما يشاءون على معاصيهم إياه، فإنما ذلك استدراج منه لهم "، ثم تلا الآية. وقيل: الإبلاس: انقطاع الحجة والسكون. وقيل: هو الندم والحزن على الشيء يفوت. وقيل: هو الخشوع. وقال القتبي: " (مبلسون): يائسون ". قوله: {فَقُطِعَ دَابِرُ القوم (الذين ظَلَمُواْ)} الآية.
46
المعنى: فاستُؤْصِل القوم الذين ظلموا، فلم يبق منهم أحد إلا هَلَكَ بغتة. والدّابِر: الآخِر. وإذا قطع دابرهم فقد قُطعوا، ولأن الآخِر لا يوصَل إليه إلا بعد أوّلٍ. {والحمد للَّهِ} أي: الثناء التام لله على نعمه على رسله وأهل طاعته بإظهار حجتهم على من خالفهم من أهل الكفر. قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ} الآية. روى ابن (عامر) عن أصحابه عن ورش: (بِهُ انظُر) بالضم للهاء، وكذلك روى ابن سعدان عن (المسيبي)، وهي قراءة
الأعرج، أتوا بالهاء على أصلها، وهو الضم. وإنما كسرت - في قراءة الجماعة - لأجل كسرة الباء قبلها، لئلا يخرج من كسر إلى ضم، وذلك ثقيل. وقيل: إنما كسرت الهاء، لأنه ليس في الكلام " فِعْلُ "، والضم هو الأصل. والمعنى: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء العادلين بالله الأوثان: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ}، فذهب بها، {وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ}، أي: طبع عليها، فلا تسمعون ولا تبصرون ولا تعقلون، من معبود غير الله يرد عليكم ما ذهب (عنكم)؟، وهذا (تعليم من الله) لنبيه الحجة على المشركين. ثم قال لنبيه: انظر:
47
كيف نصرف (لهم) الآيات أي: كيف نتابع لهم الحجج، ونضرب لهم الأمثال، ثم هم - مع ذلك - يصدفون، أي: يعرضون قاله مجاهد وجماعة معه. وقال ابن عباس: يعدلون. وقال السدي: يصدون. وقوله: {يَأْتِيكُمْ بِهِ}: الهاء تعود على السمع، وقيل: المعنى: يأتيكم بما أخذ منكم من السمع والأبصار، فوحدت الهاء لأنها مكان " ما "، وقيل: الهاء كناية عن الهدى. {يَأْتِيكُمْ بِهِ} تمام عند نافع وغيره. قوله: {قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إنأتاكم عَذَابُ الله بَغْتَةً} الآية. المعنى: قل يا محمد لهم: أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة، أي: فجأة
48
على غَرّة، أو أتاكم جهرة، أي: وأنتم تجاهرونه، أي: تعاينونه، {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون} أي: (لا) يُهلِك اللهُ منا ومنكم إلا من ظلم فعبد مَن (لا) يستحق العبادة، وترك عبادة من يستحق العبادة. قوله: {وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ (مُبَشِّرِينَ)} الآية. المعنى: أن الله أعلمنا أنه إنما يرسل الرسل مبشرين أهل الطاعة بالجنة والفوز، ومنذرين أهل الخلاف والكفر بالنار على فعلهم، لم يرسلهم ليقترح عليهم الآيات بل تصحبهم منها ما يدل على صدقهم مما يريد الله، {فَمَنْءَامَنَ} أي: صدق بالرسل، {وَأَصْلَحَ} أي: (عمل) صالحاً في الدنيا، {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}
49
في الآخرة ولا حُزُنٌ. / قوله: {والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ العذاب} الآية. قرأ يحيى بن وثاب {يَفْسُقُونَ} بكسر السين، لغة معروفة. وقرأ الحسن والاعمش {العذاب بِمَا} بالإدغام. وقال ابن زيد: " كل " فسق " في القرآن فمعناه: الكذب ". والمعنى: والذين جحدوا ما جاءتهم به رسلهم يمسهم العذاب في الآخرة بتكذيبهم الرسل. قوله: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله} الآية. المعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بالله: لست أقول لكم عندي خزائن الله أي: لست أقول: إني أنا الرب الذي بيده خزائن السماوات والأرض، ولست أعلم الغيب الذي لا يعلمه إلا الرب، {ولا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ}، لأنه لا ينبغي لملك أن يكون ظاهراً بصورته لأبصار البشر في الدنيا فتجحدوا ما أقول لكم من ذلك، {إِنْ أَتَّبِعُ}:
51
(أي ما أتبع)، {إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ}. و (كل هذا) تنبيه من الله لنبيه على مواضع الحجة على مشركي قريش. ثم قال: قل (لهم) يا محمد: هل يستوي الأعمى عن الحق والبصير به. و {الأعمى}: الكافر: لأنه عَمِي (عن) حجج الله. و {البصير}: المؤمن، لأنه أبصر حجج الله وآياته، فاهتدى بها، {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} فيما أقول لكم. وقيل: المعنى: لا أقول لكم عندي خزائن الله التي فيها العذاب، لقولهم: {ائتنا بِعَذَابِ الله} [العنكبوت: 29]. قوله: {وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ أَن يحشروا} الآية. هذه الآية أمر من الله للنبي أن ينذر بالقرآن الذين يخافون الحشر والحساب والعقاب وقد صدقوا به وآمنوا. واختص هؤلاء، لأن الإنذار ينفعهم،
52
إذْ هُم قابلوه ومصدقوه. والخوف: بمعنى العلم، أي: يعلمون ذلك ويَتَيقَّنُونَه، وقد أُرسل النبي عليه السلام لإنذار الخلق كافة. وقوله: {لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ}: هذا رد لقول اليهود والنصارى: {نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18]. قوله: {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ (بالغداة والعشي)} الآية. قوله: {فَتَكُونَ مِنَ الظالمين}: جواب النهي، و {فَتَطْرُدَهُمْ} جواب النفي. والتقدير: {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}، فتكون من الظالمين، ما عليك من حسابهم من شيء فتَطرُدهم: آخِرُ الكلامِ لأَوَّلِه، وأوسطُهُ لأِوسَطِهِ.
وهذه الآية نزلت في سبب جماعة صحبوا رسول الله - من ضعفاء المسلمين - فقالت قريش للنبي - وعنده صهيب وعمار بن ياسر وبلال وخباب، ونحوهم من الضعفاء -: يا محمد، رضيت بهؤلاء (من قومك، أهِؤُلاء) {مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} [الأنعام: 53]، أنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟، اطْرُدْهم، فلعلك إنْ طَرَدْتَهم أن نتبعك، فنزلت هذه الآية: {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} الآية. وروي عن خباب أنه قال: جاء ناس من المشركين والنبي A جالس مع بلال وصهيب وخباب وعمار في أناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقّروهم، فأتوا فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العرب
فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعْبُدِ، فإذا جئناك فَأَقْصِهِم، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال نعم. فقالوا: فاكتب (لنا عليك) / بذلك كتاباً. قال: فدعا النبي A بالصحيفة ودعا عليّاً ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بقوله: {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} الآية، ثم قال له: {وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [الأنعام: 53] الآية، ثم قال (له): {وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 54] الآية. فألقى النبي الصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: {كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة} [الأنعام: 54]، فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم
تَرَكَنا، فأنزل الله {واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28] (الآية)، فكان رسول الله يقعد معنا بعد ذلك، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، (قمنا) وتركناه حتى يقوم. وقال الفضيل في هذه الآية: جاء قوم إلى النبي A فقالوا: إنا قد أصبنا من الذنوب، فاسْتَغِفر لنا، فأعرض عنهم، فأنزل الله D: { وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا} [الأنعام: 54] الآية. وقيل: إنما أراد المشركون أن يطرد النبي A الفقراء، (فيحتجوا عليه إذ لم يتبعه الفقراء، ويقولوا: إن أتباع النبي الفقراء). فعصمه الله مما أرادوا به.
وقال الكلبي: (أبو طالب) عم النبي (هو الذي) قال للنبي: اطْردْ فلاناً وفلاناً. وإنّ ناساً من أصحاب النبي قالوا: يا رسول الله، صدق عمك فاطرد عنا سفلة الموالي. فعاتبهم الله في الآية الأولى، فجاءوا يعتذرون من قولهم " أطردهم "، فأنزل الله {وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 54]. ومعنى: {يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي} قال مجاهد: (هي) " الصلاة المفروضة: الصبح والعصر ". وقال ابن عباس: هي الصلوات المفروضة الخمس، وقاله الحسن. وكذلك قالوا كلهم في قوله: {واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي} [الكهف: 28]. وقال قتادة والضحاك: هي صلاة الصبح والعصر. وعن ابن عمر قال: يشهدون المكتوبة.
53
وقيل: معنى - الدعاء - هنا -: ذِكرُهم الله غدوةً وعشياً. وقيل: الدعاء هنا: العبادة. وقيل: هو إِقْراء القرآن. وقال الحسن: يعني الصلاة التي فرضت بمكة: ركعتان غدوة وركعتان عشية، وهذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس. وقال عمرو بن شعيب: هما صلاة الصبح وصلاة العصر. وقد قيل: إنهم القُصَاصَ. وأنكر ذلك جماعة من الصحابة والتابعين. وروي أنهم سألوا النبي أن يؤخر هؤلاء عن الصف الأول. والتمام هنا: {فَتَكُونَ مِنَ الظالمين}، لأنه جواب النهي، وقد قيل: {فَتَطْرُدَهُمْ} تمام، وليس بجيد. قوله: {وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} الآية.
54
المعنى: وكذلك ابْتَلَيْنا بعضهم ببعض)، أي: جعل بعضا فقيراً، وبعضاً غنياً وبعضاً ضعيفاً، وبعضاً قوياً، فأحوج بعضهم إلى بعض اختباراً منه لهم. قال ابن عباس: قال الأغنياء للفقراء: {أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} فهداهم؟، استهزاءاً منهم وسخرياً. ومعنى اللام: أنه لما آل عاقبة أمرهم إلى هذا القول، صاروا كأنهم إنما احتبروا (لِيَقولوا)، بمنزلة {فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [القصص: 8]. (و) قوله: {بِأَعْلَمَ بالشاكرين} أي: الموحدين. قوله: {وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا} الآية. هذه الآية عني بها الذين تقدم / ذكرهم في النهي عن طردهم. وقيل: عنى بها قوماً أصابوا ذنوباً عظاماً، فاستفتوا النبي فيها، فلم يُؤَيّسْهم الله من
رحمته. وقيل: عنى بها قوماً من المسلمين كانوا قد أشاروا على النبي بطرد الذين نهى الله عن طردهم، فكان ذلك منهم خطيئة، فاعتذروا من ذلك، فأُخبِروا في الآية أنه من تاب قُبِل منه، هذا على قول عكرمة وابن زيد. ومعنى {سواءا بجهالة} أي: من عمل ذنباً وهو جاهل به. ومعنى {كَتَبَ}: أوجب ذلك وقيل: " كتب في اللوح المحفوظ ". والوقف فيها مفهوم، لا يحسن أن يبتدأ بـ (أن) وهي مفتوحة، ولا بالفاء في (فَإِنَّه)، كسرتَ (أن) أو فَتَحْتَها، وتبتدئ بـ (إِنْ) إذا كسرتها،
55
وهي الأَوْلَى فاعلم. قوله: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيات وَلِتَسْتَبِينَ} الآية. المعنى: و (كما) فصلنا لك يا محمد ما تقدم، نفصل (لك) الأعلام والحجج الدّالة علينا فيظهر لك طريق المجرمين، وتعلم باطل ما هم عليه. واللام متعلقة بفعل محذوف دل عليه (نُفَصِّل). والمعنى: لتستبين سبيلَ المجرمين (فَصَّلناها، وهذا خطاب للنبي والمراد به أمّته، والمعنى: ولتستبينوا سبيل المجرمين)، فأما النبي A فقد كان عالماً بطريقهم، وأنهم على باطل. هذا على قراءة من نصب " السبيل ".
56
فأما من رفع، ففي الكلام حذف، والمعنى: ولتستبين سبيل المجرمين (والمؤمنين) فصلناها. ومعنى: {نفَصِّلُ الآيات} نأتي بها متفرقة شيئاً بعد شيء لتُفهم على مهل. قوله: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ} الآية. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين: إني نهيت أن أعبد أصنامكم الذين تقولون إنها تقربكم إلى الله زلفى، ولا أتبع أهواءكم التي عبدتم بها ما لا يجوز أن يُعبد، {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً} أي: قد ضللت إن عَبدتُها، {وَ (مَآ أَنَاْ) مِنَ المهتدين}، أي: من المتّبعين الهدى إنْ فعلتُ ذلك. قوله: {قُلْ إِنِّي على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} الآية. المعنى: {قُلْ}: لهم يا محمد: {إِنِّي على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي}: أي: حجة ظاهرة، وهي النبوة
قد ظهرت لي. وكذبتم أنتم به: أي: بربكم. وقيل: بالقرآن. وقيل: بالبيان وقيل: بالعذاب. {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} يريد من النقم والعذاب الذي تقترحون به، أي ليس ذلك بيدي، ما الحكم إلا لله في عذابكم وإمهالكم. {يَقُصُّ الحق} أي: يقضي القضاء الحق، {وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين} أي: الحاكمين.
58
وفي قراءة عبد الله: (وهو أسرع الفاصلين). {وَكَذَّبْتُم بِهِ} وقف، {تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} وقف. قوله: {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} الآية. المعنى: {قُل} يا محمد لهؤلاء الذين يستعجلون العذاب: {أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} من العذاب، لَجِئتُكم به، فيُقضى الأمر بيني وبينكم، ولكن ذلك بيد الله، وهو أعلم بالظالمين، أي: متى يهلكهم. وقيل: معنى {لَقُضِيَ الأمر بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}: لذُبِحَ الموت، قاله ابن جريج، يريد به معنى قوله: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة إِذْ قُضِيَ الأمر} [مريم: 38]. يروى " أن أهل الجنة والنار إذا استقر كل واحد في موضعه، أُتِيَ بالموت في
59
صورة / ما شاء الله فيُذْبَح بِمَرأَىً من الجميع، ويقال: يا أهل الجنة خلودٌ لا موت، ويا أهل النار خُلودٌ لا موت " هذا معنى الحديث لا لفظه. فهو الذي قال النبي لهم: {لَقُضِيَ الأمر}، وهو التفسير في قوله {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة} [مريم: 38]. {وَبَيْنَكُمْ} وقف حسن. قوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب} الآية. واحد المفاتح: مِفَتح، بكسر الميم وفتحها، والمعنى: وعند الله خزائن الغيب. قال ابن عباس: مفاتح الغيب خمس في آخر " لقمان ": {إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة} [لقمان: 34]
إلى {خَبِيرٌ} [لقمان: 34]. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: ما تغيض الأرحام، وما في غد، ومتى يأتي المطر، وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأيّ أرضٍ تموت " ورواه ابن عمر عن النبي عليه السلام. {إِلاَّ هُوَ}: تمام. وقوله: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا}: أي: ما تسقط من ورقة في الصحاري والبراري والأمصار والقرى إلا الله يَعلَمها، {وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظلمات الأرض} أي: بطون الأودية، ولا رطبها ولا يابسها، {إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ} وهو اللوح المحفوظ، مرسوم فيه عدده ووقته في اخضِراره ويُبسِه وسقوطه. وكل ذلك عن علم الله غيرُ خارج، وإنما أثبتت في اللوح امتحاناً لحَفَظَة الخلق. فقد روي أنهم مأمورون بكتابة
60
أعمال العباد، ثم يَعرِضها على ما أثبته تعالى في اللوح المحفوظ. قال عبد الله بن الحارث: ما في الأرض (من) شجرة ولا مغرِز إبرة إلا عليها (ملك) موَكّل يأتي الله بعلمها: يُبْسها إذا يَبِسَت، ورطوبتها إذا رَطُبَت. وقيل: المعنى في كَتْبِها: أنه لتعظيم الأمر، فمعناه: اعلموا أن هذا الذي ليس فيه ثواب ولا عقاب مكتوب، فكيف ما فيه ثواب وعقاب؟ قوله: {وَهُوَ الذي يتوفاكم} الآية. المعنى: قال لهم يا محمد: إن الله أعلم بالظالمين، وإن الله عنده مفاتح الغيب، وإن الله هو الذي يتوفاكم، (أي): يقبض أرواحكم من أجسادكم
بالليل، {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار}: أي: ما اكتسبتم من الأعمال بالنهار. وأصل الاجتراح: عمل الرجل بجارحة من جوارحه: يَدِه أو رِجليه، فكثر ذلك حتى قيل لكل مكتسب (شيئاً بأيّ أعْضاء جسمِه كان: " (مجترح) "، ولكل مكتسب) عملاً: " جارح ". ومعنى: التوفَّي: استيفاء العدد وقوله: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} أي يوقظكم من منامكم في النهار. الهاء في (فيه) تعود على " النهار "، لأن الإنسان يتمادى به النوم حتى يصير في النهار فينتبه، فلذلك بَعثُهُ. وقال ابن جبير: (يَبعثُكم فيه): في المنام.
61
{ليقضى أَجَلٌ مُّسَمًّى}: أي: ليقضي الله الأجل (الذي سماه لحياتكم، ثم يأتي الموت الذي مرجعكم منه إلى الله)، فينبئكم بما كنتم تعملون في الدنيا. و {أَجَلٌ مُّسَمًّى}: الموت. {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} بعد الموت. قوله: {وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ} الآية. المعنى: وهو الغالب خلقه، العالي عليهم بقدرته، قد قَهَرَهم بالموت، ليس كأصنامهم (المقهورة)، المذللة، المَعْلو عليها، {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} هي الملائكة، يتعاقبون بالليل والنهار، يحفظون أعمال العباد ويكتبونها، لا يفرطون في إحصاء ذلك، ويحفظونه مما لم يُقدَّر عليه، فإذا جاء أحدَهم الموت، توفته الرسل التي تقبض الأرواح، وقابض الأرواح هو ملك الموت، / إلا أن الله جعل له أعواناً، فهم
يقبضون (الأنفس) بأمر ملك الموت، فلذلك قال: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}، ولم يقل: " رسولنا ". قال ابن عباس: " لملك الموت أعوان (من الملائكة) ". قال قتادة: تلي الملائكة قبض النفس وتدفعها إلى ملك الموت. وقال الكلبي: ملك الموت يتولى، ثم يدفع النفس إلى ملائكة الرحمة إنْ كان مؤمناً، وإلى ملائكة العذاب إن كان كافراً. قال مجاهد: جُعلت الأرض لملك الموت (مثل الطست)، يتناول من حيث شاء، وجعلت له أعوان يتولون ذلك، ثم يقبضها هو منهم. قال مجاهد: " ما من
أهل بيت شَعَر ولا مَدَر إلا وملك الموت يطوف بهم كل يوم مرَّتين ". وروى (البراء) بن عازب أنه سمع النبي عليه السلام يقول: " إذا كان العبد عِندَ انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه (ملائكة من السماء)، بيضُ الوجوه كأنّ وجوهَهم الشمس (حتى يقعدوا) منه مَدَى البصر، ويجيء ملك الموت معهم حتى (يقعد) عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، أُخرُجي إلى مغفرة (من) الله ورضوان، فتخرج تسيل كما (تسيل القطرة) في السقاء، فيأخذها ملك الموت في يده، فإذا وقعت في يده، لم يَدَعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها منه، فيجعلونها في كفن من الجنة وحنوط، ثم يصعدون بها إلى السماء حتى ينتهوا بها إلى السماء السابعة ".
" قال الحسن: (إذا احتضر) المؤمن (احتضره) خمس مائة ملك يقبضون روحه فيعرُجون به ". والأجساد هي التي تموت، فأما الأرواح والأنفس فهي حية عند الله، ودل على ذلك قوله: {فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ} [الواقعة: 93]، فلو كانت النفس تموت لم يكن لها نزل،
62
وقوله: {قَالَ رَبِّ ارجعون * لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً} [المؤمنون: 99 - 100] أي: تقول النفس: أَرْجِعني إلى جَسَدي لعلي أعمل صالحاً، فلو كانت النفس تموت بموت (الجسد)، ما سألت الرَجعَة. قال عبد الملك: ولا يقول " إن النفس والروح يموتان بموت الجسد " إلا رجل جاهل بأمر الله، أو رجل منكر للبعث، وقد قال تعالى: {الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مَوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التي قضى عَلَيْهَا الموت وَيُرْسِلُ الأخرى} [الزمر: 42]، فلو كانت النفس تموت بموت الجسد ما أمسكها، وليس يُمْسَك إلا حيٌّ. قوله: {ثُمَّ ردوا إلى الله مَوْلاَهُمُ الحق} الآية. المعنى: ثم ردت الأنفس إلى الله مولاهم الحق. وقرأ الحسن (الحَقَّ) بالنصب على " أعني ".
63
{أَلاَ لَهُ الحكم} أي: القضاء، {وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين} أي: أسرَعُ من حسب عددكم وأعمالكم وآجالكم، وقيل: معناه: يعلم أعمالكم بلا معاناة، ويحصيها بلا حساب ولا عدد، لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد، فذلك غاية السرعة في المحاسبة. {الحق} تمام، و {الحك}: تمام. و {مَوْلاَهُمُ}: وقف على قراءة الحسن. قوله: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ البر} الآية. {تَضَرُّعاً}: مصدر. وقيل: هو حال على معنى: ذوي تضرع. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين: من ينجيكم من ظلمات البر والبحر، أي: كروبهما، إذا ضللتم وتحيرتم فلم تهتدوا، وأخذتم في الدعاء (تقولون): لئن أنجيتنا، أي: من هذه الظلمات التي / نحن فيها، يفعلون ذلك جهرة
65
و (خفية)، {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين} أي: من المؤمنين. ثم قال: (قل) لهم يا محمد: {الله يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا} الآية. أي من الظلمات والهلاك، وينجيكم من كل كرب سوى ذلك فيكشف، {ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} في عبادة ربكم. قوله: {قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ} الآية. " {شِيَعاً}: نصب على الحال، أو المصدر ". والمعنى: قل لهم يا محمد: الله القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم، أو من تحت أرجلكم، جزاء لشرككم به بعد إذ (نجاكم مما) أنتم فيه. والعذاب الذي (هو) من فوقهم: هو الرجم، والذي من تحت أرجلهم: الخسف، قاله ابن جبير ومجاهد والسدي.
وقال الفراء {مِّن فَوْقِكُمْ}: المطر والحجارة والطوفان، و {مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ}: الخسف. وقال ابن عباس: العذاب الذي (هو) من فوق: أئمة السوء، والذي من أسفل: خدمة السوء وسفلة الناس. وقال الضحاك: {مِّن فَوْقِكُمْ}: من كباركم، {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ}: من سفلتكم. (و) قوله: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} (أي) يخلطكم (فرقا، من " لَبَست عليه الأمر ": أخلطته فمعناه: يخلطكم) أهواء مختلفة مفترقة.
وقال الفراء: {يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} أي: ذوي أهواء مختلفة. وقرأ المدني {يَلْبِسَكُمْ} بضم الياء، من " ألبس ". وقوله: {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} أصل هذا من " ذوق الطعام "، ثم استعمل في كل ما وصل إلى الرجل من حلاوة أو مرارة أو مكروه. (قال (ابن عباس): يعني بالسيوف. و) قال ابن عباس: " يسلط (بعضكم) على بعض بالقتل ".
وقد قيل: إنه عني بهذا المسلمون من أمة محمد. قال النبي عليه السلام: " إني سألت الله في صلاتي هذه ثلاثاً - وأشار إلى صلاة صبح كان قد أبطأ فيها - قال: سألته ألا يُسَلّط على أمتي السّنة، فأعطانيه، وسألته ألا يلبسهم شيعاً، وألا يُذيق بعضَهم بأسَ بعضٍ، فمنعنيهما ". وروى جابر أن النبي عليه السلام قال: - " لما نزل عليه {قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} -: أعوذ بوجهك. فلما نزل {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ}، قال: هاتان أيْسَرُ وأَهْوَنُ ". قال الحسن قوله: {أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ}: هذا للمشركين {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ}: هذا للمسلمين. ثم قال: انظر يا محمد {كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}، أي: يفقهون ما يقال لهم.
66
قوله: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحق} الآية. المعنى: وكذب يا محمد بما تقول وتخبر - من الوعد والوعيد - قومك، وهو الحق. فالهاء ترجع إلى القرآن. وقيل: إلى " التصريف "، أي: وكذب بتصريف الآيات قومك. وقيل: ترجع على محمد، أي: وكذب بمحمد قومه، وهو الحق. ثم قال: {قُل} (يا محمد لهم) {لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} أي: بحفيظ ولا رقيب، إنما أنا رسول. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخ هذا آية السيف. ولا يَحسُن نَسْخُ هذا عند أهل النظر والمعاني، لأنه خبر.
وقوله: {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ} أي: لكل خبر قرار يستقر عنده، ونهاية ينتهي إليها فيعلم حقه وصدقه من / كذبه، {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} صحة ما أقول لكم، وهو ما أوعدهم به من العذاب، فظهر ذلك يوم بدر. قال السدي: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحق}، قال: كذبت قريش بالقرآن، وهو الحق ". قال السدي: وأما {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ} فكان نبأ القرآن استقر يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب ". وكان الحسن يتأول ذلك أنها الفتنة التي كانت بين أصحاب محمد بعده. وقال النحاس: {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ} هو تهديد إما بعذاب الآخرة، وإما بالأمر بالخوف، والمعنى: لكل خبر توعدون به وقتٌ يحدث فيه، وأجل ينتهي إليه فيكون ذلك، والنبأ: الخبر.
68
قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فيءَايَاتِنَا} الآية. المعنى: وإذا رأيت - يا محمد - المشركين الذين يخوضون في آيات الله، وخوضهم فيها: استهزاؤهم بها وتكذيبهم لها، {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي: فَصُدَّ عَنْهمُ بِوجهِك، وقُمْ عنهم حتى يخوضوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله. (و) قوله: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان}: أي: إن أنساك الشيطان نهي الله لك عن الجلوس معهم في حال استهزائهم، ثم ذكرت ذلك، فقم عنهم ولا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين. قال ابن جريج: كان المشركون يجلسون إلى النبي يستمعون منه، فإذا سمعوا استهزأوا، فنهي النبي A عن مجالستهم إذا استهزأوا (إلا أن ينسى)، فإن نَسِيَ ثم ذَكَرَ، أمرُ أن يقوم عند التّذكّر. قوله: {وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم} الآية. المعنى: أنه ليس على من اتقى الله من حساب هؤلاء الخائضين شيء، أي:
ليس (عليه) من إثمهم شيء إذا اتقى ما هم فيه. وليس المعنى: ليس عليه شيء من إثمهم إذا جالسهم في حال خوضهم، (إنما المعنى: ليس (عليه) شيء إذا لم يجالسهم في حال خوضهم)، لأن الله قال: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [النساء: 140]: أي: حتى يخوضوا في غير الكفر والاستهزاء بآيات الله. ومعنى: {ولكن ذكرى} أي: إذا ذكرت فقم، {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (أي) الخوض فيتركونه، هذا قول السدي. وقيل: إن المعنى ليس على الذين يتقون من حسابهم (من) شيء إذا قعدوا إليهم، ثم نسخ ذلك بقوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب} [النساء: 140] الآية، روي ذلك عن ابن
70
عباس. ونَسْخُ مثلِ هذا لا يحسن، لأنه خبر. قال الكلبي: قال أصحاب النبي: إنا كنا كلما استهزأ المشركون بكتاب الله، قمنا وتركناهم لم ندخل المسجد ولم نطف بالبيت، فرخص الله للمسلمين الجلوس معهم، وأُمروا أن يُذَكِّروهم ما استطاعوا. و {ذكرى} في موضع نصب، على معنى: فأعرضوا عنهم ذكرى، وتكون في موضع رفع على معنى: لكن إعراضهم ذكرى لأمر الله. قوله: {وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ} الآية. المعنى: أنه أمر من الله لنبيه أن يترك هؤلاء الذين هذه صفتهم، ثم نسخ ذلك بآية السيف.
(و) قوله: {وَذَكِّرْ بِهِ} أي: ذكر بالقرآن (كراهة) {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ}: أي: تسلم (بعملها، غير قادرة على التخلص. (وقال الزجاج): " والمُسْتَبْسِل: المُسْتَسْلِم الذي يعلم أنه لا يقدر على التخلص ". وقال الفراء: ترتهن. وقيل: تُحبس. وقيل: تفضح، (قاله) ابن
عباس. وقيل: تُجزى، وهو قول الحسن، وبه قال الأخفش والكسائي. وأصل الإبسال: التَّحريم، يقال " أَبْسَلْت المكان ": حرَّمته. فالمعنى: ذكِّر بالقرآن من قبل / أن تُسلم نفس بذنوبها، {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} يخلصها. فالهاء في (به) للقرآن. وقيل: على التذكر. وقيل: على الدين، أي: ذكر بدينك.
71
ثم قال: {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ} أي: تفد كل فداء لا يقبل منها، قال قتادة والسدي: لو جاءت بملء الأرض ذهباً ما قُبِل منها. {أولئك الذين أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ} أي: ارتهنوا بذنوبهم وأسلموا لها، (لهم شراب من حميم) أي: في جهنم، {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ} بما اكتسبوا من الأوزار في الدنيا. قال ابن عباس: {أُبْسِلُواْ}: فضحوا. وقال ابن زيد: أُخذوا. قوله: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُنَا} الآية. قرأ ابن مسعود (اسْتَهْواه الشَّيطان) وعن الحسن: (استهوته الشَّياطون بالواو، وهو لحن.
ومعنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء العادلين، واحْتَجَّ عليهم، فقل: أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا، أي: أندعو خشباً وحجراً لا يقدر على نفع ولا ضر، {وَنُرَدُّ على أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا الله} أي: نرجع القهقري، إن فعلنا ذلك - والعرب تقول لكل من لم يظفر بحاجته: " قد رُدَّ على عقبيه " فيكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين، أي: زينت له هواه، ({حَيْرَانَ} أي) في (حال) حيرته. {لَهُ أَصْحَابٌ}: أي: لهذا الحيران - الذي على غير محجة - أصحاب يدعونه إلى الهدى: ائتنا. وهذا مثل ضربه الله لمن كفر بعد إيمانه فاتبع الشياطين من أهل الشرك بالله، وأصحابه - الذين كانوا معه على الهدى - يدعونه إلى الهدى الذي هم عليه، وهو يأبى ذلك. وقيل: (هو) في أبي بكر (الصديق) Bهـ وزوجته كانا يدعوان ابنهما عبد الرحمن إلى الإسلام.
ومعنى {ائتيا}: أطعنا، والمعنى: أَنْ ائتنا. قال السدي: قال المشركون للمسلمين: اتبعوا ديننا واتركوا دين محمد، فقال الله: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله} الآية، فمثلكم - إن كفرتم بعد الايمان - كمثل رجل كان مع قوم على طريق، فَضَلَّ الطريق، فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق يدعونه إليهم، يقولون: " ائتنا، فإنا على الطريق "، فأبى أن يأتيهم، والطريق هو الإسلام. وروي عن ابن عباس أن المعنى: أنه مثل لرجل أطاع الشياطين، وحَادَ عن الحق وله أصحاب على غير هدى يدعونه ويزعمون أن ذلك هو الهدى، فأكذبهم الله وقال: {قُلْ} يا محمد: {إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى}، وقل: أُمِرنا كي نسلم لرب العالمين، أي: نخضع له ونطيعه. {حَيْرَانَ}: تمام عند جميعهم. وقال نصير: {فِي الأرض} التمام، ورُدَّ ذلك
72
عليه، لأن (حَيْرَان) منصوب على الحال. قوله: {وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة واتقوه} الآية. {أَنْ} في موضع خفض، عطف على {الهدى} [الأنعام: 71]. أو عطف على (أَنْ) الناصبة للفعل في (نُسْلِم). ويجوز أن تكون في موضع نصب، على حذف الخافض، (و) المعنى: وبأن أقيموا. ويجوز أن تكون في موضع خفض على إضمار ذلك الخافض، والمعنى: وأمرنا بأن أقيموا الصلاة. {واتقوه} أي: واتقوا رب العالمين الذي إليه تحشرون في الآخرة. {واتقوه} تمام. / قوله: {وَهُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بالحق} الآية.
المعنى: والله - الذي أمرتم أن تسلموا له - هو الذي خلق السماوات والأرض بالحق، وهو رب العالمين. ومعنى {بالحق}: أي: حقاً وصواباً، لا باطلاً. وقيل: المعنى: خلق السماوات والأرض بكلامه وقوله لهما: {ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} [فصلت: 11]، فالحق هنا: كلامه ودليله. (قوله): {قَوْلُهُ الحق} الآية. (ف (الحق)): كلامه، خلق به (الأشياء المخلوقة)، وما خلق به الأشياء فهو غير مخلوق. وقيل: المعنى: خلقهن (للحق)، يعني المعاد. و {قَوْلُهُ} مرفوع (ب (يكون))، و (الحق): نعته. وقيل: المعنى: فيكون
ما أراد. و {قَوْلُهُ الحق}: ابتداء وخبر. وقال الفراء: المعنى: ويوم يقول للصور: كن، فيكون، و (قولُه): ابتداء و (الحق) خبره. و {الصور} عند أبي عبيد: جمع صورة. وقيل: هو القرن الذي ينفخ فيه. وقوله: {يَوْمَ يُنفَخُ} بدل من {يَوْمَ يَقُولُ}. وقيل: العامل فيه: {الحق}. وقيل: العامل فيه {وَلَهُ الملك}، لأنه يوم لا منازع له في الملك، فلذلك خصه بالذكر، وأن كان هو المالك في كل الأحيان، وهو مثل: {مالك يَوْمِ الدين} [الفاتحة: 4]. {عالم الغيب}: رفع على النعت ل {الذي} في قوله: {وَهُوَ الذي خَلَقَ}. وقيل:
{وَهُوَ} رفع على إضمار مبتدأ. وقيل: هو رفع بالمعنى، والتقدير: ينفخ فيه عالم {الغيب}. والنفخ في الصور نفختان: واحدة لفناء من كان حياً على الأرض، والثانية لنشر كل ميت، وبذلك أتى القرآن. وقد تظاهرت الأخبار عن النبي A: " أن إسرافيل قد الْتَقَم الصور (وحَنَى) جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ، وأنه قال: الصور قرن ينفخ فيه ". قال قتادة: ينفخ فيه من الصخرة من بيت المقدس. والصور قرن فيه أرواح الخلق فينفخ فيه، فيذهب كل روح إلى جسده فيدخل فيه.
وروي عن ابن عباس: " أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور " وتكون الآية بمنزلة قول الشاعر: ليبك يزيد ضارع لخصومه ... ومعنى {عالم الغيب} أي: يعلم ما يغيب عنكم، {والشهادة} أي: يعلم أيضاً ما تشاهدون، {وَهُوَ الحكيم} في تدبيره، {الخبير} بأعمالكم. وقوله: {بالحق}: وَقْف إن نصبت {وَ} يوم على معنى: واذكر، و {كُن}: تمام، (و) {فَيَكُونُ} تمام إن رفعت {قَوْلُهُ} بالابتداء،
74
وجعلت {فَيَكُونُ} للصور، أو على معنى: فيكون ما أراد، و {قَوْلُهُ الحق}: تمام حسن إن جعلت {يَوْمَ يُنفَخُ} نصب بقوله: {وَلَهُ الملك}. (ويقف على {وَلَهُ الملك}) إن نصبت {يَوْمَ يُنفَخُ}، بمعنى: واذكر. و {فِي الصور} وقفٌ إن جعلت {عالم الغيب} على معنى {هُوَ} فإن جعلته نعتاً ل {الذي} - أو على إضمار فعلٍ يدل عليه {يُنفَخُ} -، لم تقف على {الصور}. وقد قرأ الحسن {عالم} بالخفض على البدل من الهاء في قوله {وَلَهُ}. (قوله): {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ} الآية. ألف {أَتَتَّخِذ} ألف تقرير وتوبيخ، لأنه كان قد علم أنه يتخذها. والمعنى: واذكر يا محمد - في محاجتك قومك في أصنامهم - حجاجَ إبراهيمَ قومَه في باطل ما كانوا عليه من عبادة الأصنام، إذ قال لابيه آزر.
وآزر: اسم أبي إبراهيم في قول السدي والحسن وغيرهما، وكان رجلاً من أهل كوثي من قرية بسواد الكوفة، وهو آزر (و " تارح ")، كما يقال: " إسرائيل " و " يعقوب ". وقال مجاهد: آزر ليس بأبي إبراهيم، إنما هو / اسم صنم. وقيل: آزر صفة، وهو " المُعْوَج " في كلامهم، كأن إبراهيم عابه بزيغه واعوجاجه، كأنه قال لأبيه ذلك، وهي أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه، ذكر
ذلك الفراء وغيره. والضم على النداء يحسن على هذا المعنى. وحكي الزجاج (أن آزر) صفة، معناه: المخطئ، فيحسن أن يكون صفة للأب، كأنه: " قال لأبيه المخطئ ". ويحسن أن يكون نداء فيضم على معنى: (يا مخطئ في دينه. وبذلك قرأ يعقوب الحضرمي، والحسن قبله. " وقال الضحاك: معنى آزر: شيخ ". وذكر أبو حاتم عن ابن عباس: (أإزرا تتخذ) بهمزتين: مفتوحة ومكسورة، من غير ألف في (تتخذ)، نصبه (ب (تتخذ)، جعله مفعولاً من أجله، يكون مأخوذاً من الأزر الذي هو الظهر. ويجوز أن يكون أصله: " أَوْزْراً "، ثم أبدل من الواو المكسورة همزة
" كإشاح ". وروى غير أبي حاتم بهمزتين مفتوحتين. وقرأ الحسن (آزرُ) بالرفع على النداء، وهي قراءة يعقوب. وقد قيل: إن رفعه على إضمار مبتدأ. وفي قراءة أُبَي (يا آزرُ). (و) من جعله اسماً للصّنم: فهو بعيد، لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل (فيه ما) بعده، وفتحه على النعت للأب، أو على البدل، وموضعه خفض. {إني أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} بعبادتكم الأصنام، أي: يتبين لمن أبصرَهُ (الله) أنه جسور وحيرة عن سبيل الحق. قوله {لأَبِيهِ} وقف على قراءة من رفع (آزرُ)، أو قرأه بهمزتين. وتقف
75
على (آزر) في قراءة من جعله بدلاً أو صفة. قوله: {وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض} الآية. الواو والتاء زيدتا في ملكوت للمبالغة في " الملك " وقرأ أبو السَّمَّأل: (مَلكُوت) بإسكان اللام، وهو بعيد عند سيبوبه لخفة الفتحة. والمعنى: ومثل ما أريناك يا محمد البصيرة في دينك، والحجة على قومك، أرينا إبراهيم ملك السماوات والأرض، {وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين} أي: وليكون من الموقنين أريناه ذلك.
وقيل: ملكوت - هنا - بمعنى ملك. وقيل: بمعنى خَلْق. وهو بكلام النبط " مَلْكوتاً ". وقيل: ملكوت: معناه آيات. (وقال السدي): أقيم إبراهيم على صخرة وفتحت له السماوات، فنظر فيهن إلى ملك الله، ونظر إلى مكانه في الجنة، وفتحت له الأرضون حتى نظر إلى أسفل الأرض، قال: فذلك قوله: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدنيا} [العنكبوت: 27]، أي: أَرَيْنَاهُ مكانهُ في الجنة، وقيل: أجره في الدنيا: الثناء الحسن بعده. قال عطاء: لما رفع الله إبراهيم في ملكوت (السماوات) والأرض - تعالى الله وجل وعز -، رأى إبراهيم عبداً يزني، فدعا عليه فهلك، ثم رُفِع فأشرف، فرأى آخر، فدعا عليه فهلك. ثم رأى (آخر) فدعا عليه
فنودي: على رِِسْلِك يا إبراهيم، فإنك عبد مستجاب له، وإني من عبدي على (أحد) ثلاث: إما أن يتوب إلي فأتوب عليه، وإما أن أُخْرِجَ منه ذرية طيبة، وإما أن يتمادى فيما هو فيه، فأنا من ورائه. وقال الضحاك: (معنى ما) أراه الله من ملك السماوات والأرض: ما أراه من النجوم والشمس والقمر والشجر والجبال والبحار. قال ابن عباس: فُرَّ بإبراهيم من جبار من الجبابرة، فجعل في سرب، وجعل رزقه في أطراف أصابعه، فكان لا يمص أصبعاً من أصابعه إلا جعل الله D فيها رزقاً. فلما خرج من ذلك السرب، أراه الله شمساً وقمراً ونجوماً وسحاباً وخلقاً عظيماً: فذلك ملكوت السماوات، وأراه الله بحوراً وجبالاً / وشجراً وأنهاراً وخلقاً
76
عظيماً: فذلك ملكوت الأرض. قوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليل رَأَى كَوْكَباً} الآية. المعنى: فلما ستر إبراهيم الليل بظلمته، - (يقال: جنَّ الليل (و) (جنَّه)، وأجنَّ عليه، وأجنَّه). {رَأَى كَوْكَباً}: أي: أبصر. والكوكب: الزهرة. وقال السدي: وهو المشتري. قال ابن عباس: عبد الكوكب حتى غاب، فلما غاب، {قَالَ لا أُحِبُّ الآفلين}، وكذلك فعل بالقمر والشمس، فلما غابا {ياقوم إِنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ}.
وكان بين نوح وإبراهيم: هود وصالح، وكان النمرود في زمن إبراهيم، وكان من خبر إبراهيم مع النمرود: (أن النمرود) - قبل مولد إبراهيم - أتاه أهل النجوم يخبرونه أنه يجدون في علمهم: أن غلاماً يولد في قريتك هذه، يقال له " إبراهيم "، يفارق دينكم ويكسر أوثانكم، في وقت كذا يولد. فلما كان ذلك الوقت، حبس نمرود كل امرأة حبلى عنده إلا أم إبراهيم، فإنه لم يعلم بحبلها لِما أراد الله من أمره، فجعل نمرود لا تلد امرأة (غلاماً في ذلك الوقت) إلا ذبحه، فلما وجدت أم إبراهيم الطلق، خرجت ليلاًَ إلى مغارة، فولدت فيها إبراهيم، وأصلحت من شأنه ما يُصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها وكانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فنجده حياً يمص أصابعه جعل الله له رزقاً فيها. وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر، والشهر
كالسنة، وكانت أمه قالت: (لآزر أبيه): قد ولدت غلاماً فمات. فصدقها فلما بلغ إبراهيم في المغارة خمس عشرة، قال لأمه: أخرجيني أنظر. فأخرجته عشاء، فنظر وتفكر في خلق السماوات والأرض، وقال: " إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لَرَبّي، ما لي إله " غيره ". ثم نظر إلى السماء فرأى كوكباً، {قَالَ هذا رَبِّي}، ثم اتبعه ينظر إليه (ببصره) حتى غاب، (فلما غاب)، {لا أُحِبُّ الآفلين} أي: الغائبين، ثم فعل ذلك بالقمر، ثم بالشمس. ثم أتى إبراهيم أباه آزره وأخبرته (أمه به) فَسُرَّ (به)، وكان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدون، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيذهب بها إبراهيم قبل مبايعته لهم فيقول: " من يشتري ما يضره ولا ينفعه؟ " فلا يشتريها منه
أحد. فإذا بارت عليه مضى بها إبراهيم إلى نهر، فصوَّب (فيه) رؤوسها وقال: (اشربي)، استهزاء بقومه، حتى فشا عيبه إياها واستهزاؤه (بها) في قومه من غير أن يبلغ ذلك نمرود. وقد أنكر قوم من العلماء أن يكون إبراهيم عليه السلام عبد شيئاً من ذلك حقيقة، إنما فعل ذلك على وجه التعريض والإنكار لقومه وفعلهم، (لا أنه) (جهل) معبوده حتى عبد الكوكب والقمر والشمس، وكأنه أراهم أن الكوكب والقمر والشمس أضوأُ من الأصنام وأحسن، وهي لا تعبد، لأنها آفلة، فَتَركُ عبادة الاصنام التي لا ضوء لها ولا حسن ولا بهجة آكد، فكأنه عارض باطلاً بباطل على طريق التبكيت لهم، و (القطع) لحجتهم.
قال إبراهيم بن عرفة: كان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام والحجارة، وكانوا يجادلونه، فأراهم من خلق الله / تعالى ما هو أعظم مما يعبدون، فقال: " هذا ربي "، لو كان رباً يعبد من دون الله، لأن هذا أعظم وأعلى مما تعبدون. فلما أفل، قال: لا أحب الآفلين، فأراهم أن الكوكب يغيب إذا غلب عليه ضوء النهار، والمعبود لا يكون مغلوباً. وقيل: بل كان ذلك منه في حال طفولته، وقبل قيام الحجة عليه ولزوم الفرض له، وتلك حال لا يلزم فيها كفر ولا إيمان. وقيل: معنى الكلام الإستفهام الذي في معنى الإنكار، والمعنى: أهذا ربي؟، قاله قطرب وغيره، وهو قول ضعيف، لأن الألف إنما تحذف إذا كان في الكلام ما يدل عليها نحو " أم " ونحوها.
وقال أبو إسحاق: لم يقل ذلك (على اعتقاد) منه بدلالة قوله: {واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام} [إبراهيم: 35]، وبقوله: {إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات: 84]، أي: سليم من الشرك. وأنما المعنى: هذا ربي على قولكم: (لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر، ومثله قوله: {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ} [النحل: 27، القصص: 62، 74، فصلت: 47] المعنى: أين شركائي على قولكم). ويجوز أن يكون المعنى: (قال): هذا ربي) أي: قال: تقولون: " هذا ربي "، ثم حذف القول، كما قال: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ} [الرعد: 24] أي: يقولون: سلام (عليكم). ومعنى {بَازِغاً}: طالعاً، وهو نصب على الحال. وكذلك {بَازِغَةً}. وذكر {الشمس} في قوله: {هذا رَبِّي}، على معنى: " هذا البازغ ربي "، أو " هذا الشيء
79
ربي "، أو " هذه النور ربي "، أو " هذا الطالع ربي ". قوله: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ (لِلَّذِي)} الآية. هذا خبر عما قال إبراهيم بعد أن أوقفهم على نقص الكوكب والشمس والقمر في الأفول، فقال الحق ولم يبال بخلافهم، {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} أي: قصدت في عبادتي: {لِلَّذِي فَطَرَ} (أي خلق) السماوات والأرض {حَنِيفاً} أي: مائلا إلى ربي، وما أنا مشرك مثلكم. قوله: {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ (قَالَ أتحاجواني فِي الله)} الآية. المعنى: وجادل إبراهيم قَومُه في الله، فقال لهم إبراهيم عليه السلام: أتحاجوني في توحيد الله وقد هداني للإيمان به، وإخلاص العمل له، ولست أخاف ما تشركون به أن ينالني بسوء ومكروه.
والهاء للضم، (وهو (ما)). وقيل: الهاء لله جل ذكره، يعني أصنامهم، وذلك أنهم قالوا له: إنَّا نخاف أن تمسك آلهتنا بسوء: من مرض أو خَبْلٍ لِسَبِّك لها. ثم قال لهم: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً} أي: إن أراد أن يصيبني بسوء " أو خير "، فهو لاحقي لا شك. ووجه حذف النون من {أتحاجواني} أنه استثقل التشديد فحذفت النون الزائدة [لا] التي للإعراب، قال سيبويه: حذفت لكراهة التضعيف.
وقال (أبو) عبيدة: حذفت كراهة الجمع بين ساكنين. وقد أنكر أبو عمرو الحذف وقال: هو لحن، لأنه تأول أن المحذوف النون التي للإعراب. والمحذوف عند سيبويه والخليل النون الزائدة. قوله: {وَسِعَ [رَبِّي] كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} أي: [وسع] علم ربي كل شيء، فلا يخفى عليه شيء، وليس كآلهتكم التي لا تنفع ولا تضر، {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} أي: تعقلون أنها لا
81
تنفع ولا تضر. قوله: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ} الآية. هذا جواب إبراهيم لقومه حين خوفوه بآلهتهم، فقال: {وَكَيْفَ [أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ]} أي: كيف أرهب أصنامكم التي لا تضر ولا تنفع، وأنتم لا تخافون إذا أشركتم بمن خلقكم ورزقكم، وهو قادر على ضركم ونفعكم، أشركتم به ما ليس معكم في عبادته حجة ولا برهان /، {فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن} من العذاب؟: مَن آمن برب واحد يضر ويَنْفَعَ، أو مَن آمن بأرباب كثيرة لا تضر ولا تنفع، {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} صدق ما أقول لكم. قوله: {الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} الآية. يجوز أن يكون من قول إبراهيم، ويجوز أن يكون مستأنفاً من قول الله، فصل " الله " بين إبراهيم وقومه، فأخبر لمن الأمن.
83
والحجة التي أوتي إبراهيم هو قوله: {فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن} [الأنعام: 81]. ومعنى: {وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} أي: لم يخلطوه بشرك، ولما نزلت هذه الآية، اشتد ذلك على أصحاب النبي، فقال لهم النبي: ليس الأمر كما تظنون، لهو كما قال لقمان: {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]. قوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءاتيناهآ إبراهيم (على قَوْمِهِ)} الآية. {تِلْكَ}: إشارة قول إبراهيم لقومه: {فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 81]. وقيل: إنهم قالوا " له ": إنّا نخاف أن تُخَبِّلك آلهتنا لسبك لها، فقال لهم: أفلا تخافون أنتم منها - إذ سوَّيتم بين الصغير والكبير منها، والذكر والانثى - أن تخبلكم، ثم قال لهم: أمن يعبد إلهاً واحداً يضر وينفع أحقُّ بالأمن، " أم " من يعبد آلهة كثيرة لا تضر ولا تنفع؟، فهذه حجته التي آتاه الله على قومه ولقنه إياها.
84
وفي الكلام حذف والمعنى: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه، فرفعنا درجته عليهم: {نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَآءُ}، وهذا كله تنبيه لمحمد في الحجة على أمته، وتنبيه له على التأسي بمن قبله من الأنبياء. {على قَوْمِهِ}: وقف حسن. قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} الآية. قوله: {دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} عطف على " كل "، أي: وهدينا داوود. وقيل: هو عطف {إِسْحَاقَ} أي: وهبنا له داوود. وقيل: هو عطف على {وَنُوحاً}. والهاء في {[ذُرِّيَّتِهِ]}: تعود على (إبراهيم). وقيل: على " نوح "، وهو قول الطبري، قال: لأن في سياق الكلام المعطوف {لُوطاً}، ولوط لم يكن من ذرية إبراهيم، إنما هو من ذرية نوح، فالمعنى: وهدينا نوحاً من قبل إبراهيم، وهدينا من ذرية نوح داود ومن بعده.
{كُلاًّ هَدَيْنَا}: وقف حسن، {وَإِلْيَاسَ}: أيضاً وقف عند أبي حاتم، ولا يحسن عند غيره، لأن بعده {وَإِسْمَاعِيلَ} معطوف عليه. واختلف " الناس " في {إِلْيَاسَ}: فقيل: " هو " من ذرية هارون أخي موسى، بينهما ثلاثة آباء. وقال ابن مسعود: إلياس هو إدريس. وإدريس جد نوح، بينهما أربعة آباء. فمحال أن يُنْسَب إلى نوح وهو جده الأعلى، والذي عليه " أهل " الأنساب: أن إلياس غير إدريس. و {اليسع}: اسم أعجمي، جرى على غير قياس. وقد قال أبو عمرو:
إنما هو " يَسَعُ " ثم أدخلت الألف واللام عليه، وليس بفعل، ولو كان فعلاً لم يجز إدخال الألف واللام عليه، (ألا ترى) أنهم أدخلوها على " يزيد " إذ هو اسم، فقالوا: " اليزيد "، كما قالوا: " الوليد "، وأنشد الفراء: وَجَدْنا الوْليدَ بْنَ الْيَزيد. (مُبارَكاً، ... ورد الكسائي هذه القراءة، وقال: لا تجوز، كما لا يجوز " اليحيى ")، وهذا لا يلزم، لأنا لو نكّرنا " يحيى " لأدخلنا عليه الالف واللام، والعرب تقول: / " اليعملة ". ومن قرأ (الَّليْسَع) فأصله " ليسع "، مثل: ضيغم وزينب، ثم دخلت
87
الألف واللام للتعريف. وأنكر " أبو " حاتم هذه القراءة، وقال: (لا يوجد) " ليسع ". وهذا لا يلزم، لأنه مثل: " ضيغم " و " زينب ". واختار الطبري أن يكون بلام واحدة، لأنه أعجمي، وقد تواترت الأخبار بهذا الاسم بهذا اللفظ، وقال: ولم يُحفظ عن أحد من أهل العلم أنَّ اسمه " ليسع "، (إنما قالوا: اسمه " اليسع "). قال زيد بن أسلم: كان يوشع بن نون خليفة موسى في قومه، وكان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، فشكر الله له ذلك، و [نبّأه]. بعد موسى في بني إسرائيل، وسماه " اليسع " بلسان العرب. قال ابن عباس: الأنبياء كلهم من بني إسرائيل - وهو يعقوب - إلا عشرة: نوح وهود ولوط وصالح وشعيب وإبراهيم وإسماعيل " وإسحاق " وعيسى ومحمد. قوله: {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} الآية. المعنى: وهدينا من آباء هؤلاء المذكورين، ومن ذرياتهم، ومن إخوانهم)،
88
أي: بعض ذلك، {واجتبيناهم} أي: أَخْلَصْنَاهم، {وَهَدَيْنَاهُمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: سدّدناهم وأرشدناهم إلى طريق الحق، وهو الإسلام. وهو مشتق من " جَبَيْتُ الماءَ في الحوض: إذا جمعته ". قوله: {ذلك هُدَى الله} الآية. أي ذلك الهدى الذي هُدِي به هؤلاء {ذلك هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}: أي: يوفق به من يشاء، {وَلَوْ أَشْرَكُواْ} أي: " لو " أشرك هؤلاء الأنبياء لذهب عنهم جزاء أعمالهم، لأن الله لا يقبل مع الشرك عملاً. قوله: {أولئك الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب} الآية. المعنى: أولئك الذين سميناهم من الأنبياء هم الذين أعطوا الكتاب، يعني صحف إبراهيم وموسى، وزبور داوود، وإنجيل عيسى، {والحكم} يعني: الفهم بالكتاب.
قال مجاهد: {الحكم}: اللب. وقوله: {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هؤلاء} أي: بالآيات التي أنزلت عليك يا محمد، يريد القرآن، (هؤلاء) " أي " مَن بحضرتك من المشركين. وقيل: الإشارة إلى قريش، {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ} يعني الأنصار: قال قتادة: {هؤلاء}: إشارة إلى أهل مكة، والقوم الذين ليسوا بالآيات بكافرين: أهل المدينة، وكذلك قال الضحاك والسدي، وروي عن ابن عباس ذلك. وقال: (أبو رجاء): {قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ}: الملائكة. وعن قتادة قال: هم الأنبياء المذكورون، فهم ثمانية عشر.
90
وأكثرهم قال: الإشارة في هؤلاء لكفار قريش. قوله تعالى: {أولئك الذين هَدَى الله} الآية. المعنى: أن {أولئك} إشارة إلى من تقدم ذكره من النبيين، فأمر النبي A أن يقتدي بهداهم، ويسلك طريقهم، والاقتداء: الاتباع. والمراد: اتّباعهم على ما كانوا عليه من الإسلام والتوحيد، لا ما كانوا عليه من الشرائع، لأن شرائعهم كانت مختلفة، وغير جائز أن يؤمر النبي باتباع " شرائع " مختلفة، ولا يمكن ذلك، لأن ما حرم " عليهم " في شريعة نبي، أُحِلَّ في شريعة نبي آخر، فكيف يَقْدِر النبي A على اتباع ذلك؟، والعمل بالشيء وضده - في حال هذا - لا يمكن ودليل ذلك قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48] فهذا هو الصحيح، ليست الآية في الاقتداء بشرائعهم لاختلافها، إنما الآية في الاقتداء بهم فيما لم يختلفوا فيه، وهو التوحيد ودين الإسلام. وأما الشرائع فقد اختلفوا فيها بأمر الله " لهم " بذلك وفَرضِه على كل واحد ما شاء.
وأكثر النحويين " على " تلحين " من كسر الهاء من {اقتده} وهي قراءة ابن عامر، إلا ما قال أحمد بن محمد بن عرفة: إنه يجوز أن تكسر على التشبيه بهاء الإضمار، كما جاز إسكان هاء الإضمار على التشبيه بهاء السكت. وقال بعض النحويين: من كسر الهاء، يجوز أن تكون الهاء لغير السكت، وأن تكون للمصدر، كأنه: " فبهداهم (اقتد الاقتداء) "، " قال ": ويجوز أن تكون كناية عن الهدى، والمعنى: فبهداهم اقتد " هداهم "، على التكرير للتأكيد.
والوقف على هذه الهاء أسلم، وهو الاختيار عند أكثر النحويين، لأنه تمام، ولأنه إنما جيء بها للوقف. ثم قال تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: لا أسألكم على تذكيري إياكم أجراً " ولا " عوضاً، إن القرآن الذي جئتكم به {إِلاَّ ذكرى لِلْعَالَمِينَ}.
91
قوله: {وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} الآية. المعنى: وما عظموا الله حق عظمته {إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ}. وقيل: المعنى: وما عرفوه حق معرفته. والذي قال ذلك هو " رجل من اليهود، جاء يخاصم النبي، فقال له النبي: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟، وكان الرجل حبراً سميناً، فغضب اليهودي وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء!، فقال له: أصحابه: ويحك، ولا على موسى؟. فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء!، فأنزل الله: {وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} الآية ". وقال محمد بن كعب القرظي: جاء ناس من اليهود إلى النبي فقالوا: يا أبا القاسم، ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحاً يحملها من عند الله؟، فأنزل الله {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السمآء} [النساء: 153] الآية، ثم {قَالُواْ مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ}، فأنزل اللهُ: {وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} الآية، ثم قال الله لنبيه محتجا عليهم:
{قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَآءَ بِهِ موسى " نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ "} إلى قوله: {قُلِ الله}. وقيل: إن هذا خبر عن مشركي العرب أنكروا أن يكون الله أنزل على أحد كتاباً. وقوله: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} هم يهود أخفوا من التوراة ما أرادوا، وأبدوا ما أرادوا. واختيار الطبري أن يكون ذلك خطاباً لقريش، لأنه في سياق الحديث عنهم، ولأن اليهود لم يَجْرِ لهم ذكر. قال مجاهد: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَآءَ بِهِ موسى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ} هو خطاب لمشركي العرب، {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} إخبار عن اليهود، {وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تعلموا أَنتُمْ وَلاَءَابَآؤُكُمْ} للمسلمين. فمن قرأ بالياء في (يجعلونه) و (يبدون) و (يخفون)، رَدَّهُ على الناس.
ومن قرأ بالتاء، فعلى المخاطبة لليهود، والمعنى: علمتم علماً فلم يكن لكم علم لتضييعكم إياه، ولا لآبائكم لتضييعهم إياه، لأن من عَلِمَ شيئاً وضيّعه، فليس له علم. ويجوز أن يكون المعنى: وعلمتم علماً لم تكونوا تعلمونه أنتم ولا آباؤكم، على الامتنان عليهم بإنزال التوراة عليهم، والأول: قول أهل التفسير. {وَهُدًى لِّلنَّاسِ} وقف على قراءة من قرأ بالياء في {تَجْعَلُونَهُ} وما بعده، {وَلاَءَابَآؤُكُمْ} تمام عند نافع، {قُلِ الله} التمام عند الفراء، لأن المعنى عنده: قل الله عَلَّمَكُم. وقيل: المعنى: قل يا محمد: الله أنزله، ولا جواب لقوله: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب}.
92
وقوله: {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ} أي: دعهم في باطلهم، وهذا تهديد من الله لهم. قوله: {وهذا كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ} الآية. المعنى: وهذا القرآن - يا محمد - كتاب، - ومعنى الكتاب هنا -: مكتوب - أنزلناه إليك مباركاً، {مُّصَدِّقُ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: يصدق ما قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه، {وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى} أي: لتنذر عذاب الله وبأسه أم القرى. وأم القرى: مكة، (ومن حولها): شرقاً وغرباً. وسميت: {أُمَّ القرى}، لأن الأرض دُحيت منها، أي: بُسِطَت. وقيل: سميت بذلك، لأن فيها أول بيت وضع للناس. وقيل: سميت بذلك لأنها تُقصد من كل قرية. ومن قرأ (وليَنذِرَ) رَدَّهُ على (الكتاب)، ومن قرأ بالتاء فعلى المخاطبة
93
للنبي عليه السلام. وقوله: {والذين يُؤْمِنُونَ بالآخرة} أي: يصدقون بالبعث، {يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: بهذا الكتاب والهاء في (به) للقرآن، وقيل: لمحمد. وقيل: إنه لما نزل {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} [المؤمنون: 12] إلى آخر القصة، عجب ابن أبي سرح من خلق الإنسان وانتقاله من حال إلى حال، فقال: {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} [المؤمنون: 14]، فقال له النبي A: أكُتبْها، فكذلك نُزِّلَت عليّ. قوله: {وَهُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} أي: على الصلوات التي افترضها الله. قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً} الآية. قوله: وَ (مَن) قال في موضع جر، عطفٌ على (مَن) الأولى.
المعنى: ومن أخطأُ قولاً ممن اختلق على الله الكذب، فادَّعى أنه بعثه نبياً. وهذا تسفيه من الله D لمشركي العرب في معارضة عبد الله بن أبي سرح ومسيلمة للنبي، ادعى أحدهما النبوة، وادعى الآخر أنه جاء بمثل ما جاء به النبي. فالَّذي قال: {أُوْحِيَ إِلَيَّ} هو مسيلمة الكذاب، والذي قال: {سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ الله} عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان عبد الله هذا قد كتب للنبي، فكان يملي عليه (عزيزٌ حكيمٌ) فيكتب (غفورٌ رحيمٌ)، وقال: قد أنزل " عليّ " مثل الذي أنزل على محمد، قد كتبتُ ما لم يُمْل عليَّ. وكان يقرأ على النبي ما يكتب، فيقول له النبي: نعم سواء.
وقيل: إنه لمّا نزل {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} [المؤمنون: 12] إلى آخر القصة، عجب ابن أبي سرح من خلق الإنسان وانتقاله من حال إلى حال، فقال {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} [المؤمنون: 14]، فقال له النبي: أكتُبها، فكذلك نُزِّلَت عليّ. فرجع عن الإسلام ولحق بقريش وأخبرهم بما كان يصنع، وأن النبي A يقول له في الذي يكتب: نعم سواء. ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة. وفيه نزل: {ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} [النحل: 106]. وقيل: إن قائل القولين هو عبد الله هذا. وقيل: هو مسيلمة. وقال ابن عباس: الذي افترى على الله كذباً هو مسيلمة، والذي قال: " سأنزل مثل ما أنزل الله " هو عبد الله بن أبي سرح. ثم قال تعالى: {وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون فِي غَمَرَاتِ الموت} / أي: لو ترى يا محمد حين يغمر الموت بسكراته هؤلاء الظالمين المفترين على الله الكذب وقد قرب
" فناء " آجالهم، والملائكة قد بسطت أيديها، يضربون وجوههم وأدبارهم. قال ابن عباس: البسط هنا: الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم. وقال الضحاك: بسطت الملائكة أيديها بالعذاب. وقيل المعنى: (باسِطو أَيْديهم) لإخراج أنفسهم {أخرجوا أَنْفُسَكُمُ} أي: يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم من العذاب، أي: خلصوها اليوم. قوله: {اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون} أي: عذاب جهنم، وهو عذاب الهوان، وهذا إخبار من الملائكة للكفار " بما " يصيرون إليه في الآخرة. والهون - بالضم -: الهوان، والهَوْن بالفتح: الرفق والدَّعَة، تقول: " هُوَ هَوْنُ الْمؤوَنه "، ومنه قوله: {يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً} [الفرقان: 63] يعني بالرفق والسكينة.
94
قال أبو أمامة: يقبضون [روح الكافر] ويعدونه بالنار ويشدد عليه وإن رأيتم أنه (يُهّون عليه، ويقبضون روح المؤمن ويعدونه بالجنة ويهون عليه وإن رأيتم) " أنه " يُشَّدد عليه. قوله: {فِي غَمَرَاتِ الموت} ليس يوقف، لأن ما بعده في موضع الحال. و {مِثْلَ مَآ أَنَزلَ الله}: وقف حسن. {أَيْدِيهِمْ}: وقف، {غَيْرَ الحق} وقف عند نافع، {تَسْتَكْبِرُونَ} تمام حسن، لأنه آخر قول الملائكة. قوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى} الآية. قرأ أبو حَيْوَةَ {فرادى} بالتنوين، وهي لغة تميم، ويقولون في الرفع " فُرادٌ " وحكى أحمد بن يحيى " فُرادُ " بغير تنوين مثل " رُباع ".
قال القتبي: {فرادى} جمع فَرْدٍ، كأنه جمع على " فَرْدان "، ثم جمع على " فرادى "، ككَسْلان وكُسالى. وقال الطبري: واحد {فرادى}: " فَرَدٌ "، بالفتح. ومن قرأ (بَيْنَكم) بالنصب، فمعناه: لقد تقطع (الأمر بينكم) والسبب بينكم، ونصبه على الظرف. ومن رفع، جعله غيرَ ظرف، بمعنى الوَصْل، تقديره: لقد تقطع وصلُكم.
ومعنى الآية: أنها خبر من الله عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء المشركين، يقول لهم: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى} أي: وُحداناً لا مال معكم، ولا أثاث، ولا شيء مما كان الله خَوَّلَكُم في الدنيا. ومعنى {كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ}: قيل: منفردين لا شيء لكم، وقيل: عراة. وروي " أن عائشة Bها قرأت هذه الآية فقالت: يا رسول الله، واسوأتاه إن الرجال (والنساء يحشرون جميعاً ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟، فقال لها رسول الله A: { لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}، لا ينظر الرجال) إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شُغِل بعض عن بعض ". ومعنى {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} أي: في الدنيا، {مَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ} أي: ليس نرى معكم مَن كنتم تزعمون أنهم (لكم شفعاء) عند ربكم يوم القيامة.
95
وكان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الآلهة، لأنها تشفع لهم عند الله، و [إنها] شركاء له. قال عكرمة: قال النضر بن [الحارث]: " سوف تشفع لي اللات والعزى "، فنزلت هذه الآية. قوله: {إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى} الآية. معنى الآية: أنها تنبيه لهؤلاء المشركين على قدرة الله، وأن ما يعبدون لا يقدر على ذلك. ومعنى فَلْقِه الحبَّ والنوى: يريد به النبات، فلق الحبة عن السنبلة، والنوى عن النخلة. وقال الضحاك: معنى {فَالِقُ الحب والنوى} خالقهما، وروي ذلك عن ابن عباس.
وقيل: معنى ذلك أنه هو الذي جعل الشق في النواة وفي الحبة، قال مجاهد: هما (الشقان اللّذان) فيهما. واختيار الطبري أن يكون المعنى: فلقهما للنبات، لأنه أتبع ذلك بقوله: {يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت}، (فخروج الحي من الميت) كخروج النبات عن الحب والنوى، قال: ولا يعرف في اللغة " فلق " بمعنى خلق. وقوله: {يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي} معناه: يخرج السنبل الحي من الحب الميت، ويخرج " الحب " الميت من السنبل الحي، والشجر الحي من النوى الميت، والنوى الميت من الشجر الحي. والعرب تسمي النبات والشجر ما دام لم يَيْبَس " حياً "، فإذا يبس وجف سمي " ميتاً ". فتقديره: يخرج النبات الأخضر الغض من الحبة اليابسة، ويخرج اليابس من الأخضر الغض.
96
وقال ابن عباس في معنى ذلك: يخرج النطفة الميتة من الحي، ويخرج الإنسان الحي من النطفة الميتة. {فأنى تُؤْفَكُونَ} أي: من أين تُصْرَفون عن الحق ولا تتدبرون. قوله: {فَالِقُ (الإصباح) وَجَعَلَ الليل سَكَناً} الآية. قرأ الحسن: (فالِقُ الأَصباح) بفتح الهمزة، " و " جعله جمع صبح. وقرأ النخعي {فَالِقُ الإصباح} بالنصب في (الإصباح) وكسر الهمزة، يقدر حذف التنوين لالتقاء الساكنين، كأنه " قال " فالق الإصباح، فالإصباح: مفعول به، لكن حذف التنوين لسكونه وسكون اللام.
ومعنى {فَالِقُ الإصباح}: مضيء الصبح عن سواد الليل. {وَجَعَلَ الليل سَكَناً} أي: يَسْكُن فيه كل مُتحرك، ويستقر فيه كل متصرف. قوله {والشمس والقمر حُسْبَاناً} أي: وجعل الشمس والقمر يجريان في أفلاكهما بحساب. قال ابن عباس: يعني عدد الأيام والشهور والسنين. وقال قتادة: {حُسْبَاناً}: ضياء. والحسبان - بضم الحاء - " و " الحِساب بكسر الحاء: جمع حسبانة، وهي الوسادة الصغيرة.
97
قال الأخفش: " حُسبان " جمع " حساب ": كشهبان وشهاب. وقال يعقوب: حسبان: مصدر " حَسِبْت الشيء حُسباناً "، والحساب: الاسم. {ذلك تَقْدِيرُ العزيز} أي: هذا الفعل الذي فعله الله: تقدير عزيز عليم، أي: عزيز في سلطانه، وعليم بمصالح خلقه. قوله: {وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ النجوم} الآية. المعنى: والله " الذي " جعل لكم النجوم أيها المشركون به، جعلها أدلة في ظلمات البر والبحر لكم إذا ضللتم وتحيرتم {قَدْ فَصَّلْنَا الآيات} أي: " قد " بيناها لِتَفْقَهوها وتعلموا أن الله مدبر ذلك كله، فلا تعبدوا غيره. قوله: {وَهُوَ الذي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ واحدة} الآية.
المعنى: والله الذي قد تركتم عبادته هُوَ الذي أنشأكم من نفس واحدة، وهو آدم. {فَمُسْتَقَرٌّ} أي في الرحم، {وَمُسْتَوْدَعٌ} أي: في الصلب. وعن ابن مسعود: المستودع: المكان الذي يموت فيه، وقوله: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا} [هود: 6] أي في الأرحام، {وَمُسْتَوْدَعَهَا} [هود: 6] أي في الأصلاب، / وقيل: حيث تموت. وقال ابن جبير: المستودع: ما كان في الأصلاب، والمستقر: ما كان في البطون وعلى الأرض وفي بطنها. وقال ابن عباس: {مُسْتَقَرَّهَا} [هود: 6]: ما كان على وجه الأرض وفي الأرض،
{وَمُسْتَوْدَعَهَا} [هود: 6]: في الصلب. وعن ابن عباس " أيضاً ": المستقر: في الأرض، والمستودع: " عند الله، وكذلك روي عن مجاهد. وقال الحسن: المستقر: في القبر، والمستودع ": في الدنيا يوشك أن يلحق بصاحبه. ومن قرأ بالفتح في {فَمُسْتَقَرٌّ}، فمعناه: أن الله استقره. ومن كسر، رد الفعل إلى المذكور عند الاستقرار. {قَدْ فَصَّلْنَا الآيات} أي: بيّنّا الحجج والعلامات، {لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} مواقِعَ
99
الحجة. {وَمُسْتَوْدَعٌ}، وقف، و {يَفْقَهُونَ} التمام. قوله: {وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السمآء} الآية. قوله: {وجنات} قراءة الجماعة بالنصب والتاء مكسورة، عطف على {نَبَاتَ}، كأنه [قال]: وأخرجنا به جنات. وقيل: هو معطوف على {خَضِراً}. وقرأ الأعمش بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: ولهم جنات. وقيل: هو معطوف على المعنى، (فعطف) على القنوان، كأنه قال: وثم قنوان وجنات.
وقرأ ابن أبي إسحاق وابن محيصن: {وَيَنْعِهِ} بالضم: لغة، وقرأ محمد بن السَّمَيفَع {وَيَنْعِهِ} أي: مدركه. والمعنى: والله هو الذي أنزل من السماء (ماء ففعل) به ما ذكر، وأخرج به ما ذكر. ومعنى {خَضِراً} (أخضر)، أي: نباتاً أخضر، {نُّخْرِجُ مِنْهُ} أي: من الخضر، {حَبّاً مُّتَرَاكِباً} وهو السنبل ونخرج من الماء من النخل من طلعها ما قنوانه دانية، أي: قريبة مُتَهَدَلة، يعني قصار النخْل التي قد لصقت عُذُوقُها بالأرض،
والقنوان طلعه. وقوله: {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه} أي: (قد) اشتبه في الخلق واختلف في الطعم. قوله: {وَيَنْعِهِ} أي: نضجه. ومن قرأ (يانعة) فمعناه: ناضجة. وقد قيل: إن {يَنْعِهِ} - بالفتح - جمع يانع، كتاجر وتَجْر. و (قد) قيل: هو مصدر " يَنِع الثمر يَنْعاً " اذا نضج. وقرأ محمد بن السَّمَيفَع اليماني (ويانعه)، وقرأه ابن أبي اسحاق (ويُنْعه) بالضم، على معنى: ونُضجه.
100
{دَانِيَةٌ} وقف إن رفعت " الجنات "، {وَيَنْعِهِ} تمام. قوله: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الجن} الآية. {الجن}: مفعول أول لِ (جَعَلوا)، و {شُرَكَآءَ}: مفعول ثان، ويجوز " أن يكون {الجن} بدلاً من {شُرَكَآءَ} "، والمفعول الثاني: اللام في (لله) وما عملت (فيه)، وأجاز الكسائي رفع (الجن) على معنى: هم الجن. وقرأ يحيى بن يعمر: {وَخَلَقَهُمْ} بالنصب وإسكان اللام، على معنى: وجعلوا لله خَلْقَهُم شركاء، لأنهم يخلقون الشيء، بمعنى: يقدرونه ويعبدونه.
ومعنى: {وَخَرَقُواْ لَهُ): اختلقوا كذباً. والتشديد فيه معنى التكثير. ومعنى الآية: أن المشركين جعلوا الجن شركاء لله، كما قال عنهم {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً} [الصافات: 158]، ومعنى جَعلِهم الجن شركاء لله: أنهم أطاعوهم كطاعة الله. وقيل: نسبوا إليهم الأفاعيل التي لا تكون إلا لله. قال ابن جريج: هم الزنادقة. وقال القتبي: هم " الزنادقة جعلوا إبليس يخلق الشر، والله يخلق الخير ". ومعنى الآية {وَخَلَقَهُمْ}: أي: والله خلقهم، والهاء والميم تعود على الفاعلين
101
/ ذلك. {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وبنات (بِغَيْرِ عِلْمٍ)} قالت العرب: الملائكة بنات الله، وجعلوا له البنات، ولهم ما يشتهون، وهم البنون، وقال اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله كذباً واختراقاً منهم. {سبحانه}: أي: تنزيهاً له عما يقولون، {وتعالى} عن ذلك. قوله: {بَدِيعُ السماوات والأرض أنى يَكُونُ لَهُ وَلَد} الآية. المعنى: هو بديع السماوات، أي: (مبتدعها ومحدثها) بعد أن لم تكن.
102
{أنى يَكُونُ لَهُ وَلَد} أي: من أي: وجه يكون له ولد {وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة}؟ أي: إن الولَدَ إنما يكون للذَّكَر من الأنثى، ولا ينبغي أن تكون له صاحبة، فيكون له وَلد، لأنه خالق كل شيء. وقيل: المعنى: من أين يكون له ولد وولد كل شيء يشبهه، ولا شبيه لله. وهو خالق كل شيء، وهو عليم بكل شيء، لا يمكن أن يكون وَلدٌ لِمَن هذه صِفَته، تعالى عن ذلك علواً كبيراً. قوله: {ذلكم الله رَبُّكُمْ لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلِّ شَيْءٍ} الآية. والمعنى: فذلكم الذي ذكرت صفته هو الله ربكم، لا إله إلا هو، خالق كل شيء. وقد تعلق القائلون بخلق القرآن بقوله: {خالق كُلِّ شَيْءٍ}، قالوا: القرآن شيء، فهو داخل تحت الخلق. وقد جرت هذه المسألة بين عبد العزيز بن يحيى المكي وبين بشر
ابن غياث المريسي القدري بحضرة المأمون، اختصرت الحكاية لطولها: قال عبد العزيز: قلت لبشر: ما حجتك في خلق القرآن؟، وانظر: إلى أَحدّ سهمٍ في كنانتك فَاْرمِنِي به. قال: فقال لي بشر: تقول: إن القرآن شيء أم غير شيء؟. (قال عبد العزيز): فقلت له إن كنتَ تريد أنَّه شيء إثباتاً للوجود ونفياً للعدم، فَنَعَم هو شيء، وإن كنت تريد أن الشيء اسم لذاته وأنه كالأشياء فلا. قال له بشر: قد أَقْرَرْتَ أنه شيء وادّعيتَ أنه لا كالأشياء، فأت بنصٍ على ما زَعَمتَ. قال عبد العزيز: فقلت: قال الله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40]، فبِقولِه تكون الأشياء، وليس هو كهي. وإنما تكون الأشياء بقوله وأمْرِه. فقولُه خارج
عن الأشياء المخلوقة، ألا ترى إلى قوله: {أَلاَ لَهُ الخلق والأمر} [الأعراف: 54]، فجمع في لفظة " الخلق " جميع المخلوقات، ثم قال: {والأمر} يريد الذي كانت به هذه المخلوقات كلها. والأمر غير المخلوقات، وهو قوله: {كُنْ} [النحل: 40]. وقال (الله) تعالى: {لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} [الروم: 4] أي: من قبل الخلق ومن بعد الخلق. وقد أخبر عن الأشياء المخلوقات في غير موضع من كتابه، وأنه خلقها بأمره وقوله، فقال تعالى: {وَهُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بالحق} [الأنعام: 73]، وقال: {وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق} [الحجر: 85، الأحقاف: 3]، والحقُّ هو كلامُه. فأمُره، كلامُه، وكلامُه: أمرُه، وأمرُه: الحقُّ، والحقُّ: أمرُه، وكلامُه: الحقُّ، والحقُّ: كلامُه. فهذا يدل على أن كلامه لا كالأشياء المخلوقة، لأنها به كانت (وحَدَثَت). وأما ما يدل على أنه " شيء " فقوله: {إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ} [الأنعام: 93]، فدل على أن الوحي شيء، ودل ما تَقدَّم على أنه لا كالأشياء. قال بشر: قد زعمت أن الله يخلق الأشياء، وادّعيتَ أنَّها تكون بقوله، وأنَّها
تكون بالحق، وأنَّها تكون بأمره، وهذا متناقض. قال عبد العزيز: إِنّ قولَه هو كلامُه، وقولَه هو الحقُّ، وأمرَه هو كلامُه: فالألفاظ الثلاثة ترجع إلى معنى واحد، كما سمى كلامه: نوراً وهدىً وشفاءً ورحمةً و {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ}، وكله يرجع إلى شيء واحد، [كذلك ذاك. وكما سمى نفسه: فرداً صمداً واحداً]، وهو شيء واحد لا كالأشياء. وهذا إنّما منعه بِشْر لجِهلِه بِلُغةِ العرب. قال بشر: (لَستُ) أَقْبَلُ لغةَ العرب، ولا أَقَبل إلا النص. قال عبد العزيز: فقلت: قال الله: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ الله} [الفتح: 15]، ثم قال: {كذلكم قَالَ الله مِن قَبْلُ} [الفتح: 15]، فسمى القرآن كلامه، ثم سماه: قوله، وقال: {وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ} [البقرة: 91]، فسمى القرآن حقاً، وقال: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحق} [الأنعام: 66]، وقال:
{لَقَدْ جَآءَكَ الحق مِن رَّبِّكَ} [يونس: 94]، ومثل هذا كثير. قال بشر: قد أقررت يا عبد العزيز أن القرآن شيء على صفة ما، وقد قال تعالى: {الله خَالِقُ كُلِّ شَيْ} [الأنعام: 102، الرعد آية 16، الزمر آية 62، غافر آية 62]، وهذه لفظة لم تدع شيئاً من الأشياء إلا أدخلته في الخلق، ولا يخرج عنها شيء، قد تقَصَّتْ جميع الأشياءِ، فصار القرآن مخلوقاً بنص القرآن. قال عبد العزيز: فقلت: قال الله: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 25]، فهل أبقت الريح - يا بشر - شيئاً لم تدمره؟ قال بشر: لا. قال عبد العزيز: فقلت له: قد - والله - أَكْذَب الله قائل هذا بقوله: {فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} [الأحقاف: 25]، فأخبر أن مساكنهم كانت باقية وهي أشياء كثيرة، وقال تعالى: {مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم} [الذاريات: 42]، وقد أتت على الجبال والشجر والأرض فلم تجعله رميماً، وقال D: { وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23]، يعني بلقيس، فهل
أوتيت ملك سليمان وهو أضعاف ملكها؟. فهذا تكسير لقولك يا بشر. ولكن ما تقول - يا بشر - في قوله تعالى: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166]، وقال تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255]، وقال: {أُنزِلَ بِعِلْمِ الله} [هود: 14]. وقال: {وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11، فصلت: 47]!، فأخبر تعالى أن له علماً. أفتقرُّ - يا بشر - أن له علماً كما أخبر في كلامه أو تخالف التنزيل؟. فعلم بشر أنه (إنْ) قال: " له علم "، فيقول له: أهو داخل في الأشياء المخلوقة أم لا؟. فإن قال: " دخل "، كفر. وإن قال: لا. أجاز ما منع في الكلام. وأبى أن ينفي العلم فخالف التنزيل، فحاد، ثم قال: معنى علمه: أنه لا يجهل. قال عبد العزيز: لم أسألك عن هذا، قد علمت أن الله لا يجهل، انما سألتك:
هل تثبت له علماً كما أثبته لنفسه؟، وليس نفيك السوء - يا بشر - عن الله يوجب إيجاب المدح، لأن قولك: " هذه الأسطوانة لا تجهل " ليس هو إثباتاً أن لها علماً. ولم يمدح الله ملكاً (ولا نبياً ولا مؤمنا بِنَفِي الجهل) ليدل على (أنه) إثبات العلم، وإنما مدحهم بالعلم، فقال: {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 12]، ولم يقل: " لا يجهلون "، وقال لنبيه: {(وَتَعْلَمَ) الكاذبين} [التوبة: 43]، ولم يقل: " ولا تجهل "، وقال: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [فاطر: 28]، ولم يقل: " الذين لا يجهلون "، فمن أثبت العلم نفى الجهل، وليس (كل) من نفى الجهل أثبت العلم، (و) على الخلق جميعاً أن يثبتوا ما أثبت الله لنفسه.
فقال بشر: أتقول: {إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75، لقمان: 28] وإن له (سمعاً وبصراً) كما أثبت (له عِلْماً)؟. قال عبد العزيز: فقلت: إنما على الناس أن يُثبتوا ما أثَبتَ، وينفوا ما نفى، ويُمسكوا عن ما أمسك الله. فأخبرنا تعالى أن له علماً، فقلت: " له علم "، ولم يخبرنا أن له سمعاً ولا بصراً، فأمسكنا عن ذلك. فقال بشر: قد زعمت أن لله علماً، فما معنى علم الله؟. / قال عبد العزيز: هذا ما لا يعلمه إلا الله، قد تَفرَّد بذلك، وقد أمرني بشر أن أترك قول الله وأَمرَه، واتبع أمر الشيطان، لأن الله أخبر عن الشيطان أنه (يأمرنا أن) نقول (على) الله ما لا نعلم، وحرم الله علينا أن نقول عليه ما لا نعلم بقوله: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169، الأعراف: 33]، فقد اتبع بشر طريق الشيطان، وارتكب ما حرم الله علينا.
قال عبد العزيز: فانقطع بشر، فقلت له: يا بشر، ألست تقول إن لله نَفْساً بقوله: {واصطنعتك لِنَفْسِي} [طه: 41]، وبقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ} [آل عمران: 28، 30]؟. قال بشر: نعم له نفس كما أخبرنا. قال عبد العزيز: فقلت له: قال الله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ (الموت)} [آل عمران: 185]، أفتقول - يا بشر - إن نفس رب العالمين داخلة في هذه النفوس المخلوقة؟. فأبى بشر من القول بذلك، فقال له عبد العزيز: وكذلك كلام الله ليس بداخل في الأشياء المخلوقة. فسكت بشر. قال عبد العزيز ثم قلت له: القرآن نزل على أربعة أخبار: - خبر مخرجه مخرج الخصوص، ومعناه الخصوص، كقوله: {اسجدوا لأَدَمََ} [البقرة: 34، الأعراف: 11، الاسراء: 61، الكهف: 50، طه: 166]، وكقوله: {إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِءَادَمَ} [آل عمران: 59]: هذا خاص في لفظه ومعناه. - والثاني: خبر مخرجه مخرج العموم، ومعناه معنى العموم، كقوله: {وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ} [النمل: 91]، فكل شيء له، مخلوقاً كان أو غيرَ مخلوقٍ، وصفاته له، وخلقه له.
- والثالث: خبر مخرجه العموم ومعناه الخصوص، نحو قوله: {يا أيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى} [الحجرات: 13]، و (النّاسُ) يجمع آدم وعيسى وغيرهما، ولم يكونا من ذكر وانثى. ومنه: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] وهي لم تَسَع إبليس والكفار، لقوله: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ} [ص: 85]. - والرابع: (خبر) مخرجه الخصوص ومعناه العموم، كقوله: {وَأَنَّهُ (هُو (َ رَبُّ الشعرى} [النجم: 49]، فخص " الشعرى "، والمعنى: أنه رب كل شيء: الشعرى وغيرها، ولكن خصّها الله باللفظ، لأنهم كانوا يعبدونها. فهذا اختصار بعض ما جرى بينهما، فنرجع إلى ما كنا فيه. قوله: {وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}: قال الفراء: الوكيل: الكافي. ومنه قولهم: "
103
{حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل} [آل عمران: 173]، أي: كافينا الله ونعم الكافي ". وقال قتادة: الوكيل: الحفيظ. وقيل: الوكيل: الولي. وقيل: الرب. وقيل: الكفيل. قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار} الآية. قال ابن عباس: معناه: لا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بها. وليس معناه: لا تراه، كما زعمت المعتزلة القدرية، وقد قال الله عن فرعون: {إِذَآ أَدْرَكَهُ الغرق} [يونس: 90] فوصف بأن الغرق أدرك فرعون) ولم يخبر أنه رآه، لأن الغرق ليس مما يُرى، فليس الإدراك هو الرّؤيةَ، وقد يرى الشيءُ الشيءَ ولا يُدرِكه، كما حكي عن أصحاب موسى حين قرب منهم أصحاب فرعون: {فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان قَالَ أَصْحَابُ موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61]، وكان أصحاب فرعون قد رأوا أصحاب موسى، ولم يكونوا
ليدركوهم، لأن الله قد وعد نبيَّه أنهم لا يُدرَكون بقوله: {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى} [طه: 77]، ولذلك قال لهم موسى: (كَلاّ) أي: ليس يُدرِكونا، فليس (قوله): {لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار} بمعنى: لا تراه الأبصار. وإنما معناه: لا تحيط به الأبصار، لأنه غير جائز أن تحيط به الأبصار، ومثل هذا وصفه بأنه يُعلم ولا يحاط به. / وقيل: معناه: لا تراه الأبصار في الدنيا، قال السدي وغيره. والكلام على جواز رؤية الله جل ذكره في الآخرة يطول، وبجوازه يقول أهل السنة والجماعة، و (به) تواترت الأخبار وتتابعت الروايات عن النبي
عليه السلام، وهو معنى قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23]، وهو المفهوم من قوله تعالى في الكفار: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15]، فلو كان الخلق كلهم محجوبين عن ربهم، ما خص ذكر الكفار بالحجاب. وفي تخصيصه الكفار (بالحجاب) دليل على أن المؤمنين غير محجوبين عن ربهم، فأما قول من قال: إن معناه: " عن رحمة ربك " وقال في (الآية الأخرى): " إلى رحمة ربها ناظرة "، فهو قول متقاحم بالباطل، مُدَّعٍ ما ليس لفظُه في الكلام، مُخرِج للخطاب عن ظاهره، متكلِّف إضمارَ ما ليس في الكلام عليه دليل، ألْجَأَهُ إلى ذلك كله نَصْرُ باطله (بباطل مثله)، أعاذنا الله من ذلك كله.
وقيل: معنى (الأبصار) هي في هذا: أبصار العقول، كما قال: {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ} [الأنعام: 104]، فالمعنى: لا يدركه نفاذ العقول فتتوهمه وتُكيّفه إذ ليس كمثله شيء متوهّم محدود. قوله: {وَهُوَ اللطيف الخبير): (اللطيف)}: مشتق من اللطف وهو التأني يقال: " أُلطُفْ لِفُلانٍ في هذا الأمرِ "، أي: " تأن له " من وجه يَخلُص (منه) إلى بغيته، (فالله لطيف بالخلق) حتى صاروا إلى ما يصلحهم. وقيل: {اللطيف}
104
هو الذي فعل أفعالاً لطيفة، و {الخبير}: العالم بالشيء. فهو لطيف لإِحْكامهِ الخَلْقَ، وهو العظيم، لأنه خلق الخلق العظيم. قوله: {قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} الآية. المعنى: أن الله أمر نبيه أن يقول للمشركين ذلك. والبصائر: الهدى. وقيل: الآيات الدالة على الهدى. {فَمَنْ أَبْصَرَ} أي: استدل وعرف نفع نفسه، {وَمَنْ عَمِيَ}: أي: من ضَلّ فعلى نفسه، {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أي: لست عليكم برقيب أحصي أعمالكم، إنما أنا مُبلِّغ.
105
وقيل: المعنى: (لست) آخذُكم بالإيمان أخذَ الوكيل عليكم، وهذا قبل الأمرِ بالقتال، فلّما أُمِر النبي بالقتال، صار حفيظاً ومسيطراً على كل من تولى. وقيل: المعنى لم أُؤْمَرْ بحفظكم عن أن تَهلكوا. قوله: {وكذلك نُصَرِّفُ الآيات وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} الآية. المعنى: وكما صرفنا لكم الحجج والعلامات فيما تقدم مثل ذلك أفعل في كل ما جهلتموه ولم تعرفوه، ومعنى (نُصَرّف): نبيّن. وقوله: {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} أي: " ولئلا يقولوا درست ". وقيل: المعنى: وليقولوا درست صرفناها، لأنهم لما آل أمرهم بَعدُ - (عند تصريف الآيات) - إلى أن يقولوا لمحمد: " درست ". صار كأنه إنما صرَّفها ليقولوا ذلك، مثل {رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ} [يونس: 88]، و {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً (وَحَزَناً)} [القصص: 8] وشبهه، وأهل اللغة
يسمون هذه اللام لام الصيرورة، لأن السبب الذي " صيرهم ليقولوا له ": " درست "، هو تصريف {الآيات}. ومعنى (دَرَسْتَ): قَرأْتَ وتَعلَّمْتَ كتب الأولين. ومن قرأ (دارَسْتَ) فمعناه: قارَأْتَ أهل الكتاب فتعلمت منهم وتعلموا منك. ومن قرأ (دَرَسَتْ) / بإسكان التاء، فمعناه: تقادمت وَاّمَحتْ، أي: الذي
106
تتلوه علينا قد مَرَّ بنا قديماً و (تطاولت) مدته. وروى الحسن: (دَارَسَتْ) بألف وإسكان التاء. ولا يجيزها أبو حاتم، لأن الآيات لا تدارس. ومعنى الآية عند غيره: وليقولوا: دارستك أمتك. {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي: صرفناها لنبين القرآن لقوم يعلمون. فالهاء (في) {وَلِنُبَيِّنَهُ} للقرآن، وقيل: للتصريف. قوله: {اتبع مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ} الآية. المعنى: أن الله أمر نبيه باتباع القرآن والإعراض عن المشركين ثم نسخ ذلك بآية القتال في " براءة ".
107
قوله: {وَلَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكُواْ} الآية. أعلم الله نبيه أنه لو شاء الله لهداهم فلم يشركوا. وقيل: المعنى: لو شاء لأنزل عليهم آية تضطرهم إلى الإيمان. ثم قال لنبيه: وما أرسلناك عليهم حفيظاً، أي: إنما أرسلناك مبلغاً، لم ترسل لتحفظ عليهم أعمالهم، {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} أي: بِقَيّم تقوُمُ بأرزاقهم وأقواتهم. وهذا كله قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نُسخَ الأمرُ بالقتال هذا كله. قوله: {وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله} الآية. {عَدْواً}: مصدر، ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله.
وفي قراءة المكيين: {عَدْواً} جعلوه واحداً يدل على الجمع، كما قال: {إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} [النساء: 101]، ونصبه على الحال. وقد روي عنهم: (عُدُوّاً) بضمتين، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وقتادة، ونصبه على المصدر، يقال: عدا يعدو عَدْوا (وعُدُوّاً) وعُدْواناً. ومعنى الآية: أن المشركين قالوا: لتنتهن عن سَبّ آلهتنا أو نهجو ربكم، فأمر (الله) المسلمين ألا يسبوا آلهتهم لئلا يسبوا الله جهلاً منهم بخالقهم ورازقهم.
109
(ثم قال تعالى): {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} (أي) كما زيّنَا لهؤلاء عبادة الأوثان، كذلك زيَنّا لكل جماعةٍ - اجتمعت على عمل من الأعمال، طاعة أو معصية - عَمَلَهم، ثم مرجعهم بعد ذلك إلى الله فيخبرهم بأعمالهم ويجازيهم عليها. قوله: {وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم} الآية. المعنى: أن الله جل ذكره لمّا نزّل في " الشعراء " {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4]، أقسم كفار قريش: {لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا}، فقال المؤمنون: يا رسول الله، سل ربَّك أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فأنزل الله {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، وهو خطاب للمؤمنين السائلين النبي في ذلك. وقيل: معنى الآية: أن الكفّار سألوا النبي A أن يأتيهم بآية، وحلفوا ليؤمنن إِنْ أتت، فقال المؤمنون: يا رسول الله، سل ربك أن ينزلها (عليهم) حتى يؤمنوا،
(فأنزل الله): وما يشعركم أيُّها المؤمنون بذلك؟، أي: بصحة قولهم (ثم قال) مستأنفاً مخبراً عنهم - بما يفعلون لو نزلت -: إنها إذا جاءت لا يؤمنون. وهذا معنى الكسر، وهو الاختيار عند أكثر النحويين. وهذه الآية هي التي توعّدوا بها / في الشعراء في قوله: {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4]، فقال الله لنبيه: {قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله} وهو القادر على إنزالها. والذي سألوه هم أنهم قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً. فسأل النبي A في ذلك،
فجاءه جبريل فقال: إن شئت أصبح ذهباً، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك لَيُعذِبَنّهم الله، وَ (إِنْ) شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم. فقال النبي A: " بل يَتوبُ تائِبُهم "، فأنزل الله: {وَأَقْسَمُواْ بالله} الآية. ومن قرأ بالتاء، فإنما هو خطاب للمشركين الذي سألوا الآية، ويحتمل وجهين: - أحدهما: أن تكسر (إِنّ) على معنى: وما يشعركم ذلك، ثم استأنف بالإخبار عما سبق في علمه، وعِلم ما لو كان كيف كان يكون، فقال: إنها إذا
جاءت لا تؤمنون أيها المشركون. - ويحتمل أن تفتح (أنَّ)، ويكون المعنى: وما يُشعركم - أيُّها المشركون - أنها إذا جاءت تؤمنون؟، وتكون (لا) زائدة. ومن قرأ بالياء فهو خطاب للمؤمنين الذين سألوا النبي أن يسأل آية ليؤمن المشركون عند نزولها على ما سألوا، وأقسموا إنهم يؤمنون إذا نزلت، ويحتمل معنيين: أحدهما: فتح (أنَّ) ويكون المعنى: وما يشعركم - أيُّها المؤمنون - أنَّها إذا جاءت يؤمنون؟، أي: (ما) يدريكم أنَّهم يؤمنون إذا نزلت الآية. وتكون (لا) زائدة. - والوجه الآخر: أن تكون (إنِّ) مكسورة، ويكون المعنى: وما يشعركم - أيها
المؤمنون - ذلك. ثم استأنف فقال: {أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُون}، يخبر بما يكون لو فعل بهم ذلك. ويجوز في القراءتين جميعاً - الياء والتاء - أن تكون (أنَّها) - إذا فتحت - بمعنى " لعلها "، وتكون (لا) غير زائدة. والياء اختيار الطبري مع فتح (أنَّ) بمعنى " لعلها ". ولو فتحت (أنَّها) ولم تقدر زيادة (لا) ولا كون (أنَّها) بمعنى " لعلها "، لكان ذلك عذراً لهم. ولا يتم فتح (أنَّها) إلا بأحد وجهين: - إمَّا أَنْ تقدرها بمعنى " لعلها " - أو تقدر زيادة (لا). فاعلم ذلك.
وقد حكى الخليل عن العرب: " ائت السوق أنَّكَ تشتري لنا "، أي: لعلك. وسمع الكسائي رجلاً يقول: " ما أدري أنه صاحبها "، أي: لعله. وسمع الفراء أبا الهيثم العُقيلي يقول: " أنَّها (تركته لفاقة حاله) "، يريد " لعلها تركته ". وفي قراءة أُبيّ {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، وفي حرف عبد الله: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ إِذَا (جَاءَتْ) لاَ يُؤْمِنُونَ). ومن قدر زيادة (لآ) هنا، أوقع {يُشْعِرُكُمْ} على {أَنْ} ففتحها، ويجعل (لا) صلة كهي في قوله: {وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95]، المعنى: حرام عليهم أن
110
يرجعوا، ومثله: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} [الأعراف: 12]. قال الفراء: العرب تجعل " لا " صلة في كل كلام دخل في آخره (أو في أوله) جحد، أو في أوله جحد غير مصرح. وقيل: في الآية قول حسن، وهو أن يكون المعنى: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون. ثم حذف الأخير لدلالة الأول عليه، فيِعمل (يُشْعِرُكُم) في (أَنَّها)، ويفتح (أَنَّ)، ولا يقدر زيادة / (لا)، ولا يقدر (أنَّها) بمعنى " لعلها "، ولا تكون عذرا لهم. (والوقف على (يُشْعرِكُم) في قراءة من كسر (إنّ)، وفي قراءة من فتح على تقدير " لعلها " حسن، ولا يحسن الوقف على (يُشعِركم) على غير هذين الوجهين). قوله: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم} الآية. المعنى: أنهم لما أشركوا وجَحدوا، لم يثبت الله قلوبهم على شيءٍ. قال ابن
زيد: (المعنى): نمنعهم من الإيمان كما فعلنا بهم أول مرة. وقيل: المعنى: لو جئناهم بآية ما آمنوا كما لم يؤمنوا أول مرة، لأن الله حال بينهم وبين ذلك. وقال مجاهد: المعنى: يَحُولُ بينهم وبين الإيمان، ولو جاءتهم كل آية لا يؤمنون كما حُلْنا بينهم وبين الإيمان أولَ مرةٍ. كأن في الكلام تقديماً وتأخيراً، والمعنى: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} كما لم يؤمنوا به أول مرة، وذلك قبل إتيان الآية: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم}، {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. وقيل: المعنى: أن الله جل ذكره جعل عقوبة الإعراض عن الحق - بعد أن بين لهم - الطبعَ على قلوبهم، و (الغشاوة) على أبصارهم. والهاء في (بِهِ) للقرآن. وقيل: لمحمد. وقيل: للمسؤول، أي: كما لم يؤمن أوائلهم بما سألوا من الآيات بعد نزولها، فكذلك يفعل كفار قريش لو نزل عليهم ما سألوا من الآيات.
وعن ابن عباس: (أن المعنى): أن الله (أخبرنا ما يفعل بعباده) لو ردهم إلى الدّنيا، فقال: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}، أي: لو ردُّوا إلى الدنيا لَحِيلَ بينهم وبين الهدى، كما حيل بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا. قال الطبري: المعنى: ونُقلّبُ أفئدتهم فنزيغها عن الإيمان، وأبصارهم عن رؤية الحقِّ، كما لو لم يؤمنوا بتقليبنا إياها قبل مجيئها أول مرة، أي: قبل ذلك. والهاء عنده تعود على التقليب، وفيما تقدّم من الأقوال، تعود على الهدى، أو على الإيمان، وقد قيل: على الرسول، وقيل: (على القرآن). وقيل: على الله جل ذكره. وقوله: {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي: نتركهم في حيرتهم يترددون. قال النحاس: المعنى: نُقلّب أفئدتهم وأبصارهم على لهب النَّار كما لم يؤمنوا به في الدنيا. ثم قال: {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}، أي: ونمهلهم في الدنيا فلا نعاقبهم، أي: ونتركهم
111
في طغيانهم يتحيرَّون. قوله: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة} الآية. وهذه الآية من الله (إعلام) يُزيل بها طمع النبي من (أن يؤمن) هؤلاء العادلون بربهم الأوثانَ، الذين سألوا الآية وأقسموا إنهم يؤمنون إذا نزلت، فأخبر تعالى أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كلُّ آيةٍ، فقال تعالى: لو نزّلتُ إليهم الملائكة، أي: عياناً {وَكَلَّمَهُمُ الموتى} بأنك مُحِقٌّ فيما تقول، {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ} أي: جمعنا عليهم، {كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} أي: عياناً. / وقيل: معناه: آتيناهم بما غاب عنهم من أمور الآخرة، ما آمنوا {إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله}، عزى الله نبيه بهذا، وأعلمه أن من سبق في علم الله ألا يؤمن، فلا ينفعه شيء. قوله: {ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ}: أي: يجهلون ما في مخالفتك - يا محمد - وهم يعلمون أنك نبي صادق فيما جئتهم به.
وروي " أن النبي عليه السلام كان يداعب أبا سفيان بمِخْصَرَة في يده، يطعن بها أبا سفيان، فإذا أخرقته قال له: نح عني مخِصَرَتَك، فوالله لو أسلمتُ إليك هذا الأمر، ما اختلف عليك فيه اثنان. فقال له النبي: أسألك بالذي أسلمت له، (عن أي: شيء كان قتالُك إيّايَ)؟. قال له أبو سفيان: تظنُّ (أنيِّ كَنْتُ) أقاتلك تكذيباً مني، والله ما شككت في صِدقك، وما كنت أقاتلك إلا حسداً مني لك، فالحمد لله الذي نزع ذلك من قلبي. فكان النبي يشتهي ذلك منه، ويَتَبَسَّم إليه " ومن قرأ (قُبُلاً) بالضم، احتمل ثلاثة أَوْجُهٍ:
- أحدها: أن يكون جمع " قبيل "، كرغيف ورُغُف. والقبيل: الضمين والكفيل، ويكون المعنى: وجمعنا عليهم كل شيء يَكتفِل الملائكة لهم بصحة هذا، لم يؤمنوا، كما قال: {أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً} [الاسراء: 92] أي: ضميناً. - والوجه الثاني: أن يكون " القُبُل " واحداً، بمعنى المقابلة، تقول: " أَتَيْتُكَ قِبَلاً لا دُبُرا ": إذ أتيته من قِبَل وجهه، فالمعنى وجمعنا عليهم كل شيء من قِبَل وُجوهِهم. - والوجه الثالث: أن يكون (قُبُلاً) جمع " قبيل " أيضاً، ويكون " قبيل " بمعنى: فِرْقة وصنف. فالمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء صنفاً صنفاً وقبيلة (قبيلة)، فيكون (قبلاً) جمع " قبيل " و " قبيل " جمع " قبيلة ". ومن قرأ (قِبَلاً) فمعناه: عياناً، أي: معاينة.
112
وهذا (إعلام) للنبي كإعلام نوح: {أَنَّهُ (لَن يُؤْمِنَ) مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} [هود: 36]. وقال المبرد: (قِبَلاً) بمعنى ناحية: أي: وجمعنا عليهم كل شيء ناحية، كما تقول: " لي قِبَلَ فلانٍ مالٌ "، أي: ناحِيتَه، فكان نصبه - على هذا - على الظرف، وعلى الأقوال المتقدمة: على الحال. قوله: {وكذلك جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شياطين الإنس} الآية. {عَدُوّاً} مفعول أول ل (جَعَلنْا)، و {لِكُلِّ نِبِيٍّ}: المفعول الثاني، و (شياطين) بدل من {عَدُوّاً}. ويجوز أن يكون (شياطينَ) مفعولاً ثانياً، و (عَدُوّاً) أولا. حكى سيبويه أنَّ (" جَعَلَ " بمعنى: " وَصَفَ ")، فَيَتَعدَّى إلى مفعولين،
ويكون التقدير: وكذلك جعلَّنا شياطين الإنسِ والجنِّ أعداء للأنبياء. {غُرُوراً} مصدر، أي: يَغرُّون غُروراً. ويجوز أن يكون في موضع بالحال. ومعنى الآية: أنه فيها حذف، والمعنى: وكما جعلنا لك - يا محمد - ولأمَّتِك شياطين الإِنِّسِ والجنِّ أعداء يوحي بعضهم إلى بعضٍ زخرف القول غروراً، كذلك جعلنا لكل من تقدمك من الأنبياء وأممهم، وهذا تسلِّية للنبي عليه السلام فيما لقي من (كفر) قومه. ومعنى (شياطينَ الإنس (والجنِّ): قال السدي: للإنسِ شياطينِ تضلهم، ومثله للجن، فَيَلْقى شيطان الإنسي شيطان الجنِّي، فيقول أحدهما للآخر: " إني قد أضللت صاحبي بكذا وكذا، (فأَضْلِلْ أنت) صاحبك بذلك "، فيُعَلِم بعضهم بعضاً، فشياطينِ الإِنس من الجِنِّ، وشياطين الجنِّ من الجِنِّ. وكذلك قال عكرمة.
وقيل: المعنى: أن مَرَدَة الإنس شياطينَ، ومثل ذلك من مردة الجِنِّ، يوحي بعضهم إلى بعضٍ من القولِ ما يؤذونهم به. وقال مجاهد: شيَّاطين الإنِّسِ: كفارهم /، وشياطينَ الجِنِّ: كفارهم. والشيِّطان - في اللغة - هو المتمرِّد في معاصي الله. ومعنى {زُخْرُفَ القول} هو تزيين الباطل، يُقال: " زَخرفَ باطِلَه ": إذا حسَّنه، فهو تزيين الباطل بالألسنة. قوله: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} أي لو شاء الله ما فعل هؤلاء الشياطين العداوة بالأنبياء وأممهم، ولكن لم يشأ ذلك ليبتلي بعضهم ببعض، فيستحق كلُّ فريقٍ
113
منهم ما سبق له في (أم) الكتاب. والهاء في قوله: {مَا فَعَلُوهُ} تعود على الإيحاء لدلالة (يوحي) عليه، وقيل: على العداوة وذكر لأن التأنيث غير حقيقي. وقوله: {فَذَرْهُمْ} أي: دعَّهم وافتراءهم. هذا فيه معنى التهديد والوعيد. قوله: {ولتصغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة} (الآية). يقال: صَغَى يَصْغَى، وصَغَا يَصْغُو، (وَصَغَا يَصْغَا).
114
قرأ الحسن: {وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ} بإسكان اللامين. ومعنى الآية: أنَّها معطوفة على ما قبلها، والتقدير: يوحي بعض هؤلاء الشياطين إلى بعضٍ المُزَيّن من القول ليَغرُّوا به المؤمنين، و (لكي تصغى) إليه أفئدة الذين لا يؤمنون [بالآخرة]. فالهاء في (إليْهِ) تعود على (زُخْرُف الْقَوْل)، وهو المُزَيَّن له. ومعنى " تصغى ": تميل إليه. ومعنى {وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} أي: وليكتسبوا ما هم مكتسبون. يُقال: خرج فلان يقترف لأهله "، أي: يكتسب. قوله: {أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَماً} الآية.
115
{حَكَماً} نَصْبٌ على البيان أو على الحال. والمعنى: قل لهم يا محمد: (أأبتغي) غير الله حَكَماً؟، أي: [أأبتغي] حُكماً غير حُكمِه ولا حُكْمَ أَعْدَلُ من حُكْمِهِ، {وَهُوَ الذي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب} (أي القرآن)، {مُفَصَّلاً} أي: مبيّناً. {والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بالحق} يريد أهل التوراة والإنجيل المؤمنين منهم بمحمد، يعلمون أنه حق، {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين} أي: من الشاكين فيما جاءك من الأنباء، وفي {والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بالحق}. قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} (الآية). حجة من قرأ (كلمات) - بالجمع - أنها في المصحف بالتاء، ولإجماع
الجميع على قوله: {لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ}. ومة قرأ بالتوحيد، احتج بإجماع الجميع على التوحيد في قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ} [هود: 119]، {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحسنى} [الأعراف: 137]. وإنما كتبت بالتاء عند من وحّد، لأنها كتبت على اللفظ، بمنزلة {وَمَعْصِيَتِ الرسول} [المجادلة: 8، 9] و {فِطْرَتَ الله} [الروم: 30] وشبهه. والمعنى: أن الله سمى القرآن (كلمة)، كما تقول العرب للقصيدة: " هذه كلمة
فلان "، والموصوف هنا بالتمام هو القرآن، لا مبدل له، أي: لا مغير لما أخبر في كتابه أنه كائن، وهذا مثل قوله: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ الله} [الفتح: 15] والذي أرادوا أن يبدلوا هو قوله: {لَّن تَتَّبِعُونَا كذلكم قَالَ الله مِن قَبْلُ} [الفتح: 15]، فتقدم في علم الله أنهم لا يتبعون النبي، فأرادوا أن يبدلوا ذلك فقالوا للنبي: {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} [الفتح: 15]، وقد تقدم من الله أنهم لا يتبعونهم فأرادوا أن يغيِّروا ما تقدَّم في علم الله وقد كان أخبره الله في كتابه بقوله: {فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ (فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن)} [التوبة: 83] إلى {الخالفين} [التوبة: 83]، فكلام الله هنا: ما أخبر أنهم لن يتبعوا، فأرادوا أن يبدلوا خبر الله ويتبعوه، وكذلك قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} أي: أنَّه لا بُدَّ واقع كل ما أخبر به، لا يحيلهُ أحد ولا يغيره.
116
{وَهُوَ السميع} أي: السميع لما يقول العادلون الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لئِّن جاءتهم آية ليؤمنن بها، وغير ذلك مما يَقولُ خَلْقهُ، {العليم} بما يؤول إليه أمرهم من صدق وإيمان أو كفر. قوله: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرض (يُضِلُّوكَ)} الآية. والمعنى: أن هذه الآية نزلت في أكل الميتة، قال المشركون للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم، فأنزل الله D خطاباً للنبي وأمّته: وإن تطيعوا هؤلاء وأكثر من في الأرض فيما دعوكم إليه من أكل الميتة أو أكل ذبائحهم لآلهتهم وما أهلوا به لغير الله، يضلوكم عن الحق، فإنهم ليس يتبعون في أمرهم إلا الظن، وليس ما يصنعون على يقين من أمرهم، إذ ليس عندهم به كتاب ولا رسول، {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} الكذب، ويقولون ما لا يحب الله، والله (يعذب) الكفار على ظنهم وجهلهم. قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} [ص: 27] ثم قال:
117
{ذَلِكَ ظَنُّ الذين كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النار} [ص: 27]. قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ} الآية. (مَن) استفهام، وهي في موضع رفع بالابتداء، والمعنى: هو أعلم أي: الناس يضل بمنزلة {أَيُّ الحِزْبَيْنِ} [الكهف: 12]. وقيل: موضعها خفض بإِضَّمَارِ الباء. وقد قيل: هي في موضع نصب، و {أَعْلَمُ} بمعنى: يعلم، وهذا بعيد، لأن بَعدَه {وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين}، فدخول الباء هنا يدل على أن {أَعْلَمُ} ليس بفعل، إذ لو كان فعلا لم يصل بالباء، لا يقال: " هو يعلم بزيد " بمعنى: " يعلم زيداً ".
118
فالمعنى: أن الله أعلم بأهل الإضلال عن سبيله، {وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين} إلى الحق من غيره. قوله: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ} الآية. هذا أمر للنبي وأمته أن يأكلوا مما ذبحوا وذكروا اسم الله عليه. وفي هذا دليل على النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه متعمداً، ثم بَيَّنَ ذلك فقال: {(فَكُلُواْ) مِمَّا ذُكِرَ اسم الله}، وقال: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ} [الأنعام: 121]. قوله: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ} الآية. المعنى: وأي شيء لكم في ترك أكل ما ذكر اسم الله عليه، وقد فصل لكم الحرام من الحلال؟ وقرأ عطية العَوْفي (وَقَدْ فَصَلَ) بالتخفيف، على معنى: (أبان لكم)،
{إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ} يريد لحم الميتة للمُضطَّر. ثم قال: {وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ} من فتح الياء أضاف الضلال إليهم في أنفسهم، وتصديقه قوله {هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ} [النحل: 125، النجم: 30، القلم: 7] و {قَدْ ضَلُّواْ} [النساء: 167، المائدة: 77، الأنعام: 140، الأعراف: 149] و {هُمُ الضآلون} [آل عمران: 90]. وحجة من ضم أنه أبلغ، لأنَّ كلُّ من أضلَّ غيره فهو ضَالْْ، وليس كل من ضلَّ أضلَّ غَيْرَهُ، فالضم أبلغ في الإخبار عنهم. وحجَّته أيضاً، أنَّهم قد وصفوا قبل بالكفر الذي هو الضَّلال، فلا معنى لوصفهم بذلك، فوجب وَصْفُهم بأنَّهم مع ضلالتهم يُضِلُّون غيرهم. وكذلك الحجة فيما كان مثله مثل {وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله} [لقمان: 6]، الضم أبلغ لأنَّ شراء لهو الحديث ضلال،
120
(فوصفه بفائدة) أخرى أولى من وصفه بما قد دَلَّ عليه الكلام الاول. فالإضلال - هنا - أمكن من الضلال. وقد أجمع الجميع / على قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً لِيُضِلَّ الناس} [الأنعام: 144] أنه بالضم، وعلى {فَأَضَلُّونَا السبيلا} [الأحزاب: 67]. قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ (بالمعتدين)} أي: بمَنْ اعتدى حدوده فتجاوزها. قوله: {وَذَرُواْ ظاهر الإثم (وَبَاطِنَهُ)} الآية. المعنى: أن الله أمر بأن يترك الإثم، (علانيته وسرّه)، قليله وكثيره. وقيل: الظاهر هو ما نهى عنه من قوله:
121
{وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء} [النساء: 22]، والباطن: الزنى، قاله ابن جبير. وقال السدي: الظاهر: الزواني [اللاتي] في الحوانيت، والباطن: الصديقة تؤتى سراً، (و) قال الضحاك في قوله: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151] قال: كان أهل الجاهلية يستسرّون بالزنى ويرونه سراً حلالاً، فحرّم الله السر والعلانية. وقال ابن زيد: الظاهر: التعري والتجرد في الطواف، والباطن: الزنا، وقال في: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)} [الأنعام: 151]: الظاهر: تعريتهم إذا طافوا، والباطن: الزنا. قوله: {إِنَّ الذين يَكْسِبُونَ الإثم} أي: يعملون به، سيجزون به. قوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ} الآية.
المعنى: ولا تأكلوا - أيها المؤمنون - مما مات ومما ذبح لغير الله، أو ذبحه (غير) مسلم، أو مما تُعُمِّدَ ترك (ذكر) اسم الله عليه، فإن أكله فسق. قال ابن عباس: هذا جواب للمشركين حين قالوا للنبي: لا تأكل ما قتل ربك وتأكل ما قتلت. فالمعنى على هذا: إنما هو (النهي) عن أكل الميتة. ومذهب مالك وأكثر الفقهاء أن المسلم إذا نسي التسمية وذبح، أنه تؤكل ذبيحته. ومعنى التسمية - عند أكثر المفسرين - في هذه الآية: المِلّة، لأن المجوس لو سموا ذبائحهم لم تؤكل.
وتؤكل ذبائح اليهود والنصارى، لأنهم آمنوا بالتوراة والانجيل. (وكره) مالك ما ذبحوا لِكنائسهم ولم يحرمه. وقوله: {وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ} يعني بذلك شياطين فارس، وهم مَرَدَتُهم من المجوس يوحون إلى أوليائهم من مردة قريش زخرف القول ليجادلوا به المؤمنين. قال عكرمة: كاتب مشركو قريش فارس على الروم، وكتبت فارس إلى مشركي قريش: " إن محمداً وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، (فما ذبحه) (الله) بسكين من ذهب فلا يأكله محمد وأصحابه، وما ذبحوا هم يأكلون "، فكتب به المشركون إلى أصحاب محمد، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فنزلت: {(وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) وَإِنَّ الشياطين} الآية.
122
وقال ابن عباس: إبليس هو الذي يوحي إلى مشركي قريش، (يقول): كيف تعبدون شيئاً لا تأكلون ما قتل. قوله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} أي: في أكل الميتة، {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} أي: إنكم مثلهم، وهذا يدل على من حلَّل ما حرَّم الله أنه مشرك. قال الحسن وعكرمة: حُرِمَ أكل ما لم يُذكرْ اسم الله عليه في هذه الآية، واستثنى من ذلك فقال: {وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ} [المائدة: 5]. وقوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} أي: لمعصية. وقيل: لكفر. والهاء تعود على أكل الميتة، أو على أكل ما ذبح للأصنام وشبهه. قوله: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فأحييناه} الآية.
/ رَوَى المسيَّبي عن نافع (أومَنْ كان) بإسكان الواو. والمعنى: أن هذا الكلام جرى على التحذير من طاعة المشركين، والأخذ بطاعة المؤمنين، والمعنى: أطاعة من كان ميتاً فأحييناه، وهو المؤمن كان كافراً فصار مؤمناً، كطاعةِ من مَثَلُه كَمَثل من في الظلمات ليس بخارج منها، يتردَّدُ فيها، وهو الكفر يتردَّدُ فيه الكفار؟، فكان تحقيق ذلك: أطاعة المؤمنين كطاعة الكافر؟. وهذه الآية نزلت في رجلين مؤمن وكافر: فالمؤمن عمر بن الخطاب Bهـ، والكافر أبو جهل. وقيل: المؤمن عمار بن ياسر، والكافر أبو جهل. وقيل: المؤمن حمزة حيي بالإيمان بعد أن كان ميتاً بالكفر، وقيل: هو النبي حيي بالنبوة.
{كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات} أي: كمن هو في الظلمات، وهي الكفر، يراد به أبو جهل، {لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} إلى نور الإسلام أبداً. روي أن أبا جهل رَمَى النبي بفرث - وحمزة عم النبي عليه السلام، لم يؤمن بَعْدُ - فأخبر أبو جهل حمزة بما فعل بالنبي، وبيد حمزة قوس، فَعَلا به أبا جهل غضباً للنبي، فأقبل أبو جهل يتضرع إلى حمزة ويقول: يا أبا يعلى، أما ترى ما جاء به: سفَّه عقولنا وعقول آبائنا؟. فقال له حمزة Bهـ: ومن أسفهُ منكم وأحمقُ حيث تعبدون الحجارة من دون الله؟، أشهد (أن لا) إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فحيي بالإيمان الذي وَفَّقَه الله إليه، وبقي أبو جهل في ظلمات الكفر حتى مات كافراً، وفيهما نزل {أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ} [القصص: 61] يعني حمزة، {كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الحياة الدنيا} [القصص: 61] يريد أبا جهل.
123
ومعنى: {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً} قال ابن عباس: يعني بالنور القرآن يَهتدِي به وقال ابن زيد: (نوراً) هو " الإسلام الذي هداه الله إليه ". قوله: {وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا}. المعنى: وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون، كذلك جعلنا في كل قرية عظماء مجرميها، يعني أهل الكفر والمعصية {لِيَمْكُرُواْ فِيهَا}، {وَمَا يَمْكُرُونَ} أي: ما يحيق مكرهم ذلك إلا بأنفسهم، لأن الله من وراء عقوبتهم على ما يمكرون. والأكابر: العظماء، جمع أكبر. وذكر ابن قتيبة أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، والتقدير عنده: وكذلك " (جعلنا) في (كل) قرية مجرميها (أكابر) ". فَنَصَب (مُجْرمِيها بـ (جَعَلْنَا) و (أكَابِرَ) مفعول ثان ل " جَعَلَ "، كأن جعل عنده بمعنى " صَيَّرَ "، يتعدى الى
124
مفعولين. وحُكِيَ عن العرب " الأكابرة " بالهاء. وقوله تعالى: {لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} هو مِثْل {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً} [القصص: 8]، لما كان عاقبة أمرهم فيما تقدم من علمه تؤول إلى ذلك، صار كأنهم جُعِلُوا في كل قرية ليمكروا. قوله: {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ} الآية. المعنى: وإذا جاءت هؤلاء المشركين آية، (أي علامة)، تدل على نبوتك - يا محمد - وصدق ما جئت به، {قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ} بما جئتنا به، {حتى نؤتى مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ الله} أي: حتى نؤتى من المعجزات مثل ما أوتي موسى وعيسى، ثم قال تعالى: {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} أي: إن الآيات لم يعطها الله من البشر إلا (رسولاً)، ولستم - أيها العادلون - بِرُسلٍ فَيُعْطيَكم الآيِات، بل هو أعلم من هو أولى بها. /
125
وقيل: المعنى: الله يعلم من يصلح لنبوته ويختص بالرسالة، كما قال: {وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين} [الدخان: 32]. (ثم قال): {سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ صَغَارٌ} أي: ذلة، أي: هم وإن كانوا أكابر، فَستُصِيبهُم ذلَّة عند الله، ومعنى {صَغَارٌ عِندَ الله} أي: عند الله صغار. وقيل: المعنى: صغار ثابت عند الله. وقال الفرَّاء: المعنى: صغار من عند الله. والصغار: المصدر من قول القائل: " صَغَرَ صغاراً ". قوله: {فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام} الآية. من قرأ (ضَيْقاً) بالتخفيف، فيحتمل أن يكون مخففاً " ضَيقِ "، مثل (" ميْت، "
وميّت ")، ويحتمل أنْ مصدر " ضاقَ ضَيْقاً ". ومن قرأ (حَرِجاً) بالكسر، فهو اسم الفاعل ل " حَرِجَ يَحَرجُ، فهو حَرِجٌ "، ومن فتحه جعله مصدرا ل " حَرِجَ حَرَجاً ". ومعنى الكسر: ضَيقاً (ضيّقاً)، وهو الذي قد ضاق فلم يجد منفذاً إلا أن يصعد في السماء، وليس يقدر على ذلك. ومن فتح جعله صفة ل (ضيقاً)، كما يقال: " رجلٌ عدْلٌ " و " رضىً "، فكأنه يجعل صدره شديد الضيق. ومعنى الآية: من يرد الله أن يهديه للإيمان، {يَشْرَحْ صَدْرَهُ} أي: يفسحه ويهون
عليه ويُسَهّله. قال النبي عليه السلام - وقد سُئِلَ عن هذه الآية: " إذا دخل النور القلب، انفسح وانشرح، قالوا: هل لذلك من علامة تعرف؟. قال نعم، الإنابة إلى دار الخلود، و (التجافي عن) دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ". وقال ابن جريج: " {يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام} بلا إله إلا الله ". {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ} أي: إضلاله عن سبيله، {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً} بخذلانه إياه، وغَلَبةِ الكفر عليه. والحرج: أشدُّ الضيق، وهو الذي لا ينفذه من شدَّةِ ضيقه شيءٌ "، وهو - هنا - الصدر الذي لا تصل إليهُ موعظة، ولا يدخله نور الإيمان، وأصل (حرجاً)
أنه جمع " حَرَجَة " وهي الشجرة الملتف بها الأشجار، لا يدخل بينها وبينها شيء من شدة التفافها. وسأل عُمَرُ رجلاً من العرب فقال له: ما الحرجة فيكم؟ فقال: الحرجة فينا: الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعيةٌ ولا وحشيّة ولا شيء، فقال عمر: وكذلك قلب المنافق لا يصل اليه شيء من الخير. وقال مجاهد: معنى {ضَيِّقاً حَرَجاً}: شاكاً. وقال قتادة: ملتبساً وقال ابن جبير: لا يجد الإيمان إليه منفذاً ولا مسلكاً. وهذه الآية (من) أدل دليل على أن قدرة الطاعة غير قدرة المعصية، وأن كلا القدرتين من عند الله تعالى، لأنه أخبر أنه يشرح صدر من أراد (هدايته، ويضيق صدر من أراد) دَفْعَهُ عن الإيمان، فَتَضْيِيقُه للصدر منع الإيمان، ولو كان
يوصل إلى الإيمان مع تضييق الصدر عنه، لم يكن بين تضييقه وشرحه فرق. وقوله: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء}: هذا مثل ضربه الله لصدر الكافر في شدة ضيق صدره عن قبول الإسلام ونفوره عنه، فهو بمنزلة من تكلَّف ما لا يُطِيْقُهُ، كما أن من تكَلَّف صعود السماء تكلَّفَ ما لا يُطَاق. ومعنى التشديد - على قراءة من شدد: أنه أتى به على " يَتَفَعَّل " ثم أدغم كأنه يتكلف شيئاً بعد شيء، وكُلُّهُ لا يطيقه. / ومن قرأ (يَصّاعد) أراد " يتصاعد "، ثم أدغم، ومعناه: كأنه يتعاطى ما لا يقدر عليه، لأن الله قد خذله عن أن يقبل الإيمان، وضيّق صدره عن قبوله.
126
وتحقيق معنى {ضَيِّقاً حَرَجاً} - فيمن كسر -: ضيّقا جداً، كقولك: " مريض دَنِفٌ ". ومن فتح فمعناه: ضيقاً ذا حرج، كقولك: " رجل عدلٌ "، أي: ذو عدلٍ. (والرّجْسُ) هنا: " ما لا خير فيه "، قاله مجاهد. وقال ابن زيد: " الرجس: عذاب الله ". وقال بعض البصريين: الرِّجزُ والرّجسُ: العذاب والرّجس (و) النجسُ: الشيء القذر. وقيل: " الرجس: اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة ". قوله: {وهذا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} الآيتان. المعنى: وهذا الذي بيَّنّا لك في هذه السورة وغيرها، {صِرَاطُ رَبِّكَ} أي:
128
طريق ربك، ودينه الذي جعله مستقيماً، {قَدْ فَصَّلْنَا الآيات} أي: بيّناها لقومٍ يذكرون. (و) قال ابن عباس: " يعني به الإسلام ". وقوله: {لَهُمْ دَارُ السلام} أي: للقوم الذين يذّكّرون دار السلام، والسلام: اسم من أسماء الله. فالله هو السلام، والدار: الجنة. وقيل: المعنى: دار السلامة أي: الدار التي يُسلِّم فيها من الآفات. {وَهُوَ وَلِيُّهُمْ} أي: والله ناصرهم بعملهم، أي: جزاء بعملهم. {مُسْتَقِيماً} تمام. قوله: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يامعشر الجن} الآية. {جَمِيعاً} نصب على الحال. والمعنى: واذكر يوم نحشر هؤلاء العادلين (و)
أولياءَهُم من الشياطين، {يامعشر الجن} أي: يقول لهم: يا معشر الجن، ومعنى {قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس} أي: قد استكثرتم من إضلال الإنس. {وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم} أي: أولياء الشياطين من الإنس، {رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} ومعنى الاستمتاع هنا: (أن) الرجل كان في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: " أعود بكبير هذا الوادي "، فهذا استمتاع الإنس. وأما استمتاع الجن فهو تشريف الإنس لهم واستعاذتهم بهم واعتقادهم أن الجن يقدرون على ذلك. وقيل: معنى الاستمتاع: أن الجن أَغْوَتِ الإنس، وقَبِلت الإنس منها. وقيل: المعنى: أن الإنس تلذذوا بقبولهم من الجن، (وأن الجن) تلذذوا
بطاعة الإنس لهم. وقالوا: {وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا} وهو الموت. (قَالَ) الله: {النار مثواكم} أي: مقامكم بها خالدين. وقوله: {إِلاَّ مَا شَآءَ الله} استثناءٌ ليس من الأول، والمعنى: إلا ما شاء الله من الزيادة في عذابكم. وسيبويه يمثل هذا بمعنى " لكنَّ ". والفراء يمثّله بمعنى: " سوى ". ومثله في " هود ": {إِلاَّ مَا شَآءَ الله} أي: ما شاء من الزيادة، وقال الزجاج: معنى الاستثناء هنا إنِّما هو: إلاّ ما شاء رَبُّك من محشرهم ومحاسبتهم. وقال
129
الطبري: المعنى فيه أنه استثنى مدة محشرهم من قبورهم إلى مصيرهم إلى جهنم، فتلك المدة التي استثنى الله تعالى من خُلُودِهِمِ في النَّار. (و) قال ابن عباس: جعل الله أمر هؤلاء القوم في مبلغ عذابه إلى مشيئته، وروي عنه أنه قال: هذه آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، لا ينزلهم جنةٌ ولا ناراً. وقال: هذا الاستثناء لأهل الايمان. {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ} العليم: هو العالم الذي كمل فيه علمه، والحكيم: / الذي قد أكمل في حكمته، ويكون " الحكيم ": الحاكم، أو بمعنى الحكم. قوله: {وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً} الآية. المعنى: وكما فعلنا بهؤلاء ما ذكرنا، نجعل بعضهم لبعض ولياً على الكفر
130
بالله، استدراجاً لهم وجزاء على مخالفتهم أمر الله، وما اجترحوا من المعاصي. قال مجاهد: يجعل بعضهم ولياً لبعض. وقال قتادة: المؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أين كان وحيث كان. وقيل: المعنى: يتبع بعضهم بعضاً في النار. قال ابن زيد: المعنى: يسلط ظَلَمَةِ الجن على ظَلَمَةَ الإنس. وقيل: المعنى: يجعل ظَلَمَةَ الجن أولياء لَظَلَمَةِ الإنس جزاء بما كانوا يكسبون، وهذا كقوله: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36] إلى {فَبِئْسَ القرين} [الزخرف: 38]. قوله: {يامعشر الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ} (الآية). معنى الآية: أنها خبر من الله ما هو قائل لهم يوم القيامة، ومعنى:
{يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} أي: يخبرونكم بحجتي وأدلتي على توحيدي، {وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا} أي: يحذرونكم لقاء عذاب يومكم هذا، وهذا تقريع يكون لهم يوم القيامة على ما سلف منهم. قال الضحاك: أرسل الله إلى الجن رسلاً منهم بدلالة هذه الآية {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ}. وقيل: معناه: أَنَّ (مِنْكُمْ) للإنس خاصة، والرسل من الإنس لا غير، وهذا كقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} [الرحمن: 22]، واللؤلؤ إنّما يخرج من الملح دون العذب. وتأول ابن عباس أن رسلُ الإنس رسلٌ من الله، ورسل الجن رسلٌ (رسلِ) الله منهم، وهم النذر، وهم الذين سمعوا القرآن وَلَّوْا إلى قومهم منذرين. فهذا قول حسن.
131
وقيل: إنه لما كانت الإنس والجن تخاطب وتعقل، قيل: {رُسُلٌ مِّنْكُمْ} وإن كان من أحد النوعين، ومعنى (مِنْكُمْ): أي: منكم في الخلق والتكليف والمخاطبة. (و) قرأ الأعرج {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} بالتاء، على تأنيث المخاطبة. وقوله: {قَالُواْ شَهِدْنَا} أخبر الله عنهم بما يقولون يوم القيامة إذا قيل لهم ذلك، ومعنى الشهادة: أنهم شهدوا أن الرسل قد أتتهم بآياته وأنذرتهم عذابه، ولم يؤمنوا، {وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا} أي: غرتهم زينتها فلم يؤمنوا، {وَشَهِدُواْ على أَنْفُسِهِمْ} (بالكفر). قوله: {ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ (مُهْلِكَ) القرى (بِظُلْمٍ)} إلى {(يَعْمَلُونَ)} [الآيتان]. {ذلك} في موضع رفع على معنى: الأمر ذلك، هذا مذهب سيبويه. وهو
عند الفراء في موضع نصب، (المعنى: فعل) ذلك. والمعنى: لم يكن ربك - يا محمد - مهلك القرى بشرك من أشرك وأهل القرى غافلون عن شرك من أشرك، فمعنى {بِظُلْمٍ}: بشرك قوم آخرين فيهم، وهذا مِثْلُ: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} [فاطر: 18]. وقيل: المعنى: لم يكن الله يعاجل قوماً بالعقوبة قبل أن يرسل إليهم الرسل، ولم يكن بالذي يأخذهم غفلة، [فيقولوا]: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيظلمهم. وقوله: {وَلِكُلٍّ درجات مِّمَّا عَمِلُواْ} أي: ولكل عامل - في طاعة أو معصية - منازل ومراتب يبلغه الله إياها، إن خيراً فخيراً وإن شراً (فشراً) وليس الله بغافلٍ عما يعملون.
133
وروي عن النبي أنه قال: " الدَّرجةٌ في الجنَّةِ فوقَ الدرجةِ كما بين السماءِ والأرض، وَإِنَّ العَبْدَ - من أهلِ الجنةِ - لَيَرْفَعُ بصرَهُ فَيَلْمَع له برقٌ يكاد يَخطَف بصرَهُ، فيقول: ما هَذا؟ فيقال له: هذا نورُ أخيكَ فلان. فيقول: أخي فلان!، كنا في الدُّنيا نعمَلُ جميعاً، وقد فُضِّلَ عَليَّ هَكذا! فيُقالُ: إِنَّهُ أفضلُ منكَ عملاً. ثم يُجْعَلُ في قلبِه الرِضى فَيَرْضى بمنزلتِهِ ". قوله: {وَرَبُّكَ الغني ذُو الرحمة} الآية. المعنى: وربك - يا محمد - الغني عن عبادة من أَمَرَهُ بالعبادة، وطاعة من أمره بالطاعة؛ وهم المحتاجون إليه، لأن بيده موتهم وحياتهم ورحمتهم وعقابهم. وقوله: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} معناه: إن يشأ الذي خلَق خلْقَه لغير حاجة منه إليهم، يذهبهم، أي: يهلكهم، {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ} (أي) يأتي بخلقٍ غيرهم. {كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ}: أي: أنشأكم مكان خَلَقٍ آخرين، لم يرد أنهم من أصلاب قوم آخرين، انما المعنى: مكانهم. كما تقول: " أعطيتك من دينارك
134
ثوباً "، بمعنى: مكان الدينار ثوباً، وليبس معناه: أن الثوب بعض الدينار. وقرأ زيد بن ثابت (ذِرِيّةِ) بالكسر، وقرأ أبان بن عثمان (ذَريَّة) بفتح الذال وتخفيف الراء. قوله: {(إِنَّ مَا) تُوعَدُونَ لآتٍ} الآية. المعنى: أن الذي توعدون به - أيها المشركون - آت، أي: واقِعٌ بكم، {وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} أي: ليس تعجزون ربكم هرباً، (أنتم) في قبضته. قوله: {قُلْ ياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ} الآية. المعنى: قل لهم يا محمد: اعملوا على مكانتكم: أي: على حيالكم وناحيتكم.
وقال القتبي: " على موضعكم ". وتحقيق معناه: اعملوا على ما أنتم عليه، كما تقول للرجل: " اثبت مكانك "، أي: اثبت على ما أنت عليه. وفي الكلام تهديد، فلذلك جاز أن يؤمروا بالثبات على ما هم عليه، وهو الكفر، إنّما هو توعد وتهديد، كما قال: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً} [التوبة: 82]، ودل على ذلك قوله: {(فَسَوْفَ) تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار}، فالمعنى: اثبتوا على ما أنتم عليه إن رضيتم بالنار، فأنا عامل بما أمرني به ربي، فسوف تعلمون غداً من هو على الحق، وتكون له العاقبة الحسنة، {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون}. وقوله: {مَن تَكُونُ}: (مَنْ) في موضع رفع على أنه استفهام، وفعل " العلم "
136
معلق، والجملة في موضع المفعولين. ويجوز أن تكون (مَنْ) في موضع نصب، وهي بمعنى: " الذي "، ويكون {تَعْلَمُونَ} بمعنى: " تعرفون "، (و) يتعدى إلى مفعول واحد. قوله: {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث (والأنعام نَصِيباً)} الآية. المعنى: أنه حكاية عما كان يعمل أهل الجاهلية: كانوا يجعلون لله نصيباً من حرثهم وأنعامهم، ولآلهتهم وشياطينهم (نصيباً، وهو) شركاؤهم من الأوثان والشياطين: قال ابن عباس: كانوا يجعلون الطعام حُزَماً، يجعلون منها لله، ومنها لآلهتهم، فكان إذا هبت الريح من نحو الذي
جعلوه لآلهتهم إلى الذي جعلوه لله، ردوه إلى الذي جعلوه لآلهتهم /، وإذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لله إلى الذي جعلوه لآلهتهم، لم يردوه، فذلك قوله: {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي: ساء الحكم في حكمهم، قال: وكذلك جعلوا من ثمرهم نصيباً لله، ونصيباً للشياطين ولأوثانهم، فإن سقط من نصيب الله شيء في نصيب الأوثان تركوه، وإن سقط من نصيب الأوثان (شيء في نصيب الله) ردوه في نصيب الأوثان، وإن انفجر من سِقْيِ ما جعلوه لله في نصيب الشيطان والأوثان تركوه، وإن انفجر من سِقْي ما للأوثان في نصيب الله رَدُّوه (وسَدُّوهُ)، فهذا ما جعلوا من الحرث، وأما الأنعام: فهو جعلهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، وقد ذكر ذلك في " المائدة ". وقال السدي: كانوا يزرعون زرعاً يجعلونه لله يتصدقون به، ويزرعون آخر يجعلونه لآلهتهم وينفقونه عليها، فاذا أَجْدَبَ ما لآلهتهم، أخذوا ما كان لله فأنفقوه على آلهتهم، وإذا أَجْدَب ما كان لله، لم يأخذوا مما لآلهتهم شيئاً،
137
(و) يقولون: " لَوْ شَاءَ اللهُ لَزَكَّى الذي لَهُ ". وقال ابن زيد: كل شيء جعلوه لله من ذبح لا يأكلونه حتى يذكروا عليه اسم الآلهة، وما كان من ذبح للآلهة لا يذكرون عليه اسم الله. وفي الكلام حَذْفٌ، والمعنى: " من الحرث والأنعام نصيباً، وجعلوا لأصنامهم نصيباً "، ودل على ذلك قوله: {وهذا لِشُرَكَآئِنَا}. والفتح في " الزعم " لغة أهل الحجاز، والضم: لغة بني أسد، والكسر: لغة تميم وقيس، وقد أنكر أبو حاتم الكسر، وحكاه الكسائي والفراء. قوله: {وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المشركين قَتْلَ أولادهم شُرَكَآؤُهُمْ} الآية. روي عن ابن عامر (زُيِّنَ) بالضم، (قَتْلُ) بالرفع: اسم ما لم يسم فاعله، (أوْلادِهِم) بالخفض على الإضافة، (شركاؤُهم) بالرفع على إضمار فعل دل عليه
(زُيِّنَ)، كأنه قيل: زَيَّنَهُ شركاؤهم، وحكى النحويون أنه يجوز: " ضُرِبَ زَيْدٌ عَمْرُو "، كأنه قيل: " ضَرَبَهُ عَمْرُو "، كما قال (الشاعر): لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارعٌ لخُصومةٍ. ... كأنه قال: يبكيه ضارع. وروى أبو عبيد عن ابن عامر (زُيّنَ) بالضم مثل الأول، (قَتْلُ) بالرفع، (أولادَهم) بالنصب، (شركائِهم) بالخفض على التفريق بين المضاف والمضاف اليه، وهو بعيد في الكلام، وبذلك قرأنا لابن عامر، وهي رواية الشاميين عنه، وإنما يجوز في (الظرف وحروف) الخفض. وقد روي بيت يجوز ذلك فيه وهو:
فَزَجَجْتُها مُتَمَكّناً زَجَّ القَلوصَ أبي مَزادَه وهو بعيد. ... وقد روي عن ابن عامر أيضاً مثل القراءة الأولى، إلا أنه خفض الشركاء مع خفض " الأولاد "، فهذا يجوز على أن تبدل " الشركاء " من " الأولاد "، لأن الأولاد شركاؤهم في النسب والميراث. وأما قراءة الجماعة بفتح الزاي، ونصب (قَتْلَ)، وخفض " الأولاد "، ورفع " الشركاء " فهو ظاهر الكلام ووجهه.
ومعنى الآية: (و) كما زين لهؤلاء أن جعلوا لله نصيباً، ولآلهتهم نصيباً، فحكموا فيه بما لا يجب، كذلك زين لكثير من المشركين قتلهم: أن قتلوا أولادهم خيفة العَيْلَةٍ، وهو وَأد البنات {لِيُرْدُوهُمْ} أي: ليهلكوهم، / {وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ} أي: فعلوا ذلك (بهم) ليخلطوا عليهم دينهم) فيضلوا، {وَلَوْ شَآءَ الله مَا فَعَلُوهُ}: أي: لوفقهم إلى الصواب، ولكن خذلهم فقتلوا أولادهم وأطاعوا الشياطين. ولم يضطرهم إلى ذلك، إنما خَذَلَهُم وحَالَ بينهم وبين التوفيق. قوله: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} هذا تهدد وتوعد من الله لهم، أي: ذرهم - يا محمد - وما يكذبون، فإني لهم بالمرصاد.
138
قوله: {وَقَالُواْ هذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ} الآية. قرأ أبان بن عثمان (حُجُر) بالضم (للحاء والجيم). وقرأ قتادة والحسن (حُجْر) بضم الحاء وإسكان الجيم. وهي لغات في (حِجْر). والحِجْرُ: الحرام، يقال: حُجُرٌ وحُجْرٌ وحِجْرٌ، وفيها لغة أخرى وهي " حِرْجٌ " بتقديم الراء، مثل: " جَبَذَ " و " جذب ". وقيل: معنى " حِرْج ": ضيق، من قولهم: " فلان يتحرَّج " أي: يُضَيِّق على نفسه. وعن ابن عباس: (وحَرْثٌ حِرْجٌ الراء قبل الجيم، وكذا في مصحف
أبُيّ، ومعناه ما ذكرنا. ومعنى الآية: أن الله حكى عن المشركين أنهم يحرمون ويحللون من عند أنفسهم تَخرُّقاً منهم وتَقُّولاً بما لم ينزل الله ولا أمر به، و " الحرث " - هنا - (هو) ما ذكر في الآية الأولى من جعلهم لله ثم يردونه إلى آلهتهم، و (الانعام: قيل) إنهم كانوا يجعلون لله أنعاماً، فإذا ولدت الأنثى أكلوه، ويجعلون لآلهتهم أنعاماً، فإذا ولدت الأنثى عظموه، ويأكلون الميتة مما لله. وقيل: الأنعام هنا (هي) البحيرة وما بعدها مما ذكر في " المائدة ". والحجر: الحرام، ومنه: {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} [الفرقان: 22] أي: حراماً محرماً.
{وأنعام حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} هو الحامي: وقيل: هي البحيرة كانوا لا يحجون عليها. والحامي: البعير الذي يحمى ظهره، وهو الذي قد ألقح ولد ولده، فلا يركب ولا يجز (له وبر)، ولا يمنع من مرعى، وأي إبل ضرب فيها لم (يمنع منها). والبحيرة: هي التي يبحر أذنها، أي: يشق، ويحرم لحمها على الرجال والنساء. وقيل: البحيرة: ابنة السائبة. والسائبة: الناقة كانت إذا نتجت سبعة أبطن سيبت فلم تركب ولم يجز لها وَبَرٌ، وبحرت أذن ابنتها وأجريت مجراها. وقد ذكر هذا في " المائدة " بأشبع من هذا. وقوله: {وأنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا}: هو ما ذبحوه لآلهتهم، لا يذكرون اسم الله [عليه]. وقوله: {إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ} كانوا يذبحون أشياء لا يأكلها إلا خدمة
139
الأصنام. وقيل: كانت البحيرة لا تركب ولا يحمل عليها شيء ذكر عليه اسم الله. {افترآء عَلَيْهِ} أي: كذباً على الله، سيجزيهم بكذبهم. وقد روي عن الدوري عن الكسائي (افتراء) بالإمالة، والفتح أشهر، وكذلك ذكر أبو الحارث عن الكسائي، (قال الكسائي) لأنه مصدر لا أميله. قوله: {وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام} الآية. قوله: {خَالِصَةٌ}: أُنّثت (ما) لتأنيث (الأنْعَامِ)، لأن ما في بطونها
ملتبس بها، كما قال: (مشين كما اهتزّت رماح) تَسَفّهَتْ ... أعاليها مَرُّ الرِيّاح النواسم فأنِّث، لأن المَرُّ من الرياح، هذا قول الفراء. وقال الكسائي والأخفش: دخل التأنيث للمبالغة. وقيل: " التأنيث على معنى (ما)، / والتذكير على اللفظ "، كذا قرأ ابن عباس (خَالِصُهُ) بالتذكير، والمعنى: ما خلص منه حياً لذكورنا. {وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا} يعني الإناث ". وقرأ الأعمش (خَالصٌ) بغير هاء، على التذكير على اللفظ، ولأن بعده
{وَمُحَرَّمٌ}. وهذه الآية - في قراءة الجماعة - أتت على خلاف نظائرها في القرآن، لأن ما يحمل على اللفظ مرة وعلى المعنى مرة، إنما يتقدم أولاً الحمل على اللفظ ثم يليه الحمل على المعنى، نحو: {مَنْ آمَنَ بالله} [البقرة: 62] ثم قال: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} [البقرة: 62]، ونحو {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً} [الرعد: 15] ثم قال: {وَظِلالُهُم} [الرعد: 15]، وهو كثير، هكذا يأتي في القرآن وكلام العرب، يتقدم الحمل على اللفظ، ثم يحمل بعد ذلك على المعنى. وهذه الآية تقدم الحمل (فيها) على المعنى فقال: (خالِصَة)، ثم حمل بعد ذلك على اللفظ فقال {وَمُحَرَّمٌ}. ومثله قوله: {كُلُّ ذلك كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً} [الإسراء: 38]، فقال أولاً (سَيئةً) فأنث وحمل على معنى (كل)، لأنها اسم لجميع ما تقدم مما نهى عنه من الخطايا، ثم قال بعد ذلك (مَكْروهاً)، فذكّر على لفظ (كل)، وهذا إنما هو على قراءة نافع ومن تابعه.
وكذلك {مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ} [الزخرف: 12 - 13]، فجمع " الظهور " حملاً على معنى (ما)، ووحّد الهاء حملاً على لفظ (ما). وحكي عن العرب: " ليت هذا الجراد قد ذهب فأراحنا (من) أَنْفُسِهِ "، فجمع " الأنفس " ووحّدُ الهاء وذكّرَها. ومن قرأ (يَكُن) بالياء، رده على لفظ (ما)، وردّه أيضاً على ما بعده، لأن بعده (فَهُمْ فيه)، ولم يقل: " فيها "، والمعنى: (وإن) يكن ما في بطونها ميتةً. ومن رفع (مَيْتَةٌ) جعل " كان " بمعنى " وقع "، وقال الأخفش: التقدير: " وإن تكن في بطونها ميتةٌ "، جعل الخبر محذوفاً.
ومن قرأ بالتاء، أنّث على معنى (ما). وقيل: التقدير: " وإن تكن النّسمة ميتةً ". و (هي لما) في بطون الأنعام التي يسمونها الوصيلة، وهي الشاة: كانت إذا ولدت ستة أبطن: عناقَيْن (عناقيْن)، وولدت في السابع عناقاً وجدياً، قالوا: وصلت أخاها، فكان لبنها حلالاً للرجال حراماً للنساء، فإن ماتت أحل لحمها للرجال والنساء، فعابهم (الله) بهذه الأحكام التي لم يؤمروا بها. ومعنى الآية - في قول ابن عباس - أن الذي ذكروه مما في بطون الأنعام: هو اللبن، جعلوه حلالاً للذكور، (وحراماً على الإناث. قال قتادة: هو ألبان البحائر، حلّلوه للذكور)، وحرموه على الإناث، وإنْ يَكن ميتة اشترك فيه الذكور
140
والإناث. قال ابن عباس: كانت الشاة اذا ولدت ذكراً وذبحوه، أكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، (وإن) كانت ميتة فهم فيه شركاء. قال السدي وغيره: عنى بذلك ما في بطون الأنعام من الحمل، إن ولد حياً، فهو للرجال دون النساء، وإن ولد ميتاً أكله الرجال والنساء. والأزواج هنا: نساؤهم. وقال ابن زيد: الأزواج هنا: بناتهم. {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أي: سيكافئهم وصفهم، أي: على وصفهم، وهو قولهم الكذب، قال قتادة: وصفهم: كذبهم، أي: يجزيهم عليه. قوله: {قَدْ خَسِرَ الذين قتلوا أولادهم} / الآية. المعنى: قد هلك الذين قتلوا أولادهم وحرموا ما رزقهم الله، وهم الذين تقدم ذكرهم، وقوله {سَفَهاً} أي: جهلاً منهم، افتراء عليه، أي: كذباً عليه وتخرصاً، {قَدْ ضَلُّواْ} أي: تركوا الحق في فعلهم، {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} أي: لم يهتدوا إلى الحق في
141
فعلهم ذلك، ولا وقفوا له. قال قتادة: نزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومضر، كانوا يقتلون بناتهم خوف السباء والفاقة، ونسبوا البنات إلى الله، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وقوله: {وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله}: هو تحريمهم أكل البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. قوله: {وَهُوَ الذي أَنشَأَ جنات معروشات} الآية. هذه الآية إعلام من الله وتذكير لعباده بنعمه، ومعنى {أَنشَأَ} أحدث وابتدع، الجنات وهي البساتين، والمعروشات: ما عُرِشَ كهيئة الكرم {وَغَيْرَ معروشات}: ما لم يُعرَش. وقيل: المعروشات: ما غرس الناس، وغير معروشات: ما نبت في البر والجبال من غير غرس (الناس) له من الثمرات. وقيل: معروشات:
" عليها حيطان ". {والنخل والزرع} أي: وأنشأ ذلك. {مُخْتَلِفاً} أي: مقدراً فيه الاختلاف ولم ينشأ في أول مرة مختلف، وهذا كما تقول: " لَتَدْخُلَنَّ الدَّارَ آكلِينَ شَارِبينَ "، أي: مقدرين ذلك. والمعنى: " مختلفاً ما يخرج منه مما يؤكل ". {والزيتون والرمان} أي: وأنشأ الزيتون والرمان {متشابها} ((أي)) في اللون والمنظر، {وَغَيْرَ متشابه} ((أي)) في الطعم. وقيل: المعنى: أن منه ما يشبه بعضه بعضاً في الطعم، ومنه ما لا يشبه بعضه بعضاً في الطعم والمنظر. {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} أي: من رُطَبِهِ
(وعنبه). قوله: {حَصَادِهِ}: بالفتح تميمية، وبالكسر حجازية. وقوله: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}: قال سعيد بن جبير: هذا منسوخ بالزكاة، وهو قول عكرمة، وبه يقول الطبري. و" قال الضحاك: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن ". وقال ابن عباس: هو منسوخ بالسنة، بقول النبي: العشر ونصف العشر،
وهو قول السدي وابن الحنيفة والنخعي؟. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال: " هو ما يسقط من السنبل " والآية - على هذا - نَدْبٌ. وقال أنس بن مالك: هي محكمة، والمراد بها الزكاة المفروضة، وهو قول الحسن وابن المسيب وجابر بن زيد وعطاء وقتادة وزيد بن أسلم، وهو مروي عن مالك. واختلف فيه أصحاب الشافعي: فمنهم من تأول عنها أنَّها منسوخة، لأنه ليس في الرمان ولا في شيء من الثمار زكاة إلا في النخل والكرم. ومنهم من قال: هي محكمة على تأويل مذهبه.
وقال سفيان: الآية في شيء آخر سوى الزكاة، وهو أن [يدع] المساكين لما يسقط من الحصادين، (وهي) محكمة. و (قد) قيل: إنَّها على الندب. وقد عورض من قال: إنَّها في الزكاة المفروضة، بأنَّ هذه الآية مكية والسورة كذلك، ولم يختلف العلماء أنَّ الزكاة إنما فرضت بالمدينة، ولو كانت الزكاة المفروضة لوجب أن تعطى وقت الحصاد على نص الآية وقد جاءت السُّنَة أنَّ الزكاة لا تعطى إلا بعد الكيل. وفي / الآية: {وَلاَ تسرفوا} فلا يجوز أَنْ يكون هذا في الزكاة، لأَنَّها معلومة محدودة، ويجب أَنْ تكون الزكاة في كل الثمر ولو كانت في الزكاة المفروضة، وهذا لا يقوله أحد، وقد قال أبو حنيفة: إن في كل ما أخرجت الأرض الزكاة إلا الحطب
والحشيش والقَصَبِ. فخص الآية ولم يجرها على عمومها، وتفرد بذلك. وروي أن قوله {وَلاَ تسرفوا} نزل في ثابت بن قيس لما صرم نخله خلى بين الناس وبينه كله فلم يبق لأهله شيئاً منه، فنزل {وَلاَ تسرفوا}، أي: في العطاء فتبقوا لا شيء لكم. ولم يختلف العلماء أن في أربعة أشياء الزكاة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وجماعة منهم على أنه لا تجب الزكاة إلا في هذه الأربعة، وهو قول الحسن والشعبي والثوري وابن المبارك وابن أبي ليلى والحسن بن
صالح وابن سيرين ويحيى بن آدم وغيرهم. وزاد ابن عباس على هذه الأربعة: الزيتون (والسلت. وزاد الزهري على هذه الأربعة: الزيتون) والحبوب كلها. وهو قول عطاء وعمر بن عبد العزيز ومكحول ومالك والأوزاعي والليث، وهو قول
الشافعي بالعراق، ثم رجع بمصر. عن الزيتون فلم ير فيه زكاة، قال: لأنه أُدُمٌ وليس يُؤْكَلُ بنفسه. وهذا كله يدل على أَنَّ الآية منسوخة، إذ ليس أحد منهم أوجب ظاهر نص الآية. ومن قال: إنَّها محكمة وإنَّها في شيء غير الزكاة، احتج بحديث رواه الخدري عن النبي عليه السلام أنه فسره فقال: " ما سقط عن السنبل " وهذا الحديث، لو صح لكان منسوخاً بالإجماع، لأنه قد أجمع على أنه لا فرض في المال سوى الزكاة. فأما من قال بالندب فهو جائز، إلا أن قائله غير معروف. ومعنى
{وَلاَ تسرفوا} - عند ابن المسيب -: لا تمتنعوا من الزكاة المفروضة. وقال أبو العالية: كانوا يعطون حتى يجحفون في الإعطاء، فأنزل الله {وَلاَ تسرفوا}، وهذا قبل فرض الزكاة. قال السدي: لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. قال ابن جريج: نزلت في ثابت بن قيس جَدَّ نخلاً (له)، فحلف ألا يأتيه أحد إلا أعطاه، فأمسى ليست له ثمرة فأنزل الله {وَلاَ تسرفوا}. وقال مجاهد: ((و) لا تُسْرِفوا): لا تحرموا ما حرمت الجاهلية من الحرث والأنعام.
142
وقال ابن زيد: هذا للسعاة، أي: لا تأخذوا للولاة ما لا يجب على الناس. قال أصبغ بن الفرج: (و) لا تُسْرِفوا) (أي) لا تأخذوه بغير حقه ولا تضعوه في غير حقه. قوله: {وَمِنَ الأنعام حَمُولَةً وَفَرْشاً} (الآية). {حَمُولَةً} منصوبة بـ (أَنْشأَ)، أي: وأنشأ من الأنعام حمولةً وفرشاً مع ما أنشأ من الجنات. والحمولة: ما حمل عليه من الإبل، والفرش: الصغار التي لم يحمل عليها بعد، وقيل: الحمولة: الإبل والبقر التي يحمل عليها.
وقيل: هي ما حمل عليه من الإبل والخيل والبغال وغير ذلك، والفرش: ما لم يحمل عليه من الصغار، وقيل: الفرش الغنم قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما. وقال السدي: الفرش: الفصلان والعجاجيل والغنم، وما حمل عليه فهو " حمولة ". قال ابن زيد: " الحمولة ": ما تركبون، والفرش: ما تأكلون وتحلبون ". وقيل: الحمولة المُذَلَّلَة للحمل، والفرش: ما / خلقه الله من الجلود والصوف مما يُتَمَهَّدُ عليه ويُتَوَطَّأُ به. ومما يدل على أَنَّها الإبل والبقر والغنم قوله: {ثمانية أزواج} [الأنعام: 143] بعده، فجعل: {ثمانية} بدلاً من {حَمُولَةً}، ثم فسرها بالإبل والبقر والغنم. فلا معنى للصوف
143
والجلود في قوله: {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} الآية: هذا (أمر للمؤمنين)، معناه: الإباحة لهم بأن يأكلوا من ثمراتهم وحروثهم ولحوم أنعامهم، ولا يحرموا ما حرم المشركون، ثم قال: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان} كما اتبعها هؤلاء، بحروا البحائر وسيبوا السوائب. ومعنى {خطوات الشيطان} أي: طرقه التي يتخطى فيها الحلال إلى الحرام والأنعام: الإبل. وقيل: الإبل والبقر والغنم. وقيل: هي كل ما أحله من الحيوان. قوله: {ثمانية أزواج} الآية. في نصب {ثمانية} خمسة أقوال: - قال الكسائي: (هو) منصوب بـ {أَنشَأَ} [الأنعام: 141].
- وقال الأخفش: نصبه على البدل من {وَفَرْشاً} [الأنعام: 142]- وإن شئت: على الحال. - وقال علي بن سليمان: (هو) منصوب بـ {كُلُواْ}، أي: كلوا [لحم] ثمانية أزواج. - وقيل: هو منصوب على البدل من (ما) على الموضع. وقوله: {اثنين} بدل من (ثَمانِيَةَ، وكذا {وَمِنَ المعز اثنين}. وقرأ أبان بن عثمان: (مِنَ الضَّأنِ اثْنَان) برفع " الاثْنَيْنِ " على الابتداء والخبر. ومعنى الآية: أَنَّ الله نَبَّه المؤمنين على ما أحل لهم لَئلاَّ يكونوا كمن ذكر ممن يحرموا ما أحل الله. ومعنى: {ثمانية أزواج} أي: أفراد لأن كل فرد يحتاج إلى غيره، فهو زوج، والثمانية الأزواج قد فسرها (تعالى)، وهي الضأن والمعز والإبل
والبقر، وسماها ثمانية وهي أربعة، لأن (كل) واحد: ذكر وأنثى، ألا ترى إلى قوله: {مَّنَ الضأن اثنين} أي: ذكر وأنثى، وكذلك: {وَمِنَ المعز اثنين}، وما بعده مثله. وقوله: {قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ (أَمِ) الأنثيين} أي: ما الذي حُرِّمَ عليكم فيما زعمتم: (أذكر) الضأن والمعز، أم أنثى الضأن والمعز؟، فإن كان التحريم من جهة الذكر فيجب أن تحرموا على أنفسكم كل ذكر، وأنتم تستمتعون ببعض الذكور وتأكلونه، وإن كان من جهة الأنثى فحرموا كل أنثى، أم حرم عليكم ما اشتملت عليه أرحام (الانثيين؟، فيلزمكم أن تحرموا كل ما اشتملت (عليه) الأرحام، فتحرموا الذكر والأنثى. قال الطبري: أَمَرَ الله نبيه أن يقول لهم ذلك، فإن ادعوا تحريم الذكرين أَوْجَبُوا تحريم كل ذكر من ولد الضأن والمعز، وهم لا يفعلون ذلك، بل يستمتعون بلحوم بعض الذكران وظهورها، وإن قالوا: الأنثيين، أوجبوا تحريم كل أنثى من ولد الضأن والمعز على أنفسهم، وهم لا يفعلون ذلك، وإنما هذا إبطال لما ادعوا أن الله حرم عليهم ذلك.
145
{نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ} أي: أخبروني عن علم {إِن كُنتُمْ صادقين}. ثم قال: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وصاكم الله} الآية. أي: أجاءكم به نبي، أم حضرتم ربكم إذْ أَمَر بهذا، فسمعتم ذلك منه، وهذا على التبكيت لهم والقطع لحجتهم، ثم قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله} أي: اخترق الكذب {لِيُضِلَّ الناس بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: من أشد ظلماً منه. قوله: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ} الآية. المعنى: قل لهم يا محمد: لست أجد شيئاً قد حرمه الله على / آكل يأكله - فيما أوحي إليَّ من كتاب الله - إلا الميتة، والدم المسفوح - وهو الجاري السائل - ولحم الخنزير، وما ذبح للأصنام والأوثان: وهو قوله: {أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ}
ثم قال تعالى: {فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ} (أي) إلى أكل هذا المحرم، {غَيْرَ بَاغٍ}: (أي يبغي) الميتة، {وَلاَ عَادٍ} في الأكل. وقيل: باغ على المسلمين، من خرج لقطع السبيل، فليس له اذا جاع أن يأكل الميتة، قال ابن جبير. قال ابن عباس: من أكل الميتة غير مضَّطَر فقد بغى واعتدى. وقد تقدم ذكر هذا في سورة البقرة. ومن قرأ (تكون) بالتاء ونصب {مَيْتَةً} فتقديره: إلا أن {يَكُونَ} المأكولة ميتة. ومن قرأ بالتاء ورفع " الميتة " جعل " كان " بمعنى " وقع "، وعطف {أَوْ دَماً}
على (أَنْ) المستثناةِ. والرجس هنا: النجس. وفي هذه الآية خمسة أقوال: - قيل: إنها منسوخة بالسنة، لأن النبي عليه السلام قد حرّم لحوم الحَمُر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. والآية تدل على أنه لا محرّم إلا ما فيها. وهذا قَولٌ مَرْدودٌ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ. - وقيل: إن الآية محكمة ولا حرام إلا ما فيها. وهو قول ابن جبير والشعبي، وبه قالت عائشة: لا حرام إلا ما في الآية. - وقال الزهري ومالك بن أنس وغيرهما. الآية محكمة، ويضم ما سَنَّهُ النبي A، فيكون داخلاً في المحرمات.
والقول الرابع: إن الآية جواب لقوم سألوا عن أشياء فأجيبوا عنها، ثم بيّن النبي عليه السلام تحريم ما لم يسألوا عنه، ودل على ذلك قوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث} [الأعراف: 157]. فالنبي عليه السلام يحرم بالوحي الذي في القرآن، ويحرم بما ليس في القرآن، وعلى الناس اتباع ذلك لقوله: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى} [النجم: 3]: ولقوله: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ} [النور: 54]. وأكثرهم يرى الضبع صيداً، منهم علي بن أبي طالب وابن عباس. قال عكرمة: رأيتُها على مائدة ابن عباس. وأجازه ابن عمر. وقال أبو هريرة: الضبع نَعْجَةُ الغنم. وكَرِهَهَا مالك.
وقال الحسن البصري والنخعي والزهري: الثعلب سبع. وبه قال مالك، وكذلك روي عن أبي هريرة. ورخص في أكله عطاء وطاوس وقتادة والشافعي وأبو ثور. وأكثرهم على منع أكل الهَرِّ. وبه قال مالك. ورخص فيه الليث. وذكره مجاهد وطاوس ثمن السنَّوِر، وبيعه، وأكل لحمه، وأنْ يُنْتَفَعَ بجلده. وكلهم على أن ما قطع من الحي مما يؤلمه فهو ميتة. ورخص مالك C في
جواز قطع أَلْيَةِ الكبش ليُكْثِرَ لحمه، ومنع من أكل ما قطع. وكره عمر بن الخطاب إخصاء الذكور، وكذلك ابن عمر، ورخص. فيه الحسن وطاوس وعروة بن الزبير. ولم ير مالك بإخصاء ذكور الغنم بأساً، لأنه صلاح للحومها. قال ابن عمر: نهى النبي A عن إخصاء الإبل والبقر والغنم والخيل. وأكثرهم على منع أكل لحم القرد. وأجاز الشعبي أكل لحم الفيل، ولم يجزه الشافعي، ومنع من الانتفاع بعظمه.
وأرخص مالك لحوم الحيات، يعمل بها الدّرْيَاقُ، وقال: تَذّكى. وكره ذلك سفيان والحسن البصري وابن سيرين. وسُئِلَ الأوزاعي عن أكل الذُبَّانِ، فقال: ما أراه حراماً. وأكثرهم / على جواز شرب أبوال ما أُكِلَ لحمه. وقال مالك C: أكره الفأر والعقارب والحيَّةَ من غير أن أراه حراماً بَيِنّاً، ومن أكل حيَّةَ فلا يأكلها حتى يذبحها.
(وسُئِلَتْ عائشة Bها عن الفأرة، فقرأت: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} إلى آخر الآية، تريد تحليلها). ولا يجوز - عند الشافعي - أكل شيء مما أبيح للمحرم قتله. وسُئِل مالك C عن أكل الغراب والحِدَإِ، فقال: لم أدرك أحداً ينهى عن أكل ذلك (ولا يأمر بأكلها. وكره جماعة أكل الخيل، وكرهه مالك)، وأجازه جابر بن عبد الله وعطاء والحسن وغيرهم، وبه قال الشافعي وابن حنبل.
146
وأكثرهم على إجازة أكل (لحم) الضَّبِّ والأرنب واليربوع، وهو مذهب مالك والشافعي، ووقف مالك في القنفد. قوله: {وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} الآية. قرأ الحسن {كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} بالإسكان، وقرأ أبو السمّأل {كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} بكسر الظاء، وأنكر ذلك أبو حاتم. (و) قوله: {أَوِ الحوايآ} في موضع رفع على معنى: " أو إلاّ ما حملت الحوايا "،
فهو عطف على " الظهور "، فتكون داخلة في الذي هو حلال، وكذلك (ما) الثانية داخلة في الحلال، وقيل: هي في موضع نصب، عطف على المستثنى وهو (ما). وقيل: هو معطوف على " الشحوم "، والمعنى: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما فتكون الحوايا داخلة في التحريم على هذا، و (ما) الثانية عطف عليها. ومعنى الآية أن الله أخبر نبيه أنه حرم على اليهود - جَزاءً بِبغْيِهِمْ - كل ذي ظُفُرٍ، وهو من البهائم (و) الطير ما لم يكن مشقوق [الأصابع] كالإبل والنَّعَام والإوز والبط، وأَنَّهُ حُرَمَ عليهم شحوم ثروب الغنم والبقر. وقيل: إنَّما حرّم
عليهم كل شحمٍ غير مختلط بعظمٍ ولا على عظمٍ. وقال السدي: الذي حرّم عليهم هو شحوم الثروب و [الكلى]. {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا}: يعني شحوم الجنب والظهر ونحوه. وواحد " الحوايا ": " حاوياء "، مثل نافقاء، هذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي: واحدها " حاوية "، مثل ضاربة. وهي ما تَحَوّى في البطن ويَسْتَدير، وهي " المباعر "، فاستثنى في الحلال ما حملت الحوايا، فهذا يدل على عطف " الحوايا " على " الظهور " في موضع رفع. وأكثرهم على أن الحوايا: المباعر، تدعى عند العرب: " المرابض ". {أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ}: يعني شحم الألية وشبهه حلال.
147
وقيل: واحد الحوايا " حوية ". قوله تعالى: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ} الآية. المعنى: فإِنْ (كذبك) - يا محمد - (هؤلاء) اليهود فيما أوحينا إليك أَنَّا حرمنا عليهم، {فَقُلْ: رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} بالمؤمنين، تَسَعُ المسيء والمحسن منهم، ولا يعاجل من كفر به بالعقوبة، {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القوم المجرمين} إذا أراد حلوله بهم، و " المجرمون ": الذين أجرموا أي: اكتسبوا الذنوب واجترحوا السيئات. وكان نزول هذه الآية بسبب أن اليهود قالت: لم يحرم الله علينا شيئاً، إنَّما حرُّمَ إسرائيل على نفسه الثرب وشحم الكليتين، فنحن نحرمه. فذلك قوله: {فَإِن كَذَّبُوكَ}، أي: قالوا: لم يحرم الله علينا ذلك، فقل: ربكم ذو رحمة واسعة. / قوله: {سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكْنَا} (الآية).
والمعنى: سيقول المشركون من قريش وغيرهم - الذين تقدم ذكرهم - إذا تبين لهم أنُّهم على باطل، قالوا: لو شاء الله ما فعلنا ذلك، ثم أخبرنا الله أن قولهم هذا (قد) قال به من كان قبلهم حتى نزلت بهم العقوبة، وهو قوله: {كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِم حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا} أي: نزلت بهم عقوبة فعلهم. وقد تعلقت المعتزلة بهذه الآية فقالوا: إن الله لم يشأ شرك المشركين، لأن الله لم يذكر هذه الآية إلا على جهة الذم لهم في قولهم: إن الله لو شاء ما أشركوا. فأضافوا ما هم عليه من الشرك أنه عن مشيئته كان ولو أن قولهم صحيح. ما ذَمَّهُمْ عليه. قالوا: فَدَلَّ ذلك على أن الله لم يشأ شرك المشرك. وفي قوله تعالى - بعد الآية -: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً} [الأنعام: 144، الأعراف: 37، يونس: 17، هود: 18، الكهف: 15] ما يدل على بطلان كذلك، بل الله المقدر لكل أمر من شرك وغيره. ومعنى: {لَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} أي: لو شاء لأرسل إلى آبائنا رسولاً يردهم
149
عن الشرك، فنتبعهم. وقيل: إِنَّما قالوا ذلك على جهة الهُزْء واللعب والاستخفاف، ولو قالوه على يقين وحق لما رَدَّ عليهم ذلك. ثم قال لنبيه: {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ}: (قل) لهم يا محمد: {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ} على ما تقولون وتدّعون أن الله رضي ما صنعتم من عبادتكم الأوثان وتحريمكم ما لم يأمركم به؟، {فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ} أي: فتظهروا العلم بذلك، وما تتبعون إلا الظن في عبادتكم وتحريمكم، وما أنتم إلاّ تخرصون، أي: تتقَوّلون الكذب والباطل على الله ظناً بغير علم ولا برهان. قوله: {قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} الآية. والمعنى: {قُلْ} لهم يا محمد بعد عجزهم عن إقامة الحُجَّة فيما ادَّعَوا: لله
150
الحُجَّة البالغة عليكم. ومعنى {البالغة} التي تبلغ مراده في ثبوتها على من احَتَجَّ بها عليه من خلقه، {فَلَوْ شَآءَ} ربكم، {لَهَدَاكُمْ} أي: لوفقكم للهدى. وذلك أنْهم جعلوا قولهم {لَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكْنَا} [الأنعام: 148] حُجَّة في إقامتهم على شركهم، جعلوا أنّ كل من كان على شيء من الأديان فهو على صواب، لأنه يجري - فيما يعتقدون - على مشيئة الله. وهذا يريدون به إبطال الرسالة، إذ لا معنى لها على هذا القول فيُقَال لهم: فالذين على خلافكم في الدّينِ، أليس هم أيضاً على مشيئة الله؟، فينبغي أن لا تقولوا إنهم ضالون، والله يفعل ما يشاء، قادر على أن يهدي الخلق أجمعين، وليس للعباد عليه أن يفعل بهم كل ما يقدر عليه، لا معقب لحكمه، ولا راد لفعله. قوله: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ} الآية. المعنى: قل يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن الله حَرَّمَ عليهم ما ذكروا من الأنعام والحروث وغيرها: هاتوا شهداءكم يشهدون أن الله حرم عليكم ما ذكرتم،
151
{فَإِن شَهِدُواْ} أي: فإن جاءوك بشهداء يشهدون أن الله حرم ما يزعمون، {فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} فإنهم كذبة. وهذا خطاب للنبي، والمراد به أصحابه. {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي: لا تتابعهم على ما هم عليه من التكذيب وتحريم ما لم يحرِم الله، {والذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} أي: يجعلون / له عديلاً، أي: ولا تتبع أهواء هؤلاء أيضاً. قوله: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} الآية. (ألا تشركوا): (أن) في موضع نصب على البدل من (ما). وقيل: هي في موضع نصب على معنى: " كراهة ألا تشركوا "، ويكون - على ذلك - المتلو عليهم غير الإشراك. ويجوز أن تكون في موضع رفع على معنى: " هو (أَنْ لاَ) تشركوا "
فيكون متلواً كالقول الأول، و {تُشْرِكُواْ} في موضع جزم على أَنْ (لا) للنهي، وهو اختيار الفراء، قال: لأن بعده: " ولا تفعلوا كذا ". وإن شئت جعلت {أَلاَّ تُشْرِكُواْ} خبراً في موضع نصب، كما تقول: " أمرتك ألا تذهب إلى زيد "، و " ألا تذهب " بالجزم والنصب. ولك أن تجعل {أَلاَّ تُشْرِكُواْ} نصباً، وما عطفته عليه جزماً على النهي. قوله: {مَا ظَهَرَ}: {مَا} في موضع نصب بدل من {الفواحش}. قوله: {ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ}: " ذلك " في موضع رفع على معنى: الأَمْرُ ذلكم. ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: بَيَّنَ ذلكم.
ومعنى الآية: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المحرمين ما لم يحرمه الله عليهم: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} حقاً يقيناً (ووحياً) أوحي إلي، (وتنزيلاً) أنزله علي: {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إِحْسَاناً} أي: وأوصى بالوالدين إحساناً، {وَلاَ تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ} أي: خشية الفقر، فإنَّ الله هو رازقكم وإيَّاهم، وعنى بالأولاد هنا: الموؤدة التي زين قتلها للمشركين شركاؤهم، والإملاق: (مصدر " أملق) الرجل من (الزاد) " إذا فني زاده وافتقر، {وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} أي: الظاهر منها والباطن. والظاهر: هو ما كان من الزنى الظاهر، والباطن: هو ما كان منه في خفاء، قاله السدِّي وغيره. وقيل: هو كل منهي عنه وكل محرم (و) لا يأتونه ظاهراً ولا باطناً. وقيل: إنَّهم كانوا يستقبحون الزنى (الظاهر) ولا يرون بأساً
152
بالبالطن، فنهوا عن الظاهر والباطن، قاله الضَحَّاك. وقيل: الظاهر: الجمع بين الأختين وتزويج الرجل امرأة أبيه بعده، والباطن: الزنى: قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: {مَا ظَهَرَ}: نكاح الأمهات، {وَمَا بَطَنَ}: الزنى. قوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق} أي: بنفس مؤمنةٍ أو مُعَاهَدَةٍ أو يزني وهو محصن، أو يرتد عن دينه الحق ولا يعود، {ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ} أي: هذا الذي وصاكم به وإيانا، {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي تعقلون ما وصاكم به. {عَلَيْكُمْ} تمام إن جعلت (أَنْ) رفعاً. قوله: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ} الآية. والمعنى: وأوصى ألا تقربوا مال اليتيم، {إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ}: يعني التجارة فيه. وقال السَدِّي: يُثَمَّرُ ماله.
وقال الضَحَّاك: يبتغي له فيه الربح ولا يأخذ من ربحه شيئاً. وقال ابن زيد: أن يأكل بالمعروف إن افتقر، ولا يأكل منه إن استغنى. {حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}: الحُلُم عند مالك وغيره. قال السَدَّي: {أَشُدَّهُ}: ثلاثون سنة. وروي عنه: ثلاث وثلاثون. وقيل: بلوغ الأشد: أن يؤنس مع بلوغ الحلم. وهذا قول حسن، وبه يقول أهل المدينة. ومعنى: {حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} أي: فإذا بلغ فادفعوا إليه ماله إن آنستم منه
قوله رشداً، هذا المعنى محذوف من الكلام للدلالة عليه، إذ / لو تركنا والظاهر، ولم نقدر حذفاً، لكان المعنى: أن يقرب ماله إذا بلغ أَشُدَّه، لأنَّ النهي إنَّما وقع على المدة التي هي قبل الأشدِ. قوله: {وَأَوْفُواْ الكيل والميزان} أي: لا تبخسوا الناس الكيل والميزان، ولكن اعطوهم حقوقهم، (بالقسط) أي: بالعدل، {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}: أي: لا نكلفها في إيفَاءِ الكيل والوزن إلا طاقتها، لا نُضِيّقُ عليها إلا أن تعطي الحق مبلغ طاقتها، قوله: {وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا} أي: إذا تكلمتم بين النَّاس فأَنْصِفُوا وقولوا الحَقَّ، ولو كان الذي يتوجه عليه الحَقَّ ذا قرابة منكم، فلا تحملنكم قرابته على القول بغير الحقِّ. وقيل المعنى: إذا شَهِدتُم فقولوا الحقَّ ولو كان المشهود عليه ذا قرابة منكم. {وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ} أي: بوصيته التي وصاكم بها أوفوا، {ذلكم وصاكم
153
(بِهِ)} أي: وصاكم الله بهذه الأمور التي في هاتين الآيتين، وأمركم بالعمل بها لا بما قد سننتم من البحائر والسوائب والوصائل والحامي وقتل الأولاد ووَأْدِ البنات وتحريم بعض الأنعام واتباع خطوات الشيطان، {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي: أمركم بذلك لعلكم تذكرون نعمته عليكم وما قد هداكم إليه. وكان ابن عباس يقول: هذه الآيات من الآيات المحكمات. وقال كعب: - وقد سمع رجلاً يقرأ {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151]-: والذي نفس كعب بيده إنّ هذا لأول شيء في التوراة: بسم الله الرحمن الرحيم: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} [الأنعام: 151] إلى آخر الآية. قوله: {وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً (فاتبعوه)} الآية.
قوله {وَأَنَّ هذا} من فتح، جعلها في موضع نصب عطف على {أَلاَّ تُشْرِكُواْ} [الأنعام: 151]، أو في موضع رفع عطف على {أَلاَّ تُشْرِكُواْ} [الأنعام: 151] على مذهب من أضمر الابتداء مع {أَلاَّ تُشْرِكُواْ} [الأنعام: 151]. ومذهب الفراء أنها في موضع خفض بإضمار الخافض، تقديره عنده: " ذلكم وصاكم به وبأن هذا صراطي "، وهذا بعيد، لأن المضمر المخفوض لا يعطف عليه إلا بإعادة الخافض عند سيبويه وجميع البصريين. ومن خفف (أن) جعلها مخففة من الثقيلة. وقيل: خففها عطفاً على أن لا تشركوا)، فخفف كما كان المعطوف
154
عليه مخففاً. ويجوز أن تكون (أن) في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن تكون مخففة حكمها حكم المثقلة. ويجوز أن تكون (أَنْ) زائدة للتوكيد. و {هذا} في موضع رفع على قراءة من خفف ومن جعل (أن) زائدة، وفي موضع نصب على قراءة من شدد. ومعنى الآية: وهذا الذي وصاكم به ربكم - في هاتين الآيتين - وأمركم بالوفاء به: هو صراطه، أي: طريقه. ودينه المستقيم، (أي) الذي لا اعوجاج به، {فاتبعوه} أي: اجعلوه منهاجاً تتبعونه، {وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل} أي: تسلكوا طرقاً غيره، {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} أي: عن طريقه ودينه، وهو الإسلام، {ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ}: وصاكم بذلكم {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. قوله: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب تَمَاماً} الآية.
{تَمَاماً} مفعول من أجله، وقيل: مصدر، و {أَحْسَنَ} فعل ماضي صلة {الذي}، وأجاز الكسائي والفراء أن يكون (اسماً) نعتاً " للذي " في موضع جر، وأجازا: " مررت بالذي أخيك "، ينعتان " الذي " بالمعرفة / وما قاربها. وهذا خطأ عند البصريين، لأن " الذي " لم يتم بعد، فكيف ينعت بعض الاسم؟. والمعنى عند البصريين: تماما على (المحسن). وأجاز الكسائي والفراء أن يكون {الذي} بمعنى " الذين " هنا. وقال المبرد: تقديره: تماماً على الذي أحسنه (الله) إلى موسى من الرسالة، والهاء محذوفة. قال مجاهد: معناه تماماً على المحسنين، ومعناه: أنه آتاه الكتاب فضيلة له على
ما آتى المحسنين من عباده. فهذا يرد قول الكسائي والفراء: إن {الذي} بمعنى " الذين ". وروي عنه أن المعنى: تماماً على (المحسن)، فهو اسم للجنس كله من المحسنين، كما قال البصريون. قال الحسن: كان في قوم موسى محسن وغير محسن، فأنزل الله الكتابا تماماً على المحسنين، وقرأ ابن مسعود: (تماما على الذين أحسنوا). وقيل: المعنى: تماماً على الذي {أَحْسَنَ} موسى من طاعة ربه. وقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق (تماماً على {تَمَاماً} {الذي} {أَحْسَنَ}
155
بالرفع على إضمار " هو " والمعنى: تماما على الذي هو أحسن الأشياء. قوله: {وهذا كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ} الآية. المعنى: وهذا القرآن - الذي أنزلناه إليك - كتاب منزل لنا مبارك، {فاتبعوه} أي: اجعلوه (إماماً) تعملون بما فيه، {واتقوا} أي: احذروا أن تضيعوا العمل (بما) فيه وتتعدوه {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. (فاتبعوه) وقف حسن. والتقوى: الحذر من مخالفة ما أمر الله في السر والعلانية، وحقيقة ذلك القيام بما أوجب الله لله، وترك ما نهى الله عنه (لله). قوله: {أَن تقولوا إِنَّمَآ أُنزِلَ الكتاب} الآية.
{أَن تقولوا}: (أنْ) في موضع نصب على تقدير: كراهية أن تقولوا. وقال الفراء: المعنى: (واتقوا أن تقولوا إنما أنزل الكتاب وهو متعلق بالآية التي قبلها. وقيل: المعنى:) لئلا تقولوا، أي: أنزلناه مباركاً لئلا تقولوا، أو: كراهية أن تقولوا. ومعنى الآية: أنها خطاب للمشركين أنه تعالى أنزل عليه كتابا مباركا، وأمرهم باتباعه، وإنما أنزله لئلا تقول قريش - ومن دان بدينها -: {إِنَّمَآ أُنزِلَ الكتاب على طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا}، وهم اليهود والنصارى، ولم ينزل علينا، ولا نعلم ما (يقرأون)، وما كنا عن دراستهم إلا غافلين، أي: ما نعلم ما هي، لأنه ليس بلساننا، فيجعلوا ذلك حجة لهم، فقطع الله
157
حجتهم بإنزال القرآن بلسانهم، فقال: {وهذا كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ} [الأنعام: 155] لئلا / (يقولوا: " إنما) أُنزِلَ الكتاب على اليهود والنصارى، ولم يَنزِل علينا شيء "، وفي هذا عذر لهم في تخلفهم عن الإيمان بالتوراة والإنجيل إذ لم ينزل عليهم ولا أرسل موسى وعيسى إليهم. وفيه بيان (أن لا) عذر لهم في التخلف عن الإيمان بالقرآن إذ محمد رسول إلى جميع الخلق، وإذ القول بلسانهم. قوله: {أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب} الآية. والمعنى: ولئلا تقولوا: {لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّآ أهدى مِنْهُمْ}، (أي) من هاتين الطائفتين: اليهود والنصارى، ثم قال لهم: {فَقَدْ جَآءَكُمْ} - أيها المشركون - {بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي: كتاب بلسانكم تعرفون ما يتلى عليكم فيه، فهو لا يغيب
158
عنكم كما غاب ((عنكم)) ما أنزل على الطائفتين ((من)) قبلكم، إذ هو بغير لسانكم، فهو حجة عليكم {وَهُدًى} أي: بيان للحق، {وَرَحْمَةٌ}: أي: لمن عمل به. وقوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ الله وَصَدَفَ عَنْهَا} أي: من أشد ظلماً منكم إذ كذبتم بآيات الله وصدفتم عنها، أي: أعرضتم فلم تؤمنوا بها. {سَنَجْزِي الذين يَصْدِفُونَ} أي: سنثيب الذين يعرضون عن {آيَاتِنَا سواء العذاب} أي: شديده، {بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ} أي: يعرضون عن آيات الله في الدنيا. قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ)} الآية. (والمعنى): هل ينظر هؤلاء المشركون {إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة}، يعني عند
الموت، تقبض أرواحهم، {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} أي: لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة، {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُءَايَاتِ رَبِّكَ} وذلك طلوع الشمس من مغربها، قاله مجاهد. ثم قال تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا} أي: إذا طلعت (الشمس) من مغربها، لم ينفع الكافر إيمانه. روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن من عليها "، فذلك حين {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إيمانها خَيْراً}. وعنه A أنه قال: " إن باب التوبة مفتوح قبل المغرب عرضُهُ مسيرة سبعين عاما، لا يزال مفتوحاً حتى تطلع من قبله الشمس "، ثم قرأ الآية.
قال عبد الله بن عمر: يمكث الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة. قال النبي عليه السلام: " وآية تلكم الليلة أن تطول كقدر ثلاث ليال " وقال ابن مسعود: بقي من الآيات أربع: " طلوع الشمس من مغربها، ودابة الأرض، والدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، والآية التي تختم بها الأعمال طلوع الشمس من مغربها ". المعنى: {أَوْ كَسَبَتْ في إيمانها خَيْراً} أي (و) عملت في تصديقها بالله عملاً صالحاً، فمن عمل - قبل الآية - خيراً قُبِل منه ما يعمله بعد الآية، ومن لم يعمل - قبل الآية - خيراً لم يُقْبَل منه ما يعمله بعد الآية. ثم قال تعالى: {قُلِ انتظروا} أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: انتظروا
159
إتيان الملائكة لقبض أرواحكم، أو يأتي ربكم لفصل القضاء بينكم، أو يأتي بعض آيات ربكم، أي: التي (أنا) منتظر لذلك معكم. قوله: {إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ (وَكَانُواْ شِيَعاً)} الآية. من قرأ (فارقوا) بألف، فمعناه تركوا دينهم / الذي أمرهم الله به، وخرجوا عنه وارتدوا. ومن قرأ (فرَّقوا)، فمعناه: تَنَصَّر بعضهم وتَهَوَّد بعضهم وَتَمَجَّس
بعضهم، وتصديق ذلك قوله: {وَكَانُواْ شِيَعاً} أي: فرقاً وأحزاباً. وقيل المعنى: آمنوا ببعضه وكفروا ببعض. قال قتادة: " هم اليهود والنصارى ". وقال مجاهد: هم اليهود. قال أبو هريرة عن النبي عليه السلام: " هم أهل البدع من هذه الأمة " وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " هم أهل الضلالة والبدع و (أهل) الشبهات من هذه (الأمة) ". وروي عنه A أنه قال: " هم الخوارج ".
160
(و) قوله: {إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى الله} نزل هذا قبل إيجاب فرض القتال ثم نسخه الأمر بالقتال في " براءة "، قال السدي وغيره. وقيل: الآية محكمة، وإنما هو خبر من الله لنبيه أن من أمته من يُحدِثُ بعده في دينه، أي يكفر. وقال ابن عباس: نزلت بمكة ونسخها: {(قَاتِلُواْ الذين) لاَ يُؤْمِنُونَ بالله} [التوبة: 29]. وقيل: المعنى: إنما أمرهم - في مجازاتهم - إلى الله فينبئهم بما كانوا يفعلون، فهي محكمة خبر من الله لنبيه. قوله: {مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} (الآية). المعنى: من جاء يوم القيامة من هؤلاء الذين فارقوا دينهم بالتوبة عماهم
عليه، فله - من الجزاء - عشرة أضعاف ما يجب له، {وَمَن جَآءَ بالسيئة} أي: (و) من وافى يوم القيامة - وهو مقيم على مفارقة دينه - فلا يجزى إلا مثل عمله {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}، وليس معنى {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}: " عشر أمثال التوبة "، إنما المعنى: فله ثواب عشر أمثالها. وقيل: المعنى: " فله عشر حسنات أمثالها "، أي: أمثال الحسنات العشر التي حسنة العامل موازنة لها، فالهاء في {أَمْثَالِهَا} ترجع على الحسنات المحذوفة، وفي حذف الهاء من عشر دليل على أن المعنى: فله عشر حسنات أمثال (حسنة)، وهو من باب حذف المنعوت وإقامة النعت مقامه إن قدرت الانفصال في (أمثالها)، أي: " أمثال لها "، وإن لم تقدر الانفصال، فهو من باب حذف المبدل منه وإقامة البدل
مقامه. وقرأ الحسن: (عَشْرٌ) منون، (أمثالُها) بالرفع على الصفة للعشر. وهي قراءة عيسى بن عمر ويعقوب. وكن حذف الهاء من (عشر) للحمل على المعنى، لأن المراد: عشر حسنات وقيل: الهاء تعود على الحسنة المذكورة والمثل المجازى به على الحسنة، هو معروف عند الله، لكنه تعالى يجازيه على
حسنته (عشرة أمثال) ذلك القدر - الذي هو معلوم عنده - جزاء على الحسنة فإنما يقع التضعيف على قدر معلوم عنده يجازي به على حسنة (حسنةً) واحدة. وقال سفيان وغيره: الحسنة هنا: لا إله إلا الله، والسيئة: الشرك، وهو قول مجاهد والقاسم وابن عباس والضحاك والحسن. وروى قتادة أن النبي عليه السلام كان يقول: " الأعمال ستة: موجبة وموجبة، ومضْعِفَة (ومضْعِفة) ومثل (ومِثْلٌ)، فأما الموجبة والموجبة: فمن لقي الله
لا يشرك به شيئاً دخل الجنة ومن لقي الله يشرك به شيئاً دخل النار / وأما المُضْعِفة (والمُضْعِفة): فنفقة الرجل المؤمن في سبيل الله سبع مائة ضعف، ونفقته على أهل بيته عشر أمثالها. وأما مِثْل (ومِثْل): فإذا هَمَّ العبد بالحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة (واحدة)، وإذا هم بسيئة فعملها كتبت عليه سيئة ". وقال أبو سعيد الخدري: هذه الآية للأعراب، وللمهاجرين سبع مائة ضعف وقال ابن عمر: هذا للإعراب، وللمهاجرين ما هو أعظم من ذلك. قال: الربيع: كانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، ويؤدون عُشر أموالهم فنزلت هذه الآية، ثم نزلت الفرائض - بعد - بصوم (رمضان) والزكاة.
161
قوله: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي ربي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} الآية. قوله: {دِيناً} نصب عند الأخفش (ب (هدَاني). وقيل: المعنى: أنه نصب بـ " عَرَّفَني ديناً ". كما تقول: " (هو يَدَعُهُ) ترْكا ". وقيل: هو بدل من (صراطٍ) على الموضع. وقيل: هو منصوب على المصدر، والمعنى: فَدِنْتُ ديناً. وقيل: المعنى: هداني فَاهْتَدَيتُ ديناً، ودل (هداني) على " اهْتَدَيْتُ ". و {مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} مثله في التقدير. وقيل: هو بدل من " دين ". وشاهد من قرأ
162
(قيّما) - بالتشديد - قوله: {ذلك الدين القيم} [التوبة: 36، يوسف: 40، الروم: 30]، و {دِينُ القيمة} [البينة: 5]، و {كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البينة: 3]، فأجمعوا على تشديد ذلك. ومن قرأ (قِيَماً) بالتخفيف، جعله مصدراً مثل: الصِّغَر والكِبَر. و {حَنِيفاً} حال من {إِبْرَاهِيمَ}: هو نصب بإضمار " أعني ". ومعنى الآية: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء العادلين: {إِنَّنِي هَدَانِي ربي}، أي: أرْشَدَني ودَلّني على الصراط المستقيم، أي: الطريق القويم، وذلك الحنيفية. قوله: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ} الآية.
روى أحمد بن صالح عن ورش أنه فتح {وَمَحْيَايَ}. وروى داود بن (أبي) طيبة وأبو الأزهر ويونس والأصبهاني عن أصحابه عن ورش بالإسكان. واختار ورش الفتح فيما روى هؤلاء عنه:
روى أبو بكر الأدفوي عن أحمد بن إبراهيم عن بكر بن سهل الدمياطي عن أبي الأزهر عبد الصَّمَدِ عن ورش أنه اختار من نفسه الفتح. ومعنى الآية: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء العادلين، {إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} أي: ذبحي، {وَمَحْيَايَ} أي: حياتي، {وَمَمَاتِي} أي: وفاتي، {لِلَّهِ} أي: ذلك كله له خالصاً. {وبذلك أُمِرْتُ} أي: أمرني ربي، {وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين} أي: أول من خضع وذل لربه.
164
وقرأ ابن (أبي) إسحاق وعيسى وعاصم الجحدري (ومحييّ) بياءٍ شديدة من غير ألف، ووجه ذلك أن ياء الإضافة يكسر ما قبلها، فلما لم يكن سبيل إلى كسر الألف، غُيِّرت الألف إلى الياء وأدغمت في الياء التي بعدها، جعل قلبها عِوضاً من تغييرها إلى الكسر. والنُّسُك هنا: الذَّبْحُ في الحج والعمرة. قوله: {قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي (رَبّاً)} الآية. (و) المعنى: {قُلْ} (يا محمد لهم): {أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبّاً}، أي: طلب رباً {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} أي: مالك كل شيء.
165
وأصل " الرب " أنه مصدر " ربه يربه (رباً)، إذا قام بصلاحه. وإنما سمي به، كما قيل: " رجل عدلٌ " و " رضىً "، فرّبٌّ الدار، معناه: مالكها، وحقيقته ذو ملكها. {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} (أي لا تجترح (إثماً إلا) عليها)، أي: لا تؤخذ نفس إلاّ بما كسبت، {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} أي: لا يؤخذ أحد بذنب آخر، كل ذي إثم معاقب بإثمه. وحقيقة / معناه: أن الله أمر نبيه عليه السلام أن يخبر المشركين أنهم مأخوذون بآثامهم، وأنّا لسنا مأخوذين بإجرامكم ولا معاقبين بها، {ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}. قوله: {وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرض} الآية. " جعل " - هنا - بمعنى " صيّر "، فلذلك تعدت إلى مفعولين. وإذا كانت بمعنى " خلق " تعدت إلى مفعول واحد.
ومعنى الآية: أنها خطاب للنبي وأمته، والمعنى: والله (الذي) جعلكم تخلفون مَن كان قبلكم من الأمم، والخلائفُ: جمع خليفة. وقيل: هذا لأمة محمد A، لأنهم آخر الأمم، قد خلفوا في الأرض مَن كان قبلهم من الأمم، ومحمد A خاتم النبيين، وقيل: سموا (خلائف)، لأن بعضهم (يخلف بعضاً) إلى قيام الساعة. {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} أي: فضَّل هذا على هذا بسعة الرزق (و) بالقُوَّة، {لِّيَبْلُوَكُمْ} أي: (ليختبركم فيما) آتاكم من ذلك، فيعلم الشاكر من غيره، والمطيع من العاصي، {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب} أي: لمن (لم) يتبع أمره و (ينته) عن نهيه. وإنما وصف عقابه بالسرعة من أجل أن الدنيا بعيدُها قريب.
{وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ} أي: غفور لمن تاب وأطاعه، و {رَّحِيمٌ} بترك عقوبته على سالف ذنوبه.
الأعراف
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأعراف مكية قوله: {المص}. قال الكسائي المعنى: هذا كتاب أنزل إليك.
وقال الفراء المعنى: الألف واللام والميم والصاد، كتاب. ويلزم الفراء أن يكون بعد هذه الحروف - أبداً - كتاب وليس الأمر كذلك، ويلزمه ألاّ تكرر. وقال ابن عباس معناه: أنا الله الملك الصادق. وعنه معناه: أنا الله أفصِلُ.
2
وَرُوِيَ عنه: أنه اسم من أسماء الله، أقسم ربنا به. وعن قتادة: هو اسم من أسماء القرآن. قوله: {وذكرى}. في موضع رفع على العطف على: {كِتَابٌ} عند الكسائي. و {كِتَابٌ} مرفوع بإضمار مبتدأ، أي: هذا كتاب.
وقيل: {ذكرى} مرفوعة على إضمار مبتدأ، وهو قول البصريين. وقيل: هو في موضع نصب على العطف على المعنى؛ لأن المعنى: كتاب أنزلناه إليك، فعطف على " الهاء " المقدرة، وهو قول الكسائي أيضاً. وقيل: نصبه على المصدر، وهو قول البصريين أيضاً. وقيل: هو في موضع خفض على العطف، على معنى {لِتُنذِرَ}؛ لأن معناه للإنذار وللذكرى. و" الهاء " في: {مِّنْهُ}، تعود على الكتاب.
وقيل: على الإنذار. وقيل: على التكذيب الذي دلَّ عليه المعنى. و {لِتُنذِرَ بِهِ}، يراد به التقديم؛ أن " اللام " متعلقة بـ: {أُنزِلَ}. ومعنى الآية: هذا يا محمد، كتاب أنزلناه إليك، {لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ}، أي: يذكرون به الآخرة، فلا يكن في صدرك ضيق منه.
قال قتادة، ومجاهد الحرج هنا: الشك، المراد به المرسل إليهم لا النبي، وهو قول ابن عباس، وغيره. وذكر الزجاج، وغيره: أن النبي، A، قال: " إني أخاف أن يثلغوا رأسي
فيجعلوه كالخبزة ". فالله أعلم نبيه، A، أنه في أمان منهم، فقال: {والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس} [المائدة: 67]. وكان منه هذا الخوف بمكة. ومن رفع " الكتاب " بإضمار مبتدأ، أجاز الوقف على {المص}. ومن رفعه بـ: {المص}، لم يقف عليها.
3
ومن رفع الكتاب بإضمار مبتدأ، أضمر للهجاء ما يرفعه، كأنه قال: هذه الحروف، هذا {كِتَابٌ}. قوله: {اتبعوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} الآية. فمعنى الآية: قل، يا محمد، [لهم]: {اتبعوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ}، وهو القرآن. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ}، أي: أمر أولياء يأمرونكم بالكفر. و" الهاء " في {دُونِهِ} للرب. وقيل: ل {مَّا}. ونصب قوله: {قَلِيلاً}، على معنى يذكركم تذكيراً قليلاً، أو وقتاً قليلاً تذكركم.
4
وفي هذه الآية، دليل على ترك اتباع الآراء مع النص. قوله: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} الآية. {كَم} في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن تكون في موضع نصب، بإضمار فعل يفسره: {أَهْلَكْنَاهَا}، ولا يقدر إلا بعدها، وهو بمنزلة: أيّهم ضربته. ومعنى الآية: أنها تحذير للكافرين، أن ينزل بهم من البأس، ما نزل بمن كان قبلهم بتكذيبهم. ومعنى الكلام: أنه إخبار عن إهلاك القرى، والمراد أهلها؛ لأن القرى إنّما هي/
بأهلها، فإذا هلكت هلك أهلها، ودل على ذلك قوله: {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ}، فرجع إلى الإخبار عن الأهل. وقيل المعنى: وكم من أهل قرية. وقوله: {أَهْلَكْنَاهَا}، ثم قال: {جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ} [الأعراف: 5]، إنما معناه أردنا إهلاكها، فجاءها البأس.
وقيل المعنى: {أَهْلَكْنَاهَا} بمنعنا إياها التوفيق إلى الطاعة، فجاءها البأس. وقيل: إن الهلاك هو البأس بعينه، ففي كل واحد معنى الآخر، وسواء بدأ بالبأس أو بالهلاك، وهو كقولك: " زرتني فأكرمتني "، إذا كانت " الزيارة " هي " الكرامة "، فسواء عليك ما قدمت أو أخرت. وقيل: الفاء هنا بمعنى الواو فلا يلزم الترتيب. و {أَوْ} هنا للإباحة. وكان يجب أن يقول: أَوْ وهم قائلون، إلا أنه إذا كان في الجملة عائد لم يُحْتَج
إلى الواو. وقد قال الفراء: " الواو " محذوفة. وقال غيره: حذفت " الواو " لئلا تجمع بين حرفي العطف، وهي: " واو الوقت " عند بعض النحويين. ولو جعل مكان {أَوْ} " الواو " لفسد المعنى؛ لأنه يصير المعنى: أن البأس جاءهم في الليل، وهم قائلون، وهذا لا يمكن؛ لأن القائلة إنما هي نصف النهار، والبيات فعل في الليل.
5
قوله: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ [إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ]}، الآية. المعنى: فما كان دعوى أهل القرية التي جاءها البأس إلا اعترافهم على أنفسهم بأنهم كانوا ظالمين. و" الدَّعْوَى " في كلام العرب، على وجهين. تكون: " الدُّعَاء "، تقول: " اللَّهُمَّ أَشْرِكْنَا فِي صَالِحِ دَعْوىَ مَنْ دعاك، قال الله: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ}، أي: دعاؤهم. وقال: {فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ} [الأنبياء: 15]، أي:
6
دعاؤهم. والوجه الآخر: الإدعاء للحق. و {دَعْوَاهُمْ} هنا، إنما قالوه حين عاينوا البأس، لا قبله ولا بعده. وذلك أن الرسل كانت تعدهم بالسطوة من الله وتخبرهم بأمارة ذلك وعلامته ليزدجروا، فلما عاينوا علامات ما أوعدوا به، أقروا بالظلم على أنفسهم. قوله: {فَلَنَسْأَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} الآية. المعنى: فلنسألن الأمم الذين أرسلت إليهم رسلي: ماذا عملت فيما بلغتها الرسل من أمري ونهيي؟ [{وَلَنَسْأَلَنَّ المرسلين}، أي]: ولنسألن الرسل: هل
بلغت وأدت ما أرسلت به. فسؤال الأمم سؤال توبيخ وتقرير، وهو عالم بما عملت، (وسؤال الرسل) سؤال تحقيق على الأمم؛ لأن الأمم قالت: {مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} [المائدة: 19] فأخبرت الرسل عند السؤال أنها قد بلغت، وأن الأمم التي أنكرت كاذبة في قولها. فسؤال الرسل، إنما هو على وجه الاستشهاد على الأمم. وسؤال [الأُمَمِ] المرسل إليهم على وجه التقرير بما عملوا، لا أنه تعالى يسأل مسترشداً مستثبتاً؛ لأن هذا صفة من لا علم عنده، بل هو لا إله إلا الله، عالم بتبليغ الرسل، وبما أجابتهم به الأمم. وهذا يدل على أن الكفار يحاسبون ويسألون.
7
قوله: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ} الآية. والمعنى: فلنخبرنَّ الرسل والمرسل إليهم بعلم يقين عما عملوا في الدنيا. قال ابن عباس معنى {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ}: أنه ينطق عليهم كتاب عملهم. {وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ}. أي: عن أعمالكم وأفعالكم. قوله: {والوزن يَوْمَئِذٍ الحق [فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ]} الآية. والمعنى: ووزن الأعمال يومئذ الحق. {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ}. أي: من كثرت حسناته. قاله مجاهد.
وقيل المعنى: فمن ثقلت موازين حسناته. وهو " ميزان " له لسان وكِفَّتَانِ، كالذي يعرفه الناس. قال عبيد بن عمير: يجعل الرجل العظيم الطويل/ في الميزان، فلا يزن جناح بعوضة. ووزن الأعمال في الميزان، هو نظير إثباتُ الله إياها في أُمِ الكتاب، واستنساخه ذلك في الكتب من غير حاجة إلى ذلك، وهو العالم بكل ذلك، وإنما فعل ذلك تعالى، ليكون
حجة على خلقه، فيحتج عليهم بما عاينوا وفهموا وعرفوا من ذنوبهم. قال تعالى: {هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29]، فكذلك وزن أعمال العباد حجة عليهم، ليعلموا التضييع الذي فعلوا، أو يفهموه عن قرب على ما عملوا. فأما وزن الأعمال وهي أعراض، فإنما يحدث الله خفة في جانب السيئات، وثقلاً في جانب الحسنات، على ما يشاء لمن أراد، كل ذلك احتجاج منه على خلقه، وتقريع لهم بما عملوا، وهذا مثل استنطاق أيديهم وأرجلهم بما عملوا في الدنيا، حجة منه عليهم، وقد تظاهرت الأخبار بذلك عن النبي A.
9
ومعنى: {[وَ] مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ}. أي: من خفت موازين أعماله الصالحة، فلم تثقل بالتوحيد لله، والإيمان برسوله. {فأولئك الذين خسروا أَنْفُسَهُم}. أي: غبنوا أنفسهم حظوظها من الثواب. {بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ}. الظلم هنا: الجحود لآيات الله. قال سلمان الفارسي: يوضع الميزان يوم القيامة، ولو وضع في كفَّته السموات والأرض لوسعتها، فتقول الملائكة: ربنا ما هذا؟ فيقول تعالى: أَزِنُ به لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: ربنا ما عبدناك حق عبادتك.
10
وقال مجاهد، " الميزان ": هنا: الحسنات والسيئات نفسها. وقيل: " الميزان ": الكتاب الذي فيه أعمال الخلق. والذي جاءت به الآثار أنه " الميزان " المعروف. {يَوْمَئِذٍ الحق}، وقف حسن. قوله: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرض}. لام {لَقَدْ} لام توكيد. روى خارجة عن نافع أنه قرأ: {مَعَايِشَ}، بالمد والهمز،
وكذلك روي عن عبد الرحمن الأعرج - ولا يجوز ذلك عند جماعة النحويين، لأن الياء أصلية، وإنما تهمز الزائدة. وروى الأصبهاني عن أصحابه عن ورش: {مَعَايِشَ} الياء ساكنة - وهو غلط؛ لأنها غير " مفاعل " والميم زائدة؛
لأنها من " العيش ". ومعنى الآية: ولقد جعلنا لكم في الأرض قراراً ومهاداً، وجعلنا لكم فيها {مَعَايِشَ} أي: ما تعيشون به. وقيل المعنى: وجعلنا (لكم) فيها ما تتوصلون به إلى المعيشة. شكراً قليلاً تشكرون على هذه النعم.
11
و {مَعَايِشَ} وقف. قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} الآية. قوله: {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}. قال الأخفش، وقطرب: {ثُمَّ} هنا بمعنى " الواو ". ومنع ذلك سائر البصريين. والمعنى عندهم فيه: ولقد ابتدأنا خلق آدم، ثم
صورناه، {ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا} له بعد تمام خلقه. ودليله قوله تعالى: {كَمَثَلِءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن [فَيَكُونُ]} [آل عمران: 59]. وقيل المعنى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} أيها الناس في ظهر آدم، {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}، يعني ذريته، في أرحام النساء في صورة آدم. قاله ابن عباس وغيره. وقال السدي المعنى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ}، أي: خلقنا آدم، {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} يعني: ذريته في الأرحام. وأخبر عن خلق آدم بلفظ الجماعة؛ لأنه الأصل/ للجميع، فكأن (خلقه)
خلق الجميع. والعرب تجعل مخاطبة الرجل لأبائه المعدومين، ومنه قول الله تعالى D: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور} [البقرة: 63]، فالخطاب لمن كان على عهد النبي A، والمراد به من تقدم من آبائهم. فكذلك هذا الخطاب للمؤمنين، والمراد به الخبر عن أبيهم آدم، صلوات الله عليه. وكذلك قال قتادة. وقال عكرمة المعنى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} أيها الناس نطفاً في أصلاب آبائكم، {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} في الأرحام.
وكذلك روى سفيان عن الأعمش أنه فسره كذلك. وقال مجاهد المعنى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} يعني: آدم، {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} في ظهر آدم. وقيل المعنى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} في بطون أمهاتكم، يعنى: النطفة والعلقة، {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} بعد ذلك في البطون.
واختار الطبري، قول من قال: (معناه): ولقد خلقنا أباكم آدم ثم صورناه. قال: لأن بعده: {ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ}، ومعلوم أن الله (تعالى) قد أمر الملائكة بالسجود لآدم (عليه السلام)، قبل أن يصور أحداً من ذريته في بطون أمهاتهم. و {ثُمَّ} للتراخي فيما بين ما بعدها وما قبلها. وقال بعض أهل النظر: إن في الكلام تقديماً وتأخيراً؛ وإن ترتيبه: ولقد خلقناكم، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، ثم صورناكم. وهذا بعيد عن النحويين؛ لأن " ثم " لا يجوز أن يراد بها التقديم على ما قبلها من الخبر. فقد أنكر هذا القول النحاس، وغيره.
وقوله: {ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ}. فعل تعالى ذلك بعد خلق آدم (عليه السلام) ابتلاء منه لهم، واختباراً لِتَتِمَّ مشيئته التي تقدمت في إبليس، فيعلم ذلك طاهراً وظهوراً يجب عليه العقاب (لهم] والثواب، فسجد جميعهم إلا إبليس. وقال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة، وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وسلطان الأرض، فعصى، فمسخه الله (سبحانه) شيطاناً رجيماً. قال ابن جريح: ومن يقل من الملائكة إني إله من دونه، لم يقله إلا إبليس
12
دعا إلى عبادة نفسه، فنزلت هذه الآية. قال قتادة: {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله [مِّن دُونِهِ]} [الأنبياء: 29]، هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس (اللعين) لما قال ما قال، لعنه الله وجعله رجيماً. قال ابن عباس: لما قتل إبليس الجن الذين عصوا الله ( D) في الأرض، وشردهم، أعجبته نفسه، فلذلك [امتنع] من السجود واستكبر على ربه [سبحانه]. قوله: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} الآية.
هذا السؤال من الله (تعالى) سؤال تقرير وتوبيخ؛ لأنه، تعالى، قد علم ذلك منه. و" لا " زائدة مُؤكَّدة. والمعنى: ما منعك أن تسجد. وقيل: إن " لا " غير زائدة وإن في الكلام حذفاً. والمعنى: [ما منعك] من السجود وأحوجك ألا تسجد؟ فحذف " أحوجك " لدلالة الكلام عليه. وهو اختيار الطبري. وقيل المعنى: (إن) المنع هنا بمعنى " القول " و " لا " غير زائدة،
والتقدير: من قال لك ألا تسجد إذ أمرتك بالسجود: ودخلت " أن " كما تدخل في كلام هو بمعنى القول، ولفظه مخالف للفظ القول كقولهم/ " ناديت أن لا تقم "، و " حلفت ألا تجلس " فلما كان المنع بمعنى القول، وليس من لفظه دخلت " أن ". وقيل: إن المنع لما كان معناه الحول بين المرء وبين ما يريده، فالممنوع مضطر إلى خلاف ما منع منه، فلما كان معنى المنع هذا، كان تقدير الكلام: ما اضطرك إلى أن لا تسجد. وقوله: {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}. هذا خبر من الله ( D) عما قال إبليس، إذ قال له الله: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ}، فقال إبليس: أنا أفضل منه؛ لأني من نار، وهو من طين، ففضل عليه كفضل النار على الطين. فجهل عدو الله الحق، وأخطأ طريق النظر، إذ كان معلوماً أن من جوهر النار الخفة والطيش والاضطراب، والارتفاع والذي في جوهرها من ذلك هو الذي حمل الملعون بعد الشقاء الذي سبق له من الله ( D) على الاستكبار. وكان معلوماً أن
من جوهر الطين الرزانة والأناة، وذلك الذي حمل (آدم [عليه السلام]) بعدما سبق له عند ربه ( D) على الندم على الذنب والتوبة منه. ولذلك كان الحسن وابن سيرين يقولان: " أول من قاس إبليس "، يعنيان أنه أخطأ في قياسه في تفضيل النار على الطين؛ وأنها أقوى من الطين. وقول إبليس: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} ليس بجواب في الظاهر لمن قال: " ما منعك أن تفعل؟ "؛ وإنما هذا جواب من قال: " أيكما خير؟ "؛ ولكنه جواب محمول على المعنى
13
لا على ظاهر السؤال؛ كأنه لما قيل له: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ}، قال: فضلي عليه أني من نار؛ وأنه من طين، فأخبر الملعون عن نفسه بخبر فيه معنى الجواب. قوله: {قَالَ فاهبط [مِنْهَا]} الآية. المعنى: قال الله ( D) لإبليس عندما صنع: {فاهبط مِنْهَا}، أي: من الجنة. {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا}. أي: ليس لك أن تستكبر في الجنة عن أمري وطاعتي. أي: لا يسكن في الجنة من يتكبر عن أمري. فأما غير الجنة فالمستكبر يسكنها، وغيره.
14
{فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين}. أي: أخرج من الجنة؛ إنك ممن نالهم الصغار، وهو: الذلة والمهانة. قوله: {قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، الآيتان. المعنى: إن إبليس علم ألا موت بعد قيام الساعة، فسأل النظرة إلى ذلك الوقت؛ ليصح له الخلود، وذلك لا سبيل لأحد إليه، فقال له [الله]: {فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين * إلى يَوْمِ الوقت المعلوم} [الحجر: 37 - 38]، وذلك اليوم هو اليوم الذي كتب الله فيه الفناء على جميع الخلائق، فلا يبقى إلا الحي الذي لا يموت. ولم يجبه الله إلى ما سأل؛ لأنه لم يقل له: {إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} إلى ما سألت، أو إلى يوم البعث. قال السدي: سأل إبليس الإنظار إلى يوم يبعثون، فلم ينظر إلى يوم البعث.
16
وأنظر إلى يوم الوقت المعلوم، [وهو] يوم ينفخ في الصور النفخة الأولى، فيعصق من في السموات ومن في الأرض فيموت. قوله: {قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي [لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ]}، الآيتان. المعنى: إن اللعين أقسم ليقعدن لهم، فجعل الإغواء قسماً له، كأنه قال: فبإغوائك إياي، لأقعدن لهم، ثم لأفعلن كذا. وقيل المعنى: إنه سأل ربه بأي شيء أغواه، قاله ابن عباس. كأنه قال: فبأي شيء أضللتني. وقيل المعنى: فبما دعوتني إلى شيء ضللت [به] من أجله.
وقيل المعنى: / فبما أهلكتني، من قولهم: " غَوِيَ الفَصيلُ " إذا هلك من فقد اللبن. وقيل المعنى: إنه على معنى المجازاة، أي: كما أغويتني أفعل كذا وكذا، وأضلهم كما أضللتني. قال النبي، A: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابنِ آدَمَ بِطَرِيقِ الإِسْلاَمِ، فقال له: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دينك ودين آبائك؟ فعصاه وأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال له: أتهاجر أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول؟ فعصاه وهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد، وهو جهاد النفس والمال، فقال: تقاتل فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال؟ فعصاه وجاهد ".
17
وقيل: {صِرَاطَكَ المستقيم}. (أي): طريقك (القويم)، وهو دين الله الحق، وهو الإسلام وشرائعه. وسمي الدين " صراطاً "؛ لأنه الطريق إلى النجاة. قوله: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ}، الآية. المعنى: {مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ}، من قبل الآخرة فأخبرهم أنه لا بعث، ولا جنة، ولا نار. {وَمِنْ خَلْفِهِمْ}: من قبل الدنيا، فأزينها في أعينهم وأخبرهم أنه لا حساب عليهم فيما يعملون. {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ}: من قبل الحق. {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ}: من قبل الباطل. قال ابن عباس: {مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ}، أشككهم في الآخرة، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ}: أُرغِّبهم في الدينا، {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ}: أشبه عليهم في أمر دينهم، {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ}: أُشَهِّي لهم
المعاصي. وقال السدي وغيره: {مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ}، أدعوهم إلى الدنيا وأرغبهم فيها، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ}: أشككهم في الآخرة، {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ}: أشككهم في الحق، {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ}: أخفف البال عندهم. وقيل: {مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ}: من قبل دنياهم، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ}: من قبل آخرتهم، {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ}: من قبل حسناتهم، {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ}: من قبل سيئاتهم، قاله: ابن جريج، وغيره. وقال مجاهد المعنى: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ}، {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} من حيث يبصرون، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ}، {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} من حيث لا يبصرون.
18
وقيل: {وَمِنْ خَلْفِهِمْ}، يخوفهم في تركاتهم، ومن يخلفون بعدهم. وقيل: {لآتِيَنَّهُمْ}، من كل جهة يعملون فيها. {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}. كان ذلك ظناً منه، فكان الأمر على ما ظن، وهو قوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} [سبأ: 20]. وقيل المعنى: {مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ}، من قبل الدِّين فألبسه عليهم، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ}: من قبل الشهوات، فأحببها إليهم في الدنيا، {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ}، من قبل الحق، فأرده باطلاً، {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ}، من قبل الباطل، فأرده في أعينهم حقاً. قوله: {قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً}، الآية.
{مَّدْحُوراً}: حال، مثل: {مَذْءُوماً}، ويجوز أن يكون نعتاً ل: {مَذْءُوماً}. وروي عن عاصم أنه قرأ " لِمَنْ تَبِعَك " بكسر اللام، والمعنى على هذا: فعل بك ذلك من أجل من تبعك. ومعنى الآية: أنها خبر من الله، بما قال لإبليس اللعين. و {مِنْهَا}: من الجنة.
ومعنى: {مَذْءُوماً مَّدْحُوراً}: معيباً. و" الذَّأمُ ": العيب. يقال: " ذَأَمَهُ ": إذا عابه، فهو مذءوم. و" الذَّأْمُ " أبلغ في العيب من الذم، يقال: ذَمَمتُهُ وذِمْتُهُ/ بمعنى واحد. قال أبو عبيدة: " ذَأَمْتُ الرجل " أشد مبالغة من: " ذَمَمْتهُ " و " المدحور ": المقصى المبعد. وعن ابن عباس {مَذْءُوماً}: ممقوتا.
19
و {مَّدْحُوراً}: مطروداً. وقاله السدي. وقوله: {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ}. هذا قسم، أقسم الله أن من اتبع إبليس، أن يملأ جهنم منهم، يعني من كفر فاتبعه وصدق ظنه. قوله: {وَيَآءَادَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ [الجنة]}، الآية. هذه الآية مذكور معناها في تفسير سورة البقرة، واختلاف الناس في الشجرة. قوله: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان}، الآية.
قرأ ابن عباس: ويحيى بن أبي كثير: " مَلِكَيْن " بكسر " اللام ". أي: من الملوك الذين في الدنيا. ومن فتح " اللام " فمعناه: من الملائكة. والمعنى: فالقى إليهما قولاً حملهاً على ركوب النهي. ومعنى {لِيُبْدِيَ لَهُمَا}،: ليظهر سوآتهما التي هي مستورة، وحلف لهما أني
ناصح لكما في أن ربكما إنما نهاكما عن أكل الشجرة، كراهة أن تكونا مَلَكَيْن، أو كراهة أن تخلدا في الجنة. ومعنى {[وَ] قَاسَمَهُمَآ}، حلف لهما، مثل طارقتُ النَّعْلَ وعاقَبْت اللص. وقال قتادة: حلف لهما بالله، وقال: أنا خُلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
{فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ}. أي: غرهما باليمين التي حلف لهما، وكان آدم، (صلوات الله [عليه])، يظن أنه لا يحلف أحد بالله كاذباً، فغره ذلك. قال ابن عباس: كانت الشجرة التي نهيا عن أكلها، السنبلة، فلما أكلا بدت سوآتهما، أي: تقلص النور الذي كان يسترهما، فصار أظفاراً في الأيدي والأرجل، وظهرت سوآتهما لهما، فعمدا يلزقان ورق التين بعضها إلى بعض، فانطلق آدم موليّا في الجنة، فأخذت برأسه شجرة من الجنة، فناداه الله: آي آدم أمني تفر؟
فقالا: لا، ولكني استحييت منك يا رب! فقال: أما كان لك فيما منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك ما حسبت أن أحداً يحلف بك كاذباً. قال ابن جبير: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله. ومعنى " وسوس ": زين وألقى، وحسس المعصية حتى أكلا. وقد تقدم ذكر دخول إبليس الجنة في فم الحية، وكانت إذ ذاك دابة لها أربع قوائم، كأنها البعير كاسية، فأعراها الله، وأزال قوائمها عقوبة لها.
و " اللام " في {لِيُبْدِيَ}: لام العاقبة، بمنزلة: {فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [القصص: 8]. ولما حملها على الأكل تقدمت حواء للأكل، وأبى آدم أن يأكل، فأكلت حواء، وقالت: يا آدم كل فإنه لم يضرني فأكل، ف: {بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا
وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة}. قال مجاهد: يعنى: يرقعانه كهيئة الثوب. ومعنى (طَفِقَا): جعلا. وأتت الأخبار عن النبي، عليه السلام، أن الله تعالى خلق آدم يوم الجمعة، ويوم الجمعة خرج من الجنة، وفيه تيب عليه، وفيه قبضه. وكان مقدار مكث آدم في الجنة خمس/ ساعات. وقيل: ثلاث ساعات. وقال ابن عباس: كان مكث آدم نصف يوم من أيام الآخرة، وخرج بين الصلاتين: الظهر والعصر. قال علي بن أبي طالب، Bهـ،: أطيب أرض بالأرض ريحاً الهند، هبط آدم بها،
فعلق شجرها من ريح الجنة. وقال ابن زيد: أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، فجاء في طلبها حتى أتى " جمعاً " فازدلفت إليه حواء، فلذلك سميت " المزدلفة "، وتعارفا بعرفات، فلذلك سميت " عرفات "، واجتمعا بِجَمْع، فلذلك سميت " جمعاً ". وأهبطت الحية بأصبهان، وإبليس بميسان. وقيل بساحل بحر الأُبُلَّة. ولما أهبط آدم إلى الأرض، أهبط على جبل يسمى: " بوذ "، وكان أطول
جبال الأرض، فكان آدم عليه السلام، رجلاه على الجبل ورأسه في السماء، فكان يسمع تسبيح الملائكة ودعاءهم، وكان (آدم) يأنس لذلك، فهابته الملائكة، فخفضه الله إلى الأرض إلى ستين ذراعاً فاستوحش، فشكا إلى الله في دعائه، فوجه إلى مكة فأنزل الله ياقوتة من الجنة، فكانت في موضع البيت فلم يزل يطاف بها حتى نزل الطوفان، فرفعت حتى بعث الله إبراهيم، فبناه. وكان أصل الطيب عند جماعة من أهل التفسير: الورق الذي طفق آدم وحواء يخصفانه على أنفسهما نزلا به إلى الدنيا. وقيل: إنه خرج ومعه صرة من حنطة. وقيل: إن جبريل أتاه بها حين استطعم، أتاه بسبع حبات فوضعها في يد آدم، فقال آدم: وما هذا؟، فقال له جبريل: هذا الذي أخرجك من الجنة، فعلمه ما يصنع به.
قال سعيد بن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، (فكان) يحرث عليه، ويمسح العرق، وهو قوله: {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى} [طه: 117]. ومعنى {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ}، (أي): خدعهما. واللام في (قوله): {لِيُبْدِيَ} هي مثل اللام في: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً}؛ لأن إبليس لم يعلم أنهما إن أَكلا من الشجرة {[بَدَتْ لَهُمَا] سَوْءَاتُهُمَا} إنما حملهما على ركوب المعصية لا غير. فكان عاقبة أمرهما لما أكلا ظهور سوءاتهما، فجاز أن يقول: فوسوس لهما ليبدي لهما لما أل أمرهما إلى ظهور سوءاتهما، كان كأنه فعل ذلك
23
بهما لتظهر سوءاتهما. قوله: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} الآية. المعنى: قال آدم وحواء: ربنا قد ظلمنا أنفسنا، أي: تعدينا أمرك فأكلنا ما نهيتنا عنه {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا} خطيئتنا وتسترها علينا، {وَتَرْحَمْنَا} أي: تعطف علينا {لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين}. قوله: {قَالَ اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} الآية. هذا أمر لآدم، وحواء، وإبليس، والحية. وقيل: هو لآدم وذريته وإبليس وذريته، قاله مجاهد.
{وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ}. أي: قرار تستقرون به. قال ابن عباس: هو القبور. (ومعنى): {وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ}، أي: متاع تستمتعون به إلى انقطاع آجالكم.
25
وقيل: " الحين " هنا، قيام الساعة. قوله: {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} (الآية). المعنى: إنه تعالى أعلم من أهبط، أن في الأرض يحيون ما بقي من أعمارهم، {وَفِيهَا تَمُوتُونَ}، ومنها يخرجون في البعث. قوله: {يابنيءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً} الآية. قوله: {قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً}، واللباس هو: الثياب، وهي/ غير منزلة، لكن لما كان حدوث الثياب من الكتان والقطن، والكتان والقطن إنما يكونان عن النبات بالماء، فالماء (هو) المنزل، فسمى ما يحدث عنه منزلاً أيضاً؛ لأنه عنه كان، وبه تم، ونما ونبت، وهذا يسمى: " التدريج ": لأن الثياب عن الماء اندرجت.
قوله: {وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ}. من نصب " لباساً " عطفه على ما قبله، أي: وأنزلنا لباس التقوى، ويكون الوقف على {التقوى}، و: {ذلك}: مبتدأ، و: {خَيْرٌ} خبره. و: {ذلك} إشارة إلى ما تقدم مما أخبر أنه أنزل، فمعناه: ذلك الذي أنزلنا خير من كشف العورة والتجرد في الطواف. ومن قرأ بالرفع، جعله مبتدأ، و: {ذلك} نعت له، و: {خَيْرٌ} خبر الابتداء.
والمعنى: ولباس التقوى ذلك [الذي علمتموه] خير من لباس الثياب والزينة. ويكون التمام: {وَرِيشاً}. قال المبرد: من قرأ بالنصب، احتمل أن يكون {ذلك} إشارة إلى اللباس خاصة، وأن يكون إشارة إلى ما تقدم، ويكون في الوجهين في موضوع رفع. ومعنى الآية: إن العرب كانت تتعرى في الطواف اتباعاً لأمر الشيطان في سلبهم من ستر الله تعالى. ويعني بقوله: {أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً}، أي خلقناه لكم وعلمناكم كيف تعملونه،
وهو ما يستتر به من الثياب. {يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ}. (أي): يستر عوراتكم. وسميت العورة " سوأة "؛ لأن صاحبها يسوءه انكشافها من جسده. وقوله: {وَرِيشاً}. قرأ المفضل عن عاصم، والحسن [وحسين] الجعفي عن أبي عمرو:
" ورياشاً " بألف. قال الفراء: الرياش: جمع ريش، كذِئْب وذِئَاب، وبِئْر وبِئَار. ويجوز أن يكون [رياش ك:] " ريش " كما يقال: لِبْسٌ ولِبَاس فيكونان مصدرين كاللِّبس واللِّباس. و: " الريش " و: " الرياش ": ما ظهر من اللباس والشارة. وقيل: الرياش: الأثاث.
وقد يستعمل " الرياش " في الخصب ورفاهة العيش. وقيل: الرياش: المعاش. وقال مجاهد: " الرياش "، المال. وقال ابن زيد: " الرياش ": الجمال. وقال الضحاك: " الرياش " المال. وقد (روي) عن ابن عباس ذلك.
وقوله: {وَلِبَاسُ التقوى}. فقال قتادة، والسدي، وابن جريج: هو الإيمان. وقيل: هو الحياء. وقال ابن عباس: هو العمل الصالح. وعن ابن عباس أيضاً: هو السَّمت الحسن في الوجه. وكذلك روي عن عثمان، Bهـ، أنه فسرها على المنبر كذلك.
وقال عروة بن الزبير: هو الخشية لله، ( D) . وقال ابن زيد: هو ستر العورة. وقيل هو: لبس الصوف، والخشن من الثياب، مما يتواضع به لله، ( D) . وقيل: هو استشعار النفوس تقوى الله ( D) في ما أمر به، ونهى
عنه. وهو اختيار الطبري. وقال يحيى بن يحيى: {وَلِبَاسُ التقوى}: الخشوع، والوقار، وحسن الَسّمْت، مع العمل بما يشبه ذلك، رواه عنه ابن حبيب. واختار المبرد، والطبري قراءة النصب؛ لأنه كله توبيخ للمشركين في تعريهم وكشفهم سوآتهم طاعة منهم لإبليس، ليفعل بهم ما فعل بأبيهم آدم
27
(عليه السلام)، في الجنة، وبحواء، / إذ خدعهما حتى بدت لهما سوآتهما. ودل على ذلك ما بعده، من قوله: {يابنيءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان} [الأعراف: 27] الآية، وما بعدها من الآيات. وقوله: {ذلك مِنْ آيَاتِ الله}. أي: ذلك الذي أنزلته عليكم، من مصالحكم آية، وحجة عليكم لعلكم تذكرون نعمه وآياته. قوله: {يابنيءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان}، الآية. هذه الآية تحذير من الله ( D) لبني آدم ألا يخدعهم الشيطان كما فعل بآدم وحواء عليهم السلام. قال ابن عباس: كان لباسهما الظفر فنزع ذلك عنهما، وتركت الأظفار تذكرة وزينة.
وقال عكرمة: أدركت آدمَ التوبةُ عند ظفره، وكان لباسه الظفر. وقال مجاهد {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا}، التقوى. قوله: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ}، أي: الشيطان. {وَقَبِيلُهُ}، جيله. وقال ابن زيد: نسله.
وقيل: جنوده وأصحابه. روي: أن الله، جل ذكره جعلهم يجرون من بني آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصمه [الله]، ( D) . قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}. أي: نصراء للكافرين على كفرهم، يزيدونهم في غيهم عقوبة لهم على كفرهم، كما قال: {[أَلَمْ تَرَ أَنَّآ] أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين تَؤُزُّهُمْ [أَزّاً]} [مريم: 83]، أي: تحملهم على المعاصي حملاً شديداً، وتزعجهم إلى الغي.
28
وقرأ أبو عمرو (إنه يريَكم)، بالفتح. قوله: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} الآية. الفاحشة في هذا الموضع: طوافهم عراة. وكانت المرأة تطوف ليس عليها غير الرِّهاط، والرِّهاط جمع رَهْط، وهي: خرقة من صوف.
29
يقولون: نطوف كما ولدتنا أمنا عراة، [وإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: نطوف كما ولدتنا أمنا] وعلى ذلك وجدنا آباءنا والله أمرنا بها. ثم قال تعالى: {قُلْ} يا محمد،: {إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشآء}، أي: لا يأمر خلقه بقبائح الأمور: {أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. {بالفحشآء} وقف. {بِهَا} وقف. قوله: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بالقسط} الآية. المعنى: قل، يا محمد لهم: {أَمَرَ رَبِّي بالقسط}، أي: بالعدل. {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}.
أي: وجهوا وجوهكم عند كل مسجد إلى الكعبة، وحيثما صليتم إليها. وقيل معناه: اجعلوا سجودكم لله ( D) . وقيل: المعنى إذا أدركتك الصلاة وأنت عند مسجد، فصل فيه، ولا تقل: أُؤْخر حتى آتي مسجد قومي. وهذا عطف محمول على المعنى؛ لأن معنى {أَمَرَ رَبِّي بالقسط}،: يقول لكم [ربي] أقسطوا وأقيموا وجوهكم، [فعطف أقيموا وجوهكم]، على أقسطوا، الذي في المعنى لا في اللفظ.
{وادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين}. أي: الطاعة. ثم قال تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}. هذا احتجاج عليهم إذ أنكروا قوله: {فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} [الأعراف: 25]، وهو متصل به ومعناه: ليس بعثكم أشد من ابتدائكم. ومعنى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}، أي: كما بدأكم أشقياء وسعداء، كذلك تبعثون يوم القيامة، كما قال: {[هُوَ الذي] خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} [التغابن: 2]، وقال بعده: {فَرِيقاً هدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة}، وهو قول مجاهد،
قال: من بدأه سعيداً بعثه يوم القيامة سعيداً، ومن بدأه شقياً بعثه يوم/ القيامة شقياً. وعن مجاهد أيضاً أنه قال: كما خلقكم تكونون كفاراً ومؤمنين. وعن ابن عباس نحوه. فلا تقف على هذا القول إلا على: {الضلالة}، لا تقف على: {تَعُودُونَ}؛ لأن {فَرِيقاً}، {وَفَرِيقاً} حالان.
وقيل: المعنى: كما خلقكم، ولم تكونوا شيئاً، كذلك تعودون بعد الفناء، أي: كما خلقكم، كذلك يبعثكم بعد موتكم، وهو قول الحسن وقتادة. فتقف على هذا على {تَعُودُونَ}. ثم قال: {إِنَّهُمُ اتخذوا الشياطين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الله وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}، أي: على هدى.
31
وقال الأخفش وأبو حاتم: {كَمَا بَدَأَكُمْ} تمام. وقيل: {تَعُودُونَ} التمام. ومن قال معنى الآية: كما خلقكم أشقياء وسعداء {تَعُودُونَ}، لم يقف إلا على: {الضلالة}، وهو قول الكسائي. قوله: {يابنيءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ} الآية. هذا خطاب لهؤلاء القوم الذين كانوا يتعرون في الطواف، فأمروا بالكسوة
{عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}. قال السدي: " الزينة "، ما يواري العورة، قال: وكانوا يحرمون الودك ما أقاموا بالموسم، فقال لهم الله ( D) : { وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا}، أي: في التحريم. وقال ابن زيد: {[وَ] لاَ تسرفوا}: لا تأكلوا حراماً. [و] قال علي Bهـ: ليس في الطعام سرف.
قال ابن عيينة: ليس في الحلال سرف؛ إنما السرف في ارتكاب المعاصي. (والإسراف أن يأكل ما لا يحل أكله مما حرم الله، D، أن يؤكل منه شيء، أو تأكل مما أحل لك فوق القصد ومقدار الحاجة، فأعلم الله، D، أنه لا يحب من أسرف، ومن لم يحببه الله، D، فهو في النار، نعوذ بالله من النار). وروى قتادة عن أنس أن النبي A، " قال في قوله [تعالى]: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، قال: صلوا في النعال ". فستر العورة فرض بهذه الآية على أبصار جميع الناظرين، إلا الأزواج، أو ما ملكت الأيمان.
32
وقيل معنى: {وَلاَ تسرفوا}، [أي]: لا تحرموا الحلال، كما حرم أهل الجاهلية البحيرة، والسائبة، وغير ذلك. قوله {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله} الآية. والمعنى: {قُلْ} يا محمد، لهؤلاء الذين يتعرون في الطواف، ويحرمون ما لم يحرم الله من طيبات رزقه: {مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله}، أي: اللباس الذي يزين الإنسان بأن يستر عورته، ومن حرم {وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق}، المباحة.
وقيل: عنى بذلك ما كانت الجاهلية تحرمه من السوائب والبحائر. قاله قتادة. وقال ابن عباس كانت الجاهلية تحرم على أنفسها أشياء أحلها الله (سبحانه) من الرزق، وهو قول الله ( D) : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ} [يونس: 59] الآية. ثم قال تعالى: {قُلْ}، (لهم) يا محمد {هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا خَالِصَةً (يَوْمَ القيامة)}. المعنى، قل لهؤلاء: هذه الطيبات للذين آمنوا في الحياة الدنيا، مثل ما هي للكفار خالصة يوم القيامة للمؤمنين، لا يَشْرَكُهم فيها كافر.
قاله السدي، وغيره. ووقع الجواب في هذا على المعنى، / كأنهم قالوا: [هي لنا، ما حرمها أحد، فقل لهم: {هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية. وقيل المعنى: [قل]: هي {خَالِصَةً يَوْمَ القيامة} لمن آمن بي في الحياة الدنيا. وذلك
33
أن الزينة في الدنيا لكل بني آدم، ثم جعلها الله (تعالى) خالصة للمؤمنين في الآخرة. قاله قتادة، وابن عباس، وغيرهما. قوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش} الآية. المعنى {قُلْ} لهم، يا محمد: إن ربي لم يحرم عليكم ما حرمتم على أنفسكم، إنما حرم عليكم الفواحش، الظاهر منا والباطن، والشرك بالله (سبحانه) ما ليس معكم به حجة، وقولكم على الله ما لا تعملون، وحرم عليكم الإثم والبغَي بغير الحق. والفواحش: القبائح. قال مجاهد: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا}: نكاح الأمهات، {وَمَا بَطَنَ}: الزنا. وقيل: {مَا ظَهَرَ}: الطواف عرياناً، {وَمَا بَطَنَ} الزنا.
{والإثم}: المعصية. {والبغي}: الاستطالة على الناس. قال السدي: {البغي}، أن يبغي على الناس بغير الحق. وأصل البغي: التجاوز في الظلم. وقد قيل: إن {الإثم}، الخمر، وهو قول غير معروف، لكن هذه الآية تدل
34
على نص تحريم الخمر؛ لأن الله (تعالى) قد أخبرنا، أن في الخمر إثماً، فقال: {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة: 219]، وحرم الله اكتساب الإثم في هذه الآية. قوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} الآية. [الأمة]: الجماعة.
35
والمعنى: ولكل جماعة اجتمعت على تكذيب رسل الله، [سبحانه]، وقت لحلول العقاب بها، فإذا جاء الوقت، {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}. قوله: {يابنيءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ} الآية. آدم مشتق من أَدَمَة الأرض، وهو وجهها. قال وهب بن مُنَبِّه في التوراة: إني خلقت آدم، ركبت جسده من أربعة أشياء ثم جعلها وارثهُ في ولده، تنمى في أجسادهم، وينمون عليها إلى يوم القيامة، رطب
ويابس وسخن وبارد، وذلك لأني خلقته من تراب وماء وجعلت فيه نفساً وروحاً، فيبوسة جسده من قبل التراب، ورطوبته من قبل الماء، وحرارته من قبل النفس، وبرودته من قبل الروح، ثم خلقت (في) الجسد بعد الخلق الأول أربعة أنواع من الخلق أخرى، وهي مِلاك الجسد وقوامه، لا يقوم الجسد إلا بهذا، ولا تقوم واحدة إلا بأخرى: المرة السوداء، والمرة الصفراء، والدم، والبلغم. ثم أسكنت بعض هذا الخلق في بعض، جعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء، ومسكن الرطوبة في الدم، ومسكن البرودة في البلغم، ومسكن الحرارة في المرة الصفراء، فأيما بدن اعتدلت به هذا اللفظ الأربع، وكانت كل واحدة منهن فيه ربعاً لا تزيد ولا تنقص، كملت صحته واعتدلت بنيته، فإن زادت واحدة منهن عليهن قهرتهن، ومالت بهن، دخل على أخواتها السقم من ناحيتها بقدر ما زادت، وإن كانت ناقصة ملن بها وعلونها، وأدخلن عليها السقم من نواحيهن. قال وهب: وجعل عقله في دماغه، وتمييزه في
كليتيه، وغضبه في كبده، ومدامته في قلبه، ورغبته في رئته، وضحكه في طحاله، وحزنه وفرحه في وجهه، وجعل فيه ثلاث مائة وستين مفصلاً. ومعنى الآية: أنها تعريف من الله، تعالى، ما لمن آمن بالرسل وأطاع، وما لمن كفر وعصى، فقال: {يابنيءَادَمَ/ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ}، أي: من أنفسكم، {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي}، أي: يتلون، {فَمَنِ اتقى وَأَصْلَحَ}، أي: آمن، وأصلح أعماله، {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}، يوم القيامة، ولا حزن يلحقهم على ما
36
فاتهم من دنياهم، التي تركوها. قال: {والذين كَذَّبُواْ}، أي: بالرسل، وكذبوهم فيما جاؤا به، {أولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون}، أي: ماكثون، لا يخرجون منها أبداً. **************قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً} الآية. المعنى: فمن أخطأ فعلاً، {مِمَّنِ افترى}، [أي]: اختلف على الله الكذب، فقال إذا فعل فاحشة: الله أمرنا بها. {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ}، أي: بعلاماته الدالة على وحدانيته، ونبوة أنبيائه. {أولئك يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب}، أي: حظهم مما كتب لهم من العذاب وغيره في اللوح المحفوظ. قال السدي: هو ما كتب لهم من العذاب.
وكذلك قال الحسن، وغيره. وقال ابن جبير: ما هو سبق لهم من الشقوة والسعادة. وكذلك قال مجاهد، وقال ابن عباس. [وعن ابن عباس]. أيضاً: إن المعنى ينالهم نصيبهم مما كتب عليهم من أعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
وقال قتادة المعنى: ينالهم في الآخرة نصيهم من أعمالهم التي عملوها في الدنيا. وقيل المعنى: {يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب} الذي كتبه الله D، على من افتى عليه. وعن ابن عباس أنه قال: {يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم}، هو ما قد كتب لمن يفترى على الله أن وجهه مسود. وقال القرظي المعنى إن: {نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب} هو رزقه، وعمله، وعمره.
وكذلك قال الربيع بن أنس. وكذلك قال ابن زيد. وقيل: المعنى: {يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب}، هو ما كتب عليهم من سواد الوجوه، وزرقة الأعين، قال تعالى: {وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} [الزمر: 60]. وقيل: (المعنى)، هو ما ينالهم في الدنيا من العذاب، دون عذاب الآخرة، من قوله: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العذاب الأدنى [دُونَ العذاب الأكبر]} [السجدة: 21]، الآية.
وكان الطبري يختار أن يكون المعنى: إنه ما كتب لهم في الدنيا، من خير وشر، ورزق وعمل وأجل، قال: ألا ترى أنه تعالى أتبع ذلك بقوله: {حتى إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ}، فأخبر بآخر أمرهم بعدما نالهم من: {نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب}، وهو الرزق، والعمر، والأجل، والخير والشر. وقيل: المعنى، إنه قوله تعالى: {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى} [الليل: 14]، وقوله: {يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً} [الجن: 17] هذا {نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب}، وهو ينالهم في الآخرة، ومثله: {إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ والسلاسل} [غافر: 71]، ومثله: {فِي الدرك الأسفل مِنَ النار} [النساء: 145]، هذا وشبهه من: {حتى إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ}، الذي ينالهم في الآخرة. وقوله: {نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب}. قال الحسن: هذه وفاة إلى النار. فيقول لهم الرسل: {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله}، هذا/ كله في الآخرة، فيشهدون على أنفسهم بالكفر حينئذ. وقيل المعنى: إن هؤلاء المفترين ينالهم ما كتب لهم في الدنيا إلى أن يأتيهم
38
{رُسُلُنَا}، يعني: ملك الموت وجنوده {يَتَوَفَّوْنَهُمْ}، أي: يستوفون عددهم من الدنيا إلى الآخرة، {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ}، أي: قالت الرسل للكفار: أين الذين كنتم تدعونهم من دون الله وتعبدونهم يدفعون عنكم الآن ما جاءكم من أمر الله ( D) ؟ { قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا}، أي: جاروا، وأخذوا غير طريقنا وتركونا عند حاجتنا إليهم. ثم قال الله (تعالى): {وَشَهِدُواْ على أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ}، أي: عند الموت. قوله: {قَالَ ادخلوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ} الآية. قرأ الأعمش: " (حَتَّى) إشَّا تَدَارَكُواْ (فِيهَا) "، على الأصل، على تفاعلوا.
وقرأ مجاهد: أدَّرَكوا، أي: أدرك بعضهم بعضاً، وأصله: افتعلوا. والمعنى: إنها خبر من الله (تعالى)، عما يقول لهؤلاء المفترين المكذبين بالقرآن يقول لهم: {ادخلوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ}، أي في الجماعة من أجناسكم، {قَدْ خَلَتْ} في النار، {مِّن الجن والإنس}. وقيل: معنى {في أُمَمٍ}، أي: مع أمم. وقوله: {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا}. أي: كلما دخلت جماعة النار شتمت الجماعة الأخرى التي من أهل ملتها. وعني بـ " الأخت " هنا: الأخوة في الدين والملة.
39
قال السدي: يلعن المشركون [المشركين]، واليهود اليهود، والنصارى النصارى. وكذلك أهل كل ملة تلعن الجماعة، من أهل دينها التي دخلت النار قبلها. وقوله: {حتى إِذَا اداركوا فِيهَا}. أي: أدرك الآخر الأول في النار، واجتمعوا، {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ}، أي: الجماعة الآخرة {لأُولاَهُمْ} للجماعة الأولى من أهل دينها، الذين أضلوا من كان بعدهم؛ لأن الأول أضل الآخر {رَبَّنَا هؤلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النار}. قال السدي: {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ}، الذين كانوا في آخر الزمان، {لأُولاَهُمْ}، للذين شرعوا لهم الدين. ثم أخبرنا الله (تعالى)، عما هو قائل لهم، بأن قال: {لِكُلٍّ ضِعْفٌ}، أي:
للأولى والآخرة {ضِعْفٌ} من النار، أي: يكون عليكم العذاب، {ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ}، أي: ولكنكم لا تعلمون قدر ما أعد الله لكم من العذاب، فلذلك تسألون الضعف. وهذا على المخاطبة لهم. ومن قرأ " بالياء "، فعلى الإخبار عنهم أنهم لا يعلمون قدر العذاب. [وقيل: إن معنى قراءة " التاء "، ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ما هم فيه من العذاب]. وقيل: معنى قراءة " الياء ": ولكن لا يعلم كل فريق منهم مقدار عذاب الآخرة. ومعنى " التاء ": ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق منكم من
العذاب. ثم أخبر الله، عن قول الأولى للآخرة فقال: {وَقَالَتْ أُولاَهُمْ}، أي: أولى كل أمة، {لأُخْرَاهُمْ}، أي: من بعدهم [وزمان]، آخر فسلكوا سبيلهم {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ}، أي: قد علمتم أنا كفرنا وكفرتم بهما جاءنا وإياكم به الرسل والنذر، فنحن وإياكم سواء، قد أضللناكم وأضللتم. [وقال مجاهد: {مِن فَضْلٍ}، من التخفيف من العذاب، فهو كقوله: {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ}]. ثم قال الله (تعالى) لجميعهم: {فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ} في الدنيا، {تَكْسِبُونَ}
40
، من الآثام والمعاصي. {فِي النار}، تمام. قوله: {إِنَّ الذين كَذَّبُواْ بآياتنا واستكبروا عَنْهَا}، الآية. المعنى: إن الذين كذبوا بآيات الله وتكبروا عن الإيمان بها، {لاَ تُفَتَّحُ}، لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم، {أَبْوَابُ السمآء}، ولا يصعد لهم في حياتهم [إلى الله] قول ولا عمل، قاله ابن عباس. وقال أبو موسى/ الأشعري في قوله: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السمآء} إن روح المؤمن تخرج وريحها أطيب من ريح المسك فتصعد بها الملائكة الذين يتوفونها، فتتلقاهم ملائكة آخرون دون سماء الدنيا فيقولون: من هذا؟ فيقولون: هذا فلان كان يعمل كيت كيت، وتذكر محاسن عمله: فيقولون مرحباً بكم وبه فيقبضونه،
ويصعدون به من بابه الذي كان يعصد منه عمله، فيشرق في السموات حتى ينتهي إلى العرش، وله برهان كبرهان الشمس، ويخرج روح الكافر أنتن من الجيفة، فتصعد به الملائكة الذين يتوفونه فتتلقاهم ملائكة آخرون من دون السماء فيقولون: من هذا؟ [فيقولون: هذا] فلان بن فلان، كان يعمل كيت وكيت، تذكر مساوئ عمله، فيقولون: لا مرحباً به ردوه، قال فيرد إلى واد يقال له برهوت، أسفل الثرى، من الأرضين السبع. وعن ابن عباس نحوه. وروى البراء بن عازب: " أن النبي، عليه السلام، ذكر عذاب القبر في حديث طويل، فقال فيه: إن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، أتاه ملك الموت فينزع نفسه، كما ينزع الصوف المبلول من السُّفُود، فتأخذها الملائكة فيصعدون بها، فتستفح لها أبواب السماء فلا تفتح لها، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه (وسلم)،:
{لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السمآء}، الآية. فيقول لهِم (الله)، الآية. فيقول لهِم (الله)، تبارك وتعالى،: اكتبوا كتابه في سجين، وأعيدوه إلى الأرض. قال: فيطرح روحه طرحاً [قال:] ثم قرأ رسول الله A: { وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء}، الآية ". وقال السدي: إن الكافر إذا أُخذ روحه، ضربته ملائكة الأرض حتى يرتفع إلى السماء، فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء فهبط إلى أسفل الأرضين. وإذا كان مؤمناً رفع روحه، وفتحت له أبواب السماء فلا يمر بملك إلا حياه وسلم عليه، حتى ينتهي إلى الله، فيعطيه حاجته، ثم يقول: ردوا روح عبدي فيه إلى الأرض، فإني قضيت من التراب خلقته، وإلى الترب يعود، ومنه يخرج. وقال ابن جبير، معناه: لا يرفع لهم عمل ولا دعاء. وأكثرهم على أن المعنى: {لاَ تُفَتَّحُ} أي: لأرواحهم ولا لأعمالهم.
وقيل: المعنى لا تفتح لهم أبواب الجنة؛ لأن الجنة في السماء، ودل على ذلك قوله: {وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة}. بعقبة. وقوله: {حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط}. أي: لا يدخل هؤلاء المكذبون الجنة حتى يدخل {الجمل}: زوج الناقة، في ثقب الإبرة، وهو لا يدخلها أبداً، وكذلك هؤلاء لا يدخلون الجنة أبداً. وكل ثقب في عين أو أنف أو أذن أو غير ذلك. فالعرب تسميه " سَمّاً " و " سُمّاً "، بفتح السين وضمها، وجمعه " سُمُوم " وجمع السم القاتل " سِمَامٌ ". وقرأ ابن سيرين " في سُمِ الْخِيَاطِ " بضم السين.
وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وابن جبير: " الجُمَّل " بضم " الجِيم " وتشديد " الميم "، وهو حبل السفينة الغليظ. وقيل: هو الحبل الذي يصعد به في النخل. [وعن سعيد بن جبير] أنه قرأ " الجُمَل " بضم [الجيم] والتخفيف جعله جمع " جُمْلةٍ " من الحبال، ك " ظُلْمَةٍ " و " ظُلَمٍ ". ومن شدَّد فهو اسم واحد، وهو الحبل الغليظ.
41
وقرأ أحمد بن يحيى " الجُمَّل "، وهو جمع " جملة "، وهي الحبال المجموعة. فالمعنى: لا يدخلون الجنة حتى يدخل هذا الحبل الغليظ في ثقب الإبرة، فكما (أنه) لا يدخل في ثقب الإبرة، (كذلك هؤلاء لا يدخلون الجنة) أبداً. ثم قال تعالى: {وكذلك نَجْزِي المجرمين}، / نثيبهم بما اكتسبوا في الدنيا. ثم قال: {لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ}. . . أي: لهم ما يقعد ويضطجع عليه كالفراش والبساط. {وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ}.
42
وهي اللحف تتغشاهم من فوقهم وهي جمع " غاشية "، ومعنى الكلام: لهم من نار جهنم مهاد {وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ}، فهم بين ذلك. {وكذلك نَجْزِي الظالمين}. أي: نثيب من ظلم نفسه، وأكسبها من عذاب الله ما لا قبل لها به. {فِي سَمِّ الخياط}، وفق. و {غَوَاشٍ}، وقف. قوله: {والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات}، الآية. المعنى: والذين صدقوا بئايت الله ورسله، {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً}، من الأعمال إلا طاقتها، {أولئك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، وفي الكلام تقديم وتأخير مفهوم. وقوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}، الآية. روي أن النبي، A، قال: " الغل على أبواب الجنة كمبارك الإبل، قد نزعه
الله D، من قلوب المؤمنين ". والمعنى: وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين تقدمت صفتهم، ما في صدورهم من حقد وعداوة، كانت من بعضهم لبعض في الدنيا، وأُدخلوا الجنة {إخوانا على سُرُرٍ متقابلين} [الحجر: 47]، لا يحسد بعضهم بعضاً على شيء. قال قتادة: قال علي: إني لأرجوا أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير، من الذين قال الله [فيهم] {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}. قال السدي: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فيشربون من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل، فهو " الشراب الطهور " الذي ذكره الله في قوله: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} [الإنسان: 21]. واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبداً.
قوله: {وَقَالُواْ الحمد للَّهِ}. أي: قالوا ذلك حين رأوا ما أكرمهم الله به من جنته، وما صرف عنهم من نقمته. روى [أبو سعيد] الخدري ع النبي، A، أنه قال: " كل أهل النار يرى منزله من الجنة، فيقول: " لو هدانا الله " فيكون عليهم حسرة. وكل أهل الجنة يرى منزله من النار، فيقولون: " لولا أن هدانا الله "! [فهذا] شكرهم. وقوله: {ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة}، (الآية).
اعترض بعض الملحدين بهذه الآية على حديث النبي، عليه السلام، في قوله: " لا يدخل الجنة أحد بعمله، وإنما يدخلها برحمة الله " هذا غلط منهم؛ لأن رحمة الله لا تدرك إلا بالعمل الصالح. وإذا كانت الرحمة لا تدرك إلا بالعمل الصالح فالعمل الصالح الذي يدرك الرحمة يدخل الجنة. ويجوز أن يكون معنى: {أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، يعني المنازل في الجنة، فيكون الدخول برحمة الله، كما قال النبي، عليه السلام،: " والمنازل بالأعمال "
فيصح الحديث، والآية على ظاهرها. وقوله: {أُورِثْتُمُوهَا}، وقوله: {ونودوا}، فعلان منتظران، ولفظهما لفظ ما قد مضى، وذلك حسن في آخبار الله؛ لأنها كالكائنة لصدق المخبر بها، ونفوذ القضاء، والحتم (بها) من الله. قال السدي: ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل، فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار [ودخلوا منازلهم]، رفعت الجنة لأهل النار، فنظروا إلى منازلهم منها، فقيل لهم: " هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ". ثم يقال: يا أهل الجنة {أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، يعني منازل أهل النار وَرِثُوهَا بعملهم فيقتسمونها. وعن أبي سعيد الخدري قال: ينادي مناد: إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً،
وأن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً. وقيل: معنى: {[و] نودوا}: قيل لهم: وذلك حين رأوها قبل أن يدخلوها، قيل: لهم: {تِلْكُمُ الجنة}. / وقال علي: رضي لله عنه: يدخلون الجنة فإذا شجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فيغتسلون من إحداهما، فتجرى عليهم نضرة النعيم، فلا تشعث أشعارهم، ولا تغير أبشارهم، ويشربون من الأخرى، فيخرج كل أذى وقذر وبأس في بطونهم، ثم يفتح لهم باب الجنة، فيقال لهم: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خَالِدِينَ} [الزمر: 73]. قال: فيَستقبلهم الولدان، فيحفون بهم كما يحف الولدان بالحميم إذا جاء من غيبته. ثم
يأتون فيبشرون أزواجهم فيسمونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم. فيقلن: أنت رأيته! قال: ويستخفهن الفرح، [قال:] فيجئن حتى يقفن على أُسْكُفَّةِ الباب [قال]: فيجيئون فيدخلون، فأذا أسُّ بيوتهم جندل اللؤلؤ، وإذا سرج صفر وخضر وحمر من كل لون، وسرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، فلولا أن الله قدرها لهم لالتُمعت أبصارهم مما يرون فيها. فيعانقون الأوزاج، ويصعدون على السرر، ويقولون: {الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهذا}، أي: هدانا للإيمان، {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله}، أي: الحمد لله الذي هدانا، إلى هذا وهو الإسلام.
44
وقيل المعنى: الحمد لله الذي هدانا إلى الجنة. {لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق}. أي: جاءتنا في الدنيا بالحق عن الله. قوله: {ونادى أَصْحَابُ الجنة أَصْحَابَ النار}، الآية. المعنى: ونادى أهل الجنة أهل النار بعد الدخول: يا أهل النار، قد وجدنا ما وعدنا ربنا في الدنيا على ألسنة الرسل (حقاً، من الثواب، والنعيم والكرامة، فهل وجدتم ما وعدكم في الدنيا على ألسنة الرسل) من العقاب والثواب حقاً؟ فأجاب أهل النار: نعم، قد وجدنا ذلك حقاً، {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ [الله] عَلَى الظالمين}. تَمَّ الإخبار عما يكون يوم القيامة. ثم ابتدأ بصفة من استحق هذه اللعنة، فأخبر بصفتهم في الدنيا، فقال: {الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله}، إلى {كَافِرُونَ}، فهما قصتان، إحداهما في الآخرة.
والأخرى في الدنيا، اتصلتا. {الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً. أي: حاولوا أن يغيروها، ويبدلوها عما جعلها الله (عليه) من استقامتها. {وَهُمْ بالآخرة}. أي: بالبعث. {كَافِرُونَ}. أي: جاحدون. والعربتقول للميل في الطريق والدين " عِوَجٌ " بالكسر، وفي ميل الرجل على الشيء وهو العطف عليه: " عَاجَ إليه يَعُوج عِيَاجاً وَعَوَجاً وعِوَجاً "، بكسر العين وفتحه. وما كان خلقه في الإنسان، فإنه يقال فيه: " الَعَوج " بالفتح، يقال: " ما أبين
46
عَوَجَ سَاقِهِ "، بفتح العين. قوله: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ [وَعَلَى الأعراف رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ]} (الآية). والمعنى: وبين الجنة والنار {حِجَابٌ}، أي: حاجز، وهو السور الذي ذكره الله [ D] فقال: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ} [الحديد: 13]، وهو: الأعراف. قال مجاهد: " الأَعْرَافُ، حجاب بين الجنة والنار. قال السدي: الحجاب، وهو السور وهو: الأعراف. و" الأَعْرَافُ ": جمع، واحدها: عُرْف، وكل مرتفع من الأرض فهو: عُرْفٌ. وقيل لعرف الديك: عرف لارتفاعه.
وقال السدي: إنما سمي " الأَعْرَافُ " أعرافاً؛ لأن أصحابه يعرفون الناس. وقال ابن عباس: هو جسر بين الجنة والنار، عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار. وذكر الشعبي عن حذيفة: أن " أصحاب الأعراف " قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار، [و] قصرت سيئاتهم عن الجنة، {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ النار/ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين}، فبيناهم كذلك إذ اطلع عليهم ربك فقال (لهم): اذهبوا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم. وروي عنه أنه قال: يوقفون هنالك على السور حتى يقضي الله بينهم. وعن ابن عباس: " الأَعْرَاف "، السور الذي بين الجنة والنار، و" الرجال ":
قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فوقفوا على {الأعراف}، يعرفون أهل الجنة بسيماهم، وأهل النار بسيماهم. وعنه أنه قال أيضاً: " الأعراف " الشيء المشرف. وعنه أنه قال: [هو] كعرف الديك. وعنه أنه قال: هم رجال كانت لهم ذنوب عظام وكان حسم أمورهم لله، فوقفوا على السور. وقال ابن مسعود: من كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار. ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف " فقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا
نظروا إلى أهل الجنة نادوا: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ}، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم (رأوا) أصحاب النار، {قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين}، [الأعراف: 47]، فيعتذرون بالله من منازلهم، فأما أصحاب الحسنات، فإنهم يعطون نوراً فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطي كل عبد يومئذ نوراً وكرامة. فإذا أتوا على الصراط سلب الله D، نور كل منافق ومنافقة. فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافِقون، قالوا: {رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} [التحريم: 8]. وأما " أصحاب الأعراف "، فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع منهم، فلذلك قال: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ}. وقال مجاهد، عن عبد الله بن الحارث: {أَصْحَابُ الأعراف}، يؤمر بهم إلى نهر يقال له: " الحياة " ترابه: الوَرْس والزغفران، وحافتاه: قصب الذهب مكلل باللؤلؤ، وقال: فيغتسلون [فيه اغتساله، وتبدوا في نحورهم شامة بيضاء، ثم يعودون فيغتسلون]،
فيزدادون. فكلما اغتسلوا ازدادوا بياضاً، فيقال لهم [تمنوا] ما شئتم، [فيتمنون ما شاؤا، فيقال لهم: لكم ما تمنيتم]، وسبعون ضعفاً، [قال:] فهم مساكين أهل الجنة. ومثل هذا روي عن ابن عباس أيضاً. وقيل: {اأَصْحَابُ الأعراف}، قوم قتلوا في سبيل الله ( D) عصاة لآبائهم في الدنيا. قاله: شرحبيل بن سعد، قال: هم قوم خرجوا إلى الغور بغير إذن آبائهم، فيقتلون.
روي عن النبي، A، " أنه سئل عن " أصحاب الأعراف "، فقال لهم: قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم فمنعهم قتلهم في سبيل الله ( D) من النار، ومنعهم معصيتهم آبائهم أن يدخلوا الجنة ". وعن مجاهد، أنه قال: هم قوم صالحون فقهاء علماء. وقال أبو مجلز: هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار.
وقال ابن عباس: هم رجال أنزلهم الله ( D) تلك المنزلة، يعرفون أهل الجنة ببياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بسواد وجوههم، ويتعوذون بالله (سبحانه) أن يجعلهم من الظالمين. وهم يحيون أهل الجنة بالسلام، لم يدخلوها، وهم يطمعون [بالدخول إن شاء الله]. هذا خبر من الله عن أهل الأعراف: أنهم قالوا لأهل الجنة ما قالوا قبل دخول أصحاب الأعراف الجنة، غير أنهم قالوه وهم يطمعون في دخولها. وقال الحسن: والله ما جعل/ الله ذلك الطمع في قلوبهم، إلا لكرامة يريدها بهم. وقال ابن مسعود: أما " أصحاب الأعراف "، فإن النور كان في أيديهم، لم ينزع
من أيديهم، فهنالك يقوم الله ( D) { لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ}. قال ابن عباس: {وَهُمْ يَطْمَعُونَ}، أي: في دخولها. وقيل: " طَمِعَ " هنا بمعنى " عَلِمَ "، أي: لم يدخلها أصحاب الأعراف، وهم يعلمون أنهم يدخلون. وقيل المعنى: إن " أصحاب الأعراف " يقولون لأهل الجنة: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ}، وأهل الجنة يطمعون أن يدخلوها، ولم يدخلوا بعد. وعلى هذا تأويل قول من جعل أصحاب الأعراف ملائكة، يكون الطمع للمؤمنين الذين يمرون على أصحاب الأعراف. وقيل: المعنى: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ}، وإنما دخلوها) وهم غير طامعين. فيكن الوقف على هذا على {يَطْمَعُونَ}.
47
{سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} تمام، على قول من جعل {وَهُمْ يَطْمَعُونَ} للمارين من المؤمنين. ومن جعل " الطمع " لأصحاب الأعراف لم يقف على {يَدْخُلُوهَا}. قوله: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ}، الآية. المعنى: وإذا صرفت أبصار أصحاب الأعراف نحو أصحاب النار، فنظروا إلى حالهم {قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين}. وقال السدي: إذا مرت زمرة من أهل النار بأصحاب الأعراف، دعو ألا يجعلوا معهم. وقال ابن عباس: [إن " أصحاب الأعراف "] إذا نظروا إلى أهل النار
48
عرفوهم، واستعاذوا أن يُجْعلوا معهم. قوله: {ونادى أَصْحَابُ الأعراف}، الآية. المعنى: إن " أصحاب الأعراف " نادوا رجالاً يعرفونهم، من أهل النار {بِسِيمَاهُمْ}، أي: بسواد وجوههم، وزرقة أعينهم، قالوا لهم: أي شيء أغنى عنكم جمعكم في الدنيان واستكبارهم فيها، عن عبادة الله، D، والإيمان برسوله، A. قال السدي: مر بأهل " الأعراف " رجال من الجبارين يعرفونهم، فقالوا لهم ذلك. وقوله: {أهؤلاء [الذين] أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ}. هذا قول الله ( D) [ لأهل النار] توبيخاً لهم على ما كان من قِيلِهِمْ لأهل الأعراف في الدنيا، وذلك حين دخل [أهل] الأعراف
الجنة، فهو قول اتصل أصحاب الأعراف، فهو من قول الله، جل ذكره، إلى قوله: {تَحْزَنُونَ}، ففيه رجوع من مخاطبة كفار إلى مخاطبة مؤمنين متصل بعضه ببعض. وقد قيل: إنه من قول الملائكة لأهل النار، [ويكون] {[ادخلوا] الجنة} من قول الله ( D) ، فتكون الآية [فيها] ثلاثة أقوال: - قول أهل الأعراف إلى {تَسْتَكْبِرُونَ} [الأعراف: 48]. - وقول الملائكة إلى {بِرَحْمَةٍ}. - وقول الله إلى {تَحْزَنُونَ}، متصل (كله) بعضه ببعض. قال ابن عباس: " أصحاب الأعراف "، رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان
حسم أمره [الله]، يقومو على الأعراف، فإذا نظروا إلى [أهل] الجنة طمعوا فيها، وإذا نظروا [إلى] أهل النار تعوذوا بالله منها، فأدخلوا الجنة، فقال الله، تبارك الله، {أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ}، يا أهل النار، {لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ادخلوا الجنة لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}. وقال حذيفة: {أَصْحَابُ الأعراف}، قوم قَصَّرت بهم حسناتهم عن الجنة، وفصرت بهم/ سيئاتهم عن النار، فجعلوا على الأعراف، يعرفون الناس بسيمهم. فلما قضي بين العباد، أذن لهم في طلب الشفاعة [فيأتون الأنبياء كلهم من الشفاعة]، ويدل على الآخر حتى يأتوا محمداً ( A) ، فيشفع لهم، فيذهب بهم إلى " نهر الحيوان " حافتاه قصب من ذهب مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك، وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون فيه، فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريح أهل الجنة، ويصيرون كأنهم الكواكب الدرِّية، وتبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها، يقال لهم: " مساكين أهل الجنة ".
وقال أبو مِجْلَز: [بل] هذا القول خبر من الله ( D) [ عن] قول الملائكة لأهل النار، تعييراً منهم لهم ما كانوا يقولون في الدنيا للمؤمنين الذين قد دخلوا الجنة. قوله: {ادخلوا الجنة}، وما بعده من كلام الله (سبحانه)، فالوقف على هذا: {بِرَحْمَةٍ}. ومن قال إنها خبر من الله ( D) عن نفسه (جلت عظمته) وقف على: {تَحْزَنُونَ}. وقرأ يحيى بن يَعْمَر: " أُدْخِلُوا الجَنَّة "، على ما لم يسلم فاعله بكسر الخاء.
50
وقرأ الحسن، وابن هرمز: " أَدْخِلُوا "، بفتح الهمزة وكسر الخاء، على الأمر من الله (تعالى) للملائكة أن يدخلوهم الجنة، والمفعول محذوف. قوله: {ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة}، الآية. ومعنى الآية: أنها خبر من الله ( D) عن استغاثة أهل النار بأهل الجنة، عند نزول شدة العطش والجوع بهم. ومعنى: {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله}، أي من الطعام، فأجابهم أهل الجنة:
51
{إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين}. قال ابن عباس: ينادي الرجل أخاه وأباه فيقول: " (قد احترقت)، أفض علي من الماء "، فيقال لهم: أجيبوهم فيقولون: {إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين}. {الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً}. أي: سخرية ولعباً؛ لأنهم كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزوأ به. وقوله: {وَغَرَّتْهُمُ الحياوة الدنيا}. أي: خدعتهم بعاجل ما فيها من العيش والدعة الأخذ بنصيبهم من الآخرة. {فاليوم ننساهم}. أي: نتركهم في العذاب جياعاً عطاشاً.
52
{كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هذا}. أي: كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، وكما كانوا بآياتنا يجحدون، أي: بحجتنا وعلامتنا. ولا يوقف على {يَوْمِهِمْ هذا}؛ لأن {وَمَا} معطوف على {مَا} الأولى. قوله: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ}، إلى {يَفْتَرُونَ}. لام: " لقد حيث وقعت لام توكيد، متعلق بمعنى القسم، والمعنى: والله أقسم لقد كان هكذا. و: " الكتاب " [هو]: القرآن. و: {فَصَّلْنَاهُ}: بيناه. {على عِلْمٍ}. أي: على علم منا بالميز بين الحق والباطل والضلال والهدى.
{هُدًى وَرَحْمَةً}. أي: ليُهْتَدَى [وَيُرْحَم] به قوم يصدقون به. وهذه الآية مردودة على قوله: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 2]. قوله: {أَوْ نُرَدُّ}، معطوف على [قوله]: {مِن شُفَعَآءَ}، أي: أو هل نرد. وقرأ ابن إبي إسحاق: " أو نُردَّ "، بالنصب، على معنى: إلا أن نرد، كما قال:
. أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا ... وقوله: {فَنَعْمَلَ}، جواب لقوله: {أَوْ نُرَدُّ}، أو عطف عليه، على قراءة من نصب (" نرد "). وقرأ الحسن: " أو نرد فَنَعْمَلُ "، بالرفع فيهما، على (لفظ) العطف على " نُرَدُّ ". ورفع " نرد " على الاستفهام كما ذكرنا. وقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ}. / أي: إلا ما وعدوا به في القرآن من العذاب.
و {يَنظُرُونَ}، بمعنى: ينتظرون. قال قتادة: {تَأْوِيلَهُ}، عاقبته. وقال مجاهد: جزاءه. {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ}، أي: جزاؤه، {يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ}، أي: تركوه في الدنيا، {قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق}. وقال ابن زيد: {تَأْوِيلُهُ}، حقيقته، أي: حقيقة القرآن فيما أوعدهم من العقاب. قال السدي: {الذين نَسُوهُ}، تركوه في الدنيا، لما رأوا ما أوعدهم أنبياؤهم، استيقنوا بالهلاك، وطلبوا الشفعاء والرجعة إلى الدنيا. {قَدْ خسروا أَنْفُسَهُمْ}.
أي: غَبَنوا أنفسهم حظوظها ببيعهم ما ذكر لهم من نعيم الآخرة الدائم بالخسيس من عرض الدنيا الزائل. {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}. أي: أولياؤهم في الدنيا. وقال بعض أهل اللغة معناه: هل ينظرون إلى ما يؤول إليه أمرهم من البعث، وعلى هذا تأولوا قول الله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله} [آل عمران: 7] أي: لا يعلم وقت البعث إلا الله، ثم قال تعالى: {والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ}. و" النسيان " في هذا الموضع على معنيين: - يجوز أن يكون معناه: فلما أعرضوا عنه صاروا بمنزلة من نسي الشيء. - والثاني: أن يكون بمعنى الترك.
54
قوله: {إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات [والأرض]}، الآية. احتج من خفف {يُغْشِي}، بقوله: {فَأغْشَيْنَاهُمْ} [يس: 9]. واحتج من شدد بقوله: {فَغَشَّاهَا مَا غشى} [النجم: 54]، وبأن التشديد يوجب التكرير، وكذلك هو فعل يتكرر ويتردد، وذلك أن كل يوم دخل ليله غير ليل اليوم الآخر، فالتغشية مكررة لمجيئها يوماً بعد يوم، وليلة بعد ليلة. وقوله: {حَثِيثاً}. أي: طلباً حثيثاً.
والمعنى: إن سيدكم ومصلح أموركم، وهو {الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}، وذلك يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة. قال مجاهد: بدأ بخلق العرش والماء والهواء، وخلقت الأرض من الماء، وكان جمع الخلق يوم الجمعة، فلذلك سميت الجمعمة. وقوله: {يُغْشِي اليل النهار}. أي: يورد الليل على النهار فيلبسه إياه، حتى يذهب بضوئه، يطلبه طلباً {حَثِيثاً}، أي: سريعاً حتى يدركه. {أَلاَ لَهُ الخلق والأمر}. {الخلق}: المخلوق. {والأمر} هو: كلامه الذي به تكون المخلوقات، فهو غير مخلوق، وصفة من صفاته، كعلمه وقدرته، لايشبه كلام المخلوقين، ولا يقدر فيه صوت ولا حروف؛ إنما هو كلام له صفة ذاته، فكما أنه تعالى لا شيء يشبهه، كذلك صفاته لا تشبهها صفة.
وقال ابن عباس: الدنيا جمعة من جمع الآخرة، سبعة آلاف سنة. وقال كعب: الدنيا ستة آلاف سنة. [وكذلك] قال وهب. [و] قال النبي، A،: " أجلكم في أجل من ك ان قبلكم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس ". وقال صلى الله عليه (وسلم) يوماً عند غروب الشمس: " (إن) مثل ما بقي من دنياكم في ما مضى، كهيئة يومكم هذا في مضى منه ". وقال: " بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه: السبابة
والوسطى ". قال ابن عباس: " سألت اليهود النبي (عليه السلام) عن خلق السموات والأرض فقال: " خلق الله الأرض يوم الأحد والأثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء ومنافعها، / وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة أيام، وهو قوله: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ}، ثم قال: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ}. قال: وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر إلى ثلاثة ساعات منه. وخلق في أول ساعة من هذه الثلاث ساعات من حَيِي ومن يموت، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة منه خلق آدم (عليه السلام). وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها آخر ساعة "، ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: " ثم استوى على العرش " قالوا: قد أصبت لو أتممت، قالوا: ثم استراح، فغضب
النبي، A، غضباً شديداً، فنزل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} ". واللغوب: الإعياء. واليهود، عليهم اللعنة، تتأول في السبت، أنه يوم الراحة، فلذلك جعلوه لأنفسهم راحة لا يتصرفون فيه، تعالى الله عن ذلك. قال قتادة: أوحى الله في كل سماء أمرها: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها. فَخَلْقُ الشمس والقمر كان بعد [خَلْقِ) السموات والأرض. قال النبي ( A) : " أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فجرى في تلك
الساعة بما هو كائن ". قال ابن عباس: ثم رفع بخار الماء فَفَتَقَ منها السموات والأرض. وقيل: أول شيء خلق الله النور والظلمة، ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلاً أسود ومظلماً، وجعل النور نهاراً مبصراً. فالسموات والأرض تحيط بهما البحار ويحيط بذلك كله الهيكل، ويحيط بالهيكل الكرسي. قال وهب: الهيكل شيء من أطراف السموات يحدق بالأرضين والبحار كأطناب الفسطاط. وكان بين خلقه تعالى، القلم وخلقه سائر خلقه ألف عام. ولما أراد تالى أن يخلق السموات خلق أياماً ستة، فخلق واحداً فسماه الأحد، وثانياً فسماه: الاثنين،
وثالثاً فسماه: الثلاثاء، ورابعاً فسماه: الأربعاء، وخامسا فسماه: الخميس. وكان ابتداء الخلق يوم السبت خلق فيه التربة. وقيل: يوم الأحد. وقد روي أن الله تعالى خلق البيت العتيق على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحته. قاله ابن عباس. وكذلك روى مجاهد عن عبد الله بن عمرو. أي: نزرا قليلاً لا فائدة فيه مع قلته، كذلك الكافر لا يقبل الهدى/ فإن قبل شيئاً فهو قليل لا فائدة فيه؛ لأنه على شك وقلة يقين. قال ذلك ابن
عباس وقتادة. وقال السدي: هو مثل ضربه الله، تعالى للقلوب لما نزل عليها القرآن، كنزول المطر على الأرض، فقلب المؤمن كالأرض الطيبة القابلة للماء الذي تنتفع بما تقبل من الماء. هذا معنى قوله: {كذلك نُصَرِّفُ الآيات لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: 58]، أي: كما فعلنا فيما تقدم ذكره، مثله نصرف الآيات في هذا. قوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ} [الأعراف: 59 - 61]، الآيات الثلاث. لام {لَقَدْ} لام توكيد بمعنى القسم. وقال ابن عباس: الليل خلق قبل النهار. وقيل: [كان] النهار قبل الليل. دليل ذلك أن الله عالى ذكره، [كان] ولا ليل، ولا نهار، ولا شيء غيره؛ وأن نوره كان يضيء به كل شيء خلقه بعدما خلقه، حتى خلق الليل. فالضياء قبل الظلمة.
55
قوله: {ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}، إلى: {المحسنين}. المعنى: ادعوا أيها الناس، ربكم مستكينين له، مخلصين متخشعين سراً في أنفسكم، {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين}. ثم قال: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض}. أي: لا تشركوا. والفساد هنا: الشرك. {بَعْدَ إِصْلاَحِهَا}. أي: بعد إصلاح الله (تعالى) إياها لأهل طاعته، بأن
بعثت إليهم نبياً، ينذرهم ويبشرهم. {وادعوه خَوْفاً وَطَمَعاً}. أي: خوفاً من عقابه، وطمعاً في رحمته. / {إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ [مِّنَ المحسنين]}. أي: ثواب الله قريب من المحسنين وإنما وصفه (بالقرب)؛ لأنه ليس بينهم وبينه إلا أن يفارقوا الدنيا. وفي حرف: " الهاء " في {قَرِيبٌ} ستة أقوال: أحسنها أن " الرحمة " و " الرحم " بمعنى. وقال الفراء: (إنما أتى {قَرِيبٌ}) بغير " هاء " ليفرق بينه وبين قريب من النسب.
ويلزمه ألا يجوز فيه أدخال " الهاء "، وإدخالها جائز عند جميع النحويين لو كان في كلام. وقال الزجاج: حذفت " الهاء "؛ لأنه ثأنيث غير حقيقي. ومذهب أبي عبيدة: أن تذكير {قَرِيبٌ}، على تذكير المكان. ويلزمه على هذا نصب {قَرِيبٌ}. وقيل: " الرحمة " هنا: المطر، فَذُكِّر حملاً على المعنى. وقيل: هو مذكر على النسب كما يقال: امرأة طالِقٌ وحائِضٌ.
57
قوله: {وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً [بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ]}، الآية. من قرأ {بُشْراً} فهو جمع " نشور "، كقولك: " صبور " و " صبر ". والريح النَّشُور: التي تأتي من هنا ومن هنا. وقيل: {بُشْراً} مصدر. ومن أسكن الشين فعلى هذا المعنى يكون، إلا أنه [أسكن] [الشين] استخفافاً.
ومن قرأ {بُشْراً} [بفتح النون]، فهو مصدر نشرت [الريح] السحاب وانتشرته نشراً، كما قال: " والناشرات نشرا "، فتقديره: وهو الذي يرسل الرياح ناشرة السحاب، فهو مصدر من موضع الحال. وقيل: " النشر ": الريح الطيبة اللينة [التي] تنشىء السحاب. ومن قرأ (بشرْاً) بالباء، فهو جمع بشير، مخفف، كرغيب ورغف.
وقيل هو: مصدر، أي: تبشر بالمطر. {سُقْنَاهُ}. " الهاء " تعود على السحاب، وهو يؤنث ويذكر، وكذلك كل شيء بينه وبين واحده " الهاء ". ومعنى الآية: وربكم الذي خلق السموات والأرض وما ذكر، {هُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً}. " والنَّشْرُ " من الرياح: الريح الطيبة اللينة التي تنشر السحاب. ومن قرأ {بُشْراً}، بضمتين، أي: يرسلها تهب من كل ناحية. ومعنى الكلام: والله الذي يرسل الرياح من كل ناحية {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}. والرحمة: المطر.
{حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً}. أي: أقلت الرياح سحاباً، يقال: أقل البعير حمله إذا حمله واستقل به. {سُقْنَاهُ}، أي: سقنا السحاب إلى بلد ميت، قد أجدب أهله، وعفَّت مزارعه، {فَأَخْرَجْنَا}، بالمطر من الأرض من كل الثمرات. وقوله: {فَأَنْزَلْنَا بِهِ}. " الهاء " للبلد. {فَأَخْرَجْنَا بِهِ}. أي: بالماء [أو بالبلد]. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. أي: لتكونوا على رجاء من التذكر. وقوله: {كذلك نُخْرِجُ الموتى}. أي: كما نحيي هذا البلد الميت بالماء]، كذلك نحيي الموتى بعد موتهم.
قال أبو هريرة: إن الناس إذا ماتوا في النخفة الأولى، مطر عليهم من ماء تحت العرش يدعى " الحيوان " أربعين سنة، فينبتون كما ينبت الزرع [بالماء). فإذا استكلمت أجسادهم نفخ فيهم الروح. قال ابن مسعود: يرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال، وليس من بني آدم خلق في الأرض إلا منه شيء (قد بقي في الأرض) فتنبت جسماً له ولحماً لهم من ذلك الماء، كما تنبت الأرض من المطر. ثم قرأ إلى قوله: {كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. ورى أبو سعيد الخدري: " أن النبي A، قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه "، فقيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: " مثل حبة خردل منه تنشئون ".
58
قوله: {والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ}، الآية. هذا مثل ضربه الله لروح المؤمن، وروح الكافر، فالمؤمن يرجع روحه الطيب إلى جسده سهلاً طيباً كما خرجد إذا مات، والكافر لا يرجع روح إلى جسده إلا بالنكد كما خرج. وقيل: هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فشبه المؤمن بالبلد الطيب إذا أصابه المطر أخرج نباته بإذن ربه، كذلك المؤمن إذا سمع الهدى قَبِلَهُ بإذن ربه، وشبه الكافر بالأرض السَّبِخَةِ المالحة وهي التي خبثت لا تخرج النبات إلا نكداً. والمعنى: أنه خبر من الله (عزوجل) أنه أرسل نوحاً إلى قومه: منذراً بأسة ومخوفاً من عقاب، فقال لمن كفر منهم: {اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ}، تعبدونه إلا الله، فاعبدوه ولا تشركوا به، {إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. قال عكرمة: إنما سمي نوح نوحاً لأنه كان ينوح على نفسه، أي: يكثر ذلك.
قال ابن عباس: أرسل نوح إلى قومه بعد أربعين سنة. قال الكلبي عنه: بعد آدم بثمان مائة سنة، أرسله الله ( D) بالشريعة، بتحريم البنات والأمهات والأخوات والعمات والخالات، وسائر الفرائض. قال وهب: نوح أو نبي بعث بعد إدريس (عليه السلام)، فلبث في قومه أربع مائة سنة، قبل أن يبعثه الله ( D) إلى قومه. وعنه أيضاً أنه قال: بعثه ( D) إلى قومه وهو ابن خمسين سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثلاثة قرون من قومه لا يجيبه أحد إلا قليلاً منهم، فأوحى الله ( D) إليه: " أن اصنع الفلك "، وليكن طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين
(ذراعاً)، وارتفاعها ثلاثين ذراعاً، وليكن بابها في عرضها. وادخل الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك، ومن آمن بك، ومن كل شيء اثنين اثنين ذكوراً وإناثاً، فإني منزل المطر على الأرض أربعين يوماً وأربعين ليلة، فأُتلف كل شيء خلقته على الأرض، وأن تعمل تابوتاً فيه جسد آدم (عليه السلام)، وتجعل التابوت من خشب الشمشار، وتجعل معه زاد سِنة ففعل نوح، وأرسل الله ( D) ماء الطوفان على الأرض في سنة ألف وستمائة من عمر نوح، فأقام نوح في الماء خمسين ومائة يوم، [ثم] استقرت على الجودي، وهو جبل بأرض الجزيرة، وكان وقت استقلال السفينة في عشر خلون من رجب، وخرج إلى الأرض في عشر خلون من المحرم، وكان معه في السفينة ولده الثلاثة: سام، وحام، وثافث، ونساؤهم، وأربعون رجلاً، وأربعون امرأة ممن آمن (به).
62
وعاش نوح (عليه السلام) بعد الطوفان ثلاث مائة وخمسين سنة، فلما خوفهم نوح، قال له الأشراف من قومه، وهم الملأ، وهم الجماعة منهم: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}، فيكف نتبعك، أي في حيدة عِن الحق. فأجابهم بأن قال لهم: {لَيْسَ بِي ضلالة}، أي: ليس ما دعوتكم إليه ضلالة، وإنما أنا {ولكني رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين}، إليكم. قوله: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ}، إلى {عَمِينَ}. والمعنى: إن الله ( D) أخبرنا أن نوحاً (عليه السلام) قال لقومه: إني {رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين}، أرسلني إليكم، لأبلغكم رسالاته، {وَأَنصَحُ لَكُمْ} في تحذيري إياكم عقابه، {وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، / أي: أعلم أن عقابه لا يرّد عن
القوم المجرمين. وقيل المعنى: أعلم من الله أنه مهلككم ومعذبكم إن لم تؤمنوا. ثم قال ثهم موَبِّخاً: {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ على رَجُلٍ مِّنْكُمْ}، وذلك إذ قالوا (له): {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا} [هود: 27]. ومعنى: {على رَجُلٍ مِّنْكُمْ}. أي: من رجل. وقيل: على لسان رجل. {لِيُنذِرَكُمْ} بأسه، والعمل بما لا يرضيه، فيرحمكم إن آمنتم وأطعتموني.
65
قال الله (تعالى) مخبراً: {(فَكَذَّبُوهُ) فَأَنجَيْنَاهُ والذين مَعَهُ}. أي: من المؤمنين، من أهله، وغيرهم. {وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ}. أي: جحدوا بها. {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ}. أي: عمين عن الحق. وهو من عمى القلب. قوله: {وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} إلى: {تُفْلِحُونَ}. المعنى: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً، وهود من ولد نوح (عليه السلام)، بينه وبينه سبعة آباء. وكان أشبه خلق الله (تعالى) بآدم (عليه السلام)، خلا
يوسف (عليه السلام)، وكانت عاد ثلاث عشرة قبيلة، ينزلون الرمل. بلادهم أخصب بلاد، فلما سخط الله ( D) عليهم جعلها مفاوز، وكانوا بنواحي عمان إلى حضرموت إلى اليمن، ولما أهلك الله ( D) قومه لحق هود (عليه السلام) ومن آمن معه بمكة فلم يزالوا بها حتى ماتوا، وكان هود (عليه السلام) رجلاً تاجراً. فقال لهم: {اعبدوا الله}، ليس لكم إله يجب أن تعبدوه غيره. {أَفَلاَ تَتَّقُونَ}. {قَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ}]. أي]: قال الأشراف والجماعة من قومه، وهم الملأ من كفار قومه،
{إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ}، أي: في ضلالة. وقيل: في جهل عن الحق والصواب. {وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين}، أي: في قوله: إني {رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين}، كان ذلك ظناً منهم ليس على يقين، فكفروا على الشك منهم. قال (لهم): {ياقوم لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ}، أي: ضلالة، أي: جهل، {ولكني رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين}. وأصل السفة: رقة الحلم، والطيش. وَذُكِّرَ في قوله: {لَيْسَ}؛ لأنه مصدر، وهو بمعنى السفه، وقد فرق، أيضاً، بينه وبين الفعل. ثم قال لهم: {أُبَلِّغُكُمْ رسالات رَبِّي}. أي: أؤدي إليكم أمر رببي ونهيه.
{وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}. اي: ناصح في ما آمركم به وأنهاكم عنه، أمين على وحي ربي ورسالاته. ثم قال موبخاً لهم: {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ على رَجُلٍ مِّنكُمْ}. أي: على لسان رجل منكم. {لِيُنذِرَكُمْ}، أمر الله. ثم قال: {واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ}. أي: اذكروا نعمة الله عليكم إذ استخفلكم في الأرض، بعد قوم نوح. فاتقوا أ، يصيبكم (مثل) ما أصابهم، واذكروا نعمته إذ {وَزَادَكُمْ فِي الخلق بَصْطَةً}، أي: زاد في أجسامكم طولاً وعظماً على أجسام قوم نوح. وقيل: على أجسام آبائكم الذين ولدوكم.
قال زيد بن أسلم: لقد بلغني أن ضباعاً رُئِيت رابضة وأولادها في حجاج عين رجل منهم. قال: ولقد بلغني أنه كان في الزمن الأول تمضي أربع مائة سنة، وما يسمع فيه بجنازة. ثم قال: {فاذكرواءَالآءَ الله}. أي: نعمه عليكم. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. أي: لتكونوا على رجاء من الفلاح. قال السدي: كانت عاد باليمن، بالأْحقَاف. فكانوا قد قهروا أهل الأرض بفضل قوتهم. وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها، وهي " صُدَاء "، و " صَمُود " و " اللهنا "، أسماء أصنامهم، فبعث الله ( D) / إليهم هوداً، وهو من أوسطهم
نسباً، فأمرهم أن يوحدوا الله (تعالى)، ولا يجعلوا مع الله إلهاً غيره، وأن يكفروا عن ظلم الناس، لم يأمرهم بغير ذلك فأبوا (تصديقه) وكذبوه وقالوا: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [فصلت: 15]، واتبعه منهم ناس يسير مستترون بإيمانهم. قال السدي: فبعث الله ( D) عليهم الريح العقيم، فلما نظروا إليها: قالوا: {هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} [الأحقاف: 24]، فلما جنت منهم، نظورا إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فلما رأوها، تبادروا البيوت، فلما دخلوا البيوت، دخلت عليهم فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتمهم من البيوت، فأصابتهم في يوم نحس مستمر عليهم العذاب {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} [الحاقة: 7]، أي: حسمت كل شيء مرت به. فكانوا: كأعجاز نخل منقعر، أي: انقعر من أصوله، وكأعجاز نخل خاوية، أي: خوت فسقطت، فلما أهلكهم الله ( D) أرسل عليهم طيراً سوداً، فنقلتهم إلى البحر
70
وألقتهم [فيه، فذلك قوله:] {فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} [الأحقاف: 25]، ولم يخرج ريح قط إلا بمكيال، إلا يومئذ، فإنها عتت على الخزنة فغلبلتهم، فلم يعلموا كم كان مكيالها، فذلك قِوله: {فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة: 6]، أي: عتت على الخزنة. و" الصرصر ": التي لها صوت شديد. قوله: {قالوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ}، إلى: {المنتظرين}. والمعنى: قال قومه هود له: أجئتنا متوعداً بالعقاب [لنعبد الله وحده، ونذر ما كان آباؤنا يعبدون فائتنا بالعقاب] الذي توعدنان إن كنت صادقاً. قال لهم: {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ}. أي: عقاب، من أجل ما تقولون. و" الرجس " و " الرجز ": العذاب، وقد يكون الرجس: الشيء القذر.
72
قال ابن عباس: الرجس: السخط. ثم قال لهم: {أتجادلونني في أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ}. أي: أتخاصمونني في الأصنام التي أحدثتموها أنتم وآباءكم لا تضر ولا تنفع. {مَّا نَزَّلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ}. أي: من حجة تحتجون بها، في عبادتكم إياها، {فانتظروا إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين}. أي: انتظروا حكم الله فينا وفيكم، إني منتظر ذلك معكم. قوله: {[فَأَ] نجَيْنَاهُ والذين مَعَهُ بِرَحْمَةٍ}، الآية. معناها: فأنجينا هوداً والذين معه {بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الذين كَذَّبُواْ}، أي: استأصلناكم بالهلاك. فبما بقي منهم أحد، {وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ}، أي: مصدقين. قوله: {وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً}، الآية.
المعنى: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً، وسمي أخاهم؛ لأنه بشر مثلهم. وقيل: سمي أخاهم؛ لأنه من عشيرتهم. وثمود: قبيلة. أبوهم ثمود بن غائر بن إرم بن سام بن نوح، وكانت مساكنهم: الحجر، بين الحجاز والشام، إلى وادي القرى [وما حوله]. قال لهم: {يَاقَوْمِ اعبدوا (الله)}، ما لكم من يجب أن تعبدوه إلا الله، {قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ}، أي: حجة وبرهان على صدق ما أقول لكم، {هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ آيَةً}، أي: دليل على صدق ما جئتكم به.
وإضافة الناقة إلى الله، جل ذكره، على طريق إضافة الخلق إلى الخالق، وهو مثل قوله: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [الحجر: 29]؛ لأن الروح خلق الله ( D) ، ولكن في إضافة الناقة إلى الله (سبحانه) معنى التشريف والتخصيص، والتحذير من أن يصيبوها بسوء. وهو في التخصيص كقولهم: " بيت الله "، و " عباد الرحمن "، فكله فيه معنى التشريف والتفضيل (والتخصيص)، إضافة خلق إلى خالق، كقولهم،: " خلق الله "، و " أرض الله "، و " سماء الله " وهو كثير. وذلك أنهم سألوه آية، [أي:] حجة على صدق ما جاءهم به، حكى الله عنهم أنهم قالوا: {فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} [الشعراء: 154]. رُوِيَ أنهم/ سألوا صالحاً ءاية، فقالوا: اخرج لنا من الجبل ناقة عُشَراءَ، وهي الحامل، فتضع فصيلاً، ثم تغدو إلى هذالاماء فتشربه، ثم تغدو علينا بمثله لبناً سائغاً عذباً طيباً، فأجاب الله (تعالى) صالحاً (عليه السلام) فيما سألوه. فقال لهم
صالح: اخرجوا إلى الهضبة من الأرض، فخرجوا، فإذا هي تتمخض كما تتمخض الحامل، ثم إنها انفجرت فخرجت من وسطها الناقة، فقال لهم: {هذه نَاقَةُ [الله] لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ في أَرْضِ الله وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء}، {لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} [الشعراء: 155] فلما مَلُّوها عقروها، فقال لهم: {تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: 65]، وآية العذاب أن تصبحوا غداً حُمْراً، واليوم الثاني، صُفْراً، والثالث سُوداً. فلما رأوا علامة ذلك تَحَنَّطُواْ واستعدوا. قال السدي: كانت تأتيهم يوم شُرْبهَا فتقف لهم حتى يَحْلُبُواْ اللبن فترويهم، إنما تصب صباً وكان معها فصيل لها، فقال لهم صالح (عليه السلام): إنه يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه، فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر، فذبحوا أبناءهم، ثم ولد للعاشر، وكان لم يولد له قط فتركه، وكان أزرق أحمر فنبت نباتاً سريعاً، فإذا مر بالتسعة قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء كانوا مثل هذا! فضغبوا على صالح؛ لأنه أمرهم بذبح أبنائهم ف: {تَقَاسَمُواْ}، أي: تحالفوا، {لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} [النمل: 49]، وذلك أنهم قالوا: نخرج فيرى الناس أنا قد
خرجنا إلى سفر، فنأتي الغار فنكون فيه، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى المسجد، أتيناه فقتلناه، ثم رجعننا إلى الغار فكنا فيه ثم رجعنا فقلنا: {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ}، فيصدقوننا، فخرجوا فدخلوا الغار، فلما أرادوا أن يخرجوا في الليل سقط عليهم الغار فقتلهم، وهو قوله: {وَكَانَ فِي المدينة تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرض وَلاَ يُصْلِحُونَ} [النمل: 48]، وقوله: {وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً (وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) * فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ} [النمل: 50 - 51]، أي: أهلكناهمه، فكبر الغلام ابن العاشر، فجلس مع أناس يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجون شرابهم به، وكان ذلك اليوم يوم شرب الناقة، فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتد [ذلك] عليهم، وتكلموا في شأن الناقة، وقالوا: لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه الناقة فنسقيه أنعامنا وحروثنا، كان خيراً لنا!، فقال الغلام. ابن العاشر: هل لكم في أن أَعْقِرَهَا لكم؟ قالوا: نعم فأتاها الغلام فشدَّ عليها فلما بَصُرَت به شدت عليه، فهرب منها، فلما رأى ذلك دخل خلف صخرة على طريقها، فاستتر بها، وقال: أَحِيشُوهَا عَلَيَّ! فلما جازت به، نادوه: عليك! فتناولها فعقرها، فسقطت،
فذلك قوله: {فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فتعاطى فَعَقَرَ} [القمر: 29] فأظهر أمرهم، وقالوا: {يَاصَالِحُ ائتنا بِمَا تَعِدُنَآ} [الأعراف: 77]، وفزع ناس إلى صالح، فأعلموه أن الناقة قد عُقِرَت، فقال: علي بالفصيل! فطلبوه فوجدوه على رابية منا الأرض، فطلبوه، فارتفعت به حتى حلقت به في السماء، فلم يقدروا عليه. ثم رغا الفصيل إلى الله ( D) فأوحى الله ( D) إلى صالح (عليه السلام): " أن مُرْهُم أن يتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام. قال قتادة: قال عاقر الناقة لهم: لا أقتلها حتى ترضوا أجمعين فجعلوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون: ترضين؟ فتقول: نعم! وكلك الصبي حتى رضوا أجمعين فعقروها.
74
وصالح النبي [عليه السلام]، هو: صالح بن عبيد بن عابر بن إِرَم بن سام بن نوح. قال وهب: بعثه الله إلى قومه حين رَاهَقَ الحلم، وارتحل صالح بمن كان معه إلى مكة محرمين فأقاموا بها حتى ماتوا، فقبورهم بين دار الندوة والحِجْر. روي أنه كان بين موت هود وصالح، صلوات الله عليهما، أكثر من خمس مائة سنة. قوله: {واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ}، إلى: {جَاثِمِينَ}. قرأ الحسن: " تَنْحَتُونَ "، بالفتح، للمبالغة.
وقرأ الأعمش " تَعِثوا "، بكسر الثاء، وهي لغة. والمعنى: إن صالحاً، عليه السلام، ذكرهم نعم الله ( D) عليهم، وأنه استخلفهم في الأرض بعد عاد. {وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض}. أي: جعل لكم فيها مساكن وأزواجاً. {تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً}. أي: تبنون في السهل من الأرض قصوراً. {وَتَنْحِتُونَ الجبال بُيُوتاً}. قال السدي: كانوا ينقبون في الجبال البيوت، وذلك لطول أعمارهم. {فاذكروا آلآءَ الله}.
أي: نعمة الله عليكم. {وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأرض مُفْسِدِينَ}. أي: تفسدوا أشد الفساد. والعثو: أشد الفساد. ف: {قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ}، أي: الأشراف الذين استكبروا عن الإيمان، {لِلَّذِينَ استضعفوا}، وهم: أهل المسكنة من تُبَّاع صالح (عليه السلام)، المؤمنين منهم، {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً}، رسول الله، {قالوا إِنَّا} بالذي أرسله الله به {مُؤْمِنُونَ}، أي: مقرون أنه من عند الله ( D) ، { قَالَ الذين استكبروا}، عن أمر الله (سبحانه)، {إِنَّا بالذي آمَنتُمْ بِهِ} ما جاء به صالح، {كَافِرُونَ}
، أي: جاحدون. فعقرت ثمود ناقة الله ( D) ، { وَعَتَوْاْ}، أي: تجبروا وتكبروا عن أمر ربهم. وقال مجاهد: {عَتَوْاْ}: علو في الباطل. وسألوه أن يأتيهم العذاب الذي أوعدهم به، {فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة}، أي: الصيحة. قال مجاهد والسدي: {الرجفة}: هي الصيحة. يقال: رجف بفلان: إذا حرك وارتجج.
و " الرجفة " في اللغة: الزلزلة الشديدة. {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}. أي: ساقطين على رُكَبِهِمْ. وأصل الجُثُومِ، للأرنب، والطير، وشبهه، وهو البروك على الركب. ومعنى {دَارِهِمْ}: عند مسكنهم، وموضعهم اجتماعهم وهي القرية. ومعنى {دِيَارِهِمْ} [هود: 67]: منازلهم.
79
قوله: {فتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياقوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي [وَنَصَحْتُ] [لَكُمْ]}، الآية. والمعنى: فأدبر عنهم (صالح، عليه السلام،) وخرج من بين أظهرهم حين عقروا الناقة واستعجلوه في العذاب، وأوحى الله ( D، إليه) أنه مهلكهم بعد ثلاثة أيام. ولم يهلك الله ( D) أمة ونبيها بين أظهرها. وقال لهم عند خروجه: {ياقوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن} لستم {تُحِبُّونَ الناصحين}، فهلكوا بأجمعهم في ديارهم، إلا رجلاً كان يحرم الله (عز جل)، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه.
80
قوله: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ [أَتَأْتُونَ الفاحشة]}، إلى: {المجرمين}. نصب {لُوطاً} على " وأرسلنا لوطاً "، أي على معنى: واذكروا لوطاً. {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفاحشة}. أي: أتأتون الذكران. {مَا سَبَقَكُمْ}، لفعل هذا أحد {مِّن العالمين}. {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً} هذا توبيخ لهم وتقريع. وقوله: {شَهْوَةً}: مصدر، أي تشتهون ذلك شهوة.
{بَلْ أَنْتُمْ/ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ}. في فعلكم ذلك. واللوطي يرجم عند مالك، أحصن أو لم يحصن. وكذلك قال أكثر العلماء. وروي عنه أنه قال: يرجم إن كان مُحْصَناً، ويُحْبَس ويؤَدَّب إن كان غير محصن، وهو قول عطاء، والنخعي، والحسن، وابن المسيب، وقتادة.
قال الأوزاعي، وأبو يوسف، وأبو ثور: إذا أتى الرجل المرأة في دبرها حُدَّ حد الزاني، وهو مروي عن الشافعي. وقال النعمان والحكم: يُعَزَّرُ عقوبة. وهذا إنما هو في المرأة التي ليست منه بزوجة ولا ملك يمين. ثم أخبر، تعالى، عن جواب قوم لوط له إذ وبخهم، فقال تعالى: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ} قولهم: {أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}، أي: قال بعضهم لبعض ذلك، أخرجوا آل لوط وابنتيه، ولذلك جمع في {أَخْرِجُوهُمْ}. وقيل المعنى: أخرجوا " لوطاً " ومن كان على دينه.
ومعنى: {يَتَطَهَّرُونَ}، أي: يتنزهون عن فعلنا. وقال السدي: معناه: يتحرجون. وقال مجاهد معناه: يتطهرون من أدبار الرجال [وأدبار] النساء. وقيل: معنى {يَتَطَهَّرُونَ}، أي: يتنزهون عن أعمالكم. قال الله ( D) : { فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ}، يريد ابنتيه، {إِلاَّ امرأته}، لم تنج؛ لأنها كانت خائنة للوط كافرة، {كَانَتْ مِنَ الغابرين}، أي: من الباقين
في الهالكين. وقيل المعنى: {مِنَ الغابرين}، [أي: من الغائبين] عن النجاة. قال حذيفة: إنما حق القول على قوم لوط حين استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء. وقال [أبو] عبيدة: المعنى: {كَانَتْ مِنَ الغابرين}، أي: من المُعَمَّرِينَ أي: قد هَرِمَت.
قال حذيفة: رفع جبريل (عليه السلام) مدينتهم ثم قبلها، فسمعت الوَجْبَةَ امرأَتُهُ، فالتفتت، فأهلكت معهم. ورُويَ أن جبريل، عليه السلام، اقتلع مدائنهم وهي ست فأهوى بها حتى بلغ بها السماء بجناح واحد، حتى سمع أهل السماء نُهَاق الحمير، ونُبَاح الكلاب، وصُرَاخ الديوك، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، وتبعت الحجارة من كان خارج المدائن منهم. والغابر في اللغة: من الأضداد هو الباقي، والذاهب. وذَكَّرَ هذا الجمع؛ لأنه غَلَّبَ فيه المذكر [على المؤنث]. وقوله: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ}.
85
أي: أمطرت عليهم حجارة من سَجَّيلِ بعد قلب مدائنهم عاليها سافلها فأهلكت من كان خارجاً من المدينة، من مسافر وغيره، {فانظر}، يا محمد، {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المجرمين}. قوله: {وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً}، إلى: {الحاكمين}. المعنى: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيباً. وكان شعيب زوج بنت لوط. ومدين: قبيلة. وقيل: هو اسم أرض.
وقال مقاتل: هو اسم رجل جعل اسماً للأمة. وقيل هم أمة بعث إليهم، فقال لهم: {اعبدوا الله}، ليس لكم (من يحب) أن تعبدوه إلا هو. {قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الكيل والميزان}. أي: أوفوا الناس حقوقهم. {وَلاَ (تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءَهُمْ}}. أي: لا تنقصوهم حقوقهم) ولا تظلموهم.
{وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض}. أي: لا تعملوا بالمعاصي في أرض الله، بعد أن أصلح الله (سبحانه) الأرض، بأن بعث فيها نبياً، يدل على الطريق المستقيم. {ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ}. أي: مصدقين، أي: هذا الذي أمرتكم به من إخلاص العبادة لله ( D) وأداء الحقوق، وترك الفساد في الأرض، خير لكم من غيره. {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ}. / أي: في كل صراط، أي: طريق. {تُوعِدُونَ}.
أي: تتهددون الناس ألا يؤمنوا، وتصدونهم عن سبيل الله، [أي: عن الإيمان]. {وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً}. أي: تبغون لها عوجاً، أي: لا تقعدوا بكل طريق، توعدون المؤمنين بالقتل. وكانوا يقعدون على طريق من يأتي إلى شعيب ليؤمن، يتوعدونه بالقتل ويخوفونه، ويقولون: هو كذاب، وهو قوله: {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ آمَنَ بِهِ}،
أي: تردون عن الإيمان من يريده، {وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً}، أي: تبغون للسبيل العِوَج، أي: تزيغون من أتى إليها عن الحق. وقال السدي: هم العاشرون. قوله: {واذكروا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ}. أي: كان عددكم قليلاً فكثركم.
88
وقيل: المعنى: (كنتم) فقراء فأغناكم. {وانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين}. الذين أُهْلِكُوا من قبلكم، بعضهم أُهْلِكَ: بالصيحة، وبعضهم: بالحجارة، وبعضهم: بالغرق. ثم قال لهم: {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ}، أي: جماعة وفرقة، {وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فاصبروا حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا}، أي: يقضي، {وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين}. قوله: {قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب}، إلى: {الفاتحين}.
المعنى: قال الملأ الذين استكبروا [عن الإيمان] من قومه: {لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب}، ومن آمن معك، {مِن قَرْيَتِنَآ}، أو لترجعن إلى ديننا. قال شعيب لهم: {أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ}، أي: تخرجوننا، ونحن كارهون لذلك. وقوله: {قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ}. أي: قال شعيب لقومه إذْ دعوه إلى ملتهم، وَتَوَعَّدوه بالطرد: {قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِباً}، أي: أختلقنا على الله كذباً، وتَخَرَّصْنَا ذلك عليه، إن نحن {عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ}، أي: دينكم، بعد أن أنقذنا منها. وهذا من قول من آمن به وقد كان كافراً. فأما شعيب فلم يكن على ملتهم قط.
ثم قال: {وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ}،: في ملتكم فندين الله بها {إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّنَا}، أي: إلا بمشيئة الله (سبحانه)، أي إلا أن يشاء ربنا أن يَتَعَبَّدَنَا بشيء مما أنتم عليه. وقيل المعنى: إلا أن يشاء الله أن نعود، وهو لا يشاء ذلك أبداً بمنزلة قوله: {حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط} [الأعراف: 40]. وقيل: هو استثناء من الأول. {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً}. أي: أحاط به، فلا يخفى عليه شيء [كان، ولا شيء هو كائن]، فإن سبق في علمه أنا نعود في شيء منها؛ فلا بد أن يكون.
والله لا يشاء الكفر، أي: لا يُحِبُّه ولا يرضاه، وهو يشاؤه بمعنى: يُقَدِّره ويقضيه على من علمه منه. وقيل: المعنى: ملأ ربنا كل شيء علماً. ثم قال: {عَلَى الله تَوَكَّلْنَا}. أي: عليه نعتمد في أمورنا. {رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق}. أي: احكم بيننا وبينهم.
90
{وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين}. أي: الحاكمين. قوله: {وَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتبعتم شُعَيْباً}، إلى قوله: {كافرين}. المعنى: قال بعض من كفر بشعيب لبعض: {لَئِنِ اتبعتم شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ}، أي لمغبونون في فعلكم. {فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة}. أي: فأخذت الكفار منهم الزلزلة. {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}. أي: باركين على ركبهم. وقيل: خامدون. وكان قوم شعيب أصحاب " لَيكَة "، وهي: الغَيْضَة من الشجر. وكانوا مع
كفرهم/ يبخسون الناس في الوزن والكيل، فدعاهم إلى الله ( D) ، فكذبوه، وسألوه العذاب، ففتح (الله) عليهم باباً من أبواب جهنم، فأهلكهم الحَرُّ منه، ولم ينفعهم ظل ولا ماء. ثم بعث الله سحابة فيها ريح طيبة، فوجدوا (فيها) بَرْدَ الريح، فتنادوا: " الظُّلَّة، عَلَيْكُمْ بها "،! فلما اجتمعوا تحت السحابة، انطبقت عليهم فأهلكتهم، فهو {عَذَابُ يَوْمِ الظلة} [الشعراء:: 189]. ونجى الله شعيباً والذين آمنا معه، فسكنوا مكة حتى ماتوا (بها). وقوله: {الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا}.
أي: لم ينزلوا فيها، ولم يقيموا. و " المغَانِي ": المنازل؛ لأنها يقام بها. وقال المفسرون: كأن لم يعيشوا بها. {الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الخاسرين}. أي: الهالكين. {فتولى عَنْهُمْ}.
94
أي: أدبر وخرج عنهم، وقال: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رسالات رَبِّي}، فلم تؤمنوا بها، {وَنَصَحْتُ لَكُمْ}، فلم تقبلوا، {فَكَيْفَ ءاسى على قَوْمٍ كافرين}، أي: كيف أَحْزَنُ عليهم وقد كفروا بآيات الله. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف، ويحيى بن وَثَّاب، والأعمش: (إِيسى "، بكسر الهمزة، (وهي لغة تميم). قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ} إلى: {يَشْعُرُونَ}. هذه الآية تحذير لقريش، ومن كفر بالنبي ( A) ، وإعلام من الله
لنبيه ( A) ، سُنَّتَهُ فيمن خَلاَ من الأمم الكافرة. و {بالبأسآء}. البؤس وضيق العيش. {الضرآء}، النصر. {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ}، أي: فعل ذلك بهم، ليتضرعوا إلى الله ( D) ويخشعوا، وينيبوا عن الكفر. قال السدي، {بالبأسآء والضرآء}: الفقر والجوع. وقال ابن مسعود: {بالبأسآء}، الفقر، و {والضرآء}، المرض. وقيل: {بالبأسآء}، المصائب في المال، و {والضرآء}، المصائب في البدن.
وقوله: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة [حتى عَفَوْاْ]}. سمي [الضرر والفقر سيئة، لأنه يسوء صاحبه. و {الحسنة}: الرخاء والصحة. سمي] ذلك حسنة، لأنها تحسن عند من حلت به، فبدل الله ( D) لهم مكان الضرر والفقر، الرخاء والصحة، {حتى عَفَوْاْ} أي: تضاعف أعدادهم بالتناسل، وهو من الأضداد، يقال: " عفا ": كثر، و " عفا ": درس. ومن الكثرة قوله عليه السلام: " أَخْفُوا الشَّوَارِبَ واعْفُوا اللِّحَى "، أي: وفروا [اللحى] حتى يكثر شعرها.
فمعنى {عَفَوْاْ} على هذا، أي: كثروا. قال ابن زيد: معناه، بدلنا مكان ما كَرِهُوا ما أحَبُّوا. وعن مجاهد: {عَفَوْاْ}، كثرت أموالهم وأولادهم. وقال قتادة: {عَفَوْاْ}، سُرُّوا. أي: سُرُّوا بكثرتهم، وذلك استدراج منه لهم؛ لأنه أخذهم بالشدة ليتعظوا فلم يفعلوا. ثم أخذهم بالرخاء لعلهم يشكرون، استدراجاً لهم، ف: {وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضرآء}، وهو الضيق في المعاش، {والسرآء}: السرور والسعة، فنحن
مثلهم، يصيبنا مثل ما أصابهم، {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً}، أي: أخذناهم بالهلاك فجأة على غرة، {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}، أي: لا يدرون بذلك. وقد كرر الله، D، قصص الأنبياء وأممها، في سور كثيرة بألفاظ مختلفة، ومعان متقاربة. ونحن نذكر علة تكرار ذلك في القرآن، بما حضرنا من أقوال العلماء، إن شاء الله.
ذكر العلة في تكرار الأنبياء والقصص في القرآن علة ذلك أن القرآن نزل شيئاً بعد شيء نُجُوماً، في ثلاث وعشرين سنة، فكانت العرب ترد على النبي A، / من كل أُفُق فيقرئهم المسلمون السورة من القرآن، فيذهبون بها إلى قومهم. وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة، بالسور المختلفة، فيبلغ إلى هؤلاء من القصص ما لم يبلغ إلى هؤلاء، فثنى الله القصص وكررها ليكون يبلغ إلى هؤلاء ما يبلغ إلى
هؤلاء إشهاراً منه لهذه القصص ليتعظ بها من بلغته، ويعلم أنها دلالة على نبوة من أتى بها، ويعيها كل قلب، ويزداد الحاضرون السامعون لتكرارها تَفَهُّماً. ولو نزل القرآن جملة واحدة لسبق حدوث الأسباب التي أنزله الله ( D) بها، ولثقلت جملة الفرائض على المسلمين، وعلى من أراد الدخول في الدين ولفسد معنى النَّسْخ، فإنما نزل فَرْضاً بَعْدَ فَرْضٍ، تدريجياً للعباد وتيسيراً عليهم إلى أن يكمل دين الله ( D) . كل ذلك تثبيتاً لهم على الإسلام، قال الله: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان: 32]، وهذا جوابهم إذا قالوا: {لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان: 32]، فإنما نزل متفرقاً ليثبتهم على الإسلام، إذ لو نزلت الفرائض مرة واحدة، لكان ذلك داعية إلى النقار
والصعوبة عليهم. فإن قيل: هلا كررت الفرائض كما كررت القصص؟ قيل: إن الفرائض كان رسول الله ( A) يبعث بها إلى كل قوم ليعلمهم بها فرض الله عليهم، من الصلاة والزكاة، فكل المؤمنين يصل إليه ذلك ببعث رسول الله (عليه السلام) إذ ذلك وجب عليه، وهو من تمام التبليغ. والقصص ليست كذلك، إنما نزلت على طريق الاعتبار، فليس يقتص بها كل من آمن، فكررت لتشتهر عند المؤمنين. فإن قيل: فلم كرر {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13، 77]، و: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي
وَنُذُرِ} [القمر: 16، 18، 21، 30]، و {قُلْ يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] وشبهه؟ فالجواب أن مذهب العرب: التكرار للتوكيد والإفهام، كما أن من مذابهم: الاختصار للتخفيف، فيقولون: " عجل عجل "، و " الزم الزم "، فكررون للتأكيد، ويقولون: " الهلال والله ". [أي: هذا الهلال]، فيختصرون للتخفيف. وربما استوحشوا من الإعادة فغيروا اللفظة الثانية فيقولون: (هو) " عَطْشان نَطْشان " "، و " حَسَنٌ بَسَنٌ "، و " شَيْطَان [لَيْطان] "، أبدلوا الثاني وغيروه لئلا يعيدوه بلفظه إذ لم يكن (لهم) بد من التأكيد.
وأما التكرير في {قُلْ يا أيها الكافرون}، فإن المشركين قالوا للنبي ( A) : اعبد بعض آلهتنا، ونؤمن بإلهك، فأنزل الله ( D) : { لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} [الكافرون: 2 - 3] ثم أقاما مرة وقولوا (له): اعبد آلهتنا وقتاً من الزمان، ونعبد إلهك مثله، فأنزل الله ( D) : { وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} [الكافرون: 4 - 5]. ومن العلة في التكرار {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}، أن الله تبارك وتعالى، عَدَّدَ في " الرحمن " ألاءه ونعمه، ونبههم على ما أعد للمؤمنين من نعمة، فأتبع كل نعمة ذكرها الاستفهام بمعنى: التوبيخ، والسؤال لهم بأي نعمة يكذبون، لتكون فاصلة بين [كل نعمة] ذكرها وبين ما بعدها من نعمة أخرى، ليفهموا كل نعمة على
انفصالها. وهذا كقول العرب للرجل: ألم أطعمك وأنت جائع؟ أفتنكر هذا؟ [ألم أكسك وأنت عريان؟ أفتنكر هذا؟، ألم أغنك وأنت فقير؟ أفتنكر هذا؟] وشبهه. ومثل: هذا تكراره: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 15، 17، 22، 32، 40، 51] في سورة: " اقترتب "؛ لأنه يذكر/ لهم آياته، وَعِبَر ما يعتبرون به، ثم نبههم على الاعتبار والادكار بذلك، فإذا ذكر آية وعِبَراً نبههم على الاعتبار بها، وكرر ذلك عليهم، ليكون أَفْهَم لهم. وقد يأتي تكرار المعنى بلفظين مختلفين، وذلك للاتساع في المعنى واللفظ، نحو قولك: " آمرك بالوفاء، وأنهاك عن الغدر "، والأمر بالوفاء هو النهي عن الغدر. ومثله: " آمرك بالتواصل، وأنهاك عن التقاطع ". وكقوله: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68]، والنخل والرمان من الفاكهة، فَأُفْرِدَا عن
الجملة، لفضلهما. ومثله قوله: {حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238]، وهي منها، فأفردها بالذكر ترغيباً فيها، كما تقول العرب: " إيتني كل يوم (ويوم) الجمعة. ومنه قوله: {لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم} [الزخرف: 80]، والنجوى هو السر. وقد يكون " السر ": ما أسروا في أنفسهم، و " النجوى ": ما تَسَارَوُا به سِرّاً، وهذا كما قال ذو الرُّمة: لَمْيَاءُ فِي شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لعَسُ ... وَفِي اللِّثاتِ وَفِي أَنْيَابِهَا شَنَب
واللَّعسُ: حُوَّة. وقريب من هذا: الزيادة للتأكيد، كقوله: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167]؛ لأن الرجل قد يقول بالمجاز: كتاباً ورسالة، وعلى لسان غيره. ومنه قوله: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: 79]؛ لأن الرجل قد يضاف إليه الكتاب، والكاتب غيره. يقول الأمي: كتبت إليك، وإنما كُتِبَ له، وكتب الأمير كتاباً، وإنما أمر بِكِتُبَتَهِ، فَبَيَّنَ بقوله: {بِأَيْدِيهِمْ}، أنهم بأنفسهم كتبوه على الحقيقة.
وقد قال ابن عباس في قوله: {تَحْمِلُهُ الملائكة} [البقرة: 248]، وإنما أُمِرَتْ بحمله، كقولك: " حملت إلى بلد كذا بُرّاً وقمحاً "، وإنما [تريد] أمرت بحمله. وقال تعالى: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً باليمين} [الصافات: 93]، فذكر اليمين؛ لأن فيها القوة وشدة البطش، فأخبر بذلك عن شدة الضرب. ومثله: {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38]، فأكد بذلك، كما تقول: رَأْيُ عَيْنِي وسَمْعُ أُُذنيِ].
96
ومنه قوله: {ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور} [الحج: 46]، هذا مثل قولهم: نفسي التي بَيْنَ جَنَبيّ. ومثله قوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحج وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196]. قوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرىءَامَنُواْ (واتقوا)}، إلى قوله: {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ}. المعنى: ولو أن أهل القرى الذين أرسل إليهم الرسل آمنوا، لنزل مطر السماء عليهم. وأنبتت الأرض، فذلك " البركات ".
وأصل " البركة ": المواظبة على الشيء. يقال: بارك فلان على فلان، أي: واظب عليه. فمعنى: {بركات مِّنَ السمآء}. أي: ما يتتابع من [خير] السماء والأرض. {ولكن كَذَّبُواْ}، بالرسل. {فأخذناهم}. أي: عجلناهم العقوبة. {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}. أي: بعملهم الرديء. {أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى}، [أي] المكذبون، {أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا}، أي: عقوبتنا، {بياتا}، أي: ليلاً، {وَهُمْ نَآئِمُونَ}، أو يأتيهم {ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ}. يقال لكل من عمل
عملاً لا يجدي عليه نفعاً، إنما أنت لاعب. {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ/ الله}. أي: أستدراج الله إياهم بما أنعم عليهم في دنياهم من الصحة والرخاء، فليس بأمن استدراج الله {إِلاَّ القوم الخاسرون}، أي: الهالكون. وقيل: هو توعد لمن كذب بمحمد، (عليه السلام). وقيل: {مَكْرَ الله} ( D) : عذابه.
وحقيقة " المكر ": (الكيد)، والكيد من الله (سبحانه) عقوبة للعبد من حيث لا يعلم. قوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ}، المعنى: أو لم يهد الهدى، أي: يبين لهم الهدى. وقيل معنه: أولم يهد الله، أي: يبين لهم الله، أنه لو شاء أصابهم بذنوبهمه، كما فعل بمن كان قبلهم، الذين ورث هؤلاء الأرض عنهم. {وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ}. أي: نختم عليها، فلا ينتفعون بموعظة.
101
قال ابن عباس: {أَوَلَمْ يَهْدِ}، أو لم يستبن لهم. وقال ابن زيد: أو لم يتبين لهم. وأكثرهم على أن المعنى: أو لم يَبِنْ لهم؛ لأن أصل الهدى: البيان. قوله: {تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا}، إلى قوله: {لَفَاسِقِينَ}. والمعنى: تلك القرى، يا محمد، نقص عليك من أخبارها، وهو ما تقدم ذكره: من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب، لتعلم أنا ننصر رسلنا. ثم قال (الله) تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات}. أي: ولقد جاءت أهل القرى رسلهم، بالحجج [البينات]. وقوله: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ}.
أي: فما كان هؤلاء المشركون الذين أهلكناهم ليؤمنوا عند إرسالنا إليهم، {بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ}، أي: بما كذبوا يوم أخذ عليهم الميثاق حين أخرجهم من ظهر آدم، (عليه السلام). قال مجاهد: المعنى: ليس يؤمنوا، {بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ}، أي: من قبل هلاكهم، أي: لو رُدُّوا إلى الدُّنيا بعد هلاكهم لم يؤمنوا بما كذبوا من قبل هلاكهم، مثل: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} [الأنعام: 28]. وقال الربيع بن أنس: كان في علمه ( D) يوم أقروا بالميثاق أنهم لا يؤمنون.
وقال السدي: ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرهاً، فلم يكونوا ليؤمنوا الآن حقيقة. وقوله: {كذلك يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين}. أي: كما طبعنا على قلوب هؤلاء الذين أهلكوا ولم يؤمنوا، كذلك نطبع على قلوب المعتدين من أمتك يا محمد، أي: نختم عليها فلا يؤمنوا لما تقدم في عمله منهم. وهذا إخبار [من] الله (تعالى) لنبيه (عليه السلام) عن قوم من أمته [أنهم] لا يؤمنون أبداً، كما قال لنوح (عليه السلام): {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} [هود: 36]، وكما قال لمحمد A،: { إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6]. ثم قال تعالى: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ}. أي: ما وجدنا لهؤلاء المهلكين " عهداً "، أي: وفاء بما وصيناهم به، وما
وجدنا أكثرهم فاسقين. مذهب الفراء: أنَّ {إِنْ} بمعنى: " ما "، و " اللام " بمعنى إلا. ومذهب سيبويه أنها " إنْ " المخففة [من الثقيلة)، ودخلت " اللام " لئلا تشتبه " إِنْ " التي بمعنى: ما. وقال بعض البصريين: دخلت " إنْ " و " اللام " على معنى التأكيد واليمين. وتدخل " إِنْ " هذه على الأفعال أيضاً، [تقول]: إِنْ ظَنَنْتُ زيداً لقائماً. ومعنى {لَفَاسِقِينَ}،: خارجين عن طاعة الله.
103
وقيل: العهد الذي لم يَفُوْا به، هو ما أخذ عليهم إِذْ أُخرجوا من ظهر آدم. قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى بآياتنآ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَظَلَمُواْ بِهَا}، إلى قوله: {لِلنَّاظِرِينَ}. والمعنى: ثم بعثنا (من) بعد هؤلاء الذين ذكرنا من الأنبياء. ط وقيل: من/ بعد الأمم المذكورة، موسى. {بآياتنآ}. أي: بحجتنا. {إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَظَلَمُواْ بِهَا}. أي: فجحدوا وكفروا بها. ومات هارون (عليه السلام)، وهو ابن مائة وسبع عشرة سنة، وعاش
موسى (عليه السلام) بعد ثلاث سنين، صار عمره بها مثل عمر هارون؛ لأن هارون كان أكبر من موسى بثلاث سنين، فصار عمر موسى وهارون سواء، مائة وسبع عشرة لكل واحد. وكان في وجه هارون شامة، وفي أَرْنَبَة موسى شامة، وعلى طرف لسانه شامة، وهي العقدة التي حلها الله ( D) ، له. قوله: {فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين}. أي: فانظر، يا محمد، بعين قلبك، {كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين}، يعني فرعون وملأه، إذ غرقوا في البحر جميعاً. وموسى، هو: ابن عمران بن ناهب بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم عليه السلام. وفرعون موسى هو فرعون يوسف، عَمِر أكثر من أربع مائة عام. وامسه: الوليد بن مصعب. (وقوله): {وَقَالَ موسى يافرعون إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين * حَقِيقٌ عَلَى}. أي: خليق وجدير قول الحق على الله، ( D) . وقيل المعنى: {حَقِيقٌ عَلَى} ترك القول على الله (سبحانه) إلا بالحق. فمن أضاف {عَلَى} فمعناه: واجب عليَّ قول الحق على الله (سبحانه).
ومن لم يضعف فمعناه. حريص على قول الحق علىَّ الله (جلت عظمته). (وقيل) معناه: مَحْقوُقٌ عليَّ أن لا أقول على الله إلا الحق، وهو فعيل بمعنى مفعول، كقتيل. هذا في قراءة من لم يضف. قوله: {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}. أي بحجة. {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بني إِسْرَائِيلَ}. وكان بنو إسرائيل يؤدون الجزية إلى فرعون وقومه، فسأله موسى (عليه السلام)، أن يتركهم معه قال له فرعون: {قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ}، فألفى موسى عصاه فإذا هي حية ظاهرة لمن يراها فَاغِرَة فَاهَا، فاستَغَاثَ فرعون بموسى، حين رآها قصدته، فَكَفَّها موسى (عليه السلام)، عنه.
وقال الكلبي: بلغنا أن موسى (عليه السلام)، قال يا فرعون، ما هذه بيدي؟ قال: هي عصا. فألقاها موسى، فإذا هي ثعبان مبين، قد ملأت الدار من عِظَمِها، ثم أهوت إلى فرعون لتبتلعه، فنادى: يا موسى! (يا موسى)! فأخذ موسى بذنبها فإذا هي عصا بيده. قال فرعون: يا موسى، هل من آية غير هذه؟ قال: نعم، قال: ما هي؟ فأخرج موسى يده، فقال: ما هذه يا فرعون؟ قال: يدك. فأدخلها موسى (عليه السلام)، في جيبه ثم أخرجها، {فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ}، تغشى البصر من بياضها. قال وهب بن مُنَّبِه: أمر فرعون بموسى، فقال: خذوه! فبادره موسى (عليه السلام)، فألقى عصاه، فصارت ثعباناً، فحملت على الناس فانهزموا، فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً، قتل بعضهم بعضاً، وقام فرعون منهزماً حتى دخل البيت. وكان ما بين لَحْيَيْ الحية أربعون ذراعاً.
قال ابن عباس: وضعت فُقْماً أسفل قبة فرعون، وفُقْماً فوقها، فاستغاث بموسى فَأَجَارَهُ، وَكَفَّهَا. وقوله: {وَنَزَعَ يَدَهُ}. أي: أخرجها (من جيب قميصه)، (بيضاء تلوح، (تدل) على صدقه فيما يقول، بياضاً من غير/ برص. ثم أعادها إلى موضعها، فرجعت كما كانت، وكان قد أخرجها من جيبه، فأخرجها بيضاء تلوح للناظرين. قال السدي: وضعت لَحْيَهَا الأسفل في الأرض، والآخر على أعلى سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه فَذُعِرَ منها، (ووثب) وأَحْدَثَ، ولم يكن
109
يحدث (قبل ذلك)، إلا إلى مدة طويلة، فصاح: يا موسى! خذها، ونؤم بك. قوله: {قَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ (عَلِيمٌ)} الآيات الأربع. من قرأ {أَرْجِهْ}، بغير همز، احتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون على البدل للهمز، ثم حذف الياء؛ لأنه أَمْرٌ، كما أجازوا " أقرَ " يا هذا، بغير ألف ولا همز. والوجه الثاني: أن [يكون] على لغة من قال: " أَرْجَيْتُ "، وهي لغة: أسد،
وتميم وعامة قيس. والوجه الثالث: قاله المبرد، قال: هو من: رجا يرجو، أي: اتركه يرجو وأَطْمِعْهُ. وقد أنكر جماعة النحويين: الإسكان في الهاء. وقد ثبت ذلك عن الأئمة من القراء.
ووجه ذلك: أن " الهاء " هي الاسم، و " الياء " والواو إنما هي صلة " للهاء " وليسا من الاسم؛ وإنما زيدت عند الخليل؛ لأن [الهاء] خفية، فقويت بحرف جلد تباعد منها وهو " الواو "، لا يأتي بها فمن أسكن هذه " الهاء " أسكنها على أصلها، وردها إليه. وفيها علة أخرى، وذلك أن هذه " الهاء " صارت في موضع اللام. وكان من حق اللام لو كان من حروف السلامة أن يسكن. والهاء من حروف السلامة فسكنت، إذ حلت محل اللام، فصارت بمنزلة ميم " أكرم ". وفيها علة أخرى، وهي أن " الواو " جائز حذفها بعد " الهاء " فصارت بمنزلة
الواو في " عليهمو "، [في جواز حذفها، فلما كانت " الميم " من عليهم] تسكن إذا حذفت الواو ويحسن سكونها، كان (مثل) ذلك في الهاء، إلا أن الميم أحسن من الهاء في السكون لخفاء الهاء. وفيها علة رابعهة، وذلك أنهم قد شبهوا هاء السكت بهاء الإضمار، فأثبتوها في الوقف. وبعضهم وصلها بياء كهاء الإضمار، فلما شبهت بهاء، جاز تشبيه هاء الإضمار بهاء السكت في السكون؛ لأن من حق هاء السكت السكون فشبهت بها، فجاز إسكانها. ومعنى الآية: قال أشراف قوم فرعون من القبط: {إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ}، أي عليهم بالسحر، {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ}، أي: أرض مصر، {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}، أي: أي شيء تأمرون أن يفعل في أمره؟.
وقوله: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}، من كلام فرعون لا من كلام الملأ. فأشار عليه الملأ أن: {أَرْجِهْ وَأَخَاهُ}، أي: أحسبه وأخاه. و " الإرجاء ": التأخير. {وَأَرْسِلْ فِي المدآئن حَاشِرِينَ}.
113
أي: مدائن مصر، من يجمع لك السحرة العلماء. قوله: {وَجَآءَ السحرة فِرْعَوْنَ قالوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً} الآيات الثلاث. في هذا الكلام اختصار وحذف. والمعنى: فأرسل فرعون {فِي المدآئن حَاشِرِينَ}، فحشروهم، فجاء السحرة فرعون. ومعنى الآية: قال ابن عباس: قال فرعون: لا نغالبه، يعني موسى، إلا بمن هو مثله، فأعد غلماناً من بني إسرائيل، فبعث بهم إلى قرية، يقال لها: " الفَرَمَاء "، يعلمونهم السحر، كما يعلم الصبيان في الكتاب، فعلموا سحراً كثيراً. وواعد موسى فرعون موعداً، فلما كان في ذلك/ الموعد، بعث فرعون فجاء بهم، وجاء بمعلميهم معهم فقال لهم ماذا صنعتم، قالوا قد علمناهم سحراً لا يطيقه سحر أهل الأرض، إلا أن يكون أمر من السماء، فإنهم لا طاقة لهم به، فلما جاء السحرة
قالوا لفرعون: {لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين}، أي: لكم الأثرة والقرب مع ذلك. رُوِي: أن السحرة كانوا سبعين ألفاً. وقيل: خمسة عشر ألفاً. وقال ابن المُنْكَدِرُ: كانوا ثمانين ألفاً. وقال كعب: أثنى عشر ألفاً.
116
وقوله: {إِمَّآ أَن تُلْقِيَ}. إذا كان في الكلام مع " إما " معنى الأمر، فلا بد من دخول " أَنْ " بعدها، وتقديره: اختر أن تلقى، كقولك للرجل: " إِمّا أَنْ تمضي وإِمَّا أَنْ تقعد ". فإِنْ كان الكلام خبراً ليس فيه معنى الأمر، لم يجز دخول " أَنْ " البتة، كقوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 6]، وكذلك ما كان في معنى الجزاء، وهي مكسورة في كل ذلك. و" أَنْ " عند الكسائي في موضع نصب. قوله: {قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سحروا [أَعْيُنَ الناس]}، الآية. والمعنى: قال لهم موسى: ألقوا فلما ألقوا (سحرهم) سحروا أعين الناس،
بسحرهم وخدعهم، فاسترهبوهم الناس، {وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}، أي: بتخييل عظيم. ق السدي: كانوا بضعة ومائتي ألف، ليس منهم رجل إلا [معه] حبل وعصا. قال ابن إسحاق: صَفَّ فرعون خمسة عشر ألف ساحر، مع كل واحد حباله وعصيه. وخرج موسى (عليه السلام)، معه أخوه يتكئ على عصاه، حتى أتى الجمع فألقوا ما في أيديهم فإذا هي حيات كأمثال الجبال، قد ملأت الوادي يركب بعضها
117
بعضاً، {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى} [طه: 67]، أي: أحس خوفاً. قوله: {وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ}، [الآية]. قال ابن عباس: فألقى موسى عصاه فإذا هي حية فجعلت تلقف ما يأفكون لا تمر بشيء من حبالهم وخُشُبِهم إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا أمر من السماء، وأنه ليس بسحر فَخَرَّوا سُجَّداً، وقالوا: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون. وقيل: إنهم ما رفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما. ومعنى: {مَا يَأْفِكُونَ}، ما يكذبون.
وقيل: إنهم لما ألقوا حبالهم وعصيهم، خيل إلى موسى (عليه السلام) أنها حيات، فألقى عصاه فإذا هي أعظم من حياتهم. ثم رقوا فازدادت حبالهم وعصيهم عِظَماً في أعين الناس، وجعلت عصا موسى (عليه السلام)، تعظم، فكلما رَقَوْا ازدادت حبالهم وعصيهم عِظَماً، وتزداد عصا موسى عِظَماً، حتى نفدت رَقَاهُم وسحرهم، وصارت عصا موسى (عليه السلام)، قد سدت الأُفُق. ثم فتحت فاها فابتلعت ما ألقوا، ثم أخذ موسى عصاه بيده، فإذا حبالهم وعصيهم قد ذهبت. قال الكلبي: فقال السحرة بعضهم لبعض: لو كان هذا سحراً لبقيت حبالنا وعصينا. فَخَرُّوا عند ذلك ساجدين.
118
قوله: {فَوَقَعَ الحق (وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)}، إلى قوله: {موسى وَهَارُونَ}. المعنى: وظهر الحق لمن شهد. وبطل سحرهم. {وَأُلْقِيَ السحرة سَاجِدِينَ}، عند معرفتهم أن (ذلك) الذي أتى به موسى (عليه السلام)، ليس إلا من السماء، {قالوا آمَنَّا بِرَبِّ العالمين}، أي صدقنا بما جاء به موسى وبربه وربِّ هارون. قوله: {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ}، إلى {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}. المعنى: قال فرعون لهؤلاء الذين آمنوا: {آمَنتُمْ بِهِ}، أي صدقتموه. قيل: " الهاء " لله. وقيل: لموسى، عليه السلام.
124
وفي موضع آخر: {آمَنتُمْ لَهُ} [طه: 71، الشعراء: 49]، أي: فعلتم الذي أراد، {قَبْلَ/ أَن آذَنَ} بذلك، {إِنَّ هذا لَمَكْرٌ}، أي: تصديقكم إياه {لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المدينة}، أي: خدعة خدعتم بها من في مدينتنا، {لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}، أي: تعلمون ما اصنع بكم. قل ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما، من أصحاب النبي، A: التقى موسى وأمير السحر، فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك تؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟ قال الساحر: لآتين غاداً بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتني لأؤمنن بك، ولأشهدن أنك نبي حق! وفرعون ينظر إليهما، فذلك قول فرعون: {إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المدينة}، إذ التقيتما لتتظاهرا فتخرجا منها أهلها. قوله: {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [مِّنْ خِلاَفٍ]}، إلى: {مُنقَلِبُونَ}.
126
معنى: {مِّنْ خِلاَفٍ}: أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى. وقال ابن عباس: أَوَّلُ من صلب، وأَوَّلُ من قطع من خلاف فرعون. قالت السحرة لفرعون إذا توعدهم بالقطع والصلب: {إِنَّآ إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} أي: صائرون وراجعون. قوله: {وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ [إِلاَّ أَنْ آمَنَّا]}، إلى: {قَاهِرُونَ}. المعنى: وما تنكر منا إلا إيماننا بربنا، إذ رأينا الآيات والحجج. ثم قالوا: {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً}، أي: أنزل علينا صبراً يشملنا فلا تُخْرِج عن الإيمان إلى الكفر بعذاب فرعون لنا، {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}، أي: أقبلنا إليك
على الإسلام. قال السدي: فقتلهم وقطعهم. قال ابن عباس: كانوا أول النهار سحرة وآخره شهداء. وقاله قتادة، وابن جريج. ثم قال تعالى مخبراً عنهم: {[وَ] قَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ}، أي: قال جماعة من أشراف قومه،: {أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ}، أي: أتدع يا فرعون، موسى وقومه من بني إسرائيل، {لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض} أي: كي يفسدوا عليك خدمك وعبيدك في أرضك من مصر، {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ}، أي: ويدع خدمتك موسى وعبادتك وعبادة آلهتك.
والنصب في {وَيَذَرَكَ} على الصرف، إن جعلت معنى الكلام: ليفسدوا في الأرض، وقد تركك وترك عبادة آلهتك. وإن جعلت المعنى {لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} على التوبيخ لفرعون عن تركه موسى (عليه السلام)، فنصبه على العطف على {لِيُفْسِدُواْ}. وقرأ ابن عباس، ومجاهد: " وَيَذَرَكَ وإلاَهَتَكَ ". أي عبادتك.
وكان فرعون إذا رأى بقرة سمينة أمرهم أن يعبدوها. وقوله: {أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى} [النازعات: 24]، يدل على أنهم كانوا يعبدون غيره، ممن هو دونه عندهم، فهذا يدل على صحة قراءة الجماعة: {وَآلِهَتَكَ}. قال ابن عباس حجة لقراءته (" وإِلاَهَتَكَ "): كان يعبد ولا يعبد. وبذلك قرأ مجاهد على معنى: وعبادتك. وبه قرأ الضحاك.
128
ومن قرأ: " وَإِلاَهَتَكَ "، تَأَوّلَه أن فرعون لم يكن يَعْبُدُ شيئاً، إنما كان يُعْبَد من دون الله، (سبحانه وتعالى). وقيل: إن قوم فرعون لهم أصنام يعبدونها، تقربهم إليه فما ترون. فأجابهم فرعون فقال: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}، أي: عالون عليهم بالملك والسلطان. {وَآلِهَتَكَ}، وقف. قوله: {قَالَ موسى لِقَوْمِهِ استعينوا بالله}، الآية. والمعنى: أن موسى (عليه السلام)، قال لقومه لما قال فرعون لقومه: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمْ}: {استعينوا بالله}، على فرعون وقومه، {واصبروا} على ما نالكم من المكاره في أنفسكم وأبنائكم. وكان قد اتبع موسى، (عليه السلام) من بني
إسرائييل ست مائة ألف، غير السحرة. ثم/ قال لهم موسى، (عليه السلام): {إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ}، أي: لعلكم إن صبرتم، ترثون أرضه، فإن الأرض لله، {والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ}، أي: العاقبة المحمودة لمن اتقى الله وراقبه. {مِنْ عِبَادِهِ}، [وقف]. وهذا يدل على أن ابن أدم غير مستطيع لشيء إلا بعون الله، (تعالى، له). وهو مذهب أهل السنة. ومثله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، وله [في] القرآن نظائر كثيرة، تدل على أن الإنسان غير مستطيع لفعل شيء إلا بعون الله (جلت عظمته) له
129
عليه. وعونه (سبحانه) إمَّا أن يكون توفيقاً لمؤمن، أو خذلاناً لكافر. قوله: {قالوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا}. الآية. المعنى: قال موسى (عليه السلام)، لموسى (صلوات الله عليه)، حين قال لهم: {استعينوا بالله واصبروا}: {أُوذِينَا} يقتل أبنائنا، {مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا} (برسالة الله D) ، { وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}، بما توعدنا به من القتل لأبنائنا. وقيل معنى: {وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}، أي: بدركنا فرعون فيقتلنا، وذلك حين تراءى الجمعان. قال ابن عباس: أَسْرى موسى (عليه السلام)، يبني إسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فإذا هم بَرهَجِ دواب فرعون، فقالوا: يا موسى، {أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا}، أي: بذبح أبنائنا، وإحياء نسائنا، {وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}، هذا البحر أمامنا، وهذا
فرعون قد رهقنا بمن معه؛ {قَالَ عسى (رَبُّكُمْ) أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرض فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}، من بعدهم فيجازيكم على ما وقع منكم وقد علم كيف تعلمون. و: " الأرض "، أرض الدنيا. وقيل: أرض الجنة. و: " الثانية " أرض الدنيا لا غير. و {عسى}: تَرَجِ، وهي واجبة من الله، ( D) .
130
{وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}، وقف. قوله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بالسنين}، إلى: {لاَ يَعْلَمُونَ}. لام {وَلَقَدْ}، لام توكيد تؤكد الكلام بمعنى القسم. والمعنى: ولقد ابتلينا تُبَّاعَ فرعون: {بالسنين}، أي: بالجدوب سنة بعد سنة، {وَنَقْصٍ مِّن الثمرات}، اختبرناهم بذلك، {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون}، بتوبة أو رجوع، فيعتبرون. قيل: إِنَّ ثمارهم نقصت حتى كانت النخلة تحمل تمرة واحدة.
وقوله: {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الحسنة}. أي: (إذا) جاءهم الخصب والعافية وكثرة الثمار، {قَالُواْ لَنَا هذه}، ونحن أولى بها، {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ}، أي: قحط ومرض، {يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ}، أي: تشاءموا بهم، فقالوا: هذا بشؤم موسى ومن معه. قرأ طلحة، وعيسى بن عمر: " تَطَيَّروا "، على أنه ماض.
وقرأ الحسن: " أَلاَ إنَّما طَيْرُهُمْ عِنْدَ الله "، بغير ألف. قال الله ( D) : { ألا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله}. أي: ألا إنما نصيبهم من الرخاء والجدب، وغير ذلك عند الله، D. قال ابن عباس، المعنى: ألا إن الأمر من قِبَلِ الله، ( D) . وقال مجاهد، المعنى: ألا إنما الشؤم فيما يلحقهم يوم القيامة مما وُعِدُوا به من الشر.
132
{ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. أي: لا يعلمون أن ما لحقهم من القحط وشدة، أنه من عند الله ( D) ، بذنوبهم. {لَنَا هذه}، وقف. {وَمَن مَّعَهُ}، وقف. قوله: {وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ}، إلى: {مُّجْرِمِينَ}. {مَهْمَا} عند الخليل: أصلها " ما " للشرط، زيدت عليها " مَا " للتوكيد، وأبدل من ألف " مَا " الأولى " هاء ".
وقال غيره: الأصل: " مَهْ " بمعنى: أكفُفْ، و " مَا " للشرط بعد ذلك. وحكى الكوفيون: " مهما " بمعنى: " مهما ". والمعنى: وقال (آل) فرعون لموسى: ما {تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا}، فنؤمن (ربك)، وندع دين فرعون، {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}.
قال الله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم}. " فالطوفان ": الماء. قاله الضحاك، / وأبو مالك. قال ابن عباس: هو الغرق. قال مجاهد: هو الموت. قال قتادة: سال عليهم [الماء] حتى قاموا [فيه قياماً]، فسألوا موسى، (عليه السلام)، أن
يسأل الله ( D) ، ليكشف عنهم ففعل. قال الضحاك: جاءهم من المطر شيء كثير، فسألوا موسى (عليه السلام)، أن يدعو الله ( D) ليكشفه عنهم، ويرسلوا معه بني إسرائيل، فدعا الله، فكشف عنهم وأخصبت البلاد، فعادوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فصب الله على زُرُوعهم الجراد فأكله، فسألوا موسى فدعا، فكشف عنهم. ثم عادوا إلى كفرهم. وروت عائشة عن النبي، A، أنه قال " {الطوفان}: الموت ". وعن ابن عباس قال: هو أَمْرٌ من (أمر) الله ( D) ، طاف (بهم)، وقرأ: {فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ} [القلم: 19]. و: {الطوفان}: مصدر كالنقصان، لا يجمع.
وقال الأخفش: هو جمع، واحدة: طوفانة. وقوله: {والجراد والقمل}. أرسل الله عليهم الجراد والقمل، وهو: الدَّبَى، فأكل زرعهم وثمارهم. ثم أكل الشجر والأبواب وسقوف البيوت. وابتلي الجراد بالجوع، فجعل لا يشبع. قال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: إن ذلك " الجراد "، كان يأكل المسامير، فَعَجُّوا إلى موسى، (عليه السلام)، وصاحوا وقالوا: يا موسى، هذه المرة! ف: {ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز}، وهو العذاب، {لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بني إِسْرَآئِيلَ} [الأعراف: 134]، فدعا لهم، فكشف عنهم بعدما
أقام سبعة أيام، فأقاموا شهراً، ثم عادوا لتكذيبه، ولأعمالهم السيئة. وقيل: {والقمل}: السوس الذي يخرج من الحِنْطَة. قاله ابن عباس، وابن جبير. وقال السدي، وعكرمة، وغيرهما: هو الدَّبَى الذي لا جناح له. وقال ابن زيد: هي البراغيث. وقال الحسن: هي دَوابٌ صَغَارٌ سُودٌ. وقال أبو عبيدة: {والقمل}: الحَمْنَانُ، وهو ضرب من القِرَاد،
واحدتها: حَمْنَانَةٌ. و {والقمل}: جمع واحدته: " قَمْلَةٌ ". قال سعيد بن جبير: لما أتى موسى (عليه السلام)، فرعون، قال له: أرسل معي بني إسرائيل! فأبى عليه فأرسل الله ( D) ، عليهم مطراً خافوا أن يكون عقاباً، فقالوا (لموسى): ادع لنا ربك يكشف عنا المطر، فنؤمن بك، ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه ( D) ؛ فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، فأنبت لهم ذلك المطر تلك السنة شيئاً لم ينبت لهم قبل ذلك من الزرع والثمر والكلإ. فقالوا: هذا ما كانا نتمنى، فأرسل الله عليهم الجِراد فسقط على الكلإ، فلما رأوا أثره في الكلإ عرفوا أنه لا يبقى الزرع. فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك يكشف عنَّا الجراد
فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيلّ! فدعا ربه، فكشف عنهم الجراد، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل! فدارسوا زرعهم وأحرزوا في البيوت، فأرسل الله ( D) ، عليهم القُمّلَ، وهو السوس الذي يخرج منه، فكان الرجل (يخرج) بعشرة أَجْرِبَةٍ [إِلى] الرَّحَى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة. فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك يكشف عنا هذا القُمَّل، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه فكشف عنهم، فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فينما هو جَالِسٌ مع فرعون، إذ سمع نقيق ضفدع، فقال موسى (عليه السلام) ما تلقى أنت وقومك من هذه! فقال: وما عسى أن يكون مثل هذا! فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى رقبته في الضفادع، ويهم أن
يتكلم فَيَثِبَ الضفدع في فيه، فقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا ونؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا فكشفه عنهم فلم يؤمنوا ولا أرسلوا معه بني إسرائيل فأرسل (الله) عليهم الدم، فكان ما استقوا من الأنهار والآبار وصار في أوعيتهم وجدوه دَماً عَبِيطاً، فشكوا إلى فرعون/ وقالوا: ليس لنا شراب! قد ابتلينا بالدم، قال: إنه سحركم! قالوا: ومن أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئاً من الماء إلا وجدناه دماً عبيطاً؟ فأتوا موسى (عليه السلام)، وقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل! فكشف عنهم ولم يفعلواما قالوا. قال السدي: وكان الإسرائيليُّ في كل هذا مُعَافىً من هذا كله. كان القبطيُّ
والإسرائيلي يستقيان من ماء واحد، يرفع القبطي دماً، والإسرائيل مَاءً. وعلى نحوة هذا الخبر روى أبو قتادة، وكذلك ذكر ابن عباس وغيرهما. حتى أنه رُوِيَ أن فرعون جمع (رجلين)، إسرائيلياً وقبطياً على إِناءٍ واحدٍ، فكان الذي يلي الإسرائيلي ماء، والذي يلي القطبي دماً. قال السدي: كان أحدهم يبني الأسطوانة، يرفع فقوها الطعام، فإذا صعد ليأكله وجده، (قد) ملئ دماً. قال ابن جبير: كان فرعون يجمع بين الرجلين على الإناء، القبطي والإسرائيلي، فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء، وما يلي القبطي دماً. وكان الرجل الإسرئيلي يركب السفينة مع القبطي فَيَغْرِفُ الإسرائيلي ماء،
ويَغْرِفُ القبطي دماً. وكانت المرأة القبطية، تأتي المرأة من بني إسرائيل، فتقول لها: اسقني من مائك من العطش، فتغرف لها من جَرَّتِها وتصب لها في قِرْبَتها، فيعود الماء دماً، حتى كانت تقول لها: اجعليه في فيك، ثم مُجِّيه في فِيَّ، فتأخذذ الإسرائيلية في فيها [ماء]، فإذا مُجَّتْهُ بِفِي القبطية، صار دماً، فمكثوا على ذلك سبعة أيام. قال ابن جبير، والحسن: كان إلى جنبهم كثيب أَعْفَرُ بقرية تدعى: " عَيْن شَمْس ": فمشى موسى، (عليه السلام)، إلى ذلك الكثيب، فيضربه بعصاه ضربة صار قُمَّلاً تدب إليه، وهي دواب سُودٌ صِغَار. فدبت إليهمن فأخذت أَشْعَارهم وأَبْشَارهم وأَشْفَار عيونهم، ولزمت جلودهم كالجُدَري، فاستغاثوا بموسى (عليه السلام). قالا:
وكان الرجل يضطجع فتركبه الضفادع رُكاماً حتى لا يستطيع أن ينصرف على شقه الآخر، ولا يعجن عجيناً إلا سقط فيه منه، ولا يطبخ قِدْراً إلا سقط فيه، فاستغاثوا. أرسل الله عليهم ذلك {آيَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ}، شيئاً، (بعد شيء) كان بين الآية والآية ثمانية أيام. ثم أخبر الله عنهم أنهم بعد هذه الآيات: {فاستكبروا وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ}، أي: تَعَظَّموا وتَجَبَّروا وعتوا عن أمر الله، ( D) .
134
قوله: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز [قَالُواْ ياموسى ادع لَنَا رَبَّكَ]}، الآية. قرأ ابن جبير، ومجاهد: " الرُّجْزُ "، بضم الراء. قال ابن جبير: لما ابتلي قوم فرعون بالآيات الخمس، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، قال موسى (عليه السلام) لبني إسرائيل: لِيَذْبَحْ كُلُّ رجل منكم كبشاً، ثم يُخَصِّب كفه من دمه، ثم يضرب به على بابه! ففعلوا، فقالت القبط لبني إسرائيل: لِمَ تجعلونن هذا الدم على أبوابكم؟ فقالوا: إن الله يرسل عليكم عذاباً، فنسلم وتهلكون وهكذا أمرنا نبينا، (عليه السلام)، فأصبحوا وقد طعن من قوم فرعون سبعون ألفاً، فأمسوا وهم لا يتدافنون. فقال فرعون ذلك لموسى (عليه السلام)،:
135
{ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ}، الآية، فالرجز: الطاعون. فدعا موسى (عليه السلام)، فكشف عنهم فوفى فرعون لموسى، وقال له: اذهب ببني إسرائيل حيث شئت، فكان أوفاهم كلهم. وقال مجاهد، وقتادة: {الرجز} /: هو العذاب الذي أرسل عليهم من الجراد والقمل وغيره، وهم في كل ذلك يعهدون إليه ثم ينكثون. ومعنى: {إلى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ}. أي: كشف الله عنهم العذاب في الدنيا إلى أجل هلاكهم وانقضاء أجلهم، فيغرقهم في البحر عند ذلك ويعاودهم العذاب. قوله: {فانتقمنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ}، الآية. المعنى: فلما نكثوا انتقمنا منهم، {فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي اليم}.
137
و " الْيَمُّ ": البحر. ومعنى {وَكَانُواْ} عن آياتنا {غَافِلِينَ}، أي: لا يعتبرون صحتها، ويعرضون عنها. قوله: {وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ [مَشَارِقَ الأرض]}، الآية. قوله: {مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا}، مفعول " بأورث ". وقال الفراء، والكسائي: هو ظرف. وتقدير الكلام عندهم:
{وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ} في {مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا} الأرض {التي بَارَكْنَا فِيهَا}، في مشارق الارض ومغاربها. ف (التي): مفعول ل: (أوْرَثْنَا). والمعنى: أورثنا بني إسرائيل، الذين كان فعرون يستخدمهم استضعافاً لهم، {مَشَارِقَ الأرض}، أي: أرض الشام، في قول الحسن، وهو ما يلي المشرق، {وَمَغَارِبَهَا} ما يلي المغرب، {التي بَارَكْنَا فِيهَا}، أي: التي جعلنا الخير فيها ثابتاً دائماً. وقال الليث: {الأرض}، هنا أرض مصر، وإِنَّ مصر هي التي بارك الله فيها. قال الليث: مصر مباركة في كتاب الله، جل ذكره، لقوله تعالى: {التي بَارَكْنَا فِيهَا}، قال: هي مصر، وهي مباركة. ومصر مشتقة من قولهم: مَصَرَ الشَّاةَ
يَمْصُرُهَا مَصْراً: إذا حلب كل شيء في ضرعها، فسميت: مِصْراً لاجتماع الخير فيها. وروي عن ابن عمر أنه قال. نيل مصرَ سَيّدُ الأنهار، وسخر الله، D له كل نهر بين المشرق والمغرب، وذلَّلَه له، فِإذا أراد الله، جل ذكره، أن يجري نيل مصر، أمر كل نهر أن يمده، فمدته الأنهار بمائها، وفجر الله له الأنهار عيوناً، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله، سبحانه، أوحى الله، D، إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. وقال ابن عمر، وغيره في قوله، تعالى: {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ *
وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الدخان: 25 - 26]، قال: كانت الجنات بِحَافَتَيْ هذا النِّيل، من أوله إلى آخره في الشقين جميعاً، ما بين: " أَسْوَان إلى: رَشِيد، وكان له سبعة خُلُج: خليج الإسكندرية، وخليج دِمْيَاط، وخليج سَرْدُوس، وخليج مَنْف، وخليج الفَيُّوم، وخليج المَنْهَى. وقيل: السابع، خليج سَخَا، كانت متصلة لا ينقطع
منها شيء عن شيء. وقوله: {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ}، يعني المنابر. كان بها ألف منبر. وقوله: {وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا}، قل الطبري: لا يجوز أن تكون: {مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا} نصباً على الظرف؛ لأن بني إسرائيل لم يكن يستضعفهم (أحداً) يؤمئذ إلا فرعون بمصر، فغير جائر أن يقال: {يُسْتَضْعَفُونَ} في مشارق الأرض وفي مغاربها. وقد غَلِطَ الطبري على الفراء؛ لأن الفراء لم يرد أنه ظرف: {يُسْتَضْعَفُونَ}، إنما
جعله ظرفاً مقدماً للأرض التي بورك فيها. فتقدير الكلام: {وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ} الأرض التي باكرنا (فيها) في مشارق/ الأرض ومغاربها. وهذا أحسن في المعنى، وإن كان النصب بـ: {وَأَوْرَثْنَا} على أنه مفعول به أحسن. وقوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحسنى على بني إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ}. أي: تَممَّ الله ( D) لهم ما وعدهم به من تمكينهم في الأرض ونصرهم على فرعون عدوهم، بِصَبْرِهم على عذاب فرعون لهم. وهذا يدل على أن الصبر عند البلاء أحمد من مقابلته بمثله؛ لأن البلاء إذا قوبل بمثله وُكِلَ فاعله إليه، وإذا قوبل بالصبر وانتظار الفرج من الله، جل ذكره، أتاهم الله، ( D) ، بالفرج الذي أملوه واننتظروه من الله، (سبحانه).
وقال مجاهد: هو ظهور قوم موسى على فرعون. و" الكلمة " هنا: قول موسى: {عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرض} [الأعراف: 129]. وقيل: هو قوله: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} [القصص: 5]، إلى {يَحْذَرُونَ} [القصص: 6]. وقوله: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ}. أي: أهلكنا ما عَمَّروْا وَزَرَعُوا.
{وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ}. أي: (وأهلكنا) ما كانوا يبنون، أي: خَرَّبنا ذلك. والضم والكسر في " راء ": {يَعْرِشُونَ}، لغتان.
138
قوله: {وَجَاوَزْنَا ببني إِسْرَآئِيلَ البحر}، إلى قوله: {(بلاء) مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ}. والمعنى: وقطعنا ببني إسرائيل البحر بعدما رَأَوا من الآيات والعِبر فلم يَتَّعِظوا بذلك ويزدجروا، حتى قالوا، إذ مَرُّوا بقوم مقيمين على أصنام لهم يعبدونها: {ياموسى اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}. و: {يَعْكُفُونَ}. يقيمون ويواظبون ويلازمون. والضم والكسر في " الكاف " لغتان.
فقال لهم موسى: (عليه السلام): {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}. أي: تجهلون نعمة الله ( D) ، عليكم وحقه، وتجهلون أنه لا تجوز العبادة إلا لله، (سبحانه). قال ابن جريج {على أَصْنَامٍ لَّهُمْ}، تماثيل بقر. ومن أجل ذلك شبه عليهم السامري بالعجل. يريد أنه من تلك البقر التي ريأتموها تعبد. فعبدوه أربعين يوماً. وهؤلاء القوم الذين مروا بهم عاكفون على عبادة الأصنام، قيل: هم من لخَمْ. قاله قتادة.
وقيل: بل كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى (عليه السلام)، بقتالهم. قوله: {إِنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ (وَبَاطِلٌ)}. هذا خبر من الله ( D) ، عن قول موسى (عليه السلام)، لقومه. و {مُتَبَّرٌ}: مُهْلَكٌ، وباطل عملهم. وقال ابن عباس {مُتَبَّرٌ}: خُسْران. ومعنى {مُتَبَّرٌ}، عند أهل اللغة: مُهْلَكٌ ومُدَمَّر.
ثم قال لهم موسى: {أَغَيْرَ الله أَبْغِيكُمْ إلها}. أي: أسوى أطلب لكم مَعْبُوداً، {وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين}، أي: عالم عصركم. ثم قال تعالى مخاطباً اليهود الذين بين ظَهْرَانيَ النبي، يقرعهم بما فعل بآبائهم: {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ}، أي: واذكروا مع ما قلتم لموسى، (عليه السلام)، بعدما رأيتم من الآيات والعبر، {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب}، أي: يحملونكم على أقبح العذاب. وقيل معناه: يولونكم. ثم بينهما هو، فقال: {يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذلكم بلاء مِّن رَّبِّكُمْ
142
[عَظِيمٌ]}، (أي): اختبار من الله لكم. وقيل: معناه: نعمة عظيمة، يعني: في إنجائه لهم. ف: " الَبَلاَء " ها هنا يصلح أن يكون النِّعْمَة على إنجائهم. ويصلح أن يكون الاختيار فيما تولى منهم فرعون. قوله: {وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً}، الآية. قال الكلبي: لما قطع موسى (عليه السلام)، البحر ببني إسرائيل وغَرَّق الله (سبحانه)، فرعون، قالت بنو إسرائيل (لموسى) /: يا موسى، ائتنا بكتاب من ربنا كما وعدتنا، وزعمت أنك تأتينا به إلى شهر، فاختار موسى (عليه السلام) قومه سبعين
رجلاً لينطلقوا معه، فلما تجهزا قال الله (تعالى) لموسى: أخبر قومك أنك لن تأتيهم أربعين ليلة وذلك حين أتمت بشعر. فلما خرج موسى (عليه السلام) بالسبعين، أمرهم أن يتنظروه في أسفل الجبل وصعد موسى الجبل، فكلمه الله أربعين [يوماً وأربعين] ليلة، وكتب له فيها الألواح. ثم إن بني إسرائيل عدّوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فقالوا: قد أخلفنا موسى الوعد. وجعل لهم السامري العجل فعبدوه. وقال ابن جريج: لما نَجَّى الله موسى، (عليه السلام)، وأغرق فرعون وقومه، أمره ربه، ( D) ، أن يلقاه، فلما أراد أن يلقاه استخلف هارون على قومه، ووعدهم أن يأتيهم إلى ثلاثن ليلة، ميعاداً من قِبَلِهِ، فلما تمت [ثلاثين] ليلة قال إبليس للسامري: ليس يأتيكم موسى؛ وما يصلحكم إلا إله تعبدونه! فناشدهم هارون ألا يفعلوا. وأحدث الله، تعالى، لموسى (عليه السلام) بعد الثلاثين أجلاً آخر إلى عشر ليال.
وقيل: إن السامري قال لهارون: يا نبي الله، إنا استعرنا يوم خرجنا من القبط حَلْيً كثيراً، وإن الجند الذين معك قد أسرعوا في الحَلْيِ يبيعونه، وإنما كان عاريةً من آل فرعون، وقد ماتوا، ولعل أخاك موسى إذا أتى يكون له فيه رأي، فإما أن يقربها قرباناً تأكلها النار، وإما أن يجعلها للفقراء دون الأغنياء! فقال له هارون: نعم ما قلت! فأمر بجمعها، وقال: يا سامري، أنت أحق من كانت عنده هذه الخزانة! فقبضها السامي، وكان صَائِغاً فصاغ منها عِجْلاً جَسَداً، ثم قذف في جوفه تُرْبَةً من القبضة التي قبض من أثر فرس جبريل (عليه السلام)، فجعل يخور، وقال لبني إسرائيل: إنما تخلف موسى بعد الثلاثين يلتمس هذا: {هاذآ إلهكم وإله موسى فَنَسِيَ} [طه: 88]، يقول: إنَّ موسى نسي ربه. وقيل: إنه أمره الله أن يصوم ثلاثون يوماً، ويعمل فيها بما يقربه إليه، ثم أنزل عليه التوراة في العشر وكلمه فيها.
وقيل: لما صام [موسى] ثلاثين يوماً ذكر خَلُوف فيه فاستاك بعود خَرُّوبٍ، فقالت [له] الملائكة: إنا كنا نستنشق من فيك رائحة المسك، فأفسدته بالسواك، وزيدت عليه العشر ليال. يقال: خلف الله عليكم بخير: إذا مات لهم من لا يُعْتَاضُ منه، مثل الوالدين. وأَخْلَفَ الله عليكم بخير: إذا مات من يُعْتَاض منه، كالزوجة وشبهها. قوله: {وَأَصْلِحْ}. أي: لا تدع العجل يعبد.
وقيل المعنى: أصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله، ( D) . { وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين}. أي: لا تسلك طريقهم. قال مجاهد الثلاثون ليلة: والقعدة، والعشر: عشر من ذي الحجة. وقوله: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}، دل (به) على أن " العشر ": ليال، (وأنها ليست) بساعات.
143
وقيل: توكيد. وقيل: هو بمنزلة قولك إذا جملت الأعداد: فذلك كذا وكذا، أي: ليس بعد ذلك عدد. وقيل: إنما أعاد ذكر الأربعين لرفع اللَّبس؛ لأن العشر يحتمل أن تكون لغير المواعدة، فلما أعاد ذكر الأربعين مع لفظ المواعدة دل على أنها داخلة مع الثلاثين في المواعدة، وأن زمن المواعدة أربعون ليلة، ولو لم يعد ذكر الأربعين/ مع المواعدة لجاز أن يكون زمن المواعدة ثلاثين ليلة، والعشر لغير المواعدة، فبين ذلك بإعادة الأربعين. قوله: {وَلَمَّا جَآءَ موسى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}، الآية. (ومعنى: {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ})، أي: أفهمه ما شاء من كلامه الذي ليس ككلام المخلوقين الي [هو] حركات اللسان وظهور الأصوات، فكلامه، D، ليس
ككلام الآدميين، إذ ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء، وعلينا أن نقف حيث انتهى بنا العلم، ولا نُكَيّفُ وَنَحُدُّ، ونسلم الأمر لله، ( D) ، ونقول كما قال، ولا نشبه؛ لأنه، تعالى، قد نفى التشبيه [كله] بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]. ومن لم يمد {دَكّاً}، جعله مصدر دَكَكْتَهُ: إذا كسَّرته وفتته. ومعناه: جعله مُفَتَتاً كالتراب والمَدَر. وشاهده قوله: {[إِذَا] دُكَّتِ الأرض دَكّاً دَكّاً} [الفجر: 21] ٍ، وقوله: {فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة: 14]، فتقديره: جعله مدكوكاً، ثم أقام المصدر مقام اسم المفعول.
وقيل: إن قوله: {جَعَلَهُ دَكّاً}، مثل: دُكَّه دُكَاً، فهو مصدر قد عمل فيه فعل من غير لفظه، فهو محمول على المعنى. ومن مد {دَكّاً}، فمعناه: جعله: " مِثْل دَكَّاء "، ثم حذف مثل، (وأجراه مُجْرى): {وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82]. وهو قول الأخفش. وقال قطرب المعنى: جعله أرضاً دكاء، ثم أقام الصفة مُقام الموصوف مثل: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} [البقرة: 83].
وقال الفراء: {دَكّاً} و {دَكّاً} مثل: " البَأْس " [والبَأْسَاء]، كأنه جعله بمعنى واحد. ومعنى الآية: قال الربيع في قوله، تعالى: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} [مريم: 52]، حدثني بعض من لقي أصحاب رسول الله A، قال: قُرَّبه الرب، تعالى، إليه حتى سَمِعَ صَرِيفَ القَلَمِ، فقال عند ذلك من الشوق: {رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي}. قال السدي: لما كلمه، أحب أن ينظر إليه، فقال له: {لَن تَرَانِي ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}، فَحَفَّ الله حول الجبل ملائكته، وحَفَّ حول الملائكة بنار، وحَفَّ حول النار بملائكة، وحَفَّ حول الملائكة بنار، ثم تجلى ربه للجبل. وقال أبو بكر الهذلي: تخلف موسى بعد الثلاثين حتى سمع كلام الله، سبحانه، اشتاق إلى النظر إليه فقال: {رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي}،
(أي): ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا؛ فإن نم نظر إليّ مات، قال: إلهي، سمعت كلامك، واشتقت إلى النظر إليك، ولأَن أنظر إليك ثم أموت، أحبّ إلي من أن أعيش ولا أراك: قال: فانظر {إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}. قال مجاهد: يعني أنه أكبر منك، وأشد خلقاً، فنظر موسى، (عليه السلام)، إلى الجبل لا يتمالك [و] أقبل يَنْدَكُّ على أوله. فلما رأى موسى (عليه السلام) ما يصنع الجبل، خَرَّ صَعِقاً. وقال الحسن: لما كلمه ربه دخل قَلْبَ موسى، A، من السرور من كلام الله ( A) ، ما لم يصل إلى قلبه مثله قط. فدعت موسى (عليه السلام)، نفسه
[إلى] أن يسأل ربه ( D) ، أن يريه نفسه، تبارك وتعالى، ولو كان عَهِدَ إليه قبل ذلك أنه لا يرى، ما سأله ذلك. ويروي: أن موسى عليه السلام مكث بعد أن كلمه ربه D أربعين ليلة لا يراه [أحد] إلا مات من نور رب العزة. قال وهب: كلم الله (سبحانه)، موسى في ألف مقام، فكان إذا كلمه الله، (سبحانه) رئي النور على وجهه ثلاثاً، وما قرب موسى، عليه السلام النساء مذ كلمه [الله]، جل وعز. قوله: {فَلَمَّا تجلى/ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ}.
أي: اطلع (إلى) الجبل، {جَعَلَهُ دَكّاً}، أي مستوياً بالأرض {وَخَرَّ موسى صَعِقاً}، أي: مغشياً عليه لم يمت. قال ابن عباس: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر، {جَعَلَهُ دَكّاً}، أي: تراباً. وقال قتادة: {صَعِقاً}، [أي]: ميتاً. وقال سفيان: ساخ الجبل في الأرض، حتى وقع في البحر. وقال أبو بكر الهذلي: انقعر الجبل فدخل تحت الأرض، فلا يظهر إلى يوم القيامة.
وروى سفيان الثوري عن الكلبي [أنه] قال: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر الذي تحت الأرضين السَّبْع، فهو يهوي إلى يوم القيامة. وقال القُتْبي: {دَكّاً} ألصقه بالأرض. يقال: " نَاقَةٌ دَكَّاء ": إذا لم يكن لها سَنَامٌ. وقيل معنى دَكَكْتُ: دَقَقْتُ. أبدل من القافين كافان لقرب مخرجيهما. وكان الطبري يختار قراءة: (دكاء) بالمد؛ لأنه قد ثبت عن النبي، A، أنه (قال): " ساخ الجبل "، ولم يقل: " تفتت "، ولا " تحول تراباً ". وإذا ساخ
وذهب ظهر وجه الأرض، فصار بمنزلة (الناقة) التي ذهب سنامها. قوله: {فَلَمَّآ أَفَاقَ}. أي: من غشيته، {قَالَ سُبْحَانَكَ}، أي: تنزيهاً لك، يا رب، أن يراك أَحَدٌ في الدنيا، ثم يعيش، {تُبْتُ إِلَيْكَ}، عن مسألتي إياك الرؤية في الدنيا، {وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين}، أي: أولهم أنَّكَ لاَ تُرَى فِي الدُّنْيا. قال ابن عباس: مرت الملائكة بموسى وقد صعق، فقالت: يا ابن النساء الحُيَّض، لقد سألت ربك شيئاً عظيماً! فقال: {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ}، من سؤالي الرؤية في الدنيا، {وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين} أي أول من يؤمن، أي: يصدق بأنه لاَ يَرَاكَ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِكَ فِي الدُّنْيا. قال ابن عباس: {وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين}، أي: أول من آمن بك من بني إسرائيل. وقال مجاهد: وأنا أول قومي إيماناً.
144
قوله: {قَالَ ياموسى إِنِّي اصطفيتك عَلَى الناس}، الآية. والمعنى: اخترتك على الناس، {بِرِسَالاَتِي} التي أرسلتك بها إليهم {وَبِكَلاَمِي}، الذي ناجيتك به دون غيرك من خلقي، {فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ}، أي: (خذ) ما أعطيتك من أمري ونهيي وتمسك به، واعمل به، {وَكُنْ مِّنَ الشاكرين}، على ما فضلتك به. قوله: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ}، إلى قوله: {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. المعنى: وكتبنا لموسى في ألواحه {مِن كُلِّ شَيْءٍ}، من التذكير والتنبيه على نعم الله، (تعالى)، وعظمته وسلطانه ومن المواعظ لقومه ومن الأمر بالعمل بما فيها، {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} أي: تبييناً لكل شيء من أمر الله (سبحانه)، في الحلال والحرام.
ومعنى: {مِن كُلِّ شَيْءٍ}، (أي): من كل شيء يحتاج إليه من أمر الدين. قال ابن عباس: إن موسى (عليه السلام)، لما كَرَبَهُ المَوْتُ، قال: هذا من أجل آدم! أنزلنا هاهنا! قال الله: يا موسى، أبعث إليك آدم فتخاصمه؟ قال: نعم! فلما بعث الله، جل وعز، آدم عليه السلام، سأله موسى، (عليه السلام)، فقال أبونا آدم (عليه السلام)،: يا موسى، سألت الله أن يبعثني إليك! قال موسى لولا أنت لم تكن ها هنا! قال له آدم (عليه السلام): [أليس] قد أتاك الله من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء أفلست تعلم أن {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كتاب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} [الحديد: 22]، قال موسى: نعم، فخصمه (آدم عليه السلام).
قوله: {بِقُوَّةٍ}. أي: بِجِدَّ. وقيل: بالطاعة. ف: " الهاء " في " خُذْها " و " أَحْسَنها "، تعود على {الألواح}. وقيل: على " التوراة ". {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا}. أي: بأحسن ما يجدون فيها، وذلك أن يعملوا بما أمرهم ولا يعلموا بما نهاهم/ عنه. فمعنى {بِأَحْسَنِهَا}: ليس أنهم يتركون شيئاً من الحسن، إنما يعملون بالمعروف
ولا يعملون بالمنكر. وقيل: المعنى: {بِأَحْسَنِهَا} لهم، وهو العمل بما أمروا به، والانتهاء عما نُهُوْا. وقيل: ليس أفعل للتفضيل، إنما هو [بمعنى] اسم الفاعل، كما قيل: " الله أَكْبَرُ " بمعنى: كبير. فالمعنى: يأخذوا بالحسن من ناحيتها وجنسها وما يدخل تحتها (به). وقيل: إن المعنى: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ} يعملون بأحسن ما هو لهم مطلق مثل: {وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ فأولئك مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ} [الشورى: 41]. ثم قال: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور} [الشورى: 43]. فالانتقام جائز، (والعفو جائز)، والعفو أحسن، فكذلك أمروا أن يعملوا بأحسن ما أُبِيحَ لهم فعله. وقيل المعنى: إن التوراة كلها حسنة لكن فيها: أقاصيص الإحسان، والإساءة والطاعة، والمعصية، والفعو، والنقمة، فأمروا أن يأخذوا بأحسن هذه الأفعال التي نُصَّتْ عليهم. ومنه قوله: {يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18]. فإن قيل: إن فيها حكاية الكفر، والشرك، " وأفعل " يوجب التفضيل، فهل في هذا حسن دون
غيره، فذلك جائز كما قال: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ} [البقرة: 221]. وقوله: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين}. (هو) تهديد وتوعد لمن لم يأخذ بأحسنها وخالف ما فيها، والكلام، دَلَّ على ذلك. و {دَارَ الفاسقين}: النّار. وهو قول مجاهد، والحسن. وقال قتادة {دَارَ الفاسقين}: منازل الكافرين الذين سكنوا قبلهم من الجبابرة والعمالقة، وهي الشام. وقيل المعنى: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ [الفاسقين]}، فرعون وقومه، وهي مصر.
قال ابن جبير: رفعت لموسى، (عليه السلام)، (حتى) نظر إليها. قال قتادة: {دَارَ الفاسقين}، منازلهم التي كانوا يكسنونها تحت يدي فرعون. وقيل: المعنى: {سَأُوْرِيكُمْ} مصير الفاسقين في الآخرة، وما أعد لهم من أليم العذاب. وقوله: {سَأَصْرِفُ [عَنْ آيَاتِي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض]}، [الآية]. أي: أحرمهم فهم القرآن، أي سأنزع منهم فهم الكتاب. قاله سفيان بن عُيَيْنَة.
وقال ابن جريج: سأصرفهم عن أن يتفكروا في خلق السماوات والأرض وما بينهما من الآيات، وأن يعتبروا بها. وقيل معناه: سأمنع قلوبهم من الفكرة في أمري. وقال أبو إسحاق المعنى: سأجعل جزاءهم، في الدنيا على كفرهم، الإضلال عن هدايتي. وقال الحسن المعنى: سأصرفهم عنها، حتى لا يؤمنوا بها. ومعنى {يَتَكَبَّرُونَ}، أي: يحقرون الناس، ويروا أن لهم فضلاً عليهم،
ويتكبرون عن الإيمان بالقرآن والنبي، ( A) . { وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا}. أي: وإن يروا كل حجة لا يصدقوا بها، ويقولون: هي سِحْرٌ وَكَذِبٌ. {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً}. أي: وإن يروا طريق الهدى لا يتخذوه طريقاً لأنفسهم. و {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغي يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً}. أي: وإن (يروا) طريق الهلاك والعطب يتخذوه لأنفسهم. ثم قال تعالى: {ذلك بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} آية. أي: فعلنا بهم أن صرفناهم عن آياتنا، من أجل أنهم {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ
عَنْهَا غَافِلِينَ}، أي: لا يتفكرون فيها، لا هين عنها. و (الرُّشْدُ) و (الرَّشَدُ): لغتان. وحُكِيَ عن ابن عمرو [بن العلاء] أنه قال: (الرُّشْدُ): الصلاح، والرَّشَد) في الدّينِ. ثم قال تعالى/: {والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ الآخرة}، الآية. المعنى: وكل مكذب بالقرآن، والأدلة على توحيد الله، ( D) ، وينكر نبوة محمد ( A) ، والبعث، {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}، أي: بطلت.
148
(أعمالهم) وذهبت {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، أي: إلا ثواب عملهم في الآخرة. قوله: {واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ (عِجْلاً)} إلى قوله: {مِنَ الخاسرين}. قوله: {حُلِيِّهِمْ}، واحده: حَلْيٌ، مثل: فَعْلٌ. وباب " فَعْلٌ " أن يجمع في أكثر العدد على: فَعُول، فأصله: حُلُويٌّ، ك " قَلْب وقُلُوب "، ثم أدغمت الواو في الياء لسكونها قبلها، فصارت " حُلُيُّ " فاجتمع ضمان، بعدهما ياء شديدة، فاستثقل ذلك، فكسرت " اللام "، وبقيت " الحاء " على ضمتها لتدل على أنه جمع، [و] على أن الأصل في " اللام " الضم، إذ ليس في الكلام " فِعَيل ".
ومن كسر " الحاء "، أتبعها كسرة " اللام " ليعمل اللسان من حَيِّزٍ وَاحِدٍ. والمعنى: إن بني إسرائيل اتخذوا العجل الذي صاغ لهم السامريّ إلها، بعدمضي موسى (عليه السلام)، إلى ميقات ربه، ( D) ، وقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى قد نسيه عندكم، ومضي يطلبه، وكان قد صاغه لهم من حَلْي بني إسرائيل الذي استعاروه من القِبْط، إذ خرجوا مع موسى، (صلى الله لعيه وسلم)، وروي أن موسى أمرهم بذلك. ومعنى: {جَسَداً}، لا رأس له. قيل: كان جثة لا رأس له. وقيل: معنى: {جَسَداً}، أي جثة لا يعقل ولا يميز.
{لَّهُ خُوَارٌ}. أي: صوت البقر، فَضَلَّ هؤلاء بما لا يجوز أن يَضِلَّ به أهل العقول. {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً}. أي: لا يرشدهم طريقاً ولا بكلمهم، وليس هذا من صفات الرب الذي له العبادة، بل صفته أنه يكلم أنبياءه، ويرشدهم إلى طريق الخير. ثم قال تعالى: {اتخذوه وَكَانُواْ ظَالِمِينَ}. أي: اتخذوا العجل إلها، {وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} في ذلك، أي: واضعين الشيء في غير موضعه. {جَسَداً}، وقف عند نافع. والحسن أن يوقف على: {لَّهُ خُوَارٌ}؛ لأنه من صفته.
ثم قال تعالى: {وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ}. أي: ندموا على عبادته، {وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ}، أي: علموا أنهم ضالون في عبادة العجل جائزون عن قصد السبيل، إذ عاينوه وقد حرق بالمِبْرَجِ ونسف في البحر، وهو لا يمنع ولا يدفع، {قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا}، أي: يتعطف علينا بالتوبة. {وَيَغْفِرْ لَنَا}، أي: ما جنيناه من عبادة العجل، {لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين}، فأبى الله، تعالى، أن يقبل توبتهم إلا أن يقتلوا أنفسهم، على ما ذُكِرَ في سورة البقرة.
وفي حرف أُبَيٍ: " قالوا رَبَّنَا لَئِنْ لمْ تَرْحَمْنَا وَتَغَفِرْ لَنَ "، وهو شاهد لمن قرأ بـ: " التاء "، ونصب: {رَبُّنَا}. وله وجه آخر، وهو أن الدعاء يتضمن الخبر، ففيه معنيان، والخبر لا يتضمن الدعاء إنما فيه معنى واحد، فالنداء أبلغ. وقرئ: "ولما سقط ", بفتح السين: بمعنى: سقط الندم (فى ايديهم).
150
قوله: {وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غضبان}، الآية. كان هارون أخا موسى (عليه السلام)، شقيقه، وإنما قال له: {ابن أُمَّ}، لى طريق الاستعطاف بالرحم. فمن قرأ ي {ابن أُمَّ}، بالفتح، فالتقدير عند الكسائي، والفراء، وأبي عبيد: يا ابن أماه، ثم حذف. وهو عند البصريين يبنى ك " خَمْسَةَ عَشَرَ ".
ومن كسر " الميم "، فقال أبو حاتم، والأخفش: حذف الياء لدلالة الكسرة عليها، وهي لغة لبعض العرب، يقولون: يا غُلاَمَ غُلاَمِ أَقْبِل. وحكى الأخفش: هذا غُلاَمِ يا هذا، بغير ياء في غُلاَمِي. وأحسن منه عند أهل النظر: أن يكون بناء الاسمين اسماً واحداً، ثم أضافه بعد ذلك. وشبه أبو عمرو الفتح بقولهم: هُوَ جَارِي بَيْتَ بَيْتَ، ولقيته كِفَّةَ كِفَّةَ يا فتى.
ولا يفعل ما فعل في الأم والعم في غيرهما، لا يقال: يَابْنَ أَبِ ولا يَابْنَ أختِ، ولا شبهه، ولا يجوز الفتح إلا في الأم والعم، وذلك لكثرة الاستعمال. وقرأ مجاهد ومالك بن دينار: " فَلاَ تَشْمَتْ بِيَ الأَعْدَاءُ "، بفتح " التاء " و " الميم "، ورفع: " الأعداء " بفعلهم، وهو مثل قوله: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} [البقرة: 132]، أي: اثبتوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت. فالمعنى: فلا تشمت من أجلي
الأعداء. وحكى أبو عبيد عن حُمَيْد " تَشْمِتْ "، بفتح " التاء " وكسر " الميم ". ولا جه له؛ لأنه إنما يقال: " شَمِتَ " فإن سمع " شمت " بالفتح، فهي لغة من العرب، ولَمْ يَرُوْا ذلك. ومعنى الآية: أن الله (تعالى) أعلم موسى (عليه السلام)، أنه قد فتن قومه، وأن/ السامري قد أضلهم، فرجع موسى غضبان على قومه أسفاً عليهم. و" الأسف ": شدة الغضب.
وقال أبو الدرداء: " الأسف " منزلة وراء الغضب، أشد منه. وقال السدي: " {أَسِفاً}: حزيناً. وكذلك قال الحسن، وابن عباس. ومن هذا قولهم للعبد: " أَسيفٌ "؛ لأن مقهور، وحزين مستعبد، وكذلك قيل للأجير: " أسِيفٌ ": لأنه مستخدم، ومخزون على استخدام الناس له.
قوله: {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بعدي}. أي: بئس الفعل فعلتم بعد فراقي إياكم، في عبادتكم العجل. {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ}. أي: أسبقتم أمره؟ يقال: " عَجِلْتُ الرَّجُلَ ": سبقته، و " أَعْجَلْتُهُ ": استعجلته. والفرق بين " العَجَلَة " و " السرعة "، أن العجلة: التقدم بالشيء قبل وقته، والسرعة: عمله في أقل أوقاته. {وَأَلْقَى الألواح}. أي: ألقاها غَضَباً على قومه. ثم أخذ برأس أخيه يجره إليه غضباً. قاله ابن عباس. [قال ابن عباس]: لما رجع موسى (عليه السلام)، إلى قومه، وصار قريباً منهم،
سمع أصواتهم، فقال: إنني لأسمع أصوات قوم لاهين، فلما عاينهم وقد عكفوا على العجل، ألقى الألواح فكسرها، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وقال {مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضلوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 92 - 93]. قال قتادة أخذ الألواح، وقال: رب، إني أجد في الألواح أمة (خير أمة) أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد قال: إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون في دخول الجنة، رب اجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلُهُمْ في صدورهم يقرأونها، رب فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون فُضُول
الضَّلاَلَةِ، حتى يقاتلوا الأَعْوَرَ الكَذَّابَ، رب فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد قال: رب، إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهمه، ثم يُؤْجَرُونَ عليها، [قال]: فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني إجد في الألواح أمة إذا هَمَّ أحدهم بحسنة، ثم لم يعملها كتبت له حسنة، فإن عمَلِهَا كتبت له عشر أمثالها إلى سبع مائة، رب اجعلهم أمتي! قال: تلك [أمة] أحمد! قال: رب، إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بالسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، رب فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب [إني] أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم، رب اجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفعون والمشفع لهم، فاجعلهم أمتي قال:
تلك أمة أحمد (قال): فذكر لنا أن نبي الله (عليه السلام)، نبذ الألواح وقال: الله اجعلني من أمة أحمد قال: فأعطى الله موسى شيئين لم يعطها نبي، قال الله: {ياموسى إِنِّي اصطفيتك عَلَى الناس بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} [الأعراف: 144]، فرضي موسى (عليه السلام)، والثانية قوله: {وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159]، فرضي موسى (عليه السلام) كل الرضى. ويروى أن التوراة كانت سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستعة أسباعها، وبقي السبع، وكان فيما رفع: " تفصيل كل شيء ". وبقي: " الهدى والرحمة " في السبع الباقي. قال مقاتل: كانت لوحين. فيكون هذا مما جُمِعَ في مَوْضِعِ التَّثْنِية، كما قال: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78]، يريد:
داوود وسليمان. وله نظار قد ذكرت. وقال الربيع بن أنس: كانت التوراة سبعين وسق بعير، يقرأ الجزء منها في سنة، لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى، وعيسى، وعُزَير، ويوشع عليه السلام. [و] قال ابن جبير: كانت الألواح من ياقوتة. وقال مجاهد: كانت من زُمَرُّدٍ أخضر. وقال أبو العالية: كانت من زَبَرْجَدٍ.
وقال ابن عباس: لما تكسرت رفعت إلا سدسها. وقال ابن جبير: كانت الألواح من زُمُرّدُ، فلما ألقى الألواح ذهب الفصيل، وبقي الهدى/ والرحمة، وهو قوله: {وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ} [الأعراف: 154]. وقال الفراء: ذكر أنهما كانا لوحين. وذك النحاس أنه قيل: إنما أخذ برأس (أخيه) هارون على جهة المسارة لا غيره، فكره هارون أن يتوهم من حضر أن الأمر على خلاف ذلك. فقال: {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} [طه: 94]. وكان هارون أخاه لأُمِّهِ.
151
وقيل: شقيقه. {وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القوم الظالمين}. يعني: أصحاب العجل. قوله: {قَالَ رَبِّ اغفر لِي وَلأَخِي}، إلى قوله: {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. والمعنى، قال موسى، لما تبين له عُذْرُ أخيه: {رَبِّ اغفر لِي وَلأَخِي}، أي: اغفر لي من الغضب الذي من أجله ألقيت الألواح، واغفر لأخي ما كان من مساهلته في بني إسرائيل؛ لأن هارون إنما تركهم بعد أن نهاهم ووعظهم ولم يطيعوه، فتركهم خشية غضب موسى (عليه السلام)، ألا ترى أنه قال له: {إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 94].
وقيل: إنما استغفر لذنوب كانت قبل ذلك الوقت؛ لأن غضبه كان الله [عليه السلام]. وهارون إنما ترك بني إسرائيل خوفاً أن يتفرقوا وَيَتَحَازَبُوا. وقيل: (بل) استغفر موسى من فعله بأخيه، واستغفر لأخيه من سَالِفٍ سَلَفَ بينه وبين الله، جل وعز. ثم قال تعالى مخبراً عما يؤول إليه أمر الذين اتخذوا العجل إلاهاً: {إِنَّ الذين اتخذوا العجل سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ}، أي: اتخذوه إلاهاً. قال ابن جريج: الغضب لمن مات ممن اتخذ العجل قبل أن يرجع موسى، ولمن فرَّ إذ أمرهم أن يقتل بعضهم بعضاً، [وهي توبتهم].
154
وقيل: الذلة: أخذ الجزية. {وَكَذَلِكَ نَجْزِي المفترين}. قال ابن عيينة: كلُّ صاحِبِ بِدْعَةٍ ذَلِيلٌ. وقيل الذلة: هو ما رأوه من ضلالتهم، وهو قوله: {وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ} [الأعراف: 149]. ثم قال تعالى: {والذين عَمِلُواْ السيئات ثُمَّ تَابُواْ}. أي: من عمل كبيرة أو صغيرة ثم تاب، تاب الله عليه، كما تاب على متخذي العجل إلاهاً. وقوله: {مِن بَعْدِهَا}، أي من بعد توبتهم، {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قوله: {وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب}، إلى قوله: {خَيْرُ الغافرين}.
قوله: {لِرَبِّهِمْ}. قال المبرد " اللاَّم " متعلقة بمصدر، والمعنى: {والذين} وَهَبَتُهُمْ لِرَبِّهم. وقال الكوفيون: هي زائدة. وسمع الكسائي الفرزدق يقول: " نَقَدتُ لَهَا مِائةَ دِرْهِمٍ "، بمعنى " نَقَدْتُهَا ". وحكى الأخفش: أن المعنى، والذين هم من أجل ربهم يرهبون.
والمعنى: ولّما سكن عن موسى (عليه السلام)، غَضَبُهُ. يقال: سَكَتَ سَكْتاً، إذا سَكَنَ، وسَكَتَ سُكُوتاً وسُكْتاً، إِذَا قَطَعَ الكَلاَمَ. {أَخَذَ الألواح}. أي: أخذها بعدما ألقاها، وقد ذهب منها ما ذهب. وقيل المعنى: ولما سكت موسى، (عليه السلام)، عن الغضب، مثل: أدخلت القلنْسُوَةَ في رأسي. {وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ}.
أي: فيما كتب منها هدى ورحمة، {لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}، أي: يخافون الله، (عليه السلام). وقيل المعنى: في الذي وجد فيها بعدما تَكَسَّرَتْ هدى ورحمة. وقال ابن كيسان: جُدِّدَت له في لوحين. ثم قال تعالى: {واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا}. قال السدي: أمر ( D) موسى (عليه السلام)، أن يأتيه في ناس [من] بني إسرائيل، يعتذرون من عبادة العجل، فاختار منهم سبعين رجلاً، فلما أتوا ذلك المكان، قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فإنَّك قد كلمته. فَأَرِنَاه فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى، (عليه السلام)، يبكي ويدعو ويقول: ربِّ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم، وقد أهلكت خيارهم، ربّ لو شئت أهلكتهم من قبل وإيَّاي! قال ابن عباس: لما مضوا معه ليدعوا ربهم، D، كان فيما دعوا أن قالوا: اللهم أعطنا ما لم تعطه أحداً قبلنا، ولا تعطه أحداً بعدنا، فكره الله، D، ذلك من
دعائهم، فأخذتهم الرجفة. قال/ الكلبي: قال السبعون لموسى (عليه السلام): يا موسى، إن لنا عليك حقاً، كنا أصحابك، ولم نختلف عليك، ولم نصنع الذي صنع قومنا، فأرنا الله جهرة كما رأيته. قال موسى (عليه السلام): لا والله ما رأيته، ولقد أردته على ذلك فأبى، وتجلى للجبل، فكان دكاً، وهو أشد مني، وخررت صعقاً، فلما أفقت سألت الله D، واعترفت بالخطيئة. فقالوا: فإنا لن نؤمنن لك حتى نرى الله جهرة. فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا من آخرهم. فظن موسى (عليه السلام) أنهم إنما احترقوا بخطيئة أصحاب العجل، فقال: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ}، يعني أصحاب العجل، ثم بعثهم الله، ( D) ، من بعد موتهم. وروي عن علي أنه قال: انطلق موسى وهارون إلى صفح جبل فتوفى الله، ( D) هَارُونَ. فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل، قالوا له: أين هارون؟ قال: توفاه
الله ( D) قالوا: أنت قتلته، حسدتنا على خُلقه ولينهِ، قال: فختاروا من شئتم! فاختاروا سبعين رجلاً، فلما انتهوا إليه، قالوا: يا هارون، من قتلك؟ قال: ما قتلني أحد، ولكن توفاني الله، ( D) ! قالوا: يا موسى لن تعصى بعد هذا اليوم (أبداً)، فأخذتهم الرجفة. فجعل موسى، (عليه السلام)، يرجع يميناً وشمالاً، ويقول: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ}، قال: فأحياهم الله، ( D) ، وجعلهم أنبياء كُلَّهُمْ. قال ابن عباس: إنما أخذتهم الرجفة، ونزل بهم البلاء؛ لأنهم لم يرضوا بعبادة العجل، ولا نهوا عنه. والصحيح أن الرجفة إنما أخذتهم حين سألوا موسى، (عليه السلا)، أن يريهم الله جهرة.
قال ابن جريج: إنما أخذتهم الرجفة من أجل أنهم لم يكونوا باينوا قومهم حين اتخذوا العجل. وهو قول موسى، (عليه السلام)،: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ}. وقال ابن عباس: إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم يرضوا ولم ينهوا عن العجل. قال السدي: كان موسى (عليه السلام)، يظن أن السبعين ممن لم يتخذ العجل، فقال: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ}، أي: بما فعل غيرنا، فأوحى الله، ( D) ، إليه، أنّ هؤلاء ممن عبد العجل، فعند ذلك، قال موسى (عليه السلام): {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ}. وقيل: المعنى: أتهلك من بقي بما فعل هؤلاء السفهاء، إذ سألوا رؤية الله (سبحانه)، [جهرة]، وذلك أنه قال: لئن انصرفت إلى من بقي بغير السبعين
كفروا وهلكوا. فالسفهاء عل هذا، هم الذين كانوا معه، قال ذلك: بن إسحاق. وقال ابن زيد المعنى: أتهلك هؤلاء السبعين بما فعل غيرهم ممن عَبَدَ العجل. ومعنى {أَهْلَكْتَهُمْ}: أمتهم. قال ابن كيسان: المعنى {لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ}، أي: بذنبهم، إذ لم ينهوا عن عبادة العجل. {وَإِيَّايَ}. أي: بذنبي، إذ قتلت القبطي، فرحمتنا، ولم تهلكنا بذنوبنا نحن. أفتهلكنا بذنوب الذين عبدوا العجل؟ أي: ليست تهلكنا بذلك. وقوله: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ}. أي: [ما] هذه الفعلة التي فعلوا إذ عبدوا العجل، إلا فتنة منك أصابتهم. و" الفِتْنَةُ ": الابتلاء والاختيار.
156
وقال ابن جبير: {فِتْنَتُكَ}: بليتك. وقال ابن عباس: عذابك. {أَنتَ وَلِيُّنَا}. أي: ناصرنا. {فاغفر لَنَا}. أي: استر ذنوبنا. {وارحمنا}. أي: تَعَطَّفْ عَلَيْنَا. قوله: {واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة إِنَّا هُدْنَآ/ إِلَيْكَ}، الآية. [والمعنى: إن الله أعلمنا أن موسى دعاه فقال: {واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً}،
وهي الصالحات من الأعمال، {وَفِي الآخرة}، أي: المغفرة. قال ابن جريج: {حَسَنَةً}، مغفرة. {إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ}. أي: تبنا. وقال علي: إنما سميت اليهود يهوداً؛ لأنهم قالوا: {هُدْنَآ إِلَيْكَ}. قال الله، ( D) : { عذابي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ}. أي: كما أصبت هؤلاء أصيب من أشاء من خلقي بعذابي. {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}. أي: عمت خلقي كلهم. وقيل المعنى: إنَّه خُصُوصٌ، والمعنى: ورحمتي وسعت المؤمنين من أمة
محمد A، { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}. قال ابن عباس: جعل الله، ( D) ، الرحمة لهذه الأمة. وروى سفيان: أن إبليس لما سمع: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}، قال: أنا من " الشيء " فنزعها الله ( D) من إبليسن قال: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}، فقالت اليهود: نحن نتقي ونؤتي الزكاة، وتؤمن بآيات ربنا أفنزعها الله من اليهود، فقال: {الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي}، الآيات كلها. فجعلها في هذه الآمة. قال الحسن: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}، (وسعت) البَرَّ والفاجر في الدنيا، وهي للمتقين في الآخرة، وكذلك قال قتادة. وروى أبو هريرة، أن النبي A، قال: " إن لله، ( D) ، مائة رحمة، أنزل منها
رحمةً واحدةً بَيْنَ الخَلْقِ، الجِنَِّ، والإِنْسِ والبَهَائِمِ والهَوَامَ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَأ يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَتَعَاطَفُ الوُحُوشَ عَلَى أَوْلاَدِهَا، وَأَخَّرَ تِسْعاً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ". وقال عطاء: خلق الله ( D) ، مائة رحمة، فجعل رحمة واحدة بين خلقه، بما يتراحم الناس والبهائم والطير على أولادها، حتى إن الطير ليؤخذ على فراخه، وأخر تسعاً وتسعين رحمة لنفسه، فإذا كان يوم القيامة جمع هذه الرحمة إلى التسع والتسعين فوسعت رحمته كل شيء. وعن كعب أنه قال: ينظر الله، ( D) ، إلى عبده يوم القيامة، فيقول: خذوه، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟ فيقولون: وكيف نرحمك؟ ولم يرحمك أرحم الراحمين. روى جميعه نُعَيْم بن حماد.
قال ابن زيد: معنى: اكْتُبْ "، أي: أكتب في اللوح الذي كتب فيه التوراة. قال ابن عباس: {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}، أي: يتقون الشرك. وقيل المعنى: يتقون المعاصي. قال ابن عباس: {وَيُؤْتُونَ الزكاة}، أي: يعملون بما يُزَكُّونَ به أنفسهم من صالحات الأعمال. وروى زيد بن أسلم: أن عيسى، عليه السلام، قال: يا رب، نبئني عن هذه الأمة
المرحومة، التي جعلت فيها من الخير ما جعلت، قال: هم يا عيسى علماء حكماء، كأنهم أبنياء. وذكر زيد أيضاً: أن موسى، عليه السلام، قال: يا رب، نبئني عن هذه الأمة المرحومة، قال: أمة محمد، (عليه السلام)، قال: نعم، قال: (هم) يا موسى يرضون منّي بالقليل من العطاء إذا أعطيتهم، وأرضى منهم بالقليل من العمل، أدخل أحدهم الجنة، أن يقول: لا إله إلا الله. قال النحاس في معنى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}، أي: من دخل فيها، لَمْ تعْجِز عنه. وقال ابن عباس: ومجاهد، وغيرهما: {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}، يعني أمة محمد، عليه السلام. قال ابن جبير: لما قال الله، ( D) ، لموسى: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}، قال
موسى: يا رب، أتيتك بِوَفْدِ بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا! فأنزل الله ( D) ، { وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ}. قال قتادة: {يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل}، أي: يجدون نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ. {يَأْمُرُهُم بالمعروف}. أي: يأمر أتباعه بالمعروف. {وَ/يَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات}. وهو ما حرمته العرب من: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث}.
" الخبائث " عند مالك في هذه الآية: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، والزنا، والخمر، وشبه ذلك. {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ}. أي: عهدهم الذي كان أخذ على بني إسرائيل أن يعلموا بما في التوراة، قاله ابن عباس: والحسن، وغيرهما. وقيل: هو ما أُلْزِمُوه مِن قَطْع ما أصابه البول. وقوله: {والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}. هو قول الله، ( D) : { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} [المائدة: 64]، من آمن بمحمد ( A) ، لم تُغَلَّ يده.
وقيل: الأغلال إنما هو تمثيل، وهي أشياء كُلِّفوها فصارت إلى أعناقهم لازمة بمنزلة الأغلال. {وَعَزَّرُوهُ}. أي: وقَّروه، وحَمَوْه من النَّاس. {واتبعوا النور الذي أُنزِلَ مَعَهُ}. أي: القرآن سمي نوراً؛ لأنه في البيان والاهتداء به، بمنزلة النُّور الذي يُهْتَدَى به.
158
وقرأ الجَحْدَري وعيسى: " وَعَزَرُوهُ "، مخففاً. وروي عن ابي بكر عن عاصم: " وَيَضَعُ عَنْهُمْ أَصْرَهُمْ "، بفتح الهمزة، لغة. قوله: {قُلْ يا أيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}، إلى قوله: {يَظْلِمُونَ}. والمعنى: {قُلْ}، يا محمد: {يا أيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}، أي: لست كمن قبلي من الأنبياء الذين يبعثون إلى بعض الناس دون بعض.
{الذي يُؤْمِنُ بالله وَكَلِمَاتِهِ}. أي: وآياته. وقيل: {وَكَلِمَاتِهِ}: عيسى ابن مريم، ( E) . قاله مجاهد والسدي. ثم قال: {وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق}. أي: يدعون الناس إلى الهداية بالحق. {وَبِهِ يَعْدِلُونَ}. أي: في الحكم. وقيل: وبه يؤمنون. و" الأُمَّةُ " هنا: الجماعة.
قال ابن جريج: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبيائهم، وكفروا، وكانوا اثني عشر سِبْطاً، تبرأ سبط منهم مما علموا، واعتذروا، وسألوا الله ( D) ، أن يُفَرِّق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقاً في الأرض، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هناك حُنفاء مسلمين، يستقبلون قبلتنا. قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله: {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسكنوا الأرض فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} [الإسراء: 104]. و {وَعْدُ الآخرة}: عيسى بن مريم يخرجون معه. قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السَّرَب سنة ونصفاً. وقيل: هم قوم في منقطع من الأرض، لا يوصل إليهم، آمنوا بمحمد ( A) ، وأقاموا الحنيفية كأنهم بنو أب وأم، ليس لأحد منهم مالٌ دون صاحبه، يُمطرون في كل ليلة، ويصحون في النهار، يزرعون ويحرثون، ليس يدخر أحد منهم دون أخيه شيئاً، مقيمين على عبادة الله ( D) ، لا يبكون على ميت.
وقيل في معنى: {وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق}: أنه يكون هدى لمن آمن منهم بمحمد ( A) ، ويكون لقوم قد هلكو. ثم قال تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنتي عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً}. ف " أسباط " بدل من: {اثنتي عَشْرَةَ}. و {أُمَماً} نعت ل " الأسباط ". و" الأسباط ": الفرق. وقيل: هم القَرْنُ [الذي] يجيء بعد قَرْنٍ. و" الأسباط " في ولد إسحاق، (عليه السلام)، بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل. و" الأَسْبَاطُ ": مأخوذ من: السَّبط "، وهو شيء تَعْتَلِفُهُ الإبل، فكأن إسحاق (عليه السلام)، / بمنزلة شجرة، والأولاد بمنزلة أغصانها، فشُبّهَ ذلك
ب " السَّبَط ". وإنما أنث في {اثنتي}؛ لأن " الأسباط " في موضع الفرقة؛ فكأنه: اثْنَتَيْ عشرة فرقة. وقيل المعنى: وقطعناهم فرقاً اثنتي عشرة أسباطاً. وقال بعض الكوفيين: إنما أُنِّثَ؛ لأن الكلام ذهب (به) إلى " الأمم "، فغلّبَ التأنيث، كما قال: وَإِنَّ كِلاَباً هَذِهِ عَشْرُ أَبْطُنٍ ... وَأَنْتَ بِرِيءٌ مِنْ قَبَائِلِها العَشْرِ فأنَّث ذهب بـ " البطن " إلى القبيلة.
وقال بعضهم: " إنما أنث لذكر " الأُمَمِ " بعد ذلك. وقيل: المعنى: وقطعناهم قطعاً اثْنَتَي عَشْرَةَ، فأنث لتأنيث " القطعة "، ودل على ذلك: " قَطَعْنا ". و" أسباط " ليس بِتَفْسير للعدد؛ لأن حق هذا أن يفسر بواحد؛ وإنما هو بَدَل. ثم قال: {وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ}. أي: لما فرقناهم اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسباطاً، أوحينا إليه إذا عطشوا، {أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ الحجر}، وقد تقدم ذكر ذلك في البقرة. {فانبجست}.
161
أي: انفجرت. {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ}. أي: لا يدخل سبط على سبط في شربه. {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام}. يعني: من حر الشمس، وذلك في التِّيهِ، وقد تقدم ذكر هذا في البقرة. قوله: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسكنوا هذه القرية}، إلى قوله: {يَظْلِمُونَ}. قال الفراء، والكسائي: " خَطَايَا " جمع خَطِيَّة، على ترك الهمز، ك: " مَطِيَّة "، و " وَصِيَّة ". وقال المازني: هي " فَعائِل "، أصلها همزتهان فأبدل من الثانية ياء، فأشبهت مضيف " الخطايا " إلى نفسه، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفا فصارت:
" خطاءا "، والهمزة أخت الألف، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات، فأبدل من الهمزة ياء، فصارت: " خطايا ". ولسيبويه والخليل قول مشهور قد ذكر في غير هذا الموضع. والأصل عند الفراء في " مَطِيَّة " و " وَصِيَّة " أن يجمع على: فَعَائِل "، إلا أنه لو جمع على ذلك للزم حذف الياء، فيصير ك: " غَوَاشٍ " فتختل، فنُقل جَمعُهُ إلى " فَعَال "، فردت اللام قبل الياء الزائدة وفتح، ك: " أسير " و " اسارى "، ثم أجرى هذه العلة في " خطية ". ومعنى الآية: إن الله، جلّ ذكره، يقول لنبيه، (عليه السلام): واذكر، يا محمد، خطأ فعل هؤلاء وخلافَهُم لأمر ربهم، حين قال لهم [الله]: {اسكنوا هذه القرية}، وهي قرية بيت المقدس، {وَكُلُواْ مِنْهَا}، أي: من ثمارها وحبوبها ونباتها، {حَيْثُ شِئْتُمْ}، أي: أين شئتم منها. وقوله: {حِطَّةٌ}.
163
أي: حط عنا ذنوبنا، {نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيائاتكم}، أي: يستر ذنوبكم، {سَنَزِيدُ المحسنين}، أي: نزيدهم على ما وعدتهم من الغفران. (قوله): {فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ}. أي: غَيَّروا ما أُمروا أن يقولوا. قيل لهم: قولوا: {حِطَّةٌ}، قالوا: " حنطة في شعير "، {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السمآء}، أي عذاباً، فأهلكناهم بفعلهم وتغييرهم وفسقهم. وقيل: هو طاعون أخذهم، فهلك خَلقٌ مِنْهُمْ. وقد ذكر في البقرة. قوله: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر}، إلى قوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}. قوله: {إِذْ يَعْدُونَ}.
{إِذْ}: في موضع نصب بالسؤال، أي: واسألهم عن وقت عدوانهم. {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ}. أضيف الظرف عند سيبويه لكثرة الاستعمال. وهو عند المبرد مضاف إلى المصدر محمول على المعنى. وهو عند الزجاج على الحكاية. والعامل في الظرف الفعل الذي بعده. ومعنى الآية: واسأل، يا محمد، هؤلاء اليهود الذين يجاورونك، عن أَمْرِ {القرية التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر}. أي: بقربه/ وشاطئه.
قال الكلبي: ذكر لنا أنهم كانوا في زمن داود، (عليه السلام)، وهي: أَيْلَةَ، وهو مكان كان تجتمع فيه الحيتان في شهر من السنة كهيئة العيد، يأتيهم منها حتى لا يرى الماء، وتأتيهم في غير ذلك من الشهور في كل سبت كما تأتيهم في ذلك الشهر، فلا يمسوا منها شيئاً. فعمد رجالٌ من سفهاء تلك القرية، فأخذوا الحيتان ليلة السبت ويوم السبت، فملحوا وباعوا، ولم ينزل بهم عقوبة، فاستبشروا، وقالو: إنا نرى السبت قد حُلَّ، وذهبت حرمته، إنما كان يعاقب به آباؤنا، فعملوا ذلك سنين، حتى أثرَوْا وتزوجوا النساء، واتخذوا الأموال. فمشى إليهم طوائف صالحون فوعظوهم، وقالوا: يا قوم، انتهكتم حرمة سبتكم، ووعظوهم فلم يتعظوا. وسؤاله، ( A) ، إياهم إنما كان على جهة التقرير لهم والتبكيت، ويذكرهم
بقديم كفرهم وفسقهم، وقد كان الله ( D) ، أعلمه بأمر القرية. قال ابن عباس، وعكرمة هي: " أيلة "، وكان ذلك في زمن داود (عليه السلام)، وكذلك قال السدي، وغيره. وقال قتادة: هي ساحل مَدْيَنَ. [قال ابن زيد: هي قرية] يقال لها " مَقْنَا "، بين مدين وعَيْنُوناً. وقال ابن شهاب: هي: طَبَرِيَّة.
وعن ابن عباس أيضاً: أنها مَدْيَنَ. وأما قوله: {واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ القرية} [يس: 13]، فأكثرهم على أنها أنطاكية. ومعنى: {إِذْ يَعْدُونَ [فِي السبت]}. أي: [إذا] يعتدون إلى ما حرم الله، ( D) . [ و " العُدْوَانُ ": التجاوز إلى ما حرم الله]. وكان الله تعالى ذكره، قد حرم عليهم السبت، فكانت الحيتان تقل في سائر الأيام، وتكثر في يوم السبت. ابتلاهم الله، (تعالى)، بذلك فاصطادوا فيه وتركوا
ما حرم الله عليهم، فتجاوزوا الحق، فكانت تأتيهم يوم سبتهمه، {شُرَّعاً}، أي: ظاهرة على الماء. وقال ابن عباس {شُرَّعاً}: من كل مكانٍ. يقال: سَبَتَ يَسْبِتُ: إذا استراح. وقرأ الحسن: " ويَوْمَ لاَ يُسْبِتُونَ "، بضم الياء، من: " أَسْبَتَ القَوْمُ "، إذا دخلوا في السبت. ورُوي ذلك عن أبي بكر عن عاصم، كما يقال: " أهلَلْنَا "، دخلنا في الهلال، و " أَجْمَعْنا " مرت بنا جمعة. {كَذَلِكَ نَبْلُوهُم}.
أي: نختبرهم. قال قتادة: ذُكِرَ لنا أنه دُخِلَ على ابن عباس، وبين يديه المصحف، وهو يبكي، وقد أتى على هذه الآية {فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} [الأعراف: 165]، الآية. فقال: قد عَلِمْتُ أن الله تعالى، أهْلَكَ الذين أخذوا الحيتان، ونَجَّى الذين نَهَوْهُمْ، ولا أدري ما الذي صنع بالذين لَمْ يَنْهَوْا، ولم يُواقِعُوا المعصية. قال الحسن: وأي نهي يكون أبين من أنهم أثبتوا لهم الوعيد، وخوّفوهم العذاب، فقالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً}. {لاَ تَأْتِيهِمْ}، وقف، عند نافع، والأخفش. ثم قال تعالى: {وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ}. أي: واذكر، يا محمد، إذ قالت طائفة من أهل [هذه] القرية، إذ ظهر من أكثرهم ما يُنْكَرُ عليهم، فأنكر ذلك طائفة، فقالت هذه الطائفة التي حكى الله عنها، للطائفة التي أنكرت ما يجب أن ينكر: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً} سيلحقهم أحد هذين: العَذَابُ،
أو الهَلاَكُ، قالت الطائفة التي أنكرت: {مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}. فمن رفع: {مَعْذِرَةً} فتقديره: قالوا: مَوْعِظَتُنَا مَعْذِرَةٌ، أي: إنما يجب علينا أن نأمر بالمعروف، [وننهى عن المنكر]، و {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، وَعَظْنَاهُمْ. ومن نصب: فعلى المصدر، كأنهم قالوا: اعتذاراً. وقيل: النصب على تقدير: فَعَلْنَا ذَلِك/ مَعْذِرَةً. وَرُوِيَ وجها النصب عن الكسائي. وفرَّق سيبويه بين الرفع والنصب، واختار الرفع، قال: لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا من أمر لِيُموا عليه، ولكنّهم قيل لهم: لم وعظتم؟ فقالوا: مَوْعِظَتُنَا مَعْذِرةٌ.
ولو قال رجل لرجل: مَعْذِرَةً إِلَى اللهِ، ثُمَّ إِلَيْكَ مِنْ كَذَا، يريد: اعْتِذَراً، لَنصَبَ؛ لأنه إنما اعتذر من أمر ليمَ عليه. والمعنى: واذكر، يا محمد، {وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ}، أي: جماعمة الجماعة، كانوا ينهون أهل المعصية عن معصيتهم، {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً}، قال الذين كانوا يعظون: عظتنا معذرةٌ إلى ربكم، نؤدي بذلك فرضه عليها، {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} وَعَظْنَاهُم. قال ابن عباس: كلا الطائفتين كانت تنهى الباقين عن المنكر، فلما طال ذلك، قالت إحدى الطائفتين للأخرى: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ}، فلما نزل العذاب نجبت الطائفتان: التي قالت: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً} والتي قالت: {مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ}، وأهلك الله، ( D) ، أهل المعصية، فجعلهم قردة وخنازير. قال السدي: قال الواعظون: بعضهم لبعض: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ}.
وروي عن ابن عباس، وغيره، أنه قال: كانوا أثلاثاً، ثلث نَهَوْا، وثلث قالوا: {لِمَ تَعِظُونَ}، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نَهَوْا. قال الله ( A) : { أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء} [الأعراف: 165]. ورُوِيَ عنه أنه قال: نجا الناهون، وهلك الفاعلون، وما أدري ما فعلب بالساكتين. وقال الكَلْبِي هم فرقتان: فرقة وعظت، وفرقة قالت: {لِمَ تَعِظُونَ}، وهي المَوْعُظَةُ. وذلك أن الخاطئة لما كثر عليها الوعظ، قالت: للواعظين: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ} على قولكم. وقد مضى من ذكر هذا في البقرة جملة. وقال الكلبي: كانوا فرقتين: قالت الصالحة للطالحة: يا قوم، انتهكتم حرمة سبتكم، وعصيتم ربكم، وخالفتم سنة نبيكم، فانتهوا عن هذه العمل قبل أن ينزل بكم العذاب. قالت الطالحة: فلم تعظوننا إذا كنتم علمتم أن الله، ( D) ، مهلكنا،
165
وإن أطعتمونا لتفعلن كالذين فعلنا، فقد فعلناه منذ سنين، فما زادنا الله بذلك إلا خَيْراً. قالت الصالحة: ويلكم، لا تَغْتروا، [ولا] بأس الله، (سبحانه)، فكأنه نزل بكم، قالت لهم الطالحة: ف {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ}، الآية. فهم فرقتان على قول الكلبي. وثلاث فرق على قول أكثر المفسرين. قوله: {فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ}، إلى قوله: {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. والمعنى: فلما تركت الطائفة التي نهيت عن السؤ، ما أمرها الله ( D) به من ترك الاعتداء. وقيل: نسوا موعظة من وعظهم من المؤمنين، {أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء
وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ}، أي: وجيع أليم. قاله ابن عباس. وقيل: {بَئِيسٍ}: رديء. وقال مجاهد {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ}: أليم شديد. وقال قتادة {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ}: موجع. وقال ابن زيد {بَئِيسٍ}: شديد. قوله: {فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ}. أي: تجاوزوا وتمردوا. و " العاتي ": المتمرد المتجاوز في الحق.
{عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ}، [أي]: عن اعتدائهم في السبت، {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً}، فصاروا قردة، {خَاسِئِينَ}، [أي]: مبعدين. وذلك في زمن داود، (عليه السلام)، وهو قوله: {لُعِنَ الذين كَفَرُواْ مِن بني إِسْرَائِيلَ على لِسَانِ دَاوُودَ} [المائدة: 78]، صاروا قردة كلهم، ومسخوا في زمن عيسى (عليه السلام)، خنازير، فذلك قوله: {على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ} [المائدة: 78]. / قال ابن عباس: صار شباب القوم قردة، وشيوخهم خنازير. يقال: خَسَأْتُ الكلب: أبعدته وطردته.
وقوله: {قُلْنَا لَهُمْ (كُونُواْ)}. جائز أن يكون أُمِرُوْا بذلك، فيكون أبلغ في الآية والقُدرة. وجائز أن يكون من قوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40]. ثم قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة}. روى الأصبهاني عن أصحابه عن ورشٍ: (تأذَّنَ)، بتسهيل الهمزة. والمعنى: واذكر، يا محمد، إذا أعْلَمَ رَبُّك. فمعنى {تَأَذَّنَ}: أَعْلَمَ والعرب تقول: " تعلم " بمعنى " أعلم ". وقال مجاهد {تَأَذَّنَ}: قال.
وقال قتادة {تَأَذَّنَ رَبُّكَ}: أمر ربك. ومعنى: {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ}. أي: ليبعثن على اليهود {مَن يَسُومُهُمْ سواء العذاب}، وهو قتلهم إن لم يؤدوا الجزية، وذلتهم إن ودوها. قال ابن عباس: هي الجزية، والذين يسومونهم: محمد، A، وأمته، إلى يوم القيامة. قال ابن المُسَيَّب: يستحب أن يبعث الأنباط في الجزية. {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب}. أي: لمن استوجب منهم العقوبة. {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. أي: لسائر ذنوب من تاب، متعطف عليه.
168
قوله: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً مِّنْهُمُ الصالحون}، إلى قوله: {المصلحين}. روى أبو بكر عن عاصم: " وَقَطَعْنَهَمْ "، بالتخفيف. والمعنى: وفرقنا بني إسرائيل في الأرض {أُمَماً}، أي: جماعات شتى. ففي كل أرض قوم من اليهود، {مِّنْهُمُ الصالحون}، أي: منهم من يؤمن بالله ورسله، {وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك}، وصفهم بهذا قَبْلَ كُفْرِهِمْ وارتدادهم عن دينهم، وقَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ عِيسَى (عليه السلام). {وَبَلَوْنَاهُمْ بالحسنات}. أي: بالرخاء، والسعة في الرزق، {والسيئات}، بالجدب والمصائب، أي: اختبرناهم بذلك، {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، إلى طاعة الله (عزو جل). قوله: {أُمَماً}، وقف. و {دُونَ ذلك}، وقف.
و {والسيئات}، وقف. ثم قال تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ}. أي: حدث من بعدهم خَلْفُ سُوْءٍ، يعني: أبناءهم. و" الخَلْف ": الرديء من القول، ومن الأنباء، يقال للواحد والاثنين والجميع، بلفظ واحد. ويقال في المدح: " هذا خَلَف صِدْقٍ "، بتحريك اللام، ولَزِمَ تسكن اللام فيه، هذا الأشهر. وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح، قال حسان:
. . .، وَخَلْفُنَا ... لأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللهِ تابعُ والخَلَفُ السُّوْءِ، مأخوذ من قولهم: " خَلَفَ اللَّبَن "، إذ حمض حتى فسد، ومن قولهم: " خَلَفُ فَمِ الصَّائِمِ "، إذا تغير ريحه. وقال مجاهد: " الخَلْف " في الآية يراد به النصارى بعد اليهود. {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى}. يعني الرشوة على الحكم في قول الجميع. {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا}. يحتمل وجهين: أحدهما: أنه مغفور، لا نؤاخَذُ به. والثاني: أنه ذنب، لكن الله قد يغفره لنا، تأميلاً منهم لرحمته.
وهو ما عَنَّ لهم من عرض الدنيا حلالاً كان أو حراماً، يأخذونه ويتمنون المغفرة، {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا}، وإن وجدوا بعده مثله، أخذوه، فهم مُصِرُّونَ على أخذه، وإنما يتمنى المغفرة من أَقْلَعَ عن الذنب، فلم يعد إليه، ولاَ نَوَى الرجوع إلى مثله. قال ابن جبير: يعملون بالذنب ثم يستغفرون منه، فإن عرض لهم ذنب رَكِبُوه. و" العَرَضُ " عنده: الذنوب. قال السدي: كان بنو إسرائيل لا يَسْتَقْضُونَ قَاضِياً إِلاَّ ارْتَشَىِ في الحُكْمِ، فيقال له في ذلك، فيقول: {سَيُغْفَرُ لَنَا}، فيطعن عليه بقية بني إسرائيل. فإذا مات جعل مكانه رجل ممن كان يعطن عليه، فيرتشي، أيضاً، ثم لاَ يَثُوبُونَ. قال ابن زيد: يأتيهم المحق برشوة، فيخرجون له كتاب الله، ثم يحكمون له بالرشوة/ فإذا جاءهم الظالم بالرِّشوة، أخرجوا له الكتاب الذي كتبوا بأيديهم،
وقالوا: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ ميثاق الكتاب أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ}، وهو عَرَضُ الدنيا، هو الرُّشَى في الحكم، فيحكمون له بما في الكتاب، فهو [في كتابهم]، محق، وهو في التوراة ظالم، فقال الله ( D) : { هذا [مِنْ عِنْدِ الله] لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 79]. المعنى: ألم يؤخذ عليهم الميثاق، ألا يعملوا إلا بما في التوراة، و {أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق}. [قال ابن عباس: {أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق}، يعني [فيما] يوجبون به من غفران ذنوبهم التي هم عليها مصرون. وقوله: {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ}. معناه: ورثوا الكتاب، ودرسوا ما فيه، فَنَبَذُوهُ، وعملوا بخلاف ما فيه.
171
وقال ابن زيد: علَّموه، فَعَلِمُوا ما فيه. ثم قال: {والدار الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. أي: ما فيها من النعيم. قوله: {يَأْخُذُوهُ}، وقف. وكذا: {إِلاَّ الحق}. وكذا: {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ}. ثم قال: {والذين يُمَسِّكُونَ بالكتاب}. أي: يعملون بما فيه التوراة، {وَأَقَامُواْ الصلاة إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين}، [ي: أجر المُصلِحِ منهم]. قوله: {وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ} الآية.
والمعنى: واذكر يا محمد، {وَإِذ نَتَقْنَا الجبل}، أي: اقْتَلَعْنَاهُ فرفعناه [فوق] بني إسرائيل. وقيل: نَتْقَنَاهُ ": زعزعناه. {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ}. أي: غَمَامَةٌ. و" الكاف " من {كَأَنَّهُ}، في موضع نصب على الحال، أي: نتقناه مُشْبِهاً الظلة، أي: في هذه الحال. ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر محمول على المعنى. أو يكون خبر ابتداء محذوف، [أي]: هو {كَأَنَّهُ [ظُلَّةٌ]}. {وظنوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ}.
أي: أيقنوا بذلك، إذ هو فوق رؤوسهم. {خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ}. أي: وقيل لهم: خذوا ما في الكتاب من الفرائض بجدٍّ وَعَزْمٍ، ولا تقصروا في أداء فرائض الله ( D) ، التي فيه، وإلاَّ خَرَّ عليكم الجبل فأهلككم فقالوا: بل، نأخذه بقوة، أي: بجد وعزم، ثم نَكَثُوا بعد ذلك. هذا قول ابن عباس. قال ابن عباس: إني لأعلم لأي شيء سجدت اليهود على حَرْفِ وُجوههم: لما رفع الجبل فوقهم سجدوا، وجعلوا ينظرون إلى الجبل بِشقِّ وجوههم، خوفاً ان يقع عليهم. قال: وكانت سجدةً رضيها الله ( D) ، فاتخذوها سُنَّة. قال قتادة: نزع الله ( D) ، الجبل من أصله، ثم جعله فوق رؤوسهم، وقال: لتأخُذَنَّ أمري، أو لأرمينّكم به.
وقال ابن جريج: كانوا قد أبَوْا أن يقبلوا التوراة. وروى حجاج عن أبي بكر بن عبد الله أنه قال: لما قيل لهم: اقبلوا ما في التوراة، قالوا: انشر علينا ما فيها، فإن كانت فرائضها يسيرة وحدودها خفيفة، قبلناها. قال: اقبلوها بما فيها، قالوا: حتى نعلم ما فيها، فراجعوا موسى (عليه السلام)، مراراً فأوحى الله، ( D) ، إلى الجبل فانقلع وارتفع في السماء، حتى إذا ان بين رؤوسهم وبين السماْ، قال لهم موسى (عليه السلام): ألا ترون ما يقول ربّي عز جل؟ لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها رميتكم بهذا الجبل. قال الحسن البصري: لما نظروا إلى الجبل خرّ كل رجل منههم ساجداً على حاجبه الأيسر، ونظر بعينه/ اليمنى إلى اجبل، فَرَقاً أن يسقط عليه، فلذلك ليس اليوم في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر، يقولون: هذه السجدة التي رُفعت عنَّا بها العقوبة. قال أبو بكر بن عبد الله: لما نشر موسى (عليه السلام)، الألواح فيها كتاب
172
الله D، كتبه بيده ويده صفة له، لا يد جارحة، تعالى الله أن يوصف بجارحة، إذْ ليس كمثله شيء، لمي يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر، (ولا شيء) إلا اهتز، فليس اليوم يهودي على الأرض من صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونفض لها رأسه. وقيل: كان نَتْقُ الجبل أنه قُطِع منه شيء على قدر عَسْكَر موسى (عليه [السلام])، فظلل عليهم، وقال لهم موسى (عليه السلام)، إمَّا أن تقبلوا وإمَّا أن يسقط عليكم. قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}، الآية. حجة من قرأ " ذُرَّيَّات " بالجمع، أنها الأعقاب المتناسبة الكثيرة.
ومن قرأ {ذُرِّيَّتَهُمْ}، بالتوحيد، قال: إنها قد أُجْمِعَ عليها في قوله: {مِن ذُرِّيَّةِءَادَمَ} [مريم: 58]، ولاشيء كثر من ذريته ( A) ، فدلت على الكثير بنفسها. ومعنى الآية: واذكر، يا محمد، {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ}، أي: استخرج الأبناء من أصلاب الآباء، فقررهم بتوحيده، وأشهدهم على أنفسهم بإقرارهم، أي: أشهد بعضاً على بعضٍ بالإقرار بالتوحيد. قال ابن عباس: أخذ الله، ( D) ، اليثاق من ظهر آدم (عليه السلام)، بنَعْمَان يعني: عرفة، فأخرج من صلبه كل ذريته، فَنَثَرهُم بين يديه كالذَّرِّ، ثم كلمهم قَبَلاً، فقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}، فأشهد بَعْضَهُمْ على بعضٍ
بذلك الإقرار. وقال الضحاك: إن الله (سبحانه)، مسح صلب آدم، (عليه السلام)، فاستخرج منه كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق: أن يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بهِ شيئاً، وتكفَّل لهم بالأَرْزاق، ثم أعادهم في صلبه، فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطي الميثاق يومئذٍ فمن أدرك منهم الميثاق (الآخر) فَوَفَى به، نفعه الميثاق الأول، ومن أدرك (الميثاق) الآخر فلم يفِ به، لم ينفعه الأول، ومن مات صغيراً قبل أن يدرك الميثاق الآخر، مات على الميثاق الأول على الفطرة. رَوَى ذلك عن ابن عباس. ومنه قول النبي A: " كُلُّ مَوْلُودٍ يُوْلَدُ عَلَى الفِطْرَةِ حتَّى يكُونَ أَبَوَاهُ اللَّذَانِ يُهوِّدَانِهِ أوْ يُنَصِّرَانِهِ ".
والميثاق الأول، هو: ما أخذه الله، ( D) ، عليهم إذ أخرجهم من ظهر آدم، (عليه السلام). والميثاق الآخر، هو: قبول فرائض الله، (سبحانه)، والإيمان به، وبرسالة النبي عليه السلام، وبما جاءت به الرسل. وروى ابن عمر عن النبي، A، أنه قال: " أُخذوا من ظهره، كما يُؤْخذ بالمشط من الرأس، فقال لهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى}، قالت الملائكة: {شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة} ". وقال عمر بن الخطاب Bهـ، سمعت النبي A، يقول: " إن الله جلَّ وعزّ، خلق آدم (عليه السلام)، ثم مسح ظهره بيمينه، (سبحانه)، فاستخرج منه ذرية، فقال: " خلَقْتُ هَؤلاَءِ لِلْجَنَّة، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجَّنَةِ يَعْمَلُونَ ". ثم مسح ظهره فاستخرج منه
ذرية، فقال: " [خَلَفْتُ] هَؤُلاَءِ لِلنّارِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ ". فقال/ رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال: إن الله (تعالى)، إِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيَدْخِلُهُ الجَنَّةَ. وَإِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلْنَّارِ، اسْتَعَمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيُدْخِلُهُ النَّارِ ". وقيل معنى: {وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ}، دلهم على توحيده؛ لأن كل بالغٍ سالمٍ من العاهات، يَعْلَمُ ضرورةً أنَّ لَهُ رَبّاً واحِداً. وقيل: إنَّ الآية مَخْصُوصَةٌ؛ لأنه قال: {مِن بنيءَادَمَ}، فخرج من هذا من كان من ولد آدم (عليه السلام)، لصلبه وقال (الله) D: { أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ}، فخرج منها كل من له آباء مشركون. وقال أُبَيُّ بن كعب: جمعهم جميعاً، فجعلهم أَزوَاجاً، ثم صوَّرهم، ثم استنطقهم، فقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى}؛ أنَّكَ رَبَّنَأ وإلهَنَا، لا رب لنا غيرك، ثم أخبرهم بما ينزل عليهم من كتاب وما يرسل إليهم من الرسل، وأمرهم أن يؤمنوا بذلك.
ومن قرأ بـ: " الياء " في: {[أَن] تَقُولُواْ}، {أَوْ تقولوا}، رده على: {ظُهُورِهِمْ}، و: {ذُرِّيَّتَهُمْ} و {وَأَشْهَدَهُمْ}، وبعدها، {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. فلما جرى الكلام قَبْلُ وَبَعْدُ على لفظ الغَيْبَة، أجرى وسطه على ذلك. ومعنى الكلام: أنهم لما أقروا، قال الله عزّ وجل، للملائكة: " اشْهَدُوا "، قالت الملائكة: {شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ * أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ}. ومن قرأ: بـ: " التاء " ردّه على المخاطبة في قوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}، وهي أقرب من لفظ الغَيْبَة إلى: {تَقُولُواْ}.
قال أُبيُّ بن كعب: ولما أخرج الله ( D) ، الذرية كانت الأنبياء، (صلوات الله عليهم)، فهم مِثْلُ السُّرُوج، عليهم النور، فخصوا بميثاق آخر: الرِّسَالَةِ والنُّبوَّةِ، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} [الأحزاب: 7]، الآية. فكان في علمه من يكذّب الأنبياءَ ومن يصدِّق. قال: وكان روح عيسى ابن مريم، (عليه السلام)، تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد، فأرسل الله، ( D) ، إلى مريم حين انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً. قال الله جلّ وعزّ. {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} [مريم: 17]. قال: فحملت الذي خاطبها، وهو روح عيسى، (عليه السلام). قال ابن جبير: فكانوا يُرَوْنَ أن القلم يومئذٍ جَفَّ بِمَا هَوَ كَائِنٌ.
قال ابن جبير: فكانوا يُرَوْن أن القلم يومئذٍ جفّ بِمَا هُوَ كَائِنٌ. ومعنى: {شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ}، عند السدي: أنه خبر من الله، ( D) ، عن نفسه (تعالى)، وملائكته، بالشهادة على بني آدم، كيلا {تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ}. والوقف على هذا القول {بلى}. وقال ابن عباس: المعنى، إن بضعهم شهد على بعض. فالمعنى: {قَالُواْ بلى} شهد بعضنا على بعض كيلا {تَقُولُواْ
يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ}، أي: كل بعض يقول: شهدنا على البعض الباقي، كيلا يقولوا: كذا. {أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ}: وابتعناهم، {أَفَتُهْلِكُنَا}، بإشراك آبائنا واتباعنا منهاجهم على جهل منا؟ فالوقف على قول ابن عباس: {المبطلون}. و {بلى} وقف عند نافع، والأخفش، وأبي حاتم، وغيرهم. وهذا يدعل على أنَّ الشهادة كانت من الله ( D) ، وملائكته على المُقِرِّنَ. وهو قول مجاهد، والضحاك، والسدي. وهذا حسنٌ على قراءة [من قرأ] بـ: " التاء "، فيكون {شَهِدْنَآ}، ليس من كلام الذين قالوا: {بلى}.
ومن قرأ: بـ: " الياء " فأكثر أهل العربية يقولون: [{أَن تَقُولُواْ} متعلقة بـ: {وَأَشْهَدَهُمْ}، والمعنى: وأشهدهم على أنفسهمه كراهة] {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا/ غَافِلِينَ}، فالتمام (على هذا): {المبطلون}. وقال ابن الأنباري والسجستاني {بلى شَهِدْنَآ}، التمام، وهو غلط؛ لأنّ {أَن} متعلقة بـ: {أَشْهَدَهُمْ} أو بـ: {شَهِدْنَآ} على قراءة من قرأ بـ: " الياء ". فأما على تفسير ابن عباس: أن المعنى: [و] شهد بعضهم على بعض، فالتمام: {المبطلون} لأن {شَهِدْنَآ}، من قول الذين قالوا: {بلى}.
175
ومعنى: {أَفَتُهْلِكُنَا}، أي: لست تفعل ذلك. (وقوله): {وكذلك نُفَصِّلُ [الآيات]}. " الكاف ": في موضع نصب. والمعنى: وكما فصلنا، لقومك، يا محمد، آيات هذه السورة، كذلك نفصل الآيات غيرها فنبيِّنها لقومك، {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، إلى الإيمان. قوله: {واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذيءَاتَيْنَاهُءَايَاتِنَا فانسلخ مِنْهَا}، إلى قوله: {يَتَفَكَّرُونَ}. والمعنى: {واتل}، يا محمد، عليهم: {نَبَأَ الذيءَاتَيْنَاهُءَايَاتِنَا فانسلخ مِنْهَا}، وهو رجل من بني إسرائيل يقال له: بَلْعَم بن باعر، (أعطي: معرفة اسم الله [الأعظم]. وقيل: أُعْطِيَ النبوة.
قال ابن عباس: بُلْعَم بن بَاُعُور.) وقال ابن جبير: كان معه اسم الله، فسألوه أن يدعوَ على موسى وأصحابه ألا يدخل مدينتهم، فأبى، فخوفه الملك بالقتل والصلب والتحريق، فدعا، فاستجاب الله له، فلم يصل موسى، (عليه السلام)، إلى دخولها، ودعا موسى عليه أن ينسيه الله، ( D) ، اسمه الذي يدعو به، فأنساه الله، ( D) ، إياه، وَنَزَلَ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ. قال ابن عباس: كان من مدينة الجَبَّارِينَ. وقيل عنه: كان من اليمن.
وقيل: هو أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت الثقفي، كان قد قرأ الكتب، وعرف الوقت الذي يبعث فيه محمد ( A) ، ويخبر الناس بذلك، فلما بعث، حسده وكفر به، وقال: والله ما كنت لأؤمن بنبيٍ من غير قومي ثقيف أبداً. وقال عكرمة: هو من كان منافقاً من أهل الكِتَابَيْن. قال الحسن: هو المنافق. وقال الأنصار: هو الراهب الذي بني له مسجد الشِّقَاقِ.
قال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه. قال ابن عباس: أعطي كتباً من كتب الله. وقال مجاهد: أوتي النبوة، فَرَشَاهُ قومه على أن يَسْكُتَ، ففعل، وتركهم على ما هم عليه. وكذلك قال المعتمر بن سليمان عن أبيه. وهو قول مردود؛ لأن النُّبُوَّةَ لاَ يَكُونُ حَامِلُهَا قَابِلاً لِلْرِّشْوَةِ فِيهَا، يُعيذ اللهُ الأَنْبِيَاءَ مِنْ ذَلِكَ. وهذه كبيرة عظيمة، وكل الناس على أن الأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبَائِرِ، فغير جائز هذا القول الذي رُوِيَ عن مجاهد، والمعتمر.
وروى سيار عن مالك [بن دينار، أنه قال]: بعث نبي الله موسى، (عليه السلام)، بَلْعَام، وكان مجاب الدعوة، إلى ملك مدْين يدعوه إلى الله، فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه وترك دين موسى. ففيه نزلت هذه الآية: {واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذيءَاتَيْنَاهُءَايَاتِنَا فانسلخ مِنْهَا}. وقال السدي: أعطي اسم الله الأعظم. وروي ذلك عن ابن عباس. قال ابن عباس: لما نزل موسى عليه السلام بالجبارين، سأل الجبارون بَلْعَم بن (باعُور) أن يدعو على موسى، فقال لهم: إني إن دعوت عليه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليه، فسلخه الله مما كان عليه، فذلك قوله:
{فانسلخ مِنْهَا}. وعن ابن عباس، {فانسلخ مِنْهَا}: نُزعَ منه العلم. {فَأَتْبَعَهُ الشيطان}. أي: أدركه. يقال: " أَتْبَعَه ": إذا أدركه. و: " تَبِعَه ": / إذا سار في إثره. هذا الجَيِّدُ. وقيل: هما لغتان. وقيل: معنى: " أَتْبَعَه ": صَيَّره لنفسه تابعاً ينتهي إلى أمره في معصية الله سبحانه. {فَكَانَ مِنَ الغاوين}. أي: من الهالكين. وقيل: من الخائنين. ثم قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا}.
أي: لرفعناه بعلمه {بِهَا}. وقيل: المعنى: لرفعناه عن الحال التي صار إليها من الكفر. وقال مجاهد: {لَرَفَعْنَاهُ بِهَا}، (أي): لرفعنا عنه. أي: لعصمناه مما فعل. وقيل: المعنى: لأَمَتْنَاهُ قبل أن يَعْصِيَ فرفعناه إلى الجنة. {بِهَا}. [أي]: بتلك الآيات.
{ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض}. أي: سكن إلى الدنيا وشهواتها، {واتبع هَوَاهُ}. وأصل " الإِخْلاَدِ ": الإقَامَةُ. قال المعتمر بن سليمان عن أبيه: كان بَلْعَام رجلاً، أوتي النبوة، وكان مُجاب الدعو، وإنَّ موسى (عليه السلام)، أقبل في بني إسرائيل ويريد الأرض التي فيها بَلْعَام فرعب الناس، وأتوا بلعام، وسألوه أن يدعو على موسى، (عليه السلام)، وجنده فقال: حتى أُؤَامِرَ ربي ( D) ، فوامر في الدعاء عليهم، فنهي عن ذلك، فقال لقومه: قد أمرت ألا أدعوا، فأهدوا إلأيه هدية فقبلها، ثم راجعوه أن يدعو على موسى (عليه السلام)، فقال: حتى أُؤَمِرَ ربي، فوامر ولَمْ يُؤْمر بشيء، فقال لهم: قَدْ وَامرت، فلم أؤمر بشيء فقالوا: لو كَرِهَ الله ( D) ذلك لنهاك كما نهاك أولاد فأخذ يدعو على
موسى (عليه السلام)، فرد الله ( D) ، لسانه بالدعاء على قومه، فأخذ يدعو بالفتح لقومه، فرد الله، ( D) ، لسانه بالدعاء بالفتح لموسى (عليه السلام)، وقومه، فقالوا: ما نراك تدعو إلا علينا قال: ما يجري لساني إلا هكذا، ولو دعوت عليه ما استديب لي، ولكن سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه هلاكهم: إن الله ( D) ، يبغض الزنا، وإنهم إن وقعوا بالزنا هلكوا، فأَخْرِجوا النساء يستقبلنهم، فإ، هم قوم مسافرون، فعسى أن يزنوا فيهلكوا، وكان للمك ابنة ذات جمال، فقيل لها: لا تُمَكِّنِي نفسك إلا من موسى! قال: ووقعوا في الزنا، وأتاها رأسُ سبطٍ من أسباط بني إسرائيل، فأرادها على نفسها، فقالت: ما أنا بمُمَكِّنةٍ نفسي إلا من موسى! وروادها عن نفسها، فأرسلت إلى أبيها فقال لها: أَمْكِنيه (من نفسك)، فلما أمْكَنَتْهُ، أتاها رجل من بني هارون معه رُمْحٌ فانتظمها جميعاً، فرفعهما على رمحه. فرآهما الناس ثم سلط الله ( D) ، عليهم الطاعون، فمات منهم سبعون ألفاً.
قال سيّار: ركب بلعام حمارة له، فجعل يضربها فلا تتقدم. قال: وقامت عليه، وقالت: عَلاَمَ تضربني؟ ألا ترا هذا الذي بين يديك! أنطق الله، ( D) ، الحمارة، قال: فإذا الشيطان بين يديه. قال: فنزل فسجد له، فذلك أنْسِلاخُهُ. وَرُوي أنه لما دعا موسى (عليه السلام)، تلكم لسانه بالدعاء على قومه، ثم اندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: ذَهَبْت الآن مني الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والحيلة، وسأمكر لكم وأحتال: جَمِّلوا النساء، وأعْطُوهنَّ السِّلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر، ومُرُهُنَّ ألا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنَّهم إن زنى رجل واحد منهم كُفِتُمُوهُمْ؛ فوقع رجل من عظماء بني إسرائيل بامرأة، فأرسل الله (عزو جل)، الطاعو فيهم، فهلك منهم سبعون ألفاً.
ثم قال الله تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب}. أي: مثله، إذ لم ينتفع بما أُوتي مثل/ الكلب الذي لا ينتفع بترك الحمل عليه، هو يلهث على كل حال. فكذلك هذا، هو ضال على كل حال، لا ينتفع بما أوتي من الآيات، كما لم ينتفع الكلب بترك الحمل عليه. وقيل: إن هذا مثل من يتلو كتاب، كالله ( D) ، ولا يعمل به، هو مثل الكلب لا ينتفع بترك الحمل عليه، ولا يترك اللهث. كذلك هذا لا ينتفع بقراءة كتاب الله (عز وجل)، فيعمل. هو مثل من لا يقرأه ولا يعمل به. ومعنى {تَحْمِلْ عَلَيْهِ}. تطرده وتشرده، فهو يلهث طردته [أو تركته].
وكان الحسن يقول: هو المنافق. قال قتادة: هُوْ مَثَلٌ ضَرَبَهُ الله ( D) ، لكل من عُرِضَ عليه الهدى فَلَمْ يَقْبَلَهْ. قال السدي وغيره: كان بَلْعَم، بعد ذلك، يلهث كما يلهث الكلب. قوله: {واتبع هَوَاهُ}، وقف. {أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث}، وقف. ثم قال تعالى: {ذَّلِكَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا}. أي: ذلك المثل الذي ضربتُه لهذا الذي انسلخ من آياتنا {مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا}. {فاقصص القصص}. أي: اقصص عليهم هذا القصص الذي اقتصصته عليك من نبأ آتيناه
177
[آياتنا]، (وما حل به من عقوبتنا، {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}، أي: يعتبرون فيعلموا صحة نُبُوَّتِكَ، إذْ كان نبأَ {الذيءَاتَيْنَاهُءَايَاتِنَا})، من خَفْي عُلُومِهِمْ، ومَكْنون أَخْبَارَهِمْ، لا يعلمه إلا من قرأ الكتب ودرسها. وفي أخبارك ذلك لهم وأنت أُمِّيٌّ لم تقرأ ولم تدرس، دَليلٌ على نُبُوتَّك، وصدق قولك، وأنَّ ذلك عندك بِوَحْيٍ مِنَ السَّمَاءِ. قوله: {سَآءَ مَثَلاً القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا}، إلى قوله: {هُمُ الغافلون}. قال الأخفش: التقدير: سَاءَ مثلاً مَثَلَ القوم. وقرأ الجُحْدَرِيُّ: " سَاءَ مَثَلُ القَوْمِ "، برفع " المثل "، وإضافته إلى " القوم ".
وقوله: {مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدي}، أي: من يوفقه الله ( D) ، إلى الإسلام {فَهُوَ المهتدي وَمَن يُضْلِلْ فأولئك هُمُ الخاسرون}، أي: من يخذله فلا يوفقه إلى الإسلام فهو خاسر، أي: خسر نفسه في الآخرة، وذلك أعظم الخسارة. روى عبد الله بن عمر أن النبي A، قال: " ما هلكت أُمَّةٌ قطُّ إلا بالشرك بالله، (سبحانه)، وما أشرَكَتْ أمة قط حَتَّى يَكُونَ بَدءُ شركها التَّكذِيبَ بِالقدَرِ ". وروى زيد بن ثابت: أن النبي A، قال: " إن الله ( D) ، لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِهِ وأرضه لَعَذَّبَهُمْ غَيْرَ ظَالِمْ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كانت رَحْمَتُهُ خَيْراً لَهُمْ مِنْ أَعْمَالهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً فِي سَبِيل الله ما قُبِلَ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِن بِالقَدَرِ، وتعلم أنَّ ما أًصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، فَإِنْ مِتّ عَلَى ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارِ ". ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجن والإنس}.
{ذَرَأْنَا}، أي: خلقنا. قال سعيد بن جبير: أولاد الزَّنا مما خلق الله، (سبحاه)، لجهنم. يعني: الكفرة منهم. رواه [ابن عمر] عن النبي ( A، أنه قال: " لَمَّا ذَرَأَ اللهِ لِجَهَنَّمِ مَا ذَرَأ، كان وَلَدِ الزِّنا ممَّا ذَرَأ ". {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا}. أي: لهؤلاء الذين ذرأ لجهنم، {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} الهدى. أي: لا يفقهون [بها] شيئاً من أمر الآخرة.
{وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا}، الهدى. {وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ}، الحق. وقيل: {لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا}، أي: لا يتفكرون في آيات الله، (سبحانه) / وأدلته، (جلت عظمته) على توحيده، وحججه التي أتت بها الرسل، {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} آيات الله، (سبحانه، وأدلته جلت عظمته)، {وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ}، أي: لا يسمعون آيات الله، (سبحانه) فيعتبرون. يقولون: {لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ} [فصلت: 26]. وهو نظير قوله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171]. {أولئك كالأنعام}. في جهلهم وقلة تمييزهم للحق.
180
{بَلْ هُمْ أَضَلُّ}. يعني أن البهائم لا تميْيزَ لها، يلزمها نقص في جهل. وهؤلاء لهم تمييز، فالنقص له لازم في جهلهم. فهم أشَدُّ نَقْصاً في الجهل من البهائم. والبهائم مع عدم تمييزها تطلب لأنْفُسِهَا المنافع، وتفر من المضار، وهؤلاء لا يعقلون ذلك، يتركون ما فيه صلاح دنياهم وآخرتهم، ويلزمون ما فيه مضرتهم، فه أضل من البهائم. {أولئك هُمُ الغافلون}. أي: الذين غَفَلُوا عن مصالحهم ومنافعهم، وَغَفَلُوا عن آيات الله، (سبحانه)، وحججه وأعلامه الدالة على توحيده (سبحانه)، وَصِدْق رُسُلِهِ. قوله: {وَللَّهِ الأسمآء الحسنى فادعوه}، الآية. " الإلْحَادُ " في اللغة: الجَوْرُ والميل عن القصد. قال الكسائي: يقال: " أَلْحَدَ ": عدل عن القصد. و " لحَدَ ": رَكَنَ إلى الشيء. وعلى ذلك قرأ {يُلْحِدُونَ} في " النحل "، [يعني]: يَرْكنُونَ.
واللغة الفصيحة، " أَلْحَدَ " الرجل في دينه: إذا مال وجار. و " لَحَدَ " القبر. وقد تدخل [كل) واحدة منهما على الأخرى. ومعنى: {وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ في أَسْمَآئِهِ}. قال بعض العلماء: هو نهي من الله، ( D) ، أنْ يُدْعى بِمَا لاَ يَجُوزُ أَنْ يُوْصَفَ بِهِ، وذلك أنهم عدلوا بأسمائه فسموا ببعض اشتقاقها وبعض حروفها آلهتهم. قالوا: " اللات " مشتق من الله " الله ". وسموا بـ: " العزى "، أخذوه من " العزيز ". قال مجاهد: أخذوا " العُزَّى " من " العِزَّة ". قال ابن عباس {يُلْحِدُونَ}: يكذبون. وقال قتادة: يشركون.
181
وقال ابن زيد: هذا مَنْسُوخٌ نسخه القتال. وقيل: إنَّ هذا مُحْكَمُ، وإنما هو تَهْدِيدٌ وَوَعيدٌ من الله ( D) ، لا أنه (تعالى)، أمر نبيه (عليه السلام)، أن يتركهم يلحدون في آيات الله ( D) ، وهو مثل: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ} [الحجر: 3]. قوله: {فادعوه بِهَا}، وقف. {في أَسْمَآئِهِ}، وقف. قوله: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق}، إلى قوله: {يَعْمَهُونَ}. والمعنى: ومن الذين خلقناهم {أُمَّةٌ}، أي: جماعة يقْضُون {بالحق وَبِهِ
يَعْدِلُونَ}، أي: يأخذون به، ويعطون به. قال ابن جريج: ذكر لنا أن نبي الله، (عليه السلام)، قال: " هذه أمتي ". وقال قتادة: هي هذه الأمة. وروى سعيد بن جبير [عن قتادة) أن النبي ( A، كان يقول إذا قرأ هذه الآية: هَذِهِ لَكُمْ، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها، يعني قوله: {وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159]. ثم قال تعالى: {والذين كَذَّبُواْ بآياتنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ}. أي: سَنُمْهِلُهُمْ بغرتهم، ونُزَيِّنُ لهم سوء أعمالهم، حتى يحسب أنه في كفره
مُحْسِنٌ فإذا بلغ الغاية الت كتبت له، أُخذ بأعماله السيئة من حي لا يعلم. وأصل " الاسْتِدْرَاجِ ": اغترار المستدرج بلُطْفٍ حتى يورّطه مكروهاً وَهَلَكَةً. ثم قال تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}. أي: وأؤخرهم مدة من الدهر. و" المَلاَوةُ ": القطعة من الدهر، يقال بضم " الميم " وفتحها وكسرها، لغات فيها.
{إِنَّ كَيْدِي}، أي: إنَّ عذابي. {مَتِينٌ}، أي: شَديدٌ. وقيل: " الكَيْدُ " هنا: هو أخذهم من حيث لا يشعرون. وأصل " الكَيْدُ ": المكر. وقرأ ابن عباس: " أَنَّ كَيْدِي "، بفتح الهمزة، جعل " أَنَّ ": مفعولاً من أجله، أي: من أجل أنّ الكيد متين وقع الإملاء. {وَأُمْلِي لَهُمْ}، وقف. {لاَ يَعْلَمُونَ}، وقف.
إن جعلت {وَأُمْلِي} مُسْتَأْنفاً. ثم قالت تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ}. أي: يتفكروا في أَنَّ الرَّسُولَ صَادِقٌ، وأَنَّ الحَقَّ/ ما دعاهم إليه. ثم قال: {مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ}. قال قتادة: ذكر لنا [أن] النبي (عليه السلام)، كان على الصفا، فدعا قريشاً وجعل يُفَخِّذُهم فَخِذاً [فَخِذاً]: " يا بني فلان، يا بني فلان "، يحُذِّرُهُمْ بأس الله ( D) ، ووقائع الله، (تبارك وتعالى)، فقال قائلهم: " إِنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا لَمَجْنُونٌ! بَاتَ يُصَوِّتُ إلَى الصَّبَاحِ "، (فأنزل الله، D) ،: { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}،
أي: ينذركم عقاب الله، ( D) ، على كفركم. {مُّبِينٌ}. أي: قد أبانَ لكم إنذارهُ. و: {مِّن جِنَّةٍ}. أي: من جنون. ومثلهُ في سورة " سبأ ". {مِّن جِنَّةٍ}، وقف. {تَتَفَكَّرُواْ}، وقف حسن، ومثله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ في أَنفُسِهِمْ} [الروم: 8]، ومثله: {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ} [سبأ: 46] في " سبأ ". ثم يتبدئ بـ: {مَا}، وهي: للنَّفِيْ في الثلاثة المواضع.
ثم قال تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السماوات والأرض وَمَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ}. والمعنى: أولم ينظر هؤلاء المكذبون، في ملك السموات والأرض وسلطانها، وفيما خلق الله، ( D) ، فيتدبروا، فيعلمون أنّ ذلك لا يحدثه إلا رب واحد، والله واحدٌ لا شبيه له، فيؤمنوا ويصدقوا، ويتفركوا في: {وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ}، فيحذروا أن يموتوا على كفرهم فيصيروا إلى عذاب الله، (سبحانه). وقيل: إنهم كذبوا يُسَوِّفون بالتوبة والإيمان، فقيل لهم: عسى أن يكون أجلكم قد قرب، فتموتوا على كفركم. قال سفيان: {مَلَكُوتَ السماوات} [الأنعام: 75]: الشمس والقمر.
{فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}. أي: فبأي تخويف بعد تخويف محمد، ( A) ، الذي أتاهم به من عند الله ( D) ، في آي كتابه {يُؤْمِنُونَ}، وهو القرآن. ثم قال تعالى: {مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ}. أي: هؤلاء الذين كفروا ولم يتعظوا، إنما كان لإضلال الله، ( D) ، إياهم، ولو هداهم لا عتبروا وأبصروا رشدهم، فلا هادي لهم إذ أضلهم الله. وقوله: {وَيَذَرُهُمْ}. من قرأ بـ " الياء "، رده على اسم الله، (سبحانه).
ومن قرأ بـ: " النُّونِ "، جعله على الإخبار من الله، (سبحانه)، عن نفسه. ومن قرأ بـ: " الرفع " قَطَعَهُ مما قبله، أو عطفه على مضع ما بعد " الفَاءِ " وهو الرفع؛ لأن " الفَاءَ " ترفع ما بدها من الأفعال. ومن جَزَمَ، عطف على موضع " الفَاءِ "، لأنه لو وقع موضع " الفَاءِ " فِعْلٌ جُزِمَ على الجَزَاءِ، فالعطف على موضع " الفَاءِ " يُوْجِبُ الجَزْمَ. ومعنى {وَيَذَرُهُمْ}، أي: ندعهم، {فِي طُغْيَانِهِمْ}، أي: في تماديهم
187
على الكفر، {يَعْمَهُونَ}، يترددون ويَتَحيَّرونَ. قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي}، الآية. {مرساها}: مبتدأ، و {أَيَّانَ}: الخبر. والمعنى على قول قتادة: أن قريشاً قالت للنبي (صلى الله عليه السلام)، إنَّ بيننا وبينك قرابة، فأسِرّ إلينا متى الساعة! فنزلت الآية. وقال ابن عباس: أتى قوم من اليهود إلى النبي ( A) ، فقالوا له: أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً؟ أي: متى قيامها؟ و {مرساها} من: أَرْسَيْتُ، إذ أثبت. يقال: رست: إذا ثبت. وأرسيتها:
أثبتها. قال الله، ( D) ، لنبيه (عليه السلام)، {قُلْ} يا محمد: {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا}، أي: [لا] يظهرها ويقيمها لوقتها إلا الله، ( D) . / يقال: جَلَّى فلان الأمر، إذَا كَشَفَهُ وَأَوْضَحَهُ وَأَظْهَرَهُ. {ثَقُلَتْ فِي السماوات والأرض}. أي: ثقل على أهل السموات والأرض أن يَعْلَمُوا وَقْتَ قِيَامِهَأ. قال السدي: المعنى: خفيت في السموات والأرض، فلا يعلم قيامها مَلَكٌ مُقَرَّب وَلاَ نَبيٌّ مُرْسَلٌ. وقيل المعنى: ثقل علمها عليهم.
وقيل: المعنى: كَبُرت عند مجيئها على أهل السموات والأرض. قاله الحسن. وقال ابن جريج: {ثَقُلَتْ}، معناه: إذا جاءت انشقت السماء، وانتشرت الكواكب، وكُوِّرت الشمس، وسيِّرت الجبال، وكان ما قال الله، ( D) . فذلك ثِقَلُها. وحكى السدي عن بعض العلماء: {ثَقُلَتْ}: عَظُمَتْ. وقيل المعنى: {ثَقُلَتْ} المسألة عنها. وقال القُتَيْبِي: ثقل علمها على أهل السموات والأرض، أي: خَفِيَ. وَإِذَا خَفِيَ الشَّيْءُ ثَقُلَ.
{لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً}. أي: فجأة. قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن نبي الله [عليه السلام]، كان يقول: " إِنَّ السَّاعَةَ تَهِيجُ النَّاسَ، والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضِهُ، والرَّجُلَ يَسْقِي مَا شِيَتَهُ، والرَّجُل يُقِيمُ سِلْعَتَهُ في السُّوْقِ، وَيَخْفِضُ مِيزَانُهُ وَيَرْفَعُهُ ". وروى أبو هريرة: أن النبي A، قال: " تَقُوْمُ السَّاعَةُ والرَّجُلاَنِ قَدْ نَشَرَا ثَوْبَهُمَا يبيعانه فما يطويانه حتى تقوم الساعة، وتقوم الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فِيهِ فما تصل إلى فِيهِ حتى قوم الساعة ". ثم قال: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا}. أي: يسألونك عنها {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ} بهم، أي: فرحٌ بسؤالهم.
وقال ابن عباس: {كَأَنَّكَ} بينك وبينهم مودة، أي: {كَأَنَّكَ} صديق لهم. قال قتادة: قالوا له: نحن أقرباؤك، فأسِرَّ لنا متى (تقوم) الساعة؟ فأنزل الله، تعالى، {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا}، (أي): بههم. وقيل: إنَّ الكَلاَمَ لاَ تَقْدِيمَ فِيهِ وَلاَ تَأْخِيرَ. والمعنى: يسئلونك {كَأَنَّكَ} استحفيت المسألة فعلمتها. قال مجاهد. وقال الضحاك: {كَأَنَّكَ} عالم بها. ف " عن " في مَوضِعِ " الباء ". كما جاز أن تقع " الباءُ " في موضع " عَنْ " في
قوله: {فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً} [الفرقان: 59]، أي: عنه. وقيل المعنى: {كَأَنَّكَ} فَرِحٌ بسؤالهم. يقال: حفيت بفلان في المسألة، إذا سألته عنه سؤالاً أظهرت فيه المحبة. وأحفى فلان بفلان في المسألة، تأويله الكثرة. ويقال: حفى الدابة يحفى حفىً مقصورٌ، إذا أكثرت عليه المشي حتى حفى أسفل رجله. والحَفَاءُ، ممدود: مشي الرَّجُل بغير نعل. وقدره المبرد: {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ} بالمسألة {عَنْهَا}، أي: مُلْحّ، ومكثر السؤال عنها. وقوله {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي}.
188
أي: علم وقوعها. وقوله: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي}،. أي: علم كنهها وحقيقتها. ف " العِلْمَانِ ": مختلفان، وليس ذلك بتكرير. وقرأ ابن عباس: " حَفيٌّ بِهَا ". {إِلاَّ هُوَ}، وقف. {عَنْهَا}، وقف، على القولين جميعاً. قوله: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ الله}، إلى كقوله: {عَمَّا يُشْرِكُونَ}. والمعنى: قل يا محمد، لسائليك عن الساعة: {لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ الله} أن يملكنيه، بأن يُقوِّيني عليه، ويعينني، {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب}، أي: أعلم ما هو كائن {لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ}، أي: من العمل الصالح. وقال ابن جريج: لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} أي: هدى ولا ضلالة، {وَلَوْ
كُنتُ أَعْلَمُ الغيب}، أي: متى أموت، لاستكثرت من العمل الصالح. وقال مجاهد مثله. وقال ابن عباس: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب}، أي: أعلم السَّنَةَ الجَدْبَة من الخصبة، لاستكثرت من الرُّخْصِ. وقيل: {[وَ] لَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب}، أي: مَا كَتَبَ الله. وقيل: لو كنت أعلم ما تسرونه وما يقع بكم حتى تحذروا مكروهه أن تجيبوني إلى ما أدعوكم {لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير}، أي: من إجابتكم إلى ما أدعوكم. {وَمَا مَسَّنِيَ السوء}، منكم بتكذيب أو عداوة. وقال الحسن {مِنَ الخير}: من الوحي.
وقيل: المعنى: لو كنت أعلم النصر في الحرب لقاتلت فلم أُغلب. وقيل: المعنى: لو كنت أعلم ما يريد الله مني من قبل أن يُعَرِّفَنِيه لفعلت. وهو اختيار النحاس. {وَمَا مَسَّنِيَ السوء}، أي: الضر. وقيل: {وَمَا [مَسَّنِيَ]} تكذيبكم وقولكم: مجنون. ثم قال تعالى: {هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}. يعني: آدم، [عليه السلام]. وجعل {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}. يعني: حواء خلقت من ضِلْعٍ من (أَضْلاعِ) آدَمَ. {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}.
ليأوي إليها، لقضاء حاجته ولذته. {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا}. كناية عن الجِمَاعِ. {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً}. يعني: الماء الذي حملته حواء من آدم، عليهما السلام. {فَمَرَّتْ بِهِ}. أي: استمرت به، قامت وقعدت، وأتممت الحَمْلَ. وقيل: المعنى: {فَمَرَّتْ بِهِ}، وجاءت لم ثقلها الحَمْلَ أولاً. قال قتادة: {فَمَرَّتْ بِهِ}، إستبان حَمْلُها.
وقال مجاهد: [استمر] حَمْلُها. وقيل معنى " فَمَرَّتْ بِهِ ": فشكَّت، أحملت أم لا؟ رُوِيَ ذلك عن ابن عباس، وقاله: يحيى بن يعمر. ورُوي: أن البطن الذي ثقل عليها حمله، كان البطن التاسع، وكانت البطون التي قبله خفيفة عليها، فلما أثقلت بهذا البطن التاسع، مرَّ بِهَا إبليسُ فشكت إليه ثِقْل حملها، فقال لها، عدو الله، سَمِيّه: " عبد الحارث " يخف عليك ففعلت. قال أبو حاتم المعنى: فاستمر بها الحمل، فَقُلِبَ الكَلاَمُ. يقال: أدْخَلْتُ
الخُفَّ رجلي. {فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ}. أي: صار حَمْلُها الخَفِيفَ ثَقِيلاً. وقال السدي {أَثْقَلَتْ}: كبر الولد. {دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا}: يعني آدم وحواء. {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين}.
أي: غلاماً. قاله الحسن، ومعمر. وقيل: إنهما أشفقا أن يكون الحمل غَيْرَ إِنْسانٍ، فسألا أن يكون إنساناً. قال ابن عباس: إنهما أشفقا أن يكون بَهِيمَةً. {فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً}. أي: بشراً.
{جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا}. قال ابن جبير: جاءها إبليس فَخَوَّفَهَا أن يكون حَمْلُهَا بهيمة. وقال: اطيعيني وَسَمِّيهِ: " عبد الحارث " تلدين شبَهكما، فذكرت ذلك لآدم، فقال: هو صاحبنا الذي علمت: فمات الولد، ثم حملت آخرى، فعاد إليها إبليس بمثل ذلك، وكن الملعون اسمه في الملائكة: " الحارث ". وقال لها: أنا قتلت الأول، فكرت ذلك لآدم (عليه السلام)، فأبى. ثم حملت ثالثاً، وعاد إليها إبليس بمثل الأول، فذكر ذلك لآدم، فكأنه لم يكرهه، فسمَه: " عبد الحارث ". قال ابن جبير: لم يكن إلا أن أصابها آدم فحملت، فليس إلا أن حملت تحرك في بطنها ولدها. وذلك كله بعد أن أُهْبِطَا إلى الأرض. وقول آدم: هو صاحبنا، يعني: هو الذي أخرجنا من الجنة. قال السدي: لما حملت أتاها إبليس فخوفها أن يكون بهيمة، فعند ذلك {دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين}.
ومن قرأ {شُرَكَآءَ}، فقد منعه الأخفش، وقال: كان يجب أن يقرأ على هذه القراءة: جعلا لغيره شِرْكاً، وهو إبليس؛ لأن الأصل له، والشرك لغيره، فإنما جعلا لغيره الشرك. والقراءة عند غيره جائزة، ومعناها: جَعَلاَ لَهُ ذَا شِرْكٍ، ثم حذف، مثل: {وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82]، فالشرك على هذه لإبليس، وهو المضاف المحذوف. و" الشرك " مصدر: شَرِكْتُهُ في الأمر. ومن قرأ {شُرَكَآءَ}: جعله جمع شريك. وإنَّما جاءت بالجمع وهو واحد،
إذ المراد به: إبليس ومعه تُّباعٌ؛ لأن له جنوداً وشياطين معه، فإذا جعل هو شريك، فحكمهم حكمه، فخرج الخبر عن جميعهم. /وقيل: إنما ذلك؛ لأن العرب تخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة، إِذَا لَمْ تَقْصِدْ وَاحِداً بِعَيْنِهِ، وَلَمْ تُسَمْهِ، نحو قوله: {الذين قَالَ لَهُمُ الناس} [آل عمران: 173]، وَإِنَّمَا هُوَ وَاحِدٌ. روى سمرة بن جندب عن النبي A، أنه قال: " كانت حواء لا يعيش لها
ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسميه: " عبد الحارث " فعاش لها ولد، فسمته " عبد الحارث "، وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان ". وقال بكر بن عبد الله: سمى آدم ولده عبد الشيطان. قال عكرمة: كان لا يعيش لهما ولد، فأتاهما الشيطان وقال لهما: إِنْ سَرَّكُما أن يعيش لكما ولد فسمياه: " عبد الحارث ". ففعلا، فذلك قوله: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ}. قال ابن جبير: لما أثقلت حواء في أول ولد ولدته، أتاها إبليس قبل أن تلد فقال: يا حواء، ما هذا الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري! قال: من أين يخرج؟ من أنفك، أو من عينك، أو من أذنك؟ قالت: لا أدري قال: أرأيت إن خرج سليماً، أتطيعني أنت فيما آمرك به؟ قالت: نعم! قال: سَمِّيهِ " عبد الحارث "، فأتت آدم فأعلمته، فقال له: ذلك الشيطان فاحذريه، فإنه عدنا الذي أخرجنا من الجنة! ثم
أتاها إبليس ثانية فأعاد عليها، فقالت: نعم فلما وضعته سمته: " عبد الحارث ". قال السدي: لما ولدت غلاماً أتاها إبليس فقال: سمّيه عبدي وإلا قتلته! قال له آدم: قد أطعتك فأخرجتني من الجنة فأبى أن يطيعه، فسَّماه " عبد الرحمن " فَسُلِّط عليه إبليس فقتله. فحملت بآخر فعاد بمثل ذلك، فلم يفعل (ذلك) آدم، وسماه: " صالحاً " فسلط الله عليه إبليس فقتله. فلما كان الثالثة قال لهما: فإذ غلبتموني فسموه: " عبد الحارث " وكان سامه في الملائكة " الحارث "، فسماه " عبد الحارث ". ورُويَ عن الحسن أنه قال: هذا كان في بعض الملل ولم يكن بآدم. يعني: " الشِّرْك "، إنما كان في بعض الأمم. وقيل المعنى: جعل أولادهما لله شركاء، يعني: اليهود والنصارى. وروى قتادة عن الحسن: أنه قال: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله الأولاد
فَهَوَّدُوا ونصَّرُوْا. وَرُوِىَ عن عكرمة أنه قال: لم يخص بهذا آدم وحواء؛ وإنما المراد بذلك الجنس. كأنه قال: خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}، أي: من جنسها، {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا}، يعني: الجنس لا يخصُّ به واحد دون آخر، {دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا}، يراد به الجنسان الكافران. ثُمَّ يُحْمَل قوله: {عَمَّا يُشْرِكُونَ}، على الجمع؛ لأنهما جنسان.
191
(قوله): {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ}، إلى قوله: {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. وقيل: إن قوله: {فِيمَآ آتَاهُمَا}، هو تَمَامُ الكَلاَمِ في قصة آدم وحواء، ثم ابتدأ إِخْبَاراً عن المشركين من بني آدم، فقال: {فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ}، الآية. قال محمد بن عرفة نِفْطَوِيْه: لم يشركا بربهما، إنما أطاعا إبليس في بعضما أُمرا بتركه، أَطَاعَاهُ طَاعَةَ مُغْتَرٍ مُكَادٍ، لاَ طَاعَةَ مُلْحِدٍ مُصِرٍّ. قال: فأما قول: {فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ}، فإنما أريد به: من عبد غير الله من اولاد آدم وحواء، دليله (قوله): {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً}، إلى قوله: {صامتون}، فلم يعبد آدم وحواء أصناماً
فيكون هذا خطاباً لهما، إنما عبد ذلك أولادهما. فالمعنى: أيشركون في عبادة الله، فيعدبون {مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً}، يعني تسميتهما ولدهما: " عبد الحارث ". رُوِيَ أنّ النبي، A، قال: " خَدَعَهُما (إبليس) مرتين، في الجنة وفي الأرض ". وقال ابن زيد: لما ولد لهما ولد سمياه: " عبد الحارث " فمات، ثم ولد لهما أخرى فسمياه: " عبد الله " فأتاهما إبليس فقال: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما؟ لا والله، ليذبهن به كما ذهب/ بالآخر! ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما، فَسَمّيَاهُ: " عبد شمس " فذلك قوله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً}، يعني: الشمس. وإنما أخرج الخبر بلفظ الجميع لأنهم كانوا يعظمون ما يعبدون ويخبرون عنها مث الإخبار عمن يعقل، فخوطبوا بما كانوا يعقلون.
وقيل: إنما هذا خطاب للمشركين عَبَدَةَ الأَوْثَانِ. ثم قال: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ}. أي: ما يعبد هؤلاء، لا ينصرون من يعبدهم، ولا ينصرون أنفسهم. ثم قال تعالى: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ}. والمعنى: إنكم إن دعوتم آلهتكم إلى رشاد لم تفهم، فكيف يُعْبَدُ من إذا دُعِي إلى الرشاد وعُرِّفه لم يعرفه، ولم يفهم رشاداً من ضلال، وكان دعؤه وتركه سواء، فكيف يُعْبَدُ من هذه صفته، وكيف يُشْكِل عظيمُ جهل من اتخذ ما هذه صفته إلاهاً؟ {سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامتون}.
أي صَمَتُّم. كل ذلك على آلهتكم سواء، لا تعقل ولا تفهم فهذا في الظاهر وقع للداعين والاستواء وهو في المعنى المقصود وقع للمدعويين؛ لأن حال الداعي في الصُّمَاِ والدعاء مختلفة؛ لأنه ممن يدعو ويصمت، وحال المدعويين في الدعاء والصُّمَات سواءٌ، لأنها أصنام، قد استوى الدعاء لها وتركه، إذ لا تعقل، ولا تختلف أحوالها، فلما استوى على الأصنام الدعاء والصُّمَاتُ، استوى على الداعي ذلك أيضاً، إذ يدعو ويصمت فلا يجاب فجاز لذلك، فصار الدعاء والصَّمت للداعي في الظاهر لهذا المعنى، وهو مثل قوله: {كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ} [البقرة: 171]. وقد مضى بيانه. ثم قال: {إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ}. يعني: المعبودين. قرأ ابن جبير: " إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَاداً أَمْثَالَكُمْ "، بتخفيف {إِنَّ}، بجعلها بمعنى: " ما "، وبنصب " العبادَ " و " الأمثال " على النفي،
195
أي: ليست هي مثلكم؛ وَإِنَّمَا هِيَ خَشَبٌ وَحِجَارَةٌ. والاختيار عند سيبويه: الرفع (مع) " إِنْ " إذا كانت بمعنى " ما "؛ لأن " ما " عملها ضعيف، فعمل ما هو في معناها أضعف. وزعم الكسائي: إن العرب لا تأتي بـ " إنْ " بمعنى " ما " في الكلام، إلا أن يكون بَعْدَهَأ إِيجَابٌ، كقوله: {إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ} [الملك: 20]. قوله: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ}، الآية. كل هذا خطاب للمشركين من عبدة الأوثان و (هو) توبيخ لهم وتقريع على عبادتهم من لا رِجْل له ولا يَدَ ولا عين، ولا يفهم، ولا يضر ولا ينفع. فالمعنى: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ}، فيسعون معكم في حوائجكم، {أَمْ
196
لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ}، فيدفعون عنكم الضر وتنتصرون بها عند قصد من يقصدكم بسوء، {أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ}، فيعرفونكم ما عاينوا مما تغيبون عنه، {أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا}، فيخبرونكم بما سمعوا دونكم مما لم تسمعوه. فإن كانت هذه آلهتكم المُعَظَّمَةُ عِنْدَكُمْ، فما وجه عبادتكم لها، وهي خالية من هذه المنافع كلها؟. ثم قال الله تعالى، لنبيه عليه السلام: {قُلِ} لهم: {ادعوا شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ}، أي: ادعوهم لمعونتكم عَلَيَّ، {ثُمَّ كِيدُونِ} أنتم وهم، " فلا تنظرون "، أي: لا تؤخرون بالكيد، ولكن عَجِّلُوا كلَّ هذا. يُنَبِّئُهُمِ أَنَّ آلِهَتَهُمْ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ. قوله: {إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب}، إلى قوله: {عَنِ الجاهلين}. قرأ الجَحْدَري: " إِنَّ وَلِيَّ اللهِ "، بياء مفتوحة شديدة، وخفض الاسم. يعني
به جبريل، عليه السلام. ومعنى الآية على قراءة الجماعة: قل، يا محمد، لعبدة الأوثان، {إِنَّ وَلِيِّيَ الله}، أي: (إنَّ) نصيري عليكم، {الله الذي نَزَّلَ الكتاب} عَلَيَّ بِالحَقَّ، {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين}، أي: يَنْصُرُهُمْ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ فِيهِ. ثم قال: {والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ/ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ}. [أي: وقل لهم بعد إخبارك أن الله، تعالى، ينصرك: والذين تدعون من دون الله، لا يستطيعون نصركم] كما نصرني الله، ولا يستطيعون نصر أنفسهم. فأي هذين أولى بالعبادة؟ من نَصَرَ نَفْسَهُ، وَنَصَرَ مَنْ عَبَدَهُ، أو من لا يستطيع نصر لنفسه ولا نصر من عبده؟ ثم قال تعالى: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَسْمَعُواْ}. أي: وإن تدعوا، أيُّها المشركون، آلهتكم {إِلَى الهدى لاَ يَسْمَعُواْ} دعاءكم. {وتراهم يَنظُرُونَ إِلَيْكَ}، يعني: آلهتكم، {وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}، يعني: الآلهة.
{وتراهم} في هذا بمعنى: الظن والحِسْبَان، لا من النَّظَر. وقد تَأوَّلهُ بمعنى: " النَّظَرِ " المُعْتَزِلَةُ، وغَلِطُوا فيه. وقال السدي: يعني بذلك المشركين، لا يسمعون الهدى، {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} ما تدعوهم إليه. وقيل معنى: {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} هنا: يُوَاجِهُونَك ولا يَرَوْنَكَز وحكى الكسائي: " الحَائِطُ يَنْظُرَ إِلَيْكَ ". أي: يواجهك، إذا كان قريباً منك. وحكى: " دَارِي تَنْظُرُ إِلَى دَارِ فُلاَنَ "، أي تواجه وتحاذي وتقابل.
ودَلَّ قوله {وتراهم} على أن المراد المُشْرِكُونَ، إذ لو كان للآلهة لقال: " وتراها ". وقيل: هي للآلهة؛ لأنها مثل بني آدم في صورها التي مَثَّلُوها؛ ولأنهم يعظمونها ويخاطبونها بمخاطبة من يعقل، فَخُطِبُوا كَذَلِكَ. فمن جعله للمشركين، كان " ترى " على بابه، من رؤية العين. ثم قال تعالى: {خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين}. قال بعض أهل المعاني: في هذه الآية بيان قول النبي، A: " أُوتيتُ جَوَامِعَ الكَلاَمِ ". فهذه الآية قد جمعت معاني كثيرة، وفوائد عظيمة، وجمعت كل خُلُقٍ حسن؛ لأن في " أخذ العفو ": صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين. وفي " الأمر بالمعروف ": تقوى الله ( D) ، وطاعته، (جلت عظمته)، وصلة الرجم، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن الحُرُمات.
وسُمِّيَ ذلك وَنَحْوَهُ " عُرْفاً "؛ لأن كل نفس تعرفه وتركن إليه. وفي الإعراض عن الجاهلين ": الصبر، والحلم، وتنزيه النفس عن مخالطة السفيه، ومنازعة اللَّجُوج، وغير ذلك من الأفعال المَرْضَيَّةِ. وقال أهل التفسير في قوله {خُذِ العفو}، أي: خذ فضل أموالهم، وهو حق في المال نَسَخَتْهُ الزَّكَاةُ. وهو قول: ابن عباس، والسدي، وغيرهما. وقيل: هو الزكاة. وهو قول مجاهد. وقيل: هو أمْرٌ بالاحتمال وترك الغِلْظة، ثم نسخ بالأمر بالغلظة والأمر بالقتال. وهو قول ابن زيد.
وقال القاسم، وسالم: هو حق في المال سوى الزكاة. وقال عبد الله، وعروة بن الزبير: روى هشام بن عروة عن أبيه {خُذِ العفو}، أي: من أخلاق الناس، أي: السَّهْلَ مِنْهَا.
{وَأْمُرْ بالعرف}. قال عروة، والسدي: " العُرْفُ ": المعروف. وفي الحديث معنى الآية: " أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ ". قال سفيان بن عيينة: بلغني أن جبريل، عليه السلام، نزل على النبي ( A) ، فقال: يا محمد، جئتك بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ في الدنيا والآخرة {خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين}، وهو يا محمد أن تصل من قطعك، وأن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك. وروى ابن عيينة عن الشعبي أنه قال: " إن جبريل، عليه السلام، (لما) نزل بهذه الآية
على النبي عليه السلام، قال له النبي (عليه السلام)،: ما هذا يا جبريل؟ قال جبريل: لا أدري حتى أسأل العَالمِ، ذهب فمكث شيئاً ثم رجع فقال: إن الله ( D) ، يأمرك أن تعفو/ عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك ". وقوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين}. قال ابن زيد: هذا منسُوخٌ بالقتل. وقيل: هي مُحْكَمةٌ، إنما أُمر بالاحتمال واللِّين. وذكر سفيان بن عيينة أن
جبريل، (عليه السلام)، فسر هذا للنبي ( A) ، فقال: يا محمد، إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك. قال قتادة: هذه أخلاق أمر الله، ( D) ، نبيه، (عليه السلام) (بها) وَدَلَّهُ عليها. ورُويَ: أن جبريل عليه السلام، نزل على النبي A، فقال يا محمد، أتيتك بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة {خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين}، وذلك يا محمد، أن تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتَحْلُمَ عمن هو دونك. ورُوِيَ أن " العُرْفَ "، قول: لا إله إلا الله، أُمِر النبي A، أن يأمر الناس بقولها.
200
قوله: {وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ}، إلى قوله: {يُقْصِرُونَ}. والمعنى: وإما يغضبَنَّكَ من الشيطان، غَضَبٌ يَصُدُّكَ عن الإعراض عن الجَاهلين، ويحملك على مجازاتهم {فاستعذ بالله}، أي: اسْتَجِرْ بِهِ، {إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} لجل الجاهل عليك، ولاستعاذتك به من نزغ الشيطان، ولغير ذلك من أمورك، {عَلِيمٌ}، بما يذهب عند نَزْغَ الشَّيْطَانِ، وبغير ذلك. وقال أبو عبيدة المعنى: وإما يستخفنك منه خفة. وقيل " نَزْغُهُ ". وسوسته. وقيل: " نَزْغُهُ ": فساده.
ثم قال تعالى: {إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ}. و" الطَّائِفُ " و " الطَّيْفُ " عند جماعة من البصريين، سواء، وهو ما كان كالخيال، والشيء يُلِمُّ بِكَ. وقيل: إن " طيفاً " مخفف من: " طيّفٍ "، مثل: " مَيْتٌ ومَيِّتٌ. وقال بعض الكوفيين: " الطَّائِفُ ": ما طاف به من وسوسة الشيطان. و " الطَّيْفُ ": من اللَّمم والمَسِّ. وقال الكسائي: " الطَّيْفُ: " اللهو، و " الطَّائفُ ": كل ما طاف حول الإنسان. وقرأ ابن جبير: " طيِّفٌ " مشدوداً. و" الطَّيْفُ " عند أهل العربية: مصدر طاف.
وقال الكسائي: هو مخفف من " طَيِّفٍ ". وقال الكسائي: " طَافَ " من: الواو. وقال الأَحْمَرُ سمعت: طِفْتُ أطِيفُ ". وحكى البصريون: " طَاف بطيف " و " طِفْتُ أطِيفُ ". قال ابن جبير ومجاهد: " الطَّيْفُ ": الغضب. وقال ابن عباس " طَائِفٌ ": لمَّةٌ من الشيطان.
وقال السدي: {تَذَكَّرُواْ} أي: تذكروا عقاب الله، ( D) ، فتابوا، أي: تابوا إذا زَلُّوا. قال ابن عباس: {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}، أي: منتهون عن المعصية. ثم قال تعالى: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي}. أي: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي. {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ}. أي: لا يقصرون عما أقصر عنه الذين اتقوا {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان}. وهذا خبر من الله، ( D) عن حال المؤمنين وحال الكفار، أن المؤمن إذا
أصاب الذنب تذكر العقوبة فتاب ورجع وأبصر رشده، والكافر يمد له إخوانه من الشياطين في الغي، ثم لا يقصر عن غيه، ولا يرجع كما فعل المؤمن. و" المَدُّ ": الزيادة، ف " الهاء " و " الميم " في: {وَإِخْوَانُهُمْ} تعود على الشياطين. ودَلَّ " الشيطان " في قوله {طَائِفٌ مِّنَ الشيطان}، على الشياطين. و " الإخوان " كناية عن الكفار. والضمير المرفوع في: " يُمِدُّونَ " يعود على " الشياطين ". و" الهاء " و " الميم " في {يَمُدُّونَهُمْ} تعود على " الكفار "، وهم الإخوان. وقيل المعنى: ثم لا يقصر الشياطين في مدهم في الغي للكفار. قاله: قتادة. وقال: {لاَ يُقْصِرُونَ} عنهم ولا يرحمونهم. / فالضمير في {يُقْصِرُونَ} للشياطين. وعلى القول الأول للمشركين، وَهُوَ الأَكْثَرُ. و" الغَيُّ ": الجهل والوقوع في الهلكة.
وهذا الكلام عند أبي إسحاق مُقَدَّمٌ مُتَّصِلٌ في النبية بقوله: {ولا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} [الأعراف: 197]. ثم قال: {وَإِخْوَانُهُمْ}، أي: وإخوانهم يعني: الشياطين، {يَمُدُّونَهُمْ}، يعنى: الكفار. يقال: " قَصَّر " عن الشيء و " أَقْصَرَ ". وقد أنكر أبو حاتم وأبو عُبَيْد قرأءه نافع، بـ: " ضَمَّ اليَاءِ " في: {يَمُدُّونَهُمْ} وهي مشهورة.
حكى المبرد: " مَدَدَتْ لَهُ في كَذَا ": " زينته له، واسْتَدْعَيْتُه أن يفعله، و " أَمْدَدْتُهُ في كذا " أي: أعنته برأيي وغير ذلك. وحكى غير المبرد: " مَدَّهُ " و " أمَدَّهُ " بمعنىً. وقيل {فِي الغي}: متعلق بـ " الإخوان "، التقدير: " وَإِخْوَانُهُمْ فِي الغَيِّ يُمِدُّونَهُمُ، والأول أحسن، كما قال: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ} [البقرة: 15].
203
قوله: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها}، إلى قوله: {تُرْحَمُونَ}. المعنى: إنهم يقولون للنبي (عليه السلام)، إذا سألوه في آية فلم يأت بها: هلا افتلعتها من عند نفسك، فهذا قول كفار قريش للنبي، A. وعن ابن عباس: هلا أجتبيتها: تقبلتها من ربك. {قُلْ}، يا محمد، {إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يوحى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هذا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ}. أي: هذ الذي دللتكم عليه {بَصَآئِرُ}، أي: لِيُسْتَبْصَرَ بِهِ، وهذا إشارة إلى القرآن والوحي، فلذلك وُحِّدَ. و {بَصَآئِرُ}: حُجَجٌ وبيان لكم من ربكم. {وَهُدًى}، أي: بيان، {وَرَحْمَةً} رحم الله بها عباده المؤمنين. ثم قال تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فاستمعوا لَهُ}.
هذا أمر للمؤمنين أن يستمعوا القرآن ويتعظوا به، ويتدبروه، وينصتوا للقراءة ليرحمهم الله. قال المسيب بن رافع عن ابن مسعود: ذَلِكَ في الصَّلاَةِ، وكان بعضنا يُسَلِّمُ على بعض في الصلاة، فجاء القرآن: {وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ}. وقاله أبو هريرة. وقال الزهري: نَزَلَتْ فِي الأَنْصَارِ، كانوا يقرأون مع النبي، A، كلما قرأ، فنهوا عن ذلك، وأُمروا بالإنصات. وكذلك قال النخعي، وابن شهاب، والحسن: إنه أمر في الصلاة. وهو قول: مجاهد وابن المسيب، وقتادة، والضحاك، والشعبي وعطاء وغيرهم. والخطبة من الصلاة: فَالإِنْصَاتُ لَهَا وَاجِبٌ.
205
قوله: {واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ}، إلى آخرها. قوله: {تَضَرُّعاً وَخِيفَةً}: مصدران. {والآصال}: جمع " أُصُلِ "، ك: " طُنُبٍ " وأطنابٍ ". وقال الفراء: هو جمع " أصِيلٍ "، ك: " يَمِينٍ " و " أَيْمَانٍ ". وقيل: [الأُصُلُ] جمع " أصيلٍ ". {والآصال}: جمع " الأُصُل "، وقد تجعل العرب " الأُصُل " وَاحِداً، فيقولون: " قَدْ
دَنَا الأصُلُ ". ومعنى {واذكر رَّبَّكَ}: الدُّعَاءُ، وهو أمر للمستمع للقرآن بأن يذكر الله في نفسه بالدعاء، ويعتبر بما يسمع ويتعظ. {تَضَرُّعاً}، أي: تخشعاً وتواضعاً. {وَخِيفَةً}، أي: وخوفاً من الله. {وَدُونَ الجهر}، أي: واذكره دون الجهر ذِكْراً خَفِيّاً باللِّسَانِ. قال ذلك ابن زيد وغيره. قال الحسن: كانوا يتكملون في الصلاة حَتَّى نَزَلَتْ: {واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً}. أي: مخافة منه.
206
{وَدُونَ الجهر مِنَ القول (بالغدو) والآصال}. ما بين المغرب إلى العصر. وقيل: هي العَشِيُّ. {وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الغافلين}. أي: من اللاهني. قال مجاهد: {بالغدو}: آخر الفجر، صلاة الصبح، {والآصال}: آخر العَشِيِّ، صلاة العصر. وهذا إنما كما إذا كانت الفريضة ركعتين " غدوة "، وركعتين/ " عشية "، قبل أن تفرض الصلوات الخمس. قال تعالى: {إِنَّ الذين عِندَ رَبِّكَ}.
يعني: الملائكة. {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ}. أي: لا يستكبرون عن التواضع له والتَخَشُّعِ. {وَيُسَبِّحُونَهُ}. أي: يُعَظِّمُونه ويُنَزِّهُونه عن السوء. {وَلَهُ يَسْجُدُونَ}. أي: يُصَلُّون.
الأنفال
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأنفال مدنية قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال} إلى قوله: {مُّؤْمِنِينَ}. قال أبو حاتم: الوقف على {ذَاتَ} بـ: " الهاء "، وكل العلماء قال: بـ: " التاء "؛ لأَنَّها مُضَافَةٌ، ولا يحسن الوقف عليها البتة إلا عن ضرورة. وقرأ سعد بن أبي وقاص: " يسئلونك الأنفال "، بغير {عَنِ}.
والمعنى: يسألك أصحابك، يا محمد، عن الغنائم التي غنمتها يوم بدر، لمن هي؟ فقيل للنبي، A: قل يا محمد: هي لله والرسول. و {الأنفال}: الغنائم. بذلك قال عكرمة، ومجاهد، وابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وعطاء. فأكثر العلماء الذين جعلوها: الغنائم، على أنها منسوخة بقوله: {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41]، الآية.
وقيل: {الأنفال} هي زِيَادَاتٌ تزيدها الأئمة لمن شاء، إذا كان في ذلك صلاح للمسلمين، فهي مُحْكَمَةٌ. وروي ذلك عن ابن عمر، وعن ابن عباس. وقيل: {الأنفال}: ما شذَّ من العدو، من عبد أو دابة، للإمام أن يُنْفِلَ ذلك من شاء إذا كان ذلك صلاحاً. قاله الحسن. {الأنفال}: جمع " نَفَلٍ "، و " النَّفَلُ ": الغنيمة، سميت بذلك، لأنها تَفَضُّلٌ من الله، D، على هذه الأمة، لم تحل لأحد قبلها.
وقوله: {قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول}، يَدُلُّ على أنهم سألوا لمن هي. وقوله: {فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}، يَدُلُّ على أن سؤالهم كان بعد تَنَازُعٍ فيها. وقيل: {الأنفال}: السَّرايا. قاله علي بن صالح. وقال مجاهد {الأنفال}: الخُمُسُ. وهذه الآية نزلت في غنائم بدر، وذلك أن النبي A، زَادَ قَوْماً لِبَلاَءٍ أَبْلَوْا، فاختلفوا فيها، بعد تَقَضِّي الحرب، فنزلت الآية تعلمهم أنَّ ما فعل النبي A، ماضٍ جائز. وروى ابن عباس (Bهما)، أن النبي، A، قال: " من أتى مكان كذا، وفعل كذا، فله كذا "، فتسارع الشبان، وبقي الشيوخ، فلما فتح الله عليهم، طلب الشبان ما
جعل لهم النبي A، فقال الأشياخ: لا يذهبوا بذلك دوننا! فأنزل الله، D: { فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} الآية. وقيل: إن النبي A، سُئِلَ شيئاً من الغنائم قبل أن تقسم فامتنع من ذلك فنزلت: {قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول}، فرخّص الله، D، له أن يعطي مَنْ أَرَادَ. و [قيل]: إنهم سألوه الغنيمة يوم بدر، فَأُعْلِمُوا أن ذلك لله والرسول. و {عَنِ} في موضع: " مِنْ ". وقرأ ابن مسعود على هذا التأويل: " يسئلونك الانفال ".
وذكر ابن وهب: " أنها نزلت في رجلين أصابا سيفاً من النَّفْلِ، فاختصما فيه إلى رسول الله A، فقال النبي A: " هُوَ لي وَلَيْسَ لَكُمَا "، فنزل: {قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول}، وأمر الرجلين أن يصلحا ذات بينهما، وأن يطيعا الله ورسوله في ما أمرهما به النبي A " ، / من دفع السيف إليه، ثم نُسِخَ ذلك بقوله: {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} الآية. وَرُوِيَ أن الرجلين اللذين اختصما في السيف إلى النبي A،: سعد بن مالك بن وُهَيْب الزُّهري، ورجل من الأنصار، فَأُمِرا في الآية أن يسلماه إلى النبي، A، وأن يصلحا ذات بينهما، وأن يعطيا الله ورسوله فيما يأمرانهما من تسليم السيف إلى النبي A، وغير ذلك. وقيل: إن أَهْلَ القُوَّة يوم بدر غنموا أكثر مم اغنم أهْلُ الضُّعْفِ، فذكروا ذلك لرسول الله، A، فَنَزَلَتْ: {فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}.
2
وقيل: إنهم اختلفوا في الغنائم، فَنَزَلَتْ: {فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}. " والبَيْنُ " هنا: " الوَصْلُ ". أُمِروا بصلاح وصلهم، وألا يتقاطعوا في الاختلاف على الغنائم، كأنه قال: كونوا مُجْتَمِعي القُلُوب. وأُنِثَتْ {ذَاتَ}؛ لأنه يراد بها الحال التي هم عليها. وذكر إسماعيل القاضي: أنهم اختلفوا ثلاث فرق، فقالت فرقة اتبعت العدو: نحن أولى بالغنائم، وقالت فرقة حَفَّت بالنبي A، نحن أولى، وقالت فرقة أحاطت بالغنائم، نحن أولى، فأنزل الله، تعالى، الآيات في ذلك. قوله: {إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}، الآية.
فهذه الصفة صفة الكمال والتمام في الإيمان. والمعنى: ليس المؤمن من الذي يخالف الله ورسوله، ويترك أمرهما، وإنما المؤمن الذي إذا سمع ذكر الله، D، وَجِلَ قَلْبُهُ، وَخَضَعَ، وانْقَادَ لأمْرِهِ، تبارك وتعالى، وإذا قرئت عليه آيات كتاب الله، سبحانه، صدق بها وأيقن أنها من عند الله، جلت عظمته، فازداد إيماناً إلى إيمانه. قال ابن عباس: المنافق لا يدخل قَلْبَهُ شَيْءٌ من ذلك، ولا يؤمن بشيء من كتاب الله، أي: من آيات الله سبحانه، ولا يتوكل على الله، D، ولا يصلي إ ذا غاب عن عيون الناس، ولا يؤتي الزكاة فليس هذا بمؤمن، وإنما المؤمن من الذي وصفه الله D، بالخشية وازدياد الإيمان عند سماع آيات الله، D، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. قال مجاهد {وَجِلَتْ}: فَرِقت. وقال السدي: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية، فيذكر الله، D، فَيْنَزعُ عنها خَوْفاً من الله، سبحانه.
3
{الذين يُقِيمُونَ الصلاة}، أي يقيمونها في أوقاتها، وقيل: يقيمونها بحدودها. {أولائك هُمُ المؤمنون حَقّاً} الآية، المعنى: أولئك الذين هذه صفتهم هم المؤمنون حقاً. قال ابن عباس: {المؤمنون حَقّاً}، أي: بَرِئُوْا من الكفر. وَهَذَا بَابٌ تُذْكَرُ فَيهَ حَقِيقَةُ الإِيمَانِ وَتَفْسِيرُهُ، وَمَا رُوِيَ فِيهِ، إِنْ شَاءَ اللهُ، D. وحقيقة الإيمان عند أَهْلِ السُّنَّة: أنه المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، وكذلك رواه علي بن أبي طالب عن النبي A. وقالت المُرجئة الإيمان: قول ومعرفة بالقلب بلا عمل.
وقال الجهمية الإيمان: المعرفة بلا قول ولا عمل. وأهل السنة والطريقة القويمة على أنه: المَعْرِفَةُ وَالقَوْلُ وَالعَمَلُ، كما رواه علي عن النبي A، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ إِجْمَاعِ الأُمَّةِ. قد أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على أنه من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم أخبر أن قلبه غَيْرُ مُصَدِّقٍ بشيء من ذلك، أنَّهُ كَافِرٌ، فدل على أَنَّ الاعتقاد لا بد منه. ثم أَجْمَعُوا على أَنَّ الكافل إذا قال: قد اعتقدت/ في قلبي الإيمان ولم يقله ويسمع منه، [أن حكمه الكافر] حتى يقوله ويسمع منه، فَإنَّ دمه لو قتل لا تلزم منه دية، فدل على أن القول مع الاعتقاد لا بد منه. ثم أَجْمَعُوا على أن شهد الشهادتين، وقال: اعتقادي مثل قولي، ولكني لا أصوم ولا أصلي ولا أعمل شيئاً من الفروض أنه يستتاب، فإن تاب وعمل وإلا قتل كما يقتل
الكافر، فدل على وجوب العمل. فصح من هذا الإجماع، أن الإيمان هو الاعتقاد والقول والعمل، وتمامه: موافقة السنة، وقد قال الله تعالى: {وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله}، ثم قال: {وَيُقِيمُواْ الصلاة وَيُؤْتُواْ الزكاة وَذَلِكَ دِينُ القيمة} [البينة: 5]، أي: دين الملة القيمة. ومن لم يقل: إن الله تعالى، أراد الإقرار والعمل من العباد فهو كافر. فإن قيل: لو أن رجلاً أسلم فأقر بجميع ما جاء به محمد A، أيكون مؤمناً بهذا الإقرار أم لا؟ قيل: له لا يطلق عليه اسم مؤمن إلا ونيته أنه لم يطلق عليه اسم مؤمن، ولو أنه أقرّ في الوقت وقال: لا أعمل إذا جاء وقت العمل، لم يطلق عليه اسم مؤمن. والأعمال لا يقبل منها إلا ما أريد به وجه الله، (سبحانه)، فأما من أراد بعمله مَحْمَدَةَ الناس وَرَايَا به فليس مما يقبله الله، D، وصاحبه في مشيئة الله سبحانه. روى أبو هريرة أن النبي ي A قال: " أَوَّلُ مَا يُقْضَى فيه يوم القيامة ثلاثة: رجل
استشهد فأمر به، فَعَرَّفَهُ نِعمهُ فَعَرَفَهَا؛ قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كَذبْتَ ولكن قاتلت ليقال: جَريءٌ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وحهه حتى ألقي في النار. ورحل تَعَلَّمَ العلم وعَلَّمَهُ، وقرأ القرآن، فأُتِيَ به، فعرَّفه نعمه، فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ فقال: تعملت فيك العلم وعلَّمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كَذَبْتَ، ولكنَّك تعلمت العلم ليقال: إنك عالم، فقد قيل، وقرأت القرآن ليقال: إنك قارئ، فقد قيل، ثم أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ على وجهه حتى ألقي في النار. ورَجل وسَّع الله عليه، وأعطاهُ أنواع المال كله، فَعَرَّفه نِعمه فَعَرَفَها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت في سبيل الله شيئاً تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: جَوَادٌ، فقد قيل، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ". وروى أبو هريرة أيضاً، أن النبي A، ق ل: " قال الله جلّ ذكره من قائل،: أَنَا خَيْرُ الشُّرَكَاءِ، فمن عَمِلَ عَمَلاً أشرك فيه غيري، فهو للذي أشركه، وَأَنَا بَرِيءٌ منه ".
وفي خبر آخر: " أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ ". وروى ابن عمر أن النبي A، قال: " أَشَدُّ النَّاسِ يوم القيامة عَذَاباً، من يرى النَّاس أَنَّ فِيهِ خَيْراً وَلاَ خَيْرَ فِيهِ ". وعنه، A،: " مَنْ رَاءَا بأمر يريد به سُمْعَةً فإنه في مَقْتٍ من اللهِ D، حتى يجلس ". وقال النبي A: " لا تخادعوا الله فإنه من خادع الله بخدعة فنفسه يخدع لو يشعر ". قالوا: يا رسول الله، وكيف يُخادع الله، قال: " تعمل ما أمرك به تطلب غيره، فاتقوا الرياء، فإنه الشرك، فإن المرائي يدعى يوم القيامة على/ رؤوس الأشهاد بأربعة أسماء، ينسب إليها: يا كافر، يا خاسر، يا فاجر، يا غادر، ضل أجرك، وبطل عملك، فلا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا خادع ". وعنه، A: " إن أدنى الرِّياء شِرْكٌ ".
فيجب على المؤمين الراجي ثواب الله عز وجل، الخائف من عقابه، سبحانه، أن يخلص العمل لله سبحانه، ويريد به وجهه، تبارك وتعالى. وألاَّ يتباهى بعمله عند أحد فيشركه في علمه. فإنَّ عَمِلَ عاملٌ عَمَلاً مُخْلِصاً لله A، في السر، فَسُرّ به، وأُعْجِبَ به إذ وفقه الله D، لذلك فهو حسن، وليس ذلك برياء، وهو ممدوح إنْ سلم من الإعجاب بنفسه؛ فَإنَّ الإعجاب ضَرْبٌ من التكبر، والتكبر يُحْبِطُ الأَعْمَالَ. فإن ظَهَرَ عَمَلُهُ الذي أَسَرَّه للناس من غير أن يُشْهِّره هو على طريق الافتخار به، فأثنوا عليه بفعله فَسَرَّه ذلك فليس برياء، بل له أجر على ذلك؛ لأن الأصل كان لله D، والناس يَتَأَسَّونَ به في فعله. وقد روى أبو هريرة: " أن رجلاً قال لرسول الله A: يا رسول الله، دخل علي رجل وأنا أصل فأعجبني الحال التي رآني عليها، فقال له النبي A: " فلك أجران: أَجْرُ السَّرِ، وأَجْرُ العَلاَنِيَّة ". وروى حبيب بن ثابت عن أبي صالح قال: " أتى النبي A، [ رجل]، فسأله
عن رجل يعمل العمل من الخير يُسِرُّه، فإذا ظهر أعجبه ذلك، فقال له النبي A: " له أجران: أجرُ السّرِّ وأجرُ العلانيَّة ". وروى حبيب: " أن ناساً من أصحاب النبي A، قالوا: يا رسول الله، إنَّا نعمل أعمالاً في السر، فنسمع الناس يذكرونها فيعجبنا أن تُذْكَرِ بِخَيْرٍ، فقال: " لكم أجر السر وأجر العلانية ". وقد روىأنس " أن النبي A، وجد ذات ليلة شيئاً، فلما أصبح قيل: يا رسول الله إن أثر الوجع عليك لبيّن، فقال: " أما إني على ما ترون بحمد الله، قد قرأت البارحة السبع الطُّوَلُ ". وهذا من رسول الله A، استدعاءٌ بأن يعمل الناس على مثل عمله، ويرغبوا في الخير، ويجتهدوا، ولو وقع مثل هذا لمن صح قصده ونيته، وأراد به مثل ما أراد النبي A، ولم يرد المَحْمَدَةَ والافتخار، لكان حسناً، وصاحِبُهُ مَأْجُورٌ؛ لأَنَّهُ يَفْعَلُهُ لِيَقْتَدَى بِهِ، وَيَعْمَلَ مِثْلُ عَمَلِهِ، وهذا طريق من الدعاء إلى الخير، إذا صحت النية، فهو طريق شريف غير مستنكر.
فحق العامل المجتهد أن يُجْهِدَ نسه في تكذيب وساوس الشيطان، ولا يلتفت ما يوسوس إليه، وليقبل على عمله بنية خالصة لله، ويجهد نفسه في طاعة الله، D، والعمل لله، سبحانه، فلا شيء أبغض إلى الشيطان من طاعة العبد لربه، ( D) ، ولا شيء أسر إليه من عصيان العبد لربه، سبحانه، نعوذ بالله منه. فحسب أَهْلِ الخَيْرِ أن لا تأتي عليهم حال إلا وهم للشيطان مرغمون، ولطمعه في أنفسهم حاسمون. فإن عجزوا عن ذلك في كل الأوقات فيلفعوه في حال اشتغالهم بأعمال الطاعة حتى تخلص أعمالهم لله D، وتسلم من الشيطان من أولها إلى آخرها فإن عجزوا عن ذلك فلا يعجزوا عن أن يكون ذلك منهم في أول أعمالهم، وفي آخرها، فإن عجزوا عن/ ذلك، فلا بد من إخلاصها في أولها ليكون الابتداء بالنية لله D، والإخلاص له، سبحانه؛ فإنه إذا كان [ذلك] كذلك، ثم عرض في أضعاف العمل عوارض الشيطان وساوسه، رجي له ألا يضره ذلك، فإن عجز عن ذلك وغلبه الشيطان حتى ابتدأ بغير إخلاص. ثم حدث له في بعض العمل إخلاص وإنابة عما فعل رجي له، لقوله: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} [الكهف: 30].
فإن ابتدأ بغير إِخْلاَصٍ وتمادى حتى فرع عن ذلك، كان ثمرة عمله سخط ربه. والله D، حسن العفو كريم. روينا في بعض الأخبار عن النبي A: " أَنَّ الرجل إذا ابتدأ العمل بنية لله، D، ثم عرض له الشيطان في آخر عمله فَغَيّر نيته، أن الله سبحانه، يعفو له عما عرض له، ويكتب له عمله على ما ابتدأه به، وأَنَّ الرجل ليبتدئ بالعمل بغير نية، فتحدث له نية لله D، في آخره أن الله، يعفو له عن أوله، ويكتب له عمله على ما حدث له في آخره " هذا معنى الحديث الذي رؤينا، وهو حديث مشهور بنحو هذا اللفظ وبمثله في المعنى. فقال ابن حازم: انظر إلى العمل الي تُحِبُّ أن يأتيك الموت وأنت عليه، فخذه الساعة، وإذا قال لك الشيطان: أنت مُراءٍ فلست مرائياً، وإذا خرجت من بيتك، وأنت صادق النية، فلا يضرك ما جاء به الشيطان. وكان رجل حَسَنُ الصَّوْتِ بالقرآن يأتي الحسن، فربما قال له الحسن: اقرأ، فقال: يا أبا سعيد، إني أقوم من الليل فيأتيني الشيطان إن رفعت صوتي، فيقول: إنما تريد الناس، فقال له الحسن: لك نيتك إذا قمت من فراشك. فالشيطان، عليه لعنة الله، عدو الله، سبحانه، لطيف المدخل لابن آدم، كثير
الرصد له بما يُوبِقُهُ. قد أَوْبَقَ كثيراً من القرون السالفة، فَنَفَذَت فيهم سهامة، وصدق عليهم ظنه، فاللَّجَأُ منه إلى الله، D، والمستغاث على دفع شره الله، تبارك الله وتعالى. وروى معقل بن يسار عن أبي بكر الصديق، (Bهـ)، أَنَّ النبي A، قال: " الشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ ". قال أبو بكر: يا رسول الله، وهل الشرك إلا أن يُدعى مع الله إله آخر، فقال: " الشِّرْكُ أَخْفَى فِيكُمْ مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ " ثم قال: " يا أبا بكر، ألا أدلك على ما يذهب صغير ذلك وكبيره؟ قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِي أَعُوذَ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ أَأَنَا أَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ ". قوله: {وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2]. أي: يَكِلُونَ أمرهم إلى الله (سبحانه).
وَِِِهَذَا بَابٌ يُذْكَرُ فِيهِ بَعْضُ مَا رُوِيَ في التَّوكُّلِ وَصِفَتِهِ وَفَصْلِهِ. روى ابن عباس، أن النبي A قال: " مَنْ سَرَّهُ أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه ". روى عمر Bهـ، أنّ النبي A قال: " لو أنك تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصاً، وتَرُوحُ بِطَاناً ". وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله A: " من انقطع إلى الله كفاه كُلَّ مُونَتِهِ ورزقه/ من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وَكَلَهُ الله إليهاً ". وروى أبو سعيد الخدري أنَّ النبي A قال: " لَوْ فَرَّ أَحَدَكُمْ مِنْ رِزْقِهِ لأَدْرَكَهُ كَمَا
يُدْرِكُهُ المَوْتُ ". وعن أبي ذر مثله. وقد قال الله: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ} [الطلاق: 3]. وقال: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا} [التوبة: 51]. وروى أبو هريرة أن النبي A: " يقول الله، جلّ ذكره: يَابْنَ آدم تَفَرَّغْ لِعَبَادَتِي أَمْلأُ صدرك غِنىً، وأَسُدَّ فقرك، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَلأَتْ صَدْرَكَ شُغْلاً وَلَمْ أَسُدَّ فُُقْرَكَ ". وعن أبي [بن] كعب قال: قال رسول الله A: " مَنْ كَانَتْ نِيّتَهُ الآخِرَةَ جعل الله غناه في قلبه، وَكفَّ عنه ضَيْعَتَهُ، وأَتَتْهُ الدُّنْيا [وهي] رَاغِمَةٌ، ومن كانت نيته الدنيا شتت الله، D، عليه ضَيْعَتَه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له ".
وعن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله A: يقول: " مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا نِيَّتَهُ فَرْقَ اللهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وجعل فقره بين عينيه، ومن كانت نيته الآخرة جمع الله [له] أمره وجعل غناه في قلبه وأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ". وفي هذه الآية دلالة على زيادة الإيمان ونقصه؛ لأن قوله: {زَادَتْهُمْ إيمانا} [الأنفال: 2]، يَدُلُّ على نقصٍ كان قبل الزيادة. وعن أبي الدرداء، قال رسول الله A: " تَفَرَّغُوا مِنْ هُمُومِ الدُّنْيا ما استطعتم، فإنه من كانت الدنيا أكْبَر همَّهِ، أقضى الله عليه ضَيْعَةَ، وجعل فقره بين عَيْنَيْه، ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله أمره وجعل غناه في قلبه، وما أَقْبَلَ عَبْدٌ بِقَلْبِهِ إِلَى الله D إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة، وكان الله إليه بكل
خَيْرٍ أَسْرَعَ ". والتوكل على الله، D عند أهل النظر والمعرفة بالأصول، هو: الثقة بالله، سبحانه، في جميع الأمور، والاستسلام له، ( D) ، والمعرفة بأَنَّ قضاءه ماضٍ، واتباع أمره، وليس هو أن يطرح العبد بنفسه فلا يخاف شيئاً ولا يحذر أمراً، ويلقى بنفسه في التهلكة؛ لأن الله، سبحانه، يقول لأصحاب نبيه، عليه السلام: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى} [البقرة: 197]، فأمرهم أن يتزودوا في أسفارهم: لأنهم كانوا ربما خرجوا بلا زاد، فلي يجوز لأحدٍ أن يلقى عَدُوَّه بغير سلاح ولا عُدَّةٍ ويجعل هذا تَوَكُلاً. فقد لَبِسَ النبي A، السلاح، وقال الله، D،: { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل} [الأنفال: 60]. وقد دخل النبي A، وأبو بكر الغار. ودخل مكة وعلى رأسه المِغْفَرُ، وخرج يوم أُحد وعليه درعان. وفرّ
أصحاب النبي A، إلى أرض الحبشة، وإلى المدينة بعد ذلك خوفاً على أنفسهم، فلو كان من التوكل إلقاء العبد نفسه في التهلكة، وترك الاحتراز من المَخُوفِ، ولَقْيُ العدو بغير سلاح، ومباشرةُ السباع، لكان رسول الله A، وأصحابه أولى بذلك بل خافوا وفرُّوا، وسلحوا واحترزوا. وقد حكى الله D، عن موسى، عليه السلام، الخَوْفَ فقال: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} [القصص: 21]، وقال: {فَأَصْبَحَ فِي المدينة خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} [القصص: 18]، وقال: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى * قُلْنَا لاَ تَخَفْ} [طه: 67 - 68]. فالملقي بيده إلى التهلكة من عدو أو سبع، ولا علم عنده أن الله D، لا يسلطه عليه آثم في نفسه، مُعِينٌ على قتل نفسه، مُجَرِّبٌ لقدرة ربه، جلت عظمته، مُعْجَبٌ بنفسه، دَالٌ على ربه، سبحانه، / وليس هذا من صفات الصالحين، بل أنفسهم عندهم أَنْقَصُ وَأَذَلُّ، هم وَجِلُون ألا تقبل منهم أعمالهم! فكيف يدلون بأعمالهم! قال الله D: { والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} المؤمنون: 61]، أي: يعلمون ما عملوا من الخير وهم خائفون
ألاَّ يقبل منهم [عملهم]، فهذه صفات الصا لحين. ليس صفاتهم الإعجاب بأعمالهم والدلة على مالله D، بأفعالهم، وقد قال عمر: رأيت رسول الله A يَظَلُّ اليوم يلتوى، ما يجد ما يملأ به بطنه. وقد روي عَمَّنْ مضى، وعن النبي A، وأصحابه من الجوع والشدة ما لا يُحْصَى. فهذا يدفع قول من يدعي في توكله نزول الطعام الكَوْنِي، ووجود الرُّجَب في غير وقته، وشبه ذلك من المعجزات التي لا تكون إلاَّ للنبي، تدل على صدقه في ما أتى به. فأما كرامات الله، سبحانه لأوليائه وإجابة دعائهم، فليس ينكر ذلك أحدٌ مِنْ أهْلِ السُّنَّة، وإنما ينكرون على ما أجاز حدوث المعجزات على يدي غير الأنبياء؛
لأن في ذلك إبطال النبوة وهدم الشريعة. وقوله: {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}. الدَّرجات: منازل ومراتب رفيعة في الجنة بقدر أعمالهم. قال مجاهد [الدَّرَجَات]: أعمال رفيعة. وقال ابن مُحَيْرِيز الدَّرَجَاتُ: سبعون درجة، كل درجة خطو الفرس الجواد المُضَمَّر ستين سنة.
5
{وَمَغْفِرَةٌ}: أي: مغفرة لذنوبهم، {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}: الجنة. قال الضحاك: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي فوق، فضله على الذي أسفل منه، ولا يرى الأسفل أنه فضل عليه أحد. قوله: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق}، الآية. قال الكسائي: " الكاف ": نعت لمصدر: {يُجَادِلُونَكَ}، والتقدير: يجادلونك في الحق مُجَادَلَةً {كَمَآ أَخْرَجَكَ}. وقال الأخفش: " الكاف " نعت ل: " حق "، والتقدير: هم المؤمنون حقاً
{كَمَآ أَخْرَجَكَ}. وقيل: " الكاف " في موضع رفع، والتقدير: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق} {فاتقوا الله}، كأنه ابتداء وخبر. وقال أبو عبيدة: هو قَسَمٌ، أي: لهم درجات ومغفرة ورزق كريم، والذي أخرجك من بيتك بالحق، ف: " الكاف " بمعنى: " الواو ". وقال الزجاج: " الكاف " في موضع نصب، والتقدير: الأنفال ثابتة لك ثباتاً {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ}، والمعنى: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق} وهم كارهون، كذلك
تَنْفُلُ من رأيت. وقال الفراء التقدير: أمض لأمرك في الغنائم، ونَفِّلْ من شئت وإن كرهوا {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق}. وقيل: " الكاف " في موضع رفع، والتقدير: {إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}، إلى: {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، هذا وعد وحق {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق}. وقيل: المعنى: {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} ذلك خير لكم {كَمَآ أَخْرَجَكَ}، ف: " الكاف ": نعت لخبر ابتداء محذوف هو الابتداء. وقيل التقدير: {قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول} {كَمَآ أَخْرَجَكَ}.
قال عكرمة في الآية: {وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق}، أي: الطاعة خَيْرٌ لَكُمْ، كما إخراجك من بيتك بالحق خيراً لك. وقوله: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين لَكَارِهُونَ}. قال ابن عباس: " لما سمع رسول الله A، بأبي سفيان أنه مقبل من الشام، ندب إليه من المسلمين، وقال: هذه عِيرُ قريش فيها/ أموالهم، فاخرجوا إليها، لَعَلَّ الله أن يُنْفِلَكُمُوهَا! فانتدب الناس، فَخَفّ بعضهم وَثَقُلَ بَعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله A يلقى حرباً. فَنَزَلَتْ: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين لَكَارِهُونَ} ". قال السدي {لَكَارِهُونَ}: لطلب المشركين. {للَّهِ والرسول}، وقف. و {مُّؤْمِنِينَ}، وقف.
ويكون تقدير الآية وتفسيرها: " أنّ النبي A، لما نظر إلى قلة المسلمين يوم بدر وإلى كثرة المشركين قال: " مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ كَذَا وَكَذَا، وإِنْ أَسِرَ أَسِيراً فَلَهُ كَذَا وَكَذَا "، ليرغبهم في القتال، فلما هزمهم الله، D، وأَظْفَرَه بهم، قال إليه سعد بن عبادة، فقال له: يا رسول الله؛ إن أعطيت هؤلاء ما وعدتهم بقي خلق من المسلمين بغير شيء، فأنزل الله: {قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول} "، أي: يصنع فيها ما يشاء. فأمسكوا لما سمعوا ذلك على كراهية منهم له، فَأَنْزَلَ الله، D،: { كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق}، أي: أمض لأمر الله في الغنائم، وهم كارهون لذلك، أي: بعضهم، كما مضيت لأمر الله D، في خروجك، وهم له كارهون، أي: بعضهم. فإن جعلت التقدير: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال} كما جادلوك يوم بدر، فقالوا: لم تخرجنا للقتال فنستعد له، إنما أخرجتنا للغنيمة، فلا يحسن الوقف على ما قبل " الكاف " على هذا.
وعلى قول أبي عبيدة أن " الكاف " في موضع:: واو القسم، يحسن الوقف على ما قبل " الكاف " كأنه قال: والذي أخرجك من بيتك بالحق، كما قال: {وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى} [الليل: 3]، أي: والذي خلق الذكر. وقوله: {يُجَادِلُونَكَ فِي الحق}، الآية. قال ابن عباس: لما شاور النبي A، في لقاء القوم، قال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمر الناس فتعبّوا للقتال، وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الإيمان، فأَنْزَلَ الله، D، { كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق}، إلى {وَهُمْ يَنظُرُونَ}. قال ابن إسحاق: خرجوا مع النبي A، يريدون العِيَر طمعاً بالغنيمة، فلما عرفوا أن قريشاً قد سارت إليهم، كرهوا ذلك، وكأنهم يساقون إلى الموت؛ لأنهم لم يخرجوا للقتال. فالذي عُني بهذا هم المؤمنون، فَأَنْزَلَ الله D، { كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق}، إلى: {وَهُمْ يَنظُرُونَ}.
وقال ابن زيد: عني بذلك المشركون، قال: هم المشركون جادلوا في الحق، {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت} حين يدعون إلى الإسلام، {وَهُمْ يَنظُرُونَ}. قال الطبري: المراد بذلك المؤمنون. ودَلَّ عليه قوله: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين لَكَارِهُونَ}، لما كرهوا القتال جادلوا فقالوا: لم تعلمنا أنَّا نلقى العدو فنستعد لقتالهم، إِنَّمَا خرجنا لِلْعِير. وَيَدُلُّ على ذلك قوله: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشوكة تَكُونُ لَكُمْ}، ففي هذا دليل أنّ القوم كانوا للشوكة كارهين، وأن جدالهم في القتال، [كما] قال مجاهد، كراهية منهم له. وروي عن ابن عباس: {يُجَادِلُونَكَ فِي الحق}، أي: في القتال، {بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ}، أي: بعد ما أمرت به.
7
قوله: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين}، إلى قوله: {لِيُحِقَّ الحق وَيُبْطِلَ الباطل وَلَوْ كَرِهَ المجرمون}؟ والمعنى: واذكروا، أيها المؤمنون {وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ}، والطائفتان: إحداهما فرقة أبي سفيان والعير، والطائفة الأخرى: فرقة المشركين الذين خرجوا من مكة لمنع العير. وقوله: {أَنَّهَا لَكُمْ}. أي: أن ما معهم غنيمة لكم. وقوله: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشوكة تَكُونُ لَكُمْ}. أي: تحبون أن تكون لكم العير التي لا قتال فيها ولا سلاح دون/ فرقة المشركين المقاتلة المسلحين. وكان أصحاب النبي A، أحبوا أن يَظْفَروا بالعير، فأراد الله D، غير ذلك، أراد أن يَظْفَروا بالمقاتلة، فيكون ذلك أذل لهم وأخزى وهيب في قلوب المشركين؛ لأن المسلمين لو ظَفِروا بالعير ولا مقاتلة معها ما كان في ذلك هيبة ولا ردعة عند المشركين، وإذا ظَفِروا بالمقاتبلة وأهل الحرب والبأس كان ذلك أهيب وأروع لمن بقي منهم.
و {الشوكة}: السلاح. وقال أبو عبيدة: غير ذات الحد. يقال: فلان شَائِكٌ في السلاح وشَاكٌ، من الشِّكَةِ. وقال ابن عباس: " لما خُبِّر رسول الله A، بأبي سفيان مُقْبلاً من الشَّأْم، ندب المسلمين إليهم، فقال: هذه غير قريش، فيها أموالٌ، أخرجوا إليها لعلّ الله أن يملككموها! فانتدب الناس، فخف بعضهم، وثقل بعضهم؛ لأنهم لم يظنوا أن رسول الله A، يلقى حرباً، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، تخوفاً على أموال النس، حتى أصاب خبراً من بعض
الركان: " إن محمداً قد استنفر [أصحابه] لك ولِعِيرك " فَحَذِرَ عند ذلك، فاستأجر ضَمْضَم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمداً قد عرض لها في أصحابه، فمضى ضَمْضَم. وخرج النبي A، في أصحابه، وأتاه الخبر عن قريش بخروجهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار النبي A الناس، وأخبرهم عن قريش. فقام أبو بكر، فقال فأحسن. وقام عمر، فقال فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله، فنحن معك، والله لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى: {فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}، ولكن اذهب (أنت) وربك فقاتلا، إِنَّا معكم مقاتلون! والذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى بَرْك الغِماد، يعنى: مدينة الحبشة، لجالدنا معك مَنْ دونه! ثم قالت
الأنصار بعد أن استشارها: امض يا رسول الله، لما أمرت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخصناه معك. فمضى رسول الله A، حتى التقى بالمشركين ببدر، فسبقوا الماء، والتقوا، ونصر الله D، النبي A، وأصحابه، فَقُتِلَ من المشركين سبعون، وَأُسِرَ منهم سبعون، وغنم المسلمون ما كان معهم، وسلمت العير مع أبي سفيان، وكان قد أخذ بها الساحل، أسفل من موضع القتال، وهو قوله تعالى: {والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ} ". وروى عكرمة عن أبن عباس قال: " قيل للنبي A، حين فرغ من بدر، عليك العير ليس دونها شيء، قال: فناداه العباس: لا يصلح، فقال له النبي A: " لِمَ "؟
9
قال: لأن الله D، وعد إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك. قال: " صَدَقْتَ ". قوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ} إلى قوله: {إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. قرأ عيسى بن عمر: " إنِّي مُمِدُّكُم "، أي: قال: إني ممدكم. ومن قرأ: {مُمِدُّكُمْ}، بفتح الدال، يجوز أن يكون نصباً على الحال من الضمير في: {مُرْدِفِينَ}. وقيل: هو في موضع خفض نعت ل: " ألف ".
ومن كسر الدال فمعناه: يُرْدِف بعضهم بعضاً، أي: يتبع بعضهم بعضاً. يقال: رَدِفْتُهُ وأَرْدَفْتُهُ: إذا تَبِعْته. وأنكر أبو عبيد أن يكون/ المعنى: يُرْدِف بعضهم بعضاً، أي: يحمله خَلْفَهُ، ودفع قراءة الكسر على هذا التأويل.
والوجه أنهم يتبعون بعضهم بعضاً في الإتيان لا في الركوب، وقد رُوي عن ابن عباس أنه قال: وَرَاءَ كُلِّ مَلِكٍ مَلَكٌ. فمعنى الكسر: أَنَّ الملائكة يُرْدِفُ بعضها بعضاً، أي: يتبع. ومعنى الفتح: أن الله أَرْدَفَ بهم المؤمنون. حكى سيبويه " مُرَدِّفينَ ": بفتح الراء، وتشديد الدال وكسرها. وأصله: " مُرْتدِفِينَ "، ثم أدَغم " التاء " في " الدال " بعد أن ألقى حركتها
على " الراء ". وحكى أيضاً: " مُرِدِفِّينَ " بكسر الراء، على أنه " مُرْتَدِفِينَ " أيضاً، لكن أدغم وكسر الراء لالتقاء الساكنين، ولم يلق عليها حركة " التاء ". ومعنى الآية: {لِيُحِقَّ الحق وَيُبْطِلَ الباطل} [الأنفال: 8]، {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ}، أي: حين ذلك، أي تستجيرون به من عدوكم، {فاستجاب} ربكم {لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ}، أي: بأني {مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الملائكة} يردف بعضهم بعضاً، أي: يتلوا. وَرُوِيَ عن
عاصم: " آلفٌ "، على وزن " أَفْعُلٍ ". قال ابن عباس: لمَّا اصطفَّ القوم، قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره! ورفع النبي A، يده وقال: يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً. قال السدي: فاستجاب الله، D، له ونصره بالملائكة، وذلك يوم بدر. قال عمر بن الخطاب Bهـ، لما نظر النبي A، إلى المشركين وَهم ألفٌ، وأصحابه ثلاث مائة وبضعة عشر، استقبل القبلة، ثم مدَّ يدَهُ، وجعل يهتف بربه: " اللهم أنجز ما وعدتني "، فما زال يهتف حتى سقط رداؤه A، عن منكبيه، فرده أبو بكر على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، فقال: يا نبي الله كَذَلك مناشدتك
رب، فَإِنَّه سينجز لك ما وعدك!. وقوله: {وَمَا جَعَلَهُ الله}. " الهاء " تعود على " الإمْدَادِ ". وقيل: على " الإِرْدَافِ ". وقيل: على " الأَلْفِ ". وقيل: على قبول الدعاء.
11
والمعنى: {وَمَا جَعَلَهُ الله}: إرداف الملائكة بعضها بعضاً. {إِلاَّ بشرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ}، أي: ولكي تسكن إلى ذلك قلوبكم، وتوقن بنصر الله D، فليس النصر إلا من عند الله، سبحانه {إِنَّ الله عَزِيزٌ}، أي: لا يقهره شيء، {حَكِيمٌ} في تدبيره. و" الهاء "، في {بِهِ} تحتمل ما جاز في " الهاء " في: {جَعَلَهُ}. ويجوز رجوعها على " البشرى "؛ لأنها تعني الاستبشار. قوله: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس}، الآية. من قرا: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ}، احتج بإجماعهم على: {يغشى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ} [آل عمران: 154].
ومن قرأ: {يُغَشِّيكُمُ}، مشدداً فرد الفعل إلى الله، D، احتج بقوله: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم}، وهو الله بلا اختلاف. فكون الكلام على نظام واحد أحسن. وقوله: {أَمَنَةً}: مفعول من أجله.
وقيل: هو مصدر. وقوله {إِذْ يُغَشِّيكُمُ}: العامل في {إِذْ} قوله: {إِلاَّ بشرى} [الأنفال: 10]، {إِذْ يُغَشِّيكُمُ}، أي: حين يغشيكم. ومعنى {يُغَشِّيكُمُ}: يلقى عليكم، و {أَمَنَةً}: أماناً من الله لكم من عدوكم أن يغلبكم، وذلك يوم أحد أنزل الله، D، عليكم النعاس أمنة من الخوف الذي أصابهم يوم أُحد. وقوله: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً}. كان هذا يوم بدر، أصبح المسلمون مُجْنِبِين على غير مَاءٍ، فأنزل الله D،
(عليهم) مطراً فاغتسلوا، وكان الشيطان قد وسوس إليهم بما حَزَنَهم به من إصباحهم مُجنبين على غير ماء؛ لأنَّ المشركين سبقوا المسلمين ببدر، إلى الماء فأصبح المسلمون عِطَاشاً مُجْنبين ومُحدثين، فوسوس إليهم الشيطان، وقال: عدوكم على الماء، وأنتم تزعمون/ أنكم مسملون، فأزال الله الأحداث والعطش والوسوسة بالمطر الذي أنزل عليهم، وسكن به الغبار، وتمهدت الأرض للوطء عليها. قيل: كانت سَبْخَةً لا تثبت عليها الأقدام.
وقيل: كانت رَمْلاً. وكانت آية عظيمة في ثبات أقدامهم في المطر على سَبِخَةٍ. وقول من قال: كانت الأرض رَمِلَةً أَوْلَى، لقوله: {وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام}. قال قتادة: ذكر لنا أنهم مُطِروا يومئذ حتى سال الوادي ماءً، وكانوا قد التقوا على كثيب أعفر فَلَبَّده الله D بالماء، وشرب المسلمون واستقوا، [و] أذهب الله D، عنهم وساوس الشيطان وأحزانه. وكان المشركون سبقوا إلى الماء وإلى الأرض الشديدة، ونزل المسلمون على غير ماء وعلى رمل، فأراهم الله، D، بنزول المطر قدرته، وأثبت في قلوبهم أمارة النصر والغلبة فتقَّوت نفوسهم وتشجعوا، وذهب عنهم وسوسة الشيطان. وقوله: {وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام}. أي: بالمطر، وذلك أنهم التقوا مع عدوهم على رَمْلة فَلَبَّدَهَا المطر حتى تثبت الأقدام عليها، وكان هذا كله ليلة اليوم الذي ألتقوا فيه في بدر.
12
وقوله: {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان}. أي: وساوسه. وقال القُتَيْبِي: كيده. والعامل في {إِذْ يُوحِي}، {وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام}. وقيل المعنى: واذكر {إِذْ يُوحِي}. وقيل: أوحى الله، D، { إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ}، فكان المَلَكُ يظهر للرجل من أصحاب النبي A في صورة رجلفيقول: سمعت أبا سفيان وأصحابه يقولون: لئن حَمَلَ علينا هؤلاء لَنُهْزَمَنَّ! فتقوى بذلك قلوب المؤمنين. وقوله: {فاضربوا فَوْقَ الأعناق}.
أي: اضربوا الأعناق. وقال الأخفِ: {فَوْقَ} زائدة. وقيل المعنى: اضربوا الرؤوس؛ لأنها فوق الأعناق. وقال أبو عبيدة: {فَوْقَ} بمعنى: " على "، والمعنى " فاضربوا على الأعناق.
يقال: ضَرَبْتُهُ على رَأْسِهِ فَوْقَ رَأْسِهِ بِمعنى. وقوله: {واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}. أي: اضربوا الأطراف من الأيدي والأرجل. و" البَنَانُ ": [أطراف] أصابع اليدين والرجلين. وقال عطية، والضحاك: " البَنَانُ ": كل مَفْصلٍ.
13
وواحد " البَنَانِ " " بَنَانَةٌ "، وهي: الأصابع وغيرها من الأعضاء، وهذا قول الزجاج. وقوله: {فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ}. هذا أمر من الله، D للملائكة. وقيل: إِنَّ الملَكَ كان يأتي أصحاب النبي A، فيقول: سمعت هؤلاء القوم يعني المشركين، يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن! فيتحدث بذلك المسلمون، وتقوى نفوسهم. وقيل معنى ثَبِتُّوهم أي: بالمدد. قوله: {ذلك بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ}، إلى قوله: {سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. والمعنى: هذا الفعل الذي فُعل بهم من ضرب الأعناق وغير ذلك، {ذلك بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ}، أي: خالفوه، كأنهم صاروا فِي شِقٍّ آخر بمخالفتهم له.
{وَمَن يُشَاقِقِ الله وَرَسُولَهُ}. أي: يخالفه. أَجْمَعَ القراء على الإظهار، إذ هو في الخَطِّ بقافين. والإظهَارُ لغة أهل الحجاز، وغيرهم يُدْغِمُ، وعليه أُجْمِعَ في: " الحشر ". ويحسن " الرَّوْمُ "، في الوقف في: " الحشر " /؛ لأن الساكن الذي حرك من أجله الثاني لازم في الوقت، وهو " القاف " الأولى المُدْغَمة في الثانية، ولا يحسن " الرّوْمُ " في الوقوف [في الأفعال؛ لأن الساكن الذي حرك من أجله " القاف " الثانية غير لازم
في الوقت] وهو " اللام " في اسم الله، جل ذكره، فقس عليه ما كان مثله. وقوله: {ذلكم فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ}. {وَأَنَّ}: في موضع رفع عطف على: {ذلك}. وقيل المعنى: وذلك وأن للكافرين، و {ذلكم}: في موضع رفع على معنى: الأمر ذلكم، أو: ذلك الأمر. وقيل: {وَأَنَّ} في موضع نصب على معنى: واعلموا أن للكافرين، كما قال. يَالَيْتَ زَوْجَكَ قَدْ غَدَا ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً
أي: وحاملاً رمحاً. ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: وأن للكافرين. ومعنى الكلام: هذا الذي عُجَّلَ لكم من ضرب الأعناق وضرب كلِّ بنان في الدنيا ذوقوه، أيها الكافرون، واعلموا أن لكم في الآخرة عذاب النار. ثم قال تعالى: {يَآأَيُّهَا الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمُ} الآية. والمعنى: إن الله أمر المؤمنين ألا يَفِرُّوا من الكفار إذا تدانى بعضهم من بعض
عند القتال. وقيل: المعنى: إذا وَاقفَتْمُوهُم فلا تفروا منهم، ولكن أثبتوا فإنّ الله معكم. ثم توعد من يتولى أنه يرجع بغضب من الله، وأنَّ مأواهم جهنم، وأرخص لهم أن يتحرف الرجل لتمكنه عودة إلى الظفر، لا ليولي هارباً، وأرخص أن ينحاز الرجل إلى فئة من المؤمنين ليكون معهم. يقال: تحوَّزت وتحيّزتُ. قال الضحاك: " المُتَحَرِّفُ ": المتقدم من أصحابه ليظفر بعودة للعدو، و " المُتَحَيَزُ ": الذي يرجع إلى أميره وأصحابه. قال عطاء: هذا مَنْسُوخٌ، نسخه: {يا أيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال} [الأنفال: 65] الآية،
فأُمِروا أن يَفِرُّوا ممن هو أكثر من مِثْلَيْهم. وقال الحسن: الآية مخصوصة في أهل بدر خاصة، وليس الفرار من الكبائر. وقال أبو سعيد الخدري: نَزَلَتْ في أهل بدر، يعني: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ}. ودليل أنها مخصوصة يوم بدر قوله: {يَوْمَئِذٍ}، فعلق الحكم بيوم معلوم.
وقال ابن عباس: الآية محكمة، وحكمها باق إلى اليوم، والفرار من الكبائر. ومعنى: {بَآءَ بِغَضَبٍ}. أي: رجع به. وقوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ}. أي: لم تقتلوا أيها المسلمون المشركين. {ولكن الله قَتَلَهُمْ}. أضاف ذلك إلى نفسه، تعالى، إذ كان هو المسبِّب قتلهم، والمعين عليه، وعن أمره كان، وينصره تَمَّ. رُوِيَ أن جبريل عليه السلام، قال للنبي A، عند الزحف: خُذْ قبضة من تراب فَارْمِهِم بها، ففعل يبق أحد من المشركين إلا أصابت عينه وأنفه وفمه، فولَّوا مُدْبِرِين.
فلما أظْفَرَ الله المؤمنين بالمشركين، جعل كل واحد يقول: فعلت كذا، وصنعت كذا، فأنزل الله، D: { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى}. وهذا يدلُّ على خلاف قول من يقول: إنَّ العبد يفعل حقيقة. ثم قال: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ}، يخاطب النبي A، { ولكن الله رمى} أي: الله المسبِّب للرمية، وهذا حين حَصَبَ النبي A، الكفار فهزمهم الله. قال عكرمة: ما وقع منها شيء إلا عَيْنِ رجل. وقيل: " إن النبي A، أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، لما دنوا من رسول الله A، وأصحابه، وقال: " شاهت الوجوه! " فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل
أصحاب رسول الله A، يقتلونهم ويأسرونهم، فكانت هزيمتهم من رَمْيَةٍ رسول الله/ A، فأنزل الله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى} الآية ". قال قتادة: أخذ النبي A، يوم بدر ثلاثة أحجار فرمى بها وجوه الكفار، فهزموا عند الحجر الثالث. وقيل: إن النبي A، رمى أُبَيَّ بن خلف الجمحي يوم بدر بحربة في يده فسكر له ضلعاً فمات منه، وكان النبي، عليه السلام، قد أوْعَدَهُ أنه يقتله. وَيُرْوَى " أن النبي A، كان جالساً يوم بدر في عريش، وأبو بكر في يمينه، والنبي A، يدعو ويقول: " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد! اللهم النصر الذي وعدتني "، فألح النبي A، في الدعاء، فقال أبو بكر، Bهـ: " خفض يا رسول الله، دعاءك، فإنَّ الله متممٌّ لك ما وعدك، فَخَفَقَ رسول الله [ A] ، من نعسة نعسها،
ثم ضرب بيمينه على فخذ أبي بكر، فقال: " أبشر بنصر الله، رأيت في منامي بقلبي جبريل عليه السلام، يَقْدُمُ الخيل على ثنية النقع ". فلما التقى الجمعان خرج النبي A من العريش، فأخذ حَصْباً من الأرض فرمى بها في وجوههم، ثم قال: " شاهت الوجوه ثم لا ينصرون، لا ينبغي لهم أن يظهروا " فرمى مقابل وجوههم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم ثلاث مرات فلم تقع تلك الحصباء على أحد إلا قتل وانهزم، وصار في جسده خضرة ". قال أبو عبيدة معناه: ما ظفرت ولا أَصَبَتَ، ولكن الله أظفرك ونصرك. يقال: رمى الله لك، [أي]: نصرك. وحُكِى أن بعض العلماء قال في معناها: وما رميت قلوب المشركين إذ رميت وجوههم بالرمل والتراب، ولكن الله رمى قلوبهم بالجزع فهزمهم عنك برميته لا برميتك.
وقوله: {وَلِيُبْلِيَ المؤمنين مِنْهُ بلاء حَسَناً}. يريد به من استشهد ذلك اليوم، وكان قد استشهد من المؤمنين ذلك اليوم أربعة عشر رجلاً، ستة من المهاجرين، وهم: عُبَيْدَة بن الحارث بن عبد المطلب، توفي بـ: " الصَّفْرَاءِ "، من ضَرْبَةٍ في سَاقِهِ. وعُمَيْرُ بن مالك بن وُهَيْب.
وأبو سعيد بن مالك. وذو الشِّمَالَِيْنِ: عمير بن عمرو بن نَضْلة. وغَافِلُ بن البُكَيْر، سماه النبي: عاقل بن بكير وهو حليف لبني عَدِيٍّ. ومَهْجَع، مولى عمر من الخطاب، (Bهـ)، وهو أول من قتل يوم بدر. وصفوان بن بَيْضاء، من بني الحارث بن فِهر.
وثمانية من الأنصار من الأوس، وهم. سَعْد بن خيثمَةَ بن الحارث. وَمُبَشِّر بن عبد المنذر، وهو أخو أبي لُبابة، وهو نقيب. وعُمَير بن الحُمام.
وابنا عفراء: معاذ وعمرو. ورَافِعُ بن المُعَلّى.
ويزيد بن الحارث ابن فُسْحُم. [وحارثة] بن عندي بن سُرَاقَة. " وكان حارثة صغير السن بعثته أمه مع عمر بن الخطاب يخدمه، فكان يعجن، فسمع النبي A يقول: " إن الله ليضحك إلى عبده يخرج [متفضلاً في ثوبه شاهراً سيفه فيقاتل حتى يقتل "، فترك العجين وخرج] إلى القتال فاستشهد، فلما قدم النبي A، المدينة، أتت أمه وأخته إلى عمر فسألتاه عن حارثة، فقال: استشهد، ثم ذهبتا إلى أبي بكر فسألتاه عن حارثة، فقال لأنه: أبنك في الجنة، ثم ذهبت إلى النبي A، فقالت: يا رسول الله ابني، فقال: " ابنك في الرفيق/ الأعلى "، فحمدت الله، وقالت: طوبى لمن كان منزله في الرفيق الأعلى، فكان الناس يعدون، وهي تهنأ ".
وأم حارثة هذه هي بنت النضر، عمة أنس بن مالكل بن النضر. وروى ابن وهب: أنّ عبد الرحمن بن عوف؛ قال: بينا أنا يوم بدر في الصَّفِّ إذا غلام عن يمين وآخر عن يساري، يغمزوني أحدهما سراً من الآخر، فقال: يَاعَمَّ، فقلت: ما تشاء، قال: أين أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ قال: عاهدت الله لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا؛ إنه بلغني أنَّهُ يَسُبُّ رسول الله [ A] ، قال عبد الرحمن بن عوف: (ثم غمزني) الآخر سراً، فقال: يا عم، أين أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ قال: عاهدت الله لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا. قلت: بأبي أنتما وإمي، وأشرت لها إليه، فبلغني أنه قتلهما، وهما: ابنا عفراء، وقطعا يده ورجله قبل أن يقتلهما. وقال ابن مسعود: فجئت أبا جهل، وهو فرعون هذه الأمة فوجدته مقطوع اليد والرجل، فقلت: أخزاك الله، فقال: رُوَيْع غنم ادْنُهْ فإن الفحل يحمي إبله وهو معقول. قال ابن مسعود: وكان معه سيف جيّد، ومعي سيف ردي، فأدرت به حتى أخذت سيفه، ثم ضربته به حتى مات، ثم جئت النبي A، فأخبرته بقتلي لأبي جهل
فقال: آلله، قلت آلله، فقال: آلله، قلت: آلله، مرتين أو ثلاثاً. وقتل يومئذ من المشركين أكثر من سبعين، وأسر سبعون. وكان الأسود بن عبد الأسد المخزومي حلف قبل القتال بآلهته ليشربن من الحوض الذي صنع محمد، وليهدمنّ منه، فلما دنا من الحوض لقيه حمزة بن عبد المطلب. فضرب رجله فقطعها، فأقبل يحبوا حتى وقع في الحوض، وهدم منه، وأتبعه حمزة فقتله فكان أول من قتل من المشركين، فاحتمى له المشركون، فبرز منهم ثلاثة: عُتْبة بن ربيعة، وشيبة [بن ربيعة]، والوليد بن عتبة [بن ربيعة]، ونادوا بالمبارزة فقام
أليهم نفر من الأنصار. فاستحيى النبي A وأحبَّ أن يَبْرَزَ إليهم من بني عمه، فناداهم: أن ارجعوا إلى مصافكم. وليقم إليهم بنو عمهم، فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب. وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فبرز حمزة: لعتبة، وعبيدة: لشيبة، وعلي: للوليد فقتل حمزة: عتبة، وقتل علي: الوليد، وقتل عبيدة: شيبة، بعد أن ضرب شيبةُ رِجْل عبيدة فقطعها، فَحُمِل حتى توفي بـ: " الصَّفْراء ". فكان قتل هؤلاء النفر أن يلتقي الجمعان. وقيل معنى: {وَلِيُبْلِيَ المؤمنين}. أي: وليُنعم عليهم نعمة حسن بالظفر والغنيمة والأجر. {إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. أي: {سَمِيعٌ} لدعاء نبيكم، {عَلِيمٌ} بمصالحكم. وقيل: معناه: وليختبر الله المؤمنين اختباراً حسناً.
18
قوله: {ذلكم وَأَنَّ الله مُوهِنُ} إلى: {المؤمنين}. {ذلكم}: في موضع رفع على معنى الأمر: {ذلكم}. أو: الأمْرُ. ويجوز فيها، وفيما تقدم أن تكون في موضع نصب على معنى فعل: {ذلكم}. و {ذلكم} إشارة إلى ما تقدم من قتل المشركين والظفر بهم. وقوله: {وَأَنَّ الله مُوهِنُ}، أي: واعلموا أن الله مُضْعِفٌ {كَيْدِ الكافرين}، حتى ينقادوا.
وكل ما جاز في {وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ} [الأنفال: 14]، جاز في هذه. وقيل معنى {مُوهِنُ}: يلقي الرعب في قلوبهم. وقوله: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح}. هذا خطاب للكفار، قالوا: اللهم انصر أحب الفريقين إليك. ومعنى {تَسْتَفْتِحُواْ}: تستحكموا/ على أقطع الحزبين للرحم. أي: إن تستدعوا الله أن يحكم بينكم في ذلك {فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح}، أي: الحكم.
{وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}. أي: إن تنتهوا عن الكفر بالله، {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}. قال السدي: كان المشركون إذا خرجوا من مكة إلى قتال النبي A أخذوا أستار الكعبة فاستنصروا الله. وقوله: {وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ}. أي: إن عدتم إلى القتال عُدْنا لمثل الوقعة التي أصابتكم يوم بدر. {وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً}. أي: جنودكم وإن كانت كثيرة. وقيل: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح}: للمؤمنين، وما بعده للكفار. وقوله: {وَأَنَّ الله مَعَ المؤمنين}، عطف على: {وَأَنَّ الله مُوهِنُ}. وقيل: المعنى: ولأنَّ الله مع المؤمنين.
21
وقيل المعنى: واعلموا أنّ الله. فيجوز الابتداء بها مفتوحة على هذا القول. وقيل: إنه كله خطاب للمؤمنين، أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وإن تنتهوا عن مثل ما فعلتم من أخذ الغنائم والأسرى قَبْل الإذن {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}، وإن تعودوا إلى مثل ذلك نَعُدْ إلى توبيخكم، كما قال تعالى: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ (لَمَسَّكُمْ)} [الأنفال: 68] الآية. وقيل المعنى: {وَإِن تَعُودُواْ} أيها الكفار، إلى مثل قولكم واستفتاحكم نعد إلى نصرة المؤمنين. قوله: {يا أيها الذين آمنوا أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ}، إلى قوله: {وهم مُّعْرِضُونَ}.
المعنى: إنّ الله نهى المؤمنين أن يُدْبِروا عن النبي A، مخالفين لأمره، وهم يسمعون أمره، ولا يكونوا كالكفار الذين قالوا: {سَمِعْنَا}، بآذاننا {وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ}، بقلوبهم، ولا يعتبرون ما يتلى عليهم. وأنَّما قيل: {وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ}، وقد سمعوا؛ لأنّ من لم ينتفع بما سمع كان بمنزلة من لم يسمع. وقوله: {إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الصم البكم}. أي: إنَّ شرَّ ما دبّ على وجه الأرض من خلق الله عند الله {الصم}: عن الحق، فلا ينتفعون به. ولا يتدبرونه، {البكم}: عن قول الحق والإقرار بالله، D، ورسله، صلوات الله عليه {الذين لاَ يَعْقِلُونَ}: العُمْيُ عن الهدى. قال مجاهد هم صُمُّ القُلوبِ وبُكْمها وعُميها، وقرأ: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار} [الحج: 46] الآية. وعُني بهذه الآية عند ابن عباس: نفر من بني عبد الدار.
وقيل عُني بها: المنافقون. ثم قال: {وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ}. أي: لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه. أي: لو علم من نياتهم وضمائرهم مثل ما ينطقون به بأفواههم من الإيمان الذي لا يتعقدونه {لأَسْمَعَهُمْ}، أي لجعلهم يعتقدون بقلوبهم مثل ما ينطقون به بأفواههم، فالإسماع في هذا إسماع القلوب وقبولها ما تسمع الآذان. وقوله: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ}. عاقبهم بالطبع على قلوبهم، لِمَا علم من إعراضهم عن الإيمان، وما علم من كفرهم، ولذلك دعا موسى عليه السلام. على قومه، فقال: {واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم} [يونس: 88]. عاقبهم بالدعاء عليهم لِمَا تبين من إصراررهم على الفكر، وتماديهم عليه، {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} ذلك {لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ}، حسداً ومُعاندةٌ.
24
وقيل: المعنى: {وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ/ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ}. أي: لَفَهَّمَهُم مواعظ القرآن حتى يعقلوا، ولكنه علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب عليهم الشقاء، فلو فهَّمهم ذلك {لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ}؛ لأنه قد سبق فيهم ذلك، والآية للمشركين، وقيل: للمنافقين. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ}، إلى قوله: {شَدِيدُ العقاب}. قال أبو عبيدة معنى {استجيبوا}: أجيبوا، كما قال: فلم يستجب عند ذك مُجيب، أي: يجبه. ومعنى: {لِمَا يُحْيِيكُمْ}.
أي: للإيمان. وقيل: للإسلام. وقيل: للحق. وقيل: للقرآن ومافيه. وقيل: إلى الحرب وجهاد العدو. وسماه " حياةً "؛ لأنَّ الكافر مثل الميِّت.
وقيل معنى: {لِمَا يُحْيِيكُمْ}، أي: لما تصيرون به إذا قبلتموه إلى الحياة الدائمة في الآخرة. " ورُوِيَ أن النبي A، دعا أُبيّا وهو يصلي فلم يجبه أبيّ، فخفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي A، فقال له النبي A: ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني؟ قال: يا رسول الله، كنت أصلي، قال له: أفلم تجد فيما أوحي إليَّ: {استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}؟ قال: بلى، يا رسول الله، ولا أعُودُ ". فهذا يبين أن المعنى يراد به الذين يدعوهم رسول الله A. إلى ما فيه حاية لهم من الخير بعد الإسلام المدعو إيمانه.
وقوله: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ}. قال ابن جبير: يحول بين الكافر أن يؤمن، وبين أن يكفر. وكذلك قال ابن عباس. وقال الضحاك: يحول بين الكافر وطاعته، وبين المؤمن ومعصيته. وقال مجاهد معناه: يحول بين المرء وعقله (حتى لا يدري ما يصنع. وقال السدي في معناه: يحول بين الإنسان وقلبه). فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه. وقيل المعنى: يحول بين المرء وبين ما يتمناه بقلبه من طول العيش وامتداد الآمال والتسويف بالتوبة، فيعاجله الموت قبل بلوغ شيء من ذلك.
وقال قتادة معناه: إنَّه قريب من قلب الإنسان، لا يخفى عليه شيء أظْهَرَهُ، ولا شيء أسَرَّهُ، وهو مثل قوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد} [ق: 16]. وقال الطبري: هو خبر من الله D، أنه أملك بقلوب العباد منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يدرك الإنسان شيئاً من الإيمان ولا الكفر، ولا يَعِي شيئاً. ولا يفهم شيئاً، إلا بإذنه ومشيئته. وقد كان النبي A، كثيراً ما يقول في دعائه: " يا مُقَلِّب القُلُوبِ قَلِّبْ قلبي إلى طَاعَتِك ". وفي رواية أخرى: " ثبِّتْ قلبي على طاعتك ". وكان يحلف: " لاَ ومُقلِّب القُلُوب ".
ومن هذا يقال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله، فمعناه: لا حولَ عن معصية، ولا قوة عن طاعةٍ إلا بالله. (وقال النبي A، إذ نظر إلى زوجة زيد) فاستحسنها، وقد كان عرضت عليه نفسها فلم يستحسنها: " سُبْحَانَ مُقلِّبَ القُلُوبِ ". {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. أي: تردون. وقوله: {واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً}. المبرد يذهب إلى أنَّ {تُصِيبَنَّ}، نَهْيٌ، فلذلك دخلت " النون ".
والمعنى في النَّهي: للظالمين، أي: لا تقربوا/ الظلم، وهو مثل ما حكى سيبويه من قوله: (لا أرينَّك هاهنا)، أي: لا تكن هاهنا؛ فإنَّ من يكون هاهنا أراه. وقال الزجاج: هُوَ خَبَرٌ. ودخلته " النون "؛ لأن فيه قوة الجزاء، قال: وزعم بعضهم أنه جزاء فيه ضرب من النهي. ومثله مِمَّا اخْتلفَ فيه: {ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ} [النمل: 18].
ومعنى ذلك: أنها أمر من الله للمؤمنين أن يتقوا اختباراً وبلاء يبتليهم به، لا يُصيبنَّ ذلك {الذين ظَلَمُواْ}، بل يصيب الظالمين وغيرهم. فالظالمون هم الفاعلون الكفر. وقيل: نَزَلَتْ في قوم من أصحاب النبي A، وهم أصحاب الجمل. قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألاّ يُقِرُّوا المنكر بين أظهُرِهِمْ، فيعمهم الله بالعذاب. وقال الزبير، يوم الجمل لما لقي ما لقي، ما توهمت أن هذه الآية نزلت في
أصحاب محمد A، إلا اليوم. وقال القُتَيْبي معناه: لا تخص الظالم، ولكنها تعم الظالم وغيره. وقوله تعالى: {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون} [الأنعام: 47]. يَدُلُّ على أنَّ العقوبة تخص الظالم. وقد يدخل المداهن الساكت على رؤية المنكر في الظُّلم، فيكون ممن يلحقه العقاب مع الظالم. وقد قال الحسن: إنَّ الآية نزلت في علي، وعثمان. وطلحة، والزبير [Bهم]. وأكثر النَّاس على أن حكمها باقٍ في الظالم، والمداهن الساكت على إنكار المنكر،
26
وهو يقدر على إنكاره، فإن كان لا يقدر على الإنكار، وخاف على نفسه، أنكر على قدر استطاعته أو بقلبه. قوله: {واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب}. أي: لمن عصاه وخالف أمره. قوله: {واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأرض}، إلى قوله: {أَجْرٌ عَظِيمٌ}. هذه الآية تذكيرٌ من الله D، للمؤمنين بما أنعم عليهم من العز، بعد أن كان المشركون يستضعفونهم. وهُم قَلِيلٌ، ويفتنونهم عن دينهم، ويسمعونهم المكروه. قوله: {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس}. أي: يقتلونكم. {فَآوَاكُمْ}. أي: جحعل لكم مأْوى تأوون إليه منهم. {وَأَيَّدَكُم}. أي: قوّاكم بنصره إياكم عليهم حتى قتلتموهم.
{وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات}. أي: أحلَّ لكم غنائمهم. ف: {الطيبات}، هنا: الحلال. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. و " لعلّ " هاهنا: ترج يعود إليهم. والطبري يجعلها بمعنى: " كَيْ ". و {الناس}، في هذا الموضع: الذين كانوا يخافون منهم، كفار قريش بمكة، كان المسلمون قِلَّةً يُستَضعفونَ بمكة. قال الكبي، وقتادة: نزلت هذه الآية في يوم بدر، كانوا يومئذ قلة يخافون أن يتخطفهم الناس، فقوَّاهم الله بنصره، ورزقهم غنائم المشركين حلالاً.
وقال وهب بن مُنَبِّه: {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس}: فا رس. وقيل: هي: فارس والروم. وقال الطبري معنى: {فَآوَاكُمْ}، أي: إلى المدينة، {وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ}، أي: بالأنصار. وكذلك قال السدي. ثم قال: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول}. قوله: {وتخونوا أَمَانَاتِكُمْ}. في موضع نصب على الجواب. على معنى: أنكم إذا ختم الله والرسول خنتم
أماناتكم. وقيل: هو موضع جزم على النهي نسَقاً على: {لاَ تَخُونُواْ}. ومعنى خيانة الله والرسول: هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر. وقيل: هذه الآية نزلت في منافق كتب إلى إبي سفيان/ يطلعه على سر المسلمين. وقيل: خيانة الرسول (صلى الله عليه سلم): ترك العمل بسنته. وقليل: نزلت في أبي لُبَابَة. لما بعثه النبي A، إلى بني قريظة فأشار إليهم إلى
حلقة: إنَّه الذَّبحُ. قال الزُّهْري: فقال أبو لُبابة: لا والله، لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليَّ، فمكث سبعة أيام لا يأكل ولا يشرب حتَّى خَرَّ مغشياً عليه، حتى تاب الله عليه. فقيل له: يا أبا لبابة، قد تاب الله عليك، قال: لا والله، لا أَحُلُّ نفسي حى يكون رسول الله A، هو الذي يَحُلُّني. فجاءه رسول الله A، فحلَّهُ بيده. ثم قال أبو لبابة: إنَّ توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع عن مالي، قال: يَحْزِيك الثلث أن تتصدَّق به. وقيل: الآية عامة. نُهوا ألاَّ يخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون. وقوله: {وتخونوا أَمَانَاتِكُمْ}. أي: لا تفعلوا الخيانة، فإنها خيانة لأماناتكم.
29
وقيل المعنى: ولا تخونوا أماناتكم. و" الأمانة " هاهنا: ما يُخفى عن أعين النَّاس من ترك فرائض الله، D، وركوب معاصيه. قوله: {واعلموا أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}. أي: اختباراً اختبرتم بها. وابتلاءً ابتليتم بها. لينظر كيف أنتم فيها عاملون. {وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. أي: جزاء وثواباً على طاعتكم. قوله: {يا أيها الذين ءامنوا إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}، إلى قوله: {خَيْرُ الماكرين}. والمعنى: إن تتقوا الله في أداء فرائه، واجتناب معاصيه، وترك خيانته وخيانة رسول الله A: { يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}، أي: فَصْلاً. وفرْقاً بين حقكم وباطل
مَنْ يبغيكم السوء، {وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}، أي: يمحها، {وَيَغْفِرْ لَكُمْ}. أي: يستتر لكم على ذنوبكم، {والله ذُو الفضل العظيم}، عليكم وعلى غيركم. وقيل: {فُرْقَاناً}: مخرجاً. وقيل: نجاةً. وقيل: نصراً.
وقال ابن زيد معناه: يفرق في قلوبكم بين الحق والباطل حتى تعرفوه. وقال مجاهد: مخرجاً من الضيق إلى السعة، ومن الباطل إلى الحق. قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ}، الآية. المعنى: واذكر، يا محمد إذ يمكر. وهذه الآية تذكير للنبي A، بنعم الله D عليه، {الذين كَفَرُواْ}: هم مشركو قريش. قال [ابن عباس] معنى {لِيُثْبِتُوكَ}، أي: ليُوثِقُوك وليثقفوك.
وكذلك قال مجاهد: وقتادة. وذلك بمكة. وقال السدي: {لِيُثْبِتُوكَ}: ليحبسوك ويوثقوك. وقال ابن زيد، وابن جريج: ليحبسوك. وقال ابن عباس: اجتمع نَفَرٌ من قريش من أشرافهم، في دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأَوْهُ قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نَجْد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولَنْ يَعْدَمَكم منِّي رأيٌّ ونُصْحٌ. قالوا: أجَل، ادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في أمر هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره. فقال قائل منهم: احبسوه في وثَاق. ثم تربصوا به ريب
المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء. فصرخ عدو الله الشيخ النَّجدي وقال: والله، ما هذا بِرأْي، والله ليخرجنه رأيه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فمنعوه منكم، / فما آمنُ أنْ يخرجوكم من بلادكم، فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه. فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا برأي، ألْم تروا حلاوةَ قوله ولطافةَ لسانه، وأخْذَ القلوب لما يُسْمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ليستعرضن وليجمعن عليكم، ثم ليأتينَّ إليكم حتى يخرجكم من بلادكم، قالوا: صدق، قال أبو جهل: والله لأشيرنَّ عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه، قالوا: وما هو؟ قال: تأخذون من كل قبيلة غلاماً وسيطاً شاباً، ثم نعطي كل غلام منهم سيفاً صارماً، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل، فلا أظُنّ هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش، وأنَّهم إذا
رأوا ذلك قَبِلوا العقل واسترحنا. فقال الشيخ النجدي: هذا والله هو الرأيُ، القول ما قال الفتى، فتفرقوا على ذلك، وأتى جبريل (النبيَّ) A، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم، ثم أمره بالخروج، فأنزل الله عليه بالمدينة: " الأنفال " يذكره نِعَمه عليه في قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ}، الآية. فأنزل في قولهم " نتربص به حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء ": {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون} [الطور: 30]. وكان يسمى ذلك اليوم الذي اجتمعوا فيه " يوم الزحمة ". ولما أجمعوا على ذلك باتوا يحرسونه ليوقعوا به بالغداة. فخرج النبي A، وأبو
31
بكر إلى الغار، وأمر النبي A، عليّاً أ، ْ يبيت في موضعه، فتوهم المشركون أنه [النبي] A، فباتوا يحرسونه، فلما أصبح وجَدوا عليًّا، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فركبوا وراءه كل صعب وذلول يطلبونه، ومَرُّوا بالغار قد نسج على فمه العنكبوت، فمكث النبي A. فيه ثلاثاً. " ويُرْوَى أن النبي A، قال لعليّ: نَمْ على فراشي وتَسَجَّ بِبُرْدي هذا الحَضْرَمي؛ فإنه لن يخلص إليك شيءٌ تكرهه، ثم خرج النبي A، وأبو جهل وأصحابه على الباب، وأخذ النبي A، حَفْنَة من تُراب، وأخذ الله بأبصارهم فلا يرونه، فجعل يثير التراب على رؤوسهم، وهو يقرأ: {يس}، إلى قوله: {فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} فلم يبق منهم رجلٌ إلا وضع النبي A، على رأسه تراباً، وانصرف إلى حيث أراد، فآتاهم آتٍ فأعلمهم بحالهم، فوضع كُلُّ رجل منهم يده على رأسه فوجد تُراباً، فانصرفوا بِخِزْي وَذُلٍّ. " قوله: {وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ [قَدْ] سَمِعْنَا} إلى قوله: {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.
المعنى: أنَّ الله D، حكى عنهم: أنهم يقولون إذا يُتلى عليهم القرآن: {لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا} مثله: {إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين}، أي: سطَّره الأولون وكتبوه من أخبار الأُمم. قال ابن جريج: كان النضرُ بنُ الحارث يختلف تاجراً إلى فارس، فيَمرُّ بالعبادِ وهم يقرأون الإنجيل ويركعون ويسجدون. فجاء مكة، فوجد/ محمداً A، قد أُنْزِلَ عليه وهو يركع ويسجد، فقال: {قَدْ سَمِعْنَا}، مثل هذا {لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا}، يعني: ما سمع من العِبَادِ. وقال السدي: كان النَّضْر يختلف إلى الحيرة. فيسمع سجْع أهْلها وكلامهم، فلما سمع بمكة كلام النبي A، والقرآن، قال: قد سمِعْتُ مثله: {إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين}، يقول: أسَاجيع أهل الحيرة. و {أَسَاطِيرُ}: جمع الجمع،
فهو جمع " أسطر "، و " أسطر " جمع سطر. وقيل: إنه جمع، وواحده: " أسطورة ". وقُتِل النَّضر هذا وهو أسير يوم بدر صَبْراً. أسره المقداد. فقال النبي A، اقتله؛ فإنَّه يقول في كتاب الله ما يقول، فراجعه المقداد ثلاث مرات، كل ذلك يأمره بقتله، فقتل. وقوله: {وَإِذْ قَالُواْ اللهم}، الآية. معناه: واذكر، يا محمد، إذْ قالوا ذلك. والذي قاله عند ابن جُبير: هو النَّضْر بن الحارث. وقال مجاهد: هو النَّضْر بن كَلَدَة، وأنَّه قتل بمكة بدليل قوله: {وَمَا كَانَ
(الله) لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}. ومعناه أنه قال: اللهم إنْ كان هذا الذي أتى به مُحمّدٌ هو الحق، {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. قال عطاء: لقد نزل فيه بضع عشرة آية، منها: ما ذكرنا ومنها قوله: {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا} [ص: 16]، الآية، ومنها: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى} [الأنعام: 94]، الآية. ومنها: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} [المعارج: 1] الآية.
33
قال أبو عبيدة: كلُّ شيء من العذاب فهو " أمطرت "، ومن الرحمة " مَطِرت ". قوله: {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}، إلى قوله: {لاَ يَعْلَمُونَ}. والمعنى: وما كان الله ليعذِّب هؤلاء الذين تمنوا العذاب وأْنت مقيم بين أظهرهم. وكان قد نزلت عليه وهو مقيم بمكة. ثم خرج النبي A، من مكة، فاستغفر من بها من المؤمنين، فنزلت عليه بعد خروجه: {وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. ثم خرج أولئك البقية من المؤمنين، فأنزل الله، D: { وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله}، الآية، بالمدينة، فعذَّب الله، ( D) . الكفار، إذْ أذِنَ للنبي A، بفتح مكة، فهو العذاب الذي وُعِدوا به. قال ذلك ابن أبي أبزى.
وقال أبو مالك نزل الجميع بمكة، فقوله: {وَمَا كَانَ [الله] لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}، يعني: النبي A، { وَمَا كَانَ [الله] مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، يعني: من بِها من المسلمين {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله}، يعني: من بمكة من الكفار. فمعنى: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله}، أي: خاصة، فعذبهم الله ( D) . بالسيف، وفي ذلك نزلت: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}، الآية. وهو النَّضْر. سأل العذاب. ورُوِيَ عن ابن عباس [أنَّ] المعنى: {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}، يا محمد، أيْ: حتى نخرجك من بين أظهرهم، {وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، قال: كان المشركون يطوفون بالبيت يقولون: " لبَّيْك لبَّيْك، لا شريك لك "، فيقول النبي A " قَدْ، [قَدْ] "، فيقولون: " إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك "، ويقولون: " غُفرانك،
غُفرانك "، فهذا استغفارهم. قال: وقوله: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله}، يعني في الآخرة. وقال قتادة المعنى: {وَمَا كَانَ (الله) مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، أي: لو استغفروا لم يعذّبهم، ولكنهم ليس يستغفرون، فلذلك قال: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله}، وهم لا يستغفرون، ويصدون عن المسجد الحرام. وهو اختيار الطبري. قال: كما نقول: " ما كنتُ لأُحسن إليك وأنت تسيء إليَّ "، يراد به: لا أحسن/ إليك إذا أسَأْتَ إليَّ، أي: لو أسَأْتَ إِلَيَّ لم أُحسن إليك. وكما قال: بِأَيْدِي رِجَالٍ لَمْ يَشْيمُوا سُُيُوفَهُمْ ... وَلَمْ تَكْثُرِ الْقَتْلَى بِهَا حِينَ سُلَّتِ
أي: إنما شاموها بعد أن كثرت القتلى. وشمتُ السيف من الأضداد، شمتُه: سللته وأغمدته. وقال بعض العلماء: هما أمانان أنزلهما الله D، فالواحد قد مضى وهو النبي A، والثاني باق وهو استغفار (أمِنَ) من نزول العذاب به في الدنيا. وقال ابن زيد معنى: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، أي: لو استغفروا لم أعذبهم. وهم لا يستغفرون، فما لهم ألاَّ يُعَذَّبوا. وهو قول قتادة الأول. ومعنى ذلك قال السدي.
وقال عكرمة المعنى: لم يكن الله ليعذبهم وهم يُسلمون. و" الاستغفار " هنا: الإسلام. وقال مجاهد: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، أي: وهم مسلمون، {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله}، يعني: قريشاً، بصدهم {عَنِ المسجد الحرام}. ورُوِيَ عن ابن عباس، أيضاًُ أنَّه قال: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، [أي:] فيهم من سبق له [من الله] الدخول في الإسلام، فاستغفار مقدر فيهم يكون قال: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله}، يعني: يوم بدر بالسيف. ورُوِيَ عنه أيضاً: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}: وهم يصلون. ورُوِيَ عنه أيضاً: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، وفيهم مؤمنون يستغفرون فلما خرجوا
مع النبي A، أنزل الله D: { وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله}، يعني: من بقي من الكفار بمكة. وعن مجاهد أيضاً: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}: يصلون. وكذلك قال الضحاك. ورُوِيَ عن عكرمة، والحسن أنهما قالا: قوله: {وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، يعني: المشركين، ثم نسخ ذلك قوله: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ [الله] وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام}. وقيل المعنى: وأولادهم يستغفرون، قد سبق في علم الله، D، أنهم يؤمن أولادهم ويستغفرون، فلم يكن ليعذب هؤلاء بالاستئصال. وقد سبق أنهم يلدون
من يؤمن ويستغفر. وقيل المعنى: وفيهم من يستغفرون. وهم من كان بمكة بين أظْهُرهم من المؤمنين لم يخرجوا بعد من المستضعفين وغيرهم، وقاله الضحاك. قال: وقوله: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله}، يعني: الكفار خاصة. قال مجاهد: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}: يصلون، يعني: من بمكة من المؤمنين. وقوله: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله}. " أنْ ": في موضع نصب. والمعنى: وأي شيء لهم في دفع العذاب عنهم. وهذه حالهم.
وقيل: هي زائدة. وقيل المعنى: وما كان يمنعهم من أن يعذبوا. وهذه حالهم. قوله: {وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ}. يعني: مشركي قريش. {إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون}. يعني: أصحاب النبي A. وقال مجاهد {إِلاَّ المتقون}، أي كانوا أو حيث كانوا. {ولكن أَكْثَرَهُمْ}. أي: أكثر المشركين: {لاَ يَعْلَمُونَ}، أنّ أولياء الله هم المتقون، بل يحسبون
أنهم هم أولياء الله. ومن قال: إنّ قوله: {وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، يعني به المؤمنين، وقف على: {وَأَنتَ فِيهِمْ}، لأن الأول للكافرين، والثاني للمؤمنين، وهو قول الضحاك، وعطية، وابن عباس في بعض الروايات عنه. ومن قال: إنّ الكلام كله للكفار، وهو ما روي عن ابن عباس، وأبي زيد، والسدي، لم يقف على: {وَأَنتَ فِيهِمْ}. {وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ}، وقف. والأحسن في هذه الآيات أن يكون المعنى: أن منهم من سيؤمن فيستغفر،
35
وقد علم الله D، ذلك منهم، فهو قوله: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، / أي: سيكون منهم ذلك، ومنهم من يموت على الكفر، علم الله ذلك منهم، فهم الذين قيل فيهم: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله}، والسورة مدنية كلها. قوله: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً}، إلى قوله: {يُحْشَرُونَ}. رُوي عن أبي بكر عن عاصم: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ}، بالنصب، {إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً}، بالرفع، مثل قول
الشاعر: يكون مِزَاجَهَا عسل وماء. ... ومعنى الآية: وما كان يا محمد، صلاة هؤلاء المشركين عند البيت الحرام {إِلاَّ مُكَآءً}، أي: تصفيراً، {وَتَصْدِيَةً}، أي: تصفيقاً. يُقال: مَكا يَمْكُو مَكْواً ومُكاءً، إذا صَفَر.
وصدَّى يُصدِّي تصدية، إذا صفَّق. وقال ابن زيد، وابن جبير: (التصدية): صدهم عن سبيل الله. وهذا إنما يجوز على أن تقدر أنَّ " الياء " بدل من " دال "، مثل: تظَنَّيتُ في تَظَنَّنْتُ. وحكى النحاس: أنه يجوز أن يكون معناه: الضجيج والصياح، من قولهم: " صدَّ يَصُدُّ " إذا ضجَّ. وتبدل من إحدى " الدالين " " ياء " أيضاً كالأول، وأصله: " تَصْدِدَة " في
القولين جميعاً، ثم أبدلت من " الدال الثانية " " ياء ". قال ابن عباس: كانت قريش تطوف حول البيت عراة يُصفرون ويصفقون، فأنزل الله D، { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 32]، فأُمر بلبس الثياب. وقال مجاهد " المُكاء ": إدخالهم أصابعهم في أفواههم ينفخون، و " التَّصْدِيَةُ ": الصفير، يريدون أن يشغلوا بذلك محمداً A عن الصلاة. وقال قتادة " المُكَّاءُ ": الصَّفير بالأيدي، و " التَّصْدِيَةُ ": صياح كانوا يعارضون به القرآن. وقال السدي " المُكاء ": صفير على لحن طير أبيض يقال له: " المُكَّاء "، يكون بأرض الحجاز.
وقوله: {فَذُوقُواْ العذاب}. هو العذاب بالسيف الذي نزل بهم يوم بدر. وهذا ذوق بالحس يصل ألمه إلى القلب كما يصل الذوق في مرارته وطيبه إلى القلب فسمي ذوْقاً لذلك. ثم أخبرنا، تعالى، أنّ الذين كفروا يعطون أموالهم للمشركين مثلهم ليتقوَّوا بها على قتال النبي A، فيصدون بذلك عن سبيل الله، وهو الإسلام، فيسنفقون أموالهم {ثُمَّ تَكُونُ} نفقتههم عليهم {حَسْرَةً}؛ لأنَّ الأموال تذهب، ولا يصلون إلى ما أمَّلوا، فذهابها في الدنيا حسرة عليهم، وما اجترحوا من إثمها عليهم حسرة في
الآخرة أيضاً، {ثُمَّ يُغْلَبُونَ}، ولا تنفعهم نفقتهم، وهم إلى ربهم يحشرون في المعاد. قال ابن أبزى: نزلت هذه الآية في أبي سفيان، استأجر يوم أُحد ألفين ليقاتل بهم النبي صلى عليه السلام، سوى من استجاش من العرب. قيل: إنَّه أنفق أربعين أوقية [من ذهب]، يوم أحد، والأوقية يومئذ: اثنان وأربعون مثقالاً. وذلك أنه لما وصل بالعير إلى مكة دعا الناس إلى القتال، فغزا رسول الله A في العام المقبل إلى أحد. وكانت بدر في رمضان، يوم جمعة صبيحة عشرة من رمضان. وكانت أحد في شوال يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منه في العام الثاني من بدر، وهو العام الرابع من الهجرة. وروى جماعة من التابعين: أن أبا سفيان لما سلم بعيره [إلى مكة] / كانت العير لجماعة، فتكلم قريش إلى أصحاب العير أن يعينوهم بمالها على حرب النبي عليه السلام، ليطلبوا أَثْأَرهُم ففعلوا، فأنزل الله، D: { إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} الآية.
37
قوله: {لِيَمِيزَ الله الخبيث (مِنَ الطيب)}، إلى قوله: {سُنَّةُ الأَوَّلِينَ}. المعنى: إن الله D، يحشرهم ليميز الخبيث من الطيب، أي: أهل السعادة من أهل الشقاء. وقيل: المؤمن من الكافر، فيجعل الخبيث بعضه على بعض. (أي: يجعل الكافر بعضهم على بعض، أي: فوق بعض). {فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً}. أي: يجمعه بعضه إلى بعض. و " الرُّكَامُ ": المُجْتمع، ومنه قوله في السحاب:
39
{ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ}، أي يجمع المفترق، {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} [النور: 43]، أي: مجتمعاً كثيفاً. {فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ}. أي: الخبيث فوحد اللفظ ليرده على الخبيث، ثم جمع آخراً رداً على المعنى. وقيل معنى: ليميز الخبيث من الطيب، أي: ما أنفقه الكافرون في معصية الله، سبحانه، فيجمعه فيجعله في جهنم، فيعذبون به. و {الطيب}: ما أنفقه المسلمون في رضوان الله D. ثم قال تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ}. أي: {قُل}، يا محمد، {لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ}، أي: عما نُهوا عنه، {يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ}، أي: ما سلف وتقدم من ذنوبهم، {وَإِنْ يَعُودُواْ}، أي: إلى ما نهوا عنه من الصد عن سبيل الله D، والكفر بآيات الله سبحانه، وإلى مثل قتالك يوم بدر، {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ}، أي: سنة من قتل يوم بدر، ومن هو مثلهم في أهلاك الله D، إياهم يوم بدر وغيرها. قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}، إلى قوله: {نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير}.
المعنى: إن الله ( D) ، أمر المؤمنين بقتالهم لئلا تكون {فِتْنَةٌ}، أي: شرك. ف " الفتنة " هنا: الشرك، ولا يعبد إلا الله سبحانه. وقال قتادة: المعنى: حتى يقال: لا إله إلا الله. وقال الحسن: {فِتْنَةٌ}: بلاء. وقال ابن إسحاق معناه: حتى لا يفتن مؤمن عن دنيه، ويكون التوحيد لله خالصاً. {فَإِنِ انْتَهَوْاْ}. أي: عن الفتنة، وهي: الشرك، فإن الله لا يخفى عليه عملهم. {وَإِن تَوَلَّوْاْ}. عن الإيمان، وأبو إلا الفتنة، فقاتلوهم، واعلموا أن الله معينكم وناصركم، {نِعْمَ المولى} هو لكم، أي: المعين، {وَنِعْمَ النصير}، أي: الناصر.
41
قوله: {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} الآية. هذه الآية تعليم من الله D، للمؤمنين، أن كل ما غنموه من غنيمة، وهو " الفيْ ". وقيل: " الغّنِيمَةُ ": ما أُخذ عنوة، و " الفَيْءُ ": ما أُخذ صلحا. ف: " الغَنِيمَةُ ": أربع أخماسها لمن شهد القتال، للراجل: سهم، وللفارس: سهمان.
والصلح على ما صولحوا عليه، وليس فيه خمس، إنما هو لمن سمى الله D، في قوله: {مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى} [الحشر: 7]. وقيل: " الغنيمة "، و " الفي " واحد، فيه الخمس في " الحشر " قاله قتادة. وقوله: {للَّهِ خُمُسَهُ}. مفتاح كلام، والدنيا والآخرة لله، D/ وكان النبي A، يقسم " الخمس " على
خمسة: فخمس لله وخمس لرسوله هو [خمس] واحد. وقيل: إنَّ خمس لخمس لله وللرسول، كان النبي A، يقبض في " الخمس " قبضة فيجعله للكعبة، ثم يقسم باقي الخمس إلى خمسة. وقال ابن عباس: لم يكن النبي A، يأخذ من " الخمس " شيئاً، إنما كان يعطي ذلك لقرابته مع نصيبهم. وقد أجْمَعُوا على أنَّ " الخمس " لا يقسم على ستة.
ومذهب الشافعي أن يقسم الآن على: خمسة، فيجعل، جزء فيما كان النبي A، يجعله، وذلك أن يجعل تقوية للمسلمين، وكذا رُوي أنه كان يفعل، ويعطي الأربعة الأخماس: الخمس {وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} سهماً سهماً. وقال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة: للفقراء: ثلث، وللمساكين ثلث، ولابن السبيل ثلث؛ لأنَّ النبي A قال: " لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ "، فسقط خمس رسول الله A وخمس ذوي القربى. ومذهب مالك Bهـ: أنَّ الإمام يعطي من رأى من هؤلاء المذكورين من هو أحوج، فإذا جعلت في بعض دون بعض جاز.
ومعنى: {وَلِذِي القربى}. هم قرابة رسول الله A، من بني هاشم. وقال أبو سعيد الخدري عن ابن عباس: إنهم قريش كلهم. {واليتامى}. أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم. {والمساكين}.
أهل الفاقة. {وابن السبيل}. المجتاز مسافراً قد انقطع به. {إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله}. أي: صدقتم بتوحيده، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا. {يَوْمَ الفرقان}. وهو يوم بدر، فرق فيه بين الحق والباطل. {يَوْمَ التقى الجمعان}. يعني: جمع المسلمين وجمعْ المشركين، وهو أول مشهد شهده رسول الله A،
كان المشركون ما بين الألف والتسعمئة والمسلمون ثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً، فقتل من المشركين أزيد من سبعين، وأسر مثل ذلك. وقال بعض نحويي البصرة قوله: {إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله}، متعلق بقوله: {نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير}. وقيل: هو متعلق بما قيل من ذكر الغنيمة وقسمتها، وجواب الشرط محذوف، والمعنى: إن كنتم [آمنتم] بالله فاقبلوا ما أمرتم به. {والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
42
أي: على إهلاك أهل الكفر، وغير ذلك مما يشاء قدير. قوله: {إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدنيا وَهُم بالعدوة القصوى} إلى قوله: {لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}. العامل في {إِذْ} قوله: {وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان يَوْمَ التقى الجمعان} [الأنفال: 41] {إِذْ أَنتُمْ}. والمعنى: إذ أنتم نزُولُ شفير الوادي الأدنى إلى المدينة، وعدوكم بشفير الوادي الأقصى إلى مكة. {والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ}. أي: والعير التي فيها أبو سفيان وأصحابه أسفل منكم إلى ساحر البحر. ولا يقال: ركب إلا للذين على الإبل.
وكان أبو سفيان قد أتى هو وأصحابه تجاراً من الشام، لم يشعروا بأصحاب بدر، ولم يشعر أصحاب محمد A. بكفار قريش، ولا كفار قريش بأصحاب محمد عليه السلام، حتى التقوا على ماء بدر. {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد}. أي: لو كان اجتماعكم في الموضع الذي اجتمعتم فيه عن ميعاد، لاختلفتم، لكثرة عدد عدوكم، وقلة عددكم. {ولكن لِّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً}. أي: جمعكم الله D، وإياهم {لِّيَقْضِيَ الله} D، { أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً}، وذلك القضاء هو/ نصره للمؤمنين، وتعذيبه للمشركين بالسيف والأسر. وقيل: المعنى: لو كان [ذلك] [عن] ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة
عددهم مع قلة عددكم، ما لقيتموهم. قال كعب بن مالك: إنما خرج النبي A، إلى بدر يريد عِيرَ قريش، حتى جمع الله D، بينهم وبين عدوهم؛ لأن أبا جهل خرج ليمنع النبي A، من العير، فالتقوا ببدر، ولا يشعر كل واحد بصاحبه. ثم قال تعالى: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ}. أي: ليموت من مات عن حجة، أي: جمعهم على غير ميعاد، {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ}، أي: عن حجة قطعت عذره، ويعيش من عاش عن حجة قد ظهرت له.
وقيل المعنى: ليكفر عن أمر بيّن، ويؤمن من آمن عن أمر بَيّن. {وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}. أي: لقولكم: {عَلِيمٌ} بما تضرمه نفوسكم في كل حال. قوله: {مَنْ حَيَّ}. من قرأ بـ " الإِدْغامِ "، فإنه أدْغم لاجتماع المثلين؛ ولأنه في السواد بـ: " يَاءٍ " واحدة. ومن أظهر أجراه مجرى المستقبل، فلما لم يجز الإدغام في المستقبل (أجري
43
الماضي على ذلك، فأظهر وقد أجاز الفراء الإدغام في المستقبل)، ومنعه جميع البصريين؛ لأنه يجتمع في المستقبل حرفان متحركان، ف: " الياء " الثانية حق أصلها أن تكون ساكنة، ولا يقاس هذا على ما صح لم يخف؛ لأنَّ " يحيى " يحذف ياؤه للجزم، ولا يحذف في " يخف " شيء للجزم. قوله: {إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً}، إلى قوله: {تُرْجَعُ الأمور}. والمعنى: إنّ الله D، يا محمد، {لَسَمِيعٌ} لما يقول أصحابك {عَلِيمٌ} بما يضمرون، إذ يريك عدوك وعدوهم {فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً}، فتخبر أصحابك بذلك، فتقوى
نفوسهم، ويجترئون على حرب عدوهم، ولو أراك ربك عدوك وعدوهم كثيراً، لفشل أصحابك فجبنوا على قتالهم، وتنازعوا في ذلك، {ولكن الله سَلَّمَ}، من ذلك بما أراك في منامك من قتلهم {إِنَّهُ عَلِيمٌ}، بما تُجِنُّه الصدور. قال مجاهد: أراهم الله عز جل، نبيّه عليه السلام، في منامه قليلاً، فأخبر أصحابه، فكان تثبيتاً لهم. وقال الحسن: كان ذلك رؤية حق غير منام. والمعنى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ [الله]} بعينك التي تنام بها {قَلِيلاً}، فالمعنى على هذا: في موضع منامك.
وهو عند جميع أهل التفسير رؤيا في النوم كانت، إلا الحسن: فأمّا قوله: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم}، فهي رؤية حق لا منام، وهذا خطاب للنبي A، وأصحابه. ومعنى: {ولكن الله سَلَّمَرِ}. أي: سلم للمؤمنين أمرهم حتى أظفرهمه. وقيل المعنى: سلم أمره فيهم. وقيل: سلم القوم من الفشل بما أرى نبيهم A. من قلتهم. قاله ابن عباس. يقال: فَشِل الرجل، أي: جَبُن.
ثم قال: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً}. أي: أراكم، أيها المؤمنون، عدوكم، قليلاً، وهم كثير ليهون عليكم أمرهم، فلا تجزعوا ولا تجبنوا، ويقلل المؤمنين في أعينهم، ليتركوا الاستعداد لهم، فتهون على المؤمنين شوكتهم. قال عبد الله بن مسعود: قُلِّلوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جانبي: أراهم سبعين؟ قال: أراه مائة، قال: فأسرنا رجلاً منهم/ فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفا. وكان من قول أبي جهل لأصحابه لما قلّل الله D، المسلمين في عَيْنَيْه: يا قوم، لا تقتلوهم بالسلاح، ولكن خُذُوهم أَخْذاً، فاربطوهم بالحبال.
45
ثم قال: {لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً}. أي: فعل ذلك، فيظفركم بعدوكم، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى. {وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور}. أي: تصير في الآخرة إليه، فيجازي كل نفس بماكسبت. قوله: {يا أيها الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا}، إلى قوله: {مَعَ الصابرين}. هذه الآية تحريض من الله، D، للمؤمنين في الثبات عند لقاء العدو، وأمرهم بذكر الله، سبحانه {كَثِيراً}، أي: يذكرونه في الدعاء إليه في النصر على عدوهم، {لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ}. {وَأَطِيعُواْ الله} D، { وَرَسُولَهُ} عليه السلام، أي: فيما أمركم به، {وَلاَ تَنَازَعُواْ}، أي: تختلفوا فتفترق قلوبكم، {فَتَفْشَلُواْ}، أي: تضعفوا وتجنبوا، {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}، أي: قوتكم وبأسكم ودولتكم، فتضعفوا، {واصبروا}، أي: اصبروا مع نبي الله D، عند لقاء عدوكم، {إِنَّ الله مَعَ الصابرين}، أي: معكم.
قال مجاهد، وابن جريج ذهب ريح أصحاب رسول الله A، حين نازعوه يوم أحد، أي: تركوا أمره، يعني: الرُّماة. قال ابن زيد، ومجاهد، وغيرهم: (الرِّيحُ) ريح النّصر. قال ابن زيد: لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله D، يضرب بها وجوه العدو، فإذا كان ذلك لم يكن لهم قِوَامٌ. فمعنى: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}. (أي): الريح التي هي النصر، وعلى ذلك قال قتادة ومجاهد: {رِيحُكُمْ}: نصركم.
47
قوله: {وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ}، الآية. هذه الآية تنبيه للمؤمنين ألاّ يعملوا عملاً إلا الله D، وطلب ما عنده تبارك وتعالى، ولا يفعلوا كفعل المشركين في مسيرهم إلى بدر طلب رئاء الناس. وذلك أنهم أُخبروا أن العير قد فاتت النبي A، [ وأصحابه]، وقيل لهم: ارجعوا فقد سلمت العير التي جئتم لنصرتها، فأبوا الرجوع، وقالوا: نأتي بدراً فنشرب بها الخمر، وتعزم علينا بها القيان، وتتحدث بنا العرب، فسُقُوا مكان الخمر المنايا. وفيهم نزل: {وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ الناس} الآية. قال ابن عباس: لما رأى أبو سفيان أنه أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عِيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجت، فارجعوا، فقال أبو جهل بن هشام: والكله لا نرجع حتى نَرِد بدراً، وكان " بدر " موسماً من مواسم العرب، تجتمع لهم بها سوق كل عام، فنقيم عليهم ثلاثاً، وننحر الجُزُر، ونطعم الطعام، فمضوا حتّى أتوا بدراً، فاجتمع السقاة على الماء من هؤلاء ومن هؤلاء، فجاز المشركون الماء.
48
ومعنى " البَطَرُ ": التقوية بنعم الله، تعالى على المعاصي، فأمر الله D المؤمنين بإخلاص العمل له، ولا يكونوا كهؤلاء، الذين أتوا بدراً للرياء والسمعة بَطَراً منهم. قوله: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ}، الآية. المعنى: اذكر إذ زيّن لهؤلاء الكفار الشيطان أعمالهم. وقيل: المعنى: {وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 42]، في هذه الأحوال، وحين زيَّنَ لهم الشيطان أعمالهم. قال الضحاك: جاءهم إبليس يوم بدر بجنوده فزين لهم أنهم لن ينهزموا وهم يقاتلون على دين آبائهم، وأنه جَارٌ لهم، فلما التقوا، ونظر الشيطان إلى إمداد الملائكة {نَكَصَ على عَقِبَيْهِ}، أي: رجع مدبراً، وقال لهم: {إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ}.
قال السدي: أتى المشركين إبليس في صورة سراقة بن مالك الكِناني الشاعر/ على فرس فقال: {لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس}، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا جَارُكُمْ سراقبة بن مالك، وهؤلاء كنانة قد أتوكم. وقال قتادة: لما رأى الملعون جبريل عليه السلام تنزل معه الملائكة، علم أنه لا يدين له بالملائكة، فقال: {إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ}، وقال: {إني أَخَافُ الله}، وكذب الملعون، ما به مخافة الله D، ولكن لما رأى ما لا منعة له منه، فرق وقال ذلك، وهو كاذب على نفسه.
وقيل: إنه ظنَّ أنَّ الوقت الذي أُنظِر إليه قد حضر، فخاف. وقال النبي A: " ما رُئِيَ إبليس يوماً هو فيه أصْغَرُ، [ولا أدحر]، ولا أحْقَرُ، ولا أغيظُ من يوم عرفة، وذلك مما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب، إلا ما رأى يوم بدر "، قالوا: يا رسول الله، وما رأى يوم بدر؟ قال: " أما إنه رأى جبريل عليه السلام، يَزَعُ الملائكة ". قال الحسن: رأى جبريل عليه السلام، مُعْتَجِراً بِبُرْد، يمشي بين يدي النبي عليه السلام، وفي
يده اللجام. ومعنى: {نَكَصَ على عَقِبَيْهِ}. رجع القهقري. وقيل معناه: رجع من حيث جاء. وكانت وقعة بدر لسبع عشرة خلت من رمضان على رأس سبعة عشر شهراً من مقدم النبي A، من مكة. قال مالك: على رأس سنة ونصف. وكانت وقعة أحد بعد بدر بسنة.
49
قوله: {إِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} إلى قوله: {لِّلْعَبِيدِ}. المعنى: واذكر، يا محمد، {إِذْ يَقُولُ}. وقيل المعنى: {لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 42]، في هذه الأحوال، وحين يقول المنافقون: كذا وكذا. و {المنافقون} هنا: نَفَرٌ لم يستحكم الإيمان في قلوبهم من مشركي قريش، خرجوا مع المشركين من مكة وهم على الارتياب، فلما رأوا قلة أصحاب محمد A قالوا: {غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ}، حتى قدموا على ما قدموا عليه، مع قلبة عددهم. وقال الحسن: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا: " منافقين ". وقال معمر: هم قوم أقروا بالإسلام بمكة، ثم خرجوا مع المشركين إلى بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: {غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ}. قال ابن عباس: إنّما قالوا ذلك حين قلل الله المسلمين في أعين المشركين، فظنوا
أنهم يغلبون لا محالة. وقوله: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله}. أي: يسلم أمره إلى الله D { فَإِنَّ الله عَزِيزٌ}، أي: لا يغلبه شيء، ولا يقهره أمر {حَكِيمٌ} في تدبيره. ف {المنافقون}: هم الذين أظهروا الإيمان، وأبطنوا الشرك، {والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}: هم الشاكون في أمر الإسلام. وقيل: هما واحد، كما قال: {الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب} [البقرة: 3]، ثم قال: {والذين يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [البقرة: 4]، وهما واحد. ويُروى أن رجلاً من الأنصار رأى الملائكة يوم بدر، فذهب بصره، فكان يقول: لولا ما ذهب بصري لأرَيْتكُم الشِّعْب الذي خرجت منه الملائكة. قال: ولقد سمعت حَمْحَمة الخيل. قوله: {وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة}.
أي: لو عاينت ذلك، يا محمد، رأيت أمراً عظيماً، يضربون وجوههم وأستاههم، يقولون لهم: {وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق}، أي: النار. ف: " يقولون " محذوفة من الكلام. وجواب {لَوْ} محذوف. والمعنى: ولو ترى ذلك لرأيت أمراً عظيماً، وشبه هذا. وهذا إنما يكون عند قبض أرواحهم.
وقيل: إنما يكون يوم القيامة. وقيل: أريد به يوم بدر، قاله مجاهد. قال مجاهد {أَدْبَارَهُمْ}: أستاههم، ولكن الله كريم يَكْنِي. قال ابن عباس: / كان المشركون إذا أقبلوا بوجوهم يوم بدر إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولَّوا، أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم. قوله: {الذين كَفَرُواْ}. وقف، إن جعلت المعنى: إذ يتوفى الله الذين كفروا، ثم تبتدئ: {الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ}، على الابتداء والخبر. ويدل على هذا المعنى: {الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر: 42].
وإن جعلت الملائكة هم يتوفونهم، وقفت على {الملائكة}، وهو مروي عن نافع، وجعلت {يَضْرِبُونَ}، على إضمار مبتدأ، أي: هم يضربون. والأحسن الوقف على {أَدْبَارَهُمْ}، وهو التمام وتبتدئ: {وَذُوقُواْ}، على معنى: ويقولون. {وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق} تمام، إن قدرت " الكاف " في {كَدَأْبِ} [الأنفال: 52]، متعلقة بقوله: {ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لِّلْعَبِيدِ}. فإن قدرت أنها متعلقة بقوله: {ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ}. فإن قدرت أنها متعلقة بقوله: {وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق}، لم تقف على: {الحريق}؛ لأنّ المعنى: {وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق} ذوْقاً {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ}. ف: " الكاف " على هذا في موضع نصب نعت لمصدر محذوف.
52
و {ذلك}، في موضع رفع بالابتداء، والخبر: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ}، والتقدير: ذلك العذاب لكم {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ}، أي: من الآثام. وقيل: هو في موضع رفع إضمار مبتدأ، والتقدير: الأمر ذلك. {وَأَنَّ الله}، " أن " في موضع خفض عطفاً على " ما ". أو في موضع نصب على حذف حرف الجر. أو في موضع رفع نَسَاقاً على: {ذلك}. أو على إضمار مبتدأ، والتقدير: وذلك أنَّ الله. قوله: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله} إلى قوله: {سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
" الدَّأْبُ ": العادة، وأصله من قولهم: " فلان يَدْأَبُ على الشيء ": أي: يدوم عليه ويلزمه. و" الكاف " متعلقة بقوله: {ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ}. من المعاصي كعادة آل فرعون والذين من قبلهم. و" الكاف " من: {كَدَأْبِ}، في موضع رفع على إضمار مبتدأ. أي: العادة في تعذيبكم عند قبض الأرواح وفي القبور مثل العادة في آل فرعون. ويجوز أن تكومن " الكاف " متعلقة بـ: {وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق}، فتكون في موضع نصب على معنى: ذوقوا مثل عادة آل فرعون في إذاقتا إياهم العذاب. فالمعنى: فعل هؤلاء المشركون كما فعل آل فرعون، أو فعلنا، بهم كفعلنا بآل فرعون، فإذا رددت التشبيه إلى فعل المشركين وفعل آل فرعون جاز، وإذا رددته إلى
فعل الله D بهؤلاء كفعله بهؤلاء جاز، ويتمكن في كلا الوجهين في: " الكاف " الرفع والنصب. قال مجاهد المعنى: كَسُنَنِ آل فرعون. وقوله: {فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ}. أي: فعاقبهم الله بتكذيبهم. {إِنَّ الله قَوِيٌّ}. أي: لا يغلبه غالب. {شَدِيدُ العقاب}. لمن كفر به. قوله: {ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ}، الآية. {ذلك}: في موضع نصب، على معنى: فعلنا ذلك.
ويجوز أن يكون في موضع رفع، على معنى: هذا ذلك. وقوله: {بِأَنَّ الله}: في موضع رفع أو نصب عطف على: {ذلك}. والمعنى: فعلنا ذلك بمشركي قريش ببدر بذنوبهم، بأنّهم غيَّروا نعم الله عليهم، وهو محمد A، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وتغييرهم لها هو كفرهم بما أتاهم به، وإخراجه من بين أظهرهم، وحربهم إياه. قال السدي " نعمة الله " على قريش: محمد A كفروا بها، فنقله الله إلى الأنصار. {سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: تمام، إن جعلت المعنى فيما بعده: عادتهم كعادة فرعون، فتضمر مبتدأ تكون " الكاف " خبره. وإن جعلت {كَدَأْبِ} متعلقة بقوله: {حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} لم تقف على: {سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. ويكون التقدير/ في التعليق: {حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، كعادة آل فرعون في
54
التغيير والإهلاك. قوله: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ}. {كَدَأْبِ} في هذه ليست بتكرير للأولى، لأن المعنى في الأولى: العادة في التعذيب، أو العادة في فعل المشركين بنبيهم كالعادة في آل فرعون، وهذا الثاني المعنى فيه: العادة في التغيير من هؤلاء كعادة آل فرعون في ذلك، فأهلك من كان قبل فرعون بذنوبهم، وأغرق (آل) فرعون، والجميع كانوا ظالمين، فكذلك أهلك هؤلاء بالسيف ببدر، إذ غيّروا نعمة الله وهي الكفر بمحمد A. قوله: {إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ}، إلى قوله: {وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ}. المعنى: إنّ شر من دَبَّ على وجه الأرض، الذين كفروا بالله ورسوله. و {الدواب}: يقع على الناس وعلى البهائم، وقد قال تعالى في موضع آخر: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا} [هود: 6].
57
وقوله: {الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ}، بدل من {الذين كَفَرُواْ}. والمعنى: الذين أخذوا عهدك ألاّ يحاربوك، ولا يعاونوا عليك كقريظة، إذ والت على النبي A، يوم الخندق أعداءه بعد عهدهم له ألا يفعلوا ذلك، {وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ}، الله في ذلك، ولا يخافون أن يوقع بهم الهلاك لفعلهم ذلك. قوله: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب}، إلى قوله: {الخائنين}. " إمّا ": للشرط، وتلزمه النون الشديدة توكيداً، لدخول " ما " من " إنْ "، هذه علة البصريين.
وقال الكوفيون: تدخل " النون " الخفيفة والشديدة مع " إمّا " للفرق بين كونها للشرط وكونها للتخيير. ومعنى الآية: إنْ لقيت يا محمد، هؤلاء الذين عاهدتم، ثم نقضوا عهدك في الحرب {فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ}. أي: افعل بهم فعلاً يكون مُشَرَّداً لمن خلفهم من نظرائهم، ممن بينك وبينه عَهْد. و" التَّشْرِيدُ ": التطريد والتبديد والتفريق.
فأُمر بذلك A ليكون أدباً لغيرهم، فلا يجترئوا على مثل ما فعله [هؤلاء] من نقض العهد. وقال السدي: {فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ}، أي: نكل بهم، ليحذر من خلفهم ممن بينك وبينه عهد. {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}. أي: يتعظون إذا رأوا ما صنع بمن نقض العهد. وقوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً}. أي: إن خفت يا محمد، من قوم بينك وبينهم عهد (وعقد) أن يخونوك وينقضوا عهدك، {فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ}، أي: حاربهم وأعلمهم قبل إتيانك لحربهم أنك فسخت عهدهم، لِمَا كان منهم من أمارة نقض العهد، وإتيان الغدر والخيانة منهم، فيستوي علمك وعلمهمه في الحرب، {إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين}، أي: من خان
عهداً، أو نقض عهداً. و" الخَوْفُ " هنا: ظهور ما يتيقن منهم من إتيان الغدر، وليس هو الظن. ومعنى: {فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ}. أي: انبذ إليهم العهد، وأعلمهم بأنك قد طرحته، لما ظهر إليك منهم، وأنك محارب لهم، فيستوي أمركما في العلم. قال الكسائي: {على سَوَآءٍ}: على عدل، أي: تعدل بأن يستوي علمك وعلمهم. وقال الفراء المعنى: افعل بهم كما يفعلون سواء.
59
وقال أيضاً: {على سَوَآءٍ}: جهراً لا سراً. قال أبو عبيدة معنى: {تَخَافَنَّ}: تُوقِنَنَّ. قوله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ سبقوا}، إلى قوله: {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}. خطَّأ أبو حاتم من قرأ بـ: " الياء "، ووجهها عند غيره ظاهر حسن.
والمعنى في " الياء ": ولا يَحْسَبَنَّ من خلفهم الذين كفروا سبقوا، فيكون ضمير الفاعل في {يَحْسَبَنَّ}، يعود على {مَّنْ خَلْفَهُمْ} [الأنفال: 57]، و {الذين كَفَرُواْ}: مفعول أول، و {سبقوا} في موضع الثاني. وقال الفراء التقدير: أن سَبَقَوا. وقال: وفي حرف عبد الله: / {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ سبقوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ}. ورُوي عنه: " ولا يَحْسَبَ "، بفتح الباء، على إرادة النون [الخفيفة].
ومن فتح: {إِنَّهُمْ}، وقرأ بـ " الياء " أو بـ: " التاء " فمعناه: لأنهم، ولا يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً بـ: " حسب "، كما لا يجوز: حَسَبْتَ زيداً أنه قائم؛ لأن زيداً غير قيامه، ولو قلت: حسبت أمرك أنك قائم، جاز فتح " أن " لأن أمرك هو قيامك. ومعنى ذلك: لا يحسب من ظفر بالخلاص مَنْ هذه الوقعة سبق. ثم قال: {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ}، لا يفترون. ومن قرأ بـ: " الياء " فمعناه: لا يحسب مَنْ خلفهم الذين كفروا سبقوا،
أي: بالخلاص، ثم قال: {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ}، أي: لا يفوتون. ثم حضّ المؤمنين على أن يُعِدُّوا لهؤلاء الذين خِيَف منهم نقض العهد ما استطاعوا {مِّن قُوَّةٍ}. أي: من الآلات التي تكون قوة في الحرب مثل: السلاح، والنبل، والخيل. و" القوَّة: الرَّمْيُ "، روي ذلك عن النبي A. قال عكرمة: {مِّن قُوَّةٍ}: الحصون. وقال مجاهد: {مِّن قُوَّةٍ}: ذكور الخيل، {وَمِن رِّبَاطِ الخيل}: إناثها. قوله: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله}. أي: تخيفونهم به.
ورُوَي: أن النبي A، قال: " ألاَ إنَّ القُوةَ الرَّمْيُ "، وأعادها ثلاثاً. قال عكرمة: [القُوّة]: ذكور الخيل، ورباطها: إناثها. قال عقبة بن عامر الجُهَني: قال رسول الله A: " إن الله يُدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانِعُه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومُنْبِلَه، فارموا واركبوا، وأن تَرْمُوا أحب إلي من أن تركبوا، وليس اللهو إلا ثلاثة: تأديب الرجل
فرسَه، وملاعبتَه امرأته، ورميه بقوسه ونَبْله. ومن ترك الرّمي من بعد ما علمه فإنه نعمة كفرها أو كفر بها ". قال أبو نجيح السُّلَمي: حاصَرْنا قصر الطائف فسمعت رسول الله A، يقول: " مَنْ رمى بسهم في سبيل الله، فهو له عدل رقبة، ومن شاب شيبة في الإسلام فهو له عدل مُحَرَّرٍ من النار ". وقال النبي A " الخَيْل مَعْقُودٌ في نَوَاصِيهَا الخَيْر إلى يوم القيامة: الأجر والمَغْنَمُ " ، رواه عروة البَارِقِيُّ عنه، وكذلك رواه أبو هريرة وابن عمر. وروى أنس بن مالك عنه أنه قال: " البَرَكَةُ في نواصي الخَيْل ".
وروى عنه أبو هريرة أنه قال: " من احتبس فرساً في سبيل الله، إيماناً بالله، وتصديقاً بوعد الله، كان شِبَعُهُ وَرِيُّهُ وَبَوْلُهُ ورَوْثُه حسناتٍ في ميزانه يوم القيامة ". قوله: {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ}. يعني بهم: بني قريظة. قال السدي: هم أهل فارس. وهذان القولان يردهما علم المؤمنين ببني قريظة وبفارس، وقد قال تعالى: {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ}.
وقال ابن زيد: هم المنافقون لا تعلمونهم؛ لأنهم [معكم]، يقولون: لا إله إلا الله، لا يعلمهم إلا الله. وهذا قول حسن موافق لقوله: {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ}، فالله هو المطلع على سرائرهم. وقيل: هم الجن. وهو اختيار الطبري.
وهو أحسن الأقوال، لما رُوي أن الجن تفرُّ من صهيل الخيل. ورُوِيَ: أن الجن لا تقرب داراً فيها فرس، وأيضاً: فإن لا نعلمهم، كما قال D. روى ابن مِقْسَمِ: أن رجلاً أتى ابن عباس، فشكا إليه ابنته تُعترى، فقال له: ارتبط فرساً، إن كنت ممن يركب الخيل وإلا فاتخذه، فإن الله جل اسمه، يقول: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ}، فإن الجن من الذين لا تعلمونهم، ففعل الرجل ما أمره، فانصرف عن ابنته العارض. وقوله: {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ}.
أي: لا يضي (لكم) عند الله/ أجره في الآخرة، ولا خَلَفه في الدنيا. قوله: {وَآخَرِينَ}. منصوب على معنى {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ}: وتَوَقَّوا آخرين، فلا تقف على ماقبله على هذا. ويجوز أن يكون نصبه بإضمار فعل غير هذا، فتبتدئ به إن شئت. وإن جعلته معطوفاً على: {عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ}، أي: وترهبون آخرين، لم تقف أيضاً قبله. {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ} وقف.
61
قوله: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا}، إلى قوله: {عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. قد تقدم ذكر " السلم " في الفتح والكسر في " البقرة ". والمعنى: إن جنح هؤلاء الذين أمرت أن تنبذ إليهم على سواء إلى الصلح، أي: [مالوا إليه] فمل إليه، إمّا بالدخول في الإسلام، أو بإعطاء الجزية، وإما بموادعة. قال قتادة: وهي منسوخة بقوله: {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5]. وقال ابن عباس نسخها: {فَلاَ تَهِنُواْ وتدعوا إِلَى السلم} [محمد: 35].
وقال عكرمة والحسن نسخها: {قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله} [التوبة: 29]، الآية. وقيل: إنها مُحْكَمةٌ. والمعنى: إن دعوك إلى الإسلام فصالحهم. قاله ابن إسحاق.
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الله}. أي: فوض أمرك إلى الله، {إِنَّهُ هُوَ السميع العليم}. ثم قال: {وَإِن يريدوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله}. أي: إن يرد هؤلاء الذين أمرناك أن تجنح إلى السلم إن جنحوا لها خداعك وخيانتك، {فَإِنَّ حَسْبَكَ الله}، أي: كافيك الله. {هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين}. أي: قوَّاك بذلك على أعدائك، {وبالمؤمنين} هنا: الأنصار. وهذا كله في بني قريظة. {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}. أي: بين قلوب الأنصار: الأوس والخزرج، بعد التفرق والتشتت، {لَوْ
64
أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً}، أي من ذهب وفضة {مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله [أَلَّفَ] بَيْنَهُمْ}، على الهدى، فقواك بهم. وروي عن ابن مسعود أنه قال: نزلت هذه الآية في المتحابين في الله عز جل: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}، الآية. وقال مجاهد: [إذا] التقى المسلمان وتصافحا غُفِر لهما. قوله: {يا أيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك}، الآية. {حَسْبُكَ الله}: تمام، إن جعلت {وَمَنِ اتبعك} ابتداء.
65
أي: ومن اتبعك من المؤمنين حسبه الله، أي: يكفيك ويكفيه. وقال الكسائي: {وَمَنِ اتبعك}: في موضع نصب عطفاً على موضع " الكاف " في التأويل. وقيل عنه: {مَنِ} في موضع رفع عطفاً على أسم {الله}، جل ذكره، أي: يكفيك الله ويكفيك من اتبَعَك من المؤمنين. ولا يحسن الوقف على: {حَسْبُكَ الله} على هذين التأويلين. قوله: {يا أيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال} إلى قوله: {مَعَ الصابرين}. والمعنى: إن الله، تبارك وتعالى، أمر نبيه عليه السلام، أن يحث من آمن به على
قتال المشركين. و" التَّحْرِيضُ ": الحث الشديد، وهو مأخوذ من: " الحَرَضِ "، وهو: مقاربة الهلاك. قوله: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ}. أي: يصبرون على لقاء العدو، ويثبتون {يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ}. من عدوهم، {وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يغلبوا أَلْفاً}، من العدو، {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ}، أي: من أجل أنّ المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب، ولا لطلب أجر، فهم لا يثبتون عند اللقاء، خشية أن يقتلوا فتذهب دنياهم. ثم خفف تعالى ذلك عن المؤمنين، فقال: {الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً}، أي: تضعفون عن أن يلقى الواحد منكم عشرة منهم، {فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ}، على المكاره عند لقاء العدو، {يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} من العدو {وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يغلبوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله}، أي: بمعونته {والله مَعَ الصابرين}.
قال عطاء: لما نزلت الآية الأولى، ثقل ذلك على المسلمين، وأَعْظَموا أن يقاتل عشرون منهم مئتين، ومئة ألفاً فَخَفَّف [الله] ذلك عنهم، فنسخها بالآية الآخرى فردهم يقفون إلى من هو مثلا عددهم، فإن (كان) المشركون أكثر من المسلمين، لم يلزم المسلمين الوقوف لهم، وحلَّ لهم أن يَتَحَوَّزُوا عنهم. وقاله: عطاء، وعكرمة، والحسن، والسدي. وقيل: إن هذا من الله تخفيف وليس بنسخ، فإنه لم يقل: لا يقاتل الواحد العشرة، إنما خفف عنهم ما كان فرض عليهم، ونظير ذلك: إفطار الصائم في السفر، إنما هو تخفيف، ولا يقال له نسخ، ألا ترى أنه لو صام لم يأثم، وأجزأه صومه.
ومن قرأ: {وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ}، بـ " التاء "، فعل تأنيث اللفظ. ومن قرأ بـ: " الياء "، فلأنه تأنيث غير حقيقي، إذ المعنى: مائة رجل. وقرأ أبو جعفر: {وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً}، بالمد، جمع ضعيف.
67
قوله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى}، إلى قوله: {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. المعنى: ما كان لنبيٍ أن يَحْبَسٍ كافراً قَدَر عليه للغاية والمن. و" الأسْر ": الحبْس. قوله: {حتى يُثْخِنَ فِي الأرض}. أي: حتى يبالغ في قتل المشركين وقهرهم.
وهذا تعريف من الله D لنبيه عليه السلام، قتل من فادى به يوم بدر، كان أولى من المفاداة وإطلاقهم. وقوله: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا}. هذا للمؤمنين الذين رَغِبُوا في أخذ المال والفداء. {والله يُرِيدُ الآخرة}، أي: يريد لكم زينة الآخرة وخيرها. قال ابن عباس: كان هذا يوم بدر، والمسلمين قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله D، في الأسرى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} [محمد: 4]، فجعل الله المؤمنين بالخيار في أسَارَاهُم.
وقال مجاهد: " الإثْخان ": القتل. وقال ابن مسعود: لما كان يوم بدر وجيء بالأسَارى، قال رسول الله A: ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر، Bهـ: يا رسول الله، قومك وأهلك، فأستبقهم، لعل الله أن يتوب عليهم. وروي عنه أنه قال: يا رسول الله، بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام. وقال عمر Bهـ، كذبوك وأخرجوك، فاضرب أعنقاهم. ورُوي عنه أنه قال: لا والله الذي لا إله إلا هو، ما أرى الذي قال أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا منهم، فنضرب أعناقهم، فإنّ هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، أنظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضْرمه عليهم. فقال له العباس: قطعتك رحمك. فسكت رسول الله A فقال ناس: نأخذ برأي أبي بكر. وقال ناس: نأخذ برأي عمر. وقال ناس: نأخذ برأي عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله A
فقال: " إن الله ليُليّنُ قلوب رجال [حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة]، وإن مثلك يا أبا بكر، مثل إبراهيم عليه السلام، قال: {فَمَن تَبِعَنِي [فَإِنَّهُ] مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم: 36]، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى، قال: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} [المائدة: 118]، ومثلك يا عمر مثل نوح، قال: {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً} [نوح: 26]، ومثلك يا عبد الله كمثل موسى، قال: {رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ/ واشدد على قُلُوبِهِمْ} [يونس: 88]، ثم قال رسول الله A: " أنتم اليوم عالة، فلا يقتلنّ أحد منكم إلا بفداءٍ أو ضربة عُنُق ".
قال قتادة: فَادَوْهُم بأربعة آلاف أربعة آلاف، وكان النبي A لم يثخن في الأرض، وكان أول قتاله المشركين. قال مالك: الإمام مخير في الرجال، إن شاء قتل، وإن شاء فادى بهم أسارى المسلمين، قال: وأمثل ذلك عندنا أن يقتل من خفيف منه. وقال جماعة من العلماء: الإمامُ مُخيَّر، إن شاء قتل، وإن شاء أسر، وإن شاء فادى، وهو قول الشافعي وغيره).
من قتل أسيراً قبل أن يوصله إلى الإمام فلا شيء عليه، وقد أساء، فإن قتل صبياً أو امرأة عوقب وغرم الثمن، هذا قول الشافعي وغيره. وقال الأوزاعيي والثوري: لا يقتل الأسير حتى يبلغ الإمام، إلا أن يخافه، فإن قتله بعدها وصل به إلى الإمام غرم ثمنه، وإن قتله قبل أن يصل عوقب ولا غرم عليه. قوله: {لَّوْلاَ كِتَابٌ [مِّنَ] الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. هذا خطاب لأهل بدر في أخذهم الغنائم والفداء. وروي أن هذه الآية لما نزلت قال النبي A: " لو نزل عذاب ما سلم منه إلا عمر، ولو بعث بعدي نبي لبعث عمر "، Bهـ. وذلك أن عمر Bهـ أشار على النبي A، بقتل الأسارى، وألا تؤخذ منهم الفدية، وقال للنبي A: كذّبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم. وخالفه أبو بكر Bهـ، وغيره في ذلك.
والمعنى: لولا أنّ الله قد سبق قضاؤه في اللوح المحفوظ، أنه يحل لكم ذلك، لعقوبتم بما فعلتم؛ لأنه تعالى لم يكن يحل ذلك لأحد من الأمم قبل أمة محمد A، ولكنهم أخذوا الغنائم وقبلوا الفداء، قبل أن ينزل عليهم ما قد سبق منه، تعالى، أن يحله لهم، وكانت الأمم قبل محمد، عليه السلام، إذا غَنِمُوا شيئاً جعلوه للقربان فتأكله النار، فهو حرام عليهم، لا يحل لأحد منهم شيء منه. وقيل: المعنى: لولا أن سبق في علمي أني سأحل لكم الغنائم، لمسكم في أخذكم إياها عذاب عظيم. وقيل المعنى: لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر، أن لا يعذبهم لمسهم في أخذهم الغنائم عذاب عظيم، قال ذلك: الحسن، وقتادة وابن جبير. وقال ابن زيد: سبق في علمه الغفو عنهم، والمغفرة لهم، يعني: أهل بدر، ولولا
ذلك، لمسهم إذ أخذوا الغنائم التي لم تحل لأحد قبلهم عذاب عظيم. وقال مجاهد: لولا أنه سبق في علمه أن لا يُعذَّبَ أحد بفعل أتاه جهلاً، لمسكم فيما جهلتم فيه، من أخذ الغنائم عذاب عظيم. ورُوي عن النبي A، أنه قال: " نُصِرْتُ بالرُّعب، وجُعلت لي الأرض مسجداً وظهوراً، وأعطيت جوامع الكَلِمَ، وأُحلت لي الغنائم، ولم تحل لنبي كان قبلي، وأُعْطِيتَ الشفاعة، خمس لم يؤتهنَّ نبي كان قبلي ". وقيل المعنى: لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحداً إلا بعد النهي، لعذبتكم بأخذكم للغنائم. واختار النحاس، وغيره، أن يكون المعنى: لولا أنه سبق من الله تعالى، أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، لعذبكم بأخذكم الغنائم.
وقيل المعنى: / {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ}، فآمنتم به، وهو القرآن فاستوجبتم بإيمانكم الصفح والغفو، لعذبتم على أخذكم الغنائم. قال ابن زيد: لم يكن أحد ممن حضر بدراً إلا أحب أخذ الغنائم إلا عمر بن الخطاب Bهـ، فإنه جعل لا يلقى أسيراً إلا ضرب عنقه، وقال: يا رسول الله، ما لنا وللغنائم، نحن قومن نجاهد في سبيل الله حتى يعبد الله. ثم أحلَّ لهم ذلك فقال: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً واتقوا الله}، أي: خافوه فيما حرم عليكم، وما نهاكم عنه، وفي أن تركبوا بعد هذا فعل ما لم تؤمرا به. {إِنَّ الله غَفُورٌ}. أي: لذنوب أهل الإيمان، أي: سائر عليها، {رَّحِيمٌ} بهم.
70
قال الطبري: {واتقوا الله}، يراد به التأخير بعد {رَّحِيمٌ}. قوله: {يا أيها النبي قُل لِّمَن في أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأسرى}، إلى قوله: {عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. قوله: {يا أيها النبي}، ثم قال: {في أَيْدِيكُمْ}، إنما ذلك؛ لأن المعنى: قل لمن في يديك، ويدي أصحابك من الأسرى. وقيل: المعنى: يا أيها النبي قل لأصحابك: قولوا لمن في أيديكم من الأسرى. وقيل: المخاطبة له مخاطبة لأمته. والمعنى: يا محمد، قل لمن في يديك ويدي أصحابك من الأسرى الذين أخذ منهم الفداء: {إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً}، أي: إسلاماً، {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ}، في الفداء، ويغفر لكم ذنوبكم التي سلفت منكم، وقتالكم نبيكم، أي: يسترها عليكم، {والله غَفُورٌ}، أي: ساتر لذنوب عباده إذا تابوا، {رَّحِيمٌ}، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة. قال العباس بن عبد المطلب: فيَّ نزلت هذه الآية.
وكان العباس فدى نفسه يوم بدر بأربعين أوقية من الذهب، قال العباس: فأعطاني الله أربعين عبداً، كلهم تاجر، وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله D، بها. قال الضحاك: نزلت في العباس وأصحابه أُسروا يوم بدر، وهم سبعون. وروى ابن وهب أن النبي A، لما قدم بالأسارى المدينة، قال لعمه العباس: افد نفسك يا عم، وافد ابني أخويك، يعني: عقيل بن أبي طالب. ونوفل بن
الحارث، وافد حليفك، يعني: عتبة بن عمرو من بني فهر، كان حليفاً للعباس. قال له العباس: يا رسول الله إني كنت مسلماً ولكن القوم استكرهوني، فقال له النبي A: " الله أعلم بإسلامك، أما ظاهرك فقد كان علينا ". وكان النبي عليه السلام، قد وجد مع العباس أربعين أُوقِيَّةً من ذهب، كل أوقية أربعون مثقالاً، فقال العباس: احسبها لي يا رسول الله في فدائي، فقال النبي A: " ذلك مال أفاءه الله علينا، ولست أحسبه لك "، فقال له العباس: مال مال غيره، فقال له النبي A: " يا عم، أنت سيد قريش وتكذب! فأين المال الذي دفنته بمكة عنجد أم الفضل بنت الحارث، ثم قلت لها: ما أدري ما يكون، فإن أُصبت في سفري فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا،
فقال العباس: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، والله ما حضر ذلك أحد إلا الله وأم الفضل. ففدى العباس نفسه، وابنَيْ أخويه، وحليفه، ففي ذلك نزل: {يا أيها النبي قُل لِّمَن في أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأسرى إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ}، الآية. فلما سمعها العباس، قال: قد أنصفني ربي: مَنَّ علي/ بالإسلام، وغفر لي، ويعطيني خيراً مما أخذ مني. فأعطاه الله D، يوم خيبر أكثر مما أخذ منه في الفداء، وغفر له، ورحمه. قال ابن وهب: لما رجع المشركون من بدر إلى مكة، جلس عُمير بن وهب إلى صفوان بن أمية، فقال له صفوان: قبح العيش بعد قتلى بدر! فقال عُمير: أجل، ما
في العيش خير بعدهم، ولولا دَيْنٌ عليّ وعيالي، لرحلت إلى محد فلنقتلنه إن ملأت عيني منه، فإن لهم عندي عِلّة أقول: قدمت لتفادوني في أسيرٍ لي، ففرح صفوان بقوله/ وقال له: عليّ دَيْنُكَ، وعيالك أسوة عيالي في النفقة، لن يسعني شيء ويعجز عنهم. فحمله صفوان وجهزه، وأمر بسيف عمير فسُم وصقل. وقال عمير لصفوان: اكتمني ليالٍ. وأقبل عُمير حتى وصل المدينة، فنزل ببال المسجد، وعَقَلَ راحلته وأخذ السيف، وعمد إلى رسول الله A، فنظر إليه عمر وهو في نفر من الأنصار، ففزع عمر من عُمير، وقال لأصحابه: هذا عدو الله الذي حرَّش بيننا
وحزرنا للقوم، ثم قام عمر ودخل على رسول الله [ A] ، وقال: هذا عمير بن وهب قد دخل المسجد، ومعه السلاح، وهو الفاجر الغادر، يا رسول الله لا تأمنه! فقال A: أدخله عليّ فدخل، وأمر عمر أصحابه أن يحْتَرزوا منه، ويدخلوا بالسلام على النبي A: فقال النبي عليه السلام: يا عمر، تأخر عنه، فلما دنا عُمير من النبي عليه السلام قال: أنْعِمُوا صباحاً، قال النبي A: قد أكرمنا الله عن تحيتك، وجعل تحيتنا السلام، وهي تحية أهل الجنة، فما أقدمك يا عُمير؟ قال: قدمت تفادوني في أسيري؛ فإنكم العشيرة والأهل. فقال له النبي A: " وما شَرَطْتَ لصفوان بن أمية في الحِجْرِ؟ ففزع عُمير، وقال ": وما شرطت له؟ قال: تحمّلت له قتلي على أن يعول بنيك، ويقضي دَيْنَكَ،
والله حائل بينك وبين ذلك، قال عمير: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، كنا يا رسول الله نكذبك بالوحي وبما يأتيك من خبر السماء، وأنّ هذا الحديث الذي كان بيني وبين صفوان في الحِجْرِ كما قلت يا رسول الله، لم يطلع عليه أحد غيري وغيره، ثم أخبرك الله D، به فآمنتُ بالله ورسوله، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق، ففرح المسلمون حين هَدَاه الله، فقال عمر: والله لخنزير كان أحب إليّ منه حين أتى، ولَهُوَ اليوم أحب إلي من بعض بني. فقال له النبي عليه السلام: " أجلس نواسك. وقال [لأصحابه]: عَلِّمُوا أخاكم القرآن. وأطلق له أسيره، فقال له عُمير: يا رسول الله، قد كنت جاهداً ما استطعت في إطفاء نور الله سبحانه، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق، فأْذن لي ألحق بقريش فأدعوهم إلى الإسلام، لعل الله يهديهم ويَسْتَنْقِذَهُم من الهلكة، فأذن له النبي عليه السلام، فلحق بمكة، وجعل صفوان بن أمية يقول لقريش: أبشروا بفتح ينسيكم وقعة بدر، وجعل يسأل كل راكب قدم من المدينة: هخل كان [بها] من حدث؟ وكان يرجو قتل النبي، عليه السلام، على يد عُمير، حتى قدم عليه رجل من
المدينة، فسأله صفوان عن عمير، فقال: قد أسلم، فقال المشركون: صبأ/ عُمير. وقال صفوان: إن لله علي ألا أنفعه بنافعه أبداً، ولا أكلمه بكلمة أبداً، وقدم عليهم عُمير، فدعاهم إلى الإسلام، ونصح لهم، فأسلم بشر كثير. ونذر أبو سفيان بن حرب بعد وقعة بدر أن لا يمسَّ رأسه ذُهْنٌ، ولا يقرب أهله حتى يغزو محمداً A فغزاه إلى أُحد، فكانت وقعة أُحد بعد بدر بسنة. ثم قال تعالى: {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ}. يعني الأسارى الذين افتدوا وأسلموا في ظاهر أمرهم، {فَقَدْ خَانُواْ الله مِن قَبْلُ}، أي: من قبل وقعة بدر، {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ}، يعني ببدر. قال قتادة: هو عبد الله بن أبي سَرْح كان يكتب الوحي للنبي A، ثم نافق
وسار إلى المشركين بمكة وقال لهم: ما كان محمد يكتب إلا ما شِئْتُ فَنَذَر رجل من الأنصار لئن أمكنه الله به ليضربنه بالسيف. فلما كان يوم الفتح أمّن النبي A، الناس إلا عبد الله بن سد بن أبي سَرْح [ومِقْيَس بن صُبَابة]، وابن خطل، وامرأة كانت تدعو على النبي عليه السلام، كل صباح. فجاءه عثمان بابن أبي سَرْح، وكان رضيع عبد الله، فقال: يا نبي الله، هذا فلان أقبل تائباً نادماً، فأعرض عنه النبي A، فلما سمع
72
به الأنصاري، أقبل متقلداً سيفه، فأطاف به، وجعل ينظر إلى النبي عليه السلام، رجاء أن يومئ إليه. ثم إن رسول الله A، قدم يده فبايعه، فقال: " أما والله لقد تَلُومَنَّكَ فيه لتوفي نذرك "، فقال: يا نبي الله، إني هبتك، فلولا أَوْمَضَتَ إليّ فقال له النبي A: " إنه لا ينبغي لنبيٍ أن يُومِضَ ". ومعنى {خَانُواْ الله}: خانوا أولياءه. قوله: {إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ}، إلى قوله: {والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. من فتح " الواو " في: " الوَلاية " جعله مصدر " وَليَ " يقال: هو لي بَيِّنُ الوَلاَيَةِ.
ومن كسر فهو مصدر " والي "، يقال: هو والٍ بيّن الوِلاَيةِ. ومعنى الآية: إن الذين صدقوا بمحمد عليه السلام، وما جاء به، وهجروا قومهم وعشيرتهم وأرضهم إلى أرض الإسلام، والهجرة هجرتان: هجرة كانت إلى أرض الحبشة، وهجرة إلى المدينة، وهذا إنما كان في أول الإسلام، ثم انقطع ذلك الآن: لأن الدار كلها دار الإسلام، {وَجَاهَدُواْ}، أي: أتعبوا أنفسهم في حرب أعداء الله، {والذين آوَواْ ونصروا}، أي: آووا رسول [الله] A والمهاجرين معه ونصروهم، وهم الأنصار، {أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}، أي: المهاجرون أولياء الأنصار وإخوانهم.
و " الوليُّ " في اللغة: النصير. فاختيار الطبري أن يكون: {أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} بمعنى أنصار بعض. قال ابن عباس: كانت هذه الولاية في الميراث، فكان المهاجرون والأنصار يرث بعضهم بعضاً بالهجرة دون القرابة، ألا ترى إلى قوله: {والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ}، فكانوا يتوارثون على ذلك حتى نزلت بعده: {وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75]، فنسخت مواريث المهاجرين والأنصار بعضهم من بعض. وكذلك قال مجاهد. قال قتادة: لبث المسلمون زماناً يتوارثون بالهجرة، وليس يثرث المؤمن الذي لم يهاجر من المؤمن المهاجر شيئا، وإن كان ذا رحم، ولا الأعرابي من المهاجر شيئاً، فنسخ ذلك قوله: {وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ/ مَّعْرُوفاً} [الأحزاب: 6]، يعني: من أهل الشرك، يوصون لهم إن أرادوا،
ولا يتوارث أهل مِلَّتَيْن. وقال عكرمة والحسن: نسخها آخر السورة: {وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75]. وقوله: {والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ}. أي: الذين آمنوا بمكة، ولم يفارقوا دار الكفر، {مَا لَكُمْ}. أيها المهاجرون، {مِّن وَلاَيَتِهِم}، أي: نصرهم وميراثهم، {مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ استنصروكم}، هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا، {فِي الدين}، أي: على أهل الكفر، {فَعَلَيْكُمُ} نصرهم {إِلاَّ} أن يستنصروكم {على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ}، أي عهد وذمة، فلا تنصروهم وهم عليهم، {والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، أي: [بصير] فيما أمركم به من ولاية بعضكم بعضاً. وقال ابن عباس: {وَإِنِ استنصروكم فِي الدين}، يعني: الأعراب المسلمين، فعليكم
73
أن تنصورهم، {إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ}، فلا تنصورهم عليهم. قوله: {والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}، الآية. المعنى: والذين كفروا بعضهم أحق ببعض الميراث، [أي:] أحمق من قرابتهم من المؤمنين. وقيل: معناه: بعضهم أعون بعض. وقوله: {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض وَفَسَادٌ}. أي: إن تفعلوا موارثة المهاجرين والأنصار بعضهم من بعض، دون ذوي
الأرحام من المهاجرين الذين آمنوا ولم يهاجروا، ودون قرابتهم من المؤمنين والكفار: {تَكُنْ فِتْنَةٌ}، أي: يحدث بلاء في الأرض بسبب ذلك، {وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}، أي: معاص. قال ابن عباس: إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض}. قال ابن زيد: كان المؤمن المهاجر والمؤمن الذي لم يهاجر لا يتوارثان، وإن كانا أخوين، فلما كان الفتح انقطعت الهجرة، وتوارثوا حيث ما كانوا بالأرحام. وقال ابن جريج: {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ}: إلا تناصروا وتتعاونوا {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض}. ف " الهاء " في: {تَفْعَلُوهُ} تعود على التوارث، أو على التناصر.
74
قوله: {والذينءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا}، الآية. المعنى: والذين صدقوا بمحمد عليه السلام، بوما جاء به، {وَهَاجَرُواْ}، أي: هجروا أهلهم ودارهم، ومضوا إلى دار الإسلام {وجاهدوا}، أي في سبيل الله، {والذينءَاوَواْ ونصروا}، أي: آووا النبي A، ومن معه من المهاجرين، ونصروهم، وهم الأنصار، {أولئك هُمُ المؤمنون حَقّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ}، أي: ستر: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، أي: لهم في الجنة مطعم هنيّ كريم، لا يتغير في أجوافهم فيصير نجواً، ولكنه يصير رَشْحاً كرشح المِسْكِ. قوله: {والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ [فأولئك مِنكُمْ]}، الآية. المعنى: والذين آمنوا بمحمد A، وبما جاء به، من بعد ما أمرتكم بموالاة المهاجرين والأنصار وتوارثهم، وهاجروا إليم وجاهدوا معكم {فأولئك مِنكُمْ}، يعني الذين آمنوا من بعد الحديبية، {وَهَاجَرُواْ}، ويقال لها: الهجرة الثانية،
{فأولئك مِنكُمْ}، أي: مثلكم ف يالنصر والموالاة والمواريث. ثم قال تعالى: {وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ}. هذا نسخ لما تقدم/ من التوارث بالهجرة دون القرابة التي ليس معها هجرة. قال اسماعيل القاضي: عنى بذوي الأرحام من يرث منهم، هم أولى ممن لا يرث من ذوي الأرحام، ومن غيرهم ممن لا نسب بينه وبين الميّت، فأما الولاء فهو قائم بنفسه في الميراث كما جعله النبي A. ومعنى {فِي كِتَابِ الله}، في اللوح المحفوظ، هو كذلك قد سبق في علمه تعالى أنه كذلك بأمرنا. {إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. أي: يعلم ما ينقلكم إليه قبل أن ينقلكم، لا إله إلا هو.
التوبة
تفسير سورة براءة قوله: {بَرَآءَةٌ}، مبتدأ والخبر: {إِلَى الذين}، وحَسُنَ الابتداء بِنَكِرَةٍ، لأنها موصوفة. ويجوز أن تكون رفعت على إضمار مبتدأ، أي: هذه براءة.
يقال: بَرِئْتُ من العهد براءةً، وبَرِئْتُ من المرض وبَرَأْتُ [أيضاً] بُرْءاً، وَبَرَئْتُ القلم بَرْياً، غير مهموز مفتوح وأَبْرَيْتُ الناقة: جعلت في أنفها بُرَةً وهي حلقة من حديد. وسورة " براءة " من آخر ما نزل بالمدينة، ولذلك قلّ المنسوخ فيها.
ويدل على ذلك أن ابن عباس قال لعثمان، Bهما: ما حملكم على أن عمدتم إلى " الأنفال " وهي من المثاني، وإلى " براءة " وهي من المئين ففرقتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما: " بسم الله الرحمن الرحيم " ووضعتموهما في السبع الطُّوَل؟ فقال: كان رسول الله A، تنزل عليه السور ذوات العدد، فإذا نزلت عليه الآية قال: " اجعلوها في سورة كذا وكذا "، وكانت " الأنفال " من أول ما نزل بالمدينة، وكانت " براءة " من آخر ما نزل، وكانت قصتها تشبه قصتها، ولم يبين لنا رسول الله A، في ذلك شيئاً، فلذلك فرق بينهما ولم يكتب بينهما سطر " بسم الله الرحمن الرحيم ".
ورُوي أن عثمان قال: ظننت أنها منها. وكانت تُدْعَيَانِ في زمن رسول الله A: القرينتَين، فلذلك جعلتهما في السبع الطُّوَلِ. ففي قول عثمان هذا: دليل على أن تألييف القرآن عن الله، D، وعن رسول الله A، كان، ويدل على أن ترتيب السورة على ما في المصحف إنما كان على اجتهاد من عثمان وأصحابه، ألا ترى إلى قول ابن عباس له: ما حملكم على كذا وكذا؟ يدل على أنهم هم رتبوا السورة، وأن تأليف السور إلى تمام كل سورة كان على تعليم النبي A إياهم ذلك. وقد صح أن أبيَّ [بن] كعب، وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، وأبا زيد عم
أنس، كانوا قد جمعوا القرآن على عهد النبي A. قال الشعبي: وأبو الدرداء حفظ القرآن على عهد النبي A، ومُجَمَّع ببن جارية، بقيت [عليه] سورتان [أَ] وْ ثلاث. قال: ولم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان.
وحفظ سالم مولى أبي حذيفة القرآن في عهد النبي A إلا شيئاً بقي عليه. فهذا يدل على أنه كان مؤلفاً؛ لأن هؤلاء لم يحفظوه إلا وهو مؤلَّف مرتَّبٌ عن النبي A، عن جبريل، صلوات الله عليه، جل ذكره. وقال أبي بن كعب: آخر ما نزل " براءة " وكان رسول الله A يأمر في أول كل سورة بـ: " بسم الله الرحمن الرحيم "، ولم يأمر في سورة " براءة " بشيء، فلذلك ضُمّت إلى سورة " الأنفال "، وكانت أولى بها لشبهها بها. وقال رسول الله A: " أُعطيت السبع الطّول مكان التوراة وأعطيت المِئِينَ مكان الزَّبور، وأعطيت المثاني مكان الإنجيل، وفُضِّلْتُ بالمفصّل ". فهذا الترتيب يدل على أن التأليف/ كان معروفاً عند رسول الله [ A] ، وبذلك
أتى لفظه، عليه السلام. ومعنى: ما رُوِيَ: أن عثمان أمر زيد بن ثابت أن يجمع القرآن، وأنه ضم إليه جماعة، أنه إنما (أمر) بجمعه في المصحف ليرسل به إلى الأمصار، لا أنه كان غير مؤلف ثم ألفه، هذا ما لا يجوز، لأن تأليفه من المعجز، لا يكون إلا عن الله D. وقد قيل: إنما أمر بجمعه على حرفٍ واحدٍ؛ لأنهم كانوا قد وقع بينهم الخلاف لاختلاف اللغات السبعة الي بها نزل القرآن، فأراد عثمان أن يختار حرفاً واحداً، هو أفصحها ليثبته في المصحف، وإنما خص عثمان زيد بن ثابت لجمعه دون غيره ممن هو أفضل منه؛ لأنه كان يكتب الوحي للنبي A. واختلف في الحرف الذي كتب عليه المصحف فقيل: حرفُ زيد بن ثابت.
وقيل: حرفُ أُبَي بن كعب؛ لأن قراءته كانت على [آخر] عَرْضةٍ عرضها النبي على جبريل عليهما السلام. وعلى الأول أكثر الرواة. ومعنى: حرف زيد، أي: روايته وطريقته. " فَلْيَقْرَأْه بقراءة ابن أُمِّ عبد "، يعني: ابن مسعود. فإنه إنما أراد به ترتيل ابن مسعود، وذلك أنه كان يرتل القرآن إذا قرأه، فخصه النبي A بهذا الوصف لترتيله لا غير ذلك.
قال الحسين بن علي الجعفي: فقراءة عبد الله هي قراءة الكوفيين؛ لأن عمر Bهـ، بعث به إلى الكوفة ليعلمهم، فأخذت عنه قراءته قيل أن يجمع الناس عثمان على حرف واحد، ثم لم تزل في أصحابه ينقلها الناس عنهم. وأصحابه منهم: علقمة، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وزِرُّ
ابن حُبَيْش، وأبو وائل، وأبو عمرو الشيباني وعبيدة، وغيرهم. فلما جمع عثمان الناس على حرف واحد، كان أول من قرأ به بالكوفة أبو عبد الرحمن السَّلّمِي: عبد الله بن حبيب، فأقرأ بجامع الكوفة أربعين سنة، إلى أن توفي، C، في إمارة الحجاج. وقد أخذ القرآن عن عثمان، وعن علي، وعن ابن
مسعود، وزيد، وأُبي. وكان قر قرأ على علي، وقرأ عليه علي، وهو يمسك المصحف. وأقرأ هو الحسن والحسين. فلما مات أبو عبد الرحمن خلفه عاصم. وكان عاصم أخذ عن أبي عبد الرحمن، وعرض على زِرٍ. وكان زر قد قرأ علي ابن مسعود. ثم انتهت قراءة ابن مسعود إلى الأعمش. وقرأ حمزة على الأعمش بالكوفة، وقرأ أيضاً حمزة على ابن أبي ليلى، وعلى حُمران بن أعين، وقرأ
حُمران على عُبَيد الله بن نُضَيْلَة، وقرأ عبيد الله على علقمة. وقرأ علقمة على ابن مسعود، وقرأ ابن مسعود على النبي A. وقرأ أيضاً حمران على أبي الأسود وقرأ أبو الأسود على علي. وقد قال المبرد: إنما لم تكتب " بسم الله الرحمن الرحيم " قبل " براءة "؛ لأن " بسم
الله الرحمن الرحيم " خير، و " براءة " أولها وعيد [و] نقض للعهود. وعن عاصم أنه قال: " بسم الله الرحمن الرحيم " لم تكتب أول " براءة "؛ لأنها رحمة و " براءة " عذاب. قوله: {إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ}. إنما ذلك، لأن عقد النبي على أمته كعقدهم لأنفسهم. وهؤلاء الذين بَرِئَ الله D، ورسوله A، إليهم من العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله A، وأذن لهم في السياحة في الأرض أربعة أشهر، جنس من المشركين كان مدة العهد بينهم وبين رسول الله A، أقل من أربعة أشهر، وأُمهلوا بالسياحة تمام أربعة أشهر (ليرتاد كل واحد). والجنس الآخر كما عهده إلى غير أجل محدود/، فَقُصِرَ به على أربعة أشهر ليرتاد كل واحد لنفسه، ثم هو حرب بعد ذلك، يقتل حيث وجد، إلا أن يُسلم. فكان نزول " براءة " في بعض ما كان بين رسول الله A، وبين المشركين من
العهود، و [في] كشف المنافقين الذين تخلفوا عن النبي A، في تبوك وغيرهم ممن سر خلاف ما أظهر. وقيل: إنما أمهل أربعة أشهر، من كان بينه وبين رسول الله A، عهد، فأما من لم يكن له عهد، فإنما جعل أجله خمسين ليلة، عشرين من ذي الحجة والمحرم، ودلّ على ذلك قوله: {فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5]. قال ذلك ابن عباس. وكان النداء بـ: " براءة " يوم النحر. وقيل: يوم عرفة، وبه تتم خمسون ليلة. ونزلت " براءة " أول شوال، ومن ذلك اليوم كان أجل أربعة أشهر لأهل العهد. وقيل: أول شوال كان نزول " براءة " وذلك سنة تسع، ومن ذلك الوقت أول أربعة الأشهر للجميع. وهو قول الزهري.
فكان أجل من كان له عهد أربعة أشهر من ذلك الوقت، ومن لم يكن له عهد انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك أربعة أشهر أيضاً. وقال ابن عباس: إنما كان أول الآجال من يوم أُذِّنَ بـ: " براءة "، وذلك يوم النحر، فجعل لمن له عهداً أربعة أشهر من ذلك اليوم، وذلك إلى عشر من ربيع الآخر. ولمن لم يسم له عهد آخر الأشهر الحرم خمسين يوماً، ثم لا عهد لهم بعد ذلك ولا ذمة، يقتلون حتى يدخلوا في الإسلام. وكان علي هو الذي نادى بـ: " براءة "، وكان أبو بكر أميراً عليهم، فلم يحج المشركون بعد ذلك [العام]، وكانوا يحجون مع المسلمين قبل ذلك. قال قتادة: كان النبي A، عاهد قريشاً زمن الحديبية، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، فأمر الله D، نبيه عليه السلام، أن يُوفِّيَ بعهدهم إلى مدتهم، وأن يؤخروا من لا عهد له انسلاخ المحرم، ثم يقاتلون حتى يشهدوا [أن] لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وألا يقبل منهم إلا ذلك.
وقال السدي: كان آخر عهد الجميع تمام أربعة أشهر لعشر خلون من ربيع الآخر، وهذا كله كان في موسم سنة تسع. وقال الكلبي: إنما أمر النبي A، بالأربعة الأشهر لمن كان بينه وبينه عهد أربعة أشهر فما دون، فأما من كان عهده، أكثر من أربعة أشهر، فهو الذي أمر النبي A، أن يتم له عهده، فقال تعالى: {فأتموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ}. وذلك أن النبي A، فتح مكة سنة ثمان عَنْوةً، واستخلف على الحج سنة تسع أبا بكر. ونزلت " براءة " بعد خروج أبي بكر في شوال. وكانوا يحجون على رسومهم التي كانوا عليها، ولم يكن فرض الحج ولا أمر به، فأنفذ رسول الله A " براءة " مع علي Bهـ، ليتلو الآيات على الناس وينادي بالناس: ألا يحج بعد ال عام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان فنادى بذلك علي، وأعانه على النداء أبو هريرة
وغيره بمنىً وفي سائر أسواقهم. فحج النبي A، في العام المقبل سنة عشر، ولم يحج معه مشرك، وهي حجة الوداع، وفي ذلك نزل: {إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا} [التوبة: 28]، فلما نزل ذلك وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عنهم من الأطعمة والتجارات التي كان المشركون يقدمون بها، فأنزل الله D: { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله} [التوبة: 28]، الآية، ثم أحل [في] الآية التي تتبعها الجزية، ولم تكن قبل ذلك/، جعلها الله عوضاً مما يفوتهم من تجارتهم مع المشركين. وهو اختيار الطبري [ومما يدل على صحة ما اختار الطبري] من أنه أمر الله D، نبيه عليه السلام، أن يتم لمن عهده [أربعة أشهر فما دن أربعة أشهر، ومن كان عهده أ: ثر أتم له عهده]، إلا أن يكون نقض عهده قبل
انقضاء المدة، فأما الذين لم ينقضوا ولا تظاهروا عليه، فإن الله D، أمر نبيه، عليه السلام، بإتمام العهد لهم، وأمره أن يؤخر الذين نقضوا العهد أربعة أشهر، وإن كان عهدهم أكثر مدة. وهو قول الضحاك. قوله تعالى: {إِلاَّ الذين عَاهَدْتُمْ عِندَ المسجد الحرام فَمَا استقاموا لَكُمْ فاستقيموا [لَهُمْ]} [التوبة: 7]. فأمر الله D، نبيه [عليه السلام]، بالاستقامة لهم على عهدهم، ما استقاموا. وأمر الله D، أن يؤخر الذين نقضوا وظاهروا عليه أربعة أشهر. وقد رُوي: أن علياً كان يقول في ندائه: ومن كان بينه وبين رسول الله A عهد فعهده إلى مدته. قوله: {فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ}، الآية. المعنى: فسيحوا يا أيها الذين لهم عهد وقد نقضوا قبل إتيان الأجل. وأما من له عهد أربعة أشهر فما دون، فقيل لهم: سيحوا في الأرض أربعة أشهر من يوم النحر، أي: تصرفوا مقبلين ومدبرين، ثم لا أمان لكم بعدها إلاّ بالإسلام. وأشهُرُ [السياحة] على قول مجاهد، وغيره: من يوم النحر إلى عشر خلون
من ربيع الآخر. وعند الزهري: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. وتسمى أيضاً أشهر السياحة، أي: سمح لهم فيها بالتصرف آمنين. قوله: {واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله}. أي: مُفيتيه أنفسكم، أين كنتم، وأين ذهبتم بعد الأربعة الأشهر وقبلها، لا منجي منه ولا ملجأ إلا الإيمان به، D، وبرسوله عليه السلام. {وَأَنَّ الله مُخْزِي الكافرين}. أي: مذلهم ومرثهم العار في الدنيا والآخرة. قوله: {وَأَذَانٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس}، الآية.
و " الأذان " في اللغة: الإعلام. و {يَوْمَ الحج الأكبر}: يوم عرفة؛ لأن علياً يوم عرفة قرأ على الناس أربعين آية من " براءة " بعثه بها النبي A، ثم قرأها عليهم في مِنًى لتبلغ جميعهم، فمن ثم قال قوم: {يَوْمَ الحج الأكبر}: النحر. وهو قول مالك. ورُوِيَ أن النبي A، خطب يوم عرفة فقال: " أما بعد، فإن هذا يوم الحج الأكبر ". [وهو قول عمر، وابن الزبير، وعطاء، وغيرهم.
وروي عن علي أنه قال: {يَوْمَ الحج الأكبر}]: يوم النحر. وهو قول مالك، واختلف عن ابن عباس. وهو قول ابن عمر، والسدي، والشعبي، وغيرهم. وقال مجاهد {يَوْمَ الحج الأكبر} معناه: حين الحج، وهو أيام الحج كلها، لا يوم بعينه. وقال ابن جريج: {الحج الأكبر}: أيام منى كلها. واختار الطبري: أن يكون يوم النحر؛ لأن في ليلته يتم الحج، وليس من فاته يوم عرفة أو ليلته يفوته الحج، ومن فاته ليلة يوم النحر إلى الفجر فقد فاته الحج. وحق الإضافة أن تكون إلى المعنى الذي يكون في الشيء، فلما كان الحج في ليلة يوم النحر أضيف أسم الحج إلى يوم النحر. ولما كان [من] لم تغب له الشمس يوم عرفة لم يحج، وإن كان قد وقف بعرفة طول نهاره، علم بأنه ليس بيوم الحج إذ لا يتم الحج
به ألا ترى أنهم يقولون: يوم النحر من أجل أن [النحر فيه، ويقولون: يوم عرفة من أجل أن] الوقوف بعرفة فيه يكون، و: يوم الفطر من أجل أن الإفطار بعد الصوم فيه يكون، فكذلك يوم الحج يقال لليوم الذي فيه، أو في ليله يتم الحج ويحصل، وفي يومه تعمل أعمال الحج، من النحر، والوقوف بمزدلفة، ورمي الجمار، والحلق، وغير ذلك. وسمي: {الحج الأكبر}: لأنه كان/ في سنة اجتمع فيها المسلمون والمشركون. وقيل: سمي بذلك؛ (لأنه) من النحر والوقوف بمزدلفة ورمي الجمار والحِلاق وغير ذلك. وسمي بذلك؛ لأنه كان يوم حج اجتمع فيه المسلمون والمشركون، ووافق عيد اليهود والنصارى. وقال مجاهد {الحج الأكبر}: القِرانُ في الحج، والأصغر: الإفرادُ.
وأكثر الناس على أن الأكبر: الحجُّ، والأصغر: العُمْرة. وقال الشعبي الحج الأصغر: العمرة في رمضان. وقد ثبت أن النبي A، بعث علياً بأول سورة " براءة "، إثر أبي بكر عام حجَّ بالناس أبو بكر، وذلك سنة تسع، فنادى علي بـ: " براءة " في الموسم. وقيل: يوم النحر نادى بها. وقيل: يوم عرفة. وقيل: فيهما جميعاً. ثم حج النبي A، في سنة عشرة. ومعنى {برياء مِّنَ المشركين}، أي: من عهدهم بعد هذه الحَجَّةِ. {فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}. أي: تبتم عن كفركم {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ}، أدبرتم عن الإيمان، {فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله}، أي: لا تفيئون الله أنفسكم، {وَبَشِّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}،
أي: مؤلم، أي: أعلمهم، يا محمد بذلك. {برياء مِّنَ المشركين}، وقف، إن جعلت {وَرَسُولُهُ}: ابتداء أضمر خبره، أي: وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ منهم. وإن جعلته معطوفاً وقفت {وَرَسُولِهِ}، وكذلك من نصب، وهي قراءة ابن أبي إسحاق. {غَيْرُ مُعْجِزِي الله}، وقف حسن. {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}، ليس بوقف حسن؛ لأن بعده الاستثناء.
5
ومن العلماء من يقول: ألاّ وقف من أول السورة يحسن؛ لأن الاستثناء مما قبل. قال قتادة: هم مشركو قريش، الذين عاهدهم النبي عليه السلام، زمن الحديبية، أمر أن يتم لهم مدتهم، وكان قد بقي منها أربعة أشهر من يوم النحر، وأمر أن يصبر على من لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، ثم يقاتل [الجميع] حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. ومعنى {إلى مُدَّتِهِمْ}: إن كانت أكثر من أربعة أشهر. قوله: {فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين}، الآية. قوله: {كُلَّ مَرْصَدٍ}، منصوب عند الأخفش على حذف: " على ". وقد حكى سيبويه: ضُرب الظهر والبطن، أي: " على "، فنصب لما حذف
" على ". ونصبه على الظرف حسن، كما تقول: " قَعَدْتُ لّهُ كُلَّ مَذْهَبٍ ". أي في كل مذهب. والمعنى: فإذا انقضت الأشهر الحرم عن الذين لا عهد لهم، أو عن الذين كان لهم عهد، فنقضوا وظاهروا المشركين على المسلمين، أو كان عهدهم إلى غير أجل معلوم. {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}، من الأرض، في الحرم، وفي غيره، وفي الأشهر الحرم وفي غيرها. {وَخُذُوهُمْ}، أي: أسروهم، والعرب تسمي " الأسير ": أخِيذاً، {واحصروهم}، أي: امنعوهم من التصرف في بلاد المسلمين،
وأصل " الحصر ": المنع (والحبس)، {واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}، أي: طالبوهم في كل طريق. {فَإِن تَابُواْ}، أي: رجعوا عن الشرك، و {وَأَقَامُواْ الصلاة}، أي: أدوها بحدودها، {وَءَاتَوُاْ الزكاة}، أي: أعطوا ما يجب عليهم في أموالهم/، {فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} أي: دعوهم يتصرفون [في أمصاركم]، ويدخلون البيت الحرام {إِنَّ الله غَفُورٌ}، أي: ساتر ذنوب من رجع وأناب، {رَّحِيمٌ}، أن يعاقبه
على ذنوبه السابقة قبل توبته، [بعد التوبة]. روى أنس عن النبي A، أنه قال: " من فارق الدنيا على الإخلاص لله D، وعبادته، جلت عظمته، لا يشرك به فارقها والله عنه راضي ". و {الأشهر الحرم}، هنا: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. وأريد في هذا الموضع انسلاخ المحرم وحده؛ لأن الأذان بـ: " براءة " كان يوم الحج الأكبر. فمعلوم أنهم لم يكونوا أُجِّلوا الأشهر [الحرم] كلها، ولكنه لما كان المحرم متصلاً بالشهرين الآخرين الحرامين وكان لهما تالياً قيل: {فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم}. وقال السدي: {الأشهر الحرم} هنا هي: من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر. وسميت " حُرُماً "؛ لأن الله حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين، وأذاهم.
وقال مجاهد: {الأشهر الحرم}، هنا هي: الأربعة التي قال الله D: { فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة: 2]. وهو قول السدي. ومثله قال ابن زيد، قال: أمر الله سبحانه أن يتركوا أربعة أشهر يسيحون ثم يتبرأ منهم، ثم أمر إ ذا انسلخت تلك الأشهر الحرم أن يقتلوا حيث وجدوا. وسماها " حُرُماً "؛ لأنه حرم قتل المشركين فيها. وقال الضحاك، والسدي: الآية منسوخة لا يحل قتل أسير صبرا، والذي نسخها هو قوله: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} [محمد: 4]. وهو قول عطاء. وقال قتادة: هذه الآية ناسخة لقوله: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً}، ولا يجوز أن
6
يمنّ على أسير ولا يُفادى، وقد روي مثله عن مجاهد. وقال ابن زيد: وهو الصواب إن شاء الله، [إن] الآيتين محكمتان. أمر هنا: أن يؤخذوا إما للقتل، وإما للمنّ، وإما للفداء، وأمر ثَمَّ، إما المن، وإما الفداء، فهما محكمتان، وقد فعل هذا كله رسول الله A: قتل الأساري، وفادى ببعض، ومنَّ على بعض، وذلك يوم بدر. قوله: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك}، الآية. والمعنى: وإن استأمنكم، يا محمد، أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم بعد انسلاخ الأشهر الأربعة، ليسمع كلام الله، سبحانه، منك، فأَمِّنْه حتى يمسعه، {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}، أي: إن أسمع ولم يتعظ، فرده إلى حيث يأمن منك ومن
7
أصحابك، ويلحق بداره. وإضافة الكلام إلى الله، جل ذكره، في هذا إضافة تخفيص من طريق القيام به، فهي إضافة صفة إلى موصوف، وليست بإضافة ملك إلى مالك،، ولا بإضافة خلق إلى خالق، ولا بإضافة تشريف، بل هي إضافة على معنى: أن ذاته [غير] متعدية منه. فافهم. قوله: {ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ}. أي: يفعل ذلك بهم؛ لأنهم قوم جهلة لا يعلمون قدر ما دُعُوا إليه. قوله: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله}، الآية. المعنى: أنّى يكون للمشركين عهد يوفى لهم به، فيتركون من أجله آمنين؟ إلا الذين أُعطوا العهد عند المسجد الحرام منهم {فاستقيموا لَهُمْ}، أيها المؤمنون على عهدهم، ما استقاموا لكم عليه.
8
قال الفراء: في {كَيْفَ}، هنا معنى التعجب. وهؤلاء القوم: بنو جذيمة بن الدُّئِل. وقيل: هم قريش. قال ابن زيد: فلم يستقيموا، فضرب لهم أجل أربعة أشهر، ثم أسلموا قبل تمام الأجل. وقال قتادة: نقضوا ولم يستقيموا، أعانوا أحْلاَفَهُمْ من بني بكر، على حِلْفِ النبي A، خزاعة. وقال [مجاهد]: هم قوم من خزاعة. قوله: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ}، الآية. {كَيْفَ}: في موضع نصب، وكذلك {كَيْفَ يَكُونُ} [التوبة: 7]. والمعنى: كيف يكون لهؤلاء المشركين عهد، وهم/ قد نقضوا العهد، ومنهم من
لا عهد له، وهم: {وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}. و {كَيْفَ} هذه، قد حذف الفعل بعدها لدلالة ما تقدم من الكلام عليه. قال الأخفش المعنى: {كَيْفَ} لا تقتلونهم. وقال أبو إسحاق، التقدير: كيف يكون لهم عهد، {وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ}، وحذف هذا الفعل؛ لأنه قد تقدم ما يدل عليه، ومثله قول الشاعر:
وخَبَّرتُماني أَنَّهما المَوْتُ في القُوى ... فَكَيْفَ وَهَاتَا هَضْبةٌ وَقَلِيبُ والمعنى: فكيف يكون الموت في القُرى، وهاتا هضبة وقليبُ، لا ينجو فيهما منه أحد؟ و" الإلُّ ": القرابة و " الذِّمَّةُ ": العهد. قاله ابن عباس. وقال قتادة " الإلُّ ": الله، و " الذِّمَّةِ ": العهد. وقال مجاهد " الإلُّ ": الله، و " الذِّمَّةُ ": العهد.
وقال ابن زيد: " الإلّ ": العهد، و " الذمة ": العهد، لكنهما كررا لما اختلف لفظهما. وجمع " الإلّ " الذي هو القرابة: الآلٌ، بمنزلة " عدل وأعدل "، وفي الكثير: ألول ألالُ. وقوله: {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ}. أي: يعطونكم بألستنهم خلاف ما يضمرون في نفوسهم. {وتأبى قُلُوبُهُمْ}. أي: تأْبى أن تذعن بتصديق ما يبدوا بألسنتهم. {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ}.
9
أي: خارجون عن أمر الله D، بنقضهم وكفرهم. قوله: {اشتروا بِآيَاتِ الله ثَمَناً}، إلى قوله: {المعتدون}. المعنى: إن الله D أخبر عن المشركين، أنهم باعوا آيات الله سبحانه وعهده، (جلت عظمته)، بثمن يسير. وذلك أنهم نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي A، بأكلة أطعمها لهم أبو سفيان بن حرب. {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ}. أي: فمنعوا الناس من الدخول في الإسلام. {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. أي: ساء عملهم. {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}.
11
قد تقدم ذكره. وقال النحاس: هذا لليهود، والأول للمشركين. وقوله: {اشتروا بِآيَاتِ الله ثَمَناً قَلِيلاً}، يعني اليهود، باعوا حجج الله D، وآياته، سبحانه بطلب الرئاسة. {وأولئك هُمُ المعتدون}. أي: المتجاوزون إلى ما ليس لهم. قوله: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَءَاتَوُاْ الزكاة}، إلى قوله: {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ}. المعنى: فإن تاب هؤلاء المشركون الذين أمرتكم بقتلهم، {وَأَقَامُواْ الصلاة وَءَاتَوُاْ الزكاة}، فهم إخوانكم في الدين، {وَنُفَصِّلُ الأيات}، أي: نبين لهم الحجج، {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، ذلك. قال قتادة المعنى: فإن تركوا اللات والعُزّى، وشهدوا: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله A { وَأَقَامُواْ الصلاة وَءَاتَوُاْ الزكاة}، فهم إخوانكم في الدين. قال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعاً، فلم يفرق بينهما. وقال: يرحم الله
أبا بكر ما كان أفقهه. وقوله: {وَإِن نكثوا أَيْمَانَهُم}. أي: وإن نكث هؤلاء المشركون عهودهم من بعد ماعاهدوكم. {وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ}. أي: قدحوا فيه، وثلبوه وعابوه. {فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر}. أي: رؤوس أهل الكفر. {إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ}. من قرأ بـ: " فتح الهمزة " فمعناه: لا عهود لهم، وهو جمع " يمينٍ ".
ومن كسر احتمل معنيين: أحدهما أن يكون معناه: لا إسلام لهم، فيكون مصدر: آمن الرجل يؤمن: إذا أسلم. ويحتمل أن يكون مصدر: آمنته من الأمن، فيكون المعنى: لا تُؤَمِّنُوهُمْ، ولكن اقتلوهم. و {أَئِمَّةَ}: جمع إمام، وهو: أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، ونظراؤهم الذين هَمُّوا بإخراجه. وقال السدي: هم قريش.
13
وقال حذيفة: ما قوتل أهل هذه الآية بعد. وأصل " النكثِ ": النقنض. {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ}. أي: / ينتهون عن الشرك ونقض العهود. قوله: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نكثوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ}، الآية. {أَلاَ}: تحضيض وتحريض. {أَتَخْشَوْنَهُمْ}، ألف تقرير وتوبيخ. ومعنى الآية: أنها تحضيض، على قتال المشركين الذين نقضوا عهود النبي A، وطعنوا في الدين، وعاونوا أعداء المسلمين عليهم، {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول} من مكة: {وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}، أي: بدأوا بالقتال ببدر: {أَتَخْشَوْنَهُمْ} أي: تخافونهم على
14
أنفسكم: {فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ}، أي: أن تخافوه في ترككم قتال عدوكم وعدوه، الذي هو [لا] يضر و [لا] ينفع. قال السدي: هموا بإخراجه وأخرجوه. {أَوَّلَ مَرَّةٍ}، وقف عند الأخفش. وعند أبي حاتم، الوقف: {أَتَخْشَوْنَهُمْ}. قوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله}، الآية. والمعنى: قاتلوا هؤلاء الذين نقضوا العهد، وأخرجوا الرسول، فإنكم إن تقاتلوهم: {يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ}، أي: يقتلهم بأيديكم، {وَيُخْزِهِمْ}، أي: يذلهم
15
بالأسر: {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ}، أي: يعطكم الظفر عليهم، {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}، أي: بقتلهم وأسرهم. و" الوقوم المؤمنون " (هنا) هم: خزاعة حلفاء رسول الله A، وذلك أن قريشاً نقضوا العهد بينهم وبين رسول الله A، بمعونتهم بكراً على خزاعة. قاله مجاهد، والسدي. وذلك أن النبي A حين قاضى المشركين يوم الحديبية، أدخل بني كعب بن خزاعة معه في القضية، [وأدخل المشركون بين بكر بن كنانة معهم في القضية]، ثم إن المشركين أغاروا مع بني بكر بن كنانة على بني كعب، قبل انقضاء مدة العهد، فغضب النبي A، لذلك فقال: " واله لأَنْتَصِرَنَّ لَهُمْ "، فنصره الله عليهم يوم الفتح، وشفى صدور بني كعب. قوله: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ}.
أي: غيظ قلوب خزاعة على هؤلاء: بني بكر بن كنانة الذين نقضوا عهد النبي عليه السلام، وأعانوا المشركين على خزاعة، وهم مؤمنون، حلفاء النبي [ A] . { وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَآءُ}. مستأنف فالابتداء به حسن، والمعنى: وسوف يتوب الله، وهو مثل: {فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ}، ثم قال: {وَيَمْحُ} [الشورى: 24] فاستأنف. وقرأ ابن أبي إسحاق، وعيسى، والأعرج: " وَيَتُوبَ " بـ: " النصب ".
16
على الصَّرْفِ. فلا تقف على ماق بل: {وَيَتُوبُ} على هذه القراءة. قوله: {والله عَلِيمٌ}. أي: عالم بسرائر عباده {حَكِيمٌ} في تصريفه عباده من حال كفر إلى حال إيمان، بتوفيقه، ومن حال إيمان إلى حال كفر، بخذلانه من خذل منهم عن طاعته. قوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ}، الآية. {أَن تُتْرَكُواْ}: في موضع مفعولي " حسبت " عند سيبويه.
وقال المبرد: {أَن تُتْرَكُواْ}: مفعول أول، والثاني مفعول محذوف. و {أَمْ} هنا: استفهام، والمعنى: أحسبتم أيها المؤمنون كذا وكذا؟. ومعنى الآية: أنها خطاب للمسلمين الذين أمرهم الله بقتال المشركين الذين نقضوا العهد، وأخرجوا الرسول، يقول تعالى: أحسبتم، أيها المؤمنون أن يترككم الله بغير محنة، وبغير اختيار، ليعلم الصادق منكم من الكاذب، علم مشاهدة. وقد كان علم ذلك، تعالى، قبل خلق العالم، ولكن المجازاة إنما تقع على المشاهدة، فيعلم المجاهدين الذين لم {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المؤمنين وَلِيجَةً}، أي: بِطَانَةً من المشركين، يفشون إليهم من سرهم. قال الطبري: إنما دخلت {أَمْ} في موضع الألف هنا؛ لأنه من الاستفهام المعترض في وسط الكلام، فدخلت لتفرق بين الاستفهامم الذي يبتدأ به، والاستفهام الذي يعترض. في وسط الكلام.
17
ومثله: {الم * تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ [فِيهِ] مِن رَّبِّ العالمين} [السجدة: 1 - 2]، ثم قال: {أَمْ يَقُولُونَ} [السجدة: 3]، بمعنى: أيقولون. ومثله: {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَآ/ خَيْرٌ} [الزخرف: 51 - 52]، أي: أنا خير. وهذه {أَمْ} هي التي تسمى " المنقطعة، ولا يقدر الكلام معها بـ: " أيهم " ولا بـ: " أيهما ". {والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. أي: ذو خبر بعملكم إن اتخذتم بطانةً من المشركين تفشون إليهم سر المؤمنين. ونظير هذه الآية: {الم * أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 1 - 2]، أي: يختبرون، ثم قال: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ}، إلى: {وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين} [العنكبوت: 3]. قوله: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله}، إلى قوله: {المهتدين}. والمعنى: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله؛ لأنهم ليسوا ممن يذكر
الله، والمساجد إما بنيت لذكر الله والصلاة، فليس لهم أن يعمروها. {شَاهِدِينَ على أَنْفُسِهِمْ}. فيه ثلاثة تأويلات. أحدهما: أن فيما يقولونه ويفعلونه دليل على كفرهم، كما يدل على إقرارهم، فكأنَّ ذلك منهم شهادتهم على أنفسهم. قاله الحسن. والثاني: شهادتهم على رسولهم بالكفر؛ لأنهم كذبوه وأكفروه وهو من أنفسهم. قاله الكلبي. والثالث: ما ذكره في الكتاب، وهم يشهدون على أنفسهم بالكفر؛ لأنهم يقال للرجل منهم: أيش أنت؟ فيقول: نصراني، يهودي، صابئ، مشرك. {أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}. في الدنيا، أي: بطلت وذهبت، إذ لم تكن لله، D، وكانت للشياطين. {وَفِي النار هُمْ خَالِدُونَ}.
أي: ما كثون أبداً، لا أحياءً ولا أمواتاً. ومن قرأ: {مَسَاجِدَ الله} بالتوحيد، عَنَى به: المسجد الحرام، ودليله قوله: {فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا} [التوبة: 28]، وقوله: {وَعِمَارَةَ المسجد الحرام} [التوبة: 19]. ومن جمع، أراد: جميع المساجد، ودليله قوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله} فجمع ولم يُخْتَلفْ فِيهِ. والجمع: يستوعب المسجد الحرام وغيره، والتوحيد: يخص المسجد الحرام
19
وحده، ولا يجوز لمن وَحَّدَ أن يريد به الجنس؛ لأنه مضاف، والمضاف موقت محدود. ثم قال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بالله}. أي: إنما يعمرها من صدق بالله ورسوله، وما أتت به الرسل. {وَأَقَامَ الصلاة وآتى الزكاة وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله فعسى أولئك أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين}، (أي): فحقيق أن يكون من هذه صفته من المهتدين. وكل " عسى " في القرآن من الله فهي واجبة. ونزلت هذه الآية في قريش؛ لأنهم كانوا يفتخرون، فيقولون: نحن أهل الحَرَم وسقاة الحاجِّ، وعُمّار هذا البيت، فأنزل الله D، صِفة من يجب أن يعمر مساجد الله، سبحانه. قوله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج}، إلى قوله: {أَجْرٌ عَظِيمٌ}.
ألف {أَجَعَلْتُمْ}: ألف تقرير وتوبيخ. ومعنى {كَمَنْ آمَنَ بالله}، أي: كإيمان من آمنم. ومعنى الآية: إن المشركين من قريش افتخروا بالسقاية وسدانة البيت، فأعلمهم الله D، أن الفخر إنما هو بالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله. ورُويَ أن العباس بن عبد المطلب حين أُسر يوم بدر قال: لئن كنتم سيقتمونا بالإسلام، والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله، جل كره: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج}، الآية، فذلك لا ينفعكم، أيها المشركون مع شرككم. وقال السدي، وغيره: افتخر علي، والعباس، وشيبة، وفقال العباس: أنا أفضلكم، أنا أسقي حاج البيت الله، وقال شيبة: [أنا].
أعمر مسجد الله. وقال علي: أنا هجرت مع رسول الله A، وجاهدت معه في سبيل الله D، فأنزل الله D، الآية: {أَجَعَلْتُمْ}. ورُوِيَ أن علياً قال للعباس وشيبة: ألا أنبئكم بمن هو أكر حسباً منا؟ قال: نعم، / قال: مَنْ ضرب خَرَاطِيمَكُم بالسيف حتى قادكم إلى الإسلام كَرْهاً، فشق ذلك عليهما، [فشكيا] إلى رسول الله A، فسكت رسول الله A، هُنَيْهة، إذ جاءه جبريل عليه السلام، بهذه الآية: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج}، الآية. وقال الضحاك: أقبل المسملون على العباس وأصحابه يوم بدر، وهم قد أسروا، يُعَبِّرونَهُمْ بالشرك، فافتخر العباس بالسقاية وعمارة المسجد الحرام، فانزل الله D، الآية. قوله: {لاَ يَسْتَوُونَ}. أي: لا يعتدل هؤلاء وهؤلاء عند الله.
23
{والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين}. أي: لا يوفقهم لصالح الأعمال. ثم قال تعالى: {الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ}. أي: هؤلاء الذين هذه صفتهم، أعظم درجة عند الله من أهل السقاية والعمارة مع الشرك، فهذا قضاء من الله D، بين المفتخرين. ثم أخبر أنهم {هُمُ الفائزون}: أي: الناجون من النار، الفائزون بالجنة. ثم قال تعالى مخبر [بما] يصيرون إليه: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ}، لهم {وَرِضْوَانٍ}، منه عنهم، {وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ}، أي: لا يزال أبداً، {خَالِدِينَ}، أي: ماكثين، {أَبَداً}، لا حد لذلك، {إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}، أي: عنده لهؤلاء الذين هذه صفتهم {أَجْرٌ عَظِيمٌ}، أي: لا حد له من عظمه. ومعنى {يُبَشِّرُهُمْ}: يعلمهم بذلك في الدنيا. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تتخذوا آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ}، إلى قوله:
{والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين}. ومعنى الآية: أن الله، جل ذكره، نهى المؤمنين أن يتخذوا آباءهم وإخوانهم الكفار أولياء، يفشون إليهم سر المؤمنين، ويطلعونهم على أسرار النبي عليه السلام، وَيُؤْثِرُون المُكث بين أظهرهم على الهجرة إلى دار السلام: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ} أي: من يتخذهم أولياء وبطانة، ويؤثر المقام على الهجرة، {فأولئك هُمُ الظالمون}. وهذا كله قبل فتح مكة. قاله مجاهد. {وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ}، وقف نافع. ومثله {أَوْلِيَآءَ} في سورة المائدة، فصح الوقف عليه؛ لأنه لا يجوز أن يتخذ اليهود والنصارى أولياء على كل حال. وهنا إنما نُهُوا عن اتخاذ الآباء والإخوان أولياء إن هم استحبوا الكفر على
الإيمان، فإن لم يفعلوا ذلك فاتخاذهم حسن، والوقف عليه يوجب ألا يتخذوا أولياء على كل حال كاليهود والنصارى. {عَلَى الإيمان}، الوقف الحسن. ثم قال تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ}، الآية. والمعنى: {قُلْ} يا محمد، للمتخلفين على الهجرة، المقيمين بدار الشرك، مع أهليهم وأموالهم {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ}، أي: المقام مع هؤلاء بمكة، {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ الله}، أي: من الهجرة إلى دار الإسلام، ومن الجهاد في سبيل الله، {فَتَرَبَّصُواْ حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ}، أي: بفتح مكة. قاله مجاهد. والثاني: {حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ}: من عقوبة عاجلة أو آجلة. قاله ابن زيد. {والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين}.
25
أي: لا يوفقهم للهدى. قوله: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ}، إلى قوله: {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. {حُنَيْنٍ}: مذكر، أسم واد بين مكة والطائف. ومن العرب من يجعله أسماً للبقعة فلا يصرفه للتأنيث والتعريف. وقيل: هو واد إلى جنب ذي المجاز. لغة بني تميم: " كِثْرةَ "، بكسر الكاف، وجمعه: كثر، والفتح لغة أكثرهم، وجمعه: كثرات، وهما مصدران وجمعهما قبيح. ومعنى الآية: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله}، أيها المؤمنون في أماكن حرب، ونصركم يوم حنين أيضاً.
وهو يوم قاتل فيه النبي عليه السلام، هَوَازِن وثقيفاً، وخرج مع النبي A، في تلك العزوة/ إثنا عشر ألفاً: عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وألفان من الطلقاء، فأعجب القوم كثرهم، فانهزموا ونزل النبي A، عن بغلته الشهباء، وكان العباس أخذ بلجام [بغلة] النبي عليه السلام، فأمر النبي صلى الله عليه سلم، بالأذان في الناس فتراجع الأنصار، وكان المنادي ينادي: " يا معشر الأنصار، ويا معشر المهاجرين، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فجاء الناس عُنُقاً واحداً، ثم أنزل الله D، نصره، وأخذ النبي A، كفًّا من تراب، وقبضة من حصباء، فرمى بها وجوه القوم الكفار، وقال: " شَاهَتِ الوُجُوهُ "، فانهزموا. فأخذ رسول الله A، الغنائم، ورجع إلى الجِعِرَّانَة، فسم بها الغنائم، مغانم حنين، وزاد أُناساً منهم: أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس، وسهيل بن عمرو، وغيرهم تألف بالزيادة قلوبهم، فتكلمت الأنصار،
وقالت: " آثر قومه "، فبلغ ذلك النبي A، وهو في قبة له من آدمٍ، فقال: يا معشر الأنصار ما ها الذي بلغني؟ ألم تكونوا ضُلاَّلاً فهداكم الله، وكنتم إذِلَّةً فأعزكم الله، وكنتم وكنتم. فتكلموا إليه، فقال النبي A، والذي نفسي بيده، لو سلكتم وادياً وسلك الناس وادياً، لسكلتُ وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار. ثم مدحهم بغير هذا، ثم قال: أما ترضون أن ينقلب النَّاس بالإبل والشاء، وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم. فقالت الأنصار: رضينا عن الله عز جل، وعن رسوله A، والله ما قلنا ذلك إلا ظناً بالله ورسوله، فقال النبي A، الله ورسوله يُصدقانكم ويعذِرَانكم. قال السدي: قال رجل من أصحاب النبي عليه السلام، يوم حنين، وقد كانوا إثنى عشر ألفاً: يا رسول الله لن نُغْلَبَ اليوم من قِلَّةٍ وأعجبته كثرة الناس، فَوُكِّلُوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله A، غير العباس، وأبي سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، قتل يومئذ بين [يدي] النبي A. فنادى النبي A، بالأنصار: أين الأنصارُ الذين بايعوا تحت الشجرة؟ فتراجع الناس، فأنزل الله D، الملائكة بالنَّسر، فهزم المشركون يومئذ، وغنموا. وأصاب المسلمون ستة آلاف سبية، فجاء قومهم مسلمين، فقالوا: يا رسول
الله، أنت خير الناس، وأبرُّ الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا، فقال النبي A: " إنّ عندي من ترون، وإنّ خَيْرَ القَوْلِ أَصْدَقُهُ، فاختاروا: إما ذراريكم ونسائكم، و [إمّا] أموالكم. فقالوا ما كنا نعدل بالأحْسَاب شيئاً، فأمر النبي A، من طابت نفسه [أن يرد ما عنده من الذراري ومن لم تَطِبْ نفسه] أن يجعله قرْضاً عند النبي A، حتى يعوضه مكانه. فَرَضُوا كلهم وسلموا بأن يردوا الذَّراري بطيب نفس. ومعنى {بِمَا رَحُبَتْ}، أي: بسعتها. وقال الطبري: " الباء " بمعنى: " في ". فأعلم الله D، المؤمنين في هذه الآية أنه ليس بكثرهم يغلبون، [إنما يغلبون] بنصره. وكانت غزوة حنين بعد فتح مكة، ولما خرج النبي A، إليها خرج معه أهل مكة مشاة وركباناً، يمشون يرجون الغنائم حتى خرج معه النساء والصبيان وهم على غير الإسلام/ وليس يكرهون أن تكون الصدمة برسول الله [صلى الله] عليه وسلم.
وفرق رسول الله A، الغنائم على الجميع، ووفَّر على أهل مكة اسْتِيلاَفاً لهم ليدخلوا في الإسلام، وزَوَى كثيراً من المقاسم عن أصحابه، فعند ذلك وجدت الأنصار في أنفسها، وقالوا: ما نرى فعل ذلك إلا وهو يريد المقام بين ظَهْرَانَيْهِم، فعاتبهم النبي A، [ على ذلك. فنصر الله النبي A، وهو السَّكِينَةُ التي أنزلت على النبي A] وعلى المؤمنين، {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا}، وهي الملائكة بالنصر: {وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ}، أي: بالسيف، وسبي الأهل وأخذ الأموال: {وذلك جَزَآءُ الكافرين}، أي: هذا الذي فعله بهم، هو جزاء من كفر بالله ورسوله. وقيل: هو جزاء من بقي منهم.
28
{ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذلك على مَن يَشَآءُ}. أي: يتفضل على من يشاء بالتوبة من الكفر والإنابة إليه، يعني من بقي منهم، حتى ينقلهم إلى طاعته إذا شاء، {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قوله: {يا أيها الذين آمنوا إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ}، إلى قوله: {وَهُمْ صَاغِرُونَ}. ومعنى الآية: أن الله أمر المؤمنين أن يمنعوا المشركين من دخول المسجد الحرام. وقوله: {نَجَسٌ}. قال قتادة: " النَّجَسُ " هنا: الجُنُب. وأصل " النَّجَسِ ": القذر. وإذا ذكرت قبل " النجس ": " الرجس " كسرت " النون "، وأسكنت " الجيم "، فقلت: هو رِجْسٌ نِجْسٌ على الاتباع. وعنى بذلك: الحرم كله أن يمنعوا من دخوله، وعلى ذلك قال عطاء: الحَرَمُ كُلُّهُ قِبْلَةٌ وَمَسْجِدٌ.
وَبِظَاهِرِ هذه الآية يجب على المشرك إذا أسلم أن يغتسل، وقد أمر بذلك النبي A. وهو مذهب مالك، وابن حنبل، ولم يوجبه الشافعي واستحبه، قال: إلاَّ أن يكون يعلم أنه جنُبٌ فعليه أن يغتسل. وقال الثوري، والشافعي: ثياب المشركين على الطهارة حتى تعلم النجاسة، واستحبا غسل الإزار والسراويل. وقال مالك: إذا صلى في ثوب كان المشرك يلبسه، أعاد من الصلاة ما كان في وقته. وأكثَرُهُمْ على أن لا بأس بالصلاة فيما نسجوا، وهو مذهب مالك. وهذه الآية نَاسِخَةٌ، لما كان النبي عليه السلام، قد صالح عليه المشركين أن لا يَمْنَع أحد من البيت.
قال مالك: يمنع المشركون كلهم من أهل الكتاب وغيرهم من دخول الحرم، ودخول كل المساجد. وهو قول عمر بن عبد العزيز، وقتادة. وقال الشافعي: يمنع المشركون جميعاً من دخول الحرم، ولا يمنعون من دخول سائر المساجد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام، ولا من غيره، ولا يمنعن من ذلك إلا المشركون أهل الأوثان. وقول الله D، في اليهود والنصارى: {اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً [مِّن دُونِ الله مِّن دُونِ الله]} [التوبة: 31] الآية، يدلُّ على جوازهم تسميتهم مشركين، وقد نصّ الله على ذلك بقوله: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} في آخر الآية. وقوله: {بَعْدَ عَامِهِمْ هذا}. هو العام الذي حج فيه أبو بكر Bهـ، بالناس، ونادى عليّ بـ: " براءة " في الموسم، / وذلك لتسع سنين مضين من الهجرة، وحجَّ النبي A حَجَّةَ الوَدَاعِ في العام المقبل سنة عشر من الهجرة.
وقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً}. [أي]: إن خفتم، أيها المؤمنون، فقراً، بمنعنا المشركين أن يأتوكم إلى الحرم بالتجارات، {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ}، فأغناهم الله بأخذ الجزية منهم بقوله: {قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله}، إلى قوله: {حتى يُعْطُواْ الجزية}. وقيل: أغناهم بإدْرَارِ المطر عليهم. قال ابن عباس: ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحَزن، عن منع المشركين من دخول الحرام، وقال لهم: من أين تأكلون، وقد انقطعت عنكم العير؟ فأنزل الله D: { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} الآية. {إِنَّ الله عَلِيمٌ}. أي: عليم بما حدثتكم به نفوسكم من خوف العيلة، بمنعنا المشركين أن يأتوا إليكم، وبغير ذلك من مصالحكم، {حَكِيمٌ}، في تدبيره.
و " العَيْلَةُ " مصدر " عَالَ يَعِيلُ ": إذا افتقر. وحُكِي: " عال يعول " [في] الفاقة. وبمصحف عبد الله: " عائلة "، أي: خصلة شاقة، يقال: عالني الأمر، أي: شقَّ عليَّ واشتد. ثم قال: تعالى آمراً للمؤمنين: {قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله}، الآية، أي: قاتلوهم حتى يعطوكم الجزية، من أهل الكتاب كانوا أو من غيرهم. و" الجِزْية " ك: " القِعْدة " و " الجِلسة "، وجمعها: جِزَى، ك: " الحَِىً "، فهو
من " جَزَى فلان فلاناً ما عليه ": إذا قضاه. وهي الخراجُ عن الرقاب. ومعنى: {عَن يَدٍ}، أي: عن يده إلى يد من يدفعه إليه. وقيل: {عَن يَدٍ}: عن إنعامٍ منكم عليهم إذا رضيتم بالجزية وأمَّنْتُمُوهُمْ في نفوسهم وأموالهم وَذَرَارِيهمْ. وقيل: {عَن يَدٍ}: نقداً لا نسيئة. وقيل: يؤدونها بأيديهم لا يوجهون بها كما يفعل الجبار. وأهل اللغة يقولون: عن قهر وقوة.
{وَهُمْ صَاغِرُونَ}. أي: أذلاء مقهورون. فهذه الآية نزلت في حرب الروم، فغزا رسول الله A، بعد نزولها غزوة تبوك. قاله مجاهد. قال عكرمة: {وَهُمْ صَاغِرُونَ}: هم قائمون [وأنت جالس]. وقال ابن عباس: يمشون بها مُلَبَّين. وهذه الآية ناسخة للعفو عن المشركين. قاله ابن عباس.
30
هي ناسخة لقوله: {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5]. وأجمع علماء الأمصار على أخذ الجزية من المجوس. وكان ملك يرى: أخذ الجزية من سائر أهل الشرك، وحكمهم عنده حكم المجوس، تؤخذ منهم الجزية، ولا ينكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم. وتوضع الجزية عمن أسلم عند مالك ولم يبق من السنة إلا يوم واحد. وتؤخذ الجزية من أهل الوَرِق: أربعون درهماً، ومن أهل الذهب: أربعة دنانير، وهي فرض عمر Bهـ. قوله: {وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله}، إلى قوله: {يُشْرِكُونَ}. {عُزَيْرٌ}: مرفوع بإضمار مبتدأ، أي: صاحبنا عزير، {ابن}: نعت له، فيكون حذف التنوين لكثرة الاستعمال.
ويجوز أن يكون {ابن}، خبراً [عن] {عُزَيْرٌ}، ويكون حذف التنوين لالتقاء الساكنين. وكلا الوجهين في قراءة من نَوَّن عُزَيْراً. وقال أبو حاتم لو قال قائل: إن عزيراً اسم أعجمي لا يتصرف جاز. وهو عند النحويين عربي مشتق، من: عزره يعزِرُهُ ومنه قوله: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 9]. {ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ}.
أي: لا بيان عندهم بما يقولون، ولا برهان، وإنما هو قول لا غير. {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الذين كَفَرُواْ}. أي: يُشَبِّهون قولهم بقولهم، وهم اليهود الذين قالوا: {عُزَيْرٌ ابن الله}، [سبحانه وتعالى]، أي: يشبه قول هؤلاء النصارى في الكذب على الله، (تعالى)، قول من تقدمهم في " العُزَيْر " من اليهود. وقيل: المعنى: إن من كان على/ عهد النبي A، من اليهود والنصارى قولهم يشبه قول أوّليهم. {قَاتَلَهُمُ الله}. أي: لعنهم الله.
{أنى يُؤْفَكُونَ}. أي: من أين يصرفون عن الحق. {اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً [مِّن دُونِ الله]}. الأحبار: العلماء. والرهبان: العباد، أصحاب الصوامع. {أَرْبَاباً}: أي سادة، يطيعونهمه في المعاصي، فيحلون ما حرم الله D، ويحرمون ما أحل الله، سبحانه، ولم يكونوا يَعْبِدُونَهُمْ، إنما كانوا يَطِيعونَهُم فيما لا يجوز، ولا يحل. وقوله: {والمسيح}.
32
أي: واتّخذوا المسيح رَبّاً. {وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها وَاحِداً لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. [أي]: تنزيهاً له وتطهيراً من شركهم. قوله: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم}، إلى قوله: {وَلَوْ كَرِهَ المشركون}. قوله: {إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ}، إنما دخلت {إِلاَّ}؛ لأن في الكلام معنى النفي، وهو: {يأبى}، لأن قولك: " أبيت الفعل " كقولك: " لم أفعل "، فلذلك دخلت {إِلاَّ}، وهي لا تدخل إلا بعد نفي. وقال الزجاج التقدير: {ويأبى الله} كل شيء {إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ}.
وقال علي بن سليمان: إنما جاز دخول {إِلاَّ} ها هنا؛ لأن {يأبى} منع، فضارعت النفي. ومعنى الآية: يريد أحبار هؤلاء ورهبانهم {أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله}، ( D) ، { بأفواههم}، أي: يحاولون بتكذيبهم وصدهم الناس عن محمد A، أن يبطلوا القرآن الذي جعله الله ضياء لخلقه، وهو نور الله سبحانه، {ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ}، أي: يعلو دينه وتظهر كلمته. قال السدي: يريدون أن يطفئوا الإسلام بكلامهم، والله مُتِم نوره ولو كره الكافرون إتمامه. {هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى}. وهو الإسلام وشرائعه {وَدِينِ الحق}، الإيمان، {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ}، أي:
34
ليعلي الإسلام على الملل كلها، {وَلَوْ كَرِهَ}، ذلك {المشركون}. قال أبو هريرة: ذلك عند خروج عيسى عليه السلام. وقيل: المعنى ليعلمه شرائع الدين كلها، فيطلعه عليها. فتكون " الهاء " للنبي A، وهو قول ابن عباس. وفي القول الأول: " الهاء " تعود على: " الدِّينِ. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأحبار والرهبان}، إلى [قوله]: {مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}. قوله: {والذين يَكْنِزُونَ}. {والذين}: في موضع رفع عطف على الضمير في: " يأكلون "، فيكون التقدير:
{لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل}، ويأكلها معهم الذين يكنزون الذهب. وقيل: {الذين}: في موضع رفع بالابتداء. ومعنى الآية: يا أيها الذين صدقوا بمحمد A، بما جاء به، إن كثيراً من أحبار اليهود والنصارى ورهبانهم، وهم: علماؤهم وعبادهم. وقيل: {الأحبار}: القراء: {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل}، ويأكلها معهم {والذين يَكْنِزُونَ الذهب}، وذلك الرُّشى في الحكم، وفي تحريف كتاب الله D، يكتبون بأيديهم كتباً، ويقولون: هذا من عبد الله، يأخذون بها ثمناً قليلاً، {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله}، أي: يمنعون من أراد الدخول في الإسلام. و" الكَنْزُ ": كل مَالٍ وجبت فيه الزكاة، فلم تُؤَدَّ زكاته. وقوله: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا}. أي: لا يؤدون زكاتها.
قال ابن عمر: كل ما مَالٍ أُدِّيتُ زكاته ليس بكنز، وإن كان مدفوناً، وكلُّ مالٍ لم تُؤدّ زكاته، فهو كنز يكوى [به] صاحبه، وإن لم يكن مدفوناً. ورُوي عن علي Bهـ: أربعة آلاف درهم فما دونها " نفقة " / فإن زادت فهو " كنز "، أدّيت زكاته أو لم تُؤد. قال ابن عباس: هي خاصة للمسلمين لمن لم يؤدِّ زكاته منهم، وهي عامة في أهل الكتاب، من أدى الزكاة ومن لم يؤدِّ؛ لأنهم لا تقبل منهم نفقاتهم وإن أنفقوا. وقال عمر بن عبد العزيز: أراها مَنْسوخَةً بقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103].
و " الكنْزُ " في كلام العرب: كل شيء جُمع بعضُه إلى بَعْضٍ. قوله: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا}. ولم يقل: " يُنفقونهما "، إنما ذلك لأن الضمير رجع على الكنوز، والكنوز تشتمل على الذهب والفضة. وقيل: إن الضمير يرجع على: " الأموال " التي تقدم ذكرها أنها تؤكل بالباطل. وقيل: الضمير يعود على: " الفضة "، وحذف العائد على الذهب لدلالة الكلام
عليه، كأنه قال: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا} و " يُنفقونه "، ثم حذف كما قال: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ. . .. وقيل الضمير: " الذهب "، وضمير " الفضة " محذوف تقديره: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا}
و " يُنفقونها "، والعرب تقول: " هي الذهب [الحمراء] "، فتؤنث. وقال معاوية: هذه الآية في أهل الكتاب خاصة. وقوله: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. أي: اجعل موضع البشارة لهم عذاباً أليماً، أي: مؤلماً، بمعنى مُوجع. وليس {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}، بتمام؛ لأن {يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا}، منصوب بـ: {أَلِيمٍ}. و (الضمير في {عَلَيْهَا}، فيه من الوجوه، ما في: {يُنفِقُونَهَا}، وكذلك الضمير في {بِهَا}.
36
قال النبي A: " مَا مِن عَبْدٍ لا يُؤدّي زَكَاةَ مَالِهِ إلا أُتِي بِهِ وبماله فأحمى عليه في نار جهنم، فتكوى بها جنباه وجبهته وظهره، حتى يحكم الله بين عباده ". وقال ابن عباس: {يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا}، قال حَيَّة تنطوي على جنبيه وجبهته، تقول: أنا مالك الذي بخلت به. وقال النبي A: " مَن ترك بعده كنزاً مَثَلَ له يوم القيامة شُجاعاً أَقْرَع له زَبِيبَتَانِ، يتبعه فيقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك، فلم يزل يتبعه حتى يُلْقِمَه يده فيقضمها، ثم يتبعه سائر جسده ". قوله: {إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً}، الآية. قوله: {كَآفَّةً}.
مصدر مثل: " عفاه الله عافيةً "، ومثله: " عامَّةً " و " خاصَّةً "، ف: {كَآفَّةً} ك: " العافية " و " العاقبة "، ولا تدخل فيهما " الألف واللام "، كما لم تدخلا في " معاً " و " جميعاً ". ومعنى الآية: إن الله قدر أنّ السنة اثنا عشر شهراً في كتابه الذي سبق فيه ما هو [كائن] إلى يوم القيامة، منها أربعة حرم، وهن: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة والمحرم، وكان القتال فيها حراماً حتَّى نزل في " براءة " قتال المشركين. و {ذلك الدين القيم}.
أي: المستقيم، إنها اثنا عشر شهراً. وقيل {الدين} هنا: الحساب، أي: الحسابُ المستقيم. وقال ابن عباس معناه: ذلك القضاء القيم. وقوله: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}. أي: لا تستحلوا ما حرم الله D. قال ابن عباس: {فِيهِنَّ} يعني كلهن. قال ابن عباس: {فِيهِنَّ}، يعني: كلهن. وهو قول مقاتل بن حيان، والضحاك، جعلاً الضمير يعود على: {اثنا عَشَرَ شَهْراً}. وليس قوله: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} إذا جعلناه الأربعة الأشهر بمبيح لنا أن نظلم أنفسنا في غير الأربعة الأشهر، ولو كان ذلك كذلك لكان قوله: {وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الإسراء: 31] دليلاً على إباحة قتلهم إذا لم يخشوا إملاقاً، ولكان قوله:
{والفلك [التي] تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس} [البقرة: 164] دليلاً على أنها لا تجري بما يضر الناس، وهي تجري بما ينفع وما يضر. وأصل هذا: أن كلَّ نهي إنما يوجب الامتناع عما نهى عنه دون غيره، وكل أمر فهو نافسٍ لأضداده فإذا قلت: " قُمْ "، فقد أمرته بترك أضداد القيام من القعود والأضطجاع، وإذا قلت: " لا تَقُمْ "، فلم تنهه عن الاضطجاع ولا عن ألا تكاء ولا عن شيء من أضداده، فاعمله. فالنهي عن الشيء لا يكون نهياً عن أضداد ذلك الشيء والأمر بالشيء أمر عن أضداد/ ذلك الشيء على مبينا، فافهمه. وقال قتادة، وغيره: {فِيهِنَّ} في الأربعة الحرم، جعل الذنب فيهن أعظم منه في غيرهن. وأكثر ما تستعمل العرب " الهاء " و " النون " فيما دون العشرة، و " الهاء "
و " الألف " في ما جاوز العشرة. فالظلم في جميعها لا يجوز، ولكن هو فيها أعظم وزراً لشرفها، فلذلك خصها بالذكر، تعالى، وهذا كقوله: {والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] أفردها بعد أن ذكرها مجملة لشرفها، وليس إفرادها بالمحافظة يدل على ترك المحافظة فيما سواها، فكذا هذا. وقال ابن إسحاق المعنى: لا تجعلوا حرامها حلالاً ولا حلالها حراماً، تعظيماً لها، فإنما نهو عن " النسئ " الذي المشركون يصنعونه.
37
{وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً}. أي: جميعاً. ومعنى {كَآفَّةً}، أي: يكف بعضهم بعضعاً عن التخلف كما يفعلون. {واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين}. أي: مع من اتقى أمره ونهيه وأطاعه. ومن جعل {فِيهِنَّ} يعود على: " الاثنا عشر شهراً " وقف على: {القيم}، ومن جعله يعود على: " الأربعة الحرم " وقف على: {أَنْفُسَكُمْ}، وهو قول نافع والأخفش. والأول قول أبي حاتم ويعقوب. قوله: {إِنَّمَا النسياء زِيَادَةٌ فِي الكفر}، الآية. روى أحمد بن صالح، وداود، وأبو الأزهر عن ورش: {النسياء}،
مشدداً غير مهموز. وكذلك قال أحمد بن صالح عن قالون. وقال الحلواني عن قالون: مهموز.
وكذلك روى إسماعيل بن جعفر عن نافع. وهو من " نسأتُ " و " أَنْسَأْتُه ": إذا أخرته. ومن قرأ بغيْرِ همزٍ احتمل أن يكون على تخفيف الهمز. واحتمل أن يكون من " نسيت " الشيء: تركته. ومن قرأ {يُضَلُّ}، بفتح الياء، فمعناه: أنهم يَضِلون بتأخير شهر الحج
وتقديمهم غيره. ومن قرأ {يُضَلُّ} بضم الياء، على ما لم يُسمَّ فاعله احتج بقوله: {زُيِّنَ لَهُمْ}، فأجراه عليه للمشاكلة. وقرأ الحسن، وأبو رجاء: {يُضَلُّ}، بالضم، من: " أضَلَّ "، على معنى: أنهم يضلون به مَنْ قَبِلَ منهم ذلك. و {الذين} في القراءتين المتقدمتين في موضع رفع.
وفي هذه القراءة يجوز أن يكون في موضع رفع على أنهم يضلون به من قَبِل منهم. ويجوز أن يكون في موضع نصب، على معنى: يُضل الله به الذين كفروا. ومعنى الآية عند الطبري: ما النسيء إلا زيادة في الكفر، على معنى: إنما التأخير الذي يؤخِّره أهل الشرك من شهور الحرم، وتصييرهم الحرام حلالاً، والحلال حراماً، زيادة في كفر من فعل ذلك. وذلك أنَّ أبا ثُمامة بن عوف، كان يحرم عليهم صفراً عاماً، ويحلله عاماً، فيحرم صفراً والمحرم عاماً، وهو قوله: {يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً}. وذلك أنهم (كانوا) قد تمسكوا بتحريم الأربعة الأشهر الحرم من ملة إبراهيم، عليه السلام، فربما احتاجوا إلى تحليل المحرّم لحرب تكون بينهم، فيؤخرون تحريم المحرّم إلى صفر، ويقاتلون في المحرم. (هذا قول أبي عبيد، قال: فيحرمون صفراً إذا
قاتلوا في الحرم)، ويقولون: هذا أحدُ الصفرين. وقد تأول قوم قول النبي A: " لا صَفَرَ " أنه إنما نفى هذا المعنى. ثم كانوا يحتا/جون إلى صفر لقتال، فيؤخرون تحريمه إلى ربيع، ثم يتمادون على تحريمه، ثم كذلك يؤخرون من شهر إلى شهر حتى استدار المحرم عن السنة كلها، فأتى الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله به، وذلك بعد دهر طويل؛ لأنهم كانوا ينتقلون إلى تحريم شهر، ويقيمون عليه مدة، (ثم يحتاجون إلى القتال فيه، فيحرمون ما بعده، ويقيمون عليه مدة ثم يحتاجون إلى القتال فيه، فيحرمون ما بعده ويقيمون عليه مدة)، حتى صاروا إلى المحرم، فأتى الإسلام وقد
رجع إلشيء إلى حقه، فذلك قول النبي A: " إنَّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ". فقوله: {يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً}، هو أنه يحلون صفراً، ثم يحتاجون إلى تحريمه [فيحرمونه]، ويحلون ما قبله، ثم يحتاجون إلى تحليل صفر، فيحلونه، ويحرمون ما بعده، كذا يصنعون. وقال مجاهد في قوله: {وَلاَ جِدَالَ فِي الحج} [البقرة: 197]، أي: وقد استقر الحج الآن في ذي الحجة فلا جدال فيه. وقال مجاهد: كانت العرب تحج عاميْن في ذي القعدة، وعاميْن في ذي الحجة، فلما حج النبي A، كان الحج تلك السنة في ذي الحجة، فهو معنى: {وَلاَ جِدَالَ فِي الحج}، أي: استقر في ذي الحجة.
وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك: إن المعنى، أن رجلاً [كان] يأتي الموسم، فيحل لهم المحرم سنة ويحرم صفراً، ويحلل صفر العام المقبل، ويحرم المحرم. قال ابن زيد: كان اسم الرجل: الْقَلَمَّس، قال شاعرهم: ومنَّا الذي يُنْسي الشُّهورَ الْقَلَمَّسُ ... ومعنى {زِيَادَةٌ}، (أي): أزدادوا به كفراً إلى كفرهم.
38
ومعنى: {لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله}. أي: ليشابهوا به الذي حرم الله، ويوافقوه به في العدة، لا يزيدون ولا ينقصون، إنما يؤخرون، ويأخذون ذا. وروى ابن أبي شيبة أن اسم الرجل: نسيء. {زُيِّنَ لَهُمْ سواء أَعْمَالِهِمْ}. أي: حبب ذلك إليهم. {والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين}. أي: لا يوفقهم للهدى. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا}، إلى قوله: {والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. هذه الآية تحريضٌ من الله، D، وحثَّ للمؤمنين على غزو الروم، وذلك غزوة تبوك. بعد الفتح، وبعد الطائف، وبعد خيبر، وحنين، أُمروا بالغزو في الصيف حين
أحرقت الأرض، وطابت الثمار. ومعنى {انفروا}: اخرجوا غزاة. ومعنى: {اثاقلتم}، أي: تثاقلتم فلزمتم الأرض والمقام بمساكنكم. {أَرَضِيتُمْ بالحياة الدنيا مِنَ الآخرة}. أي: بخفض الدَّعةِ في الدنيا عوضاً من نعيم الآخرة. {فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلاَّ قَلِيلٌ}. أي: ما الذي تستمعون به في الدنيا من عيشها في نعيم الآخرة إلا يسير. قال النبي A: " مَوْضِعُ سَوْطٍ في الجنَّة أفضلُ من الدُّنيا وما فيها ".
ثم قال تعالى: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً}. يتوعدهم على ترك الغزو إلى الروم، {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً}: أي عاجلاً في الدنيا، بترككم النَّفْر إليهم. {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ}. (أي: ويستبدل الله، D، نبيَّه عليه السلام قوماً غيركم)، ينفرون معه إذا استنفروا. {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً}. أي: لا تضروه، بترككم النفير، شيئاً، إذا لا حاجة به إ ليكم ولا إلى غيركم. {والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. على أهلاككم واستبدال قوم غيركم [بكم]، وعلى سائر الأشياء. قال ابن عباس: استنفر النبي عليه السلام، حيًّا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه،
فأمسك عنهم القطر، فكان ذلك العذاب الأليم. ورُويَ عن ابن عباس أنه قال: نَسَخَتْهَا: {وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} [التوبة: 122]. وقال الحسن، / وعكرمة، وأكثر العلماء على أنهما محكمتان، لأن معنى {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ}، [أي]: إذا احتيج إليكم. وقوله: {وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً}، معناه: أنه لا بد أن يبقى بعض المؤمنين لئلا تخلى دار الإسلام. وقد قاله: الحسن، والضحاك.
40
وقوله: {مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة} [التوبة: 120]، الآية، نَسَخَتْهَا (أيضاً) التي بعدها: {وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} [التوبة: 122]،. وكذلك نسخت: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ}، الآية. قوله: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ}، الآية. {ثَانِيَ اثنين}: نصب على الحال. وقال على بن سليمان: نصبه على المصدر، والمعنى: {إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ}، فخرج {ثَانِيَ اثنين}. مثل: {والله أَنبَتَكُمْ [مِّنَ الأرض [نَبَاتاً]} [نوح: 17]. . . .
ومعنى الآية: أنها إعلام] من الله لأصحاب النبي عليه السلام، أن الله، D، قد تكفل بنصره على أعدائه في كل وقت، وحين: {إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ} يعني: قريشاً، مفرداً مع صاحبه أبي بكر، {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ}، يعني [النبي] عليه السلام، يقول لأبي بكر: {لاَ تَحْزَنْ}، ذلك أن أبا بكر خاف من أن يعرف مكانه، فمكث النبي عليه السلام، وأبو في الغار ثلاثة أيام. والغار بجبل يسمى: " ثوراً ". وكان عامر بن فهيرة في غنم لأبي بكر بـ: " ثور " هذا، يروح بتلك الغنم على النبي A، بالغار، وكان أبو بكر قد أرسله بتلك الغنم إلى " ثور " قبل خروجه مع
النبي A عدة. قال أبو بكر Bهـ: " بينا أنا مع النبي A، [ في الغار] وأقدام المشركين فوق رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله A الله، لو أن أحدهم رفع قدمه أبصرنا، قال: " يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَينِ اللهُ ثَالِثُهُما ". والمعنى: الله ثالثهما، بالحفظ والكلاءة والمنع منهما. وفي فعل النبي A، هذا مع أبي بكر سُنَّةٌ لكل من خاف من أمر لا قوام له به، أن يفر منه، ولا يُعرّض نفسه إلى ما لا طافة له به، اتباعاً لفعل نبيه، عليه السلام، ولو شاء الله، عز جل، أن يسكنه معهم، ويُعمي أبصارهم عنه لفعل، ولو شاء لمشى بين أيديهم ولا يرونه، ولو شاء أن يهلكهم بما أرادوا أن يفعلوا لفعل، ولم يكن ذلك عليه عزيزاً،
ولكن أراد [الله] تعالى، أن يبلغ الكتاب أجله، ولتستنَّ بفعله A، أمتهُ بعده. وفي فعل النبي A، وأبي دليلٌ على فساد قول من قال: من خاف شيئاً سوى الله D، لم يوقن بالقدر. فحذر أبي بكر من أن يراهم المشركون دليل على الحذر من قدر الله، D، لم يوقن بالقدر. فقال ذلك، Bهـ، إشفاقاً على رسول الله A، أن يُنَالَ بأذى أو يُفْتَنَ هو في دينه إن قدر عليه، فخف من ذلك، مع علمه أنّ الله D، بالغ أمره فلي كل ما أراد. وقال الله حكاية عن موسى، عليه السلام. {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى} [طه: 67] {قُلْنَا لاَ تَخَفْ} [طه: 68]. وقوله: {فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ}. أي: [على] أبي بكر، والنبي عليه السلام، لم تفارقه السكينة قط.
والسكينة: الطمأنينة من السكون. وقد قيل: إنَّ " الهاء " تعود على النبي A. والأول أحسن؛ لأن النبي عليه السلام، معصوم من ذلك، على أنه قد قال تعالى: {فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين} [الفتح: 26]، وذلك أن النبي عليه السلام، خاف على المؤمنين يوم حنين لما اضطربوا، فلما أيد الله D، المؤمنين بنصره، سكن خوف النبي/ A، عليهم. وقوله: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا}. " الهاء " عائدة على النبي A.
أي: قوّاه بالملائكة. {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى}. أي: قهر الشرك وأذله. {وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا}. أي: كذلك هي، ولم تزل كذلك. وقرأ علقمة، والحسن، ويعقوب: " وكلمة الله " بالنصب، وهو بعيد من وجوه. أحدهما: أن الرفع أبلغ؛ لأنها لم تزل كذلك، والنصب يدل على أنها جُعلت كذلك بعد أن لم تكن علياً.
وَبَعيدٌ أيضاً: من أنه يلزم أن يقال: " وَكَلِمَتَهُ هي العُلْيَا "، لأنه لا يجوز في الكلام: " أَعْتَقَ زَيْدٌ غُلاَمَ أبي زَيْدٍ " والثاني هو الأول. وزعم قول إن إظهار الضمير في هذا حسن؛ لأنّ فيه معنى التعظيم، ولأن المعنى لا يشكل، وليس بمنزلة زيد ونحوه الذي يشكل، قال: وهو مثل ما أنشد سيبويه: لاَ أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومثل: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا} [الزلزلة: 1] {وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا} [الزلزلة: 2]. {والله عَزِيزٌ}. أي: عزيز في انتقامه من أهل الكفر، {حَكِيمٌ}، في تدبيره. قال نافع: {فَقَدْ نَصَرَهُ الله}، وقف، وهو بعيد، لأن {إِذْ}، قد عمل فيها: {نَصَرَهُ}. {السفلى}، وقف حسن إن رفعت {وَكَلِمَةُ الله}، وإن نصبت، كان الوقف: {العليا}. {وَجَعَلَ} في هذا الموضع بمعنى: " صيَّر " ويلزم المعتزلة أن يجعلوها بمعنى " خَلقَ " وهم لا يفعلون ذلك. لأنهم يقولون: كفر الكافر ليس بخلق الله D، ثم
يقولون في قوله: {جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} [الزخرف: 3]، معناه: خلقناه، فيجعلون " جعل " بمعنى " خلق " في هذا الموضع، ويمتنعون منه في هذا الموضع الآخر. و" جعل " يكون: بمعنى " صَيّرَ ". وبمعنى: " سَمَّى ". وبمعنى " خَلََقَ ". فإذا كانت بمعنى: " صَيَّرَ " تعدت إلى مفعولين وكذلك إذا كانت بمعنى: " سمّى " كقوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً}. وإذا كانت بمعنى: " خَلَقَ " تعدت إلى مفعول واحد، كقوله):
41
{وَجَعَلَ الظلمات والنور} [الأنعام: 1]. وقوله: {وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون: 50] هي بمعنى: " صيَّر " تعدت إلى مفعولين وهما: {ابن}، و {آيَةً}. و {كَلِمَةُ الله}، في هذا الموضع: لا إله إلا الله. قوله تعالى: {انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً}، إلى قوله: {لَكَاذِبُونَ}. المعنى في قول الحسن: {انفروا}، شباناً وشيوخاً، وهو قول عكرمة، وأبي صالح. ورُوي عن أبي طلحة: {انفروا}، شباناً وكهولاً، وكذلك قال الضحاك، ومقاتل بن حيان. وروى سفيان، عن منصور عن الحكم {انفروا}: مشاغيل وغير مشاغيل.
وعن أبي صالح أنَّ المعنى {انفروا}، أغنياء وفقراء. وعن ابن عباس وقتادة {انفروا}، نشاطاً وغير نِشاط. وقال الأوزاعي المعنى {انفروا}، [ركباناً ومشاة. وفيه قول سابع قاله ابن زيد أن المعنى {انفروا}]: من كان ذا ضَيْعَةٍ ومن [كان] غير ذي ضَيْعة، ف " الثقيلُ " الذي له ضيعة يكره أن يتكر ضيعته، و " التَّخْفِيفُ ": الذي لا ضيعة عنده تمنعه من الخروج. وفيه قول ثامن مرويٌّ عن الحسن أنَّ المعنى: في العُسْر واليسر. وفيه قول تاسع قاله زيد بن أسلم: أنَّ المعنى " الثقيل ": الذي له عيال، و " الخفيف ": الذي لا عيال له.
وقد قيل: إنّ هذه الآية منسوخة بقوله: {وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ [كَآفَّةً]}، [التوبة: 122]. وقل: هي محكمة. أمر الله أصحاب النبي عليه السلام بالخروج معه على كل حال. {وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ}. أي: ابذلوهما في الجهاد. {ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ}. أي: في معادكم وعاجلكم وآجلكم، فالعاجل: الغنيمة، والآجل: الأجر والرضى من الله، D. ثم قال تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ}. وذلك أن جماعة استأذنوا النبي A، إذ خرج إلى تبوك في التخلف/ والمُقام،
فأذن لهم، فقال له الله، عز وجل، {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً}، أي: غنيمة حاضرة، {وَسَفَراً}: قريباً، {لاَّتَّبَعُوكَ}، ولم يتخلفوا عنك. {ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة}. [و {ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة}: الغاية التي يقصد إليها. قال أبو عبيدة: {الشقة}: المشقة]. فالمعنى: ولكن استنهضتهم إلى مكان بعيد، فشق ذلك عليهم، فسألوك في التخلف. وقوله: {وَسَيَحْلِفُونَ بالله لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ}. أي: سيحلف هؤلاء لكم بالله، إنهمه لو قدروا لخرجوا معك، وذلك منهم كذب.
43
{يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ}. أي: يوجبون لها بالتخلف والكذب، والهلاك والغضب في الآخرة. {والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. في أعتذارهم. قوله: {عَفَا الله عَنكَ}، إلى قوله: {بالمتقين}. " النون " من: {عَنكَ}، وحيث ما سكنت مع " الكاف " وأخواتها خرجت بغُنّة من الخياشيم. والمعنى: {عَفَا الله عَنكَ}، يا محمد، ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم. وقيل المعنى: إنه افتتاح كلام بمنزلة: " أصلحك الله " و " أعزك الله ". وقال الطبري: هذا عِتابٌ من الله، D لنبيه عليه السلام، في إذنه لمن أذن لهه من المنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك، حتى يعلم الصادق منهم من الكاذب في
قولهم: {لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ}، فيعلم من له عذر ومن لا عذر له، فيتبين لك الصادق من الكاذب، ويكون إذنك على علم بهم. ثم أرخص الله، D، له الإذن في سورة " النور " فقال: {فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} [النور: 62]. قال بعضُ المفسرين: اثنين فعل رسول الله عليه السلام، لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، وأخذه من الأسارى الفداء. ومن قال هو افتتاح كلام، وقف على: {عَفَا الله عَنكَ}. ومن قال هو عتاب، لم يقف عليه.
وقال محمد بن عرفة نفطويه: ذهب ناس إلى [أنّ] النبي A مُعاتبٌ بهذه الآية، وحاشاه من ذلك، بل كان له أن يفعل وأن لا يفعل حتى ينزل عليه الوحي، كما قال: " لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لجَعَلْتُهَا عُمْرةً "؛ لأنه كان له أن يفعل وأن لا يفعل، وقد قال له الله: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} [الأحزاب: 51]، لأنه كان له أن يفعل ما شاء، فلما كان له أن يفعل ما شاء مما لم ينزل عليه فيه وحي، واستأذنه المتخلفون في التخلف واعتذروا، اختار أيسر الأمرين تكرماً وتفضلاً منه، A، فأبان الله، D أنه لو لم يأذن لهم لأقاموا، للنفاق الذي في قلوبهم، وإنهم كاذبون في إظهار الطاعة له والمشاورة. ف: {عَفَا الله عَنكَ}، عنده افتتاح كلام، أعلمه الله D، به أنه لا حرج عليه فيما فعل من الإذن، وليس هو عفواً عن ذنب، إنما هو أنه تعالى أعلمه أنه لا يلزمه بترك. الإذن لهم، كما قال عليه السلام: " عَفَا اللهُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ وَمَا وَجَتَا قَطُّ " ومعناه: ترك أن يلزمكم ذلك.
45
قوله: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله} الآية. أجاز سيبويه في: {أَن يُجَاهِدُواْ}، أن تكون {أَن}: في موضع جر عكلى حذف الجار، قال: لأنَّ حذف حرف الجر جائزٌ مع ظهور " أن "، ألا ترى أنك لو جعلت مع " أنْ " والفعل: المصدر، لم يجز حذف الجر، لا يجوز: " لايستأذنك القوم/ الجهاد "، حتى تقول: " في الجهاد " ويجوز ذلك مع " أن ". ومعنى ذلك أن الله D، أعلم نبيه عليه السلام، بسيما المنافقين وأن من علاماتهم الاستئذان في التخلف لئلا يجاهدوا في سبيل الله، ومن علامات المؤمنين أنهم لا يستأذنون في ذلك. وقيل العنى: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر} في القعود عن الجهاد. ثم قال: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ [بالله] واليوم الآخر}. أي: في القعود، يدل على ذلك قوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن}، أي: في القعود.
46
وقوله: {وارتابت قُلُوبُهُمْ}. يعني المنافقين الذين يستأذنون في التخلف أي: وشكت قلوبهم في الله D، وفي ثوابه وعقابه، سبحانه، فهم في شكهم {يَتَرَدَّدُونَ}، أي: يتحيرون، لا يعرفون حقاً من باطل. رُوي عن عكرمة، والحسن: أن قوله: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر}، إلى: {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}، نسختها الآية التي في " النور ": {إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ} إلى: {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قوله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً}. والمعنى: ولو أراد هؤلاء الذين استأذنونك في التخلف الخروج معك،
{لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً}، أي: لتأهّبوا للسفر. {ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم}. أي: خروجهم. {فَثَبَّطَهُمْ}. أي: فثقّل عليه الخروج، حتى استحسنوا القعود، وسألوا فيه. {وَقِيلَ اقعدوا}. أي: زيَّن لهم ذلك. ف: {اقعدوا مَعَ القاعدين}، أي: مع المرضى والضعفاء الذين لا يجدون ما ينفقون، ومع النساء والصبيان. والذين استأذنه هو: عبد الله بن أُبي بن سلول، ومن كان مثله. والفاعل المحذوف من: " {وَقِيلَ}، ذُكر أنه النبي A، لأنه هو سمح لهم في
47
التخلف. ويجوز أن يكون المعنى: وقال لهم أصحابهم هذا. قوله تعالى: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم} الآية. المعنى: لو خرج هؤلاء فيكم، {مَّا زَادُوكُمْ} بخروجهم {إِلاَّ خَبَالاً} أي: فساداً {ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ}، أي: ولأسرعوا بركائبهم للسير فيكم. و" الإيضاع ": ضرب من الإسراع في الخيل والإبل. وكتبت: {ولأَوْضَعُواْ} بألف زائدة.
وكذلك: {أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ} [النمل: 21]. وكذلك: {لإِلَى الجحيم} [الصافات: 68]. والعلة في ذلك: أنّ الفتحة كانت تكتب قبل العربي الفاً، فكتبت هذه الحروف على ذلك الأصل، جعلوا للفتحة صورة فزادوا الألف التي بعد اللام، والألف الثانية هي صورة الهمزة. ومعنى {خِلاَلَكُمْ}، فيما بينكم، وهي الفُرَجُ تكون بين القوم في الصفوف.
وقال أبو إسحاق معنى {خِلاَلَكُمْ}: فيما يخل بكم، أي: يسرعوا فيما ينقصكم. {يَبْغُونَكُمُ الفتنة}. أي: يبغونها لكم، أي: يطلبون ما تفتنون به. وقيل {الفتنة} هنا: الشرك. قال ابن زيد: سلّى الله D، نبيه A، بهذه الآية في تخلف المنافقين عنه، فأخبره أنهم ضررٌ لا نفع فيهم. وقوله: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}. أي: فيكم، يا أصحاب محمد، من يستمع حديثكم ليخبرهم بذلك، كأنهم
48
عيون للمنافقين. كذلك قال: مجاهد والحسن وابن زيد. وقال قتادة المعنى: وفيكم من يستمع كلامهم ويطيعهم، فلو صحبوكم أفسدوهم عليكمك. {والله عَلِيمٌ بالظالمين}. أي: ذو علم بمن يقبل من كلام المنافقين، ومن يؤدي إليهم أخبار المؤمنين، وبغير ذلك. قوله: / {لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ/ لَكَ الأمور}، إلى قوله: {بالكافرين}. المعنى: لقد التمس هؤلاء المنافقون لأصحابك، يا محمد، {الفتنة}، أي:
خبالهم وصدهم عن دينهم {مِن قَبْلُ}، أي: من قبل أن ينزل عليك أمرهم وكشف سرهم واعتقادهم {وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور}، أي أجالوا فيك وفي إيطال ما جئت به الرأي {حتى جَآءَ الحق}، أي: نصر الله: {وَظَهَرَ أَمْرُ الله}، أي دينه وهو الإسلام، {وَهُمْ كَارِهُونَ}، لذلك. ثم أخبر الله D، عن المنافقين أن منهم من يقول للنبي A: { ائذن لِّي}، أي: ائذن لي يا محمد، في المُقام ولا أخرج معك، {وَلاَ تَفْتِنِّي}، أي: لا تبتلني برؤية نساء بني الأصفر وبناتهم، فإني بالنساء مغرمٌ، فآثم بذلك. قال مجاهد: قال النبي A: " اغزوا تبوك، تغنموا بنات الأصفر ونساء الروم " فقال بعض المنافقين: ائذن لي، ولا تفتني بالنساء.
وقال قتادة معنى: {وَلاَ تَفْتِنِّي}، أي: لا تؤثمني، بالتخلف عنك بغير رأيك، ائذن لي في المُقام. قال ابن عباس: قال الجد بن قيس للنبي A، لما حضّ على غزو الروم: قد علمت الأنصار أنى إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكني أعينك بمالي. ففي الجد بن قيس نزلت الآية. وقوله: {أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ}. أي: ألا في الإثم وقعوا، ومنه هربوا في زعمهم. {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين}.
50
أي: مُحدقةٌ بهم، جامعةٌ لهم يوم القيامة. {وَلاَ تَفْتِنِّي}: وقف حسن. قوله: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} إلى قوله: {مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ}. والمعنى: إن يصبك يا محمد، سرورٌ وفتح، ساء المنافقين ذلك، وإن يصبك نقص في جيشك أو ضر، أو هزيمة، يقول المنافقون: {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا [مِن قَبْلُ]}، أي: أخذنا الحذر بتخلفنا {مِن قَبْلُ} أي: من قبل أن تصيبهم هذه المصيبة، {وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ [فَرِحُونَ]}، أي: يُدْبروا عن محمد A، [ وهم]: فرحون بما أصابه. ثم قال: {قُل}، يا محمد، لهؤلاء المنافقين: ليس {يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا}، أي: في اللوح المحفوظ، وقضاه علينا: {هُوَ مَوْلاَنَا} أي ناصرنا، {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون}.
53
ثم قال تعالى: {قُلْ} يا محمد لهم: {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الحسنيين}، أي إحدى الخلّتين اللتين هما أحسن من غيرهما، إما الظفر والأجر والغنيمة، وإما القتل والظفر بالشهادة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار. {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ}، أي: بعقوبة عاجلة، تهلككم: {أَوْ بِأَيْدِينَا}، أي: يسلطنا عليكم فنقتلكم. قال ابن جريج: {بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ}: بالموت، {أَوْ بِأَيْدِينَا}: بالقتل. {فتربصوا إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ}. أي: فانتظروا إنا معكم منتظرون، أي: ننتظر ما الله فاعل بكم، وما إليه يصير كل فريق منا ومنكم. قوله: {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ}، إلى قوله: {وَهُمْ كافرون}.
والمعنى: {قُلْ}، يا محمد لهؤلاء المنافقين: أنفقوا أموالكم كيف شئتم، طائعين أو كارهين، فإنها لا تقبل منكم، إذ أنتم في شك من/ دينكم، خارجون عن الإيمان بذلك. وخرج قوله: {أَنفِقُواْ}، مخرج الأمر، ومعناه الخبر، وإنما تفعل العرب ذلك في الموضع الذي يحسن فيه " إنْ " التي للجزاء، [و] منه قوله تعالى: {استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [التوبة: 80]، لفظه لفظ الأمر، ومعناه الجزاء، والجزاء خبر، ومنه قول كثير:
أسيئ بِنَا أوْ أحْسِني، لاَ مَلُومَةً ... لَدَيْنَا وَلاَ مَقْلَّيةً إِنْ تَقلَّتِ. فالمعنى: إن تنفقوا طائعين أو كارهني فلن يقبل منكم. وجاز أن يقع لفظ الأمر بمعنى الخبر، كما جاز أن يقع لفظ الخبر بمعنى الطلب والأمر، تقول: " غَفَرَ اللهُ لِزَيْدٍ " معناه: الطلب والدعاء، ولفظه لفظ الخبر، والمعنى: " اللهم اغفر لزيد ". وهذه الآية نزلت في الجدّ قيس، لأنه لما عرض النبي عليه السلام [عليه] الخروج، سأل المقام، واعتذر بأنه لا يصبر إذا رأى النساء، وأنه يفتتن، ثم قال للنبي A: هذا مالي أعينك به. ثم أخبر الله تعالى بالعلة التي من أجلها لم تقبل نفقاتهم، فقال: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ}، أي: بأن تقبل، {إِلاَّ أَنَّهُمْ}، " أنّ " في
موضع رفع، أي: ما منعهم من أن تقبل منهم نفقاتهم إلا كفرهم. وأجاز الزجاج، أن تكون " أَنَّ " في موضع نصب، على معنى: إلا لأنَّهم كفروا، ويكون الفاعل مضمراً في {مَنَعَهُمْ}، والتقدير ومامنعهم الله من أن تقبل منهم نفقاتهم إلا لأنهم كفروا. ويجوز عند سبيويه، أن تكون في موضع جر، على تقدير حذف الخافض. ومن قرأ: {أَن تُقْبَلَ} بـ: " الياء "، رده على معنى الإنفاق، لأنه والنفقات سواء.
فالذي منعهم من القبول هو كفرهم بالله، D، وبرسوله عليه السلام، وإتيانهم الصلاة وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا يرجون بها ثواباً، ولا يخافون بالتفريط فيها عقاباً، إنما يقيمونها مخافة على أنفسهم رياء، وأنهم لا ينفقون شيئاً من أموالهم {إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ}، إذ لا يرجون ثوابه. ثم قال تعالى: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم}. أي: لا تعجبك، يا محمد، أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله، يا محمد ليعذبهم بها في الآخرة. وقوله: {فِي الحياوة الدنيا}، يريد به التقديم. والمعنى: ولا تعجبك يا محمد، أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، هذا قول ابن عباس، وقتادة وغيرهما. وقال الحسن: ليس في الكلام تقديم ولا تأخير، إنما المعنى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياوة الدنيا}، أي: بما ألزمهم فيها من أخذ الزكاة والنفقة في
سبيل الله، D، وهو اختيار الطبري. على معنى: أنهم يخرجونها تقيةً وخوفاً، ويقلقهم عزمها، ويحزنهم خروجها من أيديهم، فهي لهم عذابٌ. وقال ابن زيد المعنى: {لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياوة الدنيا}، أي: بالمصائب فيها، فهي لهم إثم، والمصائب للمؤمنين أجر. {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون}. أي: تخرج وهم على كفرهم.
56
قال أبو حاتم: {وَلاَ أولادهم}، وقف كاف. فمن قال: في الكلام تقديم وتأخير، لم يجز الوقف. ومن قال: ليس فيه تقديم ولا تأخير، حسن الوقف على: {وَلاَ أولادهم}. و {فِي الحياوة الدنيا}، ليس بتمام؛ لأن {وَتَزْهَقَ}، معطوف عليه. قوله: {وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ}، إلى قوله: {إِنَّآ إِلَى الله رَاغِبُونَ}. والمعنى، / أن هؤلاء المنافقين يحلفون لكم، أيها المؤمنون، {إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ}، يعني في الدين والملة. قال الله D، مكذباً لهم: {وَمَا هُم مِّنكُمْ}، أي: ما هم من أهل ملتكم ودينكم، {ولكنهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ}، أي: يخافونكم، فيقولون بألسنتهم ما لا يعتقدن خوفاً منكم، لئلا تقتلوهم.
ولو يجد هؤلاء المنافقون {مَلْجَئاً}، أي: حصناً يتحصنون فيه منكم، {أَوْ مَغَارَاتٍ}، وهي: الغيران في الجبل، {أَوْ مُدَّخَلاً}: أي: سرباً في الأرض يدخلون فيها. {لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ}، أي لأدبروا، هرباً منك: {وَهُمْ يَجْمَحُونَ}، أي: يُسرعون في مشيهم. و " الجَمْحُ ": مَشي بين مشيين يقال: فرس جَمُوحٌ، إذا كان لا يرده في دفعه لجِامٌ، ولكنهم لا يقدرون على ذلك، لأن دورهم ودراريهم وعشيرتهم تمنعهم من ذلك، فصانعوا بالنفاق، ودافعوا به عن أنفسهم وأموالهم، يَدَّعونَ الإيمان ويبطنون الكفر.
قال ابن عباس: " المَلْجَأُ " الحِرْزُ في الجبل. وقال: {أَوْ مُدَّخَلاً} ذهاباً في الأرض، وهو النفق في الأرض يعني السِّربُ. وواحد المغارات: " مغارة "، من: غار الرجل في الشيء: إذا دخل فيه. وأجاز الأخفش: " مُغارات "، من: " أَغَارَ يُغِيرُ "، كما قال: الحَمْدُ للهِ مُمْسَانَا ومُصْبَحَنَا ... . . . . . . . . . . . . . . . . .
وواحدها " مغارة " وجمعها " مغاور ". وَقَأ عيسى بن عمر، والأعمش: " أوْ مُدَّخَّلاً " بتشديد " الدال " و " الخاء "، والأصل فيه: مُتَدَخَّل على وزن: مُتَفَعَّل، ومعناه: دخول بعد دخول. وَقَرأَ الحسن، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن: {مُدَّخَلاً} من دخل. وحكى أبو إسحاق: {مُدَّخَلاً} بالضم، من " أدخل.
وفي حرف أُبيّ: " مُدَخَّلاً " بتخفيف " الدال " وتشديد " الخاء ". ثم أخبر نبيه عليه السلام، أن من المنافقين من يلمزه في الصدقات، أي: يعيبه بها، ويطعن عليه فيها. يقال: " لَمَزه يَلْمِزُهُ، ويَلْمُزُهُ "، لغتان. والضَّمُّ: قراءة الأعرج، وقد رواها شبل عن ابن كثير.
و " الهُمَزَة اللُّمَزَة ": العياب للناس. وقيل: " الهُمَزَةُ ": الذي يشير بعينه، و " اللُّمَزَة ": الذي يعيب في السر. وقوله: {فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ}. أي: إن أعطيتهم من الصدقات رضوا عنك، فإن لم تعطهم منها سخطوا، [فليس] عيبهم لك إلا ن أجل أنك منعتهم منها. قال مجاهد: {يَلْمِزُكَ}: يروزك، يسألك فيها. وقال قتادة: {يَلْمِزُكَ}، يطعن عليك. قال ابن زيد: قال المنافقون: والله ما يعطيها محمد إلا من أحبَّ، ولا يؤثر بها إلا
60
هواه، فنزلت الآية. ثم قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ}. أي: ولو أن هؤلاء المنافقين، الذين يلمزونك في الصدقات، رضوا ما أعطاهم الله ورسوله، {وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله}، أي: كافينا الله، {سَيُؤْتِينَا الله مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ}، أي: سيعطينا الله من فضل خزائنه، ورسوله من الصدقات وغيرها، {إِنَّآ إِلَى الله رَاغِبُونَ}، في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقات. قوله: {إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين والعاملين عَلَيْهَا}، الآية. {فَرِيضَةً}: نصب على المصدر.
ومعنى الآية في قول عكرمة: أنها ناسخة لكل صدقة في القرآن. فقوله: {لِلْفُقَرَآءِ والمساكين}. قال مجاهد، وعكرمة، والزُّهري، وجابر بن زيد: / " الفقير ": الذي لا يسأل و " المسكين ": الذي يسأل. وقال ابن عباس: " المسكين ": الطواف، و " الفقير ": فقير المسلمين. وقال قتادة " الفقير ": المحتاج الذي به زمانه، و " المسكين ": الصحيح المحتاج.
وقال الضحاك " الفقراء ": فقراء المجاهدين، و " المساكين ": [الذين] لم يهاجروا. وذكر ابن وهب، عنه، أنّ " الفقراء ": من المهاجرين، و " المساكين "): من الأعراب. قال: وكان ابن عباس يقول: " الفقراء " من المسلمين، و " المساكين " من أهل الذمة. وقال الشافعي " الفقراء ": الذين لا مال لهم ولا حرفة تغنيهم، و " المساكين " الذين لهم مال، أوْ حرفة لا تغنيهم. وقال أبو ثور " الفقير ": الذي لا شيء له، و " المسكين ": الذي لا يكسب من كسبه ما يقوته. وقال عبيد الله بن الحسن " المسكين " الذي يخشع ويستكين، بأن لم يسأل و " الفقير "، الذي يتحمل، ويقبل الشيء سراً، ولا يخشع.
وقال محمد بن مَسْلمة " الفقير ": " الذي له مسكن يسكنه والخادم إلى ما هو أسفل من ذلك، و " المساكين ": الذي لا مال له. وقال أهل اللغة: " المسكين ": الذي لا شيء له، و " الفقير ": الذي له شيء يكفيه. قال يونس: قلت لأعرابي: أفقير أنت؟ قال: لا، بل مسكين. وقال عكرمة " الفقراء ": من اليهود والنصارى، و " المساكين ": من المسلمين. واختار الطبري، وغيره أن يكون " الفقير ": الذي يعطى بفقره فقط، و " المسكين ": الذي يكون عليه مع فقره خضوع وذل السؤال. وأنشد أهل اللغة قول الراعي: أمَّا الفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ الِعيَالَ فَلَمْ يُتْركْ لَهُ سَبَدُ
فجعل للفقير حَلُوبَةً، مقدار ما يكفي العيال. ف: " المسكين " أشد حاجة من: الفقير " فكل مسكين فقير، وليس كل فقير مسكيناً. ف: " الفقير ": الذي لا غنى له فوق قوت يومه، وهو فَعِيلٌ بمعنى مَفْعُول، كأنَّه مفقور الظهر، وهو الذي نزعت فَقْره [من فِقَر] ظهره، فانقطع ظهره من شدة الفقر، وهذا الاشتقاق يدل على أنّ " الفقير " أشدُّ حاجةً من " المسكين " وقد ق تعالى: {فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البحر} [الكهف: 79]، فسماهم: مساكين، ولهم سفينة، ولا حجة في
قراءة من قرأ: " مَسَّاكِينَ "، بالتشديد؛ لأن الجماعة على التخفيف. وقوله: {والعاملين عَلَيْهَا}. هم السعادة في قبضها من أهلها، يُعْطَوْنَ عليها، أغنياء كانوا أو فقراء. وذلك عند مالك إلى الإمام، يجتهد فيما يعطيهم، وليس لهم فريضةٌ مسماة. وأما {والمؤلفة قُلُوبُهُمْ}، فقال ابن عباس: هم قوم كانوا يأتون رسول الله A، قد أسلموا، فكان النبي عليه السلام، يَرْضَخُ لهم من الصدقات، فإذا أصابوا خيراً، قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك، عابوه وتركوه. وقال الزُّهري: {والمؤلفة قُلُوبُهُمْ}: من أسلم من يهود أو نصراني، غنياً كان أو فقيراً. وقال الحسن: أما {والمؤلفة قُلُوبُهُمْ}، فليس اليوم.
وكذا رُوي عن عمر بن الخطاب Bهـ. وقال الشعبي: كانت " المؤلفة "، على عهد النبي A، فلما وَلِيَ أبو بكر انقطع ذلك. وهو قول مالك، قال: يرجع سهم المؤلف إلى أهل السهام الباقية. واقل الشافعي " المؤلفة ": من دخل في الإسلام. وقال ابن حنبل/ وغيره: {والمؤلفة قُلُوبُهُمْ}، في كل زمان. وهو اختيار الطبري. و" اللام " في قوله: {لِلْفُقَرَآءِ}، وما بعد ذلك، بمعنى: " في "، ولو حملت على ظاهرها لوجب أن يعطوا الصدقات، يفعلون فيها ما يشاؤون. وقوله: {وَفِي الرقاب}، يدل على أنَّ " اللام " بمعنى " في ". والمعنى إنما توضع الصدقات في هؤلاء على ما يستحقون، فيأخذونها لأنفسهم، ف " اللام " توجب استحقاقها كلها لهم يعملون فيها ما يشاؤون.
وقوله: {وَفِي الرقاب}. قال ابن عباس: تعتق منها الرقبة. قال: لا بأس أن يُعطى الرجل من زكاته في الحج، وأن يعتق منها الرقبة. وممن قال يعتق من الزكاة الرقاب: الحسن البصري، ومالك، وابن حنبل، وغيرهم. وكره مالك أن يعان بها المكاتبون. وقال الحسن، والزهري، وابن زيد، والشافعي: معنى {وَفِي الرقاب}، يعني المكاتبين. والمعنى على هذا: وفي فك الرقاب، ورُوِيَ ذلك عن أبي موسى الأشعري.
وولاء من أعتق من الزكاة لجميع المسلمين عند مالك. وقال الحسن، وابن حنبل، وإسحاق: يجعل ما يتركه المعتّق في الرقاب. وقال أبو عبيد: الولاء للمعتق. وقوله: {والغارمين}. قال مجاهد الغارَمُ: من احترق بيته، أو يصيبه السيل فيذهب ماله. وقيل: هم المستدينون في غير سرف، ينبغي للإمام أن يقضي عنهم من بيت المال. وقال الزهري: {والغارمين}، أصحاب الدين. (وقال قتادة: الغارمون)، قوم غرَّقتهم الديون في غير تبذير ولا فساد.
وأجاز الحسن أن يحتسبَ الرجل من زكاته بالدين، يكون له على المعسر. وهو قول عطاء. وأجازه الليث إذا حَلَّ الأجَلُ، وكن الذي عليه الدَّيْنُ مُسْتَوْجِباً للصدقة. وقوله: {وَفِي سَبِيلِ الله}. المعنى: وفي نصر دين الله يعطى الغازي منها وإن كان غنياً. هذا قول مالك، والشافعي. وقوله: {وابن السبيل}. هو الضيف والمسافر، والمنقطع بهما. وقال مالك: الحاج المنقطع به هو ابن السبيل، يعطى من الزكاة.
وأكثر الناس على أن المتصدق بزكاته يجزيه أن يضعها في أي الأصناف المذكورين شاء. هو قول: ابن عباس، والحسن، والنخعي، وعطاء، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة. قال مالك: تجعل في أي الأصناف كانت فيه الحاجة. قال مالك: من له دارٌ وخادمٌ ليس في ثمنها زيادة تكفيه لو باعهما واشترى ما هو دون منهما، فإنه يأخذ من الزكاة، فإن فضل له ما يعينه على عيشه ويكفيه إذا باعهما، واشترى غيرهما لم يأخذ من الزكاة. وهو قول الحسن، والنخعي، والثوري وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: إنه قد يكون للرجل الجملة من الدنانير والدراهم، وَعَلَيْهِ عِيَالٌ، وهو محتاج إلى أكثر منها، فله أن يأخذ من الزكاة.
[وقال أبو حنيفة: من معه عشرون ديناراً أو مائتا درهمٍ، فليس له أن يأخذ من الزكاة]. وقيل: من له خمسون درهماً فلا يحل له أن/ يأخذ من الزكاة. وهو قول ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وهو مروي عن علي بن أبي طالب Bهـ. وفيه حديث عن النبي A، أنه قال: " مَنْ سَأَلَ، وَلَهُ مَالٌ يُغْنِيهِ، جاءت - يعني مسألته - في وجهه يوم القيامة خُمُوشاَ أو كُدُوحاً "، قالوا: يا رسول الله، وماذا غناه؟ قال: " خمسون درهماً أو حسابها من الذهب ". وقيل: لا يأخذ من يملك أربعين درهماً من الزكامة. ورُوِيَ عن الني A، أنه قال: " مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أربعون درهماً، فقد سأل إِلحاَفاً "
" والأوقية: أربعون درهماً ". وقد رُوِيَ هذا عن مالك، والأول أشهر عنه. وهو [قول] أبي عبيد. قال مالك: إذا كان الإمام يعدل فلا يسع أحداً أن يفرق زكاة ماله النَّاضِّ، ولا غيره، ولكن يدفعه إلى الإمام. ويبعث الإمام في زكاة الماشية، وما أنبتت الأرض، ولا يبعث في زكاة العين، ولكن إن كان عدلاً سألهم ذلك، كما فعب أبو بكر Bهـ، ويصدق الناس في ذلك.
61
قوله: {وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ}، إلى قوله: {إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ}. روى الأعمش عن أبي بكر: " قُلْ أُذْنٌ خَيْرٌ لَّكُمْ "، بالتنوين والرفع فيهما، وهي قراءة الحسن. ومعنى ذلك: قُلْ هو أذن خَيْرٍ لا أذن شّرٍٍّ، وذلك أنهم قالوا: هو يسمع من كل أحد، ويسمع ما يقال له ويصدقه. فقوله: {هُوَ أُذُنٌ}، أي: أذنٌ سامعة تسمع من كل أحد. وأصله من " أَذِنَ " إذا تَسمَّعَ. ومنه الخبر عن النبي A: " مَا أُذِنَ لِشَيء كَأَذِنه لِنَبِيٍ يَتَغَنَّى بالقُرْآنِ ".
ويُرْوَى " أنَّ هذه الآية نزلت في نبتل بن الحارث، ونفر معه من المنافقين، كان نَبْتَلُ يأتي النبي A، يتحدث إليه فيستمع النبي A منه، فنيقل حديثه إلى المنافقين، ويقول: إنما محمد أُذُنٌ، من حَدَّثهُ سمِعَ وصدَّقَه. وهو الذي قال النبي A، فيه: " من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل ابن الحارث ". وكان جسيماً، ثائر شعر الرأس، أسفع الخدين، أحمر العينين. ومعنى قراءة من نوَّن، قل: أذن يسمع ما تقولون ويصدقكم في قولكم خير لكم من أن يكذبكم في قولكم، فالتقدير: إن كان الأمر كما تقولون فهو خير لكم يقبل اعتذاركم. وقوله: {يُؤْمِنُ بالله}. أي: يُصدق بالله، ويصدق المؤمنين، أي: لا يقبل إلا من المؤمنين. فأكذبهم الله فيما قالوا عنه: إنه يقبل من كل أحد، فأخبرهم أنه إنما يصدق المؤمنين لا
الكافرون والمافقين. والعرب تقول: " آمنتُ له، وآمنْتُه " بمعنى، أي: صدَّقته، كما قال: {رَدِفَ لَكُم} [النمل: 72]، بمعنى: ردفكم وكما قال: {لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154]، أي: ربَّهم يرهبون. و (اللام) عند الكوفيين زائدة، وعند المبرد متعلقة بمصدر دل عليه الفعل. يعني: و {رَدِفَ لَكُم}، و {يَرْهَبُونَ}. قال ابن عباس: {هُوَ أُذُنٌ}، أي: يسمع من كلِّ أحد.
قال قتادة: كانوا يقولون: محمد أُذُن، لا يُحدَّث بشيء إلا صدَّقه. وقوله: {وَرَحْمَةٌ}. أي: وهو رحمة. ومن قرأ: بالخفض، فعلى معنى: هو أُذُن خير وَأُذُن رحمة لمن اتبعه. {والذين يُؤْذُونَ رَسُولَ الله}. أي: يعيبونه، {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: أي: مؤلم. ثم قال تعالى حكاية عنهم: {يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ}، أي: ليرضيوكم إذا بلغهم/ عنكم أنّكم سمعتم بأذاهم للنبي، فحَلَفُوا أنهم ما فعلوا ذلك، وأنهم لعلى دينكم. {والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ}. التقدير عند سبيويه: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، ثم حذف الأول لدلالة الكلام عليه.
والتقدير عند المبرد: أنَّه لا حذف في الكلام، وأنَّ فيه تقديماً وتأخيراً، والمعنى عنده: والله أحق أن يرضوه ور [سوله]. وقد رُدّ هذا القول؛ لأن التقديم والتأخير إنما يلزم إذا لم يكن استعمال اللفظ على ظاهره، فإذا حَسُنَ استعمال اللفظ على سياقه لم يقدر به غير ترتيبه. وقد رُدَّ أيضاً قول سيبويه بأن قيلأ: الإضمار إنما يلزم إذ لم يجز استعمال اللفظ بظاهره من سياقه، أو من تقدير فيه، فأما إذا جاز استعماله بغير زيادة على وجه ما، لم يجز تقدير إضمار وحذف. وقوله: {إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ}. أي: مصدقين فما زعموا. ذكر بعض المفسرين: أنّ رجلاً من المنافقين، انتقص النبي A، فسمعه ابن امرأته، فمضى إلى النبي عليه السلام، فأخبره، فوجه النبي A، إلى المنافق، فأتاه، فقال: ما حملك على ما قلت؟ فأقبل المنافق يحلف بالله ما قال ذلك، وجعل ابن امرأته يقول:
63
اللهم صِدّق الصادق، وكِذّب الكاذب، فأنزل الله D: { يَحْلِفُونَ [بالله] لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ}، الآية. قوله: {أَلَمْ يعلموا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ} إلى قوله: {تَحْذَرُونَ}. قوله: {فَأَنَّ لَهُ}. " أنّ " بدل من الأولى عند الخليل وسيبويه. وقال المبرد والجَرْمِي: " أنَّ " الثانية مكررة للتوكيد.
وقال الأخفش: " أنّ " في موضع رفع الابتداء، والمعنى: فوجوب النار له. وأنكر ذلك أبو العباس؛ لأنَّ " أنَّ " المشددة المفتوحة لا يبتدأ بها، ويضمر الخبر. وقال علي بن سليمان: " أَنَّ " في موضع رفع على إضمار مبتدأ، والمعنى: فالواجب أن له النار. وكلهم أجاز كسر " أَنَّ "، واستحسنه سيبويه. ومعنى الآية: ألا يعلم هؤلاء المنافقون {أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله}، أي: يجانبه ويعاديه وحقيقته: أنه يقال: حادَّ فلانٌ فلاناً، أي: صار في حد غيره حده،
{فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً (فِيهَا)}، أي: لابثاً أبداً، {ذلك الخزي العظيم}، أي: الهوان والذل. ثم قال تعالى إخباراً عما يُسِرُّ المنافقون: {يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ}، الآية. المعنى: يَخْشى المنافقون، أن ينزّل الله D، سورة يخبر فيها بما في قلوبهم. وكانوا يقولون القول القبيح في النبي A، وأصحابه بينهم، ويقولون: عسى الله ألاّ يفشي سِرَِّنا علينا. ورُوي أنهم كانوا سبعين رجلاً، أنزل الله D، أسماءهم وأسماء آبائهم في القرآن، ثم رفع ذلك ونسخ رحمة ورأفة منه على خلقه؛ لأن أبناءهم كانوا مسلمين. قوله: {قُلِ استهزءوا إِنَّ الله}. هذا تهديد من الله D، لهم. {إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ}. أي: مظهر سركم الذي تخافون أن يظهر.
65
قال قتادة: كنا نسمي هذه السورة: " الفاضحة "؛ لأنها فضحت المنافقين. قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ}، إلى قوله: {مُجْرِمِينَ}. المعنى: ولئن سألتهم، يا محمد، عما قالوه من الباطل، ليقولن: إنما قلنا ذلك لعباً وخوضاً وهزؤاً، {قُلْ}، يا محمد، لهم: {أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ}، هذا توبيخ وتقريع لهم. قال الفراء: أنزلت في ثلاثة نفر، استهزأ رجلان منهم برسول الله A، و/القرآن، وضحك إليهما الثالث، فنزلت: {إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ}، يعني: الضاحك، {نُعَذِّبْ طَآئِفَةً}، يعني المستهزئين. ف " الطائفة " تقع للواحد والاثنين. وذكر أبو الحسن الدَّارَقُطِني في كتاب الرواة عن مالك أنّ اسماعيل بن
داود المخراقي روى عن مالك عن نافع عن ابن عمر، أنه قال: رأيت عبد الله بن أُبي يشتد قدام رسول الله A، والحجارة تنكيه وهو يقول: يا محمد، إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي A يقول: {أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ}. ثم قال تعالى: {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}، أي: كفرتم بقولكم في رسول الله A، فهذا متصل بقوله: {قُلْ أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ}. {لاَ تَعْتَذِرُواْ}، وهو الوقف عند نافع. {نَخُوضُ وَنَلْعَبُ}، وقف. وَيُرْوَى أنَّ هذه الآية نزلت في رهط من المنافقين، كانوا يرجفون في غزوة النبي A، إلى تبوك ويُخَوّفون المسلمين من الروم، فسألهم النبي عليه السلام عن قولهم، فقالوا: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ}. وقال قتادة: نزلت في أُنَاس من المنافقين، قالوا في غزوة تبوك: أيرجو هذا
الرجل أن يفتح قصور الشأم وحصونها؟ هيهات هيهات، فأطلع الله D، نبيه عليه السلام، على ذلك، فأتاهم النبي فقال: قلتم كذا كذا. فقالوا: يا نبي الله: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ}. وقال ابن جبير: قال ناس من المنافقين في غزوة تبوك: لئن كان ما يقول حقاً لنحن شرٌّ من الحمير، فأعلم الله D، نبيه عليه السلام، بذلك، فقال لهم: ما كنتم تقولون، فقالوا: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ}. ثم قال تعالى: {إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً} " الطائفة " التي عفا عنها هاهنا، رجل منهم كان قد أنكر ما سمع، يُسمّى: مَخشِي بن حُمَيّر الأَشْجَعِي. وقيل: إنَّه أقر على نفسه وصاحبيه بما قالوا نادماً تائباً، فهو " الطائفة " المعفو عنها. فالمعنى: {إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ}، بإنكار ما أنكر عليكم من قول الكفر
67
{نُعَذِّبْ طَآئِفَةً} بقولهم ورضاهم بالكفر، واستهزائهم بالله سبحانه، ورسوله A، وآياته. وقيل: المعنى: إن تتب طائفة منكم، يعف الله D، عنها، تعذب طائفة بترك التوبة. قال أبو أسحاق: كانت الطائفتان ثلاثة نفر، استهزأ اثنان، وضحك واحد. {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ}. أي: باكتسابهم الجرم، وهو الكفر بالله، سبحانه، والطعن على رسوله عليه السلام. قوله: {المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} إلى قوله: {هُمُ الخاسرون}. هذا الكلام متصل بقوله: {وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ} [التوبة: 56]، أي: ليسوا من المؤمنين، ولكن {بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ}، أي: متشابهون في الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض أيديهم عن الجهاد .. {نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ}.
أي: تركوا الله فتركهم، أي تركوا أمره، فتركهم من رحمته وتوفيقه. {إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ}. أي: هم الخارجون عن الإيمان بالله ورسوله، عليه السلام. وعدهم الله: {نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا}، أبداً، أي: ماكثين، لا يحيون ولا يموتون. {هِيَ حَسْبُهُمْ}. أي: كافيتهم عقاباً على كفرهم. {وَلَعَنَهُمُ الله}. أي: أبعدهم من رحمته. {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}. أي: للفريقين من أهل الكفر والنفاق {عَذَابٌ مُّقِيمٌ}، أي: دائم لا ينقطع ولا يزول. {هِيَ حَسْبُهُمْ}، وقف عند نافع.
وقوله: {كالذين}. في موضع نصب نعت/ لمصدر محذوف، والمعنى: وعد الله هؤلاء بكذا وعداً، كما وعد الذين من قبلهم. فعلى هذا لا يوقف على ما قبل " الكاف ". ومثله: {كالذي خاضوا}، [أي: خوضاً كما الذي خاضوا]. والمعنى عند الطبري: قل لهم، يا محمد، {أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ}، {كالذين مِن قَبْلِكُمْ}، فعلوا كفعلكم، فأهلكهم الله، وأعد لهم العقوبة والنكال في
الآخرة، فقد {كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ [قُوَّةً]}، أي: بطشاً، وأكثر منكم أموالاً، {فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ}، أي: بنصيبهم من دنياهم، كما استمتعتم، أيها المنافقون، {بِخَلاَقِكُمْ}، أي: بنصيبكم من دنياكم، {وَخُضْتُمْ} مثل خوضهم. وهذا يدل على أن " الكاف " في موضع نصب، نعت لمصدر " يستهزءون ". وقد قال النبي A، في هذا المعنى: " لتأخُذنَّ كما أخذت الأُمم من قبلكم، ذراعاً بذراع، وشبراً بشبر، وباعاً بباع، حتى لو أنَّ أحداً دخل جُحْرَ [ضَبٍّ] لَدَخَلْتُمُوه "، رواه عنه أبو هريرة: ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: {كالذين مِن قَبْلِكُمْ}، الآية. قال أبو هريرة: " الخَلاَق ": الدِّينُ.
70
{أولئك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}. يعني الذين قالوا: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ}، ركبوا فعل من سبقهم من الأمم الهالكين. ومعنى: {حَبِطَتْ}: بطلبت {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون}. أي: المغبونون صفقتهم، لبيعهم نعيم الأبد بعرض الدنيا اليسير منه. {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ}، الآية. والمعنى: ألم يأْت هؤلاء المنافقين خبر من كان قبلهم، من قولم نوح، وعاد، وثمود وشبههم، الذين خالفوا أمر الله D، وعصوه، جلت عظمته، فأهلكم ودمرهم، فيتعظون بذلك، وينتهون ويتفكرون ما في خبر قوم نوح، إذا غرقوا بالطوفان، وعاد وهم قوم هود، إذ هلكوا بريح صرصر عاتية، وخبر ثمود، وهو قوم صالح، إذ هلكوا بالرجفة، وخبر قوم إبراهيم، إذ سلبوا النعمة وأهلك نمرود ملكهم، وخبر أصحاب مدين، وهم قوم شعيب، إذ أهلكوا بعذاب يوم الظُلَّة. ويُروى: أن شعيباً اسمه مدين، على اسم المدينة، فكان قوله: {وأصحاب مَدْيَنَ}، معناه: وأصحاب شعيب. وقوله تعالى في موضع آخر: {وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} [الأعراف: 85].
يدل على أن مدين مدينة. وخبر المؤتفكات، في مدائن قوم لوط، إذ صيَّر أعلاها أسفلها، وإنما سموا مؤتفكات؛ لأن أرضهم ائتفكت بهم، أي: انقلبت بهم، وهي مأخوذة من " الإفْكِ " وهو الكذب، لأنه مقلوب على الصدق، وكانت قرى ثلاثة، ولذلك جُمِعَت. {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات}. أي: أتى كل أمة رسولها، فجمع الرسل، لأن كل أمة رسولها. {بالبينات}. أي: بالآيات الظاهرات، والحجج النيّرات، فكذبوا وردوا وكفروا. {فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ}. أي: فما كان الله ليضع عقوبته في غير مستحقيها. {ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. إذ عصوا الله D، وكذبوا برسوله حتى أسخطوا ربهم، سبحانه، واستوجبوا
71
العقوبة، فظلموا بذلك أنفسهم. قوله: {والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}، إلى قوله: {الفوز العظيم}. المعنى: {والمؤمنون والمؤمنات}، أي المصدقون بالله، D ورسوله عليه السلام {(يَأْمُرُونَ) بالمعروف}، أي: يأمرون الناس بالإيمان بالله D، ورسوله عليه السلام. وينهونهم عن الكفر، والمنافقون [هُمْ] / بضد ذلك ينهون عن الإيمان، ويأمرون بالمنكر، وهو الكفر بالله، D، وبرسوله عليه السلام. قال أبو العالية: كل ما ذكر الله D، في القرآن من " الأمر بالمعروف " هو دعاء لمن أشرك إلى الإسلام، وما ذكره من " النهي عن المنكر " فهو النهي عن عبادة الأوثان والشياطين. {وَيُقِيمُونَ الصلاة}. يعني: الصلوات الخمس، في أوقاتها وبحدوها. {وَيُؤْتُونَ الزكاة}.
يعني: المفروضة في وقتها. {وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ}. يعني فيما أمرهم به، ونهاهم عنه. {أولئك سَيَرْحَمُهُمُ [الله]}. أي: يتعطف عليهم، فينجيهم من عذابه، ويدخلهم جناته. ثم قال تعالى: {وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار}. والمعنى: وعد الله النساء والرجال من المؤمنين بساتين. {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا} (أبداً). أما ماكثين لا يزول نعيمهم ولا ينقطع، {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً}، أي: منازل يسكنونها. قال الحسن: سألت أبا هريرة وعمران بن حصين عن:
{وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ}، فقالا: على الخبير سقَطْتَ، سألنا رسول الله A عن ذلك قال: " قصر في الجنة من لؤلؤة، فيه سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة، خضراءَ، في كل بيت سبعون سريراً ". ومعنى {جَنَّاتِ عَدْنٍ} عند ابن عباس، أي: " معدن الرجل " الذي يكون فيه. وقيل المعنى: جنات إقامة وخلود. والعرب تقول: " عَدَنَ فلانٌ بِمَوْضِعِ كَذَا "، إذا أقام به. ورُي عن النبي A، أنه قال: " لا يدخلها إلا النبيّون والصديقون والشهداء ". وقال كعب: {جَنَّاتِ عَدْنٍ}، هي الكروم والأعناب، السريانية. يعني أن
لغة العرب وافقت السريانية في هذا الكلام. وقال ابن مسعود: {جَنَّاتِ عَدْنٍ}، هي اسم لبُطْنَان الجنة، يعني وسطها. وقال الحسن: هو اسم لقصر في الجنة من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صِدّيقٌ، أو شهيدا أو حَكَمٌ عَدْلٌ. وروى أبو الدرداء أن النبي A، قال: " إن الله D، يفتح الذكر لثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى [منهن]، ينظر في الكتاب الذي لا ينظره غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت. ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنات عدن، وهي داره التي لم يرها غيره، ولم تخطر على قلب بشر ". وقال الضحاك: {جَنَّاتِ عَدْنٍ}، مدينة في الجنة، فيها الرسل، والأنبياء، والشهداء، وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها. وقال عطاء {عَدْنٍ}: نهر في الجنة جنَّاته على حافتيه. ثم قال تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ}.
73
[أي: أكبر] من ذلك لكه، رضوان الله D، عن أهل الجنة. قال أبو سعيد الخدري: قال النبي A: " إنَّ الله D، يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبّيك ربَّنا وسَعْدَيكَ، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، لقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحداً من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. فيقولون: يا ربّ، وأيُّ شيء أفضل من ذلك، فيقول: أُحِلُّ لكم رضواني فلا أسْخَطُ عليكم أبداً ". ومن أجل تفضيل الرضوان على ما قبله مما وعدوا به، انقطع الكلام، وابتدأ بالرضوان، فرفع. ثم قال تعالى: {ذلك هُوَ الفوز العظيم}. أي: هذه الأشياء التي/ وعدوا بها، وهي الظفر الجسيم. {جَنَّاتِ عَدْنٍ}، وقف. {أَكْبَرُ}، وقف. قوله: {يا أيها النبي جَاهِدِ الكفار}، إلى قوله: {مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}.
المعنى: جاهدهم بالسيف. قال ابن مسعود: الجهاد يكون باليد، واللسان، والقلب، فإن لم يستطع فليكفهِّر في وجهه. وقال ابن عباس: أمر النبي A، بجهادهم، باللسان للمنافقين، وبالسيف للكفار. وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف، وأغلظ على المافقين بالكلام. وقال الحسن المعنى: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بإقامة الحدود عليهم. وهو قول قتادة.
وقيل: معنى جاهد المنافقين: إقامة الحجة عليهم. ثم قال حكاية عنهم: {يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ}، وذلك أن رجلاً من المنافقين، يسمّى: الجُلاَس بن سُوَيْد بن الصامت، قال: إن كان ما جاء به محمد حقاً، لَنَحْنُ شَرٌّ من الحَمِيرِ، فقال له ابن امرأته، واسمه عمير بن سعد،: والله، إنَّ محمداً A لَصَادِقٌ، ولأنت شر من الحمار، والله، لأخبرنّ رسول الله A، بما قلت وإلا أفعل أخاف أن تصيبني قارعة وأؤخذ بخطيئتك، فأعلم الله النبي عليه السلام بذلك، فدعا النبي A، الرجل، فحلف ما قال، فأنزل الله D: { يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ} الآية. قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما نزل فيه القرآن، تاب وحسنت توبته. وقيل: إنه سمعه يقول ذلك، عاصم بن عدي الأنصاري، وهو الذي أخبر النبي عليه السلام، بذلك، فاحضر للنبي A الجُلاَس وعامراً، فحلف الجُلاَس بالله ما قال ذلك، فقال عامر: والله، لقد قاله، ورفع عامر يديه، وقال: اللهم أنزل على
عبدك ونبيّك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، فقال النبي A: آمين، فأنزل الله تصديق عامر، فقال الجُلاَس: قد عرض الله علي التوبة، والله، لقد قلته وصدق عامر، وتاب الجُلاَس وحسنت توبته. وَيُرْوَى أن عامراً، قال للنبي A: إنه ليريد قتلك، وفيه نزل: {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ}، أي: هموا بقتلك ولا ينالونه. وقال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول، رأى رجلاً من غفار، تَقَاتَلَ مع رجل من جُهينة، وكانت جُهينة حُلفاء الأنصار، فَعلا الغفاريُّ الجُهَنيَّ، فقال عبد الله للأوس: انصروا أخاكم، فوالله ما مَثَلُنَا ومَثَلُ محمد إلا كما قال القائل: سَمَنْ كلبك يأكلك، {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل} [المنافقون: 8]، فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي A فأرسل إليه النبي عليه السلام فسأله، فحلف ما قاله، فأنزل الله D، { يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ}. وقوله: {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ}. قيل: هو الجُلاَس بن سويد [هَمَّ] بقتل ابن امرأته خوفاً أن يفشي عليه ما سمع منه.
وقال مجاهد: هَمَّ رجل من قريش يقال له الأسود، بقتل النبي، عليه السلام. وقيل: هو عبد الله بن أبيّ بن سلول، هم بإخراج النبي عليه السلام، من المدينة/ وهو ما حكاه الله D، عنه: {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل}. وقل: هو الجُلاَس، همّ بقتل النبي A. وقوله: {وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ}. والمعنى: أنهم ليس ينقمون شيئاً. قال الطبري، وغيره: كان المنافق الذي قال كلمة الكفر، حلف أنَّه ما قال، قُتِل له مولىً، فأعطاه رسول الله A، ديته، فأغناهُ بها، فقال الله D، ما أنكروا على رسول
الله A، شيئاً: {إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ}. وهو الجُلاَس. وقال قتادة: كانت لعبد الله بن أُبيّ دية، فأخرجها رسول الله A [ له]. قوله: {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ}. أي: إن تاب هؤلاء القائلون لكمة الكفر يكُ ذلك خيراً لهم من النفاق. {وَإِن يَتَوَلَّوْا}. أي: يدبروا عن التوبة. {يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَاباً أَلِيماً فِي الدنيا}. أي: بالقتل، وفي الآخرة بالنار. {وَمَا لَهُمْ فِي الأرض مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}. يمنعهم من العقاب، ولا نصير ينصرهم من عذاب الله D.
75
{بِمَا لَمْ يَنَالُواْ}، وقف. {مِن فَضْلِهِ}، وقف. {خَيْراً لَّهُمْ}، وقف. قوله: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ} إلى قوله: {الغيوب}. والمعنى: ومن هؤلاء المنافقين {مَّنْ عَاهَدَ الله} لئن رزقه الله D، ووسَّع عليه، لَيَصَّدَّقَنَّ، وليعْمَلَنَّ، بما يعمل أهل الصلاح فلما أغناهم الله، سبحانه {مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ}، وأدبروا عن عهدهم، {وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ}، {فَأَعْقَبَهُمْ} الله عزو جل، بذنوبهم {نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ}، أي: يموتون. وفعل ذلك بهم عقوبة لبخلهم، ونقضهم ما عاهدوا الله عليه. " وهذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب، قال للنبي A: ادع الله أن يرزقني مالاً أتصدق به، فقال له النبي عليه السلام: " ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تُطِيقُهُ "، ثم عاود ثانية، فقال له النبي A: " أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهباً وفضةً لَسَارَتْ "، فقال: والذي بعثك
بالحق لئن دعوت الله يرزقني لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له النبي A، فاتَّخذَ غَنماً، فَنَمَتْ كما تَنْمِي الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر في جماعة، والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت، فَتَنَحَّى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تَنْمِي حتى ترك الجمعة. وطفِق يلقى الركبان يوم يوم الجمعة، يسألهم عن الأخبار، فسأل النبي عليه السلام عنه فأُخْبر بخبره، بكثرة غنمه وبما صار إليه، فقال النبي A، " يا ويح ثَعْلَبَ " ثلاث مرات، فنزلت {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} ". ونزلت فرائض الصدقة، فبعث النبي A، رجلين على الصدقة، رجُلاً من جُهَينة، والآخر من بني سليم، وأمرهما أن يَمُرَّا بثعلبة، (وبرجل آخر من بني سليم، يأخذان منهما صدقاتهما، فخرجا حتى أتيا ثعلبة)، فقال: ما هذه الأجرة، وما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا، وعودا. فانطلقا، وسمع بهما السُّلمي، فعمد إلى خِيَارٍ إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد [أن] نأخذ منك هذا. قال: بل فخذوه فإن نفسي بذلك/ طيبة، فأخذوها منه. فلما فرغا من صدقاتهما
رجعا حتى [مرّا] بثعلبة، فقال: أروني كتابكما، وكان النبي A، كتب لهما كتاباً في حدود الصدقة، وما يأخذانه من الناس، فأعطياه الكتاب، فنظر إليه، فقال: ما هذه إلا أُخت الجزية، انطلقا عني حتى أرى رأيي. فأتيا النبي A، فلما رآهما قال: " يا ويح ثعلبة " قبل أن يكلمهما، ودعا للسُّلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع السلمي، وبالذي صنع ثعلبة، فانزل الله D، { وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله} الآية، وعند رسول الله - A - رجل من أقارب ثعلبة، فخرج حتى أتاه، فقال: ويحك يا ثعلبة، قد أنزل الله D، فيك كذا وكذا، فخرج حتى أتى النبي عليه السلام فسأله أن يقبلَ منه صدقته فقال: " إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك "، فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال له النبي عليه السلام: " قد أمرتك فلم تطعني "، فرجع ثعلبة إلى منزله، وقُبض رسول الله A، ولم يَقْبِضْ منه شيئاً. ثم أتى إلى أبي بكر فلم يَقْبِضَ منه شيئاً [ثم أتى إلى عمر بعد أبي بكر فلم يقبض منه شيئاً. ثم أتى إلى عثمان بعد عمر فلم يقبض منه شيئاً]. وتوفي في خلافة عثمان Bهـ.
79
وقيل: إن إنما نوى العهد في نفسه فلم يف به، ودَلَّ على ذلك قوله: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ}. وعلامة المنافق: نقض العهد، وخلف الوعد، وكذب القول]. قوله: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ}. أي: [ألم] يعلم هؤلاء المنافقون الذين يكفرون بالله D، ورسوله عليه السلام، ويظهرون الإيمان، أن الله D، يعلم ما يسرون من ذلك وما يظهرون فيحذروا عقوبته، وألم يعلموا أنَّ الله علام الغيوب. قوله: {الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} إلى قوله: {الفاسقين}.
والمعنى: الذين يعيبون الذين تطوعوا بصدقاتهم على أهل المسكنة والحاجة فيقولون لهم: إنما تصدقون رياءً وسمعةً، ولم تريدوا وجه الله D. { وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ}. أي: من المؤمنين، ومن {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ}، عطفه على {المطوعين}، لأنَّ الاسم لمي يتم، إذ قوله: {فَيَسْخَرُونَ} في الصلة عطف على {يَلْمِزُونَ}. و" الجُهْدُ و " الجَهْدُ " عند البصريين [بمعنى]، لغتان. وقال بعض الكوفيين: الجُهدُ، بالضم: الطاقة، وبالفتح: المشقة.
والسُّخْريُّ من الله: الجزاء على فعلهم. قال ابن عباس: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى النبي A، وجاء رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: و [الله] ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياءً، وقالوا: إن كان الله ورسوله لَغَنِيَّيْن عن هذا الصاع. فأنزل الله D: { الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ}، يعني: عبد الرحمن بن عوف، {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ}، يعني: الأنصاري الذي أتى بصاع من شعير. وقال ابن عباس: " جاء عبد الرحمن بمائة أوقية من ذهب، وترك لنفسه مائة، وقال: مالي ثمانية آلاف، أما أربعة آلاف فأُقرضُها الله، وأما أربعة آلاف فلي، فقال له النبي A: " بارك الله [لك] فيما أمسكت وما أعطيت " فلمزه المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن بن عوف عطيته إلا رياء، وهم كاذبون، فأنزل الله D، عذره ". وقال قتادة: جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف صدقته، وجاء رجل من الأنصار، يكنى بأبي عقيل، بصاع من تمر لم يكن له غيره، فقال: يا رسول الله، آجرت نفسي
بصاعين، فانطلقت بصاع إلى أهلي/ وجئت بصاع من تمر، فلمزهُ المنافقون، وقالوا: إن الله غنيٌّ عن طياع هذا، فنزل فيه: {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ}. قال ابن زيد: أمر النبي A [ المسلمين] أن يتصدَّقوا، قال عمر بن الخطاب Bهـ: فأَلْفَى مالي ذلك كثيراً، فأخذت نصفه، فجئت أحمل مالاً كثيراً، فقال له رجل من المنافقين: تُرائي يا عمر، فقال: نعم أُرائي الله ورسوله، وأما غيرهما فلا، وأتى رجل من الأنصار لم يكن عنده شيء، فآجر نفسه بصاعين، فترك صاعاً لعياله، وجاء بصاع يحمله، فقال له بعض المنافقين: [إنّ] الله ورسوله عن صاعك لَغَنِيَّانِ، فأنزل الله D، عُذْرهما في قوله: {الذين يَلْمِزُونَ}. ثم قال لنبيه عليه السلام، استغفر لهؤلاء المنافقين، أي: ادع الله لهم بالمغفرة أو لا تدع لهم بذلك، فلفظه لفظ الأمر ومعناه الجزاء، والجزاء خبر.
والمعنى: إن استغفرت لهم، أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم. قال الضحاك: قال النبي A، حين نزلت هذه الآية: " لأزيدنَّ على السبعين "، فنزلت: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ [لَمْ] تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ} [المنافقون: 6]، فهي عنده منسوخة بهذه. وقيل: إنها ليست بمنسوخة، وإنما هي على التهدد، وما كان النبي عليه السلام ليستغفر لمنافق؛ لأن المنافق كافر بنص الكتاب. وهذا الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول، قال لأصحابه: لولا أنكم تنفقون على أصحاب محمد لانفضوا من حوله، وهو القائل: {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل} [المنافقون: 8]. " رُوي أن عبد الله هذا لما حضرته الوفاة أرسل إلى النبي A، يسأله أحد ثوبَيْه
81
فأرسل إليه النبي A، أحد ثوبيه، فقال: إنما أريد الذي على جلدك من ثيابك، فبعث إليه به، فقيل للنبي A، في ذلك، فقال: " إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئاً إذا كُفِّن فيه، وإني آمل أن يدخل في الإسلام خلق كثير بهذا السبب ". فَرُوِيَ أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب النبي، عليه السلام. وكان عبد الله هذا رأس المنافقين وسيِّدَهُم. قوله: {فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ الله}، إلى قوله: {مَعَ الخالفين}. {خِلاَفَ رَسُولِ الله}: مفعول من أجله، أو مصدر مطلق.
والمعنى: فرح الذين تخلفوا عن الغزو مع رسول الله عليه السلام، بجلوسهم في منازلهم، على الخلاف منهم لرسول الله عليه السلام، لأنه أمرهم بالخروج معه فتخلفوا عنه، وفرحوا بتخلفهم، وكرهوا الخروج في الحر. وذلك أن النبي A، استنفرهم في غزوة تبوك في حر شديد، فقال بعضهم لبعض: {لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر}، قال الله D، لنبيه عليه السلام {قُلْ} لهم: {نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً}، لمن خالف أمر الله، وعصى رسوله، عليه السلام من هذا الحر الذي تتواصون به بينكم أن لا تنفروا فيه، فالذي هو أشد حراً، يجب أن يتقي {لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}، عن الله عز جل، وَعْظَه. وكان عدة من تخلف عن الخروج مع النبي عليه السلام، في غزوة تبوك من المنافقين نيفاً وثمانين رجلاً.
ثم قال تعالى: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً}. أي: [في] هذه الدنيا الفانية، / {وَلْيَبْكُواْ/ كَثِيراً}، في جهنم {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}، من التخلف عن رسول الله A، ومعصيته. قال النبي عليه السلام: " والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلم لَضَحِكْتُمْ قليلاً، ولبكتيم كثيراً ". وروي أن النبي A نودي عند ذلك، أو قيل له: لا تُقَنِّط عبادي. قال ابن عباس: الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاءوا، فإذا انقطعت الدنيا، استأنفوا بكاء لا ينقطع عنهم أبداً.
ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: {فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ}. أي: إن ردَّك الله من غزوتك إلى المنافقين، فاستأذنوك للخروج معك في غزوة أخرى، {فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ}، أي: في غزوة تبوك، {فاقعدوا مَعَ الخالفين}، [أي: مع الذين] قعدوا من المنافقين خلاف رسول الله A، لأنكم منهم. قال ابن عباس: تخلف عن رسول الله A، رجال في غزوة تبوك فأدركتهم أنفسهم، فقالوا: والله ما صنعنا شيئاً، فانطلق منهم ثلاثة نفرة، فلحقوا رسول الله A فلما أتوه تابوا، ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله، D، { فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ}، الآية. فقال النبي عليه السلام: " هلك الذين تخلفوا "، فأنزل الله D، عذرهم لما تابوا فقال: {لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين والأنصار}، إلى قوله: {إِنَّ الله هُوَ التواب الرحيم} [التوبة: 117 - 118]. وقال قتادة {مَعَ الخالفين}، مع النساء.
وكانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين. وقال ابن عباس " الخالفون ": الرجال. ومعناه: اقعدوا مع مرضى الرجال وأهل الزَّمَانة والضعفاء. وقيل: " الخالفون ": الرجال الضعفاء والنساء، وغلَّب المذكر على الأصول العربية.
84
وقال الطبري: {مَعَ الخالفين} مع أهل الفساد، من قولهم: " خَلَفَ الرَّجُل على أهله يَخْلُفُ خُلُوفاً "، إذا فسد، ومن قولهم: هو خلف سوءٍ "، ومن قولهم: " خَلَفَ فَمُ الصَّائِمِ "، إذا تغير ريحه، ومن قولهم: " خَلَفَ اللَّبَنِ يخلُفُ " إذا حَمُضَ. قوله: {وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ}، إلى قوله: {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ}. هذه الآية نَهْيٌّ للنبي A، عن الصلاة على هؤلاء المتخلفين عنه. {وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ}. أي: لا تتولَّ دفنه. {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ}. أي: جحدوا توحيد الله D، ورسالة رسوله عليه السلام. {وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ}. أي: ولم يتوبوا من ذلك، بل ماتوا وهم خارجون عن الإسلام. وَيُرْوَى: أن هذه الآية نزلت في أمر عبد الله بن أُبيّ بن سلول، وذلك أنَّ ابنه أتى
النبي A، فقال أعْطِنِي قَمِيصَك أُكَفِنّه فيه، وصَلِّ عليه، واستغفر له، فأعطاه قيمصه، وقال: إذا فرغتم فآذوني، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر، وقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ [فقال النبي A: بل خَيّرني فقال: {استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ}، فصلى] النبي A. فنزل {وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم} الآية، فترك الصلاة عليهم. وقال أنس: أراد النبي عليه السلام، أن يصلي على عبد الله بن أبي بن سلول، فأخذ جبريل، عليه السلام، بثوبه، وقيل: بردائه، وقال: {وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ}. ثم قال الله/ D، لنبيه، عليه السلام: {وَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم}. أي: لا يعجبك ذلك، فتصلي عليهم. {إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدنيا}. أي: بالغموم والهموم فيها، ويفارق روحه جسده، وهو في حسرة عليها،
فتكون حسرة عليه في الدنيا، ووَبَالاً في الآخرة. {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون}. أي: جاحدون. {وأولادهم} وقف عن أبي حاتم، على أنَّ عذابهم بها في الدنيا. وغيره يقول: {الدنيا}، يراد بها التقديم، والمعنى: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا، فعلى هذا [لا] تقف على: {أولادهم} وقد شرح هذا فيما تقدم بأكثر من هذا. ثم أخبر الله D، عنهم بحالهم فقال: {وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بالله وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ}. أي: إذا أنزل الله D، عليك، يا محمد، سورة يأمرهم فيها: بالإيمان بالله، D، وبالجهاد معك. {استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ}. أي: [ذوو] الغنى منهم في التخلف عنك، والقعود بعدك مع الضعفاء
88
والمرضى، ومن لا يقدر على الخروج وهم القاعدون. {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف}. أي: مع النساء اللواتي لا فرض عليهن في الجهاد، جمع خَالِفة. {وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ}. أي: ختم. وقد يقال للرجل: " خالفة " إذا كان غير نجيب. وقد يجمع " فاعل " صفةً على " فواعل " في الشعر، قالوا: " فَارِسٌ " و " فَوَارِس " و " هَالِكٌ " و " هوالك ". وأصل " فواعل " أن يكون جمع: " فاعلة ". قوله: {لكن الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ}، إلى قوله: {عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
المعنى: هؤلاء لهم خيرات الآخرة ونعيمها. وواحد {الخيرات}، " خَيْرَةٌ " مخففة، و " خيرات " كل شيء، أفضله. {وأولئك هُمُ المفلحون}. أي: الباقون في النعيم، المخلدون فيه. وأصل " الفلاح ": البقاء في الخير، وقولهم: " حَيَّ على الفَلاَحِ " أي: تعالوا إلى الفوز، يقال: " أفْلَحَ الرَّجُلُ "، إذا فاز وأصاب خيراً. {أَعَدَّ الله لَهُمْ جَنَّاتٍ}. أي: بساتين. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا}. أي: لابثين فيها أبداً. {ذلك الفوز العظيم}. أي: النجاء العظيم، والحظ الجزيل.
ثم قال تعالى: {وَجَآءَ المعذرون مِنَ الأعراب لِيُؤْذَنَ لَهُمْ}. والمعنى: {وَجَآءَ المعذرون مِنَ الأعراب لِيُؤْذَنَ لَهُمْ}، في التخلف، {وَقَعَدَ} عن الإتيان إلى رسول الله A، فيعتذروا أو يجاهدوا، و {الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ}، واعتذروا بالباطل بينهم، لا عند رسول الله عليه السلام. {سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ}. أي: جحدوا توحيد الله ونبوة نبيه عليه السلام. {عَذَابٌ أَلِيمٌ}. أي: مؤلم، أي: موجع. وقوله: {المعذرون}، ليس من " عذَّر "، يقال: " عَذَّرَ الرَّجُلُ في الأمْرِ " إذا لم يبالغ فيه، ولم يُحكمه، ولم تكن هذه صفة هؤلاء، بل كانوا أهل اجتهاد في طلب ما ينهضهم مع النبي A فوَصْفُهم بأنُّهم قد اعتَذَروا أو أعْذَروا، أولى من وصفهم بأنهم قد عَذَّروا فإنما هم المُعْتَذِرون، ثم أدغم.
وقد قرأ ابن عباس: " المُعْذِرُونَ " من: " أعذر ". ويجوز: " المُعذِّرُون " بضم العين لالتقاء الساكنين، (يتبع الضم الضم. ويجوز: " المُعِذِّرُون " بكسر العين لالتقاء الساكنين). وقد قيل: إنّ " المُعَذِّرَ " من " عذَّر " إذا قَصر في الأمر فيهم مذمومون على هذا المعنى.
وعلى المعنى الآخر إذا حملته على معنى " المُعْتَذِرينَ " غير مذمومين، إذا أتوا بعذر واضح. ويجوز أن يكونوا مذمومين إذا أتوا بعذر غير واضح، يقال " اعْتَذَرَ الرَّجُلُ ": إذا أتى بعذر واضح، و " اعْتَذَرَ ": إذا لم يأت بعذر، قال تعالى: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ}، فهؤلاء اعتذروا بالباطل، فهم الذين يعتذرون ولا عذر لهم. ومنع المبرد أن يكون أصله: " المُعْتَذِرِين " ثم أدغم لأنه يقع اللبس. وذكر إسماعيل القاضي: أنَّ سياق الكلام يدل على أنَّه لا عذر لهم وأنهم مذمومون، لأنهم جاء/ وا {لِيُؤْذَنَ لَهُمْ}، ولو كانوا من الضعفاء والمرضى، والذين
لا يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا إلى أن يستأذنوا. وقول العرب: " مَنْ عَذِيرِي مِنْ فُلاَنٍ "، معناه: قد أتى فلانٌ أمراً عظيماً يستحق عليه العقوبة، ولم يعلم الناس به، فمن يَعْذِرُني إن عاقَبْتُه. قال مجاهد: هم نفر من بني غِفار، جاءوا فاعتذروا، فلم يعذرهم الله D. وكذلك قال قتادة. فهذا يدل على أنهم كانوا أهل اعتذار بالباطل لا بالحق، فلا يوصفون بالإعْذَارِ. وقرأ ابن عباس: " المُعْذِرُون " بإسكان العين، وكان يقول: لعن الله المعتذرين، يذهب إلى أن " المعتذرين " بإسكان العين، ليس لهم عذر صحيح. و {المعذرون} بالتشديد: المفرطون المقصرون ولا عذر لهم.
91
قوله: {لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى} إلى قوله: {يُنْفِقُونَ}. ومعنى الآية: أنه بيانٌ من الله، D، أنَّه لا حرج على الزَّمْنَى والمرضى، ومن لا يجد ما ينفق في التخلف عن الغزو، {إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ}، يعني في مغيبهم عن الجهاد. {مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ}. أي: ليس على من أحد فنصح لله ورسوله عليه السلام، سبيل. قال ابن عباس: لما أمر النبي عليه السلام، بالخروج إلى الغزو، وجاءه عصابة من أصحابه يقال: كانوا سبعة، فقالوا: يا رسول الله احملنا. فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا ولهم بكاء، فأنزل الله عذرهم في كتابه. {للَّهِ وَرَسُولِهِ}. وقف. و {مِن سَبِيلٍ}، وقف. ثم قال تعالى: {وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا} الآية.
93
نزلت هذه الآية في بني مُقَرِنٍ من مُزَيْنَةَ، أتو النبي عليه السلام، ليحملهم ويغزو معهم فقال: ما أجد ما أحملكم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع، إذا لم يجدوا ما ينفقون في غزوهم. وقيل: منهم العِرباض بن سارية. قال إبراهيم بن أدهم في الآية: ليس يعني الدواب، ولكن النعال. قوله: {إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ}، إلى قوله: {يَكْسِبُونَ}. والمعنى: إنما السبيل بالعقوبة على من استأذن في التخلف عن الغزو، وهو غني،
ورضي بأن يخلف مع النساء اللواتي من خوالف للرجال في البيوت. {وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ}. أي: ختم عليها. {فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. سوء عاقبة تخلفهم، يعني: عن النبي A. ثم قال تعالى إخباراً عما يفعلون: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ}. أي: يعتذر هؤلاء المتخلفون بالأباطيل والكذب. {قُل} لهم، يا محمد، {لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ [لَكُمْ]}. أي: لن نُصدِّقكم قد أخبرنا الله بأخباركم. {وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ}. أي: فما بعد، هل تتوبون أم لا. {ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الغيب والشهادة}.
96
أي: يعلم السر والعلانية، فيخبركم بأعمالكم فيجازيكم عليها. رُوِيَ أن النبي A، قال: " لو أن رجلاً عبد الله في صخرة لا باب لها، ولا كوة بها لخرج عمله إلى الناس كائناً ما كان ". فالله D، يطلع قلوب المؤمنين على ما [في] قلوب إخوانهم من الخير والشر، فيحبون أهل الخير ويبغضون أهل الشر. ثم أخبرهم بما يفعلون إذا رجع المؤمنون من غزوهم فقال: {سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ إِذَا انقلبتم إِلَيْهِمْ}، أي: يحلفون لكم إذا رجعتم إليهم من غزوكم، {لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ}، لتتركوا تأنيبهم وتعييرهم بتخلفهم، {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ}، أي: فاتركوهم، {إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ}، أي: مصيرهم إليها جزاء/ بكسبهم. قيل: إنهم كانوا بضعةً وثمانين رجلاً. قوله: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} إلى قوله: {سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. والمعنى: يحلف أيها المؤمنون، هؤلاء المنافقون لكم {لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ}، وأنتم لا
تعلمون صدقهم من كذبهم، {فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين}؛ لأنه يعلم سرائرهم وصدقهم وكذبهم. ثم قال تعالى: {الأعراب أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ}. " أن ": في موضع نصب، على تقدير: " وأجدر بأن لا ". تقول: " هو جدير بأن يفعل "، و " خليق بأن يفعل "، وإن شئت حذفت " الباء "، ولا يحسن حذف " الباء " إلا من " أنْ "، لو قلت: هو جدير بالفعل، لم يكن بُدُّ من " الباء ". والمعنى: الأعراب أشَدُّ جحوداً لتوحيد الله سبحانه ونفاقاً على رسوله عليه السلام، من أهل الحضر والأمصار، وذلك لجفائهم، وقسوة قلوبهم. {وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ}. أي: وأخلق أن يجهلوا العلم والسنن. ثم قال تعالى: {وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً}.
والمعنى: ومن الأعراب من يَعُدُّ ما ينفق فيما ندبه الله، D، إليه {مَغْرَماً} لا ثواب له فيه، {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر} أي: ينتظر بكم ما تدور به الأيام والليالي من المكروه والسوء، {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء}، أي: عليهم يرجع المكرو والسوء. وهذا كله في منافقين من الأعراب، قاله: ابن زيد. وقوله: {دَآئِرَةُ السوء}. ومن قرأ بالضم، فمعناه: دائرة العذاب، و {دَآئِرَةُ السوء}: البلاء. قال الفراء: ولا يجوز على هذا " هذا امرؤُ سوء "، كما لا يجوز " هذا امرؤ عذاب ". وقال المبرد " السَّوء " بالفتح: الرداءة.
99
قال سيبويه: " مَرَرْتُ بِرَجُلِ صِدْقِ "، معناه: مررت برجل صالح وليس هو من صِدْق اللسان، وكذلك تقول: " مررت برجل سوء، أي: برجل فسادٍ، وليس هو من: سُوءتُهُ (سَوْءاً. وقال الفراء: " السَّوْء " بالفتح، مصدر من: سُوْءتُهُ سَوْءاً ومَسَاءَة) وسَوَائِيةً وَمَسَائِية. وقال اليزيدي في الضم، يعني: دائرة الشر، فكأن السُّوءَ الاسم، والسَّوء المصدر، فافهم. قوله: {وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر}، الآية. المعنى: ومن الأعراب من يصدق بالله وبالبعث والثواب والعقاب، وينوي بما ينفق من صدقه، والتقرب إليه، {وَصَلَوَاتِ الرسول}، أي: دُعَاءَه واستغفاره له.
قال مجاهد: هم بنو مُقرِّن، مُزَينة، وهم الذين نزل فيهم: {وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} [التوبة: 92]، الآية. {ألا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ}. أي: ألا إنَّ صلوات الرسول عليه السلام، أي: استغفاره ودعاءه، قربةٌ لهم عند الله D. وقيل المعنى: ألا إنَّ نفقتهم قُربةٌ لهم عند الله D. و {قُرْبَةٌ}، و {قُرْبَةٌ} لغتان، ك: " جُمُعة " و " جُمُعَة " ويجوز في الجمع فتح
100
الراء وضمها وإسكانها، ويجوز " قُرَبٌ ". ثم قال تعالى: {سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ}. أي: يدخلهم فيمن رحمه. قوله: {والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار}، الآية. المعنى: والذين سبقوا إلى الإيمان، {مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ}، أي: سلكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله: {رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}، أي: أجزل لهم في الثواب. قال الشافعي/: {والسابقون الأولون}: من أدرك بيعة الرضوان. ورُوي عنه: من أدرك بيعة الشجرة. و " المهاجرون الأولون " من (هاجر
قبل البيعة. وقال أبو موسى الأشعري {والسابقون الأولون}: المهاجرون الأولون من) صلى القبلتين. وهو قول ابن المسيب، والحسن، وقتادة، وابن سيرين. ورُوي عن عمر: أنه قرأ: " والأنصار " بالرفع، عطف على: السابقين، وبذلك قرأ الحسن، وهي قراءة يعقوب الحضرمي.
وعم عمر Bهـ، أنه قرأ: " الذين اتَّبَعُوهم " بغير واو، فرد عليه زيد بـ " الواو " فسأل عمر أبيّنا، فقال له: " بالواو " فرجع عمر إلى زيادة " الواو ". وهم إجماع من القراء والمصاحف. ومن قرأ: {مِن تَحْتِهَا}، بزيادة {مِن} فمن أجل أنها في مصاحف أهل مكة كذلك، وفي سائر المصاحف بغير {مِن}.
وهذا باب في خطوط المصاحف في الحروف التي اختلف فيها القراء من ذلك: قوله في سورة البقرة: {وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً} [البقرة: 116]، هي في مصاحف أهل الشام بغير " واو "، وفي سائر المصاحف بـ: " الواو ". وفيها: {ووصى} [البقرة: 132]، هي في مصاحف المدينة والشام بـ: " ألف " وفي سائر المصاحف بـ: " الواو " بغير ألف. وفي آل عمران: {سارعوا} [آل عمران: 133]، في مصاحف أهل المدينة، وأهل الشام بغير " واو "، وفي سائر المصاحف بـ " الواو ".
وفي آل عمران أيضاً: {جَآءُوا بالبينات والزبر} [آل عمران: 184]، بزيادة " باء " [في] {والزبر}، وفي سائر المصاحف بغير " باء " في {والزبر}، وكلهم حذفها من " وَبِالْكِتَبِ ". وقد قرأ هشام بن عمار: " وبِالْكِتَبِ " بالباء، ولا أصل لهذه " الباء " في مصاحف أهل الشام ولا غيرهم. وفي النساء: {مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} [النساء: 66]، بألف في مصاحف أهل الشام، وبغير " ألف " في سائر المصاحف.
وفي المائدة في مصحف أهل مكة والمدينة والشام: {وَيَقُولُ الذين آمَنُواْ} [المائدة: 53] بغير " واو "، وفي سائر المصاحف بالواو. وفي المائدة أيضاً: {مَن يَرْتَدَّ} [المائدة: 54]، بـ: " دالَيْن "، وفي مصاحف المدينة والشام، وفي باقي المصاحف بـ: " دال " واحدة. وفي سورة الأعراف، في مصاحف أهل الشام: {مَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ} [الأعراف: 43] بغير " واو "، وفي سائر المصاحف: {وَمَا} بـ: " الواو ".
وفيها: في قصة صالح: {وقَالَ الملأ} [الأعراف: 75]، بزيادة و [او]، في مصاحف الشام، وفي سائر المصاحف: {قَالَ} بغر " واو ". وفي براءة {مِن تَحْتِهَا} [التوبة: 89]، بزيادة " من " في مصاحف مكة، وفي سائر المصاحف، بغير " مِن ". وفيها: {الذين اتخذوا} [التوبة: 107]، بغير " واو "، في مصحف أهل الشام، وأهل المدينة، وفي سائر المصاحف: {والذين}، بزيادة " واو ". وفي سورة بني إسرائيل {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي} [الإسراء: 93] بـ: " ألف "، في مصاحف أهل مكة
والشام، [و] في سائر المصاحف: {قُلْ}، بغير ألف. وفي الكهف: {خَيْراً مِّنْهُمَا} [الكهف: 36]، بزيادة " ميم "، في مصحف أهل المدينة ومكة والشام، وفي سائر المصاحف: {مِّنْهَا} بغير " ميم ". وفيها: {مَا مَكَّنِّي} [الكهف: 95]، بنونين، في مصحف أهل مكة خاصة، وفي سائر المصاحف بـ " نون " واحدة.
وفي سورة الأنبياء: {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ} [الأنبياء: 4]، {قَالَ رَبِّ احكم} [الأنبياء: 112]، بألف فيهما، في مصحف أهل الكوفة، وفي سائر المصاحف: {قُل}، بغير ألف. وفيها: {لَمْ يَرَ الذين كفروا} [الأنبياء: 30]، بغير " واو "، في مصحف أهل مكة، وفي/ سائر المصاحف: {أَوَلَمْ} بواو. وفي سورة المؤمنين: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [الأنبياء: 85]، في الأول. [و] في الثاني والثالث: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ}، بالألف، في مصحف أهل البصرة، وفي سائر المصاحف: {لِلَّهِ}، من غير " ألف " في الثلاثة.
وفي سورة الشعراء: {وَتَوكَّلْ} [الشعراء: 217] بالفاء، في مصحف أهل المدينة، [و] الشام، وفي سائر المصاحف، {وَتَوكَّلْ} بالواو. وفي النمل: {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي} [النمل: 21]، بنونين، في مصحف أهل مكة، وفي/ سائر المصاحف، بنون واحدة. وفي القصص: {وَقَالَ موسى ربي أَعْلَمُ} [القصص: 37]، بغير " واو "، في مصحف أهل
مكة، في سائر المصاحف: {وَقَالَ}، بالواو. وفي غافر: {أَشَدَّ مِنْهُمْ} [غافر: 21] بالكاف، في مصاحف الشام، وفي سائر المصاحف: (منهم)، بالهاء. وفيها: {وَأَن يُظْهِرَ} [غافر: 26]، بغير ألف قبل الواو، في مصاحف أهل المدينة والبصرة والشام، وفي مصاحف الكوفة: {أَوْ أَن}، بزيادة ألف. وفي عَسِق في مصاحف أهل المدينة والشام: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30]، بغير فاء، وفي سائر المصاحف: {بِمَا كَسَبَتْ}، بالفاء.
وفي الزخرف: {تَشْتَهِيهِ} [الزخرف: 71]، بالهاء، في مصاحف أهل المدينة والشام والكوفة، وفي سائر المصاحف: {تَشْتَهِيهِ}، بغير " هاء ". وقد قيل: " إنَّها غير مثبتة في مصاحف أهل الكوفة، وذلك قرأوا. وفي الأحقاف: {إِحْسَاناً} [الأحقاف: 15]، بألف في مصاحف أهل الكوفة، وفي سائر المصاحف: {إِحْسَاناً}، بغير ألف، أعني قبل الحاء. وفي سورة الرحمن في آخرها: {ذِي الجلال} [الرحمن: 78]، بالواو، في مصاحف أهل الشام،
وفي سائر المصاحف: {ذِي}، بالياء. وفي سورة الحديد: {وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى} [الحديد: 10]، بغير ألف، [في مصاحف أهل الشام، وفي سائر المصاحف: {وَكُلاًّ وَعَدَ الله} بأللإ. وفيها: {فَإِنَّ الله هُوَ الغني الحميد}، بغير (هو)، في مصاحف أهل المدينة [و] الشام، وفي سائر المصاحف: {فَإِنَّ الله هُوَ الغني}، بزيادة (هو). وفي سورة الشمس وضحيها: {وَلاَ يَخَافُ} [الشمس: 15]، بالفاء، في مصاحف أهل
المدينة والشام، وفي سائر المصاحف: بالواو: " ولا يخاف ". وذكر أبو حاتم في هذه الحروف أنّ في مصاحف المدينة، خاصة: {وَقَالَ الملك ائتوني} [يوسف: 54]، بغير ياء قبل التاْء. وفي الحج والملائكة {وَلُؤْلُؤاً} [الحج: 23]، بألف، في مصاحف المدينة، وبعض مصاحف الكوفة.
وفي الزخرف: {ياعباد} [الزخرف: 68]، [بياء]، لا حذف في مصاحف المدينة [و] الكوفة. و {قَوَارِيرَاْ} [الإنسان: 15] الثاني بألف في مصاحف المدينة. وفي: (قل أوحى): {قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو} [الجن: 20]، بغير ألف في مصاحف الكوفة. وفي النساء: {فَآمِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ} [النساء: 171] على التوحيد، في مصاحف البصرة، ولم يقرأ به أحد.
قال وفي يَس: {وَمَا عَمِلَتْهُ} [يس: 35] بغير " هاء "، مصاحف أهل الكوفة. ومثله: {إِحْسَاناً} [الأحقاف: 15]، بـ: " ألف "، في الأحقاف. ومثله: {لَّئِنْ أَنجَانَا} [الأنعام: 63]، في الأنعام. وقال: في مصاحف أهل الشام خاصة في الأنعام: {وَلَلدَّارُ الآخرة} [الأنعام: 32]، " الآخرة " بلام واحدة.
ومثله في: الأعراف: " تحتها " في موضع: {مِن تَحْتِهِمُ} [الأعراف: 43]، ولم يقرأ به أحد. ومثله: {(وَإِذْ) أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ} [الأعراف: 141]، بألف فيهما. ومثله: {كِيدُونِ} [الأعراف: 195] بالياء في الأعراف.
ومثله: " ما كان للنبي أن يكون له أسى، بلامين في الأنفال، ولم يقرأ به أحد. ومثله: (ينشركم) بالشين، في يونس.
وهذا باب آخر نذكر فيه سبب اختلاف القراء واختلاف هذه المصاحف فكان سبب هذا الاختلاف، أن النبي A، قال: " نزل هذا القرآن على سبعة أحرُفٍ "، فكان من/ قرأ عليه من أصحابه بأي حرف قرأ تركه، ودلّ علكى ذلك حديث عمر مع هشام بن حكيم، إذ سمعه عمر يقرأ القرآن على كغير ما قرأ هو على النبي عليه السلام، فلما توجها إلى النبي صلى الله عيه وسلم، وتحاكما لديه، قرأ عليه، أجاز قراءة كل واحد منهما، وقال: " هكذا " أُنْزِلَ ". وكان اختلافها في أحرفٍ من سورة الفرقان. فدل على أنه A، كان يترك كل واحد يقرأ على لُغَتِهِ، فإذا صح أنه كان يقرأ كل واحد على لغته، وصح عنه A، أنه كان يرسل أصحابه إلى البلدان، يعلمونهم القرآن والفقه في الدين، وأنه وجّه معاذ بن جبل إلى اليمن وكان قد خَلَفَه قبل ذلك، وأبا موسى الأشعري بمكة [حين] توجه إلى حنين لحر هَوَازِن ليعَلِّمَا من كان بها القرآن والعلم.
وبعث إلى الطائف مثل ذلك عثمان بن أبي العاص الثقفي. ثم توفي النبي A، وفتحت البلدان، فمضى على سيرته وزيراه: أبو بكر وعمر. فوجه عمر ابن مسعود إلى الكوفة مُعَلِّماً لهم، ووجه أبا (موسى) إلى البصرة مثل ذلك. وكان بالشام معاذ بن جبل، وأبو الدرداء. وكان بالمدينة جماعة من أصحاب النبي A، من أهل حفظ القرآن منهم: أُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، فكان كل واحد يقرئ في موضعه بحرفٍ من السبعة التي أمر الله D، بها نبيه عليه السلام.
فلما انتشر ذلك في البلدان، وتعلم الناس، وسافروا من كل بلد وتلاقوا في الغزوات، واجتمعوا في الموسم، قرأ كل قوم كما عُلِّمُوا، فأنكر بعضهم على بعض، الزيادة والنقص، والرفع والنصب، وكذَّبَ بعضهم بعضاً، وعظم الأمر فيهم، وذلك في أيام عثمان. فتكلم بعض أصحاب النبي عليه السلام إلى عثمان أن يكتب للناس مصحفاً يجمعهم عليه، وكان ممن كلمه في ذلك حُذَيْفة [بن] اليمان، وقد كان أراد أن يكلم عمر في مثل ذلك، حتى مات عمر Bهـ، وكان حذيفة قدم من غزوة شهدها بإرمينية، فرأى اختلاف الناس في القرآن، فلما قدم المدينة لم يدخل (بيته) حتى أتى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين، أدْرِك الناس، فقال عثمان: وما ذلك؟ فقال: غزوة إرمينية يحضرها أهل العراق، وأهل الشام، فإذا أهل المدينة يقرأون بقراءة: أُبَيّ بن كعب، فيكفرهم أهل العراق، و (أهل العراق) يقرأون بقراءة ابن مسعود فيأتون بما لم
يسمع أهل الشام، فيكفرهم أهل الشام. فجعل عثمان زيداً يكتب مصحفاً وأدخل معه رجلاً فصيحاً، وهو أبان بن سعيد بن العاص، وقال لهما: إذا اجتمعتما فاكتبا، وإذا اختلفتما فارفعا إليّ ما تختلفان فيه. قال أنس بن مالك: اجتمع لغزوة أَذْرَبِيجان وإرمينية أهل الشام والعراق،
فتذاكرا القرآن فاختلفوا فيه، حتى كاد يكون بينهم فتنة، فركب حذيفة بن اليمان في ذلك إلىعثمان، فقال: إن الناس قد اختلفوا في القرآن، حتى أني والله خشيت أن يصيبهم ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف. فَفَزع لذلك عثمان Bهـ، فزعاً شديداً، وأرسل إلى حفصة فاستخرج المصحف الذي كان أبو بكر، Bهـ، أمر زيداً بجمعه، فنسخه منه مصاحف فبعث بها إلى البلدان. وكان عثمان قد انسخ من المصحف الذي عند حفصة، بحضرة زيد بن ثابت وأبان بن سعيد بن العاص. وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الزبير، وقال: ما اختلفم فيه فاكتبوه بلسان قريش. قال الزهري: فاختلفوا يومئذ في {التابوت} [البقرة: 248]، فقال القرشيون:
{التابوت}، وقال زيد: " التَّابُوه ". فرفع/ اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه بلغة قريش. فلما كتب عثمان النسخة، جعلها أربع نسخ، فأنفذ مُصْحفاص إلى: الشام، ومصحفاً إلى العراق، ومصحفاً إلى اليمن، واحْتَبس مُصحفاً. وقيل: بل وجه واحداً إلى الشام، وآخر إلى الحجاز، وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى البصرة. وقيل: بل كتب سبعة مصاحف، فبعث مصحفاً إلى مكة، ومصحفاً إلى الكوفة، ومصحفاً إلى البصرة، ومصحفاً إلى الشام، ومصحفاً إلى اليمن، ومصحفاً إلى البحرين، واحتبس مصحفاً. فأما مصحف اليمن والبحرين فليس يعرف لهما خبر. ولم يمت النبي A، إلاَّ والقُرْآنُ مُؤَلَّفٌ في الصُّدُور، إلا أنه لم يكتب في مصحف. وأول من جمعه أبو بكر Bهـ في المصحف، ومات وتركه عند عمر،
ومات عمر وتركه [عند] حفصة ابنته. قال ذلك علي بن أبي طالب Bهـ، وذكره السدي. وروى الزهري عن عبيد بن السّبَّاق أن زيد بن ثابت حدثه، قال: أرسل إلي أبو بكر، فأتيته، فإذا عنده عمر Bهـ، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل اسْتَحَرَّ بقراء القرآن يوم اليمامة، وإني أخْشَى أن يَسْتَحشرَّ القتل بالقراء في المواطن كلها، فيذهب قرآن كثير، وإنّي أرى أنْ تأْمر بجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلت فيكف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله A، فقال عمر: هو والله خير، قال أبو بكر: فلم [يزل] عمر يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري له، ورأيت فيه الذي رأى عمر. قال زيد: قال لي أبو بكر: إنَّك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله A، فَتَتَبَّعْ القرآن فاجمعه. قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال لكان أثقل عليّ من ذلك. فقلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله A؟ فقال أبو بكر:
هو والله خير. فلم يزل يراجعي في ذلك أبو بكر وعمر Bهـ، حتى شرح الله صدري للذي شرح إليه صدرهما، فتتبعث القرآن من الرِّقَاع والعُسُبِ، ومن صدور الرجال، فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة: 128]، إلى آخرها، وكانت الصحف عند أبي بكر حتى مات، ثم كانت عند عمر حتى مات، ثم كانت عند حفصة، ثم نسخ عثمان من عند حفصة المصاحف، ووجه إلى كل أُفقٍ مصحفاً، وأمر بما سوى ذلك أن يُحَرَّق. ومعنى قول النبي A: " أُنْزِل القرآن على سبعة أَحْرُف "، أي: على سبع لغات متفرقة في القرآن، (لا أن كُلَّ حرف من القرآن) يقرأ على سبع لغات. قال الشيخ أبو بكر، Bهـ، وَجْهُ هذه الزيادة والنقص في المصحاف، أنها كتبت على قراءة من كان وجه إلى كل بلد من الصحابة، ويدل على ذلك أنَّ القراء
يُسْنِدُونَ قراءتهم إلى إمام مِصْرهم من الصحابة، وقد كانت هذه الحروف يقرأ بها على عهد رسول الله A، وتنقص، ولولا ذلك ما أثبتت في بعض المصاحف وحذفت من بعض ولا يجوز/ أن يُتَوَهَّم أنها وهم من الكابت؛ لأن الله قد حفظه، ويدل على ذلك أن علياً لما صارت إليه الخلافة لم يغير منها شيئاً بل استحسن فعل عثمان، وقد كانوا يكرهون النقط في المصاحف خوف الزيادة، فكيف يزيدون الحروف وتجوز عليهم الزيادة. وكره النخعي الفصل بين السور، والتَّعْشِيرِ، بالحمرة. وقال يحيى بن كثير: كان القرآن مُجَرَّداً، فأول ما أُحْدِثَ فيه العَجْمُ: نقط التاء والثاء، فلم ينكره أحد، ثم أحدثوا نَقْطاً على منتهى الآي، ثم أحدثوا التعشير، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم. وقال قتادة: وددت أنَّ الأيدي قُطِعت في هذه النقط. فليس يجوز على هذا الاحتياط أن تقع هذه الحروف إلا بنصّ وَمَعْرِفَةٍ، ولم تقع على وهم من الكاتب.
وقد ذكر أبو بكر عن بعض العلماء أنه قال: إنَّ إصحاب رسول الله A، لما جمعوا القرآن ونسخوه من عند حفصة في نسخ، عمدوا إلى كل حَرْفٍ سمعوا رسول الله A، قِرأه على وجهين، فأثبتوا في مصاحف وجهاً، وفي مصاحف وجهاً آخر. لتحصل الوجهان للمسلمين، ولا يسقط عنهم وجه قراءته، فحصل على هذا الاختلاف في المصاحف على هذا الوجه، وهو داخل في السبعة، وهذا إن شاء الله هو الحق والصواب. فأما اختلافهم في الحركاتت والمْدَ والْقَصْر والهمز وشِبْهه من إبدال حرف مكان آخر بصورته، فإن السبب في ذلك أن المصاحف التي وجهت إلى الأمصار لم تضبط ولا نقطت، وإنما كانت حروفاً أشخاصاً. فلما خلت الحروف من النقط والضبط صارت التاء (التي) هي غير منقوطة محتملة لأن تكون: ياءً أو باءً أو تاءً، واشتركت الصور في الحروف. ألا ترى أنك لو كتبت " لم يقم "، ولم تنقط الحرف الأول جاز أن يكون تاء، وباء، ونوناً، فقرأ أهل كل مصر على ما كانوا تعلموا من إمامهم الصحابي قبل إتيان المصاحف إليهم، فقرأ أهل البصرة على ما كان علمهم أبو موسى الأشعري، وأهل الكوفة على ما علمهم علي، وابن مسعود، وأهل الحرمين على ما تعلموا من أُبيّ، وزيد، وأهل الشام على ما تعلموا من معاذ بن جبل، وأبي الدرداء، ووافقوا بقراءتهم خط المصحف الذي وجه إليهم، فقرأ هؤلاء بنصبٍ وهؤلاء برفعٍ،
وهؤلاء بِهَمْزٍ، وهؤلاء بِيَاءٍ، وهؤلاء بِتَاءٍ والصور واحدة، كل قوم قرأوا على ما كانوا تعلموا قبل وصول المصحف إليهم، فوافقوا بقراءتهم المصحف الذي وجه إليهم من زيادة أو نقص. فهذا سبب الاختلاف. وقد كان جَمَعَ القرآن على عهد النبي A، ستة نفرٍ من الأنصار: معاذ بن جبل، وأُبيُّ بن كعب، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، وسعد، بن عبيد. وجمعة مُجَمَّعُ بن جارية، إلا سورتين، ولم يجمعه من الأئمة إلا عثمان. وذكر أنس والشعبي أنه لم يجمعه على عهد النبي عليه السلام، أحدٌ. والدليل على ذلك أن عثمان لم يتكل فيه على أحدٍ حتى جمع إليه جماعة، وأن زيد بن ثاتب قال: جمعته من صدور الرجال، ومن كذا وكذا، فهذا يدل على أنه لم يكن يحفظه.
101
وإنما اختار عثمان زيد/اً، لأنه كان يكتب الوحي؛ ولأن قراءته كانت على العرضة الآخرة، ولأنه وهو الذي اختار أبو بكر لجمعه. قوله: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب منافقون}، إلى قوله: {إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. ومعنى الآية: ومن القوم الذين حولكم، أي: حول المدينة {منافقون}، أي: قوم منافقون. {مَرَدُواْ عَلَى النفاق}. أي: دربوا عليه وخَبُثُوْا. وقيل: معناه: عتوا، على النفاق. من قولهم: " شَيْطانٌ مَارِدٌ " أي: عاتٍ.
{وَمِنْ أَهْلِ المدينة}. أي: من أهلها مثلهم. وقيل: المعنى: ومن أهل المدينة قوم {مَرَدُواْ}. فلا يكن في الكلام على هذا تقديم ولا تأخير. وعلى القول الأول يكون فيه تقديم وتأخير. قال ابن زيد {مَرَدُواْ}: أقاموا عليه، ولم يتوبوا. وقال ابن إسحاق {مَرَدُواْ}، عليه، أي: لجوا فيه وأبوا غيره. {لاَ تَعْلَمُهُمْ}. أي: لا تعلمهم يا محمد، بصفتههم. {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ}. قيل: هما فضيحتهم في الدنيا وإظهار سرائرهم، ثم عذاب القبر، ثم يردن إلى عذاب الآخرة. قاله ابن عباس: وذكر: أنَّ النبي A أخرج قوماً من المسجد يوم الجمعة، فقال: اخرج يا فلان، فإنك منافق، لناس منهم، فهذا عذابهم الأول، والثاني: عذاب القبر. وقال مجاهد هما: عذاب السيف بالقتل وعذاب الجوع. والآخر: عذاب القبر، ثم عذاب الآخرة. وقال ابن زيد: العذاب الأول، عذابهم بالمصائب في أموالهم وأولادهم، والآخر: عذاب النار. وقيل الأول: أخذ الزكاة من أموالهم، وإجراء الحدود عليهم، وهو غير راضين، والآخرة: عذاب القبر.
ثم قال تعالى: {وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً}. والمعنى: ومنهم آخرون: أي: من أهل المدينة منافقون آخرون، {اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ}، أي: أقروا بها: {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً}، هو إقرارهم وتوبتهم، {وَآخَرَ سَيِّئاً}، هو تخلفهم عن النبي A في غزوة تبوك. والواو [في] قوله: {وَآخَرَ}، بمعنى: " مع " عند البصريين، كما تقول:
" استوى الماء والخشبة ". وقال قوم: هي بمعنى: " الباء "، وقدروا " الواو " في " الخشبة " بمعنى: بالخشبة. وأنكر الكوفيون أن يكون هذا بمنزلة " استوى الماء والخشبة "؛ لأن هذا لا يجوز فيه تقديم الخشبة على الماء، وإنما هو عندهم بمنزلة " خلطت الماء واللبن "، أي: باللبن، فكل واحد منهما يجوز أن يتقدم، مثل الآية. قال ابن عباس: " نزلت هذه الآية في عشرة أنفس تخلفوا عن النبي A، في غزوة تبوك، فلما رجع النبي عليه السلام أوثق سبعَةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي عليه السلام إلى رجع في المسجد عليهم. فلما رآهم قال: من هؤلاء؟ قال: أبو لُبابة وأصحابٌ له تخلفوا عنك، يا رسول الله، حتى تطلقهم وتعذرهم. فقال رسول الله A: " فأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني، وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين ". فلما بلغهم ذلك قالوا: / ونحن والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله الذي يطلقنا. فأنزل الله D: { وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ} الآية.
فأطلقهم النبي عليه السلام، و {عَسَى} من الله واجبة ". وقيل: كانوا ستةً، والذين أوثقوا أنفسهم ثلاثة: أبو لبابة ورجلان معه. وقال زيد بن أسلم: الذين ربطوأ أنفسهم ثمانية. وقال قتادة: كانوا سبعه، وفيهم نزل: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا). وقال مجاهدة هو أبو لبابة وحده، اعترف بذنبه الذي كان في بني قريظة، إذ أشار لهم إلى حَلقِه، يريد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ذابحكم إن نزلتم على حكم الله، سبحانه. وقال الزهري: نزلت في أبي لبابة إذ تخلف عن غزوة تبوك، يربط نفسه، حتى أنزل الله، - عز وجل -، توبته، ومكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خرَّ مغشيّاً عليه، فقيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، هو الذي يحلني، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول
الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقةً إلى الله ورسوله، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يجزيك يا أبا لُبابة الثلث". والعمل الصالح الذي عملوه، قيل: هو توبتهم. وقيل: حضورهم بدراً مع النبي - صلى الله عليه وسلم -. (مُنَافِقُونَ)، وقف، إن جعلت (مَرَدُوا)، نعتاً لأهل المدينة"، فإن جعلته نعتاً للمنافقين لم تقف دونه؛ لأنه ينوي به التقديم. وقيل: كانوا ثلاثة، أبو لُبابة، ووداعة بن ثعلبة، وأوس بن خدام من الأنصار. لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أوثقوا أنفسهم في سواري المسجد، وكان رسول الله
103
- صلى الله عليه وسلم - ,إذا ابتدأ سفراً أو رجع منه ابتدأ بالمسجد, فصلى فى ركعتين, فدخل فرأى فيه قوما موثقين, فسأل عنهم, فأخبر بخبرهم, وأنهم أقسموا ألا يحلوا أنفسهم حتى يحلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وأنا أقسم لا أطلق عنهم حتى أومر, ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله , فلما نزل فيهم القرآن حلهم النبي - صلى الله عليه وسلم -. قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}، إلى قوله: {التواب الرحيم}. قوله: {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ}، هو خطاب للنبي عليه السلام. أي: فإنك تطهرهم بها وتزكيهم، وهذا قول الزجاج. وقيل: هما للصدقة، لا للمخاطبة، وهما في موضع النعت للصدقة، وهو قول الأخفش، قال: ويكون {بِهَا} توكيداً. ف: " التاء " على القول الأول للمخاطبة، وفي {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ} ضمير النبي A. وهي على القول الثاني: الثانية للصدقة لا للمخاطبة، وفي
{تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ} ضمير الصدقة. وقيل: هما للنبي عليه السلام، وهما في موضع الحال منه. وقيل: {تُطَهِّرُهُمْ} للصدقة، صفة [لها]، {وَتُزَكِّيهِمْ} للنبي عليه السلام، حال منه. وأجاز بعض النحويين، في {تُطَهِّرُهُمْ} الجزم؛ لأنه جواب الأمر. وحجة من قرأ: {صلاتك} بالجمع هنا، وفي " هود "، وفي " المؤمنين "
إجماعهم على الجمع في: {وَصَلَوَاتِ الرسول} [التوبة: 99] ولا فرق بينها والتي في سورة المؤمنين يراد بها الصلوات الخمس، فالجمع أولى به؛ ولأنها مكتوبة في المصحف بالواو، فدل ذلك على الجمع، وعلى أن الألف التي بعد الواو اختصرت/ من الكتاب. وقد كتبوا ما عدا هذه الثلاثة بالألف، فدلت الواو في هذه الثلاثة على أنه جمع، وحذفت الألف بعد الواو كما حذفت من درجات وبينات. ومن قرأ بالتوحيد، احتج بالإجماع في: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: 162]، بالتوحيد، وإجماعهم على التوحيد في " الأنعام "، و {سَأَلَ سَآئِلٌ} [المعارج: 1]. وأيضاً فإن قوله: إنَّ صَلاَتَكَ أعم من: إن صلواتك؛ لأن الجمع إنما هو لما دون العشرة، فكأنه: " إنّ دعواتك "، والتوحيد بمعنى: " إنَّ دعاءك "، والدعاء أعم من "
الدعوات " وأكثر؛ لأن المصدر أعم من الجمع الذي لما دون العشرة. ومعنى الآية: خذ يا محمد من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم [{صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} من دنس ذنوبهم، {وَتُزَكِّيهِمْ}، أي: تنميهم]، وترفعهم بها، {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}، أي: ادع لها بالمغفرة، {إِنَّ صلاتك سَكَنٌ لَّهُمْ}، أي: إن دعاءك طمأنينة لهم، بأن الله قد عفا عنهم، {والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، أي: سميع لدعائك إذا دعوت، ولغير ذلك. قال ابن عباس: أتى أبو لُبابة وأصحابه حين أطلقوا، وتيب عليهم، بأموالهم إلى النبي A، فقالوا يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا، فقال: ما أُمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً، فأنزل الله، D: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}، الآية. وقد قيل: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}: منسخٌ بقوله: {وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} [التوبة: 84]. وقيل: إنَّها محكمة.
والمعنى: وادع لهم إذ جاءوك بالصدقات، وعلى هذا أكثر العلماء. وقال قتادة: {سَكَنٌ لَّهُمْ}، وقَارٌ لهم. وقال زيد بن أسلم: قالوا: يا رسول الله، خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها، فأبى النبي A، أن يأخذ. فأنزل الله D: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}، الآية. قال سعيد بن جبير: كان الثلاثة إذا (اشتكى أحدهم). اشتكى الآخران مثله، وكان قد عَمِيَ، فلم يزل الآخر يدعو حتى عَمِيَ. وقال ابن عباس: {سَكَنٌ لَّهُمْ}: رحمه لهم. وقيل: إنَّ هذا إنَّما هو في الزكاة، أمر أن يأخذ زكاة أموالهم التي عليهم.
ثم قال تعالى: {أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ}. أخبر الله D، في هذه الآية بقَبول توبة من تاب من المناقين وغيرهم، وأخذ الصدقات من أموالهم. فالمعنى: ألم يعلم هؤلاء الذين تخلفوا عن الجهاد، ثم ندموما وربطوا أنفسهم بالسواري وقالوا: لا نطلق أنفسها حتى يكون النبي صلى الله عليه سولم، هو الذي يطلقنا، أن ذلك (ليس) إلى النبي صلى الله عليه [وسلم]، ولا إلى غيره، وإنما هو إلى الله سبحانه، هو يقبل توبتهم، وتوبة غيرهم، ويأخذ صدقة من تصدق، بصدقةٍ، ويعلموا أن الله هو التواب الرحيم. قال ابن زيد: قال المنافقون لما تاب الله على هؤلاء: كانوا بالأمس، لا يُكلَّمون ولا يُجَالَسُون، فما لهم اليوم يُكلَّمون ويُجالَسُون؟ فأنزل الله D، ألم يعلم هؤلاء الذين لم يتوبوا وتكلموا في هؤلاء الذين تُبت عليهم {وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم}، الآية. قال ابن عباس: {وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم}، يعني إن استقاموا على/التوبة. روى أبو هريرة عن النبي A، أنه قال: " إن الله يقْبلُ، الصدقة ويأخذها بيمينه، فيرُبِّيها لأحدكم كما يُربِّى أحدكم مهرة، حتى إنَّ اللقمة لَتَصير مثل أحد.
105
وتصديق ذلك في كتاب الله: {هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات} و {يَمْحَقُ الله الرباوا وَيُرْبِي الصدقات} ". وقال ابن مسعود: ما تصدق رجل بصدقة إلاّ وقعت في يد الله قبل أن تقع بيد السائل وهو يضعها في يد السائل، ثم تلا: {أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة}. وقوله: {وَقُلِ اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمؤمنون}، إلى قوله: {والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. والمعنى: {وَقُلِ} يا محمد، لهؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم: {اعملوا}، أي: اعملوا بما يرضي الله، {فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ}، وسيراه رسوله والمؤمنون، في الدنيا، {وَسَتُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الغيب والشهادة}، أي: تردون يوم القيامة، إلى الله الذي يعلم السر والعلانية، {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، أي يخبركم بعملكم، ويجازيكم عليه جزاء المسحنين أو جزاء المسيء.
وقال مجاهد: الآية وعيد من الله. و {فَسَيَرَى الله}، من رؤية العين. ثم قال تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله}. هذه معطوف على ما قبله. والمعنى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب منافقون وَمِنْ أَهْلِ المدينة} قوم {مَرَدُواْ عَلَى النفاق}، ومنهم {وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ}، ومنهم {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله}. فالتقدير: من هؤلاء المتخلفين عنكم، {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله}، وقضائه فيهم. {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ}. وهم قوم تخلفوا ولم يعتذروا إلى النبي A، وندموا على ما صنعوا، فتاب الله عليهم، إذ علم صحة توبتهم وندمهم، فقال: {لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين والأنصار}، إلى قوله: {هُوَ التواب الرحيم} [التوبة: 117 - 118]. قال ابن عباس: لما نزل: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}، يعني: أبا لُبابة وصاحبيه، يعني: الثلاثة الذين لم يربطوا أنفسهم، ولم يظهروا التوبة، فلم يذكروا بشيءٍ، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فأنزل الله، D: { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله}، الآية، فيهم فجعل الناس
يقولون: هلكوا، إذ لم ينزل فيهم عُذْرٌ. وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن يتوب عليهم، فصاروا مرجئين، لا يقطع لهم بشيء، حتى نزل: {لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين}، إلى قوله: {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}، ثم قال تعالى: {وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ} يعني: الثلاثة الذين أُرْجُوْا، إلى قوله: {هُوَ التواب الرحيم}. وقال عكرمة: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ}: هم الثلاثة الذين خُلَّفُوْا. والثلاثة في قول مجاهد: هلال بن أمية، ومُرارةَ بن الربيع، وكعب بن مالك، الثلاثة من الأوس. وقال الضحاك: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ}، هم الثلاثة الذين خُلِّفُوا عن التوبة، يعني: توبة أبي لُبابة وصاحبيه، فضاقت عليهم الأرض، وكان أصحاب محمد A، فيهم فئتين، فئة تقول: هلكوا، وفئة تقول: عسى الله أن يعفوا عنهم، فأنزل الله/ D: { وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ}، وأرجأ رسول الله A، أمرهم
107
حتى نزلت توبتهم. وقوله: {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ}. ومعناه: إما يحجزهم عن التوبة، فيعذبهم، وإما يوفقهم فيتوب عليهم. {حَكِيمٌ}، وقف، على قراءة من قرأ: {الذين}، بغير واو. وغير وقف على قراءة من قرأ: {الذين اتخذوا} بالواو. قوله: {والذين اتخذوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً}، الآية. من قرأ: {الذين} بالواو، فهو في موضع رفع، والخبر محذوف، والمعنى:
ومنهم الذين، مردود على: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ} [التوبة: 101]. وقيل: هو مردود على {وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي}، (والَّذِينَ اتَّخّذُوا مَسْجِداً). ومن قرأ {الذين اتخذوا} بغير واو، فهو في موضع بالابتداء، وفي الخبر تقديران: قال الكسائؤ الخبر: {لاَ تَقُمْ فِيهِ}، أي: لا تقم في مسجدهم. وقيل الخبر: {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ}، وهذا أحسن. {ضِرَاراً} مصدر، وإن شئت مفعولاً من أجله. ومعنى الآية: إنّ اثني عشر رجلاً من المنافقين كلهم ينتمون إلى الأنصار،
ويعتدون إلى بني عوف، يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، بنوا مسجداً ضراراً بمسجد " قُباء "، وأتوا النبي A، قبل خروجه إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجداً لذِي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأْتينا فتصلي لنا فيه، فقال النبي A: إني على جَنَاحِ سَفَرٍ وشُغْل، ولو قد قدمنا، إن شاء الله، أتيناكم فصلينا لكم فيه. فلما نزل النبي A، راجعاً [من سفره]، بقرب المدينة، بلغه الخبر، فأرسل قوماً لهدمه، فَهُدم وأُحْرِق. ومعنى {ضِرَاراً} أي: ضِرِاراً لمسجد رسول الله A، وكفراً بـ الله، لمخادعتهم النبي عليه السلام.
{وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المؤمنين}. يريدون أن يتفرق جماعة المسلمين في صلواتهم. {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِن [قَبْلُ]}. أي: إعداداً له، وهو أبو عام الذي كان حَزَّبَ الأحزاب لقتال رسول الله A، فلما خذله الله D، لحق بالروم، يطلب النصر من ملكهم على رسول الله A، وكتب إلى أهل مسجد الضِّرار، وأمرهم ببناء المسجد الذي بنوه ليصلي فهم فيه، إذا رجع. {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى}. أي: يحلف من بناه ما أردنا بذلك إلا الخير، والرفق بالمسلمين في المطر، والتوسعة على الضعفاء، {والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}، في وقلهم ذلك، بل بنوه لتفريق المؤمنين. قال ابن عباس: وجه أبو عامر إلى ناس من الأنصار أن يبنوا مسجداً، ويستعدوا ما يستطيعون من قوة ومن سلاح، وقال لهم: إني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتى بجند من الروم، فأخرج محمداً وأصحابه.
وكان أبو عامر من الروم أصله، وكان يقول: إنه راهب، فبنوا المسجد له، ليأتي ويصلي فيه، وليكون اجتماعهم للطعن على رسول الله A، وأصحابه فيه. فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي A، فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنان، فنحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة. فأنزل الله/ D: { لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ/ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ}. قال قتادة: لما دعوا رسول الله A ليصلي في مسجدهم دعا بقميصه ليأتي إليهم، فأطلعه الله على أمرهم. قال الضحاك: بنوا مسجد الضرار بقُباء، وكذلك قال قتادة. قال ابن عباس: لما بنى النبي عليه [السلام] مسجد قُباء، بنى [قوم] من الأنصار مسجداً للضِّرار، ليضاهوا به النبي عليه السلام والمؤمنين في مسجدهم. قوله: {مِن قَبْلُ}، وقف في قراءة من قرا: {الذين} بغير واو إن قدرت أنَّ
108
الخبر: ومنهم الذين. وإن قدرت أن يكون {لاَ يَزَالُ} الخبر، أو {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً}، لم يجز الوقف على: {مِن قَبْلُ}. و {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} وقف، وكذلك يقدر جميع هذه الآية. قوله: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ}، الآية. والمعنى: لا تقم، يا محمد، في المسجد الذي بناه المنافقون، ضِراراً وتفريقاً بين المؤمنين، أبداً. ثم أقسم، فقال: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى}، أي: ابتدئ أساسه وبناؤه على طاعة الله D، ورضوانه {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ}، ابتدئ بنيانه، {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ}، أي: أولى أن تقوم فيه، مصلياً لله، D.
و {مِنْ} هاهنا، بمعنى: منذ. وقيل: [المعنى]، من تأسيس أول يوم. ومعنى {أَوَّلِ يَوْمٍ}: أول الأيام: كما تقول: أتيت على كل رجل، أي: على كل الرجال. قال ابن عمر، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري وابن
المسيب، وخارجة بن ثابت، وابن جريج: هو مسجد رسول الله A، الذي فيه اليوم قبره. وقال ابن عباس، وابن زيد، وعروة بن الزبير، وأبو زيد: هو مسجد قُباء. وقاله ابن جبير، وقتادة. وروي عن النبي A، أنه قال: " هو مسجدي هذا ".
وقوله: {فِيهِ رِجَالٌ}. " الهاء " لمسجد النبي A وقال الشعبي: هي لمسجد قُباء. وكذلك قال شَهْرَ بْنُ حَوْشَب. فعلى هذا يجوز أن يكون الضميران مختلفين، وأن يكونا متفقين. وقوله: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ}. مدحوا، لأنهم كانوا يستنجون بالماء من الغائط والبول، لا خلاف في هذا التفسير بين أهل التفسير.
109
قال قتادة: " لما نزلت هذه الآية، قال النبي A، لأهل قُباء: إنّ الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، فما تصنعون؟ قالوا: إنا نغسل عنّا أَثر الغائط والبول ". قوله: {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} وقف، إن جعلت الضمير مخالفاً للضمير الأول: فإن جعلته مثله وقفت على: {يَتَطَهَّرُواْ}. قوله: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ}، الآية. قرأ نصر بن علي: " أَسَسُ بُنْينِه "، بتخفيف السين ورفعه، وخفض البنيان.
وحكى أبو حاتم عن بعض القراء: " أفمن أساس بُنْيَنِهِ "، برفع أساس، وخفض البنيان. و" أسَسُ " و " أُسُّ " سواء ك: عَرَبٍ وعُرْب. و " أساسٌ " واحد، وجمعه: أُسُس. وحكى أبو حاتم، أيضاً، قراءة أخرى: " أفمن أسس بنيانه " برفع " آساس " ومده، وخفض البنيان، وهو جمع " أُسّ " ك: " خُفٍ " و " أَخَفَافٍ " والكثير " إسَاسٌ " ك " خِفَاف ". و {جُرُفٍ}، و {جُرُفٍ} لغتان، وهو شفير ما ينفى من جُوُف
الوادي إذا أخذه السيل. قال أبو حاتم: أصل {هَارٍ}: هاورُ، ثم قل، ك: شاكي السلاك وشائك السلاح. وحكى الكسائي: " تَهَوّر " و " تَهَيَّر ". والهائر المتقدم. وحكى: هَارَيَهُورُ ويَهيرُ ويهار. ومعنى الآية: أنها مثل. والمعنى: / أيُّ هذين الفريقين خير؟ وأي هذين
البناءين خير وأثبت؟ من ابتدأ أساس نبيانه على طاعة الله، أم من ابتدأ على ضلال وخطأ من دينه؟ قوله: {فانهار [بِهِ]}. يحسن أن تكون الألف من " واو " أو " ياء " على ما تقدم. قال ابن عباس: [{بِهِ فانهار}]، يعني قواعده {فِي نَارِ جَهَنَّمَ}. وذُكر أنه حفرت بقعة منها، فرئي الدخان. قال ابن جريج: (فلما فرغوةا من بناء المسجد، صلوا فيه ثلاثة أيام، وأنهار اليوم الرابع {فِي نَارِ جَهَنَّمَ}. قال ابن جريج: ذكر لنا أنَّ رجلاً حفر فيه، فأبصر
110
الدخان يخرج منه. وقال جابر: رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله A. قوله: {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ}. والمعنى: ولا يزال مسجدهم الذي بنوه، شكَّا في قلوبهم ونفاقاً، {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ}، أي: إلا أن تصدع قلوبهم فيموتوا. قال ابن عباس: ومجاهد: {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ}، إلا أن يموتوا. وقال السدي {رِيبَةً}: كفراً. وفي حرف عبد الله: (ولو قطعت قلوبهم).
111
وقيل المعنى: إلا أن يتوبوا عما فعلوا، فيكونون بمنزلة من قطع قلبه. قوله: {إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ}، إلى قوله: {وَبَشِّرِ المؤمنين}. قوله: {أَنفُسَهُمْ}: استغنى بأقل الجمع عن الكثير، والمراد الكثير، ولفظه لفظ القليل، وقد قال تعالى: {وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ} [التكوير: 7] فهذا لفظه ومعناه سواء لأكثر العدد. ومن قرأ: {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}، فبدأ بالمعفول. قيل: الفاعل بمعناه فيُقْتل بعضهم، ويقتل بعضهم الباقي المشركين. والعرب تقول: نحن قتلناكم يوم كذا، أي: قتلنا منكم.
قوله: {وَعْداً}، مصدر مؤكد، و {حَقّاً} نعن له. والمعنى: وعدهم الله الجنة وعداً حقاً عليه. قال ابن عباس: {إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ [وَأَمْوَالَهُمْ] بِأَنَّ لَهُمُ الجنة}، قال: ثامنهم والله، وأعلى لهم. " ورُوي أن عبد الله بن رواحة قال للنبي A: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال النبي عليه السلام: اشترط لربي: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي: أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. فقالوا: فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا؟ قال: الجنة. قالوا: ربح البيع، لا نُقيل ولا نستقيل ". فنزلت: {إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ}، الآية.
ثم مدحهم الله، D، فقال: {التائبون العابدون}، أي: هم التائبون. وقال الزجاج: هو بدل. والمعنى: يقاتل التائبون. وقال: والأحسن أن يرتفعوا بالابتداء والخبر محذوف، أي: لهم الجنة. وفي قراءة عبد الله: {التائبون العابدون}، على النعت للمؤمنين، في موضع خفض، أو في موضع نصب على المدح. وقيل: {التائبون} مبتدأ، وما بعدها إلى " الساجدين " عطف عليه، و {الآمرون} خبر الابتداء، أي: مرهم بهذه الصفة، فهم {الآمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر
والحافظون لِحُدُودِ الله}. ومعنى {التائبون}: الراجعون مما يكرهه الله D، إلى ما يحبه. وقال الحسن: {التائبون}، أي: عن الشرك، {العابدون}، الله وحده في أحايينهم كلها، أي: في أعمارهم. ومعنى {الحامدون}، الذين يحمدون الله على ما ابتلاهم به من خير وشر. وقيل المعنى: الذين حمدوا الله على الإسلام. ومعنى {السائحون}: الصائمون روي ذلك عن النبي A. وكذلك قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والضحاك.
وأصل السياحة: الذهاب في الأرض. {الراكعون الساجدون}، يعني: في الصلاة المفروضة. {الآمرون بالمعروف}، أي: بالإيمان بالله، D، وبرسوله عليه السلام. / {والناهون عَنِ المنكر}، عن الشرك {والحافظون لِحُدُودِ الله}، أي: العاملون بأمر الله D، ونهيه سبحانه.
113
{وَبَشِّرِ المؤمنين}. أي: بشر من آمن، وفعل هذه الصفات من التوبة والعبادة وغيرهما، وإن لم يغزوا. وقال الحسن في هذه الآية: {العابدون}: الذين عبدوا الله D، في أحايينهم كلها، أما والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين، ولكن كما قال العبد الصالح: {وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة مَا دُمْتُ حَيّاً} [مريم: 31]. قال: و {السائحون} الصائمون. وقال: {الآمرون بالمعروف}، أما والله، ما أمروا بالمعروف، حتى أمروا به أنفسهم، ولا نهوا عن المنكر، حتى نهوا عنه أنفسهم، {والحافظون لِحُدُودِ الله}، قال: هم القائمون على فرائض الله. قوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ}، إلى قوله: {حَلِيمٌ}. والمعنى: ما ينبغي للنبي A، والمؤمنين: {أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانوا أُوْلِي قربى} منهم، {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجحيم}، أي: من بعد ما ماتوا على شركهم بالله سبحانه، وقد قضى القرآن (أنّ) من مات على الشرك، أنَّه من أهل النار. وهذه الآية نزلت في شأن أبي طالب، أراد النبي عليه السلام، أن يستغفر له بعد موته، فنهاه الله، D، عن ذلك.
وروى الزهري عن ابن المسيب عن أبيه، أنه قال: " لما حضرت أبا طالبٍ الوفاة، دخل عليه النبي A، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أمية: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيءٍ تكلم به: أنا على ملة عبد المطلب، فقال النبي A: لأستغفرنَّ لك ما لم أُنه عنك. فنزلت: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} "، الآية، ونزلت: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56]، الآية. الزهري عن ابن المسَيَّب قال: لما أحتضر أبو طالب أتاه النبي عليه السلام، وعنده عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل بن هشام، فقال له رسول الله A، أي عم إنك أعظم الناس عليّ حقاً، وأحسنهم يداً، لأنت أعظم من والدي، فقل كلمة تجب لي يوم القيامة بها الشفاعة لك، قل: لا إله إلا الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟
فسكت، فأعادها عليه رسول الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ومات. فقال النبي A: والله لأستغفرنَّ له ما لم أُنه عن ذلك، فأنزل الله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ}، الآية. وقال مجاهد قال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا، وقد استغفر إبراهيم لأبيه كافراً؟ فأنزل الله D: { وَمَا كَانَ استغفار إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ}، الآية. وقال عمرو بن دينار: قال النبي عليه السلام، استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني الله عنه. فقال أصحابه: فلنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي عليه السلام، لعَمِّه، فأنزل الله، D: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا}، إلى: {حَلِيمٌ}. وقيل: نزلت في أُمِّ رسول الله عليه السلام أراد أن يستغفر لها، فمنع من ذلك. رُوي أن النبي A، لما قدم مكة، وقف على قبر أُمه حتى سَخِنَت عليه الشمس، رجاء أن يُؤْذن له فيستغفر لها/، حتى نزلت: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ}، الآية قال ذلك ابن
عباس، وغيره. ولم يختلف أهل العلم في الدعاء للأبوين ما دام حيين، على أيّ دين كانا، يدعى لهما بالتوفيق والهداية، فإذا ماتا على ك فرهما لم يستغفر لهما. رُوي أن الآية نزلت في أبوي النبي عليه السلام، وذلك أنه A، سأل جبريل، عليه السلام، عن قبر أبويه، فأرشده إليهما، فذهب إليهما، فكان يدعو لهما، وعلي Bهـ، يُؤَمِّنُ، فنهي عن ذلك، وأُعلم أنّ إبراهيم، صلوات الله عليه، إنما أستغفر لأبيه؛ لأن أباه وعده أن يُسْلِمَ، ويترك عبادة الأصنام، فكان إبراهيم يستغفر له طمعاً أن يؤْمن، فلما مات على كفره، تبرأ منه. و" المَوْعِدَةُ " التي وعد إبراهيم أبوه هو أنه وعده أن يؤمن. وقيل: بل هي كانت من إبراهيم لأبيه وعده أن يستغفر له، حكى الله عنه أنه قال: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي} [مريم: 47]، فلزمه إتمام وعده.
وقوله: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ}. فنهى الله، D، عن الاستغفار له تبرؤاً منه. وقيل: لما مات على كفره تبرأ منه. [فدل قوله: {تَبَرَّأَ مِنْهُ}] على هذا المعنى، أنه (إنما) استغفر له وهو حي لوعد وعده، أنه يؤمن، فلما رآه لا يؤمن، وأنه متماد على الكفر تبرأ منه. وقيل: لما مات على كفره، (ولم يؤمن)، تبرأ منه، وترك الاستغفار له، قال ذلك ابن عباس، وغيره. وقال ابن جبير: إنما تبرأ منه في الآخرة، وذلك إنَّ إبراهيم عليه السلام يسأل في والده يوم القيامة ثلاث مرات، فإذا كانت الثالثة، أخذ بيده، فليتفت إليه، فيتبرأ منه. و" الأَوَّاهُ " الدَّعَّاء.
وقيل: الرحيم. قال ذلك قتادة، والحسن، وروي ذلك عن ابن مسعود. وعن ابن عباس: أنَّه: الموفق، بلسان الحبشة، (وكذلك قال مجاهد وعطاء. وعن ابن عباس أيضاً: " الأوّاه " بلسان الحبشة)، المؤمن التواب. وقال كعب: " الأوَّاهُ " الذي إذا ذكر النار تأوّه. وعن ابن جبير: أنه المُسبِّحُ، الكثير الذكر لله D. وروي ذلك عن النبي A. وروي عن النبي، أنه قال لرجل: " يرحمك الله إن كنت لأواهاً " يعني
تلاءً للقرآن. وقال كعب " الأوَّاه " الكثير التَّأوُّهِ. وعن مجاهد أيضاً: أنه الفقيه .. وروى شَدَّاد بن الهادي، قال رجل لرسول الله A،: ما لأواه فقال: المتضرع. وفي حديث آخر: الخاشع المتضرع. ومعنى {حَلِيمٌ}، أي: حليم عمن ظلمه. وعن النبي A، أيضاً " الأوّاه "، الدَّعّاء.
115
وقال ابن مسعود. وأصل " التأوه ": الترجُّع والتوجع بحزنه. قوله: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ}، إلى قوله: {مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}. المعنى: ما كان الله ليضلكم بالاستغفار للمشركين، بعد إذ هداكم للإيمان، حتى يتقدم إليكم بالنهي عن ذلك، وبيِّنه لكم فتتقوه {إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي: ذو علم بجميع الأشياء. {إِنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض}. أي: له سلطان ذلك، لا رادّ لأمره، يحيي من يشاء، ويميت من يشاء، كل عبيده، وفي قبضته، فلا تجزعوا من قتال أعدائكم. وهذا حض من الله على ما تقدم من ذكر القتال. {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}. أي: ليس لكم من ينصركم من عذاب الله إن خالفتم/ أمره فأراد بكم سوءاً.
117
قوله: {لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين والأنصار}، إلى قوله: {هُوَ التواب الرحيم}. قوله: {مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ}، رفع القلوب عند سيبويه بـ: {يَزِيغُ}، و {كَادَ}، فيها إضمار الحديث. ويجوز أن ترفع القلوب بـ: {كَادَ}، ويكون التقدير: من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ. وقال أبو حاتم: من قرأ: {يَزِيغُ} بالياء، لا يجوز أن يرفع القلوب بـ: {كَادَ}، وهو جائز عند غيره على تذكير الجمع. والمعنى: لقد رزق الله رسوله الإبانة إلى أمره، ورزق المهاجرين وذراريهم
وعشيرتهم الإنابة إلى أمره، ورزق الأنصار ذلك، {الذين اتبعوه فِي سَاعَةِ العسرة} وهي غزوة تبوك، خرجوا في حر شديد، فاشتد عليهم العطش، فكانوا ينحرون إبلهم، ويعصرون كروشها، ويشربون ماءها، فهي العسرة التي لحقتهم، قال ذلك عمر ابن الخطاب Bهـ، فسأل أبو بكر النبي عليه السلام، أن يدعو، فدعا، فأمطروا فشربوا وملأوا ما معهم. قال عمر: ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. وكانوا أيضاً في قلة من الظَّهر وقلة من مال. قال مجاهد: أصابهم جَهْد شديد، حتى إنَّ الرجلين يشقان التمرة بينهما. وقوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا}. أي: ليثبتوا على التوبة، كما قال: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ بالله} [النساء: 136]، أي: اثبتوا على الإيمان.
وقيل: المعنى: ثم فسخ عليهم، ولم يعجل عقابهم ليتوبوا. وقيل المعنى: ثم وفقهم الله للتوبة. يقال: " تاب الله عليه "، أي: دعاه إلى التوبة، و " تاب عليه "، أي: وفقه للتوبة، و " تاب عليه " قَبِل توبته. وقوله: {وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 6]. أي: وإما يوفقهم للتوبة. وأصل التوبة في اللغة، الرجوع عما كان عليه. وهي تكون بثلاث شرائط: الندم على ما كان منه، والإقلام عن المعصية، وترك الإصرار. {والأنصار} وقف. ثم قال: {وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ}. أي: وتاب على الثلاثة الذين خُلِّفُوا، فلم يفعلوا فعل أبي لُبابة وأصحابه، إذ ربطوا أنفسهم في السواري، وقالوا: لا نَطْعم ولا نَحُل حتى يكون رسول الله A، هو
يحلنا بتوبة من الله والثلاثة الآخرون الذين أرجأ أمرهم المؤمنون، فقال قوم: هلكوا، وقال قوم: عسى الله أن يتوب عليهم. قال عكرمة وقتادة: خُلِّفُوا عن التوبة. وقرأ عكرمة: " خَلَفُوا " أي: أقاموا بِعَقِبِ رسول الله A.
قال محمد بن عرفة نفطوية: خلفوا عن أن يكونوا منافقين، ويعتذروا فيعذبوا؛ لأنهم صدقوا، ولم يأتوا بعذر كذب. وقرأ جعفر بن محمد: " خَالَفُوا ". قوله: {حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ}. أي: بسعتها، غمًّا منهم وندماً على تخلفهم عن رسول الله A { وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ}. أي: بما نالهم من الكرب {وظنوا أَن لاَّ مَلْجَأَ}، أي: أيقنوا أنه لا ملجأ من الله، أي: لا مهرب، ولا مستغاث منه، {إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا}، أي: لينيبوا إليه،
ويرجعوا إلى طاعته، {إِنَّ الله هُوَ التواب الرحيم} أي: هو الوهّاب لعباده الإنابة إليه، {الرحيم}، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة على ما سلف منهم قبل/ التوبة. والثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلا ل بن أمية، ومُرارة بن ربيعة، كلهم من الأنصار. وفي رواية: مُرارة بن الربيع. وفي أخرى: مُرارة بن ربْعي. وقال ابن جبير: ربيعة بن مرارة، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك. وكان قد تخلف عن رسول الله عليه السلام، في غزوة تبوك بضع
وثمانون رجلاً، فلما رجع أتاه قوم، منهم الثلاثة الذين ذكروا في الآية، فصدقوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم، وأتاه الباقون، فكذبوا وحلفوا واعتذروا، فوكل أمرهم إلى الله D، وقال لأولئك الذين صدقوا: قُوما حتى يقضي الله فيكم، فنزل القرآن بتوبتهم، فقال: {وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ}، الآية [التوبة: 102]، وقال: {وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ}، الآية. قال كعب بن مالك: أتى، المخلفون فاعتذروا، فقبل منهم النبي A، ووكل سرائرهم إلى الله، D، وجئت إليه فرأيته يبتسم تبسم المُغْضَب، ثم قال تعالى، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، وكنت لما سمعت بقدوم رسول الله A، حضرني بَثِّي على التخلف، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بما أخرج من سخطه غداً؟ فلما قدم النبي عليه السلام، زال عني الباطل حين عرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً، فلما جلست بين يديه، قال لي: ما خَلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قال: فقلت: يا رسول الله والله إنِّي لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سَخَطِه بعذر، لقد
أُعطيت جدلاً. ولكني والله لقد علمت أني لئن حدثتك اليوم بحديثٍ كذبٍ ترضى به عني، ليوشكنَّ الله أن يسخط علي، ولئن حدثتك حديث صدق، وتجد علي فيه، إني لأرجو عفو الله، والله ما كان لي عذر، ولله ما كنت قَطُّ أقوى ولا أيْسَر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله A: أمَّا هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك. فقمت، وفعل رجلان مثل ما فعلت، وكانا قد شهدا بدراً، فكا لي فيهم أُسوة. وأخذ الناس يقولون: ألا اعتذرت كما اعتذر غيرك، ثم تستغفر لك رسول الله A، فلم يزالوا بي (حتى) كدت أرجع إلى النبي A، فأُكذِّب نفسي. ثم نهى رسول الله A، عن كلامنا الثلاثة من بين من تخلف عنه. فاجتنبنا الناس وتغيّروا لنا، حتى تنكرت إلى نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأمَّا صاحباي فاستكَنَّا وقعدا في بيوتهما يبكيان،
119
وأما أنا فكنت أشَبَّ القوم وأجلَدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة، وأطوفُ الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله A، وهو في مجلسه، فأسلم عليه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شتيه برد السلام؟ ثم أفكر في غيكره، ثم أبكي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عنِّي، ثم أمرني رسول الله A، باعتزال أهلي عند تمام أربعين ليلة في حديث طويل. فلم يزل حتى نزلت توبته بعد خمسين ليلة مع توبة صاحبيه. قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَكُونُواْ مَعَ الصادقين}. والمعنى: يا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله، {اتقوا الله}، أن تخالفوه، {وَكُونُواْ}، في الآخرة {مَعَ الصادقين} /، أي: مع النبي عليه السلام، وأصحابه.
كذلك، قال زيد بن أسلم، والضحاك، وابن جبير. قال الضحاك: {مَعَ الصادقين}، مع أبي بكر وعمر وأصحابهما. وقال ابن جريج: مع المهاجرين الصادقين. وتأويل ذلك عند ابن مسعود: أن يَصْدُقوا في قولهم، وأنَّه نهي عن الكذب. وكان يقرأ: " وكونوا مع الصادقين ".
120
قوله: {مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الأعراب أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله}. يعني: في غزوة تبوك. أي لا ينبغي لهم ذلك، ولا ينبغي لهم [أن {يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ] عَن نَّفْسِهِ} في الجهاد. وإنما لم يكن لهم ذلك؛ لأنهم {لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ}، في سفرهم، أي: عطش، {وَلاَ نَصَبٌ}، أي: تعب: {وَلاَ مَخْمَصَةٌ}، أي مجاعة {فِي سَبِيلِ الله}، D: أي: في إقامة دين الله سبحانه {وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكفار}، أي: لا يطئون أرضاً {يَغِيظُ الكفار}، وطؤهم [إياها] {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً}، أي: في أنفسهم وأموالهم وأولادهم، {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ}، بذلك كله ثواب عمل صالح، {إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين}، أي: يجازيهم على أعمالهم. وهذه الآية مخصوصة للنبي عليه السلام، لم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا من عذر. فأما الآن فبعض الناس يحمل عن بعض. قاله قتادة.
وقال ابن زيد: كانت إذا كان المسلمون قِلة فرضاً، فلما كثروا نسخها: {وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً}، فأباح التخلف لمن شاء. وقال الطبري معنى الآية: ما كان لأهل المدينة الذين تخلفوا، ولا لمن حولهم من الأعراب الذين تخلفوا، أن يفعلوا ذلك، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه. و" النَّيل " مصدر: " نالني [ينالني] نَيْلاً "، فأنا " مَنِيلٌ ". وليس هو من " التَّنَاولِ "، لأن " التناول " من " النَّوَالِ " يقال منه: " نُلْتُ، أَنُولُ "، من العطية.
121
ثم قال تعالى: {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً}. أي: في سبيل الله وإظهار دينه {وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ}، أي: كتب لهم أجر عملهم {لِيَجْزِيَهُمُ الله}، أي: فعل ذلك ليجزيهم أحسن عملهم، أي: يجزيهم جزاء كأحسن ما يجزيهم على أحسن أعمالهم التي كانوا يعملونها وهم مقيمون في منازلهم. قوله: {وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} إلى قوله: {مَعَ المتقين}. المعنى: لم يكن لهم ليفعلوا ذلك، فظاهره خبر ومعناه نهي، أي: ما كان لهم أن يفعلوا ذلك، أي: لا يفعلوه، وذلك أن رسول الله A، بعث قوماً، ليعلموا الناس الإسلام، فلما نزل قوله: {مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الأعراب أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله}، الآية، رجع أولئك من البوادي إلى النبي عليه السلام، خشية أن يكونوا ممن تخلف عنه. فأنزل الله، D، عذرهم: {وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً}، وكره انصرافهم من البادية إلى المدينة، قال ذلك مجاهد. ثم قال تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ}، هَلاَّ أتى للخروج من
هؤلاء الذين يعلمون الناس {مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ}، ويبقى الباقون ليتفقه أهل البوادي في الدين {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ}، أي: يخبرونهم بما تعلموا {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}، مخالفة أمر الله، سبحانه. وقال ابن عباس المعنى: ما كان المؤمنون لينفروا في غزوهم جميعاً، ويتركوا نبيهم عليه السلام، {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ}، يعني: السرايا، فلما رجعت السرايا، ونزل بعدهم قرآن، تعلمه القاعدون من النبي عليه السلام، قالوا للسرايا: إن الله D، قد أنزل على نبيكم عليه السلام، قرآنا بعدكم/ وقد تعلمناه. فتمكث السرايا يتعلمون مما أنزل بعدهم، ويمضي الآخرون الذين كانوا مقيمين للسرايا، فذلك قوله:
{لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين}. فمعنى الكلام: فهلاَّ نفر من كل فرقة طائفة لتيفقه المتخلفون في الدين {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ}، أي: ليعلم القاعدون القادمين من السرايا ما تعلموا في مغيبهم، وهو قول قتادة. وقال: هذا في الجيوش أمره الله [أن] لا يُعَرُّوا نبيهم عليه السلام، وأن تقيم طائفة مع رسول الله A، تتفقه في الدين وتنطلق طائفة تدعو قومها إلى الله سبحانه، فإذا رجعوا علمهم المقيمون ما نزل بعدهم. ومثل ذلك قال الضحاك. وعن ابن عباس أيضاً: أنها ليست في الجهاد، ولكن لما دعا النبي عليه السلام، [على مُضر]
بالسنين أجدبت بلادهم، فكانت القبيلة منهم تُقبل بأسرها إلى المدينة يعتلون في إقبالهم بالإسلام وليس كذلك، إنما بهم الجَهْد الذي نزل بهم، فأخبر الله، D، نبيه عليه السلام، أنهم ليسوا من المؤمنين، وأنهم لو كانوا مؤمنين ما أتوا بأجمعهم، ولكن يأتي بعضهم يتفقه في الدين، ويعود فينذر من بقي لعله يحذر ما حرم الله سبحانه، فإتيانهم بجماعتهم يدل على أنهم إنما أتوا من أجل الجَهْد لا من أجل الإيمان. وقال عكرمة: إنما هو تكذيب للمنافقين، وذلك أنه لما نزل: {مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الأعراب أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله}، الآية، قال المنافقون: هلك من تخلف، فألحقوا من عذره الله في التخلف بمن لم يعذره الله سبحانه، فأنزل الله D، عذراً ثانياً لمن تخلف من الأعراب بعذر، فقال {وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً}. وقال الحسن: المعنى: لتتفقه الطائفة الغائبة، بما يؤيدهم الله D، من
الظهور على المشركين، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. أي: يخبر الغائبون في الجهاد الحاضرين، بما فتح الله D، عليهم فيزداد إيمانهم، وهو اختيار الطبري. قال: تتفقه الطائفة النافرة بما ترى من نصر الله D، { وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ} أي: يخبرونهم بما فتح الله سبحانه عليهم فيحذرونهم أن ينزل بهم بأس الله، سبحانه. ف: " قومهم " على هذا القول: من بقي من أهليهم مشركين، يحذرونهم ليؤمنوا، وهو قول الحسن. وهذا الآي دليل على جواز قبول خبر الواحد. وقد رُوي: أنها نزلت في أعرابٍ قدموا على رسول الله A، المدينة فَعَلَوْا الأسعار، وملأوا الطرق بالعَذِرَة فنزلت: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ}.
ثم قال تعالى: {يا أيها الذين آمَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مِّنَ الكفار}. والمعنى: أنَّها تحضيض من الله، D، للمؤمنين، أن يبدأوا بقتال الأقرب فالأقرب من الكفار، والغلظة عليهم. والمراد به يومئذ: الروم، لأنهم كانوا سكاناً بالشأم، والشأم أقرب إلى المدينة من العراق. والفرض على أهل [كل] بلد أن يقاتلوا من يليهم دون الأبعد منهم، إلا أن يضطروا إلى ذلك، فيقاتلون الأبعد دون الأقرب. وقد سئل ابن عمر عن قتال الروم والدَّيْلَم. فقال: الروم أولى. وكذلك قال الحسن.
124
قوله: {واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين}. أي: وأيقنوا أن الله D، معكم عند قتالكم لهم ما اتقيتموه. قوله: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ}، إلى قوله: {يَذَّكَّرُونَ}. والمعنى: وإذا ما أنزل الله D، سورة من القرآن، فمن المنافقين من يقول: أيكم أيها الناس، زادته، / هذه السورة إيماناً؟ أي: تصديقاً بالله وآياته، قال الله D، عن نفسه، {فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}. أي: وأما الذين آمنوا من الذين قيل لهم ذلك، {فَزَادَتْهُمْ}، السورة {إِيمَاناً}، وهم يفرحون بما أعطاهم الله D، من الإيمان واليقين. ومعنى زيادة الإيمان هنا: أنهم قبل نزول السورة لم يكن لزمهم فرض ما في السورة التي نزلت. فلما نزلت قبلوها والتزموا ما فيها من فرض، فذلك زيادة في إيمانهم الأول. وقال الربيع: {فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً}، أي: خشية.
{وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}. أي: شك في دين الله، سبحانه {فَزَادَتْهُمْ} السورة إذا نزلت، {رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ}، أي: كفراً إلى كفرهم، وذلك أنهم شكوا في أنها من عند الله، سبحانه، ولم يؤمنوا بها، فازدادوا كفراً على كفرهم المتقدم، {وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ}، أي: بالله، سبحانه، وآياته، جلت عظمته. قوله: {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ}. من قرأ بالياء، فهو توبيخ لهم، والمعنى: أو لا يرى هؤلاء المنافقون ذلك؟ ومن قرأ بالتاء، فمعناه: أو لا ترون، أيها المؤمنون، ما ينزل بهم في كل عام؟ ومعنى {يُفْتَنُونَ}، يختبرون في بعض الأعوام مرة، وفي بعضها مرتين، {ثُمَّ}، هم مع البلاء الذي يحل بهم {لاَ يَتُوبُونَ} من نفاقهم وكفرهم، ولا يذكرون ما يرون
من الحجج لله، D، فيتعظون بها. و" الاختبار " هنا، قيل: بالجوع والجدب. وقال قتادة، والحسن: يختبرون بالغزو والجهاد. وقيل: إنه هو ما كان يُشيعَ المشركون من الأكاذيب على رسول الله A، وأصحابه، فيفتتن بذلك من في قبله مرض. وقال حذيفة: كنا نسمع كذبة أو كذبتين، فيفتتن بها فئام من الناس.
127
يريد حذيفة أنهم كانوا يفعلون ذلك قبل إسلامهم. قوله: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ} الآية. والمعنى: وإذا ما أنزل الله D، سورة، وهم جلوس عند النبي عليه السلام، فكان فيها إظهار سرهم {نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ}، هل رآكم أحد إذ قلتم وتناجيتم، ثم قاموا فانصروا ولم يسمعوا قراءته. وقيل: المعنى: إذا ما أُنزلت سورة فيها أسرارهم، {نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ}، أحد إن قمتم، فإن قالوا: نعم، قاموا ولم يسمعوا القرآن. {صَرَفَ الله قُلُوبَهُم}، أي: عن الخير والتوفيق، {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ}، أي: لا يفقهون عن الله، D، مواعظة، استنكاراً ونفاقاً. وقد كره ابن عباس: أن يقال: " انصرفنا من الصلاة "، قال: لا يقال ذلك، فإن قوماً انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: " قد قضينا الصلاة ".
128
وقيل عنه: ولكن قولوا: " قد صلينا ". ومعنى: {نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ}: [قال بعضهم إلى بعض]، ولذلك قال: {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ}، ولو كان من نظر العين لم يؤت بـ: " هل " بعده. وقيل: النظر هنا، إنما النظر الذي يجلب الاستفهام، كقولك: " قد تناظروا أيهم أعلم "، و " أجتمعوا أيهم أفقه "، أي: لينظر أيهم أفقه. قوله: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ}، إلى آخر السورة. المعنى: لقد جاءكم، / أيها المؤمنون وأيها العرب، {رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ}، أي: تعرفونه، لا من غيركم فتتهموه في النصيحة لكم.
وقيل معنى {أَنفُسِكُمْ} بشر مثلكم. {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}. أي: ما عنتكم، أي: ما أدخل عليكم المشقة. وأصل " النعت ": الهلاك.
وقيل معنى: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}، أي: عزيز عليه أن تدخلوا النار، {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ}، أن تدخلوا الجنة. وقيل معنى: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ}، أي: حريص على هدى ضُلاَّلِكُم وتوبتهم. وقال قتادة: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي: عزيز عليه عَنَت مؤمنيكم. وقال ابن عباس {مَا عَنِتُّمْ}: ما ضللتم. وقال قتادة: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ}، أي: حريص على هُدَى ضُلاَّلِكُم. وهذا مخاطبة لأهل مكة.
{فَإِن تَوَلَّوْاْ}. أي: إن تولى هؤلاء يا محمد، عن الإيمان، {فَقُلْ حَسْبِيَ الله}، أي: يكفيني الله، {لا إله إِلاَّ هُوَ}. قال أبيُّ بن كعب: آخر آية نزلت: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ}، إلى آخر السورة. {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ}، وقف تام عند الأخفش، لأن هذا مخاطبة لأهل مكة، وقوله: {بالمؤمنين رَءُوفٌ (رَّحِيمٌ)}، لكل المؤمنين.
/ بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما السفر الثالث من سورة يونس إلى سورة مريم وبالله التوفيق ولا رب سواه]
يونس
بسم الله الرحمن الرحيم سورة يونس عليه السلام مكية قال ابن عباس: {الر}: أنا الله أرى. وروي عنه أنه أنا الله الرحمن. وعنه أيضاً: " ألر " و " حم " و " ن " حروف الرحمن مقطعة. وهو قول سالم بن عبد الله، وابن جبير، وهو اختيار الزجاج.
وقال قتادة: " هو اسم من أسماء القرآن ". وقال عكرمة والحسن: هو قسم. وروي عن قتادة أنه قال: اسم للسورة. وقال مجاهد: هو فواتح السور.
وقيل: هي تنبيه. وهو اختيار الطبراني. وقال بعض المتأخرين من أهل النظر: هذه الفواتح لا نعلم لها تأويلاً، ولا صح عن النبي عليه السلام، ولا اتفقت الأُمة على تفسيرها. والذي نعتقده في ذلك أنّا إنما كلفنا تلاوة تنزيلها، ولم نكلف معرفة تأويلها. (ولا يعرف تأويلها) من جهة العقل. قال أبو محمد Bهـ: وهذا القول يلزم قائله أن يكون مثله في كل آية مشكلة لم يصح عن النبي A فيها تأويل، ولا اتفقت الأُمة على تأويلها، فيعطل معرفة أكثر القرآن، ويقول: إنما كلفنا التلاوة لا غير. وأكثر ذلك في الأحكام يقع، فيعطل أحكاماً كثيرة على مذهبه (وكيف) يكون ذلك؟ وهل أنزله الله إلا لنعلم تأويله،
ونتدبره كما قال: {ليدبروا آيَاتِهِ} [ص: 29]. قوله: {تِلْكَ آيَاتُ الكتاب} " أي: تلك التي جرى ذكرها آيات الكتاب ". (وقيل: المعنى: هذه آيات الكتاب). وقال مجاهد: معنى {تِلْكَ آيَاتُ الكتاب} يعني: آيات التوراة والإنجيل، وكذلك قال قتادة. وعن مجاهد: {آيَاتُ الكتاب الحكيم} يعني آيات القرآن. وهو اختيار الطبري: قال: لأنه لم يجر للتوراة، والإنجيل ذكر قبل هذا. و (الآيات): العلامات. و (الكتاب): " اسم من أسماء القرآن. و (الحكيم) معناه: المحكم عند أبي عبيدة وغيره.
2
قوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ} إلى قوله {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} (أكان): (الألف) ألف استفهام، معناه: التوبيخ، والتقرير، والإنكار لتعجبهم من بعث الله D رجلاً منهم، رسولاً إليهم. والمعنى: ليس بعجب قد علمتم أن الرسل من قبلكم كانت من بني آدم، ولم تكن ملائكة. إنما تأتي الملائكة إلى الرسل بأمر الله ونهيه (سبحانه) وتأتيهم في صورة بني آدم. إذ لا يحتمل بنو آدم معاينة الملائكة. وقرأ ابن مسعود: (أكان للناس عجب) بالرفع جعل " أن أوحينا " في
موضع نصب. وهو بعيد، لأن المصدر معرفة. فهو أحق أن يكون اسم (كان) (و) (عجباً): الخبر، لأنه نكرة. ورفع " عجباً " على اسم " كان " جائز على (ما) بعده. (و) اللام في " الناس " متعلقة بـ " عجب "، لا تتعلق بـ " كان ". ومعنى الآية: أن الله، جلّ ذكره، لما بعث محمداً رسولاً أنكر جماعة من العرب ذلك، وقالوا: (الله) أعظم من أن يبعث بشراً رسولاً. فأنزل الله ( D) : { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس}، ونزل / {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ} [يوسف: 109] هذا قول ابن عباس. وقال ابن جريج: عجبت قريش أن بعث رجلاً منهم، فنزل
ذلك. وروري أن أهل مكة قالوا: لم يجد الله رسولاً إلا يتيم أبي طالب فأنزل الله ( D) ذلك. فالناس هنا: أهل مكة. وهذه الآية فيها ضروب من أخبار: ابتدأ تعالى بعجب، ثم أخبر بالشيء الذي يوجب العجب عندهم، وهو الوحي، ثم أخبر عمن أنزل عليه ذلك الوحي، ثم أخبر بالشيء الموحى ما هو. وهو الإنذار، ثم أخبر بالبشارة للمؤمنين وأخبر بالمبَشر به ما هو؟ وهو: كون القدم الصدق للمؤمنين عند ربهم، ثم أخبر بجواب الكافرين عن ذلك: (كل ذلك) في آية واحدة. ومعنى {قَدَمَ صِدْقٍ}: قال الضحاك: " ثواب صدق ". وقال
مجاهد: " الأعمال الصالحة "، وهو اختيار الطبري. وقال ابن عباس " أجراً حسناً (بما) قدموا من (صالح) أعمالهم. وعن ابن عباس: {قَدَمَ صِدْقٍ}: ما تقدم لهم من السعادة في اللوح المحفوظ. وقال قتادة، والحسن، وزيد بن أسلم: {قَدَمَ صِدْقٍ} وهو محمد، A، شفيع لهم. وعن الحسن أنه قال: {قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} هو: مصيبتهم في نبيهم A. والقدم في اللغة على أربعة أوجه: قدم الإنسان مؤنثة، والقدم السابقة: العمل الصالح مؤنثة أيضاً، والقدم: الشجاع مذكر، والقدم المتقدم: مذكر أيضاً.
وفي الحديث: " إنَّ جَهَنَّمَ لا تَسْكن حَتّى يَضَع الجبَار فيها قَدَمهُ " وفي (رواية) أخرى: " حَتّى يَضَع الله فِيها قَدَمَهُ ". قال الحسن: معناه يجعل (الله) فيها الذين قدَّمهم لها. فهم قدم الله D إلى النار، والمؤمنون قدمه إلى الجنة. ومن رواه: (حَتَّى يَضَع الجبار فيها قدمه) فمعناه (مثل) ما ذكرنا، أن جعلت الجبار اسماً لله ( D) . وقيل " الجبار اسم لجنس يدل على جميع الجبارين على الله (سبحانه). فالمعنى: حتى يضع الجبارون على الله (سبحانه) فيها أقدامهم. أي: حتى يدخلوها. (فعند ذلك تقول جهنم: قط قط) أي: كفى كفى.
وفي هذا الحديث اختلاف روايات بألفاظ مختلفة، لكنا (قد) فسرنا موضع الإشكال منه .. {عِندَ رَبِّهِمْ}: وقف حسن عند أبي حاتم والأخفش. وقال: تفسيرهما ليس بتمام حسن؛ لأن {قَالَ الكافرون} جواب لما قبله. ومن قرأ " لساحر " فمعناه: هذا النذير لساحر. يعنون النبي A. ومن قرأ " لسحر " فمعناه: هذا الذي انذرنا به سحر، يعنون القرآن.
والقراءتان ترجعان إلى معنى واحد، لأنهم إذا جعلوا النبي A ساحراً فقد أخبروا أنه أتاهم بالسحر، وهو القرآن. وإذا جعلوا القرآن سحراً فقد أخبروا أن الذي أتاهم به ساحر. إذ السحر لا يكون من ساحر. والساحر لا يسمى بهذا الاسم حتى يأتي بالسحر، ويعرف منه ذلك. ثم قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض}. والمعنى: إن الذي تجب له العبادة الله الذي خلق السماوات السبع والأرضين السبع في ستة أيام /. {ثُمَّ استوى عَلَى العرش} " مدبراً للأمور، قاضياً في خلقه ما أحب ". {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ}: أي: لا يشفع شافع يوم القيامة في أحد إلا من بعد أن يأذن له في الشفاعة كما قال: {مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] وكما قال: {وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23]. وكذلك {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى} [الأنبياء: 28]
4
{ذلكم الله رَبُّكُمْ فاعبدوه} أي: هذا الذي هذه صفته مولاكم فاعبدوه. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}: أي: " تتعظون جميعاً، وتعتبرون بهذه الآيات والحجج. قوله: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ الله حَقّاً} إلى قوله {يَعْلَمُونَ} {وَعْدَ الله}: مصدر، والمعنى: وعدكم (الله) أن يحييكم بعد مماتكم (وعداً حقاً) عند سيبويه بمعنى: وعد الله في حق، فلما حذف حرف الجر نصب، والمعنى: إليه معادكم جميعاً. وقرأ أبو جعفر يزيد " أنه " بفتح الهمزة: وهي في موضع نصب بمعنى لأنه يبدأ، (مثل) لبيك إن الحمد والنعمة لك (لا شريك لك).
وقال أبو حاتم: هي نصب بـ " وعد ". أي: وعد الله أنه يبدأ الخلق. وقال الفراء: موضعها رفع بحق كأنه قال: حقاً ابتداؤه. ومن كسر (إن) وقف على حقاً)، ومن فتح لم يقف على (حقاً). {إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق} أي: انشأناه قبل أن لم يكن شيئاً ثم يميته، ثم يعيده في الآخرة كهيئته. {لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات بالقسط} أي: ليثبت المؤمنين على أعمالهم بالعدل والإنصاف.
ثم أخبر بما أعد للكفار لتجتمع الأخبار عما أعد (الله D) للفريقين فقال: {والذين كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ}: وهو الذي قد تناهى في الحر. قال النبي A: " إنه ليتساقط من أحدهم حين يدنيه منه فروة رأسه ". وأصل الحميم محموم: فهو " فعيل " في موضع " مفعول ". {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: ولهم عذاب مؤلم بكفرهم. (ثم) قال تعالى: {هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً} من قرأ " ضياءً " (بهمزة) متطرفة فهو الأصل، لأنه من الضوء. فالهمزة لام الفعل، والياء في " ضياء " بدل من واو
لانكسار ما قبلها. ومن همز موضع الياء فإنما يجوز على القلب، وذلكأن تقلب الهمزة التي هي لام (الفعل) في موضع الياء التي هي عين. فتصير الياء بعد ألف متطرفة. فتنقلب همزة فيصير وزنه " فلاعاً ". وقوله: " منازل " منصوب على حذف المضاف. والمعنى: وقدره منازل. (و) قيل: المعنى وقدر له منازل، ثم حذف اللام، وعدى الفعل كما قال: {كَالُوهُمْ} [المطففين: 3]. والمعنى: إن ربكم الله {الذي خَلَقَ السماوات والأرض} [يونس: 3]، ثم فعل كذا {هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} أي: قدر القمر منازل. لا يقصر دونها، ولا يجاوزها يكون كل ليلة بمنزلة من المجوم، وذلك في ثمانية وعشرون منزلاً في كل شهر، وهو قوله: {والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} [يس: 39].
{لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب} أي: فعل ذلك كي تعلموا عدد السنين، أي: دخولها، وخروجها، وحسابها. {مَا خَلَقَ الله ذلك} أي: ما خلق الله الشمس والقمر والسماوات والأرضين {بالحق}. ومن قرأ " يفصل " بالياء رده على ذكر الله لقربه منه، فأسندالفعل إليه بلفظة التوحيد. ومن قرأ بالنون أجراه مجرى ما أتى في القرآن بلفظ الجميع، من/ " فصلنا، ونفصل " وذلك كثير. ومعنى (نفصل الآيات): نبين الحجج، والأدلة لقوم يعلمون. {ذلك إِلاَّ بالحق}: وقف لمن قرأ بالنون.
6
ومن (قرأ) بالياء لم يقف عليه، لأن الفعل مسند إلى الاسم المذكور المتقدم. قوله: {إِنَّ فِي اختلاف اليل والنهار وَمَا خَلَقَ الله فِي السماوات والأرض} إلى قوله: {يَكْسِبُونَ} والمعنى: إن في ذهاب الليل، ومجيء النهار، وذهاب النهار، ومجيء الليل، وإحداث كل واحد منهما بعد ذهابه، واضمحلاله لعلامات {لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ}: على الوحدانية والقدرة. ويشير إليها، ويخبر عنها: فالصامت لا يقدر على النطق، لأن مسكتاً أسكته، وهو الله (سبحانه)، والناطق لا يعجز عن النطق، لأن منطقاً أنطقه، وهو الله ( D) ، والمتحرك لا يعجز عن الحركة، لأن محركاً حركه، وهو الله ( D) : فكلٌ فيه دليل على الوحدانية والقدرة والملك. {وَمَا خَلَقَ الله فِي السماوات والأرض} معناه: من النجوم والشمس والقمر والجبال والشجر وغير ذلك. (لآيات) أي: لحجج وعلامات على توحيد الله (جلت عظمته).
{لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ}: وهذه الآية تنبيه من الله D لعباده (على توحيده) وربوبيته. ثم قال تعالى: {إِنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} أي: لا يخافون الحساب والبعث. تقول العرب: " فلان لا يرجو فلاناً " أي: لا يخافه، ومنه قوله: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} [نوح: 13]: أي تخافون. وقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد. وقال غيره: بل يقع بمعنى الخوف في كل موضع دل عليه المعنى. قوله: {وَرَضُواْ بالحياوة الدنيا} أي: جعلوها عوضاً من الآخرة {واطمأنوا بِهَا} أي: سكنوا إليها. {والذين هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} أي: عن أدلتنا وحجتنا معرضون، لاهون. {أولئك مَأْوَاهُمُ النار} أي: من هذه صفتكم مصيرهم إلى النار. {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} (في) الدنيا من الآثام.
9
قال قتادة: {إِنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} - الآية - إذ شئت رأيته صاحب دنيا، لها يفرح، ولها يحزن، ولها يرضى، ولها يسخط. وقال ابن زيد: هم أهل الكفر. قوله {إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} إلى قوله {العالمين}. المعنى: إن الذين صدقوا الله ورسوله، وعلموا بطاعة الله {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} أي: يرشدهم بإيمانهم إلى الجنة. وقال قتادة: بلغنا أن النبي عليه السلام، قال: " إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة يقول له: من أنت؟ فوالله إني لأراك امرأ صدق. فيقول (له): أنا عملك، فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة. والكافر بضد ذلك في الصورة
ينطلق به عمله حتى يدخله النار ". وقيل: المعنى يهديهم ربهم لدينه بإيمانهم به. أي: من أجل تصديقهم هَدَاهم. قوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار فِي جَنَّاتِ النعيم}. أي: في بساتين قد نعّم الله فيها أهل / طاعته. ومعنى {مِن تَحْتِهِمُ}: من دونهم وبين أيديهم، وليس هو أنها تجري (من) تحت ما هم عليه جلوس من أرض ونحوها. وهذا كما تقول: بلد كذا تحت بلد كذا. أي: بجوارها وبين أيديها. لا أنها تحتها: إحداهما فوق الأخرى. ومثل هذا قوله تعالى: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} [مريم: 24]. ومعلوم أن السري ليس تحتها، إذ كان السري: الجدول، وإنما معناه: أنه جعله دونها، أي: بين يديها. ومن هذا ما حكى
الله ( D) لنا من قول فرعون: {وهذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي} [الزخرف: 51] ومعلوم أن نيل مصر لم يكن تحته يجري، وهو عليه، وإنما كان (يجري) بجواره، وبين يديه ودونه. ثم قال تعالى إخباراً عن أهل الجنة {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهم}. حكى سيبويه: الدعوى بمعنى الدعاء. فالمعنى دعاؤهم في الجنة: سبحانك اللهم. قال ابن جريج: وإذا مر بهم الطير يشتهونه قالوا: سبحانك اللهم فيأتيهم الملك بما يشتهون فيسلم عليهم، فيردون عليه (السلام) فذلك قوله: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ}. فإذا أكلوا حمدوا الله ربهم، فذلك قوله تعالى:
{وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين}. والتحية: البقاء. ومنه قوله: " التحيات لله "، والتحية أيضاً: الملك، والتحية هي استقبال الرجل بالمُحَيَّا: وهو الوجه بما يسره من الكلام. وقيل: التحية في هذا بمعنى الحياة، أي: يُحيي بعضهم بعضاً. إنهم يحيون ولا يموتون، ويسلمون من كل شيء يحذرون. والسلام بمعنى السلامة. وقيل: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} أي: تحيه بعضهم لبعض فها سلام. أي: " سلمت وأمنت مما ابتلي به أهل النار ". وقيل: المعنى إن الله ( D) يحييهم بالسلام إكراماً منه (لهم). وقال سفيان: إذا أرادوا الشيء قالوا: سبحانك اللهم، فيأتيهم ما
دعو (ا) به: ومعنى {سُبْحَانَكَ اللهم}: تنزيهاً لك يا ألله مما أضاف إليك أهل الشرك من الكذب. (وسئل النبي A، عن: سبحان الله، فقال: مفسراً تنزيهاً (لله) عن السوء). وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: هي كلمة رضيها الله ( D) لنفسه. فسبحان الله: كلمة ينزه بها (الله عن كل) فعْل مذموم أو متهم. (أللهم): وقف و (سلام): وقف. ومذهب سيبويه في {أَنِ الحمد للَّهِ} أنها مخففة من الثقيلة، والمعنى: أنه الحمد لله رب العالمين).
11
وأجاز المبرد أن يعملها - وهي مخففة - عملها مشددة. والرفع أقيس، لأنه قد زال منها شبه الفعل باللفظ لما خففت، ومن أعملها شبهها بالفعل الذي قد حذف منه وأعمل. نحو: " لم يكُ ". وقرأ بلال بن أبي بُرْدَةَ: " أنَّ الحمدَ " بالتشديد، ونصب " الحمد ". قوله: {وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير} قوله: {استعجالهم بالخير} تقديره عند سيبويه: " تعجيلاً مثل استعجالهم بالخير ثم حذف تعجيلاً، وأقام صفته (مقامه)، ثم حذف صفته وأقام المضاف إليه مقامه، وحكى " زيد: شرب الإبل " أي: يشرب شرباً مثل شرب الإبل.
وقال الأخفش والفراء: التقدير: {وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ} الشر مثل استعجالهم / بالخير، ثم حذف المضاف. ويلزمهما على هذا أن يجيزا. زيد الأسَد فينصب " الأسَد " أي: مثل الأسَد. وهذا لا يجيزه أحدٌ. ومعنى الآية: ولو يعجل الله للناس إجابة دعائهم في الشر - أي: فيما عليهم فيه مضرة في نفس، أو مال، أو ولد، وذلك عند الغضب - كما يستعجلون بالخير إذا دعوا في سؤالهم الرحمة، والرزق. {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} أي: لماتوا. قال مجاهد: هو قول الإنسان لولده، ولماله إذا غضب: اللهم لا تُبَارِكْ فِيهِ والْعَنْهُ ونحو ذلك، ولو عجل الله الإجابة فيه كما يريدون أن تستعجل لهم الإجابة في الخير إذا دَعَوا لأهلكهم. وقد قيل: إن هذا إنما هو قولهم:
12
{اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]. فلو عجل لهم ذلك لهلكوا. ثم قال تعالى: {فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} (معناه): ندع الذين لا يخافون البعث، لا نُهْلِكُهُم إلى مدتهم، ولكن نذرهم {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي: في ضلالهم يَتَحَيَّرُونْ. وهو مثل قوله: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً} [آل عمران: 178]. قوله: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً}. قوله: {دَعَانَا لِجَنبِهِ} أي مضطجِعاً، ف " لجنبه " في موضع الحال. قوله: {أَوْ قَاعِداً} عطف عليه على المعنى، وقيل: المعنى وإذا مس الإنسان الضر على إحدى هذه الأحوال دعانا. فالحال في القول الأول: من الضمير في {دَعَانَا} وفي القول الآخر: من (الإنسان). والعامل في الحال " مسّ "، وفي القول الاخر: " دعا ".
13
وقيل: المعنى إذا مسه على إحدى هذه الأحوال دعانا على إحدى هذه الأحوال، فيكون في الكلام حذف {لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} مرة أخرى، {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ}: أي: استمر على طريقته التي كان عليها، قبل أن يمسّه الضر، ونسي ما كان فيه، كأنه ما أصابه ضر، وكأنه ما دعا، وما استجيب له، وما كشف عنه ضره، فعاد إلى شركه كأنه لم يدع الله D في ضر (مسه). قوله: {كذلك زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}: أي: كما زين له استمراره على ما كان عليه قبل نزول الضُّر به، بعد كشف الله ( D) عنه، {كذلك زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ}: أي: للذين أسرفوا في العصيان، والكذب على الله D ورسوله، {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من معاصي الله تعالى. {أَوْ قَآئِماً}: وقف، {مَّسَّهُ}: وقف. قوله: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} إلى قوله {كَيْفَ تَعْمَلُونَ}
معنى الآية: أنها تحذير للمشركين أن يصيبهم ما أصاب من كان قبلهم إذا أشركوا. ومعنى {لَمَّا ظَلَمُواْ}: لما أشركوا. {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات}: أي: من عند الله D بالحجج والبراهين. وقوله: {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} أي: لم يكونوا ليوفِّقوا إلى الإيمان لِمَا تقدم في علم الله D منهم. وقيل: المعنى ما كانوا ليؤمنوا جزاءً منه (لهم) على كفرهم طبع على قلوبهم، ودل على ذلك قوله: {كذلك نَجْزِي القوم المجرمين} أي: نطبع على قلوبهم، فلا يؤمنون جزاء بكفرهم. وقيل: المعنى: كما أهلكنا هذه القرون من قبلكم بشركهم، كذلك أفعل بكم بشرككم، وتكذيبكم رسلكم إن أنتم لم / تتوبوا وتؤمنوا. وقيل المعنى: ما كانوا ليؤمنوا جزاء بما كذبوا به أَوَّلاً بعد أن تبين لهم الحق، فكان ما ختم لهم به من ترك الإيمان عقوبة لهم على التكذيب أوَّلاً. ثم قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأرض مِن بَعْدِهِم} أي: جعلناكم أيها المخاطبون تخلفون من مضى من القرون الهالكة بشركهم {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}:
15
أي: كيف عملكم من عمل من كان قبلكم من القرون. وقد علم تعالى ما هم عاملون، ولكن أراد ظهور الأعمال التي تقع عليها المجازاة، فيستحقون العذاب، كما استحق من كان قبلكم إن أشركتم، أو الثواب الجزيل إن آمنتم. والعامل في " كيف (تعملون) ": لام " لننظر ". وروى عبد الحميد بإسناده عن ابن عامر {لِنَنظُرَ} بإدغام النون في الظاء وهو بعيدٌ جدّاً. قوله: {وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} إلى قوله {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} والمعنى: وإذا قرئ على هؤلاء المشركين القرآن، وهو الآيات البينات: أي: الواضحات {قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا}: أي: لا يخافون العقاب، ولا يصدقون بالبعث. {ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ أَوْ بَدِّلْهُ}: أي غيِّره، أي: اجعل مكان الحلال حراماً،
واجعل مكان الحرم حلالاً، ومكان الوعيد وعداً، ومكان الوعد وَعيداً. ثم قال تعالى ذكره لنبيه أن يقول لهم: {مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي}: أي: ليس ذلك إليَّ، إنما الأمر إلى الله D. { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. قال قتادة: هذا قول مشركي أهل مكة. وقوله: {ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ} يريدون ليس فيه ذكر البعث (والنشور وسبُّ) آلهتنا. ثم قال الله (تعالى ذكره): قل يا محمد لهم {لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ}: أي: لو شاء الله ما أنزل علي، فيأمرني بتلاوته عليكم، ولو شاء الله ما أنزله علي، فيأمرني بتلاوته عليكم، ولو شاء لم يعلمكم به. {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ}: أي قد كنت فيكم أربعين سنة قبل أن ينزل علي القرآن فلم نتل عليكم شيئاً ولو كنت منتحلاً ما ليس لي بحق من القول
كنت قد انتحلته أيام شبابي وحداثتي قبل الوقت الذي تلوت فيه عليكم هذا القرآن. قال ابن عباس: {وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ}: أي: ولا أعلمكم به. وقال ابن جريج: ولا حذرتكم به. وقال الضحاك: ولا أشعركم به. وقرأ الحسن: " ولا أدرأتُكم به بالألف والتاء: وهي غلط عند النحويين، غير أن أبا حاتم، قال: يريد الحسن: ولا أدْرَيْتُكُمْ به، ثم أبدل من
الياء ألفاً على لغة بني الحارث بن كعب الذين يبدلون من الياء الساكنة إذا انفتح ما قبلها ألفاً. وعلى ذلك تأوَّل قوم قراءة من قرأ {إِنْ هذان} [طه: 63]. وهذا القول من أبي حاتم يدل على أن الحسن لم يهمز (والرواية عن الحسن بالهمز) والتاء. ولو كانت بألف بعد الراء من غير همز، لكان لها وجه آخر وهو أن يكون من دَرَأتُ: أي: دفعت. فيكون المعنى: ولا أمرتكم أن تدفعوه. فأما الهمزة فبعيد. وقد حُكِيَ أن بعض العرب يهمز الحرف إذا ضَارَعَ المهموز، فيهمزون غير المهموز. حكى الفراء عن امرأة قالت: رثَأْتُ زوجي بأبيات. ويقولون: لبَّأتُ بالحج، وحَلأَّتُ السَّويق، فيهمزون، لأَن حَلأْت يقع في دفع العطاش من الإبل
17
فيُهمز. ولَبَّأْتُ يذهب / به إلى اللبأِ. وَرَثَأْتُ يذهب إلى الرَّثِيئَةِ: وهو أن يحلب على الرايب. يقال: أرثأت اللبن بالهمز. {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ}: أي: أربعين سنة، " تعرفونني بالصدق والأَمانة، لا أقرأ، ولا أكتب، ثم جئتكم بالمعجزات. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} إن هذا لا يكون إلا من عند الله ". قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً} إلى قوله {يُشْرِكُونَ} والمعنى فمن أشد ظلماً يا محمد {مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً}: أي: اختلق على الله الكذب {أَوْ كَذَّبَ بآياته}: أي: بحُجَجِهِ، وَرُسله. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ المجرمون} " الهاء " كناية عن الأمر، و " المجرمون ": الذين اجترموا من الكفر، أي: اكتسبوه. ثم وصفهم الله تعالى، فقال: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ}:
19
وهي الأصنام، لا يضرهم ترك عبادتها، ولا تنفعهم عبادتها. وقال الطبري: المعنى: " ولا تنفعهم عبادتها في الدنيا، ولا في الآخرة. ثم قال عنهم: {وَيَقُولُونَ هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ الله}: كانوا يعبدون الأصنام، رجاء أن تشفع لهم عند الله سبحانه. ثم قال: (قل) - يا محمد - {أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض}: أي: أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات، ولا في الأرض أن تشفع الآلهة لأحد. {سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ}: أي تنزيهاً له وعلوّاً عن شركهم. قوله: {وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا} إلى قوله: {مِّنَ المنتظرين} المعنى: ما كان الناس إلا أهل دين واحد، فافترقت بهم السبل. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي: لولا أنه سبق في علمه ألا
يهلك قوماً إلا بعد أن يملي لهم، فتنقضي آجالهم " {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ}: بأن يهلك أهل الباطل منهم، وينجي أهل الحق ". قال مجاهد: كان الناس وقت آدم على دين واحدٍ، ثم اختلفوا إذ قتل أحدهم ابْنَيْ آدم أخاه. وقيل: يراد بالناس هنا: العرب. وقيل المعنى: إن كل مولود يولد على الفطرة، ثم يختلفون بعد ذلك. والأُمة: على خمسة أوجه: - الأُمة: " العُصْبة، والجماعة نحو {أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} [المائدة: 66] ونحو: {وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ} [الأعراف: 159]. - والثاني: أن تكون بمعنى " الملة "، نحو: {وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً}. ومثله الحرف الذي في هذه السورة.
{وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً}: أي: على ملة الإسلام، ومنه: {وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً} [المؤمنون: 52]، ومنه {وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الشورى: 8]: أي: أهل ملة. - والثالث: أن تكون بمعنى " السنين والحين " نحو: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} [هود: 8] ونحوه {وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45]. والرابع: أن تكون الأُمة بمعنى " قوم " نحو قوله: {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أربى مِنْ أُمَّةٍ} [النحل: 92] أي: قوم أكرم من قوم ومنه {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} [الحج: 34] أي قوم. - والخامس: أن تكون الأُمة بمعنى " الإمام ". نحو قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ} [النحل: 120] أي: إماماً، يقتدى به في الخير. ثم أخبر عنهم تعالى فقال: {وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} أي: يقول
هؤلاء المشركون: هلا نزل عليه آية من ربه، يعلم بها أنه محقٌّ، صادق قال الله D: قل لهم يا محمد: {إِنَّمَا الغيب للَّهِ}: أي لا يعلم أحد، لو لم يفعل ذلك إلا هو، لأنه عالم الغيب. {فانتظروا إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين}: أي: انتظروا قضاء الله سبحانه بيننا وبينكم، بتعجيل العقوبة للمبطل /، وإظهار الحق للمحق. وقيل: المعنى: فانتظروا نصر الله المحق، وخذلانه المبطل. {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين}: أي: إني معكم منتظر من المنتظرين. لذلك. قوله: {وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً} إلى قوله {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} جواب إذا محذوف عند سيبويه. والتقدير: من بعد ضراء مستهم مكروا. والعرب تجتزئ بإذا في جواب الشرط عن " فعلتُ وفعلوا ". والناس هنا: المشركون كما قال: {إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6].
قال الحسن: هو المنافق، والمعنى وإذا أذقنا الكفار فرجاً من بعد كرب أصابهم، ورخاء بعد شدة أصابتهم {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ في آيَاتِنَا} قال مجاهد: " استهزاء، وتكذيب ". وقيل: يحتالون حتى يجعلوا سبب الرحمة في غير موضعه. قل لهم يا محمد: {الله أَسْرَعُ مَكْراً} أي: أسرع استدراجاًَ لكم وعقوبة. {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} أي: إن الحفظة يكتبون عليكم ما تمكرون في آياتنا. ثم عدد تعالى نعمه فقال: {هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ فِي البر والبحر} وقرأ ابن عباس: " يَنْثُرُكم " من النثر: أيْ: يبسطكم براً وبحراً. {حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك}: وهي السفن {وَجَرَيْنَ بِهِم} يعني: السفن
بالناس. {بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ}، وفرح بذلك الناس {جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ}، أي: جاءت السفن ريح. وقيل: جاءت الريح الطيبة ريحٌ عاصف، والعاصف: الشديدة. {وَجَآءَهُمُ الموج مِن كُلِّ مَكَانٍ} أي: من كل جانب. {وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} أي: أيقنوا بالهلاك. {دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} أي: أخلصوا الدعاء له D، دون أوثانهم، وآلهتهم. (و) قيل: (لأنهم) يقولون: " آهيا شَرَاهِيّاًً ": تفسيره: يا حيُّ يا قيومُ {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين} على نعمك (وتخليصك) (إيانا مما نحن فيه). {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرض}، والفلك تذكر، وتؤنث، وتكون واحداً
وجمعاً (فمن جعلهما جمعاً) جعل واحدهما فلكاً كوُثْنٍ ووثَنٍ. وقوله: {إِذَا كُنتُمْ}، ثم قال: {وَجَرَيْنَ} فهذا من الرجوع من المخاطبة إلى الإخبار، ثم قال إخباراً عن فعلهم: {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق} أي: يكفرون، ويعملون بالمعاصي على ظهر الأرض. وأصل النجاء: البعد من المكروه ومنه الاستنجاء، لأن الإنسان يبعد به عن نفسه الأذى. ثم قال تعالى: {يا أيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ}: أي: عليها يرجع. وإياها تظلمون. وهذا الذي أنتم فيه متاع الحياة الدنيا. والبغي في اللغة: التطارُحُ في الفساد. ومن قرأ {مَّتَاعَ} بالرفع احتمل أن يكون خبر بغيكم، ويجوز أن يكون
خبر ابتداء محذوف، وتكون {على أَنفُسِكُمْ} خبر بغيكم. وتقدير ذلك " متاع الحياة الدنيا " أو هو متاع الحياة الدنيا، وبَيْنَ الرفعين فرق: وذلك أنك إذا رفعت " متاع " على أنه خبر " بغيكم "، كان المعنى: إنما بغي بعضكم على بعض متاع الحياة الدنيا مثل: {فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ} [النور: 61]، و {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة: 128]. وإذا رفعتَ " المتاع " على إضمار مبتدأ، وجعلت " على أنفسكم " خبر بغيكم كان المعنى: إنما فسادكم راجعٌ عليكم مثل: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] وهو معنى قراءة / من قرأ بالنصب. ويكون النصب على المصدر أي: تمتعون متاع الحياة الدنيا. {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}: أي: إلينا ترجعون في الآخرة، فنخبركم بعلمكم، ونجازيكم عليه.
24
{بِغَيْرِ الحق}: وقف. (وقف)، إن جعلت {على أَنفُسِكُمْ} منصوباً، (أ) ومرفوعاً على إضمار مبتدإ. قوله: {إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السمآء} إلى قوله {مُّسْتَقِيمٍ}. قرأ الحسن، والأعرج، وأبو العالية: " وأَزْيَنَتْ " على وزن " أَفْعَلت ": أي جاءت بالزينة. وجاء على أصله غير مُعْتَل " كاستحوذَ ". وقرئ: " وازْيَّانَّت " مثل اسْوَادَّت.
وروى المقدميُّ " وازّايَنَتْ والأصل تَزَايَنَتْ على " تَفَاعَلَتْ ". والمعنى: إنما مثل ما تتفاخرون به في الدنيا، وتتباهون به من زينتها وأموالها، (مع) ما خالط ذلك من التنفِيض والتكدير والفناء والموت: كماء نزل من السماء فنبت بذلك أنواع النبات مما يأكل الناس: كالحنكة، والشعير، ومما تأكل البهائم من أنواع النبات. فإذا تم نباته، وحسُن، وأيقن أهل الزرع أنهم قد ملكوهُ، وأيقنوا بتمامه، وحصاده، وأن الحشيش لأنعامه مرعى {أَتَاهَآ أَمْرُنَا}: أي: أتى الأرض قضاءُنا في الليل أو في النهار، فجعلنا ما عليها حصيداً، أي: " مقطوعاً مقلوعاً ". والمراد به ما على الأرض، واللفظ للأرض. {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس} أي كأن لم يكن ذلك الزرع، والنبات على
ظهرها بالأمس، (يقال: غني فلانٌ) بالمكان، إذا أقام به، والمعنى: كأن لم تعمُر بالنبات بالأمس. والمغاني: المنازل التي يعمرها الناس. وغنينا بمكان كذا أي: نزلناه. والمعنى: وكذلك يأتي الفناء على ما تتباهون به من دنياكم فينفيها. قال ابن عباس: فاختلط به نبات الأرض: فنبت بالماء من كل لون. ثم قال: {كذلك نُفَصِّلُ الآيات}: (أي): كما بينا لكم أيها الناس مثال الدنيا، كذلك نبين حججنا، وأدلتنا لمن تفكر، ونظر، واعتبر. والهاء في {أَتَاهَآ أَمْرُنَا} تعود على الأرض. وقيل: على الزخرف. أي: أتى زخرفها أمرنا. وقيل (على) الزينة: أي: أتى زينَتها أمرُنا ليلاً. وقرأ مَرْوَ (ا) ن على المنبر: {حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ
قَادِرُونَ عَلَيْهَآ}. وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها. وذكر أن كذلك قرأها ابن عباس. وقال ابن عباس: كذلك أقرأني أبي بن كعب. وقال قتادة (كأن لم نغن بالأمس): " كأن لم تعش، كأن لم تنعم ". وكان أبو سلمة بن عند الرحمن يقرأ في قراءة أبي: كأن لم تغن بالأمس، وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون. ولا يحسن
أن يقرأ أحدٌ بهذه القراءة، لأنها مخالفة لخط المصحف الذي أجمع عليه الصحابة والتابعون. وقوله: {يَتَفَكَّرُونَ}: وقف، ووقَفُ أصحاب نافع {أَنزَلْنَاهُ مِنَ السمآء فاختلط بِهِ}، وكذلك {فاختلط} [الكهف: 45] في الكهف. وتأويل ذلك " كماء أنزلناه من السماء فاختلط بالأرض " ثم استأنف فقال: {بِهِ نَبَاتُ الأرض}: أي بالماء نبات الأرض. ومن / جعل الوقف (والأنعام) رفع النبات. {فاختلط}: أي: فاختلط (نبات الأرض) بالماء. ثم قال تعالى: {والله يدعوا إلى دَارِ السلام} أي: يدعو إلى الجنة التي يسلم من دخلها من الآفات.
26
وقيل: المعنى يدعو إلى دَارتِهِ لأنه تعالى السلام، وداره الجنة. {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي يوفِّقُ من يشاء إلى الإسلام وهو طريقهُ المستقيم الذي لا عوج فيه: وهو سبب رضاه، ورضاه سبَبُ دخول الجنة. قوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ} إلى قوله {خَالِدُونَ} والمعنى: للذين أحسنوا عبادة الله D في الدنيا الحسنى وهي الجنة، (وزيادة)، يعني: النظر إلى وجهه جل ذكره، روي ذلك (عن) عامر بن سعد عن أبي بكر الصديق Bهـ. وروى صهيب أن رسول الله قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار
النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة إنَّ لكم عند الله موعداً، يريد أن يُنْجِزَكُمُوهُ، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل الله موازيننا، ويبيّض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، وينجينا من النار. فيُكْشَفُ الحجاب، وينظرون إليه جلَّ ذكره. قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من ذلك). وهذا القول قول أبي موسى الأشعري، وحذيفة، قاله ابن أبي ليلى، وغيرهم: (إن الزيادة): النظر إلى وجه الله تعالى، وذكر كل واحد حديثاً (مثل) معنى الحديث المذكور عن النبي عليه السلام.
وقال علي بن أبي طالب Bهـ: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب، وقاله النخعي. وقال ابن عباس: الحسنى واحدة من الحسنات بواحدة، والزيادة: التضعيف إلى تمام العشرة على الواحدة. وهو مثل قوله: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35]: أي: يزيده من فضله. وقال الحسن: الزيادة هو المجازاة بالحسنة عشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف. وقال مجاهد: الحسنة بحسنة، وزيادة مغفرة من الله ورضوان. وقيل: الزيادة: ما أعطاهم الله D في الدنيا ولا يحاسبهم به يوم القيامة.
وقال ابن سيرين في قوله تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]: إنه النظر إلى الله جلَّ ذكره. وعن ابن عباس أيضاً: {أَحْسَنُواْ} قالوا: لا إله إلا الله، {الحسنى}: الجنة. (وروى أبو موسى الأشعري أن النبي عليه السلام قال: إن الله D يبعث يوم القيامة منادياً ينادي أهل الجنة بصوت يسمع به أولهم وآخرهم: إن الله وعدكم الحسنى وزيادة. فالحسنى الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله. وقوله: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ}: أي لا تغشى وجوههم كآبة والقتر: الغبار وهو جمع قترة.
وقيل: هو الغبار الذي معه وساد، روي ذلك عن ابن عباس. وقال ابن أبي ليلى: ولا يغشاهم ذلك بعد نظرهم إلى الله سبحانه: فهؤلاء الذين هذه صفتهم هم أصحاب الجنة، ماكثون فيها أبداً. وقيل: الهاء في " فيها " للحسنة، وقيل: للزيادة، وقيل: للحسنى، والزيادة، والجنة. ثم قال: {والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا}: (أي والذين عملوا السيئات في الدنيا جزاؤهم في الآخرة سيئة بمثلها) أي: عقاب من الله D على ذلك. وقيل: المعنى: فله جزاء سيئة بمثلها كما قال: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى}: أي: جزاء حسنة / بحسنة. ثم قال: {وَزِيَادَةٌ} يريد تمام العشر (ة) على الواحدة. {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ}: أي: تغشاهم، {ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ} أي: من مانع من عقابه.
ومن قرأ " قطَعاً " - بفتح الطاء - فهو جمع قِطْعَة. واُخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدُ لأن المعنى: كأنما غشي وجه (كل إنسان منهم قطعة). ثم جمع ذلك لأنه قد جمع الوجه، فعلى كل وجه قطعة و " مظلماً " على هذا نصب على الحال من " الليل "، ولو كان نعتاً للقطع لقال مظلمةٌ. ومن قرأ " قِطْعاً " بإسكان الطاء فهو يجوز أن تكون جمع قطعة أيضاً، إلا أنه بقي السكون على حاله كما يقول: سِدْرَةٌ، وسِدْرٌ، وبُسْرَةٌ وَبُسْرٌ. فيكون " مظلماً " أيضاً على هذا حالاً من الليل.
28
ويجوز أن يكون " قطعاً واحداً " يريد به ظلمة من الليل، فيكون " مظلماً " نعتاً له، وإن شئت حالاً من الليل أيضاً. وقيل معناه: بقية من الليل كما قال: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل} [هود: 81، والحجر: 65]: أي: ببقية منه، وهو اسم ما قطع من الليل وفي قراءة أُبَيْ: " كأنما يغشى وجوههم قِطْعٌ من الليل مظلمٌ ". ومعنى ذلك: كأنما ألبست وجوه هؤلاء الذين كسبوا السيئات ذلك. وقوله: {جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا}: الباء زائدة، و {جَزَآءُ} مبتدأ، و {بِمِثْلِهَا}: الخبر. وقيل: " الباء " غير زائدة. وفي الكلام معنى الشرط، والمعنى: فله جزاء السيئة بمثلها. فالباء صلة للجزاء. قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ} إلى قوله: {لَغَافِلِينَ} {مَكَانَكُمْ}: نصب بإضمار فعل، والمعنى: امكثوا مكانكم، وقفوا موضعكم. (جميعاً): حال
(من الهاء والميم) في نحشرهم. والمعنى: نحشرهم لموقف الحساب، ثم نقول للذين أشركوا بالله سبحانه غيره، {مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ}: أي: انتظروا حتى يفصل بينكم. و " مكانك وانتظر ": فتوعد بهما العرب. {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ}: أي فرقنا بين المشركين وما كانوا يعبدون من دون الله، من قولهم: زلتُ الشيء عن الشيء فأنا أزيله: إذا أنْجَيْتُهُ، وَزَيَّلْنَا على التكثير. وحكى الفراء أنه قرأ " فَزَايَلْنَا ". يقال: لا أزايل فلاناً: أي: لا أفارقه، لا أخاتله. فمعنى زايلنا: معنى: زيلنا. والعرب تفعل ذلك في فَعَّلت " يلحقون أحياناً الألف مكان التشديد فتقول: فاعلت، والفعل واحد. {وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ}: أي: تقول آلهتهم التي عبدوها في الدنيا
30
(لهم): لم تكونوا إيانا تعبدون لأنا ما كنا نسمع، ولا نبصر، ولا نعقل، ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا. قال مجاهد: تكون يوم القيامة ساعة فيها شدة تنصب لهم آلهتهم التي كانوا يعبدون. فتقول الآلهة: والله ما كنا نسمع، ولا نبصر، ولا نعقل، ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا. فيقولون: والله لإياكم كنا نعبد، فتقول لهم الآلهة: {فكفى بالله شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ}. وكان مجاهد يتأول الحشر هنا الموت. قوله: {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} إلى قوله {لاَ يُؤْمِنُونَ}. {هُنَالِكَ}: نصب على الظرف، واللام زائدة، وكسرت لالتقاء الساكنين، والكاف للخطاب. والمعنى: في ذلك الوقت. ومن / قرأ " تتلو " بتاءين فمعناه: في ذلك الوقت تتبع كل نفس ما قدمت من عمل.
روي عن النبي A أنه قال: " يَمْثُلُ لكل قوم ما كانوا يعبدون من جون الله سبحانه فيتبعونه حتى يردوا بهم إلى النار. ثم تلا هذه الآية ". والعرب تقول: فلان " يتلو طريقة أبيه ": أي: يتبع، ومنه قوله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} [هود: 17]. وقيل: معنى {تَبْلُواْ} تقرأ. أي: في ذلك الوقت يقرأ كل إنسان ما أسلفه في الدنيا من عمل، أي: يقرأ كتاب حسابه كما قال: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} [الإسراء: 13]. وقال ابن زيد: تتلو: تعاين ما عملت.
ومن قرأ " تبْلو " فمعناه: تختبر كل نفس ثواب ما عملت من خير، أو شر. وتصديق ذلك قوله: {يَوْمَ تبلى السرآئر} [الطارق: 9]، والقراءتان متقاربتان، لأن من اختبر شيئاً فقد اتبعه ليختبره ومن اتبع شيئاً فهو أقرب الناس إلى اختباره وقراءته ومعاينيه. قوله: {مَوْلاَهُمُ الحق} يجوز نصب الحق على المصدر المؤكد لردوا، أو لمولاهم. ويجوز نصبه على المدح بمعنى " أغنى " ويجوز الرفع على " هو مولاهم الحق "، والخفض على النهت لله D. { وَضَلَّ عَنْهُمْ}: أي: بطل ما كانوا يفترون، أي: يتخرصون من الأنداد والآلهة. و " ما " والفعل مصدر في موضع رفع بـ (ضَلَّ).
ثم قال تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض}: أي: من ينزل من السماء الغيث، ومن خلق المصالح التي بها تم معاشكم: من شمس وريح، وحر وبرد. ومن الأرض والنبات، والعيون والمنافع. {أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار}: أي: يملكها، ويزيد في قواها، أو يسلبكموها ومن يملك الأبصار أن تضيء لكم، أو يذهب بنورها. ومن يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي. قد تقدم ذكرها في آل عمران. قوله: {وَمَن يُدَبِّرُ الأمر}: أي: " أمر السماء والأرض ومن فيهن " {فَسَيَقُولُونَ الله}: أي: الذي فعل ذلك الله D فقل له يا محمد: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ}: أي: " أفلا تخافون عقاب الله سبحانه على شرككم ". {فَسَيَقُولُونَ الله}: وقف. ثم قال تعالى: {فَذَلِكُمُ الله رَبُّكُمُ}: أي: ذلكم الله الذي فعل هذه
الأشياء واخترعها هو {رَبُّكُمُ الحق}: أي: الذي لا شك فيه. {فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال} (المعنى: أي: منزلة بعد الحق إلا الضلال. أي: من ترك الحق حل في الضلال). {فأنى تُصْرَفُونَ} أي: من أين تصرفون عن الحق، وأنتم مقرون بالله سبحانه مخترع جميع هذه الأشياء. ثم تعبدون من لا يخلق شيئاً، ولا يملك ضراً ولا نفعاً. {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} الكاف من كذلك في موضع نصب والتقدير: كما صرف هؤلاء عن الحق إلى الضلال {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الذين فسقوا}: أي: خرجوا من دين الله سبحانه. {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}: أن في موضع نصب على معنى بأنهم، أو لأنهم. وقال الزجاج: يجوز أن تكون في موضع رفع على البدل من الكلمات، وأجاز الأخفش، والفراء في الكسر في أن على الإلزام لترك الإيمان.
34
وقيل: المعنى " حق عليهم أنهم لا يؤمنون ". " فإن ": في موضع رفع خبر " حق ". ومعنى: (حقت عليهم كلمات ربك): أي: وجب عليهم في علمه، وفي السابق في اللوح المحفوظ {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. قوله: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ} إلى قوله {تَحْكُمُونَ}: والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: / {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ} أي: آلهتكم. {مَّن يَبْدَأُ الخلق} أي: ينشؤه من غير أصل، ولا مثال، {ثُمَّ يُعِيدُهُ}: أي: ثم يَفْنِيهِ، إذا شاء، ثم يعيده كهيئته قبل أن يفنيه، فإنهم لا يدعون ذلك لآلهتهم. وينقطعون، فقل لهم: {الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ} بعد إفنائه {فأنى تُؤْفَكُونَ}: أي: من أي وجه تصرفون وتقلبون عن الحق. {ثُمَّ يُعِيدُهُ}: وقف. ثم قال تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق} وسيبويه يمنع الكسر في (يهدي) في الياء، ويجيزه في التاء، والنون، والهمزة لأن الكسر ثقيل في الياء،
والكسر في الهاء إنما يجوز لالتقاء الساكنين. وأما قراءة من قرأ يهدي بالتخفيف والإسكان. فقال الكسائي والفراء: (يهدي) بمعنى (" يهتدي "). وقال المبرد: لا يُعرف " هدى " بمعنى " اهتدى " قال: ولكن التقدير: أَمَّنْ لا يهدي غيره. ثم قال: {إِلاَّ أَن يهدى} على الاستثناء المنقطع، كأنه تم الكلام عند قوله {أَمَّن لاَّ يهدي} ثم استأنف فقال: " لكنه يحتاج أن يهدي ". وروي عن ابن عامر: " إلا أن يَهَدِّي " بالتشديد. وقوله: {فَمَا لَكُمْ} هذا تمام الكلام عند الزجاج، والمعنى: فأي شيء لكم في عبادة الأصنام.
ثم قال: (لحين تحكمون) كيف في موضع نصب بـ " تحكمون ". ومعنى الآية هل من شركائكم من يهدي إلى الحق، أي: يرشد إليه ضالاً. فإنهم لا يدعون ذلك، إذ عجزهم يمنعهم من ذلك. فقل لهم يا محمد: {الله يَهْدِي لِلْحَقِّ}: أي: يرشد الضُّلال إلى الهدى. {أَفَمَن يهدي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ} إلى ما يدعو إليه {أَمَّن لاَّ يهدي إِلاَّ أَن يهدى}: أمَّن لا ينتقل من مكانه إلا أن (ينقل): وقف، {إِلاَّ أَن يهدى} وقف. {فَمَا لَكُمْ} وقف عند أبي حاتم، والزجاج، وابن الأنباري.
36
وقال غيرهم: {كَيْفَ تَحْكُمُونَ} هو التمام. قوله: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إِنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً} إلى قوله {مِن رَّبِّ العالمين} والمعنى: ما يتبع أكثر هؤلاء إلا ظناً، أي: يتبعون ما لا علم لهم بحقيقته، وإنما هم في اتباعهم ما يتبعون على شك. {إِنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً}: أي: " إن الشك لا يغني من اليقين شيئاً، ولا يقوم في شيء مقامه ". ثم قال تعالى: {وَمَا كَانَ هذا القرآن أَن يفترى مِن دُونِ الله} أي: ما كان افتراءً، ولكنه من عند الله سبحانه. وقيل: المعنى: ما كان لأحد أن يأتي به من عند غير الله، وينسبه إلى الله D لإعجازه. {ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ}: أي: ولكن كان تصديق التوراة، والإنجيل، وغيرهما من الكتب. {وَتَفْصِيلَ الكتاب}: أي: وبيان الكتاب الذي كتبه الله على أمة محمد في
38
سابق علمه، من المفروض في الأعمال، والسعيد الشقي. {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي: لا شك أنه كذلك. وقيل: المعنى: ولكنه تصديق الشي الذي القرآن بين يديه، وهو: الكتب المقتدمة، مثل القول الأول في المعنى. وقيل: إن هذا إنما هو جواب لقولهم {ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ} [يونس: 15]، أو جواب / لقولهم {افتراه} [يونس: 38]. قوله: {أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} إلى قوله {عَاقِبَةُ الظالمين} أم: هنا بمنزلة الألف، لأنها قد اتصلت بكلام قبلها، ولا تكون كالألف مبتدأ بها: وقيل: هي هنا بمعنى: بل. وقيل: إنها تغني عن الألف وبل. ومعنى الكلام: " هذا تقرير لهم لإقامة الحجة عليهم ". ومعناه: أيقول:
هؤلاء المشركون: اختلق محمد هذا القرآن من عند نفسه. فأمر الله D نبيه أن يقول لهم: ما نبين لهم أنه لا يمكن أن يكون من عند بشر، فإن أمكن فقل لهم يا محمد: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} أي: مثل هذا القرآن. فإذا لم تقدروا وأنتم جماعة فصحاء، دل عجزكم على أن محمداً لم يختلقه من عند نفسه، إذ لا يمكن أن يكون من عند بشر، بدلالة عجزكم عن الإتيان بسورة مثله. وقيل: المعنى: ايتوا بسورة مثل سورته، ثم حذفت السورة مثل: {وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82]. ثم قال تعالى: {وادعوا مَنِ استطعتم (مِّن دُونِ الله)}: أي: استعينوا بمن قدرتم عليه في الإتيان بالسورة، واجتهدوا، وأجمعوا أولياءكم، وشركاءكم من دون الله سبحانه للمعونة على ذلك فأتوا بذلك {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في قولكم: إن محمداً اختلقه.
40
ثم قال تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ}: يعني: الوعيد الذي توعدوا له لم يروه بعد، ولم يحيطوا بعلمه فكذبوا به (ولما يأتهم تأويله) أي: لم يأتهم بعدما يؤول إليه أمرهم. فالمعنى: إنهم يا محمد إنما كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وليس بهم التكذيب لمحمد. {كَذَلِكَ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ}: أي: كذا كانت سبيلهم وقيل: المعنى: كما كذب هؤلاء يا محمد كذبت الأمم التي من قبلهم {فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين}: أي: اعتبر كيف أهلك بعضهم بالرجفة، وبعضهم بالغرق، وبعضهم بالريح، وبعضهم بالخسف، فإن عاقبة هؤلاء الذين كذبوك كعاقبة من تقدم من الأمم. {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}: وقف حسن. قوله: {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ} إلى قوله {يَظْلِمُونَ} أخبر الله D نبيه في هذه الآية: أن من قريش من يؤمن بالقرآن فيما
يستقبل، ومنهم من لا يؤمن به أبداً. سبق كل ذلك في علمه تعالى. وقيل: المعنى: ومنهم من يصدق بالقرآن، ويظهر الكفر عناداً، واتقاء على رياسته، {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ} سراً ولا علانية. ثم قال تعالى: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} أي: لي ديني وجزاؤه، ولكم دينكم وجزاؤه. {أَنتُمْ بريائون مِمَّآ أَعْمَلُ} لا تؤاخذون به {وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تَعْمَلُونَ} لا أؤاخذ به: هذا مثل قوله: {قُلْ يا أيها الكافرون * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} [الكافرون: 1 - 2]. وهذا كله أمر بالمواءمة نسخ ذلك بالأمر نسخ ذلك بالأمر بالمحاربة، والقتل في " براءة " وغيرها. وقيل: معناه، وفائدته: فقل لي علم عملي: أي: ذلك عندي، وعلم عملكم عندكم، أي: عندي علم ثواب عملي، وهذا مثل قول النبي، عليه السلام، " كل عمل ابن
آدم له إلا الصوم "، أي: عنده علم ثوابه: الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصوم، فهو أعظم أجراً من ذلك. وقال ابن زيد: هذه الآية منسوخة، نسخها الأمر بالقتال. ثم قال: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ}: أي: / يستمعون القرآن. قوله: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم} أي: تخلق لهم سمعاً، ولو كانوا لا سمع لهم يعقلون به، فكأنهم من شدة عداواتهم، وانحرافهم عن قول النبي بمنزلة الصم. وقيل: إن هذا إعلام من الله D لعباده أن التوفيق إلى الإيمان بيد الله، ومثله الكلام على قوله: {وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ}: وهو نظر الاعتبار إلى حجج النبي وإعلامه على نبوءاته ولكن الله D سلبه التوفيق فلا يقدر أحد على هدايته، كما
لا يقدر أحد أن يحدث للأعمى بصراً. هذه الآية تسلية من الله، جلَّ ذكره، لنبيه عن جماعة من كفر به من قومه. وقيل: المعنى: ومنهم من يقبل عليك بالاستماع، والنظر، وهو كالأصم، والأعمى من بغضه لك يا محمد، وكراهيته لما يراه من آياتك، فهو كالأصم، والأعمى، إذ لا ينتفع بما يرى، ولا بما يسمع كما قال: {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت} [الأحزاب: 19]. ثم قال تعالى ذكره: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئاً}: أيك لا يبخسهم حقهم، فيعاقبهم بغير كفر {ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. وقال الفراء: إذا كانت " لكن " لا وَاوَ معها أشبهت " بل ".
45
فتؤثر العرب تخفيفها، ليكون ما بعدها بمنزلة " ما " بعد " بل " من الابتداء والخبر إذا كانت مثل " بل "، وإذا كانت معها الواو، وخالفت بل، فتؤثر العرب التشديد لينصبوا ما بعدها، فيخالفوا به ما بعد بل، كما خالفت هي بل. والناس يظلمون أنفسهم باكتسابهم الخطايا التي توجب العقاب على أنفسهم. والمعنى: أن الله جلَّ ذكره، لم يهمل الناس، بل أرسلهم إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، واتخذ عليهم الحجة بالعقل، والسمع، والبصر. ثم جازاهم بأعمالهم بعد أن أمرهم، ونهاهم، فأكرم الطَّائِعَ، وأهان العَاصِيَ، وهذا هو العدل الظاهر البيّن. قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النهار} إلى قوله {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} المعنى: ويوم نحشر هؤلاء المشركين، كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار يتعارفون بينهم، ثم انقطعت المعرفة. الآن وقد خسروا أنفسهم بتكذيبهم بآيات الله D ولقائه سبحانه.
{وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}: أي: موفقين للهدي. وقيل: معنى {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} أي: يعرف بعضهم بعضاً بالإضلال والفساد، والجحود. وذلك أشد لتوبيخهم. وقيل: المعنى {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} يقولون: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله. ومعنى: {لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النهار} أي: قرب عندهم موتهم، وبعثهم كما قالوا: {لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [الكهف: 19 والمؤمنون: 113]. ثم قال تعالى: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ)}: أي: " نرينك يا محمد في حياتك بعض الذي تعد هؤلاء المشركين من العذاب، {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل أن نريك ذلك فيهم "، {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} بكل حال {ثُمَّ الله شَهِيدٌثُمَّ الله شَهِيدٌ على مَا يَفْعَلُونَ} على أفعالهم. قال مجاهد: الذي أراه وقعة بدر. وقيل: المعنى: أن الله أعلم نبيه (" إن لم ينتقم منهم في العاجل انتقم
منهم في الآجل " وقد تقدم ذكره. {ثُمَّ الله شَهِيدٌ على مَا يَفْعَلُونَ} وذكر معنى، ثم قال: {وَلِكُلِّ / أُمَّةٍ رَّسُولٌ}: أي: وأرسل إلى كل أمة خلت رسولاً كما أرسل محمداً إليكم أيها الناس لينذركم. {فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ} يعني: في الآخرة {قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط} أي: بالعدل. قال مجاهد: إذا جاء رسولهم يعني: يوم القيامة. وقيل: المعنى: ولكل أمة رسول يشهد عليهم، فإذا جاء رسولهم يوم القيامة للشهادة عليهم {قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}، وهو مثل قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً} [النساء: 41] والمعنى الأول مثل قوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15]. ثم قال تعالى ذكره حكاية عن قول المشركين:
50
{وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}: أي: متى قيام الساعة التي تعدنا به يا محمد. فأمر الله D أن يقول لهم: {لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ الله} أن أملكه فادفع عنها به الضر وأجلب إليها به النفع. فأنا إذا كنت لا أقدر على نفع نفسي، ولا أقدر على دفع الضر عنها (فأنا عن القدرة على الوصول إلى) علم الغيب، ومعرفة قيام الساعة (أعجز وأعجز إلا بمشيئته لي في ذلك). {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} أي: لكل قوم ميقات لانقضاء مدتهم، لا يستأخرون عنه ساعة، ولا يتقدمونه بساعة. وذكرت الساعة لأنها أقل أسماء الأوقات، والوقت المقدر في انقضاء مدتهم: أقل من الساعة وأقرب. قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً} إلى قوله {تَكْسِبُونَ}. قوله: {مِنْهُ المجرمون} الهاء: تعود على العذاب، وقيل: على اسم الله D.
ويشهد لرجوعها على " العذاب " قوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب} [الحج: 47 والعنكبوت: 53]، ويشهد لرجوعها على الله سبحانه قوله: {بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} [المعارج: 1 - 2]، فإذا جعلتها عائدة على " العذاب "، " فما " في موضع رفع بالابتداء، وإذا جعلتها بمعنى " الذي " خبر " ما " ويجوز أن تكون " ما " و " ذا " شيئاً واحداً في موضع رفع. والخبر في الجملة، وإن جعلت " الهاء " تعود على اسم الله سبحانه وجعلت " ما " و " ذا " اسماً واحداً كانت " ما " في موضع نصب بمستعجل والمعنى: أي شيء يستعجل من الله المجرمون، وإن جعلت " ما " اسماً، و " ذا " بمعنى " الذي " كانت كالأولى: ابتداء وخبر. وكون الهاء تعود على العذاب أحسن لقوله: {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ}. والمعنى: قل لهم يا محمد: أرأيتم إن أتاكم هذا الذي تستعجلون به من العذاب
ليلاً أو نهاراً ما يستعجل من نزول العذاب المجرمون، وهم لا يقدرون على دفعه. فمعنى الكلام: الإنكار عليهم لاستعجالهم بأمر، لا يقدرون على دفعه إذا حل بهم. ثم قال تعالى: {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ}. قال الطبري: " أثم " بمعنى " هنالك " إذا وقع العذاب بكم آمنتم بالله D. وليست عنده، ثم التي للعطف وهو غلط منه. وإنما التي تكون بمعنى " هنالك " هي المفتوحة / الثاء بمنزلة قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً} [الإنسان: 20]. والتقدير عند غيره أنها " ثم " التي للعطف. وفي الكلام حذف. والتقدير: أتأمنون إذا نزل بكم العذاب، فتؤمنون ثم يقال لكم: الآن آمنتم، وقد كنتم تريدون استعجاله، وحلوله بكم، فلما عاينتم حلوله آمنتم حين لا ينفعكم الإيمان، وهو مثل قوله: {فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قالوا آمَنَّا بالله وَحْدَهُ} [غافر: 84] إلى قوله {بَأْسَنَا} [غافر: 85]: أي: لم ينفعهم الإيمان
عند معاينة العذاب. كذلك سنة الله D في الكافرين لا يقيلهم من كفرهم عند معاينتهم العذاب. و" آلآنَ " عند الفراء أصلها: أوان، ثم حذغت الهمزة الثانية منها، وقُلِبَتْ الواو ألفاً، ثم دخلت الألف واللام وبنيت على الفتح. وقيل: أصلها " آن " مثل " حان " ثم دخلتها الأف واللام، وبقيت على فتحها مثل: " قيل، وقال ". وقال الزجاج: لا يحسن هذا القول: لأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه الألف واللام، كما لا تدخل على " قيل ". وقال سيبويه: سبيل الألف واللام أن يدخلا لمَعْهُود، و " الآن ": ليس بمعهود، وإنما معناه: " نحن في هذا الوقت نفعل كذا، فلما تضمنت هذا بنيت على الفتح ".
53
قوله: {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ}: أي: ظلموا أنفسهم. {ذُوقُواْ عَذَابَ الخلد}: أي: العذاب الدائم. هل تجزون إلا ما علمتم في حياتكم من المعاصي، وما اكتسبتم في دنياكم. قوله: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ} إلى قوله {ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. {أَحَقٌّ هُوَ} هو: ابتداء، وخبره " أحق ". وقال سيبويه: (أحق): ابتداء، وهو فاعل يسد مسد الخبر. ومعنى الآية: ويستخبرك يا محمد هؤلاء المشركون: أحق ما تعدنا به من الآخرة، ومن المجازاة على أعمالنا. قل لهم يا محمد: {إِي وربي}: نعم وربي: {إِنَّهُ لَحَقٌّ} أي: إن الذي يعدكم من ذلك، لحق آت لا شك فيه. {أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ}: أي: لستم تعجزون الله إذا أراد بكم أمراً بهرب، ولا
امتناع. {إِي وربي}: وقف، كما تقول: " نعم والله ". والتمام: إنه لحق. ثم قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأرض}: " أَنَّ ": في موضع رفع فعل مضمر، لأن حق لو (أ) لا يليها إلا الفعل مضمراً، أو مظهراً. فسبيل ما بعدها أن يكون مرفوعاً بالفعل المقدر. والمعنى: ولو أن لكل نفس كفرت بالله سبحانه، وآياته، (جلت عظمته) ما في الأرض، من قليل، أو كثير لافتدت به من عذاب الله إذا عاينته. وذلك لا يكون لها أبداً، ولو كان لها لافتدت به، ولو افتدت به لم يقبل منها. قوله: {وَأَسَرُّواْ الندامة}: أي: أسَرَّ كثيراً. وهي الندم من ضعفائهم حين عاينوا العذاب، وعلموا أنه واقع بهم. وقيل: المعنى: (وأسروا): أظهروا الندامة عند ذلك. قال المبرد: معناه: بدت الندامة في أسرة وجوههم، وهي الخطوط التي في الجبهة، واحِدها سِرارٌ.
56
{وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط}: أي: بالعدل. ثم قال تعالى منبهاً: (أَنَّهُ غَنِيٌ عما في الأرض (و) لو افتدوا به) وأنه لا يملك هذا الكافر شيئاً: {ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض}: فليس للكافر شيء يفتدي به. ثم قال: {أَلاَ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ}: أي: عذابه الذي استعجله / هؤلاء المشركون حق واقع لا شك فيه. {ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}: حقيقة ذلك، فهم من أجل جهلهم يكذبون. قوله: {هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} إلى قوله: {خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}. والمعنى: والله D يحيي ويميت، فلا يتعذر عليه إحياؤهم بعد مماتهم. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. و" ألا " في جميع هذا تنبيه. ثم قال تعالى: {يا أيها الناس قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور}: وهو القرآن، يذكركم عقاب الله D، وثوابه، جلت عظمته.
{مِّن رَّبِّكُمْ}: أي: لم يختلق ذلك محمد، بل هو من عند الله D، { وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور}: أي: دواء لما في الصدور من الجهل بالله سبحانه، وآياته، وفرائضه، وطاعته، ومعاصيه. {وَهُدًى}: أي: " وبيان لحلاله وحرامه ". {وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي: يرحم به من يشاء من خلقه، فينقذه به من الضلالة إلى الهدى، فهو رحمة للمؤمنين، وعمى للكافرين، كما قال: {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: 44]. ثم قال تعالى: قل - يا محمد - {بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} أي: بفضل الله D، وهو الإسلام الذي تفضل على العباد المؤمنين بالهداية إليه وبرحمته سبحانه التي رحمكم، فاستنقذكم من الضلالة. {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ}: وعن ابن عباس أنه قال: فضل الله D القرآن، ورحمته سبحانه أن جعلهم
من أهل القرآن. وهو قول مجاهد. والعرب تأتي " بذلك " للواحد والاثنين والجمع، وهو هنا للاثنين. وقرأ يزيد ابن القعقاع: " فلتفْرَحُوا " بالتاء، ورواها عن النبي A، وقرأ أُبَيّ بالتاء في الحرفين. وفي حرف أبَي: " فبذلك فافرحوا ". وقيل: الفضل هنا الإسلام، والرحمة: القرآن، قاله ابن عباس، وقتادة. وقال أبو سعيد الخدري الفضل: القرآن، والرحمة: أن جعلكم من أهله. وروي عن ابن عباس أيضاً: الفضل: القرآن، والرحمة: الإسلام. وهو قول زيد ابن أسلم، والضحاك.
{خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}: أي: من الأموال. ومن قرأ " فلترحوا " بالتاء، ويجمعون بالياء. فمعناه: فبذلك فافرحوا يا أيها المؤمنون. هو خير مما يجمع الكفار من الأموال. ومن قرأهما بالتاء، فعلى المخاطبة للمؤمنين. ومن قرأهما بالياء، فعلى الأمر للكفار: أي: فبالقرآن، والإسلام فليفرح هؤلاء المشركون. {هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}: من الأموال. {مَا فِي السماوات والأرض} [يونس: 55]: وقف. {يَوْمَ القيامة} [يونس: 60]: وقف عند أحمد بن جعفر.
59
قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ} - إلى قوله - {يَشْكُرُونَ}: والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أرأيتم الذي أنزل الله إليكم من رزق، وحوَّلكموه فَحَلَّلْتمْ بعضه، وحرمتم بعضه: وذلك أنهم كانوا يحرمون بعض أنعامهم، وبعض زروعهم، وقد ذكر ذلك في المائدة، والأنعام. ومعنى الآية: أنها نهي عن تحليل ما حرم الله. وعن تحريم ما أحل الله سبحانه، وعن تحليل ما لم يأذن الله بتحليله، وتحريم ما لم يأذن بتحريمه. {ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ}: أي: تختلقون ما لم يأمر به. ثم قال تعالى: {وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذبإن الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس} أي: ما ظن هؤلاء الذين
61
يحرمون ما أحل الله، فيختلقون ما لم يأمر به، ويتخرصون عليه / ما لم يقل. إن الله يفعل بهم يوم القيامة، أيحسبون أنه يصف عنهم؟ كلا، بل يصليهم سعيراً. {إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس}: أي: ذو تفضل على خلقه، بتركه معاجلة من افترى على الله الكذب بالعقوبة في الدنيا. {ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} على تفضل الله D عليهم. قوله: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ} قوله: {تَتْلُواْ مِنْهُ}: " التاء " تعود على الشأن. والمعنى " وما تتلو من الشأن. أي: من أجل الشأن، أي: يحدث شأن، فيتلى القرآن من أجله ليعلم كيف حكمه ". وقال الطبري: {وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ}: أي: من كتاب الله D. { وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ}: أي: عملاً. " ومن " زائدة للتأكيد. {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً}: أي: " إلا ونحن شهود لأعمالكم " إذا عملتموها. ومعنى: {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ}: أي: إذ تفعلون.
وقال الضحاك: المعنى: إذ " تشيعون " في القرآن من الكذب وقيل: المعنى: " إذ تنتشرون فيه ". وقيل: إذ " تأخذون فيه ": أعلم الله D المؤمنين أنهم لا يعملون عملاً إلا كان شاهده وقت عملهم له. ثم قال: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ} أي: وما يغيب عن ربك مثقال ذرة. " وَلاَ أَكْبَرَ وَلاَ أَصْغَرَ ". عن نصب عطفه على لفظ " مثقال "، وعلى لفظ " ذرة ". وهو لا ينصرف، وموضعه خفض. ومن رفع، رفعه على موقع مثقال، لأن " من " زائدة للتوكيد. والمعنى: ليس يغيب عن ربك يا محمد من أعمال العباد زنة ذرة، وهي النملة
62
الصغيرة. ولا يغيب {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}: أي: هو محصى في كتاب مبين: فكل عنده في اللوح المحفوظ، ومن باطن وظاهر، والحفظة يكتبون ما ظهر لهم من الأعمال التي تقدمت في اللوح المحفوظ، وما خفي عنهم من أعمال بني آدم، وأسرارهم لا يكتبونه ولا يعلمونه. وعلمه كله عند الله D مثْبت في اللوح المحفوظ، لا يعزب عنه منه شيء. قوله: {ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} إلى قوله {الفوز العظيم}. " ألا ": تنبيه، وأولياؤه ": قوم يُذكَر الله D عند رؤيتهم، لما عليهم من سمات الخير، والإخبات: قاله ابن عباس. وروي ذلك عن النبي، عليه السلام. وروى أبو هريرة عن النبي عليه السلام أنه قال: " إن من عباد الله عباداً يغبطهم الأنبياء والشهداء. قيل: من هم يا رسول الله؟ لعلنا نحبهم. قال: هم قوم متحابون في
الله D من غير أموال، ولا أنساب. وجوههم نور، على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ: {ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} " ثم قال تعالى: {الذين آمَنُواْ (وَكَانُواْ) يَتَّقُونَ}: أي: هم الذين آمنوا بالله D ورسوله، وبما جاء من عند الله سبحانه {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}: محارمه. {لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة} قال عروة بن الزبير، ومجاهد: " هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح، أو ترى له ". قال أبو الدرداء: " سألت النبي A، عن هذه الآية فقال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل، وتُرى له، وهي / جزء من سبعة وأربعين جزءاً من النبوءة ".
وعن ابن عباس أنه قال: هو قول الله D لنبيه: {وَبَشِّرِ المؤمنين بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ الله فَضْلاً كَبِيراً} [الأحزاب: 47] قال: " (هي) الرؤيا الصالحة ". وبشرى الآخرة الجنة. وعلى هذا أكثر أهل التفسير. وقال قتادة، والزهري هي: بشرى عند الموت في الدنيا. وقال الضحاك: يعلم أين هو قبل الموت، ويدل على هذا القول قوله: {يُبَشِّرُهُمْ (رَبُّهُم) بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ} [التوبة: 21] الآية. وقوله: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ} الآية. [فصلت: 30].
65
وقال أبو ذر: " سألت النبي عليه السلام: فقلت: الرجل يعمل لنفسه خيراً، ويحبه الناس. فقال: تلك عاجل بشرى المؤمنين في الدنيا، وفي الآخرة إأذا أخرجوا من قبورهم ". {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله}: أي: لا خُلف لوعده. لا بد أن يكون ما قاله تعالى. {ذلك هُوَ الفوز}: أي: البشرى في الحياة الدنيا، وفي الآخرة: {هُوَ الفوز العظيم}. والفوز: الظَّفر. قوله: {لِكَلِمَاتِ الله} وقف. قوله: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً} إلى قوله {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} والمعنى: ولا يحزنك يا محمد تكذيبهم لك، واستطالتهم عليك. {إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً}: أي: له عزة الدنيا والآخرة، فهو ينتقم من هؤلاء. {هُوَ السميع العليم}: أي: ذو سمع لما يقولون، وما يقول غيرهم، وذو علم
بهم وبغيرهم، ودل هذا النص على أن كل عزيز في الدنيا فالله ( D) . أعَزَّه، وكل ذَليل، فالله سبحانه أذله. ثم قال تعالى: {ألا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض}: أي: له كل شيء. فكيف يعبد هؤلاء غيره؟ فليس يدعون في عبادتهم الأصنام شُرَكاءَ له لأن كل شيء له. ما يتبعون في عبادتهم لها إلا الشك، وما هم إلا يتخرصون والعامل الناصب للشركاء: " يدعون "، ولا يعمل فيه " يتبع " لأنه نفي عنهم. وقد أخبرنا الله أنهم يعبدون الشركاء. ومفعول " يتبع " قام مقامه. {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن} لأنه هو، فكأنه قال: وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إلا الظن. فالظن مفعول " يتبع "، و " شركاء " مفعول يدعون. قوله: {هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ}: أي: تستريحون فيه من
تصرفكم. وجعل النهار مبصراً فيه على النسب بمنزلة {عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} [الحاقة: 21]. {إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}: أي: يسمعون هذه الأدلة فيفهمونها، ويتَّعِظون بها. ثم قال تعالى حكاية عن قوم الكفار: {قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً} يعني: قولهم: إن الملائكة بنات الله. سبحانه: أي تنزيهاً له من ذلك، ومن كل السوء. {هُوَ الغني} أي: الغني عن خلقه، فلا حاجة له إلى ولد. {لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} أي: يملك جميع ذلك، فأي حاجة له إلى ولد، وكيف يكون عبده ولداً له. وأيضاً: فقد أقررتم أيها الجاهلون أنه لا شبه له، ولا مثل، وعلمتم أن الولد يشبه الوالد، وأنه من جنس والده يكون. فواجب أن يكون الولد الذي ادعيتم مثل الوالد. فقد أوحيتم بذلك أن له مثلاً، وشبيهاً، لأن ولده / مثله. وإذا وجب ذلك زالت عنه صفة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]. وإذا زالت هذه الصفة عنه، فقد
نقصت صفاته عن الكمال. والناقص محدث، ففي إيجابكم له الولد، إيجابكم أنه محدث، وتعطيل للربوبية، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. لا إله إلا هو، لم يلد ولم يولد، فلا شبيه له ولا مثيل، ولا نظير. ليبس كمثله شيء، لا إله إلا هو. () قوله: {إِنْ (عِندَكُمْ) مِّن سُلْطَانٍ بهاذآ}: أي: ما عندكم أيها القوم من حجة بقولكم. {أَتقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ}: أي: لا تعلمون حقيقته، وصحته، فتضيفون ذلك إلا من يجوز إَافته إليه بغير حجة. ولا برهان. ثم قال تعالى لنبيه: قل يا محمد: {قُلْ إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب}: أي: يتخرصون، ويختلقون الكذب على الله. {لاَ يُفْلِحُونَ}: أي: " لا يَبْقَوْنَ في الدنيا "، والفَلاَح: البقاء. {مَتَاعٌ فِي الدنيا}: أي: لكن لهم متاع في الدنيا.
71
وقيل: افتراؤهم متاع، وقيل: المعنى: ذلك متاع، وقيل: هو متاع. وقيل: التقدير إنما ذلك متاع، أو إنما هذا متاع، أي: يمتعون به إلى الأجل الذي كتب لهم. {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} أي: يرجعون إلينا عند انقضاء أجلهم الذي كتب لهم. {ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العذاب الشديد} وهو عذاب النار بكفرهم بالله سبحانه، وبرسله صلوات الله عليهم، وكتبه. قوله: {واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} إلى قوله {مِنَ المسلمين}. قوله: وشركاؤهم: قال الكسائي، والفراء: هو بمعنى: وادعوا شركاءكم. وقال المبرد: نصبه على المعنى، كما قال متقلداً سيفاً ورمحاً، وقال الزجاج هو مفعول معه. وروى الأصمعي عن نافع: " فاجْمَعُوا " موصولة الألف من: جمَع، وهي قراءة
الجحدري. وهما لغتان: جمع وأَجمع. وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، وعيسى ويعقوب: " فأجْمِعُوا أمركم وشركاؤُكم بالرفع، عطفا على المضمر في " أجمِعوا ": وحسن ذلك لما حال بينهما بالمفعول، فقام مقام التوكيد. وقيل: إن " الشركاء " رفع بالابتداء، والخبر محذوف. أي: وشركاؤكم ليجمعوا أمرهم، والشركاء هنا: الأصنام، وهي لا تصنع شيئاً. إلا أن يكون المعنى
على التوبيخ لهم، كما قال لهم إبراهيم: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} [الأنبياء: 63]. ومن نصب " الشركاء " حمله على المعنى، أي: وادعوا شركاءكم، ولا يُعطف على الأمر بتغير المعنى. يقال: أجمعتُ الأمر وعلى الأمر: عزمتُ عليه. فلا معنى لعطف الشركاء على هذا المعنى، فلا بد من إضمار فعل. ومعنى الآية: إن الله تعالى ذكره، يقول لنبيه: واتل عليهم يا محمد خبر نوح إذ قال لقومه: يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي، وشق عليكم تذكيري بآيات الله، ووعظي إياكم، فعزمتم على قتلي، أو طردي من بين أظهركم فعلى الله اتكالي، وبه ثقتي. {فأجمعوا أَمْرَكُمْ}: أي: أعدوا ما تريدون، واعزِموا على ما تشاؤون.
يقال: أجمعت على كذا: إذا عزمت عليه. والشركاء هنا: آلهتهم. وقوله: {لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً}: أي: لا يكن ملتبساً مشكلاً، من قولهم: غم على الناس الهلال: وذلك إذا أِكل عليهم أمره. وقيل معناه: " ليكن أمركم ظاهراً منكشفاً ". {ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ}: أي: ثم افعلوا ما بدا لكم ولا تؤخروه. {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ}: أي: إن توليتم عين بعد دعائي إياكم إلى الله D. فإني لم أسألكم عما دعوتكم إليه أجراً، ولا عوضاً أعتاضه منكم على دعائي. ما أجري إلا على الله، وأمرني ربي أن أكون من المسلمين. فمن أجل ذلك
73
أدعوكم إلى مثل ما أنا عليه. قوله: {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الفلك وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ} إلى قوله {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ}: والمعنى " فكذب نوحاً قومه فيما أخبركم به على الله D من الرسالة ". {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ}: أي: ممن آمن في الفلك، وهي السفينة. {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ}: أي: جعلنا من معه ممن حمل في النفس خلائف: أي: يخلفون من أهلك من قومه، وهو جمع خليفة. {وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا}: أي: بحُجَجِنا وأدلتنا. فانظر يا محمد {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين}: الذين أنذرهم نوح. فكذبوه. فليحذر هؤلاء الذين كذبوا بك مثل ما نزل بقوم نوح. قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ}: أي: بعثنا بعد نوح كل رسول إلى قومه، {فَجَآءُوهُمْ بالبينات}: وهي العلامات الواضحات الدالة على صدقه فيما
يقول: وما يدعو إليه. {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ - بذلك - كذلك نَطْبَعُ على قُلوبِ المعتدين}: أي: كما طبعنا على قلوب قوم نوح، كذلك نطبع على قلوب من اعتدى فتجاوز أمر ربه، وكفر به. {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ موسى}: أي: من بعد الرسل التي بعثت من بعد نوح {إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ}: أي: وأشراف قومه، فاستكبروا عن الإقرار بآياتنا {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ}: أي: آثمين بكفرهم. {فَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا}: أي: جاءهم ما لا يشكون في أنه حق قالوا: إن الله الذي جئت به {لَسِحْرٌ مُّبِينٌ}: ظاهر، قال لهم موسى: {أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا}. قال الأخفش: أسحر هذا: حكاية لقولهم. وقيل: إن الألف دخلت، لأنهم تعجبوا، واستعظموا ما أتاهم به موسى،
فقالوا: أسحر هذا على الاستعظام، لا على الاستخبار. وقيل: إن السحر من قوم موسى مُنْكر على فرعون وملته إذ قالوا: هذا سحرٌ. وفي الكلام حذف. والتقدير: قال موسى: {أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا}: فقولهم محذوف دلَّ عليه قول موسى على طريق الإنكار لما قالوا: {وَلاَ يُفْلِحُ / الساحرون}: أي: لا ينجحون. {اأَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا}: أي: لتصرفنا، وقيل: لتلوينا. وقيل: لتعدلنا. والمعنى متقارب. {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}: من عبادة الأصنام. {وَتَكُونَ لَكُمَا الكبريآء}: أي: الملك وقيل: السلطان. وقال الضحاك: الطاعة، وقيل: العظمة. والمعاني متقاربة. {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ}: أي: بمصدقين أنكما رسولان لله D.
79
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أول الرابع والعشرين بحول الله. قوله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائتوني بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} إلى قوله: {وَلَوْ كَرِهَ المجرمون}. والمعنى: إنه الملعون، قال لقومه، جئوني بكل ساحر عليم بالسحر. ومن قرأ " سحَّار " فعلى المبالغة. قوله: {فَلَمَّا جَآءَ السحرة قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ} يعني: من حبالهم، وعصيهم، وفي الكلام اختصار، والمعنى: فأَتَوْه بالسحرة {فَلَمَّا جَآءَ السحرة} فرعون بفعلهم {قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ} {فَلَمَّآ أَلْقُواْ} أي: ألقَوْا حبالهم وعصيهم. قال موسى: {مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر} من استفهم جعل " ما " في موضع
نصب، كما تقول: أزَيْداً مررت به، أو في موضع رفع بالابتداء. و " جئتم به ": الخبر، ومعناه: التوبيخ والتقصير لما جاؤوا به. السحر على إضمار مبتدأ: أي: هُوَ السحْرُ، أو على إضمار خبر، أي: أسحر هو. ومن قرأ بغير استفهام " فما " بمعنى: " الذي " في موضع رفع بالابتداء. والسحر: الخبر. وهو خبر عن قول موسى لهم، وهو الاختيار. لأن موسى قد عَلِمَ أنهم لا شيء عندهم إلا السحر، وأن فرعون بعث وراء السحرة في سائر البلدان. فاستفهام موسى عما أتوا به، هل هو من سحر لا معنى له: وقد احتج اليزيدي بقراءة أبي عمرو بالمد بقوله: " آسِحْرٌ " هذا وهذا منه غلط عند
النحويين، لأن موسى استفهم بقوله: آسِحْرٌ، عن سحر السحرة، فهو استرشاد. وفيه معنى النهي لهم عن ذلك. واستفهم بقوله: أٍحر هذا عما جاء هو به من عند الله D، على معنى التوبيخ، والتقرير لهم. وفيه معنى الدعاء لهمز ليقلبوه، فبينما بعد في المعنى، ودخلت الألف واللام لتقدم ذكر السحر في قوله: {أَسِحْرٌ هذا} [يونس: 77] وعلى هذا يقال في أول الكتب: سلام عليك، وفي الآخر: والسلام عليك، وكذلك لو قال قائل: " وجدت درهماً " فسألته عن موضع الدرهم لقلب: " وأين الدرهم، ويُفْتَح " وأين درهم. وأجاز الفراء نصب السحر على أن تجعل " ما " شرطاً، وتحذف الفاء من " أن ". وذلك لا يجوز إلا في الشعر. ومعنى {سَيُبْطِلُهُ}: أي: سيذهب به الله. فذهب به تعالى بأن سلط عليه عصا موسى، فحولها ثعباناً، فلقفته كله.
83
{إِنَّ الله لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين} أي: عمل من سعى بالفساد في الأرض، {مَا جِئْتُمْ بِهِ}: وقف على قراءة من استفهم، و (السحر): وقف على قراءة من لم يستفهم. ثم قال تعالى: {وَيُحِقُّ الله الحق بِكَلِمَاتِهِ}: هذا إخبار من الله D عن قول موسى للسحرة. والمعنى: ويثبت الحق الذي جئتم به. {بِكَلِمَاتِهِ}: أي: بأمره، {وَلَوْ كَرِهَ المجرمون}: أي: ولو كره الذين اكتسبوا الإثم بمعصيتهم ربهم. قوله / {فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} إلى قوله {مِنَ القوم الكافرين}. والمعنى: أنه لم يؤمن لموسى، صلوات الله عليه، من قومه مع ما جاءهم به من الحجج إلا ذرية من قومه، وهم خائفون من فرعون وملإهم. قال ابن عباس: الذرية في هذا الموضع القليل، وكذلك قال الضحاك.
وقال مجاهد: إن المعنى ما آمن لموسى إلا أولاد من أرسل إليهم، والمرسل إليهم هلكوا غير مؤمنين، وذلك لطول الزمان. وهو اختيار الطبري. ورُوي عن ابن عباس أيضاً (من قوم فرعون) قال: وهم قوم من قوم فرعون، غير بني إسرائيل، منهم ارمأة فرعون، ومومن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأته خازنه. وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل لهم " ذُرِيَّةَ "، لأن آباءهم قِبْطٌ، وأمهاتهم من بني إسرائيل. كما قال لأبناء الفرس الذين أمهاتهم من العرب، وآباؤهم من الفرس أبناء. وقوله تعالى: {وَمَلَئِهِمْ}: بالجمع: الضمير راجع إلى فرعون، لأن الجبار يخبر عنه بلفظ الجمع. وقيل: إنه إنما فعل ذلك، لأن فِرْعَون لما ذكر، علم أن معه غيره فعاد الضمير
عليه، وعلى من تَضَمَّنَ الكلام ذكره. وقيل: المعنى على خوفٍ من فرعون وملتهم. ثم حذف مثل: {وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82]. وقال الأخفش: الضمير يعود على الذرية، وهو اختيار الطبري، ومعنى: {يَفْتِنَهُمْ}: أي: يفتنهم بالعذاب فيصدهم عن دينهم. ووَحَّدَ على الخبر عن فرعون، لأن الخَبَر عنه يدل، على أن قومه يفعلون مثل فعله. {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرض}: أي: لجبار متكبر. {وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين} أي: من " المتجاوزين الحق إلى الباطل ". ثم قال تعالى: {وَقَالَ موسى ياقوم إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بالله فَعَلَيْهِ توكلوا} أي: فوضوا الأمر إليه إن كنتم آمنتم (ولا تخافون من آل فرعون) {إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ * فَقَالُواْ على الله تَوَكَّلْنَا} " أي: به وثقنا "، وهذا يدل على أن التوكل على الله D في جميع الأمور
واجب، وأنه من كمال الإيمان. وقد قال الله D: { لِلَّذِينَ آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الشورى: 36]، وقال: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3]، أي: فهو كافيه. قال ابن عباس: الذرية القليل. قال مجاهد: الذرية، يعني: أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان، وقد مات آباؤهم. قال ابن عباس: كانوا ست مائة ألف. " وذلك أن يعقوب ركب إلى مصر من كنعان في اثنين وسبعين إنساناً فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ست مائة ألف ". قال الفراء: بلغنا أن الذرية الذين آمنوا كانوا سبعين، أهل بيت. ثم قالوا: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين}: أي: لا تظهرهم علينا، فيفتتنوا بذلك، ويظنوا أنهم خير منا، فيزدادوا طغياناً. وقيل: المعنى: لا تسلطهم علينا
87
فيفتنونا. وقال مجاهد: المعنى: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك. فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا، ولا سلطنا عليهم. وكذلك قال ابن جريج. وقال ابن زيد: المعنى " لا تَبْتَلِنا " ربنا فتجهدنا، وتجعله فتنة لهم " {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين}: يعنون قوم فرعون. قوله: {وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا إلى قوله - الذين لاَ يَعْلَمُونَ}: المعنى: / " اتخذا لقومكما بمصر بيوتاً ": {واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} أي: " مساجد تصلون فيها "، لأنهم كانوا يَفْرَقون من فرهون، وقومه أن يصلوا. فقال
لهم: اجعلوا بيوتكم مساجد حتى تصلوا فيها. قال النخعي: خافوا، فأُمروا أن يصلوا في بيوتهم. (وعن ابن عباس، قال مجاهد: كانوا لا يصلون إلا في البيع خائفين، فأُمروا أن يصلوا في بيوتهم). وعن ابن عباس: (واجعلوا بيوتكم قبلة): يعني: قِبَل الكعبة. وقيل: كان فرعون أمر بهدم الكنائس، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد، يصلون فيها سِرّاً. قال مجاهد: مِصْرُ هنا الإسكندرية. وقال ابن جبير: المعنى: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً. {وَأَقِيمُواْ الصلاة}، أي: بحدودها. {وَبَشِّرِ المؤمنين}: هذا (خطاب) للنبي A، أي: وبشر مُقيمي الصلاة بالثواب الجزيل.
ثم قال تعالى حكاية عن قول موسى أنه قال: {رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً}، {رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ}: المعنى: إنه لما آل أمرهم إلى هذا كان كأنه إنما أتاهم ذلك للضلال. وأصل هذا اللام لام كي، وقيل هي لام العاقبة. وقيل: هي لام الفاء، أي: فكان لهم ذلك، لأنه قد تقدم في علمه تعالى ذلك. وقيل: المعنى: لئلا يضِلُّوا وحذفت " لا " كما قال: {يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} [النساء: 176]. وهذا القول لا يحسن، لأن العرب لا تحذف لا إلا مع " أن ". ومعنى الآية:
أن موسى قال: يا رب إنك أعطيت فرعون، وعظماء قومه، وأِرافهم (زينة): يعني من متاع الدنيا وأثاثها (وأموالاً) يعني من الذهب والفضة. {رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ}، أي: أعطيتهم ذلك ليضلوا، ثم دعا عليهم موسى، فقال: {رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ}، أي: اذهبها، وغيرها، واجعلها حجارة. قال قتادة: جعل زرعهم حجارة. قال مقاتل " جُعلت دنانيرهم، ودراهيمهم حجارة منقوشة، كهيئتها على ألوانها، لتذوب، ولا تلين، فجعل الله سكرهم حجارة.
قال قتادة: تحول زرعهم، وكذلك قال الضحاك. وقال ابن عباس: (اطمس عليها: أي: دمِّرها، وأهلِكْهَا. وكذلك قال مجاهد. واشدد على قلوبهم): أي: حتى لا تنشرح للإيمان، فلا تؤمن. وقال مجاهد: اشدد عليها بالضلالة. قال ابن عباس: استجاب الله D من موسى، فحال بين فرعون وملئه، وبين الإيمان حتى أدركه الغَرق، فلم ينفعه الإيمان. والعذاب الأليم في هذه الآية: الغرق. قوله: {فَلاَ يُؤْمِنُواْ} قال المبرد: موضعه موضع نصب، وليس بدعاء. وهو معطوف على " ليضلوا " وهو قول الزجاج. وقال الكسائي، وأبو عبيدة: هو دعاء في موضع جزم.
وقال الأخفش، والفراء: هو جواب الدعاء في موضع نصب، مثل: إلى سليمان فَنستريحا - البيتَ -. فقال تعالى لهما: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فاستقيما}: هذا خطاب لموسى، وهارون، لأن موسى كان يدعو، / وهارون يؤمن. وقيل: إنَّه خِطَابُ موسى، خطاب الاثنين لغة العرب. وقوله: {دَّعْوَتُكُمَا فاستقيما}: يدل على أن ذلك لموسى وهارون عليهما السلام: فالداعي موسى، والمؤمن هارون، والمؤمن داع أيضاً، لأنه يقول: اللهمَّ استجب فهو داع بإجابة الذي دعا موسى. وكان بين الإجابة ودعاء موسى
أربعون سنة. وقوله: {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ} من خفف " النون " فهو على النفي، لا على النهي. والرواية عن ابن ذكوان بالتخفيف: يزيد عند القرَّاء تخفيف التاء، وهو وجه الرواية. غير أنا لم نقرأ إلا بتخفيف النون دون التاء. ومعنى: {فاستقيما} أي: اثبتا على دعاء فرعون، وقومه إلى الإيمان. قال ابن جريج: مكث فرعون بعد هذه الآية أربعين سنة.
90
ومعنى: {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ}: أي: يجهلون حقيقة وعيد الله ( D) . قوله: {وَجَاوَزْنَا ببني إِسْرَائِيلَ البحر فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ} إلى قوله: {لَغَافِلُونَ}. ومن قرأ " إنه " بكسر الهمزة، فعلى الابتداء. وتقدير الكلام: آمنت بالذي كنت به مكذباً. ثم ابتدأ: إنه لا إله إلا الله. وقيل: المعنى: صرتُ مؤمناً. ثم قال: " إنه مستأنفاً. وقال أبو حاتم: القول محذوف، والتقدير، قال: آمنتُ فقلت: إنه ومن فتح فمعناه: آمنت بأنه، " فأن " في موضع نصب بحذف الخافض. وعلى مذهب الكسائي في موضع خفض بتقدير الخافض. والمعنى: وقطعنا ببني إسرائيل البحر،
{فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً}: أي: اعتداء، وظلماً على موسى، ومن معه. وقرأ قتادة " وعدواً " بالضم والتشديد حتى إذا أدركه الغرق أي: أحاط به. وفي الكلام حذف. والتقدير: " فَغَرَقْناهُ ": " حتى إذا أدرك الغرَق ". " قال عليه السلام: " جعل جبريل يدس، أي: يحشو في فم فرعون الطين مخافة أن تدركه الرحمة ". (وروى ابن وهب أن فرعون بن عبد الله قال: بلغني أن جبريل عليه السلام،
قال يا رسول الله! والذي نفسي، ما وَلد إبليس، ولا آدم ولداً قطُّ كان أبغض إليَّ من فرعون، وإنه لما {أَدْرَكَهُ الغرق قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ المسلمين} فخشيت أن يعود لها فيُرْحَمَ، فقمت حتى أخذت تربة، من تربة البحر، فحشوتها في فيه). (وروي أن جبريل قال للنبي عليهما السلام: لقد كببتُ في فيه الماء، مخافةَ أن تدركه الرحمة). وروي أنه قالهما حين أَلْجَمَهُ الماء، وأدركه الغرق. ثم قال تعالى حكاية عن تعريفه لفرعون قبح ما فعل: {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ}: يعني: أيام حياته إلى الساعة تؤمن، وقد عصيت أيام حياتك {وَكُنتَ مِنَ المفسدين}: أي: من الصادين عن سبيل الله سبحانه.
قال السدي: بعث الله، D، إليه ميكائيل، فقال له، آلآن وقد عصيت قبل. ثم قال تعالى: {فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ}: أي: نُلْقيك على نَجْوةٍ من الأرض، أي: على ربوة، ليعتبر من رآك. وقيل: نخرجك ببدنك الذي نعرفك به / وذلك أنه كان له بدنٌ مذهبٌ، وهو ذرع كانت له. قال قتادة: لم يصدق طائفة من الناس أنه غرق، فأخرجه الله D، ليكون عظة، وآية، ينظر إليها من كذب بهلاكه. وقوله: {لِمَنْ خَلْفَكَ (آيَةً)}، أي: لمن بعدك.
93
وقال مجاهد: {بِبَدَنِكَ}، أي: بجسدك. قال ابن عباس: لما أغرق الله D، فرعون، ومن معه. قال: أصحابُ موسى لموسى: إنا نخاف ألا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه. فدعا ربه فأخرجه، فنبذه البحر حتى استيقنوا بهلاكه. قوله: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس عَنْ آيَاتِنَا}: أي: عن أدلتنا على أن العبادة لا تكون إلا لله {لَغَافِلُونَ}: أي: لساهون. قوله: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} إلى قوله: {الخاسرين}. المعنى: ولقد أنزلناهم منازل صدق. قال الضحاك: يعني، مصر، والشام. وقال قتادة: الشام، وبيت المقدس. {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات} يعني: من حلال الرزق. {فَمَا اختلفوا حتى جَآءَهُمُ العلم} الذي يعلمونه، وذلك أنهم كانوا قبل أن يبعث
محمد A، مجتمعين على نبوته، والإقرار به، وبمبعثه. فلما جاءهم كفروا به. واختلفوا فيه. فآمن بعضهم، وكفر بعضهم. والعلم هنا: النبي A، فهو بمعنى العلوم الذي كانوا يعلمونه. وقيل: العلم كتاب الله D، قاله ابن زيد. فعلوا ذلك بغياً: أي: منافسة في الدنيا. ثم قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ - يا محمد - يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}: أي: من أمري في الدنيا. فيدخل المكذبين النار، والمؤمنين الجنة. {حتى جَآءَهُمُ العلم}: وقف، {مِّنَ الطيبات}: وقف. ثم قال تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ}: أي: إن كنت يا محمد في شك من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوءتك، قبل أن نبعثك رسولاً، لأنهم (كانوا)
يجدونك في التوراة، ويعرفونك بالصفة التي أنت بها موصوف {فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ} يعني: عبد الله بن سلام، وشبهه من أهل الإيمان، والصدق منهم. وهذه مخاطبة للنبي، والمراد به أمته. وقيل: " إن " بمعنى " ما "، والمعنى: فما كنت يا محمد في شك. ثم قال {فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ} سؤال ازدياد، كما قال إبراهيم: {بلى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260]. وقال المبرد: المعنى: قل يا محمد للشاك في ذلك إن كنت في شك، فاسأل وقيل: إن هذا خطاب العرب: يقول الرجل لابنه: إن كنت ابني، فَبُرَّني. وهو يعلم أنه ابنه، وهو نحو قوله لعيسى: {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله} [المائدة: 116]. وقد علم أنه لم
يقل ذلك. قال ابن جبير: ما شك محمد A، ولا سأل، وقال قتادة: بلغنا أن النبي عليه السلام، قال: لا أشك، ولا أسأل. وروي أن رجلاً سأل ابن عباس عما يَحِيك في الصدر من الشك. فقال: ما نجا من ذلك أحد، ولا النبي حتى أنزل عليه: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ}. وعنه أيضاً أنه قال: لم يكن / رسول الله في شك ولم يسأل. وهذا هو الصحيح الظاهر، والمراد بقوله: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ} أمته. وقوله: {لَقَدْ جَآءَكَ الحق مِن رَّبِّكَ}: اللام لام التوكيد وفي الكلام معنى القسم. {مِنَ الممترين}: أي: من الشاكين. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله}: أي: جحدوا كتبه، ورسله، {فَتَكُونَ مِنَ الخاسرين}، أي: من الذين غُبِنَ حظه، وباع الرحمة بالسخط.
96
والمراد بذلك أمة النبي عليه السلام. قوله: {إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} إلى قوله {يَعْقِلُونَ} والمعنى: إن الذين وجبت عليهم كلمات ربك وهي قوله: {أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين} [هود: 18]. وقال مجاهد: حق عليهم سخطه. {لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حتى يَرَوُاْ العذاب}. أي: يعاينوا ذلك كما لم يؤمن فرعون حتى عاين العذاب. وذلك وقت لا ينفع فيه الإيمان. ثم قال تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ}، أي: فهلا كانت قرية آمنت، فنفعها إيمانها. وتقديره: فما كانت قرية آمنت عند معاينتها العذاب، فنفعها إيمانها، في ذلك الوقت {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ}: فإنهم نفعهم إيمانهم عند نزول عذاب الله D، بهم، فكشف الله سبحانه عنهم العذاب. وقوم يونس انتصبوا لأنه استثناء ليس
من الأول. وقال أبو إسحاق: المعنى: فهلا كانت قرية آمنت في وقت ينفعهم إيمانهم، وجرى هذا بعقب إيمان فرعون عندما أدركه الغرق. فأعلم الله D، أن الإيمان لا ينفع عند وقوع العذاب، ولا عند حضور الموت. قال تعالى: {وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ} الآية [النساء: 18]. قال قتادة: لما فقدوا نبيهم، وأيقنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله D، في قلوهم التوبة. فلبسوا المسوح، وألهوا بن كل بهيمة وولدها. ثم عجَّلوا إلى الله سبحانه، أربعين ليلة، فلما علم الله D، الصدق منهم، والتوبة والندامة على ما مضى (كشف الله) عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم. وكان قوم يونس بأرض الموصل. قال ابن جبير: غشَّى قوم يونس العذاب، كما يغشى الثوب القبر ".
قال ابن عباس: لم يبق بين قوم يونس والعذاب إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا كشف الله عنهم. قال ابن جبير: لما أبوا أن يؤمنوا بيونس، قيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم، فقالولا: إنا لم نجرب عليه كذباً، فانظروا فإن بات فيكم فليس بشيء، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصحبكم. فلما كان في جوف الليل تزوَّد شيئاً ثم خرج. فلما أصبحوا يغشاهم العذاب كما يغشى الثوب القبر، ففرقوا بين الإنسان وولده، والبهيمة وولدها. ثم عجوا إلى الله D، فقالوا: آمنّا بما جاء به يونس وصدقنا. فكشف الله D، عنهم العذاب، فخرج يونس ينظر العذاب، فلم ير شيئاً فقال /: جربوا عليَّ كذباً فذهب مغاضباً لربه حتى أتى البحر. وعن ابن مسعود قال: أوعد يونس قومه أن العذاب يأتيهم إلى ثلاثة أيام. ففرقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا، فجأروا إلى الله سبحانه، واستغفروه، فكف الله D، عنهم العذاب.
ومعنى: {عَذَابَ الخزي}، أي: الهوان والذل. قوله: {إلى حِينٍ} قال الضحاك: إلى الموت. وقيل: إلى آجاله التي كتبها الله لهم قبل خلقهم. ثم قال تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً}: أي: لوفقهم إلى الإيمان بك يا محمد - وبما جئت به. ولكن قد سبق في قضائه من يؤمن، ومن لم يؤمن: وهذا كله رد على المعتزلة الذين يقولون: إن الإيمان والكفر مفوضان إلى العبد، بل كل عامل قد علم الله D، ما هو عامل قبل خلقه له. ولا تقع المجازاة إلا على ذلك بعد ظهورهم منهم، وإقامة الحجج عليهم. وقوله {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً} يدل على ذلك ويبينه. {أَفَأَنتَ} يا محمد {تُكْرِهُ الناس} حتى يؤمنوا بك؟ وفي الإتيان " بجميع " بعد " كلهم " قولان: أحدهما زيادة تأكيد، ونصبه على الحال. وقيل: لما كان كل يقع تأكيداً، ويقع اسماً غير تأكيد أتى معه بما لا يكون تأكيداً، وهو " جميعاً "، فجمع بينهما، ليعلم أن معناهما واحد، وأنه للتأكيد.
101
ثم قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله}، أي: ما كان لنفس تصدق بك يا محمد، إلا أن يأذن لها الله. فلا تجهد نفسك يا محمد في طلب هداهم. روي عن أبي الدرداء أنه قال: بعث الله D، إلى نبي من الأنبياء فقال لهم: لو أنك عملت مثل ما عمل جميع ولد آدم كلهم، ما أديت نعمة واحدة أنعمت بها عليك: إني أذنت لك أن تؤمن بي، {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله}، وهذا نص ظاهر في إثبات القدر من القرآن والحديث. قوله: {وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ}، أي: يجعل العذاب على من لا يعقل عن الله، سبحانه، حججه، وآياته جلت عظمته. والرجس: العذاب. وقال ابن عباس: السخط. قوله: {قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض} إلى قوله {نُنجِ المؤمنين}
والمعنى: قل يا محمد للسائلين: الآيات على صحة ما تدعوهم إليه: {انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض} من الآيات الدالة على صحة ما أدعوكم إليه من توحيد الله وعبادته. ثم قال تعالى: {وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}: أي: أي شيء تغني الحجج، والعِبَرُ عن قوم سبق لهم من الله D، الشقاء، وقضى لهم أنهم من أهل النار. {مَاذَا فِي السماوات والأرض}: وقف، إن جعلت " ما " نفياً " وإن جعلتها استفهاماً، لم تقف على الأرض، لأن " ما " معطوفة على ما قبلها. ثم قال تعالى: {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ}. والمعنى: هل ينتظر هؤلاء، يعني: مشركي قريش أهل مكة - يا محمد - إلا نزول العقوبة بهم،
كما نزل قبلهم حين كذبوا رسلهم. قل لهم يا محمد: {فانتظروا} عقاب، ونزول سخطه بكم. {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين} / هلاككم وبواركم بالعقوبة. {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ}: أي: ننجيهم من بين أظهركم إذا نزل بكم العذاب. {كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ المؤمنين} فيمن تقدم من الأمم الماضية إذا نزل بهم العذاب نجينا المؤمنين منهم. " الكاف " في موضع رفع إن جعلت {والذين آمَنُواْ} تماماً والتقدير: مثل ذلك يحق علينا حقاً. وإن لم تجعل {آمَنُواْ} تماماً جعلت " الكاف " في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: " نجاء مثل ذلك " يحق حقاً، وأنجى، ونجى لغتان بمعنى و " ننج " بغير ياء في الخط، والأصل الياء. ولا يتعمد الوقف عليه، وقد وقف عليها سلام ويعقوب بالياء على الأصل وهو خلاف الخط.
104
قوله تعالى: {قُلْ يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} إلى قوله: {مِّنَ الظالمين}. والمعنى: قل يا محمد: يا أيها المشركون إن كنتم في شك من ديني الذي أدعوكم إليه، فلم تعلموا أنه حق من عند الله، فإني لا أعبد الذين تعبدون من دوني الله: يعني الآلهة، والأوثان التي لا تنفع، ولا تضر. وفي الكلام تعريض: والمعنى: إن كنتم في شك من دوني، فلا بنبغي لكم أن تشكّوا فيه، وإنما ينبغي أن تشكوا في عبادة من لا ينفع، ولا يضر، ولا يسمع، ولا يُبصر. {ولكن أَعْبُدُ الله الذي يَتَوَفَّاكُمْ}: أي: يقبض أرواحكم عند مجيء آجالكم. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين}: أي: المصدّقين بما جاء من عنده. ومعنى {مِن دُونِ الله} من عند الله. ثم قال تعالى: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} أي: وأمرت: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ}: أي: أقم نفسك على دين الإسلام.
107
{حَنِيفاً}: أي: مستقيماً، غير معوج. وأمرت نفسي ألا أكون من المشركين، " ولا أدعو من دون الله ما لا ينفعني ولا يضرني، كما فعلتم أيها المشركون. فإن فعلت أنا ذلك، فإني من الظالمين لنفسي ". قوله: {وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} إلى آخر السورة. والمعنى: إن يُصبْكَ الله يا محمد بضر، فلا كاشف له عنك إلا هو دون ما يعبد هؤلاء من دون الله. {وَإِن يُرِدْكَ} الله يا محمد بخير أي: برخاء ونعمة، فلا رادَّ لفضله عنك. يصيب ربك يا محمد بالرخاء. من يشاء من عباده. {وَهُوَ الغفور} لذنوب من تاب. {الرحيم}: لمن آمن واستقام. ثم قال تعالى: قل - يا محمد - {قُلْ يا أيها الناس قَدْ جَآءَكُمُ الحق مِن رَّبِّكُمْ}: والحق هنا: القرآن. {فَمَنِ اهتدى} أي: استقام {فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ} أي: اعوج عن الحق.
{فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ}: أي: يسلط على تقويمكم، إنما أمركم إلى الله. وأنا نذير، ومنذر. ثم قال تعالى آمراً لنبيه: {واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ}: أي: اعمل به، واصبر على ما يقول المشركون، وما يتولون عن أذاك. {حتى يَحْكُمَ الله}، أي: يقضي. {وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين}، أي: خير القاضين بحكم الله D بينهم، يوم بدر بالسيف، فقتلهم، وأمر نبيه أن يسلك بمن بقي سبيل من هلك منهم حتى / يؤمنوا. قال ابن زيد: هذا منسوخ بجهادهم، وأمره بالغلظة عليهم.
هود
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم سورة هود. مكية. روى مسروق عن أبي بكر الصديق رضى الله عنه, انة قال: قلت يا رسول الله! لقد أسرع إليك الشيب فقال: شيبتني هود وأخواتها: الواقعة, والمرسلات, وعم يتساءلون, واذا الشمس كورت. وروى عكرمة عن ابن عباس نحوه.
1
قوله: {الر} قد تقدم الكلام عليها. وقولهم: " قَرَأتُ هوداً ": من صرفه أراد به سورة هود، ومن لم يصرفه جعله اسماً للسورة. ولو قلت: " قرأت الحمد (لله) ". فإنما جاز النصب: تُعْمِلُ الفعل فيه، وجاز الرفع على الحكاية. فإن قلت: قرأتُ {الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} [الفاتحة: 2، يونس: 10، الزمر: 75، غافر: 65]، حكاية لا غير، وكذلك {بَرَآءَةٌ} [التوبة: 1، القمر: 43]، ترفع على الحكاية، وتنصب على العمل. وتنوِّنُ إذا أردت الحذف، ولا
تصرف إذا جعلته اسماً للسورة. فإن قلت: قرأتَ {بَرَآءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ} [التوبة: 1]، حكاية لا غير. وتقول: قرأت " ألم البقرة ": فتنصِبُ على النعت لقولك: " ألم "، لأنه مفعول به بقراءةٍ، وإن شئت خفضتَ " البقرة "، وتقدّر إضافة " ألم " إليها. فإن قلت: " قرأت: {المص} [الأعراف: 1]، و {كهيعص} [مريم: 1]، لم يجز الإعراب، لأنه ليس في الأسماء نظير لهذا. وكذلك {المر} [الرعد: 1]، و {الر} [1: هود، يوسف، إبراهيم، الحجر]، وكذا {طه} [طه: 1] لأنه في آخرها ألفاً.
فإن قلت: {طس} [النمل: 1]، قلت هذا " طسين " يا هذا، فلا تصرف لأن هذا من نظيره هابيل، وقابيل. فإن أردت الحكاية، أسكنت، وتقول هذه {طسم} [الشعراء: 1، القصص: 1] فتُعْرِبُ: إن شئت تجعل " طس " اسماً، و " ميم " اسماً، وتضم أحدهما إلى الآخر مثل: معدي كرب، فيجوز فتح الثاني ورفعه تجعل الإعراب في الآخر. وأجاز سيبويه: مَعْدِي كرب على الإضافة، فيجوز على هذا، " طس ميم "، وتحسن الحكاية. فإن قلت: " قرأت {حم} [1: غافر، فصلت، الشورى، الزخرف] "، لم ينصرف لأنه مثل " هابيل ". وإن شئت أسكنت على الحكاية.
فإن قلت قرأت {حم* عسق} [الشورى: 1 - 2] لم يجز الإعراب، لأنه لا نظير له في الأسماء. وتقول هذه {ن} [القلم: 1] فاعلم بأنها تُنَوَّن، وتُعْرَبُ " تريد سورة " نون ". وإن شئت جعلته اسماً للسورة، فلم تنونْ، وإن شئت أسكنت على الحكاية. وتقول: هذه السبح، فلا تصرف إذا جعلته اسماً للسورة، لأنه فعلٌ، وليس في الأسماء فعلٌ. وإن شئت فتحتَ فَحَكَيْتَ على ما في السورة، فإن قلت هذه " سِبحْ " لم يجز إلا الإسكان تحكيه لأنه فيه ضمير، والجمل تحكى، وكذلك تحكي: قرأت: {سَأَلَ سَآئِلٌ} [المعارج: 1]، و {يا أيها المدثر} [المدثر: 1]، وقرأت {والفجر} [الفجر: 1] لأنه اسم وحرف.
وتقول: قرأت {اقتربت} [القمر: 1] تقطع الألف، وتقف على الهاء، إذا جعلته اسماً للسورة / لأن تأنيث الأسماء في الوقف بالهاء، وألف الوصل في الأفعال تقطع إذا سمي بالأفعال. وإن شئت قلت: قرأت {اقتربت} فوصلت الألف ووقفت بالتاء، على الحكاية. فإن قلت: قرأت {اقتربت الساعة} [القمر: 1]، لم يجز إلا الحكاية به ومثلُه: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1]، فإن أفردت بالهاء، وجعلتهُ اسماً للسورة قلت: قرأت " تبَّت "، تقِفُ على الهاء. قوله: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ - آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} - إلى قوله - {على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. المعنى: هذا الكتاب الذي أنزلناه {أُحْكِمَتْ - آيَاتُهُ}: أي: بالأمر والنهي، {ثُمَّ فُصِّلَتْ} بالثواب، والعقاب. قاله الحسن. وعنه {ثُمَّ فُصِّلَتْ} أي:
الوعد، والوعيد. وعنه أيضاً: {أُحْكِمَتْ} أي: بالثواب والعقاب {ثُمَّ فُصِّلَتْ} بالأمر، والنهي. وقال قتادة: أحكمها الله D، من الباطل، ثم فصلها، وبيَّنَ الحلال، والحرام. وقال مجاهد: {أُحْكِمَتْ}: لم ينسخها شيء. {ثُمَّ فُصِّلَتْ} نزلت شيئاً بعد شيء. وقيل: {فُصِّلَتْ}: فُسِّرت وبيِّنت: قاله مجاهد، وابن جريج. {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ}: أي: من عند حكيم في أفعاله، خبير بجميع الأشياء، وبمصالح عباده. وقيل: أحكمت عن أن يدخل فيها الفساد. يقال: أَحْكَمَتْهُ الآيات.
وحكمته لغتان: أي: مَنَعْنَهُ، ومنه حَكَمت اللجام لأنها تمنع الفرس الجماح. وأصله كله من إحكام الشيء، وهو: إبرامه، وإتقانه، عن أن يفسده شيء. والوقف على {الر} حسن إلا قول من جعله مبتدأه وكتاب خبره. ثم قال تعالى: {أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله} أي: فصلت من (أجل) ألا تعبدوا إلا الله D. ثم قال لنبيه: قل {إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ}: أيها الناس. والابتداء بـ " إنني " حسن، ثم قال تعالى: {وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ}. رداً على {أَلاَّ تعبدوا}: أي: استغفروه من عبادة الأصنام {ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ}: من عبادة الأصنام، أي: ارجعوا، {يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً} أي: ينسئ في آجالهم إلى الوقت الذي يشاء، ويرزقكم من زينة الدنيا. وأصل الإمتاع: الإطالة. ثم قال: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ}: أي: يثيب من تفضل بفضل ماله، أو قوته، أو
كلام حسن، أو غير ذلك من وجوه الخير على غيره لوجه الله D. قال ابن مسعود: من عمل سيئة كتبت واحدة، ومن عمل حسنة كتبت عشراًَ، فذلك فضل الله، D. قال: فإن عوقب بالسيئة في الدنيا زالت عنه، وإن لم يعاقب بها أخذ من الحسنات العشر واحدة، وبقيت له تسع حسنات. ثم قال تعالى: {وَإِن تَوَلَّوْاْ}: أي: عما دَعَوتهم إليه يا محمد من الاستغفار، والتوبة، فقل لهم: {فإني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}: أي: إن تماديتم على كفركم. وقال الطبري: المعنى: فإن توليتم، جعله ماضياً وهو على قراؤة البزي: " مستفعل "، لأنه يشدد / التاء. ثم قال: {إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ}: أي: مردكم، ومصيركم، {وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}:
5
أي: على إيحائكم بعد إماتتكم/ وعقابكم على كفركم. (" وقدير ": بمعنى قادر إلا أن " فعيلاً " أبْلغُ). قوله: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} إلى قوله: {مُّبِينٍ}. (ألا): استفتَاحُ كلام، و {يَثْنُونَ}: من ثنيت، وهو فعل المنافقين، كانوا إذا مروا بالنبي يثني أحدهم صدره، ويطأطأ رأسه. وقيل: نزلت فيما، كان المنافقون يبطلون من عداوة النبي، وبغضه، أعماع أن الله D يعلم ما تنطوي عليهم صدورهم من ذلك، وإنْ غطوا عليه رؤوسهم بثيلبهم، ليستتروا، فهو يعلم ما في صدورهم في كل حال من أحوالهم. يعني بالنافقين: كفار قريش، لا المنافقين من أهل المدينة. لأن السورة مكية.
وقال مجاهد: ظنوا أن الله، D لا يعلم ما في صدورهم. وقال الحسن: جهلوا أمر الله D. ثم قال تعالى: {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي: ألا حين يلبسون ثيابهم في ظلمة الليل، في أجواف بيوتهم. يعلم ذلك الوقت سرهم وجهرهم. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} وقيل: إن أحدهم كان يثني ظهره، ويستغشي ثوبه، وقيل: إنهم إنما كانوا يفعلون ذلك لئلاّ يسمعوا كتاب الله D. قاله قتادة. وقيل: إن هذا إخبار من الله ( D) عن المنافقين، أنه يعلم ما تنطوي عليه صدورهم من الكفر. وقال ابن زيد: " هذا حين يناجي بعضهم بعضاً ".
وقرأ ابن عباس: " ينثوي " صدورهم على مثال " ينطوي. قال: كانوا لا يأتون النساء، ولا الغائط إلا وقد تغشوا ثيابهم كراهة أن يفضوا بفروجهم إلى السماء ". وقيل: كان بعضهم ينحني على بعض ليُساره. وبلغ من جهلهم أنهم ظنوا أن ذلك يُحفى على الله سبحانه. ورُويَ عن ابن عباس أيضاً أنه قرأ تنثوي. وعنه أيضاً أنه قرأ: " تثنوني "، مثل: تَفْعوعِلُ. ومعناه: المبالغة مثل
" احلَوْلى ": إذا بلغ الغاية في الحلاوة، والهاء في " منه " للنبي A، على القول الأول، وهي " إنه لله D " على القول الثاني. وعن ابن عباس: ألا حين يستغشون ثيابهم: " أي: يغطون رؤوسهم ". والوقف عنج الأخفش، والفراء، وابن كيسان على ذات بالتاء، لأن هذا الاسم لا يستعمل إلا مضافاً. فصارت التاء في وسط الكلام. وعليه جماعة القراء. والوقف عند الكسائي بالهاء، وهو قول الجُرْمي، لأنه ثانية الأسماء، وهو اختيار أبي حاتم. {لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} وقف. {وَمَا يُعْلِنُونَ}، وقف /. ثم قال تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا}: أي: يتكفل بذلك حتى
تموت. يعني: بدابة: كل ما دب، ودرج على وجه الأرض من إِنسيّ، أو جني، أو بهيمة، أو هامّة، والهامَّة كل ما يدُب سميت بذلك لأنها تهم، أي: تدب. وقال الضحاك: والناس منهم. ثم قال تعالى: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا}: أي: حيث تستقر، وتأوي. {وَمُسْتَوْدَعَهَا}: " حيث تموت " قاله ابن عباس. وقال مجاهد: {مُسْتَقَرَّهَا} في الرحم، {وَمُسْتَوْدَعَهَا} في الصلب، مثل تلك التي في الأنعام، وهو قول الضحاك. وقد روي أيضاً هذا عن ابن عباس. (وقيل: المستقر في الرحم، والمستودع: حيث تموت). كل ذلك
7
{كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}: أي: ظاهر لمن قرأه، قد أثبته الله، D، قبل الخلق: وهذا توبيخٌ لمن أخبر عنه أنه يخفي ما في صدره عن الله، D، ويظن أن الله سبحانه لا يعلمه، وكيف يكون آمن من قد أحصى جميع استقرار الحيوان، وموضع موته، وتكفل برزقه، وأثبت ذلك قبل خلقه. فمن كان يقدر على ذلك كيف يخفى عليه ما في صدور هؤلاء. قوله: {وَهُوَ الذي خَلَق السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ} إلى قوله {يَسْتَهْزِءُونَ}. والمعنى: أن الذي إليه مرجعكم أيها الناس، هو الذي خلق السماوات والأرض ومن فيهن في ستة أيام، وهو قادر على أن يخلق ذلك في لحظة. روى أبو هريرة Bهـ، قال: " أخذ رسول الله A، بيدي، فقال: خلق الله تعالى التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور فيها يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر ساعات الجمعة ".
قال كعب: جعل الله D، الدنيا مكان كل يوم من الستة الأيام ألف سنة ". وقال الضحاك: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} من أيام الآخرة، كل يوم مقدار ألف سنة، ابتدأ في الخلق يوم الأحد، واجتمع الخلق يوم الجمعة، فسميت الجمعة لذلك. ولم يخلق يوم السبت شيئاً. وقوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء}: أي: قبل خلق السماوات والأرض " وسئل النبي A، فقيل له: أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ فقال: في عماء ". - في بمعنى على عادة العرب، لأنها تبدّل حروف الجر، بعضها من بعض.
العماء: السحاب الرقيق. ومن رواه مقصوراً فمعناه، والله أعلم، أنه كان وحده، وليس معه سواه. شبه عليه السلام العمى بالعماء توسعاً ومجازاً - (فوقه هواء، وتحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء). قال ابن عباس: كان الماء على متن الريح. ثم قال تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}: أي: فعل ذلك ليختبركم أيكم أحسن عملاً له، وطاعة. وروى ابن عمر عن النبي A: { أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}: أحسن عقلاً، وأورع عن
محارم الله D، وأسرع إلى طاعته. قال ابن جريج: يعني بالاختبار الثقلين. والمعنى: ليختبركم الاختبار الذي تقع عليه المجازاة، وهو عالم بما يفعل الجميع قبل خلقهم. ولكن أراد الله تعالى، أن يظهر من الجميع ما يقع عليه الجزاء. ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت}: أي: إن قلت لهم يا محمد: إنكم مبعوثون من بعد موتكم، وتجازون ليقولن الذين كفروا، ما هذا {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي: ما قولك إلا سحر ظاهر. ومن قرأ (إلا ساحر)، فمعناه: ما هذا الذي يخبرنا بهذا إلا ساحر ظاهر. ثم قال تعالى: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ}: أي: ولأن أخرنا يا محمد عن قومك العذاب إلى وقت معلوم عندنا معدود. وقيل: المعنى: إلى مجيء أمة وانقراض أمة. وإنما سميت السنون أمة، لأن فيها
9
تكون الأمة، وتنبتُ وتهلك. وأصل الأمة الجماعة. ثم قال تعالى إخباراً عما علم منهم: إنهم يقولون: إذا أخرنا عنهم العذاب. {لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِم}: أي: ليقولن هؤلاء الكفار ما يحبه، أي: شيء يمنع الذعاب أن يأتي تكذيباً منهم به. قال الله تبارك وتعالى: {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً} (أي: ليس يصرفه عنهم أحد إذا جاء وقته). {وَحَاقَ بِهِم}: أي: نزل بهم وحل {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} وهو العذاب. وقيل: المعنى: وحل بهم عقاب استهزائهم بأنبيائهم. قوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً} إلى قوله {على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}. المعنى: ولئن وسعنا للإنسان في رزقه وعيشه، ثم سلبنا ذلك منه.
{إِنَّهُ لَيَئُوسٌ}: أي قنوط من الرحمة. {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ}: أي: " كفور لمن أنعم عليه، قليل الشكر ". والإنسان هنا اسم للجنس، وقيل: هو للكفار خاصة. ثم قال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ}: أي: ولئن بسطنا له في الرزق والعيش، بعد ضيق في رزقه مسه منه ضرر {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السيئات عني}: أي: ذهب الضيق، والعسر عني. {إِنَّهُ لَفَرِحٌ}: أي: مرح، لا يشكر، {فَخُورٌ}: أي يفخر بما ناله من السعة في رزقه، فينسى صروف الدنيا، وعوارضها غرَّة منه وجرأة. {الله لاَ يُحِبُّ الفرحين} [القصص: 76]: وهذا كله من صفة الكافر. وقد قرأ بعض أهل المدينة " لَفَرَحٌ " بضم الرَّاء، وهي لغة، كما يقال:
رجل قطِرٌ وقُطُرٌ وحذَر وحذُرٌ. ثم استثنى. تعالى ذكره من هؤلاء قوماً ليسوا على هذه الصفة فقال: {إِلاَّ الذين صَبَرُواْ} أي: على الضيق والعسر وحمدوا الله على ما نالهم. {وَعَمِلُواْ الصالحات}: أي: الأعمال التي هي طاعات. {أولئك لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ}: أي: من الله: أي: لهم مغفرة لذنوبهم، فلا يفضحهم في معادهم. {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}: أي: ثواب عظيم على أعمالهم، وهو الجنة. وقوله: {إِلاَّ الذين} هو استثناء ليس من الأول عند الأخفش بمعنى: " لكن ". فهذا في المؤمنين، والأول / في الكافرين فهما جنسان ونوعان. وقال الفراء: هو استثناء من أذقناه، لأن الإنسان بمعنى الناس، فهو من الأول. ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ} أي: فلعلك تتْرك بعض ما يوحى إليك يا محمد، فلا تُبلغه لمن أمرت أن تبلغه إياه.
13
{وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} أي: وضائق بما يوحى إليك صدرك، فلا تبلغهم إياه مخافة أن يقولوا: فهلا {أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ}: من مال {أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} يصدقه فيما يقول، وينذر معه. إنما عليك يا محمد الإنذار. {والله على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}: أي: لست يا محمد عليهم بوكيل. الله هو الوكيل عليهم، أي: هو القائك بمجازاتهم وأمورهم. فالهاء في " به " تعود على " ما "، أو على " بعض "، أو على التبليغ، أو على التكذيب. قوله: {أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ} إلى قوله {يَعْمَلُونَ}: المعنى: أيقولون افتراه، أي: اختلق القرآن من عند نفسه. و " أَمْ " هنا هي المنقطعة التي هي بمعنى الألف قل لهم يا محمد {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ}: أي: مثل القرآن. {مُفْتَرَيَاتٍ}: مختلفات، أي: مختلفات، أي: مفتعلات. كما زعمتم أني اختلقت
القرآن، فاختلقوا أنتم أيضاً. إذ محال أن أقدر على ما لا تقدرون، لأنا أهل لسان واحد. {وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله}: أي: ادعوا للاختلاق والعون من شئتم إلا الله سبحانه {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}: في قولكم إن محمداً A، افترى القرآن من عند نفسه. ثم قال تعالى: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ}: أي: إلم يستجب لكم أيها المشركون من (تدعون لأن يأتوا) بعشر سور مثل هذا القرآن {مُفْتَرَيَاتٍ} ولم تطيقوا أن تأتوا بذلك، {فاعلموا أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ الله}: أي: أيقنوا أن هذا القرآن أنزل على محمد بعلم الله، وألاَّ معبود إلا الله D.
وقيل: المعنى: فإلم يستجب لكم يا محمد هؤلاء المشركون في أن يأتوا بذلك {فاعلموا}: أيها المشركون أنه إنما أنزل بعلم الله. وأتى بـ " لكم " لأن المراد النبي A، والمؤمنون. وقيل: خوطب النبي A، بلفظ الجماعة كما يخاطب العظيم، والشريف. والنبي A، أشرف مَنْ على وجه الأرض. {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ}: أي: مذعنون بالطاعة، مُخْلصُون لله D، العبادة. ثم قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا}. المعنى: من " كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها، نوف إليهم أجورهم فيها ". {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ}: هذا للكافر، فأما المؤمن فيجازى بحسناته في
الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة. وقيل: إن قوله: {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ}: يعني: في الآخرة لا يظلمون. قال مجاهد: هي في أهل الرياء. وقيل: المعنى: لئن كان يريد بغزوه الغنيمة وفي ذلك، ولم ينقص منه شيئاً. وقال ابن عباس: نسختها {مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا (لَهُ) فِيهَا مَا نَشَآءُ / لِمَن نُّرِيدُ} [الإسراء: 17]. وهذا مردود، لأنه خبرٌ، والأخبار لا ننسخ. روى أبو هريرة أن النبي A، قال: " إن الله جل ثناؤه، إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية. فأول من يدعى به: رجل جمع القرآن،
ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال. فيقول الله D، للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى، يا رب. قال فما عَمِلتَ فما علِمْت؟ قال: كنت اقرأ آناء الليل، وآناء النهار (ابتغاء وجهك)، فيقول الله، جلَّ ثناؤه: " كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله D: أردتَ أن يُقالَ: فلان " قارئ. فقد قيل ذلك. ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله D، له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى، يا رب، قال: فماذا عملت فيما أتيتك؟ قال: كنت اصِل الرحم، وأتصدق " ابتغاء وجهك ". فيقول الله D له: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت، بل أردت أن يقال: فلان جواد. فقد قيل ذلك. ويؤتى بالذي قُتل في سبيل الله D، فيقال له: فبماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت. فيقول الله، تعالى، له: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت. فيقول الله تعالى له: بل أردت أن يقال: فلان جريء، فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسول الله A، على ركبتيَّ، فقال: يا أبا هريرة! أولئك الثلاثة أول خلق الله تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة ".
17
ثم قال تعالى: {أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا}: أي: في الدنيا، ومعنى حبط: ذهب، {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. قوله: {أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} إلى قوله {لاَ يُؤْمِنُونَ}. والمعنى: أفمن كان على بينة من ربه كالذي يريد الحياة الدنيا وزينتها، وهو النبي A. والهاء في " ربه " تعود عليه. قال ذلك قتادة، وعكرمة، والنخعي. وقوله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ}: أي: ويتلو محمداً شاهدا منه، أي: من الله، وهو القرآن. وقيل: المعنى: ويتلو القرآن شاهداً منه، أي: من محمد. وهو لسانه، أي: يقرأه: وهو قول الحسن، ومعمر. ويجوز أن تكون الهاء في ويتلوه للبينة، لأنها بمعنى البيان.
وقال ابن عباس: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ}: هو جبريل عليه السلام، يتلو القرآن من عند الله D، على محمد A. وقال مجاهد: هو مَلَكٌ مع النبي A، يحفظه من عند الله، سبحانه. وقيل: إن قوله {أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ}، يعني: به النبي A، والمؤمنين. ودلّ على ذلك قوله: {أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ}. وقيل: المعنى: ويتلوه شاهد من الله، D، والشاهد: الإنجيل، ويتلوه القرآن بالتصديق. {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى}، أي ومن قبل الإنجيل التوراة. وقال الزجاج: المعنى: ويتلوه من قبله كتاب موسى، لأن النبي، A، موصوف في التوراة، والإنجيل.
وحكى أبو حاتم: (ومن قبله كتابَ موسى) بالنصب، على العطف على الهاء في " يتلوه ". أي: ويتلو كتاب موسى جبريل، فهو من التلاوة التي هي القراءة، وكذلك قال ابن عباس، قال: (الشاهد): جبريل، و " منه " من الله D. و " من قبله " تَلَى جبريل كتاب موسى على موسى A. ويجوز الرفع في {كِتَابُ} على هذا المعنى، كما تقول: رأيت أخاك، وأباك: أي: وأباك كذلك. فيكون المعنى: ومن قبله كتاب موسى كذلك: أي: تلاه جبريل على موسى، كما تلى على محمد عليهم السلام. والمعنى: أفمن كان على هذه الحال، كمن هو في الضلالة، والعمى. واختار قوم أن يكون المعنى: أن الشاهد القرآن، يتلوه محمد، أي: بعده شاهداً له. ودل على ذلك قوله: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى}. قال ابن عباس: الشاهد جبريل.
قال مجاهد: الشاهد حافظ من الله D، يحفظ محمداً: أي: ملك. فالهاء في " منه " تعود على الله، في هذين القولين. وقيل: (الشاهد): لسان محمد A، والهاء تعود على محمدٍ. قاله الحسن. وقيل: الشاهد هو إعجاز القرآن، والهاء في " منه " للقرآن. والهاء في {يُؤْمِنُونَ بِهِ} للقرآن. وقيل: الشاهد هو إعجاز القرآن، والهاء في " منه " للقرآن والهاء في {يُؤْمِنُونَ بِهِ} للقرآن، وقيل: لمحمد A. ثم قال تعالى: {أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ}: أي: مَنْ هذه صفته، يؤمن بالقرآن، وإن كفر به هؤلاء الذين قالوا: إن محمداً افتراه. ثم قال: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحزاب فالنار مَوْعِدُهُ} " يعني: من مشركي العرب، وغيرهم، ممن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، من كفر بِمُحَمَّدٍ، فالنار موعده يهودياً، كان أو نصرانياً، أو غير ذلك.
18
ثم قال: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} هذا خطاب للنبي A، والمراد: أمته، {إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ}، أي: القرآن حق من عند الله D، فلا تكونوا أيها المؤمنون في شك من ذلك. {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ} أي: " لا يصدقون، بأن ذلك كذلك. {شَاهِدٌ مِّنْهُ}: وقف عند نافع على معنى: ويتلوالقرآن شاهد من الله، وهو جبريل. {يُؤْمِنُونَ بِهِ}: وقف، وكذلك: {فالنار مَوْعِدُهُ}، وكذلك {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ}. قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً} إلى قوله {هُمُ الأخسرون} والمعنى: من أعظم جرماً ممن اختلق على الله سبحانه، الكذب، أي: كذب بآياته، وحججه، وهو النبي A، وما جاء به.
{أولئك يُعْرَضُونَ على رَبِّهِمْ}، يوم القيامة، فيسألهم عن أعمالهم في الدنيا. قال ابن جريج: ذلك الكافر، والمنافق. {وَيَقُولُ الأشهاد}: الذين شهدوا على أعمالهم، وحفظوها عليهم: {هؤلاء الذين كَذَبُواْ على رَبِّهِمْ} في الدنيا {أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين}: أي: غضبه، وإبعاده من رحمته. قال مجاهد: الأشهاد هنا: الملائكة الحفظة، وكذلك قال قتادة. وقال الضحاك: الأشهاد: الأنبياء، والرسل، صلوات الله عليهم، يقولون: هؤلاء الذين كذبوا بما جئنا به من عند ربنا. ثم بين تعالى الظالمين مَنْ هُمْ فقال: {الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله}: أي: يُزَيِّغون أن يدخلوا في الإيمان. {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً}: أي: يلتمسون لسبيل الله D، العوج والزيغ. وسبيل الله هو الإيمان به، وبما جاء من عنده، وهم مع ذلك
" وَبِالآخِرَةِ هُمْ / كَافِرُونُ ": أي: جاحدون، لا يصدقون بالبعث، {على رَبِّهِمْ}: وقف. ثم قال تعالى: {أولئك لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض} والمعنى: أولئك الذين هذه صفتهم، لم يكونوا معجزين ربهم، سبحانه، في الأرض بهرب، أو باستخفاء، إذا أراد عقابهم. {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَآءَ}: أي: ليس لهم من يمنعهم من الله D، إذا أراد الانتقام منهم. ثم قال تعالى: {يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع} ولا يعقلون عن الله D. { وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ}. ولا يهتدون إلى رشدهم. وقيل: إن المعنى يضاعف لهم العذاب أبداً: أي: وقت استطاعتهم السمع والبصر. وقيل: إن " ما " للنفي، فيحسن الابتداء بها على هذا، ولا يحسن على القولين الأولين. ومعنى النفي هنا أن الضمير في " يستطيعون "، و " يبصرون ": الأصنام، والنفي
عنها: أي: لم تكن تسمع، ولا تبصر. وهذا التأويل مروي عن ابن عباس. وقيل: المعنى: إن الضمير " لهم "، والنفي " عنهم ": أي: لم يكونوا ليسمعوا شيئاً ينفعهم من الإيمان، ولا يبصرونه، لأن الله، D، حال بينهم وبين ذلك، لما سبق في علمه، فهو مثل قوله: {يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24]: بين الكافر والإيمان، وبين المؤمن والكافر. ومثله: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13]، ومثله {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً} [يونس: 99] بالله، D. ختم على قلوبهم، وعلى أبصارهم بكفرهم. قال ذلك قتادة، فقال: فهم صمٌّ عن الحق، فما يسمعونه، بُكْمٌ، فما ينطقون به. عميٌ فلا يبصرون. وروي عن ابن عباس Bهـ، إن المعنى: لا يستطيعون أن يسمعوا سماع منتفع بما يسمع، ولا يبصرون إبصار مُهتَدٍ، لاشتغالهم بالكفر.
قال الزجاج: ذلك كان منهم لبغضهم النبي A، فلا يسمعون عنه، ويفهمون ما يقول. قال الفراء: سبق لهم في اللوح المحفوظ أنه يضلهم. قوله: {أَوْلِيَآءَ} وقف عند نافع، {العذاب}: وقف إن جعلت " ما " نَفياً خاصة. ثم قال تعالى: {أولئك الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ} أي: غبنوا أنفسهم حظها كم رحمة الله D. { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}: أي: بَطُلَ كذبهم، وافراؤهم على الله، سبحانه. ثم قال تعالى: {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون}، و {لاَ جَرَمَ} عند سيبويه، والخليل بمعنى: حق. وأن في موضع رفع، وجيء بـ " لا " عند
الخليل ليعلم أن المخاطل لم يُبتدأ به كلامه، وإنما خاطب غيره. وقال الزجاج: لا هنا نفي لما ظنوا أنهم ينفعهم كأنه كان المعنى: لا ينفعهم ذلك. {جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة}، أي: كسب ذلك الفعل لم الخُسْرَان، ف " أن " عنده في موضع نصب. وقال الكسائي: المعنى: " لا صَدَّ "، ولا مَنْعَ عن أنهم ". فإنَّ في موضع نصب أيضاً، فحذف الخافض. وحُكِيَ: لاجَرَ " بغير ميم لغة ناسٍ من فُزَارة. وحكى / الفراء: " لا ذَا جَرَمْ لغة لبني عامر. وقال الفراء: هي كلمة كانت في الأصل، والله أعلم، بمنزلة: لا بد أنك قائم،
23
ولا محالة أنك قائم، فكثرت حتى صارت منزلة " حقاً ". تقول العرب: لا جرم لآتينك، ولا جرم لقد أحسنت إليك، وأصلها من جرمت، أي: كسبت الشيء. وذكر ابن مجاهد عن بعض القراء، وهو حمزة: ولا جرم بالمد، وكان يأخذ به بمعنى الاية: حقٌّ أنَّ هؤلاء الذين هذه صفتهم، هم الأخسرون في الآخرة: باعوا منازلهم في الجنة، بمنازلهم في النار، وذلك هو الخسران المبين. قوله: {إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وأخبتوا إلى رَبِّهِمْ} إلى قوله {عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} معنى: أخبتوا، أنابوا، وقيل: معناه: اطمأنوا وقيل: خشعوا،
وتواضعوا، وتضرعوا. والمعاني في ذلك متقاربة. وإلى: هنا بمعنى اللام، والمعنى: " لربهم " كما وقعت اللام بمعنى " إلى قوله ". أوحى لها: أي: إليها. ثم قال تعالى: {مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع} أي: مثل الكافر كالأعمى، والأصم، والمؤمن كالبصير، والسميع: فهذا مثل ضربه الله D، للكافر والمؤمن، فالكافر أصم عن الحق، أعمى عن الهدى، لا يبصره، والمؤمن يبصر الهدى، ويسمع الحق، فينتفع به. {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} على اختلاف حاليهما. ومثل نصبه مصدر في موضع الحال. (مثلاً): وقف عند نافع. ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ إِنَّي لَكُمْ} من كسر " إني "،
27
فالمعنى: فقال: إني: ومن فتح فَعَلَى تقدير حذف الجر. والمعنى: أنذركم بأسه، وعقابه إن تماديتم على الكفر. {مُّبِينٌ}: أي: أبين لم ما أرسلت به إليكم. ثم بين تعالى: بأي شيء أرسل، فقال: {أَن لاَّ تعبدوا إِلاَّ الله إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} إن تماديتم على كفركم. {إلى قَوْمِهِ}: وقف إن كسرت " إني "، وجعلت " ألا " تعبدوا متعلقاً بنذير. قوله: {فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا} إلى قوله: {قَوْماً تَجْهَلُونَ}: المعنى: أنهم قالوا له: ما نواك إلا آدمياً مثلنا في الخلق، ثم قالوا: {وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا} أي: السفلة، دون الأكابر. وقيل: هم الفقراء، وقيل: هم الخسيسو
الصناعات. وروي في الحديث أنهم كانوا حاكة، وحجامين. ولا يقال رجل أرذل، ولا امرأة رذلاء حتى تدخل الألف واللام، أو يضاف. وقوله: {بَادِيَ الرأي} مَنْ همزه جعله من الابتداء، أي: ابتعوك ابتداء، ولو فكروا لم يتبعوك. ومن لم يهمز، جاز أن يكون على تخفيف الهمزة، وجاز أن يكون من بَدَا يَبْدو: إذا ظهر، أي: اتبعوك في ظاهر الرأي، وباطنهم على خلاف ذلك. وقيل: المعنى: ابتعوك في ظاهر الرأي، ولو تدبروا لم يتبعوك.
وقيل: المعنى: اتبعوك في ظاهر الرأي الذي ترى، وليس تدري باطنهم. ونصبه عند الزجاج على حذف " في " أو على مثل: {واختار موسى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155]. وقيل: المعنى: أنه نعت لمصدر محذوف، والمعنى " اتباعاً ظاهراً ". ثم حكى الله D، عنهم قالوا لمن آمن بنوح A: { وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} إذ آمنتم بنوح {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ}: أي: في دعوتكم أن الله D، ابتعث نوحاً رسولاً. وهذا خطاب لنوح، لأنهم به كذبوا، فخرج الخطاب له مخرج خطاب الجميع. قال نوح لقومه: {ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن ربي}: أي: على معرفة به، وعلم. / {وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ}: أي: رزقني التوفيق، والنبوءة، والحكمة، فآمنت، وأطعت.
{فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ}: أي: عميت عليكم الرحمة، أي: خفيت، فلم تهتدوا لها. والرحمة عند الفراء: الرسالة. ومن شدد فمعناه: " فَعَمَّها " الله عليكم، أي: خفاها. وفي قراءة عبد الله، وأُبَيّ: " فَعَمَّاهَا الله عليكم " وقد أجمع الجميع على التخفيف في " القصص "، ولا يجوز غيره. ثم قال: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} أي: أنآخِذُكُمْ بالدخول في الإسلام على كره منكم، فنلزمكم ما لا تريدون. يقول A: " لا تَفْعَل ذلك، بل نكل أمرهم إلى الله، سبحانه ".
قال النحاس: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا}: أنجبها عليكم. وأنتم لها كارهون. وقيل: معنى {أَنُلْزِمُكُمُوهَا}: هي شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وقيل: الهاء في {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} للرحمة. وقيل: للبينة. ثم حكى الله عنه أنه قال: {وياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً}: أي: لا آخذ منكم على نصحي إياكم، ودعائيَ لكم إلى الإيمان {مَالاً}: ما أجري في ذلك إلا على الله، هو يجازيني ويثيبني. {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الذين آمنوا}: أي: لست أطردهم، ولا الذين آمنوا بي. وذلك أنهم سألوه أن يطردهم. قال ابن جريج: قالوا: " إن أحببت أن نتبعك فاطردهم. فقال: لا أطردهم ملاقوا ربهم، فيجازي من طردهم وآذاهم، ويسألهم عن أعمالهم. ثم قال لهم: {ولكني أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ}: أي: تجهلون ما يجب عليكم من
30
حق الله. وقوله: {وياقوم مَن يَنصُرُنِي مِنَ الله إِن طَرَدتُّهُمْ - إلى قوله - وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ}: والمعنى: من يمنعني من الله، إن هو عاقبني على طردي إياهم، وهم مؤمنون، وموحدون. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} في قولكم، فتعلمون خطأه. ثم قال لهم: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله} هذا معطوف على قوله: (لا أسألكم)، والمعنى: لا أقول لكم: عندي خزائن الله التي لا يفنيها شيء، فتتبعوني عليها. {وَلاَ أَعْلَمُ الغيب}: أي: ما خفي من سرائر الناس. فإن الله يعلم ذلك وحده. {وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ}: فأكذب، {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تزدري أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْراً الله}،
أي: للذين اتبعوني وآمنوا بي، فاستحقرتموهم، وقلتم، إنهم أراذلنا. " والخير هنا الإيمان بالله D. { الله أَعْلَمُ بِمَا في أَنْفُسِهِمْ}: أي: في ضمائرهم، واعتقادهم، وإنما لي منهم ما ظهر. {إني إِذاً لَّمِنَ الظالمين}: أي: إني ظالم، إن قلت لن يؤتيكم الله خيراً، وقضيت / على سرائرهم: نفى نوح A، جميع هذا عن نفسه لئلا يتبعوه على ذلك. {قَالُواْ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا}: أي: " قد خاصمتنا، فأكثرت خصامنا {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ}: أي: بالعذاب، إن كنت صادقاً في قولك: إنك رسول (الله). وقرأ ابن عباس Bهـ: فأكثرت جَدَلَنا ". " والجدل " والجدال: المبالغة في الخصومة. قال لهم نوح: إنما يأتيكم بالعذاب الله D. { وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ}: أي: لستم ممن يعجزالله، سبحانه، إذ جاءكم عذابه
34
هرباً، لأنكم في سلطانه حيثما كنتم. قوله: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نصحي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ} إلى قوله {يَفْعَلُونَ} والمعنى: وليس ينفعكم تحذيري إياكم عقوبة على كفركم. {إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} أي: يهلككم. وقيل: معناه: يحييكم، وحكي عن بعض العرب أنها تقول: أصبح فلاناً غاوياً: أي: مريضاً. وهذه الآية من أبْيَنِ آية في أن الأمر كله لله D، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، لا مُعْقِب لحكمه يفعل ما يشاء. وقد نالت المعتزلة: إن معنى: " أن يغويكم: أن يهلككم، وكذبوا على الله، سبحانه، وعلى لغة العرب: ولو كان الأمر كما قالوا، لكات معنى قوله: {قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي} [البقرة: 256]: من الهلاك، وهذا لا معنى له. إنما هو الضلال، الذي هو نقيض الرشد. ولكان معنى قوله: {وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى} [طه: 121]: فهلك، ولم يهلك إنما ضل. ولكان معنى قوله: {الذين أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ} [القصص: 63] بمعنى الهلاك، ولا معنى لذلك، إنما هو
بمعنى الضلال كُله. ولكان قوله: {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ} [الحجر: 39] بمعنى: لأهلِكَنَّهُم: وهذا لا يقوله أحد، ولا معنى له. وقوله تعالى: {فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً} [مريم: 59] معناه: هلاكاً. {هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}: أي: بعد الهلاك. ثم قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افتراه}: أي: أيقولون؟ وهذه " أم " المنقطعة بمعنى الألف، أي: اختلقَه. وهذا خطاب للنبي A. والمعنى أيقول قومك: اختلق هذا الخبر عن نوح عليه السلام، قل لهم: يا محمد! {قُلْ إِنِ افتريته فَعَلَيَّ إِجْرَامِي}: أي: إثم جرمي، لا تؤاخذون به، {وَأَنَاْ برياء} من إثم جرمكم، ولا آخذ به. يقال: أجرم فلان: أي: كسب الإثم.
37
وأجاز أبو إسحاق " أجرامي " بفتح الهمزة جمع جرم. ثم قال تعالى: {وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} والمعنى: إنه لما حّقَّ عليهم العذاب، أعلم أنه لم يؤمن أحد ممن بقي، {فَلاَ تَبْتَئِسْ}: أي: لا تحزَنْ على فعلهم، وكفرهم، وذلك حين قال: {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً} [نوح: 26]. قوله: {واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} إلى قوله: {إِلاَّ قَلِيلٌ}. والفلك: السفينة، يكون واحداً، وجمعاً. قال ابن عباس: أوحي إليه: أن يصنع الفلك فلم يدر كيف يصنعها، فأوحي إليه أن يصنعها على مثال جُؤجؤ الطير. ومعنى: {بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا}: أي: كما نأمرك.
قال قتادة: / بعين الله، ووحيه. (وقيل: بأعيننا: بحفظنا، وقيل: بعلمنا، وقيل: إن الملائكة كانت تريد ذلك). وقيل: معنى: (بأعيننا ووحينا): أي: بتعليمنا كيف تصنعه. وقوله: {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا}: أي: لا تسألني في العفو عنهم. قال ابن جريج: معناه: لا تراجعني. ثم أعلمنا الله D، أنه أخذ يصنع السفينة، وأن {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ} أي: جماعة، وكبراء {سَخِرُواْ مِنْهُ}: أي: هزأوا به، يقولون له: أتحولت نجاراً بعد النبوءة؟ وتعمل السفينة في البر؟ فيقول لهم نوح: {إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا} اليوم،
{فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ} في الآخرة {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} إذا عاينتم العذاب {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي: من هو أحمد عاقبة منا، ومنكم. و" من " تكون هنا خبراً، واستفهاماً، وتقريراً، إعرابها في الوجهين ظاهر. (وروت عائشة Bها، أن النبي A، قال: " لو رحم الله (أحداً من قوم نوح) لرحم أم الصبي، كان نوح قد مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، يدعوهم إلى الله D، حتى كان آخر زمانه غارس شجرة، فعظمت، وذهبت كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعل يعمي سفينته. ويمرون، فيسألونه، فيقول: أعمل سفينة. فيسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة في البر، فكيف تجري؟ فيقول: سوف تعلمون. فلما فرغ منها، وفار التنور، وكثر الماء في السِّكَكِ، وخشيت أم الصبي عليه، وكانت تحبه حباً شديداً، فخرجت إلى الجبل، حتى بلغت ثلثي الجبل، فلما بلغها الماء، خرجت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء
رقبتها، رفعته بيديها حتى ذهب بها الماء ". قال قتادة: كان طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وبابها في عرضها. وقال الحسن: كان طول السفينة ألف ذراع، ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. وقال عكرمة: إنما طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها ورفعها ثلاثون ذراعاً. وعن الحسن، ( C عليه، أيضاً)؛ أنه قال: كان طولها ألف ذراع، في
خمسمائة ذراع، وبابها في جنبها. قال: أبو رجاء: كانت مطبقة. وقيل: إنها كانت: ثلاث طبقات: طبقة فيها الدواب والوحوش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير. فلما كثر أرْوَاتُ الدواب أوحى الله D، إلى نوح: أن أغْمزْ ذنبَ الفيل، فغمزه. فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبل على الروث. ثم إن الفأر وقع بحبل السفينة يقرضه، فأوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد، فضرب، فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبل على الفأر.
قال ابن عباس: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة، فحدثنا عنها، قال: فانطلق بهم عيسى عليه السلام، حتى أتى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفاً من ذلك التراب بكفيه، فقال: أتدرون ما هذا قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا / كعب حام بن نوح. قال: فضرب الكثيب بعصى، وقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه، قد شاب، قال له عيسى: هكذا هلكتَ. قال: لا، ولكن مت، وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة، فمن ثم: شبت. قال: حدثنا عن سفينة نوح قال: كان طولها ألف ذراع، ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. ثم حكى له طبقاتها، وما كان فيها، وقصة الأرواث، والفأر على ما تقدم ذكره. ثم قال له عيسى عليه السلام: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيبفةً فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت. قال: ثم بعث الحمامة، فجاءت بورق زيتون بمنقاريها، وطين برجليها. فعلم أن البلاد قد غرقت، فطوقها الخضرة في عنقها، ودعا أن تكون في أنس، وأمان، فمن ثم تألف البيوت. وروى عبيد بن عمير الليثي: أنهم كانوا يخنقون نوحاً حتى يغشى عليه، فإذا فاق قال: اللهم أغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون. حتى إذا تمادوا في المعصية، وتطاول عليه
منهم الشأن، وعظيم البلاء، ولا يأتي قرن منهم إلا كان أخبث من صاحبه. يقولون: قد كان هذا مع آبائنا، وأجدادنا مجنوناً، ولا تقبل منه شيءاً. فشكا ذلك إلى الله، وقال كما قص الله سبحانه علينا: {رَبِّ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً} [نوح: 5 - 6]- إلى آخر القصة - ثم قال: {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً} [نوح: 26]- إلى آخر القصة -. فأوحى الله D، إليه: أن اصنع الفلك. وزعم أهل التوراة أن الله، سبحانه، أمره أن يجعل عوده من الساج، وأن يطليه بالقار، من داخل، ومن خارج، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعاً، وعرضه خمسين ذراعاً، وطوله في السماء ثلاثين ذراعاً، وجعل الله D، له فور التنور آية. فلما فار، حمل في الفلك من أمره الله، سبحانه، بنيه الثلاثة: سام، وحام، ويافث، ونساءهم، وستة أناس ممن كان آمن به. فكان جميعهم عشرة رجال. وتخلف عنه ابنه يام، وكان كافراً.
قال ابن عباس: كان أول ما حمل نوح في الفلك الذرة، وآخر ما حمل الحمار. فلما دخل، وأدخل صدره، تعلق إبليس بذنبه، فلم تستقل رجلاه، فجعل نوح عليه السلام، يقول: ويحك! ادخل، فلا يستطيع الحمار الدخول. فقال: ويحك! (ادخل) وإن كان الشيطان معك. فزل لسانه بالكلمة، فدخل الحمار، والشيطان. فقال له: نوح A: ما أدخلك عليَّ يا عدوَّ الله؟ قال: ألم تقل ادخل، وإن كان الشيطان معك. قال: اخرج عني يا عدو الله. قال: مالَكَ بُدٌّ من أن تحملني، فكان إبليس في ظهر الفلك. فكان بين إرسال الله D، الماء، وبين أن احتمل الماء الفلك أربعون يوماً بلياليها، ودخل فيها لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر، فلما دخل من كان معه / (انفتحت أبواب السماء بماء منهمر)، كما قال الله، وكانت السفينة مُسْمَرَّة بدُسُرٍ. والدُّسُر: مسامير الحديد، وقيل: مسامير من عود، بها يسمر اليوم مراكبهم أهل الحجاز، وأهل الهند، وما يلي ذلك. فلما جرت السفينة، قال نوح لابنه: {اركب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين} [هود: 42]
وكان قد أضمر الكفر، وظن أن الجبال تمنع من الماء، فقال: {سآوي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المآء} [هود: 43]: أي: يمنعني، فقال له نوح: {لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله} [هود: 43]. فعلا الماء على الجبال خمسين ذراعاً. فهلك كل ما كات على وجه الأرض من الحيوان والأشجار ولم يبق إلا ما في السفينة. وكان بين أن أرسل الله الطوفان، وبين أن غاض الماء ستة أشهر، وعشر ليال. قال عكرمة: " ركب في السفينة لعشر خَلَوْن من رجب، {واستوت عَلَى الجودي} [هود: 44] لعشر خَلَون من المحرم. فذلك ستة أشهر ". ومعنى: {وَفَارَ التنور}: قيل: إنه انفجر الماء من وجه الأرض. التنور: وجه الأرض قاله ابن عباس، وعكرمة. وقال علي بن أبي طالب Bهـ: هو تنوير الصبح، من قولهم: نور الصبح يُنَور، فكأنه قال: حتى جاء أمرنا، وطلع الفجر. وقال قتادة: التنور أعلى الأرض، وأشرافها.
وقال الحسن: التنور هو الذي يخبز فيه، كان من حجارة لِحَوَّاء. ثم صار إلى نوح، فقيل له: إذ رأيت الناء يفور من التنور، فاركب أنت وأصحابك. وقال الشعبي. فار الماء في ناحية الكوفة. وعن علي Bهـ، أنه قال: فار التنور من مسجد الكوفة، وقال زيد بن حبيش: فار التنور من هذه الزاوية، وأشار إلى زاوية مسجد الكوفة اليمني من القبلة، التي عن يمين المصلى. وكان زيد يقصد إلى الصلاة في تلك الزاوية من مسجد الكوفة، وعن الحسن أيضاً أن التنور الموضع الذي يجتمع فيه الماء في السفينة. وعنابن عباس: أن التنور فار بالهند.
ومعنى: {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين} أي: من كل ذكر، وأنثى، والواحد: زوج، والزوجان ذكر، وأنثى من كل صنف، فمعنى من كل زوجين: من كل صنفين. وقيل الزوجان: الضربان الذكور، والإناث. وقيل: الزوجان: اللونان. وقوله: {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول}: أي: واحمل أهلك، إلا من سبق إهلاكه، وهو بعض نساء نوح، كانت من الباقين: من الهالكين. وقيل: هو ابنهُ الذي غرق. {وَمَنْ آمَنَ} أي: واحمل من آمن. قال قتادة: كانوا ثمانية أنفس، خمسة بنين، وثلاث نسوة، فأصاب حام امرأته في السفينة. فدعا عليه نوح أن تغير نطفته. فجاء بالسودان.
وقيل: كانوا عشرة سوى نسائهم: ستة ممن آمن، وثلاثة بنين، ونوح. وعن ابن عباس: أنهم كانوا ثمانين رجلاً، غير النساء من غير أهله وروي أن الله جل ذكره، كان قد أعقم أرحام النساء، وأصلاب الرجال، قبل الغرق بأربعين سنة /، فلم يولد فيهم مولود، ولم يغرق إلا ابن أربعين، فما فوق ذلك. قوله: {وَأَهْلَكَ}: وقف عند أبي حاتم، وليس يوقف عند غيره، لأن بعده استثناء. {وَمَنْ آمَنَ}: وقف عند نافع وغيره، {إِلاَّ قَلِيلٌ}: وقف حسن.
41
قوله: {وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مجراها} - إلى قوله - {فَكَانَ مِنَ المغرقين} المعنى: فحملهم فيها، وقال: اركبوا فيها. ومن قرأ بضم الميم، فمعناه: بسم الله إجراؤها، وإرساؤها: ابتداء وخبر، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الظرف، على معنى بسم الله، وقتَ إجرائها، وعند إرسائها. ويكون بسم الله كلاماً مكتفياً بنفسه كقول المبتدئ في عمل: بسم الله، فتكون الياء في موضع نصب على معنى ابتدأت بسم الله، أو في موضع رفع على معنى أبتدأ، أي: بسم الله. {ومجراها}: ظرف كما تقول: زيد قائم خلفك. ومن فتح الميم فعلى هذا التقدير، إلا
أنه يقدر في موضع الإجراء الجري. والمعنى: بالله إجراؤها، وبالله جَرْيُهَا، وبالله إرْساؤها. وقال مجاهد، والجحدري، والعطاردي: " مجريها ومرسيها بالياء، وجعلوه نعتاً لله D، أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ. وقال الضحاك وغيره: كان إذا قال: بسم الله جرت، وإذا قال: بسم الله رَسَت. واختار " مجراها " بالفتح لقربه من قوله: وهي تجري بهم، ولم يقل تُجْري
وخرجت " مرساها " بالضم على الإجماع {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}: أي: لساتر ذنوب من تاب إليه، رحيم به. ثم أخبر تعالى أنها تجري بهم في موج مثل الجبال، ثم قال: {ونادى نُوحٌ ابنه وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} (أي: في معزل) عن دين نوح. وقيل: في معزل عن السفينة، وذلك أن نوحاً، صلوات الله عليه، لم يعلم بأنه كافر، لقوله {وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين}. وقيل: إنه لم يكن ابنه، إنما كان ابن امرأته. وحكى أبو حاتم أنه قرأ: " ونادى نوحَ ابنَه " بفتح الحاء، يريد " ابنها " ثم حذف الألف لخفتها، كما تحذف الواو من " ابنهُو ". وعن علي Bهـ، أنه قرأ:
"ابنها" بألف، لم يكن ابنه، إنما كان ابن رجل تزوجَها قبل نوح. وعن الحسن Bهـ، أنه قال: خانت نوحاً في الولد. والله تعالى يعيذ نبيه A، من ذلك إنما خانته في الدين، لا في الفراش. قال ابن عباس: ما بَغَت امرأة نبي قطٌّ ". ومن قرأ {يابني اركب مَّعَنَا} بالفتح، فزعم أبو حاتم أنه أرادَ: يا بَنياهُ، فحذف الهاء، لأنه يصل، وحذف الألف لدلالة الفتحة. ولا يجوز عند سيبويه حذف الألف لخفتها، وليس مثل الواو. وقال الزجاج: كان أصله " يا بنيَّ " بياءين كما تقول: يا غلاميَّ بالياء، فأبدل من
الكسرة فتحة، ومن الباء ألفاً، ثم حذف الألف لسكونها، وسكون الراء بعدها من " اركب "، وكتبت على اللفظ. ومن كسر الياء، فعلى الأصل، لأن الكسرة تدل على الياء المحذوفة، ككسر الميم في " يا غلام! تعال ". ثم قال تعالى إخباراً عن قول ابن نوح لنوح: {سآوي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المآء}: أي: سأصير / إلى جبل يمنعني من الماء، قال له نوح: {لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ}: أي: إلا الراحم، أي: ليس يعصم إلا الله، أي: لا يمنع إلا الله الذي رَحِمنَا، فأنقذنا من الغرق، وقيل: " من " في موضع نصب استثناء، ليس من الأول، أي: لكن من رحم الله، فإنه معصوم. وقيل: المعنى: إن عاصماً بمعنى معصوم، فيكون " من " أيضاً في موضع رفع لأنه لا معصوم من أمر الله إلا المرحوم على البدل من موضع معصوم,
44
والاختيار: ان يكون عاصم على بابه و"من" في موضع رفع على البدل من عاصم. والتقدير: لا يعصم اليوم من امر الله الا الله. ثم قال تعالى: {وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج}: أي: بين نوح، وابنه، فكان ابنه من المغرقين. {مِنْ أَمْرِ الله}: وقف حسن، إن جعلت إلا من رحم الله استثناء، ليس من الأول، وليس من الأول، وليس بالبين لأنه لا بد للثاني أن يكون فيه سبب من الأول. {إِلاَّ مَن رَّحِمَ}. وقف. قوله: {وَقِيلَ يا أرض ابلعي مَآءَكِ} إلى قوله {أَكُن مِّنَ الخاسرين}. المعنى: يا أرض اشربي ما عليك من الماء. {وياسمآء أَقْلِعِي}: لا تمطري. {وَغِيضَ المآء}: أي: نَقُص جعل
الله D، في الأرض والسماء تمييزاً، وقيل: هو مجاز. {وَقُضِيَ الأمر}: أي: بهلاكهم، {واستوت عَلَى الجودي}: أي: استقرت السفينة على الجودي، وهو جبل بناحية الموصل، أو الجزيرة. {وَقِيلَ بُعْداً}: أي: وقال الله بعداً. وقيل: المعنى: وقال نوح ومن معه {بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين}: أي: أبعدهم الله من رحمته. وروي عن النبي A، أنه قال: ركب نوح السفينة في أول يوم من رجب، فصام هو ومن معه، وجرت السفينة ستة أشهر. فانتهى ذلك إلى المحرم، فأرست على الجودي يوم عاشوراء فصام نوح وأمر من معه من الوحش، فصاموا شكراً لله D.
وروي أن السفينة مرت بالبيت، فطافت به أسبوعاً. وفي الجودي لغتان: تشديد الياء، وتخفيفها. فمن شدد جمعه على جوادي، ومن خفف جمع على جوادٍ، مثل جوارٍ. (على الجودي): وقف عند أبي حاتم، وليس كذلك، لأن (وقيل): عطف على واستوت. ثم قال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي}: أي: إنك وعدتني أن تنجيَ أهلي، وابني منهم.
{وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق}: أي: الذي لا خلف فيه، {وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين} أي: فاحكم لي (بأن تفي) بما وعدتني. قال الله له: {يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}: أي: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم. وقال الحسن: لم يكن ابنه، وكان يحلف أنه ما كان ابنه. فمعنى: {لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}: أي: ليس بابن لك، إنما هو ابن امرأته وقال عكرمة، هو ابنه، ولكن على غير دينه، وإنما وعده الله D، أن ينجيَ أهله المؤمنين به. فمعنى {لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}: ليس من أهل دينك. ثم قال تعالى: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}: أي: إن سؤالك يا نوح إياي أن أنجي مشركاً عملٌ منك غير صالح.
وقيل: المعنى: إن الذي سألت أن أنجيه، ذو عمل صالح. وقيل: المعنى: إن عماه غير صالح. وعن ابن مسعود / أنه قرأ " إنه عمل صالح أن تَسْألني ما ليس لك به علم " {فَلاَ تَسْئَلْنِ}، فتكون الهاء للمجهول، وخبر " عمل " محذوف دل عليه {فَلاَ تَسْئَلْنِ}. ومن قرأ: " عمل غير صالح "، فكذلك قرأ الكسائي. وفيه: حديث عن النبي A، أنه كذلك قرأ. ومعناه: ظاهر، كأنه قال: إنه كافر
والمعنى: إن ابنك كافر، عمل عملاً غير صالح، مثل {واعملوا صَالِحاً} [المؤمنون: 52، سبأ: 11]، ومثل {وَعَمِلَ صَالِحاً} [البقرة: 62، سبأ: 37]. ثم قال تعالى: {إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين} هذا تنبيه لنوح، A، لئلا يسأل عما طوي عنه علمه. وقال ابن زيد: المعنى: إني أعظك أن تبلغ الجهالة بك، أن تظن أني لا أفي بوعد وعدتك، حتى تسألني ما ليس لك به علم. فاستقال نوح من سؤاله، واستعاذ من ذلك. وقال: {رَبِّ إني أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وترحمني أَكُن مِّنَ الخاسرين}: فاستغفر من زلته في مسألته، وهذا " يدل على أن الأنبياء (صلوات الله عليهم)، يذنبون ".
48
ومعنى: {مِّنَ الخاسرين}: أي: الذين خسروا رحمتك يوم القيامة. والمعنى: إني أسألك أن توفقني وتلطف بي، حتى لا أسألك (ما ليس لي به علم). قوله: {قِيلَ يانوح اهبط بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وعلى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} - إلى قوله - {مُجْرِمِينَ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ} والمعنى: قال الله D، يا نوح! اهبط من الفلك إلى الأرض سلامة، وبركات عليك، وعلى أمم ممن معك: أي: من ذرية من معك: أي: من ذرية من معك من ولدك، وولد من معك من المؤمنين الذين سبقت لهم السعادة قبل خلقهم. ثم قال تعالى مخبراً عن الكافرين من ذرية من معه: {وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}: فلذلك رفعت الأممُ ها هنا، ولا تخفض، لأنها ليست ممن بارك الله عليها، ودعا لها بالسلامة، و'نما هو بمنزلة: رأيت زيداً، وعَمْرو جالس. ومعنى: {سَنُمَتِّعُهُمْ}: أي: " سنرزقهم في الحياة الدنيا ما يمتعون به إلى أن
يبلغوا آجالهم ". {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}: أي: في القيامة. قال محمد بن كعب القرظي: دخل في هذا السلام والبركة، كل مؤمن؛ ومؤمنة إلى يوم القيامة. ودخل في هذا العذاب كل كافر، وكافرة إلى يوم القيامة. ممن معك: وقف، وأجاز الفراء " وأمماً " ممن معك بالنصب على معنى ونمتع أمماً. ثم قال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب} أي: تلك القصة، بمعنى: هذه القصة من الأخبار الغائبة عنك يا محمد، وعن قومك، لم تكونوا تعلمونها من قبل إخبارنا لكم، فإخبارك إياهم بهذا يدل على صدقك، ونبوتك لو عقلوا. (فاصبر): على
قولهم، وعلى القيام بأمر الله D، في التبليغ، وعلى ما تلقى منهم. {إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ} وهذا إشارة إلى القرآن. () ثم قال تعالى: {وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً}: أي: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً. هو معطوف على قوله / {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً (إلى قَوْمِهِ)} [هود: 25] وسمي هود أخاهم، لأنه منهم، ومبين بلسانهم، وقيل: سمي بذلك لأنه منه ولد آدم، بشر مثلهم. وعاد: قبيلة، وهو ابن أبيهم الأكبر، فلذلك قال أخوهم، وهو هود بن عبد الله بن عاد بن عادية بن عاد بن أرام بن الخالد بت عابر. قال لهم (هود): {اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ} إلا هو، ولا يستحق العبادة إلا هو.
{إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ}: أي: ما أنتم في اتخاذكم إلهاً غيره إلا كاذبون. ثم قال لهم: {ياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً}: أي: ليس أسألكم على ما دعوتكم إليه، كم من إخلاص العبودية لله D، أجراً، ما أجري في ذلك إلا على الله سبحانه، {الذي فطرني}: أي: خلقني. ثم قال: {وياقوم استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ}: أي: سلوه المغفرة من عبادتكم غيره، {ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ} من عبادة غيره. فإن فعلتم ذلك أرسل عليكم السماء مدراراً: أي: قطر السماء متتابعاً. ومفعال للتكثير، وفيه معنى الكسب. ولذلك حذفت الهاء. وأكثر ما يأتي " مفعال " من " أفعلتُ "، وقد أتى هنا من " فعلت "، يقال: درّت تدرُّ وتدر، فهي مدرار. ثم قال: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ}: أي: " شدة إلى شدتكم " قاله مجاهد
53
(إن أطعتم). وقيل: إن النسل كان قد انقطع منهم سنتين، فقال لهم هود: إن آمنتم بالله، أحيا الله بلادكم، ورزقكم الولدان، فذلك القوة. وقال أبو إسحاق: المعنى قوة في النعمة. وكانت مساكن عاد الرمال، ما بين الشام واليمن، وكانوا أهل زرع، وبساتين وعمارة، فلما أقاموا على كفرهم، وعبادة أصنامهم، ولم يُطيعوا هوداً أرسل الله D، عليهم الريح، فكانت تدخل في أنوفهم، وتخرج من أدبارهم، وتقطعهم عضواً عضواً. ثم قال لهم هود: {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ}: أي: لا تدبروا عني، وعن ما دعوتكم إليه كافرين. وله: {قَالُواْ ياهود مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بتاركي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ - إلى قوله - صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} والمعنى: ما جئتنا ببرهان على قولك، فنترك آلهتنا لقولك، وما نؤمن لك، فنصدقك بما جئتنا به. ما نقول {إِلاَّ اعتراك بَعْضُ آلِهَتِنَا بسواء}: أي: أخذك خبل من عند بعض آلهتنا لطعنك عليها، وسبك لها: أي: جنون.
قال لهم هود: {إني أُشْهِدُ الله واشهدوا} أنتم {أَنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ}: أي: من آلهتكم التي تعبدون من دون الله سبحانه. {فَكِيدُونِي جَمِيعاً}: أي: احتالوا في كيدي، أنتم وآلهتكم التي تعبدون ثم لا تؤخروا ذلك عني. {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبِّي وَرَبِّكُمْ}: أي: فوضت أمري إلى مالكي، ومَالِكِكُم. {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ}: أي: ليس من شيء يدب على الأرض إلا والله D، مالكه. وخص ذكر الناصية دون سائر الأعضاء، لأن العرب تستعمل ذلك فيمن وصفته بالذلة والخضوع: تقول: ما ناصية فلان إلا بيدي: أي: هو مطيع لي أصرفه كيف أشاء. وقيل: إنما خص ذكر الناصية، لأنهم كانوا إذا أسروا أسيراً، وأرادوا المَنَّ عليه، جَزُّوا ناصيته، ليعتدُّوا بذلك / فخراً، فخوطبوا بعادتهم.
57
وكل ما فيه الروح يقال له: داب ودابة، فتدخل الهاء للمبالغة. ثم قال: {إِنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: على الحق. والصراط في اللغة: المنهاج الواضح. قوله: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} - إلى قوله - {هُودٍ}. والمعنى: إنّ هوداً قال لقومه: فإن أجبرتم على ما جعوتكم إليه، وأعرضت فقد أبلغتكم ما أمرت به، وقامت عليكم الحجة في تبليغي إياكم رسالة ربكم، فهو يهلككم، ثم يستخلف قوماً غيركم، توحدون، وتخلصون له العبادة. {وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً}: أي: لا تقدرون على ضر إذا أراد هلاككم. وقيل: المعنى: ولا يضره هلاكم شيئاً. {إِنَّ رَبِّي على كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}: أي: ذ1وحفظ بخلقه. ثم قال تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} أي: العذاب للكفار. {نَجَّيْنَا هُوداً والذين آمَنُواْ
مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا}: أي: بفضل منا مما أصاب الكفار. {وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ}: أي: يوم القيامة من عذاب جهنم، كما نجيناهم في الدنيا من عذاب الكفار. ثم قال تعالى: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ واتبعوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أي: معاند لله D، معارض بالخلاف. {وَأُتْبِعُواْ فِي هذه الدنيا لَعْنَةً}: أي: غضباً من الله، وسخطاً، ويوم القيامة مثل ذلك. {ألا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ}: أي: أبعدهم الله، وإنما قال: {وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ} بجمع، ولم يأتهم إلا رسول واحد، لأن من كفر ببني واحد، وعصاه فقد كفر بجميع الأنبياء، وعصاهمز وله في القرآن نظائر، قد مضت، ومنها ما يأتي بعد. (يوم القيامة): وقف، (قوم هود): وقف.
61
(" إكمال السفر الثالث من كتاب الهداية بحمد الله وعونه. وصلى الله على محمد نبيه وسلم تسليماً. يتلوه في السفر الرابع قوله) ". قوله تعالى: {وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ ياقوم اعبدوا الله} إلى قوله {مُرِيبٍ}: ثمود: قبيلة، وصالح ابن أبيهم الأكبر. فلذلك قال أخوهم، وهو صالح بن عبيد بن جابر بن عبيد بن ثمود بن الخالد بن عابر. والمعنى: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً، فقال لهم: اعبدوا الله ليس لكم إلهٌ إلا هو، هو أنشأكم): أي: خلقكم من الأرض، يعني: أصلهم الذي هو آدم. خلق من طين من الأرض، {واستعمركم} أنتم (فيها): أي: أسكنكم فيها. {فاستغفروه}: مما عبدتم من دونه. {ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ}: من عبادة الأوثان. {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} يسمع دعاءكم، وتوبتكم، واستغفاركم. {مُّجِيبٌ} لمن دعاه، وأخلص في التوبة. {قَالُواْ ياصالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذا}، أي: كنا نرجو أن تكون فينا سيداً،
63
قبل قولك هذا الذي قلته لنا، إنه ليس لنا إلهٌ إلا الله. {أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} من الآلهة. {وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ} من عبادة إله واحد {مُرِيبٍ}: أي: متهم، من أربته، فأنا أربيه، إذاً فعلت فعلاً يوجب له التهمة. قوله: {قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} - إلى قوله - {غَيْرُ مَكْذُوبٍ}. المعنى: إن صالحاً قال لهم: إذ قالوا له: {وَإِنَّنَا / تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ لَفِي شَكٍّ مِّمَّا} {ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي}: أي: على برهان، وحجة، قد علمت ذلك وأيقنته. {وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً}: يعني النبوؤة والحكمة والإيمان. {فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ الله إِنْ عَصَيْتُهُ}: أي: من ينقذني من عذابه إن عصيته. {فَمَا تَزِيدُونَنِي} بعذركم أنكم تعبدون ما كان يعبد آباؤنا {غَيْرَ تَخْسِيرٍ}: أي
تخسرون حظوظكم من رحمة ربكم. ثم قال: {وياقوم هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ آيَةً}: " آية: حال، والمعنى: انتبهوا إليها في هذه الحال. {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ في أَرْضِ الله}: أي: دعوها، ويذر ويدع لم يستعمل منها ماض. وأصل " يدع ": يَوْدِعْ، فحذفت الواو على الأصل، ثم فتحت العين من أجل حروف الحلق. وشابهت " يذر " " يدع " من أجل أنها لم ينطق منها بماض، ففتحت العين منها، مثل " ودع "، وبابهما جميعاً فَعَل يَفْعِل، ففتحت " يدع " لحرف الحلق، وفتحت " يذر " للمضارعة التي بينها وبين " يدع ". وإنما تفتح العين إذا كانت حرف حلق، أو كانت اللام حرف حلق، لأن الفتجة أًلها من الألف. فلما وقع بعدها حرف حلق جعلوا حركة ما قبله مما هو من مخرج الحروف، ليكون الحرف،
والحركة من جنس واحد. وكذلك، إن كانت العين حرف حلق تفتح، لتكون حركته من الحرف الذي هو مثله، فتكون الحركة والحرف من جنس واحد أيضاً. وإنما صارت الناقة آية، لأنهم طلبوا الله أن يخرج لهم من جبل لهم ناقة ويؤمنوا، فأخرجها لهم من ذلك الجبل بقدرة الله D، فلم يؤمنوا، فقال لهم: دعوها {تَأْكُلْ في أَرْضِ الله} ليس على أحد منكم رزقها. {وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء}: أي: لا تعقروها، فيأخذكم عذاب قريب: أي: قريب من عقرها. وقيل: المعنى: {قَرِيبٌ}: غير بعيد فيهلككم. {فَعَقَرُوهَا}، والمعنى: فكذبوه، فخالفوه، فعقروها. فقال لهم صالح: استمتعوا في دار الدنيا ثلاثة أيام، ثم يأتيكم العذاب فهو {وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ}. ويروى أن الناقة كانت أحسن ناقة في الأرض، حمراء عشراء، فوضعت فصيلاً، فكانت تغدو، فتشرب جميع الماء، ثم تغدوا عليهم، بمثله لبناً، فإذا انصرفت عنهم عَدَوْا إلى الماء، فاستقوا حاجتهم ليومين، فعقروها، فأخذهم العذاب.
66
قال قتادة: لما أخبرهم صالح أن العذاب يأتيهم لبسوا الأنطاع، والأكسية. وقيل لهم: آية ذلك أن تصفر ألوانكم أول يوم، ثم تحمر في اليوم الثاني، ثم تسود في اليوم الثالث. وقال قتادة: لما عقروا الناقة ندموا، وقالوا: عليكم بالفصيل، فصعد الفصيل إلى الجبل. فلما كان اليوم الثالث استقبل القبلة، وقال: يا رب! أمِّي، فأرسلت الصيحة عليهم عند ذلك. وكانمت منازلهم بالحجر بين المدينة والشام. قوله: {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً والذين آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} - إلى قوله - {لِّثَمُودَ}: والمعنى: ولما جاء عذابنا نجينا صالحاً منه. {والذين آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا}: أي: بنعمة، {وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ}: أي: نجيناهم من هوان ذلك اليوم، وذلته. ومن خفض {يَوْمِئِذٍ}، أضاف إليه حرفاً واحداً بالإعراب، ومن
نصب بناه مع " إذ " لإضافته إلى غير متمكن وهو إذ. قال المبرد: من خفض قال: سير عليه يومئذ فرفع، ومن فتح فتح مع سير، وغيره لأنه مبني. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القوي} أي: في بطشه إذا بطش ". {العزيز}: أي: الذي لا يغلبه شيء. وروى عمرو بن خارجة، عن النبي A، أنه قال: " كانت ثمود يوم صالح، أطال الله أعمارهم حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر، فينهدم لطول حياته، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتاً، فنحتوها، وجوَّفُوها وكانوا في سعة من عيشهم فقالوا: يا صالح! ادعُ لنا ربك يخرج لنا آية تعلم أنك رسول الله. فدعا صالح
ربه، فأخرج لهم الناقة، فكان شِرْبُها يوماً، وشربهم يوماً معلوماً. فإذا كان يومُ شِرْبِها، خلوا عنها، وعن الماء وحلبوها لبناً ملءَ كل إناءٍ، ووعاء، وسقاء، فأوحى الله، جلّ ذكره، إلى صالح: أن قومك سيعقرون الناقة، فقال لهم صالح ذلك، فقالوا: ما كنا لنفعل ذلك، فقال لهم: إلا تعقروها أنتم يوشك أن يولد فيكم مولود يعقرها. قالوا: ما علامة ذلك المولود؟ قال: فإنه غلام أشقر، أزرق، أصهب، أحمر. وكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان، (وكان) لأحدهما ان يرغب له عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفؤاً. فجمع بينهما مجلس، فزوّج أحدهما ابنته لابن الآخر، فولد بينهما ذلك المولود. وكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان، (وكان) لأحدهما ابن يرغب له عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفؤاً. فجمع بينهما مجلس، فزوّج أحدهما ابنته لابن الآخر، فولد بينهما ذلك المولود. وكان في المدينة ثمانية رهطٍ، يفسدون في الأرض، ولا يصلحون، فقال صالح لقومه: اختاروا ثماني نسوة، قوابل من القرية، واجعلوا معهن شُرَطاً، فكانوا يطوفون بالقربة، فإذا وجدوا امرأة تَلِدُ نظروا صفة ولدها إن كان ذكراً. فلما رأ] ْنَ ذلك المولود صرخن، وقلن: هذا الذي يريد رسول الله
صالح. فأراده الشرط، فحال جداه بينهم وبينه، وقالا: لو أن صالحاً أراد هذا قتلناه. فكان شو مولود، فشب في سرعة، واجتمع الثمانية الذين يفسدون في الأرض، وفيهم الشيخان، فاستعملوا على أنفسهم (الغلام) لمنزلته، وشرفه. وكانوا تسعة، وكان صالح لا ينام معهم في القرية. كان ينام في مسجد له خارج القرية. فإذا أًبح أتاهم، فوعظهم، وذكرهم ". وروى ابن جريج أن صالحاً أمر بقتل الولدان، فقتل أبناء ثمانية رهط. وكان لهم صاحبٌ ترك ابنه فكبر. فقال الثمانية: لو أنا لم نقتل أبناءنا لكانوا مثل هذا الغلام. فائتمروا التسعة بينهم بقتل صالح. وقالوا: نخرج مسافرين، والناس يروننا علانية، ثم نرجه في وقت كذا من ليلة كذا، فنقتله في مُصَلاَّه، والناس يحسبون أننا مسافرون، فأقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصدونه. فأرسل الله، جلّ ذكره، عليهم، الصخرة فَرَضَخَتْهم /، فأخبر الله أهل القرية بموتهم، فقالوا: تَنَادَوْنَ: أي: عباد
الله! ما رضي صالح بِأن جعلهم قتلوا أولادهم حتى قتلهم. فأجمع أهل القرية على عقر الناقة أجمعون إلا رجلاً منهم. وقال عرم وابن خارجة: أراد المولود مع الثمانية قتل صالح، فمشوا حتى أتَوا سِرياً على طريق صالح، فاختفى فيه ثمانية، وبقي هو، وقالوا: إذا خرج علينا قتلناه، وأتينا أهله، فبيتناهم، فأمر الله D، الأرض، فاستوت عليهم، فاجتمعوا ومشَوْا إلى الناقة، وهي على حوضها قائمة. فقال الشقي لأحدهم " إيتِهَا فاعقرها، فأتاها فتعاظمه ذلك، فرجع ثم بعث آخر، فَعَظُم عليه عقرها، فرجع ثم آخر، فرجع، حتى رجع الجميع، ولم يعقروا. فمشى هو إليها، وتطاول، فضرب عُرْقُوبَيْها، فوقعت تركض. وأتى رجل منهم صالحاً، فقال: أدرك الناقة، فقد عقرت. فأقبل، وخرج وهم يتلقونه، ويعتذرون إليه. يا نبي الله! إنما عقرها فلان، إنه لا ذنب لنا. قال: انظروا هل تدركون فصيلها، فإن أدركتموه فعسى الله أن يدفع عنكم العذاب. فخرجوا
يطلبونه، فلما رأى الفصيل أمه أن تضطرب أتى جبلاً يقال له: القارة قصيراً. فصعد عليه، وذهبوا ليأخذوه. فأوحى الله D، إلى الجبل، فطال في السماء حتى ما تناله الطير، قال: ودخل صالح القرية، فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه، ثم استقبل صالحاً، فَرَغَا رغوةً، ثم رغا أخرى. فقال صالحُ لقومه: لكل رغوة أجل يوم: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، وآية العذاب أن اليوم الأول تصبح وجُوهُهُم كأنها طليت بالخلوق، كلهم كذل. فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا إنه قد مضى يوم من الأجل وحضركم العذاب. فلما أصبحوا اليوم الثاني، إذا وجوههم محمرة، كأنها خضبت بالدماء، فصاحوا وضجوا، وبكوا، وعرفوا أنه العذاب. فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا إنه قد مضى يومان من الأجل، وحضركم
العذاب. فلما أصبحوا اليوم الثالث إذا وجوههم مسودة، كأنها طليت بالقار. فصاحوا: ألا قد حضركم العذاب من فوق (رؤوسهم)، أو من أسفل. فلما أصبحوا في اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء له صوت في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم، فأصبحوا جاثمين. أي: خامدين في ديارهم. والدار محلة القوم، والموضع الذي / فيه نزلهم في معسكرهم ومجتمعهم، والديار: الدور التي سكنها كل واحد منهم. " ولما مر النبي A، ( في) غزوة تبوك بوادي ثمود، أمر أصحابه أن
69
يسرعوا لئلا ينزلوا به، ولا يشربوا من مائه. وأخبرهم أنه واد ملعون " {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ}: أي: لم يعيشوا. قال الأصمعي: المغاني: المنازل، ويقال: غَنَيْتُ بالمكان: إذا أقمت به. فالمعنى كأن لم يَغْنَوْا بها في سرور، وغبطة. {أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ}: ألا أبعدهم الله لنزول العذاب بهم. قوله: {وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى} - إلى قوله - {عَجِيبٌ}. من نصب " سلاماً " نصبه على المصدر، أو على أعمال القول، والرفع على إضمار خبر محذوف. والمعنى: قالوا: سلام عليكم. ومن قرأ " سِلْمٌ " فعلى معنى الأمر.
سلم أو نحو سلم: أي: نحن آمنون منكم، إذا سلمتم علينا، لأن الملائكة لما سلمت عليه أَمِنَ منهم، وعلم أنهم مؤمنون. فقال لهم: سلام: أي: نحن سلم منكم إذن. وقيل: المعنى: نحن سلم، أي: غير باغين شراً، وأنتم قوم منكرون: أي: لا نعرفكم. وقيل: سلم بمعنى سلام. كما يُقال حرمٌ، وحَرَامٌ بمعنى واحد. ويجوز رفع الأول، ونصب الثاني، ونصب أيهما شئت على هذا التقدير، ومعنى {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} [الحجر: 62، الذاريات: 25]: أي: غير معروفين في بلدنا. وقيل: المعنى: إنكم قومٌ منكرون، إذا سلمتم، لأن التسليم في بلدنا منكر، ولم نعهده إلا لمن هو على ديننا. والرسل الذين أتَوْهم: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، عليهما السلام. روي أن رجلاً جلَّ ذكره، أرسل إسرافيل يبشر سارة زوج إبراهيم بإسحاق، ويعقوب ولد إسحاق، وأرسل الله جبريل ليقلب مدائن قوم لوط، وأرسل
ميكائيل ليأخذ بيد لوط، ويسري بهم. والبشرى هي البشارة بإسحاق. وقيل: هي البشارة بهلاك قوم لوط. {قَالُواْ سَلاَماً} قال مجاهد: المعنى سَدَاداً. {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ}: " أن ": في موضع نصب عند سيبويه، يقال: لا يلبث عن أن يأتيك. وأجاز الفراء أن تكون في موضع رفع. فلبث، أي: فما أبطأ عنه مجيئه. والمعنى: فما أبطأ عنهم حتى جاء {بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}: أي: مشوي، وهو فعيل، بمعنى مفعول. وقال ابن عباس: (حنيذ): نضيج. وقيل: كان قد أشوي على حجارة محمية. فما: نافية في قوله (فما لبث)، وفي " لبث " ضمير إبراهيم عليه السلام.
وقيل: لا ضمير في " لبث "، والفاعل: أن جاء، أيك فما أبطأ مجيئه عن أن جاء. وقيل: " ما " بمعنى " الذي " في موضع رفع على الابتداء، والخبر: " أن جاء "، والتقدير: فإبطاؤه مجيئه بعجل بين قدر الإبطاء. قوله: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ} أي: فلما رأى إبراهيم أيدي الرسل، صلوات الله عليهم، لا تصل إلى العجل، فتأكل منه، (نكرهم)، وعلم أنهم لم يتركوا الأكل إلا لقصة. فأوجس منهم خوفاً في نفسه. يقال: نكره ينكره، وأنكره بمعنى. فالهاء في " إليه " تعود على العجل، وقيل: على إبراهيم، بمعنى: لا تصل / إلى طعامه، ثم حذف المضاف. قال قتادة: إنما أنكر إبراهيم أمرهم، لأنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف، فلم يطعم من طعامهم ظنوا أنه لم يجيء بخير، فخاف إبراهيم منهم، فقالوا له: {لاَ تَخَفْ} منا {إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ} بالعذاب.
{وامرأته قَآئِمَةٌ}: أي: " من وراء الستر ". وفي قراءة ابن مسعود: " وامرأته قائمة، وهو قاعد. وقيل: إنها كانت قائمة، تخدُم الرسل، وإبراهيم جالس مع الرسل. وقوله: {فَضَحِكَتْ} قيل: إنها ضحكت من أمرها أنها تخدم، وضيافها لا يمسون الطعام. قال السدي: قال إبراهيم للرسل، صلوات الله عليهم: ألا تأكلون؟ قالوا: يا إبراهيم! إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمن. قال لهم: فإن لهذا ثمناً! قالوا: وما هو؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره. فنظر جبريل إلى ميكائيل، عليهما السلام، فقال: حُقَّ لهذا أن يتخذه ربه خليلاً. فلما لم يأكلوا، قالت سارة، امرأة إبراهيم: عجباً لأضيافنا هؤلاء، إنا لنخدمهم بأنفسنا، تكرمة لهم، وهم لا
يأكلون! وضحكت تعجُّباً. وقيل: ضحكت من أن قوم لوط في غفلة، وقد جاءت رُسُلَ الله D، بهلاكهم. فكان ضحكها تعجباً لغفلة قوم لوط، عما أتاهم من العذاب، وهو قول قتادة. وقيل: إنها ضحكت لما رأته من زوجها إبراهيم عليه السلام، من الروع تعجباً، وهو قول الكلبي. وقال وهب بن منبه: ضحكت لما بشرت بإٍحاق، وهي كبيرة،
فضحكت تعجباً من أن يكون لها ولد على كبر سنها. ويكون في الكلام تقديم وتأخير، وهو بعيد مع الفاء، ولا يحسنُ الوقف على هذا المعنى، على " ضحكت ". وقال مجاهد: معنى: ضحكت: ساغت، وكذا ابنة تسعين سنة. وقيل: بل زادت على التسعين، وكان إبراهيم، عليه السلام، ابن مائة سنة. وذكر بعض البصريين أن بعض أهل الحجاز حكى عن العرب: " ضحكت المرأة " بمعنى: حاضت. وقال الضحاك: الضحك: الحيض، ويقال: ضحكت النخلة: إذا أخرجت الطلع، والبشر. وقيل: إنها إنما ضحكت، لأن الملائكة أحْيَوا العجل بإذن الله D، فضحكت تعجباً. {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ}. وقيل: إنها إنما ضحكت، لأنها قالت لإبراهيم قبل مجيء الرسل: أحسب أن قوم لوط سينزل الله بهم عذاباً. فضم لوطاً
إليهم، فلما أتت الرسل بما قالت سُرَّت به، فضحكت. وقيل: إنها إنما ضحكت من إبراهيم، لأنه كان A يقوم بمائة رجل، فتعجبت من خوفه من نفر. وقيل: ضحكت سروراً، حيث قالوا: لا تخف، لقد كانت خافت منهم. وقوله: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}: أي: من رفع " يعقوب " فعلى الابتداء، {وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ}: الخبر، والجملة في موضع الحال. أي: بشرناها بإسحاق، مقابلاً له يعقوب. وهو داخل في البشارة، فلا يوقف على إسحاق على هذه المعنى. ويجوز أن يرتفع بفعل دل عليه الكلام، / والمعنى: ومن وراء
إسحاق يحدث يعقوب، فلا يكون داخلاً في البشارة، فيجوز الوقف على إسحاق. وقيل: المعنى: وقبت لهما من وراء إسحاق يعقوب. ومن قرأ بالفتح، فهو في موضع خفض عند الكسائي، والأخفش، وأبي حاتم، على العطف علاى " إسحاق ": يجيزون التفريق بين المجرور، وبين ما يشركه، فيفرقون بين حرف العطف والمعطوف. ومذهب سيبويه والفراء أن يعقوب في موضع نصب، على معنى: ومن وراء إسحاق وهبنا له يعقوب. ولا يجيزون التفريق بين المجرور، وحرف العطف. فتقف على إسحاق على هذا التقدير، ولا تقف عليه إذا قدرت العطف.
وقيل: معنى: {وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ}: أي: ومن ولد إسحاق، لأن ولد الولد: الوراء، وهو قول ابن عباس، والشعبي، وجماعة معهما. وفي هذا دليل على أن: الذبيح إسماعيل، لأنها بشرت بإسحاق، وأنها تعيش حتى يولد له، فغير جائز أن يعلم إبراهيم أنه يعيش حتى يولد له، ثم يؤمر بذبحه، قبل أن يولد له. فلا يجوز أن يؤمر بذبح من أخبر أنه يعيش إلى وقت بعد، وقت الذبح بسنين. قال السدي: لما بُشرت بذلك، سكّت وجهها وقالت: {ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ} ثم قالت لجبريل: ما آية ذلك؟ فأخذ جبريل، عيله السلام، عوداً يابساً، فلواه بين أصبعيْه فاهتزَّ خضراً. فقال إبراهيم: هو لله إذاً " ذبيحاً ". قيل: إنها كانت ابنة تسعة وتسعين سنة، و'براهيم ابن مائة وعشرين سنة. وقيل: كان أكبر منها بسنة. و {ياويلتى} " كلمة تقولها العرب عند التعجب من الشيء ".
وحكى ابن يونس عن العرب: " عجوزة " بالهاء، وأنكر ذلك أبو حاتم. ويقال: للمرأة شيخ وشيخة. والمؤنث في كلام العرب على أربعة أوجه: - الأول: أن يكون فيه علامة التأنيث، تفصل بينه وبين المذكرن نحو: خديجة، وفاطمة، وعائشة وليلى، وسعدى، وحمرى. - والثاني: أن تكون الثانية في صيغة الاسم، وبلا علامة ظاهرة، نحو: زينب، ونوار، وهند، وعير وفخرٌ، وشبهه. - والثالث: أن يكون الاسم المؤنث يخالف لفظه لفظ ذكره، فيستغنى عن علامة التأنيث، لمخالفة اللفظ، وذلك نحو: جَدْيٌ، وعناق، وحمار، وربما مالوا إلى المؤنث فأدخلوا الهاء، وإن كان لفظه يخالف لفظ المذكر: قالوا: عجوزة،
73
والأكثر عجوزه، وقالوا: غلام، وجارية، فأدخلوا الهاء. ولفظ " جارية " مخالف لِلَفْظِ غلام. وقالوا: جمل وناقة، وكان الأصل ألا تدخل الهاء في هذا، وربما أدخلوا التأنيث في المذكر. قالوا: شيخ وشيخة، وغلام وغلامة، ورجل ورجلةٌ. - والقسم الرابع: أن يكون الاسم واقعاً على المؤنث والمذكر، فيكون " بالهاء " كقولك: شاة وبقرة، وجرادة، وهذه الهاء فصل بين الواحد والجمع. وقولها: {إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} وإن في كون الولد من مثلي شيئاً عجيباً. قوله: {قالوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله رَحْمَتُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت} - إلى قوله - {مَرْدُودٍ}. والمعنى: قالت الرسل: أتعجبين من أمر / قضاء الله D فيك، وفي بعلك، {رَحْمَتُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ}. ثم قال: {إِنَّهُ حَمِيدٌ}: أي: محمود على نعمه عليكم، وعلى غيركم. {مَّجِيدٌ}: أي: ذو مجد، وثناء، وقيل: معنى: {مَّجِيدٌ}: كريم، والمجد: الكرم،
والجود، {مِنْ أَمْرِ الله}: وقف. {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الروع}: أي: لما سكن خوفه من الرسل، وعلم منهم من هم. قال الأخفش، والكسائي: قوله " يجادلنا " لأن جواب " لمَّا " يكون بالماضي، وقيل " يجادلنا ": في موضع الحال. ومعنى يجادلنا: أي: يطلب. وقيل: في قوم لوط. وقيل: المعنى: يخاصم رسلنا في قوم لوط. قال ابن جريج: قال إبراهيم للرسل: أتهلكونهم إن وجدتم فيهم مائة رجل مؤمن؟ قالوا: لا. ثم قال: فتسعين؟ حتى هبط إلى خمسة، وكان في قرية لوط أربعة آلاف ألف، يجادل الرسل عن قوم لوط، ليرد عنهم العذاب. وقيل: إنه لم يزل يقول: آرأيتم إن وجدتم فيهم كذا، وكذا مؤمناً أتهلكونهم؟ فيقولون: لا حتى بلغ إلى أن قال: أرأيتم إن وجدتم فيها واحداً مسلماً؟ قالوا: لا. فلم يخبر إبراهيم أن فهيم رجلاً واحداً، يدفع عنهم به البلاء. قال لهم: إن فيها
لوطاً يدفع عنهم به العذاب. {قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته} [العنكبوت: 32]. وقد بين الله، جل ذكره، ذلك في سورة " والذاريات " فقال: {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المسلمين} [الذاريات: 36] يعني: بيت لوط إلا امرأته. وقيل معنى: {يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}: أي: في المؤمنين منهم خاصة، ثم قالوا: {ياإبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هاذآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ}. قال ابن عباس: قال الملك لإبراهيم: إن كان فيهم خمسة يصلون رفع عنهم العذاب. وقوله: {أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ}: الأوّاهُ: المُبْتَهِلُ إلى الله، D، المتخشع في ابتهاله، الذي يكثر التأَوُّهُ خوفاً، وإشفاقاً من الذنوب، والمنيب: الرجاع إلى طاعة الله D.
77
وقيل: إنما وصفه بالحلم، لأنه A لم ينتصر لنفسه قط، إنما كان ينتصر لله D، ولم يعاقب أحداً بذنب صنعه إلا لله، ولم يغضب قطُّ إلا لله. والأوّاه: الدّعَاء، البكَّاء، والمنيب: التارك للذنوب، الراجع إلى ما يحبه الله D، ويرضى به، وقيل: الأوَّاه: الدَّعاء، وقيل: هو المتأوه، المرتجع من الذنوب. وقوله: {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سياء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} - إلى قوله - {شَدِيدٍ}. والمعنى: ولما جاءت الرسل لوطاً ساءه ذلك، ولم يعرفهم، وخاف من قومه. {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً}: أي: ضاقت نفسه بهم لما يعلم من فسق قومه. فالضمير في " بهم " في الموضعين للرسل. قال قتادة: قالت الرسل: لا تهلكهم حتى يشهد عليهم لوط، قال: فأتوه، وهو في أرض (له)، يعمل فيها، فقالوا له: إنا متضيفوك الليلة. فانطلق به، فلما مشى، قال: أما بلغكم أمرهم؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشر قرية
بالأرض عملاً، يقول ذلك أربع مرات. وروي أنهم لقوه، وهو يحطب، فسلموا / عليه، فرد عليهم السلام، ثم حمل حزمته، ودعاهم إلى ضيافته. فلما دخل بهم المدينة، مر بقوم فقالوا: هذا مع لوط حاجتنا، قوموا بنا إليهم. فقال لوط: أشهد أنكم قوم سوء، ثم مر بآخرين، فقالوا بمثل ذلك، فشهد لوط عليهم بمثل ذلك، ثم مر بآخرين. فقالوا بمثل ذلك، فشهد عليهم لوط مثل ذلك. فقال جبريل لإسرافيل، وميكائيل، عليهم السلام: هذه ثلاث مرات شهد بها نبيهم عليهم. وقال السدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم، عليهم السلام، نحو قرية لوط، فأتوها نصف النهار، فلما بلغوا نهر سَدُوم، لقد بنت لوط تستقي من الماء لأهلها، فقالوا لها: يا جارية هل من منزل؟ قالت: نعم، مكانكم حتى آتيكم. فرقت عليهم من قومها، فأتت أباها، فقالت: يا أبتاه: إن أدرك فتْيَاناً على باب المدينة، ما
رأيت وجوه قوم هي أحسن منهم، لئلا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلاً، وقالوا: خل عنا نضيف الرجال، فجاء بهم لوط، ولم يعلم أحد إلا أهل بيت لوط، فخجرت امرأته، فأخبرت قومها، وقالت: إن في بيت لوط رجالاً ما رأيت قط مثلهم. {وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ}: أي: يسرعون، وقيل: يسعون، وقيل: يهرولون، فقال لهم لوط: {هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ}: أي: شديد شره، عظيم بَلاَؤُهُ. {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات}: أي: من قبل مجيئهم إلى لوط، كانوا يأتون الرجال في أدبارهم، فراودُوه في أضيافه، فقال: {هؤلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ}،
أي: هؤلاء النساء هن أحل لكم، يريد نساءهم، والنبي أبٌ لأمته. وقد قرئ: " وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم " قرأه ابن مسعود. قال عكرمة: إنما قال لهم هذا لينصرفوا، ولم يعرض بأحد. وقيل: عرض التزويج عليهم من بناته إن أسْلموا. وقيل: كان في ملتهم جائز أن يتزوج الكافر المسلمة. وقوله: {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ}: أي: يعرف الحق، فيأمر به. قالوا له: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ}: أي: هل لنا أزواجاً. {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ}: أي: أضيافك إياهم نريد، قال لهم لوط، عليه السلام، {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} أي:
81
أنصاراً ينصرونني عليكم. {أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ}: أي: أنضم إلى عشيرة مانعة، تحول بينكم، وبين أضيافي. والجواب محذوف، والمعنى محذوف، والمعنى: لقاتلتكم، ولحلت بينكم وبينهم. وقال ابن جريج: " بلغنا أنه لم يبعث نبي من بعد لوط، إلا في ثروة من قومه. وروى أبو هريرة أن النبي A، قال: " رحمة الله على لوط، إنه كان ليأوي إلى ركن شديد " وقيل: إن لوطاًَ لما قال ذلك وجدت عليه الملائكة، وقالوا: إن ركنك لشديد. قوله: {قَالُواْ يالوط إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يصلوا إِلَيْكَ} - إلى قوله - {بِبَعِيدٍ}. والمعنى: قالت له الرسل، لما ضاق، ونزل الركب، فقال لقومه ما قال:
/ {لَن يصلوا إِلَيْكَ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ} - بسوء - {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل}: أي: اخرج بهم في بقية من الليل، وفي طائفة منه، {إِلاَّ امرأتك} نهى أن يخرج بها. ومن قرأ بالرفع، فالمعنى: " ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك " فيكون قد خرج بها، فالتفتت تنظر ما حل بقولمها، فأصابها ما أصابهم. ومن نصب فعلى الاستثناء. وفي قراءة ابن مسعود: " فأسر بأهلك إلا امرأتك ". وهذا يدل على الاستثناء، والمعنى: فأسر بأهلك إلا امرأتك، فيكون المعنى: إنه خرج بهم إلا امرأته، وإنه لم يخرج بها. والنهي في الالتفات، إنما وقع على من خرج معه، إلا امرأته {إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ} من العذاب.
قال ابن إسحاق: قال الرسل للوط: إنما ينزل عليهم العذاب من صبح ليلتك هذه، فامض لما تُؤمَر. فقالوا: {أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ}؟ أي: عند الصبح ينزل بهم العذاب. فلما كانت الساعة التي أهلكوا بها، أدخل جبريل عليه السلام، جناحه، فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة، ونباح الكلاب، فجعل عليها سافلها، وأرسل عليهم حجارة من سجيل. وسمعت امرأة لوط الهَدَّة، فقالت: واقوماه! والتفتت، فأدركتها أحجار، فقتلتها. وكانت مدائنهم خَمْساً، فدمرت إلا زعن وحدها تركها الله D، لآل لوط، وهي بالشام.
وقال السدي: لما قال لوط: (لو أن لي بكم قوة، أو آوي إلى ركن شديد) بسط جبريل حينئذ جناه، ففقأ أعينهم، وخرجوا يدوس بعضهم بعضاً عمياناً، يقولون: النَّجَاءَ! النجاءَ! فإن في بيت لوط أسْحَرَ قوم، فذلك قوله: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ} [القمر: 37] فأخرج الله D، لوطاً وأهله إلى الشام. قال مجاهد: " سجيل " بالفارسية أولها حجر، وآخرها طين. وقال قتادة: " سجيل ": طين. وقال ابن عباس: " سجيل ": سنك وجل. فالسنْك: الحجر، والجل: الطين، وهو فارسي أعرب. وقيل: سجيل، من أسجلته، أي: أرسلته، فكأنها مرسلة. وقيل: هي من أسجلت: إذا
أعطيت، فهي من السجل، وهو الدلو. وقيل: " سجيل " من " سجَّل ": إذا كتب، أي: مما كتب لهم، وهو اختيار الزجاج. وقيل: " سجيل " اسم للسماء الدنيا، أي: أرسل عليهم حجارة من سماء الدنيا. والمعنى: أنها حجارة من كتب الله D، لهم أن يعذبهم بها، ويدل عليه قوله: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} [المطففين: 8 - 9]، والنون بدل من اللام. قال عكرمة: " منضود " (مصفوفة)، وقيل: " منضوط ": متراكب بعضها على بعض. وقيل المعنى نضد بعضها على بعض. وقيل: المعنى: إنها في السماء منضودة، أي: مُعدة لهم، يعلق بعضها على بعض.
{مُّسَوَّمَةً}: قال ابن جريج: لا تشبه حجارة الأرض. وقال الحسن: معلمة ببياض، وحمرة. وقال السدي: المسومة المختمة، ثم قال تعالى: {وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ}: أي: من ظالمي قومك يا محمد، فهذا على التهديد للمشركين. و " هي " تعود على / الحجارة. وقيل: تعود على القرى. وما قرى قوم لوط من ظالمي قومك ببعيد، وكانت قرى قوم لوط بين الشام والمدينة، وأتى ببعيد مذكراً على معنى: بمكان بعيد عند ربك تمام عند أبي حاتم، {مَّنْضُودٍ}: وقف عند نافع، وهو قبيح، لأن " مسومة " نعت للحجارة.
84
{وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} - إلى قوله - {بِحَفِيظٍ}. والمعنى: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيباً، فقال لهم: {ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان}: أي: " لا تنقصوا الناس حقوقهم في مكيالهم وميزانهم ". {إني أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ}: أي: برُخْصٍ في أسْعَارِكُمْ قاله ابن عباس، وقيل: المعنى: أراكم أغنياء، ذوي مال وزينة. " ومدين ": اسم أرض، فلذلك لم ينصرف، لأنه معرفة مؤنثة. وقال مقاتل: هو اسم رجل في الأصل أعجمي معرفة، وقيل: هو اسم رجل سميت به أمته، فلم ينصرف للتأنيث، والتعريف أيضاً. قوله: و {وإني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ}: أي: محيط بكم عذابه، ثم كرر عليهم الوصية، فقال: {وياقوم أَوْفُواْ المكيال والميزان بالقسط}: أي: بالعدل
{وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ} أي: حقوقهم. {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض}، أي: لا تسيروا في الأرض مفسدين. وقال الضحاك: {وَلاَ تَعْثَوْاْ} أي: لا تسعوا بنقص الكيل، والوزن. {بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ}: أي: ما أبقاه الله لكم من الحلال بعد أن توفوا الناس حقوقهم، خير لكم من الذي يبقى لكم يبخسكم الناس حقوقهم. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}: أي: " مصدقين بوعد الله D، ووعيده " وقال مجاهد: {بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ}، أي: طاعة الله خير لكم. وقيل: المعنى: حظكم من ربكم خير لكم قاله قتادة. وعن ابن عباس: رزق الله خير لكم. وقيل: المعنى: مراقبة الله خير لكم.
87
وقيل: المعنى: حظكم من ربكم خير لكم قاله قتادة. {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}: أي: برقيب. أراقبكم عند كيلكم، ووزنكم، إنما علي أن أبلغكم رسالة ربي. قوله: {قَالُواْ ياشعيب أصلاتك} - إلى قوله - {وَدُودٌ}. والمعنى: قالوا: يا شعيب: أصلواتك أي: أدعواتك {تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ في أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} من بخس الناس في الكيل والوزن. قال ابن زيد: نهاهم عن قطع الدنانير، والدراهم، كانوا ينقصون منها، ويجوزونها بالوازنة. وقيل: معناه: مساجدك التي تتعبد فيها تأمرك بِنَهْيِنَا. وقد سمى الله، D، المساجد صلوات، فقال: {وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً} [الحج: 40]. وقيل: هي صلاته لله D، لأنها كانت على خلاف ما كانوا عليه. قوله: {إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد} قالوا على معنى الاستهزاء. وقيل:
المعنى: إنك لأنت الحليم الرشيد عند نفسك. وقيل: المعنى: أنت الحليم، الرشيد، فكيف تأمرنا بترك عيادة ما كان آباؤنا يعبدون، وتنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء، من قطع، أو بخس، أو غير ذلك. وقال: هو تعريض يُراد به الشتم ومعناه: إنك لأنت السفيه الجاهل. ثم قال تعالى حكاية عن جواب شعيب لهم: {قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ (إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ) مِّن رَّبِّي}: أي: على بيان، وبرهان فيما أدعوكم إليه. {وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً} أي: حلالاً، وجواب / الشرط محذوف لعلم السامع. والمعنى: أفتأمرونني بالعصيان. وقيل: المعنى: أفلا أنهاكم عن الضلالة. ثم قال: {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ}: أي: لست أنهاكم عن شيء، وأركبه.
{إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح مَا استطعت}: أي: ما أريد فيما آمركم به إلا الإصلاح، لئلا ينالكم من الله، D، عقوبة. {وَمَا توفيقي إِلاَّ بالله}: أي: ليس توفيقي، وإصابتي الحق فيما أنهاكم عنه إلا بالله. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي: فوضت أمري إليه، {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}: أي: أرجع. {رِزْقاً حَسَناً}: وقف عند أبي حاتم. {مَا استطعت}: وقف عند نافع. ثم قال لهم: {وياقوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شقاقي}: أي: لا يكسبنكم مشاقتي، أي: مخالفتي، وعداوتي، {أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ}: من الغرق، {أَوْ قَوْمَ هُودٍ}: من العذاب، {أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ}: من الرجفة. {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} الذين انقلبت عليهم مدائنهم. وأًل الشقاق في اللغة: العداوة.
91
{واستغفروا رَبَّكُمْ}: أي: من ذنوبكم التي أنتم عليها مقيمون. {ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ}: أي: ارجعوا إليه باتباع طاعته. {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ}: أي: رحيم لمن تاب إليه، {وَدُودٌ}: أي: ذو محبة لمن تاب وأناب. قوله: {قَالُواْ ياشعيب مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ} - إلى قوله - {كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} والمعنى: ما نفقه كثيراً مما تقول. وقوله: {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً} أي: قيل: ضعيفاً، قيل: إنه A، كان أعمى. قال أبو إسحاق: حمير تسمي المكفوف ضعيفاً. ويقال: إن شعيباً كان خطيب الأنبياء A، ( وعليهم أجمعين). ثم قالوا له: {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ}: أي: لولا عشيرتك وأهلك لسبَبْناك. وقيل: معنى " لرجمناك ": لقتلناك رجْماً.
{وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ}: أي: لست ممن يكرم علينا "، {قَالَ} لهم شعيب: {ياقوم أرهطي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ الله}: أي: أعشيرتي أعز عليكم من الله، فترركم إيَّايَ لله D أولى لكم من أن تتركوني لعشيرتي، فلا يكون رهطي أعظم في قلوبكم من الله، سبحانه. {واتخذتموه وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً}: أي: تركتم أمر الله سبحانه، خلف ظهوركم، فلا تراقبوه في شيء مما تراقبون قومي. فالضمير في {واتخذتموه} يعود على اسم الله سبحانه، وقيل: يعود على ما جاءهم به شعيب. {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}: أي: لا يخفى عليه شيء من ذلك، يجازيكم على جميعه. ثم قال لهم: {وياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ}: أي: على منازلكم، وقيل:
المعنى: على مكانتكم من العمل، {إِنِّي عامل}. {سَوْفَ تَعْلَمُونَ}: أينا الجاني على نفسه، وأينا المصيب وأينا المخطئ. {مَن يَأْتِيهِ}: " مَنْ ": في موضع نصب " بتعملون "، مثل: {يَعْلَمُ المفسد مِنَ (المصلح)} [البقرة: 220]. وقيل: هي في موضع رفع على أنها استفهام. " ومَن " الثانية عند الطبري في موضع نصب عطف على الهاء، في " يُجْزِيه " على معنى: ويخزي من هو كاذب منا، ومنكم. {وارتقبوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ}: أي: انتظرونا إني منتظر. {تَعْلَمُونَ}: وقف إن جعلت " مَن " استفهاماً ". وقيل: لا يكون وقفاً، لأن الجملة إذا رفعت في موضع نصب " بتعملون " فالوقف عليه قبيح. ثم قال تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً}: أي: جاء قومه العذاب / نجيناه
96
والمؤمنين به، {وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ}، أي: صيحة من السماء أخرجت أرواحهم {فَأَصْبَحُواْ فِي (دِيَارِهِمْ) جَاثِمِينَ} أي: خامدين في دارهم {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ}: أي: (كأن لم يعيشوا فيها)، وقيل: لم يقيموا. {أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ}، أي: أبعدهم الله، فبعدوا بُعداً. {كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ}، أي: أهلكهم الله، كما هلكت ثمود. وقيل: المعنى: أبعد الله مدين من رحمته، كما أبعد ثمود، يقال: بعِد يبعد: إذا هلك، وبعُد يبعد: إذا تباعد. قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} - إلى قوله - {المرفود}. والمعنى: ولقد أرسلنا موسى بالأدلة، والحجة الظاهرة. {إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي: أطراف قومه. {فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ}: أي: اتبع ملؤه قوله، وكذبوا بما جاء به موسى {وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}: أي: لا يرشد من اتبعه إلى خير، بل يورده جهنم.
{يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة}. (قال قتادة: يمضي فرعون بين أيدي القوم) حتى يهجم بهم على النار. وقال ابن عباس: " أضلهم فأوردهم النار، والورد هنا: الدخول " قوله: {وَبِئْسَ الورد المورود}: أي: يبس ما أوردهم. {أَمْرُ فِرْعَوْنَ}: وقف، وكذلك {فَأَوْرَدَهُمُ النار}. ثم قال تعالى: {وَأُتْبِعُواْ فِي هذه لَعْنَةً}: أي: أتبعوا في الدنيا لعنة مع العذاب الذي عجل بهم، وهو الغرق. {وَيَوْمَ القيامة} يلعنون أيضاً، فتلك لعنتان. {بِئْسَ الرفد المرفود}: أي: بئس اللعنة بعد اللعنة، وأصل الرفد: العطاء، والمعنى: الذي يقوم لهم مقام العطاء اللعنة، وبئس العطاء ذلك. والتقدير في العربية: بئس الرفد رفْدَ المرفود.
100
{وَيَوْمَ القيامة}: وقف. قوله: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ القرى} - إلى قوله - {أَلِيمٌ شَدِيدٌ} المعنى: هذا الذي نقصه عليك، مِن أخبار القرى، منها ما هو عامر، ومنها ما هو خرب، فيه عامر. وقيل: المعنى: منها ما بقي أثره، ومنها ما لم يبق له أثر. قال ابن جريج: {مِنْهَا قَآئِمٌ}: خاوٍ على عروشه، وباق رسمه، {وَحَصِيدٌ}: ملزق بالأرض، لا رسم له، وهو معنى قول قتادة، وغير (هـ). ثم قال تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن ظلموا أَنفُسَهُمْ}: أي: لم نضع العقوبة بهم في
غير موضعها، بل أوجبوا لأنفسهم بكفرهم العقوبة، إذ وضعوا العبادة في غير موضعها. {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ}: التي عبدوها، ودعوها من دون الله شيئاً لما جائهم العذاب، وما زادهم آلهتهم {غَيْرَ تَتْبِيبٍ}: أي: إلا خسراناً، ونقصاً، وهلاكاً، وتدميراً. ثم قال تعالى: {وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ} أي: وكما أخذ ربك يا محمد هذه القرى بظلمهم، كذلك يأخذ القرى الظالم أهلها، فيهلكهم. (هذه الآية تحذير لهذه الأمة أن تسلك في المعصية طريق من كان قبلها من الأمم) فيحل بهم ما حل بأولئك، وأخذ الله D في سطوته. {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}: أي: موجع. ومعنى {أَخَذَ القرى}: أي: أخذ أهلها. وقرأ الجحدري: " إذ أخذ القرى ".
103
قوله: {إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرة} - إلى قوله - {غَيْرَ مَجْذُوذٍ}: والمعنى: إن في أخذه القرى لعظةً، وعبرةً / ممن خاف عذاب الآخرة، وحجة عليه. {ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس}: أي: يُحشَر الناس كلهم من قبورهم للجزاء فيه. {(وذلك يَوْمٌ) مَّشْهُودٌ}: أي: يشهده الخلق كلهم: أهل السماء، وأهل الأرض، وهو يوم القيامة. قال ابن عباس: الشاهد محمد A، والمشهود يومُ القيامة. ثم قال تعالى: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ}: أي: ما نؤخره يوم القيامة عنكم إلا لأجل قد قضيتُهُ، وعددتُهُ وأحصيتُهُ. فلا يتقدم اليوم ولا يتأخر. ثم قال تعالى: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَوْمَ يَأْتِ}: أي: يوم تقوم الساعة ما تكلم نفس إلا بإذن الله، وهو مثل قوله: {هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ} [المرسلات: 35]. وقد قال في موضع
آخر: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} [الصافات: 50]، وقال: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} [النحل: 111]، وقال: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} [الصافات: 24]، وقال: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} [الرحمن: 39]. وهذه الآيات يسأل عنها أهل الإلحاد. فالجواب عن ذلك: أنه تعالى قد أحصى الأعمال، وعِلِمَها قبل أن تكون، فلا حاجة (له) إلى سؤال أحد عن ذنبه، (ليعلم) ما عنده. فأما قوله: (إنهم مسئولون) فإنما هو سؤال توبيخ، وتقرير، لا سؤال استخبار. وقوله: {لاَ يَنطِقُونَ} [النمل: 85، المرسلات: 35] بحجة تجب لهم، وإنما يتكلمون بذنوبهم، ويلوم بعضهم بعضاً بعد أن ينطلق لهم الكلام، بإذنه تعالى في لوم بعضهم بعضاً، لا في حجة يقيمونها لأنفسهم. {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ}: أي: فمن هذه النفوس التي لا تتكلم إلا بإذن الله، سبحانه، شقي وسعيد.
وذكر ابن الأنباري أنه قد قيل: إن الضمير لأمة محمد، A، خاصة: أي: فمن هذه الأمة يا محمد شقي، وسعيد {فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار. . .} {خَالِدِينَ فِيهَا. . .} {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ}: أي: إلا ما شاء الله من ترك خلودهم، وإخراجهم إلى الجنة بإيمانهم على ما روي في الآثار المشهورة. والأشهر أن الضمير في " فمنهم " يعود على الخلق كلهم، على كل نفس. {فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ}: قال ابن عباس: " صوت شديد، (وصوت) ضعيف ". قال أبو العالية: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر، وروي عنه ضد ذلك. قال قتادة: " صوت الكافر في النار صوت الحمار، أَوَّله زفيرٌ، وآخره شهيق. وقال أهل اللغة: الزفير مثل: " ابتداء الحمار في النهيق، والشهيق بمنزلة آخر
صوت الحمار في النهيق ". (ولما نزلت) هذه الآية، قال عمر Bهـ: " سألت رسول الله A، فقلت: يا نبي الله فعلام عملنا؟: على شيء قد فرغ منه؟ أم على شيء لم يُفْرَغْ منه؟ فقال رسول الله A: على شيء قد فرغ مِنه يا عمر، وجرت به الأقلام، ولكن كل مُيَسَّر لما خلق له ". قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض}: أي: وقت دوام ذلك. ومعنى الآية: أبداً، لأن العرب تقول: لا أكلمك ما دامت السماوات والأرض، وما اختلف الليل والنهار /. فخوطبوا على ما يعلمون، ويفهمون بينهم.
وقوله: ({إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ}) اختلف في ذلك اختلافاً شديداً. 1 - فمن العلماء من قال: " إلا " للاستثناء، استثنى به من الزمان، " فما " على بابها: لما لا يعقل. 2 - ومنهم من قال: " إلا " بمعنى: " سوى " " وما " على بابها للزمان، فهي في زيادة الخلود. 3 - ومنهم من قال: " إلا " على بابها، و " ما " بمعنى " من ": جاءت لِمَنْ يعقل، فهي استثناء من الأشخاص والمعذبين الذين يخرجون من النار من المؤمنين. وسنذكر قول من بلغنا (قوله) من العلماء في ذلك. قال قتادة: " الله أعلم بِثَنِيَّاه. ذُكِر لنا أن ناساً يصيبهم سَفَعٌ من النار
بذنوب أصابوها، ثم يدخلهم الله الجنة برحمته يسمون: الجهنميون. فيكون هذا الاستثناء في أهل التوحيد. (وقيل: المعنى: إلا ما شاء ربك أن يتجاوز عنه. وذلك في أهل التوحيد) فهو استثناء من الداخلين النار، لا من الخلود. " فإلا " على هذين القولين لللاستثناء، و " ما " بمعنى " من ": استثنى خروج من يدخل النار من المؤمنين. وقيل: " عنى بذلك أهل النار، وكل من دَخَلَهَا ". وروي عن ابن مسعود Bهـ، أنه قال: " ليأتين على جهنم زمان تَخْفِقُ أبوابها، ليس فيها أحد ". وقال الشعبي: " جهنم أسرع الدارين عمراناً، وأسرعها خراباً ". وهذان القولان شاذَّان. وقال ابن زيد: هي مشيئته في الزيادة من العذاب، أو في النقصان، وقد
تبين لنا معنى تبيانه في أهل الجنة بقوله: {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}: إنه في الزيادة، ولم يبين لنا ذلك في أهل النار. وهو محتمل للزيادة والنقص من العذاب. وقوله تعالى: {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} [النبأ: 30]، يدل على أنه في الزيادة. وقال بعض (أهل) العربية: وهو استثناءٌ استثناه، ويفعله، كقولِك: " لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وعَزْمِك على ضربه وقال بعضهم: " إلا " هنا: بمعنى سوى. والمعنى: سوى ما شاء الله من الزيادة في الخلود، وهو اختيار أبي بكر. قال: لأن الله تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء في أهل الجنة بقوله: {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}، (فدلّ) على أن الاستثناء إنما هو في زيادة الخلود. " فما " على بابها، و " إلا " لللاستثناء. وقول آخر، وهو قول المازني: إنه استثناء إقامتهم، واحتسابهم، ما بين
الموت والبعث. وهو البرزخ، إلى أن يصيروا في الجنة. يقول: لم يغيبوا عنها إلا مقدار إقامتهم في البرزخ. " فما " أيضاً على بابها للزمان، و " إلا " للاستثناء. وقول آخر: وهو أن يكون الاستثناء يراد به من دوام السماوات والأرض في الدنيا. ومعنى: {مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} يعني: تعميرهم في الدنيا قبل ذلك. وقيل: الاستثناء واقع على مقامهم في قبورهم. وقيل: إن معنى الاستثناء في أهل الجنة مخصوص في بعضهم. يراد به: قدر بعث من دخل النار من الموحدين إلى أن رحموا، وأخْرجوا، وأدخلوا الجنة. وقال ابن زيد: المعنى: " ما دامت الأرض أرضاً، والسماء سماء ". {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}: أي: لا يمنعه مانع من فعل ما أراد. (قال أبو محمد مكي). وقد أفردنا / كتاباً مفرداً لشرح هذه الآية، وذكرنا فيها من أقاويل
العلماء بضعة عشر قولاً، وبيَّنا جواز وقوع " ما " لمن يعقل بياناً شافياً في ذلك الكتاب. وذكرنا في هذا اختصار ما ذكرنا في ذلك الكتاب. ومن قرأ " سعدوا " بالفتح فهي اللغة الجيدة المشهورة. يقال: ما سعد حتى أسعده الله. وإجماعهم على " شقوا " بالفتح يدل على فتح " سعدوا "، ولو كانت بالضم لقيل: " سعدوا "، ومن قرأ بالضم فهي مكروهة عند أكثر النحويين، واحتج الكسائي في الضم بقولهم: " مسعود: (وهذا) لا حجة فيه له، لأن " فيه " محذوفة منه. يقال: مكان مسعود فيه. واحتج الكسائي بقول العرب: " فغر فاه، وفغر فوه "، وجبر العظم وجبرته، ونزحت البئر ونزحتها: فهذا لا يقاس عليه، إنما يسمع
سماعاً. واحتج الكسائي للضم أيضاً، بأنه كذلك سمعتُ من أًحاب عبد الله يقرؤونها. وكان الكسائي، وغيره حكوها لغة في " أسعد ": تسقط الألف وتضم السين. كقوله: {مَا دَامَتِ السماوات والأرض}، وقال في موضع آخر: {يَوْمَ نَطْوِي السمآء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ} [الأنبياء: 104]، وقال: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض} [إبراهيم: 48]. فإن قيل: فما دوام ذلك على هذا؟ فالجواب إن ابن عباس قال: وقد سأله رجل، فقال: يا أبا عبد الله من أي شيء خلقت الأشياء؟ فقال: من خمسة أشياء من نار، وتراب، وريح، وماء، ودخان. فقال له: ومن أي شيء خلقت هذه الخمسة؟ فقال: من نور العرش. فقال له: أفرأيت قول الله D، { مَا دَامَتِ السماوات والأرض}، وقوله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض} [إبراهيم: 48] وقوله:
{يَوْمَ نَطْوِي السمآء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ} [الأنبياء: 104] فما دوامها، وقد فنيتا. فقال ابن عباس: فإذا كان ذلك، ردتا إلى النور الذي أخذتا منه، فهما دائمتان لا بد في نور العرش. ومعنى: {غَيْرَ مَجْذُوذٍ}: غير مقطوع، وقيل: غير منزوع. (شقي وسعيدٌ): وقف. {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} وقف عند أبي حاتم في الموضعين. والوقف على الاستثناء في قصة أهل النار جائز وليس بجائز في قصة أهل الجنة، لأن بعده " عطاء " منصوب على المصدر، فما قبله يعمل فيه. فإن نصبته بإضمار فعل وقفت على ما قبله.
109
قوله: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هؤلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ} - إلى قوله - {مُرِيبٍ}. الإشارة في هؤلاء إلى مشركي قريش. والمعنى: فلا يكن من آمن بك يا محمد في شك مما يعبده مشركو قريش من الأصنام، إنها باطل. ما يعبدون إلا كعبادة آبائهم من قبل. {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ} يا محمد {نَصِيبَهُمْ}، أي: حظهم من خير وشر. {غَيْرَ مَنقُوصٍ}: أي: " لا أنقصهم مما وعدتهم ". ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ}: وهذا تسلية من الله تعالى لنبيه عليه السلام، في تكذيب مشركي العرب له، فيما جاءهم به من عند الله D. فالمعنى: آتينا موسى الكتاب، كما آتيناك، {فاختلف فِيهِ}: فكذب بعضهم، وصدق بعضهم، كما فعل قومك يا محمد. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} وهو أنه سبق / أن يؤخر عقوبتهم
111
إلى يوم القيامة. فإنه لا يعجل عليهم. {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ}: أي: في الدنيا. {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ}: أي: وإن الذين كذبوا، لفي شك منه إنه من عند الله. {مُرِيبٍ}: أي: " يريبهم، فلا يدرون أحق؟ أم باطل؟ ". قوله: {وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} - إلى قوله - {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ}. قرأ الزهري: " وإن كلاًّ " بالتشديد، لما " بالتنوين مشدداً أيضاً، وقرأ الأعمش: (" وإن كلا " بتخفيف " إنْ "، ورفع " كل " وتشديد " لما ". (وفي حرب أبي ": " وإن كلّ " إلا ليوفينَّ ربك أعمالهم ". وفي حرف ابن
مسعود: " وإن كل) إلا ليوفينهم ربك أعمالهم ". ومن شدَّدَ " إنَّ " نصب " كلاً " بها. واللامُ في " لَما " لام تأكيد. و " ما " صلة، هذا على قراءة التخفيف. والخبر في " ليوفينهم ". والتقدير: وإن كلاً ليوفينهم. وقراءة من خفف إنْ، ونصب " كلا " على هذا التقدير، إلا أنه، خفف " إن " وأعملها كما يفعل الفعل، وهو محذوف منه. وأنكر الكسائي التخفيف والعمل. وقال الفراء: من خف " إن " نصب " كلاً " بقوله: " ليوفينهم، وهذا لا يجوز أن يعمل ما بعد اللام فيما قبلها. ومن شدد " إن " و " لما " فهي غير جائزة عند
المبرد، والكسائي. قال المبرد: لا يجوز: " أن زيداً إلا لأضربنه ". وقال الفراء: الأصل " لمن ما "، فاجتمعت ثلاث ميمات عند الإدغام، فحذفت إحداهن. وهذا لا يجوز عند البصريين. وقال المازني: الأصل التخفيف في " لَما "، ثم ثقلت. وهذا أيضاً لا أصل له، (و) يجوز (تثقيل المخفف)، إلا لمعنى. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: الأصل " لما " بالتنوين، من لممته لمّا: أي: جمعته، ثم بني منه فَعْلى، كما قرأ: " تثرا، و " تثري ".
ومن خفف " إن "، وشدد " لما "، " فإن " بمعنى " ما "، و " لما " بمعنى " ألا " حكى ذلك الخليل، وسيبويه بمنزلة قوله: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] أي: إلا عليها حافظ والقراءات الثلاث تكون فيها " إن " بمعنى " ما " لا غير. وقد قيل: في قراءة من شدد " إنَّ " وخفف " لما ": إنَّ (ما) بمعنى: " من ". وإن المعنى: وإن كلا {لَّمَّا} ليوفينهم ربك أعمالهم، كما قال: {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء} [النساء: 3]: أي: ما طاب لكم نكاحه. وقوله: {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}: أي: " لا يخفى عليه شيء من عملكم ". ثم قال تعالى: {فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ}: أي: دم يا محمد على ما أنت عليه.
{وَمَن تَابَ مَعَكَ}: أي: رجع إلى عبادة ربك، يدوم على ذلك. {وَلاَ تَطْغَوْاْ}: أي: ولا تتعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه. {إِنَّهُ بِمَا (تَعْمَلُونَ) بَصِيرٌ}: أي: ذو علم، لا يخفى عليه شيء من عملكم. وقال سفيان: معنى {فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ}: أي: " استقم على القرآن "، {وَلاَ تَطْغَوْاْ}: وقف. ثم قال تعالى: {وَلاَ تركنوا إِلَى الذين ظَلَمُواْ}. قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب: " فتمسكم " بكسر التاء. وقرأ قتادة: ولا تركُنوا بالضم في الكاف، يقال: رَكَنَ يركنُ، وركُنَ يركَنُ. قال ابن عباس: معناه: لا تذهبوا إلى الكفار.
114
وقال ابن جريج: لا تميلوا إليهم. وقال أبو العالية: " لا ترضوا أعمالهم ". وقال قتادة: لا تلحقوا بالشرك ". وقال ابن زيد: الركون هنا: / الإذعان. وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم، وهذا لأهل الشرك. نهى الله D، المؤمنين أن يميلوا إلى محبتهم، ومصافاتهم، وليس لأهل الإسلام. فأما أهل الذنوب من أهل الإسلام، فقد بينت السنة، والكتاب أنه لا يجوز أن يركن إلى شيء من معاصي الله، ولا يصالح عليها، ولا يقرب. فالمعنى: ولا تميلوا إلى قول المشركين، فتمسكم النار، (بفعلكم ذلك). {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ}: إن فعلتم. وليس لكم ولِيّ من دون الله، ينقذكم من عذابه. قوله {وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ اليل} - إلى قوله - {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ}.
وقال أبو جعفر: " وزُلُفاً " بضم اللام. وقرأ ابن مُحيصن بإسكان اللام فمن فتح اللام، فهو حمع واحده زلفة، وزلف، ومن ضم اللام فواحدةٌ " زليف " كقريب، وقرب. وقيل: عو واحد مثل الحلم، والحلم. وقرأ مجاهد: " وزلفى " مثل " فعلى ". والزلف: الساعات، واحدها زلفة. ومن هذا سميت المزدلفة، لأنها منزل بعد عرفة. وقيل: سميت (بذلك) لازْدِلافِ آدم من عرفة إلى حوَّاء، وهي بها. ومن أسكن اللام خففها من " زلفى " بالضم. ويعني بالزلف: الساعات القريبة من الليل.
ومعنى الآية: {وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار}، يعني: الغداة، والعشي، فالغداة الصبح، والعشاء مجاهد هي صلاة الظهر. ورُوي عنه: الظهر والعصر، وقيل: عنى بها صلاة المغرب، وهو قول الحسن، وابن زيد. وروي عن منصور، عن مجاهد أنه قال: {طَرَفَيِ النهار} صلاة الفجر، والظهر، {وَزُلَفاً مِّنَ اليل}: المغرب والعشاء. وقال الضحاك: عنها بها صلاة العصر. وقال مجاهد: وزلفاً من الليل: أي: ساعات من الليل: صلاة العتمة. وروي عن الحسن: أنها صلاة المغرب، والعتمة. والاختيار عند الطبري، وغيره أن تكون صلاة المغرب، لأنها طرف، تصى بعد غروب الشمس، كما
صلاة الصبح طرف، تصلى قبل طلوع الشمس: فكلاهما طرف. وقوله تعالى: {إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات}. (روى ابن عمر أن النبي A، قال: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر " " وقال أبو عثمان النهدي: كنت مع سلمان تحت شجرة، فأخذ غصناً منها، فهزَّه حتى تساقط ورقه، ثم ضحك، فقلت: ما أضحكك؟ قال: إني كنت مع رسول الله A، يوماً تحت شجرة، فأخذ غصناً منها، فهزَّه حتى تساقط ورقه، ثم ضحك. فقلت: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: أضحكني أن العبد المسلم إذا توضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى الصلوات الخمس، تساقطت عنه
ذنوبه كما تساقطت هذه الورق، ثم تلى هذه الآية {وَأَقِمِ الصلاة} - إلى آخرها ". وروي عن مجاهد، عن ابن عمر، أنه قال: " ما من مسلم يتوضأ، فيحسن الوضوء، إلا تناثرت عنه خطاياه، كما تتناثر ورق الشجرة اليابسة. ثم تكون صلاته نافلة (له). ثم قرا ابن عمر: {وَأَقِمِ الصلاة} الآية قال ابن عباس وغيره: هي الصلوات الخمس. وقال مجاهد: هو قولنا: سبحان الله /، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وقيل: المعنى: أن التوبة تذهب الصغائر. {ذلك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ}: أي: النهي عن الركون إلى الذين ظلموا، وإقامة الصلاة تذكرة لقوم يذّكرون، وعد الله D،
وثوابه، وعقابه، سبحانه. " وروي أن هذه الآية نزلت في رجل أتى إلى النبي A، فقال: يا رسول الله! إني وجدت امرأة في بستان قبلتها والتزمتها، ونلْت منها كل شيء إلا الجماع، فافعل بي ما شئت. فأنزل الله {وَأَقِمِ الصلاة} - إلى قوله - {لِلذَّاكِرِينَ}. فقال معاذ بن بن جبل: يا رسول الله! أخاصٌّ له أم عام للناس؟ (فقال: بل للناس كافة " وقال أنس بن مالك، Bهـ، " أتى رجل إلى رسول الله A، فقال
له: إني أصبت حداً، فأقمه عليّ. فأمسك النبي A، عنه. وحضرت الصلاة، فصلى: فقال: يا رسول الله! إني أصبت حداً، فأقم علي كتاب الله. فقال: أصليت معي؟ قال: نعم. قال: قد غفر الله لك ". وقيل: المعنى: أن الصلوات الخمس، يكفرن ما بينهن من الذنوب، إذا اجتنبت الكبائر. ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: {واصبر فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين}: أي: " اصبر يا محمد على ما تلقى من مشركي قومك من الأذى ". فالله لا يضيع ثواب من صبر في الله D. ثم قال تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ} أي: فهلاَّ كان من القرون الذين خصصنا خبرهم في هذه السورة، أو لو بقية في الفهم، والعقل، فيعتبرون مواعظ الله D، ويتدبرون حججه، جلت عظمته فينتهون عن الفساد. وفي الكلام معنى التعجب. وقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً} قليل هو استثناء ليس من الأول.
قال ابن زيد: هم الذين نجوا حين نزل العذاب، يعني: قوم يونس عليه السلام، ومن نجا مع الرسل. {اتبع الذين ظَلَمُواْ} أي: من دنياهم وبطرهم. والمعنى: اتبعوا ما أبطَرَهُمْ فيه ربهم من نعيم دنياهم، إيثاراً على الآخرة، وما ينجيهم من عذاب الله. وقال مجاهد: ابتعوا مهلكهم وتَجَبُّرَهُم، وتركوا الحق، واستكبروا عن أمر الله. والمترف في كلام العرب (المُنَعَّمُ في الدنيا) الذي قد غُذِّي باللذات. {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ}: أي: مكتسبين الكفر. {مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ}: وقف وقد أجاز أبو حاتم الوقف على الأرض، ورُدَّ ذلك عليه، لأن بعده استثناء.
117
قوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ} إلى قوله: {لِلْمُؤْمِنِينَ} والمعنى وما كان ربك يا محمد أن يهلك القرى التي قص عليم نبأها (بظلم)، وأهلها مصلحون، ولكن أهلكها بكفرها. وقيل: المعنى: ما كان الله ليهلكهم بظلمهم، أي: بشركهم، وهم مصلحون، لا يتظالمون بينهم، إنما يهلكهم إذا جمعوا مع الشرك غيره من الفساد. ألا ترى إلى قوله في قوم لوط؟: {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات} [هود: 78]، يريد الشرك، فعذبهم باللواط الذي أَافوه إلى شركهم. وأخبر الله عن قوم شعيب أنه عذبهم لنقصهم الكيل، وأمسك عن ذكر شركهم، وهذا قول غريب. وقال الزجاج المعنى: " ما كان ربك ليهلك أحداً، وهو يظلمه كما قال: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئاً} [يونس: 44]. ثم قال / تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً}: أي: " على مِلَّة واحدة، ودين واحد ". قال قتادة: كلّهم مسلمين، {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}: أي لا يزال الناس
مختلفين. وروي عن ابن عباس أنّه يعني في الأديان: اليهود، والنصارى. وقيل: في الأرزاق، هذا فقير، وهذا غني. قاله الحسن. وقيل: في المغفرة والرحمة. {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}: أي: لكن من رحم ربك فإنه غير مختلف. وقيل: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}: أهل الإيمان والإسلام. وقوله: {ولذلك خَلَقَهُمْ} قال الحسن: للاختلاف في الأرزاق خلقهم. وقال ابن عباس: خلقهم فريقين: فريقاً يرحم، وفريقاً لا يرحم يختلف، وذلك قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105]. وقال عطاء: ولذلك خلقهم: يعني: مؤمناً وكافراً. وقال أشهب: سألت
مالكاً، رحمة الله، عن قوله: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولذلك خَلَقَهُمْ} فقال: خلقهم ليكونوا فريقاً في الجنّة، وفريقاً في السعير. ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير، والتقدير: " إلا من رحم ربك، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنّم من الجنة والناس أجمعين، ولذلك خلقهم ". وقد كان يجب في قياس العربية على هذا التقدير أن يكون اللفظ: وتمّت كلمته. وروى ابن وهب: عن عمر بن عبد العزيز Bهما، أنه قال في معنى الآية: خلق الله أهل رحمته لئلا يختلفوا. وقيل: المعنى: وللرحمة خلقهم. والرحمة، والرحم واحدة، فلذلك ذكر. قاله مجاهد، وقتادة، والضحاك. وروي أيضاً ذلك عن ابن عباس، وقيل: إنّ هذا متعلق بما قبله، وهو
قوله: {يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد فِي الأرض} [هود: 116]، ولذلك خلقهم. (وقيل: هو متعلق بما قبله بقوله: {رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ}، ولذلك خلقهم): وهو قول مالك المتقدّم. وقيل: المعنى: وللاسعاد خلقهم، وقيل: للإسعاد والإشقاء خلقهم. ثم قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ}: أي: وجبت: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ}: لما تقدم في علمه أنهم يستوجبون ذلك. وقوله: {مِنَ الجنة}: يعني: ما اجتن عن عيون بني آدم من الجن والناس، يعني: بني آدم أجمعين، وذلك على التوكيد. وقيل: إنّما سموا " جنة " لأنهم كانوا على الجنان. والملائكة كلهم جنة لاستتارهم. ثم قال تعالى: {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل}: أي: من أخبارهم، وأخبار أممهم يا محمد. نفعل ذلك لنثبت به فؤادك، لأن كلما كثرت البراهين كان القلب أثبت. والفؤاد يُراد به القلب، وهذا كما قال إبراهيم صلوات الله
عليه، {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] وقيل: المعنى: ما نثبتك به على أداء الرسالة، والصبر على ما ينالك منهم. فتعلم ما نالت الرسل، وما حلّ بها قبلك، فتتأسى بذلك. و" كلا " منصوب ل " نقص "، " وما " بدل من " كل ". وقال الأخفش: كلا " نصب " على / الحال. وقال غيره: هي منصوبة على المصدر: أي: كل القصص نقص عليك. ثم قال تعالى: {وَجَآءَكَ فِي هذه الحق وَمَوْعِظَةٌ وذكرى}: أي: في هذه السورة. قالَهُ ابن عباس، والحسَن، ومجاهد، وقتادة. وقيل: في هذه الدنيا، رُويِ ذلك عن قتادة. والمعنى: وجاءك في هذه السورة الحق، مع ما جاءك في غيرها من السور. وليس
121
المعنى: وجاءك في هذه السورة الحق، دون غيرها، بل في الكل جاء الحق. وذكر في هذه السورة بهذا تأكيداً لما فيها من القصص والمواعظ، وذكر الجنة والنار ومقام الفريقين. والقسم بأن يوفي لكل عمله، وغير ذلك من الإخبار، والمواعظ، والتحريض على إقامة الصلوات وغير ذلك. وليس إذا كان في هذه الحق فيما لا يكون في غيرها، بل غيرها فيه الحق. وقد اختار قومٌ قول قتادة: إن المعنى: في هذه الدنيا، وموعظة: لمن جهل، (وذكرى) لمن عقل من المؤمنين. قوله: {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ} إلى آخر السورة - أي: وقل يا محمد للذين لا يؤمنون بما جئت به، اعلموا على طريقتكم وتمكنكم، وما أنتم عليه، {إِنَّا عَامِلُونَ}: على ما نحن عليه من الأعمال التي أمرنا ربنا بها، {وانتظروا} ما وعدكم الشيطان {إِنَّا مُنتَظِرُونَ}: ما وعدنا الله.
ثم قال تعالى: {وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض}: أي: ملك ما غاب عنك، ومعرفته. {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ}: أي: يرد كله، وهو الحاكم في جميعهم، ومجازيهم. {فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}: أي: " فوض أمرك إليه " {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}: " هؤلاء المشركون من قومك، بل هو محيط بهم "، عالم بما يعملون. قال كعب: " خاتمة التوراة خاتمة هود ".
يوسف
بسم الله الرحمن الرحيم سورة يوسف عليه السلام مكية قوله تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين} إلى قوله {سَاجِدِينَ} قد تقدم الكلام في {الر}. و {تِلْكَ} عند الطبري بمعنى " هذه ". والمعنى: تلك آيات الكتاب المبين: " حلاله وحرامه، ورشده وهُداه ". {إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ} الهاء تعود على خبر يوسف، وهو اختيار
النحاس، وغيره. أي: إنا أنزلنا خبر يوسف، وذلك أن اليهود سألوا النبي، A: لِمَ انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر، وعن خبر يوسف. فأنزل الله، ( D) هذا بمكة موافقاً لما في التوراة، وفيه زيادة ليس عندهم. وقيل: إن " الهاء " تعود على الكتاب المبين، وهو القرآن. ومعنى: {إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} آية: أي: مجموعاً، مبيناً عربياً. {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}: أي: {تَعْقِلُونَ} آية: أن محمداً إذا أتاكم بأخبار الغيب، وهو ممن لا يقرأ كتاباً.
وقيل: معناه: إنه أنزله عربياً لينقطع عذر العرب، إذ نزل بلسانهم، فمعنى: (تعقلون): أي: لتعقلوا ما أنزل عليكم، ولا عذر لكم في ترك فهمه، إذ هو بلسانكم. ثم قال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص}: أي: نحن نخبرك يا محمد عن (ال) أمم الماضية، والقرون السالفة أحسن الخبر، وأصحَّه. وما كنت يا محمد من قبل أن ينزل عليك هذا {القرآن وَإِن} من الغافلين عن هذه القصص، والأخبار. وقيل: معنى نقص: نبين. وقال ابن عباس: قال أصحاب النبي A، ( له): لو قصصت علينا فنزلت {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص}. وروي أن أصحاب النبي A، ملُّوا ملَّة. فقالوا:
يا رسول الله! حدثنا. فأنزل الله D: { الله} {نَزَّلَ} {أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} [الزمر: 23]. ثم قال تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يا أبت}، العامل في " إذ " الغافلين. وقرأ طلحة بن مصرف {يُوسُفُ} بالهمزة وكسر السين. وحكى ابن زيد: يؤسف بالهمزة، وفتح السين. والوقف عند سيبويه وأصحابه على " يا أبه بالهاء، لأن الهاء بدل من الياء التي للإضافة. ومذهب
الفراء: الوقف بالتاء، لأن الياء عنده في النية. ومن فتح التاء، فلأنها (أ) شبهت بالهاء التي هي علامة التأنيث، كما قال الشاعر: كليني لهم يا أميمة ناصب. وهذا مذهب سيبويه. وقال قُطْرُب: وهو أحد قولي الفراء، لأن الأصل: يا أبتا (هـ)، ثم حذفت الألف. ويكون الوقف على قول سيبويه بالهاء، وهو قول أحد الفراء الآخر. والندبة في هذا لا يجوز، إذ ليس هو من مواضعها. والعلة التي من أجلها
دخلت الهاء في هذا أن قولك: " أبوان ": تثنية الأب. واللام يوجب أن يكون يستعمل (أب وأبت) كما أن قولك: " والدان " للأب والأم يُوجب: " والد، ووالدة ". فلما لم يستعمل " أبِهِ " استغنى باللام - استعمل ذلك في النداء في " الأب "، وأَجْرُوه مجرى ما وصف فيه المذكر مما فيه الهاء نحو: " علامة وَنَسَّابة. وقال الفراء: إنما هي الهاء التي تزاد في الوقت، أكثر بها الكلام فنبهت بهاء التأنيث. قرأ الحسن، أبو جعفر " أحد عْشْر " بإسكان العين لكثرة الحركات.
وقال: رأيتهم لأنه أخبر عنها بالسجود، وهو فعل من يعقل، ومثله: {ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ} [النمل: 18] و {فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} [الأنبياء: 63]. وقيل: لما كان تفسير ذلك واقعاً على إخوة يوسف، وأبيه، وخالته، أخبر عنهم، بالهاء والميم. وذلك حقهم في الحكاية، والإخبار عنهم. قال ابن عباس: كانت الرؤيا فيهم وحياً. والأحد عشر هم: أخوة يوسف، والشمس أمه، والقمر أبوه. هذا قول ابن عباس، وغيره. ويروى أن رؤيا يوسف كانت ليلة الجمعة، وكانت ليلة القدر، فأشفق يعقوب أن يحسده إخوته على ذلك. فنهاه أن يقصَّها عليهم. وقال قتادة، وغيره: الشمس خالته، والقمر أبوه. وظهرت رؤيا
5
يوسف عليه السلام، بعد رؤيتها بأربعين سنة. وقد روي أن يعقوب، عليه السلام، فسر الرؤيا " تأول الأحد عشر كوكباً: أحد عشر نفساً، لهم فضل يستضاء بهم، وهم إخوة يوسف، وتأوّل الشمس، والقمر: أبويه، فتأوّل أن يوسف يكون نبياً، وأن إخوته يكونون أنبياء، لأن الله D، أعلمهم أنه يتم نعمته عليه، وعلى أبويه. قوله: {قَالَ يابني لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ} إلى قوله {حَكِيمٌ}. (هذا اللفظ) يدل على أن يعقوب كان له علم بعبارة الرؤيا، ويدل على أنه كان قد أحسّ من إخوة يوسف ليوسف حسداً، فخافهم عليه. والمعنى. لا
تخبرهم برؤياك هذه، فيحسدوك، ويبغوا لك الغوائل، ويطيعوا فيك الشيطان. وكان يعقوب صلى الله عليه، (وعلى محمد) قد تبيَّن له من إخوة يوسف ليوسف / الحسد. فلذلك قال (ل) له هذا. ولذل [ك] قال السدي: نزل يعقوب عليه السلام، الشام، فكان همه يوسف، وأخاه، فحسدهما أخوتهما. ومعنى {فَيَكِيدُواْ لَكَ (كَيْداً)} أي: فيتخذونك كيداً، وقيل: اللام زائدة. والمعنى: فيكيدوك كيداً. ثم قال تعالى: {وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}: أي: وهكذا يجتبيك ربك: أي:
يختارك، يصطفيك. {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث}: أي: كما أراك ربك الكواكب، والشمس، والقمر سجوداً لك، كذلك يصطفيك. وتأويل الأحاديث: عبارة الرؤيا، وقيل: أخبار الأمم. {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} (أي): بالاصطفاء {كَمَآ أَتَمَّهَآ على أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ}: أخبره أنه يكون نبياً. قال عكرمة: ويتم نعمته عليك، وعلى آل يعقوب، كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم، وإسحاق. فنعمته على إبراهيم، بأن نجَّاه من النار، وعلى إسحاق أن نجاه من الذبح. {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ} بخل (قه)، {حَكِيمٌ} في تدبيره.
7
قوله: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ} - إلى قوله - {فَاعِلِينَ}. من قرأ " آية "، فمعناه: عبرة، ومن جمع، فمعناه: عبرة للسائلين (عن أخبارهم)، وقصصهم. وقيل: إن هذه السورة نزلت تسلية من الله تعالى، لمحمد A، فيما يلقى من أقاربه من قريش. فأعلمه ما لقي يوسف من إخوته، ثم قال ذلك ابن إسحاق. ثم قال تعالى: {إِذْ قَالُواْ} العامل في " إذ " معنى الآيات. والعصبة: العشرة فما فوق ذلك إلى خمسة عشر، وقيل: إلى الأربعين. وقولهم: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}: أي لفي خطأ في إيثاره علينا يوسف،
وأخاه من أمه بالمحبة. ومعنى: {مُّبِينٍ}: يبين عن نفسه أنه أخطأ لمن تأمَّله فمعناه: أنه ضل في محبتهما، وتقديمهما علينا، وهُمَا صَغِيرَانِ، ونحن أنفع منهما وأكبر. ولم يصفوه بالضلال في الدين. قال ذلك السدي. ثم حكى عنهم تعالى إنهم قالوا: {اقتلوا يُوسُفَ أَوِ اطرحوه أَرْضاً} أي: في أرض. وجاز حذف الحرف (منه)، على أنه مفعول ثان، وليس بظرف، (و) لأنه غير مبهم. {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} أي: يتفرغ إليكم أبوكم من شغله بيوسف. {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ}: فالهاء في " بعده " تعود على الطرح، وقيل: على يوسف. وقيل:
على القتل: أي: يتوبون من قتله بعد هلاكه. وقال مقاتل: {قَوْماً صَالِحِينَ} أي: تصلح حالكم، وأمركم عند أبيكم. قوله: {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ}: نهاهم أحد الإخوة عن القتل، وأمرهم بطرحه في غيابات الجب. والقائل هذا روبيل كان أكبر القوم، وهو ابن خالة يوسف، قال ذلك قتادة، وابن إسحاق. وقال مجاهد: كان (القائل) شمعون، وقيل: هو يهوذا، وكان يهوذا من أشدهم في العقل، وهو الذي قال: {فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض حتى يَأْذَنَ لي أبي} [يوسف: 80]. ومعنى: {كَبِيرُهُمْ} [يوسف: 80] أي كبيرهم في العقل، قاله مقاتل، وغيره. قال الضحاك: الذي قال {لاَ تَقْتُلُوهُ} [القصص: 9] / هو الذي قال: {فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض حتى يَأْذَنَ لي أبي أَوْ يَحْكُمَ الله لِي} [يوسف: 80].
وروي أنه كان ليعقوب A، عشرة من الولد، من خالة يوسف. وكان له من أم يوسف ولد غير يوسف، وهو الذي أخذ بالصاع. وروي أنهم كانوا من أربع نسوة. وروي أنه أول من كان وقع في قلوب إخوة يوسف من يوسف A ما وقع أنه رأى قبل رؤيته الكو (ا) كب، كأنه خرج مع إخوته يَحْتَطِبُونَ، فسجدت حزم إخوته لحزمتهن فأخبرهم بذلك. ذلك عليهم. قال قتادة: الجب بئر بيت المقدس. والجب: البئر التي ليست بمطوية، سميت جُبّاً، لأنها قُطِعَت قطعاً، ولم يحدث فيها غير القطع، ولا طيّ ولا غيره. والجب يذكر ويؤنث. وقرأ الحسن " تلتقطه " بالتاء، لأن بعض السيارة سيارة، فأتت على المعنى.
11
ورويت عن مجاهد، وأبي رجاء، والمعنى: فأخذه " بعض مارة الطريق من المسافرين ". قال ابن عباس: " التقطه ناس من الأعراب ". {إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ}: أي: " إن " كنتم فاعلين ما أقول لكم ". قوله: {قَالُواْ يا أبانا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا على (يُوسُفَ) وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} إلى قوله {لَّخَاسِرُونَ}. وقرأ يزيد بن القعقاع، وعمرو بن عبيد: " تأمنَّا " بغير إشْمَامٍ. وقرأ طلحة بن مصرف " تأَمَنَنَّا " بنونين ظاهرتين.
وقرأ يحيى بن ثَّاب، والأعمش، وأبو رزين تيمناً بتاء مكسورة بعدخا ياء الإدغام. والمعنى: مالك لا تأمنا على يوسف يخرج معنا إذا خرجنا إلى الصحراء. {وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا} إلى قوله: {لَحَافِظُونَ} " نحُوطُهُ ونكلؤه ". ومن قرأ " نرتع بالنون، وكسر العين، فمعناه: نرتع الغنم والإبل. وهو نفعتل من رعى (يرعو). وقال مجاهد: نرتع: أي: نحفظ بعضنا بعضاً، أي: نتحارس، ونتكالؤ.
من: رعاك الله، ومن أسكن العين فمعناه: نقيم في الخصة والسعة، من رتع. يقال: رتَّع فلان في ماله: إذا لهى فيه. ومعناه عند ابن عباس: يلهو، وينبسط. ومن قرأ بالياء، وكسر العين، فهو يفتعل من " رعى " أي: يرعى الغنم، ويعقل، ويعرف الأمور. ومن أسكن العين، وقرأ بالياء، فمعناه: أرسله يتفرَّج، وينشط في الصحراء: من رتع.
وقولهم: {وَيَلْعَبْ} ليس هو اللعب الصادُّ عن ذكر الله سبحانه. وروي هم قُنْبُل، عن ابن كثير إثبات الياء في " نرتعي "، على نية الضمة فيها، وفيه بعد. وإنما يجوز في الشعر. ثم قال: تعالى حكاية عن قول يعقوب لهم: {قَالَ إِنِّي ليحزنني} إلى قوله: {لَّخَاسِرُونَ}: من همز " الذئب " أخذه من قولهم: تذاءبت الريح: إذا جاءت من كل مكان. فهمز " الذئب " لأنه يجيء من كل مكان. قال ذلك أحمد بن
15
يحيى كأنه شبهه في سرعته، وروغانه بالريح. ومن لم يهمز فعلى تخفيف الهمز. وقيل: إنه جعله ليس بمشتق، مثل: الفيل، والميل، والكيس. وإنما خاف يعقوب، عليه السلام، من الذئب دون سائر السباع، لأنه كان رأى في المنام كأن ذئباً شد على يوسف، فخرجت تلك الرؤيا في دعواهم. {وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ}: أي: لا تشعرون {قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} /: أي: أحد عشر رجلاً {إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ}: أي: لعجزة هالكون. قوله: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وأجمعوا أَن يَجْعَلُوهُ}: أي: أجمع رأيهم، وعزموا على ذلك. {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ}: أي: لتخبرنهم بما صنعوا بك، وهم لا يعلمون بك. قال الضحاك: لما ألقي يوسف في الجب، نزل إليه جبريل، عليه السلام، فقال له: يا
يوسف: ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن عجل الله بخروجك من هذا الجب. فقال: نعم، فقال له جبريل، صلوات الله عليه،: قل يا صانع كل مصنوع، ويا جابر كل كسير، ويا شاهد كل نجوى ويا حاضر كل ملأ، ويا مفرج كل كربة، ويا صاحب كل غريب، ويا مؤنس كل وحشة: أيتني بالفرج والرخاء، وأقذف رجاءك في قلبي حتى لا أرجو أحداً سواك. فردَّدَها يوسف عليه السلام، في ليلته مراراً فأخرجه الله D، في صب [ي] حة يوم ذلك من الجب. وقال السدي: خرجوا به، وله عليهم كرامة، فلما برزوا به إلى البرية أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه، فيستغيث بالآخر (فيضربه فجعل " لا يرى منهم رحيماً " فضربوه حتى كادوا يقتلونه. فجعل يصيح، ويقول: يا أبتاه! يا يعقوب! لو علمت ما صنع بابنك بنو الإماء. فلما كادوا يقتلونه، قال يهوذا: أليس قد
أعطيتموني موثقاً من لله لا تقتلونه. فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه، فجعلوا يدلونه في البئر وهو يتعلق بشفير البئر. فربطوا يديه ونزعوا عنه قميصه. فقال: يا (أ) خوتاه: ردوا علي قميصي، أتوارى به في الجب. فقالوا له: ادع الشمس والقمر، والأحد عشر كوكياً ليُؤْنسوكَ. فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرَادَةِ أن يموت. فكان في البير ماء، فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فيها. فقام عليها، وجعل يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة منهم، أدركتهم عليه. فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه. فقام يهوذا فمنعهم، وقال: قد أعطيتموني موثقاً ألا تقتلوه. وقيل: كان الجب الذي ألقوه فيه، لا ماء فيه. فأحدث الله فيه ماء، حتى مال إليه الناس. وكان يهوذا يأتيه بالطعام. والواو في " وأجمعوا " زائدة للتأكيد، وهو جواب " لما ".
قوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ}: أي: إلى يوسف لتُخْبرن إخوتك بأمرهم هذا الذي صنعوا بك، وهم لا يعلمون، ولا يدرون. (و) هذا يدل على أنه أوحي إليه قبل البلوغ (بإلهامٍ)، أو في منام، أو برسول. وقيل: المعنى: " أوحى الله وجل إليه لتخبرهم بما " {صَنَعُواْ} [هود: 16، الرعد: 31]، وهم لا يشعرون بالوحي الذي أوحى " الله D " إليه. قال مجاهد، وابن زيد: وقيل: المعنى: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}، (أن) الذي يخبرهم بصنيعهم هو يوسف. وقيل: المعنى: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أنه نبي يوحى إليه.
وقيل: الهاء ليعقوب، أي: أوحى الله إلى يعقوب أن ابنك كاده إخوته، ولَتَعْرِفنهم بكيدهم، {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}: أي: وإخوة يوسف / " لا يشعرون بالوحي إلى يعقوب ". (قال ابن عباس: لما دخل إخوة يوسف) على يوسف. (عرفهم)، {وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [يوسف: 58]. فقال: جيء بالصواع. فوضعه على يديه، (ثم) نقره، فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم، يقال له: يوسف، يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به، فألقيتموه في غيابات الجُبّ. قال: ثم نقره،
16
فطَنَّ فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كاذب. فقال بعضكم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم. فذلك معنى {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أنك يوسف. ثم قال تعالى: {وجآءوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ}. قال السدي: أتوا إلى أبيهم عشاءاً يبكون، فلما سمع أصواتهم فزع، وقال: ما لكم يا بني؟ هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: " لا، قال: فما فعل يوسف؟ فقالوا: {يا أبانآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ}: كان السبق عندهم على الأرجل، كالسبق على الخيل، لأنه آلة للحرب. فلما قالوا: {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذئب} بكى الشيخ، وصاح بأعلى صوته، فقال: أين القميص؟ فجاؤو (هـ). بالقميص، عليه دك كذب، فأخذ القميص فطرحه على وجهه، ثم بكى حتى تخضب وجهه من دم القميص. قوله: {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا}: أي: بمصدق لنا، {وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ}: قال:
المبرد: وإن كنا صادقين. وقيل: المعنى: ليس بمصدق لنا لو كنا من أهل الصدق الذين لا يتهمون لِسُوءِ ظنك بنا. وقيل: المعنى: ولو كنا عندك من أهل الصدق، لا تعمتنا في يوسف لمحبتك إياه. وقيل: المعنى: قد وقع في قلبك إنّا لنصدقك في يوسف، فأنت لا تصدقنا. وذلك أن يعقوب كان (قد) اتَّهَمَهُمْ عليه، فلما وقع ما وقع، تأكدت التهمة لهم. وإلا فيعقوب، صلوات الله عليه، لا يكذب الصادق، وليس هذا من صفة الأنبياء، صلوات الله عليهم. وإنما كذبهم لتأكيد التهمة، وكثرة الدلائل على كذبهم. فالمعنى: ما أنت بمصدق لنا وقد وقع (بك) ما تحذر، ولو كنا عندك صادقين من قبل، غير متهمين، لوجب أن تتهمنا (الساعة) عند مصيبتك. فكيف وقد كنت
18
متهماً له (فيه) من قبل. ثم قال تعالى: {وَجَآءُوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ}، أي: بدم ذي كذب. قال ابن عباس: ومجاهد: ذبحوا سخلة على قميصه. وقال السدي: ذبحوا جدياً، ثم لطخوا القميص بدمه، ثم أقبلوا إلى أبيهم، فقال يعقوب عليه السلام، (إن كان هذا الذئب لرحيماً كيف أكل لحمه، ولم يخرق قميصه؟ يا بني، يا يوسف ما فعل بك بَنُو الإماء!؟ قال الحسن: جعل يعقوب يقلب القميص، ويقول: ما عهدت الذئب حليماً، إنه أمل ابني، وأبقى على قميصه. ثم قال مكذباً لهم: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} أي: زينت لكم في يوسف، وحسنته لكم. {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}: أي: فأمري صبر جميل، وشأني صبر. (أي): فصبري
عليه صبر جميل. وقرأ عيسى بن عمر بالنصب على معنى: " فاصبر صبراً جميلاً " على المصدر. والرفع أبْلَغُ /، وأحسن، وإنما يختار النصب في الأمر خاصة. والصبر الجميل: هو الصبر الذي لا جزع معه. وروي عن النبي A، أنه قال: " هو الصبر الذي لا شكوى معه وكان يعقوب عليه السلام، قد سقط حاجباه،: فكان يرفعهما بخرقة. فقيل له: ما هذا؟ فقال: طول الزمان، وكثرة الأحزان، فأوحى الله D، إليه: أتشكوني يا يعقوب؟ فقال: رب خطيئة أخطأتها، فاغفرها لي ". ثم قال: {والله المستعان على مَا تَصِفُونَ}: أي: على احتماله. وقال قتادة: " على ما تكذبون ".
قال الثوري: ثلاث من الصبر: أن لا تحدث بما يوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك. ومن حديث أبن لهيعة، رفعه إلى ابن عمر، أن يعقوب عليه السلام قال لبنيه: يا بني " إيتو (ني) " بالذئب الذي أمل ولدي، إن كنتم صادقين، قال: فخرجوا إلى واد لهم يسعون فيه، فإذا هم بذئب قد انحطَّ عليهم من شفير الوادي، فاعترضو (هـ) سراعاً، وأخذوه قسراً، وأوثقوه كتافاً، وعمدوا إلى حمل أبيهم فقالوا: هذا الذئب الذي أكل يوسف أخانا. فقال لهم أطلق (و) هـ فقال له: يعقوب: قف
19
أيهما الذئب بإذن الله، فوقف الذئب مقعى على ذنبه. فقال له: يعقوب: أسألك أيها الذئب بالذي اتخذني نبياً، وبعثني رسولاً. هل أكلت يوسف فيما أكلت؟ فقال له الذئب: والذي بعثك رسولاً، واتخذ (ك) نبياً. إن هذه البلاد ما دخلتها إلا ساعتي هذه، ثم حكى ليعقوب ما صنعوا به وبالحمل. ثم قال الذئب: يا نبي الله، وأنا أسمو إلى أكل نبيي! أو ما علمت أن لحوم الأنبياء محرمة على السباع؟ قال له يعقوب: اصدقت أيها الذئب. أنت كنت أشفق على يوسف من أخوته "، اذهب حيث شئت. قوله: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} - إلى قوله - {أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ}. والمعنى: ومر قوم يسيرون، من مارة الطريق، {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ}: وهو
الذي يرد المنهل (أ) والمنزل، وور (و) ده إياه، مصير إليه {فأدلى دَلْوَهُ}، أي: أدخلها الجب، وأرسلها. يقال: أدليت الدلو: إذا أرسلتها في الجب، ودلوتها إذا أخرجتها؟. وفي الكلام حذف، والمعنى: فدلى دلوه: أي: أخرجها فتعلق بها (يوسف)، فقال المدل (ي): (يا بشراي هذا غلام). فقال السدي: لما رآه قد تعلق، نادى رجلاً من أصحابه، يقال له: بشرى: يا بشرى، هذا غلام. وكذلك قال ابن جبير، وقتادة. وهو معنى قراءة من قرأ " يا بشراي ".
وقيل المعنى: يا بشار (ت) ي دعا بشارته. ومن قرأ بغير ياء، احتمل أن يكون دعا رجلاً اسمه بشرى فلم يضفه إلى نفسه فهو في موضع رفع. وقيل: إنه دعا البشرى، كأنه قال: يا أيتها البشرى. ومعنى نداء البشرى: أنه على تنبيه المخاطبين، وتوكيد القصة. فكأنه قال: يا قوم أبشروا، ويجوز أن تكون هذه / القراءة، يراد بها الإضافة، ثم حذف (ت) الياء. ثم قال تعالى: {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} أي: وأسر يوسف الوُرَّادً بضاعة من
التجار. قالوا لهم: هو معنا بضاعة، استَبْضَعْنَاهُ، بعض أهل الماء " التي " إلى مصر. وذلك أن السدي قال: لما رفعه المستدلي، وأصحابه، باعو (هـ) من رجلين. فخاف من التجار أن يعلموا بثمنه. فيقول (ون) لهما: أشركانا فيه. فقالوا: هو بضاعة (معنا) لأهل الماء. وقال مجاهد: المعنى " أسره التجار بعضهم من بعض ". وعن ابن عباس: أن المعنى: وأسره إخوته، وأسر يوسف نفسه (من التجار) خوفاً أن يقتله إخوته. واختار البيع، وذلك أن إخوته ذكروه لوارد
القوم، فنادوا الوارد: يا بشرى هذا غلام يباع، فباعه إخوته. ثم قال تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} أي: بثمن ذي بخس، أي: حرام. وقوله: (وشَرُوْهُ): يحتمل أن يكون معناه: وباعون، وأن يكون اشتروه، وهو من الأضداد. قال مجاهد: باعه إخوته حين أخرجه المدلى. وقال قتادة: وغيره: المعنى: وباعه السيارة من بعض التجار، بثمن بخس. وقيل: المعنى: فاشتراه السيارة من أخوته بثمن بخس، وهو اختيار الطبري، ثم خافوا أن يشركهم فيه أصحابهم، وقالوا هو بضاعة. معنى: {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين}، أي: إخوته.
وقيل: هم الذين اشتروه، والأول أحسن، لأن إِشْراءَهُم إياه من التجار يدل على (آن) رغبتهم فيه، وبيع إخوته له بثمن بخس يدل على زهادتهم فيه. ويجوز أن يكون الضمير: الوارد، أي: وكان الوارد الذي رفعه من الجب فيه من الزاهدين، والذين اشتروه من الوراد، وليسوا بزاهدين فيه، بل اشتروه خوفاً أن يشركهم فيه غيرهم لرغبتهم فيه. والبخس عند ابن عباس، والضحاك: الحرام. وقيل: هو الظلم، وهو قول قتادة. وقال مجاهد: هو القليل، وهو قول عكرمة. والبخس في اللغة النقصان، فمعناه: [ب] ثمن مبخوس: أي: منقوص. ومعنى {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ}: أي: غير موزونة، ناقصة.
وقيل: المعنى: أنها أقل من أربعين، لأنهم كانوا لا يزنون ما كان أقل من أربعين، لأ (ن) أقل أوزانهم، وأصغرها الأوقية، (وهي) أربعون درهماً. وقال ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما: كانت عشرين درهماً. وقال مجاهد: كانت اثنين وعشرين درهماً، أخذ كل واحد من إخوة يوسف درهمين، درهمين، وهم أحد عشر رجلاً. وقال عكرمة: كانت أربعين. وكان إخوة يوسف فيه من الزاهدين، لا يعلمون نبوءته وكرامته على الله. ثم قال (تعالى): {وَقَالَ الذي اشتراه مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي (مَثْوَاهُ)}: والذي اشتراه: هو الملك بمصر. قطفير وهو العزيز. وكان على خزائن مصر، وكان
الملك المعظم عندهم / يومئذ: الريان بن الوليد، رجل من العمالقة. وكان اسم امرأة العزيز راعيل، وكان الملك زوجها لا ولد له، ولم يكن يأت [ي] النساء، فأراد أن يتبناه. وروي عن ابن مسعود أنه، قال: أفرس الناس ثلاثت [ة]: العزيز، حين قال لامرأته {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ}، وابنة شعيب حين قالت لأبيها: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي (الأمين)} [القصص: 26]، وأبو بكر الصديق، Bهـ، حين ولى عمر، Bهـ. ثم قال تعالى: {وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض}: والمعنى وكما خلصناه من القتل من أيدي إخته، كذلك مكنا له في الأرض، فجعلناه على خزائنها.
وقيل: المعنى: وكذلك مكنا له في الأرض، بأن عطفنا قلب الملك عليه حتى تمكن على الخزائن. {وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث}: مكناه، وهذا تصديق ليعقوب في قوله ليوسف: {وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث} [يوسف: 6]: وتأويل الأحاديث عبارة الرؤيا. {والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ}: أي: مستولٍ على أمر يوسف. وقيل: غالب على أمره: أي (مستول على أمره)، يفعل ما يشاء. " فالهاء " [في] المعنى الأول ليوسف، وفي الثاني لله. وقيل: إنها في القول الثاني ليوسف (أيضاً). [أي]: غالب على أمر يوسف، يفعل فيه ما يشاء. {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ}: وهم الذين باعوه بثمن بخس، وزهدوا فيه،
22
والذين مضوا به إلى مصر وباعوه. قوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} - إلى قوله - {مِنَ الخاطئين}: أي: ولما بلغ منتهى قوته، وشدته. قال مجاهد: هو ثلاث وثلاثون سنة. وقال ابن عباس: بضع وثلاثون سنة. وقال الضحاك: عشرون سنة. وقال ربيعة، وزيد بن أسلم، ومالك، Bهم: الأشد الحُلُمُ. وقال الزجاج: الأشد: من سبع عشرة إلى أربعين. والأشد جمع عند سيبويه، واحدُهُ " شدة " كنعمة وأنْعُم.
وقال الكسائي: واحدة شدة كقد وأقُدُ. وقال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه عند العرب. وقال يونس الأشد جمع واحدةُ شد، وهو يذكر ويؤنث وفيه لغتان، وهي ضم الهمزة. قوله: {آتَيْنَاهُ حُكْماً (وَعِلْماً)}: قال مجاهد: العقل، والعلم قبل النبؤة. وقيل: المعنى: جعلناه المستولي على الحكم، فكان يحكم في سلطان الملك.
وآتيناه علماً بالحكم. {وكذلك نَجْزِي المحسنين}. أي: ومثل ما فعلناه بيوسف، نفعل بمن أطاع، وأحسن في طاعته. وقيل: المراد به محمد A. ولفظه عام، والمراد به الخصوص، والمعنى: وكما فعلنا بيوسف في تمكينه، ونجيناه من إخوته. كذلك نفعل بك يا محمد: نمكنك وننجيك من مشركي قريش، ونؤتيك الحكم والعلم. ومن قرأ {هَيْتَ لَكَ} بالفتح، فتح لالتقاء الساكنين. ومن همز جعله من (تهيأت) / (لك). ومن كسر، لالتقاء الساكنين. ومن ضم كذلك شبهها بقبل وبعد.
ومن لم يهمز، أبدل من الهمزة تاءً. ويجوز أن يكون ليس من تهيأت، وإنما بني لأنه صوت، لاحظ له في الإعراب. وقد قيل: إن من همز، فإنما هو من: " هاء يَهيءُ " مثل جاء يجيء. ومعناه: حسنة هيئتك. ومن قرأ بالياء فعلى التخفيف من هذا المعنى، ويكون " لك " من كلام آخلا، كما نقول: " لك عندي ". وقيل: إن من همزه، وضم التاء، فهي من تهيأت. والتاء للمتكلم كتاء قمت، (كما) يقول الرجل: هيأت للأمر، أهيء، هيأة. والمعنى وراودت يوسف امرأة العزيز عن نفسه للجماع، وغلقت أبواب البيت عليها، وعليه، وقالت: {هَيْتَ لَكَ}: أي: هلم لك، أي: اذْن، وتقرب، وتعال.
يقال: هيت فلان لفلان: إذا دعاه. وقال ابن عباس: {هِيْتَ}: كلام بالسريانية، تدعوه إلى نفسها. قال يوسف لها: (معاذ الله): أي: أعوذ بالله معاذاً. والمصدر يدل على الفعل. {إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ}: " أي: إن العزيز مالكي، وصاحبي، أحسن مثواي، وقيل: إن معنى الكلام: إن العزيز سيدي، يعني زوج المرأة. وقيل: " الهاء " لله. والمعنى: إن الله ربي أحسن مثواي، فلا أعصيه. وقيل: " الهاء: عماد بمعنى الخبر، والأمر، فيكون " ربي " مبتدأ، و " أحسن " خبره. وعلى القول الأول: " ربي " خبر " إنَّ ". ومعنى: {أَحْسَنَ مَثْوَايَ} - إذا كان للعزيز-: أي: أحسن قراي، ومنزلي، وائتمنني
فلا أخونه. وإذا كان لله: فمعناه: أحسن خلاصي، وعلمني، وخلقني فلا أعصيه {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون}: أي: إن الحديث لأبقى للظالمين. وأصل الفلاح: البقاء، أي: " هذا الذي تدعونني إليه ظلم، ولا يفلح من عمل به. والأبواب: وقف عند نافع، ولَكَ التمام عند غيره. ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا}. قيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: ولقد همت به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ربه، لنصرف عنه السوء ". وقيل: " كذلك ": في موضعها لا تأخير فيها. ذكر أنها جعلت تذكر له محاسن نفسه، وتشوقه، إلى نفسها. قال السدي: قالت له: يا يوسف! ما أحسن عينيك، قال: هي أول ما يسيل إلى الأرض من جسدي. قال: فلم تزل به حتى أطعمته (فهمت به، وهمّ بها) فدخلا البيت
وغلقت الأبواب، وذهب ليحل سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب، " قائماً في البيت " قد عضّ على إصبعه يقول: يا يوسف تواقعها، فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق. ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات وقع في الأرض، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ومثلك إذا لم تواقعها مثل الثور / الصعب، لا يعمل عليه. ومثلك إذا واقعتها مثل الثور حين يموت، فيدخل النمل في أصول قرونه، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه فربط سراويل (هـ) وذهب، ليخرج يشتد، فأدركته، فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه، فخرقته حتى أخرجته منه، وسقط، وَطَرَحَهُ يوسف، واشتد نحو الباب.
والهَمُّ بالشيء في كلام العرب: حديث النفس {بِهِ}، ما لم يفعله. ويروى أن يوسف، عليه السلام، لما خلا بها قامت لتستر ما بينهما، وبين الصنم، فقال لها يوسف: ما تفعلين؟ فقالت: أستر ما بيننا وبين هذا الصنم، لا يراني خاليةً معك. فقال لها يوسف: وأي شيء يستُرني من ربي. وقال الحسن: زعموا - والله أعلم - أن سقف البيت انفرج، فرأى يوسف يعقوب عاضاً على إصبعه، فَولَّى هَارباً. وقيل: رآه جبريل، عليهما السلام، قائلاً له: يا يوسف!. جعل الرحمان اسمك في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء. لئن واقعت الخطيئة، ليمحونك من
ديوان النبؤة. (و) قال ابن أبي مليكة عن ابن عباس: نودي أيا يوسف! أتزني! فتكون مثل الطير الذي نتف ريشه، وذهب يطير فلم يستطع. وقيل: ركضه جبريل A، بعد النداء ركضةً في ظهره، فلم تبق فيه شهوة إلا خرجت. فوثب واستبقا الباب، وتطاير (ت) مسامير الباب، فلم تقدر أن تعلقه عليه. فتعلقت به، فقدّت قميصه من دبر. وقال علي بن أبي طالب (Bهـ): همّ يوسف أن يحل التك [ة]، فقامت
إلى صنم مكلل بالدُّرر، والياقوت، فسترته بثوب أبيض، فقال لها يوسف: أي شيء تصنعين؟ قالت: أستحي من إلاهي هذا أن يراني على هذه الصورة. فقال: أتستحين من صنم لا يعقل، ولا يسمع، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا أستحي من إلاهي القائم على كل نفس بما كسبت، والله لا تنالها مني أبداً. وقيل: رأى في جدار البيت مكتوباً: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى} [الإسراء: 32] الآية. وقال وهب: رأى كفاً فيها مكتوب: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 32]، ورأى (بعدها كفاً) فيها مكتوب {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ} [الانفطار: 10] إلى قوله - {تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 12]، ثم رأى كفاً ثالثة فيها مكتوب {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى} [الإسراء: 32] الآية -، ثم رأى رابعة فيها مكتوب
{واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله} [البقرة: 281] الآية. فولى يوسف هارباً. وقال محمد بن كعب: رأى مكتوباً بين عينيها {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى} [الإسراء: 32] الآية. قال ابن عباس: همّ يوسف بها، حتى حمل الهِميات، وجلس منها مجلس الخاتن والروايات فيها كثيرة، لأنه قد حلّ وجلس، واستلقت هي له. وقال أهل العلم: إنما ابتلى الله أنبياءه بالخطايا، ليكونوا على وَجَلٍ
وإشفاقٍ، ولا يَتَّكِلُوا على سعة عفو الله عزّ وجلّ. وقيل: بل ابتلاهم بذلك، ليعرفهم موضع نعمته عليهم /، بصفحه عن ذنوبهم. وقال أبو عبيدة: المعنى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ}: تَمَّ الكلام. {وَهَمَّ بِهَا لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}: " لولا أن رأى برهان ربه، هَمَّ بها ": على التقديم والتأخير، ينفي عن يوسف أن يكون هَمَّ بالخطيئة. وقد خالفه في ذلك جميع أهل التفسير، ولا يجوز هذا أيضاً عند أهل العربية، لأنه لو كان كما قال، لكان باللام. لا يجوز عندهم: " ضربتك لولا زيد ". والمعنى عندهم: {لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}، لأمضى ما همَّ به. وقد قيل: إنَّ الهَمَّ بها: هو ما يخطر على القلب من حيل الشيطان، وذلك مما لا
يؤاخذنا الله به. وقيل: معنى {وَهَمَّ بِهَا}: أي: بضربها، ودفعها، ولم يفعل [ذلك] لئلا يكون [ذلك] لها حجة عليه. أَلقَى الله في نفسه ذلك فلم يفعله. وقيل: إنه نودي، يا يوسف! تزني، وأنت مكتوب في الأنبياء، تعمل عمل السفهاء. وقال الحسن: رأى صورة فيها وجه يعقوب، عاضّاً على أنامله، فدفع في صدره، فخرجت شهوته من أنامله. فكل ولد يعقوب ولد به، إثنا عشر ولداً، إلا يوسف فإنه له أحد عشر ولداً، نقَّصَ له بتلك الشهوة ولداً.
وروي أنه نظر إلى يعقوب عاضاً على أنامله، يقول له: يا يوسف أتزني كما زنت الحمامة، فتساقط ريشها. وكان ذلك جبريل، عليه السلام. وقيل: إنه سمع من قومه قائلاً، يقول {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} [الإسراء: 32]. وروي أنه كان لامرأة العزيز صنماً تعبده في بيتها، فلما أرادته أرخت على صنمها الستر لئلا يراها. فقال لها يوسف: أنت تستحيين من صنم، لا يسمع، [ولا يعقل]، ولا يبصر، وأنا لا أستحي من رب العالمين، الذي لا يحجبني عنه شيء فولَّى هارباً. وقيل: البرهان أنه تفكر فيما أوعد الله، D، على الزنا.
وقيل: إنه تذكر في قول الله D: { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ} [الانفطار: 10]، وفي قوله: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} [يونس: 61]، وفي قوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 33] وفي قوله: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى} [الإسراء: 32]. وروي عن ابن عباس أنه رأى تمثال الملك. ثم قال تعالى: {واستبقا الباب}: أي: استبق يوسف، وامرأة العزيز الباب ليهرب منها (فلحقت قميصه) فقدمته من دبر، وصادفاً زوج المرأة، وهو العزيز عند الباب. قال السدي: وجد زوجها جالساً عند الباب، وابن عمها معه، فلما رأته حضرها كيد، وخافت أن تفتضح، فقالت: {مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سواءا}، إنه راودني عن نفسي، فدفعته عن نفسي، فشققت قميصه. قال يوسف: بل هي راودتني عن نفسي، فأبيت وهربت منها. فأدركتني فشقت قميصي. فقال ابن عمها: تبيان هذا في
القميص، فإن كان من قُبُل فصدقت، وإن كان من دبر، فكذبت. فأوتي بالقميص فوجد أنه قُدَّ من دبر. فقال العزيز: {إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} / آية. ومعنى: {سواءا} هنا: الزنا، ولم يكن يوسف يُريد أن يذْكُره لزوجها حتى كان (ت) هي التي ابتدأت بالكيد، فغضب، فقال: هي {رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي} والشاهد ابن عمها. وقيل: هو صبي كان في المهد، قاله ابن عباس. وقيل: كان من خاصة الملك، حكيماً من أهلها، وهو " أشبه " لأنه لو كان
طفلاً كان في كلامه في المهد، وشهادته وحكمه (آية ليوسف) ولا يحتاج إلى ثوب، ولا غيره. والقول عند المازني مضمر، والمعنى: فقال: إن كان قميصه. ويروى أنها قالت هو حوّل قميصه. وخرقه ليكون له حجة فروي أن يوسف قال عند ذلك: هذه علامة في ظهري، لا تنالها يدي من كل جانب تناولته هي. فعلموا عند ذلك أنها التي قدَّت القميص، فعند ذلك قال العزيز: {إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ}. وقيل: إن القائل هذا هو الشاهد، ورد الجواب على قولها: {مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سواءا}. ثم قال تعالى: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا}: أي: قال الشاهد: يا يوسف أعرض عما كان منها اليوم لا تذكره لأحد. {واستغفري} أنت زوجك: أي: سليه، ألا يعاقبك على ذنبك. {إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين} هذا كله قول الشاهد لهما. وقال: {مِنَ الخاطئين}، ولم يقل: " من الخاطئات ": لأنه قصد الخبر عن من يعقل " كلهم ":
30
المذكر والمؤنث، فغلّب المذكر. أي: إنك كنت من الناس الخاطئين. قوله: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المدينة امرأة العزيز تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ} إلى قوله: {الصاغرين}: المعنى: وتحدث نسوة بمصر بخبر امرأة العزيز، ولم ينكتم أمرها، وقلن: امرأة العزيز تراود عبدها. والعرب تسمي الملوك فتى. {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً}: أي فقد بلغ حبه إلى شغاف قلبها، حتى غلب عليه. والشفاف: غلاف القلب. وقيل: حجابه وقيل: الشغاف: حبه القلب، وسويداؤه. وقرأ أبو رجاء، والأعرج، وقتادة: " شعفها " بالعين " غير معجمة: أي: قد
ذهب بها كل مذهب، لأن شغاف لجبال أعاليها. وقال الشعبي: الشفاف: حب، والشغف: جنون. {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: في خطأ ظاهر، {إِذْ رَاوَدتُّنَّ} [يوسف: 51] غلامها عن نفسه. فلما سمعت امرأة العزيز بقول النسوة، وما مَكَرْن ذلك أنهن فيما روي، فعلن ذلك لتريهن يوسف. فقلن ما قلن مكراً بها، فلذلك سمي قولهن مكراً. وقيل: إنها كانت أطلعتَهُنَّ على ذلك، واستكتمتهن، فأفشين ذلك، ومكرن بها. فلما سمعت بما فعلن، أرادت ان تُوقِعهن فيما وقعت هي فيه: {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً}: أي: أعدت لهن مجلساً، أو مما يتكئن عليه من النمارق. وهو يفتعل من " وكأت " والأصل فيه: " مؤتكاً "، ففعل به ما فعل " بمتزر " من الوزر. وقد نطق به بالتاء / مع غير تاء الافتعال. قالوا: " تك الرجل متكئاً ".
وقال ابن جبير: متكئاً: طعاماً وشراباً. وقال السدي: ما يتكئن عليه. وقال ابن عباس: مجلساً. وقرأ الحسن: " متكئ " بإسكان التؤ من غير همز، على ون " فع (ى) وهو المجلس والطعام. وقال الضحاك: المتك: الزُّمَاوَرْد، وقيل هو الأترنج، وروي ذلك عن ابن عباس. وحكي القتيبي أنه يقال: " اتكأ عند فلان، أي: أكلنا عنده "
قوله: {وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً}: يدل على أنه طعام يقطع بالسكاكين. فكأنه في التقدير: وأعتدت لهنَّ طعاماً متكئاً، ثم حذف مثل {وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: 82]. والسكين: يُذَكر، ويؤنث عند الكسائي، والفراء، ولا يعرف الأصمعي إلا التذكير. {وَقَالَتِ اخرج عَلَيْهِنَّ}: أي: قالت ليوسف: أخرج، فخرج (عليهن) {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ}: أي: عظم وجل في أعينهن، وكَبُر، وعظم، وبُهْتنَ. وقيل: {أَكْبَرْنَهُ}: حضن الحيض البين. " فالهاء " على القول الأول ليوسف، وعلى القول الثاني للحيض، كناية على
المصدر. وأكبر [ن]، بمعنى حضن، مروي عن ابن عباس، والضحاك. وعن مجاهد أن المعنى: فلما رأينه أعظمنه فحضن. وقوله: {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} بالحز بالسكاكين. قال السدي: جعلن يحززن في أيديهن، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج، ما يعقلن مما طرأ عليهن من جماله، وهيأته. وقال قتادة، ومجاهد: " تقطعن أيديهن حتى ألقينها ". قال عكرمة: قطعن أيديهن: أي: أكمامهن. وروي أن يوسف، وأمه أعطيا ثلث الحسن وعن النبي A، أنهما أعطيا ثلث الحُسن).
وقوله: {وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ}: أي: معاذ الله. وحاشا يكون بمعنى التنزيه، وبمعنى الاستثناء، وهي هنا للتنزيه. {مَا هذا بَشَراً}: استَعظَمْنَ أمره، إذ لم يرين من البشر مثله. {إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}: أي: من الملائكة. قالت لهن: {فذلكن الذي لُمْتُنَّنِي فِيهِ}: أي: فهذا الذي حلّ بكن في تقطيع أيديكنَّ الذي لمتنني في حبه. وقال الطبري: ذلك بمعنى هذا. ثم قالت: {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ} إقراراً منها أن ما قيل حقٌّ، {فاستعصم}:
33
قال قتادة: استعصى، وقال ابن عباس: امتنع. {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ (لَيُسْجَنَنَّ)}: أي: إن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه {لَيُسْجَنَنَّ} {وَلَيَكُوناً مِّن الصاغرين}: أي: من المهانين، المذلين بالحبس، والسجن. وكأن في الكرم تقديماً، وتأخيراً، لأن تهديدها له بالسجن والهوان. أي: إن لم يساعدها إنما كان قبل تخزيق القميص، وقبل معرفة زوجها بما (جرى) لها معهن والله أعلم بذلك. فهذا الذي يدل عليه معنى النص: إذ بوقوف زوجها على القصة، انقطع ما بينهما، وطالبته بالعقوبة فسُجِن. قوله: {قَالَ رَبِّ السجن أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ} إلى قوله: {حتى حِينٍ}
قرأ عثمان Bهـ: " السَّجن بفتح السين والمعنى: رب، إن السجن أحب إلي، فهو مصدر. وهي قراءة ابن أبي إسحاق، والأعرج، ويعقوب. ورويت عن الزهري. ومن كسر جعله اسماً. والمعنى: أن يوسف عليه السلام، اختار السجن على ما دعته إليه من الزنا. قوله: {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ} يعني: مراودتُهُن. {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ}: أي: أَمِلْ إليهن.
وقيل: أتابعُهُنَّ، وأكن بصبوتي من الذين جهلوا حقك، و [خ] الفوا أمرك. قوله: {أَعْرِضْ عَنْ هذا} [يوسف: 29]: وقف. وقوله: {مَا هذا بَشَراً} [يوسف: 31]: وقف عند نافع (فاستعصم): وقف. ثم أخبر تعالى أنه استجاب له بعصمه منها، ومن كيدها، وذلك أن في قوله: {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ}، شكوى ما حل به منها، وكذلك رضاه بالسجن هو شكوى. فاستجاب له ذلك، فصرف الله عنه ما اشتكى به إليه. {إِنَّهُ هُوَ السميع العليم} دعاء من دعاه، (العليم): بمصلحة خلقه. وقوله: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِينٍ} قيل: سنة، وقيل: سبع
سنين. والحين: اسم للزمان يقع (ع) لى القليل والكثير. وفاعل {بَدَا} عند سيبويه ليسجننه. وعند المبرد مضمر، وهو المصدر: كأنه بدا لهم بداء. والعرب تقول: بدا ليَّ بدءاً " أي تغيّر رأيي عمّا كان عليه، ومنهم من يقول: " قد بدا لي "، ولا يذكر " بدا " لكثرته في الكلام. وهذا من ذلك. وقيل: المعنى: ثم بدا لهم رأي، ثم حذف الرأي. لأن الكلام يدل على المعنى، أي: ظهر لهم رأي لم يكونوا يعرفونَهُ، (ثم حذف الرأي). فالمعنى: ثم ظهر للعزيز رأي أن يسجنه، وأخبر عنه بلفظ الجمع لأنه ملك ولأنه لم يذكر اسمه. فالمعنى: ثم ظهر للعزيز رأي أن يسجن يوسف من بعدما
كان ظهر له أن يتركه مطلقاً، ومن بعدما رأوا الآيات ببراءته، وهي: (قد) القميص من دبر، وقطع أيدي النسوة، وخمش الوجوه. ومعنى {حتى حِينٍ}: إلى سبع سنين. وقيل: إن الله جعل ذلك الحبس ليوسف كفارة لذنبه، إذ همَّ بالخطيئة. قال ابن عباس: عثر يوسف، عليه السلام، (ثلاث عثرات): حين همَّ بها فسجن حتى حين، وحين قال: {اذكرني عِندَ رَبِّكَ} [يوسف: 42]. ونسي ذكر الله، (سبحانه) فلبث سنين في السجن، وحين قال: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يوسف: 70] فسكتوه بقولهم: {قالوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} [يوسف: 77]. وعن ابن عباس (أيضاً): أنه قال: عوقب يوسف A، ثلاث مرات. وذكر ما
36
ذكرنا عنه. وقال السدي: كان أصل حبس يوسف أن امرأة العزيز قالت له: إن هذا العبد العبراني، قد فضحني في الناس، يعتذر إليهم، ويخبرهم أني راودته عن نفسه. ولست أطيق أن أعتذر بعذري. فإما أن تأذن لي في الخروج، وإما أن تحبسه كما حبستني. فظهر له أن يحبسه، ففعل. والضمير في " لهم " للملك، وأعوانه، وأصحابه. قوله: {وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانِ} إلى قوله {يَشْكُرُونَ}. كان الفتيان غلامين من غلمان الملك الأكبر. أحدهما: صاحب شرابه، والآخر: صاحب طعامه / سخط عليهما الملك. وذلك أنه بلغه أن صاحب الطعام يريد أن يَسُمَّهُ
له وظن أن صاحب الشراب مالأه على ذلك. قال ذلك السدي: [قال]: لما دخل يوسف في السجن قال: إني أعبُر الأحلام. فقال أحد الشابين [لصاحبه]: هلم فلنجرب هذا [العبد] العبراني. فَتتَراءَيَا له، فَسَأَلاَه من غير أن يكون رأيا شيئاً، فقال صاحب الطعام: {إني أراني أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخر إِنِّي أراني أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطير مِنْهُ}، وقال صاحب الشراب: {إني أراني} أعصر خمراً وقيل: بل كانا رأياها على صحة في منامهما. وروي أنه لما فسر لهما ما رأيا رجعاً، فقالا ما رأينا شيئاً، وإنما جربناك. فقال يوسف A: { قُضِيَ الأمر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف: 41] أي: لا بد من كون ما قلت لكما من عبارة رؤياكما. وقال ابن مسعود: قال الفتيان: إنما كنا تحالمنا لنجربا إنما كنا نلعب، فقال
يوسف لهم: {قُضِيَ الأمر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف: 41] (قال مجاهد: قال يوسف لهما): أنشدكما الله أتحباني. فوالله ما [أ] حبني أحد قط، إلا دخل علي من حبه بلاء: لقد أحبتني عمتي، فدخل علي من حبها بلاء، ثم لقد أحبني أ [بي]، ولقد دخل عليّ من حبه بلاء، ثم لقد أحبتني زوجة صاحبي هذا، فدخل علي من حبها بلاء، فلا تحباني. بارك الله فيكما. (قال) فَأَبَيَا إلا حبه، وجعلا يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله. وفي قراءة ابن مسعود: " أعصر عنباً " ومعناه: خمر عنب. قال ابن عباس: لغة عمان يسمون الخمر عنباً و (قيل): المعنى: أعصر
عنب خمر ومعنى: {فَوْقَ رَأْسِي} أي: على رأسي. وقوله: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين}: أي: تحسن إلينا. قيل: كان يعود مريضهم، ويقوم عليه، ويعزي حزينهم. وكان إذا احتاج [منهم] إنسان جمع له، وإذا ضاق المكان وسع له، ويجتهد لربه. قال: لما دخل السجن، وجد قوماً قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم، وطال حزنهم، فجعل يقول: اصبروا تُؤْجَرُوا أجراً [إ] ن لهذا ثواباً. فقالوا: يا فتى بارك الله فيك، ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك، (لقد) بُورِكَ لنا في جوارك، ما نحب أنَّا كنا في غير هذا المكان لما تخبرنا من الأجر والكفارة، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف، نبي الله، ابن يعقوب بن ذبيح الله إسحاق، ابن خليل الله إبراهيم.
قال ابن مسعود: أعطي وأمه ثلث حسن الناس. وقال جعفر بن محمد: أعطي يوسف نصف حسن الناس. وروي مثله عن النبي A، أنه قال: إن كانت المرأة الحامل لتراه فتضع). وقيل معنى: {مِنَ المحسنين}: إن نبَّأتنا بتأويل رؤيانا. قال يوسف لهما {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ}: أي: في منامكما {إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} يعني: في يقظتكما {قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا} تأويل ما رأيتما. قال (ذلك السدي وابن اسحاق). ثم قال: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله} أي: برئت منها. وإنما أجابهما يوسف بهذا، وليس / بداخل في السؤال، لأنه كره أن يجيبهما عن تأويل رؤياهما، لما علم فيها من رؤيا الذي رأى أنه يحمل فوق رأٍه خبزاً.
وأعرض عن جوابهما مرتين، وأخذ في غيره كذا قال ابن جريج ومعنى: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ}: إن الملك (كان) إذا أر (ا) د قتل إنسان، صنع له طعاماً معلوماً. فأرسل به إليه. فقال يوسف لهما: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ} يعني: من عند الملك {إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ}: أي: أخبرتكما: هل هو طعام من يراد قتله، أو طعام من يراد به غير ذلك. فأعلمهما أن عنده علماً من معرفة الطعام. فيكون المعنى: في اليقظة، لا في النوم. وكان هذا بعدوله عن تفسير رؤياهما لما كره من ذلك، فلم يدعاه يعدل عن حوابهما، وسألاه ثانية، وكره العبارة فتمادى في العدل. وقال:
{ياصاحبي السجنءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار} [يوسف: 39]- إلى قوله - {يَعْلَمُونَ} [يوسف: 46]: فلم يدعاه حتى سألاه ثالثة فعبر لهما، وقال {ياصاحبي السجن أَمَّآ أَحَدُكُمَا (فَيَسْقِي) رَبَّهُ خَمْراً} [يوسف: 41]- الآية - فلما عبر قالا: ما رأينا شيئاً، إنما كنا نلعب فقال: {قُضِيَ الأمر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف: 41]. قوله: {أَن يَأْتِيكُمَا} وقف (وفي) " ربي ": وقف. قوله: {واتبعت مِلَّةَ آبآئي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}: أي: دينهم، وطريقتهم {مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بالله (مِن شَيْءٍ)}: (دليله الشرك)، (ولفظه) لفظ الخبر، ومعناه النفي أي: لم يشرك بالله، دليله الشرك الذي بعده.
39
قوله: {ذلك مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى الناس} فهو مقابل له: أي: ما ينبغي لنا أن نشر (ك) في عبادة الله أحداً. {ذلك مِن فَضْلِ الله} (أي تركنا الشرك، هو من فضل الله علينا) وعلى الناس، إذ جعلنا دعاة لهم إلى توحيده. {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ}: أي: من يكفر لا يشكر. قال ابن عباس: {مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا}: إذ جعلنا أنبياء، " وعلى الناس " أن بعثنا إليهم رسلاً ". قوله: {ياصاحبي السجنءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ} - إلى قوله - {تَسْتَفْتِيَانِ} روي أن يوسف عليه السلام قال: هذا لأن أحد الفَتييْن كان مشركاً، فدعاه بهذا إلى الإيمان، ونبذ الآلهة، فجعلهما صاحبي السجن لأنهما فيه. والمعنى: يا من في السجن. وهذا
كقوله تعالى لسكان الجنة: {أولئك أَصْحَابُ الجنة} [البقرة: 82، الأعراف: 42، يونس: 26، هود: 23] ولسكان النار {فأولئك أَصْحَابُ النار} [البقرة: 81، 275]. والمعنى: أعبادة أرباب متفرقين خير؟ أم عبادة {الله الواحد القهار}. قال قتادة: لما علم يوسف أن أحدهما مقتول دعاه إلى حظه في الآخرة. ثم قال (تعالى): {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ}: فجمع، لأنه قصد المخاطب، وكل من عبد غير الله، فجمع على المعنى: أي: ما تبعد أنت، ومن هو على ملتك {إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ}: أي: لم يأذن الله لكم بذلك، أنتم أحببتم أسماءها وآباؤكم. {مَّآ أَنزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ}: أي: من حجة، ومن كتاب، ومن دلالة. وقوله /
{أَمَرَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ}: أي: أسس الدين عليه لئلا يُعبد غيره. {ذلك الدين القيم}: أي: ذلك الذي دعوتكم إليه هو الدين الي لا اعُوِجَاجَ فيه {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ}: وهم المشركون. ثم قال: {ياصاحبي السجن}: يخاطب الفَتَيَيْنِ {أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً}: أي: سيده الملك، وهو (الذي) رأى أنه يعصر خمراً. {وَأَمَّا الآخر فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطير مِن رَّأْسِهِ} فقال عند ذلك: ما رأينا شيئاً، فقال: {قُضِيَ الأمر الذي (فِيهِ) تَسْتَفْتِيَانِ}. وقيل: إنما أنكر الذي أخبره أنه يصلب. فقال: قضي الأمر سواء رأيت، أو لم تر وكان اسمه مجلث، واسم الثاني نبو. قال ثابت البنان (ي): دخل جبريل عليه السلام على يوسف في السجن، فعرفه
42
يوسف، فقال له: أيها الملك، الحسن وجهه الطيب ريحه، الكريم على ربه: {هَل لَّكَ} [النازعات: 18] علم بيعقوب؟ قال: نعم. قال: فما صنع؟ قال: ابيضت عيناه من الحزن، قال: وفيم ذلك؟. قال: عليك. قال: فما بلغ من حزنه؟ (قال): حزن سبعين مُثْكِلَة قال: فما له من الأجر على ذلك؟ قال: أجر مائة شهيد. قال الحسن: مكث يعقوب، عليه السلام، ثمانين سنة، أو نحوها، لا يفارق قلبه الحزن، ولا تجف عيناه من البكاء. وإنه لأَكْرَمُ أهل الأرض على الله يومئذٍ. قوله: ({وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ (نَاجٍ مِّنْهُمَا} - إلى قوله - {بِعَالِمِينَ} المعنى: وقال يوسف للذي علم أنه ناج) من الفتيين: اذكرني عند سيدك،
وهو الملك الأعظم. وأعلمه بمظلمتي وأني محبوس بغير جرم. وقيل: المعنى: اذكر ما رأيته مني من العلم بعبارة الرؤيا، وبحال (ي) في العلم عند الملك. قوله: {الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ}، أي: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف للملك. فالهاءان للساقي، بدلالة قوله: {وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45]، أي: تذكَّر الساقي ما قاله له يوسف بعد حين، يدل على أن النسيان كان من الساقي: أنساه الله D، أن يذكر يوسف عليه السلام. وقيل: المعنى أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه D فالهاءان ليوسف: أي: أنسى يوسُفَ الشيطان أن يرجع إلى ربه، ويسأله خلاصة،
ويرد أمره إلى الله D ورجع إلى سؤال أحد الفتيين أن يذكره عند الملك، فلبث في السجن عقوبةً بضع سنين. (قال النبي A: " لولا كلمةُ يوسف، ما لبث في السجن ما لبث " يعني قوله: {اذكرني عِندَ رَبِّكَ} أي: عند سيدك. قال ابن دينار لما قال يوسف للساقي: {اذكرني عِندَ رَبِّكَ}. قيل: يا يوسف اتخذ [ت] من دوني وكيلاً، لأطيلنَّ حبسك. فبكى يوسف، وقال: يا رب: أنسى قلبي كثرة البلوى، فقلت كلمةً فويل لإخوتي. ويروى أن يوسف لما قال لصاحب الشراب: {اذكرني عِندَ رَبِّكَ} أتاه جبريل عليه السلام فعاتبه، وخرق له بجناحه سبع أرضين، إلى منتهى الصخرة التي عليها
الأرض، وقوَّى الله، D، بصر يوسف، حتى نظر إلى نملة، على الصخرة تجر حبة. فقال جبريل: يا يوسف لم يغفل ربك عن هذه النملة ورزقها، فكيف يغفل عنك، وأنت في السجن، حتى تشكو إلى صاحب / الشراب، وتأمُرهُ بذكرك، وبذكر عذرك عند سيده. قال: فأخذ يوسف التراب فملأ به فمه، ورأسه، وقال: إلَهي! أسألك بوجه أبي وجدي - قال مجاهد -: فلم يذكره الساقي حتى رأى الملك الرؤيا. قال قتادة: لبث في السجن سبع سنين. قال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب بختنصر فَحَوَّل في السباع سبع سنين وكذلك قال ابن جريج. " والبضع ": ما بين الثلاث إلى التسع.
وقال الأخفش: هو من واحد إلى عشر. قال قُطْرُبْ: هو ما بين الثلاث والسبع. وقال أبو عبيدة: من الواحد إلى الأربعة. (قال الحسن ذكر لنا أن النبي، A، قال: لولا كلمة يوسف حيث يقول: {اذكرني عِندَ رَبِّكَ}، ما لبث في السجن طول ما لبث. قال ابن عباس: عوقب بقوله للساقي: {اذكرني عِندَ رَبِّكَ} فطال سجنه. وروي أن يوسف، عليه السلام، لما قال له: {اذكرني عِندَ رَبِّكَ} أوحى الله إلى الأرض أن النفرج (ي) لعبدي يوسف. فانفرجت له. فقيل له: ما ترى؟ فقال: أرى أرضاً، وأرى ذرةً معها طعم لها. قال: فقال: يا يوسف! ألم (أغفل) عن هذه في هذا الموضع، وأغفل عنك لتَلْبَثَنَّ في السجن بضع سنين. وقوله: {وَقَالَ الملك إني أرى سَبْعَ بَقَرَاتٍ (سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ)}:
45
وهو ملك مصر (ا) لأعظم. والمعنى: (إني) أرى في منامي سبع بقرات سمان {يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} فلم يكن عند الملك من يعبر ذلك، وقالوا له: {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ}: أي: هي أضغاث. ووقع في نفسه أنها رؤيا كائنة (لا بد) من ذلك. ومعنى: {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ}: (أي: أخلاط أحلام) كاذبة. {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام} الكاذبة {بِعَالِمِينَ}: وتقديره: وما نحن بعالمين بتأويل الأحلام والأَغاث. (والباء) في {بِعَالِمِينَ}: لتأكيد النفي، (و " الباء " في {بِتَأْوِيلِ} لتعدية، متعلقة بعالمين) ففي الكلام تقديم وتأخير. قوله: {وَقَالَ الذي نَجَا مِنْهُمَا وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ} - إلى قوله - {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}: المعنى: وقال الذي نجا [منهما] من القتل، يعني: من الفَتَيَيْن اللذين عبر لهما
يوسف الرؤيا. {وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ}: أي: تذكر بعد حين وصية يوسف، وأمره. قال الكلبي: تذكر بعد سنين، فذكر أمره للملك. وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك: " بعد أمه " بالهاء، وفتح الميم والتخفيف أي: بعد نسيان. وقرأ مجاهد: " بعد أمْهٍ " بإسكان الميم، وبالهاء: جعله مصدر أمة أمهاً: إذا نسي. وتأويلها كتأويل من فتح الميم. وأصل المصدر فتح الميم، ومن أسكن فللتخفيف.
وقرأ الحسن: أنا آتيكم بتأويله قال: وكيف ينبؤهم العلم؟ ثم قال: {فَأَرْسِلُونِ}: أي: فأطلقوني أمضي لآتيكم بتأويله من هذا العالم. قوله: {فَأَرْسِلُونِ}: وقف. وقوله {يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق}: أي: يا يوسف {أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ}: أي: في سبع بقرات رُئينَ في المنام. ويأكلهن سبع عجاف - الآية -. قال قتادة: السمان: السنين الخصبة /، والعجاف. سنون جدْبَة. ومعنى {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ}: أي: يعلمون تأويل رؤيا الملك. وقيل: المعنى: لعلهم يعلمون مقدارك، فيخرجونك من السجن.
قال يوسف للسائل: {تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً}: أي: على عادتكم التي كنتم عليها. وقوله: {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ} فهو خبر معناه الأمر: (أي): ازرعوا، وفيه إيماءٌ إلى تعبير الرؤيا، (فلفظه خبر معناه: الخبر عن تعبير الرؤيا) وفيه معنى الأمر لهم بالزرع سبع سنين، وتركه في سنبله. ودلّ على أنَّه أمر. قوله: {فَذَرُوهُ}، فرجع إلى لفظ الأمر بعينه، وعطفه على معنى الأول. وقيل: هو رأي رآه، A، لهم ليبقى طعامهم، فأمرهم أن يَدْعُوه في سنبله (إلاَّ ما يأكلون). ثم قال له: {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك سَبْعٌ شِدَادٌ}: أي: قحيطة، {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ}. أي: يوكل فيهن ما أعددتم في السنين الخصبة من الطعام ووصفت السنون بالأكل، والمراد أنه يؤكل فيها، كما قال {والنهار مُبْصِراً} [يونس: 67، النمل: 86، غافر: 61]: أي: يبصر فيه.
50
وقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ}: أي: تحزرونه، أي: ترفعونه للحرث. {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ الناس} أخبرهم، A، عما لم يكن في رؤيا الملك، وذلك من علم الغيب، الذي علمه الله، ( D) دلالة على نبوته A، ومعنى {فِيهِ يُغَاثُ الناس}: أي: بالمطر، والخصب. {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}: أي: يعصرون العنب، والسمسم، والزيتون: وهو قول ابن عباس، والضحاك، وقتادة، وابن جريج، وغيرهم. وقيل: المعنى: وفيه تحلبون مواشيكم. وقال أبو عبيدة: معناه: وفيه تنجون من البلاء من العصر (وهو الملجأ). قوله: {وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ فَلَمَّا جَآءَهُ الرسول} - إلى قوله - {لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخائنين}.
(المعنى): أن الملك لما أعلمه الرسول بتأويل رؤياه، علم أنه حق. وقال: {ائتوني بِهِ}. فلما جاء يوسف الرسول يدعوه إلى الملك، قال [له] يوسف: ارجع إلى سيدك، {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة اللاتي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}. وأبى يوسف أن يخرج حتى يعلم صحة أمره ولم يذكر امرأة العزيز فيهن: حُسْنَ عشرة منه، صلى الله عليه (وسلم)، خلطتها بالنسوة، وأخبر عن الجميع. (قال النبي A: " رحم الله يوسف، لو كنت أنا المحبوس، ثم أرسل إلي لخرجت سريعاً. إن كان لحليماً، ذا أناة ".
(وقال A: " لقد عجبت من يوسف، وصبره، وكرمه، والله يغفر له حين سئل عن البقرات: لو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوني. ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول لو كنت مكانه لبادرتهم الباب " قوله: {مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} إنما خاطبهن لأنهن قلن ليوسف إذ رأيته: وما عليك أن تفعل، فراودنه عن نفسه. وقيل: إنه / خاطبهن من أجل امرأة العزيز فيهن، فجعل الخطاب للجميع، والمراد واحدةٌ منهن. ودليل هذا جوابها وحدها، إذ حكاه الله، D، عنها فقال: {قَالَتِ امرأت العزيز الآن حَصْحَصَ الحق}.
وقيل: إنما خاطبهن كلهن، لأن يوسف لما قال: {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة اللاتي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} ظن الملك أنهن كذبن وراودنه، فجاوبته امرأة العزيز، وأقرت أنها هي الفاعلة. وقيل: إنما جمعهن في الخطاب، لأنهن قلن: {امرأة العزيز تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ} [يوسف: 30] وأشعن ذلك فقيل لهن: هل علمتنَّ ذنبه؟ {قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سواء} فعند ذلك، أقرت امرأة العزيز أنها هي جاروته عن نفسه. رجع الرسول، فقال ذلك للملك فأحضر الملك النسوة. والكلام دل على الحذف. ومعنى {حَصْحَصَ الحق}: تبين وظهر وانكشف، فقالت: {أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين} في قوله: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي} وذلك أنها اضطرت إلى أن تبلغ مراد الملك في صرف الإبهام عنه بالرؤيا التي شغلت قلبه، فبرأت يوسف ليصح صدقه عند الملك، ويعلم أن ما أفتى في الرؤيا حق، فتعطفه عليه. وحصحص مأخوذ من الحصة، أي: بانت حصة الحق من حصة الباطل. وأصله " حصص "، ثم أبدل من الصاد الثانية حاءً، كما قال:
{فَكُبْكِبُواْ} [الشعراء: 94]، والأصل " كذبوا "، وقيل: كبكب، والأصل " كبب " ورَدْرَدَ والأصل ردَّد. وقوله: {ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب} هذا من قول يوسف عليه السلام أي: قال: فعلت ذلك من ردي الرسول إليه، وتركي إجابته، والخروج إليه حتى يسأل النسوة، فيعلم الملك أني لم أذكره بسوء في الغيب. (وقيل: المعنى: ليعلم العزيز أني لم أذكره بسوء في الغيب). وقيل: المعنى: ليعلم أني لم أخنه في امرأته، وهو غائب (ويصح) ذلك عنده. وقد قيل: إنه من كرم المرأة كله لتقديم كلامها. لذلك قال ابن جريج: (هذا) متصل بما قبله، وفي الكلام تقديم وتأخير. والمعنى: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِ (هِنَّ) عَلِيمٌ}. {ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب}. فعلى هذا يكون يوسف قاله وهو في السجن.
وعلى قول ابن عباس، وغيره إنما قاله (بعد أن خرج، فلا تقديم في الكلام، ولا تأخير. ولما قال يوسف ذلك قال له) جبريل، عليه السلام: ولا حين هممت؟ فقال يوسف: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي} [يوسف: 53]. قاله ابن عباس، وابن جبير. وقال السدي: امرأة العزيز هي التي قالت له: ولا حين هممت، فحللت السراويل فقال: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي} [يوسف: 53]. وقيل: إنه من قول يوسف، وذلك أنه تذكر ما مضى. فقال ذلك معتذراً لمليكه. وذكر ابن لهيعة: أن امرأة العزيز لما اشتدت عليها الحاجة، (والمسبغة) أرادت الدخول على يوسف لتشكو إليه حاجتها، وإعوازها، / فقال لها أهلها وقومها: لا تفعلي، لأنا نخاف عليك، لأنه قد كان منك الذي كان، فقالت: كلا إني لا أخاف ممن يخاف الله، ويتقيه. فدخلت عليه، وقامت بين يديه، ثم قالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته، وأشارت إليه، ثم قالت: والحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً
بمعصيته، وأشارت إلى نفسها. (قال): ثم تزوجها يوسف، عليه السلام، فأصابها بكراً، فقال لها: أليس هذا أحسن مما كنت أردتيه مني؟ قالت له: إني كنت قج ابتليت منك بأربع خصال: (كنت) أنت أجمل الناس، وكنت أنا أجمل النساء في دهري، وكان زوجي عنيناً، وكنت بكراً حِدَثة السن قال: فأولدها يوسف، A فأول ولد ولدته ابنه سماها " رحمة " وهي امرأة أيوب، عليهما السلام. ويروى أن امرأة العزيز دخلت على يوسف، ( A) ، وقد ملك مصر، فقالت له: بالذي رفع العبيد بطاعتهم، ووضع الملوك بمعصيتهم، فتصدق عليها يوسف، وتزوجها.
53
قوله: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسوء} - إلى قوله - {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} قوله: {إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي}: " ما " في موضع نصب، استثناء، ليس من الأول. والمعنى: إلا أن يرحم ربي ما شاء من خلقه، فينجيه من اتباع هواه، وما تامر [هـ] به نفسه. إن ربي ذو مغفرة عن ذنوب من تاب، (رحيم) (به) بعد توبته. قوله: {وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ}، أمر ملك مصر الأعظم، وهو الوليد بن الريان بالإتيان بيوسف A، لما تبين عذره. وقال: {أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي}: أي أجعله من خلصائي وخاصتي. {فَلَمَّا كَلَّمَهُ}: أي: {فَلَمَّا} كلم الملك يوسف A علم براءته، وحسن عقله. قال له: يا يوسف {إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}: أي: متمكن مما أردت، أمينٌ على ما ائتنمت عليه من شيء.
وقيل: أمين، لا تخاف عذراً. ثم قال (له): ما من شيء إلا وأنا أحب أن تشركني فيه إلا أهلي، ولا يأكل معي عبدي، فقال (له) يوسف، ( A) : أتأنف أن آكل معك؟ وأنا أحق أن آنف منك، أنا ابن إبراهيم، خليل الرحمان، وأنا ابن إسحاق الذبيح، وابن يعقوب الذي ابيضت عيناه من الحزن. قوله: {قَالَ اجعلني على خَزَآئِنِ الأرض} - إلى قوله - {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} والمعنى: قال يوسف A، للملك: " اجعلني على خزائن أرضك ". قال ابن زيد: فأسلم إليه فرعون سلطانه كله، فكان على خزائن الأطعمة، وغيرها من أمواله وعمله. وروى مالك بن أنس، Bهـ، عن ابن المنكدر عن جابر بن
عبد الله، قال: كان يوسف النبي عليه السلام لا يشبع فقيل له: ما لك لا تشبع، وبيدك خزائن الأرض؟. قال: إني إذا شبعت نسيت الجائعين. قوله: {إِنِّي حَفِيظٌ}: أي: لما وليت، {عَلِيمٌ} به. وقيل: (إن) المعنى: إني حافظ للحساب، عالم بالألسن. وقيل: المعنى: إني حافظ / لللأموال عالم بالموضع الذي يجب أن يجعل فيه مما يرضي الله، D، ولذلك سأل يوسف، ( A) ، الملك في هذا ليتمكن له وضع الأشياء في حقوقها. فأراد بسؤاله الصلاح A.
ثم قال (تعالى) {وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض}: أي: في أرض مصر {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ}: أي: يتخذ منزلاً أين شاء بعد الضيق والحبس. ومن قرأ بالنون، فمعناه: يصرفه في الأرض حيث يشاء. {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ}: من خلقنا كما أصبنا بها يوسف. {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين}: أي: لا نبطل أجر من أحسن (عملاً) فأطاع ربه، ( D) . قال ابن إسحاق: ولاه الملك عمل العزيز زوج المرأة، فهلك العزيز في تلك الليالي، وزوج الملك زوجة العزيز ليوسف. وقال ابن إسحاق: فلما دخلت عليه قال:: أليس هذا خيراً مما كنت
58
تريدين؟ فقال له: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة أوتيت كما ترى حسناً وجمالاً، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما خلقك في حسنك، وجمالك، فغلبتني نفسي على ما رأيت. قال ابن إسحاق: فذكر أنه وجدها بكراً فأصابها، فولدت رجلين. فولي يوسف مصر، وملكها، وبيعها وشرابها، وجميع أمرها. ثم قال تعالى: {وَلأَجْرُ الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}. والمعنى: ولثواب الآخرة خير لمن صدق، وآمن، وخاف عقاب الله D، واتقاه سبحانه مما أعطى يوسف في الدنيا من التمكين في أرض مصر. قوله: {وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ} - إلى قوله - {وَلاَ تَقْرَبُونِ} المعنى: فيما ذكر ابن إسحاق أن يوسف عليه السلام لما أعلمهم بما يأتي من القحط، وأن
يستعدوا لما يأتيهم، أتى الناس إلى مصر، يلتمسون المير (ة) من كل بلد. فأصاب الناس جهدٌ، فأمر يوسف ألا يحمل الرجل إلا بعيراً واحداً، تقسيطاً بين الناس، ومنع أن يحمل أحد بعيرين. فقد عليه إخوته فيمن قدم يلتمسون الميرة، فعرفهم، ولم يعرفوه لما أراد الله D. وذكر السدي: أنه لما أصاب الناس الجوع، أتى أخوة يوسف ليتماروا، وهم عشرة: وأمسك يعقوب عند نفسه أخا يوسف بنيامين، فلا دخلوا على يوسف عرفهم، ولم يعرفوه. قال لهم: أخبروني بأمركم، فأني أنكر شأنكم؟ قالوا: نحن قوم من أرض الشام. قال وما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نمتار طعاناً. قال: فأخبروني خبركم. قالوا: إنا أخوة، بنو رجل صديق. وكنا اثني عشر. وكان أبونا يحب
أخاً [ل] نا وإنه ذهب معنا إلى البرية فهلك فيها. وكان أحبنا إلى أبينا. قال: فإلى من يسكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه. قال: وكيف تخبروني أنَّ أباكم صديق، وهو يحب الصغير منكم دون الكبير /. إيتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه. قالوا: سنراود عنه أباه، قال: فضعوا رهينة حتى ترجعوا، فوضعوا شمعون وجهَّزوا أبْعِرتهم بالطعام. فقال لهم يوسف ( A) : إنكم إذا أتيتموني بأخيكم ازددتم من عند [ي] حمل بعير له. {أَلاَ تَرَوْنَ أني أُوفِي الكيل}: " ولا أبخسه أحداً ". {وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين}: أي: وأنا خير من أنزل ضيفاً على نفسه في هذا البلد. {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي}: أي: لا طعام أكيله لكم {وَلاَ تَقْرَبُونِ}: أي: " لا تقربوا بلادي ".
61
وقد اعترض بعض أهل الزيغ في هذا الخبر، وقال: كيف لم يعرفوه، (وقد) عرف أن لهم أخاً من أب، وسألهم الإتيان به. فجواب ذلك على قول بعض أهل النظر أن يوسف كان لا يعطي لكل نفس إلا حِمْلاً في تلك المجاعة. (فلما) أخذوا لكل شخص منهم حِمْلاً. قالوا: لنا أخ من أبينا غاب فأعطنا له حملاً، فأعطاهم وقال لهم: إيتوني بهذا الأخ إن أردتم أن أعطيكم عنه حِمْلاً إذا رجعتم للمير (ة) لنعلم صدقكم. فإن لم تأتوني به علمت كذبكم، ولم أعطكم شيئاً. وهذا كله داخل في قوله: {كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ} [يوسف: 76] A. قوله: {قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَ (إِنَّا لَفَاعِلُونَ)} - إلى قوله - {كَيْلٌ يَسِيرٌ} المعنى: قالوا سنرجع إلى أبيه، فنسأله في أن يوجه به (معنا)، وإنا لفاعلون ذلك.
ثم قال تعالى: {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجعلوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ} أي: قال يوسف لغلمانه و " فتيته ": أنَسْبُ لأنه للعدد القليل، و " فتيان ": حسن، فقال لهم: اجعلوا أثمان الطعام التي أخذوا بها طعامي في وسط رجحالهم، وهم لا يعلمون. قال بعض أهل المعاني: إن يوسف خشي ألا يكون عند أبيه دراهم، إذا كانت سنة جَدْبٍ. فرد عليهم الدراهم طمعاً أن يأخذها. وقيل: إنما رَدَّ عليهم الثمن رفقاً بهم (من) حيث لا يعلمون، تكرماً منه، وتفضلاً. وقيل: إنما جعل الثمن في الأوعية لتكون سبب رجوعهم إليه لعلمه، فكرمهم، وإنهم لا يرضون بحبس الثمن، وإنهم يتحرَّجُون من ذلك فيرجعون إليه
ضرورة. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا رَجَعُوا إلى أَبِيهِمْ قَالُواْ يا أبانا مُنِعَ مِنَّا الكيل فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ}: من قرأ بالياء: فمعناه: يكتل لنفسه حملاً، ومن قرأ بالنون: أراد إنهم أخبروا عن أنفسهم، وعنه بالكيل. والمعنى: إنهم قالوا: (له): يا أبانا منع (منا) أن نكتال فوق ما اكتلنا بعيراً لكل نفس. فأرسل معنا أخانا يكتل لنفسه كَيْلَ بعير زائدة على ما اكْتَلْنَا لأنفسنا. قال السدي: لما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا! إن ملك مصر أكرمنا كرامةً، لو كان رجلاً من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامتَهُ، وإنه ارتهن منا شمعون. وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد موت أخيكم / فإن لم تأتوني به، فلا تقربوا بلادي أبداً، فقال لهم يعقوب: {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ} - الآية - ثم قال: {فالله خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين}: أي: إن يفجعني في هذا الولد على كبر
سني، وهو أرحم الراحمين فيَّ إذا آتيتم إلى ملك مصر، فأقرؤه سلامي، وقولوا له: إن أبانا يدعو لك، ويصلي عليك لما أوليتنا من الجميل. ثم قال تعالى: {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ}: أي [لما] فتحوا أوعيتهم التي فيها الطعام، وجدوا الثمن الذي دفعوه ليوسف في الطعام، في أوعيتهم. {قَالُواْ يا أبانا مَا نَبْغِي}: وراء هذا، إن بضاعتنا ردَّت إلينا، وقد أوفى لنا الكيل. {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} في رجوعنا: أي: نأتيهم بالطعام. {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ}: بسير أخينا معنا، لأن لكل نفس حمل بعير.
66
{ذلك كَيْلٌ يَسِيرٌ}: أي: يسير على الملك سهل. وقيل: المعنى: كيلنا الذي نأخذ، يسير، فزيادتنا حملاً أحسن من تركه. وقيل: المعنى: الذي جئتنا به يسير، فرجوعنا بأجمعنا نأتي لكل نفس بحمل أحسن. قال مجاهد: حمل بعير: حمل حمار. وقال غير [هـ] جمل، وهو المعروف في اللغة. قوله: {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حتى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ الله} إلى قوله {لاَ يَعْلَمُونَ}، الموثق: الميثاق، من عهدٍ، أو يَمِينٍ. ومعنى الآية: قال بعقوب لبنيه: لن أدفع إليكم أخاكم حتى تعطوني عهداً، أو يميناً أنكم لتردونه إلي معكم، إلا أن يحيط بكم أمر لا تقدرون على ردِّه معكم. وقال ابن أبي نجيح في قوله: {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} معناه: إلا أن تهلكوا جميعاً.
{فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ}: أي عهدهم أن يردوه. {قَالَ الله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}: أي: شاهد: وحافظ. ثم قال يعقوب يوصيهم لما أرادوا الخروج: {يابني لاَ تَدْخُلُواْ} - مصر - {مِن بَابٍ وَاحِدٍ}: أي من طريق واحد {وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ}. قال ابن عباس، والضحاك، وابن جبير، وقتادة: خاف عليهم يعقوب العين لجمالهم، وحسنهم. وقيل: إنه إنما خاف أن يلحقهم شيء، فيظن أنه من العين. وقيل: إنه كره أن يدخلوا جميعاً من موضع واحد، فيُستراب منهم (ويخاف منهم): وهو اختيار النحاس. ثم قال لهم: {وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ الله مِن شَيْءٍ}: أي: ما أقدر على دفع
قضاء الله [سبحانه] عنكم. ما الحكم فيكم وفيّ إلا لله ينفذ قضاءه D كيف أحب. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}: في ردكم وأنتم سالمون، وإليه فوضت أمري، وإليه فليفوض (المفوضون) أم (و) رهم. ثم قال: {وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم}: أي: من طرق متفرقين، كما أمرهم {مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ} ذلك من الله من شيء، إلا [حاجة]: (وهو) استثناء منقطع، أي: لكل حاجة، أي: إلا أنهم قضوا حاجة يعقوب، لدخولهم من مواضع متفرقين. {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ}: أي: وإن يعقوب، / لذو حفظ لما استودعناه
69
صدره من العلم. قال ابن جبير: المعنى {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ}. وقيل: المعنى: وإنه لعامل بما علم ولكن كثيراً من الناس لا يعلمون: ما يعلمه يعقوب. قوله: {وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ} - إلى قوله - {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} المعنى: لما دخل إخوة يوسف عليه، قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به، فشكر لهم ذلك. ثم قال لصاحب ضيافته: أنزلهم رجلين في كل مسكنٍ، وأكرمهم، فبقي أخوهم: وهو شقيق يوسف. فقال لهم يوسف: إن هذا يبقى وحده، لا ثاني معه، فأنا أضمه إلى نفسي. فأنزله عنده، وضمه ليه. وقال له: أنا أخوك - يوسف -
لا (تَبْتَئِسْ) (بشيء) من فعلهم، ولا تعلمهم بشيء مما أعلمتك به. وقيل: [إنه] لم يعترف له أنه أخوه، يعني: من النسب. وإنما قال له: أنا أخوك مكان أخيك الهالك. قاله وهب ابن منبه. وإنما أخبره أنه يوسف بعد انصرافه وتركه عند يوسف. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السقاية فِي رَحْلِ أَخِيهِ} والمعنى: أن يوسف لما حمَّل إبل إخوته الميَرَة، جعل السقاية في رحل أخيه: وهو المكيال الذي كانوا يكتالون به، وهي المشربة التي يشرب بها [الملك] وكانت من فضة،
وذهب تُشْبِهُ الملوك مُرَصَّعَةً بالجوهر. وقيل: كانت شبه الكأس، فجعلها في رحل أخيه، والأخ لا يشعر. فلما ارتحلوا ناجى مناد: يا {أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} قيل: إنما قال لهم: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}، وهم لم يسرقوا: يريد إنهم سرقوه، وباعوه، لأنهم سبب بيعه. وقيل: بل تركهم حتى مشوا، وخرجوا، ثم لحقوا، فقيل لهم: {أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}. قالوا: وما ذاك. قالوا: {صُوَاعَ الملك} وإنما دعاهم بالسرقة كلهم لأن المنادي لم يعلم ما صنع يوسف. وقيل: إنما فعله عن أمر يوسف فأعقبه الله D بقولهم له: {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} [يوسف: 77].
وقيل: إنما [جاز] أن يقال لهم ذلك، لأنهم باعوا يوسف، فاستجازوا أن يخاطبوا بذلك. وقيل: المعنى: حالكم حال السراق. وقرأ أبو هريرة " صَاعَ الملك ". وقال أبو رجاء " صوع الملك ". (قوله): {وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ}: أي: (وقِرُ بَعير) من الطعام. (قوله): {قَالُواْ تالله لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرض} أي: لنعصي الله، ونسرق، وإنما ادعوا ذلك. وقالوا: " قد علمتم " لأنهم ردوا البضاعة التي وجدوا في رحالهم، إذ رجعوا وراء أخيهم. فالمعنى: " لو كنا سارقين ما رددنا البضاعة (التي وجدنا)
74
في رحالنا ". وقيل: إنما قالوا ذلك لأنهم قد علموا اشتهار فضلهم بمصر، فنفوا عن أنفسهم ما قد رموا به. قوله: {(قَالُواْ) فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ} - إلى قوله - {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}. المعنى: قال أصحاب يوسف / عليه السلام لإخوته: فما جزاء من وجد الصاع في رحله إن كنتم كاذبين في قولكم: {مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرض وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} [يوسف: 73] {قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ}. المعنى: قال إخوة يوسف لأصحابه: جزاؤه عندنا كجزائه عندكم، أي: أن يستعبد من سرق.
ويقال: إن هذا كان في شريعة يعقوب عليه السلام، نسخه الله Dأ، بالقطع. وقيل: المعنى جزاؤه الاستعباد من وُجِد في رحله، فهو جزاؤه. فهو يعود على الاستعباد المحذوف. وقال الطبري: المعنى: قال إخوة يوسف: جزاء السارق من وجد في متاعه السَّرقُ، فهو جزاؤه: أي: فتسليم السارق جزاء السرق. وإنما سأل إخوة [يوسف] عن الجزاء، لأن أصحاب يوسف ردوا الحكم إليهم. وذلك أنه كان في شريعة يعقوب أن يستعبد السارق، وكان في حكم الملك: إذا سرق السارق غرم مثله. فرد الحكم إليهم. وقرأ الحسن: " من وعَاءِ أخيه " بضم الواو. {كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ}: أي: في أن حكموا على أنفسهم بالاسترقاق
على شريعتهم. وأضاف الكيد إلى نفسه، لأن الذي فعل يوسف (جزاءاً عن) أمر الله كان، وعن مشيئته، وبوحيه ليوسف. قوله: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك}: أي: في حكمه، بل أخذه بحكم يعقوب. {إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله}: ذلك بكيده. وقيل: المعنى: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله}: أن يطلق له مثل هذا الكيد. وقوله: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} قال زيد بن أسلم: يعني: بالعلم. وقيل: معنى الكيد: أنهم كانوا لا ينظرون في وعاء إلا استغفروا الله تأثماً، مما قُذفوا به. فلما وصلوا إلى وعاء أخيهم، قالوا ما نرى (أن) هذا أخذ شيئاً. قال إخوة يوسف: بلى فاستبروا ففتح الصواع فيه: فذلك الكيد. قال ذلك
77
قتادة والسديّ، وغيرهما. وقوله: {ثُمَّ استخرجها مِن وِعَآءِ أَخِيهِ} يعني الصواع. وإنما أنثت، لأنه بمعنى السقاية، فهما لشيء واحد. وقيل: إنه على معنى السرقة، وقيل: إن الصواع يذكر ويؤنث. وقوله: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ (عَلِيمٌ)}: أي: فوق كل عالم من هو أعلم منه، حتى ينتهي ذلك إلى الله D. قوله: {قالوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} - إلى قوله - {خَيْرُ الحاكمين} يعنون بقولهم {أَخٌ لَّهُ}: يوسف. قال مجاهد: كان يوسف A سرق صنماً لجده، أبي أمه، وألقاه في
الطريق. فَعَابَهُ إخوته بذلك. وإنما أراد يوسف بكسره، وأخذ الخير: فليس ذلك بسرق، بل هو مَحْضُ الدين والعبادة، وإنكار المنكر. وقال ابن جريج: كانت أم يوسف مسلمة، فأمرته أن يسرق صنماً لخاله، كان يعبده. وروي عن مجاهد أن عمة يوسف بنت إسحاق، وكانت أكبر من يعقوب صارت إليها منطقة إسحاق لسنها: لأنهم / كانوا يتوارثونها حباً شديداً فلما ترعرع،
قال لها يعقوب: سلِّمي يوسف إليّ فلست أقدر أن يغيب عني ساعة، قالت له: (دعه عندي) أياماً أنظر إليه لعلي أتسلى عنه. فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إٍحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق؟ فانظروا من أخذها، ومن أًابها فالتُمِسَت ثم قالت: اكشفوا أهل البيت، فكشفوا، فوجت مع يوسف، فقالت: والله إني لم أصنع فيه ما شئت. ثم أتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال (لها): أنت وذاك إن كان فعل (ذلك)، فهو سلم لك، فأمسكته حتى ماتت. فبذلك عَيَّره إخوته.
ومعنى الآية أنه على الحكاية، أي قالوا: إن يسرق فقد (قيل) سرق أخ لهم من قبل. إنما ما قد كان قبل، لم يقطعوا بالسرقة عليه. هذا أحسن ما تأوله العلماء، والله أعلم بذلك. والضمير في قوله: {فَأَسَرَّهَا}، إضمار، قبل الذكر (قد) فسره الله D لنا أن الذي أسره قوله: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} - إلى قوله - {تَصِفُونَ} (أي) أضمر هذا في نفسه. وقيل: أسر في نفسه المجازاة لهم على قولهم، ولم يرد أن يبين عذره في ذلك. وقيل: أسرَّ في نفسه قولهم: {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} ولم يرد أن يدفعه ويراجعهم عليه. بل كتم قولهم وله صبر. قوله: {الله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ}: أي: (من) قولكم: هل هو حق أو كذب.
ثم قالوا ليوسف: {يا أيها العزيز} أي: الملك {إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً}: يعنون كلفاً بحبه، فخذ واحداً منَّا مكان هذا الذي سرق وخل عنه {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين}: في أفعالك. وقيل: المعنى: إنا نرى ذلك منك إحساناً إلينا إن فعلته. قال يوسف {مَعَاذَ الله}: أي: عياذاً بالله أن نأخذ غير من سرق. {إِنَّآ إِذاً لَّظَالِمُونَ} إن فعلنا ذلك. قال السدي: ثم قال لهم يوسف: إذا أتيتم أباكم فأقرؤه السلام، وقولوا له: إن ملك مصر يدعو لك ألا تموت حتى ترى ابنك يوسف. فلما أيس يوسف من أخيه أن يُدْفَع إليهم. {خَلَصُواْ نَجِيّاً}: أي:
انفردوا وليس يوسف وأخوه معهم أي: خلوا يتناجون بينهم. فقال كبيرهم في العقل وهو شمعون وقيل: بل (هو) كبيرهم ف السن (وهو) روبيل، وهو ابن خالة يوسف. وهو الذي كان نهاهم عن قتله. وقيل: كبيرهم يهوذا يعني به: كبيرهم في العقل، والفهم لا في السن، ولم يختلف في أن كبيرهم في السن روبيل. فهو أولى الاية (قال لهم): {أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ الله} في أخيكم هذا، ومن قبل تفريطكم في يوسف، وفعلكم فيه. والمعنى: [و] من قبل هذا: تفريطكم في يوسف.
و " ما " زائدة، والمعنى: ومن قبل فرطكم في بيوسف / ويجوز أن تكون في موضع نسب عطف على " أن ". ويجوز أن يكون في موضع رفع على معنى: ومن قبل هذا تفريطكم {فِي يُوسُفَ}، فتكون {وَمِن قَبْلُ} في موضع الخبر. قوله: {فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض}: أي: لن أبرح من أرض مصر. {حتى يَأْذَنَ لي أبي} بالقدوم عليه، {أَوْ يَحْكُمَ الله لِي} أي: بالمن مع أخي، فأمضي معه. وقيل: المعنى: {يَحْكُمَ الله لِي} بالسيف، فأحارب، وآخذ أخي. قاله أبو صالح. وقيل: المعنى: أو يقضي الله لي بالخروج من أرض مصر، وترك أخي.
81
وروي أن يهودا قال ليوسف: يا أيها الملك! إن لم تخلِّ سبيله معنا لأصيحَنَّ صيحةً لا يبقى في مدينتك حامل، إلا أسقطت ما في بطنها. وكان ذلك في ولد يعقوب عند الغضب معروفاً. فكلَّم يوسف ابناً له صغيراً بالقبطية فقال له: ضع يديك بين كتفي يهوذا، ولا يشعر بك أحد، وكان الناس مجتمعين، ف\خل الصبي بين الناس حتى وضع يده بين كتفي يهوذا، فذهب غضبه، فقال يهوذا: لقد مسني من ولد يعقوب، ولم ير أحداً. قوله: {ارجعوا إلى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ (يا أبانا)} - إلى قوله - {إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم} هذا قول روبيل لإخوته، أمرهم بالرجوع إلى يعقوب، يعلموه
بالقصة على وجهها. وقيل: أمر لهم بذلك يوسف: وقيل: هو كبيرهم الذي تأخر بمصر، ولم يرجع معهم. وروي عن الكسائي أنه قرأ " سُرق " على ن لم يُسَمْ فاعله، على معنى اتهم بالسرق. وقيل: معناه: علم منه السرق. قوله: {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا}: أي: ما قلنا إلا بظاهر العلم، ولسنا نَعْلَمُ الغيب والباطن، إنما وجدت السرقة في رحله، ونحن ننظر. وقيل المعنى: وما شهدنا عند يوسف أن السارق يؤخذ في سرقته، {إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} (في الحكم عندك) قاله ابن زيد.
قال لهم يعقوب، ما يُدري، هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته، إلا بقولكم فقالوا: {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} في الحكم عندك وعندنا. {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ}: أي: ما كنا نظن أن ابنك يسرق، فيؤول أمره إلى هذا، وإنما قلنا لك نحفظ أخانا مما إلى حفظه السبيل. {وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا} إن اتهمنا: وهي مصر، يريدون أهلها. {والعير التي أَقْبَلْنَا فِيهَا}: وهي القافلة عن خبر ابنك. قال لهم يعقوب: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}: على ما نالني. وقيل: المعنى: " فصبر جميل: أولى من جزع لا ينفع. والصبر الجميل هو الذي لا شكو (ى) معه إلا إلى الله D.
84
{عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً}: يعني: يوسف، وأخاه روبيل الذي تخلف: (إنه هو العليم): بما (أجد) عليهم، {الحكيم} في تدبيره. قوله: {وتولى عَنْهُمْ وَقَالَ يا أسفى عَلَى يُوسُفَ} - إلى قوله - {مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. والمعنى: وأعرض يعقوب عن بنيه، وقال: يا حزناً على يوسف. والأسف شدة الحزن. ثم حكى الله تعالى ذكر [هـ] لنا أن / عَيْنَيْ يعقوب ابيضتا من الحزن، (ف) هو كظيم: أي: مكظوم، أي مَمْلُوءٌ من الحزن، ممسك عليه، لا يبثه. قال ابن زيد: الكظيم الذي أسكته الحزن. وقال مجاهد: كظم الحزن: إذا أمسكه عليه، لا يبثه.
وقال عطاء: كظ (ي) م: مكروب. وقال السدي: كظيم من الغيظ. والكاظم في اللغة: الذي حزن لا يشكو حزنه وقال الحسن: وجد يعقوب على يوسف وُجْدَ سبعين ثَكْلَى وما ساء ظنه بالله ساعة قط، من ليل، ولا نهار. (وروى الحسن عن النبي) A: " وإنما اشتد حزن يعقوب (على يوسف) لأنه علم بحياته، وخاف على دينه ". وقيل: إنما حَزِنَ (نَدَ) ماً على تسليمه لإخوته، وهو صبي، والحزن
ليس بمحظور. وقال النبي A: " إذ مات ولده إبراهيم: تدمع العين، ويحزن القلب، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب ". وقال له أولاده: {تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ} أي: لا تزال تذكره. ولا تفتر من حبه. {حتى تَكُونَ حَرَضاً}: أي، ذا جهد، وهو المريض البال (ي). وقال قتادة: حرضاً هَرِماً. وقال ابن زيد: الحرض الذي قد رد إلى أرذل العمر، حتى لا يعقل.
وقال الفراء: الحرض: الفاسد الجسم، والعقل. (و) قال أبو عبيدة: الحرض: الذ [ي] أذابه الحزن. {أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين}: أي: من الموتى. قال يعقوب لهم جواباً لقولهم: {إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي} أي: همي وحزني: وحقيقة البث في اللغة: هو ما يرد على الإنسان من الأشياء المهلكة، التي لا يمكنه إخفاؤها، وسميت المعصية بثاً مجازاً، وهو من بثثته، أي فرقته. وروي أن يعقوب كبر حتى سقط حاجباه على وجنتيه، فكان يرفعهما بخرقة. فقال (له) رجلٌ: ما بلغ بك ما أرى؟ فقال: طول الزمان، وكثرة الأحزان. فأوحى الله D إليه: يا يعقوب تشكوني قال: خطيئة، فاغفرها،
87
فغفرها الله D له. فما كان إذا سئل إلا قوله {إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله} - الآية وقوله: {وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ}: قال قتادة: " ذكر لنا أن يعقوب لم ينزل به بلاء قط إلا أتى حسن ظنه بالله ( D) من ورائه ". قوله: {يابني اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} إلى قوله: {وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين}، المعنى، أن يعقوب، عليه السلام طمع في يوسف، فأمرهم بالرجوع إلى (ال) موضع الذي أتوا منه يلتمسون يوسف، وأخاه: يعني: بنيامين شقيق يوسف. {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله}: أي: " لا تقنطوا من أن يُرَوّحَ الله عنا ما نحن فيه من الحزن.
{إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله}: أي: لا يقنط من فرجه، و (لا) يقطع رجاءه منه إلا الكافرون. قال السدي، وقتادة: روح الله فرج الله. قيل: إنه أمرهم أن يرجعوا إلى الذي احتال عليهم في أخيهم، وأخذ منهم، فيسألوا عنه، وعن مذهبه. وروى ابن لهيعة " يرفعه إلى " (عن) ابن عمر، أن يعقوب كتب معهم كتاباً إلى يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم / من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر (إلى) فرعون: سلام عليك. فإني أحمد الله إليك، الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإنا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء: أما جدي إبراهيم
خليل الله، فألقي في النار، فصيرها (الله عليه برداً)، وسلاماً، وأمر أن يذبح ابنه إسحاق أبي، ففداه الله بما فداه له. وأما أنا فكان لي ابن من أحب الناس إليّ، ففقدته فأذهب حزني عليه صبري، وحتى له ظهري. وأخوه المحبوس عندك في السرقة. وإني أخبرك: إني لم أَسْرِقْ، ولم أَلِدْ، سَارِقاص، فاحذر دعوتي فإنها مستجابة عليك. وأعجب منك كيف حبست قرة عيني، وقد علمت موقعه من قلبي، فاردد علي ابني، وإلا فاحذر دعوتي والسلام. قال فلما قرأ يوسف، عليه السلام كتاب أبيه يعقوب، بكى بكاءً شديداً، وصاح بأعلى صوته: {اذهبوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} [يوسف: 93]: فكان البشير إليهم يهوذ [ا] ابن يعقوب. وقيل: إن يوسف لما قرأ كتاب أبيه يعقوب
ارتعدت فرائصه، واقشعر جلده، ولأن قلبه، وبكى، ثم أعلمهم بنفسه. قوله: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ}. وفي الكلام حذف. والمعنى: فخرجوا إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف، قالوا: {يا أيها العزيز} أي: الممتنع: {وَأَهْلَنَا الضر}: من الشدة، والجدب. فخضعوا له، وتواضعوا. قال ابن إسحاق: خرجوا ببضاعة لا تبلغ ما يريدون من الميرة، إلا أن يتجاوز لهم فيها، فقالوا: {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ}: أي: بدراهم لا تجوز في ثمن الطعام إلا بالمسامحة. قال ابن عباس: مزجاة: دراهم زيوف. وقال ابن أبي مليكة: مزجاة، خلق الغرائر: والمتاع الحقير.
" مزجاة: يعني: قليلة، إما لأنه متاع البادية لا يصلح للملوك، وإما لأنه قال مزجاة تحتقر في كل مكان. وقد فسرها بعضهم بأنها البطم والصنوبر. والبطم: هو الحبة الخضراء. {فَأَوْفِ لَنَا الكيل}: فكان يوسف هو الذي يكيل، إشارة إلى أن الكيل والوزن على البائع. وقيل: أتوا بالسمن، والصوف. وقال أبو صالح: أتوا بالحبة الخضراء، والصنوبر. وقال الضحاك: مزجاة: كاسدة، وأصله من التزجية، وهي الدفع، والسوق، فكأنها بضاعة تدفع، ولا يقبلها كل أحد. يقال: فلان يزجي العيش: أي:
يدافع وعن مالك Bهـ أن المزجاة هنا: الجائزة في كل موضع. واحتج (مالك) في (أن) أجرة الكيال والوزان على البائع بقولهم: {فَأَوْفِ لَنَا الكيل}. ثم قال: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ}: أي تفضل علينا، ما بن الجياد والرديئة. وقيل: المعنى: لا تنقصنا من السعر من أجل رداءة دراهمنا.
{إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين} أي: يثيب المتفضلين. وقد اختلف الناس في الصدقة على الأنبياء. فقيل: إنها كانت حلالاً، ثم حرمت على النبي محمد A. وقيل: ك (انت) حراماً على جميع الأنبياء. (وقيل): إنما سأل هؤلاء المسامحة، لا الصدقة بعينها. وقيل: إنهم أرادوا بقولهم: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ}: أي: تصدق علينا برد أخينا إلينا، قاله ابن جريج. قال السدي، عن أبيه لما دخل إخوة يوسف / على يوسف. وكان أكبرهم إذا
غضب قامت شعرةٌ (من عنده)، وانبعثت دماً فلا تزال كذلك حتى يمسه بعض ولد يعقوب. قال: فكلمه يوسف، وعرف يوسف أنه أغضبه فانبعث الشعرة دماً، أمر يوسف أخاه أن يدنو منه فيمسه، ففعل فانقطع الدم، ثم فعل ذلك مرة أخرة، فعند ذلك تعارفوا. قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما كلموه بهذا الكرم، فقالوا: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ} غلبته نفسه، فارفضَّ دمعه باكياً، ثم باح لهم بالذي كان يكتم، فقال (لهم): {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ}: أي جاهلون بعاقبة ما تفعلون. وقيل: المعنى: إذ أنتم صغار، جهال قالوا له: {أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ} فقال: نعم {أَنَاْ يُوسُفُ وهذا أَخِي قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَآ} بأن جمعنا بعدما فرقتم بيننا. {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ
(الله) وَيَِصْبِرْ}: أي: يتقي معصية الله، ويصبر على السجن. قال ابن إسحاق: لما قال لهم: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ}. كشف لهم عن الخطأ فعرفوه. {قَالُواْ تالله لَقَدْ آثَرَكَ الله عَلَيْنَا}: أي: فضلك بالعلم والحلم. وما كنا في فعلنا إلا خاطئين. يقال: خطئ يخطأ: إذا أتى الخطيئة عالماً [بها]، وأخطأ يخطئ إذا قصد شيئاً، فأصاب غيره، غير متعمد للخطأ. قال لهم يوسف: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم}: أي: لا تغيير عليكم ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحق الأخوة. ولكن لكم عندي العفو والصفح. {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ}، تمام عند الأخفش، ثم تبتدأ: {اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ} على
93
الدعاء، وعند نافع وغيره: {عَلَيْكُمُ اليوم}: التمام. وهو أحسن وأبين. قوله: {اذهبوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي} إلى قوله {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} المعنى: أن يوسف لما أعلم إخوته بنفسه سألهم عن حال أبيهم، فقالوا: ذهب بصره من الحزن، فعند ذلك أعطتهم قميصه، وأمرهم أن يلقوه على وجه أبيهم. {يَأْتِ بَصِيراً}: أي: يَعُدْ بصيراً. {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}: أي: جيئوني بهم. قيل: إن القميص كان من الجنة كساه الله D إبراهيم حين ألقي في النار. وقوله: {وَلَمَّا فَصَلَتِ العير} أي خرجت من مصر، يعني: عير بني
يعقوب. ذكر أن الريح استأذنت ربها في أي تأتي يعقوب بريح يوسف، قبل أن يأتيه البشير، فأذن لها، فأتته [به] من مسيرة ثمان ليال، فقال: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ}. وقوله: {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ}، (أي): تسفهون، فتقولون: ذهب عقلك. وقيل: معناه: لولا أن تكذبون، قاله السدي، والضحاك. {قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم}، أي: في خطئك. قال له ذلك من بقي من ولده.
ثم قال تعالى: مخبراً لنا عن حال يعقوب إذ جاءه البشير بأمر يوسف: {فَلَمَّآ أَن جَآءَ البشير أَلْقَاهُ على / وَجْهِهِ فارتد بَصِيراً}: وكان البشير يهوذا أخا يوسف لأبيه A. قال السدي: لما قال يوسف {اذهبوا بِقَمِيصِي هذا}. قال يهوذا بن يعقوب: أنا ذهبت إلى يعقوب بالقميص، مُلَطَخاً بِالدَّم، وقلت له: إن يوسف أكله الذئب. فالآن أذهب أنا بالقميص، فأخبره أنه حي، فأفرحه كما أَحْزَنْتُهُ. قوله: {أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ}: أي: (ألقى) القميص على وجه يعقوب، فعاد بصره، بعدما كان عمي. فقال لمن حضره من ولده:
{أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ مِنَ الله (مَا لاَ تَعْلَمُونَ)} إنه سيرد علي ولدي يوسف ويجمع بيني وبينه، وأنتم لا تعلمون من ذلك شيئاً. وروي أن يعقوب قال للبشير: " هون الله عليك غصص الموت "، كأنه استقال له أن يكافأه بشيء من عرض الدنيا. وروي أيضاً عن سفيان، أنه قال: لما جاء البشير إلى يعقوب، قال له يعقوب: على أيِّ دين تركته؟ قال: (على دين) الإسلام، قال يعقوب: ألآن تمت النعمة وروي أنه لما التقى يوسف ويعقوب بأرض مصر، قال له يوسف: يا
97
أبت بلغني (عنك) أنك بكيت عليّ حتى ذهب بصرك، وحزنت حتى انحط ظهرك. قال يعقوب: قد كان ذلك يا بني. قال له يوسف: أفما كانت القيامة تجمعني وتجمعك؟ قال يعقوب: بلى، ولكن تخوفت أن تبدل دينك فلا تلقني. قوله: {قَالُواْ يا أبانا استغفر لَنَا ذُنُوبَنَآ} إلى قوله: {العليم الحكيم} المعنى: قال له ولده: يا أبانا! أستغفر لنا ذنوبنا، أي: اسأل الله يستر علينا (ذنوبنا). {إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ}: أي: في فعلنا. قال لهم يعقوب: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم}، قيل: إنما أخر الاستغفار (لهم) إلى السحر. وقيل: أخره إلى صلاة الليل، (و) قيل: أخر ذلك إلى ليلة الجمعة.
روي ذلك عن ابن عباس، عن النبي A. ومعنى {إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم}: هو الستار ذنوب من تاب إليه، الرحيم بهم أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها إليه. روي عن أنس بن مالك، Bهـ، أنه قال: إن الله ( D) لأ لما جمع ليعقوب شمله، وأقر عينه، تذكر إخوة يوسف ما صنعوا بأخيهم، وبأبيهم (و) قالوا: إن كنا قد غفر لنا ما صنعنا، فكيف (لنا) بعفو ربنا؟ فاجتمعوا، وأتوا الشيخ. ويوسف إلى جنب أبيه، وقالوا: يا أبانا! أتيناك في أمر لم نَأْتِكَ في مثله قط. فرحمهم الشيخ، والأنبياء أرحم البرية، فقال: ما بكم يا بني؟ قالوا له: قد علمت ما كان
منا إليك، وإلى أخينا يوسف، وقد غفرت مالنا، وعفوكما لا يغني عنا شيئاً إن كان الله ( D) لم يعف عنا. ونريد أن تَدْعُوَ الله (لنا). فإذا جاءك الوحي بأنه قد عفا عنا قرت أعيننا وإلا فلا قرت لنا عين في الدنيا. فقام الشيخ، واستقبل القبلة، وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين. فدعا، وأمّنَ يوسف، فلم يُجَب فيهم إلى عشرين سنة. فلما كان رأس / العشرين سنة نزل جبريل على يعقوب، فقال له: إن الله D، بعثني إليك، (أبشرك) بأنه قد (أ) جاب دعوتك في ولدك، وإنه عفا عما صنعوا. وقوله: {ادخلوا مِصْرَ إِن شَآءَ الله آمِنِينَ} إنما قال لهم يوسف ذلك بعد أن دخلوا عليه، وآوى يوسف إلى أبويه. فمعنى ذلك أن يوسف تلقى أباه، تكرمة له، قبل دخوله مصر، فآوى يوسف إلى أبويه: أي: ضمهما وقال لأبيه ومن معه: {ادخلوا مِصْرَ إِن شَآءَ الله آمِنِينَ}. " كما ورد (أنهم) قاموا عشرين سنة، لا يقبل ذلك منهم، حتى لقي جبريل يعقوب، عليهما السلام. فعلّمه هذا الدعاء " يا رجاء المؤمنين! لا تخيب رجائي، يا غوث المؤمنين أغثني، يا حبيب التائبين عَلَيَّ، فاستجيب لهم. قال لهم يوسف ذلك بعد أن
دخلوها عليهم، لأنهم (فيما) ذكر السدي: تحملوا إلى يوسف بأهليهم وعيالهم، لأنه قال لهم: {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} [يوسف: 93] فلما قربوا من مصر كلهم يوسف الملك الذي فوقه، أن يخرج هو والمل (و) ك معه يتلقونهم. فلما دنا يوسف من يعقوب، ويعقوب يتمشى، وهو يتكئ على يهوذا ولده. بدأه يعقوب بالسلام، وقال: السلام عليك يا ذاهباً بالأحزان عني.
وقيل: إن قوله إن شاء الله إنما هو استثناء من قول يعقوب لبنيه: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي} {إِن شَآءَ الله آمِنِينَ}، ففي التلاوة تقديم وتأخير. وهو قول ابن جريج. فأما قوله: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش} فإن السدي، قال: هما أبوه وخالته، وذلك أن أم يوسف ماتت، فتزوج يعقوب [بعدها] أختها، وهي خالة يوسف. وقال ابن إسحاق: هما أبوه وأمه، ولم تكن أمه ماتت. وهذا القول اختيار الطبري. ومعنى: {آمِنِينَ}: أي آمنين مما كنتم فيه في باديتكم من الجدب والقحط. والعرش: السرير في قول السدي، ومجاهد، والضحاك وقتادة، وابن عباس. وقال ابن زيد: هو مجلسه.
وقوله: {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً}: قيل: المعنى إن أبا يوسف وأمه (وإخوته) خروا سجّدا ليوسف. وكان تحية القوم في ذلك الوقت السجود، قاله سفيان، وابن جريج، والضحاك، وقتادة، وهو مثل: " السلام عليكم " في هذه الأمة. جعل لهم عوضاً من السجود الذي كان تحته من قبلهم. وقيل: كان ذلك انحناء، ولم يكن سقوطاً على الأرض. جعل الله منه السلام، والمصافحة عوضاً، كرامة من الله D لهذه الأمة، وهي تحية أهل الجَنَّة. وقال ابن سحاق: الهاء في " له " لله، والمعنى: خرُّوا لله سجداً. وقوله: {هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ}: أي: قال يوسف لأبيه: يا أبت! هذا السجود الذي سجدتموه لي الساعة، (هو) تأويل ما رأيته، وأنا صبي: إذ رأيت أحد عشر
كوكباً، والشمس والقمر ساجدين لي: فالأحد عشر (كوكباً) إخوته، والشمس أمه، والقمر أبوه. {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً}: وكان بين رؤيا يوسف، وتأويلها أربعون سنة. وقيل: ثمانون سنة، قاله الحسن، قال: كان بين أن فارَقَ يعقوب يوسف (إلى أن اجتمعا ثمانون سنة)، لم يفارق الحزن قلب يعقوب، ولا الدمع خديه، ولم يكن على وجه الأرض يومئذ عبدٌ أحبَّ إلى الله D، من يعقوب. وألقى يوسف في الجب، وهو ابن سبع / عشر [ة] سنة، ومات بعد التقائه بيعقوب بثلاثة وعشرين سنة. ومات يوسف، وهو ابن مائة واثنتين وعشرين سنة. وقال ابن إٍحاق: كان بين افتراق يوسف، إلى أن اجتمعا، ثماني
عشرة سنة، وأهل الكتاب يزعمون أن مدة الافتراق بينهما أربعون سنة. وأن يعقوب بقي مع يوسف بعد أن اجتمع به سبع عشر [ة] سنة، ثم قبضه الله D إليه. قوله: {وَقَدْ أَحْسَنَ بي}: معناه: أحسن الله بي، إذ أخرجني من السجن، وفي مجيئه بكم من البدو. وكان مسكن يعقوب وولده في قول قتادة بأرض كنعان: أهل مواش وبرية والبدو مصدر: بدا فلان، إذا صار بالبادية. وروى أهل التواريخ أن يعقوب عليه السلام دخل مصر يوم دخلها هو، وأولاده، وأهلوهم، وبنوهم ف أقل من مائة، وخرجوا منها يوم خرجوا، إذ أخرجهم فرعون، وهم أكثر من ستمائة ألف، فقال فرعون:
{إِنَّ هؤلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [الشعراء: 54]. وقال ابن مسعود: " دخل بنو إسرائيل مصر، وهم ثلاثة وستون إنساناً، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف ". وحكى الطبري، وغيره أن يعقوب إنما سمي إسرائيل، لأن أخاه العَيْصُ تواعد (هـ) بالقتل، فخرج فراراً منه، فسرى الليل، وكمن النهار. فسمي إسرائيل، لسريه بالليل. وقيل: إن إسرائيل اسم عبراني تفسيره: عبد الله. وروى عاصم العمري أن يعقوب (على نبينا) عليه السلام، قال: يا رب! أذهبت بصري، وأذهبت ولدي، فما ترحمني؟ قال: بلى، وعزتي! إني لأرحمك، ولأردَّنَّ عليك بصرك، ولو كنت أمت ولدك، لأردنه عليك. إنما ابتليتك بهذه البلية أنك ذبحت
101
جملاً، فوجد جارك ريحه فلم تطعمه منه. فكان منادي آل يعقوب إذا أصبح نادى في الناس: من كان مفطراً فليتغد عند آل يعقوب، ومن كان منكم صائماً فليفطر عند آل يعقوب. قوله {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الملك وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحاديث} - إلى قوله - {بالصالحين} قوله: {مِنَ الملك}، و {مِن تَأْوِيلِ (الأحاديث)}. {مِن}: فيهما للتبعيض، على معنى: آتيتني بعض الملك، وعلمتني بعض التأويل. وقيل: " من " لا تؤنث الجنس، فيكون المعنى: قد آتيتني الملك، (وعلمتني تأويل الأحاديث) مثل: {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} [الحج: 30]: لم يؤمروا باجتناب بعض الأوثان دون بعض، ولكن المعنى: اجتنبوا الرجس الذي هو الوثن.
والمعنى: أن يوسف A قال بعدما جمع الله ( D) بينه وبين أبويه وإخوته. وتذكر ما بسط له من الدنيا والكرامة. {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الملك}: أي: ملك مصر. {وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحاديث} يعني: عبارة الرؤيا، تقديراً لنعم الله D عليه، وشكراً له. {أَنتَ وَلِيِّي فِي الدنيا والآخرة}: أي: أنت تثيبني في دنياي بنصرك على من عاداني، / وأرادني بسوء. وتثيبني في الآخرة بفضلك. ثم إنه A لما أمره في دنياي قد تناهى في التمام، علم أنه لا يكون بعد التميم إلا النقص والزوال، لأنها دار زوال. قال: فسأل الله أن يقبضه على الإسلام، ويلحقه بآبائه الصالحين، فقال: {تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين}.
قال ابن عباس: لم يتمنَّ أحد من الأنبياء الموت قبل يوسف. وذكر السدي أن يعقوب مات قبل يوسف، وأوصى إلى يوسف بأن يدفنه عند قبر أبيه إسحاق. وكان قبر إسحاق بالشام. فلما مات عمل ما أمر، وحمل إلى الشام. فلما بلغوا (إلى) ذلك المكان، أقبل عيص أخو يعقوب، فمنعهم أن يدفنوه. ثم قال هشام (بن دان) بن يعقوب لبعض من كان بالحضرة: ما لكم لا تدفنون جدي؟ وكان هشام أصماً. فقيل له: إن عيصاً أخاه يمنعه من ذلك. فقال: أرونيه، فأروه إياه، فضربه ضربة (تساقطت) عيناه على لحد يعقوب، فدفنا في قبر واحد.
102
قوله: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب} إلى قوله {وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} معنى الآية: أن الله ( D) يقول لنبيه عليه السلام (إن) الذي اقتصصنا عليك من خبر يوسف، ويعقوب من أخبار الغيب الذي لم تشاهدها، ولا عاينتها يا محمد. ثم قال: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ}: أي عند إخوة يوسف {إِذْ أجمعوا أَمْرَهُمْ} على إلقاء يوسف في الجب. وهو مكرهم بيوسف. ثم قال (تعالى) {وَمَآ أَكْثَرُ الناس} يعني: مشركي قريش بمؤمنين، ولو حرصت على إيمانهم، ولكن الله ( D) يهدي من يشاء. (ثم قال تعالى): {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}: أي: لست تسأل قريشاً يا محمدا أجراً) على دعائك إياهم إلى الإيمان. فيقولون لك: إنما تريد بدعائك
إيانا إلى الإيمان أخذ أموالنا، وإذا كان حالك أنك لا تريد منهم جزاء، فالواجب عليهم أن يعلموا أن دعاءك لهم نصيحة منك لهم، وأتباعاً لأمر ربك. {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}: أي: ما الذي أرسلك به ربك إلا عظة للعالمين. ثم قال (تعالى): {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا}: المعنى وكم يا محمد من علامة، ودلالة، وعبرة، وحجة في السماوات والأرض: كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال (والبحار) والنبات، وغير ذلك من آيتهما يُعاينونها، فيمرون عليها، وهم معرضون، لا يعتبرون بها، ولا يتفكرون بها. وفيما دلّت عليه من توحيد خالقها عز وجهه.
وقرأ السدي: {والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا} (بالنصب). (و) الوقف على هذه القراءة، على [السماوات] تمام. [و] النصب على إضمار فعل بمنزلة: " زيد أنزلت عليه "، كأنه قال: ويغشون (الأرض) يمرون عليها، أو " ويلامسون الأرض " يمرون عليها، وشبه ذلك من الإضمار. وهو مثل {والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [الإنسان: 31]. وذكر الأخفش رفع " الأرض " على الابتداء، ويكون على / " السماوات " حسناً أيضاً على هذا. وقد تقدم القول في {وَكَأَيِّن} [آل عمران: 146] من آل عمران.
106
وقد ذكر الفراء أن " كائن " على قراءة ابن كثير: فاعل من " الكون " فيحسن الوقف على " النون "، لأنها لام الفعل. وذكر الأخفش أن قوله: {سبيلي أَدْعُو إلى الله} [يوسف: 108]: تمام، وتابعه على ذلك أبو حاتم، وهو مروي عن نافع. ويبتدأ: {على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعني} [يوسف: 108] فيكون " أنا " ابتداء، والمجرور: الخبر. وقال عبيدة: {أَنَاْ} [يوسف: 108] تأكيد للضمير في {أَدْعُو} [يوسف: 108]، فتكون {على بَصِيرَةٍ} [يوسف: 108] متصلاً بأدعو، ويكون التمام على هذا: {المشركين} [يوسف: 108]. قوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله} إلى قوله: {وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين} المعنى: وما يقرأ أكثرهم، ولا الذين وصف إعراضهم عن الآيات بالله ( D) ، أنه خالفهم، ورازقهم {إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} به: في عبادتهم الأوثان من دون الله
(سبحانه)، وفي زعمهم أن له ولداً. تعالى الله عن ذلك. قال ابن عباس: إذا سألتهم من خلقكم؟، وخلق الحبال والبحار؟ قالوا: الله وهم يشركون به. قال ابن زيد: ليس لأحد يعبد مع الله (سبحانه) غيره إلا وهو مؤمن بالله، ولكنه يشرك به. ثم قال جل ذكره: {أفأمنوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ (الله)} (والمعنى: أفأمن هؤلاء الذين يشركون بالله أن تأتيهم غاشية من عذاب الله). ومعنى " الغاشية " المجللة: يجللهم عذابها، ومنه {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية} [الغاشية: 1]. {أَوْ تَأْتِيَهُمُ (الساعة) بَغْتَةً}: أي: فجأة، وهم مقيمون على كفرهم،
109
وشركهم. ثم قال تعالى: {قُلْ هذه سبيلي} الآية والمعنى: قل لهم يا محمد: هذه الدعوة التي أدعوكم إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله D، أدعوكم إلى الله [سبحانه] على بصيرة أي: على منهاج ظاهر، ويقين {أَنَاْ وَمَنِ اتبعني}. ثم قال: {وَسُبْحَانَ الله}: أي: وقل يا محمد سبحان الله: أي: تنزيهاً لله من شرككم، {وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين}. قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ} إلى قوله {المجرمين}: والمعنى: ألم نرسل قبلك يا محمد إلا رجالاً يوحى إليهم بالأمر، والنهي، والدعاء إلى توحيد الله ( D) ، وهم {مِّنْ أَهْلِ القرى}، أي: من أهل الأمصار دون أهل البوادي. أي: لم نرسل نبياً، ولا ملائكة. ثم قال (لهم): {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض}، أي: أفلم يسر المشركون في
الأرض، فيعتبرون بمن كان قبلهم من الأمم، الذين كذبوا رسلهم، ويخافون أن يهلكوا بذنوبهم كما هلك من كان قبلهم. ثم قال: {وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ}: أي: الجنة خير لهم لو آمنوا من دار الدنيا. ثم قال تعالى: {حتى إِذَا استيأس الرسل} الآية، ومعنى الآية: أنها مردودة على ما قبلها، وهو قوله (تعالى): {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى} فالمعنى: حتى إذا استيأس الرسل الذين تقدم ذكرهم، من إيمان قومهم، وأيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم. جاء الرسل نصرنا. فيكون الفعلان " للرسل / " والضمير ان في " أنهم "، وجاءهم للرسل أيضاً، هذا على قراءة من شدَّد " كُذِّبوا. قال هذا التفسير: الحسن، وقتادة وتحتمل هذه القراءة معنىً آخر، وهو أن يكون المعنى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان من كذبهم (من) قومهم، وظنوا أن من آمن من قومهم قد كذبوهم، لما لحقهم من البلاء والامتحان، جاء الرسل نصرنا. (وهذا المعنى مروي من عائشة Bها: (روى عروة عنها أنها) قالت: مَحَنَ المؤمنين بالبلاء، والضر حتى ظن الرسل أن المؤمنين قد كذبوهم لما لحقهم فيكون الظن بمعنى: الشك لا بمعنى اليقين. فأما المعنى على قراءة من خفف " كذبوا " فعلى تقدير: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كُذِبُوا: أي: أخلفوا لما وعدوا به من النصر. جاء الرسل نصرُنا. فيكون الظن بمعنى: اليقين، وبمعنى: الشك، وتحتمل هذه القراءة أيضاً معنى آخر، وهو أن يكون التقدير: {حتى إِذَا استيأس الرسل} من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم. ثم رَدَّ إلى ما لم يسم فاعله.
وقد قرأ مجاهد " كَذبُوا " بفتح الكاف والتخفيف، ومعناه: وأيقن الرسل أن قومهم قد كذبوا في ردهم على الرسل. وقيل: الظن بمعنى: الشك، وهو للمرسل إليهم. والمعنى: وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله، ( D) ، وفيما وعدهم به من النصر عليهم، والانتقام منهم. وقيل: معناه: حتى إذا استيأٍ الرسل من عذاب الله (سبحانه) قومها المكذبين لها، وظنت الرسل أن قومها قد كذبوا، وافتروا على الله، (سبحانه)، بكفرهم، جاء الرسل نصرُنا.
فالظن على هذا بمعنى اليقين. وقيل: المعنى: استيأس الرسل أن يأتي قومهم العذاب، قال (هـ) مجاهد. وعن ابن عباس أن المعنى:
وظن الرسل أنهم قد كذبوا واستشهد على ذلك بقول نوح: {إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق} [هود: 45]، وبقول: إبراهيم، {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] (فيكون) الظن بمعنى الشك. كأن الرسل دخلها شك كما يدخل سائر الخلق. وهذا تأويل فيه رجاء عظيم للمؤمنين، وفيه صعوبة لما أضيف إلى الرسل من الشك، والله أعلم بذلك كله. وعن ابن عباس أيضاً في معنى ظن الرسل أنهم أخلفوا، وهو المعنى المتقدم. قال ابن عباس: كانوا بشراً، يريد أن الأنبياء يعتريهم ما يعتري البشر. وروى ابن الزهري: (عن عروة بن الزبير) أنه سأل عائشة Bها، عن هذه الآية،
وقرأها بالتشديد، وقال: قلت لها: قد استيقن (الرسل) أن قومهم قد (كذبوهم)، فقال (ت): أجل، قد استيقنوا ذلك. قلت: فلعلعل، وظنوا أنهم قد كذبوا بالتخفيف. فقالت معاذ الله لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها. قال: قلت: فما هذه الآية؟ فقالت / هم اتباع الرسل الذين آمنوا بهم وصدقوهم، وطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ظن (من كذب بهم من قومهم)، أن أتباعهم الذين آمنوا بهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك. ومعنى: {فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ}، (أي): ننجي الرسل، ومن نشاء من عبادنا المؤمنين. وقوله: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ} إلى آخر السورة المعنى: لقد كان في خبر يوسف وإخوته عبر لأهل الحجى، والعقول، يعتبرون بها، ويتعظون: كل هذا مخاطبة (ل) قريش، وتنبيه لهم على لطائف الله (سبحانه) في خلقه،
وصنعه، إذ ملك (يوسف A ملك) مصر بعد أ (ن) بيع بالثمن الخسيس، وبعد طول حبسه، ثم جمع بينه وبين أبويه وإخوته. {مَا كَانَ حَدِيثاً يفترى}: أي: ليس لما قصصنا عليك (يا محمد) من خبرهم حديثاً يختلق. {ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ}: أي: هذا الذي قصصنا عليك يا محمد من خيرهم مصدق لما في التوراة، والإنجيل، والزبور، وشاهد له أنه حق كله. ثم قال: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ}: أي: تفصيل كل ما بالعباد إليه الحاجة، من بيان أمر الله ( D) ونهيه وحلاله وحرامه. {وَهُدًى} لمن آمن به {وَرَحْمَةً}. والتقدير في نصبه {تَصْدِيقَ} و {تَفْصِيلَ} إنه على أضمار {كَانَ} أي: ولكن كان {تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً}: كله
نصب، عطف على خبر كان المضمرة. ويجوز الرفع في جميع ذلك في الكلام على معنى: ولكن هو تصديق الذي بين يديه، وتفصيل (كل شيء)، ورحمة. فإذا نصبت أضمرت كان، وفيها اسمها مُضْمَرٌ. وإذا رفعت أضمرت هو لا غير.
الرعد
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الرعد: (مكية، وقيل: مدنية) قال ابن جبير، ومجاهد: هي مكية. وقال قتادة: هي مدنية إلا آية واحدة، قوله: (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا) [32] وعنه: إلا قوله: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ) [32]، فإنه نزل بمكة.
1
وسئل ابن جبير عن قوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ): أهو عبد الله بن سلام؟ فقال: كيف يكون عبد الله بن سلام، والسورة مكية وابن سلام إنما أسلم بالمدينة. قوله: {المر} إلى قوله: {تُوقِنُونَ} قال ابن عباس معناها: أنا الله أرى، وقيل: معناه: أنا الله أعلم، وأرى. وقوله: {المر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ (مِن رَّبِّكَ الحق)} المعنى: يا محمد تلك الآيات التي قصصت عليك خ [برها] هي آيات الكتاب التي أنزلت قبل هذا الكتاب، (الذي أنزلته إليك). أعني: بذلك: التوراة والإنجيل، قاله قتادة،
ومجاهد. وقيل: المعنى: هذه آيات الكتاب، يعني القرآن. ثم ابتدأ فقال: {والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحق} على وجه الإخبار لمحمد ( A) أن الذي أنزل إليه، نزَّله الله عليه هو حق. فعلى هذا المعنى تقف على الكتاب، وعلى القول الأول، لا تقف عليه لأن الإخبار عن / الكتب الثلاثة أنها حق. ثم قال (تعالى): {والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحق} أي: وهذا القرآن الذي أنزل إليك من ربك يا محمد! هو الحق أيضاً. فاعمل بما فيه، واعتصم به. قاله قتادة، ومجاهد، فيكون على هذا القول (الكتاب): تمام حسن، ويكون " الذي " (مبتدأ والحق خبره. فإن قد أن " الذي " في موضع خفض على معنى:
وآية {والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}، كان الوقف على (ربك). وتبتدأ الحق، وترفعه على إضمار مبتدأ: أي: هو الحق، وذلك الحق. ثم قال تعالى: {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ} (أي: لا يؤمنون) بعد وضوح الحق بهذه الآيات. ثم قال تعالى: {الذي رَفَعَ السماوات} الآية. المعنى: أنه أخبرنا تعالى ذكره أن من آياته أن رفع السماوات، فجعلها سقفاً للأرض {بِغَيْرِ عَمَدٍ} مرئية، فهي على عمد، ولكنها لا ترى، فيكون " ترونها " نعتاً للعمد. والهاء والألف تعود على العمد، هذا قول ابن عباس وعكرمة، (وهو قول مجاهد). وفي مصحف أبي
" ترونه "، رده على العمد. فهذا يدل على أن لها عمداً لا ترى. قال أبو محمد: وأقول إن عمدها القدرة، فهي لا ترى. قال ابن عباس: عمدها قاف الجبل الأخضر. وقال قتادة: ليستعلى عمد، بل خلقها D، بغير عمد، وهو أولى بظاهر النص، وأعظم في القدرة، ودل عليه قوله: {إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ} [فاطر: 41]: فهذا يدل على أنها غير عمد يُمسكها، ولو كان لها عمد لم يمسكها العمد حتى يعتمد العمد على شيء آخر إلى ما لا نهاية له. فالقدرة نهاية ذلك كله. فيكون " ترونها " على هذا القول [حا] لاً من السماوات: (أي: خلق السماوات مرئية بغير عمد.
وتكون " الهاء " و " الألف " تعود على السماوات)، فإذا رجع [الضمير] على العمد احتمل أن يكون المعنى: بغير عمد مرئية البتة، فلا عمد لها. ويحتمل أن يكون المعنى: بغير (عمد) مرئية لكم: أي: لا ترون العمد. وثَمَّ عمد لا ترى، وإذا رجع الضمير على " السماوات " فلا عمد ثم البتة. ثم قال تعالى: {ثُمَّ استوى عَلَى العرش} أي: علا عليه علو قدرة، لا علو مكان. ثم قال (تعالى): {وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: لوقت معلوم، وذلك إلى فناء الدنيا، وقيام الساعة. فَتُكَوُّرُ الشمس حينئذ، ويُخسف القمر، وتنكدر النجوم التي سخرها في السماء لصالح عباده ومنافعهم فيعلمون
3
بجريها عدد (السنين) والحساب، والأوقات، ويفرقون بين الليل والنهار. ودل تعالى بذلك أنها مخلوقات. إذ كُلٌ مدبر مملوك مقهور، لا يملك لنفسه نفعاً فيخلصها مما هي فيه. ثم قال تعالى: {يُدَبِّرُ الأمر}: أي: بحكمه وحده بغير شريك، ولا ظهير. ومن الأمر الذي دبره: خلق السماوات [ب] غير عمد، وسخر الشمس، والقمر والنجوم فيهن. ثم قال: {يُفَصِّلُ الآيات}: أي: يبين آياته في كتابه لكم، لتقوم بها عليكم الحجة، إن لم تؤمنوا، ثم بين تعالى لِمَ فعل هذا؟ فقال: {لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}: أي: لعلكم تصدقون بوعده، ووعيده، وتزدجرون عن عبادة الأوثان. قوله {وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض} - إلى قوله - {يَعْقِلُونَ}: المعنى: أن الله، جل ذكره، بعد / أن بين آية السماوات والأرض، أنه هو بسط الأرض
طولاً وعرضاً. قيل: إنها كانت مدورة فمدت. ثابتة: أي: جبالاً، والرواسي جمع راسية، وهي الثابتة، وجعل فيها أنهاراً للسقي، والشرب، والعسل، وغير ذلك. ثم قال تعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ}: أي: نوعين، والزوج: الواحد الذي له قرين، والزوج: الصنف، والنوع. وقال أبو عبيدة، والفراء: والمراد بالزوجين: الذكر والأنثى من كل صنف، وهذا خلاف ظاهر النص، لأنه تعالى إنما ذكر الثمرات، ولم يذكر الحيوان. فالمعنى: من كل الثمرات جعل صنفين حلواً وحامضاً، وأحمر وأبيض، ونحو ذلك ودليله قوله: {وَمِن كُلِّ الثمرات جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ} أي: خلق الأصناف كلها من نبات الأرض ومن غيرها. ثم قال: {يُغْشِى اليل النهار}: أي: يلبس الليل النهار، فذلك كله فيه: آية لمن تفكر فيه، واعتبر، فعلم أن العبادة لا تصلح إلا لمن خلق هذه الأشياء، ودبرها، دون
أن يملك ضراً، ولا نفعاً. ثم قال تعالى: {وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ} الآية والمعنى: وفي الأرض قطع متدانيات، وتت [ف] اضل في النبات، فمنها قطعة سبخة، لا تنبت شيئاً، وتجاوزها قطعة طيبة تنبت. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك. وقيل: المعنى: وفي الأرض أمكنة متجاورة تسقى كلها بماء واحد، وهي مختلفة. طعام النبات والثمر: بعضها حلو، وبعضها حامض، وبعضها مُرٌّ، وبعضها سباخ لا تنبت شيئاً. ففي ذلك مع اتفاق شرب جميعها من ماء واحد، دلالة على نفاذ قدرة الله (تعالى)، وتعظيم سلطانه، و [ب] دائع تركيباته سبحانه. وقيل: في (ال) كلام حذف، والمعنى: وفي الأرض قطع متجاورات وغير
متجاورات، ثم حذف لعلم السامع. وقيل: المتجاورات: المدن، وما كان عامراً، والتي غير متجاورات: الصحاري، وما كان غير عامر. وقوله ({صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ}: معنى: صنوان: النخلة، والنخلتان، والثلاث، والأربع أصلهن واحد)، {وَغَيْرُ صِنْوَانٍ}: النخلة، والنخلتان، والأكثر كل واحدة في أصل متفرق، قاله البراء بن عازب. وقال ابن عباس: معنى: الصنوان: النخلة التي يخرج من أصلها النخلات، فيحمل بعضه، ولا يحمل البعض. فيكون أصله واحداً، ورؤوسه متفرقة. {وَغَيْرُ صِنْوَانٍ}: كل واحدة من النخل في أصل واحد.
ومعنى الآية عند الحسن، (رحمة الله عليه)، أنه مثل ربه الله [تعالى] لقلبو بني آدم، وذلك أن الأرض كانت في يد الرحمن طينة واحدة، فبسطها، وبطحها فصارت قط [عاً] متجازات. فينزل عليها الماء، فتخرج هذه زهرتها، وثمرتها، وشجرها، وتخرج هذه ملحها، وسبخها، وخبثها: وكلتاهما تسقى بماء واحد. فلو اختلف (ت) مياهها لقيل: إنما وقع الاختلاف لأجل الماء، كذلك الناس خلقوا من آدم. وينزل عليهم من السماء ماءاً: يذكرهم فترق قلوب، وتخشع قلوب / وتخضع، وتقسو قلوب، وتلهو وتسهو. قال الحسن: والله ما جالس القرآن أحدٌ، إلا قام من عنده بزيادة، أو نقصان. دليله قوله: {وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَاراً} [الإسراء: 82].
قال أبو محمد، Bهـ، هذه الآية نبه الله تعالى (فيها على) قدرته وحكمته، وأنه المدير للأشياء كلها. وذلك أن الشجرة تخرج أغصانها، وثمارها في وقت معلوم لا تتأخر عنه، ولا تتجاوزه. فدل ذلك على مدبر فعل ذلك. إذ لا يقدر الشجر على ذلك، ثم يتصعد الماء في ذلك الوقت علواً علواً، وليس من طبعه إلا التسفل. فدل ذلك على مصدعه صعَّده، إذ لا يقدر الماء والشجر على ذلك، ثم يتفرق ذلك الماء في الورق والأغصان، والثمرة كل بقسطه، وبقدر ما فيه صلاحه، فدل ذلك على مقسم قسَّمه، ومجز جزأه على العدل والقوام. ثم تختلف طعوم الثمرات والماء الواحد. والشجر جنس واحد. فدل ذلك على مدبر (دبر) ذلك، وأحكمه لا
يشبه المخلوقات: فهذا وأشباهه يدل على توحيد الخالق بالعقول، وإفراده بالقدرة على كل شيء وبالحكمة واللطف في أفعاله بالرسل. إنما أكدت هذا الذي هو ظاهر للعقول من إيجاب التوحيد، وإثبات الصانع ما بينت الرسل من الشرائع. وكل القراء كسر الصاد من " صِنوان "، إلا ما رواه (أ) بو شعيب: عن حفص، (عن عاصم) أنه قرأ بضم الصاد فيهما. وهي لغة (بني) تميم، وقيس. والكسر لغة أهل الحجاز، وواحده صِنْوٌ
كقنوان، واحدهُ. قِنْوٌ، ونِسوانٌ: واحده نِسْوةٌ، ولا يعتد بالهاء. وحكى سيبويه " قُنْوان " بالضم. ثم قال تعالى: {يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ}: (أي: يسقى ذلك بماء واحد) من السماء، (و) بعضها يَفْضُلُ بعضاً في الأكل: كالحلو، والحامض، والمر. قال ابن جبير: هي الأرض الواحدة يكون فيها الكوخ، والكمثري، والعنب الأبيض، والأسود، ويكون بعضها أكثر في الحمل من بعض. والأكل: الثمر الذي يؤكل. ثم قال تعالى: {إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}: أي: (إن) في اختلاف مطاعم هذه الشجر على ما تقدم وصفه لآيات: لعلامات لقوم يعقلون فيستدلون على أن
5
الذي خالف بين هذه الشجر في الطعم والماء واحد، والأرض واحدة: لهو الذي يقدر على مخالفة أحوال خلقه، فيقسم لهذا هداية، ولهذا ضلالة، وتوفيقاً لهذا، وخذلاناً لهذا. ولو شاء لَسَوَّى بين (جميع) طعم ثمر الشجر كله. كذلك لو شاء [الله] لسوى بين جميع الخلق في الهداية، أو في الضلالة. قوله: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} - إلى قوله - {لَشَدِيدُ العقاب} المعنى: يا محمد من هؤلاء المشركين، فعجب إنكارهم للبعث. قال قتادة: عجب الرحمن من تكذيبهم البعث بعد الموت. وقال ابن زيد: المعنى: أن تعجب يا محمد من / تكذيبهم لك، وقد رأوا قدرة الله، D في الحياة، وفي جميع ما ضرب لهم به الأمثال، فعجباً إنكارهم
البعث. على معنى: فذلك من فعلهم مما يجب لكم أن تعجبوا منه. وقد قرأ الكسائي {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات: 12] بضم التاء على أَحَدِ المعنيين المذكورين. ثم أخبرنا الله، D، أن من أنكر البعث، بعدما بين له من الآيات الدالات على قدرة الله، (سبحانه) فالأغلال في أعناقهم يوم القيامة، وأنهم أصحاب النار خالدين فيها. وقيل: الأغلال: أعمالهم، كما تقول للرجل عمل عملاً سيئاً: " هذا غل في عنقك "، فسمي العمل السيء بالغل، لأنه سبب إلى الغل. ثم قال تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة (قَبْلَ الحسنة)} الآية. والمعنى: يستعجلك يا محمد، مشركو قومك بالعذاب والعقوبة، قبل الرخاء
والعافية، فيقولون: {اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ} [الأنفال: 32]- الآية وهم يعلمون ما حل بالأمم قبلهم من العقوبات وهو قوله: {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات}: أي: العقوبات في الأمم الماضية على تكذيبهم الرسل، فهلك قوم بالخسف، وقوم بالرجفة، وقوم بالغرق في أشباه لذلك من العقوبات. قال قتادة: المُثلاتُ: وقائع الله، D في الأمم الماضية. وقال الشعبي: المثلات: القردة والخنازير. ثم قال تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ}: أي: لذو ستر على ذنوبهم، وهم ظالمون.
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب} (أي):، لمن مات مصراً على كفره. ولما نزلت هذه الآية، قال النبي A: " لولا عفو الله، ورحمته، وتجاوزه من هنأ لأحَدٍ عيش، ولولا عاقبة، ووعيده، وعذابه لا تكل كل واحد ". وقال ابن عباس: ما في كتاب الله، ( D) آية أرْجَى من قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ}. (وقيل: المعنى) هو أن العبد يمحو الله بحسنته عشر سيئات، وإذا همّ بالحسنة كتب له، وإن لم يعملها.
7
قوله: {وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ} إلى قوله {المتعال} المعنى: أن الله D أخبرنا أن المشركين يقولون هلا أنزل على محمد آية، تدل على نبوته، وهي قوله: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} [هود: 12]. ثم قال الله D، لنبيه عليه السلام {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ} لهم لا غير. ثم قال تعالى: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}: أي: ولكل أمة هاد، يهديهم؛ إما إلى هدى، وإما إلى ضلال، دليله قوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء: 73]، وقوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار} [القصص: 41] وقال قتادة: معناه: ولكل قومٍ داعٍ يدعوهم إلى الله (سبحانه). فأنت يا محمد داعي هؤلاء. فمحمد، عليه السلام، هو الهادي، وهو المنذر. وقال ابن جبير: الهادي هو الله، ( D) ، والمعنى: إنما أنت يا محمد منذر،
ولكل قوم اهتدوا هادٍ يهديهم، وهو الله (تعالى). (و) قال مجاهد: المنذر: النبي A، والهادي / الله ( D) ، وقال (هـ) ابن عباس، والضحاك. وقال أبو صالح: معناه: ولكل (قوم) قادة يقودونهم، إما إلى هدى، وإما إلى ضلال. وعن ابن عباس Bهـ معناه: ولكل قوم داع يدعوهم إلى الله تعالى. ثم قال تعالى (جل ذكره): {الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى} الآية المعنى: إنه ذكر عن قريش أنهم ينكرون البعث، فذكرهم بعلمه {مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى}، وما يزيد الرحم في حمله على التسعة أشهر، وما ينقص من التسع أشهر. وإِنَّ من عَلِمَ هذا
قادر على إعادتكم بعد موتكم، لأن الابتداء أصعب من الإعادة. {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ}: أي: قدره، ودبره، فلا تنكروا البعث بعد الموت. وقال قتادة: {تَغِيضُ الأرحام}: هو ما يسقط من الأولاد قبل التسعة. وقال مجاهد: الغيض: النقصان، وذلك أن المرأة إذا أهرقت الدم، وهي حامل (انتقص) المولود، وإذا لم تهرق الدم، عظم الولد وتم. وقال أيضاً " (إذا حاضت) المرأة في حملها كان (ذلك) نقصاناً في ولدها. فإن زادت على تسعة أشهر كان ذلك تماماً لما نَقْصَ من ولدها. وقال الحسن: الغيض أن تضع لثمانية أشهر، وأقل الازدياد أن تز (يـ) ـد
على تسعة أشهر. وعنه (أيضاً) أنه قال: (الغيض الذي يولد لغير تمام، وهو السِّقط. والاز (د) ياد: ما ولد لتمام كقوله: {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} [الحج: 5]: أي تامة وغير تامة. وقال ابن جبير: إذا حملت المرأة، ثم حاضت نقص ولدها، ثم تزداد في الحمل مقدار ما جاءها الدم فيه، فتزيد على تسعة أشهر مثل أيام الدم. وقال عكرمة: غيضها: الحيض على الحمل، {وَمَا تَزْدَادُ} قال: تزداد كل يوم حاضته في حملها يوماً طاهراً في حملها حت تُوِفي عُدَّة حملها، وهي طاهرة. وعن مجاهد أيضاً: غيضها دون التسعة أشهر، والزيادة فوق التسعة أشهر. واجتمع العلماء على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر.
واختلفوا في أكثره. فقال قوم: أكثه سنتان، وهو مروي عن عائشة (Bها). وروي عن الضحاك بن مزاحم، وهرم بن حيان أنهما قاما كل واحد منهما في بطن أمه سنتين. وقال الليث بن سعد: أكثر الحمل ثلاث سنين. وحكي أن مولاةً لعمر بن عبد العزيز، (Bهـ) حملت ثلاث سنين. وقال الشافعي مدته: أربع سنين.
وروي عن مالك: مثل قول الشافعي (Bهـ). وروي أيضاً عن مالك أنه قال: خمس سنين، وحكي عن امرأة ابن عجلان أنها كانت تحمل خمس سنين. وقال الزهري: المرأة تحمل ست سنين، وسبع سنين. وقال قوم: لا يجوز التحديد (في هذا)، ومذهب الشافعي /، ومالك: أن الحامل تحيض. وقال عطاء، والشعبي، والحكم، وحماد، وغيرهم: الحامل
لا تحيض، ولو حاضت ما جاز أن تستبرئ الأمة بحيضة، واستبراء الأمة (بحيضة) إجماع. فلا يعترض به على من أجاز حيض الحامل، لأن الأمة خرجت بالإجماع على استبرائها بحيضة.
10
ثم قال تعالى (جل جلاله): {عَالِمُ الغيب والشهادة}: أي: يعلم ما غاب عن الأنظار، وما ظهر الكبير: أي: العظيم في ملكه. {المتعال}: أي: المستعلي على جميع الأشياء بقدرته. قوله: {سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} - إلى قوله - {مِن وَال}
قوله: سواء منكم، [هو مصدر]، مرفوع لأنه خبر ابتداء مقدم، ومن في الموضعين رفع بالابتداء، (لأن) " سواء " يطلب اسمين،، و " من " الثانية مرفوعة بالابتداء أيضاً، والتقدير: وسواء، كما تقول: رجل عدل، أي: ذو عدل، وتقول: سواء زيد وعمرو، أي: ذو سواء، زيد، وعمرو. إنما احتجت إلى هذا الإضمار، لأن سواء مصدر ولا يرتفع، إذا كان الاسم بعده إلا على حذف، لأن الخبر ليس هو الابتداء، إلا أن تضمر، فيكون الخبر هو الابتداء في المعنى، ويكون فيه ذكر يعود على الابتداء، إلا أن تضمر، فيكون الخبر هو الابتداء في المعنى، ويكون فيه ذكر يعود على الابتداء. وهذا في الحذف كما قالت الخنساء: " فإنما هي إقبال وإدبار: أي: ذات إقبال وإدبار. وإن كان في موضع هذا المصدر اسم فاعل، لم
يحتج إلى إضمار لأنه يكون هو الاسم المبتدأ، وليس المصدر هو الاسم المبتدأ. وقد كثر استعمالهم " لسواء "، حتى جرى مجرى أسماء الفاعلين، ويجوز أن يرتفع " سواء " على أن يكون في موضع " مستوٍ ". ويكون أيضاً خبراًَ مقدماً، كالأول، لكن يكون هو الابتداء (في) المعنى: فيستغنى (عند سيبويه)، عن الإضمار، وقبيح عند سيبويه أن يكون مبتدأ، لأن النكرات لا يبتدأ بها، وإن كانت اسماً لفاعلين لضعفها عن الفعل. وقد جمعوا " سواء " على " أسوأ " قال الشاعر: ترى القوم أسواء إذا جلسوا معاً ... وفي القوم زيفٌ مثل زيف الدراهم
ومعنى الآية: معتدل منكم عند الله D، أيها الناس: الذي أسرّ القول، والذي جهر به، والذي يستخفي بالليل، وبظلمته بمعصية الله (سبحانه)، والذي يظهر بالنهار في المعصية، وفي غيرها. كل ذلك عند الله (سبحانه) سواء لا يخفى عليه منه شيء. ويقال: هو آمن في سِربه، وسَربه، بالفتح والكسر. والسارب في الآية: الظاهر وقيل: السارب المختفي، من قولهم: انسرب الوحش: إذا دخل كناسَهُ، قال (هـ) قطرب. وأكثر الناس على أن السارب: الظاهر، لأنه عديل المستخفي المتواري، والسارب: الظاهر. ثم قال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} - الآية: قيل المعنى (لله D) معقبات، وهي الملائكة / تتعاقب على ابن آدم بالليل والنهار.
فالهاء في " له " لله، والهاء في " يديه " و " خلفه: للمستخفي بالليل، والسارب بالنهار. وقيل: الهاء في " له " تعود على " من " وهو المستخفي. ومعنى: من خلفه: " من وراء ظهره ". وروي أن عثمان بن عفان: Bهـ، " سأل النبي A، فقال: يا رسول الله! أخبرني عن العبد كم معه ملكاً. فقال النبي A: ملك على يمينك على حسناتك، وهو أمين على الذي على شمالك. وإذا فعلت حسنة كتب عشراً. (و) إذا علمت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين: اكتب، فيقول له: لعله يستغفر الله، ويتوب. فإذا لم يتب منها، قال: نعم اكتب أراحنا الله منه، فبئس القرين ". ما أقل مراقبته لله D، وأقل استحياء! يقول الله (تعالى):
{مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، ومَلَكان من بين يديك، ومن خلفك. يقول الله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله} وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على النبي (محمد) A. وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية فيك، وملكان على عينيك: فهؤلاء عشرة أملاك، على كل آدمي ينزلون ملائكة الليل على ملائكة النهار، لأن ملائكة الليل ينيبون ملائكة النهار. فهؤلاء عشرون ملك [اً] على كا آدمي، وإبليس بالنهار، وولده بالليل. ورُوي أنهم يجتمعون عند صلاة العصر، وصلاة الصبح.
وعن ابن عباس، وعكرمة: أن النعقبات (هنا): الحرس الذين يتعاقبون على الأمراء من بين أيديهم ومن خلفهم. قال الضحاك: هو السلطان يتحرس من الله (سبحانه). وقال عكرمة: هي المواكب بين يدي الأمراء وخلفهم. فتكون الهاء في " له " على هذا التأويل " لمن ". وهو المستخفي بالليل، والسارب بالنهار. فوصفه الله ( D) ، أنه قد جعل لنفسه حرساً يحفظونه من حدوث أمر الله به، لجهله بالله (سبحانه). وإن ذلك لا يرد عنه شيئاً. وهذا القول اختيار الطبري: أن تكون المعقبات الحرس، والأعوان مع الأمراء، لأن " له " أقرب من ذكر المستخفي منه من ذكر الكبير المتعال. ويدل على صحة هذا المعنى قوله بعد ذلك: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ}: أي: ليس ينفع هذا المذكور حرسه، وتعاقبهم عليه. ولا يرد عنه أمر الله (سبحانه) وقدره إذا أتاه. فالمعنى على
هذا: أن الله، D، ذكر أن أهل معصيته يستخفون بالمعاصي بالليل، ويظهرون بالنهار، ويتمنعون عند أنفسهم بالحرس، وتحرسهم، وتتعاقب عليهم. ثم أخبرنا تعالى جل ذكره، أنه إذا / أراد بهم سوءاً، وعقوبة لم ينفعهم حرسهم شيئاً. واختار النحاس القول الأول، وهو أن يكون (المعقبات): (الملائكة) على ما تقدم ذكره، واحتج فيه (بما) رواه أبو هريرة من حديث مالك بن أنس Bهـ أن النبي A قال: " لله ملائكة يتعاقبون فيكم بالليل والنهار " الحديث. ومن جعل (المعقبات) ملائكة كان قوله من أمر الله على وجهين: أحدهما: أن تكون " من " بمعنى الباء، أي: يحفظونه بأمر الله لهم أن يحفظوه
حتى يأتيه ما قدر عليه، فلا ينفع حفظهم إياه من قدر الله (سبحانه) إذا جاءهم (وهو) قول ابن جبير. والثاني: أن يكون المعنى له معقبات من أمر الله: من بين يديه ومن خلفه، أي: المعقبات {مِنْ أَمْرِ الله} هي: {يَدَيْهِ}، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وابن جريج. فتكون " من " متعلقة " بمعقبات "، وهي لبيان الجنس. وعلى القول الأول: " من " بمعنى الباء، وهي متعلقة بـ " يحفظونه ": أي: حفظهم له بأمر الله كان، وإنما يحفظونه مما لم يقدر عليه. وقيل: أمر الله هنا: الجن، أي: يحفظونه من الجن. فتكون " من " على بابها متعلقة بالحفظ. ومن جعل " المعقبات " حرس الملوك، وأعوانهم، كانت " من " على بابها متعلقة بـ " يحفظونه ". والمعنى: {يَحْفَظُونَهُ} من قدر الله على قولهم، وظنهم، ولا
ينفع ذلك لأن الله إذا أراد بقوم سوءاً فلا مرد له. قال مجاهد: ما من عبد إلا له ملك موكل بحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام. فيما يأتيه منها شيء إلا قال له: وراءك. وقال ابن جريج: معنى من أمر الله: أي: يحفظون عليه عمله، وتقديره: له ملائكة، تتعاقب عليه من أمر الله، هي: تحفظ عمله فيه. فحذف العمل، واتصل المضاف إليه (ب) يحفظونه مثل: {وَسْئَلِ القرية التي} [يوسف: 82]، ومثل: {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} أي: وعقابه واقع بهم، فحذف العقاب، وقامت الهاء مقامه، فقام ضمير مرفوع، لأن المحذوف مرفوعاً كان. وقال الحسن: المعنى: يحفظونه عن أمر الله، " فمن " بمعنى " عن "،
والمعنى: حفظهم إياه عن أمر الله، كان، لا من عند أنفسهم. ثم قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} إلى قوله - {وَالٍ}: الهاء في قوله: {فَلاَ مَرَدَّ لَهُ} تعود على السوء، وقيل: على الفرد، وقيل: تعود على الله. أي لا مرد (لله سبحانه: أي: لا راد له عن مراده. والمعنى: إن الله، ( D) لا يغير ما بإنسان من نقمة، وكراهة ابتدأه بها، حتى يغير ما بنفسه من ظلمه، وتعديه، وتركه ما أمر به. فإذا غير وقعت به العقوبة. وقيل: المعنى: أن الله لا يغير ما بقوم مؤمنين صالحين، فيسميهم كافرين إلا أن يفعلوا ما ي (و) جب ذلك. ويروى أن هذه الآيات {سواءا فَلاَ} - وما بعده - نزَلن في عامر بن الطفيل،
وأربد بن قيس، " وذلك أن وفد بني عامر / قدموا على النبي A، وفيهم عامر (بن الطفيل)، وأربد بن قيس. وكان في نفس عامر الغدر برسول الله A. وكان من رؤساء قومه فقال عامر لأربد: إذا قدمنا على الرجل، فإني شاغل عنك وجهك. فإذا فعلت ذلك فَاعْلُهُ بالسيف. فلما قدموا على النبي A، قال عامر: يا محمد خالني، قال النبي A: لا والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له، فكرر عامر على النبي ذلك، والنبي يقول له: حتى تؤمن بالله وحده لا (شريك) له، وعامر ينتظر من أربد ما كان به، وجعل أربد لا يجيز شيئاً. فلما رأى عامر أربد لا يفعل شيئاً، وأبى النبي A، أن يخاليه، قال: (النبي) عليه السلام: والله لأملأنها عليك خيلاً ورجلاً، فلما ولى (من عند) النبي. قال عامر لأربد: ويلك يا أربد! أين
ما كنت أمرتك به. والله ما كان على وجه الأرض رجل أخوف عندي منك على نفسي منك: وأيم الله (لا أخافك بعد اليوم أبداً. قال له أربد: ويلك لا تعجل علي وأيم الله) ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبينه حتى ما أرى غيرك، فأضربك بالسيف. فخرجوا راجعين إلى بلادهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله ( D) على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فمات في بين امرأة من بني سلول، فجعل يقول: يا بني عامر! أغُدَّةً كَغُدَةٍ البعير، وموتاً في بيت امرأة من بني سلول، ثم خرج أصحابه بعده حتى قدموا أرض بني عامر، فأتاهم قومهم، فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا (شيء) لله! لقد دعانا محمد إلى عبادة شيء، لوددت أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله، فخرج أربد بعد مقالته هذه بيوم، أو
12
يومين، معه جمل له يبيعه، فأرسل الله ( D) عليه صاعقة، فأحرقته وجمله ". قوله: {هُوَ الذي يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً} إلى قوله {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} البرق: مخاريق من حديد بأيد (ي) الملائكة تضرب بها. هذا قول علي بن أبي طالب Bهـ. وقال مجاهد: الملائكة تضرب بأجنحتها، فمن ذلك البرق. وقد تقدم شرح هذا بأشبع من هذا. فالمعنى: الله يريكم البرق خوفاً للمسافر من أذاه، وطمعاً للمقيم لينتفع (به)، والبرق هنا على قول ابن عباس: الماء.
وقيل: الآية مخصوصة، والمعنى: خوفاً لمن لا يحتاج إليه كمصر، وشبهها التي لا تحتاج إلى المطر. وكونه فيها ضر عليها، " وطمعاً " لمن يحتاج إليه، ويرجو الانتفاع به. وقيل: الآية على العموم لكل من خاف، أو طمع. وقل: المعنى: خوفاً من الصواعق (وطمعاً بالمطر). " وقال الضحاك: أما الخوف فما يرسل معه من الصواعق "، وأما الطمع فما نرجو فيه من الغيث. ثم قال (تعالى): {وَيُنْشِىءُ السحاب الثقال}: بالمطر، أي: ويثير السحاب الثقال بالمطر، وبيديه. يقال: أنشأ الله السحاب / أبداه، والسحاب: جمع
سحابة. ولذلك قال (الثقال) ولو كان موحداً لقال: الثقيل. ثم قال (تعالى): {وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ} قال مجاهد: الرعد: ملك يزجر السحاب. وقال أبو صالح: الرعد (ملك) يسبح. وقال شهر بن حوشب: الرعد: ملك موكل بالسحاب، يسوقه كما يسوق الحاجي الإبل. فكلما خالفته سحابة صاح (بها)، فإذا اشتد غضبه طارت النار من فيه. فذلك الصواعق الذي رأيتم.
وقال ابن عباس: الرعد: ملك اسمه (الرعد)، (وهو) الذي تسمعون صوته. وكان ابن عباس إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له. وكان يقول: الرعد: ملك ينعق بالغيث، كما ينعق الراعي بغنمه. وروى مجاهد، عن ابن عباس (أنه قال): الرعد، (وهو) الذي تسمعون صوته. وكان ابن عباس إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له. وكان يقول: الرعد: ملك ينعق بالغيث، كما ينعق الراعي بغنمه. وروى مجاهد، عن ابن عباس (أنه قال): الرعد (اسم ملك) وصوته هذا تسبيحه، فإذا اشتد زجره للسحاب اضطر السحاب من خوفه فيحتك. تخرج الصواعق من فيه. وسئل علي Bهـ عن الرعد: فقال: هو ملك، وسئل عن البرق،
(فقال): مخاريق بأيدي الملائكة تزجر السحاب. وعن الضحاك أنه قال: الذي يسمع تسبيح الملك، واسمه الرعد. قال مجاهد: الرعد: ملك يزجر السحاب بصوته. وعن ابن عباس، Bهـ أن الرعد: ريح يختنق تحت السحاب، فتتصاعد فيكون منها ذلك الصوت. وعنه أيضاً أنه، قال: البرق: ملك يتراءى. وأكثر المفسرين على أنه ملك كما تقدم. " وكان النبي A، إذا سمع الرعد الشديد، قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا
تهلكنا بعذابك، وعاقبنا قبل ذلك " وهذا الدعاء يدل على أنه صوت ملك. " وروى أبو هريرة أن النبي A، كان يقول إذا سمع الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده " فهذا يدل على أن الرعد ملك. وكان ابن عباس، وعلي (ضي الله عنهما) يقولان إذا سمعا الرعد: سبحان من سبحت له، فهذا يدل على أنه ملك. ومعنى {وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ}: أي: " يعظم الله ويمجده، ويثنى عليه بصفاته. وحكي عن العرب سبحان من يسبح الرعد بحمده، يريدون (من) فأقعوا (ما)، ما " مَنْ ". ثم قال: {والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ}: أي: وتسبح الملائكة من خيفته، أي: من رهبته. وروي أن خوف الملائكة ليس كخوف بني آدم، لأن طائفة من الملائكة
ساجدون، منذ خلقوا، باكون، ومنهم طائفة يسبحون ويهللون، لا يعرف أحدهم من على يمينه، ولا من على شماله، ولا يشغلهم عن عبادة الله، ( D) شيء. قال الله D عن الملائكة: {يُسَبِّحُونَ اليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20]: فعلى قدر أعمالهم واجتهادهم، كذلك خوفهم. وقوله: {وَيُرْسِلُ الصواعق}: الصاعقة من الناؤ التي تخرج من فم الرعد / إذا غضب، فقد تقدم ذكرها بأشبع من هذا في سورة البقرة. وهذه الآية نزلت في يهودي جاء إلى النبي A فقال له: أخبرني عن ربك: من أي شيء هو؟ من لؤلؤ أو ياقوت. فجاءت صاعقة، فأخذته فأنزل الله D: { وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ}. ودل على هذا القول قوله: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي الله}: فالضمير في " هم "
لليهودي، وجمع لأن له أتباعاً على قوله ومذهبه. وروي أنها نزلت في رجل من فراعنة العرب، وهو أربد، وجه إليه النبي A، يدعوه إلى الله، فقال: وما الله؟ أمِنْ ذهب هو أم مِنْ فضةٍ؟ أمْ مِن نُحاس؟ فأخبر النبي عليه السلام بذلك. فدعاه ثانية، فبينما النبي عليه السلام، يراجع الكافر في الدعاء إلى الله سبحانه، إذ بعث الله سَحَابَةً بِحُيال رأس الكافر، فرعدت، فوقعت منها صاعقة، فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله D: { وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ} الآية. وقال قتادة: (أنكر رجل) القرآن، وكذب النبي A، فأنزل الله، ( D) عليه صاعقة، فأهلكته، فنزلت الآية فيه.
وقال ابن جريج: نزلت في أَرْبَد أخي لبيد بن ربيعة، هَمَّ هو، وعامر بن الطفيل بقتل النبي A. فبعث الله تعالى عليه صاعقة فاحترق. ومعنى قوله: {وَهُوَ شَدِيدُ المحال} قال علي (بن أبي طالب) عليه السلام: " شديد الأخذ ". وقال مجاهد: ( C) : " شديد القوة ". وقال قتادة (رحمة الله عليه): المحال: " القوة والحيلة ". وقال ابن عباس (رضوان الله عليه): " شديد الحَوْل ". وقال الحسن: (نضر الله وجهه): شديد المكر، من قولهم: مَحَل به: إذا
مكر به، ومن جعله من الحوْل، والحيلة، فالأشبه بقراءته أن يقرأ بفتح الميم، لأن الحيلة لا يأتي مصدرها إلا بفتح الميم نحو: محالة، ومنه قولهم: " المرء يعجز لا محالة ". وبه قرأ الأعرج فأما من كسر الميم فهو مصدر من: " ما حلت فلاناً، مماحلة، ومحالاً، فاللماحلة بعيدة المعنى من الحيلة. فإذا جعلته من الحول فوزنه " مِفْعَلٌ "، وأصله " مِحْوَل " ثم قلبت حركة الواو على الحاء، وقلبت الواو ألفاً كاعتلال " مقال " و " محال ". وإن جعلته من " مُحال " فوزنه " فُعال " لا اعتلال فيه.
ثم قال تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الحق} وهي شهادة ألا إله إلا الله، قاله ابن عباس، وقتادة. وقال علي Bهـ: هي التوحيد. وقال ابن زيد C: هي لا إله إلا الله، ليست تنبغي لأحد إلا الله. ثم قال تعالى: {والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} الآية: أي: والآلهو التي يدعوها المشركون من دون الله (سبحانه) لا تجيب من دعاها بشيء من النفع، والضر، ولا ينتفع / بها إى كما ينتفع الذي يبسط كفيه إلى الماء. ليأتيه من غير أن يرفعه، فلا هو ببالغ فاه، ولا نافعه كذلك. هذه الآية التي يدعون هؤلاء العرب. فضرب المثل لمن طلب ما لا يبلغه بالقابض على الماء.
قال علي، Bهـ " معناه ": كالرجل العطشان مد يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه، وما هو ببالغه، ولا نافعه، كذلك هذا الذي يدعو من دون الله. وقال مجاهد (Bهـ) معناه: يدعو الماء بلسانهن ويشير إليه بيده، فلا يأتيه أبداً، أي: فهذا الذي يدعو من دون الله، هو الوثن، وهذا الحجر لا يستجيب له بشيء أبداً، ولا يسوق إليه خيراً، ولا يدفع عنه شراً: كمثل هذا (الذي) بسط ذراعيه إلى الماء {لِيَبْلُغَ فَاهُ} (وما) يبلغ فاه أبداً. وروي عن ابن عباس أن المعنى: هذا الذي يدعو الآلهة، كمثل من بسط كفيه إلى الماء، ليتناول خياله فيه، وما هو ببالغه أبداً، ولا يأخذه. وقيل المعنى: إن هؤلاء الذين يعبدون الآلهة لا ينتفعون بها، إلا كما ينتفع من بسط كفيه إلى الماء يدعوه ليأتيه، وهو لا يأتيه أبداً، ولا ينتفع به. فكذلك لا
15
ينتفع بعبادة الآلهة. وهذا كله ضرب مثلاً لمن يعبد غير الله، جل ذكره. (وقيل معنى): مثل من يعبد الأصنام كمثل من يفيض على الماء، ليبلغ فاه، فلا يحصل له نفع من ذلك. قوله: {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً} إلى قوله {الواحد القهار}: المعنى فإن امتنع هؤلاء الذين يدعون الآلهة من دون الله من الطاعة (والإخلاص لله D) فلله D، يسجدُ من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من المؤمنين طوعاً)، ويسحد (الكافرون) كرهاً، حين يكرهون على ذلك. فيدخلون في الدين كارهين، قاله قتادة. وعنه أنه قال: أما المؤمن يسجد طائعاً، وأما الكافر فيسجد كارهاً، فيسجد لله حين لا ينفعه.
وقال ابن زيد: {وَكَرْهاً}: من لم يدخل الإسلام إلا بالسيف، فأول دخوله كرهاً، {طَوْعاً}: من دخله طائعاً، أي: من أسلم طائعاً. وقال الزجاج: جائز أن يكون السجود بالخضوع لله. فمن الناس من يخضع، ويقبل أمر الله (سبحانه) طائعاً، ومنهم من يقبله وإن كان كارهاً (له). وقيل: معناه: إن عباد الله الصالحين يسجدون لله، والكفار يسجدون خوف القتل. وقيل: المعنى: وبعض من في الأرض يسجد، وبعض المؤمنين طائعين، قد سهل ذلك عليهم، وبعضهم يكره نفسه على ذلك لله (سبحانه). وقيل: السجود هنا الخضوع لتدبير الله D في جميع خلقه: من صحتهم، وسقمهم، وتصرفهم، (فهم) منقادون لذلك أحبوا، أو كرهوا لا حيلة لهم في
دفع ذلك. وظلالهم أيضاً منقادة لتدبير الله ( D) وإجرائه الشمس / بزيادة الظل، ونقصانه وزواله. وقال ابن عباس: يعني: حين يفيء ظل أحدهم عن يمينه، وشماله. قال أبو العالية: ما في السماء من شمس، ولا قمر، ولا نجم يقع لله (سبحانه) ساجداً حين يغيب، فما ينصرف حتى يؤذن له. وقال مجاهد: ظل المؤمنين يسجد لله طوعاً، وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعاً، وهو كاره. والآصال: جمع أصل، والأصل (جمع أصيل) كرغيف ورغف. والأصيل: ما بين العصر إلى مغرب الشمس. ثم قال تعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ السماوات والأرض} الآية والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء
المشركين بالله، من رب السماوات والأرض، ومدبرها؟ قل: الله أتى الجواب والسؤال فيه من جهة واحدة. وذلك على تقدير أنهم لما قيل لهم: من رب السماوات والأرض، (ومدبرها). جهلوا الجواب فقالوا: ومن هو؟ فقيل لهم الله: ومثله: {مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ الله} [يونس: 34]. وهو كثير في القرآن: يأتي السؤال والجواب من جهة (واحدة، من جهة السائل. وإنما حق الجواب أن يكون من جهة) السؤال، لكن أتى الجواب) من جهة السائل (الجوابِ: على معنى أنهم جعلوا الجواب، وطلبوه من جهة السائل): فأعلمهم به السائل، فصار السؤال الجواب من جهة واحدة. ثم أمر أن يقول لهم: {أفاتخذتم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً}
يجتلبونه لها، {وَلاَ ضَرّاً} يدفعونه عنها، وهي إذا لم تمتلك ذلك لأنفسها، تكون أضعف عن ملكه لغيرها، فعبدتم من هذه صفته، وتركتم (عبادة) من بيده النفع والضر، والموت والحياة. (ثم) ضرب لهم مثلاً، فقال: قل لهم يا محمد {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير} يريد به المؤمن والكافر. {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظلمات والنور}: (أي): الإيمان والكفر، فالظلمة طرف الكفر، والنور طرف الإيمان. قال مجاهد: الظلمات والنور: " الهدى والضلالة ". ثم قال تعالى: {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ} الآية المعنى: قل امحمد لهؤلاء المشركين: أخلق أوثانكم خلقاً كخلق الله، فاشتبه عليكم أمرها فيما خلقت،
17
وخلق الله (سبحانه)، فجعلتموها شركاء لله من أجل ذلك. ثم قال (تعالى): {قُلِ الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}: (أي: قل لهم يا محمد: إذا أقروا أن أوثانهم لا تخلق: فالله، {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ})، فهو أحق بالعبادة ممن لا يخلق، ولا يضر، ولا ينفع. {وَهُوَ الواحد القهار}: أي: " الفرد الذي لا ثاني له "، {القهار}: أي: (القهار) بقدرته كل شيء، ولا يقهره شيء. قوله (تعالى): {أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً} إلى قوله {وَبِئْسَ المهاد}: هذا مثل ضربه الله تعالى (جل ذكره) للحق والباطل، والإيمان به والكفر. فالمعنى: مثل الحق في ثباته، (والكفر) في اضمحلاله مثل ماء أنزله الله،
{فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا}: (أي: فاجتمعت الأودية، الماء بقدر مثلها الكبير بكبره، والصغير بصغره. {فاحتمل السيل زَبَداً}: أي: " عالياً على الماء ". فهذا أحد مثلي الحق والباطل. فأما النافع / فهو الحق، والزبد: الرائب الذي لا ينفع هو الباطل. وتحقيق معنى هذا المثل: أن الماء المنزل مَثَلٌ للقرآن المنزل. فالماء يعم نفعه كل أرض طيبة، والقرآن يعم نفعه كل قلب طيب، والأودية مثل للقلوب، لأن الأودية يستكن فيها الماء. كذلك والإيمان والقرآن يستكنان في
قلوب المؤمنين. والسيل مثل للأهواء العارضة في القلوب، لأن الهزى يغلب على القلوب، كما يغلب السيل بما حمل من الماء وغيره. والزبد مثل للباطل، وما يستقر من الماء الخالص (مثل لما يستقر في قلب المؤمن من الإيمان، فينتفع بذلك كما تنتفع الأرض بما يستقر من الماء الخالص) فيها. ومثله المثل الثاني: ما يتحصل من جيد الذهب، والفضة، والحديد والنحاس مَثَلٌ لما يستقر في قلب المؤمن من الإيمان. ثم ضرب مثلاً آخر أيضاً للحق والباطل، فقال: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار} إلى آخر المثل: أي: والحق والباطل كمثل فضة، أو ذهب، أو نحاس، يوقد عليه النس في النار، في طلب حلية يتخذونها، أو متاع. وذلك من النحاس: وهي الأواني التي تتخذ منه، (و) من الرصاص والحديد فيكون له
زبداً، مثل زبد السيل، وزبده: خبثه الذي لا ينتفع به، فالذي يُصَفّى من هذه الأشياء هو مثل الحق ينتفع بهما. والخبث مثل الباطل لا ينتفع بهما، ثم بين لنا، في أي (شيء) ضربت هذه الأمثال فقال: {كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل}: أي: يضرب مثل الحق والباطل، ثم حذف المضاف. " والحق ": الإيمان، و " الباطل ": الكفر: وكما أن زيد السيل، وخبث ما يوقد عليه في النار لا ينتفع به، كذلك لا ينتفع الكافر بعمله عند حاجته إليه. وكما ينتفع بالماء، وبما يوقد عليه في النار، كذلك ينتفع المؤمن بإيمانه عند حاجته إليه. وقوله: {فَيَذْهَبُ جُفَآءً}: أي: يذهب بدفع الريح، وقذف الماء به. فيتعلق في جوانب الوادي، وبالأشجار. وهو من: أَجْفَأتِ القدر: إذا رمت بزبدها، وهو الغشاء: فيقول: إن الباطل، وإن ظهر على الحق في بعض الأشياء
وعلا، يتمحق، ويذهب. وتكون العاقبة للحق. كما أن هذا الزبد، وإن علا (على الماء)، فإنه يذهب ويتمحق، وكذلك الخبث من الحديد، وغيره وإن علا فإنه يذهب ويتمحق، ويطرحه الكير، ويبقى من الماء وغيره ما ينتفع به. كذلك يبقى الحق ويثبت " هذا (كله) معنى قول ابن عباس، وتفسيره (رحمة الله عليه) قال: " هو مَثَلٌ ضربه الله للناس عند نزول القرآن، فاحتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها. فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينتفع به. (فالزبد): الشك في الله، (والذي يمكث في الأرض): اليقين. وروي (عنه) أنه قال: هو مثل ضرب (هـ) الله للعمل الصالح، والعمل السوء: فالصالح كالماء الذي يمكث في الأرض، ينتفع به / الناس كذلك ينتفع
أصحاب العمل الصالح به في الآخرة، ما تحت الخبث من الرصاص، والحديد، والذهب ينتفع به، مثل العمل الصالح. وأما الزبد منها فلا ينتفع به، كما لا ينتفع أصحاب العمل السوء (بعملهم). وقرأ رُؤبة: " فيذهب جُفالاً ". يقال: جفأت الريح السحاب: إذا قطعته،
وأذهبته. ثم قال تعالى: {لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى} أي: (الحسنى) للذين آمنوا حين دعوا إلى الإيمان الحسنى، وهي الجنة، قاله قتادة. وقيل: المعنى: جزاء الحسنى {والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ} أي: لم يؤمنوا حين دعوا أن لهم ملك ما في الأرض، ومثله معه ما قبل منهم فداء لهم من العقوبة. ومعنى: {أولئك لَهُمْ سواء الحساب} " يأخذهم بذنوبهم كلها، فلا يغفر لهم منها شيئاً. قال شهر بن حوشب: سوء الحساب: ألا يتجاوز لهم عن شيء. وقال ابن عباس: سو الحساب، المناقشة بالأعمال. وقال ابن وهب: عن إبراهيم النخعي أنه قال: سوء الحساب: أن يحاسب بذنبه
ثم لا يغفر له. وروي في الآثار: من نوقش الحساب هلك. وقيل: سوء الحساب: المناقشة، والتوبيخ (وإحباط) الحسنات بالسيآت. وقيل: سوء الحساب: أشده، وهو لا يغفر لهم شيئاً من ذنوبهم، وهم الكفار ومعنى {وَبِئْسَ المهاد}: أي: بئس الفراش، والغطاء جهنم لمن هي مأواه. وعن النبي A: ( من نوقش الحساب هلك) (أو
19
قال): " عذب ". قوله: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق} إلى قوله: {عقبى الدار} المعنى: الذي يؤمن بما جئت به يا محمد، كمن لا يؤمن (وهو) الأعمى عن الإيمان، لا يبصره بقلبه. قال قتادة: هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا من كتاب الله D ووعوه والأعمى: الذي عمي عن الخير، فلا يبصره. وإنما يتعظ بآيات الله (سبحانه)، ويتذكر بها، وينتفع بها أهل العقول، والحجى. ثم بين تعالى ذكره أولي الألباب ووصفهم فقال: {الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله} الآية
أي: هم " الذين يوفون بوصية الله، ( D) التي أوصاهم بها. والعهد: الإيمان بالله، (سبحانه) وملائكته وكتبه ورسله، (سبحانه) واليوم الآخر، وما جاءت به الرسل. وأن يطيعوه، ويتقوه. {وَلاَ يَنقُضُونَ الميثاق}: أي: لا يخالفون العهد الذي عاهدوا الله عليه (سبحانه): فيعمل بغير ما أمرهم به. ثم زادهم بياناً ومدحاً، فقال: {والذين يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ}: يعني: يصلون الرحم التي أمر الله، D بوصلها، وهم مع ذلك {وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ}: أي: يخافون المناقشة يوم القيامة، وألا يصفح لهم عن ذنب. فهم وجلون لذلك، خَائِفُونَ. و" إن " في قوله (أن يوصل) / في موضع خفض على البدل من الهاء في " به ".
وقيل: معنى: {لَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ}: لا يفرقون بين أحد من رسله، ولا كتبه، يؤمنون بالكل، ويقبلون أمر الله، D، ونهيه (جلت عظمته). ثم بين تعالى أمر نوع آخر منهم، فقال: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِمْ} أي: صبروا على الوفاء بإقامة الطاعة، والانتهاء عن المنكر من أجل ابتغاء وجه الله ( D) ، أي: طلب تعظيم الله. {وَأَقَامُواْ الصلاة}: أي: أدوها بفروضها، وحدودها في أوقاتها. {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً}: أي: أدوا الزكاة الزكاة من أموالهم، وما يجب عليهم سراً، وغير سر. قال ابن عباس: النفقة هنا: الزكاة. ثم قال: {وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة} أي: " يدفعون إساءة من أساء إليهم من الناس بالإحسان إليهم ".
وقال ابن زيد: معناه: " يدفعون الشر بالخير ". وقيل: المعنى: " إنهم إذا همّوا بالسيئة فكروا، فرجعوا عنها، واسغفروا. {أولئك لَهُمْ عقبى الدار}: أي: الذين تقدمت صفتهم لهم عقبى طاعة ربهم في الدنيا، دار الجنان في الآخرة. وقيل: المعنى: أعقبهم الله D جار الجنان من دارهم في النار، لو لم يكونوا مؤمنين. وقيل: {بالحسنة السيئة} بشهادة أن لا إله إلا الله (وتجنب) (الشرك بالله).
23
وقال عطاء: {وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة}: السلام. ويروى أن قوله: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ} الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب Bهـ، وفي أبي جهل بن هشام لعنه الله. ثم قال تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} إلى قوله {وَحُسْنُ مَآبٍ}. معناه: أنه فسر {عقبى الدار} ما هي؟ فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} أي: جنات إقامة لاظَعْنَ معها، بدخلها هم {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ}: أي: من عمل صالحاً منهم. قال ابن مسعود: جنات عدن: بُطنانُ الجنة. قال ابن مسعود: جنات عدن: بُطنانُ الجنة. قال أبو مِجْلَز: علم الله ( D) أن المؤمن يحب أن يجمع له شمله، فجمعهم الله ( D) ، له في الآخرة.
وقال ابن جريج: معناه من آمن في الدنيا. ثم أخبرنا الله ( D) عن حالهم إذا دخلوا الجنة، فقال: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ} يقولون: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ} على طاعة الله ( D) في الدنيا. {فَنِعْمَ عقبى الدار}. وسلام عليكم: خبر، معناه: الدعاء لهم، أي: سلمكم الله بما صبرتم، وليس هو تحية، لأن التحية ليست بجزاء للصبر. ولكن دعاء الملائكة لهم بالسلامة جزاء الصبر. والخبر: يأتي بمعنى الدعاء، كثير في القرآن والكلام. وقوله: {فَنِعْمَ عقبى الدار}: الخبر محذوف، وتقديره: فنعم عقبى الدار ما أنتم فيه. وذكر أن لجنات عدن خمسة آلاف باب. روي عن ابن عمر (و) أنه قال: إن في الجنة قصراً، يقال له: عدن، حوله
البروج والمروج، فيه خمسة آلاف، (باب، على كل باب خمسة آلاف) حِبْرة، لا يدخله إلا نبي، أو صديق، أو شهيد. وقال الضحاك: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} مدينة الجنة، فيها الرسل والأنبياء، وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها. ومعنى: {بِمَا صَبَرْتُمْ}: أي بصبركم في الدنيا على عمل الطاعات، وعلى الانتهاء عن المعاصي. وهذا هو أفضل الصبر، أن يصبر الإنسان على فعل ما أمر (هـ) الله به، وعلى ترك ما نهاه (الله) عنه. وروي أن قوله: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} [الرعد: 19] الآية، نزلت في حمزة بن عبد المطلب Bهـ، وفي أبي جهل، لعنه الله. ثم أخبرنا الله بحال الكفار، بعد إخباره لنا بحال المؤمنين، فقال:
{الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله وَلاَ يَنقُضُونَ الميثاق} [الرعد: 20]: أي: ويخالفون ما أمرهم الله، D، من بعد ما وثقوا على أنفسهم لله ( D) ، أن يعلموا بما عهد إليهم، إذ قال لهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى} [الأعراف: 172]. ثم قال (تعالى): {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ} وهو الرحم وقيل: يفرقون بين الإيمان بجميع الأنبياء، فيؤمنوا ببعض (ويكفرون ببعض). والله أمرنا بالإيمان بجميعهم. قوله: و {وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض} أي: يعملون فيها المعاصي. {أولئك لَهُمُ اللعنة} أي: لهم البعد من رحمة الله. {وَلَهُمْ سواء الدار} أي: لهم ما يسوؤهم من الدار الآخرة، وهي النار،
أعاذنا الله منها. وقيل معناه: سوء العاقبة. ثم قال تعالى ذكره: {الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ (وَيَقَدِرُ)} أي: يوسع على من (يشاء، ويضيق على من) يشاء. {وَفَرِحُواْ بالحياة الدنيا} أي: فرح المشركون بما وسع عليهم في الدنيا، ولم يُفكروا أن متاع الدنيا عند متاع الآخرة قليل. وهذه الآية فيها تقديم وتأخير، لأن {وَفَرِحُواْ} (معطوف على {وَيُفْسِدُونَ} في الأرض). وقوله: {أولئك لَهُمُ اللعنة} إلى قوله: {الدار}: مقدم قبل {وَفَرِحُواْ} وتقدير الآية: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، وفرحوا بالحياة الدنيا، وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع:
أولئك لهم اللعنة، ولهم سوء الدار ثم ابتدأ: {الله يَبْسُطُ الرزق}. ثم قال تعالى: {وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} أي: تقول قريش: هلاّ أنزل عليه آية تدل على نبوته، كما قالوا: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} [هود: 12]، فأخبر عنهم بما يشترطون، ثم قال لنبيه ( A) : قل لهم يا محمد: {إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} أي: يخذل من يشاء، فيصرفه عن الهدى، ويوفق من يشاء، فيرجع إليه، ويتوب من كُفره. فالهاء في " إليه " تعود على الحق، وقيل: على محمد A. وقيل: على الإسلام. وقيل: على الله، جل ذكره، على معنى (إلى) دينه. ثم بَيّن تعالى من ينيب إليه {الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله}: أي: الذين
يتُوبون هم الذين آمنوا، وتطمئن قلوبهم بذكر الله: أي: تسكُنُ، وتستأنس بذكر الله. قال سفي (ا) ن بن عيينة: {الذين آمَنُواْ} تطمئن قلوبهم / بأمر الله وقضائه. وقال قتادة: هشت قلوبهم إلى ذكر الله، فاستأنست به. قال الضحاك: {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله}: أي: تصدق قلوبهم بذكر الله والقرآن. {أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب}: أي: " تستأنس، وتسكن قلوب المؤمنين ". وقيل: عني به قلوب أصحاب النبي A.
ثم قال تعالى: {الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات طوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} المعنى: الذين صدقوا بما جاء به محمد A، وعملوا الأعمال الصالحات {طوبى لَهُمْ}: أي: نِعم ما لهم. قاله عكرمة. وقيل: معناه: غبطة لهم. قاله الضحاك. وقال ابن عباس: فرحٌ لهم، وقُرَّة عين. وقال قتادة: معناه: " حسنى لهم، وهي كلمة من كلام العرب ". وقيل: المعنى: أصابوا خيراً، تقول العرب للرجل: " طوبى لك " أي: أصبت خيراً. وقال النخعي: {طوبى لَهُمْ} أي: خيراً لهم. وقيل: هي اسم من أسماء الجنة. فالمعنى: الجنة لهم، رُوي ذلك عن ابن عباس، قال: طوبى لهم: اسم الجنة بالحبشية.
وروي عنه أيضاً: طويلة لهم: هي اسم أرض الجنة بالحبشية. وقيل: طوبى لهم: اسم الجنة بالهندي [ة]. وعن عكرمة أيضاً: طوبى لهم: الجنة لهم. وعن ابن عباس: إنما طوبى لهم: اسم شجرة في الجنة. وقال شهر بن حوشب: طوبى لهم شجرة في الجنة، أغصانها من وراء سور الجنة. وعن النبي A: أنها شجرة في الجنة. " وسئل عليه السلام: ما طوبى؟ فقال: شجرة في الجنة، مسيرها مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها، غرسها الله، D، بيده، ونفخ فيها من روحه. تنبت
الحلي والحلل، وإن أغصانها لتُرى من وراء سور الجنة " ومعنى: {وَحُسْنُ مَآبٍ}: حسن منقلب ومرجع. وقال أبو أمامة الباهلي: طوبى: شجرة في الجنة ليس منها دار إلا وفيها غصن منها، ولا طير حسن إلا هو فيها، (ولا ثمرة إلا وهي فيها) وموضع (طوبى): رفع بالابتداء، و {لَهُمْ}: الخبر، ودلَّ على أنها في موضع رفع قوله: {وَحُسْنُ مَآبٍ} بالرفع بلا اختلاف بين القراء، وهي " فُعْلَى "، من " أطيب " فالواو
منقلبة عن ياء لضمه بالفعل، وأصلها " طُيْبى " على " فُعلى ". لكن لما كانت اسماً غير صفة، ردت إلى فعل (ى)، لخفة الأسماء، فانقلبت الياء واواً لانضمام الأول. ألا ترى أن ضمير أصل الياء فيها واو، وأصلها " فعلى " (على) صور. ولكن لما كانت صفة، ردت إلى الياء للخفة، وثقل الصفة. ودل على أنها فعل (ى) أن (هـ) ليس في الصفات (فعلى): وهي في الآية صفة " لقسمة ". فعلم أن أصلها فعل (ى)، فجاز أن تقع فعل (ى) صفة، لأنه يقدر فيها أصلها، وهو فعلى "، ولولا ذلك ما جاءت فعل (ى) صفة.
30
وحَسُنَ رَدُّها إلى فُعلى لما ذكرناه من ثقل الصفة، فخففت بردها إلى الياء، لأن الياء أخف من الواو. وكذلك ردت طوبى إلى الواو. ولأنها اسمٌ، والاسم أخف / من الصفة، فسهل نقله إلى الواو، وإن كانت الواو أثقل من الياء. قوله: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ} إلى قوله: {لاَ يُخْلِفُ الميعاد}: المعنى: هكذا يا محمد {أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ}: أي: إلى أمة قد خلت من قبلها أمم على ما هم عليه من الكفر، لتتلو عليهم القرآن {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن} أي: يجحدون وحدانيته. قل يا محمد: هو ربي: أي: إن كفر هؤلاء الذين أرسلت إليهم، فقل أنت الله ربي {لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} أي: وإليه مرجعه، وأَوْبتي. وهو مصدر تاب متاباً، وتوبة.
ثم قال تعالى (ذكره): {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال}. هذه الآية نزلت جواباً لقريش، وذلك أنهم قالوا للنبي A: إن سرك أن نتبعك فسيّر جبال تهامة، أو زد لنا في حرمنا حتى نتخذ قطائع نحترث فيها، أو أحي لنا فلاناً، أو فلاناً لناس ماتوا: فأنزل الله ( D) : { وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً} - الآية - أي: ولو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل ذلك بقرآنكم. وقال الضحاك: قال كفار مكة للنبي A: سير لنا الجبال كما سيرت لداود ( A) ، واقطع لنا الأرض كما قطعت لسليمان، وكلّم لنا الموتى، كما كان عيسى يكلمهم. فنزلت هذه الآية. وهذا قول ابن زيد.
وجواب " لو " محذوف، وتقديره: لو فعل هذا بقرآن لفعل مثله بقرآنكم وقيل: التقدير: لما آمنوا. وقال الكسائي: " لو " بمعنى: " وددنا " فلا تحتاج إلى جواب. والتقدير: وددنا أن قرآناً (سيرت به الجبال). وقيل: المعنى: لو قضيت ألا يقرأ هذا القرآن على الجبال، إلاَّ مرَّت، وعلى الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا حَيّوا، وتكلموا: ما آمن من سبق عليه في علمي الكفر. ويدل على هذا التفسير قوله بعد ذلك: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً} أي: أفلم يعلم الذين صدقوا ذلك.
وقال الفراء: الجواب: وهم يكفرون بالرحمن، والتقدير: ولو أن قرآناً سيرت به الجبال لكفروا بالرحمَن. وقيل: إن قوله: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن} نزلت في أبي جهل، لعنه الله، وذلك أن النبي عليه السلام كان في الحجر يدعو يقول: يا رحمن، وأبو جهل لعنه الله يستمع إليه، فولى أبو جهل، (أخزاه الله) مُدْبراً إلى قريش، فقال لهم: إن محمداً ينهانا أن نعبد الآلهة، وهو يدعو إلاهين: يدعو الله، ويدعو إلهاًَ آخر يقال له الرحمن. فأنزل الله ( D) { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن}، وأنزل {قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن} [الإسراء: 110] الآية. ثم قال تعالى (ذكره): {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا} والمعنى: أفلم يعلم الذين آمنوا، والتفسير: أن الكفار لما سألوا تسيير الجبال بالقرآن، وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى. طمع المؤمنون أن يُعطى الكفار ما سألوا، فيؤمنوا / فقال الله: أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً، ولا يحتاجون إلى رؤية ما ذكروا.
وقيل: المعنى: أفلم ييئس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء، لعلمهم أن الله، ( D) ، لو أراد أن يهديهم لهداهم. ثم قال (تعالى): {وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ (قَارِعَةٌ)} (الآية): أي: لا يزال يا محمد الكفار من قومك تصيبهم بما صنعوا من الكفر، ومن إخراجك (من) بين أظهرهم قارعة: وهو ما يقرعهم من البلاء والعذاب، من القتل والحرب. والسرايا التي تمضي إليهم. وقيل: القارعة: النكبة، أو تحل أنت يا محمد قريباً من ديارهم بجيشك، وأصحابك {حتى يَأْتِيَ وَعْدُ الله}: (أي) الذي وعدك فيهم، وهو الظهور عليهم، وقهرك إياهم بالسيف.
32
{إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ} ما وعدك به، وهو فتح مكة. وعن الحسن: وعد الله: القي (ا) مة في هذا الموضع. وقيل: أن تحل القارعة قريباً من دارهم. قاله الحسن. قوله: {وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} إلى قوله {مِن وَاقٍ} والمعنى أن يستهزئ هؤلاء من قومك يا محمد، فاصبر على آذاهم، وامض على أمر الله D في إنذارهم. {وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: أَطَلْتُ للمستهزئين بربهم في الأجل والأمل، ثم أحللت بهم العقوبة. فكيف رأيت عقوبتي؟. والإملاء: الإطالة، ومنه قيلك لليل والنهار الملوان، لطولهما. ومنه قيل
للخرق الواسع من الأرض ملأ لطول ما بين طرفيه. ثم قال تعالى ذكره: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} " من ": رفع بالابتداء، والخبر محذوف، وبه يتم المعنى. والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفسٍ بما كسبت كشركائهم، والتقدير: أفمن هو حافظ على مل نفس لا يغفل، ولا يهلك (كمن يهلك ولا يحفظ) ولا يحصي شيئاً (فالجواب محذوف) لعلم المخاطب). وقيل المراد به الملائكة الموكلون على بني آدم، والقول الأول أشهر، وأكثر. ثم قال (تعالى): {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ} هذا يدل على المحذوف، والمعنى: أفمن هو قائم كشركائهم. ودلّ {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ} على المحذوف ثم قال: قل لهم يا محمد {سَمُّوهُمْ}: أي يسموا هؤلاء الشركاء، فإن قالوا: آلهة فقد كذبوا، لأنه لا إله إلا هو الواحد (القهار)، لا شريك له.
{أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأرض} (أم تخبرونه بأن في الأرض إلهاً، ولا إله إلا هو في الأرض والسماء. وقوله: {أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القول}: أي: أم قلتم ذلك بظاهر قول، وهو في الحقيقة باطل لا صحة له. ثم قال (تعالى) {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ} المعنى ما لله شريك، بل زين للذين كفروا مكرهم: أي: زيِّن لهم عملهم، وصدوا الناس عن الإيمان. ومن قرأ بضم الصاد، فمعناه: أن الله أعلمنا أن صدَّهم عن الهدى عقوبة لهم. ودلّ على ذلك قوله: {وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي: من أضله الله D عن إصابة الحق، فلا يقدر أحد على هدايته. ثم قال تعالى: {لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الحياة الدنيا} أي: لهؤلاء الكفار الذين
35
تقدم ذكرهم عذاب في الحياة الدنيا، وهو القتل والأسر. {وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَقُّ} أي: أشد من عذاب الدنيا. {وَمَا لَهُم مِّنَ الله مِن وَاقٍ} أي: ليس يقيهم من عذاب الله (سبحانه) أحد. قوله: {مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون} إلى قوله {وَلاَ وَاقٍ} التقدير عند سيبويه: " وفيما يتلى عليكم "، أو: " مما يقص عليكم مثل الجنة، وهذا قياس مذهب سيبويه. وقال الفراء: التقدير الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ومثل (. . .). وقيل: هو مردود إلى قوله: {لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى} [الرعد: 20].
ثم قال: صفة الجنة التي وعد المتقون، تجري من تحتها الأنهار. ثم قال: {أُكُلُهَا دَآئِمٌ} أي: المأكول منها دائم لأهلها لا انقطاع له، كما قال ( D) : { لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة: 33]، وظلها دائم دائم أيضاً. {تِلْكَ عقبى الذين اتقوا} أي: عاقبتهم، وعاقبة الكافرين النار. ويروى أن ابن عباس كان يتوقف عن تفس (ي) ر هذه الآية، ويحلف بالله لو فسرت ما حملها جميع إبل العالمين. يريد ابن عباس أن الجنة لو وصفت على حقائقها، ما حمل صفتها مكتوباً جميع إبل العالمين: لجلالة أمرها، وعظيم شأنها، في نعيمها وملكها. وما أعد الله) D) لأوليائه فيها. ويدل على ذلك (أيضاً): قول النبي A: " فيها ما لا أذن سمعت، ولا عين رأت ".
وقال الله تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]. وقال: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً} [الإنسان: 20]. ثم قال تعالى: {والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَفْرَحُونَ} المعنى والذين آتيناهم الكتاب م (من) آمن بمحمد A فهم يفرحون بما أنزل إلى محمد. قال قتادة: هم أًحاب، محمد A، يفرحون بما أنزل إليه. وقيل: {والذين آتَيْنَاهُمُ (الكتاب)} عني بهم اليهود والنصارى،
يفرحون بالقرآن، لأنه مصدق لأنبيائهم، وكتبهم، وإن لم يؤمنوا بمحمد، ( A) . وقيل: عني بذلك الثمانون الذين آمنوا من نصارى نجران: أربعون وثمانية من الشام، واثنان وثلاثون من أرض الحبشة. آمنوا بالنبي (عليه السلام) وصدقوا به. ثم قال (تعالى): {وَمِنَ الأحزاب مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} أي: ومن أهل الملل المتحزبين عليك يا محمد من ينكر بعض ما أنزل إليك. وقيل: هم من اليهود والنصارى. ثم قال: {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ولا أُشْرِكَ بِهِ}: (أي: قل لهم يا محمد: إنما أمرت أن أعبد الله، ولا أشرك به) في عبادته. {إِلَيْهِ أَدْعُو}: أي: إلى طاعة أدعو الناس. {وَإِلَيْهِ مَآبِ}: أي: مصيري. ثم قال تعالى: {وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً} أي: كما أنزلنا عليك الكتاب يا
38
محمد / فأنكره بعض الأحزاب، كذلك أيضاً أنزلنا الذكر والحكم حكماً عربياً. ونصب (حكم) على الحال " وعربي ": نعت (له). وإنما وصف الحكم بالعربي، لأنه أنزله على عربي، فنسب الدين إليه، إذ كان عليه أنزل. ثم قال تعالى: {وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم} هذا خطاب للنبي A، والمراد به: أمته، وفيه تهدد. قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ} إلى قوله {وَعَلَيْنَا الحساب} المعنى أن الله ( D) أعلم نبيه A، أنه قد أرسل من قبله رسلاً من قبل أمته، وأنهم بشر مثله: لهم أزواج وذرية، وأنه لم يجعلهم ملائكة، لا ينطحون ولا ينسلون، ولم يكن {لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} أي: ما يقدر أن يفعل ذلك رسول إلا بإذن الله.
والمعنى: لا يقدر رسول (الله) أن يأتي بعلامة، (أو) آية: من تسيير الجبال، ونقل بلدة إلى بلدة أخرى، وإحياء الموتى، وغير ذلك من الآيات التي سألت قريش النبي ( A) . { إِلاَّ بِإِذْنِ الله} أي: (إلا) بإذن الله له أن يسأل الآية فيعلم أن في ذلك صلاحاً. وقيل: إن هذا الكلام لفظه حظر، ولا يجوز أن يخطر على أحد ما لا يقدر عليه. فظاهره خطر، ومعناه: وتقديره: وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله. نفى الله ذلك عن الرسل وبرأهم منه، (ومثله): {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ} [آل عمران: 161]، {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} [آل عمران: 145]. وهو كثير في القرآن، ظاهره
الحظر (والمنع)، ومعناه النفي. قوله: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} أي: " لكل أمر قضاه الله، كتاب كتبه فهو عنده ". وقيل: المعنى: لكل كتاب أنزل الله من السماء أجل: فيمحو الله من ذلك {مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} ما يشاء، {وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب}. قال الفراء: هذا مقدم ومؤخر، معناه: لكل كتاب أجل، كقوله: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق: 19]: أي: سكرة الحق بالموت. (وقد قيل: إنه لا تقديم في هذا)، ولا تأخير، والمعنى: وجاءت سكرة الموت لأن سكرة الموت غير الموت. فالحق: هو الموت الذي ختمه الله على جميع خلقه. وقيل: معناه: لكل مدة كتاب مكتوب، وأمر مكتوب، وأمر مَقَدَّرٌ، مقتضى لا تقف عليه
الملائكة. ثم قال تعالى: {يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} أي: يَمْحُوَ الله ما يشاء من أمور عباده فيغيره، إلا الشقاء والسعادة، فإنهما لا يغيران قاله ابن عباس. وقال مجاهد: يدبر الله أمر السنة في رمضان، فيمحو ما يشاء (من ذلك) إلا الشقاء والسعادة، والموت والحياة. وتدبير ذلك في ليلة القدر. وعن ابن عباس أيضاً معناه: يمحو ما يشاء، ويثبت من كتاب سوى، أم الكتاب الذي لا يغير منه شيء. قال ابن عباس: هما كتابان: كتاب يمحو منه ما يشاء، ويثبت وعند (هـ) أم الكتاب: لا يغير منه شيء، وهو قول عكرمة.
وعن عمر بن الخطاب، Bهـ: يمحو كل ما يشاء، ويثبت كل ما أراد وسمع /، وهو يقول في الطواف: اللهم إن كنت كتبت علي الذنب والشقاء، فامْنَحْني واكتبني في أهل السعادة. فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب. وهو قول ابن مسعود وسفيان. وعن ابن عباس، Bهـ، أن معناه: يمحو الله ما يشاء من أحكام كتابه، فينسخه، أنو يبدله، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، ولا يبدله. {وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب} أي: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، ما ينسخ، وما لا ينسخ. وهو اللوح المحفوظ. وهو قول قتادة، وابن زيد وابنم جريج، وعليه أكثر المعاني، وعامة المفسرين، وهو شاهد لجواز النسخ (في القرآن). وقيل: معناه: يمحو الله من قد حان أجله، ويثبت من لم يحن أجله. قاله الحسن،
قال: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}: أي: أجل بني آدم في كتاب الله، ( D) يمحو الله ما يشاء، من جاء أجله، ويثبت الذي هو حي حتى يجيء أجله. وعن ابن عباس من رواية أبي صالح، عنه أنه قال: إن أعمال العباد تعرض على الله مما كتبت الحفظة، مما ليس للإنسان، ولا عليه. فيمحو ما ليس له، وما ليس عليه. ويثبت ماله، وما عليه، فيجازى بذلك. فالحفظة تكتب كل شيء، والله يمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء، دليله قوله تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]: أي: حاضر. وعن مجاهد Bهـ: أنها نزلت في قريش، قالت: لما نزلت على رسول الله A، { وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} قالت: ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر، فنزلت هذه الآية تخويفاً لهم ووعيداً.
{يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} ما يشاء، أي: إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما نشاء وروي ذلك أيضاً (عن الحسن). وعن ابن عباس: أن المعنى ينسخ الله ما يشاء من القرآن ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، وقاله محمد بن كعب. وعن عكرمة مثله. وروى ابن جبير، عن ابن عباس في معنى الآية: أن الله، جل ذكره، يدبر أمر السنة في ليلة القدر، فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء إلا الموت والحياة، والسعادة والشقاء. وكل (هذا) قد تقدم في علمه، علم ما يكون بلا أمد. وقيل: المعنى يغفر ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفره قاله ابن جبير. وقيل: المعنى: يمحو الله ما يشاء مما تكتب الحفظة، مثل الأشياء التي ليس
للإنسان، ولا عليه، ويثبت ما له، وما عليه. قاله أبو صالح، وقال (هـ) أبو سليمان الداراني: قال: يمحو الله ما ليس بحسنة، ولا سيئة، ويثبت ما هو حسنة، وما هو سيئة. {وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب} أي: ذلك (كله) في اللوح المحفوظ، قد جرى به القلم قبل خلق الخلق. وعن ابن عباس أيضاً: / أنه قال في قوله {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، قال: يكتب كل ما يتكلم به العبد من خير، أو شر حتى إنه ليكتب: أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت. حتى إذا كان يوم الخميس عرضة قوله جملة. فأقر ما كان فيه من خير وشر، وألقى ما عدا ذلك وذلك قوله: {يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب}. واختار جماعة من أهل العلم قول الحسن ومجاهد: يجعلونه جواباً للمشركين. وقوله: {وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب}. قال الحسن: أم الكتاب: الحلال والحرام.
والحمد لله هي أم القرآن. وقيل: أم الكتاب: اللوح المحفوظ. وقال قتادة: {أُمُّ الكتاب}: جملة الكتاب، وأصله: أي: جملة ما ينسخ، وما يثبت. وقال كعب: علم الله ما هو خالق، وما يعلم خلقه. يقال: محوت الكتاب، أمحوهُ محواً، وهي لغة القرآن. ويقال: محوته، أمْحَاهُ، محواً، ومحيت، أمحى لغة. ثم قال تعالى: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ}: أي: إن أَرِيَنَّكَ يا محمد! بعض الذي نعد هؤلاء المشركين من العذاب. {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ}: قبل ذلك، فليس عليك في الحالين إلا بَلاغٌ ما أرسلت به، وعلينا حسابهم في الآخرة. فنجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
41
قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض} إلى قوله {عُقْبَى الدار} معناه عند ابن عباس: أَوَلَمْ ير أهل مكة الذين سألوا محمداً الآيات أنا نفتح على محمد الأرض (بعد الأرض) من حولهم، ولا يخافون أن يفتح عليه أرضهم كما فتحنا له غيرها. ودلّ على ذلك قوله في الأنبياء: {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا}: بل، محمد وأصحابه الغالبون. وأكثر المفسرين على أنه يراد به: ذهاب خيار الناس، وعلمائهم، وصالحيهم. وقال الضحاك، والحسن: هو ظهور المسلمين على المشركين. وقيل: هو هلاك الأمم قبلهم، ووخراب أرضهم. فيقول: ألَم تر قريش
هلاك الأمم قبلهم، قاله مجاهد، وابن جريج. وروي عن ابن عباس، ( C) نحوه. وروي عن ابن عباس أنه قال: هو نقص بركات الأرض وثمارها، وأرضها بالموت. وجماعة من العلماء على أن المعنى في النقص: موت أهل الأرض، وهو قول عكرمة. وروي عن مجاهد، وقال ابن عمر: نقص الأرض هي التي موت فقهائها، وخيار أهلها. ثم قال (تعالى): {والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} أي: يحكم ويقضي، فينفذ
حكمه، ولا رَادَّ لحكمه، ولا مانع لقضائه. فإذا أراد بهؤلاء المشركين (شراً) لم يرده أحد. والأطراف جمع طرف، والطرف: الكريم من كل شيء. قال علي بن أبي طالب، Bهـ: العلم أودية، في أي واد أخذت منه حَسِرْت، فخذ من كل شيء طرفاً: خياراً. ومنه قولهم: ما يدري: أيُّ طرفيه أطول، أي: ما يدري الكرم يأتيه من ناحية أبيه، أو من ناحية أمِّه. فصار / معنى {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا}: أي: من علمائها، لأن العلماء هم الخيار. ومعنى {وَهُوَ سَرِيعُ الحساب} أي: يحصي أعمال هؤلاء المشركين، لا يخفى عليه شيء منها. ثم قال تعالى: {وَقَدْ مَكَرَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المكر جَمِيعاً} والمعنى: وقد مكر الذين من قبل هؤلاء المشركين من الأمم، فوقع بهم العذاب، فلله أسباب المكر
كلها، وبيده الضر والنفع. فلن يضر الماكرون بمكرهم أحداً إلا بإذن الله، لأن أسباب المكر كلها بأمر الله، وإنما يضرون بمكرهم أنفسهم، لأنهم أسخطوا ربهم عليهم حتى أهلكهم. فكذلك هؤلاء يمكرون بمكرهم أنفسهم، لأنهم أسخطوا ربهم عليهم حتى أهلكهم. فكذلك هؤلاء يمكرون بك يا محمد، والله منجيك من مكرهم، وملحق ضرر مكرهم بهم دونك. ومعنى المكر من الله " أن ينزل العقوبة بمن يستحقها من حيث لا يعلمون ". ثم قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} أي: يعلم ما يفعل هؤلاء المشركون، وما يسعون فيه من المكر بك، ويعلم جميع أعمال الخلائق كلهم. {وَسَيَعْلَمُ الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدار} أي: سيعلمون، إذ قدموا على ربهم يوم القيامة لمن عاقبة (عقبى) الدار في الآخرة.
43
وقيل: الكافر هنا يراد به أبو جهل لعنة الله. (ومن قرأ): " الكفار " بالجمع. قيل: عني به المستهزءون وهم خمسة، والمقتسمون، وهم ثمانية وعشرون. قوله: {وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً} إلى قوله: {عِلْمُ الكتاب} المعنى: ويقول الذين كفروا من قومك يا محمد! لست مرسلاً، تكذيباً لك. فقل لهم يا محمد {كفى بالله شَهِيداً} أي: حسبي الله {شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي: عليَّ وعليكم، والذي {عِندَهُ عِلْمُ الكتاب}. أي: علم الكتب التي أنزلت قبل القرآن، كالتوراة، والإنجيل، وهو عبد لله ابن سلام في قول مجاهد، وكذلك روى عبد الله بن سلام أنه قال يوم قتل عثمان لما
نهاهم عن قتله: قالوا: كذب اليهودي، فقال: وآثمتم، إني لمسلم، يعلم الله ذلك، ورسوله، والمؤمنون. وقد أنزل فيَّ: {كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}. {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب} وهذا يدل على (أن) هذه الآية مدنية، لأن عبد الله بالمدينة أسلم. وقل قتادة أيضاً: {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب}: هم ناس من أهل الكتاب، كانوا يشهدون بالحق، ويقرون به، ويعلمون أن محمداً رسول الله، كنا نحدث أن منهم عبد الله بن سلام. وروي عنه أنه، قال: منهم عبد الله بن سلام، الفارسي، وتميم الدار (ي).
وقال الحسن: {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب} هو الله؟ يذهب إلى أن المعنى: كفى بالله، والذي عنده علم الكتاب. واختار النحاس هذا القول، واستبعد أن يستشهد الله لأحد من خلقه. ودل على ذلك قول عكرمة، وابن جبير، وغيرهما: نزلت هذه الآية بمكة، فلا سبيل إلى ذكر عبد الله بن سلام هنا، لأنه بالمدينة أسلم. ويدل على ذلك أيضاً أنه قد قرأ {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب}: فهذا هو الله، جل ذكره، لا يجوز غيره، أي: ومن عند الله علم الكتاب. وهي قراءة مروية عن ابن عباس /، وغيره. ومن فتح " ومَنْ عنده " كانت الهاء تعود على " من ". و" من ": هو الله، أو على ابن سلام، وشبهه على الاختلاف المذكور.
إبراهيم
بسم الله الرحمن الرحيم سورة إبراهيم عليه السلام وهى مكية إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة , فى من قتل من المشركين يوم بدر , وهما قوله (تعالى): (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا) إلى آخر الآيتين - قاله قتادة. قوله: {الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} إلى قوله {ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} قد تقدم الكلام في {الر} والمعنى: هذا الكتاب أنزلناه إليك يا محمد، لتخرج به الناس من الضلال
إلى الهدى. فالكفر بمنزلة الظلام، والإيمان كالنور. وهذا يدل على إرسال محمد عليه السلام، إلى جميع الخلق لقوله: {لِتُخْرِجَ الناس}، ولم يقل لتخرج بني إسماعيل، كما قال (في) التوراة {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لبني إِسْرَائِيلَ} [السجدة: 23]. ولم يقل للناس، وقال في الفرقان: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان: 1]، ولم يقل للعرب. وقال لموسى عليه السلام {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ} [إبراهيم: 5]، ولم يقل للناس كما قال لمحمد A: { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} [سبأ: 28]، ولم يقل: للعرب. وقوله: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}: أي: يخرجهم بإذن ربهم، أي: بتوفيقه لهم
ولطفه، وأمره لا يهدى أحد إلا بإذنه. ثم بين النور ما هو فقال: {إلى صِرَاطِ العزيز الحميد}: أي: إلى طريق الله، D المستقيم، وهو دينه الذي ارتضاه لخلقه. " والحميد ": فعيل مصروف من " مفعول " المبالغة، ومعناه، المحمود بآلائه. وأضاف الإخراج إلى النبي A ( لأنه) المنذر المرسل بذلك. و (الله)، ( D) هو المخرج لهم، والهادي على الحقيقة. ثم بين العزيز الحميد من هو؟ فقال: {الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات} أي: وهو الذي يملك جميع ما في السماوات، وجميع ما في الأرض. فأعلم الله، ( D) نبيه A أنه إنما أنزل عليه كتاب ليدعو عبادة إلى عبادة من هذه صفته، ويتركوا عبادة
من لا يملك ضراً ولا نفعاً. ثم توعد الله ( D) ، من لا يؤمن بما جاء (ب) هـ نبيه A: فقال: {وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}: وقد تقدم بيان معنى (ويل). وأكثر المفسرين على أن ويلاً واد في جهنم، فيه عقارب كالنجب، وفيه ألوان من العذاب. ثم بين صفة الكافرين، فقال: {الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا عَلَى الآخرة} أي: يختارون زينة الحياة الدنيا، فيعصون الله، ويتركون طاعته، وهم مع ذلك {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله}: أي: يمنعون من أراد الإيمان بالله، ( D) واتباع رسوله. {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً}: أي: يلتمسون العوج لدين الله، (سبحانه)،
4
والتحريف والتبديل بالكذب والزور. ونصبه لأنه مصدر في موضع الحال. وقيل: هو مفعول به، وحرف الجر، مقدر مع المفعول المتصل. والتقدير: ويبغون لها عوجاً، والعوج بكسر / العين، وفتح الواو في الدين والأرض، وكل ما لم يكن قائماً، ويفتح العين والواو: فيما كان قائماً مثل الحائط، والرمح، والسن. {أولئك فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ}، أي: هؤلاء المذكورون في ذهاب عن الحق بعيد. قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} إلى قوله {(مِّن رَّبَّكُمْ) عَظِيمٌ}: المعنى: وما أرسلنا رسولاً إلا بلغه ليفهموا عنه، فالمعنى: وأرسل النبي A، بلغة سعد ابن بكرٍ بن هوازن: وهي أفصح اللغات. فالمعنى: وما أرسلنا إلى أمة من الأمم من قبل محمد ( A من رسول) إلا بلسان الأمة التي أرسل إليها، ليبين لهم ما أرسله
الله به إليهم من أمره ونهيه، لتقوم الحجة عليهم، ولا يبقى لهم عذر. فيوفق الله من يشاء إلى الإيمان، ويخذل من يشاء فيبقى على كفره. {وَهُوَ العزيز}: أي: الممتنع ممن أراده (ولا يمتنع عليه أحد) [إن] أراد خذلا (نه)، لأنه الحكيم في توفيقه للإيمان من أراد أن يوفقه. فإن قيل: فيجب ألا تلزم الحجة من كان من العجم، لأنهم لا يفهمون لسان العرب، فالجواب: أنه إذا ترجم ما جاءهم به النبي A بلسانهم، وفهموا الدعوة لزمتهم الحجة، لقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} [سبأ 28]، ولقوله: {(لأُنذِرَكُمْ) بِهِ وَمَن بَلَغَ} [الأنعام: 19] ولقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. فكل من بلغته دعوة النبي A, وفهم ما دعاه إليه
(يأتي يساره إن) لزمته الحجة، ودخلت تحت قوله {وَمَن بَلَغَ} [الأنعام: 19] وتحت قوله: {كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} [سبأ 28]. ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ (مِنَ الظلمات إِلَى النور)}: قوله: {أَنْ أَخْرِجْ} " أن " في موضع نصب على تقدير حذف (حرف) الجر. والتقدير: بأن أخرج. (وقيل: " أن " زائدة، ومثله: كتبت إليه أن قم): ومعنى الآية {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى} من قبل محمد A، بالأدلة والحجج، والآيات، وهي التسع آيات المذكورة في القرآن. بأن يخرج قومه من الكفر إلى الإيمان، ويذكرهم: {بِأَيَّامِ الله}: أي: بنعم الله عليهم في الأيام الخالية، إذ أنقذهم من آل فرعون،
ومما كانوا فيه من العذاب، وإذا فلق لهم البحر، وظلّل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى في أِباه لهذا من النعم. قاله مجاهد، وقتادة. (وكذلك رواه ابن عباس، عن النبي A أنه قال: بأيام الله: بنعم الله). قال مالك، ( C) { بِأَيَّامِ الله}: ببلاء الله الحسن عندهم، وأياديه. وقال ابن زيد: المعنى: وذكرهم بالأيام التي انتقم الله، فيها من الأمم الماضية، فيتعظوا، ويزدجروا، ويخافوا أن يصيبهم مثل ما أصاب من كان
قبلهم، ودل على ذلك قوله بعد الآية: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} [إبراهيم: 9]، ثم قال: {إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}: والمعنى: إن في النعم التي مضت على الأمم الخالية، وأن في النعم التي أنعم عليكم لعلامات ظاهرة، لكل ذي صبر على / طاعة الله D وشكر له على ما أنعم عليه من نعمة، (جلت عظمته). وقال قتادة عند تلامة هذه الآية: " نِعْم العبدُ عبدٌ إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر ". ثم قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ اذكروا}: أي: واذكر يا محمد! إذ قال موسى لقومه: {اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب}: (أي): يذيقونكم شديد العقاب. وقد يجوز (مع ذلك) أبناءكم، ودخلت الواو مع
" ويذبحون "، لتدل على آل فرعون كانوا يعذبون بني إسرائيل بأنواع (غير) التذبيح. وروي أن فرعون كان يذبح كل غلام، ويستحي النساء، وكانت الحوامل عنده مدونات، والقوابل يغدون عليهن ويرحن. وعندهم رجال قد شدوا أوساطهم، وجعلوا فيها السكاكين التي يذبحون بها الولدان. وأيديهم مخضبة بالدماء. ثم قال (تعالى): {وَفِي ذلكم بلاء مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ}: أي: اختبار لكم من ربكم. ويكون البلاء هنا النعمة، فيكون المعنى: (إن) في إنجائه
7
إياكم نعمة عظيمة. وقيل: المعنى: وفيما جرى عليكم بلية عظيمة. قوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ} - إلى قوله - {إِلَيْهِ مُرِيبٍ} والمعنى: واذكروا إذا تأذن ربكم. (أي): أعلمكم ربكم. ومنه الأذان، أنه إعلام. " وتفعل " يقع على موضع " أفعل "، والعرب تقول: أوعدته، وتوعدته، بمعنى واحد. وقال ابن مسعود: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ}: أي: قال ربكم. وكذلك قال ابن زيد: معناه: قال ربكم ذلك التأذن. {لَئِن شَكَرْتُمْ}: معناه: القسم، والمعنى: ولئن شكرتم ربكم بطاعتكم إياه، فيما أمركم به، ونهاكم عنه، ليزيدنكم من النعم.
وقال الحسن: معناه: لأزيدنكم من طاعتي. وقال سفيان بن عيينة: (قال سفيان): ليست الزيادة من الدنيا، أهون على الله من أن يجعلها ثواباً لطاعته، ولا أثاب (بها) أحداً من رسله وأهل طاعته، وهم أشكر الخلق. وقيل: المعنى: لئن أطعتموني بالشكر، لأزيد (نك) م من أسباب الشكر ما يعينكم عليه. وقيل: إن المعنى: لأزيد (نك) م من الرحمة والتوفيق والعصمة. وقوله: {لَئِن شَكَرْتُمْ}: أي: (إن) كفرتم النعمة، فجحدتموها بترك الشكر عليها.
{إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}: أي: لشديد على من كفر وعصى. ثم قال تعالى: {وَقَالَ موسى إِن تكفروا أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً}. أي: قال لقومه: إن تكفروا، فتجحدوا نعمة الله عليكم، ويفعل مثل ذلك كل من في الأرض {فَإِنَّ الله لَغَنِيٌّ} عنكم وعنهم. {حَمِيدٌ}: أي: ذو حمد إلى خلقه بما أنعمه عليهم. ثم قال تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ}. والمعنى: إن الله تعالى أخبرنا خبر الأمم الماضية، الذين لا يحصى عددهم إلا الله ( D) { جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ}: بالآيات الظاهرات، يدعونهم إلى الله (سبحانه) وإلى طاعته. {فردوا أَيْدِيَهُمْ / في أفواههم}: أي: عضت الأمم على أصابعها، تغيظاً
على الرسل، قاله ابن مسعود. وقال ابن زيد: هو مثل: {عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ} [آل عمران: 119]. وقيل: المعنى: أنهم لما سمعوا كتاب الله D عجبوا منه، و (و) ضعوا أيديهم على أفواههم تعجباً. قاله ابن عباس. وقيل: المعنى: كذبوهم بأفواههم، وردوا عليهم. قاله مجاهد. وقال قتادة: كذبوا الرسل، وردوا عليهم بأفواههم، فقالوا: {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ}. وهو مثل قول مجاهد. وقيل: معناه: إنهم كانوا يشيرون بأيديهم إلى أفواههم، يسكتون الرسل إذا دعوهم إلى الإيمان أن اسكتوا تكذيباً لهم، ورداً لقولهم. وقيل: المعنى: إنهم كانوا يضعون أيديهم على أفواه الرسل، رداً لقولهم،
وتكذيباً (لهم). وقيل: هو مثل يراد به السكوت، لأن العرب تقول: سألت فلاناً (في) حاجة فرد يدع في فيه، إذا سكت عنه فلم يجبه. فالمعنى: أنهم يسكتون إذا دعتهم الرسل إلى الله، فلا يقبلون الدعاء وقيل: المعنى: (فردوا أيدي الرسل) في أفواههم، أي: ردوا نعم الله، الت يأتتهم على ألسنة الرسل بأفواههم فتكون " في " بـ (معنى) " الباء "، واليد تكون في كلام العرب: النعمة، يقال: لفلان عندي (يد: نعمة، وكان (. . .) على هذا القول (. . .) يكون على وزن (. . .) لأن جمع يد (النعمة):
أيادٍ، وجمع اليد من الجارحة: أيدٍ. وقوله: {بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله} يدل على كثرة من مضى من الخلائق. قال ابن مسعود: وكذب النسَّابون. قال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحداً يدري ما وراء عدنان. وقال ابن عباس: بين عدنان، وإسماعيل ثلاثون أباً لا يُعرفون. ثم أخبر عنهم تعالى بما قالوا للرسل (فقال): {وقالوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ}: أي " كفرنا بما جئتمونا من ترك عبادة الأوثان [وقالوا]: {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ} أي: لفي شك من توحيد الله الذي تأمروننا (به).
10
{مُرِيبٍ}: أي: يريبنا ذلك الشك، أي: يوجب لنا الريبة. قوله (تعالى): {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي الله شَكٌّ فَاطِرِ السماوات} إلى قوله {وَخَافَ وَعِيدِ}: والمعنى: أن الله ( D) أعلمنا بجواب الرسل للأمم، إذ شكت في توحيد الله سبحانه، وأنها قالت للأمم: {أَفِي الله شَكٌّ}: أي (أ) في توحيد الله شك وهو خلق السماوات والأرض، يدعوكم إلى توحديه، وطاعته، ليغفر لكم من ذنوبكم، إن أنتم آمنتم به، واتبعتم أمره، وقبلتم نهيه. فلا يعذبكم على ما ستر عليكم من ذنوبكم، ويؤخر آجالكم، فلا يعاقبكم في العاجل فيهلككم، ولكن يؤخركم إلى الوقت الذي كتب (عليكم) في أم الكتاب. و" من " في قوله: {مِّن ذُنُوبِكُمْ}، قال أبون عبيدة: هي زائدة، والمعنى:
يغفر لكم ذنوبكم. وقيل: ليست بزائدة. والمعنى: يغفر لكم / بعضها، إذ لا يأتي أحد يوم القيامة إلا بذنب، إلا النبي محمداً A، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر في الدنيا. والمغفرة لغيره إنما تكون في الآخرة. فأما قوله في الصف: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [الصف: 12]، فإنما ذلك على الشرط الذي تقدم من الله لهم. فقالت الأمم لهم: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا}: أي: ما أنتم أيها الرسل إلا بشر مثلنا في الصورة، ولستم ملائكة تريدون بقولكم هذا أن تصرفونا: {عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ [آبَآؤُنَا]}: من الأوثان، {فَأْتُونَا} على قولكم: {بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}: أي: بحجة ظاهرة. ثم قال تعالى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}: أي: صدقتم في قولكم لنا: ما أنتم إلا بشر مثلنا. {ولكن يَمُنُّ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}: فيهديه، ويوفقه للحق، ويرسله إلى
من يشاء خلقه. {وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ}: أي: بحجة وبرهان على ما ندعوكم إليه من توحيد الله ( D) ، وطاعته (جلت عظمته). {إِلاَّ بِإِذْنِ الله}: أي بأمره، {وَعلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ / المؤمنون}: أي: عليه فليتوكل من آمن به، وأطاعه. فهذا كلام ظاهره الحظر والمنع، ولا يحظر (على فعل شيء لا يقدر) عليه البتة، ولا في الطاقة فعله، ولكن معناه: وما كنا لنأتي بسلطان {إِلاَّ بِإِذْنِ الله}: نفوا ذلك عن أنفسهم، إذ، لا قدرة لهم عليه. ولو حمل على ظاهره لكان معناه: إنهم يقدرون على الإتيان بالسلطان، وهو الحجة. ولكن لا يفعلونه إلا بإذن الله، وليس الأمر كذلك (إذ) لا مقدورة لهم على ذلك البتة، فلا يتم المعنى حتى يحمل على النفي. ثم قال تعالى: قالت لهم الرسل: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله}: (أي: شيء لنا في ترك التوكل على الله)، {وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا}. أي: قد بصرنا طريق النجاة من عذابه.
{وَلَنَصْبِرَنَّ}، قسم من الرسل، أقسموا ليصبرن على أذى الأمم إياهم في الله، {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون}. فقالت الأمم للرسل: {لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ}: أي: لنطردنكم من مدينتنا، {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا}: أي: إلا أن تدخلوا في ديننا. و " أو " عند بعض أهل اللغة بمعنى: " إلا ". وقيل: معنى " أو ": حتى تعودوا ودخلت اللام في " لتعودن " لأن في الكلام معنى الشرط، كأنه جواب لليمين. والتقدير: لنخرجنكم من أرضنا، أو لتعودن في ملتنا، كما تقول: لأضربنك أو تُقِرَّ لي. {فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ}: أي: أوحى الله إلى الرسل. {رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين}: وهو قسم من الله، (وهو) كله وعيد وتهدد لقريش (ومن يليهم من العرب، وتنبيه للنبي A، ليعلم ما لقيت الرسل مثله من
15
الأمم، فيهون عليه ما يلقى من قريش) وغيرهم ممن امتنع أن يؤمن (به). ثم قال تعالى للرسل: {وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن بَعْدِهِمْ}: أي: لنسكنن من آمن بكم الأرض، ومن بعد إهلاك الظالمين. فوعدهم تعالى بالنصر في الدنيا. ثم قال تعالى ذكره: {ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِي}: أي: ذلك النصر يكون لمن خاف مقامي بين يدي الله ( D) في الآخرة، فاتقى الله، وعمل بطاعته. والمصدر يضاف إلى الفاعل مرة، وإلى المفعول به أخرى. فهو هنا مضاف إلى الفاعل. ثم قال: {وَخَافَ وَعِيدِ}: أي: خاف تهددي. قوله: {واستفتحوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} إلى قوله: {عَذَابٌ غَلِيظٌ}. والمعنى: واستفتحت الرسل على قومها لما كذبوهم: أي: استنصروا الله عليها لما وعدهم بالنصر على الأمم، وأنه يسكنهم الأرض من بعد الأمم. هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
وقال ابن زيد: استفتحت الأمم بالدعاء، كقول قريش: {اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]. وقد أعلمنا الله أن قوم هود استفتحوا، وقالوا لهود: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ (مِنَ الصادقين)} [الأعراف: 70]. فالاستفتاح عنده مسألة العذاب. وقد روي أنه قيل لقريش حين استفتحوا / العذاب: إن لهذا أجراً يؤخر إلى يوم القيامة، فقالوا: {رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب} [ص: 16]: أي: عجل لنا نصيبنا من العذاب على (طريق) التكذيب به، (و) على هذا أتى قوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب} [العنكبوت: 53] الآية.
وقوله: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}: أي: أهلك كل متكبر عن الإيمان معاند. قال المفسرون: هو من امتنع أن يقول: لا إله إلا الله. وقال قتادة: العنيد: الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله ". وقيل: الجبار هو الذي لا يرى لأحد عليه حقاً. وقيل: هو أبو جهل لعنه الله وُنَظَراؤُهُ. ويقال: جبار بين الجبرية والجَبْرِيَّة بكسر الجيم، والباء، والجَبَرُوةُ والجَبْرُوَّة، والجبروت، والعنيد: المعاند للحق.
ثم قال تعالى: {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ}: أي: من وراء ذلك الجبار العنيد جهنم يردها: أي: من أمامه جهنم. كما يقال: إن الموت من ورائك، أي: من أمامك. وأصل: " وراء ": ما توارى عنك، وهو يصلح لخلف ولقدام، وليس هو من الاضداد. وقوله: {ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ}: الصديد: الدم، والقيح يتجرعه {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي: يتحساه، ولا يكاد يزدرده من شدة كراهيته، أي: لا يقدر يبلعه. وروي عن النبي A: أنه قال في قوله: {يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ}. قال يقرب إليه فيكرهه، فإذا دنا منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه. فإذا شربه، قطع
أمعاءه، حتى يخرج من دبره. يقول: (الله تعالى): {وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} [محمد: 16]: وقال: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه} [الكهف: 29]. ثم قال تعالى: {وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ}: أي: يأتيه الموت عن يمينه، وشماله، وخلفه، وقدامه. وقيل: معناه: من كل مكان في بدنه من شدة عذابه. {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ}: أي: لا تخرج نفسه، والمعنى: يأتيه ما يُمات منه من كل جانب، وليس يموت. قال: ابن جريج: " تعلق نفسه عند حنجرته، فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه، فيجد لذلك راحة ".
18
وقيل: المعنى {وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ}: أي: " من تحت كل شعرة في جسده ". ثم قال: {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ}: أي: من وراء ما هو فيه من العذاب، - يعني - أمامه (عذاب غليظ). قال الفضيل: هو حبس الأنفاس. وقال القرظي: محمد بن كعب: إذا دعا الكافر في جهنم بالشراب فرآن، مات موتات، فإذا دنا منه مات موتات، فإذا شرب منه مات موتاتٍ. فهو قوله: {(وَيَأْتِيهِ) الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ}. قوله (تعالى): {مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ} - إلى قوله - {عَلَى الله بِعَزِيزٍ}، التقدير عند سيبويه، والأخفش، وفيما نَقُص عليكم مثل الذين كفروا، كما قال: {مَّثَلُ الجنة} [الرعد: 35].
وقال الكسائي تقديره مثل أعمال / الذين كفروا كرماد. ومعنى الآية: أنه مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة، وأنها مثل رماد ضربته ريح عاصف. فماذا تبقى منه؟ (كذلك) لا يبقى للكفار من أعمالهم شيء ينتفعون به، لأنهم أرادوا بها غير ذلك (سبحانه). ووصف (يوم) بالعصوف، (وحقيقته) للريح، وإنما جاز ذلك لأنه بمعنى النسب. تقديره: في يوم عصف، (وتقديره) عند الفراء: في يوم عاصف الريح، وحذفت الريح لتقدم ذكرها. {لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ}: أي: لا يقدرون أن ينفعهم شيء من أعمالهم، كما لا يقدرون على النفع بشيء، ومن رماد اشتدت به الرياح في يوم عاصف.
{ذلك هُوَ الضلال البعيد}: أي: عملهم الذي كانوا يعملون ضلال، بعيد عن الحق. ثم قال تعالى ذكره: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله خَلَقَ السماوات والأرض بالحق} والمعنى: ألم تر يا محمد بعين قلبك أن الله أنشأ السماوات والأرض بالحق، أي انف (ر) د بذلك من غير ظهير، (ولا) معين. {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ}: أي: يفنيكم، {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} عوضاً منكم، {وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ}: أي: ومت ذهابكم، وخلق عوضكم بممتنع على الله ( D) ، لأنه القادر على ما يشاء. فأول الآية خطاب للنبي A، والمراد به أمته دلّ على ذلك أنه رد الخطاب في آخر الآية إليهم، فقال: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ}.
21
قوله: {وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً} - إلى قوله - {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. المعنى: وبرزوا من قبورهم، (أي) ظهر هؤلاء الذين كفروا من قبورهم فصاروا بالبراز من الأرض جميعاً. {فَقَالَ الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا}: أي قال التباع للمتبوعين المستكبرين في الدنيا عن عبادة الله D. { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا}، في الدنيا، أي: نتبع أمركم لنا بمعصية الله، D، وترك اتباع الرسل. {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ}: أي: دافعون عنا (من العذاب) شيئاً. قال المتبوعون، وهم القادة للعضفاء، وهم التابعون: {لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ}: أي: لو أن لنا شيئاً ندفع به عذابه عنا اليوم، لبيناه حتى تدفعوا به العذاب عن أنفسكم.
{سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ}: أي: سواء علينا الجزع والصبر، ما لنا من خلاص، ومن ملجأ، ومن مهرب، ومن مَعْدِل، و " سواء " بمتدأ، وما بعده خبر. قال محمد بن كعب القُرظي: بلغني أن أهل النار، يقول بعضهم لبعض: يا هؤلاء! إنه قد نزل بكم من العذاب والبلاء ما ترون، فلهم فلنصبر، فلعل الله ينفعنا كما صبر أهل لدنيا على طاعة الله ( D) ، فنفعهم الصبر. فأجمعوا رأيهم على الصبر، فصبروا، فطال صبرهم، ثك جزعوا فنادوا: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} /: (أي) من ملجأ. وقال ابن زيد: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالو فإنما أدرك أهل
الجنة الجنة ببكائهم، وتضرعهم لله تعالى. (تعالوا) نبكي، ونتضرع إلى الله، جل ذكرهز فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم، قالوا: تعالوا فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، تعالوا نصبر. فصيروا صبراً لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك، فعند ذلك قالوا: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ}. وروى مالك (Bهـ)، عن زيد بن أسلم أنه قال: صبروا (مائة) عام، ثم بكوا مائة عام. فقالوا: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ}. وروى كعب ابن مالك، عن أبيه، ورفعه إلى النبي A أنه قال: " يقول أهل النار إذا اشتد بهم العذاب: تعالوا نصبر، فيصبرون خمسمائة عام، فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم، قالوا: هلم فلنجزع، فيجزعون ويضجون خمسمائة عام، فلما رأوا
أن ذلك لا ينفعهم قالوا: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} ". ثم قال تعالى: (ذكره): {وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر}. أي: قال إبليس لما دخل أهل الجنة، وأهل النار النار، واستقر بكل فريق قراره. {إِنَّ الله وَعَدَكُمْ}: أيها الأتباع النار، {وَوَعَدتُّكُمْ}: النصرة. وقيل، معنى: {وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق}: أي: وعد من أطاع (هـ) الجنة، ومن عصاه النار. ووعدتكم أنا خلاف ذلك {فَأَخْلَفْتُكُمْ} وعدي، وفي لكم الله بوعده. {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ}: أي: ما كان لي عليكم فيما وعدتكم به من النصرة حجة، تنبتُ لي عليكم بالصدق قول (ي).
{إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي}: أي: دعوتكم إلى طاعتي، ومعصية الله، فأجبتموني. {فَلاَ تَلُومُونِي} " على إجابتكم إياي {ولوموا أَنفُسَكُمْ} عليها. {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ} أي: بمغيثكم، {وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ}: أي: بمغيثي يقال: أصرخت الرجل إصراخاً: أغثته. {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} أي: إني جحدت أن أكون شريكاً لله، (سبحانه) فيما أِركتموني فيه من عباد (ت) كم (من قبل): في الدنيا. وقال قتادة: معناه: إني عصيت الله فيكم. وقيل: (من قبل): أي: بطاعتكم إياي في الدنيا، وفيه بعد. {إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: أي، إن الكافرين لهم اليوم عذاب موجع.
قال محمد بن كعب القرظي: فلما سمعوا مقالة إبليس هذه في خطبة يقوم بها عليهم، مقتوا أنفسهم، فنودوا: {لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمان فَتَكْفُرُونَ} [غافر: 10]. روي أن إبليس اللعين يقوم فيقول: أين أوليائي فيجتمعون إليه فيقول: {إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ}. قال الحسن: إذا كان يوم القيامة يقوم إبليس خطيباً على منبر من نار فيقول: {إِنَّ الله وَعَدَكُمْ / وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ}. وقال قتادة: رحمة الله عليه في قوله: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ}: معناه: إني " عصيت الله قبلكم ". وقال سفيان الثوري (نظر الله إلى وجهه): {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ (أَشْرَكْتُمُونِ)
مِن قَبْلُ} [24] يقول: كفرت بطاعتكم إياي في الدنيا. وقال ابن عباس: {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ}: أي بنافعكم، وما أنتم بنافعي. وقال الربيع بن أنس ( C) : ( ما) أنا بمنجيكم وما أنتم بمنجي. وقال محمد بن كعب: إنما قال ذلك، حين قال أهل الجنة: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا}. وروي (عن): عقبة بن عامر الجهني (Bهـ):، قال: سمعت رسول الله يقول: " إذا جمع الله الأولين والآخرين، وفرغ من (القضاء): بين الناس، قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا. فمن يشفع لنا عند ربنا، فيقول: انطلقوا بنا إلى من خلقه الله، وكلمه آدم. فيأتونه، فيقولون: اشفع لنا لى ربنا، فيقول: عليكم بنوح .
فيأتون نوحاً، فيدلهم على إبراهيم، فيدلهم على موسى، فيأتون موسى، فيدلهم على عيسى. فيأتون عيسى، فيقول لهم: هل أدلكم على النبي الأمي. قال رسول الله A ( وعليهم أجمعين): فيأتوني فيسألوني أن أشفع لهم إلى ربهم، فيأذن الله لي بالقيام، فيثور لمجلسي أطيب ريح، شمها أحد، حتى آتي ربي فأشفع فيشفعني، (جل وعز): فيقول الكفار عنج ذلك: وقد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ فيقولون: ما هو إلا إبليس، هو الذي أضلنا. فيأتون إبليس فيقولون له: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم إلى ربهم فاشفع لنا إلى ربنا فإنك (أنت): أضللتنا فيقوم، فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد قط: فيعظم لجهنم فيقول: إبليس عند ذلك: {إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق} - إلى قوله - {أَلِيمٌ}، وإنما ذكر الله هذا من أمر إبليس، تحذيراً من أعدائه. "
23
قوله: {وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} - إلى قوله - {مِن قَرَارٍ}. المعنى: وأدخل الذين آمنوا بالله ورسله وكتبه وعملوا الأعمال الصالحات {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار}: أي: بساتين تجري دونها الأنهار. {خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}: أي: ماكثين فيها أبداً بأمر ربهم. {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ}: يعني: الملائكة يسلمون عليهم فيها. فالضمير في تأويل مفعول لم يسم فاعله. أي: يحيون بالسلام (يعني الملائكة يسلمون): (ويجوز) أن يكون الضمير فاعلاً، والمعنى: ويحيي بعضهم بعضاً بالسلام. ثم قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً} /، (أي): ألم تر بعين
قلبك يا محمد، كيف ضرب الله مثلاً للإيمان (به): ومثلاً للكفر به. فجعل مثل المؤمن في نطقه بالتوحيد، والإيمان بنبيه A، وأتباع شريعته (جلت عظمته): مثل الشجرة (الطيبة). فنفعُ الإقامة على توحيده، كنفع الشجرة التي لا ينقطع نفعها في كل حين، وهي النخلة. قال ابن عباس ( C) : { مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً}: يهمي أن شهادة (أن) لا إله إلا الله، {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ}، هي المؤمن، أصلها ثابت: هو قول لا إله إلا الله. ثابت في قلبه {وَفَرْعُهَا فِي السمآء} أي: يرتفع بها عمل المؤمن في السماء. وقال مجاهد: {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ}: يعني: النخلة. وقيل: الكلمة الطيبة أصلها ثابت، هي ذات أصل في القلب، يعني التوحيد.
{وَفَرْعُهَا فِي السمآء} يُعرج بها فلا تحجب حتى تنتهي إلى الله، D. وقال ابن عباس أيضاً، ( C) : في رواية أخرى عنه: الشجرة الطيبة: المؤمن، والأصل الثابت: في الأرض، (والفرع): في السماء: يكون المؤمن يعمل في الأرض، ويتكلم فيبلغ عمله، وقوله السماء، وهو في الأرض. وقال عطية العوفي: ذلك مثل المؤمن، لا يزال يخرج منه كلام طيب، وعمل صالح، يصعد إلى الله D. وقال الربيع بن أنس: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} في الأرض: ذلك المؤمن ضرب مثله. وقيل: معنى: وفرعها في السماء: بركتها وثوابها لمعتقدها صاعد إلى الله ( D) ، وهي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وقيل: معنى (أصلها ثابت): (أي) شهادة أن لا إله إلا الله (محمد رسول لله) ثابتة في القلب المؤمن، {وَفَرْعُهَا فِي السمآء}: أي: يرتفع بها أعمال المؤمن إلى السماء. (و) قال: مجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، وابن جبير، وابن عباس: الشجرة هنا النخلة. وعن الضحاك أنه قال: هذا مثل ضربه الله ( D) :، للمؤمن يطيع الله بالليل، ويطيعه بالنهار، (و) يطيعه: كل حين، (كما): أن هذه الشجرة تؤتي أكلها كل حين. وقوله: {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ}: مثل الكافر عمله خبيث، وجسده خبيث، وروحه خبيث. وليس لعمله قرار في الأرض، ولا يصعد إلى السماء. وقيل: الشجرة هنا: شجرة في الجنة، روي ذلك عن ابن عباس، Bهـ.
وقد ثبت عن النبي A أنه قال: " هي النخلة " ومعنى كل حين: كل غدوة وعشية في أحد قولي ابن عباس على أنها شجرة في الجنة. وقيل: كل حين: كل وقت، وهو المؤمن يطيع الله، ( D) : بالليل والنهار، وفي كل وقت. وقال الربيع بن أنس ( C) ( كل حين): كل وقت يصعد عمل المؤمن من أول النهار وآخره. وقيل: الحين هنا: ستة أشهر، من حيث تُصرْمُ النخلة إلى حين تُطْلِع وذلك ستة أشهر.
وقيل: الحين: سنة، وذلك من حين تُصرْمُ النخلة / إلى حين تصرم. وقال سعيد بن المسيب: الحين: شهران، وهو ما دام التمر في النخل، وذلك شهران. واختلفوا في رجل حلف ألا يكلم رجلاً إلى حين، وألا يدخل الدار إلى حين، على مثل ما اختلفوا في الآية. والحين عند أهل اللغة: اسم للوقت، يصلح لجميع الأزمان كلها طالت، أو
قصرت. واختيار الطبري قول من أن الحين غدوة وعشية، وكل ساعة، على أن الشجرة شجرة في الجنة، لأن الله ( D) ضرب ما تؤتى هذه الشجرة كل حين من الأكل لعمل المؤمن، وكلامه مثلاً. ولا شك أن المؤمن يرتفع له إلى الله، D، في كل يوم عمل صالح. واختار النحاس أن يكون الحين سنة، على أن الشجرة: النخلة، تؤتي ثمرها من سنة إلى سنة. والحين عند مالك، ( C) : سنة، ولو نذر رجل أن يصوم حيناً (لصام) سنة وهو قول مجاهد. وقال عكرمة، وسعيد بن جبير، وأصحاب الرأي: الحين ستة أشهر، فمن نذر صوم حين، صام ستة أشهر.
وقال الشافعي: ليس عليه في نذره شيء، ولا يحنث في ترك الصوم، ولا يلزمه نذر. لأن الحين يكون مدة الدنيا كلها. ثم قال تعالى: {مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً}، معناه: ومثل الشرك بالله، سبحانه وهي الكلمة الخبيثة: كشجرة خبيثة، وهي: الحنظلة، قال (هـ) مجاهد، وأنس بن مالك وروي عن ابن عباس. ومعنى: {اجتثت مِن فَوْقِ الأرض}، أي استؤصلت. ومعنى: {مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}: أي: ليس من أصل في الأرض تثبت عليه وتقوم. فليس لكفر الكافر ومعصيته ثباتن ولا نفع.
27
كما أن هذه الشجرة ليس لها أصل، ولا ثبات ولا نفع. وقيل: الشجرة الخبيثة: الثوم: وقيل: الكثوث. قوله: {يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ بالقول الثابت} - إلى قوله - {وَلاَ خِلاَلٌ}. ومعناه: يثبت الله الذين آمنوا به وبرسله وكتبه بقوله لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله: أي: يثبتهم (بذلك في الحياة الدنيا: أي: في قبورهم قبل قيام الساعة. {وَفِي الآخرة}: قال البراء بن عازب: يثبت الله الذين آمنوا بالشهادة في القبر، إذ أتاهم الملكان، فقالا: من ربك؟ فيقول ربي (الله فيقولان) ما دينك؟ فيقول: دين (ي) الإسلام، فيقولان من نبيك؟
فيقول: محمد A: فذلك القول الثابت في الحياة الدنيا. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي A قال: " يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتى في قبورها، فإذا الإنسان دفن، وتفرق عنه أًحابه جاءه ملك بيده مِطْرَاقٌ، فأقعده فقال (له): ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمناً: قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فيقول له: صدقت . فيفتح له باب إلى النار، فيقال (له): هذا منزلك لو كفرت بربك. فأما إذ آمنت، فإن الله أبدلك به هذا، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض
فيقال له: ثم يفسح له في قبره. وأما الكافر /، والمنافق، فيقال له: ماذا تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دَرَيْت، ولا تدريت ولا اهتديت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت، فإن الله D أبدلك به هذا. ثم يفتح له باب إلى النار، ثم يقمَعُهُ الملك بالمطراق قمعة يسمعه خلق الله كلهم، إلا الثقلين. فقال (له) بعض أصحابه: يا رسول الله ما منا أحد يقوم على رأسه ملك بيده مطراق إلا يفشل عند ذلك فقال له النبي A: { يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ بالقول الثابت فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة} " الآية. ولهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ زائدة على ما ذكرنا، وناقصة (عن) ما
ذكرنا، والمعنى فيها قريب من الآخر. وقيل: معنى الآية: يثبتهم الله في الحياة على الإيمان، حتى يموتوا عليه {وَفِي الآخرة} المساءلة في القبر، قاله طاووس، وقتادة وهو اختيار جماعة من العلماء. ومعنى {وَيُضِلُّ الله الظالمين}: أي: لا يوفقهم في الحياة الدنيا إلى الإيمان، ولا في الآخرة عند المساءلة في القبر. وقوله: {وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَآءُ}: أي: بيده الهداية والضلالة يضل من يشاء فلا يوفقه، ويهدي من يشاء فيوفقه. ثم قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً}: أي: غيّروا نعمة الله، وهي كون محمد A من قريش وإرساله إليهم، فجعلوا النعمة كفراً.
قيل: نزلت في قتلى بدر من المشركين. وقيل: في كفار قريش كلهم. قوله: {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار}: أي: أنزلوا قومهم من مشركي قريش دار الهلاك. يقال: بار الشيء: إذا هلك، ثم بينها فقال: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القرار}: أي: بئس المستقر لمن صلاها. ووقيل: نزلت في المشركين يوم بدر قاله ابن عباس. {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار}: يعني: الذين اتبعوهم. وقيل: نزلت في أهل مكة عامة: أسكنهم الله D حرمه، وآتاهم نعمه، وجعلهم قوام بيته. فبدلوا ذلك كفراً. ثم قال تعالى: {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ}: أي: جعل هؤلاء الذين
بدلوا نعمة الله كفراً (لله) أنداداً: أي: شركاء. ({لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ}) لكي يضلوا الناس عن سبيل الله. قال ابن مسعود: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون نُصُباً، يعني: تمثالاً، تعبدها قريش من دون الله: فهي الأنداد. ثم قال تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُواْ}: أي: قل لهم يا محمد! تمتعوا في هذه الحياة الدنيا، وهذا على طريق التهدد، والوعيد. {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار}: أي عاقبتكم إلى النار تكون. وقيل: معناه: إن الكافر لو كان في الدنيا مريضاً سقيماً، طول عمره لا يجد ما
يأكل ولا (ما) يشرب لكان ذلك نعيماً عندما يصير إليه / من عذاب الآخرة. ولو كان المؤمن في الدنيا لا يعرض له سقم، ولا مرض طول عمره، يتنعم بأنعم ما يكون من مأكول (في) الدنيا، ويلبس أحسن ما يكون من اللباس لكان ذلك بؤساً عندما يصير إليه من نعيم الآخرة. ثم قال تعالى: {قُل لِّعِبَادِيَ الذين آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصلاة}: ومعناه: قل يا محمد! لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلوات الخمس بحدودها. {وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ}: أي: مما خولناهم: يعني: الزكاة. سراً وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه، أي: لا يباع ما وجب عليه من العقاب بفدية (ولا عوض). قال أبو عبيدة: البيع هنا: الفدية.
32
وقوله: {وَلاَ خِلاَلٌ}: أي: ولا مخالة خليل، فيصفح عمن استوجي العقوبة لمخاللته. والخلال مصدر خاللته، قاله الأخفش. (و) الخلال جمع خلة، وهو بمعنى: الصداقة. وقال ابن عباس: {يُقِيمُواْ الصلاة} يعني: الصلوات الخمس، {وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ}: يعني: زكاة أموالهم. قوله: {الله الذي خَلَقَ السماوات} - إلى قوله - {كَفَّارٌ}: والمعنى: " الله الذي أنشأ السماوات والأرض من غير شيء. {وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ}: أي: أحيى به الأرض والشجر،
والزرع، والثمرات، رزقاً لكم: تأكلونه. {وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك} وهي السفن: {لِتَجْرِيَ فِي البحر بِأَمْرِهِ} ومعنى " بأمره " لكم، تركبونها، وتحملون فيها أمتعتكم من بلد إلى بلد. {وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار}: أي: سخر ماءها شراباً وسقياً لكم. {وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينَ}: أي: متعاقبين عليكم أيها الناس بالليل والنهار لصلاح أنفسكم ومعايشكم. وقيل: معنى دائبين: متماديان في اختلافهما عليكم. وقال ابن عباس ( C) : هو دؤوبهما في طاعة الله، D، { وَسَخَّرَ لَكُمُ اليل والنهار}: أي: بسخر تعاقبهما عليكم لمنافعكم، وصلاح أحوالكم.
ثم قال تعالى: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ}: أي: وأعطاكم مع ما تقدم من ذكر إنعامه عليكم: {مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ}، أي: من كل سؤلكم، قاله الفراء. وقال الأخفش: " من كل ما سألتموه (شيئاً)، وحذف شيئاً لدلالة لفظ التبعيض عليه، ولدلالة " ما " التي أضيف إليها " كل " لأنها بمعنى شيء. وقيل: هذا لفظ عام، ويراد به الخصوص، كما يقال: فلان يعلم كل شيء، وأتاني كل إنسان: يريد البعض، ومثله {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 44] قال مجاهد: معناه: وآتاكم من كل ما رغبتم إليه فيه. وقيل: المعنى: وآتاكم من كل الذي سألتموه، والذي لم تسألوه. وقيل: معناه: إن الناس قد سألوا الأشياء عن تفرق أحوالهم، فخوطبوا على ذلك: أي: قد أوتي بعضهم منه شيئاً، وأوتي الآخر منه شيئاً آخر، مما قد سأله.
وروى محمد بن إسحاق المسيبي، عن أبيه، عن نافع " من كل " بالتنوين، وهي قراءة الضحاك. والحسن: أي: أعطاكم أشياء ما سأَلْتُمُوهَا / ولا التمستموها، ولكن فعل ذلك لكم، برحمته وسعة فضله. قال الضحاك ( C) : فكم من شيء أعطانا الله ما سألناه، ولا طلبناه، ولا خطر لنا على بال. وجعل الحسن " ما " بمعنى " الذي " مع التنوين. وقال في معناه: وآتاكم من كل ما سألتموه: أي: أعطاكم من كل الأشياء الذي سألتموه. ثم قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا}: أي: (إن) تعدوا نعم الله
35
عليكم لا تحصوا عددها، والقيام بشكرها. ثم قال تعالى: {إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}، الإنسان: اسم للجنس وظلوم بني للمبالغة. والمعنى أن الإنسان غير شاكر من أنعم عليه، وقد وضع الشكر في غير موضعه، يعبد غير من أنعم عليه. كفار: جحود نعمة من أنعم عليه. قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً} - إلى قوله - {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. المعنى: واذكر يا محمد! إذ قال إبراهيم: رب اجعل مكة " بلداً " آمناً، سكانه وأهله. فهذا إشارة إلى البلد، والبلد نعت لهذا، أو عطف بيان. و " آمنا " مفعول
ثان لجعل. ثم قال تعالى حكاية عن قول إبراهيم A وعلى نبينا محمد وسلم: {واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام}: أي: اجعلني وإياهم جانباً عن عبادتها. وقيل: معناه أنقذني، وإياهم من عبادة الأصنام. والصنم: التمثال المصور، فإن لم يكن مصوراً فهو وثن. قال مجاهد: أجاب الله، جل ذكره، دعوة إبراهيم في ولده، فلم يعبد أحد منهم صنماً. ثم قال تعالى، ذكره: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس}: أي: إن الأصنام أضللن كثيراً من الناس عن طريق الهدى والحق، حتى عبدوهن فكفروا بك. وأضاف الفعل إلى الأصنام على ما تعرف العرب من مخاطبتها. يقول العرب: أفتنتني الدار، والمعنى: استحسنتها.
فالمعنى: إنه افتتن (كثير) من الناس بهن، أي: استحسنهن كثير من الناس، أي: استحسن عبادتهن كثير منهم. {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}، أي: من تبع ما أنا عليه من الإيمان بالله، ( D) ، وإخلاص العبادة (له فهو من): أي: من أهل ديني. {وَمَنْ عَصَانِي} فخالف أمري {فَإِنَّكَ غَفُورٌ} لذنوب المذنبين. أي: ستار لها إذا تابوا منها بالإيمان. وهذا قريب من قول عيسى A: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [المائدة: 118]- الآية -: أي: إن تغفر لهم ذنوبهم بعد توبتهم وإيمانهم. (وفي) ذلك أقوال غير هذا، قد ذكرتها في المائدة. وغير جائز أن يتأول أحد أن المغفرة ترجى لمن مات على كفره، لقوله: {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48، 116]،
37
ولقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرض ذَهَباً} [آل عمران: 91]- الآية - وهو كثير في القرآن، فلا يَيْأَس من مغفرة الله لعبدٍ مع الإيمان، ولا ترجى مغفرة لعبدٍ من الكفر. وقوله: رحيم: أي: رحيم بعبادك إذا آمنوا قبل موتهم. قوله: {رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي / زَرْعٍ} - إلى قوله - {يَوْمَ يَقُومُ الحساب}. معنى الآية: إنه دعاء من إبراهيم A بمكة، وذلك حين أسكن إٍماعيل، وأمه هاجر مكة. قال ابن عباس: إن أول من سعى بين الصفا والمروة لأم اسماعيل (وإن)
أول ما أحدث النساء جر الذيول، لمن أم اسماعيل، وذلك أنها لما فرت من سارة أرْخَتْ من ذيلها لتعفي أثرها، فجاء بها إبراهيم، ومعها إٍماعيل حتى انتهى بها إلى موضع البيت، فوضعها، ثم رجع. فأتبعته، فقالت: إلى (أي) شيء تكلنا؟ (إلى أي طعام تكلنا)، إلى أي شراب تكلنا؟. فجعل إبراهيم لا يرد عليها عيناً، فقالت: (آلله) أمرك بهذا؟ قال نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء. أقبل على الوادي، فدعا، فقال: {رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} - الآية - قال: وكان كع هاجر شن، فيه ماء. فنفد الماء فعطشت، فانقطع اللبن. فعطش الصبي، فنظرت أي: الجبال أدنى من الأرض، فصعدت الصفا، فتسمعت هل تسمع صوتاً أو ترى أنيساً. فلم تسمع شيئاً، فانحدرت. فلما أتت إلى الوادي سعت وما تريد السعي،
كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي. فنظرت أي الجبال أدنى من الأرض، فصعدت المروة فتسمعت هل تسمع صوتاً، أو ترى أنيساً فسمعت صوتاً كالإنسان الذي يكذب سمعه حتى استيقنت، فقالت: قد أسمعتني صوتك، فأغثني، فقد هلكت وهلك من معي. فجاء الملك بها، حتى انتهى (بها) إلى زمزم. فضرب بقدمه ففارت، فجعلت هاجر تفرغ من شنها. فقال رسول الله A: " رحم الله أم إسماعيل! لولا أنها عجلت لكانت زمزم عيناً معيناً " وقال الملك لها: لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد، فإنما (هي) عين لشرب ضيفان الله. وقال لها: إن أبا هذا الغلام سيجيء، فيبنيان لله (جل وعز) بيتاً، ذا موضعه، ثم ذهب، وبقيت هاجر، فأتت رفقة من جرهم تريد الشام، فرأوا الطير على الجبل، فقالوا: إن هذا الطير لعائف على ماء، فهل علمتم بهذا الوادي من ماء؟ فقالوا: لا. ثم أشرفوا فإذا هم
بهاجر وابنها، فأتوها، فطلبوا أن ينزلوا عندها، فأذنت لهم، فسكنوا عندها. ثم أتتها المنية فماتت، رحمة الله عليها، فتزوج اسماعيل امرأة من جُرْهم، ثم كان من قصة إبراهيم في إتيانه إلى (بناء) البيت ما ذكر الله ( D) . وقد تقدم منه ذكر (كثير) في البقرة. ومعنى: {بَيْتِكَ المحرم}: أي: المحرم من استحلال حرمات الله (تعالى) فيه، والاستخفاف بحقه. وقوله: {فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوى إِلَيْهِمْ}: أي: اجعل قلوب بعض خلقك تنزع إليهم، فلذلك قلوب الناس إلى الآن تنزع إلى الحج، ولا تقدر على التخلف.
وقد قال ابن جبير: لو قال: فاجعل أفئدة الناس / تهوي إليهم، لحجت اليهود والنصارى، والمجوس، ولكنه قال: {أَفْئِدَةً مِّنَ الناس} فحج المسلمون. قال مجاهد ( C) : لو قال أفئدة الناس، لازدحمت عليه فارس، والروم، ولكنه قال: من الناس. والأفئدة جمع فؤاد، وهو القلب، وسمي القلب فؤاداً لتفاؤده: أي: لتوقده، والتفاؤد: التوقد، والمقتاد: موضع وقود النار. قال عكرمة، وطاووس، وعطاء: قلوبهم تهوى إلى البيت حتى يأتونه: (أي) يحجون، وهو قول ابن عباس.
وعن ابن عباس أن معنى: {تهوى إِلَيْهِمْ}: أي: تهوى السكنى عندهم. وهذا المعنى إنما يكون على قراءة من قرأه بفتح الواو، وهي قراءة مروية عن مجاهد. ولما دعا إبراهيم بأن يرزقهم من الثمرات نقل الله ( D) ، الطائف من فلسطين إلى موضعها الآن، ففيها من من كل الثمرات. روي أن إبراهيم A لما دعا بهذا بعث الله جل ذكره، جبريل عليه السلام، فاقتلع الثمار من الشام من موضع يقال له الأردن، وهو نهر، ثم أقبل بالثمار حتى طاف بها حول البيت أسبوعاً، ثم أنزلها جبال تهامة وهي الطائف.
ولذلك سميت الطائف. {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}: أي: يشكرون نعمك. ثم حكى الله ( D) ، عنه أنه قال: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ}: أي: تعلم ما نخفي في قلوبنا عند مسألتنا إياك وما نسألك، وفي غير ذلك من أحوالنا. {وَمَا نُعْلِنُ} من دعائنا، فنجهر به. وغير ذلك من أحوالنا. {وَمَا يخفى} عليك يا رب (من) شيء في الأرض، ولا في السماء ثم قال جل ذكره {الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي} - الآية - قال ابن جبير: بشر إبراهيم بإسحاق بعد تسع عشرة ومائة (سنة) (وقوله): {رَبِّ اجعلني مُقِيمَ الصلاة}: أي: مؤدياً ما ألزمتني من فرائضك،
{وَمِن ذُرِّيَتِي}: أي: واجعل أيضاً من ذريتي مقيم الصلاة. ثم قال تعالى: {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ}: الدعاء هنا العبادة. والمعنى: " وتقبل عملي الذي أعمله لك، وعبادتي إياك، وقد روي عن النبي A أنه قال: " إن الدعاء هو العبادة " ثم قرأ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] . فالمعنى: اعبدوني أستجب لكم، على ذلك قوله: {إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [غافر: 60]. {رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ}: استغفر إبراهيم لأبيه من أجل {مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 114]: أي: مات على كفره. وقيل: عني بوالديه: آدم وحواء (عليهما السلام).
42
وقرأ يحيى بن يعمر، والنخعي: {رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ} يعني: إسماعيل، وإسحاق. وقرأ ابن جبير: " ولوالدي " يعني أباه وجده. قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً} - إلى قوله - {لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال}: المعنى: ولا تحسبن الله يا محمد ساهياً عن عمل هؤلاء المشركين من قومك. بل هو عالم بهم، يحصي عليهم جميع أعمالهم، ليجازيهم عليها. وهذه الآية " وعيد للظالم / وتعزية للمظلوم ". ثم قال تعالى: {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار}: أي: إنما يؤخر عقابهم
ليوم القيامة، يوم تشخص فيه أبصار الظالمين. فلا ترتد إليهم. ثم قال تعالى: {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ}. قال قتادة: مهطعين: مسرعين. وقال ابن جبير، عن قتادة: " مهطعين منطلقين، عامدين إلى الداعي. وقال ابن عباس ( C) : مهطعين: مديمي النظر، من غير أن تطرف أبصارهم. وقاله مجاهد. وقال ابن زيد: المهطع: الذي لا يرفع رأسه، والإهطاع في كلام العرب: الإسراع.
وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة: الإقناع: رفع الرؤوس. وأصل الأهطاع: الإقبال على الشيء بالنظر، ينظر دائماً، لا يرفع بصره، ولا يطرف. وهو بمعنى قول مجاهد، والضحاك، وهو قول الخليل: ودليله قوله: {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ}: أي: يديمون النظر، لا يطرفون. قال الحسن: " وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء، لا ينظر أحد - إلى أحد. والمقنع في اللغة: الرافع رأسه. حكى أبو العباس: أقنع إذا رفع رأسه، وأقنع: إذا طأطأ رأٍه ذلاً وخضوعاً. فتحتمل الآية القولين جميعاً. قال: ويجوز أن يرفع رأسه مديماً للنظر، ثم يطأطأه ذُلاّ وخضوعاً. ومن الارتفاع قيل: مقنعة للتي يجعلها النساء على رؤوسهن، لارتفاعها
على الرأس. ومنه قنع الرجل إذا رضي، لأنه رفع نفسه على السؤال، وقنع إذا سأل، أي: أتا ما يتقنع منه. ثم قال تعالى: {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ}: والمعنى عند ابن عباس Bهـ: " لا ترجع إليهم لشدة النظر أبصارهم ": أي: هي شاخصة. ومعنى: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ}: أي: منحرفة، لا تعي من الخير شيئاً، قاله ابن عباس. كما تقول: ليس في البيت شيء، إنما هو هواء. قال ابن عباس: وليس فيها شيء من الخير فهي كالخربة. وقال ابن زيد: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} الأفئدة: القلوب ليس فيها عقل، ولا
منفعة. وقيل: معناه: لا تستقر في مكان، فر ترتد في أجوافهم. قال ابن جبير: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ}: " تمور في أجوافهم، ليس لها مكان تستقر فيه ". وقال الضحاك: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} معناه: " ليس فيها شيء، خرجت من صدورهم فنشبت في حلوقهم "، وقاله السدي. قال قتادة: " انتزعت حتى صارت في حناجرهم، لا تخرج من أفواههم، ولا تعود إلى أمكنتها. وأصل الهواء في اللغة: المجوف الخال (ي). ثم قال تعالى لنبيه A: { وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب}، والمعنى: وأنذر الناس الذين أرسلت إليهم يا محمد {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب}: وهو يوم القيامة.
" فاليوم ": مفعول به، بأنذر ولا يحسن أن يكون نصبه على الظرف، لأن الإنذار لا يكون يوم القيامة، إنما هو / في الدنيا فافهمه، وله نظائر كثيرة في القرآن. ثم قال تعالى: {فَيَقُولُ الذين ظلموا رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ}. قال محمد بن كعب القرظي، C: بلغني أن (أهل) النار ينادون: {رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل} فرد عليهم: {أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} - إلى قوله - {لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال}. وقوله: {أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ}: هذا تقريع من الله ( D) للمشركين من قريش. أعلمنا أنه يقال لهم بعد أن دخلوا النار بإنكارهم البعث في الدنيا، إذ سألوا رفع العذاب (عنهم)، وتأخيرهم لينيبوا، أو يتوبوا. {أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} أي ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة، وإنكم إنما تموتون، ولا تبعثون.
وهذا القسم الذي حكى الله ( D) ، عنهم هنا ما هو حكى الله (سبحانه) عنهم أنهم قسموا في قوله: {وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ} [النحل: 38]. قاله ابن جريج. ثم قال جل ذكره حكاية عما يقول للمشركين في الآخرة: {وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ}: أي: سكنتم في الدنيا في مساكن الأمم، الذين أهلكوا بظلمهم لأنفسهم، فلم تعتبروا بهم، ولا اتعظتم. ومعنى {ظلموا أَنفُسَهُمْ}: أي: " كفروا بالله (سبحانه)، فظلموا بذلك أنفسهم. {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ}: أي: أعلمتم كيف أهلكناهم حين كفروا بربهم.
{وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال}: أي: مثلنا لكم ما كنتم عليه من الشرك، فلم تتوبوا من كفركم، فالآن تسألون التأخير للتوبة حين نزل بكم العذاب. قال قتادة: {وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ}: أي، اسكن الناس في مساكن قوم نوح، وعاد، وثمود. ثم قال تعالى: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ}. قال علي بن أبي طالب، Bهـ: أخذ الذي حاج إبراهيم في ربه نسرين فرباهما، حتى استعجلا واستغلظا وشبا. ثم أوثق رجل كل واحد منهما في وتد إلى تابوت، وجوعهما، وقعد هو ورجل آخر في التابوت. ورفع من التابوت عصاً على رأسها لحم، فطارا بالتوابوت، وجعل يقول لصاحبه: انظر ماذا ترى؟ فيقول: أرى كذا، وكذا، حتى قال: أرى الدنيا كأنها ذباب. فقال له: صوب العصا، فصوبها فهبطا: فهو مكرهم الذي أرادت الجبال أن تزول منه.
وروي أن الذي فعل ذلك بالنسور بختنصر. فلما ارتفعت به النسور نودي: أيها الطاغية أين تريد؟ ففزع، وصوب الرمح الذي فيه اللحم، فصوبت النسور: فكادت الجبال أن تزول لذلك. وقال ابن جبير: هو نمرود. وقيل: مكرهم هنا، هو شركهم بالله سبحانه، وافتراؤهم عليه. روي ذلك أيضاً عن ابن عباس. / وقال الضحاك هو كقوله {وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً} [مريم 88 - 89]- الآية -.
ومن كسر اللام في " لتزول منه " جعل إن بمعنى: ما. أي: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال. واللام لام النفي. وهذا مروي عن الحسن ( C) ومثله عنده: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} [يونس: 94]: أي: فما كنت في شك. ومثله: {قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ} [الزخرف: 81]: أي: ما كان. (فيكون معنى القراءة عندهم أضعف)، وأوهن من أن تزول منه الجبال، ويدل على صحة قوله إن كيد الشيطان كان ضعيفاً. ومن فتح اللام جعلها لام تأكيد، ومعناه: إنه عظم مكرهم وكبرهم. فأخبر
47
أن الجبال كادت تزول لمكرهم، ودليل تعظيم مكرهم أن الله قد قال: {وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً} [نوح: 22]، وقال: {تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً * أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً} [مريم: 90 - 91]: فأخبر أن ما يأتون به من الكفر تكاد السماوات يتفطرن منه: (أي): تنشق، وتكاد الجبال تسقط إعظاماً لقولهم. وقيل: إن المراد بهذه الآية قريش، نفى الله D، أن تزول لمكرهم الجبال، والجبال كناية عن القرآن، والتقدير: وما كان مكر قريش وكفرهم ليزول منه القرآن إذا أنكروه، وكفروا به. بل فعلهم ذلك لا يضر القرآن، ولا يزيله من قلوب المؤمنين حتى يبلغ جميع الأمم الكائنة إلى يوم القيامة. فيجاز (ى) المؤمن به على إيمانه، والكافر به على كفره. وقوله: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ}: - إلى قوله - {سَرِيعُ الحساب}، والمعنى: ولا تحسبن الله يا محمد مخلف رسله، وعده الذي وعدهم من عقوبة من
كذبهم تثبيتاً منه تعالى لنبيه، عليه السلام ومعلماً، له به أنه سينزل سخطه على من كذبه. {إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتقام}: أي: إن الله لا يمتنع منه شيء أراد عقوبته {ذُو انتقام} لمن كفر به وكذب رسله. ثم أخبرنا تعالى، متى يكون هذا الانتقام، فقال {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات}: أي: ينتقم من الظالمين في هذا اليوم. ومعنى {تُبَدَّلُ الأرض (غَيْرَ الأرض)}: أي تصير هذه الأرض أرضاً بيضاء، كالفضة لم يسفك عليها دم، ولا عمل عليها خطيئته، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر حفاة، عراة، قياماً، كما خلقوا حتى يلجمهم العرق. قاله ابن مسعود، وأنس بن مالك، ومجاهد، والحسن.
وقال الحسن ( C) في حديث (هـ): والسماوات أيضاً كالفضة وعن عبد الله بن مسعود أنه، قال: تبدل الأرض ناراً يوم القيامة، والجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها. والذي نفس عبد الله بيده: إن الرجل ليفيض عرقاً حتى ترسخ في الأرض قدمه، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه، وما مسه الحساب. فقالوا: (مم) يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما الناس يلقون. وقال: (و) أولياء الله في ظل عرش الله. والذي نف عبد الله بيده: إن جهنم / لتنظف على الناس، مثل الثلج حين يقع من السماء، والذي نفس عبد الله بيده إن عرقه ليسيح في الأرض تسع قامات، ثم يلجمه، وما ناله الحساب من شدة ما يرى الناس (و) يلقون. وقال علي بن أبي طالب، Bهـ: تبدل الأرض من فضة، والجنة من ذهب.
وقال ابن جبير: تبدل الأرض خبزة بيضاء، يأكل المؤمن من تحت قدميه. وكذلك ذكر محمد بن كعب القرظي ( C) . وكذلك قال أبو جعفر بن محمد بن علي، (نضر الله وجهه): تبدل الأرض خبزة يأكل منها الخلق يوم القيامة، ثم قرأ {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام} [الأنبياء: 8]. وقال أنس بن مالك Bهـ: تبدل الأرض بأرض من فضة، لم يعمل فيها الخطايا. وقيل: تبديل الأرض: هو تسيير جبالها، وتهجير بحارها، وكونها مستوية: {لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً} [طه: 108]، وتبدل السماوات: انتثار كواكبها، وانفطارها، وانشقاقها، وتكوير شمسها، وخسوف قمرها. قال النبي A: " تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، ويمدها مد الأديم العُقاظي، لا ترى فيها عوجاً، ولا أمتاً، ثم يزدجر الله الخلق زجرة فإذا هم في هذه
المبدلة في مثل مواضعهم من الأولى. ما كان في بطنها كان في بطنها، وما كان على ظهرها كان على ظهرها. وذلك حين تطوى السماوات " {كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ} " [الأنبياء: 104] ثم يدحوهما ثم يبدلهما ". " وسألت عائشة، Bها، النبي A، فقالت: يا رسول الله: إذا بدلت الأرض غير الأرض والسماوات، وبرزوا لله الواحد القهار. أين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط ". ومعنى {وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ}: وخرجوا من قبورهم أحياء لموقف الحساب بين يدي الله (عز جل). {الواحد الْقَهَّارِ} أي: المنفرد بالقدرة على خلقه، الذي يقهر كل شيء.
وقال ابن مسعود Bهـ: يجمع الله الخلائق كلهم في صعيد واحد، لأرض بيضاء، لم يعص الله فيها قط، ولم يخطأ فيها خطيئة. فأول ما يتكلم أن ينادي منادٍ: {لِّمَنِ الملك اليوم} [غافر: [16]؟، ثم يقول الله الواحد القهار: {اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ اليوم إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب} [غافر: 17]. وعن علي (Bهـ) أنه قال: تبدل الأرض (بأرض) من فضة، والجنة من ذهب. وعن ابن عباس Bهـ أنه قال: بلغنا، والله أعلم، أن الأرض تبدل بأرض بيضاء، لم يعمل عليها معصية، ولم يسفك عليها دم حرام. ثم قال تعالى: {وَتَرَى المجرمين يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد}: أي: وترى يا محمد الذين
اجترموا في الدنيا الشرك بالله (مقرنين: أي) مقرنة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم. {فِي الأصفاد}: أي: في الوثاق، من غل سلسلة، أو قيد. وأحدها صفد كحبل. أو صفد كعدل والأصفاد: القيد. / وعن ابن عباس، Bهـ: الأصفاد السلاسل. قال الضحاك: ( C) الأصفاد: السلاسل. وقال قتادة ( C) : هي القيود، والأغلال. وقال الحسن: ما في جهنم واد، ولا مغارة، ولا قيد، ولا سلسلة إلا واسم صاحبه عليه مكتوب.
ثم قال تبارك (و) تعالى: {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ}: أي قمصهم التي يلبسونها، واحدها سربال. من قطران: قال الحسن ( C) : هو قطران الإبل، ويقال قَطَرَان وقِطرَان بفتح القاف وكسرها. وقرأ مجاهد، C، قطران (عليه) نحاس، ومثله عن ابن عباس. وعن ابن عباس، وعكرمة، ( C عليهما)، إنهما قرآ: (من) قِطْرٍ آنٍ: أي: من نحاس قد انتهى حره في الشدة، وقد قالوا قطران في الواحد، ولو جمع قطران، لقيل: قطارين كضربان وضرابين.
52
ثم قال تعالى: {وتغشى وُجُوهَهُمُ النار}: أي: " تلفح وجوهه النار فتحرقها. {لِيَجْزِىَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ}: أي: ما كسبت من الأثام في الدنيا (أ) ومن الحسنات. {إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب}: أي عالم بعلم كل عامل، لا يحتاج في إحصاء أعمالهم إلى معاناة وحساب. قد أحاط بها علماً. قوله: {هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ} (الآية وهذا القرآن)، (وهذا) الوعظ بلاغ للناس: أي: أبلغ الله جل ذكره إليهم في الحجة عليهم، وأعذر إليهم بما أنزل فيه من موعظة وعبرة. ثم قال تعالى: {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} أي: عذاب الله أنزله على محمد A.
{وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب}: أي: وليتعظ أصحاب العقول والأفهام. وواحد الألباب لب، ولب كل شيء: خالصة، فافهم. (والله الموفق المعين لمن استعانه , وكفى به حسيبا على من خلقه)
الهداية إلى بلوغ النهاية لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 437 هـ المجلد السادس الحجر - الكهف 1429 هـ - 2008 م
الحجر
بسم الله الرحمن الرحيم / سورة الحجر [و] هي مكية : قوله: {الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} إلى قوله {وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}. قد تقدم ذكر {الر} وشبهها. والمعنى: هذه تلك، أي: هذه الآيات {آيَاتُ الكتاب} أي: آيات الكتب التي كانت قبل القرآن كالتوراة والإنجيل. قالـ[ـه]: مجاهد وقتادة.
{وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} أي: وآيات قرآن مبين لمن تدبره وتأمله. ثم قال تعالى: {رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ}. أصل " رب " أن تدخل على النكرات، وأن تكون في صدر الكلام لمضارعتها " كم ". لأنها للتقليل كما أن " كم " للتكثير ولمضارعتها " لا " لأنها للتقليل، والتقليل أقرب شيء من النفي. ومن أجل كونها للتقليل لزمتها النكرة. وموضع " رب " وما عملت فيه، نصب [يتعدى] الفعل الذي بعدها، كما تقول: مررت بزيد: فزيد في موضع نصب. ولذلك لم يؤت لها بخبر، كما يأتي لكم. والفعل: الذي يتعلق به محذوف - وربما ظهر - وكل حرف جر فإنما يتعلق بما/ قبله إلا رب فإنها [تـ]ـتعلق بما بعدها لأن لها صدر الكلام. وإذا دخلت عليها " ما " كفتها عن العمل ووقعت الأفعال الماضية بعدها،
تقول: ربما قام زيد، وربما جلس عمرو. فإن وقعت الأسماء بعدها، جاز عملها، ولغوها تقول: ربما رجل رأيت. ويلزم النكرة التي تدخل " رب " عليها النعت. فإن وقع بعدها مستقبل فعلى إضمار " كان " تقول: ربما يقوم زيد. تقديره ربما: كان يقوم زيد. فأما قوله تعالى: {رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ} وإنما جاز وقوع المستقبل بعدها في هذه [الآية] لأنه أمر واقع لا محالة، فصار بمنزلة الماضي الذي [قد] كان [ووقع]. فإن قلت " رب رجل سيقوم " أو " ليقومن " لم يجز إلا أن تريد أنه يوصف بذلك. وإذا اتصل بربما مجهول انتصب ما بعدها على التفسير. ولا يثنى ذلك
المجهول ولا يجمع ولا يؤنث عند البصريين. وأجاز ذلك الكوفيون. والمضمر الذي يتصل برب في تأويل نكرة ولفظه لفظ معرفة. وإنما كان نكرة لأنك لم تقصد به إلى مذكور بعينه تقدم ذكره، وإنما أظهر على شريطة التفسير بعده. ولا موضع " لما " في ربما لأنها زائدة. وأجاز الأخفش أن تكون " ما " نكرة في موضع خفض " برب " كأنه قال: ورب شيء، أو: رب: وَدَّ. ومعنى الآية: ربما تمنى الذين كفروا لو كانوا في الدنيا مسلمين. وذلك في قول: ابن عباس، وأنس، حين يرى المشركون المسلمين من أهل الخطايا يخرجون من النار بإيمانهم. فيود عند ذلك المشركون لو كانوا مسلمين فيخرجون كما خرج هؤلاء
المسلمون. وذكر ابن عباس: أنه إذا اجتمع المشركون وأهل الذنوب من المسلمين في النار قال المشركون للمسلمين: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون، قد اجتمعا وإياكم. فيغضب الله D للمسلمين فيخرجهم بفضل رحمته فيقول المشركون عند ذلك ليتنا كنا مسلمين. وفي حديث ابن وهب: ". . . فيغضب الله لهم فيقول للملائكة والنبيين: اشفعوا، قال: فيشفعون لهم. فيخرجون حتى إنَّ إبليس ليتطاول رجاء أن يخرج معهم ". وقال مجاهد عن ابن عباس: يدخل الله المؤمنين الجنة حتى يقول في آخر ذلك: من كان مسلماً فليدخل الجنة. فعند ذلك يتمنى المشركون لو كانوا مسلمين. وقيل: إن ذلك يكون من الكافر إذا عاين القيامة. وقيل: يكون منه ذلك التمني إذا عاين الموت.
ثم قال تعالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمل}. معنى ذلك: التهديد والوعيد للمشركين. ثم قال تعالى: {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ}. أي: ما أهلكنا من أهل قرية من الأمم الماضية، إلا ولها أجل مؤقت و/ مدة [معلومة] لا يهلكهم الله حتى يبلغوها. وكذلك أهل قريتك يا محمد، وهي مكة، لا يهلكهم الله حتى يبلغوها. أي: بعد بلوغهم مدتهم لا يتقدمون عن ذلك ولا يستأخرون. وقال بعض أهل المعاني: " سبقت " و " استأخرت " مع الأشخاص معناها: غير معناها مع غير الأشخاص. تقول: سبقت فلان [اً] تجاوزته. واستأخرت عنه فأتى، وتأخرت عنه. وتقول: سبقت الهلاك: قصرت عن بلوغه. واستأخرت الهلال
جزته. فمعنى [قوله] {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} لا تقصر عنه. ومعنى " وما يستأخرون " لا يتجاوزونه فيزيدون عليه. روى ابن مسعود أن النبي A [ قال: " أن] خلق أحدكم يجمع في بطن أمه في أربعين ليلة. ثم يكون عقله مثل ذلك. ثم يكون مضغة مثل ذلك. ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع كلمات. فيكتب أجله، وعمله، ورزقه، وشقي [هو] أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح. فإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يكون بينه وبين [الجنة] إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها.
6
وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ". قوله: {وَقَالُواْ يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر}. معناه: وقال هؤلاء المشركون، لك يا محمد، يا أيها الذي نزل عليه القرآن، إنك لمجنون في دعائك إيانا إلى أن نتبعك وندع آلهتنا. ثم حكى [الله] عنهم: أنهم قالوا: {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة}. أي: هلا [تأتينا] بالملائكة تشهد لم بالصدق فيما جئتنا [به] إن كنت من الصادقين فيما جئتنا به. قال الله لمحمد [عليه السلام]. قل لهم: {مَا نُنَزِّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق} أي: بالرسالة للرسل أي:
9
بالعذاب إلى الأمم الظالمة. ثم قال تعالى: {وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ}. أي: لو أنزلنا إليهم الملائكة فكفروا لم ينظروا ولم تقبل لهم توبة، كما فعل ذلك بمن سأل من الأمم الماضية الآيات فكفروا عند إتيانها إليهم فلم ينظروا. وقال ابن جريج جواب {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة} في قوله: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ} [الحجر: 14]. أي: نزلنا القرآن وإنا له لحافظون أن يزاد فيه باطل وما ليس منه، أو ينقص منه
10
ما هو منه. قال مجاهد وقتادة. وقد قيل: أن الهاء [التي] في " له " لمحمد A. والمعنى ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلاً في أمم الأولين. وفي فرق الأولين. وواحد الشيع شيعة. و " رسلاً " / محذوف دل عليه أرسلنا. أي: وما يأتي [من رسول إلى الأمم الماضية فيدعوهم إلى الله {إِلاَّ كَانُواْ بِهِ
12
يَسْتَهْزِئُونَ} أي: يسخرون من الرسل عتواً منهم وتمرداً على ربهم. بمعنى: كما سلكنا الكفر في قلوب شيع الأولين والاستهزاء بالرسل، كذلك نسلك ذلك في قلوب مشركي قومك. فالهاء في " نسلكه " تعود على التكذيب أو على الاستهزاء. والمعنى: كذلك ندخل الكفر والتكذيب في قلوب المجرمين لما علم الله من سوء اختبارهم وقبيح اعتقادهم. وقيل: الهاء تعود على الشرك. وقيل: على القرآن لأن النبي A كان يقرؤه عليهم. ومعنى نسلكه: نجعله. قوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: لا يصدقون بالذكر الذي أنزلناه إليك. {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين} وقد خلت وقائع الله [ D] بمن خلا قبلهم من
14
الأمم. وقيل: المعنى وقد تقدمت سنة الأولين في التكذيب بالآيات فهم يقتفون آثارهم. قال تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء} الآية. أي: لو فتحنا على هؤلاء الذين تقدم ذكرهم وقالوا لو ما تأتينا بالملائكة، باباً من السماء فظلت الملائكة تعرج فيه وهم يرونهم بأعيانهم {لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا}. قال ابن عباس وقتادة. ومعنى يعرجون: يجيئون ويذهبون. ومعنى سكرت أبصارنا: أخذ بها وشبه علينا. وروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا: " فظلوا فيه " يعني بني آدم الذين سألوا
أن يأتيهم النبي بالملائكة. والمعنى فظل هؤلاء السائلون لك يا محمد في هذا الباب يجيئون ويذهبون، لقالوا إنما أخذ بأبصارنا وشبه علينا {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ}. وتحقيق معنى " سكرت ": غشيت وغطيت، قاله: ابن عمر. ومن خفف " سُكِرَت " فمعناه حبست، يقال: سَكَرَت الريحُ إذا سَكَنَتْ. وقيل: هو مأخوذ من: سكر الشراب، ومعناه: قد غشي أبصارنا مثل السكر، وهو تفسير ابن عمرو بن العلاء. ومن شدده فمعناه [عنده]: سدت، وهو قول قتادة والضحاك. وقال
16
ابن عباس: معناه: أخذت. وقيل: معنى " سُكِرَت " بالتخفيف سحرت من قول العرب " سكر على فلان رأيه " إذا اختلط عليه فيما يريد. وقال الكلبي: معنى سكرت أبصارنا: غشيت. وكل هذه الأقوال متقاربة المعاني، وقول أبي عمرو أنه مأخوذ من السكر جامع لها كلها. قوله: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجاً} الآية.
17
أي: جعلنا في السماء الدنيا منازل الشمس والقمر {وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} أي: زيناها بالكواكب. وقيل: البروج قصور في السماء. أي: حفظنا السماء / من كل شيطان ملعون. وقيل: رجيم هنا بمعنى، مرجوم، أي: مرجوم بالكواكب. قال ابن عباس: تصعد الشياطين أفواجاً تسترق السمع فيقرب المارد منها فيتعلق فيرمى بالشهاب فيصيب جبهته أو جبينه أو ما شاء الله منه فيلتهب. فيأتي
19
أصحابه وهو يلتهب، فيقول: إنه كان من الأمر كذا وكذا. فيذهب أولئك إلى إخوانهم من الكهنة فيزيدون عليه أضعافاً من الكذب فيخبرونهم. فإذا رأوا شيئاً مما قالوا قد كان، صدقوهم بما جاءوا به من الكذب. وهذا معنى قوله: {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 10]. وكان ابن عباس يقول: إِنّ الشهاب لا يقتل ولكن يحرق ويجرح. قوله: {والأرض مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ}. والمعنى: والأرض مددناها فبسطناها، لأنه قال: في موضع آخر {والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30]. ومن تحت [ال] بيت الحرام دحيت
الأرض. {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} أي: في ظهرها جبالاً ثابتة. {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا} أي: في الأرض {مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ}. وقال ابن عباس " موزون " معلوم. وقال مجاهد: مقدر، أي: لا يزيد على قدرة الله ولا ينقص كأنه موزون. وقال عكرمة: مقدور.
20
وقال ابن زيد: " موزون " عني به الأشياء التي توزن. يعني: ما في الجبال من معادن الذهب والفضة والرصاص وغير ذلك مما يوزن. فكأنه قال: أنبتنا فيها من كل شيء يوزن كالفضة والذهب والحديد والرصاص والزعفران والعُصْفُر وغير ذلك مما يباع بوزن. أي: جعلنا لكم في الأرض معايش وجعلنا لكم من لستم له برازقين يعني الإِماءَ والعبيد. فيكون " من " في موضع نصب عطف على المعايش. وقيل: {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} يعني: به الدواب والأنعام، وهو قوله مجاهد.
و " من " على هذا القول: لما لا يعقل وهو قبيح بعيد. وقيل: عني به الوحش. و " من " لما لا يعقل أيضاً. وقيل: " من " في موضع نصب عطف على معنى {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} لأن معناه: أنعشناكم " ومن لستم " أي: وأنعشنا من لستم له برازقين. وقيل: هي في موضع خفض عطف على لكم، وهو مذهب الكوفيين، ولا يجيزه البصريون. وقيل: معنى {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} يراد به: العبيد والاماء والدواب والوحش، فلما اجتمع من يعقل، وما لا يعقل، غلب من يعقل فأتى بمن. وهذا القول: حسن، ويكون " من " في موضع نصب حملاً على المعنى على ما تقدم. وقيل: المعنى جعلنا لكم في الأرض معايش بزرعها وثمارها، وجعلنا لكم فيها من لستم له برازقين، يعني: البهائم التي تؤكل لحمها ويعاش منها، ويعني: ما ينتفع به
21
من البهائم مما لا يؤكل/ لحمها، كل قد جعله الله لبني آدم في الأرض رفقاً بهم ونعماً عليهم وفضلاً. قال تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} الآية والمعنى: وما شيء من الأمطار إلا عندنا خزائنه. {وَمَا نُنَزِّلُهُ} يعني: المطر {إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} أي: ينزل إلى كل أرض حقها الذي قدر الله لها. وليس أرض أكثر من أرض ولا عام أكثر مطراً من عام، ولكن الله يقسمه كيف يشاء، عاماً هنا وعاماً هنا. ويمطر قوماً ويحرم قواماً، وربما كان في البحر. وروي أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس وولد آدم يحضرون كل قطرة حيث تقع وما تنبت. وقيل: معنى " عندنا خزائنه " أي: نملكه ونقدر عليه ونصرفه حيث
22
نشاء وكيف نشاء. قال تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ}. [أي: وأرسلنا الرياح] تلقح الشجر والسحاب. وكان الأصل أن يجمع على ملاقح، لأنه جمع ملقحة، من: القحت الريح الشجر. فاللاقح هي الشجر والسحاب كما يقال: ناقة لاقح. والملقح هي الريح، ولكن جمع على حذف الزيادة، فكأنه جمع لاقحاً. وأكثر ما يقع حذف الزيادة في الشعر. وقال بعض الطوفيين: وصفت الريح باللقح وهي تلقح، كما يقال: ليل نائم، وإنما النوم فيه. وقيل: لما كانت الريح تلقح بمرورها على التراب والماء، قيل لها: ريح لاقح، كما يقال: ناقة لاقح.
وقيل: هو موضوع على النسب كأنه قال: ذوات اللقاح، كأنها تلقح السحاب. كما قيل: في التفسير [و] هذا قول: أبي عمرو. وقيل: لواقح جمع لاقح، أي حامل. سميت الريح لاقحاً لأنها تلقح السحاب، والعرب تقول: للجنوب لاقح وحامل وللشمال حائل وعقيم، وقد قال الله D { وحتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً} [الأعراف: 57]. وأقلت: معناه: حملت. فأما من وحد الريح، ووصفه بلواقح فهو حسن لأنه موحد يراد الجمع، قال الله [تعالى] {والملك على أَرْجَآئِهَآ} [الحاقة: 17] يريد " والملائكة ".
وقال ابن مسعود في الآية: يرسل الله الريح فتحمل الماء فتمري السحاب فيدر [كما تدر] اللقحة، ثم تمطر. قال قتادة: " لواقح " تلقح الماء في السحاب. وقال النخعي والحسن: لواقح تلقح السحاب. وقال عبيد بن عمير: يبعث الله الريح المبشرة فَتَقُمُّ الأرض قماً، ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث المُؤَلَّفَةَ فتؤلف السحاب ثم يبعث اللقوح فتلقح الشجر.
وقال الضحاك: يبعث الله الريح على السحاب فتلقح [هـ] فيمتلئ ماء. وقال النبي A: " الريح الجنوب من الجنة وهي الريح اللواقح. وهي التي ذكر الله في كتابه، وفيها منافع للناس ". وقيل: الريح اللاقح، هي: التي تحمل الندى، ثم تمجه في ماء السحاب. فإذا اجتمع فيه صار مطراً بإذن الله [ D] ، ويسبب تلقيحها السحاب تلقح الأشجار. وال [ل] واقح في جميع ذلك بمعنى ملاقح، لأنه من القحت الريح
السحاب والشجر ولكنه جمع على حذف الزيادة على ما ذكرنا. ثم قال تعالى: {فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَاءً}. أي مطراً {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} أي أسقينا به أرضكم ومواشيكم. ولو كان لشربهم لقال: " فسقيناكموه ". تقول [العرب] إذا سقت الرجل ماء فشربه: سقيته، فإن كان لشرب أرضه وماشيته قالوا: [أ] سقيته. وكذلك [ان] أ [ست] سقيت له غيرك أن يسقيه قلت " اسقيته.
23
قوله {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ}. أي: لستم تخزنون هذا الماء فتمنعونه من أحد، بل ذلك بيد الله يسقيه من يشاء ويمنعه ممن يشاء. وقال سفيان: " بخازنين " بما نعين. أي: نرث الأرض ومن عليها بأن نميت جميعهم. قال عكرمة: المستقدمين من خلق الله إلى اليوم. والمستأخرين من لم يخلق بعد. وكذلك روي عن قتادة ومجاهد: وقال ابن عباس والضحاك وابن زيد: المستقدمين
من مات، والمستأخرين من بقي حياً. وقيل معناه: أو [ل] الخلق وآخره. وقيل: معناه: ولقد علمنا المستقدمين من الأمم والمستأخرين [من] أمة محمد [ A] . روي ذلك عن مجاهد أيضاً. وقال الحسن معناه: المستقدمين في الخير والطاعة والمستأخرين في المعصية. وعن ابن عباس أن معناه: المستقدمين في الصفوف في الصلاة والمستأخرين، قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله A، قال ابن عباس: لا والله ما رأيت مثلها قط. قال: فكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا، وبعضهم يستأخ [رون] فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم فأنزل الله الآية. وعن ابن عباس المستقدمين
25
[من] الصف الأول والمستأخرين الصف الآخر. وقال مروان بن الحكم: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء. والاختيار قول من قال أريد به من مات ومن بقي حياً، ودليل ذلك قوله بعد [هـ]: {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ}. وعن عكرمة: المستقدمين من خرج، والمستأخرين من لم يخرج. وقال مجاهد: علم المستقدمين من الأمم والمستأخرين وهم أمة محمد A. أي: يحشر الأول والآخر فيجمعهم يوم القيامة. إنه حكيم في تدبيره، عليم بعدد خلقه وأعمالهم.
26
قوله [تعالى]: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} إلى قوله: {الوقت المعلوم}. الإنسان هنا آدم [ A] . [ و] الصلصال الطين اليابس الذي لم تأخذه نار، فإذا نقر صلصل، أي: صوت. وقال ابن عباس خلق [الله] آدم [ A] من ثلاثة: من صلصال، ومن حمأ، ومن طين لازب. [فاللازب] اللاصق، والحمأ الحمأة، والصلصال التراب المدقق. وسمي إنساناً لأنه عهد إليه فنسي. وقال قتادة: الصلصال التراب اليابس الذي يسمع له صلصة.
وقال الضحاك: هو طين صلب يخالطه الكثيب يعني: الرمل. وقال مجاهد: / الصلصال المنتن. أخذ من صل اللحم [واصل] إذا انتن، وأصله على هذا [القول]: " صلال "، ثم أبدل من اللام الثانية صاد. وهذا التأويل ينقصه قوله: {خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار} [الرحمان: 14] فشبه [هـ] بالفخار، والفخار ليس بمنتن. لكن قوله: {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} يريد كونه متغير [اللون و] الرائحة. لأن الحمأ متغير الرائحة، دليل [هـ] قوله: " مسنون ". والمسنون عند ابن عباس المتغير الرائحة، وكذلك قال مجاهد، وهو قول: أبي عمرو [و] الكسائي. وقال غيرهم: مسنون
مصبوب. من سننت الماء: صببته. وقال الفراء: هو طين مختلط برمل فيسمع له صلصة. وقال أبو عبيدة: يقال للطين: صلصال، ما لم تأخذه النار. فإذا أخذته فهو فخار. وكل شيء له صوت، سوى الطين، فهو صلصال. و" الحمأ " جمع حمأة وهو الطين الم [ت] غير إلى السواد. و " المسنون " المنتن
في قول ابن عباس، ومجاهد، وأبي عمرو، والكسائي. وقال أبو عبيدة: المسنون: المصبوب. يقا [ل] سننت الشيء إذا صببته. وسننت الماء على وجهه: صببته. وعن ابن عباس: المسنون الرطب. فهذا يوافق قول أبي عبيدة، لأنه لا يكون مصبوباً حتى يكون رطباً. وقال الفراء: المسنون المحكوك من سننت الحديد. ولا يكون على هذا إلا متغيراً. وقيل: المسنون المصبوب على مثال وهيئة، من سننت الوجه. ثم قال [تعالى]: {والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم}.
والمعنى: إبليس خلقناه من قبل آدم من نار السموم. والسموم عند ابن عباس الحار الذي يقتل كل شيء. وقال الضحاك: معناه: من لهب من نار السموم. والعرب تستعمل السموم بالليل والنهار. وقيل: [إن] السموم إنما يكون بالليل والحرور بالنهار. [و] قال ابن مسعود: نار السموم التي خلق الله [ D] منها الجان. والسموم الشديد والحر، جزء من سبعين جزءاً من نار السموم التي الله
خلق الله [ D] منها الجان. وفي حديث عن النبي A: " نار السموم جزء من سبعين جزآ من جهنم ". قال الضحاك: {مِن نَّارِ السموم} من لهب النار. ويروى أن الله جلّ ذكره: خلق نارين، ناراً فيها السموم وناراً ليس فيها السموم. فمزج واحدة في الأخرى، فأكلت النار التي فيها السموم، النار الأخر [ى] فخلق إبليس منها. قال الحسن: نار السموم، نار دونها حجاب، والذي تسمعونه من الصواعق من انغطاط الحجاب. والسموم في الأصل: الريح الحارة. وقال وهب بن منبه: الجن أجناس: منهم من يأكل ويشرب وينكح، وأما
خالص الجن ريح لا يأكل [ون] ولا يشربون. ثم قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ}. أي: واذكر يا محمد، إذ قال ربك هذا. قال ابن عباس لما خلق الله [ D] الملائكة قال: إني خالق بشراً من طين فإذا خلقته وصار حياً فاسجدوا، وهذا السجود سجود تكرمة وتحية لا سجود عبادة. وقوله: {مِن رُّوحِي}. قال الضحاك: من قدرتي، وتحقيق الأمر أنه إضاف [هـ] خلق إلى خالق، فالروح خلق الله [سبحانه]، إضافة إلى نفسه، لأنه اخترعه وخلقه. كما يقال: خلق [الله] وأرض الله، وسماء / الله، وهو كثير. هذا قول أهل المعرفة بالمعاني
فافهمه. " فلما خلقه الله [ D] أبوا أن يسجدوا، فأرسل عليهم نار [اً] فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة، وقال لهم مثل ذلك، فقالوا: سمعنا وأطعنا، إلا إبليس كان من الكافرين، أي: من الأولين الذين امتنعوا من السجود. وقيل: كان من الكافرين في اللوح المحفوظ. فعلى هذا القول: يكون قوله: " إلا إبليس " استثناء من الجنس. وقال أبو إسحاق: إنه استثناء ليس من الأول. فجعل إبليس: ليس من الملائكة. فلما امتنع من السجود قال له الله: ما منعك أن تكون من الساجدين؟ قال إبليس تكبراً وتجبراً وحسداً لآدم: {لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}، أي: أنا خير منه، لأنك خلقته من طين وخلقتني من نار. والنار تأكل الطين فلا أسجد له.
قال الله له: {فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}، أي: أخرج من السماوات. فإنك مرجوم أي: مشتوم. {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة} أي: الغضب {إلى يَوْمِ الدين} أي: يوم الجزاء وهو يوم القيامة. قال إبليس: رب إذا أخرجتني من السماوات ولعنتني {فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي: أخرني ولا تمتني، إلى يوم يبعث ولد هذا الذي فضلت علي، قال الله [ D] { فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين} أي: من المؤخرين فلا تموت إلى يوم الوقت المعلوم أي: [يوم] هلاك جميع الخلق.
قال سفيان: " الوقت المعلوم " النفخة الأولـ[ـى].
39
قوله تعالى: {رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض}. معناه: قال إبليس يا رب [بما] خيبتني من رحمتك لأزينن لولد آدم {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين}. يقال أغويته إذا خيبته ومنه قول الشاعر: فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما أي: من يخب فلا يصب خيراً لا يعدم على خيبته من يلوم [هـ]. وقيل: التقدير: بالذي أغويتني. وقيل: معناه: بإغوائك إياي. ومعنى {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض} لأحسنن لهم المعاصي ولأحببنها إليهم في الأرض {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ} أي: لاضلنهم عن سبيلك إلا من أخلصته بتوفيقك
41
فهديته فلا سلطان لي عليه. فهذا على قراءة من فتح اللام في " المخلَصين "، فأما من كسرها فمعناه: إلا من أخلص طاعتك بتوفيقك إياه إلى ذلك فلا سبيل [لي] عليه. قال الضحاك: هم المؤمنون لا سبيل له عليهم. [أي]: هذا طريق مرجعه إليّ فأجازي كلاً بأعمالهم، لقوله {إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد} [الفجر: 14] وهذا تهديد ووعيد بمنزلة قول الرجل لمن يتواعده: طريقك [هذا] علي. هذا قول
42
مجاهد. وقيل معناه: هذا صراط على امري وإرادتي. وقرأ ابن سيرين، وقيس بن عباد، وقتادة، ومجاهد وعباد ويعقوب والحسن: {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} جعلوه من العلو أي هذا صراط رفيع. قال [تعالى] {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}.
أي: حجة، قال مجاهد: إن عباد [ي] الذين قضيت لهم بالجنة {لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}. وقوله: {إِلاَّ مَنِ اتبعك}. أي: قبل دعوتك فإنه {مِنَ الغاوين} [أي: من الظالمين] وأنَّ جهنم لموعد من اتبعك أجميعن. {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} أي سبعة أطباق، طبق تحت طبق، لكل طبق منهم، أي: من اتباع إبليس {جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} أي: تصيب مقسوم. وقيل: معناه لكل جنس منهم من العذاب على قدر منزلته من الذنوب. وقال علي بن أبي طالب: [Bهـ: عدد] أبواب جهنم سبعة، بعضها فوق بعض فيمتلئ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، حتى تملأ كلها وهو قول: عكرمة وقتادة. وروي عن النبي A أنه قال: " لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سل سيفه على
أمتي " أو " على أمة محمد A ". وقال ابن جريج: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} أي: أطباق، أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، والجحيم: فيها أبو جهل. قال الربيع بن أنس: أما الهاوية فلا يخرج منها شيء دخلها أبداً، إنما تهوي [به] أبداً، [هي] دار آل فرعون، والكفار، وكل جبار عنيد. قال عكرمة: على كل باب [منها سبعون ألف سرادق من نار، في كل سرادق منها سبعون ألف قبة من نار في كل قبة منها] سبعون ألف تنور من نار. لكل نار
منها سبعون ألف كوة. في كل كوة سبعون ألف صخرة من نار. على كل صخرة سبعون ألف حجر من نار. وفي كل حجر سبعون ألف عقرب من نار. لكل عقرب منها سبعون ألف ذنب من نار. لكل ذنب منها سبعون ألف [قفارة من نار. في كل قفارة منهن سبعون ألف] قلة من سم وسبعون ألف موقد يوقدون ذلك بالغار. وإن أول من يصل من أهل النار إلى النار يجدون على الباب من أبوابها أربع مائة ألف من خزنة جهنم، سود وجوههم كالحة، وأنيابهم، قد نزع الله الرحمة من قلوبهم. ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة. لو يطير الطائر من منكب أحدهم، لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الأخرى. قال: ثم يجدون في الباب التاسعة عشر خزنة الذين [قال] جلّ ذكره: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر: 30] عرض صدر أحدهم سبعون خريفاً. ثم يهوون من باب إلى باب خمس مائة سنة غرقاً في النار. ويجدون على كل باب منها من الخزنة مثل ما وجدوا على الباب الأول حتى ينتهوا إلى آخرها. قال:
وهو قول الله [ D] : { حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [المؤمنون: 77]. قال وهب بن منبه: عن ابن عباس، أو عن كعب: " كل باب أسفل من صاحبه أشد حراً من الباب الذي فوقه بسبعين ضعفاً. فالبا [ب] الأول أهونها حراً، ولو أن رجلاً في المشرق وكشف / عن جهنم بالمغرب لسال دماغه من حرها من منخريه. وأول أبوابها: جهنم في [هـ] أهل الذنوب والمعاصي من أهل القبلة من مات منهم مقيماً على الكبائر غير تائب، من شاء الله إدخاله النار بكبائره منهم. والباب الذي يليه: لظى. والباب الثالث: الحطمة. والرابع: السعير، والخامس سقر، والسادس: الجحيم، والسابع: الهاوية. وبين [كل بابين] مسيرة سبعين سنة. {لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} يعني من الجن والإنس. وأصل ليس، عند سيبويه
فعِل كصَيِدَ، ثم اسكنت كما قالوا عَلْمَ في علم. ولم يستعمل الأصل إذ لم يتصرف، فجعلوا اعتلاله إزالة حركة عينه لا غير. وقال الزجاج: لم يتصرف لأنها تنفي المستقبل والحال والماضي، فلم يحتج فيها إلى تصرف. وقال محمد بن الوليد لم يتصرف لمضارعتها " ما ". وقال أبو غانم: لم يتصرف لأنها نعت. وحق الأفعال أن تنفى ولا تنفي وإنما النفي للحروف فلما خرجت عن بابها إلى باب الحرف منعت التصرف كما منعه الحرف.
45
قوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ [آَمِنِينَ]) [45] إلى قوله (الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) [50] قال ابن عباس: الجنات سبع: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، وجنة الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، ودار الخلود. يقال لمن اتقى المعاصي ولزم الطاعة لله: ادخلوها بسلام آمنين من عذاب الله ومن نكبات الدنيا ومن الموت. قال: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إخوانا}. أي: نزعنا ما فيها من الحقد و [ال] عداوة. يقال: غل يغل من الشحناء. وغل يغل من الغلول. وأغل يغل من الخيانة. قال أبو أمامة: يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من
الشحناء والضغائن، حتى إذا تقابلوا نزع الله [ D] ما في صدورهم من غل وشحناء. وروي عنه أنه قال: لا يدخل [ال] مؤمن الجنة حتى ينزع الله [ D] ما في صد [و] رهم من غل، وينزع [منه] مثل السبع الضاري. وقال علي بن أبي طالب Bهـ: فينا أهل بدر نزلت الآية. وقال علي لابن طلحة: اني لارجو أن يجعلني الله وإياك من الذين ينزع [الله] ما في صدورهم من غل، ويجعلنا إخواناً {على سُرُرٍ متقابلين}. وروي عنه أنه قال [إني] لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إخوانا على سُرُرٍ متقابلين}.
وعن النبي A أنه قال: " يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار. فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت في الدنيا. حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن الله لهم في دخول الجنة. فةالذي نفسي محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة [منه] بمنزله الذي كان في الدنيا ". ومعنى {متقابلين} يقابل بعضهم بعضاً لا يستدبره، قال مجاهد: لا ينظر واحد منهم إلى قفا صاحبه. وقيل: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} أزلنا عنهم الجهل والغضب وشهوة ما لا ينبغي حتى زال التحاسد. وروي عن النبي A أنه قال: " إن الغل على أبواب الجنة كمبارك الابل إذ [ا]
نزع من صدور [المؤمنين] ". وروي عن علي [Bهـ] أنه قال: " إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إخوانا على سُرُرٍ متقابلين}. وروي عنه أنه قرئت عنده الآية: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} فقال: ألا ذاكم عثمان وأصحابه، وأنا منهم. وعن النبي A أنه قال: " إذا تقابلوا وترافقوا في الجنة نزع الله ما في صدورهم من غل ". " وسرر " جمع سرير في أكثر العدد. ويقال سُرَر في جمعه بفتح الراء الأول.
48
قال [تعالى]: {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ}. أي: لا يلحقهم وجع ولا تعب ولا ضرر ولا ألم {وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} أي: خالدون فيها أبداً. قال تعالى ذكره: {نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم}. أي: أخبر يا محمد عبادي عني {أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم} أي: الساتر لذنوبهم إذا تابوا واستقاموا. الرحيم بهم أن أعذبهم على ما تقدم من ذنوبهم بعد توبتهم واستقامتهم. وخبرهم أيضاً يا محمد {أَنَّ عَذَابِي} لمن أصر على المعاصي والكفر {هُوَ العذاب الأليم} أي المؤلم يعني الموجع لا يشبهه عذاب. وهذا كله تحذير لعباده وتخويف وإطماع في رحمته. وروي عن النبي A أنه قال: " لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع من حرام، ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه ".
51
وروي عنه [ A] " أنه خرج على أصحابه وهم يضحكون فقال: أتضحكون وبين أيديكم الجنة والنار؟ " فشق ذلك عليهم ف [أ] نزل الله جلّ ذكره {نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العذاب الأليم} قوله: {وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} إلى قوله: {[ا] لضآلون}. المعنى وخبِّر عبادي يا محمد عن أصحاب ضيف إبراهيم، وهم الملائكة الذين دخلوا على إبراهيم حين أرسلهم الله لإهلاكهم قوم لوط وليبشروا إبراهيم بإسحاق [ A] . قال الضيف لإبراهيم {سَلاماً} قال إبراهيم: {إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} أي: خائفون {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ} أي: لا تخف {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} وهو إسحاق. وقال الزجاج: إنما خاف إبراهيم منهم لما قدم إليهم العجل فرآهم لا
يأكلون. فقال {أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر} أي: لأن مسني، وبأن مسني. وكان إبراهيم في ذلك الوقت ابن مائة سنة. وكانت زوجته سارة بنت تسع وتسعين سنة. قال مجاهد: عجب إبراهيم من هذه البشرى مع كبره وكبر امرأته فاستفهم فقال {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} أنا كبير وامرأتي كبيرة لا تلد. قالت الملائكة: {بَشَّرْنَاكَ بالحق} أي: بالخبر اليقين أن الله [تعالى] يهب لك غلاماً فلا تكونن من القانطين، أي من الآيسين من فضل الله [ D] ولكن أبشر بما بشرناك به. قال إبراهيم [لهم]: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ [إِلاَّ] الضآلون} أي من ييأس من فضل ربه إلا من] ضل عن سبيل الله.
57
يقال: قنط [يقْنِط ويقْنُط] قنوطاً فهو قانط، وقَنِط يَقْنَط يَقْنَط قنطاً فهو قَنِط وقَانِط. ويروى: أنهم بشروه أن الله جلّ ذكره قضى أن يَخْرجَ من ذريتك مثل ما أخرج من صلب نوح وأكثر. قوله: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون}. معناه: قال إبراهيم للملائكة: فما شأنكم وما أمركم أيها المرسلون؟ قالوا له {إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ}. أي: مكتسبين المعاصي والكفر بالله. ثم استثنى منهم آل لوط فقال: {إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ} أي: من العذاب. ثم استثنى من آل لوط امرأته فقال: {إِلاَّ امرأته} فصارت المرأة مع المعذبين. ومعنى: {قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين} أي: قدرنا عملنا فيها أن تكون مع الباقين في
61
العذاب. وقيل: معناه: كتبنا ذلك وأخبرنا به. وقيل: معناه: قضينا ذلك. و" آل لوط " هنا أتباعه على دينه. و " الغابرين " الباقين في العذاب. قال تعالى {فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ المرسلون}. أي: فلما أتى رسل الله إلى لوط، أنكرهم لوط ولم يعرفهم. وقال لهم {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} أي: لا نعرفكم. قالت له الرسل: بل نحن رسل الله جئناك بما قومك فيه يشكون أنه نازل بهم من عذاب الله على كفرهم {وَآتَيْنَاكَ بالحق} أي: جئناك [ب]- الحق من عند الله وهو العذاب {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فيما أخبرناك به من الله بهلاك قومك. ثم قالوا له: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اليل} أي: في بقية من الليل واتبع يا لوط أدبار أهلك الذين تسرى بهم، أي: كن من ورائهم {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ}
66
أي: حيث يأمركم الله. قال الزجاج: أمر بترك الالتفات لئلا يرى عظيم ما نزل قومه. وقيل: نهي عن الالتفات إلى ما في المنازل من الرجال لئلا يقع الشغل به عن المضي. قال تعالى: {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر}. أي: أوحينا إلى لوط ذلك الأمر. ثم فسر ما هو الذي أوحى إليه فقال: " إن دابر هؤلاء مقطوع " فهذا الذي أعلمه الله وأوحى به إليه. ومعنى: " دابر هؤلاء مقطوع " آخرهم يستأصل صباحاً. قوله: {وَجَآءَ أَهْلُ المدينة يَسْتَبْشِرُونَ}. المعنى: وجاء أهل المدينة، [مدينة] سدوم، وهم قوم لوط، يستبشرون لما سمعوا أن ضيفاً قد نزل عند لوط طمعاً في ركوبهم الفاحشة، قال قتادة. والضيف يقع للواحد والجمع والاثنين بلفظ واحد لأنه مصدر في الأصل.
قال لهم لوط {إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ} فيهم {واتقوا الله} فيهم {وَلاَ تُخْزُونِ} أي: ولا تذلون ولا تهينون فيهم بالتعرض إليهم بالمكروه. قالوا له {أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين} أي: [عن] ضيافة أحد من العالمين. وقيل المعنى: ألم ننهك أن تجير أحداً علينا وتمنعنا منهم. قال لهم لوط A { هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}. قال قتادة: أمرهم لوط أن يتزوجوا النساء. ومعنى {إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}، [أي: فاعلين] ما أمركم / الله به. وقيل: [المعنى]: إن كنتم مريدين بهذا الشأن فعليكم التزويج ببناتي. وكل
72
نبي أزواجه أمهات أمته، وأولاد أمته أولاده. فعلى ذلك قال لوط {هَؤُلآءِ بَنَاتِي} وعلى ذلك قربءوا " أزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ". فرفع لعمر على الابتداء والخبر محذوف، كأنه قال لعمرك قسمي، أو ما أقسم به. وحسن الحذف لأن باب القسم باب حذف. والمعنى: أي وحياتك يا محمد أن كفار قومك من قريش {لَفِي سَكْرَتِهِمْ} أي: ضلالتهم {يَعْمَهُونَ} أي: يترددون. وقال ابن عباس: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد [ A] ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره.
وعمرك أصله ضم العين لأنه من العمر والتعمير ومنه قول الرجل لعمري إنما أقسم بمدة حياته. ولكن كثر استعمالهم له في القسم ففتحوا العين، ولا يفتح إلا في القسم خاصة. فإنما أقسم الله جلّ ذكره [بعمر] النبي A كأنه قال: وبقائك في الدنيا يا محمد. قال أبو الجوزاء: ما أقسم الله بحياة أحد غير محمد A، لأنه أكرم البشر عنده. وقيل: معناه وعيشك يا محمد أن قريشاً لفي سكرتهم [يتمادون]. وقال مجاهد: " يعمهون " يترددون. ثم قال تعالى ذكره: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) [73].
73
أي: أخذتهم الصاعقة عند شروق الشمس. يقال: أشرق القوم إذا صادفوا شروق الشمس، وأصبحوا إذا صادفوا الصبح. وشرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا ضاءت وصفت. وقيل: شرقت وأشرقت بمعنى. والأول أحسن وأكثر. ومعنى " مشرقين " مصادفين شروق الشمس وهو طلوعها. قال: [تعالى ذكره]: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} أي: جعلنا عالي أرضهم سافلها {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} أي: من طين. وقد تقدم ذكر سجيل في هود بابين من هذا. ويروى أن سجيلاً [اسم] لسماء الدنيا.
75
أي: في هذا العذاب لعلامات ودلائل على قدرة الله وتوحيده ووجوب طاعته واتباع رسله وكتبه للمتفرسين المعتبرين. قال مجاهد: " للمتوسمين " المتفرسين. وقال قتادة للمعتبرين. وقال ابن عباس: للناظرين، وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: للمتفكرين والمعتبرين الذين يتوسمون الأشياء ويتفكرون فيها ويعتبرون. وروي عن النبي A أنه قال: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله. ثم قرأ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} ".
76
وعن النبي A أنه قال: " إن [لله] عباداً يعرفون الناس بالتوسم ". وحقيقة التوسم: النظر بالتثبت حتى يعرف الحقيقة. فهذا كله متقارب في العمنى. وهذه الآية تنبيه لقريش لأن يتعظوا ويزدجروا بما نزل بقوم / لوط وغيرهم. أي: وإن سدوم المنقلبة بقوم لوط لبطريق واضح يراها المجتاز بها، لا يخفى مكانها. وقيل: المعنى وإن الآيات {لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ}. أي إن في صنيعنا بقوم لوط لعلامة و [دلالة] لمن آمن بالله على انتقامه من
78
أهل الكفر. وقيل: الهاء تعود على الحجارة. وروي عن النبي A أنه قال: " أن الحجارة لموقفة في السماء منذ ألفي عام لظالمي أمتي إذا عملوا بأعمال قوم لوط ". وعنه A أنه قال: " سيكون خسف وقذف من السماء وذلك إذا عملوا بأعمال قوم لوط " ثم تلا النبي A الآية [إلى {مُّقِيمٍ}] ". قوله: {وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأيكة لَظَالِمِينَ} إلى قوله {مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}. المعنى: وما كان أصحاب الأيكة إلا ظالمين. والأيكة الشجر المتلف، وهو شجر المقل. فال قتادة " أصحاب الايكة أصحاب غيضة. وكان عامة شجرهم الدوم. وكان رسولهم شعيب E،
أرسل إليهم وإلى أهل مدين. أرسل إلى أمتين من الناس. وعذبتا بعذابين. أما أهل مدين فأخذتهم الصيحة. [وأما] أصحاب الايكة فكانوا أصحاب شجر فسلط الله عليهم الحر سبعة أيام يظلهم منه ظل ولا يستتر منه شيء. فبعث الله [سبحانه] [سحابة] فحلوا تحتها يلتمسون الروح منها. فجعلها الله عليهم عذاباً. فبعث عليهم ناراً فاضطرمت عليهم فأحرقتهم فذلك قوله: {عَذَابُ يَوْمِ الظلة} [الشعراء: 189] وذلك قوله {فانتقمنا مِنْهُمْ}. وروى أن أصحاب الأيكة قوم من جُذام كانوا نزولاً بجوار الأيك. والأَيْكُ الدوم، والدوم شجر المقُل. بعث الله إليهم شعيباً. وهو شعيب بن توبة بن مدين بن إبراهيم. وكانوا جيرانه، وقيل: كانوا أخواله. قال ابن جبير: " الأيكة "
غيضة. ثم قال تعالى ذكره {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ}. أي: أن أصحاب الأيكة وقوم لوط لفي كتاب كتبه الله. وقيل: المعنى: وإن الموضعين اللذين هلك فيهما قوم لوط وقوم شعيب، لبطريق واضح يأتم به الناس في أسفارهم ويعاينونه. وروى ابن عمر أن النبي A قال: " لا تدخلوا [على] هؤلاء القوم المعذبين يعني أصحاب الحجر، إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم] ما أصابهم ". [وقيل: المعنى وإن لوطاً وشعيباً لبطريق من الحق يؤتم به أي: على طريق واضح من الحق].
ثم قال: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحجر المرسلين}. أي: سكان الحجر وهي مدينة ثمود. وكان قتادة يقول هم أصحاب الوادي. والحجر اسم الوادي. وعن النبي A أنه قال لما خلف بالحجر: " هؤلاء قوم صالح أهلكهم الله إلا [رجلاً] كان في حرم الله فمنعه حرم الله من عذاب الله وهو أبو رغال ". وقال الزجاج: هم أصحاب واد. ثم قال تعالى: {وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا [فَكَانُواْ]}. أي: أعطيناهم أدلتنا وعلامات توحيدنا فأعرضوا عنها ولم يؤمنوا بها. ثم قال: {وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال}.
85
{بُيُوتاً آمِنِينَ}. أي: كان ثمود، وهم قوم/ صالح ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين من عذاب الله. وقيل: آمنين أن تنهدم عليهم. وقيل: آمنين من الموت. {فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة} أي: صيحة الهلاك حين أصبحوا من اليوم الرابع الذي وعدوا فيه العذاب، إذ قيل: لهم {تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ} [هود: 65]. فلم يغن عنهم عند ذلك ما كسبوا من الأعمال الخبيثة ولا من عرض الدنيا. قوله: {وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق} إلى قوله: {أَنَا النذير المبين}. المعنى وما خلقنا الخلائق كلها إلا بالحق {وَإِنَّ الساعة لآتِيَةٌ} أي: أن القيامة لجائية، فارض بها يا محمد لمشركي قومك الذين كذبوا ما جئتهم به. ثم قال: {فاصفح الصفح الجميل} أي: فأعرض عنهم إعراضاً جميلاً واعف عنهم عفواً حسناً. وهذه الآية منسوخة عند جماعة، بالأمر بالقتال وإنما كان هذا قبل أن يؤمر
بقتالهم، قال قتادة والضحاك ومجاهد. ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني}. قيل: السبع المثاني السور الطوال وسميت مثاني لأنها تثنى فيها الأمثال والخبر والعبر والحدود والفرائض، قاله: ابن عباس ومجاهد وابن عمر وابن جبير وابن سيرين. [وهي] البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس. وقيل: السابعة الأنفال وبراءة. وقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود Bهما: السبع المثاني آيات الحمد، لأنهن سبع آيات. وهو قول: أبي بن كعب. وروي ذلك عن النبي A قال: هي أم القرآن. وقاله: أبو هريرة وعلي وعمر
وابن مسعود والحسن وقتادة. وسميت مثاني لأنها تثنى لأنها تثنى في كل ركعة أي: تعاد. وقيل: المثاني القرآن غيرها. والمعنى سبع آيات من القرآن الذي هو مثاني. أي: تثنى فيه القصص والمواعظ والأخبار دل على ذلك قوله {مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ} [الزمر: 23] فالمعنى: ولقد أعطيناك يا محمد سبع آيات، وهي الحمد، من المثاني أي من القرآن. وقيل: السبع المثاني ما في القرآن من الأمر والنهي والبشرى والإنذار وضرب الأمثال وإعداد النعم وآتيناك نبأ القرآن العظيم. وعن ابن عباس أن سورة الحمد هي المثاني/ وإنما سميت مثاني لأن الله [جلّ] ذكره استثناها لمحمد A دون سائر الأنبياء فادخرها له. وعن ابن عباس: أخرجها لكم وما أخرجها لأحد كان قبلكم.
وقيل: " السبع المثاني ": الحمد " والقرآن العظيم " الحواميم. وقال علي وأبو هريرة: والسبع المثاني، فاتحة الكتاب، قاله قتادة ومجاهد. وقيل: المعنى وآتيناك سبع آيات وهي الحمد {مِّنَ المثاني} من القرآن، فمن للتبعيض. و [قوله] {والقرآن العظيم} عني به الحمد على قول من رأى السبع المثاني [السبع] الطوال. وقيل: [هي] القرآن كله. ثم قال تعالى: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ}. معناه / استعن بما آتاك الله من القرآن عما في أيدي الناس. ومنه حديث النبي A: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " أي: يستغني به عن المال. وعلى هذا تأول الحديث سفيان بن عيينة، وتأول الآية. وروى: من حفظ القرآن فرأى أن أحداً
أعطي أفضل مما أعطي فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً. فالمعنى: لا تتمنين ما جعلنا من زينة الدنيا متاعاً للأغنياء من قومك المشركين {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ}. أي: على ما متعوا به من ذلك. فعجل لهم في الدنيا فإن لك في الآخرة مما هو خير لك من ذلك. ومعنى: {أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} أمثالاً منهم، يعني: الأغنياء منهم. والأزواج في اللغة: الأصناف. {واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}. أي: ألن جانبك لمن آمن بل وقربهم من نفسك. والجناحان من ابن آدم جنبناه، والجناحان الناحيتان، ومنه قول الله تعالى {واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ} [طه: 22].
90
وقيل: معناه: إلى ناحيتك وجنبك. وقل للمشركين {إني أَنَا النذير المبين} أي أنا [النذير] المنذر لكم عذاباً. {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين}. أي: مثل العذاب الذي أنزلنا على المقتسمين " المبين " لكم ما جئتكم به من الإنذار والأعذار والوعد والوعيد. قوله: {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين}. الكاف من " كما " في موضع نصب نعت [لمصدر محذوف]. و [قيل]: للمفعول المحذوف، أي: النذير عذاباً مثل العذاب الذي أنزلنا على المقتسمين.
قال ابن عباس: المقتسمين اليهود والنصارى، قسموا القرآن فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. قال مجاهد: هم أهل الكتاب جزءوا القرآن فجعلوه أعضاءً، آمنوا ببعض وكفروا ببعض. وقال عكرمة: هم أهل الكتاب اقتسموا القرآن، استهزءوا به فقال بعضهم: هذه السورة لي، وقال آخر: هذه السورة لي. وعن مجاهد أيضاً: هم أهل الكتاب اقتسموا كتابهم فكفر بعضهم ببعضه، وآمن الآخرون بذلك البعض، وكفروا [ب] بعض آخر. وقال قتادة: هم قوم من قريش خمسة عضهوا كتاب الله [ D] .
وقيل: عني بذلك قوم صالح الذين تقاسموا على تبييت صالح وأهله، وهم تسعة، قاله ابن زيد. وقيل: هم قوم اقتسموا طريق مكة أيام مقدم الحاج بعثهم أهل مكة ليشيعوا في كل ناحية عند كل من يقدم مكة [من الناس] أن محمداً مجنون وأنه شاعر وأنه ساحر. قال ابن عباس: هم اثنا عشر رجلاً من قريش اقتسموا على أعقابِ مكة لمن يقدم مكة من الناس ليصدوهم عن نبي الله. فيقول بعضهم: هو كاهن، وبعضهم هو شاعر، وبعضهم هو مجنون. وقيل: هم قوم أقسموا ألا يؤمنوا بمحمد A ولا يفارقوا الانحراف عنه، والطعن عليه.
وقال عطاء: هم قوم من قريش فرقوا القول في القرآن / فقال بعضهم: هو سحر وقال آخرون: هو شعر وقال آخرون: هو أساطير الأولين. وعن ابن عباس أيضاً في {جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ} أي: فرقوه فرقاً. وهو مشتق من العَضْو، والمحذوف منه على هذا القول واو. والكسائي يذهب إلى أنه من: عَضَهْت الرجل، إذا رميته بالبهتان. والتصغير على هذا القول الأول " عضية " وعلى قول الكسائي عُضَيْهَة. وقال الفراء: العِضُون في كلام العرب المتفرقون. واستجيز جمعه بالواو والنون عند البصريين ليكون ذلك عوضاً مما حذف منه. وحكى الفراء أن من العرب من يقول: هذه عضينك. فتركه بالياء في كل حال، ويجعل الإعراب في النون، بمنزلة ذهبت سنينك في لغة من
جعلها بالياء على كل حال وجعل الاعراب في النون. [قال]: وهي كثيرة في أسد وتميم وعامر. توهموا أن الواو واو فعول لما وقعت موضع حرف ناقص [و] قلبوها ياء لأنها أخف من الواو وجعلوا الاعراب في النون. كما قال بعضهم سمعت لغاتَهم. فنصب، وحق التاء الكسر في النصب والخفض كتاء " مسلمات ". لمن نصبها في موضع النصب كما تقول: سمعت أصواتهم. فمن قال في التصغير عضيهة، وجعله على عضين، قال: فعلت به ما فعلت ببرة وبرين. وحذفت الهاء كما حذفتها من شفه وأصلها شفهة وتصغيرها [شفيهة. ومثله شاة وتصغيرها] شويهة، وأصلها شاهه وجمعها شياه. كما تقول في شفه: شفاه. ومن أخذه من عضيت أي: فرقت أعضى تعضية فهو من قول الشاعر: " وليس دين الله بالمعضى " ... أي بالمفرق.
92
قال [تعالى]: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}. أي: فوربك يا محمد لنسئلن هؤلاء الذين جعلوا القرآن عضين في الآخرة عما كانوا يعملون في الدنيا. وقيل: معناه، لنسئلن هؤلاء عن شهادة أن لا إله إلا الله. قاله: ابن عمر ومجاهد. قال ابن مسعود: والذي لا إله غيره، ما منكم أحد إلا سيخلو الله [ D] به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر فيقول: ابن آدم [ماذا] أخرك مني؟ ابن آدم ما عملت فيما علمت؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟. [قال أبو العالية: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة عن ما كانوا
يعبدون وعن ما أجابوا المرسلين]. وعن ابن عباس في قوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} ثم قال في موضع آخر: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} [الرحمن: 39] معنى الأول يسألهم لم عملتم كذا وكذا، ومعنى الثاني لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا لأنه عالم بذلك. قال ابن عباس: نزلت في الوليد بن المغيرة {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ} إلى آخرها. روى ابن عمر أن النبي A [ قال] " كلكم مسئول يوم القيامة: فالإمام يُسْأل عن الناس وعن رعيته. والرجل يُسْأَل عن أهله وولده/ والمرأة تُسْأل عن بيت زوجها. والعبد يُسْأل عن مال سيده ". وعن النبي A أنه قال: " ما من راع استرعى رعية إلا سأله الله يوم القيامة عن
94
رعيته، هل أقام فيهم أمر الله أم أضاعه، حتى أن الرجل ليُسْألَ عن خاصته وأهل بيته ". قال معاذ بن جبل: " لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يُسْأَل عن أبعة، عن عمره فيما أفناه وعن جسده فيما أبلاه وعن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه وعن عمله كيف عمل فيه ". وروى عن النبي A أنه قال: " يسألون عن شهادة أن لا إله إلا الله ". قال تبارك وتعالى: {فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ}. معناه، بلغ ما أرسلت به إليهم، قال ابن زيد. وقال ابن عباس: معناه افعل ما تؤمر وامضه.
وعنه: أعلن بالقرآن، قال: وكان نبي الله اكتتم مخافة [قومه] سنتين فأمره الله أن [يصدع] بما يؤمر أي: يعلن به وظهره وأن يعرض عن المشركين ثم نسخ ذلك وأمره بقتالهم وقال {إِنَّا كَفَيْنَاكَ المستهزئين}. وقال مجاهد: المعنى: اجهر بالقرآن في الصلاة. قال عبد الله بن عبيد: لم يزل النبي [ A] بمكة مستخفياً حتى نزلت: {فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين} فخرج هو [و] أصحابه. وقال الزجاج: معناه: ابنِ ما تؤمر به وأذهره، مشتق من الصديع وهو الصبح.
وقال المبرد: [معناه]: اصدع الباطل بما تؤمر: أي: افرق بين الحق والباطل بهذا القرآن وبينه. يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا. ومنه صداع الرأس وتصدعت الزجاجة تفرقت أجزاؤها. وفاء الفعل مصدر عند البصريين، فلذلك لم يقل: " بما تؤمر به:. وتقديره: فاصدع بأمرنا وهو القرآن. وقال الكسائي: " ما " بمعنى: الذي. والتقدير بما تؤمر به، ثم حذفت: " به ". فأما قوله {وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين} فهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال ثم، أمر بالقتال
فنسخه الأمر بالقتال، قاله: ابن عباس والضحاك. ثم قال تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ المستهزئين * الذين يَجْعَلُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ}. المستهزؤون: في قول ابن عباس، وهم الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن عبد يغوث الزهري، وهو ابن خال رسول الله A والأسود بن المطلب، وأبو زمعة الحرث بن عيطلة كانوا يهزؤون بالنبي عليه السلام. وعن ابن عباس: أنهم خمسة، ولم يذكر الحرث بن عيطلة، كانوا يهزؤون بالنبي عليه السلام. فروي أنهم مروا، رجلاً [رجلاً] على النبي A ومعه جبريل عليه السلام، فإذا مر رجل منهم قال [له] جبريل: كيف تجد هذا؟ فيقول/ النبي: بئس
عبد الله، فيقول له جبريل: كفيناكه. فهلك الخمسة بأمر الله [ D] ونصره لنبيه [ A] : أما الوليد بن المغيرة فإنه تردى بردائه فتعلق سهم بردائه فقعد يحله فقطع أكحله فنزف فمات. وأما الأسود بن عبد يغوث فأتى بغصن فيه شوك فضرب به وجهه فسالت حدقتاه على وجهه. فكان يقول: دعوت على محمد [دعوة] ودعا علي دعوة، فاستجيب لي، واستجيب له: دعا علي أن أعمى، فعميت. ودعوت عليه: أن يكون وحيداً فريداً في أهل يثرب فكان ذلك. وأما العاصي بن وائل فوطئ شوكة فتساقط لحمه على عظامه حتى هلك. وأما الأسود بن المطلب وعدي بن قيس فإن أحدهما قام من الليل وهو مطمئن يشرب من جرة فلم يزل يشرب حتى ينفتق بطنه فمات. وأما الآخر فلدغته حية فمات. فمعنى الآية: إنا كفيناك يا محمد الساخرين منك الجاعلين مع الله إلهاً آخر [سبحانه وتعالى]، {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} ما يلقون من عذاب الله عند مصيرهم إليه
يوم القيامة. وقال عكرمة: المستهزؤون قوم من المشركين كانوا يقولون سورة البقرة سورة العنكبوت يستهزؤون بأسماء السور. وروى ابن وهب: عن زيد بن أسلم أن وهب الذماري قال: " إن نيباً من الأنبياء حدث قومه بحوت ينزله أهل الجنة فاستهزأ به رجل من قومه. فقال النبي [ A] اذهب فأريكه. فذهب حتى إذا جاء البحر جاز حوت مثل البيت قال: هو ذا يا نبي الله؟ فقال: لا، ثم جاز حوت مثل الجبل. فقال: هو ذا يا نبي الله؟ قال: لا، ثم جاز حوت مثل القصر. قال: هون ذا يا نبي الله؟ قال لا. ثم جاز حوت مر صدره ضحى، ولم يمر آخره إلى العصر، فقال: هو ذا يا نبي الله؟ فقال: كيف ترى؟ فقال: والله إن في هذا لمأكلاً ومشرباً. قال: فوالذي نفسي بيده إنه ليتغذى كل يوم طلعت فيه الشمس بسبعين ألف حوت كلهم مثل هذا الحوت، فصعق
97
الرجل فمات ". وذكر عند مروان بن الحكم [هذا الحديث] فقال: لقد ذكر لي أن هذا الحوت قد أحاط بالسماوات السبع ومن تحت العرش. وعن ابن عباس: أنهم هلكوا في ليلة واحدة كل رجل منهم يميته سوى ميتة صاحبه. قوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ}. المعنى: ولقد نعلم يا محمد أنك يضيق صدرك بما تقول هؤلاء من تكذيبك، فسبح بحمد ربك أي: افزع فيما نزل بك منهم إلى الشكر لله [ D] والثناء عليه والصلاة، يكفيك ما همك من ذلك، و " كان النبي عليه السلام إذا أحزنه أمر فزع إلى الصلاة ". قوله: {وَكُنْ مِّنَ الساجدين} أي: / من المصلين. قوله: {حتى يَأْتِيَكَ اليقين} أي: الموت. ومعناه: اعبد ربك أبداً، ولو لم
يقل {حتى يَأْتِيَكَ اليقين} لكان بعبادته ساعة واحدة طائعاً قد فعل ما أمر به. ولكن قوله: {حتى يَأْتِيَكَ اليقين} يبينه، وهذا مثل قوله: {وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة مَا دُمْتُ حَيّاً} [مريم: 31] أي: أبداً ولو لم يقل: {مَا دُمْتُ حَيّاً} لكان بصلاة واحدة وزكاة مرة يؤدي ما وصاه به.
النحل
تفسير سورة النحل سورة النحل مكية قال ابن عباس: هي مكية إلا ثلاث آيات نزلت بين مكة والمدينة، حين رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحد، وقد قتل حمزة، وقد مثل به، فقال النبي [- صلى الله عليه وسلم -] "لأمثلن بثلاثين منهم". وقال المسلمون: "لنمثلن بهم". فأنزل الله (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ [بِهِ]) [126]، إلى آخر السورة.
1
[ويقال لسورة النحل سورة النعم لكثرة ما نبه الله فيها على نعمه , وعدد ما فيها من منته على خلقه] قوله [تعالى] {أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ}. ومعنى أتى أمر الله: يأتي. ولا يحسبن عند سيبويه في أخبار الناس وما يجري بينهم: فَعَل بمعنى يَفعل إلا في الشرط. وقيل: إنما أتى بالماضي لأنه أمر سيكون لا بد منه، فأتى فيه بالماضي الذي قد كان في موضع ما سيكون. وقيل: إنما جاء كذلك لأنهم استبعدوا ما وعدهم الله من عذاب، فأتى
بالماضي في موضع المستقبل لقربه من الإتيان، ولصدق المخبر به. وقد قال الضحاك: {أَمْرُ الله}: فرائضه وحدوده وأحكامه. وقيل: هو وعيد من الله لأهل الشرك على ما تقدم. قال ابن جريج: لما نزلت {أتى أَمْرُ الله} الآية، قال رجل من المنافقين بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن أمر الله قد أتى فامسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر ما هو كائن. فلما رأوا أنه لا ينزل شيئاً، قالوا: ما نراه ينزل شيئاً، فنزلت [الآية]: {اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} [الأنبياء: 1] الآية. فقالوا: إن هذا يزعم مثلها أيضاً. فلما رأوا ألاّ ينزل شيئاً، قالوا: ما نراه ينزل شيئاً فنزلت {[وَ] لَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ [لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ]} [هود: 8] الآية. وروي عن اضحاك {أتى أَمْرُ الله} يعني القرآن: أي أتى بفرائضه
وحدوده وأحكامه، وهو القول الأول عنه. وقيل: أمر الله نصر النبي عليه السلام. وقيل هو يوم القيامة. وقال الزجاج: {أَمْرُ الله} ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم بمنزلة قوله: {حتى [إِذَا جَآءَ] أَمْرُنَا وَفَارَ التنور} [هود: 40] وقوله: {أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً} [يونس: 24]. ومعناه: أنهم استبطأوا العذاب فأخبرهم الله بقربه. ويدل على أنه وعيد وتهدد للمشركين قوله بعد: {سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ}. وأمر الله قديم غير محدث وغير مخلوق، بدلالة قوله: {أَلاَ لَهُ الخلق والأمر} [الأعراف: 54] فالأمر غير الخلق. وبدلالة قوله: {لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} [الروم: 4] أي: من قبل كل ئيء ومن بعد كل شيء، فهو/ غير محدث. وأمره صفة له هو كلامه غير مخلوق.
2
وقيل معنى: {أتى أَمْرُ الله} أي أتت أشراط الساعة، وما يدل على قرب القايمة. وقيل: هو قيام الساعة. وقيل: هو جواب لقولهم بمكة: {[فَأَمْطِرْ] عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء} [الأنفال: 32] الآية. قال [تعالى]: {سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ}. من قرأ: {يُشْرِكُونَ} بالتاء جعل الاستعجال للمشركين. ومن قرأ بالياء جعل الاستعجال لأصحاب محمد A. قال تعالى: {يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ}. أي: ينزل الملائكة بالوحي من أمره {على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي: عليه السلام على المرسلين بأن ينذروا العباد بأن لا إله إلا أنا.
وقيل: " من " بمعنى الباء. أي: بالروح [بأمره]، أي بالوحي بأمره. فالباء متعلقة بينزل. وقال قتادة: المعنى ينزل الملائكة بالرحمة والوحي من أمره على من اختار من خلقه لرسالته لينذر الناس. لينذر [ب] أن لا إله إلا الله فاعبدوه. وقال الربيع بن أنس: كل شيء تكلم به ربنا فهو روح منه، ومنه قوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا}. وعن ابن عباس، أيضاً أنه قال: الروح خلق من خلق الله، وأمر من أمره صوره على صورة آدم لا ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد منهم. وقال الحسن: {بالروح}: بالنبوة. وقال الزجاج: الروح ما كان فيه من أمر الله حياة للقلوب، بالإرشاد، إلى
3
أمر الله [ D] . { فاتقون}. أي: فأطيعوا أمري، واجتنبوا معصيتي. ووقع الإنذار في هذا الموضع في غير موضعه. وأصله أن يقع تنبيهاً وتحذيراً مما يخاف منه. وضده البشرى. وليس لا إله إلا الله مما يخاف منه ويحذر. ولكن في الكلام معنى النهي عما كانوا عليه من عبادة غير الله [سبحانه]، فحسن الاتيان به مع ما لا يخاف منه، ولا يحذر. ودل على ذلك قوله: {فاتقون} وقوله بعد ذلك: {عَمَّا يُشْرِكُونَ}. قال تعالى: {خَلَقَ السماوات والأرض بالحق}.
4
أي: من خلق هذا وابتدعه، فلا تصلح الألوهيم إلا له. ومعنى {بالحق}: بالعدل، أي: للعدل. وقيل: {بالحق} بقوله: كن فكانتا {بالحق}. فالحق كناية عن قوله: " كن ". والقول الأول أبين. أي: خلق الإنسان من ماء مهين، وصوره ونقله من حال إلى حال، وأخرجه إلى ضياء الدنيا وغذاه ورزقه وقواه. حتى إذا استوى، كفر بخالقه وجحد نعمته وعبد ما لا يضره و [ما] لا ينفعه وخاصم الله [سبحانه] في قدرته [جلت عظمته]، فقال: {مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] ونسي خلقه، وانتقاله من ماء إلى علقة إلى مضغة إلى عظم إلى تصوير إلى خروج إلى الدنيا، وضعف إلى قوة [وضعف] بعد قوة.
5
ومعنى {مُّبِينٌ} أي: مبين عن خصومته بمنطقه، ومجادل بلسانه. والإنسان هنا جميع الناس. وقيل: عني به أبي بن خلف، ثم هو عام ف [ي [من كان مثله. قوله: {والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ}. فالمعنى: وخلق الأنعام لكم فيها ما يدفئكم، أي ما يمنع عنكم ضر البرد، وضر الحر. لأن ما يستر من الحر يستر من البرد. وذلك ما ينتفع به من الأصواف والأوبار والأشعار. ثم جعل لكم فيها منافع، يعني من ألبانها، وركوبها، وأكل لحومها، والانتفاع بنسلها. وعن ابن عباس: الدفء نسل كل دابة. فهذا كله حجة على الخلق احتج عليهم بنعمته عندهم ولطفه بهم. قال ابن عباس: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} يعني الثياب.
6
قال تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ}. أي: تتجملون بها إذا وردت بالعشي من مسارحها إلى مراحها التي تأوي إليها. {وَحِينَ تَسْرَحُونَ} أي: وتتجملون بها حين تسرح بالغدو ومن مراحها إلى مسارحها. قال قتادة: أعجب ما تكون النعم إذا راحت عظاماً ضروعها، طوالاً أسمنتها. يعني: إذا رجعت من مرعاها. قال تعالى: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس}. أي: تحمل لكم هذه الأنعام أثقالكم إلى بلد بعيد لا تبلغو [نه] إلا بجهد شديد ومشقة عظيمة لو وكلتم [إلى] أنفسكم، قاله: مجاهد. وقيل الأثقال يراد بها في هذا الموضع الأبدان بدلالة قوله: {وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا} [الزلزلة: 2] أي: ما فيها من الموتى. ومنه سمي الجن والإنس
الثقلان. وروى المسيِّبي عن نافع " بشَقَ " بفتح الشين، وبه قرأ أبو جعفر. وهو مصدر. ومن كسر جعله اسماً. وقيل معنى الكسر: إلا بنقص من القوة، أي ذهاب شق منها، أي: ذهاب نصفها. {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}:
8
أي: لذو رأفة بكم وذو رحمة، ومن رحمته خلقه الأنعام لكم لمنافعكم ومصالحكم، وخلقه السماوات والأرض، وغير ذلك مما يقوم به أمركم فليس يجب الشكر والحمد إلا له. قال تعالى: {والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا [وَ] زِينَةً} أي: وخلق لكم أيضاً هذه، نعمة بعد نعمة وفضلاً بعد فضل. وبهذه الآية يحتج من منع أكل لحوم الخيل لأنه تعالى ذكر ما يؤكل أولاً، وهي الأنعام، ثم ذكر ما يركب ولا يؤكل وهي الخيل وما بعدها. وأجاز جماعة أكل لحوم الخيل ورووا فيها أحاديث وآثار. واحتجوا بأنه لا دليل من لفظ الآية على تحريمها وإن قوله: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام: 145]
الآية، يدل [على] تحليلها. والذين [ر] ووا تحريمها، رووا في ذلك أحاديث عن النبي عليه السلام في النهي عن أكلها. فيكون تركها كلها عندهم بالسنة وبدليل هذه الآية. وقوله {وَزِينَةً}. [أي: وللزينة. فهو] مفعول لأجله. وقيل: المعنى وجعلها زينة، فهو مفعول به. وقرأ أبو عياض: " لتركبوها زينة " بغير واو.
ثم قال تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. أي يخلق مع خلقه لهذه الأشياء {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وهو ما أعد الله لأهل الجنة في الجنة، ولأهل النار في النار، مما لا تراه عين ولا خطر على قلب بشر. وعن ابن عباس أنه قال: خلق الله ألف أمة، منها ست مائة في البحر، وأربع مائة في البر، فليس شيء في البر إلا وفي البحر مثله، وفضل البحر بمائتين. وعن وهب بن منبه أنه قال: إن لله ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا منها عالم واحد. وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في الجنان. وما الخلق كله في قبضة الله [ D] إلا كخردلة في كف أحدكم. وعن وهب أيضاً، يرفعه إلى النبي عليه السلام، أنه قال: " إن لله [ D] ثمانية
[عشر] [ألف] عالم، الدنيا منها عالم واحد، وإن لله في الدنيا ألف أمة سوى الانس والجن والشياطين، أربع مائة في البر، وست مائة في البحر ". وقد قال بعض المفسرين: إن هذا [هو] تأويل {الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} [الفاتحة: 2] فجمع العالم لكثرة ذلك، وقد قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر: 31]. وروي أنه: نهر عن يمين العرش من نور السماوات السبع والأرضين السبع والبحار السبع، يدخل فيه جبريل عليه السلام كل سحر فيغتسل فيزداد نوراً إلى نوره، وجمالاً إلى جماله، وعظماً إلى عظمه. ثم ينتفض فيخلق الله جلّ ذكره من كل نقطة تقع منه كذا وكذا ألف ملك. يدخل منهم كل يوم سبت المعمور سبعون ألفاً، وسبعون ألفاً في الكعبة ثم لا يعودون إليه أبداً إلى أن تقوم الساعة. تصديقه: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر: 31].
9
وقال السدي: هو خلق السوس في الثياب. والأحسن في هذه الآية: كونها على العموم، أن الله يخلق الأشياء لا يعلمها ولا يعرفها [أحد] وأنه هو العالم بها وحده لا إله إلا هو. قال تعالى: {وعلى الله قَصْدُ السبيل}. أي: وعلى الله تبيين الطريق المستقيم إليه بالحجج والبراهين. فالسبيل الطريق، والقصد الاستقامة. وقيل معناه: رجوعكم ومصيركم [إلي] كما قال: {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} {إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد} [الفجر: 14]. والقول الأول: أحسن لدلالة قوله: {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} أي: من السب [ي] ل ما
هو جائر عن الحق. والسبيل هنا جمع [في المعنى بدلالة قوله: {وَمِنْهَا جَآئِرٌ}] فدخول " مِن " يدل على أن السبيل جمع. أي: من السب [ي] ل سبيل جائر. أي: غير قاصد للحق. يعني ما خالف دين الإسلام من الأديان. قال ابن عباس: قصد السبيل: تبين الهدى من الضلالة. وقال مجاهد: هو طريق الحق إلى الله. قال قتادة: {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} أي: ومن السبيل، سبيل الشيطان. وقال الضحاك: يعني السبيل التي تفرقت عن سبيل الله [سبحانه]. وقال ابن زيد: جائر عن الحق. والجائر في اللغة: العادل عن الحق.
10
وفي قراءة عبد الله: {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} ورواية عن علي أيضاً، ويقويها: {وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} معناه: ولو شاء [الله] للطف بكم بتوفيقه فكنتم تهتدون إلى طريقه المستقيم. ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء، لا معقب لأمره ومشيئته. وقال الزجاج: معناه. لو شاء لأنزل آية يضطر الخلق [بها] إلى الإيمان به. قوله: / {هُوَ الذي أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ}. والمعنى: الذي أنعم عليكم بالنعم المتقدم ذكرها، هو الذل أنزل من السماء ماء تشربون منه وأنعامكم، وينبت لكم به الشجر ويسقي به النبات والزرع وجميع الثمار. والمعنى: لكم منه شراب وسقي شجر. وفي ذلك الشجر تسيمون أي: ترعون أنعامكم. ومن قيل للمواشي المطلقة: السائمة، أي: الراعية. وهو من
11
السومة. وهي العلامة. لأنها إذا رعت أثرت في الأرض. وقيل السوم في البيع مأخوذ من السائمة لأن كل واحد من المتابعين يقول ما شاء عند السوم، كما أن الأنعام ترعى حيث شاءت. فكل هذا تنبيه على نعمه علينا وفضله لدينا وحجة على من عبد غيره. قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. أي: [إن] في هذه النعم التي وصفت لدلالة واضحة وعلامة بينة على قدرة الله [سبحانه]، وتوحيده [جلّ وعزّ] لقوم يعتبرون مواعظ الله [جلت عظمته] ويتذكرون حججه تعالى. قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اليل والنهار والشمس والقمر} الآية. أي: وأنعم عليكم أيضاً مع النعم المتقدمة، بهذه الأشياء. فسخرها لكم،
13
يتعاقب عليكم الليل والنهار والشمس والقمر لمصالحكم وقوام أموركم. إن في ذلك لدلالات واضحات لقوم يعقلون حجج الله [سبحانه] ويفهمون تنبيهه [تعالى] إياهم. قال تعالى: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرض مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ}. أي: وسخّر [لكم] ما خلق في الأرض مختلفاً ألوانه. قال قتادة: يعني: ما خلق من الدواب، والأشجار والثمار. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}. أي: يتذكرون قدرة الله ونعمه عليهم فلا يشكرون إلا إياه. قوله: {وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً}. المعنى: وهو الذي سخر لكم البحر المالح والعذب، مع ما تقدم من النعم
المذكورة، سخره لكم لتأكلوا من صيده لحماً طرياً ولتستخرجوا منه حلية تلبسونها: اللؤلؤ والمرجان من المالح خاصة. ثم قال: {وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ}. قال الحسن: يعني: مواخر مشحونة. وقال عكرمة: ما أخذ عن يمين السفينة ويسارها من الماء فهو المواخر. قال مجاهد: تمخر السفن الرياح. وعن الحسن، أيضاً: {مَوَاخِرَ} جواري. وقيل معنى {مَوَاخِرَ} معترضة تجري. وعن قتادة: مواخر تجر [ي] بريح واحدة مقبلة ومدبرة. والمخر في اللغة: الشق. يقال: مخرت السفينة الماء، أي شقته ولها صوت أي عند هبوب الريح. ومخر الأرض أيضاً هو شق الماء إياها. وقيل: مواخر مُلَجِّجَة
15
في داخل البحر. ثم قال تعالى: {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ}. أي: لتتصرفوا فيه لطلب معايشكم في التجارة. قال مجاهد: هي تجارة البر والبحر. {[وَ] لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: تشكرون ربكم [ D] على هذه النعم التي أنعم عليكم بها. قال تعالى: {وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ}. أي: ومن نعمه/ أيضاً أن ألقى في الأرض رواسي، لئلا تميد بكم الأرض، وقد كانت تميد قبل كون الجبال على ظهرها. والراسي: الثابت. والرواسي: جمع راسية. يقال: رست، ترسو، إذا ثبتت. والمرسى اسم المكان. [و] قال قيس بن عباد: إن الله جلّ ذكره لما خلق الأرض جعلت تمور،
فقالت الملائكة: ما هذه بمقرة على ظهرها أحداً فأصبحت ضحى وفيها رواسيها. وقال علي بن أبي طالب [عليه السلام]: لما خلق الله الأرض قَمَصت، وقالت: أي رب، أتجعل عليّ بني آدم يعملون عليَّ الخطايا ويجعلون [عليَّ] الخبث. فأرسى الله [ D] فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون. ثم قال تعالى: {وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً}. أي: وجعل لكم أنهاراً وسبلاً. ولا يحسن حمله على " ألقى " لأنه لا يقال: ألقى الله الأنهار والسبل ولكن حمل على المعنى. لأن معنى {وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ} جعل فيها رواسي، فعطف {وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً} على هذا المعنى.
16
والسبل: الطرق. ليسلكوا فيها في حوائجهم وأسفارهم. ولو عماها عليكم لهلكتم حيرة وضلالة. [و] {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي: تهتدون إلى المواضع التي تريدون الوصول إليها فلا تضلون ولا تتحيرون. قال ابن عباس: العلامات معالم الطرق بالنهار {وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ} يعني: بالليل. وقال مجاهد: هي النجوم منها ما يكون علامات ومنها ما يهتدون به.
17
وقال قتادة: خلق الله [ D] هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها تهتدون بها، وجعلها رجوماً للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك، سفه رأية، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. [و] قال الكلبي: [{وَعَلامَاتٍ}] يعني: الجبال. والنجوم عند الفراء: الجدي والفرقدان. وغيره من العلماء يقول: النجم هنا بمعنى النجوم. قال [تعالى] ذكره: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ}. أي: الله الخالق لهذِهِ الأشياء كلها الذي قد عددها وقدم ذكرها، الرازق لكم ولها، كالأوثان التي لا تخلق ولا ترزق.
ومعنى الآية التقريع والتوبيخ للمشركين الذين عبدوا ما لا ينفع ولا يضر وهي الأوثان والأصنام. {أَفَلا تَذَكَّرُونَ}. أي: تذكرون ما يتلى عليكم من النعم والقدرة والسلطان و [أن] الله هو المنفرد بذلك، لا يقدر عليه غيره فيدعوكم ذلك إلى عبادة الله [ D] ، وترك عبادة الأوثان، وتعرفوا خطأ ما أنتم عليه من عبادتكم إياها، وإقراركم لها بالألوهية، كل هذا تنبيه وتوبيخ لهم لتقوم عليهم الحجة. وقوله: {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ}. يريد به الوثن، وهو لا يعقل فرقعت له " من ". وإنما ذلك لأن العرب إذا أخبرت عمن لا يعقل بفعل من يعقل أجرت لفظه كلفظ من يعقل. فلما أنزلوا الأوثان في العبادة لها منزلة من يعقل، أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل. ومنها قوله {وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي} [النور: 45] / فأتى بمن، لما أخبر عنها بالمشي كما أخبر عمن يعقل، وكذا تفعل
18
العرب: إذا خلطت من يعقل بمن لا يعقل غلبت من يعقل. وحكي عن العرب: " اشتبه عليَّ الراكب وحمله، فما أدري مَنْ ذا مِنْ ذا ". قال تعالى {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ}. أي: إن تعدوا نعم الله لا تطيقوا إذاً شكرها. إن الله لغفور لما كان منكم من تقصير في أداء الشكر على نعمه عندكم، رحيم بكم أن يعذبكم بعد الإنابة إليه والتوبة. والنعمة هنا بمعنى الجمع دَلَّ عليه قوله: {تَعُدُّواْ} والعدد لا يكون إلا في كثرة. المعنى: أنه تعالى نبه الخلق على معرفته بسرهم وضمائرهم وعلى نيتهم وأنه مَحَّصَ ذلك كله، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. قال: {والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله}.
21
يعني: أوثانهم التي يعبدونها {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً} وهي مخلوقة، فكيف يعبد من لا يضر ولا ينفع ومن هو مخلوق مصنوع. قال: {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ}. يعني: أوثانهم، أي لا أرواح لها. ثم قال: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}. أي: وما يشعر [هؤلاء الأوثان متى يبعث] المشركون. وقيل الضميران للمشركين، أي: وما يشعر المشركون متى يبعثون. وقوله: {أَيَّانَ} في موضع نصب. وهو مبني لأنه فيه معنى الاستفهام، ولذلك لم يعمل فيه ما قبله.
ثم قال تعالى: {إلهكم إله وَاحِدٌ}. معناه: معبودكم الذي يستحق العبادة واحد، {فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم} أي: منكرة ما يقص عليهم من قدرة الله [ D] وتوحيده [سبحانه] وهم مستكبرون عنه. ثم قال تعالى: {لاَ جَرَمَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}. معناه: لا محالة ولا بد أن الله يعلم، وقيل معناه: حق أن الله يعلم سرهم وعلانيتهم، قال أبو إسحاق: و " لا " رد لفعلهم. وقوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين}. أي: المستكبرين عليه أن يوحدوه ويكفروا بما دونه من الأصنام والأوثان.
24
وكان الحسن بن علي Bهما يجلس إلى المساكين ثم يقول {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين}. ورويَ عن النبي A [ أنه] قال " من سجد لله سجدة فقد برئ من الكفر ". " ما " رفع بالابتداء و " ذا " بمعنى: الذي، خبر ل " ما " و " أساطير " رفع على إضمار مبتدأ، أي: هو أساطير الأولين. والمعنى: وإذا قيل لهؤلاء الذين لا يؤمنون من المشركين ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: الذي أنزله هو ما سطره الأولون من قبلنا من الأباطيل. قال قتادة: أساطير الأولين أحاديث الأولين وأباطيلهم. قال: ذلك قوم من مشركي العرب كانوا يقعدون بطريق من يأتي نبي الله A فإذا مر أحد من
25
المؤمنين يريد النبي A قالوا لهم أساطير الأولين/ أي: أحاديثهم. قال ابن عباس: نزلت في النضر بن الحارث، وكان من شياطين قريش، وكان ممن يؤذي رسول الله A. روي أنه خرج إلى الحيرة فاشترى أخبار العجم وأحاديث كليلة، وكان يقرؤها على قريش، ويقول: ما يقرأ محمد على أصحابه إلا أساطير الأولين. قال [تعالى]: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} الآية. هذه اللام في " ليحملوا " يجوز أن تكون لام الأمر، ويكون معنى الكلام التهدد والوعيد، ويجوز أن تكون لام كي فتتعلق بما قبلها. ومعناها: أنهم يحملون ذنوب أنفسهم وذنوب من أضلوا وصدوا عن الإيمان بغير علم من غير أن ينقص من ذنوب من أضلوا شيء. ومثله قوله:
{وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13]. وقد قال النبي عليه السلام: " أيما داع دعا ضلالة فاتبع، كان عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، وأيما داع دعا إلى هدى غاتبع، فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء ". وقال زيد بن أسلم: بلغني، أنه يمثل للكافر عمله في صورة أقبح ما خلق الله [ D] وجهاً وأنتنه ريحاً، فيجلس إلى جنبه، كلما أفزعه شيء زاده فزعاً، وكلما تخوف شيئاً زاده خوفاً. فيقول: بئس الصاحب أنت [ومن أنت]؟ فيقول: وما تعرفني؟ فيقول: لا. فيقول: أنا عملك كان قبيحاً فكذلك تراني قبيحاً، وكان منتناً فلذلك تراني منتناً. فتطأطأ لي حتى أركبك، فطال ما ركبتني في دار الدنيا، فيركبه. وهو قوله: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة}.
26
قوله: {قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد} إلى قوله {فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين}. المعنى: قد مكر الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين: يعني الذين أرادوا الارتقاء إلى السماء بالنسرين لحرب من فيها. وقد مضى ذكر ذلك في إبراهيم أنّه نمرود بن كنعان تجبر إذ ملك الأرض. قال مجاهد: ملك الأرض، شرقها وغربها، أربعة: مؤمنان وكافران. فالمؤمنان: ذو القرنين وسليمان، والكافران نمرود بن كنعان وبختنصر، وقيل هو نخ تنِصْرٍ. ونذكرها هنا قول السدي في ذلك وما روى فيه، قال السدي: أمر الذي حاج إبراهيم في ربه بإبراهيم، فأخرج من مدينته، فلما خرج لقي لوطاً على باب المدينة فدعاه فآمن به، وقال: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي} [العنكبوت: 26] وحلف نمرود ليطلبن إله إبراهيم. فذهب فأخذ أربعة أفراخ من النسور، فرباها باللحم والخمر، حتى إذا كبرن، وغلظن، واستعجلن، قرنهن بتابوت، وقعد في ذلك التابوت. ثم رفع رجلاً من
لحم لهن، فطرن به حتى ذهبن في السماء. فأشرف ينظر إلى الأرض. فرأى الجبال تدب كدبيب النمل. ثم رفع لهن اللحم، ثم نظر فرأى الأرض محيطاً بها بحر كأنها فلكه في ماء. ثم رفع طويلاً فوقع في ظلمة / فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته. ففزع فألقى اللحم / فاتبعه منقضات. فلما نظرت الجبال إليهن وقد أقبلن منقضات وتسمعن حفيفهن، فزعت الجبال وكادت أن تزول من أمكنتها، ولم تزل. وذلك قوله {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال} [إبراهيم: 46]. وكان إذا طرن به من بيت المقدس ووقوعهن به على جبل الدخان، فلما رأى أنه لا يطيق شيئاً أخذ في بنيان الصرح. فبنى حتى أسند به إلى السماء، وارتقى فوقه ينظر بزعمه إلى إله إبراهيم فأحدث ولم يكن وقت حدثه. وأخذ الله بنيانه من القواعد
{فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: من مأمنهم. فلما سقط تبلبلت ألسن الناس يومئذٍ من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً فلذلك سميت بابل وإنما كان لسان الناس قبل بالسريانية. قال ابن عباس في: {فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد} وهو نمرود حين بنى الصرح. قال زيد بن أسلم: أول جبار كان في الأرض نمرود فبعث الله بعوضة فدخلت منخره فمكث أربع مائة سنة [يضرب رأسه بالمطارق وأرحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه بالمطارق، وكان جباراً أربع ماشة سنة] فعذبه الله [ D] في الدنيا أربع مائة سنة كملكه. ثم أماته الله [ D] وهو الذي بنى صرحاً. وهو
الذي أتى الله بنيانه من القواعد. وقيل: معنى {فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد} استأصلهم بالهلاك. وقيل: هو مثل لأعمالهم التي أحبطها الله. كأن [أعمالهم] التي عملوها حبطت بمنزلة [بناء] سقط من قواعده. ومعنى: {فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد} أي: أتى أمر الله بنيانهم. ومعنى {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ}: خرت عليهم [أعالي البيوت] فهلكوا. وقال ابن عباس: معناه أتاهم العذاب من السماء. ومعنى {مِن فَوْقِهِمْ}: توكيد أنهم تحته، لأنه قد يقال: سقط على منزل كذا، إذا كان يملكه. فقال {مِن فَوْقِهِمْ} ليزول
هذا المعنى منه. وروي أن نمرود بن كنعان بنى بناء ليصل به السماء فبعث الله ريحاً فهدمته، ويقال: إن من يومئذٍ لم تدع الريح بناء على وجه الأرض يكون ارتفاعه أكثر من ثمانين ذراعاً إلا هدمته. ثم قال [تعالى]: {ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ}. أي: ثم يذلهم يوم القيامة مع ما فعل بهم في الدنيا. ويقول لهم: {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ} الذين زعمتم في الدنيا أنهم شركائي فما لهم لا ينقذونكم من العذاب. وقال ابن عباس {كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ}: تخالفون فيهم. وقيل معناه: تحاربون. وأصله من شاققت فلاناً، إذا فعل كل واحد منهما بصاحبه ما يشق عليه.
ثم قال تعالى: {قَالَ الذين أُوتُواْ العلم إِنَّ الخزي اليوم} أي: الذل والهوان {عَلَى الكافرين * الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [أي]: وهم على كفرهم. وقيل: عنى بذلك من قتل ببدر من قريش. وقد أخرج إليها كرهاً، قاله: عكرمة. ثم قال / {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سواء} أي: قالوا ما كنا نعمل من سوء. وأخبر الله [ D] عنهم: أنهم كذبوا، وقالوا: ما كنا نعصي الله في الدنيا، فكذبهم الله، وقال: {بلى إِنَّ الله عَلِيمٌ} أي: بلى عملتم السوء، إن الله عليم بعملكم. ومعنى: {فَأَلْقَوُاْ السلم} أي: الاستسلام لأمر الله [ D] لما عاينوا الموت. وقيل معناه: ألقوا الصلح لأنه قد تقدم ذكر المشاقة، وبإزاء المشاقة - وهي العداوة - الصلح. ثم قال [تعالى] {فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} أي: طبقاتها ماكثين فيها.
30
{فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين} أي: بئس منزل من تكبر على الله سبحانه، ولم يقر بالوحدانية. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " الكبر أن يسفه الحق ويغمط الخلق ". قوله: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً} إلى قوله {يَسْتَهْزِئُونَ}. قوله: {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} ما: في موضع نصب. قالوا: وهي مع " ذا " اسم واحد في موضع نصب. {قَالُواْ خَيْراً} أي: قالوا أنزل خيراً. والمعنى: وقيل لأهل الإيمان والتقوى: ماذا أنزل ربكم؟ قالوا خيراً. ثم بينوا الخير ما هو فقالوا: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ} ويجوز حسنة في غير القرآن بالنصب على معنى أنزل للذين أحسنوا حسنة. ثم قال: {وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ}.
أي: خير من الأولى {وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين} دار الآخرة. ثم بين دار المتقين ما هي، فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} أي: بساتين إقامة. فجنات: مرفوعة على الابتداء {يَدْخُلُونَهَا} الخبر. ويجوز رفعها على إضمار مبتدأ. أي: هي جنات عدن، و {يَدْخُلُونَهَا} حال. ثم قال: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} أي: من تحت أشجارها. {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ}. أي ما تشتهيه أنفسهم. {كَذَلِكَ يَجْزِي الله المتقين}. أي: كما جزى الله هؤلاء الذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة، كذلك يجزي الله من اتقاه فآمن به وأدى فرائضه واجتنب معاصيه. ثم بيّن المتقين فقال {الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة طَيِّبِينَ}. أي: تقبض الملائكة أرواحهن طيبين، لتطييب الله إياها. {يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادخلوا} أي: تقول لهم الملائكة: سلام عليكم صيروا إلى الجنة وهذه بشارة من الله للمؤمنين.
وروى أنس بن مالك وتميم الداري عن النبي A أنه قال: " يقول الله لملك الموت: انطلق إلى عبدي إذا جاز أجله فاتني به. فلأريحنه من الدنيا، فإني قد ضربته بالبأساء والضراء فيها فوجدته حيث أُحِبْ. فينطلق ملك الموت، ومعه خمس مائة من الملائكة، يحملون معه كفناً، وخيوطاً من الجنة، وضبائر الريحان، أصل الريحانة واحد وفي رأسها عشرون لوناً، لكل لون من ذلك ريح طيبة سوى ريح أصحابها، والحرير الأبيض، فيه المسك الأذفر. فيجلس ملك الموت عند رأسه ويحتويه الملائكة. فيضع كل ملك منهم يده على عضو من أعضائه ويبسطون/ ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر تحت ذقنه. فإن نفسه لتعلل عند ذلك بطرف الجنة مرة، وبأزواجها مرة وبسكوتها مرة، وبثمارها [مرة] كما يعلل الصبي أهله إذا بكى. وإن روحه ليهش عند ذلك هشاً. قال: يقول: ينزو نزواً ليخرج يقول ملك الموت لنفسه: أخرجي أيتها النفس الطيبة إلى سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود وماء
مسكوب. فلملك الموت أشد به ألطافاً من الوالدة بولدها. يعرف أن ذلك الروح حبيب لربه [ D] فهو يلتمس بلطف حبيب ربه [ D] رضاء الرب [سبحانه]. فيسل روحه كما تسل الشعرة من العجين. قال الله [ D] : { الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادخلوا الجنة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ". قال محمد بن كعب القرظي: إذا استنقعت نفس المؤمن، يعني في صدره، جاء ملك الموت، فقال: السلام عليك ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، ثم نزع بهذه الآية. وهو معنى قوله: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 58]. قال البراء [بن عازب]: يسلم عليهم ملك الموت. وعن ابن عباس في قوله: {فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين} [الواقعة: 91] قال: الملائكة
يأتونه بالسلام من قبل الله [ D] وتخبره أنه من أصحاب اليمين. وقوله {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: بعملكم في الدنيا وطاعتكم لله [ D] . ثم قال [تعالى]: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الملائكة أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ}. أي: هل ينظر هؤلاء المشركون إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم وبما وعدوا به من العذاب. أو يأتي أمر ربك لحشرهم [لموقف] يوم القيامة. وقيل: أو يأتي أمر ربك بالعذاب والقتل في الدنيا. {كَذَلِكَ فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ} أي: كما فعل هؤلاء من انتظارهم الملائكة لقبض أرواحهم وإتيان أمر الله [ D] إليهم بالعذاب كما فعل أسلافهم من الكفار بالله فجاءهم ما كانوا ينتظرون {وَمَا ظَلَمَهُمُ الله} في إحلال العذاب بهم
35
{ولكن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بمعصيتهم لأمر الله وكفرهم به. قال مجاهد: أن تأتيهم الملائكة من عند الموت ويأتي أمر ربك يوم القيامة. ثم قال تعالى: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ}. أي: أصاب هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من الأمم الماضية عقاب ذنوبهم ونقم معاصيهم {وَحَاقَ بِهِم} أي: وحل بهم العذاب الذين كانوا به يستهزؤون ويسخرون إذا أنذرتهم الرسل. [و] قوله: {وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ}. معناه: وقال الذين عبدوا مع الله [سبحانه] غيره من الأوثان والأصنام من قريش وغيرهم، قد Bافي عبادتنا ما عبدنا. لأنه لو شاء، ما عبدناها، ولو شاء ما حرمنا البحائر والسوائب، وما بقينا على ما نحن عليه، إلا لأن الله [ D] قد رضي ذلك. ولو لم يرض عنا لغير ذلك ببعض عقوباته ولهدانا إلى غيره / من الأفعال. قال الله [ D] { كذلك فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم المشركة
فاستن هؤلاء بسنتهم وسلكوا سبيلهم في تكذيب الرسل. {فَهَلْ عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ المبين}. أي: البلاغ الظاهر المعنى المفهوم عند الرسل إليه. وهذا القول الذي قالوه إنما قالوه على طريق الهزء والاستخفاف. كما قال قوم شعيب عليه السلام له: {إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد} [هود: 87] على طريق الهزء. ولو قالوه على طريق الجد لكانوا مؤمنين. وكذلك، لو قال قائل مذنب على طريق الجد: لو شاء الله ما أذنبت، ولو شاء الله ما قتلت النفس، لم يكن بذلك كافراً ولا منقوصاً، وكان كلامه حسناً.
36
وإنما قبح [كلام] أولئك وكان كفراً لأنهم قالوه على طريق الهزء لا على طريق الجد. وقد اتفقت الأمة أن الله لو شاء ألا يعبد غيره لم يكن إلا ذلك. ولكنه تبارك وتعالى وفق من أحب إلى ما يرضيه بتوفيقه، وأضل من أحب ضلاله بخذلانه له. ثم قال [تعالى] {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعبدوا الله}. أي: بعثنا إلى كل أمة تقدمت وسلفت [رسولاً] بأن يعبدوا الله ويخلصوا له العبادة، ويبعدوا من طاعة الطاغوت، وهو الشيطان، ويحذروه أن يغويهم ويصدهم عن سبيل الله [ D] فمنهم من هدى الله، ففعل ما أمر به، وذلك
37
بتوفيق الله [ D] له. ومنهم من حقت عليه الضلالة فضل ولم يؤمن وذلك خذلان الله [سبحانه] له. {فَسِيرُواْ فِي الأرض}. فسيروا يا مشركي قريش في الأرض التي [كان] يسكنها الأمم قبلكم، إن كنتم غير مصدقين لما يتلى عليكم من هلاك الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل. فانظروا آثارهم وديارهم واتعظوا وارجعوا إلى الإيمان بما جاءكم به رسولكم واحذروا أن ينزل بكم ما نزل بهم. ثم قال [تعالى]: {إِن تَحْرِصْ على هُدَاهُمْ}. أي: إن تحرص يا محمد على هدى هؤلاء المشركين من قومك، فإن من أضله الله منهم فلا هادي له {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} أي: ليس لهم ناصر ينصرهم من الله [ D]
إذا أراد عقوبتهم. وفي قراءة أُبَيّ " فإن الله لا هادي لمن أضل " وقرأ ابن مسعود: " فإن الله لا يهدي من يُضل " بضم الياء من (يضل) فكسر الدال والضاد. وقرأ الكوفيون: " لا يهد [ي] " بفتح الياء. وقرأ الحرميان والشامي والبصري " لا يُهْدَى " بضم الياء وفتح الدال. ومعنى قراءة نافع ومن تابعه: من أضله فلا هادي له. ومعنى قراءة الكوفيين: فإن الله لا يهدي من أضله، أي: من أضله الله لا يهديه، أي: من سبق في
38
علمه له الضلالة فإنه لا يهديه الله. وفيها معنى آخر وهو: فإن الله [لا] يهتدي من أضله: أي: من أضله الله لا يهتدي. حكى الفراء أنه يقال: هدَّى يهدِّي بمعنى اهتدى يهتدي. قوله {وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}. معناه: وحلف هؤلاء / المشركون من قريش بالله جهد حلفهم لا يبعث [الله] من يموت بعد موته، وكذبوا في أيمانهم {بلى} سيبعث الله من يموت بعد مماته. {وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً} أي: وعد عباده ذلك، والله لا يخلف الميعاد {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} أي: أكثر قريش لا يعلمون أن الله يبعث الموتى بعد موتهم. وتأول قوم من أهل البدع أن علياً Bهـ يبعث قبل يوم القيامة بهذه الآية، فسئل عن ذلك ابن عباس، فقال: كذب أولئك، إنما هذه الآية للناس عامة، ولعمري لو كان
علي مبعوثاً قبل يوم القيامة ما أنكحنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه. قال أبو العالية: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه وكان مما تكلم به المسلم أن قال: والذي أرجوه بعد الموت أنه لكذا. فقال المشرك: تزعم أنك تبعث بعد الموت؟ فأقسم بالله جهد [يمينه لا يبعث الله من يموت. فأنزل الله D { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} الآية. وقال أبو هريرة: قال الله D: " يسبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني. وكذبني، ولم يكن ينبغي له أن يكذبني. فأما تكذيبه إياي: فقسمه بالله جهد يمينه لا يبعث الله من يموت. فقلت {بلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً}. وأما سبه إياي: فقال {إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} [المائدة: 73] وقلت: {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] [إلى آخر] السورة ".
39
قال تعالى: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ}. هذه اللام: متعلقة بالبعث المضمر بعد " بلى ". والمعنى: بلى يبعثهم الله ليبين لهم اختلافهم. وقيل: هي متعلقة بـ " بعثنا " من قوله {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} ليبين لهم اختلافهم وأنهم كانوا من قبل الرسول على ضلالة، وليعلم الذين جحدوا بعث الأموات من قريش أنهم كانوا كاذبين في قولهم {لاَ يَبْعَثُ [الله] مَن يَمُوتُ}. وقال قتادة {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} يعني: الناس عامة. والذي يختلفون فيه هو البعث: منهم من يقربه ومنهم من ينكره. معناه: إنما قولنا لشيء مراد، قلنا له كن فيكون. وهذا إنما هو مخاطبة للعباد بما يعقلون، وإلا فما أراده تعالى فهو كائن على كل حال، على ما راده من الإسراع. لو أراد، تعالى ذكره خلق الدنيا والسماوات والأرض وما بين ذلك في قدر لمح البصر، لقدر على ذلك. ولكن خوطب العباد بما يعقلون فأعلمهم بسهولة خلق الأشياء عليه وأنه متى أراد الشيء كان. وإذا قال [له] كن [ف] كان، أي: فيكون على حسب الإرادة
وليس هذا الشيء المذكور موجوداً قبل أن يقول له كن. وإنما المعنى: إذا أردنا الشيء قلنا من أجله كن أيها الشيء فيكون على قدر / الإرادة لأن المشركين أنكروا البعث فأخبرهم الله بقدرته على حدوث الأشياء. وهذا يدل على أن المعدوم يسمى شيئاً، لأنه قد سماه شيئاً قبل حدوثه. ومثله {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} [الإنسان: 1] فأما قوله: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: 9] فمعنا [هـ] لم تك شيئاً مذكوراً ولا موجوداً. ومن إنكارهم البعث قوله: {وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم} [الواقعة: 46] أي: كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون. وتحقيق الآية أنه أعلمهم أنه أراد أن يبعث من مات فلا تعب عليه في ذلك لأنه إنما يقول له كن: فيكون ما يريد بلا معاناة ولا كلفة. ومن رفع " فيكون " فعلى القطع، أي: فهو يكون. نصبه عطفه على " أن
41
نقول " أي: أن يقول فيكون. ولا يجوز النصب على [ال] جواب ل " كن " لأنه خبر وليس بأمر. قوله: {والذين هَاجَرُواْ فِي الله}. المعنى: والذين فارقوا دورهم وأوطانهم عداوة للمشركين في الله [ D] من بعد ما ظلمهم المشركون وأوذوا في ذات الله [سبحانه]. {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ}. أي: لنسكنهم في الدنيا مسكناً صالحاً يرضونه. وهم أصحاب النبي A.
ظلمهم أهل مكة وأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طوائف منهم بالحبشة ثم بوأهم الله [ D] المدينة بعد ذلك، فجعلها لهم دار هجرة وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين، قال ذلك قتادة وابن عباس. وقال الضحاك: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَةً} هو النصر والفتح. {وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ} الجنة. فالآية: فيمن هاجر من المسلمين من مكة إلى أرض الحبشة. ليست الهجرة في هذا الموضع: الهجرة إلى المدينة، لأن هذا أنزل بمكة إلى أرض الحبشة. قال الشعبي: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدنيا [حَسَنَةً]} المدينة، وقال ابن
[أبي] نجيح: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَةً} أي: لنرزقهم في الدنيا رزقاً حسناً. وكان عمر Bهـ إذا أعطى لرجل من المهاجرين عطاء يقول: بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله [ D] في الدنيا، وما أخّر لك في الآخرة أفضل ثم يتلوه هذه الآية: {والذين هَاجَرُواْ فِي الله}. وقال الضحاك: الحسنة: النصر والفتح. وقال مجاهد: الحسنة: هنا لسان صدق. ومعنى بوأت فلاناً منزلاً: أحللته فيه. ومنه قوله: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} [يونس: 93].
وقيل: إن هذه الآية نزلت في أبي جندل بن سهل. ثم قال تعالى: {وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ}. أي: ولثواب الآخرة على الهجرة، أكبر من ثواب الدنيا. وقيل: الحسنة هنا، كونهم مؤمنين وسماعهم ثناء الله [ D] عليهم. وقيل: إن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين عذبهم المشركون على إيمانهم وأخذوا أموالهم، منهم: صهيب وبلال. وذلك أن صهيباً قال للمشركين: أنا رجل / كبير 'ن كنت معكم ام أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضرَّ بكم. فخذوا مالي ودعوني. فأعطاهم ماله وهاجر إلى النبي عليه السلام. فقال له أبو بكر: ربح البيع يا صهيب. وقال عمر [Bهـ]: نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه. أي: لو أمن عذاب الله [سبحانه] لما ترك الطاعة ولا جنح إلى المعصية.
43
ثم بيَّن الله هؤلاء القوم فقال: {الذين صَبَرُواْ} في الله على ما نالهم في الدنيا من الكفار. {وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي: به يثقون في أمورهم. قال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ}. وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلى أمة من الأمم بالدعاء إلى توحيد الله وقبول أمر الله [سبحانه] إلا رجالاً من بني آدم وليسوا بملائكة، ولم يرسل إلى قومك إلا مثل من أرسل إلى من كان قبلكم من الأمم. ثم قال تعالى: {فاسألوا أَهْلَ الذكر}. أي: فاسألوا يا قريش أهل الذكر: يعني الذين قرؤوا التوراة والإنجيل. قال
الأعمش: هم من آمن من أهل التوراة والإنجيل. أي فاسألوهم فيخبرونكم أن الرسل التي تقدمت إلى الأمم أنهم كانوا رجالاً من بني آدم. وقال ابن عباس: فاسألوهم هل ذكر محمد [ A] في التوراة والإنجيل. يعني: سألوا من آمن من قبلهم عن ذلك. وقال ابن زيد: أهل الذكر أهل القرآن. يعني: من آمن بمحمد [ A] وبما جاء به. وقال أبو إسحاق: معناه: فاسألوا كل من يذكر بعلم، وافق هذه الملة أو خالفها. قال ابن عباس: لما بعث الله محمداً عليه السلام رسولاً، أنكرت العرب ذلك. وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً. فأنزل الله [ D] { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ} [يونس: 2] الآية، وأنزل: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً}.
44
ثم قال [تعالى] {بالبينات والزبر}. أي: بالدلالة الواضحة، والزبر الكتب. جمع زبور. مأخوذ من زبرت الكتاب إذا كتبته. الباء من {بالبينات} متعلقة بفعل مضمر. التقدير: أرسلناهم بالبينات ودل " أرسلنا " الأول على هذا المحذوف. وقال قوم: الباء متعلقة بأرسلنا المذكور. وأجازوا تقدم الإيجاب على أن تكون " إلا " بمعنى: " غير ". فأجازوا: ما ضرب إلا أخوك عمراً، وما كلم إلا أبوك بكراً، على معنى: " غير "، وعلى ذلك أنشدوا: ابني لُبَيْنَى لَسْتُم بيد ... إلا يد ليست لها عضد
أنشدوه بخفض يد بعد " إلا " على مهنى " غير يد ". ولا يحسن أن تكون " إلا " هنا بغير معنى: " غير " لأنه يفسد الكلام، إذ الذي خفض اليد قبل " إلا " لا يمكن إعادته بعد " إلا "، ومنه قول الله [ D] : { لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله [لَفَسَدَتَا]} [الأنبياء: 22] أي: غير الله. ومن لا يجيز هذا، ينشد البيت بالنصب " إلا يدا " على البدل من موضع بيد. ويجوز عندهم: ما ضرب إلا أخوك عمراً على كلامين كأنه قال ضرب عمر [و]. ثم قال تعالى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر} [أي القرآن] {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} أي
45
لتعرفهم: {مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}، من ذلك يعني. من الفرائض / والأحكام والحدود {[وَ] لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أي: يطيعون، قاله مجاهد. وقيل معنى ذلك: لعلهم يعتبرون [م] اأنزلناه. قوله: {أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُواْ السيئات}. والمعنى أفأمن الذين ظلموا المؤمنين من أصحاب النبي عليه السلام، وقالوا في القرآن: هو أساطير الأولين {أَن يَخْسِفَ الله بِهِمُ الأرض} كما فعل بقوم لوط، أو يأتيهم العذاب من حيث يأمنوا كما أتى نمرود بن كنعان وقومه. {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ}. أي أو يهلكهم في تصرفهم في البلاد في أسفارهم، قاله: ابن عباس وقتادة. وقال ابن جريج: {فِي تَقَلُّبِهِمْ} بالليل والنهار. {أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ}.
أي: أو يهلكهم الله بتخوف. وذلك نقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يهلك جميعهم. وقال الزجاج معناه: أو يأخذهم بعد أن يخوفهم بأن يهلك قرية فتخاف التي تليها. وقال الضحاك: معناه أو أخذ طائفة وادع طائفة فتخاف الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها. وقال ابن عباس ومجاهد {على تَخَوُّفٍ} على تنقص. أي ينقص من أموالهم وزروعهم حتى يهلكهم. وروى مالك أن عمر بن الخطاب Bهـ قرأ هذه الآية فقال: ما التخوف؟ فأقام بذلك أياماً، فأتاه غلام من أعراب قيس فقال: يا أمير المؤمنين أراني يتخوفني مالي: فقال له عمر: كيف يتخوفك مالك؟ فقال ينتقصني مالي. فقال عمر {أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ} على تنقص. وقيل معنى: {على تَخَوُّفٍ} أي: يأخذهم بالهلاك
فيخوف بهم غيرهم ليتعظوا، وهوقوله الضحاك. وقال الليث: {على تَخَوُّفٍ} على عجل. ويروى عن عمر [Bهـ] أنه [قال] ما كنت أدري ما معنى {على تَخَوُّفٍ} حتى سمعت قول الشاعر: تَخَوَّفَ السَّيْرُ مِنْهَا تَامِكاً قَرِداً ... كَمَا تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفِنُ
48
يصف ناقته أن السير نقص سنامها بعد تمكنه. ثم قال تعالى: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}. أي: رؤوف أن آخر هؤلاء الذين مكروا السيئات فلم يعجل لهم بالعقوبة، رحيم بعباده، إذ لم يعجل عقوبتهم، وجعل لهم فسحة في التوبة. قال {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ} الآية: أي: أولم ير هؤلاء الذين مكروا السيئات إلى ما خلق الله من جسم قائم شجراً أو جبالاً أو غير ذلك {يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ} أي: يرجع من موضع إلى موضع [و] يكون في أول النهار على حال، ثم يعود إلى حال آخر في آخر النهار. قال قتادة: أما اليمين فأول النهار، والشمال: آخر النهار. وقال ابن جريج: اليمين والشمال الغدو والآصال، فإذا فاءت الظلال سجدت لله بالغدو والآصال. قال الضحاك: سجد ظل المؤمن طوعاً. وقال
الضحاك إذا فاء الفيء توجه كل شيء ساجداً قبل القبلة من نبت أو شجر، قال مجاهد إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله [ D] . وعن مجاهد: أن السجود في / هذا الموضع سجود الظلال دون التي لها الظلال. وعن ابن عباس أنه قال: الكافر يسجد لغير الله [سبحانه] وظله يسجد لله [ D] . أي ينقاد دليلاً على دبره الله [ D] عليه. فتحقيق المعنى في هذه الآية: أن ظلال الأشياء هي التي تسجد، وسجودها: ميلانها ودورانها من جانب إلى جانب. يقال سجدت النخلة إذا مالت. وسجد البعير، وأسجد، إذا طؤطئ ليركب. ومن هذا قيل لمن وضع جبهته في الأرض ساجد، لأنه تطامن. وقد يستعار السجود في موضع الاستسلام والطاعة والذل، كما
49
يستعار التطامن والتطأطأ فيوضعان موضع الخضوع والانقياد فيقال: تطامن للحق وتطأطأ أي: انقاد وخضع. فأما قوله: {عَنِ اليمين} فوحّد {والشمآئل} فجمع: فإن " اليمين " وإن كان موحداً، فإنه في موضع جمع ومعناه. وقيل: إنه رد " اليمين " على لفظ " ما " ورد " الشمائل " على المعنى، كما قال: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} [يونس: 42] فرد على المعنى، ثم قال {وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ} [يونس: 43] فرده على اللفظ. وهذا كثير. وقال الزجاج: معنى " ظله " ها هنا جسمه الذي يكون له الظل. فالمعنى: أن جسمه ولحمه وعظامه منقادات لله [ D] دالة عليه، عليها الخضوع والذل. قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض مِن دَآبَّةٍ والملائكة}.
50
المعنى: ولله يسجد ما في السماوات من الملائكة وما في الأرض من دابة ومن الملائكة. إلا أنه حمل " والملائكة " من الاعراب على " ما " لأنها ساجدة. ومعناها تخضع وتذل وتستسلم لأمر الله {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} أي لا يستكبرون عن التذلل [لله D] . ودخلت " من " لأن معنى " دابة " الجمع، أي: من الدواب. وقيل دخلت لما في " ما " من الإبهام فأشبهت الشرط. والشرط تدخل " من " فيه تقول: من ضربك من رجل فاضربه. قال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ}. أي يخاف هؤلاء الملائكة التي في السموات والأرض والدواب ربهم أن يعذبهم إن عصوا أمره. {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} أي: يطيعونه فيما أمرهم به. قال أبو إسحاق: معناه يخافون ربهم خوف مطيعين مجلين له، لا يجاوزون أمره. قوله: {وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين} إلى قوله (فسوف تعلمون) [51 - 55].
52
المعنى: قال الله لا تتخذوا لي شريكاً فلا تعبدوا معبودين {إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ} أي: معبود واحد، وأنا ذلك المعبود. {فَإيَّايَ فارهبون}. أي فاتقون وخافون. أمرهم الله [ D] بذلك لأنهم قالوا في الأصنام: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى} [الزمر: 3] فأعلمهم أنه: لا يجوز أن يعبد غيره. وقوله: " اثنين " تأكيد. كما قال: {إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ} فأكده بواحد. وقيل / التقدير: اثنين إلهَين. فلما لم يتعرف معنى اثنين لعمومها في كل شيء بين بإلهين، وإذا تقدم إلهين لم يحتج إلى اثنين، لخصوص اللفظ بالألوهية. قال تعالى: {وَلَهُ مَا فِي السماوات والأرض}.
أي: له ملك ما فيهما لا شريك له في ذلك. {وَلَهُ الدين وَاصِباً} أي: له الطاعة والإخلاص دائماً. قال: ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك. ومنه قوله: {عَذابٌ وَاصِبٌ} [الصافات: 9] أي دائم، والوصوب الدوام. وعن ابن عباس أيضاً: الواصب: الواجب. قال مجاهد: الدين هنا: الإخلاص. ثم قال تعالى: {فَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ}. أي: ترهبون وتخافون أن يسلبكم نعمة الله عليكم إذا أفردتم العبادة لله [سبحانه]. وقال الزجاج: معناه: أفغير الذي أبان لكم أنه واحد، وأنه خالق كل شيء تخافون.
53
قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله}. التقدير: وما حل بكم من نعمة فمن الله هي. وقال الفراء: التقدير: وما [يكن] بكم من نعمة. وقال قوم: " ما " بمعنى: الذي، فلا يحتاج إلى إضمار فعل. ودخلت الفاء في الخبر للإبهام الذي في " ما ". ومعنى الآية ما أعطاكم الله [سبحانه] من مال وصحة جسم وولد فهو من فضله، لا من فضل غيره. {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}. أي: إذا مسكم في أبدانكم ضر وشدة، فإلى الله تصرخون بالدعاء، وبه تستغيثون في كشف ذلك [عنكم]. يقال: جأر، إذا رفع صوته شديداً من جوع
54
أو غيره، والأصوات مبنية على فُعَال وعلى فَعِيل نحو الصراخ والخوار والبكاء. ونحو العويل والزفير، والفعال أكثر. أي ثم إذا وهبكم العافية وفرج عنكم إذا جماعة منكم يشركون بربهم. أي: يجعلون له أنداداً يعبدونها ويذبحون لها الذبائح شكراً لغير من أنعم عليهم بالفرج. {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ}. ليجحدوا بما أتاهم الله [ D] من نعمته، التي فرج عنهم بها.
56
{فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}. هذا وعيد وتهدد من الله [ D] لهؤلاء الذين تقدم وصفهم، أي: فتمتعوا في هذه الحياة الدنيا إلى أن توافيكم آجالكم وتلقون ربكم. قال الزجاج: و {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [النحل: 54] هذا خاص لمن كفر. قوله: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ [نَصِيباً]}. المعنى: ويجعل هؤلاء المشركون لما لا يعلمون، أنه لا يضرهم ولا ينفعهم نصيباً مما رزقهم الله، يعني: لأوثانهم. قال قتادة: هم مشركو العرب جعلوا لأوثانهم نصيباً وجزءاً مما رزقهم الله من أموالهم. وقيل: يعلمون الآلهة التي كانوا يعبدونها، وهي " ما " فيعلمون ردها على معنى " ما ". / وأتى بالواو والنون لأنهم كانوا قد أجروها مجرى من يعقل في
جعلهم لها نصيباً من [م [زروعهم. فمفعول " يعلم " محذوف. تقديره: ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام التي لا تعلم شيئاً نصيباً. وعلى القول الأول " يعلمون " للكفار. وفيه ضميرهم، أي: هؤلاء الكفار يجعلون نصيباً للأصنام التي يعلم الكفار أنها لا تنفع ولا تضر. ومثله في الأخبار عن الأصنام بالواو والنون قوله: {وتراهم يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} [الأعراف: 198] فالنظر للأصنام. وقيل للكفار وقد تقدم شرحه. وقال ابن زيد: جعلوا لآلهتهم نصيباً من الحرث والأنعام يسمون عليها [أ] سماءها ويذبحون عليها. وهو قوله تعالى في الأنعام عنهم: {بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَآئِنَا} [الأنعام: 136]. ثم قال تعالى: {تالله لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ}. أي: والله يا أيها المشركون لتسئلن يوم القيامة عما كنتم تختلفون في الدنيا علي
57
من الكذب فتعاقبون على ذلك. قال الزجاج: معناه لتسئلن توبيخ حتى تعترفوا به على أنفسكم وتلزموها الحجة. قال تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات سُبْحَانَهُ} أي: ومن جهل هؤلاء المشركين، وافترائهم على ربهم [سبحانه] أنهم يجعلون له البنات ولا ينبغي أن يكون له ولد لا ذكر ولا أنثى {سُبْحَانَهُ} أي تنزيهاً له عما يقولون. ثم قال [تعالى]: {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ}. أي: أضافوا إليه ما يكرهون، فما كفاهم ما أضافوه إليه من الولد حتى جعلوا له ما لا يرضونه لأنفسهم وما يقتلونه إذا أتاهم، فأضافوا إليه ما يكرهون لأنفسهم وهن البنات، وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون وهم البنون. قال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً}.
أي: وإذا بشر أحد هؤلاء المشركين بولادة ما قد أضافه إلى الله [سبحانه] ظل وجهه مسوداً كراهية لذلك {وَهُوَ كَظِيمٌ} أي: قد كظمه الحزن وامتلأ غماً بولادتها وهو لا يظهر ذلك. والكظيم الذي يخفي غيظه ولا يشكو ما به، وهو فعيل بمعنى فاعل، كعليم. قيل الذي حسب في نفسه وعظمه هو ما فسره بعد ذلك من قوله: {أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التراب} فهذا عظم في نفسه. وقيل معنى: {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً} أي: ظل كئيباً مغموماً بذلك. والعرب تقول لكل مغموم قد تغير لونه من الغم، واسودّ وجهه: كظيم. وقال قتادة أخبرهم الله [ D] بخبيث أعمالهم، فأما المؤمنون فراضون بما
قسم الله [ D] لهم. قال ابن عباس: الكظيم الحزين. وقال الضحاك: هو الكمد. ثم قال تعالى: {يتوارى مِنَ القوم مِن سواء مَا بُشِّرَ بِهِ}. أي: يستتر هذا المبشر / بالأنثى من القوم فيغيب عن أبصارهم من سوء ما بشر به عنده. رويَ أن [ال] رجل كان في الجاهلية يتوارى إذا حضر وقت الولادة أو قبله فإن ولد له ذكر سر به وظهر، وإن كانت أنثى استتر وربما وأدها، أي دفنها حية، وربما أمسكها على كراهية وهوان. وهو قوله: {أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التراب}. ثم قال [تعالى]: {أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ}. أي: بئس الحكم حكمهم، يجعلون لله ما لا يرضون لأنفسهم، وما لا يجوز
أن يكون له ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون. والهون والهوان في لغة قريش. وبعض [بني] تميم يجعل الهون مصدراً للشيء الهين. وقرأ عاصم الجحدري " أم يدسها ورده على الأنثى. وكان يلزمه أن يقرأ: {أَيُمْسِكُهُ}. وقرأ عيسى بن عمر " أيمسكها على هوان " وقرأ الأعمش: " أيمسكه على سوء ".
60
قال تعالى {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة مَثَلُ السوء}. والمعنى: للذين لا يصدقون بالآخرة المثل السوء، وهو القبيح، وهو ما يسوء من ضرب له. {وَلِلَّهِ المثل الأعلى}. [أي]: الأفضل والأكمل والأحسن وهو التوحيد. قال قتادة: {وَلِلَّهِ المثل الأعلى} شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: [هو] الواحد الصمد الحليم الفرد العزيز الذي لم يلد ولم يولد. {وَهُوَ العزيز}. أي: ذو العزة الذي لا يمتنع عليه معها عقوبة هؤلاء وغيرهم ممن يريد عقوبته على عصيانهم. {الحكيم} في تدبيره، فلا يدخل تدبير [هـ] خلل ولا خطأ.
61
وقيل هي كلمة الوحدانية وصفتها أحد، صمد، فرد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً، أحد. قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ}. أي: لو أخذ الله عصاة بني آدم لمعاصيهم، ما ترك على الأرض أحداً ممن [يدب] {ولكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى} أي: إلى وقتهم الذي كتب لهم ووقت. فإذا جاء ذلك الأجل الذي وقت لهلاكهم، لم يستأخروا عن الهلاك ساعة ولم يستقدموا ساعة قبله. قال بعضهم: كاد الجُعَل أن يعذب بذنب بني آدم وقرأ: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ} الآية. وسمع أبو هريرة رجلاً يقول: أن الظالم لا يضر إلا بنفسه. فالتفت إليه أبو هريرة فقال: بلى والله، إن الحبارى لتموت في
62
وكرها هزالاً بظلم الظالم. وقال ابن مسعود: خطيئة ابن آدم قتلت الجعل. قوله {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ}. قوله: {أَلْسِنَتُهُمُ} جمع لسان على لغة من ذكره. ويجمع إلى ألسن على لغة من أنثه. ولو سميت بالسن لم ينصرف في المعرفة خاصة للتعريف ولأنه على وزن الفعل إذا قلت: أنا أخرج وأنا أدخل، ولو سميت بالسنة لم تنصرف على كل حال. ومعنى الآية: ويجعل هؤلاء المشركون لله ما يكرهون لأنفسهم. وذلك جعلهم له البنات وهم يكرهونها {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب أَنَّ لَهُمُ الحسنى} أي الجنة: أي: يكذبون فيدعون أن لهم الجنة. {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار}. أي: وجب أن لهم النار، وقال مجاهد: {أَنَّ لَهُمُ الحسنى} هو: قول كفار قريش لنا البنون / ولله البنات. وقال قتادة: الحسنى هنا الغلمان.
وقرأ بعض الشاميين " ألسنتُهم الكُذْب " بالرفع، جعله نعتاً للألسنة، وبناه على فُعُل جعله جمع كذوب " وأن " عند قطرب في موضع رفع بجرم لأنه بمعنى: وجب أن لهم. وعند غيره في موضع نصب بجرم لأنه بمعنى كسب، أي: كسب لهم ذلك أن لهم النار، وما بعدها رد لما قبلها، وقد تقدم ذكره {لاَ جَرَمَ} في سورة هود بأشيع من هذا. وقال ابن عباس {لاَ جَرَمَ} معناه: بلى أن لهم. وقيل: واجباً أن لهم. وقوله: {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ}.
من قرأ بفتح الراء، فمعناه عند الحسن: معجلون إلى النار. وقال ابن جبير، منسيون فيها، متركون فيها. قال مجاهد: منسيون. وفي الحديث " أنا فَرْطُكُم على الحوض " [أي] متقدمكم إليه حتى تردوا علي. وأفرطته أقدمته. وقال أبو عبيدة والكسائي معناه: متركون في النار. فأما من قرأ بكسر الراء فمعناه: مبالغون في الإساءة. يقال: أفرط فلان على فلان إذا أربى عليه وبالغه في الشر.
63
وقرا أبو جعفر " مفرِّطون "، بالتشديد وكسر الراء ومعناه: مضيعون ما ينفعهم في الآخرة. وتصديقه قوله: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله} [الزمر: 56]. قال تعالى: {تالله لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ}. أي: والله يا محمد لقد أرسلنا رسلاً من قبلك إلى أممها بمثل ما أرسلناك به إلى أمتك {فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ} أي: حسنها لهم حتى كذبوا الرسل. {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم}. أي: والشيطان وليهم، أي: ناصرهم اليوم في الدنيا. ولهم في الآخرة عذاب أليم. وقيل: إنه يقال لهم: هذا الذي أطعتموه فاسألوه حتى يخلصكم [تبكيتاً
64
لهم و] تأنيباً وتوبيخاً لهم. فيكون قوله: {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم} إشارة إلى يوم القيامة. وهذا كله تعزية للنبي [ A] وتصبير له إذا كذبه قومه، فأعلمه الله [ D] أنه قد فعل ذلك بمن أرسل قبله فيتأسى النبي [ A] بذلك ويزداد صبراً. قال تعالى ذكره {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الذي اختلفوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً}. أي: وما أنزلنا عليكم الكتاب يا محمد وجعلناك رسولاً إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه من دين الله [ D] فتعرفهم الصواب منه من الباطل والهدى والرحمة. فهدى ورحمة مفعولان من أجلهما. قال تعالى: {والله أَنْزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَآ}. أي: والله أنزل من السماء مطراً فأحيى به الأرض الميتة وهي التي لا نبات فيها
66
وحياتها بكون النبات فيها. وهذا كله تنبيه من الله [ D] لخلقه على صنعه ولطفه ونعمه وإلا لا يفعل ذلك غيره وأن من كان مفرداً / باختراع هذه الأشياء لا تصلح العبادة إلا له لا إله إلا هو، وفيه إشارة على إحياء الموتى كما أحيى الأرض بعد موتها. ثم قال: {إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}. أي: [إن] في أحياء الأرض بالنبات بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها لعلامة ودليلاً على توحيد الله [ D] ، وإحياء الموتى لقوم يسمعون هذا القول فيتدبرونه. قوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ}. قوله: {نُّسْقِيكُمْ} مَنْ ضَمَّ النون، أو فَتَح، فهما لغتان عند أبي
عبيدة. وقال الخليل وسيبويه: سقيته ناولته، وأسقيته جعلت له سقياً. وقوله: {مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} يذهب سيبويه أن العرب تخبر عن الأنعام بخير الواحد. وقال [الكسائي معناه نسقيكم مما في بطون ما ذكرنا. فذكر على ذلك. وقال] الفراء: الأنعام والنعم واحد فرجع هنا إلى تذكير النعم. وحكى عن العرب: هذا نعم وارد. وقال أبو عبيدة: معناه نسقيكم مما في بطون أيها كان [ذا] لبن لأنها ليست كلها لها [لبن]. وعن الكسائي أن التذكير على البعض أي نسقيكم مما في
بطون بعض الأنعام. وقيل: المعنى: أن التذكير إنما جيء به لأنه راجع على ذكر النعم، لأن اللبن للذكر منسوب. ولذلك قال النبي A: " اللبن للفحل " وبذلك يحكم أهل المدينة وغيرهم في حكم الرضاع. ومعنى الآية: وأن لكم لعظة في الأنعام التي نسقيكم مما في بطونها من بين فرث ودم. والفرث ما يكون في الكرش من غذائها. ويقال: أفرثت الكرش إذا أخرجت ما فيها. لبنا خالصاً: أي خلص من مخالطة الفرث والدم. والمعنى: أن الطعام يكون منه [ما] في الكرش، ويكون منه الدم، فيخلص اللبن من الدم.
ومعنى: {خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ} أي: يسوغ لمن شربه، ولا يغص به. وقيل: معناه: سهلاً لا يشجى به من شربه متساغ في الحلق لا يساحه [فيه] مرارة. وقيل: إنه لم يغص أحد باللبن قط. وهذه الآية تدل على فساد قول من يقول: أن المني إنما نجس لسلوكه مسلك البول [فهذا اللبن يسلك مسلك البول] وهو طاهر. وهذا إنما يصح على قول: من يرى أن أبوال الإبل والبقر والغنم غير طاهرة. ولا يلزم من قال: إن أبوالها
67
طاهرة. قال تعالى: {وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً}. معناه: ولكم أيضاً أيها الناس عبرة فيما نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب. و " ما " محذوفة من الكلام. والمعنى من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون. وإنما جاز الحذف لدلالة " من " عليها لأن " من " تقتضي التبعيض، فدلت على الاسم المبعض فحذف. وقال بعض البصريين التقدير: ومن ثمرات النخيل والأعناب شيء تتخذون، وحذف شيء لدلالة الهاء في " منه " عليه. فأما " السكر " [ف] قال / ابن عباس: " السكر " ما حرم الله [ D] من
شرابه، و " الرزق الحسن " ما أحل من ثمرته، يعني: الزبيب والتمر. وقال [به] ابن جبير ومجاهد. وقال الحسن: ذكر نعمته في السكر قبل تحريم الخمر. وقال قتادة: السكر خمور الأعاجم، والرزق الحسن مما تنتبذون وما تخللون وما تأكلون. وهذا منسوخ عند أكثر العلماء، وهو قول: مجاهد وابن جبير والشعبي. والذي عليه أهل النظر: إن هذا لا يجوز نسخه لأنه خبر، وليس بأمر فينسخ، وإنما نزلت هذه الآية قبل أن تحرم الخمر. أخبرنا الله [ D] أنهم يتخذون [به] ذلك. فلم يأمرنا بشربها، إنما هو خبر عما أنعم عليهم به وقد قال أبو عبيدة
68
السكر: الطعم يعني: الزبيب، والعنب، والثمر والرطب. وقال غيره السكر ما يسد الجوع مشتق من سكرت النهر إذا سددته. ثم قال تعالى: {إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. أي: إن في ما ذكر من النعم التي أنعمها عليهم لدلالة واضحة لقوم يعقلون عن الله [ D] حججه [و] يفهمون عنه [سبحانه] مواعظه [جلت عظمته]. قال تعالى: {وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً}. أي: ألهم ربك يا محمد النحل بأن تتخذ من الجبال بيوتاً {وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}.
69
يعني الكروم، وقيل: " يعرشون " يبنون من السقوف. {فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً}. أي: طرق ربك، {ذُلُلاً} أي: متذللة. وقال مجاهد: لا يتوعر عليها مكان سلكته. فيكون على هذا التأويل " ذللاً " حالاً من السبل، وعلى القول الأول: حالاً من الضمير في اسلكي، وهو قول: قتادة، لأنه قال: معناه: فاسلكي سبل ربك مطيعة. وقال ابن زيد: الذلول: الذي يقاد ويذهب به حيث أراد صاحبه، قال: فهم يخرجون بالنحل ينتجعون بها ويذهبون وهي بينهم. ثم قرأ: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} [يس: 71]. فيكون ذللاً على هذا
التأويل حالاً من النحل. واختار الطبري أن يكون حالاً من السبل لقربه منها. وقوله: {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ}، أي: منه أبيض وأحمر. وقوله: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ}. قال مجاهد: الهاء في فيه ل [ل] قرآن، وقال [به] الحسن والضحاك، أي: فيما قصصنا عليك من الآيات شفاء للناس، وقيل: الهاء عائدة على العسل، قال: قتادة. وقيل " للناس ": عام يراد به الخصوص. والمعنى: لبعض الناس، لمن قدر الله [ D] له أن يشفى بالعسل.
وقد روي عن النبي A في ذلك أخبار أنه العسل، وهو قول: ابن عباس. وقال: ابن مسعود: عليكم بالشفاءين فإن الله جعل في القرآن شفاء وفي العسل شفاء. وقال: " العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور " وكان ابن عمر لا يشكو قرحة، ولا شيئاً، إلا وجعل عليها العسل حتى الدمل إذا كان به طلاه بعسل، / فقيل له في ذلك فقال: أليس الله [ D] يقول: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ}. وروي أن عوف بن مالك الأشجعي مرض، فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال [نعم]: ايتوني بماء سماء فإن الله يقول: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السمآء مَآءً مباركا} [ق: 9]. وايتوني بزيت فإن الله يقول:
70
{مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} [النور: 35] فجاء بذلك، فخلطه جميعاً [ثم شربه] فبرئ. ثم قال [تعالى] {إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. أي: إن في إخراج العسل من أفواه النحل كما يخرج الريق من فم أحدكم على اختلاف مطاعمها ومراعيها إذ ترعى حامضاً ومراً وما لا طعم له، ثم تهتد [ي] إلى سلوك السبل وترجع إلى بيوتها، لدلالة وحجة لمن تفكر في ذلك فيعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن العبادة لا تكون إلا له، لا إله إلا هو. قوله: {والله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ}. أي: والله خلقكم أيها الناس فأوجدكم ولم تكونوا شيئاً، ثم يتوفاكم أي: يميتكم {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر}.
[أي]: ومنكم من يهرم فيصير إلى أرذل العمر، أي: إلى أرداه. وقيل: إنه يصير كذلك في خمس وسبعين سنة. قال علي بن أبي طالب [Bهـ]: أرذل العمر خمس وسبعون سنة. لكن المسلم إذا صار إلى أرذل العمر ازداد مع طول العمر عند الله كرامة وأجراً، كما قال [في] سورة والتين والزيتون: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] يعني: آدم خلقه في أحسن صورة، ثم قال: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 5] يعني: الكافر من ولد آدم ثم استثنى المؤمنين من ولد آدم فقال: {إِلاَّ الذينءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين: 6]. أي: غير مقطوع عنهم وذلك إذا ضعف الرجل المسلم عن الصلاة النافلة والصيام النافلة وما هو رضى
لله [ D] أجرى الله [سبحانه] عليه ثواب ذلك في كبره ولذلك قال: {أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين} [التين: 8] أي: إذا فعل ذلك بالمؤمنين فهو أعدل العادلين. ثم قال: {لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً}. أي: يرد إلى الهرم ليصير جاهلاً بعد أن كان عالماً. يعني: الخرف والخفة التي تدخل الشيوخ، وتحدث فيهم فيصيرون كالصبيان. فهذا تنبيه من الله D للخلق أن الله [سبحانه] نقلهم من جهل إلى علم. ثم من علم إلى جهل، ومن ضعف إلى قوة، ثم من قوة إلى ضعف. فهو يقدر على أن ينقلكم من حياة إلى موت ثم من [موت إلى] حياة، فكل ذلك بيده. ثم قال: {إِنَّ الله عَلِيمٌ قَدِيرٌ}. أي، أنه عليم [قدير] لا ينسى شيئاً ولا يتغير علمه بعلم ما كان وما يكون،
71
قدير على ما يشاء. قال تعالى: {والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِي الرزق}. أي: فضل بعضكم على بعض في الرزق الذي رزقكم في الدنيا فما الذين فضلهم الله [ D] على غيرهم في الرزق براد [ي] رزقهم على مماليكهم فيستوون فيه [هم] و/ مماليكهم، فهذا لا يرضونه لأنفسهم فيما رزقهم الله [ D] من المال والأزواج [وقد جعلوا] عبيد الله [سبحانه] شركاء في ملكه، فجعلوا له ما لا يرضونه لأنفسهم. هذا كله مثل ضربه الله [ D] لهم في عبادتهم الأصنام من دون الله [سبحانه]. فهو خطاب وتوبيخ وتقريع للمشركين. فالمعنى أنتم لا
يش [ر] ككم عبيدكم فيما أنعم الله به عليكم من المال ولا ترضون بذلك لأنفسكم فتكونون أنتم وعبيدكم في ذلك سواء، فكيف رضيتم بأن جعلتم لله [سبحانه] شركاء من خلقه، فعبدتم معه غيره؟ فإذا كنتم تأنفون من مساواة عبيدكم بكم فيما في أيديكم [من رزق الله] فكيف رضيتم لرب العالمين بمساواة خلقه له فعبدتموهم؟ وقيل: عنى بذلك الذين قالوا المسيح ابن الله من النصارى. ثم قال [تعالى] {أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ}. [أي]: يجحدون نعمة الله عليهم فيجعلون له شركاء من خلقه. قال ابن عباس في الآية: معناها: لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني، وهو معنى قول قتادة. وقيل: معنى الآية أن
72
من فضله الله [ D] في الرزق لا يشارك فيه مملوكه وهو بشر مثله، فكيف شركتم بين الله [ D] وبين الأصنام فجعلتم له نصيباً وللأصنام نصيباً؟ فلم يحسن عندكم أن تشاركوا عبيدكم [فيما رزقهم] [وأنتم] كلكم بشر ويحسن أن تشاركوا بين الله [سبحانه] والأصنام وليست كمثله، لأنها مخلوقة. فإذا نزهتم أنفسكم عن مشاركة عبيدكم فيما رزقهم الله [سبحانه] فالله [ D] أحق أن تنزهوه عن مشاركة الأصنام. قال تعالى: {والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً}، [أي]: والله خلق زوجة آدم من ضلعه، قاله: قتادة. وقيل معناه: جعل لكم من جنسكم أزواجاً. ثم قال: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً}.
قال ابن مسعود: الحفدة: الاختان. وهو قول ابن عباس وابن جبير. وعن ابن عباس: أنهم الأصهار. وقال محمد بن الحسن: الختن الزوج ومن كان من ذوي رحمه، والصهر من كان من قبل المرأة من الرجل. وقال ابن الأعربي ضد هذا القول في الأختان والأصهار. وقال [الأ] صمعي الختن من كان من الرجال من قبل المرأة والأصهار منهما جميعاً، وقيل: الحفدة أعوان الرجل
وخدمه. وروي عن ابن عباس أنه سئل عن الحفدة في الآية فقال: من أعانك فقد حفدك. [و] قال عكرمة: الحفدة الخدام. [و] عنه أيضاً الحفدة من خدمك من ولدك. وعن مجاهد أنه قال: الحفدة ابن الرجل وخادمه وأعوانه. وعن ابن عباس أيضاً هم ولد الرجل وولد ولده. وقال ابن زيد وغيره: هم ولد الرجل [و] الذين يخدمونه. وعن ابن عباس: أنه قال: هم بنو امرأة الرجل من غيره. والحفدة: جمع حافد كفاسق / وفسقة، والحافد في كلام العرب المتخفف في الخدمة والعمل ومنه قولهم، وإليك نسعى ونحفده، أي: نسرع في العمل بطاعتك.
ثم قال [تعالى] {وَرَزَقَكُم مِّنَ الطيبات}. أي: من خلال المعاش. {أفبالباطل يُؤْمِنُونَ}. أي: [أ] فبما يحرم عليهم الشيطان من البحائر والوصائل يصدق هؤلاء المشركون. وقيل معناه: أفبالأوثان والأصنام يؤمنون. {وَبِنِعْمَتِ الله هُمْ يَكْفُرُونَ}. أي: وبما أحل الله لهم من ذلك يكفرون، وأنعم عليهم بإحلاله لهم، هم يكفرون أي ينكرون تحليله ويسترونه.
73
قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً}: المعنى: ويعبد هؤلاء المشركون من دون الله [سبحانه]، أوثاناً لا يملكون لهم رزقاً " من السماوات " أي: لا تنزل مطراً لإحياء الأرض. " والأرض " أي: ولا تملك لهم أيضاً رزقاً من الأرض، لأنها لا تقدر على إخراج نباتها وثمارها لهم. {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ}. أي: لا تملك أوثانهم شيئاً من السماوات والأرض. و {رِزْقاً} نصب بيملك. و {شَيْئاً} نصب برزق. وكان أصله: رزق شيء كما يقول: ضرب زيد فلما فرق بينهما انتصب شيء لأنه مفعول به برزق. وهو مثل قول الشاعر:
74
فلم أنكل عن الضرب مسمعاً. ... كان أصله: عن ضرب مسمع، فلما [أ] دخل الألف واللام امتنعت الإضافة فانتصب المفعول به ومثله في التنوين: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً * أَحْيَآءً وأمواتا} [المرسلات: 25 - 26] كان أصله كفاتاً إحياء وأموات [أي جمع أحياء وأموات]. والكفت الجمع والضم، أي: تجمعهم وتضمهم على ظهرها أحياءً وفي بطنها أمواتاً فلما نون {كِفَاتاً} انتصب {أحْيَآء وأموات} على المفعول به، والعطف عليه، وله نظائر، وهو أصل من أصول العربية. وقد منع بعض البصريين أن يعمل " رزق " في " شيء " لأنه اسم، وليس بمصدر، وقال ينتصب " شيء " على البدل من " رزق ". قال [تعالى] {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال}. قال الضحاك، معناه: لا تعبدوا من دون الله ما لا ينفعكم، ولا يضركم، ولا يرزقكم. وقال ابن عباس: هو اتخاذكم الأصنام. يقول تعالى ذكره: لا تجعلوا معي
75
إلهاً غيري. وقيل معناه: لا تمثلوا الله [سبحانه] بخلقه فتقولوا: هو يحتاج إلى شريك ومشاور فإن هذا إنما يكون لمن لا يعلم ودل على هذا المعنى قوله [ D] : { إِنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}. وقيل معناه: لا تمثلوا خلق الله به، فتجعلوا له من العبادة مثل ما لله [سبحانه]. قال تعالى: {ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ} الآية. هذا مثل ضربه الله [ D] للكافر والمؤمن، قال قتادة: قوله: {عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ}، هذا مثل ضربه الله [ D] للكافر رزقه الله مالاً، فلم يقدر فيه على [خير]، ولم يعمل فيه بطاعة الله [ D] ثم قال [تعالى]: {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً}
فهذا للمؤمن أعطاه الله مالاً يعمل فيه بطاعته فأخذ فيه بالشكر ومعرفة الله [ D] ، فأثابه الله [سبحانه] على / ما رزقه [في] الجنة. ثم قال: {هَلْ يَسْتَوُونَ}. أي: هل يستوي هذان وهما بشران؟ فكيف سويتم أيها المشركون بين الله وبين الحجارة التي لا تعقل ولا تنفع ولا تضر. وقيل: " العبد المملوك " أبو جهل بن هشام، و {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً} أبو بكر الصديق Bهـ لا يستويان. وقيل: " العبد المملوك " الصبي لأنه عاجز مربوب {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً} مثل لله رب العالمين، لأنه يرزق المخلوقين ويلطف بهم من حيث [يعلمون ومن حيث] لا يعلمون، وهذا قول: مجاهد، قال مجاهد: هو مثل لله الخالق ومن يدعى
من دونه من الباطل. ثم ضرب لهم مثلاً آخر فقال: {وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ} وهو المطبق الذي لا ينطق ولا يسمع. {وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ} أي: على وليه {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل وَهُوَ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: هل يستوي القادر التام التمييز، والعاجز الذي لا يسمع ولا يتكلم ولا يأتي بخير؟ فهما لا يستويان عندكم لاختلاف أحوالهما، وهما بشران، فكيف سويتهم بين الله [سبحانه] والأحجار؟. وقال مجاهد والضحاك: هذا مثل لله [ D] ومن عبد من دونه. وقال
قتادة: هو للمؤمن والكافر. وقال ابن عباس: أنزلت هذه الآية: {ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ} في هشام بن عمر، وهو الذي لا ينفق، ومولاه أبو الجوزاء الذي كان ينهاه. وقوله: {[وَ] ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ} الأبكم منهما: الكل على مولاه أسيد بن أبي العاصي، والذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم عثمان بن عفان. وقيل: الأبكم يعني به أبي بن خلف هو كالأبكم إذ لا ينطق بخير، وهو كل على قومه كان يؤذيهم ويؤذي عثمان بن مظعون. {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل} يعني: حمزة بن عبد المطلب.
وقيل: هو مثل ضربه الله [ D] لنفسه والصنم المعبود من دونه وهو الأبكم والفاض هو مثل لله. وقيل الفاضل من الرجلين عثمان بن عفان رضي الله [عنه] والأبكم مولى له كافر، قال: ابن عباس. وقال مجاهد: الذي يأمر بالعدل، هو الله [ D] والأبكم ما يدعون / من دونه من الأصنام. قوله: {الحمد لِلَّهِ}. أي: الحمد الكامل لله دون من يدعا من دونه من الأوثان. قوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. أي: فعلهم فعل من لا يعلم، وإن كانوا يعلمون. وقيل معناه: أنهم لا يعلمون وعليهم أن يعلموا. وقيل إن قوله: {رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ} إنما هو مثل للصنم لا يسمع ولا ينطق.
{وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ} أي: كَلُّ على من يعبده ويلي أمره، يحتاج أن يخدمه ويحمله ويضعه. {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ}. أي: لا يفهم ما يقال له فيأتمر لمن أمره، ولا يأمر ولا ينهى. {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل}. أي: هل يستوي هذا الصنم، والله الواحد القهار الذي يدعو إلى التوحيد وهو على صراط مستقيم. قاله: قتادة. وقيل: هذا المثل أيضاً إنما هو للمؤمن والكافر. واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية أن العبد لا يملك. ومن جعل الآية مثلاً
77
لله [سبحانه] والصنم لم يكن فيها حجة [له] في العبد. قوله: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض}. المعنى: [لله] ما غاب عن أبصاركم في السماوات والأرض دون ما سواه. {وَمَآ أَمْرُ الساعة إِلاَّ [كَلَمْحِ] البصر}. أي: وما قيام الساعة، التي ينشر فيها الخلائق للبعث، إلا كنظرة من البصر، أو أقرب من نظرة. لأن ذلك إنما هو، أن يقال له: كن، فيكون. وهذا إنما هوصفة لسرعة القدرة على بعث الخلق وإحيائهم، كما يقال في تمثيل السرعة ما بين الشيء والشيء: ما بين الحر والقر إلا نومة، وما بين السنة والسنة إلا لحظة. فهذا يراد به السرعة. والمعنى: أن الساعة في مجيئها للوقت الذي لا مدفع له بمنزلة لمح البصر. ومثله
في القرب على التمثيل {سَيَعْلَمُونَ غَداً} [القمر: 26] فسمي يوم القيامة [غداً] على تمثيل القرب إذ لا مدفع له عن وقته. فالقيامة كغد لوقوعها لا محالة كوقوع غد. وقيل: إنها تقوم على الحقيقة في أقرب من لمح البصر، ودلأل] على ذلك قوله: {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} [الأعراف: 187]. وقيل معناه: وما أمر الساعة عندنا إلا كلمح البصر لا عندكم، كقوله: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} [الرعد: 5] أي: عجب عندكم وعند من سمعه لا عندي ويدل على هذا التأويل قوله: {يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً} [المعارج: 6 - 7]. ثم قال تعالى: {إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. أي: [إن] الله قدير على إقامة الساعة في أقرب من لمح البصر، وعلى ما يشاء لا يمتنع عليه شيء من الأشياء كلها.
78
قال [تعالى]: {والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً}. معناه: والله علمكم ما لم تكونوا تعلمون وأنتم في بطون أمهاتكم، ورزقكم عقولاً تفهمون بها الأشياء، وتميزون بين الخير والشر، وجعل لكم السمع لتسمعوا به أوامر الله، ونواهيه، ومواعظه، فتعلمون وتتعظون. وهذا يدل على أن الواو لا توجب رتبة لأنه ذكر جعله للسمع والبصر والفؤاد / بعد الخروج من البطن، وذلك لم يكن إلا في البطن. فالواو لا توجب رتبة، بل ما بعدها يكون قبل ما قبلها. لا يجوز إلا هذا بهذه الآية، ونظيرها كثير في القرآن يدل على أنها لا ترتب ما بعدها بعدما قبلها، بل قد يكون بعده وقبله. ويجوز أن يكون الباقي مبتدأ غير معطوف. والأبصار لتبصروا بها آياته ونعمه فتشكروا وتعلموا أن الله الخالق وحده لا إله إلا هو، والأفئدة ليفهموا بها، وهي القلوب.
79
{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. أي: فعل ذلك بكم لعلكم تشكرون نعمه عليكم. قال: {أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مسخرات فِي جَوِّ السمآء}. أي: ألم يَرَ هؤلاء المشركون إلى الطير، تطير في جو السماء أي: في هواء السماء وهو ما بَعُدَ من الأرض وأبعد منه من الأرض السكاك واحدها سكاكة. {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله}. أي: [ما طيرانهن إلا بالله] وبما أعطاهن من القدرة على ذلك ولو سلبهن القدرة لم يطرن. {إِنَّ فِي ذلك لأيات}. أي: إن في تسخير الله الطير في الهواء لعلامات على توحيد الله [ D] لقوم يؤمنون بالله [سبحانه]، قال قتادة: في جو السماء في كبد السماء.
80
قوله: {والله جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ [سَكَناً]}. [أي]: جعل لكم موضعاً تسكنون فيه أيام مقامكم. وقيل: معناه جعل لكم من بيوتكم ما تسكن إليه أنفسكم من ستر العورة والحرم فتهدأ فيه جوارحكم. {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأنعام} يعني: من جلود الإبل والبقر والغنم {بُيُوتاً} خفافاً عليكم تحملونها معكم في أسفاركم وهو: الظعن. وتنتفعون بها في إقامتكم، وهي: البيوت من الأنطاع والشعر والوبر والصوف. ثم قال: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً}. أي: جعل لكم من هذه الأشياء متاعاً.
وواحد الأثاث أثَاثَة، والأثاث متاع البيت. وقيل: لا واحد له. وعن ابن عباس: الأثاث: المال. وكذلك قال قتادة. وقيل الأثاث: الثياب. وهو متاع البيت عند أهل اللغة، كالأكسية والفرش، وهو مأخوذ من قولهم: شعر أثيث، إذا كان كثيراً ملتفاً. ويقال أث الشعر يئث أثاً إذا كثر والتف. وقد أث البيت يئث أثاً إذا صار ذا أثاث. فسمي متاع البيت أثاثاً لكثرته واجتماعه. والأصواف للضأن، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز. وقوله: {وَمَتَاعاً إلى حِينٍ}. أي: تتمتعون به وتنتفعون إلى آجالكم.
81
قال تعالى: {والله جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً}. يعني: الأشجار والجبال تستظلون بها من الحر والبرد والمطر وقيل: هو السحاب والغمام يظل الناس. {مِّنَ الجبال أَكْنَاناً}. أي: جعل لكم من الجبال والسهل، ولكن حذف السهل لدلالة الكلام عليه. {أَكْنَاناً} جمع: كن يعني غيرانا يسكن فيها. {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر} والبرد وحذف / البرد لدلالة الحر عليه. [كما قال أريد الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير] [عليه].
والسرابيل جمع سربال. والسربال كل ما لبسته من قميص ودرع وغيره، يعني: من القطن، والكتان والصوف. {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ}. يعني: الدروع من الحديد. والبأس هنا الحرب. والمعنى في هذا: خلق لكم ما تتخذون منه هذه السرابيل وأقدركم على عمله وألهمكم ذلك. فهذه كلها نعم من الله ينبه خلقه عليها ليشكروا الله على ذلك ويعلموا أنه المنفرد بخلق ذلك المدبر لمصالح عباده، فلا تجب العبادة إلا له. وإنما خص الجبال بالذكر لأنهم كانوا أصحاب [جبال] في بلدهم فخوطبوا بما يعرفون. وترك السهولَ وما فيها أيضاً من الأكنان لدلالة الكلام عليه. وخص ذكر الحر: لأن أكثر زمان العرب في أرض الحجاز وما يليها الحر. فخص ذلك لما
82
يعلمون من ضرره عندهم وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. وخص ذكر الأصواف والأوبار والأشعار لأنهم كانا أصحاب إبل وغنم ومعز فخوطبوا بما بعقلون. وترك ذكر القطن، والكتان، وغيره، مما يستعمل منه اللباس لدلالة الكلام عليه. ومن هذا قوله {وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} [النور: 43] فذكر البَرَد لأنهم كانوا يعرفونه فخوطبوا بما يعرفون وترك ذكر الثلج وهو أكثر نزولاً من البَرَد لأنهم كانوا يعرفونه في بلادهم. ثم قال [تعالى] {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ}. أي: أتم نعمته عليكم في هذه النعم المذكورة لتخضعوا لله بالطاعة. وروي عن ابن عباس أنه قرأ: " تَسْلَمون " بفتح التاء واللام، أي لتسلموا من الحر والجرحات وغيرها. أي: فإن أدبر هؤلاء المشركون عما أرسلناك [له] يا محمد من الحق فإنما عليك
83
أن تبلغ الرسالة وتبين ما أرسلت له لمن سمعه حتى يفهمه. قال [تعالى]: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا}. قال السدي: النعمة هنا: محمد [ A] [ يعرفون أنه نبي مرسل وينكرون ذلك. ودل على أنها محمد]. قوله: قبل ذلك: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ المبين} [النحل: 82] يخاطب محمداً A. وقيل: هي ما عدده الله [ D] في هذه السورة من النعم يعرفون أن الكل من عند الله وهم ينكرون ذلك ويزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم، قال: مجاهد. وقيل:
84
إنكارهم هنا للنعمة، قولهم: لولا فلان ما كان كذا. وقيل معناه: أن الكفار إذا قيل لهم من رزقكم؟ أقروا بأنه الله [ D] ، ثم ينكرون ذلك بقولهم: إنما رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا. ثم قال /: {وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون}. أي: أكثر قومك يا محمد الجاحدون للنعم ولنبوتك. قوله: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيد}. المعنى: ثم ينكرونها وسينكرونها يوم نبعث من كل أمة شهيداً، أي: شهد عليهما بما أجابت به داعي الله [ D] وهو رسولهم الذي أرسل إليهم
85
{ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني: لا يؤذن لهم في الاعتذار، {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}. أي: ولا يتركون الرجوع إلى الدنيا فيتوبوا ومثله قوله تعالى: {هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ} [المرسلات: 35] أي: بعذر {وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 36]. قال: {وَإِذَا رَأى الذين ظَلَمُواْ العذاب فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ} أي: إذا عاين الذين كذبوا محمداً [ A] عذاب الله [ D] فلا ينجيهم منه شيء {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي: يؤخرون. ثم قال تعالى: {وَإِذَا رَأى الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ}. أي: إذا رأى المشركون يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله سبحانه من الآلهة والأوثان {قَالُواْ رَبَّنَا هؤلاء شُرَكَآؤُنَا الذين كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ}. أي: هؤلاء آلهتنا الذين
عبدنا من دونك حشر الله [ D] معهم أصنامهم وأوثانهم ليوبخهم ويعذبهم بها في النار وسموا شركاءهم لأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم وزروعهم وأنعامهم. وقيل: سموا بذلك على معنى: هؤلاء شركاؤنا في الكفر [بك]، وقيل: إنما سموا بذلك لأنهم أحدثوا عبادتهم، أشركوهم في عبادة الله [سبحانه] فأضيفوا إليهم، إذ هم اخترعوا ذلك، [وقد] قال في موضع آخر: {شُرَكَآئِيَ} [الكهف: 52، القصص: 62و74، فصلت: 47]. فأضافهم إلى نفسه تعالى عن ذلك على طريق ما فعلوا: أي: شركائي عندكم وفيما زعمتم. قوله تعالى: {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول}. أي: ألقت الآلهة إليهم القول، أي: انطلقوا فقالوا: إنكم لكاذبون، ما كنا
87
ندعوكم إلى عبادتنا ولا كنا آلهة. قال مجاهد {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول}: قالوا بهم، ونظير هذا قوله: {سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} [مريم: 82]. وقيل: هم الملائكة الذين عبدوا من دون الله [سبحانه] قالوا للكفار إنكم لكاذبون في عبادتكم إيانا. قال تعالى: {وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم}. أي: استسلموا له وذلوا لحكمه فيهم، ولم تغن عنهم آلهتهم شيئاً {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} وأخطأهم من آلهتهم ما كانوا يأملون من الشفاعة عند الله [ D] .
88
قال تعالى: {الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العذاب}. أي: الذين كفروا بالله [سبحانه] وبرسوله [ A] وصدوا عن الإسلام من أراده، زدناهم في جهنم عذاباً فوق العذاب الذي هم فيه قبل أن يزادوا. وقال ابن مسعود: الزيادة عقارب لها أنياب كالنخل الطوال تنهشهم. وَرَوَى عنه مُرة أنه قال / أفاعي. وعن ابن عمر أنه قال: لجهنم سواحل فيها حيات وعقارب أعناقها كأعناق البخت. وقيل: إنهم يخرجون من حر النار [إلى] برد الزمهرير فيتبادرون من شدة برد [هـ إلى النار] أعاذنا الله من ذلك. وقال السدي: الزيادة عقارب في النار أمثال: البغال، وحيات أمثال: الفيلة.
وروى البراء بن عازب أن النبي A قال: " زيدوا عقارب أمثال النخل تنهشهم في جهنم ". قال مجاهد إن لجنهم جناباً، يعني: جانباً كالساحل، فيها حيات كأمثال أعناق [البخت]، وأنياباً لها كأنياب البغال فيهرب أهل النار من النار إلى جنابها فتشد عليهم العقارب فتأخذ شفاههم فتسقط ما بين الشفر إلى الظفر فما ينجيهم منها إلا الهرب إلى النار. قال ابن مسعود: إنه ليسمع للهوام بين أطباق جلد الكافر في النار جلبة كما تسمع جلبة الوحش في البر. وإن غلظ جلده أربعون ذراعاً بذراع الجبار يعني: الملك.
89
وروى مجاهد عن ابن عمر أن النبي عليه السلام قال: " إنهم ليعظمون في النار حتى يصير ما بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة كذا وكذا، وإن جلد أحدهم أربعون ذراعاً، وضرسه أعظم من جبل أحد ". وقوله: {بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ}. أي: يفسدون في الدنيا بصدهم الناس عن الإسلام. قال [تعالى]: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً}. أي: [واذكر يا محمد يوم نبعث من كل أمة شهيداً، أي]: نبعث إليهم نبيهم الذي أرسل إليها. ومعنى {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} أي: من قبيلتهم لأنه تعالى أكثر ما أرسل الرسل إلى الأمم من قبيلتها.
90
ثم قال: {وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً على هؤلاء}. أي: على أمتك يا محمد الذين أرسلت إليهم {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب} أي: القرآن. {تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} أي: بياناً للناس لما بهم إليه من الحاجة [من معرفة] الحلال والحرام والثواب والعقاب {وَهُدًى} أي: هدى من الضلالة {وَرَحْمَةً} أي: ورحمة لمن صدق به وعمل بما فيه {وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ}، أي: وبشارة لمن أطاع الله وخضع له بالتوحيد. قوله: {إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان}. المعنى: أن الله [ D] يأمر في الكتاب الذي أنزل على محمد [ A] بالعدل وهو الفرض والإحسان النافلة، وقيل: العدل الإنصاف. ومن الإنصاف الإقرار لمن أنعم علينا بنعمته، والشكر له على أفضاله وإخلاص العبادة له. وكذلك قال
بعض المفسرين: العدل هنا شهادة أن لا إله إلا الله. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال ابن عيينة: العدل هنا استواء السريرة والعلانية من كل من عمل لله [ D] عملاً. وقوله: {والإحسان} قال ابن عباس هو أداء الفرائض. وقال ابن عينية الإحسان أن تكون سريرته أفضل من علانيته. وقوله: {وَإِيتَآءِ ذِي القربى}. أي: إعطاؤهم الحق الذي أوجبه اله لهم في الفرائض وصلة الرحم. {وينهى عَنِ الفحشاء}. أي: عن كل قول وفعل قيبح. وعن ابن عباس الفحشاء هنا الزنى. وقال
ابن عيينة الفحشاء والمنكر هنا / أن تكون علانيته أحسن من سريرته. والمنكر في اللغة: كل ما ينكر من قول أو فعل. وقوله: {والبغي} قال ابن عباس: البغي: الكبر والظلم. والبغي في اللغة: أشد الفساد. وقيل: البغي التعدي ومجاوزة القدر والحد. ثم قال تعالى: {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، أي: يوصيكم لعلكم تذكرون فتنتهوا إلى أمره ونهيه. قال ابن مسعود: أجمع آية في القرآن لخيرٍ وشرٍ آية في النحل {إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان} الآية. وقال قتادة: ليس من خلق حسن، كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه
91
إلا أمر الله [ D] به وليس من خلق سيىء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله [ D] عنه. وقيل في قوله: {بالعدل} بألا يعبد إلا الله وحده لا شريك له فهذا هو العدل الحق: {والإحسان} هو أن تعبده كأنك تراه فإن لم تره فإنه يراك. ومن الإحسان أن تحب لولد آدم كلهم ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك، إن كان مؤمناً أحببت له أن يزداد إيماناً، وإن كان كافراً أحببت له أن يؤمن فيكون أخاك في الإسلام. {وَإِيتَآءِ ذِي القربى} صلة الرحم والقرابة بمالك أو بنفسك أو بدعائك له وبشرك في وجهه، {وينهى عَنِ الفحشاء} أي: عن ركوب المعاصي. {والمنكر} هو الشرك بالله {والبغي} هو أن تبغي على أخيك فتظلمه أو تغتابه فتبهته. قال تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله إِذَا عَاهَدتُّمْ}. المعنى: وأوفوا أيها الناس بميثاق الله [ D] إذا أوثقتموه وبعقده إذا عاقدتموه
فأوجبتم على أنفسكم حقاً لمن عاقدتمه. {وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}. أي: لا تخالفوا الأمر الذي تعاقدتم فيه بالإيمان بالله [ D] { بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}، أي: بعدما شددتم الإيمان فتحنثوا في أيمانكم وتكذبوا فيها وتنقضوها. {وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً} أي: جعلتموه كفيلاً عليكم في أيمانكم، [فلا تكذبوا فيها ولا تنقصوها]. وقد قيل: إنها عامة في كل عقد ويمين، وإن الأيمان منسوخة بإجازة الكفارة في المائدة عن اليمين. وهذه الآية: نزلت فيمن بايع النبي [عليه السلام] على الإسلام لئلا تحملهم قلة من مع محمد [ A] ، وكثرة المشركين على نقض ما عاهدوه عليه من البيعة.
وقال مجاهد: نزلت في الحلف الذي كان بينهم في الجاهلية أمرهم الله [ D] في [الإسلام] أن يوفوا به ولا ينقضوه. وقال ابن زيد: هؤلاء قوم كانو حلف [اء] لقوم، وقد تحالفوا وأعطى بعضهم بعضاً الميثاق، فجاءهم قوم فقالوا: نحن أكثر وأعز وأمنع فانقضوا عهد هؤلاء، فارجعوا إلينا وح [ا] لفونا، ففعلوا، فنهى الله [ D] عن ذلك بهذه الآية وهو قوله: {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أربى مِنْ أُمَّةٍ} [النحل: 92]. ففي الكلم تقديم وتأخير وتقديره: وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً أن تكون أمة هي أربى من أمة، أي هي أكثر من أجل أن كان هؤلاء أكثر عدداً نقضتم العهد فيما بينكم وبين هؤلاء /.
92
وكذلك قال مجاهد أيضاً في رواية أخرى عنه. والكفيل الوكيل. ثم قال تعالى: {إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}. [أي: ما تفعلون] في عقودكم وعهودك [م]. قوله: {وَلاَ تَكُونُواْ كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا}. والمعنى: أن الله [ D] نهى عباده عن نقض الأيمان بعد توكيدها فيكونون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أي من بعد إحكامه وإبرامه. روي أن امرأة حمقاء كانت تفعل ذلك بمكة فكانت إذا أبرمت غزلها نقضته. وقيل: هي امرأة يقال لها ريطة بنت سعد كانت تغزل بمغزل كبير فإذا أبرمته وأحكمته أمرت جاريتها فنقضته. وقيل: هي امرأة اسمها حطية كانت بمكة
وكان بها وسوسة، وكانت تغزل عند الحجر يومها ثم تغدو فتنقضه، أي: تغزله جوانيا [ثم تنقضه برانيا]. وقيل: [هو] مثل، ولم يرد امرأة بعينها. والمعنى: لا تفعلوا هذا الفعل فتكونوا كامرأة نقضت غزلها بعد أن أحكمته. فلو بلغكم أن امرأة فعلت هذا لقلتم [ما] في الأرض أحمق من هذه. [هذا] معنى قول قتادة. وقال قتادة: هو مثل ضربه الله [ D] لمن نقض العهد. ومعنى: {دَخَلاً بَيْنَكُمْ} خديعة وغروراً. أي: لا تجعلوا أيمانكم خديعة وغروراً بينكم ليطمئن إليكم وأنتم مصرون على الغدر، وترك الوفاء فتنقضونها ولا توفون بها. وقال الزجاج: {دَخَلاً} أي: غشاً و [غلاً]. وهو منصوب لأنه مفعول له.
أي: تتخذون الأيمان للدخل، أي: للغش والخديعة. والدخل في اللغة [كل] عيب. يقال: هو مدخول أي معيب، وفيه دخل [أي] عيب. ثم قال: {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أربى مِنْ أُمَّةٍ}. أي: تفعلون الغدر في أيمانكم لأجل كون أمة أكثر من أمة فتنقضون عهد الأ [ول] لقلتهم وتحالفون ألكثر لكثرتهم. ثم قال تعالى: {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ}. أي: إنما يختبركم [الله] بأمره إياكم بالوفاء والعهد بالأيمان ليتبين منكم
93
المطيع المنتهي إلى أمر الله [ D] من العاصي المخالف أمره ونهيه. ثم قال: {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القيامة مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}. أي: وليبين الله لكم يوم القيامة مجازاة كل فريق منكم على عمله في الدنيا. واختلافهم هنا كون هؤلاء مؤمنين وهؤلاء كافرين. فهذا الذي اختلفوا فيه، فيوم القيامة يتبين لهم المصيب من المخطئ. فهو وعيد [لهم] من الله [ D] . قال [تعالى]: {وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}. أي ولو شاء الله للطف بكم بتوفيق من عنده فتصيرون أهل ملة واحدة. ولكنه خالف بينكم فجعلكم أهل ملل شتى، فوفق من يشاء لما يرضيه من الإيمان به وبرسله وكتبه، وخذل من شاء عن ذلك فكفر [به].
94
ثم قال: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. أي: تسألون عما عملتم في الدنيا في [ما] أمركم به ونهاكم / عنه. قال: {وَلاَ تتخذوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ}. أي: لا تتخذوا أيمانكم دخلاً وخديعة بينكم فت [غرون] بها الناس. {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا}. فتهلكون بعد أن كنتم من الهلاك آمنين، وهذا [مثل] لكل مبتلى بعد عافية أو ساقط في ورطة بعد سلامة. يقولون زلت به قدمه. ثم قال: {وَتَذُوقُواْ السوء بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله}. أي: وتذوقوا عذاب الله [ D] بصكم عن سبيل الله، أي: بمنعكم من أراد
95
[عن] الإيمان {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي: في الآخرة. قال: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ الله ثَمَناً قَلِيلاً}. أي: لا تنقضوا عهودكم بعرض من عرض الدنيا وهو قليل: أنه لا بقاء له، إن الذي عند الله من الثواب في الآخرة لمن وفى بعهده {هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} فضل ما بين العوضين. قوله: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ}. والمعنى: ما عندكم أيها الناس مما تأخذونه على نقض الأيمان والعهود يفنى، وما عند الله باق لمن أوفى بعهده. ثم قال: {وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صبروا}. أي: وليثيبن الذين صبروا على الطاعة في السراء والضراء بأحسن ما كانوا يعملون من الأعمال دون أسوئها.
97
قال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}. [أي]: من عمل بطاعة الله [ D] وهو مصدق بثواب الله [ D] وعقابه [جلت عظمته] فلنحيينه حياة طيبة: قال ابن عباس: الحياة الطيبة، الرزق الحلال في الدنيا، وكذلك قال الضحاك. وقال علي بن أبي طالب [Bهـ]: هي القناعة في الدنيا. وعن الضحاك أنها أن يحيي مؤمناً عاملاً بطاعة الله. وعن ابن عباس أيضاً: أنها السعادة. وقال الحسن: هي الجنة ولا تطيب لأحد حياة دون الجنة، وهو قول قتادة ومجاهد. وقوله بعد ذلك: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يدل على [أن]
98
الحياة الطيبة في الدنيا هي، لأنه أخبر بما يفعل بهم في الدنيا ثم أعقبه بما يفعل بهم [في] الآخرة. ومعناه: لنجزينهم أجرهم في الآخرة بأحسن عملهم في الدنيا لا بأسوئه. وروي: أن هذه الآية: نزلت بسبب قوم من أهل ملل شتى تفاخروا، فقال أهل كل ملة نحن أفضل، فبين الله [ D] فضل هذه الملل بهذه الآية، وروى ذلك أبو صالح. معناه: إذا أردت يا محمد قراءة القرآن فاستعذ بالله. ومثله: إذا أكلت فقل بسم الله. أي إذا أردت الأكل. فحذف هذا لعلم السامع بمعناه. ومثله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] الآية. أي: إذا أردتم القيام إليها. لأن الوضوء إنما يكون قبل الصلاة لا بعدها. قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ}.
100
أي: ليس له حجة على المؤمنين المتوكلين على الله [ D] في مهم أمورهم المتعوذين به من الشيطان. {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ}. أي إنما حجته على الذين يعبدونه ويطيعونه {والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ}، أي: [هم] بالله مشركون قاله مجاهد. وقيل: الهاء للشيطان أي: {والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} أي: [أ] شركوه في أعمالهم. وقيل معناه: والذين هم من أجله مشركون. قال سفيان: ليس له سلطان على أن يحمل المؤمن على ذنب لا يغفر. وقيل: الاستعاذة بالله تمنع الشيطان من أذى المؤمن. وقيل: إن قوله: {لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ} هو قوله:
101
{إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين} [الحجر: 40] فهؤلاء لم: يجعل للشيطان عليهم سبيلاً. قوله: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ}. المعنى عند مجاهد: وإذا رفعنا آية وأنزلنا أخرى. وعنه [أيضاً]: وإذا رفعنا آية فنسخناها وأثبتنا غيرها. وقال قتادة وهو قوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} [البقرة: 106]. وقيل معناه: وإذا بدلنا حكم آية بحكم آية أخرى {والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} مما هو أصلح لخلقه. قال المشركون لك يا محمد {إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ} أي: متخرص الكذب على الله {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} حقيقة ذلك لجهالتهم. قال: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس مِن رَّبِّكَ بالحق}. أي: قل لهم يا محمد: نزَّل هذا القرآن ناسخه ومنسوخه جبريل [ A] من عند الله {بالحق لِيُثَبِّتَ الذين آمَنُواْ} أي: ليقوي إيمانهم ويتضاعف تصديقهم إذا آمنوا بناسخه ومنسوخه.
103
{وَهُدًى} من الضلالة {وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ} وبشرى للذين استسلموا لأمر الله [ D] ونهيه وما أنزله في كتابه. قال [تعالى]: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ}. أي: ولقد نعلم يا محمد أن هؤلاء المشركين يقولون جهلاً منهم إنما يعلم محمداً هذا الذي يتلو علينا بشر من بني آدم وما هو من عند الله. فقال الله مكذباً لهم: {لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ}. أي لسان الذي يميلون إليه أنه يعلم محمداً [ A] أعجمي {وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} لأنهم زعموا أن الذي يعلم محمداً عبد رومي. قال ابن عباس: كان رسول الله A يعلم فتى بمكة، وكان اسمه بلعام، وكان أعجمي اللسان فلما رأى المشركون النبي A، يدخل عليه ويخرج، قالوا [له] إنما يعلمه
بلعام، فأنزل الله [ D] الآية. وقيل: كان اسمه يعيش، [قال عكرمة: كان النبي عليه السلام يقرئ غلاماً لبني المغيرة اسمه يعيش] أعجمياً، فقال / المشركون إنه يعلم محمداً. وقيل: هو [عبد] لبني الحضرمي يقال له يعيش. وقيل: كان اسمه جبراً. كان رسول الله A كثيراً ما يجلس عنده عند المروة. فقال المشركون هو يعلم محمداً [ A] ما يتلو علينا، وكان جبر أَعجمي اللسان، فاحتج الله عليهم أنه أعجمي وأن القرآن عربي والعجمي، لا يعلم العربي. وقيل: كانا غلامين اسم أحدهما جبر، والآخر يسار يقرآن التوراة
104
وكان النبي A يجلس إليهما. فقال كفار قريش إنما يجلس إليهما يتعلم منهما. وقال الضحاك: هو سلمان الفارسي. وروي أن الذي قال هذا رجل كاتب لرسول الله A ارتد عن الإسلام وكان يملي عليه النبي A: { سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أو {عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أو غير ذلك من خواتم الآي، ويشتغل النبي A فيبدل هو في موضع سميع عليم وعزيز حكيم ويقوله للنبي A، فيقول له النبي عليه السلام، أي ذلك كتبت فهو كذلك ففتنه ذلك. وقال [إن] محمداً يكل ذلك إلي وأكتب ما شئت فارتد. وقال للمشركين أنا أفظن الناس بمحمد والله ما يعلمه إلا عبد بني فلان. فنزلت الآية في كذبه لهم. أي: إن الذين يجحدون بآيات الله لا يوفقهم الله لإصابة الحق ولهم في الآخرة عذاب مؤلم.
105
{إِنَّمَا يَفْتَرِي الكذب الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله} أي: الذين يجحدون آياته، ويفتري بمعنى يتخرص. وقال بعض أهل المعاني إنما أعاد الكاذبين، و [قد] تقدم الإخبار عنهم بالكذب لأن الثاني صفة، والصفة ألزم من الخبر، لأن من نعت بصفة فهي لازمة له، ومن أخبر عنه بخبر فقد يحول عنه. فأعاد ذكر الكذب لأنه ألزم في أكثر الأحوال من الخبر. وهذا الذي قال إنما يلزم إذا كانت الصفة صفة ذات فهي لا تتغير كالأحمر والأسود. ويتغير الخبر بالأفعال. وإذا كانت الصفة صفة فعل فهي تتغير أيضاً كتغيير الخبر بالفعل. والصفة في هذه صفة فعل لا صفة ذات، فلا يلزم قوله، ولا يستقيم، ولكن أعيد ذكر الكذب عنهم للتأكيد.
106
قوله: {مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ}. هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر [ووالده ياسر] وأمه سمية وخباب بن الأرت، وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة والمقداد بن
الأسود وقوم أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم فثبت على الإسلام بعضهم وافتتن بعضهم. فمن ابتداء {ولكن مَّن شَرَحَ} ابتداء [أيضاً]، وخبرهما {فَعَلَيْهِمْ}. وقيل: {مَن كَفَرَ} في موضع [رفع] على / البدل من " الكاذبين ". وفيه بعد. وقال ابن عباس وقتادة: نزلت في عمار بن ياسر، قال قتادة: أخذه بنو
المغيرة فغطوه في بئر ميمون، وقالوا: أكفر بمحمد A فتابعهم على ذلك وقلبه كاره موقن بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله جاء بالحق من عنده، فأنزل الله [ D] { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان}. وقوله: {ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً}. أي: من كفر على اختيار منه واستحباب {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله}، قال عكرمة نزلت الآية في قوم أسلموا بمكة ولم يمكنهم الخروج، فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون فقتلوا وفيهم نزلت {إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنسآء} [النساء: 98] الآيتين. [وقيل إنهم كانوا بمكة لا يقدرون على الخروج فلما نزلت: {إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنسآء} [النساء: 98] الآيتين]، كتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى إخوانهم الذين يخبرونهم بما نزل فيهم فلما وصل إليهم الكتاب، خرج ناس كانوا أقروا
بالإسلام فطلبهم المشركون فأدركوهم فرجعوا وأعطوهم الفتنة، قولاً دون اعتقاد. فأنزل الله [ D] فيهم: {وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ آمَنَّا بالله فَإِذَآ أُوذِيَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله} [العنكبوت: 10]، وأنزل فيهم {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان}، وأنزل فيهم: {إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ} [النحل: 110] الآية فسمع ذلك رجل من بني بكر كان مريضاً، فقال لأهله: أخرجوني إلى الروح، يعني المدينة. فأخرجوه فمات قبل الليل، فأنزل الله [ D] : { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت} [النساء: 100] الآية. قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله [ A] ، وأبو بكر الصديق وبلال وخباب وصهيب، وعمار، وسمية أم عمار. فأما رسول الله عليه السلام فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأخذ الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ من حر الحديد والشمس، فلما كان من العشاء أتاهم أبو جهل ومعه حربة، فجعل يسبهم ويوبخهم، ثم أتى
سمية فطعن بالحربة في فرجها، فقتلها. فهي أول شهيد استشهد في الإسلام. قال: وقال الآخرون ما سألوهم، إلا بلالاً فإنه هانت عليه نفسه، فجعلوا يعذبونه وهو يقول: أحد أحد، حتى ملوه، ثم كتفوه، وجعلوا في عنقه حبلاً من ليف، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أخشبي مكة، حتى ملوه فتركوه. فقال عمار: كلنا قد تكلم بالذي قالوا له، فلولا أن الله تداركنا - غير بلال - فإنه هانت عليه نفسه في الله [ D] فهان على قومه حتى تركوه، وملوه، فنزلت هذه الآية في هؤلاء. قال ابن عباس: والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويخنقونه ويعطشونه ويجوعونه / حتى [ما] يقدر أن يستوي جالساً من شدة الضر الذي به حتى أنه ليعطيهم ما سألوا من الفتنة التي رمي بها، وحتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم. وحتى أن الجُعل ليمر بهم فيقولون: هذا الجُعل إلهك ن دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم لما يبلغون من جهده فنزلت فيهم: {مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ} الآية.
107
و [قيل] معنى {مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً}، أي: قبله وانفسح له صدره. قال: {ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة} أي: وجب العذاب لهم لاختيارهم زينة الحياة الدنيا على الآخرة {وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين} أي: لا يوفقهم بجحودهم آيات الله وتوحيده، وعبادتهم غيره. قوله: {أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ}. معناه: أولئك الذين تقدمت صفتهم، هم طبع الله على قلوبهم، أي ختم عليها بطابعه فلا يؤمنون ولا يهتدون، وأصم أسماعهم، فلا يسمعون داعي الله [ D] سماع قبول، وأعمى أبصارهم، فلا يبصرون بصر مهتد معتبر. {وأولئك هُمُ الغافلون} أي: هم الساهون عما أعد الله [ D] لأمثالهم من أهل الكفر وعما يراد بهم. ثم قال: (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [109]. قال الطبري: لا جرم معناه لا بد أنهم في الآخرة هم الهالكون الذين غبنوا أنفسهم حظوظها. قال تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ}. أي: هاجروا إلى المدينة وتركوا ديارهم وأموالهم، أي من بعدما عذبوا على الإسلام بمكة ثم جاهدوا المشركين في الله [ D] مع نبيه [ A] وصبروا في الجهاد، وعلى طاعة الله [ D] إن ربك من بعد ذلك: أي: من بعد الفعلة التي
فعلوها {لَغَفُورٌ} أي لساتر على ذنوبهم {رَّحِيمٌ} بهم. وقد تقدم الكلام فيمن نزلت هذه الآيات. ومن قرأ {فُتِنُواْ} بالفتح، وهي قراءة ابن عامر، فمعناه: عذبوا غيرهم على الإيمان ثم آمنوا هم من بعدما فعلوا ذلك بالمؤمنين، إن ربك من بعد الفعلة التي
فعلوها ساتر لذنوبهم، رحيم بهم. قال ابن عباس وقتادة: نزلت في قوم خرجوا إلى المدينة فأدركهم المشرطون ففتنوهم فكفروا مكرهين. وقال الحسن وعكرمة: نزلت في شأن ابن أبي سرح: فتنه المشركون فكفر، فنزلت: {مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ} [النحل: 106]. [الآية، ثم استثنى إلا من أكره] ثم نسخ واستثنى بقوله: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ} الآية، وهو عبد الله بن أبي سرح كان يكتب للنبي A فلحق بالمشركين، وأمر به النبي [ A] يوم فتح مكة، بأن يقتل فاستجار له عمر فأجاره رسول الله / A.
111
قال: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}. يوم منصوب برحيم. وقيل انتصب على إضمار: [و] اذكر {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}. ومعنى الآية: أن الله أعلمنا أن كل إنسان [منهم] يوم القيامة منشغل بنفسه، يطلب خلاصها. وروي أن كعباً قال لعمر [Bهـ]: تزفر جهنم يوم القيامة زفرة، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل، إلا جثا على ركبتيه، يقول: يا رب نفسي، حتى أن إبراهيم، خليل الرحمن، ليجثو على ركبتيه. ويقول: لا أسألك إلا نفسي، ثم قال كعب: إن هذا لفي كتاب الله، ثم تلى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} الآية. قوله: {وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّ}.
أي: ضرب الله مثلاً، مثل قرية، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقوله: {آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً} خبر بعد خبر. و {رَغَداً} مصدر في موضع الحال. والمعنى: [و] مثل الله مثلاً لمكة التي سكنها أهل الشرك. والقرية مكة، في قول: ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وعن حفصة أم المؤمنين [Bها]: هي المدينة، والأول أشهر. قال ابن شهاب: الغاسق إذا وقب: الشمس إذا غربت. والقرية التي أرسل
إليهم اثنتان انطاكية، والقرية التي بحاضرة البحر، طبرية. والقرية التي كانت آمنة مطمئنة هي يثرب. وقوله: {كَانَتْ آمِنَةً} أي: لا يخاف فيها أحد، لأن العرب كانت يسبي بعضها بعضاً، وأهل مكة لا يغار عليهم ولا يحاربوا في بلدهم. ومعنى {مُّطْمَئِنَّةً}: قارة بأهلها لا ينتجع أهلها من البلدان كما ينتجع أهل البوادي. {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً} أي: يأتي أهلها معائشهم واسعة كثيرة {مِّن كُلِّ مَكَانٍ} من البلدان. ومعنى: {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله} أي: كفر أهلها بأنعم الله. وواحد الأنعم على
مذهب سيبويه نعمة. وقال قطرب: واحدها نَعْم [مثل] وُدّ وأَوُدّ، وقال بعض الكوفيين: وأحدها نَعْماء [كبأ] ساء وأبْؤُس وضراء و [أ] ضر. {فَأَذَاقَهَا الله}. أي: أذاق أهلها {لِبَاسَ الجوع} أي: أذاقهم جوعاً خالط أجسامهم فجعل ذلك لمخالطته [جسادهم بمنزلة اللباس لها، وذلك أنه سلط عليهم الجوع سبع سنين متواليات حتى أكلوا العِلْهزَ. والعِلْهِزُ أن تُؤْخذ الحَلَمَة فَتُفْقأ على الوبر
حتى يبتل بدمها، ثم يغلى ويؤكل. ويروى: أنهم أكلوا لحوم الكلاب. وأصل الذوق بالفم ولكنه استُعمِلَ هنا للآبتداء والاختبار. وقوله: {والخوف}. [هو] ما كان يلحقهم من سرايا رسول الله A وجيوشه كانت تطيف بهم. وقوله: {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}. أي: بكفرهم وجحدهم للنعم. وإنما قال: {والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} ولم يقل: بما كانت تصنع لأنه رده على المعنى. لأن معنى ذكر / القرية في الآية: يراد به أهلها. فرجع " يصنعون " على المعنى: [و] مثله قوله {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} [الأعراف: 4]. فرجع، آخر الكلام إلى
113
الأهل، وقد جرى أوله على الأخبار عن القرية والمراد بها أهلها. وهذا هو قوله في السجدة: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العذاب الأدنى دُونَ العذاب الأكبر} [السجدة: 21] فالعذاب الأدنى [هو الجوع] والأكبر ما حل بهم يوم بدر من القتل والأسر. وهو أيضاً قوله: {فارتقب يَوْمَ تَأْتِي السمآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} [الدخان: 10] وهو الجوع، كان الرجل يرى بينه وبين السماء دخاناً من شدة الجوع. قوله: {وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ}. أي: ولقد جاء أهل هذه القرية، يعني مكة، {رَسُولٌ مِّنْهُمْ} أي: من أنفسهم يعرفونه ويعرفون نسبه وصدق لهجته فدعاهم إلى الحق {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العذاب} وهو: لباس الجوع والخوف، وقتلهم يوم بدر بالسيف {وَهُمْ ظَالِمُونَ} أي: مشركون. قال [تعالى]: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حلالا طَيِّباً}. أي: فكلوا من الأنعام التي رزقكم الله خلالاً، أي: مذكاة على اسم الله ولا تَحرِّموها كما حَرَّمَتِ العرب الوصائل والسوائب والحامي وغير ذلك
{واشكروا نِعْمَتَ الله} أي: واشكروه على ما خلق لكم من ذلك، وما أحل لكم من أكله على غيره من النعم {إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} أي: تطيعون. وقيل: إنما عني بقوله: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} الآية: المشركين وذلك أن النبي A لحقته رقة في أيام القحط فوجه إليهم طعاماً يرتفقون به، فأمرهم الله بأكله وبالشكر عليه إن كانوا يعبدون الله. والقول الأول: [أولى] لأن بعده: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة} وهذا إنما هو مخاطبة للمؤمنين بلا اختلاف. ثم قال تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير}. أي: إنما حرم عليكم ما مات من النعم حتف أنفه، والدم السائل وهو
116
المسفوح، ولحم الخنزير {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ} أي: ما ذبح للأنصاب وسمي عليه غير الله، فمن اضطر إلى شيء من ذلك في مخمصة وهي: المجاعة. حل له. وقوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ}. أي: باغ في أكله، {وَلاَ عَادٍ} أي: لا يتعدى حلالاً إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة. {فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: ساتر عليه ذنبه فلا يؤاخذه رحيم به أن يعاقبه على ذلك، وقد تقدم تفسير {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} في البقرة بأبين من هذا. قال [تعالى]: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَامٌ}. قرأ الحسن والأعرج وطلحة وأبو معمر: " الكَذِبِ " بالخفض على أنه
نعت لما، أو بدل منه. ومن نصب جعله مفعولاً بتصف. وقرأ بعض أهل الشام: " الكُذُبُ " بضم الكاف والذل والباء، نعت للألسنة، جمع كذوب، مثل: شكور، وشكر. ومعنى الآية: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب فيما رزق الله عباده من المطاعم، هذا حلال وهذا حرام لكي تفتروا على الله الكذب فإنه لم يحرم من ذلك كثيراً مما تحرمون ولا أحل كثيراً مما تحلون. وذلك أن اليهود والمشركين أحلوا الميتة فقال المشركون: {مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ} [الأنعام: 139] يأكله الرجال والنساء. ثم قال: {إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ على الله الكذب}.
118
أي: يتخرصونه ويختلقونه {لاَ يُفْلِحُونَ} أي: لا يخلدون في الدنيا ولا يبقون فيها. {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} أي: الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل. قال: {وعلى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ}. أي: وحرمنا يا محمد على اليهود ما قد أنبأناك به في سورة الأنعام. وهي: كل ذي ظفر والشحوم. قاله: عكرمة والحسن وقتادة. وقوله: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ}. [أي: وما ظلمناهم] بتحريمنا ذلك [عليهم] {ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. ثم قال تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السوء بِجَهَالَةٍ}، أي: للذين عصوا الله
120
[سبحانه] فجهلوا ثم راجعوا طاعة الله [ D] والندم على ما عملوا والاستغفار منه {وأصلحوا} أي: عملوا ما يجب عليهم. {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} أي: من بعد ذنوبهم لهم " غفور رحيم ". قال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ}. أي: [كان] معلم [خير] يأتم به أهل الهدى. قال مجاهد كان أمة على حدة. وروي عنه أنه قال: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار. قال ابن مسعود: " الأمة " معلم الخير. ورواه مالك عن ابن مسعود أن [هـ] قال: " الأمة "
الذي يعلم الناس الخير، " والقانت " المطيع لله D ولرسوله A، " والحنيف " المخلص. قال مالك: وذكر عبد الله بن مسعود معاذ بن جبل فقال: يرحم [الله] معاذاً لقد كان أمة قانتاً لله [ D] حنيفاً. وأصل القنوت الطاعة. فكان إبراهيم عليه السلام قائماً لله [ D] ، ودعا إلى عبادته، ولم تأخذه في الله لومة لائم، فأعطاه الله D ألا يبعث نبياً من بعده إلا من ذريته. وأعطاه الله D ألا يسافر في جميع الأرض فتخطر سارة على قلبه إلا هتك الله ما بينه وبينها من الحجب حتى يراها ما تصنع. وكان A أول من اختتن، وأقام مناسك الحج، وضحى، وعمل بالسنن، نحو: قص الشارب والأظفار ونتف الإبط
122
وحلق العنة وشبهه. و" الحنيف ": الحاج في قول الضحاك، وعن ابن عباس: " الحنيف " المسلم. ويدل عليه قوله: {وَمَا كَانَ مِنَ المشركين} [النحل: 123] وقيل حنيفاً على دين الإسلام. {وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ} أي: مخلصاً بشكر الله [ D] فيما أنعم عليه " واجتباه [واختاره] واصطفاه لخلته {وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: ارشده إلى الطريق المستقيم وذلك دين الإسلام. قال تعالى: {وَآتَيْنَاهُ فِي الدنيا حَسَنَةً}. أي: ذكر [اً] جميلاً حسناً باقياً على الأيام {وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين} أي: أنه
في الآخرة لمن صلح أمره وشأنه عند الله [ D] وحسنت منزلته. وقيل: معناه، وأنه في ثواب الآخرة / لمن الصالحين لأن الآخرة ليست بدار عمل إنما هي دار جزاء. فالمعنى: أنه وإن أعطي أجره في الدنيا، فإنه في الآخرة على مثل ثواب الصالحين، لا ينقصه من ثوابه شيء لأجل إيتائه أجره في الدنيا. وقيل في الآية: تقديم وتأخير، والتقدير: وآتيناه أجره في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين. [و] في هذا القول: بعد، لأن ما بعد [إن] لا يقوى بها التقديم وما بعد: " إن " منتظر [لما] لم يكن، وما قبلها قد كان ووقع فلا يدخل أحدهما في الآخر. وقيل المعنى: وأنه في أجر الآخرة والعمل لها لمن الصالحين. وهذا: قول صالح حسن. قال مجاهد: الحسنة هنا لسان صدق. وقال قتادة: الحسنة أنه ليس أهل دين ألا يتولاه ويرضاه.
123
قوله: {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}. أي: أوحينا إليك يا محمد بأن تتبع دين إبراهيم مائلاً عن كل الأديان إلا عنه. قال [تعالى]: {إِنَّمَا جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فِيهِ}. [أي: إنما فرض تعظيم السبت على الذين اختلفوا فيه]. فقال بعضهم: هو أفضل الأيام، لأن الله فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة، ثم سبت يوم السبت، وقال آخرون: أفضل الأيام [يوم] الأحد، لأنه [ال] يوم الذي ابتدأ فيه خلق الأشياء. واختلفوا في تعظيم غير ما فرض عليهم تعظيمه ثم استحلوه. قال مجاهد: جعل السبت على الذين اختلفوا فيه فاتبعوه وتركوا يوم الجمعة. وقال قتادة: " اختلفوا فيه ": استحله بعضهم وحرمه بعضهم، وهو قول:
ابن جبير. وقال ابن زيد: كانوا يطلبون يوم الجمعة فأخطؤوه وأخذوا يوم السبت [فجعل عليهم، وقيل: إنهم ألزموا يوم الجمعة عيداً فخالفوا، وقالوا: نريد يوم السبت] لأنه يوم فرغ الله فيه من خلق السماوات. وروي: أن عيسى [بن مريم] عليه السلام أمر النصارى أن يتخذوا يوم الجمعة عيداً فقالوا لا يكون عيدنا إلا بعد عيد اليهود فجعلوه الأحد. ويروى أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل: تفرغوا لله في سبعة أيام في يوم تعبدونه ولا تعملون فيه شيئاً من أمور الدنيا، فاختاروا السبت فأمرهم موسى [ A] بالجمعة فأبوا إلا السبت، فجعله الله [ D] عليهم. ثم قال: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}. أي: من هذه الأيام وفي استحلالهم للسبت.
125
قال تعالى: {ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة}. أي: ادع يا محمد من أرسلت إليه إلى طاعة الله [ D] والإقرار له بوحدانيته. و" الحكمة " هنا: كتاب الله [سبحانه]. و " الموعظة الحسنة ": العبر التي هي حجة عليهم مما ذكرهم به من الآيات في كتابه. {وجادلهم بالتي هِيَ أَحْسَنُ} أي: جادلهم بالمجادلة التي هي أحسن من غيرها، وهي الصفح عنهم. وقال الزجاج: " الحكمة " هنا: النبوة / و " الموعظة ": القرآن: {وجادلهم بالتي هِيَ أَحْسَنُ} غير فظ ولا غليظ القلب، أي: ألن لهم جناحك، وهي منسوخة عند جماعة من العلماء نسخها المر بالقتال. وقيل: هي محكمة غير منسوخة، ومعناه: الانتهاء إلى ما أمر الله [ D] به، وهذا لا ينسخ.
126
ثم قال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ}. أي: بما حاد عن طريق الهدى من المختلفين في السبت وغيره. {وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين} أي: يسلك الطريق المستقيم. قوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} إلى آخر السورة. المعنى: وإن ظفرتم أيها المؤمنون بالمشركين فافعلوا بكم {وَلَئِن صَبَرْتُمْ} عن عقوبتهم وأحسنتم [واحتسبتم] عند الله [ D] ما نالكم منهم للصبر خير للصابرين. وهذه الآيات الثلاث: نزلن بالمدينة دون سائر السورة. نزلت حين
أقسم النبي A وأصحابه ليمثلن بالمشركين إن ظفروا بهم كما فعل المشركون بحمزة وغير [هـ] يوم أحد من التمثيل [بهم. وروي عن النبي A " لما بلغه ما فعلوا بحمزة من التمثيل]. قال: " لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بثلاثين رجلاً منهم " فلما سمع ذلك المسلمون قالوا: والله لئن أظهرنا الله عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب فأمرهم الله [ D] أن يفعلوا بهم مثل ما فعلوا، ولا يتجاوزوا إلى أكثر، ثم أعلمهم أن الصبر وترك الانتقام بالمثلة خير وأحسن. وقيل: إنها منسوخة بقوله: {واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله} وقيل: هي منسوخة بالقتال والأمر به، وإنما كان هذا أمر الله [ D] نبيه [ A] ألا يقاتل إلا من قاتله لقوله: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تعتدوا} [البقرة: 190].
أي: تقاتلوا من لم يقاتلكم. فقال المسلمون إن قاتلونا وأظهرنا الله D عليهم لنمثلن بهم فنسخ ذلك في براءة بقوله {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] وهذا القول: مروي عن ابن عباس. ومن قال: إن هذه الآية، قال: عني بقوله {واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله} نبي الله [ D] وحده ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال في براءة وهو قول ابن زيد. وعن ابن سيرين والنخعي وسفيان: إن الآية عامة معناها من ظلم بظلامة فلا يحل [له] أن يأخذ من ظالمه أكثر مما ناله منه ولا يتجاوز إلى أكثر من حقه. وروى أبو هريرة: " أن النبي A وقف على حمزة بن عبد المطلب حيث استشهد فنظر إلى شيء لم ينظر قط إلى شيء كان أوجع منه لقلبه ونظر إليه، قد مثل به، فقال:
رحمة الله عليك، فإنك كنت ما علمتك، فعولاً للخيرات، وصولاً للرحم، ولولا حزن من بعدك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواه شتى. أما والله، مع ذلك، لأمثلن بسبعين منهم. فنزل جبريل [والنبي صلى الله / عليهما] واقف بخواتم النحل ". {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ} الآية. فصبر النبي A، وكفر عن يمينه، ولم يمثل بأحد. ثم قال تعالى: {واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله}. أي: اصبر يا محمد على أذى من أذاك، وما صبرك إذا صبرت إلا بمعونة الله [لك] وتوفيقه إياك لذلك. {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي: على هؤلاء المشركين الذين يكذبون ويمثلون بالمسلمين. {وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} أي: لا يضيق صدرك من قولهم فيما جئتهم به أنه سحر، وأنه شعر، والمكر الخديعة. {إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا} [أي: الذين اتقوا] محارمة {والذين هُم مُّحْسِنُونَ} أي: الذين احسنوا فيما فرض الله عليهم.
الإسراء
بسم الله الرحمن الرحيم سورة سبحان مكية قال ابن مسعود: بنو إسرائيل, والكهف , ومريم, وطه, والأنبياء, من العتاق الأول وهن من تلادي يريد أنهن [نزلن] في أول ما نزل [من القرآن] وهو صغير. قوله: {سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} إلى قوله: {السميع البصير}.
" سبحان: عند الخليل وسيبويه منصوب على المصدر، إلا أنه لا ينصرف لأنه معرفة في آخر [هـ] زائدتان. وحكى سيبويه: أن من العرب من ينكره فيصرفه. وقال أبو عبيدة: هو منصوب على النداء. وقال بعضهم. هو موضوع موضع المصدر فنصب لوقوعه موقعه، فهو موضع تسبيح. والتسبيح: يكون [بمعنى الصلاة، ومنه قوله تعالى في يونس: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين} [الصافات: 143] أي: من المصلين.
وفي لغة لبعض أهل [اليمن]، يستعملونه في معنى الاستثناء، ومنه قوله: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ} [القلم: 28] أي: تستثنون إذا أقسمتم {لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} [القلم: 17] ولم يستثنوا. فإنما ذكر [هم] بتركهم الاستثناء. ويستعمل في معنى النور. ومنه حديث النبي A: " لولا ذلك لأحرقت سبحات وجهه. . . "، أي نور وجهه. ومعنى " سبحان الله ": براءة الله من السوء. كذلك فسره النبي A حين سئل عن معنى التسبيح. وروي عنه أنه " سئل عن معنى سبحان [الله]، فقال: تنزيه لله من كل
سوء " وسئل عنها علي [Bهـ] فقال: هي كلمة رضيها الله لنفسه. وعنه أيضاً أنه قال: هي كلمة أحبها الله ورضيها لنفسه فأحب أن تقال. ومعنى المسجد الحرام [أي]: المسجد الممنوع من الصيد فيه، لأن الحرم ممنع. والحرم كله مسجد. عن أم هانئ أنها قالت: ما أسري برسول الله [ A] إلا وهو [في بيتي].
وقيل: إنما أسري به من المسجد. عن قتادة عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة [وهو رجل من قومه، قال: قال نبي الله A: " بينا [أنا] عند البيت بين النائم واليقظان، إذ سمعت قائلاً يقول أحد الثلاثة: فأوتيت بطست من ذهب فيه ماء زمزم، قال: فشرح صدري فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم [ثم] أعيد مكانه ثم خشي إيماناً وحكمة، ثم أتيت بداية بيضاء يقال لها البراق، فوق الحمار ودون البغل، يضع خطوه أقصى طرفه، فحملت عليه. ثم انطلقنا حتى / [أ] تيت السماء الدنيا " ثم ذكر الحديث بطوله قال ابن شهاب، أخبرني ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، " أن النبي A أسري به على البراق وهي دابة إبراهيم خليل الرحمن التي كان يزور عليها البيت الحرام يقع حافرها موقع طرفها. قال: فمرت بعير من عيرات قريش بواد من تلك الأودية فنفرت العير، حتى أتى رسول الله A إيلياء فأتي بقدحين: قدح خمر، وقدح لبن، فأخذ رسول الله [ A] قدح اللبن، فقال له جبريل [ A] : هديت إلى الفطرة لو أخذت قدح الخمر [ل] غوت أمتك. [و] قال ابن
شهاب: فأخبرني ابن المسيب أن رسول الله [ A] لقي هنالك إبراهيم وموسى وعيسى، فنعتهم رسول الله [ A] . فقال: أما موسى فَضَرْب، رجل الرأس كأنه من رجال شنوة. وأما عيسى [فهو] فهو رجل أحمر كأنه خرج من ديماس وأشبه من رأيت به عروة بن مسعود الثقفي. وأما إبراهيم فإنه أشبه ولده به. فلما رجع رسول الله A قريشاً أنه أُسريَ به، قال عبد الله: فارتد ناس كثير بعدما أسلموا، فأتى أبو بكر الصديق [Bهـ] فقيل له: صاحبكم يزعم أنه أُسريَ به إلى بيت المقدس ثم رجع في ليلة واحدة. قال أبو بكر: [أ] وقال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: فاشهد [وا] إن كان كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: أفتشهد أنه جاء الشام في ليلة واحدة؟ فقال إني أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء. قال أبو سلمة: سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله A يقول: لما كذبتني
قريش قمت فمثل لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه ". وقال أبو العالية: " جاء جبريل [إلى النبي] A ومعه ميكائيل فقال جبريل لميكائيل إيتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر قلبه وأشرح له صدره. فشق عن بطنه فغسله ثلاث مرات، واختلف إليه ميكائيل بثلاث طسس من ماء زمزم فشرح صدره، ونزع ما كان فيه من غل، وملاه حلماً وإيماناً وعلماً ويقيناً وإسلاماً، وختم بين كتفيه بخاتم النبوءة، ثم أتاه بدابة فحمل عليه، كل خطوة [منها] منتهى بصره، فسار وسار معه جبريل. فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد [كما كان] فقال النبي A: ما هذا؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنة بسبع مائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه
وهو خير الرازقين. ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما أرضخت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء فقال من هؤلاء يا جبريل؟ [فقال] هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة. ثم أتى على قوم على إقبالهم رقاع وعلى إدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والغنم ويأكلون الضريع / والزقوم، ورضف جهنم، وحجارتها، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله شيئاً وما الله بظلام للعبيد. ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر، ولحم نيء في قدر خبيث، فجعلوا يأكلون من النيء الحبيث ويدعون النضيج الطيب، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ [قال]: هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى تصبح، والمرأة تكون عند الرجل [الطيب] فتأتي رجلاً خبيثاً فتبيت معه حتى تصبح، قال: ثم أتى على خشبة من الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا حرقته فقال: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه، ثم تلا {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ}. ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها، قال من هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل من أمتك
تكون عليه آمانات الناس لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يزيد عليها. ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقارض من حديد كلما قرضت عادت لا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: من هؤلاء [يا جبريل؟ قال: هؤلاء] خطباء الفتنة. ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها. ثم أتى على واد فوجد ريحاً طيبة باردة، وريح المسك وسمع صوتاً. فقال: يا جبريل ما هذه الريح الطيبة الباردة وريح المسك؟ وما هذا الصوت؟ فقال: هذا صوت الجنة تقول: يا رب ايتني ما وعدتني فقد كثر زخرفي، واستبرقي، وحريري، وسندسي، وعبقريي، ولؤلؤي [ومرجاني]، وفضتي، وذهبي، وأكوابي، وصحافي، وأباريقي، وفواكهي، وعسلي، ولبني، وخمري فأين ما وعدتني؟ فقال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحاً ولم يشرك بي، ولم يتخذ من دوني أنداداً، ومن خشيني فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني جزيته، ومن توكل عليّ كفيته، إني أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد، وقد أفلح المؤمنون، وتبارك الله أحسن الخالقين. قالت: قد رضيت. ثم أتى على واد فسمع صوتاً منكراً ووجد ريحاً
منتنة فقال: ما هذا يا جبريل؟ وما هذا الصوت. فقال: هذا صوت جهنم، تقول: يا رب، ايتني ما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي. [وقد] بعد قعري، واشتد حري، فأتني ما وعدتني، فقال لها: لك كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار / لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت. ثم أتى بحديث غلإسراء بطوله، وفيه اختلاف بين الرواة. فمذهب من قدمنا ذكره أن النبي A [ أسرى] بجسمه وعليه أكثر الناس ". وروي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: كانت رؤيا من الله صادقة: وروي ذلك عن عائشة أيضاً [Bها]. واستدل الحسن على صحة ذلك بقوله {وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} [الإسراء: 60] فالوحي يأتي للأنبياء في [النوم] وفي اليقظة
ودليل ذلك قول إبراهيم [ A] : { إني أرى فِي المنام أَنِّي [أَذْبَحُكَ]} [الصافات: 102] ثم مضى لذلك ليفعل ما أمر به في النوم. والاختيار عند أهل النظر: أن يكون أسرى الله [ D] بجسمه وليست برؤيا في المنام. والدليل على صحة ذلك: أنها لو كانت رؤيا رآها في منامه لم يكن في ذلك دليل ولا حجة على نبوته، لأن كل إنسان يرى أنه ببلد بعيد وهو في بلد آخر. فقد يرى الإنسان أنه في الصين و [هو]. بقانة، وبينهما سيرة نحو السنتين وأكثر. وقد قال الله [تعالى]: {أسرى بِعَبْدِهِ} ولم يقل: بروح عبده، فلا يتعدى ما قاله الله [ D] إلى غيره إلا بدليل قاطع. وقوله: {إلى المسجد الأقصا} يعني مسجد بيت المقدس. وقوله: {بَارَكْنَا حَوْلَهُ}.
أي: جعلنا حوله البَركَة لسكانه في معايشهم وكثرة ثمارهم وطيبها. وقيل معناه: أن الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى كلهم كانوا ببيت المقدس فمعنى البركة فيه أنه طهر من الشرك وبوعد منه وخص بالأنبياء. وقوله: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ}. أي: أسري بمحمد [ A] لكي يرى من آيات الله [ D] وعجائبه [سبحانه] وذلك ما رآه [في] طريقه مما ذكرنا بعضه. وروي: أن أهل مكة قالوا للنبي عليه السلام: إن لنا في طريق الشام إبلاً، فأخبرنا خبرها ومتى تقدم. فأخبرهم أنها تقدم عليهم في يوم سماه لهم مع شروق الشمس، وأنه فقد منها جمل أورق فخرجوا في ذلك اليوم فقال أحدهم: هذه الشمس قد أشرقت وقال: هذه الإبل قد [أقبلت].
وقوله: {إِنَّهُ هُوَ السميع البصير} معناه السميع لما يقول هؤلاء المشركون من تكذيب محمد A وغير ذلك. البصير بما يعملون. لا يخفى عليه شيء من ذلك. وكسرت: إن " في قوله: " إنه " لأن معنى الكلام: قل يا محمد سبحان الذي أسرى بعبده، وقل [يا محمد] إنه هو. ويروى: " أن النبي A لما أعلم قريشاً بالإسراء كذبوه، وقالوا له: نسألك عن عير لنا، هل رأيتها في الطريق؟ فقال: نعم، فقالوا: أين؟ قال: مررت على عير بني فلان بالرواح، قد أضلوا ناقة لهم، وهم في طلبها. فمررت على [ر] حالهم وليس بها منهم أحد. فوجدت في إناء من آنيتهم ماء فشربته / فسلوهم إذا رجعوا هل وجدوا الماء [في] الإناء أم لا؟ فقالوا: هذه آية. قال: ومررت على عير بني فلان فنفرت مني الإبل فانكسر منها جمل أحمر عليه أبناء فلان. فقالوا: هذه آية أخرى. [قال ومررت على عير بني فلان] بالتنعيم حين انشق الفجر. قالوا: فإن كنت
2
صادقاً، فإنها تقدم الآن. قال أجل. قالوا: فحدثنا بعدتها، وأحمالها، ومن فيها. قال: كنت مشغولاً عنها. فمثل ذلك لرسول الله [ A] فقال هي منحدرة من الثنية يقدمها جمل أورق عدتها كذا وكذا، وأحمالها كذا وكذا، فيها فلان وفلان، يسمي الرهط الذين فيها، وخرج رهط من قريش يسعون إلى الثنية فإذا هم بها حين انحدرت على ما [وصفها] لهم [النبي] A ". وأخبار الإسراء كثيرة مختلفة الألفاظ، منها المطول، ومنها المختصر، والمعاني متقاربة، فاقتصرنا على ما ذكرنا اختصاراً. قوله: {وَآتَيْنَآ مُوسَى الكتاب وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} إلى قوله: {عَبْداً شَكُوراً}. ذرية نصب على النداء، أو على البدل من وكيل، لأنه بمعنى الجميع، وعلى أنه مفعول ثان ليتخذوا. أو على إضمار أعني. هذا كله على قراءة من
قرأ [يتخذ [وا] بالياء. فأما من قرأ بالتاء، فذرية نصب على النداء أو على البدل من وكيل وفيه بعد في المعنى. والمعنى: سبحان الذي أسرى بعبده وأتى موسى الكتاب وهو التوراة. لكنه خرج من الغيبة إلى الأخبار وذلك كثير في القرآن وفي كلام العرب. وقوله: {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ}. [أي]: بياناً لهم ودليلاً إلى الحق لئلا يتخذوا من دوني شريكاً. وقيل: وكيل رب. وقيل: كفيل. وقيل: وكيلاً كافياً. وقيل معناه: لئلا يتخذوا من دوني رباً. وعني بالذرية هنا جميع من احتج عليهم بهذا القول من جميع الأمم لأن من على وجه الأرض من جميع بني آدم كلهم ذرية من أنجى الله [ D] في السفينة مع نوح [ A] .
وهو نوح وثلاثة بنون وامرأته وثلاث نسوة لبنيه. وبنوه هم سام وحام ويافث. أما سام فأبو العرب وأما حام فأبو الحبش وأما يافث فأبو الروم. وقد تقدم ذكر هذا بأوعب من هذا البيان. ثم قال تعالى: {نَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً}. يعني: نوحاً [ A] . قال سلمان الفارسي: إنما سمي نوحاً عبداً شكوراً، لأنه كان إذا لبس ثوباً حمد الله، وإذا أكل طعاماً حمد الله، وهو قول مجاهد. وقيل: إنه كان يقول إذا أكل [طعاماً] الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني. وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني. وإذا لبس ثوباً قال: الحمد لله الذي أكساني، ولو شاء أعراني. وإذا لبس نعلاً، قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني. وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني
الأذى ولو شاء لحبسه. وقيل: سمي " شكوراً " / لأنه كان يقول: إذا خرج البراز منه: الحمد لله الذي سوغنيك طيباً وأخرج مني أذاك وأبقى منفعتك. وقيل: سمي بذلك لأنه كان إذا لبس ثوباً جديداً قال: الحمد لله، وإذا أخلقه قال الحمد لله. وقال القرظي: كان [يقول] إذا أكل أو شرب أو ركب دابة أو لبس ثوباً [ال] حمد لله. و [روي] عن سلمان أيضاً مثله. فالحمد لله والشكر له والإقرار له بالحمد على نعمه يعني: بالشكر. وروي عن بعض الصحابة أو بعض التابعين أنه قال: لو جمع نعم الدنيا كلها في قشرة بيضة ثم لحسه مؤمن، وقال الحمد لله لأدى شكر [هـ] ذلك.
وروى مالك عن سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة [أنه] قال: قال رسول الله A: " إذا مرض العبد، المؤمن بعث الله [ D] إليه ملكين فيقول: انظرا ما يقول لعواده. فإن هو إذا دخلوا عليه حمدا لله رفعوا ذلك إلى الله [ D] ، وهو أعلم، فيقول الله D: لعبدي، إن أنا توفيته، أن ادخله الجنة، وإن أنا شفيته، أن أبدله لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، وأن أكفر عنه سيئاته ". وروى مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي A
4
يرويه عن ربه [ D قال]: " إذا ابتليت عبدي [بلاء] فصبر أبدلته لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه وإن أنا قبضته في علّته تلك قبضته إلى رحمتي وكرامتي ". قوله: {وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب} إلى قوله: {أَكْثَرَ نَفِيراً}. معنى القضاء في اللغة: أحكام الشيء والفراغ منه. فمعنى الآية: وفرغ ربك إلى بني إسرائيل فيما أنزل من كتابه إلى موسى [ A] إنكم يا بني إسرائيل تعصون الله وتخ [ا] لفون أمره وتستكبرون عليه استكباراً شديداً مرة بعد مرة. قال ابن عباس وابن زيد: {وَقَضَيْنَآ [إلى بَنِي] إِسْرَائِيلَ} أعلمناهم بذلك في
كتابهم. وقيل: معناه: إن ذلك سبق في أم الكتاب عليهم أنهم يفسدون ويخالفون أمر الله [سبحانه] ويستكبرون في الأرض مرتين. قاله قتادة. وروي [ذلك] أيضاً عن ابن عباس قال: [قضاء] قضاه الله [ D] على القوم كما تسمعون. قال مجاهد: دخلت على ابن عباس فقلت: إن على الباب رجل يقول في القدر. فقال: ادخلوه علي. فقلت ما تريد به؟ قال: اقرءوا عليه قول الله: {وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} قال فقضى عليهم ليفسدن في الأرض مرتين وليعلن علواً كبيراً قبل أن يخلقهم، فقضى عليهم ما علم أنهم عاملون، وكتبه عليهم ففعلوه. قال ابن عباس وابن مسعود: كان إفساد بني إسرائيل [في الأرض] في أول
مرة قتل زكرياء [ A] فبعث الله [ D] عليهم ملك [ال] نبط. فبعث إليهم الجمود من أهل فارس، فهم أولوا بأس شديد. / فتحصنت بنو إسرائيل وخرج فيهم بختنصر يتيماً مسكيناً، خرج يستطع [م] وتلطف حتى دخل المدينة. فأتى مجالسهم فسمعهم يقولون: لو علم عدونا ما قذف في قلوبنا من الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا، فخرج بختنصر حين سمع ذلك منهم واشتد القيام على الجيش فرجعوا فذلك قوله: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} الآية: ثم إن بني إسرائيل تجهزوا فغزوا النبط فأصابوا منهم فاستنفذوا ما في أيديهم، فذلك قوله: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ} الآية. و " نفيراً " معناه عدداً. وقال ابن زيد: كان إفسادهم الأول قتل زكرياء، والثاني قتل يحيى.
فسلط الله عليهم ابور ذا الاكتاف، وهو ملك من ملوك فارس، في قتل زكرياء، وسلط عليهم بختنصر في قتل يحيى. وقال قتادة: بعث عليهم أول مرة جالوت والثانية بختنصر. ومعنى قوله: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا} أي: أول المرتين اللتين قضينا إلى بني إسرائيل، أي أو [ل]. الفسادين. وقوله: {فَجَاسُواْ خِلاَلَ الديار}. أي: ترددوا بين الدور والمساكن وذهبوا وجاءوا. وقال ابن عباس: " جاسوا " مشوا. وقال الزجاج: الجوس طلب الشيء
باستقصاء. فمعناه: طلبوا هل يجدون أحداً. وقال بعض أهل اللغة: معنى " جاسوا " قتلوا. وقوله: {وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً}. أي: كان جوس القوم خلال ديار بني إسرائيل وعداً من الله [ D] ، لا يخلف. قال ابن عباس وقتادة: أتاهم في المرة الأولى جالوت فجاس خلال ديار بني إسرائيل وضرب عليهم الخراج والذل. فسألوا الله [ D] أن يبعث إليهم ملكاً يقاتلون في سبيل الله. فبعث الله طالوت. فقاتلوا جالوت، فنصره الله، وقتل جالوت، على يدي داوود ورد الله [ D] إلى بني إسرائيل ملكهم. وعن مجاهد أنه قال: جاءهم بختنصر في أول مرة من جهة فارس فهزمهم بنو إسرائيل، ثم رجعوا ثانية فقتلوا بني إسرائيل ودمر [و] هم تدميراً، وجلوهم عن بيت المقدس فلم يصلوا إلى دخوله سبعين سنة.
وروي عن مجاهد أنه قال: إنما جاءهم في أول مرة قوم من أهل فارس معهم بختنصر يتجسسون أخبارهم ثم رجعت فارس وقد وعى بختنصر أخبارهم دون أصحابه، ولم يكن قتال. وقيل: إنما جاءهم في المرة الأولى، أي: بختنصر ومن معه من جبابرة فارس، بعثه الله نقمة لهم حين أفسدوا وقتلوا يحيى بن زكرياء. ويروى: أن يحيى كان قد قال لهم: إياكم أن يقع من دمي شيء في الأرض فتهلك بنو إسرائيل. فذبحوه واحتفظوا بدمه، فجعلوه في طست من ذهب. فوقعت منه نقطة في الأرض / فما زالت تفور وتغلي حتى هجم عليهم بختنصر. فيروى: أنه ذبح على ذلك الدم سبعين ألفاً من بني إسرائيل، فهدأ الدم. سبى بني إسرائيل حتى سبى أبنائهم وخرج بهم إلى أرض العراق. ويروى: أن الفساد الثاني الذي ارتكب بنو إسرائيل هو قتلهم زكرياء ويحيى عليهم السلام بعد أن أقاموا في الدعة والسلامة عشرين ومائتي سنة. فأرسل عليهم من قتلهم وسباهم، وحرق بيت المقدس وأخرجه. فلم يزل الذين ظهروا عليهم ببيت
المقدس حتى فتحه الله D في زمان عمر Bهـ وفيه الروم فقتلوا وأخرجوا منه إلى الآن لا يدخلونه إلا مستخفين. وقوله: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ}. قال السدي: هي ما نصر الله D بني إسرائيل، إذ غزوا النبط، فأصابوا منهم واستنقدوا ما في أيديهم. وقيل: هو إطلاق الملك الذي غزاهم [ما في يديه من] أسراهم ورد ما كان أصاب من أموالهم من غير قتال، سخره الله D لذلك فهو رد الكرة لبني إسرائيل.
7
وقيل: هي نصر الله D إياهم على جالوت حتى قتلوه. وقوله: {وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً}. أي: عدد [اً]، وذلك في أيام داود. وقوله: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ}. المعنى: أن الله أخبرنا عما قال لبني إسرائيل في التوراة لنتأسى بذلك {إِنْ أَحْسَنْتُمْ}، يا بني إسرائيل أي: [إن] أطعتم الله فيما أمركم به على نعمه عندكم إذا دلكم من عدوكم {أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ} أي: ما فعلتم من ذلك لأنفسكم تفعلوه، وعليكم يعود نفعه. {وَإِنْ أَسَأْتُمْ} أي: عصيتم الله [ D] { فَلَهَا} أي: فإلى أنفسكم تسيئون. لأن ضرره عليكم يعود.
وقيل: معنى {فَلَهَا} أي: إليها. كما قال: {أوحى لَهَا} [الزلزلة: 5] أي: إليها. أي: فإلى أنفسكم يعود الضرر. وقيل: اللام على بابها [على معنى] فلها يكون العقاب على الإساء. ثم قال تعالى: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ}. والمعنى: فإذا جاء الفساد الثاني من فسادكم يا بني إسرائيل، وهو قتلهم يحيى على ما ذكرنا {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ} أي: خلينا بينكم وبينهم، ولم نمنعهم منكم. فبعث الله عليهم بختنصر فقتل المقاتلة وسبى الذراري وأخذ ما وجد من الأموال ودخلوا بين المقدس. وهو قوله: {وَلِيَدْخُلُواْ [المسجد] كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} فتبروه وخربوه وألقوا فيه
الجيف والعذرة. وقيل: [ليسوء] معناه: أمرناهم بغزوكم بما عصيتم وأفسدتم. {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} [أي]: ليسوء المبعوثون عليكم وجوهكم. ومن قرأ بفتح الهمزة، فمعنى: " ليسوء " الوعد بسوء الله. أو ليسوء العذاب. ومن قرأ بالنون فهو على الأخبار عن الله جل ذكره. وقوله: {وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ}. أي: كما دخلوه في الانتقام / منكم في فسادكم الأول.
8
وقوله: {وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً}. قال قتادة معناه: ما علوا عليه. وقيل معناه: ويتبروا ما داموا عالين. وحقيقة أن ما، وما بعدها في موضع نصب على الظرف. والتقدير: وليتبروا وقت غلبتهم. والتتبير التدمير. وقوله: {مَا عَلَوْاْ} عند الزجاج [ما] في موضع الحال. أي: وليدمروا في حال علوهم. قال تعالى: {عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}. المعنى: لعل ربكم يا بني إسرائيل أن يرحمكم بعد انتقامه منكم بالقوم الذين يبعثهم عليكم. و {عسى} من الله واجبة وقد فعل بهم ذلك فكثر عددهم وجعل منهم الملوك والأنبياء. ثم قال: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}. أي: [و] إن عدتم [ل] أمخالفة أمري، وقتل أنبيائي عدنا عليكم بالقتل
والسباء والذلة والصغار. فعادوا، فعاد الله عليهم بذلك. إذ بعث محمداً. قال ابن عباس: عادوا فعاد، ثم عادوا فعاد. فسلط الله عليهم ثلاثة ملوك فارس. وعنه: عادوا فسلط الله عليهم المؤمنين. وقال قتادة: عادوا فسلط الله عليهم محمداً [ A] يعطونه الجزية عن يد وهم صاغرون. وقال الضحاك: الرحمة هنا بعث محمد A. وقال الأخفش: المعنى: عسى ربكم أن يرحمكم إن فعلتم ذلك. ثم قال: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً}. أي: سجناً يسجنون فيها. قاله قتادة وغيره. وقال ابن عباس: {حَصِيراً} مأوى. وقال الحسن: {حَصِيراً} بساطاً ومهاداً كما قال: {لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف: 41]. ويقال للملك: {حَصِيراً} بمعنى محصوراً لأنه محجوب عن الناس. ويقال
9
للبخيل: حصوراً وحصيراً لمنعه ما عنده، ومنه الحصر في المنطق لأنه يمتنع عليه الكلام. ومنه الحصور عن النساء لامتناع الجماع عليه، ومنه الحصر في الغائط إذا احتبس عليه. وقيل للحصير المنسوج حصيراً، لأنه حُصِرت جوانبه عن أن تنفلت. وقيل: لأنه حصرت طاق [اته بعضها من بعض. وقوله: {إِنَّ هذا القرآن يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}. المعنى: أن هذا القرآن يا محمد يرشد من اهتدى به للحال التي هي أقوم الحالات أي: أصوبها. وذلك دين الله [سبحانه] المستقيم وتوحيده [جلت عظمته] والإيمان بكتبه ورسله وهو مع هدايته يبشر المؤمنين العاملين الأعمال الصالحة أن لهم أجراً كبيراً وهو الجنة /. وكل شيء في القرآن أجر كريم وأجر كبير ورزق كريم فهو الجنة. وقيل:
10
المعنى: ويبشر [الله] المؤمنين بذلك. قال مقاتل وغيره: التي هي أقوم شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل معناه يهدي للخصال التي هي أصوب مما أمر الله [ D] ، ودعا إليه ووعد عليه العطاء الجزيل والثواب العظيم وعلى هذا أكثر المفسرين. ولا إله إلا الله أصل الخصال الحسنة وأعظم ما دعا الله إليه عباده وندبهم إلى اعتقاده فهي العروة الوثقى والكلمة المنجية من العذاب. قال [تعالى]: {وأَنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة}. أي: لا يصدقون بها أعددنا لمقدمهم على ربهم عذاباً أليماً، أي: مؤلم وموجع، وذلك عذاب جهنم [أعاذنا الله منها]. قال: {وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير}. المعنى: ويدع الإنسان على نفسه وولده وماله بالشر دعاء مثل دعائـ[هـ]
ربه [ D] بالخير. أي: يسأل أن يهلك نفسه وولده وماله إذا غضب كما يسأل أن يجيبه ويحيي ولده ويثمر ماله إذا رضي، فلو استجاب له في الشر كما يستجيب له في الخير لأهلكه. ثم قال: {وَكَانَ الإنسان عَجُولاً}. أي: يعجل على نفسه بالدعاء، ولا يعجل الله [ D] عليه بالإجابة. وروي أنها نزلت في النضر بن الحارث [بن] علقمة كان يدعو ويقول: {اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]. وكان يدعو على نفسه بالشر كما يدعو [لها] بالخير. {وَكَانَ الإنسان عَجُولاً} أي: عجلة النضر بالدعاء على نفسه، كعجلة آدم حين نهض [قبل] أن
يجري فيه كله. وقال ابن عباس: لما نفخ الله [ D] في آدم من روحه فدارت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري منها شيء في جسده إلا صار لحماً [دوماً]. فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده [فأعجبه] ما رأى من حسنه فذهب لينهض فلم يقدر فهو قوله: {وَكَانَ الإنسان عَجُولاً} فالإنسان هنا في موضع الناس. وروى أن النبي A دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً، فجعل يئن من الليل. فقالت له: ما بالك تئن؟ فشكى إليها ألم القد. فأرخت كتافه. فلما نامت أخرج يده وهرب. فلما أصبح النبي [ A] دعا به، فأعلم شأنه. فقال: اللهم اقطع يدها، فرفعت سودة يدها تتوقع الاستجابة، أن يقطع الله يدها. فقال النبي A: إني سألت [الله] أن
12
يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة، لأني بشر أغضب كما يغضب البشر، فلترد سودة يدها قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اليل والنهار آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ اليل}. معناه: أن الله [ D] عرف عباده نعمه عليهم، / فمن نعمه [أن] جعل الليل مخالفاً للنهار ليسكنوا في الليل ويتصرفوا في معائشهم [التي قدرت لهم] بالنهار، وليعلموا عدد [السنين والحساب أي: عدد] سنينهم وحساب ساعات الليل والنهار. ومعنى {آيَتَيْنِ} أي: جعلنا الليل والنهار علامتين.
فعلامة النها [ر] الشمس وعلامة الليل القمر {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً}. أي: بيناه [تبييناً] بياناً شافياً. وقوله: {فَمَحَوْنَآ آيَةَ اليل}، أي: لم يجعل للقمر ضياء ونوراً كالشمس وقوله: {وَجَعَلْنَآ آيَةَ النهار مُبْصِرَةً} أي: مضيئة، وهي: الشمس. والمحو الذي في القمر هي اللطخة التي تظهر فيه للمتأمل، ويروى أن الله جل ذكره أمر جبريل عليه السلام، فأمرَّ بجناحه على القمر فصار فيه المحو الذي فيه. وقد كان ضياؤه مثل الشمس أو أشد، ولكن الله جل ذكره فرق بينهما ليعرف الليل من النهار، وليعلم عدد السنين والشهور، والأجل، والحج وغير ذلك. وعن ابن عباس: أن النبي A قال: " خلق الله [ D] شمسين من نور
13
عرشه فأما ما كان في سابق علمه أنه يدعها شمساً فإنه جعلها مثل الدنيا على قدر ما بين مشارقها إلى مغاربها. وأما ما كان في سابق علمه أن يطمسها ويحولها قمراً فإنه جعلها دون الشمس في العظم، ولكن إنما يرى صغرها لشدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض. ولو ترك الله القمر كما خلقه أول مرة لم يعرف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، ولا عدد الأيام ولا الشهور، فأرسل جبريل [عليه السلام] إلى القمر فأمرَّ جناحه على وجه القمر وهو يؤمئذ شمس، ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي منه النور فذلك قوله: {وَجَعَلْنَا اليل والنهار آيَتَيْنِ} الآية " فالسواد الذي يرون في القمر أثر المحر. قوله: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي [عُنُقِهِ]}. المعنى: وكل إنسان ألزمناه مما قضي له أنه عامله وصائر إليه من شقاء أو سعادة. فعمله في عنقه لا يفارقه. وقوله: {أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي [عُنُقِهِ]} إنما هو مثل: خوطبوا به على ما كانوا يستعملون في التشاؤم والتفاؤل من سوائح الطير وبوارحها، فأعلمهم الله
[ D] أن كل إنسان قد ألزمه الله طائره في عنقه نحساً كان أو سعداً. قال ابن عباس: " طائره " عمله وما قدره الله [ D] عليه، وكذلك قال مجاهد، [وقال]: وما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد، وقرأ: {أولئك يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب} [الأعراف: 37] أي: ما سبق لهم. يعني: كتاب عمله. وإنما خص العنق بالذكر [دون] سائر الأعضاء لأنه تعالى خاطب العرب / بلسانها وبما تستعمله من لغاتها. والعنق عند العرب هو موضع السمت وموضع القلادة والأطواق وغير ذلك، فنسب إلزام الكتاب إلى العنق لكثرة استعمالهم المعاليق فيه. ألا ترى أنهم قد أضافوا الأشياء الملازمة سائر الأبدان للأعناق، كما أضافوا جنايات أعضاء البدن إلى الأيدي فقالوا: " ذلك بما كسبت يداك ". وإن
كان الذي كسبه لسانه أو فرجه. وقيل: " طائره " حظه. من قولهم: طار بينهم فلان بكذا، إذا أخرج سهمه على نصيب [من] الأنصباء. وقوله: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً}. قرأه مجاهد والحسن وابن محيص " ويخَرج " بياء مفتوحة. على معنى ويخرج له الطائر يوم القيامة كتاباً. فيكون الكتاب على هذه القراءة حالاً. وقرأ أبو جعفر " ويُخرج " بياء مضمومة، على ما لم يسم فاعله والذي قام مقام الفاعل مضمر [في] الفعل و " كتاباً " منصوب أيضاً على الحال، و " كتاباً " على
قراءة الجماعة مفعول بـ " نخرج ". وقال قتادة: " طائره " عمله. والمعنى: على قراءة أبي جعفر ونخرج له ذلك العمل {كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} قال معمر: وتلى الحسن {عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ} [ق: 17]، فقال: يابن آدم بسطت لك صحيفتك، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن يسارك فأما الذي عن يمينك ف [ي] حفظ حسناتك وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك فاعمل ما شئت: أقلل أو أكثر، حتى [إذا] مت طويت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتاباً تلقاه منشوراً. فيقال لك. {اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً} قد عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. ومعنى: {اقرأ كتابك}.
15
أي: كتاب عملك الذي عملته في الدنيا كانت الملائكة تكتبه عليك {كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً} أي: حسيبك اليوم نفسك يحسب عليك أعمالك ويحصيها عليك لا ينبغي عليك شاهداً غيرها. قال: {مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ}. أي: من استقام على طريق الحق فليس ينفع إلا نفسه لأنه يوجب لها رضوان الله [ D] ودخول جنته. {وَمَن ضَلَّ} أي: ومن جار أي: عن قصد الحق فليس يضر إلا نفسه لأنه يوجب لها غضب الله [سبحانه] ودخول النار [أعاذنا الله منها]. وتقدير من اهتدى فإنما يكسب أجر هدايته لنفسه: ومن ضل فإنما يكسب إثم ضلالته لنفسه وهو مثل قوله: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] [وهو] مثل
قوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى}. ويروى أنه نزلت في أبي سلمة / بن الأسود آمن، وفي الوليد بن المغيرة بقي على كفره. وكان الوليد بن المغيرة يقول: اتبعوني وأنا أحمل أوزاركم. فأنزل الله، جل ذكره: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى}. والآية عامة في كل مؤمن وكافر. ثم قال: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى}. أي: لا يحمل أحد ذنبغيره. وقال " وازرة " بمعنى نفس وازرة. وقيل معناه: لا يعمل أحد بذنب لأن غيره قد عمل به كما قال الكفار. {إِنَّا وَجَدْنَآءَابَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا علىءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف: 22]. ثم قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً}. أي: لا نهلك قوماً إلا بعد الأعذار إليهم بالرسل. وقال قتادة: إن الله [ D]
ليس يعذب أحداً حتى يسبق من الله إليه خبر، أو تأتيه من الله [ D] بينة. وقال أبو هريرة: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة، والأبكم، والأخرس والشيوخ، الذين لم يدركوا الإسلام فأرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار. فيقولون [كيف] ولم يأتنا رسول؟ قال: ولو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً فيرسل الله [ D] إليهم [رسولاً] فيطيعه من كان يريد أن يطيعه. ثم قرأ أبو هريرة: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً}. وقيل: معناه ما كنا معذبين أحداً في الدنيا بالإهلاك حتى نبعث رسولاً يبين لهم بأي شيء يعذبهم الله [سبحانه] وبأي شيء يدخلهم الله الجنة. وهذا قول حسن، لأن الآخرة ليست بدار تعبد، فيبعث الله فيها إلى أحد رسولاً، أعلمنا الله أنه لا يعاجل أحداً بعذاب الدنيا إلا بعد إنذار برسول. فأما عذاب
16
الاخرة يحل على من كفر بالتوحيد، وإن لم يلأته رسول، لأن الله جل ذكره قد نصب دلالات، وعلامات، تدل على توحيده كل الخلق. فمن كفر ولم تنفعه تلك الدلالات والآيات دخل النار وإن لم يأته رسول. فإنما تأتي الرسل بالشرائع والتحريض على التوحيد الذي قد نصب الله [ D] عليه الدلالات والعلامات. قال تعالى: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا}. قرأ علي بن أبي طالب Bهـ وأبو عثمان النهدي وأبو العالية أمَّرنا مشدداً وكذلك روي عن أبي عمرو. وقرأ الحسن والأعرج وابن أبي إسحاق وخارجة عن نافع بالمد. وقراءة الجماعة بالقصر والتخفيف. ومعناها: عند أبن عبس: أمرنا إشراف أهلها بالطاعة ففسقوا فيها. وقيل: " المترفون " هنا الفسقة. وقيل: هم المستكبرون. والفاسق والمستكبر إذا أمر عصما فيحق عليه القول بعصيانه.
وعن قتادة: أن معنى " أمرنا " أكثرنا. وقال الكسائي: يجوز أن يكون " أمرنا " من الإمارة، كالمشددة، وأنكر أن يكون / بمعنى أكثرنا. قال: ولا يقال [أمرنا] بمعنى أكثرنا إلا بالمد. وقد حكى أبو زيد وأبو عبيد " أمرنا " مقصوراً، بمعنى أكثرنا. ويقوي هذا التأويل الذي رده الكسائي أن الحديث: " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة. فالسكة
المأبورة النخل المصلح. والمهرة المأمورة الكثيرة النتاج. وهي من أمر. فأما من قرأ بالتشديد، قال ابن عباس معناه سلطنا، أي: جعلنا لهم إمرة وسلطاناً ففسقوا. والمترفون هنا الإشراف. ويجوز أن يكون بمعنى: أكثرنا، قاله: الكسائي وغيره. فأما من قرأ بالمد، فمعناه أكثرنا عددهم ونساءهم. يقال: أمر بنو فلان أمراً إذا كثر عددهم، وغلإمر منه الاسم ومنه قوله تعالى: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} [الكهف: 71] أي: عظيماً. وقوله: {فَفَسَقُواْ فِيهَا}. أي: فخالفوا أمر الله [سبحانه] {فَحَقَّ عَلَيْهَا القول} أي: وجب عليها
17
وعد اللع [ D] الذي وعد من عصاه [به] {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} أي: خربناها تخريباً وأهلكنا من فيها هلاكاً. قوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القرون مِن بَعْدِ نُوحٍ}. هذه الآية فيها تهدد ووعيد لمشركي قريش أن يحل بهم من الهلاك مثل ما حل بالأمم الماضية بعد نوح من الأهلاك بذنوبهم. ثم قال تعالى: {وكفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً}. أي: حسبك يا محمد بعلم ربك وإحصائه لذنوب عباده. والقرن عشرون ومائة سنة. وقيل مائة سنة. وقيل: أربعون سنة. ودخلت الباء في " كفى بربك " و " كفى بالله " لأن في الكلام معنى المدح. فالباء تدل عليه. كما يقول: أكرم به رجلاً. وناهيك به صاحباً.
18
قال تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ}. أي: من كان يعمل للدنيا وإياها يطلب ولا يوقن بمعاد ولا يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ} من توسيع أو تقتير لمن نريد. وقرئت " ما شاء " بالياء، على معنى: ما يشاء الله، أو على معنى: ما يشاء المعجل له ثم يقطره إلى جهنم يصلاها مدموماً مدحوراً. وقال أبو إسحاق الفزاري: معناه: ما نشاء لمن نريد هلاكه. وقال ابن عباس: " مذموماً ": ملوماً. [ثم قال تعالى] {وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ}. أي: ومن أراد ثواب الآخرة وعمل لها عملها الذي هو طاعة الله " وهو مؤمن " أي: مصدق بثواب الله [سبحانه] وعقابه [ D] { فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً}
20
وشكر الله [ D] إياهم على سعيهم، حسن جزائه [تعالى] لهم على أعمالهم وتجاوزه عن سيئاتهم. قال: {كُلاًّ نُّمِدُّ هؤلاء وهؤلاء مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ}. " كلا " منصوب بنمد و " هؤلاء " / بدل من كل. والمعنى: أن الله [ D] يرزق كلا: الذين يريدون العاجلة، والذين يريدون الآخرة من عطائه إلى بلوغ أجل الفريقين. ثم تفترق بهما الأحوال بهد الممات. وتفرق بهم الورود يوم القيامة. فمن أراد العاجلة فإلى جهنم يرد ومن [أراد] الآخرة فإلى الجنة يرد. ثم قال: {وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً}. أي: ممنوعاً عمن بسطه الله [ D] عليه، قال قتادة: محظوراً منقوصاً.
21
وقال في معنى الآية: إن الله [ D] قسم الدنيا بين البر والفاجر: والآخرة خصوصاً عند ربك للمتقين. ومثل هذه الآية في معناها على قول قتادة: {قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا خَالِصَةً يَوْمَ القيامة} [الأعراف: 32] أي: يشترك في الدنيا في الطيبات البر والفاجر. و [الآخرة خصوصاً عند ربك للمتقين، أي]: تخص الآخرة للمؤمنين. قال تعالى: {انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ}. والمعنى: انظر يا محمد كيف هدينا أحد الفريقين إلى السبيل الأرشد، ووفقناه إلى الحق. وخذلنا الفريق الآخر فأضللناه عن الحق، {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} إذ ينصرف فريق إلى النعيم المقيم، وفريق إلى عذاب جهنم لا يفتر عنهم أبداً. وقيل: {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ} في أهل الجنة يتفاوتون في المنازل فيها، منهم من
22
يعلو على بعض في النعيم والدرجات على قدر منازلهم وأعمالهم. قال النبي A " بين أعلى أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها " قال الضحاك: من كان من أهل الجنة عالياً رأى فضله على من هو أسفل منه ومن كان دونه لم ير أن أحداً فوقه أفضل منه. معنى الآية أن ظاهرها خطاب للنبي A والمراد أمته، والمعنى لا تجعلوا مع الله شريكاً فيقعد كل واحد منكم مذموماً، أي: ملوماً على ما صنع " مخذولاً " أي: قد أسلمه ربه. قال تعالى: {وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ}. قال ابن عباس: قضى معناه: أمر. وفي حرف عبد الله: " ووصى ربك " وكذلك قرأها الضحاك و [ال [معنى أمر أن تفرده بالعبادة فلا تجعلوا له شريكاً.
ثم قال: {وبالوالدين إِحْسَاناً}. أي: وأمركم أن تحسنوا بالوالدين إحساناً ومعنى " بالوالدين " إلى الوالدين. وقوله: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا}. من وحد يبلغن فلأنه فعل مقدم فاعله {أَحَدُهُمَا}. ومن أظهر ضمير اثنين فلأنه تقدم ذكر الوالدين فثناهما لتقدم ذكرهما قبل الفعل. ويكون أحدهما مبتدأ وكلاهما معطوف عليه والخبر محذوف. وقيل: أن أحدهما أو كلاهما بدل من المضمر في يبلغن. ثم قال [تعالى]: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} /.
في " أف " / سبعُ لغات: أفَّ بالفتح وأفَّ بالكسر، [و " أف "، بالكسر] والتنوين. فهذه ثلاث قرئ بهن وأربع لم يقرأ بهن وهن: أفّاً بالنصب والتنوين وأفٌّ بالضم والتنوين وأف بالضم غير منون. وحكى الأخفش: " أفي " بالياء. فمن فتح أو ضم أو كسر حركة لالتقاء الساكنين. ومن فتح ونون اعمل الفعل فيه كما تقول: ما قتلت أفاً ولا تفاً. ومن كسر ونون كسر لالتقاء الساكنين وشبهه بالأصوات فنونه. وقيل أن من نونه جعله نكرة، معناه: لا تقل لهما قبيحاً من القول. ومن لم ينونه جعله معرفة معناه: لا تقل لهما القبيح من القول.
وقيل [المنَوَّن] منه وغير المُنَوَّن سواء، وإنما يكون التنوين فرقاً بين المعرفة والنكرة فيما جاء ناقصاً على حرفين نحو مه وصه، ولكن شبه هذا بما جاء على حرفين من هذه فنون على التشبيه لأنه يعطى ذلك للمعنى من التعريف والتنكير. ومن ضم حركة لالتقاء الساكين. و [من] خصه بالضم على التشبيه بقبل وبعد. وقيل: ضم على الاتباع لضمه الهمزة كما تقول: مُدَّ. فتضم الدال اتباعاً لضمة الميم. ومن نون المضموم فعلى القولين الأولين: على التشبيه بالأصوات [أو] للفرق بين المعرفة والنكرة. واستبعد الأخفش التنوين مع الضم. قال: لأنه ليس معه لام. كأنه يقدره إذا رفعه ونونه مرفوعاً بالابتداء. كما قيل: ويل له. وقال في نصبه بالتنوين: إنه مثل: تعساً له. ومعنى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} أي: أن يبلغا عندك من الكبر ما يحدثان عندك من الضعف تحتهما، فلا تقذرهما حين ترى الأذى. ولكن تم [ي] ط عنهما ذلك كما كانا
يميطان [هـ] عنك صغيراً، قاله مجاهد. وقيل معناه: لا تستثقلهما ولا تغلظ عليهما في القول ولا تتبرم عليهما. و [أ] صل هذا: أن الإنسان إذا وقع عليه غبار أو شيء فتأذى به نفخه فقال: " أف " وقيل الأف: وسخ الأظفار. والتف الشيء الحقير، نحو وسخ الأذن. والأول أشهر وأعرف. وقوله: {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا}. [أي]: ولا تضجر عليهما وتصح. وقال عطاء: لا تنفض يديك على والديك. {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً}، قال ابن جريج: أحسن ما تجد من القول. وعن عمر ابن الخطاب [Bهـ] أنه قال: لا تمتنع من شيء يريدانه. وقال قتادة: {قَوْلاً كَرِيماً}
24
سهلاً ليناً. وقال ابن المسيب: هو قول العبد المذنب الذليل للسيد الفظ الغليظ. قال: {واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة}. أي: كن لهما ذليلاً، رحمة منك لهما / وتعظيماً فيما أمر [ا] ك به مما ليس معصية [لله D] . هذا قول عروة بن الزبير. وعنه أيضاً أن معناه: لا تمتنع من شيء أحياه. والذل والذلة: مصدر الذليل. والذل: بكسر الذال من غيرهما، مصدر الذلول. نقول دابة ذلول بينة الذل إذا كانت لينة. ومنه قوله:
{جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً} [الملك: 15]. وقرأ ابن جبير والجحدري " الذِل " بكسر الذال، بمعنى: ألِنْ لهما جانبك واسمح لهما. يقال رجل ذلول بين الذل إذا كان سمحاً لينا مواتياً. ومنه {وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً} [الإنسان: 17]. ثم قال تعالى: {وَقُل رَّبِّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}. أي: وقل: يا رب اعطف عليهما برحمتك كما عطفا عليّ في صغر [ي] فرحماني وربياني صغيراً. وروى عن النبي A أنه قال ذات يوم وهو رافع صوته: " من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه " وكانوا يرون أن من بر
والديه، وكان فيه أدنى تقى، فإن ذلك مبلغه جسيم بالخير. و [قد] قال بعض العلماء أن قوله: {رَّبِّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} منسوخ بالنهي عن الاستغفار للمشركين. وقال بعضهم: الآية مخصوصة في المؤمنين خاصة. وقيل: هي عامة إلا لمن مات من المشركين، فلا يستغفر له. فأما إذا كانا مشركين حَيَّيْنِ، فيجوز للمسلم أن يستغفر لهما كما فعل إبراهيم [ A] خليل الرحمن [ D] . ويروى أن رجلاً قال: " يا رسول الله هل بقي علي من بر والدي شيء أبرهما [به] بعد موتهما؟ قال: " نعم، الصلاة عليهما [يعني] الدعاء لهما، والاستغفار
لهما، وإكرام صديقهما ولإنفاذ عهدهما، وصلة الرحم التي لا يوصل إلا بهما ".
25
قوله: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ}. معناه: ربكم يعلم ما تعتقدون من إبرار والديكم وتعظيمكم إياهم، أو ضد ذلك من العقوق لهم، فيجازيكم على ما تعتقدون في أمرهم. [ومعنى {إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ} أي: إن أصلحتم نياتكم وأطعتم الله في والديكم في القيام بهم والمعرفة بعقوقهم بعد صبوة كانت معكم في أمرهم]، أو زلة زللتم، في [ترككم] إبرارهم، {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ} أي: للثوابين بعد الهفوة " غفوراً " أي: ساتراً لذنوبهم إذا تابوا منها. قال ابن جبير في قوله: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ}. هي المبادرة: تكون من الرجل إلى أبويه بذلك إلا الخير.
وقال ابن عباس: " للأوابين " المسبحين. وقيل: هم المحسنون المطيعون. روي ذلك عن ابن عباس أيضاً. وقال قتادة: هم المطيعون، أهل الصلاة. وقال ابن المنكدر: هم المصلّون بين المغرب والعشاء. وقال عون العقيلي [هم] الذين يصلّون صلاة الضحى. وقال مالك / عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقال ابن جبير: هم الراجعون إلى الخير. وقال مجاهد:
26
هم الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء فيتوبون منها. وأصل آب إلى كذا، رجع إليه فكأنهم الراجعون من معصية الله [ D] إلى طاعته. ومن آب الرجل من سفره، أي: رجع. وأوّاب فعّال من أب. والأوبة الرجعة منه. قال تعالى: {وَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ والمسكين وابن السبيل}. هذا خطاب للنبي A والمراد به أمته. قال الحسن أمر الله [ D] في هذه الآية بصلة الرحم، ونذب إلى أن تعطي القرابة من المال من غير الزكاة، ولهم في الزكاة حق وغير ذلك. وقال ابن عباس: هو أن تصل قرابتك والمساكين وتحسن إلى ابن السبيل. وقيل: عني بذي القربى هنا قرابة رسول الله A. وروي ذلك عن الحسن بن علي، أن يعطوا من غير الزكاة. والمسكين هنا هو الدليل من الفقر. وابن السبيل المسافر المنقطع به يضاف
27
ويحسن إليه. وقيل: حق ابن السبيل ضيافته ثلاثة أيام. وهذا ندب غير فرض. ثم قال تعالى: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً}. أي: لا تمحق ما أعطاك الله [ D] من مال في معصيته، وأصل التبذير التفريق في السرف. قال ابن مسعود: التبذير: الإسراف في الإنفاق في غير حق. وهو قول ابن عباس وقتادة. وقال ابن زيد: هو النفقة في المعاصي. وهذا قوله حسن. قال تعالى: {إِنَّ المبذرين كانوا إِخْوَانَ الشياطين}. [أي: المفرقين أموالهم في معاصي الله تعالى وفي غير الحق كانوا أولياء للشياطين]. {وَكَانَ الشيطان لِرَبِّهِ كَفُوراً}. أي: لنعمة ربه [ D] جاحداً لا يشكره عليها، إذ يترك طاعته ويتبع معصيته فكذلك إخوانه من بني آدم.
28
وكل من تابع أمر قوم وسنتهم فالعرب تسميه أخاً. فلذلك قال: {كانوا إِخْوَانَ الشياطين}. قال تعالى: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابتغآء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا}. أي: إن أعرضتم بوجوهكم عن هؤلاء الذين أمرتم أن تعطوهم حقوقهم من أجل عدمكم، تبتغون انتظار رزق من عند الله فلا تؤيسوهم ولكن قولوا لهم قولاً ميسوراً، أي: عدوهم وعداً جميلاً. بأن تقولوا لهم: سيرزق الله فنعطيكم. . . وشبه ذلك من القول اللين. كما قال تعالى ذكره: {وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ} [الضحى: 10] هذا معنى قول النخعي وابن عباس وغيرهما. وقال ابن زيد: معنى الآية: إن خشيتم منهم أن ينفقوا ما أعطيتموهم في معاصي الله [ D] ورأيتم أن منعهم خير، فقولوا لهم: قولاً ميسوراً، أي: قولاً
جميلاً: رزقك الله، ووفّقك الله ونحوه. وكان النبي عليه السلام إذا سئل وليس عنده شيء أمسك انتظار رزق الله [ D] أن يأتي كأنه يكره الرد. فلما نزلت {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} كان إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي يقول / يرزقنا الله وإياكم من فضله. وقال جماعة من المفسرين: [نزلت] هذه الآية في خباب، وبلال وعامر بن فهيرة، وغيرهم من فقراء المسلمين كانوا يسألون النبي A فيعرض عنهم ويسكت. إذ لا يجد ما يعطيهم، فأمر أن يحسن لهم في القول، إلى أن يرزقه الله ما يعطيهم، وهو قوله: {ابتغآء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا}، أي: انتظار الرزق من ربك تتوقعه {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} أي: عدهم وعداً حسناً.
29
قوله: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ}. هذا مثل ضربه الله [ D] للممتنع من الإنفاق في طاعة الله [ D] وفي الحقوق التي أوجبها الله [سبحانه]، فجعل المانع لذلك كالمشدودة يده إلى عنقه لا يقدر على الأخذ بها والإعطاء. والخطاب للنبي [ A] والمراد به أمته، والمعنى: ولا تمسكوا أيديكم بخلاً عن النفقة في الله، فتكونوا كالمغلولة يداه إلى عنقه، ولا تبسطوها بلنفقة كل البسط، فتبقون لا شيء لكم ولا تجدون إذا سئلتم ما تعطون سائلكم، فتقعدون، وأنتم ذوو لوم، أن يلومكم سائلوكم إذ لم تعطوهم، وتلومكم أنفسكم على الإسراف في أموالكم. ومعنى {مَّحْسُوراً} أي: مقطوعاً لا شيء معك، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة. وقال ابن جريج: معناه لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به، ولا تبسطها بالإنفاق فيما نهيتك عنه، " فتقعد ملوماً " مذنباً " محسوراً " منقطعاً بك. وقال ابن زيد: معناه: لا تمسك عن النفقة في الخير، ولا تنفق في الحق والباطل،
30
فينفد ما في يديك فلا تجد ما تعطي سائلك فيلومك، وتقول أعطيت هؤلاء ولم تعطني. وقيل المعنى لا تبخل فتمنع حق الله [ D] ولا تجاوز الحق الواجب في الإنفاق والإعطاء فيبقى قوم من السؤال يتأخرون فلا يجدون ما يأخذون {فَتَقْعُدَ مَلُوماً} يلومك الناس الذين فاتهم العطاء " محسوراً " أي منقطعاً ليس معك ما تعطي. قال: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ}. أي: يوسّع على من يشاء في رزقه ويقتر على من يشاء، إنه خبير بعباده يعلم مصالحهم ويعلم ما يفسده السعة في الرزق ويصلحه التقتير، ومن يفسده التقتير وتصلحه السعة، بصير بتدبيرهم وسياستهم. وروي عن قالون: " كل البصط " بالصاد. والأشهر عنه وعن الجماعة بالسين.
31
قال [تعالى]: {وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ}. هذا نهي عما كانت العرب تفعله. كانت تقتل البنات خوف الفر [والإملاق] والفاقة، فأخبرهم الله [ D] أن أرزاقهم وأرزاق أولادهم على الله [ D] . وتقتلوا في موضع / نصب عطف على: {وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا} [الإسراء: 23] ولا تقتلوا ". و [قيل]: هي في موضع جزم على النهي. وكذلك: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى} [الإسراء: 23]. " ولا تقتلوا ": وما بعده هو كله عند الطبري منصوب محمول على: {وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا} وينقض عليه هذا التقدير قوله: " ولا تقف " وقوله: " ولا تمش "، فهذا مجزوم على النهي بلا اختلاف، فما قبله مما عطف عليه [مثله
مجزوم] وعلى ذلك أكثر العلماء، وهو الصواب إنشاء الله [ D] . ومعنى " كان خِطئاً ": على قراءة نافع كان إثماً كبيراً. لأنه يقال: خطئ يخطا خطئاً فهو خ [ا] طئ كإثم يأثم [إثماً] فهو آثم، وذلك إذا أتى الذنب عمداً. ويقوي هذا ما روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أنهم قالوا: الخطء الخطيئة. ومعنى الآية: يدل [على] هذه القراءة لأنهم كانوا يتعمدون قتل البنات خوف الفقر. وقيل: إن هذه القراءة لغة في الخطأ والخطأ ما لم يتعمد فجاء فيه فعل وفعل كما يقول قتبٌ وقُتُبٌ، ونَجِسٌ ونَجَسٌ. وقراءة ابن ذكوان: " خَطَأ " بفتح الخاء والطاء. ومعناها: كان غير صواب.
الخطأ ما لم يتعمد فعله يقال أخطأ الرجل يخطي أخطاءً إذا لم يتعمد. والخطأ الاسم منه. وزعم أبو عبيدة أن الخطء [والخطا] مما تعمّد كلاهما من خطئة فالخطأ الاسم منه والخطا المصدر بمنزلة حذر حذراً. وقرأ ابن كثير " خطاءً " بالمد وكسر الخاء. وقرأ الحسن بفتح الخاء والمد. وأنكرهما النحاس، ووجههما ظاهر. وقد قال امرؤ القيس في وصف فرسه:
32
لها وثبات كصَرُبِ السحاب ... فواد خطاء وواد مُهْر ويروى بفتح الخاء، رواه أبو حاتم بالفتح لقراءة الحسن. ورواه أبو عبيدة " فواد خطيط ". قال الأصمعي: الخطيطة: أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين. فكان فرسه يثب وادياً لا يؤثر فيه ويؤثر في آخر، فشبه ما يؤثر فيه بالواد الممطور. وما لم يؤثر فيه بالواد الخطيط. فهذا تمثيل. وفال ابن الإعرابي: " فواد خطا " أي يخطو وادياً، وواد مطر. أي تعدو [وا] دياً. فتكون [خطاء]: جمع خطوة، مثل: صفوة وصفاء. [فيكون] معنى القراءة، على هذا المعنى، إن قتلهم كان تركاً للحق ومجاوزة إلى الباطل. قال [تعالى]: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً}. أي: وقضى ربك ألا تقربوا الزنا. هذا [على] قول: من جعله في موضع
33
نصب. ومن جعله مجزوماً، قدره نهياً بعد نهي فالمعنى أن الزنا كان فاحشة. {وَسَآءَ سَبِيلاً} أي: وساء طريق الزنا طريقاً لأنه معصية لله [ D] تورد صاحبه نار جهنم. قوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق}. أي: لا تقتلوا نفساً قد حرّم الله [ D] قتلها. " إلا بالحق " / أي: إلا أن تكفر بعد إسلام، أو تزنى بعد إحصان، أو قوداً بنفس. وقوله: {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً}. أي: جعلنا له نصراً وحجة على أخذ الثأر ممن قتل وليّه فإن شاء عفا وإن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية. فإذا عفا بعض الورثة لم يقتل القاتل. والمرأة في ذلك والرجل سواء إذا كانا وارثين، هذا قول الشعبي وعطاء وطاووس والنخعي
والثوري والشافعي وابن حنبل. فإن كان في الورثة صغيراً استوني بالقتل حتى يبلغ، فإن عفا لم يقتل وإن لم يعف قتل، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى. وابن شبرمة. والثوري وأحمد وإسحاق. وقال الحسن البصري وقتادة لا عفو للنساء وإن كن وارثات. وعن عمر بن الخطاب Bهـ في المرأة اختلاف، وروي عنه أنه قال: لا عفو
للزوج، وعنه: لا عفو للمرأة في الدم. وقال الليث وربيعة والأوزاعي ليس للنساء عفو في دم ولا قسامة. وقال مالك إذا كان ورثة المقتول بنين وبنات فعفت إحدى البنات لم يجز عفوها، فإن عفا أحد البنين جاز العفو وأخذت الدية ويرثها الورثة على قدر موارثهم من الميت، ويقضي عن الميت من الدية دين إن كان عليه. وقوله {لِوَلِيِّهِ} يحتمل واحداً وجماعة، كما قال: {إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ} [العصر: 2]. ومعنى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً} أي: من قتل على غير المعاني المتقدم ذكرها. وقال الشافعي: إذا عفا الولي استحق أخذ الدية.
ثم قال تعالى: {فَلاَ يُسْرِف فِّي القتل}. أي: لا يقتل الولي غير قاتل وليه. لأن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك: يقتل الرجل الرجل فيقتل أولياء المقتول أشرف من القاتل ويتركون القاتل، فنهى الله [ D] عند ذلك بقوله: {فَلاَ يُسْرِف فِّي القتل} أي لا يسرف الولي. ومن قرأ بالتاء، جعله مخاطبة للنبي A والأئمة بعده. وقيل هو مخاطبة للقاتل ألا يقتل غيره فيسرف في ذلك فيناله القتل. وقيل: معنى {فَلاَ يُسْرِف فِّي القتل} لا يمثل ولي المقتول بالقاتل، بل يقتله كما قتل وليه، قاله قتادة. وقيل: معناه لا يقتل اثنان بواحد. والهاء في " أنه " تعود على المقتول، فتعود الهاء على " من " قاله مجاهد. فيكون
34
المعنى: إن المقتول كان منصوراً بوليه. وقال قتادة: الهاء للولي. أي: [بأن الولي] كان منصوراً. وقيل: الهاء تعود على الدم. أي: [إن] دم المقتول كان منصوراً على القاتل. وقال الفراء: الهاء تعود على القتل أي القتل كان منصوراً. وقال أبو عبيدة الهاء للقاتل [أي]: إن القاتل كان منصوراً إذا قيد منه في الدنيا وسلم من عذاب الآخرة بقتله. قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ}. أي: لا تأكلوا أموال اليتامى إسرافاً وبدراً أن يكبروا ولكن / أقربوها بالإصلاح والتثمير لها. قال قتادة: لما نزلت هذه الآية، اشتد ذلك على أصحاب النبي A. فكانوا لا
يخالطوهم في طعام ولا أكل ولا غيره. فأنزل الله [ D] . { وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح} [البقر: 220] فكانت هذه رخصة لهم في المخالطة. وقال مجاهد: معنى الآية: لا تقربوا مال اليتيم فتستقرضوا منه {إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ} التجارة لهم فيها. وقوله: {حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}. قال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك بن أنس: الأشد: الحلم. ومعناه في اللغة: حتى يبلغ وقت اشتداده في العقل وتدبير ماله وصلاح حاله في دينه. وأن يكون مع ذلك في غير ذي عاهة في عقل وأن يكون حاز ما في ماله. وكذلك الأشد في قصة يوسف [عليه السلام] هو الحلم، فأما الأشد في [قصة] موسى [عليه السلام] فقيل: هو بضع وثلاثين سنة. و " استوى " بلغ أربعين سنة.
35
و [قيل]: الأشد هنا ثمان عشرة سنة. والأشد، عند سيبويه، جمع واحد [هـ]: شَد كقَد وأقدُ. وهو عند غيره اسم مفرد. ثم قال [تعالى]: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً}. أي: مسؤولاً عنه من نقضه. أي: أوفوا بما عاهدتم عليه الناس من صلح أو بيع أو شراء. إن الله سائل ناقض العهد عن نقضه إياه، وقيل: مسؤولاً: مطلوباً. ومن العهد الذي أمر الله [ D] بوفائه الوقوف عند أمره ونهيه والعمل بطاعته ومنه جميع ما أمر الله [ D] به في هذه الآية قبله ونهى عنه. قوله: {وَأَوْفُوا الكيل إِذا كِلْتُمْ}. أمر الله جل ذكره عبيدة ألاّ يبخسوا الناس في الكيل إذا كالوا لهم وأن يزنوا بالقسطاس، وهو العدل بالرومية قاله مجاهد. وقال الضحاك: هو الميزان. وقال
36
الحسن: هو القبان. وروى الأعمش عن أبي بكر: " القصطاس " بالصاد في السورتين. ثم قال: {ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}. أي ذلك خير لكم. أي: الوفاء خير لكم من بخسكم إياهم وأحسن عاقبة. وقيل: معناه وأحسن [من] تؤول إليه الأمور في الدنيا والآخرة. وعن النبي A أنه قال: " لا يقدر الرجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله [ D] إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك ". وقال قتادة: " وأَحْسَنُ تَأَوْيلاً " وأحسن ثواباً وعاقبة. قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}.
قال ابن عباس: معناه ولا تقل ما ليس لك به علم. وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، ولا سمعت، ولم تسمع فإن الله سائلك عن ذلك كله. وقال محمد بن الحنفية: هو شهادة الزور. وعن ابن عباس أيضاً معناه: لا ترم أحداً بما ليس لك به علم. وكذلك قال مجاهد: فدخل في هذه المعاني النهي عن قذف المحصنة، وعن القول في الناس / بما لا تعلم، وعن الكلام في الدين والفقه بالظن. وقيل معناه: لا ترم أحداً بذنب لم تحققه، وإنما هو ظن طننته به. والقفو شبيه بالبهتان: يرمي به الرجل صاحبه. وقال الفراء: تقف من القيافة، يقال: قاف القايف يقوف إذا اتبع الأثر [إلا]
أنهم قدموا القاف وأخروا الواو، كقولهم: جذب وجبذ. وقرأ بعضهم: " ولا تقف " مثل تقبل من: قفت الأثر وقراءة الجماعة من قفوت. وهو مثل قولهم: قاع الجمل يقوع وقعاً يقعوا إذا ركب الناقة. ومثله قولهم عاث في البلاد وعثى إذا أفسد. فأما قوله: {إِنَّ السمع والبصر والفؤاد} فإنه يدخل فيه النهي عن الاستماع إلى ما لا يحل، والنظر إلى ما لا يحل لأن هذه الأعضاء مسؤولة عما يستعملها ابن آدم فيه من خير وشر. وأصل القفو في اللغة التتبع. ومه [يقال] قفوت أثر فلان أي تتبعته، ولذلك قال أبو عبيدة، " ولا تَقْفُ مَا لَيْس " لا تتبع ما ليس لك به علم. وحكى الكسائي عن العرب: قفوت أثره وقفت مثل قلت فيقدمون مرة الواو ويؤخرونها مرة كما يقال: قاع الجمل الناقة إذا ركبها وقعاها. فيكون على القلب مثل قول الشاعر:
ولو أني رميتك من بعيد ... لعاقك من دعاء الذنب عاق يريد عائق، فقلب. وقوله: " كُلُّ أُولَئِكَ " ولم يقل ذلك، فإنما جرى على ذلك لأن " أولئك " و " هؤلاء " للجمع القليل الذي يقع للتأنيث والتذكي. و " هذه " و " تلك " للجمع الكثير. والتذكير للقليل من الجمع كما كان التذكير في الأسماء قبل التأنيث والتأنيث بعده. فكذلك التذكير للجمع الأول. والتأنيث للجمع الثاني وهو: الجمع الكثير. وقال الزجاج: كل ما أشرت إليه من الناس، وغيرهم، ومن الموات فلفظه لفظ أولئك.
37
وقيل: كل ما تشير إليه وهو متراخ عنك فلفظه لفظ أولئك. قال تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً}. أي: لا تمش [في الأرض] مختالاً بطراً متكبراً. ونصب " مرحاً " على الحال وهو مصدر في موضع الحال. وقرأ بعضهم: " مَرِحاً " بكسر الراء جعله اسم فاعل وهو نصب على الحال أيضاً. واختار الأخفش هذه القراءة. واختار الزجاج فتح الراء قال: لأن فيه معنى التوكيد وليس ذلك في اسم الفاعل. ثم قال [تعالى] " {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض}. أي: لن تقطع الأرض باختيالك واستكبارك. وقيل: معناه إنك لن تقدر على خرق الأرض، وإنما نهى الله [ D] في هذا عن التكبر والفخر والخيلاء، فأعلم
38
خلقه أنهم لا ينالون بذلك، إذا فعلوه، شيئاً لا يبلغه غيرهم ممن لا فخر معه ولا خيلاء. أي: كل ما نهى الله [ D] عنه فهو عند ربك سيئة مكروهة. وقرأ الكوفيون وابن عامر " سيئة " بإضافة السيء إلى الهاء. وحجة هذه القراءة أن الله [ D] قدّم ذكر أشياء / أمر بفعلها، وذكر أشياء نهى عنها. ولو كان " سيئة " غير مضاف لجعل ما أمر به ورغب في فعله مما تقدم ذكره: كبر الوالدين وإيتاء ذي القربى حقه، ونحوه. سيئة. وهذا لا يجوز فوجب أن يكون السيء مضافاً على معنى: كل ذلك كان السيء منه مكروهاً. وهو قتل النفس وأن تقف ما ليس لك به علم، والزنا، وقتل الأولاد وشبهه. واحتج أيضاً لها بقوله: " مكروهاً " ولم
يقل " مكروهة " فوجب تذكير " السيء " وإضافته لذلك. وهذا لا يلزم من قرأ " سيئة " غير مضاف لأن الله [ D] قدّم الأشياء المرغب [في] فعلها ثم أعقبها بما نهى عنه فرجعت " كل ذلك [في قوله: " كل ذلك] كان سيئه على الأشياء التي نهى عنها دون ما تقدم مما رغب في فعله. وأما التذكير فهو حسن لأنه ذكر " مكروهاً وعلى لفظ " كل " و " كل " مضمر في " كان " و " مكروهاً " خبر عن ذلك المضمر. و " سيئة " خبر آخر فأجرى أحد الخبرين على اللفظ فذكّر، والثاني على المعنى، فأنّث. وقال إنما ذكر " مكروهاً " في قراءة من قرأ " سيئة " لأن تأنيث السيئة غير حقيقي. وقيل: " السيء " و " السيئة " واحد فأجرى " مكروهاً " على " السيء " كما حملت الصيحة على الصياح، والرحمة على الرحم، والبينة على البينات والموعظة [على
39
المواعظ]، فجاز تذكير ذلك كله ولفظه مؤنث. وقيل: " السيئة " و " السوء " واحد فذكر " مكروهاً " حملاً على " السوء ". وقيل إن من قرأ " سيئة " بالإضافة، إنما إضافة على معنى " السيء " كالذي يتحصل من جهته لأن بعضه غير سيء وبعضه سيء. كقوله: {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} [الحج: 30] يعني: من جهة الأوثان إذ الرجس يكون من جهات سوى الأوثان. قوله: {ذَلِكَ مِمَّآ أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحكمة}. المعنى الذي بيّنا لك يا محمد من الأخلاق: المرغب فيها، والتي نهيناك عن فعلها، " مما أوحى إليك ربك من الحكمة " أي: من الأشياء التي أوحاها إليك ربك يعني القرآن. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها آخَرَ}. أي: شريكاً في عبادته. {فتلقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً}.
40
أي: تلومك نفسك وعارفوك من الناس: " مدحوراً ": مبعداً مقصى في النار. قال ابن عباس: " مدحوراً " مطروداً. ويروى أن من قوله [تعالى ": {[وَ] لاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها آخَرَ فتلقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً} إلى قوله: {مَلُوماً مَّدْحُوراً} هي العشر كلمات التي أنزلها الله [ D] على موسى [ A] في التوراة. ومثلها التي في الأنعام {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] إلى آخر الثلاث آيات. وهي المُحْكَمَة التي ذكرها الله [ D] في سورة آل عمران. وفيه اختلاف قد ذكرته هنالك. قال: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملائكة إِنَاثاً}. هذا توبيخ للمشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله [سبحانه و] تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ومعناه افاختار لكم ربكم أيها الناس / الذكور من الأولاد واتخذ
41
لنفسه البنات وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، فجعلتم لله [ D] ما لا ترضون لأنفسكم. وقيل: الذين قالوا هذا هم اليهود، قاله قتادة. وقيل: هم كفرة العرب وعليه أكثر المفسرين. ثم قال تعالى: {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً}: أي قولة منكرة. قال: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذا القرآن [لِيَذَّكَّرُواْ]}. أي: صرفنا لهؤلاء المشركين، الآيات والعبر والأمثال، والتخويف، والإنذار، والوعد، والوعيد. والمفعول لصرفنا محذوف وهو التخويف والإنذار وشبهه وقيل: " في ": زائدة والمعنى: صرفنا هذا القرآن. والأول أحسن. فالمعنى: صرفنا الأمثال في هذا القرآن لعلهم أن يتذكروا ذلك فيعقلوا خطأ ما هم عليه، فيرجعوا ويؤمنوا وما يزيدهم ذلك البيان إلا نفوراً عن الحق وبعداً منه.
وتشديد " لِيَذَكَّرُوا " تحقيقه بمعنى: يقال تذكرة ما صنعت. وذكرت ما صنعت بمعنى: قال ذكره: {اذكروا نِعْمَتِيَ} [البقرة: 40] بمعنى: تذكروا نعمتي، أي: تفكروا فيها واعتبروا. وقال: {واذكروا مَا فِيهِ} [البقرة: 63] وقَالَ: {[كَلاَّ] إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} [عبس: 11 - 12] و {مَّا تَذَكَّرُونَ} [الحاقة: 42] " فكله بمعنى الاتعاظ والاعتبار لا بمعنى ذكر النسيان. وليس من خفف يجعله من ذكر النسيان وإنما هو من التفكر والاعتبار كالمشدد.
42
قال [تعالى]: {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ}. المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله ءالهة: لو كان الأمر كما تقولون من أن مع الله [سبحانه] ءالهة إذن لابتغت تلك [الآلهة] القربى من الله [ D] ذي العرش العظيم، والتمست الزلفى عنده [جلّت عظمته]. قال قتادة معناه: إذن لعرفوا له فضله فابتغوا ما يقربهم إليه. وقال ابن جبير معناه: إذن لطلبوا إليه طريقاً للوصول ليزيلوا ملكه. وقيل معنى ذلك: إذن لطلبوا الربوبية وضادوه في ملكه كما يفعل ملوك الدنيا. قال تعالى: {سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ}. ينزه نفسه عما قالوا وافتروا.
44
و " كلوا ": مصدر. جاء على غير ال [م] صدر. ولو جاء على مصدر الكلام لكان تعالياً، ولكنه مثل {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} [المزمل: 8] ومثل " {أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً} [نوح: 17]. قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع}. أي: تنزهه من السوء الذي وصفه به المشركون و " من فيهن "، يعني: من في السموات والأرض من الملائكة والجن والإنس. ثم قال: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}. روى جابر بن عبد الله أن النبي A قال: " " ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً قال لابنه: " يا بني آمرك [أن تقول سبحان الله وبحمده " فإنها صلاة] الخلق وتسبيح الخلق وبها يرزق الخلق، قال الله [ D] : { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} ".
وعن النخعي أنه قال: الطعام: يسبح. وقال قتادة: كل شيء فيه روح يسبح / من ضجرة وغيرها. وقيل معنى ذلك: أن ما من شيء إلا يدل على توحيد الله وينزهه من السوء، فذلك تسبيحه. وقال الحسن: كل شيء فيه روح يسبح بحمده. {ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} أي: لا تعقلون ذلك. وروى معاذ بن محمد الأنصاري أن النبي عليه السلام قال: " لا تقتلوا الضفادع فإنه ليس لله [ D] أكثر تسبيحاً منها ". وذكر أبو عبيد أن داوود A بات داعياً لربه [ D] ومصلياً حتى أصبح فذهب إلى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد مثلها من أهل الأرض. فكلمته ضفدع من الماء فقالت له: كلا يا أبا سليمان، فوالله إنه لي ثلاثاً من الدهر ما جمعت [ما] بين فقمي تسبيحاً لله [ D] .
واختلف الناس في تسبيح الموات كالجبال والحيطان [وشبه ذلك]: فقال قوم: تسبيح ذلك ما فيه من دلالة على خالقه ومشيئته، ومنه قوله: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله} [البقرة: 74] يعني: يتبين في ظاهره من قدرة الله [ D] على خلقه ما يضاهي الخشية لله والإقرار بقدرته. وقال آخرون: تسبيح الموات أنها تدعو الناظر إليها والمتأمل لخلقها إلى تسبيح الله [تعالى] والنطق بعظمته. فنسب التسبيح إلى الموات لما كانت تنسبه. كما قالت العرب له: إبل تنطق الناس أي إذا نظروا إليها نطقوا تعجباً منها، من كثرتها، فقالوا سبحان الله! ما أكثرها! ما أحسنها! و [قال] آخرون وهم أصحاب الحديث وكثير من العلماء. الأشياء كلها تسبح، الموات وغيره، والله [ D] يعلم تسبيح كل صنف منها، وقد كلمت الحجارة والأشجار والجمادات الأنبياء [عليهم السلام، وكذلك البهائم كلمت الأنبياء وكلمت من كان في عهد الأنبياء. والروايات بذلك كثيرة مشهورة. وهذا باب يتسع فيه
45
الكلام لكثرة الشواهد عليه. ثم قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}. أي: حليماً لا يعجل على خلقه المفترس عليه. " غفوراً " أي: ساتر [اً] لذنوب من آمن [به] منهم. قال قتادة: حليماً: أي: لا يعجل كعجلة بعضهم على بعض. قوله: {وَإِذَا قَرَأْتَ القرآن جَعَلْنَا}. أي: وإذا قرأت يا محمد القرآن على هؤلاء المشركين جعلنا بينك وبينهم حجاباً يستر قلوبهم على أن يفهموا ما تقرأه عليهم فينتفعوا به عقوبة على كفرهم. ومستوراً هنا: بمعنى: ساتر لقلوبهم. وقيل: هو على بابه مفعول لأن الله [ D] قد ستر الحجاب عن أعين الناس فهو مفعول على بابه. والحجاب هنا
46
الطبع على قلوبهم. ونزلت هذه الآية في قوم كانوا يسبّون النبي A بمكة إذا سمعوه يقرأ ليشتدَّ على الناس فأعلمه الله [ D] أنه يحول بينه وبينهم حتى لا يفهمون ما يقول. قال /: {وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ}. أي: جعلنا على قلوبهم أغشية تغشاها فلا تفهم ما تقرأ. والأكنة: جمع كنان: " أيفقهوه ": أي: كراهة أن يفقهوه وقيل: معناه [ا] لا يفقهوه. و {وفيءَاذَانِهِمْ وَقْراً}. أي: جعلنا في ءاذانهم صمماً لئلا يسمعوه.
أي: قال: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي القرءان وَحْدَهُ}. [أي]: إذا قلت لا إله إلا الله في القرءان {وَلَّوْاْ على أدبارهم نُفُوراً} أي: انفضوا عنك وذهبوا نفوراً من قولك واستعظاماً من تويحد الله جل ذكره. وقال عبد الله بن الحسن: هو قوله: بسم الله الرحمن الرحيم. وقال ابن زيد " نفوراً " بغضاً لما تكلم به لئلا يسمعوه كما كان قوم نوح يجعلون أصابعهم في ءاذانهم لئلا يسمعوا ما يأمرهم به نوح [ A] من الاستغفار والأمر بالتوحيد. وروي عن ابن عباس: أنه عني به الشياطين إذا سمعوا ذكر الله [ D] وحده في القرءان هربوا. ووحده: منصوب عند سيبويه على المصدر. ولا يكون إلا مضافاً ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث في ذاته، فإذا قلت جاءني زيد وحده، فكأنك قلت أفرد زيد نفسه بمجيئه إليّ إفراداً. أي: لم يأتني مع غيره. وإذا قلت: رأيت القوم وحدهم. فمعناه:
أفردتهم برؤيتي لهم أفراداً. أي: لم أجاوزهم إلى غيرهم. فكأنه مصدر عمل فيه فعال في معناه من غير لفظه. فأما قولهم: هو نسيج وحده. فهو مجرور في هذا المثل. ومعناه: المدح للرجل المنفرد برأيه. وهو مأخوذ من الثوب النفيس الذي لا ينسج على منواله [غيره]. وكذلك قولهم: هو عُيير وحدِه وجُحيش وحدِه أتى مخفوضاً مضافاً إليه، ولا يقاس على هذه الثلاثة غيرها. فأما قولهم: رأيتهم ثلاثتهم وخميستهم، ونحوه من العدد فيحسن نصبه على المصدر كأنك قلت: ثلثتهم تثليثاً وخمستهم تخميساً. وبعضهم يجر [ي] هـ على ما قبله من الأعراب. يجعله بمنزلة كلهم. فيقول: فعلنا ذلك خمستنا، فيرفع كما تقول: كلنا. وإن شئت نصبت على المصدر وكذلك: مروا بنا خمستنا. وخمستنا تخفض على
47
التأكيد للمضمر المخفوض وينصب على المصدر، وترفع على التأكيد للمضمر المرفوع. قال [تعالى ذكره]: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ}. أي: نحن أعلم بما يستمع هؤلاء المشركون إذ يستمعون إليك وأنت تقرأ. {وَإِذْ هُمْ نجوى} [أي: ذووا نجوى] أي: ذوواسر. وهذا مثل قولهم " قوم رضى " ونجواهم هو سرهم في دار الندوة في أمر النبي A. والعامل في: إذ ": من قوله: {إِذْ يَقُولُ} " نجوى " أي: يتناجون في هذا الوقت. والعامل في إذ الأول " يستمعون: الأول. والمعنى: نحن يا محمد لا أعلم باستماعهم إلى قراءتك وقت استماعهم وهم يتناجون في / وقت قولهم بعضهم لبعض: ما تتبعون إلا رجلاً مسحوراً. وقيل: يقول ذلك للمؤمنين. ومعنى " مسحوراً ": أي: له سَحَر، والسحر الرئة. أي: يأكل ويشرب لأن
48
كل من له رئة يأكل ويشرب فهو مثل قولهم {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً}، مثلكم. وقيل المعنى: قد سحروا وأزيل عن حد الاستواء. قال [تعالى]: {انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال} المعنى: انظر يا محمد بعين قلبك كيف شبهوا لك الاشتباه لقولهم هو مسحور وهو شاعر وهو مجنون. " فضلوا " أي: فجاروا عن قصد السبيل بقولهم. {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً}. أي: فلا يهتدون إلى طريق الحق. وعني بهذا: الوليد بن المغيرة وأصحابه قاله: مجاهد. قوله: {وقالوا أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً [أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ]} إلى قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً}. المعنى: أن الله جل ذكره أخبر عن قول المشركين وإنكارهم البعث بعد
50
الموت. والرفات: التراب، قاله مجاهد. أي: قالوا منكرين للبعث أنُبعَث بعد أن كنّا عظاماً وتراباً في قبورنا. وقال ابن عباس: الرفات: الغبار. وقال أبو عبيدة والكسائي/ الرفات الحطام. والعظام ما لم يتحطم، والرفات: ما تحطم، كذا قال أبو عبيدة. والرفات في اللغة: الرضاض والحطام. يقال: رفت رفتاً إذا حطم. ولا واحد له كالدقاق. وهذا المثال في هذا المعنى، يأتي أبداً محل فعال. نحو الفتات والتراب والرفات والغبار والحطام والرضاض. ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام قل لهم يا محمد: {قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً (50)} أو كونوا على أي خلق يعظم في صدوركم فلا بد لكم من الموت والبعث أي: استشعروا مت شئتم أن تكونوا عليه من الخلق. فلا بد أن يمتكم الله [ D] ثم يحييكم. وقال ابن عباس في قوله: {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} هو الموت. أي: لو كنتم
الموت بعينه لأماتكم الله D ثم أحياكم، وهو قول: أبي صالح والحسن والضحاك. وقال ابن جبير، كونوا الموت فإن الموت سيموت. قال عبد الله بن مسعود: يوتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح حتى يجعل بين الجنة والنار فينادي مناد يسمع أهل الجنة وأهل النار، فيقول هذا الموت قد جئنا به ونحن مهلكوه، فأيقنوا يا أهل الجنة ويا أهل النار بأن الموت قد هلك. وقال مجاهد قوله: {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} هو السماء والأرض والجبال. ثم أخبر عنهم تعالى ذكره أن جوابهم للنبي [ A] إذ قالوا له " من يعيدنا " أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديداً، فقل لهم يا محمد يعيدكم {الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي: الذي خلقكم ولم تكونوا شيئاً. ثم قال الله [ D] لنبيه [عليه السلام] {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ}.
أي: يحركونها استهزاء واستبعاداً للبعث. و/ النغض في كلام العرب حركة بارتفاع وانخفاض. {[وَيَقُولُونَ] متى هُوَ} أي: متى البعث، فقيل لهم يا محمد {عسى أَن يَكُونَ قَرِيباً} أي: هو قريب. لأن عسى من الله [تعالى] واجبة. ثم قال تعالى: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ}. أي: [يوم] يبعثكم يوم يدعوكم من القبور {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} أي: بأمره، قاله: ابن عباس. وقال قتادة: " بحمده " بمعرفته. وقيل: معناه: بقدرته، ودعائه إياكم، ولله الحمد على كل حال. كما يقول القائل: فعلت ذلك الفعل بحمد الله. أي: ولله الحمد على كل حال.
وروي عن [ابن] جبير أنه قال: يخرج الناس من قبورهم وهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك. وقال أبو إسحاق معناه: ويستجيبون مقرين بأنه خالقهم. وقيل: يستجيبون بحمده يعني: عند النفخة الثانية {وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} يعني: بين النفختين. وذلك أنه يكف عنهم العذاب بين النفختين فينامون فذلك ما حكى [ D] عنهم قي يس أنهم يقولون: {ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} [يس: 52] لأنهم يعذبون من يوم يموتون إلى النفخة الأولى، وهو خاص لمن قاتل نبياً، أو قتل في قتال نبي، أو قتله نبي أو مات على كفره في حياة نبي. ثم قال [تعالى] قَالُواْ {وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً}.
53
أي: وتحسبون عند موافاتكم يوم القيامة من هول ما تعاينون ما لبثتم في الأرض إلا وقتاً قليلاً كما قال {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ العآدين} [المؤمنون: 112و113]. قال قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقلّت حين عاينوا يوم القيامة. قوله {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ التي هِيَ أَحْسَنُ}. أي: وقل يا محمد لعبادي المؤمنين يقول بعضهم لبعض المقالة التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة. وقال الحسن: {التي هِيَ أَحْسَنُ} أن يقول لك: يرحمك الله، يغفر الله لك، يريد عند المنازعة. وقيل: {التي هِيَ أَحْسَنُ} أن يقولوا: لا إله إلا الله. وقوله: {إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ}. أي: يفسد ما بينهم، ويقبح ما بينهم، ويحرض الكافرين على المؤمنين. إنه كان
54
للإنسان عدواً مبيناً، يؤيد الكافر الهالك ويودي المؤمن. ولا سلطان له عليه. قال تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ}. هذا خطاب للمشركين الذين أنكروا البعث، والمعنى: " ربكم " أيها المشركون " أعلم بكم إن يشأ يرحمكم فيوفقكم للتوبة والإقرار بالبعث {أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} فيخذلكم فتموتون على كفركم فتعذبون في الآخرة. ثم قال [تعالى] لنبيه [عليه السلام]: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً}. أي: رقيباً تجبرهم على الإيمان، إنما عليك أن تبلغهم ما أرسلت به لا غير. قال {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السماوات والأرض}. أي: ربك يا محمد أعلم بمصالح من في السماوات والأرض وتدبيرهم / وأهل التوبة منهم من أهل المعصية. ثم قال: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ}.
56
وهو اتخاذه لإبراهيم خليلاً، وتكليمه موسى، وجعل عيسى كآدم وإيتاء سليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وأتى داوود زبوراً. وهو دعاء علّمه الله داود تحميد وتمجيد ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، وغفر لمحمد A ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأرسله إلى الناس كافة. روى أبو هريرة أن النبي A قال: " خفف على داوود القرآن فكان يأمر بدابته تسرج فكان يقرأ قبل أن يفرغ يعني: القرآن ". وفائدة الآية أن الله أخبر المشركين بأنه قد فضّل بعض النبيين على بعض فلا ينكروا تفضيله لمحمد [ A] وأعطاه القرآن، فقد أعطي داوود زبوراً وهو بشر مثله. قال تعالى: {قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ}. أي: قل لهم يا محمد: ادع [وا] الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله
عند ضُرٍّ ينزل بكم، فإنهم لا يملكون كشف [الضُّرِ] عنكم ولا تحويله عنكم إلى غيركم. هؤلاء الذين أمر الله [ D] نبيه [عليه السلام] أن يقول لهم هذا: هم قوم من المشركين كانوا يعبدون الملائكة والمسيح وعزيراً قاله: مجاهد. وقال ابن عباس: هم عيسى وعزير ومريم كان قوم يعبدونهم. وعنه أيضاً: هم عيسى وعزير والشمس والقمر كان قوم يعبدونهم. وقيل: هم قوم كانوا يعبدون الملائكة فقط. وقيل: هم قوم كانوا يعبدون نفراً من الجن: فأ [سلم] أولئك النفر من الجن ولم يعلم بهم من يعبدهم. قاله ابن مسعود. ولذلك قال: {أولئك الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوسيلة} أي: أولئك الذين يعبد هؤلاء المشركون يبتغون إلى ربهم القربى والزلفى لأنهم مؤمنون، فيكون: يراد به الجن الذين أسلموا على القول الأخير.
58
ويجوز أن يراد بهم الملائكة وعيسى وعزير ومريم على القول الأول. والهاء والميم في ربهم تعود على أولائك وهم المعبودون. وقيل: تعود على العابدين الكافرين، [أي: المعبودون يبتغون إلى رب العابدين لهم الوسيلة. وقيل: تعود على العابدين] والمعبودين، أي: المعبودون يبتغون الوسيلة إلى رب الجميع رب العابدين ورب المعبودين. ومعنى: {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} إلى الله لمصالح أعماله واجتهاده في حياته ويرجون وبأعمالهم تلك رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك يا محمد كان محذوراً. واختار الطبري قول من قال: هم الجن كان قوم من المشركين يعبدونهم لأن عيسى وعزيراً ومريم لم يكونوا على عهد النبي [ A] فلا يحسن دخولهم هنا في هذا المعنى. قوله: {وَإِن [مِّن] قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا}. المعنى: وما من أهل قرية إلا سيهلكون قبل يوم القيامة إما بعذاب أو بموت.
59
وقيل معناه وإن من قرية مفسدة أو ظالمة إلا نحن مهلوكها. [وهو / قول حسن] دليله [قوله تعالى]. {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59] وله في القرآن نظائر. {ذلك فِي الكتاب مَسْطُوراً}. أي: في اللوح المحفوظ. وقيل في الكتاب الذي كتبه الله [ D] للملائكة فيه أخبار العباد الكائنة والتي لم تكن ليستدلوا بذلك على قدرته [جلّت عظمته]. قال تعالى: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات}. المعنى وما منعنا أن نرسل بالآيات [التي] اقترحتها قريش {إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون} فأهلكوا واستؤصلوا فلو أرسلت إلى هؤلاء بالآيات وكذبوا
لأهلكوا واستؤصلوا، ففعل الله [ D] بهم في ترك مجيء الآيات التي سألوها فيه الصلاح. وفي هذا ما يدل على أن الله جل ذكره أخَّر الآيات عن قريش، لئلا يكفروا بها فيهلكوا كما فعل بالأمم قبلهم. فكان تأخيره لذلك لما علم أن منهم من يؤمن ومنهم من يولد له من يؤمن. فأخّر الآيات ليتم علمه فيهم. وعلم من الأمم الأول أنه لا يؤمن أحد منهم، ولا يولد لأحد [منهم] من يؤمن فأرسل الآيات فكفروا فأهلكوا. وأخّر ذلك عن قريش ليتم ما علم منهم. وقد ظهرت آيات على عهد النبي A. فالمعنى في هذا: ما منعنا أن نرسل بالآيات التي معها الاصطلام والهلاك لمن كذب بها، إلا أنا حكمنا على كافري أمة محمد [ A] بعذاب الآخرة وألا يصطلموا بعذاب الدنيا. وهو قوله {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. فالنبي A رحمة للمؤمنين إذ أستنقذهم من الضلال
وهداهم إلى الإيمان، وهو رحمة للكافرين إذ أخّر عذابهم واصطلامهم إلى الآخرة. قال ابن عباس: " سأل أهل مكة النبي A أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي عنهم الجبال، فيزرعون فقيل له: " إن شئت أن تستأتي بهم لعلنا نجتني منهم. وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من كان قبلهم قال لا، بل استأني بهم فأنزل الله الآية " وعلى هذا المعنى قول الحسن وابن جبير وقتادة، وهم أهل مكة. ثم قال [تعالى] {وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً}. أي: وقد سأل [ت] الآيات من قبل محمد [ A] ثمود فأتيناها ما سألت وجعلنا تلك الآية [ناقة] مبصرة، أي: ذات أبصار، أي: مضيئة ظاهرة بمنزلة قوله: {والنهار مُبْصِراً} [يونس: 67] أي: مضيئاً. وقيل: معنى مبصرة مبينة. أي: تبين لهم
صدق صالح عليه السلام. وقال مجاهد مبصرة [آية]. ثم قال: {فَظَلَمُواْ بِهَا}. أي: فظلموا من أجلها لأنهم عقروها وكفروا بما جائتهم فصار ظلمهم من أجلها. وقيل: معناه فظلموا بتكذيبهم بها. ثم قال: {وَمَا نُرْسِلُ بالآيات إِلاَّ تَخْوِيفاً}. أي: وما نرسل بالعبر إلا تخويفاً / للعباد. وقيل: الآيات هنا: [هي] آيات القرآن. وقال الحسن: هو الموت الذريع. وقال نفطويه: الآيات هنا ثلاث: آية تدل على النبوة ومعجزة. وآية عقوبة، يعني: سؤال تبين فيها القدرة، وهاتان معه [م] االنظرة، ومنه قوله: {وَمَا نُرْسِلُ بالآيات إِلاَّ تَخْوِيفاً} فهذه معها النظرة، والثالثة: آية سألتها أمة غير ما
60
جاءها به نبيها فهذه لا نظرة معها إذا أعطيتها الأمة فكفرت بها أهلكت. قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس}. أي: واذكر يا محمد إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس، وذلك أن الله جل ذكره وعد نبيه A أنه سيمنعه من كل من بغاه بسوء، فذكره هنا ما قد قال له أولاً. ومعنى: {أَحَاطَ بالناس} أي: هم في قدرته وقبضته فلا يصلون إليك يا محمد بسوء، فامض لما أمرت به [من] تبليغ الرسالة. قال الحسن: معناه: أحاط لك بالعرب ألا يقتلوك، فعرف أنه لا يقتل. ثم قال: {وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التي أَرَيْنَاكَ [إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ]}. يعني: [ما أراه] ليلة أسري به افتتن بها قوم فارتدوا عن الإسلام. وهذا
مما يدل على أن الرؤيا التي كانت رؤيا عين لا رؤيا نوم. لأنها لو كانت رؤيا نوم ما افتتن أحد بها ولا ارتد. لأن الإنسان يرى في نومه مثل هذا وأبعد منه. فلما أخبرنا الله [ D] أن الرؤيا كانت فتنة للناس، علمنا أنها رؤيا عين. لأن من كان ضعيفاً في الإسلام يستعظم الوصول إلى بيت المقدس والرجوع منها في ليلة فيرتد بجهله، وقلة علمه. وأيضاً فإنها لو كانت رؤيا نوم، لم تكن بآية ولا فيها دلالة عن نبوة، لأن سائر الناس، قد يرى في نومه ما هو أبعد من ذلك. وعن ابن عباس: إن هذه الرؤيا المذكورة هنا هي رؤيا رءاها النبي A بالمدينة. رأى أنه يدخل مكة هو وأصحابه. فعجل رسول الله A السير إلى مكة قبل الأجل. فرده المشركون. فقال ناس: قد رد رسول الله A، وقد كان حدثنا أنه سيدخلها، فاتتن قوم بذلك. والصحيح أن الرؤيا هنا ما رأى إذ أسري به. روي أن النبي A أصبح
- غداة أسري به - على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثرهم: إن العير لتطرد شهوراً من مكة إلى الشام مدبرة، وشهر مقبلة، فيذهب محمد ذلك في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة. فارتد جماعة من الناس، فذلك الفتنة التي ذكر الله [ D] . ويروى " أن الناس ذهبوا إلى أبي بكر [Bهـ] فقالوا يا أبا بكر: صاحبك يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة. / فقال أبو بكر: تكذبون عليه. فقالوا: بل ها هو ذا في المسجد يحدث بها الناس. فقال أبو بكر: والله لئن كان قالها لقد صدق، فما يعجبك من ذلك؟ فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل أبو بكر حتى انتهى إلى النبي A فقال: يا نبي الله أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: نعم. قال: يا نبي الله، فصفه لي، فإني قد جئته. قال الحسن، قال النبي A: فرفع لي حتى إني نظرت إليه فجعل رسول الله [ A] يصفه لأبي بكر وأبو بكر يقول: صدقت أشهد أنك رسول الله [ A] كلما وصف له منه شيئاً قال: صدقت أشهد أنك رسول الله [ A] حتى إذا انتهى، قال النبي A لأبي بكر: وأنت يا أبا بكر: الصديق. فيومئذ سماه الصديق " وأنزل الله [ D] فيمن ارتد عن إسلامه
في ذلك الوقت الآية: {وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التي أَرَيْنَاكَ} الآية. وقيل: إنها رؤيا رآها النبي A بالمدينة فغمته: رأى أن بني أمية ينزون على منبره نزو القردة. فساءه ذلك فما استجمع ضاحكاً حتى مات. والقولان الأولان أحسن وأبين لأن هذه الرؤيا لو صحت ما كان فيها فتنة لأحد. وقد أخبرنا الله أنه جعلها فتنة للناس. وأيضاً فإن السورة مكية، والريا التي رآها في المنام بالمدينة كانت. وقوله: {والشجرة الملعونة فِي القرآن}. قال ابن عباس: هي شجرة الزقوم. وهو قول: [أبي] مالك، وعكرمة وابن جبير والنخعي ومجاهد والضحاك.
وقال الحسن: كانت قريش يأكلون الثمر والزبد ويقولون تزقموا من هذه الزقوم فوصفها الله [ D] لهم في " والصافات ". قال الحسن: قال أبو جهل وكفار قريش: أليس من كذب ابن أبي كبشة أنه يوعدكم بنار تخرق فيها الحجارة ويزعم أنها تنبت فيها [ال] شجرة. وعن ابن عباس: [إنها] الكشوتا. وتقدير الآية: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك في الاسرا بك، والشجرة الملعونة في القرآن، إلا فتنة للناس، فكانت فتنة الرؤيا الارتداد، وفتنة الشجر قول أبي جهل وأصحابه: يخبرنا محمد أن في النار شجرة نابتة والنار تأكل الشجر. فزادت بذلك فتنة المشركين وبصيرة المؤمنين.
61
وإنما قال الملعونة: وهي لم تلعن في القرآن على معنى الملعون آكلها. وقيل: إنما قيل ذلك: لأن العرب تقول: لكل طعم مكروه ملعون. ثم قال {وَنُخَوِّفُهُمْ}. أي نخوف هؤلاء المشركين ونتوعدهم بالعقوبات فما يزيدهم تخويفنا إلا طغياناً أي: تمادياً في كفرهم كبيراً لأنهم لما خوفوا بالنار التي طعامهم فيها الزقوم دعوا بالثمر / الزبد وقالوا تزقموا من هذا الزقوم. قال: {وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمََ}. المعنى: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس حسد آدم، وسخر منه، وقال: لا أسجد لمن خلقته من طين، وأنا مخلوق من نار. والنار تأكل الطين. قال ابن عباس: بعث رب العالمين إبليس فأخذ من أديم الأرض من عذبها وملحها فخلق منه آدم [ A] . فكل شيء خلقه من عذبها فهو صائر إلى الجنة، وإن كان ابن كافرين، وكل شيء خلقه من ملحها، فهوى صائر إلى النار، وإن
62
كان ابن نبيين. قوله: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هذا الذي كَرَّمْتَ} المعنى: قال إبليس أرأيتك يا رب هذا الذي كرمت عليّ: أي: فضلته علي وأمرتني بالسجود له {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القيامة}. أي: أخرت هلاكي إلى يوم القيامة، يريد النفخة الثانية، وهي التي لا يبقى بعدها أحد إلا الله جل ذكره، فأبى الله [سبحانه] ذلك عليه. وقال إنك {مِنَ المنظرين * إلى يَوْمِ الوقت المعلوم} [الحجر: 38] وهي: النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلائق. وبين النفختين أربعون سنة. قوله: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً}. أي: لأستولين عليهم، قاله: ابن عباس. وقال ابن زيد: لأحتنكن لأضلن. فهو مأخوذ من قولهم: احتنك الجراد الزرع. إذا ذهب به كله. وقيل هو من
63
قولهم: حنك الدابة يحنكها إذا ربط حبلاً في حنكها الأسفل وساقها، حكاه ابن السكيت. وحكى: [احتنك] دابته بمعنى احنك، فيكون المعنى على هذا الاشتقاق لأسوقنهم كيف شئت. وإنما قال إبليس هذا: لما قال الله [ D] { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً}. قال تعالى: {قَالَ اذهب فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ}. أي: اذهب فقد أخرتك إلى يوم القيامة، فمن تبعك من ذرية آدم وأطاعك {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ}، أي: جزاؤك وجزاؤهم، أي: ثوابك على دعائك إياهم إلى معصيتي، وثوابهم على اتباعهم إياك {جَزَاءً مَّوْفُوراً} أي: مكملاً. وقال مجاهد: " موفوراً " [أي] موفراً. وقيل موفوراً مكملاً.
64
قال تعالى: {واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ}. المعنى: واستخف من استطعت منهم، واستجهل ونحوه. ومعنى " بصوتك ": عند مجاهد أنه صوت الغناء واللعب. وقيل معناه: بدعائك إياهم إلى طاعتك. وقال ابن عباس: صوته كل داع دعا إلى معصية الله [سبحانه]، وهو قول قتادة. وقيل: صوت المزمار. وقيل: هو كل متكلم من غير ذات الله [ D] فهو صوت الشيطان، وكل راكض في غير ذات الله [سبحانه] فهو من [خيل] الشيطان. وكل ماش في
غير ذات الله [جلت عظمته] فهو من رجل الشيطان. وقيل معنى: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ}، أي: أجمع عليهم / من ركبان جندك ومشاتهم يدعونهم إلى طاعتك، يقال: قد أجلب فلان على فلان إجلاباً إذا صاح عليه، والجلبة الصوت. وقال قتادة: إن له خيلاً ورجلاً جنوداً من الجن والإنس يطيعونه. وقال ابن عباس: خيله كل راكب في معصية الله [سبحانه] ورجله كل راجل في معصية الله [تعالى]. ثم قال [تعالى] {وَشَارِكْهُمْ فِي الأموال والأولاد}. يعني: الأموال التي أصابوها من غير حلها. قاله مجاهد. وقال الحسن: هي أموال أعطاها الله [ D] لهم فأنفقوها في طاعة الشيطان. وقيل: هو ما كان المشركون يحرمونه من أموالهم
يجعلونه لغير الله [سبحانه] مثل البحائر والوصائل والحامي وغير ذلك، روي ذلك عن ابن عباس، وقال الضحاك: هو ما كان المشركون يذبحون لآلهتهم. فأما مشاركته في الأولاد لهم. فقال ابن عباس: يعني أولاد الزنا، وهو قول مجاهد والضحاك. وعن ابن عباس أيضاً أنه قتلهم لأولادهم، وقال قتادة: هو إدخالهم أولادهم في دينهم وما يعتقدون من الكفر، وهو قول الحسن. وعن ابن عباس، أيضاً: أنه تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد شمس وعبد العزيز.
65
ثم قال تعالى: {وَعِدْهُمْ} أي: عِدْهُمُ النَّصْرَ على من أرادهم بسوء ثم قال: {وَمَا يَعِدُهُمُ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً}. أي: ما يغني عنهم من عذاب الله [ D] من شيء. وهذا كله من الله وعيد وتهديد لإبليس عليه اللعنة. ومثله {اعملوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40]. وقيل: إنما أتى هذا على وجه التها [ون] بإبليس وبمن اتبعه. قال: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}. أي: إن الذين أطاعوني واتبعوا أمري {لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} " أي: حجة. وقيل: الآية عامة في كل الخلق فلا حجة [له] على أحد من الخلق توجب أن يقبل منه، هذا قول: ابن جبير.
66
وقيل: المعنى أن كل الخلق لا تسلط لك عليهم إلا بالوسوسة. ثم قال تعالى: {وكفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً}. أي: وكفى بربك يا محمد حافظاً لك. وقال قتادة: " وكيلاً ": كافياً عباده المؤمنين. وقيل: معناه منجياً مخلصاً من الشيطان. قوله: {رَّبُّكُمُ الذي يُزْجِي لَكُمُ الفلك}. هذا خطاب للمشركين يذكرهم الله [ D] نعمه عليهم، فالمعنى: ربكم أيها القوم، هو {الذي يُزْجِي لَكُمُ الفلك} أي: يسير لكم الفلك، وهي السفن {فِي البحر لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي: لتتوصلوا بالركوب فيها إلى أماكن تجارتكم ومطالبكم ولتلتمسوا رزقه {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} إذ سخر لكم ذلك وألهمكم إليه.
67
قال ابن عباس يزجي: يجري، وقال قتادة: يسير. قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ}. أي: وإذا نالتكم الشدة والجهد من عصوف الريح أو خوف غرق، فقدتم من تدعون / من دون الله [سبحانه] أي: فقدتم آلهتكم لخلاصكم، ولم تجدوا غير الله [ D] مغيثاً إذا دعوتموه. {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى البر أَعْرَضْتُمْ}. أي: فلما نجاكم [الله سبحانه] من هول ما كنتم فيه وشدته أعرضتم عما
68
دعاكم إليه من خلع الآلهة، وإفراد العبادة له، كفراً منكم بنعمته. {وَكَانَ الإنسان كَفُوراً} أي: كفوراً ربه [ D] . فالإنسان يراد به الكافرين خاصة. قال: {أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر}. المعنى: أفأمنتم أيها الكفار نقم الله [سبحانه] بعد إذ أنجاكم من كربكم أن يخسف الله [ D] بكم في جانب البر كما فعل بقارون وبداره {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} أي: حجارة من السماء تقتلكم كما فعل بقوم لوط {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً} أي: فيما يقوم لكم بالمدافعة عنكم من عذاب الله [ D] " ولا ناصراً ". وقال أبو عبيدة: " حاصباً " هنا: ريح عاصفة تحصب، أي: ترمي بالحصباء
69
من قوتها، وقيل: الحاصب: التراب فيه حصى. والحصباء الحصى الصغار. قال: {أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ}. [أي: في البحر] " تارة أخرى " أي: مرة أخرى {فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ الريح} وهي التي تقصف ما مرت به فتحطمه وتدقه. من قولهم: قصف فلان ظهر فلان إذا كسره. {فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً} أي: تابعاً يتبعنا بما فعلنا بكم. قال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ}. أي: فضلناهم بتسليطنا إياهم على سائر الخلق فيسخرونهم كالفلك والدواب،
يدل عليه قوله: {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر}. ثم قال: {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات}. [أي: من طيبات] المطاعم والمشارب. وقيل: هي [الحلال. وقيل: ذلك] السمن والعسل. وهو قول شاذ. ثم قال: {وَفَضَّلْنَاهُمْ على كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}. فقوله: " على كثير " ولم يقل: " على كل من خلقنا " يدل على أن الملائكة أفضل من بني آدم. وقيل: وأن ابن آدم يتناول الطعام بيده والحيوان آكل بفيه. وفضل
71
بما أعطي من التمييز وبصر من الهدى. وقال ابن عباس: فضلوا بأنهم يأكلون بأيديهم والبهائم تأكل بأفواهها. قوله: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}. أي: واذكر يا محمد يوم ندعو. ومعنى " [ب] إمامهم: نبيئهم الذي أرسل إليهم. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة. وعن ابن عباس أيضاً: [أن] الإمام هنا، كتاب عمل الإنسان مثل قوله: {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} [الحجر: 79] " وكذلك قال الحسن وأبو صالح وأبو العالية. وقال ابن زيد: " بإمامهم " بكتابهم الذي أنزل إليهم. وعن ابن عباس: " بإمامهم " بداعيهم الذي دعاهم إلى الهدى أو الضلالة.
[و] قال أبو العالية: " بإمامهم " بأعمالهم. ثم قال: {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}. أي: من أعطي كتاب عمله بيمينه لم يظلم من جزاء عمله الصالح مقدار فتيل. وهو الخيط الذي في وسط النواة. /. واختار الطبري أن يكون الإمام هنا: الذي كانوا يعبدونه في الدنيا. وقال النحاس: الناس يدعون في الآخرة بهذا كله، يدعون بنبيهم، فيقال: أين أمة محمد؟ وبكتابهم، فيقال: أين أمة القرآن؟ وبعملهم، فيقال: أين أصحاب الورع؟ وكذا الكفار يدعون بضد هذا: أين أمة فرعون؟ وأين أصحاب الربا؟ وفي هذا مدح للمؤمنين على رؤوس الناس وذم للكافرين. وروي أن المؤمن يمد يمينه سهلاً، ويتناول كتابه بالسهولة، وأن المشرك يمد يمينه ليأخذ كتابه فيجتدبه ملك فيخلع يمينه فيتناول كتابه بشماله.
72
قال [تعالى]: {وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى}. أي: في الدنيا يريد عمى العين عن الهدى فهو في الآخرة أعمى منه في الدنيا [يريد] أنه يكون في الآخرة أعمى العين والقلب. وعلله أبو عمرو في إمالته الأول دون الثاني: أنه أراد أن يفرق بين المعنين: فأمال عمى العين وفتح عمى القلب للفرق. وكان عمى القلب بالفتح أولى، لأن الألف فيه [في] حكم المتوسط [ة] إذ تقديره: أعمى: منه في الدنيا. وافعل الذي معه من هي من تمامه ولذلك صرف بعض العرب كل ما لا ينصرف إلا افعل منك لأن منك من تمامه، وهو مذهب الكوفيين، فلما كانت منك
من تمامه صارت بمنزلة المضاف إليه، والمضاف إليه لا يدخله التنوين فامتنع [افعل] منك من الصرف لذلك. ويدل على أن الثاني من عمى القلب. أنه لو كان من عمى العين لم يقل فيه إلا: هو أشد أعمى من كذا لأن فيه معنى التعجب. ومذهب المبرد: أنه لا إضمار مع أعمى الثاني من ولا غيرها ولا معنى للتعجب فيه والثاني عنده من عمى العين كالأول. قال سيبويه والخليل: لم يقولوا: ما أعماه، من عمى العين، لأنه خلقه بمنزلة اليد والرجل، فكما لا يقال: ما إيداه، لا يقال: ما أعماه. وقال الأخفش: لم يقل ذلك، لأن فعله على أكثر من ثلاثة. والأصل فيه " اعماي. ولا يتعجب مما جاوز الثلاثة على لفظه. لا بد من: " أشد " و " أبين " ونحوه. لأن الهمزة لا تدخل على الهمزة فلا يكن بد من فعل ثلاثي تدخل عليه الهمزة. فأتى بأبين وأشد وأكثر ونحوه مما فيه المعنى المطلوب. وقيل: إنما لم يقل: " ما أعماه " من عمى العين، ليفرق ما بينه وبين " ما أعماه " من
عمى القلب. وكذلك لم يقولوا: ما أسوده. من اللون، للفرق بينه وبين ما اسوده من السؤدد، ثم اتبع سائر الباب على ذلك، لئلا يختلف. وأجاز الفراء في الكلام والشعر ما أبيضه، وحكي عن قوم جواز ما أعماه و [ما] أعشاه من عمى العين، قال لأن فعله [من] عمي وعشي فهو ثلاثي. وتحقيق معنى الآية: ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن الهدى والإسلام. فهو في الآخرة أشد عمى عن الرشد، وما يكسبه رضى ربه [ D] والوصول إلى جنته [تبارك وتعالى]. وقيل المعن: / من كان في هذه الدنيا أعمى عن هذه النعم التي تقدم ذكرها: من تفضيل بني آدم وغير ذلك، فهو في نعم الآخرة أعمى وأضل سبيلاً. لأنه إذا عمي عما يعانيه في الدنيا من النعم، فهو مما يعاينه من نعم الآخرة أعمى أيضاً،
وأضل سبيلاً. وقال ابن عباس: معناها: من عمي عن قدرة الله في هذه الدنيا فهو في الآخرة أشد عمى. وكذلك قال: مجاهد. وقال قتادة: معناها من كان في هذه الدنيا أعمى عن الإيمان بالله [ D] وتوحيده [سبحانه] مع ما عاين فيها من نعم الله وخلقه [ D] وعجائبه وما أراه الله [ D] من خلق السماوات والأرض والجبال [والنجوم]، فهو في الإيمان بالآخرة الغائبة عنه - التي لم يرها - أشد عمى وأضل سبيلاً. وهو قول ابن زيد. ومعنى: {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} وأضل طريقاً منه في أمر الدنيا التي قد عاينها ورءاها. وهذا القول حسن مختار. لأن من لم يؤمن في الدنيا [بالله D] مع ما يرى من الآيات الظارهة الدالات على توحيد الله [سبحانه] فهو أحرى ألا يؤمن بالآخرة
73
التي لم يعاين أمرها وإنما هو خبر غائب عنه دعي [إلى] التصديق به. قوله: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ}. هذه الفتنة، التي ذكرها الله [ D] هنا، هي أن المشركين منعوا النبي A من استلام الحجر، وقالوا له: لا ندعك حتى تلم بآلهتنا. فحدث نفسه النبي A بذلك وقال [ D] يعلم أني لها كاره فأنزل الله [ D] : { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} الآية. وقال قتادة: أطافوا به ليلة فقالوا أنت سيدنا وابن سيدنا وأرادوه على موافقتهم على بعض ما هم عليه فهم أن يقاربهم فعصمه الله [ D] فذلك قوله: {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}. وقال مجاهد: قالوا له إتيِ آلهتنا فامسسها
فذلك قوله: {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}. وقيل: إنما ذلك أن النبي A هم أن ينظر قوماً بإسلامهم إلى مدة سألوه الإنظار إليها. قاله: ابن عباس. وهو ثقيف، سألوا النبي [عليه السلام] أن ينظرهم سنة حتى يهدى إلى آلهتهم الهدي. قالوا له: فإذا قبضنا الهدي الذي يهدى لآلهتنا [أ] سلمنا وكسرنا الآلهة فهمّ النبي A أن يطيعهم على ذلك فأنزل الله [ D] الآية. وقيل: إنما قالوا للنبي A: اطرد عنا هؤلاء السقاط والموال [ى] الذين آمنوا بك حتى نج [ل] س معك ونستمع منك. فهم النبي [ A] . بذلك طمعاً منه أن يؤمنوا فأنزل الله [ D] الآية. وقوله: {وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ [خَلِيلاً]}.
أي: لو فعلت يا محمد ما دعوك إليه من الفتنة لاتخذوك خليلاً وكانوا لك أولياء. والقوف على " إذا " بالنون عند المبرد لأنها بمنزلة أن. وقال بعض النحويين الوقف عليها بالألف في كل / موضع كما تقف على النون الخفيفة بالألف إذا انفتح ما قبلها. وقال بعض النحويين: إذا لم تعمل شيئاً وقفت عليها بالألف، وإذا عملت وقفت عليها بالنون. ثم قال تعالى: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}. أي: لولا أن عصمناك عما دعاك إليه المشركون من الفتنة لقد كدت تميل إليهم شيئاً قليلاً. ولما نزلت هذه الآية قال النبي A: " اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ". حكى ابن الأنباري عن [بعض] أهل اللغة أنهم قالوا: ما قارب رسول الله A إجابتهم ولا ركن إليهم قط. وقالوا: " كدت تركن إليهم " ظاهره خطاب للرسول
75
A وباطنه خبر عن ثقيف. وتلخيصه وإن كادوا ليركنونك. أي: فقد كادوا يخبرون عنك أنك تميل إلى قولهم فنسب إلى النبي A فعل ثقيف على جهة الاتساع والمجاز والاختصار. كما يقول الرجل للرجل كدت تقتل نفسك يعني كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت. فنسب القتل إلى المخاطب وهو لغيره. ومنه قولهم لأريتك ها هنا. فادخلوا حرف النهي على غير المنهي عنه. وتلخيص هذا الكلام لا يحضر هذا المكان حتى إذا أتيته لم أجدك فيه. ومثله {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} [البقرة: 132] دخل النهي على الموت والموت لا يملك ولا يدفع. وتلخيصه لا تفارقوا الإسلام حتى إذا أتاكم الموت صادفكم مسلمين. قال [تعالى] {إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات}. أي لو ركنت إلى هؤلاء المشركين فيما سألوك فيه لأذقناك ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. ثم قال: {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً}. أي لا تجد يا محمد، لو أذقناك ذلك، من ينصرك علينا فيتمنعنا من عذابك.
76
فأخبر الله تعالى ذكره: بأن العقاب بالأنبياء مثل الثواب لهم في الأضعاف. وقد قال في نساء النبي A { نُؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} [الأحزاب: 31] وقال: {يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30]. قال: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا}. أي: إن كاد هؤلاء المشركون أن يستخفونك من الأرض التي أنت فيها ليخرجوك منها، ولو أخروجك منك لم يلبثوا خلفك فيها إلا قليلاً. قيل: إنهم [هم] اليهود. أرادوا أن يحتالوا على النبي A في الخروج من المدينة. وقالوا له إن أرض الأنبياء أرض الشام. وإن هذه ليست بأرض نبيء فأنزل الله [ D] الآية. قال هذا المعتمر بن سليمان عن أبيه.
وقيل: هم قريش أرادوا إخراج النبي [ A] من مكة قاله قتادة. و [قال]: قد فعلوا / ذلك بعد، فأهلكهم الله [ D] يوم بدر: وكانت سنة الله [ D] في الرسل إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك. وقال الحسن: همت قريش بإخراج النبي A من مكة فأراد الله [ D] نفي قريش فأمره الله [ D] أن يخرج منها مهاجراً إلى المدينة فخرج بأمر الله [ D] ولو أخرجوه هم لهلكوا كما قال: {وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً}. وقيل: الأرض هنا أريد بها أرض الحجاز. وقيل: مكة، وعليها أكثر المفسرين. وقيل: المدينة، وفيه بعد. لأن السورة مكية ولم يكن النبي [عليه السلام] في المدينة عند نزول هذه الآية، فالأرض: يعني: بها مكة أحسن وأولى.
وقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً} أي: [إلا] وقتاً قليلاً. وهو ما أقاموا بمكة بعده من حيث خرج عنهم إلى وقعة بدر. قاله: ابن عباس والضحاك. و" خلفك ": معناه: بعدك. ومن قرأ " خلافك " فهي لغة فيه. وقيل معناه: مخالفتك، قاله الفراء. وإذن: حرف نظيره في الأفعال، أرى وأظن. فإذا تقدم عمل، وإذا تأخر أو توسط لم يعمل لضعفه عن قوة الفعل. ولقوة الفعل جاز عمله متوسطاً ومتأخراً وإلغاؤه. وإذا كانت إذن مبتدأة عملت. فإن كانت بين كلامين لم تعمل. فإن كان قبلها حرف عطف جاز الأعمال والإلغاء، ولذلك لم تعمل في " لبثوا ". وفي مصحف عبد الله " وإذا: لا يلبثون خلفك " اعمل إذن في الفعل فهذا حالها مع حرف العطف. ومعنى إذن: إن كان الأمر كما ذكرت، أو كما جرى بقول القائل: زيد
77
يأتيك، فتقول: إذن أكرمه. أي إن كان الأمر كما ذكرت وقع إكرامه مني. فإكرامه والفعل منصوب بعد إذن بأن الضمير في التقدير. هذا مذهب حكي عن الخليل وسيبويه. ويروى: أن إذن هي الناصبة للفعل [لأنها] لما يستقبل لا غير. قوله: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا}. سنة منصوب على المصدر، أي: سن الله [ D] أن من أخرج نبياً من مكان لا يلبث فيه خلفه إلا قليلاً سنة. قال قتادة: معناه: سُنَّةَ أمم الرسل قبلك، كذلك إذا كذبوا رسلهم وأخرجوهم لم يمهلوا حتى بعث الله [ D] عليهم عذابه. وقال الفراء: معناه: لا يلبثون خلفك إلا قليلاً كسنة من قد أرسلنا. فلما
78
حذف الكاف نصب، فعلى القول الأول: يجوز الابتداء بها، وعلى قول الفراء: لا يحسن الابتداء بها. قال: {أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس}. قال ابن مسعود: هي صلاة المغرب، ودلوك الشمس وقت غروبها. وكذلك روي عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب Bهما. وكذلك روى ابن زيد عن أبي. وروى الشعبي عن ابن عباس: [أن] دلوك الشمس ميلها للزوال والصلاة. صلاة الظهر. وكذلك روى نافع عن ابن عمر. وهو قول: الحسن والضحاك وقتادة ومجاهد: وروي ذلك عن أبي هريرة. والدلوك في اللغة الميل. وقال أبو عبيدة: دلوكها / من حين تزول إلى أن تغيب. وقال القتبي: العرب تقول دلك النجم إذا غاب. فاختياره [هو] قول من قال: هو غروب الشمس. واختيار الطبري قول من قال: دلوكها ميلها للزوال.
وقد روي: أن النبي A قال: " أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت: فصلى بي الظهر ". وقيل معنى: {أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس} عني بذلك: الظهر والعصر. وقوله: {إلى غَسَقِ اليل}. غسق الليل إقباله ودنوه بظلامه. قال [هـ] ابن عباس وعكرمة ومجاهد. وقال قتادة: غسق الليل صلاة المغرب. وقال الضحاك غسق الليل إظلامه؟ فيدخل تحت دلوك الشمس صلاة [الظهر] والعصر وتحت غسق الليل صلاة العشاء. ثم قال: {وَقُرْآنَ الفجر}. أي: وألزم قرآن الفجر. فهو منصوب على الإغراء، وهو مذهب الأخفش.
وقيل معناه: وأقم قرآن الفجر. فمن نصب بإلزام حسن الابتداء به. ومن نصب بأقم جعله معطوفاً على ما قبله وهو أقم الصلاة. فلا يحسن الابتداء به لأنه معطوف على ما قبله. " وقرآن الفجر " صلاة الصبح، " كان مشهوداً " أي تشهده ملائكة الليل والنهار. وسميت الصلاة قرآناً لأنها لا تكون إلا بقرآن. وهذا يدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقرآن. وأنه فرض في الصلاة لأنه كله مأمور به في هذه الآية. والنهار عند الخليل: ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
79
قوله: {وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}. معناه: ومن الليل يا محمد فاسهر بالقرآن {نَافِلَةً لَّكَ} أي: خاصة لك دون أمتك. والتهجد: التيقظ، والسهر بعد نومة من الليل، والهجود: النوم. يقال: تهجد زيد إذا سهر، وهجد إذا نام. قال علقمة والأسود: التهجد بعد نومة. وقال الحسن: التهجد ما كان بعد العشاء الآخرة. قال ابن عباس معنى: " نافلة لك ": فرضاً عليك. فرض الله ذلك على النبي A. وقيل: إنما قيل له: " نافلة لك " لأنه لم يكن فعله ذلك ليكفر عنه شيئاً من الذنوب. فهو نافلة للنبي [عليه السلام] لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو نافلة له لأنه لا ذنب له، يكفر بنوافله، وهو لأمته كفارة لذنوبهم، قال ذلك مجاهد.
وقول ابن عباس: أولى. لأن هذه السورة نزلت بمكة وسورة الفتح إنما نزلت بعد منصرفه من الحديبية، فنزل عليه الأمر بالنافلة قبل معرفته بأن الله [ D] قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فواجب أن يكون ذلك فرضاً عليه خاصة. خصّه الله [ D] به، لأن الصلاة بالليل أفضل أعمال الخير / فَخَضَّ الله [سبحانه] نبيه A على أفضل الأعمال. وروي عن النبي A أنه قال: " أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة الصلاة بالليل ". وقال عليه السلام: " عليكم بالصلاة بالليل فإنها دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى الله [ D] ، وكفارة للسيئات ". وعنه A أنه قال: " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ". وقال: " صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً ".
وقال [النبي] عليه السلام: " صلوا بالليل ولو ركعتين. ما من أهل بيت تعرف لهم صلاة إلا ناداهم مناديا أهل الدار: قومواإلى صلاتكم ". وفضل الصلاة بالليل عظيم جسيم إليه انتهت العبادة وقد قال A: " إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم سأل الله خيراً وهو يصلي إلا أعطاه وهي في كل ليلة ". ثم قال [تعالى]: {عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}. وعسى من الله واجبة، لأن الله [ D] لا يدع أن يفعل بعباده ما أطعمهم به من الجزاء على أعمالهم لأنه ليس من عادته الغرور ولا من صفته. والمقام المحمود: هو الشفاعة. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج والحسن. وقال حذيفة: يجمع الله [ D] الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي
وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، سكوتاً لا تكلم نفس إلا بإذنه، فينادي محمداً A فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهتدي من هديت، وعبدك بين يديك، ولك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت ". قال: فذلك المقام المحمود الذي ذكر الله جل ذكره. وعن ابن عباس أنه قال: بلغنا أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بقيت آخر زمرة من زمرة الجنة وآخر زمرة من زمر النار، فتقول زمرة النار لزمرة الجنة: أما نحن فحسبنا ما علم الله [ D] في قلوبنا من الشك والتكذيب فما ينفعكم إيمانكم فإذا قالوا لهم ذلك دعوا ربهم [ D] وصاحوا بأعلى أصواتهم، فيسمع أهل الجنة أصواتهم فيسألون آدم الشفاعة لهم. فيأبى عليهم. ثم يمضون من نبي إلى نبي فكلهم يعتذر حتى يأتوا محمداً A [ فيشفع لهم] فذلك المقام المحمود وحديث الشفاعة مختلف الألفاظ طويل ذكرنا منه ما يليق بالكتاب.
وعن مجاهد من رواية ليث، عنه أنه قال: المقام المحمود يجلسه معه على عرشه. و [عن] النبي عليه السلام في قوله: " مقاماً محموداً " أنه قال: " هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي " رواه أبو هريرة عنه. وروى كعب بن مالك أن النبي عليه السلام قال: " يحشر الناس يوم القيامة [فأكون أنا وأمتي] على تل فيكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود ". قال عبد الله بن عمر: أن النبي عليه السلام قال: " إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم فيقول: لست / بصاحب ذلك. ثم بموسى فيقول: كذلك. ثم بمحمد فيمشي بين الخلق حتى يأخذ بحلقة الجنة فيومئذ
80
يبعثه الله المقام المحمود ". وروي: عن عبد الله بن سلام أنه قال: " إن محمداً عليه السلام يوم القيامة على كرسي للرب بين [يدي] الرب جل وعز. فهذا قول مجاهد. وقيل المقام المحمود: هو المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون يشرف فيه على جميع الخلائق: يسأل فيعطى ويشفع، ليس أحد يوم القيامة إلا تحت لواء محمد A. قال تعالى: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ [وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ]}. يعني: مدخله المدينة حين هاجر إليها وخروجه من مكة. قال ذلك: ابن عباس والحسن وقتادة وابن زيد. ودل على هذا ما تقدم من قوله: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا} [الإسراء: 76]. وعن ابن عباس أيضاً: {أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} أمتني إماتة صدق وأخرجني بعد
الممات مخرج صدق. وقال مجاهد: يعني به: أدخلني فيما أرسلتني به مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق من الدنيا. وعن الحسن أيضاً: {أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} الجنة، وأخرجني مخرج صدق مكة. وقال الضحاك: معناه أخرجني من مكة آمناً، وأدخلني إياها آمناً وهو يوم الفتح. وقال أبو صالح: {مُدْخَلَ صِدْقٍ} الإسلام. وقيل معناه: أدخلني مكة بالعز والقوة والقدرة والحجة على جميع من خلقت وأخرجني من مكة إلى المدينة لا ألقى إلا مؤمناً ومجيباً. ومعنى {مُدْخَلَ صِدْقٍ}: [مدخل] سلامة وحسن عاقبة. فجعل الصدق موضع الأشياء الجميلة. ثم قال تعالى: {واجعل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً}. أي: حجة تنصرني بها على من ناوأني، وعزاً أقيم به دينك، وملكاً تقوى به
81
أمتي. قاله: الحسن، قال: يوعده الله [ D] لننزعن ملك فارس عن فارس ولنجعله لك، وعن الروم ولنجعلنه لك، أي لأمتك. وقيل معناه: حجة بينة، قاله مجاهد. قال ابن زيد: نصيراً ينصرني. قوله: {وَقُلْ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل}. أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. جاء الحق وهو القرآن، وزهق الباطل وهو الشيطان. قاله قتادة. وقال ابن جريج: جاء الحق: هو قتال المشركين، وزهق الباطل. أي: الشرك الذي هم عليه. وقيل معناه: أن الله جل ذكره أمر نبيه عليه السلام أن يقول هذا إذا دخل مكة على الأصنام. فقال ذلك حين دخل مكة فخرت الأصنام كلها وأمر النبي A بخرقها. وقال ابن مسعود: دخل النبي عليه السلام مكة وحول الكعبة ثلاث مائة وستون
82
صنماً. فجعل يطعنها ويقول: {جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقاً}. ومعنى زهق ذهب. قال: {وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}. أي ما يستشفي به المؤمنون ورحمة لهم دون الكافرين. وهو شفاء في الدين لما فيه من الدلائل الواضحة والحجج الظاهرة / لا يلحق المؤمن ريب في التوحيد معه. و (من): هنا لبيان الجنس، وليست للتبعيض. فإذا كانت لبيان الجنس كان القرآن كله شفاء للمؤمنين لأنهم يهتدون به. ولو كانت [من] للتبعيض لكان بعض القرآن شفاء وبعضه غير شفاء وهذا لا يحسن. وقيل: المعنى وننزل من جهة القرآن الشيء الذي فيه شفاء. فمن غير مبعضة، إذ القرآن كله شفاء للمؤمن في دينه ليس بعضه شفاء وبعضه غير شفاء.
83
وقوله: {وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَاراً}. أي: إلا هلاكاً لأنهم يكفرون به فيزدادون خساراً. قال: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ}. معناه: وإذا أنعمنا على الإنسان فنجيناه من غم ومن كرب أعرض عن ذكر الله وتباعد بناحيته. ومعنى " نأى ": بعد، قال مجاهد: " نأى بجانبه ": تباعد منا. ثم قال [تعالى] {وَإِذَا مَسَّهُ الشر [كَانَ يَئُوساً]}. أي: إذا مسه الشر والشدة قنط. قال قتادة: " إذا مسه الشر " يئس وقنط، يعني بذلك: المشرك ينعم عليه وهو يبعد من الإيمان بمن أنعم عليه، وإذا أصابه ضر وفقر يئس من رحمة الله [سبحانه]. وقيل: إنها نزلت في الوليد بن المغيرة ثم في كل من هو مثله من الكفار. قال: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ}.
85
أي: قل للناس يا محمد، كلكم يعمل على طريقته ومذهبه. وقال ابن عباس: على ناحيته. وقال مجاهد: على حدته. وقال [ابن] زيد: على دينه. ثم قال: {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً}. أي: أهدى طريقاً إلى الحق من غيره. وقيل: معنى الآية كل يعمل على ما هو أشكل عنده وأولى بالصواب. فربكم أعلم بمن هو أهدى طريقاً إلى الصواب من غيره. وقيل: يعمل على شاكلته اي على النحو الذي جرت به عادته وطبعه. قوله {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي}. المعنى: ويسألك يا محمد، كفار أهل الكتاب عن الروح، قل لهم يا محمد
الروح من أمر ربي. قال ابن مسعود: كنت مع النبي في حرث بالمدينة، ومعه عسيب يتوكأ عليه. فمر بقوم من اليهود فقال بعضهم: سلوه عن الروح. وقال بعضهم: لا تسألوه. فسألوه عن الروح، فقام متوكئاً على عسيبه فقمت خلفه، فظننت أنه يوحى إليه. فقال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً}. فقال بعضهم: ألم أقل لا تسألوه. وقال عكرمة: سأل أهل الكتاب رسول الله A عن الروح فأنزل الله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح} الآية. فقالوا: أتزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} [البقرة: 269] فنزلت: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ [والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ]} [لقمان: 27] الآية.
وقال قتادة: لقيت اليهود النبي A فعنتوه وقالوا: إن كنت نبيأً فستعلم ذلك. فسألوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، فأنزل الله [ D] في ذلك كله. وعن ابن عباس: " أن اليهود قالوا: / للنبي A أخبرنا ما الروح؟ وكيف يعذب الروح الذي في الجسد وإنما الروح من الله D؟ ولم يكن نزل إليه في شيء. فلم يجد إليهم فيه شيئاً. وأتاه جبريل عليه السلام فقال له: {قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي}. الآية فأخبرهم النبي A بذلك فقالوا من جاءك بهذا فقال النبي A جاء به جبريل من عند الله [ D] . فقالوا والله ما قاله لك إلا عدونا فأنزل الله [ D] { قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ} ". وقال بعض أهل العلم: علم الله [ D] أن الأصلح ألا يخبرهم ما هو لأن اليهود قالت لقريش في كتابها أنه إن فسر لكم ما الروح فليس بنبي. وإن لم يفسره فهو نبي. وهذا القول: أولى بالآية لأن السورة مكية. وقد روى أن قريشاً اجتمعت بمكة
فقال بعضهم لبعض: والله ما كان محمد كذاباً، ولقد نشأ فينا بالصدق والأمانة فابعثوا منكم جماعة إلى يهود يثرب يسألونهم عنه. فخرجت طائفة حتى لقوا أحبار يهود، وكانوا يومئذ ينتظرونه ويرجون نصرته. فسألهم قريش عنه: فقالت: لهم اليهود: اسألوه عن ثلاث: فإن أخبركم باثنين وأمسك عن الثالثة فهو نبي: تسألوه عن أهل الكفه وعن ذي القرنين وعن الروح. فقدموا مكة وسألوه عن ذلك. وقيل: أنهم سألوه عن عيسى عليه السلام. فقيل: لهم الروح من أمر الله، أي: هو شيء أمر الله [ D] به وخلقه لا كما تقول النصارى. وكان ابن عباس يكتم تفسير الروح. وقال قتادة: هو جبريل عليه السلام. وعن ابن عباس: أنه ملك. وعن علي بن أبي طالب [Bهـ] إنه ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله [ D] يتلك اللغات كلها، يخلق من كل تسبيحة ملكاً يطير مع الملائكة إلى
يوم القيامة. وقيل الروح القرآن، لقوله: {أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52]. وإنما سمي القرآن روحاً لأنه حياة للقلوب والنفوس لما تصير إليه من الخير بالقرآن. وقيل إن اليهود وصوا قريشاً يسألون النبي A عن ذلك ليمتحنوا علمه وهذا أحسن ما قيل لآن السورة مكية. وقال أبو صالح: الروح خلق كخلق بني آدم وليسوا بني آدم، لهم أيد وأرجل. ومعنى {مِنْ أَمْرِ رَبِّي} أي من الأمر الذي يعلمه دونكم. وقوله: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً}. يعني الذين سألوا النبي A خاصة. وقيل عني به الخلق كلهم ولكنه
86
غلب المخاطب على الغائب. قال عطاء: نزلت بمكة {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً} فلما هاجر، " أتى أحبار اليهود إلى النبي A فقالوا له: يا محمد ألم يبلغنا أنك تقول {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً} أفعنيتنا أم قومك؟ فقال: كلا قد عنيت. قالوا فإنك تتلو / إنا قد أوتينا التوراة وفيها بيان كل شيء، فقال النبي A: هي في علم الله قليل. وقد آتاكم ما إن عملتم به انتفعتم وأنزل الله [ D] : { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} الآية ". قال: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}. أي لو أردنا لذهبنا بالقرآن ثم لا تجد لك بذهابه علينا قيماً ولا ناهراً يمنعنا من ذلك.
قال ابن مسعود: معنى ذهابه رفعه من صدور قارئيه. وقال: تطرق الناس ريح حمراء من نحو الشام فلا يبقى منه في مصحف رجل شيء ولا في قلبه آية، ثم قرأ الآية {وَلَئِن شِئْنَا}. وروي عنه أيضاً: أنه قال: يسري عليه ليلاً ولا يبقى منه في مصحف ولا في صدر رجل شيء. ثم قرأ: {وَلَئِن شِئْنَا} الآية. وروي عنه أنه قال: فيصبح الناس منه فقراء مثل البهائم. فيكون معنى الآية على هذا: ولئن شئنا لمحوناه من الكتب ومن الصدور حتى لا يوجد له أثر ولكن لا نشاء ذلك. رحمة من ربك وتفضلاً منه. {[إِنَّ فَضْلَهُ] كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً} باصطفائه إياك لرسالته ووحي كتابه وغير ذلك من نعمه. وقال ابن مسعود: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما يبقى منه الصلاة.
88
وإن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن يرفع. قالوا كيف يرفع وقد أثبته الله في قلوبنا، وأثبتناه في مصاحفنا؟ قال يسرى عليه ليلة ويذهب بما في قلوبكم وبما في مصاحفكم ثم قرأ الآية. ومعنى: {بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} أي: لا تجد من يمنعك من ذلك ولا من يتوكل [لك] برد شيء منه. وهذا خطاب للنبي A والمراد به أمته. قوله: {[قُل] لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ} إلى قوله: {ظَهِيراً}. المعنى: قل يا محمد للذين ادعوا بأنهم يأتون بمثل هذا القرآن {[قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن] لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} أي: عويناً. وهذه الآية: نزلت في قوم من اليهود جادلوا النبي A في القرآن وسألوه آية غير القرآن تدل على نبوته وادعوا أنهم يقدرون على مثل هذا القرآن فأعجزهم الإتيان بمثله فقيل لهم: {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود: 13] فأعجزهم ذلك. فقيل لهم:
{فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} [يونس: 38] فأعجزهم ذلك وقد كان عصرهم عصر فصاحة وبلاغة. وقيل: إن الخطاب بذلك لقريش وهم الذي عجزوا عن الإتيان بسورة وبعشر سور وهم أهل الفصاحة والبلاغة والشعر والخطابة وكانوا على حرص على أن يأتوا بما يحتجون به على النبي A. فلم يقدروا على الإتيان بشيء من ذلك تقوم لهم به حجة فدل ذلك على إعجاز القرآن وأنه دليل على نبوة محمد A. فمن إعجاز القرآن تأليفه بالأمر والنهي والوعظ والتنبيه والخبر والتوبيخ وذلك لا يوجد متألفاً في كلام. ومن إعجازه الحذف والإيجاز ودلالة اليسير من اللفظ على المعاني / الثكيرة. وهذا موجود بعضه في كلام العرب [لكن] لا يوجد مثل قوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ} [الأنفال: 58] فقد تضمن هذا معاني، ولا يوجد مثله في كلام العرب بهذه الفصاحة ومثله كثير في القرآن. ومعنى الإيجاز هو إظهار المعاني الكثيرة باللفظ القليل ومن إعجازه ما فيه
89
من علوم الغيب التي لم تكن وقت نزوله ثم كانت ومنها ما لم تكن بعد. ومنها ما كانت ولم يكن أحد يعرفها في لذك الوقت، فنزل علمها وتفسيرها في القرآن كخبر يوسف وإخوته. وخبر ذي القرنين، وأهل الكهف، وإخبار الأمم الماضية والقرون الخالية، التي قد اندرس خبرها وعدم عارف أخبارها، وغير ذلك. . . فنزل القرآن بتبيانها ونصها على ما كانت عليه. ودل على صحة ما أى فيه من الأخبار أن كثيراً منها قد نزل في التوراة [كذلك]. فالتوراة مصدقة لما في القرآن والقرآن مصدق لما نزل في التوراة. وإعجازه أكثر من أن يحصى وله كتب مفردة لذلك. قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ}. أي: ولقد بينا للناس في هذا القرآن من كل مثل تذكيراً لهم واحتجاجاً عليهم وتنبيهاً لهم على الحق {فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً} أي إلا جحوداً للحق. قال تعالى: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً}. أي: قال المشركون من قومك يا محمد لن نصدقك حتى تفجر لنا من أرضنا
92
هذه عيناً تنبع بالماء لنا. قال مجاهد وقتادة. {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ} أي بأرضنا هذه {[فَتُفَجِّرَ الأ] نهار خِلالَهَا تَفْجِيراً} أي: خلال النخيل والكروم أي بينها في أصولها. {أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} أي: قطعاً. لأنه جمع مسفة وهي القطعة. ومن قرأ بإسكان السين أراد قطعة واحدة. ويحتمل أن يكون مسكناً من الفتح فيكون معناه مثل معنى قراءة من فتح السين. ثم قال: {أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً}.
93
أي: قبيلا [قبيلا]، كل قبيلة على حدتها قاله مجاهد. وقال قتادة " قبيلاً " أي: نعاينهم: يقابلونا. ونقابلهم. وقاله ابن جريج. وقال القتبي: " قبيلاً " [أي] ضميناً. أي يضمنون لنا إتيانك بذلك. وهو أحد قولي أبي إسحاق. يقال قد تقبل بهذا، أي تكفل به. قال: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ}. أي من ذهب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى قرأنا [هـ] في مصحف ابن مسعود " أو يكون لك بيت من ذهب ". وأصل الزخرف في اللغة الزينة ومنه قوله: {حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا} [يونس: 24] أي
أخذت كما زينتها ولا شيء أحسن في البيت من زينة الذهب. ثم قال: {أَوْ ترقى فِي السمآء}. أي: تصعد في درج السماء. ولهذا الإضمار، أتى بـ " في " ولو لم يكن ثم إضمار لكان " إلى السماء " ففي: يدل على المحذوف. أي أو ترقي في سلم إلى السماء. ثم قالوا: {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ}. أي: لن نؤمن بك إذا صعدت إلى السماء {حَتَّى / تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ}. منشوراً: أي: كتاباً من عند الله D يأمرنا فيه باتباعك والإيمان بك. قال مجاهد: " كتاباً نقرؤه " أي: من رب العالمين، تصبح عند رأس كل رجل صحيفة يقرؤها. ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: قل لهم يا محمد: {سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً}. أي: قل لهم براءة لله من سوء ما تقولون، وتعظيماً له من [أن] يؤتى به
وبملائكته أن يكون له سبيل إلى شيء من ذلك هل أنا إلا بشر أي: عبد من عبيده من بني آدم فكيف أقدر على ما تكلفوني. وقوله: " رسولاً " أي: أرسلت لأبلغكم عن الله أمره ونهيه. وكان هذا الكلام فيما رُوِيَ: جرى بين النبي A وبين ملأ [من] قريش اجتمعوا للمناظرة فتكلموا بما نصه الله D في هذه الآية عنهم. وذكر ابن عباس في ذلك: خبراً طويلاً معناه: أنهم اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة وبعثوا في النبي عليه السلام فأتاهم طمعاً أن يكونوا قد ظهر لهم اتباعه فعذلوه وأكثروا في اللوم والعتب [وطولوا]. قالوا له: إنك فرقت جمعنا، وعيبت ديننا، وسفهت أحلامنا، وما بقي قبيح إلا جئته فينا، أو كما قالوا، ثم قالوا [له]: إن كنت تحب مالاً جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن أردت الشرف سودناك علينا. وإن أردت الملك، ملكناك علينا. . . في كلام طويل عتبوه به وعددوا عليه فيه، ووعدوه،
واستنزلوه، طمعاً أن يميل إليهم. ثم قالوا له: فإن لم تفعل ما قلنا لك فاسأل ربك يبعث ملكاً يصدقك بما تقول، أو فاسأله أن يجعل لك جنة وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك تبتغي. فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه. فأنكر النبي A ذلك من قولهم، وقال: " إنما أنا بشر بعثت إليكم نذيراً لتؤمنوا بالله وكتابه " فقالوا له فاسقط السماء علينا، كما زعمت، إن ربك إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن نفعل، فقال النبي A: ذلك إلى الله إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل، فقال النبي A: ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك "، ثم أطالوا الكلام معه، وقالوا [له] إنما يعلمك ما جئت به رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، وادّعوا أنهم يعبدون الملائكة، وهن بنات الله - تعالى الله عن ذلك - فقال النبي A وقام [معه] ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب، وهو عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، فقال له: يا محمد أعَرَض عليك قومك
94
ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم من العذاب فوالله لا أؤمن بك أبداً، حتى تتخذ إلى السماء سلماً ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة، معك أربعة أملاك يشهدون لك إنك ما تقول حق وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. وهذا معنى قوله: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ / بِأَيْدِيهِمْ} [الأنعام: 7] الآية. وروى أن عبد الله بن [أبي] أمية قال للنبي A: لن نؤمن لك حتى تنزل علي كتاباً من السماء فيه من الله رب العالمين إلى ابن أمية، إني قد أرسلت محمداً [نبياً] فآمن به وصدقه. والله لو أتيتني بهذا الكتاب ما آمنت بك ولا صدقتك ثم انصرف رسول الله A حزيناً لما فاته مما كان كمع به من إيمان قومه حين دعوه. قوله: {وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى}. المعنى: وما منع مشركي قومك يا محمد من الإيمان بالله {إِذْ جَآءَهُمُ الهدى} إلا قولهم جهلاً منهم {أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً}. كأنهم استبعدوا أن يبعث الله رسولاً من بني
95
آدم فكفروا ولم يؤمنوا كذلك ولم يعلموا أن الأنبياء كلهم كانوا من بني آدم. أي: لو كان سكان الأرض ملائكة لجاءهم الرسول من الملائكة مثلهم. لأن الملائكة إنما تراهم أمثالهم من الملائكة ومن خصه الله [ D] من بني آدم بذلك، فكيف يبعث [الله] إليهم من الملائكة رسولاً وهم لا يقدرون على رؤية ذلك وإنما يرسل إلى كل صنف من جنسه فهذا هو العدل. ومعنى: " مطمئنين " مستوطنين الأرض. وقيل: [معنى] " مطمئنين ": لا يعبدون الله ولا يخافونه مثلكم. قال تعالى: {قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}. أي: قل لهم يا محمد: {كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} فإنه نعم الكافي. و" شهيداً " حال، أي: كفى بالله في حال الشهادة. وقيل هو تمييز أي كفى
97
بالله من الشهداء. {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} أي: ذو خبر وعلم بأمورهم وأفعالهم " بصيراً " بتدبيرهم وسياستهم. وروي أنهم قالوا للنبي A: من يشهد لك بأنك رسول الله فأنزل الله [ D] : { قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} الآية. قال تعالى: {وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد}. أي: من يهده الله للإيمان فهو المهتدي للرشد والحق ومن يضلله عن الإيمان ولا يوفقه فلن تجد له يا محمد أولياء من دون الله [ D] ينصرونه من عذاب الله [سبحانه]. {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ}. أي: نجمعهم ليوم القيامة من بعد تفرقهم في قبورهم.
{على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً}. أي: عمياً عن كل شيء يسرهم ولكنهم يرون، ودل على رؤيتهم قوله: {وَرَأَى المجرمون النار} [الكهف: 53]. قوله: " وبكماً " أي: بكماً عن الحجة فلا ينطقون بحجة ولكنهم يتكلمون ودل على كلامهم قوله: {دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً} [الفرقان: 13]. قوله: " وصماً " أي: صماً عن سماع ما يسرهم. وهم يسمعون ودل على سماعهم قوله: {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} [الفرقان: 12]. وقيل: إنهم في حال حشرهم إلى الموقف عمي وبكم وصم. ثم يحدث الله [ D] لهم سمعاً وبصراً ونطقاً في أحوال أخر. وقوله: {على وُجُوهِهِمْ} معناه: أنهم يحشرون صاغرين. وقيل: بل معناه: أنهم يحشرون يمشون على وجوههم لأن الذي أمشاهم على أرجلهم يقدر أن يمشيهم على وجوههم، وعلى ما يشاء من أعضائهم. ثم قال: {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ / كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً}.
أي: مصيرهم إلى جهنم ومسكنهم جهنم وقال ابن عباس معناه: هم وقودها. ومعنى خبت: سكنت، قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: كلما أحرقتهم يسعر لهم حطبها، فإذا أحرقتهم فلم تبق منهم شيئاً صارت جمراً تتوهج، فذلك خبوها، فإذا بدلوا خلقاً جديداً عاودتهم. وقال مجاهد: " خبت " طفيت "، وقال قتادة: معناه كلما أحرقت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب. وأهل اللغة يقولون: خبت النار، تخبو خبوءاً إذا سكن لهبها، فإن سكن لهبها وعلا جمرها، قيل: كبت تكبو كبوءاً. فإن طفى بعض الجمر وسكن اللهب قيل خمدت تخمد خموداً. فإن طفيت لها قيل: همدت تهمد هموداً.
98
ومعنى: {زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} أي: زدنا هؤلاء الكفار استعاراً بالنار في جلودهم. وليس خبوتها فيه نقص من عذابها ولا راحة لهم وإنما هم في زيادة أبداً لقوله: {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} [فاطر: 36] لا يفتر عنهم. وقال المبرد: جعل موضع خبوت نار جهنم اسعاراً فهي مخالفة لما تفعل من نار الدنيا، ولا راحة لهم فيها إذا خبت بل يزيد عليهم العذاب. قوله: {ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا}. معناه: هذا العذاب جزاء هؤلاء المشركين لأنهم كفروا بآيات الله. أي: جحدوها وأنكروها ولم يؤمنوا بها. وأنكروا البعث والثواب والعقاب. {وَقَالُواْ} على الإنكار منهم والاستبعاد: {أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً} [الإسراء: 49] أي: عظاماً [بالية] وقيل تراباً. و {أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} [الإسراء: 49] أي لا نبعث. وقد تقدم تفسير هذا بأشبع منه في صدر السورة.
99
قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ}. والمعنى: أَوَلَم ينظر هؤلاء المنكرون البعث أن الله [ D] الذي ابتدع خلق السموات والأرض من غير شيء وأقامها بقدرته، قادر بتلك القدرة على أن يخلق أشكالهم وأمثالهم من الخلق. وإن إعادتهم لا تتعذر على من يقدر هذه القدرة. ثم قال: {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ}. أي: جعل الله لهلاكهم أجلاً لا شك في وقوعه بهم {فأبى الظالمون إِلاَّ كُفُوراً} أي [إلا] جحوداً بربهم. قال تعالى: {قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي}. أي: قل يا محمد: لهؤلاء المشركين لو أنكم أنتم تملكون خزائن أملاك ربكم إذاً
101
لبخلتم بذلك خشية الفقر قال ابن عباس. وقال قتادة: خشية الفاقة. والرحمة هنا المال. وقيل النعم، حكى أهل اللغة أنفق الرجل وأصرح وأعدم وافتر إذا قلّ ماله. ثم قال: {وَكَانَ الإنسان قَتُوراً}. يعني الكافر خاصة، بمنزلة قوله: {إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6]. ومعنى " قتوراً ": بخيلاً قاله ابن عباس. وقال قتادة: ممسكاً. يقال أقتر يقتر وقتر يقتر ويقتر بمعنى. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ}. أي: تبين لمن رآها أنها لموسى عليه السلام، شاهدة له على صدقه قال ابن عباس: هي يده وعصاه ولسانه والبحر والطوفان والجراد والقمل / والضفادع والدم.
وقال الضحاك: ألقى عصاه مرتين عند فرعون، ونزع يده، والعقدة التي كانت بلسانه، وخمس آيات في الأعراف: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. قال محمد بن كعب القرظي: سألني عمر بن عبد العزيز عن التسع آيات، فقلت له: هن الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم و [البحر و] عصاه والطمسة والحجر. فقال: وما الطمسة؟، فقلت: دعا موسى وأمنّ هارون، فقال الله {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} [يونس: 89]. فقال عمر: كيف يكون الفقه إلا كذا. يعني بالطمسة قولها: {رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ [واشدد على قُلُوبِهِمْ]} [يونس: 88] قال: فدعا عمر بخريطة كانت لعبد العزيز ابن مروان، أصيبت بمصر فإذا فيها " الجوزة والبيضة والعدسة ما تنكر، مسخت حجارة، كانت من أموال فرعون أصيبت بمصر. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: هي الحجر، والعصا واليد والطوفان
والجراد والقمل والضفادع و [الدم و] الطور. وقال مالك: الطوفان الماء. وروى مطرف عن مالك في قوله " تسع آيات بينات " أنه قال: هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا ويده والبحر والجبل إذ نتقه عليهم. وقال عكرمة: هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد والسنون ونقص من الأموال والأنفس والثمرات. وهو قول الشافعي. وكذلك روى قتادة عن ابن عباس أيضاً قال: منها سبعة متتابعة في الأعراف. واليد والعصا. وقال الحسن مثل ذلك، إلا أنه جعل السنين ونقص من الثمرات آية، وجعل التاسعة تلقف العصا ما يأفكون. وروي عن صفوان بن عسال: " أن يهوديين سألا النبي A عن التسع الآيات فقال: هن ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببرئ إلى سلطان ليقتله، ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تولوا الفرار بعد الزحف وعليكم خاصة يهود ألا تعتدوا في السبت فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي، فقال: وما يمنعكما أن
تتبعاني؟ فقالا: إن داود دعا ألا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود ". ثم قال: {فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ}. أي إذ جاءهم موسى. قال الحسن: سؤالك إياهم نظرك في القرآن. وقيل هو خطاب للنبي A يراد به الشاك من أمته. وقرأ ابن عباس {فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} على الخبر، يعني سأل موسى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل. ثم قال تعالى: {فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ ياموسى مَسْحُوراً}. معناه: أن فرعون لما رأى الآيات ولم يكن له فيها مدفع قال: إن موسى ذو سحر، وإن ما تفعل يا موسى من العجائب من سحرك.
102
وقيل: هو مفعول في موضع فاعل أي: ساحر، بمنزلة {حِجَاباً مَّسْتُوراً} [الإسراء: 45] أي: ساتراً. وقيل: معناه مخدوعاً. قوله: {[قَالَ] لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هؤلاء إِلاَّ رَبُّ السماوات والأرض}. معناه: قال / موسى لقد علمت يا فرعون أن هذه الآيات ما أنزلها الله إلا بصائر للعباد وتصديق هذه المعاني قوله: {وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ} [النمل: 14]. وهذا: على قراءة من قرأ بفتح التاء في: علمت ". ومن ضم التاء فمعناه: أن موسى A يخبر عن نفسه أنه على يقين أن
الآيات، الله أنزلها بصائر لعباده. ويكون هذا من موسى A جواباً لقول فرعون له: {إِنِّي لأَظُنُّكَ ياموسى مَسْحُوراً} [الإسراء: 101] أي: قد سحرت فلا تدري ما تقول. فقال: موسى لقد علمت أنا أن الله أنزل هذه الآيات بصائر لعباده ولست بمسحور. ونصب بصائر على الحال أي: أنزلها حججاً وهي جمع بصيرة. ثم قال: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يافرعون مَثْبُوراً}. وقال ابن عباس: " مثبوراً " ملعوناً، أي: ممنوعاً من الخير، وهو قول: الضحاك. وقال مجاهد وقتادة: مثبوراً هالكاً. وقال عطية العوفي: " مثبوراً ": مبدلاً أي مغيراً وقال ابن زيد: " مثبوراً ": مخبولاً لا عقل لك. وعن الضحاك: " مثبوراً ": مسحوراً. رد [عليه] موسى A، مثل ما
103
قاله فرعون بغير اللفظ، والمعنى سواء. قال [تعالى]: {فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأرض}. أي: أراد فرعون أن يزيل موسى وبني إسرائيل من أرض مصر إما بقتل أو غيره {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً}. ونجينا بني إسرائيل وموسى منه. {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ} أي: من بعد هلاكه {لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسكنوا الأرض} أي: أرض الشام. {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة} أي: قيام الساعة {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} أي: مختلطين، قد التف بعضكم على بعض لا تتعارضون، ولا ينحاز أحد منك إلى قبيلته. وقال ابن عباس: " لفيفاً ": جميعاً. وقال غيره: [لفيفاً] من كل قوم. وقال قتادة: " لفيفاً " جميعاً أولكم وآخركم، وكذلك قال: الضحاك.
105
واللفيف جمع لا واحد له كالجميع. وقيل: هو مصدر لففت فلذلك واحد في موضع الجمع. قال: {وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ}. أي: أنزل هذا القرآن بالحق لأن فيه الأمر بالعدل والإنصاف والأخلاق الجميلة {وبالحق أَنْزَلْنَاهُ} أي: وبذلك نزل من عند الله [ D] على نبيه عليه السلام. ثم قال: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً}. أي: مبشراً بالجنة من أطاعك ومنذراً بالنار من عصاك. قال تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ}. قال ابن عباس: " فرقناه " فصلناه. وقيل: معنى [فرقناه] فرقنا به بين الحق والباطل والمؤمن والكافر. وقرأ: ابن عباس وعكرمة والشعبي وقتادة " فرقناه " بالتشديد على معنى أنزل به آية بعد آية.
قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحد إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة. وهو قوله: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً}. ونصب " قرآناً " عند البصريين بإضمار فعل يفسره ما بعده. ونصبه عند غير البصريين على العطف " مبشراً ونذيراً ". وقرآناً يتأول بمعنى: رحمة. لأن القرآن رحمة. فلا يحسن الوقف على هذا التقدير على نذيراً. ويقف عليه على القول الأول. و/ معنى {لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ} على تؤده، وترتله وتبينه فلا تعجل في تلاوته فلا يفهم عنك. قال ابن عباس: " على مكث " على تأن. وقال
107
مجاهد على ترسل. وقال مالك " على مكث " على تثبت وترسل. ومعنى {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} أي نزلناه شيئاً [بعد] شيء. وقال الحسن نزل القرآن قبل أن يهاجر رسول الله A إلى المدينة بثماني سنين. وبالمدينة عشر سنين. قوله: {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تؤمنوا}. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين آمنوا بهذا القرآن أو لا تؤمنوا فإن إيمانكم لا يزيد في خزائن رحمة ربي. وفي الكلام تهدد ووعيد، والمعنى: فإن تكفروا، فإن الذين أوتوا العلم بالله من قبله، أي: من قبل القرآن، يعني به مؤمني أهل الكتاب، إذا يتلى عليهم هذا القرآن، يخرون، تعظيماً له، للأذقان سجداً. قال مجاهد: هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد A قالوا: {سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً}. وقال ابن زيد {مِن قَبْلِهِ} من قبل النبي A.
وقال ابن جريج: {إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ} يعني: كتابهم. وقيل: عني بقوله: {الذين أُوتُواْ العلم} محمداً A. وقيل: هم قوم من ولد اسماعيل A تمسكوا بدينهم إلى بعث محمد A منهم زيد بن عمرو بن نفيل. وورقة ابن نوفل. وقوله: {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً}. قال ابن عباس: للوجوه، وكذلك قال قتادة. وقال الحسن " للأذقان " للجبين. ثم قال: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً}. أي: ويخر هؤلاء الذين أوتوا العلم، من مؤمنين أهل الكتاب من قبل نزول القرآن، إذا يتلى عليهم القرآن لأذقنانهم يبكون. ويزيدهم وعظ القرآن خشوعاً لله
110
[ D] . وهذه مثل قوله في مريم: {إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرحمن خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} [مريم: 58]. وقوله: {إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً}. أي: ما كان وعد ربنا من ثواب وعذاب إلا مفعولاً. وقيل: معناه: إن كان وعد ربنا أن يبعث محمداً A لمفعولاً. قال: {قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن}. معنى الآية: أن النبي A كان يدعو ربه فيقول: مرة يا الله، ومرة: يا رحمن. فظن الجاهلون من المشركين أنه يدعو الهين. فأنزل الله D هذه الآية احتجاجاً عليهم. قال ابن عباس: سمع المشركون النبي A يدعو في سجوده يا رحمن يا
رحيم: فقالوا: [إن] هذا يزعم أنه يدعو واحداً وهو يدعو مثنى مثنى. فأنزل الله [ D] الآية: {قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن}. وروي: أن أبا جهل سمع النبي A وهو ساجد يقول في دعائه يا الله يا رحمن فقال: يا معشر قريش، محمد ينهانا أن نعبد إلهين وهو يعبد إلهاً آخر يقال له الرحمن، فأنزل الله [ D] الآية. وقوله: {أَيّاً مَّا تَدْعُواْ}. ما صلة، و (ايا) منصوب بتدعوا. وتدعوا جزم بالشرط وقيل [" ما "] بمعنى أي كررت لاختلاف [اللفظ كما تقول ما إن رأيتكما الليلة. فإن بمعنى ما كررت لاختلاف]. اللفظين. وقال الأخفش {أَيّاً مَّا تَدْعُواْ} معناه: أي الدعاءين تدعوا كأنه يجعل ما اسماً.
وقال أبو إسحاق: المعنى: أي الأسماء تدعو إن / دعوت الله أو الرحمن فكله اسم لله لأن له الأسماء الحسنى. ويلزم في هذين القولين ألا تنون " أي ": وأن تكون مضافة إلى " ما ". وفي إجماع المصاحف والقراء على تنوين " أي ": ما يدل على صحة كون " ما " زائدة للتأكيد وكونها بمعنى " أي " أعيد للتأكيد وحسن ذلك لاختلاف اللفظ. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ}. قالت عائشة Bها، وابن عباس، ومجاهد، وابن جبير وعروة بن الزبير: نزلت في الدعاء. فالصلاة هنا الدعاء على قولهم. وقال الضحاك: هي منسوخة بقوله: {واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً} [الأعراف: 205]. الآية، وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً: أن " الصلاة " هنا: القراءة في الصلاة، قال: كان
النبي A إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع ذلك المشركون، سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به. فقال الله [ D] لنبيه A { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ} فيسمع المشركون {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} حتى لا يسمعك أصحابك {وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً} أي: اطلب بين الإعلان والتخافت طريقاً. قال الضحاك: هذا كان بمكة. وعن عائشة Bها أنها قالت: نزلت هذه الآية في التشهد. وكذلك قال ابن سيرين، قال: كانت العرب ترفع أصواتها بالتشهد، فنزلت هذه الآية في ذلك. وقال عكرمة والحسن: كان النبي A يصلي بمكة جهاراً [فأمر] بإخفائها.
وقال قتادة: معناه ولا تحسن صلاتك مرائياً في العلانية، ولا تخافت [بها] تسيئها في السريرة. وعن ابن عباس أنه قال: لا تصل مراءاة للناس، ولا تدعها مخافة الناس. واختار الطبري قول من قال: أنه الدعاء [لأنه] أتى عقيب قوله: {[قُلِ] ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن}، فهي محكمة، لأن رفع الصوت بالدعاء مكروه، وهو قول أبي هريرة وأبي موسى الأشعري وعائشة Bهم. وقد روي عن النبي A: النهي عن رفع الصوت بالدعاء فقال: " إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً ".
111
والمخافتة الإخفاء. قال تعالى: {وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذل}. [أي]: لم يحالف أحداً ولا يبتغي نصر أحد، قاله مجاهد: قال قتادة: بلغنا أن النبي عليه السلام كان يعلم أهله الصغير والكبير {وَقُلِ الحمد لِلَّهِ} إلى آخر السورة. وقال ابن عباس: التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل ثم تلى {لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إلها آخَرَ} [الإسراء: 22]. وهذه الآية: رد وإنكار على أصحاب الأديان: فقوله: {لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً}. رد على اليهود والنصارى، وبعض كفار العرب. لأنهم قالوا: المسيح ابن الله، وقالوا
عزير ابن الله، وقالت العرب: الملائكة بنات الله [سبحانه وتعالى علواً كبيراً] وقوله: {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك} رد على العرب لأنهم قالوا في تلبيتهم: إلا شريكاً هو لك تملكه. وما ملك، وجعلوا لله شركاء الجن وغيرهم وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذل} رد على الصابئين والمجوس لأنهم قالوا: لولا أولياء الله لذل / وقوله: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} أي: كبرّة أنت يا محمد عما يقولون تكبيراً. أي: عظمه ونزهه عن قول الكفار فيه. وَرُوِيَ: " أن رجلاً أتى النبي A فشكا إليه كثرة الدين وكثرة الهم فقال له النبي A: " اقرأ آخر [سورة] بني إسرائيل {قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن} ثم قال: قل توكلت على [الله، توكلت على] الحي الذي لا يموت ثلاث مرات " ".
الكهف
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الكهف مكية من رواية ابن وهب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا أخبركم بسورة عظمها ما بين السماوات والأرض، لمن جاء بها من الأجر مثل ذلك؟ قالوا: يا نبي الله، أي سورة هي: قال: سورة الكهف. من قرأ [بها] يوم الجمعة أعطي بها نوراً بين السماوات والأرض، ووقي بها فتنة القبور. وعن بعض أهل المدينة أنه قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أعطي نوراً ما بينه وبين مكة، وغفر له ما بين الجمعتين ووقي فتنة الدجال ".
1
وعن مكحول أنه قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أعطاه الله [- عز وجل -] نوراً من الجمعة إلى الجمعة" وعن أنس أنه قال: "من قرأ سورة الكهف [يوم الجمعة] غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام". قوله تعالى: {الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب}. معناه: على قول ابن عباس، في رواية الضحاك وابن جريج عنه: الله المحمود بالذكر وبكل لسان، والمحمود على كل فعل والمعبود في كل مكان، الذي هو كل يوم في شأن لا يشغله شأن عن شأن. ومعنى الآية: في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة: أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً. فقيمماً حال من الكتاب، وهو قول: الكسائي والفراء وأبي
عبيدة. وقال: غيرهم: " قيماً ": منصوب بإضمار فعل، أي: ولكن جعله قيما، فهو مفعول ثان ليجعل المضمرة. والوقف على " الكتاب ": على القول الأول: لا يجوز، وعلى الثاني يجوز. وقيل إنّ المعنى: أنزله قيماً، فيكون نصبه على الحال من الهاء المضمرة مع الفعل المضمر. ومعنى " عوجاً: أي: مخلوقاً ". كذلك قوله: {غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر: 28] أي: غير مخلوق، قاله: ابن عباس. والعِوج: بالكسر في العين في كل ما ليس له شخص: مثل الدين، والأمر، والرأي. فإن كان له شخص كالخشبة والحائط وشبهه فهو بفتح العين. ومعنى الآية: الحمد لله الذي خص برسالته محمداً، وأنزل عليه كتابه قيماً.
قال: الضحاك: " قيماً ": مستقيماً. وقال ابن عباس: عدلاً. وقال ابن إسحاق: معتدلاً [لا] اختلاف فيه. وقيل معناه: قيماً على الكتب [يصدق] بصدقها لا اختلاف فيه ولا تفاوت، بل يصدق بعضها بعضاً، لا عوج فيه عن الحق ولا ميل. وهذه السورة نزلت في الأخبار من عند الله [ D] بأمور سألت قريش النبي عليه السلام عنها، علمهم السؤال عن ذلك اليهود وقالوا لهم: إن أخبركم بها فهو نبي، وإن لم يخبركم بها فهو متقول. فوعدهم رسول الله A الجواب / عنها. فأبطأ الوحي عليه بعض الإبطاء، فتحدث المشركون بأنه أخلفهم موعدهم فأنزل الله [ D] هذه السورة جواباً لهم. فافتتحها بحمد الله على نعمه، وتثبيته رسالة محمد عليه السلام، وأن الله [ D] أنزل عليه الكتاب، وأنه صادق فيما أتاكم به من خبر أهل الكهف، وخبر ذي القرنين، وغيره مما سألوه عنه، من تعليم اليهود إياهم ذلك، فهذا معنى قول ابن
ابن عباس وغيره. قوله: {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً}. أي: أنزل الكتاب على عبده لكي ينذركم بأساً شديداً من عند الله. فالمفعول الأول محذوف. ومثله {إِنَّمَا ذلكم الشيطان يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عمران: 175] أي: يخوفكم أولياءه. ثم قال: {وَيُبَشِّرَ المؤمنين}. أي: ويبشر المصدقين لله ورسوله A. { الذين يَعْمَلُونَ الصالحات} وهو العمل بما أمر الله [ D] [ به]، والانتهاء عما نهى الله [سبحانه] عنه. {أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً}. أي: ثواباً جزيلاً من الله [سبحانه] على أعمالهم وتصديقهم وهو الجنة.
4
{مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً}. أي: لابثين فيه أبداً. قال: {وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً}. يعني: قريشاً الذين قالوا: إنما نعبد الملائكة وهن بنات الله [سبحانه وتعالى عما يقولون]. {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ}. أي: ما لهم بهذا القول علم {لآبَائِهِمْ}. ثم قال: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}. أي: كبر قولهم: {اتخذ الله وَلَداً} من كلمة. وفيه معنى التعجيب كأنه قال: ما أكبرها من كلمة. كما تقول لقصو الرجل بمعنى: ما أقصاه. وقرأ الحسن، ومجاهد، ويحيى بن يعمر، وابن أبي إسحاق
6
{كَبُرَتْ كَلِمَةً} بالرفع على معنى: عظمت كلمتهم. يقال: كبُر الشيء إذا عَظُمَ وكبِر [الرجل] إذا أسن، [بكسر الباء، والأول بالضم]. {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً}. أي ما يقول هؤلاء إن الله اتخذ ولداً إلا كذباً وتخرصاً. أي: فلعلك يا محمد قاتل نفسك على آثار قومك الذين قالوا: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً} [الإسراء: 90] تمرداً منهم على ربهم {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً} أي:
7
بهذا الكتاب {أَسَفاً} وقال: قتادة: " أسفاً " غضباً وقال: مجاهد: " حزناً ". فهذا عتاب للنبي A من الله [ D] على حزنه على قومه إذ لم يؤمنوا. فمعنى أسفاً حزناً. وقيل معناه: جزعاً، قال مجاهد. وقال: قتادة: معناه غضباً، ومنه قوله: {فَلَمَّآ آسَفُونَا} [الزخرف: 55]. قال: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا}. يعني: من الشجر والثمر والمال زين الأرض بذلك. {لِنَبْلُوَهُمْ}. أي: لنختبرهم من هو أحسن عملاً من غيره. قال سفيان الثوري: أيكم
8
أزهد في الدنيا. وقال مجاهد: ما على الأرض من شيء هو زينة لها. وكان النبي A يقول: " إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ". وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: " الزينة ": الخلفاء، والعلماء، والأمراء. وروى ابن جبير عنه أنه قال: " الزينة ": الرجال. جعل " ما " بمعنى /: من في القولين جميعاً، وكون " ما " بمعنى: " من " يصلح في مواضع الإبهام ويقبح عند الاختصاص وذهاب العموم. وقيل المعنى: إنا جعلنا بعض ما على الأرض زينة لها، فأوقع الكل موضع البعض، لأن على الأرض ما لا زينة فيه. وقيل: بل هو عام. كل ما على الأرض زينة لها لولالته على خالقه. قال: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً}. أي: وإنا لخربوها بعد زينتها وعمارتها. يعني بذلك يوم القيامة، تصير الأرض مستوية لا جبل فيها ولا واد ولا أكمة ولا ماء ولا نبات. والصعيد وجه
الأرض. والجزر الذي لا نبات فيه من الأرض ولا زرع ولا غرس. وقيل: الصعيد هنا المستوي بوجه الأرض، قال ابن عباس معناه: أنه يهلك كل شيء عليها ويبيد. وهذه تعزية للنبي A يقول لأه تعالى ذكره: لا تقتل نفسك إذ لم يؤمنوا بما جئتهم به فإن مصيرهم إلي فأجازيهم بأعمالهم. فإني مهلك كل من على وجه الأرض. قال: ابن زيد: الصعيد: المستوي، دل على ذلك قوله: {لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً} [طه: 107]. والجزر: الأرض التي لا نبات فيها ولا منفعة، ألم تر إلى قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ المآء إِلَى الأرض [الجرز]} [السجدة: 27] أي الأرض التي لا نبات فيها. حكى سيبويه: جرزت الأرض فهي مجروزة، وجرزها الجراد والنعم.
9
وأرضون أجراز: إذا كانت لا شيء فيها. ويقال: للسنة المجدبة جرز وسنون إجراز. أم: هنا بمعنى: بل. [والمعنى] أم حسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً. فإن ما خلقت من السموات والأرض وما فيهن من العجائب أعجب من أصحاب الكهف. والخطاب للنبي A والمراد به الخلق كلهم. وقال مجاهد: معنى الكلام: هم عجب وليس هو على طريقة الإنكار عنده. وقال قتادة: معناه: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك. وعن ابن عباس أن المعنى: أم حسبت أن هؤلاء عجباً، فإن الذي أتيتك من الكتاب والحكمة والعلم أفضل من شأن أهل الكهف والرقيم. وهذا مما عَلَّمَتْ اليهود قريشاً أن يسألوا عنه محمداً A فسألوه عن ذلك. فأخبره الله بقصصهم. وخبرهم بعد أن أبطأ عنه الوحي في ذلك خمس
عشرة ليلة، وقيل: أكثر. والكهف: كهف الجبل، آوى إليه القوم الذين قص الله [ D] خبرهم في هذه السورة. وقال: الضحاك: الكهف الغار في الوادي. وقال ابن مالك: الكهف: الجبل. و" الرقيم ": عند عكرمة وابن عباس فيما حكيا عن كعب: القرية وقال: قتادة: " الرقيم " الوادي الذي فيه اصحاب الكهف، وقاله عطية العوفي. وعن ابن عباس: " الرقيم " الكتاب. وقال عكرمة: الرقيم القرية اسم لها. وقال: [ابن] جبير / " الرقيم ": لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف ثم وضعوه على باب الكهف. وقال ابن زيد: " الرقيم ": كتاب، ولذلك الكتاب خبر، فلم يخبرنا الله [ D]
عن ذلك الكتاب وعن ما بناؤه، وقرأ: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ المقربون} [المطففين: 19 - 21] {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} [المطففين: 8 - 9]. وعن ابن عباس أيضاً أن " الرقيم ": الجبل الذي فيه الكهف، وعن ابن عباس أن " الرقيم ": كتاب كتبه رجلان صالحان كانا في بيت الملك الذي فرّ منه الفتية أصحاب الكهف، كانا يكتمان إيمانهما. فلما سد الكهف على الفتية كتبا شأن الفتية وخبرهم في لوحين من رصاص. ثم جعلاه في تابوت على المكان الذي سدّ به باب الكهف. وقالا: لعل الله يطلع على هؤلاء الفتية قوماً صالحين فيعلمون شأنهم. وقد روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: القرآن أعلمه إلا {حَنَاناً} [مريم: 13] و {لأَوَّاهٌ} [التوبة: 114] و {الرقيم} [الكهف: 9] و {غِسْلِينٍ} [الحاقة: 36]. وقال أنس: بن مالك: " الرقيم ": آية الكلب وقال عكرمة: الرقيم الرواة. وقال السدي: هو الصخرة، وقال الفراء: الرقيم لوح من رصاص كتب فيه أسماؤهم
10
وأنسابهم ودينهم ومما هربوا. قوله: {إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف} إلى قوله: {رَشَداً}. أي: كانوا من آياتنا عجباً، حين أوى الفتية إلى الكهف هرباً بدينهم إلى الله [ D] فقالوا: إذ أووه. {فَقَالُواْ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً}. أي: ارحمنا ونجنا من هؤلاء الكفار. {وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً}. أي: دلنا على ما ننجو به. وكان هؤلاء الفتية على دين عيسى A. فدعاهم ملكهم إلى عبادة الأوثان والأصنام فهربوا بدينهم منه خشية أن يفتنهم عنه أو يقتلهم فاستخفوا منه في الكهف. وروي أنهم لما أمرهم الملك بعبادة صنمه قالوا {رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إلها لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} [الكهف: 14] فاعتزلوا عن قومهم لعبادة الله
[سبحانه]. فقال: أحدهم: إنه كان لأبي كهف يأوي فيه غنمه. فانطلقوا بنا نكن فيه. فدخلوا فيه، ثم فقدوا في ذلك الزمان، فطلبوا، فقيل: إنهم دخلوا هذا الكهف. فقال: قومهم: لا نريد لهم عقوبة، ولا عذاباً أشد من أن يردم عليهم هذا الكهف فبنوه عليهم فردموه، ثم أقاموا ما شاء الله، يدبرهم الله [ D] بلطفه وهم نيام، ثم بعث الله [ D] ملكاً على دين عيسى A. ووقع ذلك البناء الذي كان ردم عليهم. وقاموا من نومتهم تلك. فقال: بعضهم لبعض كم لبثتم؟ قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم. فأرسلوا أحدهم ليأتيهم بطعام وشراب مستخفباً أن لا يعرف. فلما خرج من باب الكهف رأى ما أنكره، فأراد أن يرجع، ثم مضى حتى دخل المدينة فأنكر ما رأى، ثم أخرج درهماً فنظروا إليه، فأنكروه وأنكروا الدرهم. فقالوا من أين لك هذا؟ [هذا] من ورق غير هذا الزمان. واجتمعوا عليه، ولم يفارقوه حتى حملوه إلى ملكهم. وكان لقومهم لوح يكتبون فيه ما يكون. فنظروا في ذلك اللوح. وسأله الملك، فأخبره بأمره، ونظروا في الكتاب متى فقدوا، فاستبشروا به وبأصحابه وقيل له: انطلق بنا فأرنا أصحابك فانطلق، وانطلقوا معه، ليريهم أصحابه فدخل قبل /
القوم فضرب على آذانهم. {قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً} [الكهف: 21]. قال: ابن عباس: كانوا ثمانية. وروى: أنه لما بني عليهم باب الكهف كتب رجلان مؤمنان - ممن يسر الإيمان - خبرهم، ووقت البناء عليهم، وأسماءهم، وأنسابهم، وأسماء آبائهم في لوحين من رصاص ثم صنعا تابوتاً من نحاس، وجعلا اللوحين فيه. ثم كتبا عليه، في فم الكهف، من بين ظهراني البنيان، وختما على التابوت بخاتمهما وقالا: لعل الله أن يظهر على هؤلاء الفتية قوماً مؤمنين قبل [يوم] القيامة، فيعلم من فتح عليهم حين يقرأ هذا الكتاب خبرهم. قال: مجاهد: فلبثوا في الكهف ثلاثة مائة سنين وازدادوا تسعاً نياماً. وقيل: إنهم كانوا شباناً ملوكاً مطوقين، مسورين ذوي ذوائب وكان
معهم كلب صيدهم. فخرجوا في عيد [لهم] عظيم في زي ومواكب. وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدون. وقذف الله [في] قلوب الفتية الإيمان فآمنوا، وأخفى كل واحد منهم الإيمان عن صاحبه، فقال: كل واحد في نفسه نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم، لا يصيبنا عقاب بجرمهم. فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة، ثم خرج آخر فرآه جالساً وحده فرجا أن يكون على مثل أمره، فجلس إليه، وخرج الآخرون فجاءوا وجلسوا إليهما. فاجتمعوا، فقال: بعضهم: ما جمعكم؟ فقال: آخر: بل ما جمعكم؟ وكل يكتم إيمانه عن صاحبه مخافة على نفسه وقالوا: ليخرج منكم فتيان، فيخلوان، فيتوثقا ألاّ يفشي واحد منهما على صاحبه. ثم يفشي كل واحد منهما لصاحبه أمره. لإغنا نرجو أن نكون على أمر واحد. ففعلوا ذلك، فعلموا أن جميعهم على أمر واحد وهو الإيمان. وإذا كهف في الجبل [قريب] منهم، فقال: بعضهم لبعض: آووا إلى هذا الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم فرفقاً. فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم. فناموا. فجعل الله جل وعز رقدة واحدة
ثلاث مائة سنة وتسع سنين. وطلبهم قومهم ففقدوهم. وبعثوا البرد في طلبهم. فعمى الله [ D] عليهم آثارهم. فلما لم يقدروا عليهم، كتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح: فلان بن فلان، وفلان بن فلان: ملوك فقدناهم في عيد كذا، من شهر كذا، من سنة كذا، في مملكة فلان، ورفعوا اللوح في الخزانة، ثم مات ذلك الملك. وأتى قرن بعد قرن فأظهرهم الله [ D] وأنبههم، فوجهوا رسولهم ليأتيهم بما يأكلون ولا علم عندهم بما مضى من الزمان فأطلع عليهم. وقال: وهب بن منبه: جاء حواري عيسى بن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلها، فقيل له: إن على بابها صنماً لا يدخلها أحد إلا سجد له. فكره أن يدخلها / فأتى حماماً، فكان فيه قريباً من تلك المدينة. فكان يعمل فيه، يؤاجر نفسه من صاحب الحمام. فرأى صاحب الحمام في حمامه البركة، ودر عليه الرزق وجعل يعرض عليه [الإسلام] ويسترسل إليه. وعلقه فتية من أهل المدينة. وجعل يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى أنسوا به، وصدقوه. وكانوا على مثل حاله في أحسن الهيئة وكان يشترط على صاحب الحمام أن الليل لي، فلا تحولن بيني
وبين الصلاة إذا حضرت. وكان على ذلك حتى جاء ابن الملك بامراة فدخل بها الحمام. فعيره الحواري فقال: أنت ابن الملك تدخل معك بهذه الكذا، فاستحيي فذهب، ورجع مرة أخرى، فقال: له مثل ذلك، فسبه وانتهره، ولم يلبث حتى دخل ودخلت المرأة معه فماتا في الحمام جميعاً، فأتى الملك فقيل له: إن صاحب الحمام قتل ابنك. فالتمس فلم يقدر عليه هرباً. فقال: من كان يصحبه؟ فسموا الفتية، فالتمسوا، فخرجوا من المدينة، فمروا بصاحب لهم في زرع له، وهو على مثل أمرهم، فذكروا أنهم التمسوا، فانطلق معه الكلب، حتى أواهم الليل إلى الكهف فدخلوه. فقالوا نبيت هنا الليلة ثم نصبح إن شاء اله فترون رأيكم. فضرب على آذانهم. فخرج الملك في اصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا في الكهف، فلما أراد رجل أن يدخل أرعب، فلم يطق أحد أن يدخله، فقال: قائل: ألست لو كنت قدرت عليهم قتلتهم قال: بلى. قال: ابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتون عطشاً وجوعاً، ففعل.
11
قوله: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) [11] إلما قوله: (إِذًا شَطَطًا) [14]. المعنى: وضربنا على آذانهم بالنوم، أي ألقينا النوم عليهم. وإنما ذكر الأذان لأن النوم يمنعهم من السماع. وأتى في هذا ضرب بمعنى ألقى. كما يقال: ضربك الله بالفالج، أي: ألقاه عليك وابتلاك. وقوله: {عَدَداً} توكيد لسنين وقيل: أتى بأنه لا يفيد معنى الكثرة. لأن القليل لا يحتاج إلى عدد إذ قد عرف معناه ومقداره. قال: {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ} أي: نبهناهم من نومهم {لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أحصى لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً} أي: لنعلم من يهتدي من عبادي بالبحث إلى مقدار مبلغ مكث الفتية في كهفهم والأمد الغاية. وقد اختلف في مقدار إقامتهم طائفتان من الكفار من قوم الفتية، قاله مجاهد:
13
وقيل: بل اختلف في ذلك طائفة مؤمنة وطائفة كافرة. وقيل: الحزبان أصحاب الكهف والقوم الذين كانوا أحياء في وقت بعثهم. ومعنى: {لِنَعْلَمَ} أي: علم مشاهدة، وإلا فقد علم ذلك تعالى ذكره قبل خلق الجميع، ومعنى الكلام التوقف على النظر في معرفة مقدار لبثهم. كما تقول لمن أتى بالباطل: جئ ببرهانك حتى أعلم أنك صادق. ومعنى: {أَمَداً} عدداً، قاله مجاهد، وقال: ابن عباس {أَمَداً}: بعيداً. قال: تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ [عَلَيْكَ] نبَأَهُم بالحق} أي: نخبرك يا محمد خبرهم بالصدق واليقين. {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ}. أي: إن الذين سالوك عن نبأهم [هم] فتية آمنوا بربهم، أي: صدقوا به ووحدوه.
14
{وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}. أي: إيماناً إلى إيمانهم وبصيرة، فهجروا دار قومهم وهربوا بدينهم إلى الله [ D] وفارقوا ما كانوا فيه من النعيم في الله [تعالى]. قال: تعالى: {وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ}. أي: ألهمناهم الصبر وشددنا قلوبهم بنور الإيمان حتى [عزفت] أنفسهم عما كانوا فيه من خفض العيش. وقال: قتادة: {وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ} بالإيمان حين {قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض} أي: ملك السموات [والأرض] {لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إلها} أي: لن نعبد معبوداً سواه.
15
{لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً}. أي: لو قلنا: أنه يعبد غيره لقلنا جوراً من قول. وقليل " شططاً غالياً من الكذب وقال: قتادة: " شططاً " كذباً. وقال: ابن زيد خطا. ويقال: قد أشط فلان في السوم، إذا جاوز القدر يشط إشطاطاً وشططاً. ويقال: شط منزل فلان، إذا بعد، يشط شطوطاً. ويقال: شطت الجارية تشط شطاطاً وشطاطة إذا طالت. ويقال: شط الرجل وأشَطَّ إذا جار. وقال: أبو عبيدة {إِذاً شَطَطاً} أي: جوراً وغلواً. قوله: {هؤلاء قَوْمُنَا اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً}. هذا خبر عن قول الفتية، أنهم قالوا [فيما] بينهم: هؤلاء قومنا اتخذوا من دون الله آلهة فيعبدونها، هلا يأتون على عبادتهم لها بحجة ظاهرة وبينة وعذر بين، فمن
16
أشد اعتداء وجوراً ممن اختلق على الله كذباً وأشرك في عبادته غيره. قال: ابن عباس: كل " سلطان " في القرآن فهو حجة. قال: {وَإِذِ اعتزلتموهم وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ الله}. هذا أيضاً: خبر من الله [ D] عن قوله: بعض الفتية [لبعض] قالوا فيما بينهم: {وَإِذِ اعتزلتموهم} و [هم] الذين عبدوا الآلهة من دون الله [سبحانه] وفارقتهم دينهم. {فَأْوُوا إِلَى الكهف}: فسيروا بنا إلى الكهف، وهو غار الجبل {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ} أي: يبسط لكم ربكم من رحمته {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً} أي: ويجعل لكم ربكم من عملكم الذي أنتم فيه وخوفكم على أنفسهم ما ترفقون به. والفتح والكسر في ميم " مرفقاً " [لغتان]. والأفصح عند الكسائي
17
الكسر وأنكر الفراء الفتح. وقال: لا أعرف في الأمر وفي اليد وفي كل شيء إلا الكسر. قال: وكأن الذين فتحوا أرادوا أن يفرقوا بينه وبين مرفق الإنسان. وقال الأخفش: فيه ثلاث لغات مِرْفَق، ومَرْفِق، ومَرْفَق، فمن قال: مِرْفَق جعله مما ينتقل مثل " مِقْطع ". ومن قال: مَرْفِق كمسجد لأنه من رفق يرفق كسجد يسجد. ومن قال: مَرْفَق جعله من الرفق. قوله: {وَتَرَى الشمس إِذَا طَلَعَت}. أي: وترى يا محمد {الشمس إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ} أي: تعدل وتميل من الزور وهو الاعوجاج. قال ابن عباس: تزاور تميل يميناً وشمالاً.
ثم قال: {وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال}. أي: تتركهم ذات الشمال. يقال: منه قرضت موضع كذا، إذا قطعته فجاوزته، هذا مذهب البصريين. وقال الكوفيون: قرضت موضع كذا أي: حاذيته. وحكوا عن العرب: قرضته دبراً وقبلاً: وحدوته ذات اليمين والشمال. أي: كنت بحدائه. وأصل القرض: القطع. ومنه تسمى المقص: مقراضاً لأنه يقطع به. وقال ابن جبير: تتركهم قال قتادة: تدعهم قال عكرمة: كان كهفهم في القبلة، وقال القتبي: كان باب الكهف حذاء بنات نعش فكانت تزاور عن كهفهم إذا طلعت، وتتركهم إذا غربت.
18
وقوله: {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ}. أي: في متسع وفضاء في الكهف: {ذلك مِنْ آيَاتِ الله}. أي: ما تقدم من فعل الله لهم من حجج الله [ D] على خلقه [سبحانه]. ومن الأدلة التي يستدل بها أولوا الألباب على عظم قدرته وسلطانه. ثم قال: {مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد}. أي: من يوفقه بالاهتداء فهو المهتدي {وَمَن يُضْلِلْ} أي: عن آياته وأدلته. {فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً}. أي: لن تجد له يا محمد خليلاً ولا حليفاً يرشده. قال: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ}.
أي: تظنهم يا محمد لو رأيتهم أيقاظاً، أي: أعينهم مفتوحة فتظنهم لذلك منتبهين. وقيل: إنما ذلك لكثرة تقلبهم، تحسبهم منتبيهين. {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال}. أي: نقلبهم في حال رقادهم مرة للجنب اليمين ومرة للجنب الأيسر. قال أبو عياض: وكان لهم في كل عام تقلبتين. ثم قال: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد} يعني: كلباً كان معهم للصيد. وقيل: هو إنسان من الناس كان طباخاً لهم تبعهم. والوصيد: فناء الكهف، قاله ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك وقتادة: وعن قتادة: " الوصيد ": الصعيد والتراب. وعن ابن عباس أيضاً:
الوصيد الباب، وقيل: الوصيد العتبة، وقيل الوصيد فناء الباب، وسمي الباب وصيداً: لأنه يطبق. من قولهم: أوصدت الباب: إذا أطبقته، فهو في هذا القول: فعيل بمعنى مفعل. كأنه قال: باسط ذراعيه بالوصيد أي بالمطبق يقال: [أصدت الباب و] أوصدته إذا أطبقته فهو موصد تهمز ولا تهمز. ثم قال: {لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً}. أي: لو رأيتهم [في رقدتهم] لهربت منهم خوفاً ولملئ قلبك رعباً منهم. وذلك لما كان الله ألبسهم من الهيبة لئلا يصل إليهم أحد ولا تلمسهم يد، حفظاً منه لهم حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله، وتوقظهم من رقدتهم قدرته في
19
الوقت الذي يريد، ليجعلهم عبرةً لمن شاء من خلقه. وآية لمن أراد الاحتجاج بهم عليه ومن خلقه {ليعلموا أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا} [الكهف: 21]. وقيل معناه: لوليت منهم فراراً ولملئت / منهم رعباً من كثرة شعورهم وكبر أظفارهم، إذ قد مر عليهم زمان طويل وهم أحياء نيام. فطالت شعورهم وعظمت أظفارهم. قوله: {وكذلك بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ} إلى قوله: {إِذاً أَبَداً}. أي فكما أرقدناهم على هذه الصفة، كذلك بعثناهم من رقدتهم {لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ} أي: ليسأل بعضهم بعضاً و [نعرفهم] عظين قدرتنا فيزدادوا بصيرة في أمرهم وفي إيمانهم إذ لبثوا مدة عظيمة من الزمان وهم في هيئهم لم يتغيروا ولا تغيرت ثيابهم. ثم قال: {قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ}.
أي: بعثناهم ليتساءلوا. فتساءلوا فقال: قائل منهم. كم لبثتم؟ وذلك أنهم استنكروا من أنفسهم طول رقدتهم. {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. وهذا يدل على ا، الرعب منهم لمن رآهم لم يكن لطول شعورهم وأظفارهم، إذ لو كان كذلك لعاينوا من أنفسهم أمراً يمنعهم أن يقولوا لبثنا يوماً أو بعض يوم. فقال الآخرون: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} ويجوز أن يكون لما رأوا من طول شعورهم وأظفارهم ما أنكروا {قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} ردوا العلم إلى الله في ذلك [سبحانه]. قال ابن جبير: قال أحدهم: لبثنا يوماً، وقال الآخر: لبثنا نحوه، فقال كبيرهم: لا تختلفوا، فإن الاختلاف هلكة {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه إلى المدينة} يعنون مدينتهم التي خرجوا منها. قال: ابن عباس: كانت ورقهم كأخفاف الرُّبع، وهو صغار الإبل، وقال:
إنهم قاموا من رقدتهم جياعاً فلبثوا في طلب الطعام. ومعنى: {أزكى طَعَاماً} عند عكرمة أكثر، وهو قول أبي عبيدة. وقال: ابن جبير: أحل ذبيحة، لأن القوم كانوا مجوساً. وعن ابن عباس {أزكى طَعَاماً} أطهر طعاماً. وقال: مقاتل: أزكى طعاماً " أطيب طعاماً. وقال: قتادة خير طعاماً وقيل: أرخص. وعن ابن عباس: ازكى طعاماً " أطهره لأنهم كانوا يذبحون الخنازير. {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُاً} أي: بطعام {وَلْيَتَلَطَّفْ} أي: يرفق {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَد}
أي: لا يعلمن بكم أحداً من الناس. {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ} أي: إن أهل قريتكم الكفار أن يطلعوا عليكم {يَرْجُمُوكُمْ} أي: يقتلوكم {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} أي: يردوكم عن دينكم [إلى دينهم] {وَلَن تفلحوا إِذاً أَبَداً} أي: لن تفلحوا أن رجعتم إلى دينهم وعبادة أوثانهم [أبداً]. قال وهب بن منبه: غبروا بعدما بني عليهم باب الكهف زماناً بعد زمان. ثم إن راعياً أدركه المطر عند الكهف فقال: لو فتحت هذا الكهف، وأدخلت غنمي من المطر. فلم يزل يعالجه حتى فتح ما دخل منه. ورد الله إليهم أرواحهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق يشتري لهم طعاماً، فلما أتى باب مدينتهم رأى شيئاً ينكره. حتى دخل [على رجل] فقال: بعني بهذه الدراهم طعاماً. فقال: من أين [لك] هذه الدراهم؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس وأتى
الليل ثم أصبحوا فأرسلوني. فقال: هذه الدراهم كانت على عهد ملك فلان، فأنى لك بها؟ فرفعه إلى الملك، وكان ملكاً صالحاً فقال: [من] أين لك هذا الورق؟ فقال: خرجت أنا وأصحاب لي / أمس حتى أدركنا الليل في كهف كذا وكذا. ثم أمروني أن أشتري لهم طعاماً. فقال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف. قال: فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف فقال: دعوني أدخل إليهم قبلكم. فلما رأوه ودنا منهم ضرب على ءاذانهم فجعلوا كلما دخل رجل منهم أرعب. فلم يقدروا على أن يدخلوا إليهم فبنوا عندهم كنيسة واتخذوها مسجداً يصلون فيه. وقال عكرمة: كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم، ورزقهم الله الإسلام فاعتزلوا قومهم، حتى انتهوا إلى الكهف. فلبثوا دهراً طويلاً حتى أهلكت أمتهم. وجاءت أمة مسلمة وملكهم مسلم. فاختلفوا في الروح والجسد فقال قائل: يبعث الروح أما الجسد فتأكله الأرض فلا يكون شيئاً. فشق على ملكهم اختلافهم فانطلق فلبس المسوح، وجلس على الرماد، ثم دعا الله [ D] فقال أي رب قد
نرى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبين لهم، فبعث الله [ D] أصحاب الكهف. فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاماً. فدخل السوق فجعل ينكر الوجوه، ويعرف الطرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهراً. فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلاً يشتري منه طعاماً فلما نظر الرجل إلى الورق أنكرها فقال له الفتى: أليس ملككم فلاناً؟ قالوا: لا ملكنا فلان، فلم يزل ذلك بينهما حتى دفعوه إلى الملك فسأله، فأخبره الفتى خبر أصحابه. فبعث في الناس فجمعهم، فقال: إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله D قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم فلان، يعني: ملكهم الذي مضى. فقال الفتى: انطلقوا بي إلى أصحابي. فركب الملك وركب معه الناس حتى انتهوا إلى الكهف. فقال الفتى: دعوني أدخل إلى أصحابي. فلما أبصرهم ضرب على أذنه وآذانهم، فلما استبطؤوه دخل الملك ودخل الناس معه فإذا أجسادهم لا ينكرون منها شيئاً غير أنه لا أرواح فيها. فقال الملك: هذه آية: بعثها الله [ D] لكم. وروي في هذا أخبار طويلة ترجع إلى هذا المعنى.
21
قوله: {وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ}. أي: كما بعثناهم بعد طول رقدتهم {وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} أي: أطلعنا عليهم الفريق الذين كانوا في شك من بعث الأجساد [ليعلموا أن وعد الله حق في بعث الأجساد] يوم القيامة وأن الساعة لا ريب فيها أي: إتيانها لا شك فيه. ثم قال: {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ}. أي: أطلعنا عليهم إذ يتنازعون، أي: وقت المنازعة في بعث الأجساد. والمنازعة المناظرة. وقيل: المعنى: ليعلموا في وقت منازعتهم أن وعد الله في بعث الأجساد حق فيكون العامل في " إذ " على القول الأول " أعثرنا " وعلى الثاني " ليعلموا ". ثم قال: {[فَقَالُواْ] ابنوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً}. أي قال الذين اطلعوا على أمرهم: ابنو عليهم بنيانا {رَّبُّهُمْ [أَعْلَمُ بِهِمْ]}
22
أي: [الله] أعلم بشأنهم قال ذلك: الكافرون. {قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً} قال ذلك: المسلمون. قال: عبيد بن عمير عمى الله [ D] على الذين أعثرهم / على أصحاب الكهف مكانهم فلم يهتدوا، فقال المشركون: نبني عليهم بنياناً فإنهم أبناء آبائنا، ونعبد الله فيها. وقال المسلمون: نحن أحق بهم، فإنهم منا، نبني عليهم مسجداً نصلي فيه، ونعبد الله D فيه. وقال قتادة: {الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ} الولاة. وقد روى ابن وهب: أن النبي A قال: " ليحجن عيسى ابن مريم عليه السلام في سبعين. منهم أصحاب الكهف مسورين مخلخلين بالفضة ". قال: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ}. [أي: سيقول بعض الخائضين في أمر الفتية هم ثلاثة رابعهم كلبهم] ويقول بعضهم: خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب، أي: قذفاً بالظن. ويقول بعضهم: هم
سبعة وثامنهم كلبهم. قل [يا محمد للقائلين ذلك] ربي أعلم بعدتهم ما يعلم عددهم إلا ناس قليل من خلقه، قاله قتادة. وقال ابن عباس: عني بالقليل هنا أهل الكتاب. وكان يقول: أنا ممن استثنى الله [ D] . وروي عنه أنه قال: أنا من ذلك القليل. ويقول: عددهم سبعة، وكذلك قال: عكرمة وابن جريج هم سبعة وثامنهم كلبهم. ثم قال تعالى: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً}. أي: [لا] تجادل في عدد أصحاب الكهف يا محمد أحداً من اليهود {إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً} أي: بما أنزل عليك من القرآن تتلوهم عليهم لا غير. وقال ابن عباس: يقول حسبك ما قصصت عليك في أمرهم فلا تمار فيهم. قال مجاهد: {إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً} إلا ما قد أظهرنا لك من أمرهم. وقال ابن
23
زيد: معناه: أن نقول لهم: ليس كما تقولون، ليس كما تدعون. ثم قال: {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً}. أي لا تستفت في أهل الكهف أحداً من أهل الكتاب فإنهم لا يعلمون ذلك. قال: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله}. هذا تأديب للنبي A عهد إليه ألا يجزم في الأمور أنه كائن لا محالة إلا أن يصله بمشيئة الله. إذ لا يكون شيء إلا بمشيئته وأمره. وإنما بذلك النبي A [ لأنه] وعد سائليه عن المسائل التي تقدم ذكرها أن يجيبهم عنها غد يومهم ولم يستثن. فاحتبس الوحي عنه من أجل ذلك خمس عشرة ليلة حتى حزنه إبطاؤه. ثم أنزل عليه الجواب فيهن فعرف الله [ D] نبيّه [عليه السلام] سبب احتباس الوحي عنه وعلمه ما الذي ينبغي له أن يستعمله في عداته فيما يحدث من الأمور التي [لم] يأته من الله عز وجل فيها تنزيل.
وتقدير {أَن يَشَآءَ الله} عند الكسائي والفراء: إلا أن يقول إن شاء الله. وقال البصريون: المعنى: إلا بمشيئة الله [ D] . فأن: في موضع نصب على حذف [الباء على] هذا. ثم قال: [تعالى]: {واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}. معناه عند ابن عباس: واستثنِ في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت [ذلك] في حال اليمين. قاله فيه: [فإن] له أن يستثني ولو إلى سنْة، وكذلك قال: أبو العالية، والحسن. وقال عكرمة: معناه: واذكر ربك / إذا عصيت. وقيل: معناه:
واذكر ربك إذا تركت ذكره لأن أحد معاني النسيان التي استعمل بها الترك. ومعنى قول: من أجاز الاستثناء بعد سنة أنه يسقط ذلك الاستثناء الحرج بتركه ما أمر به في الاستثناء لأن الله [ D] أمر بالاستثناء. فإذا ذكر الإنسان، متى ما ذكر يمينه، وجب عليه أن يستثني فيسقط عنه الحرج في تركه ما أمر به ولا يسقط ذلك لكفارة إذا حنث [إلا أن يكون الاستثناء متصلاً باليمين فيسقط عنه الكفارة إذا حنث]، والحرج جميعاً، هذا معنى قول ابن عباس: أنه يستثني بعد سنة. ولم يقل أحد أن الاستثناء بعد حين يسقط عنه الكفارة إذا حنث. ولو وجب أن يسقط الكفارة بالاستثناء بعد حين لم يكن قوله تعالى: {ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: 91] الآية. فائدة: لأنه كان يستثني كل من أراد الحنث متى ما أراد الحنث ولا كفر، وتبطل فائدة الآ] ة، ولا يلزم أحد الكفارة. ويدل على ذلك أيضاً، قول النبي A: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر وليأت
25
الذي هو خير " فأمر بالكفارة عند الحنث، ولم يقل: فليقل إن شاء الله. ثم قال: {وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً}. أي قل لهم يا محمد لعل ربي أن يرشدني لأقرب مما وعدتكم وأخبرتكم أنه يكون إن هو شاء. وقيل: إن هذا أمر من الله [ D] لنبيه [ A] أن يقوله إذا نسي الاستثناء في كلامه الذي هو عنده في أمر مستقبل مع قوله إن شاء الله إذا ذكر ذلك. وقيل: المعنى قل لعل ربي أن يعطيني من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب من الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف. قوله: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ} إلى قوله: {فِي حُكْمِهِ أَحَداً}.
معناه: ويقولون لبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين. هذا حكاية عن قول أهل الكتاب، فرد الله [ D] ذلك عليهم. وقال: [الله] لنبيّه [ A] { قُلِ [الله] أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} الآية. قال: قتادة: وفي حرف ابن مسعود " [و] قالوا: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ}. وقال مجاهد والضحاك: هو خبر من الله [ D] عن مبلغ لبثهم في الكهف ولما قال: {وازدادوا تِسْعاً} قالوا سنين أو ليال أو غيرها فأنزل الله: {قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} الآية. وقيل: إن أهل الكتاب قالوا [على] عهد النبي [ A] : إن للفتية من لدن
دخلوا الكهف إلى عصرنا هذا ثلاث مائة سنة وتسع سنين، فرد الله [ D] عليهم وأعلم نبيّه أن قدر لبثهم في الكهف إلى أن بعثوا ثلاث مائة سنة وتسع. ثم قال: تعالى لنبيّه [عليه السلام]. {قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ}. [أي] بعد أن بعثهم وقبض أرواحهم إلى يومهم هذا لا يعلم مقدار ذلك إلا الله. ومن نوَّن " مائة " جعل " سنسن " بدلاً من " ثلاث " أو يكون عطف بيان على " ثلاث ". وقيل: هو نعت لمائة لأن مائة في معنى جمع. وحكى بعض أهل اللغة أن العرب إذا نونت العدد أتت بعده بحمع يفسره، فيقولون: عندي ألفٌ دراهم [وثلاثمائة دراهم] وألف رجالاً، فيكون
" سنين " على هذا القول تفسيراً. ومن أضاف، أتى بالعدد على أصله. لأنا إذا قلنا عندي مائة درهم فمعناه مائة من الدراهم. فالجمع هو الأصل فأتى به في هذه القراءة على الأصل /. [و] قوله: {الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ}. أي: أعلم بلبثهم من المختلفين في ذلك. وقيل: أعلم أعلم بمعنى عالم. وقوله {وازدادوا تِسْعاً}. أي: تسع سنسن. ولا يحسن أن يكون تسع ساعات ولا تسع ليال، لأن العدد إذا فسر في صدر الكلام [جر] آخره [على] ذلك التفسير. تقول عندي مائة درهم وخمسة. فتكون " الخمسة " دراهم أيضاً، لدلالة ما تقدم من التفسير على ذلك. ثم قال: {لَهُ غَيْبُ السماوات والأرض}.
أي: له علم ذلك وملكه لا يشاركه فيه أحد. ثم قال: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ}. أي: ما أبصر الله [جلت عظمته] واسمعه لا يخفى عليه شيء {مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ} أي ليس لخلقه دون ربهم ولي يلي تدبيرهم ولا ينقذهم من عذاب الله [سبحانه] إذا جاءهم. {[وَ] لاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً}. أي: ليس يشرك الله [ D] في تدبيره لعباده أحداً ولا يظهر على غيبه أحداً. وقيل معناه: لا يجوز أن يحكم حاكم إلا بما حكم الله [ D] أو بما دل عليه حكمه، وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون لله [سبحانه] شريكاً في حكمه.
27
فأما من قرأه بالتاء والجزم، فمعناه: لا تنسبن أحداً إلى أنه يعلم الغيب ويلي تدبير الخلق. قوله: {واتل مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ}. المعنى: واتبع يا محمد ما أنزل إليك من كتاب [ربك] والزم تلاوته والعمل بما فيه {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} أي: لا مغير لما وعد بكلماته التي أنزلها عليك. ثم قال: {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً}. أي وإن لم تفعل ما أمرت به من الاتباع للكتاب ولزوم التلاوة فلن تجد من دونه ملتحداً. قال: مجاهد [" ملتحداً "] ملجأً. وقيل معناه: موئلاً. وقيل:
28
معدلاً والمعنى واحد. وهو مفتعل من اللحد. يقال: لحدت إلى كذا أي ملت إليه. ولذلك قيل لِلَّحد لَحْد لأ [نه] في ناحية القبر وليس هو الشق الذي في وسطه. ومنه الالحاد في الدين لأنه ميل عن الحق فيه. قال: {واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي}. والمعنى أن الله يقول لنبيّه عليه السلام: احبس نفسك يا محمد في أعمال الطاعت {مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي} بالذكر والحمد والتضرع يريدون بذلك وجه الله. {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ}. أي: لا تصرفهما عنهم إلى غيرهم من الكفار. وقال: ابن المسيب: هم أهل الصلاة المكتوبة، ومثله عن مجاهد.
وروي أن ذلك نزل في الذين [كان] النبي A يقرئهم القرآن أُمّر أَن يصبر نفسه ليقرئهم. وروي أنه أمر للنبي عليه السلام أمر أن يقرئ الناس القرآن. [و] هذه الآية نزلت في جماعة من عظماء المشركين أتوا النبي عليه السلام وقالوا له: باعد عنك هؤلاء الذين رائحتهم رائحة الظأن وهم موال وليسوا بأشراف، لنجالسك ونفهم عنك، يعنون بذلك خباباً وصهيباً وعماراً وبلالاً ومن أشبههم فأمر [هـ] الله [ D] [ ألا] يفعل ذلك وأن يقبل عليهم ولا يلتفت إلى غير [هم] من المشركين. فهو / قوله {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتبع هَوَاهُ} يعني المشركين الذين أمروه
أن يبعد عنهم هؤلاء المؤمنين. وقيل: عني بذلك عيينة بن حصن والأقرع بن حابس. " ولما نزل ذلك على النبي عليه السلام وهو في بيته التمسهم فوجد قوماً يذكرون الله [ D] ثائري الرؤوس والجلود وفي ثوب واحد فلما رآهم قال: " الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم " ". وفي ذلك نزل {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52]. وذلك أن النبي عليه السلام همّ بابعادهم طمعاً أن يؤمن به عظماء قريش فنهاه الله [ D] عن ذلك. وقيل [معنى] {يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي}: يعني صلاة الصبح والصلاة
29
بالعشي. وقيل: هم الذين يقرءون القرآن. ثو قال: تعالى: {تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا}. فمعنى تريد زينة الحياة الدنيا أي تريد مجالسة الأشراف ذوي الأموال، وهم كفار، وتترك مجالس المؤمنين الفقراء. وروي أنهم كانوا لا يلبسون الأثياب الصوف من الفقر. وقال: مجاهد: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} أي ضياعاً. وقيل معناه: ندامة. وقيل هلاكاً. وقال: ابن زيد معناه: مخالفة للحق. وهو من قولهم أفرط فلان في كذا، إذا أسرف فيه وجاوز قدره فيكون معناه وكان أمره سرفاً في كفره وافتخاره وتكبره. قوله: {وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ}. المعنى: أن الله جل ذكره أمر نبيّه عليه السلام أن يقول لمن تقدم ذكره في قوله
{وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتبع هَوَاهُ} [الكهف: 28] الحق من ربكم أي الهدى والتوفيق والخذلان من عند الله يهدي من يشاء فيوفقه فيؤمن، ويضل من يشاء فيخذله فيكفر، وليس إلي من ذلك شيء، ولست بطارد لهواكم من وفقه الله [ D] فآمن، فإن شئتم فاكفروا وإن شئتم فآمنوا. فإن كفرتم فقد أعد لكم [ربكم] ناراً أحاط [بهم] سرادقها. وقوله {فَلْيُؤْمِن} و {فَلْيَكْفُرْ} لفظه لفظ الأمر ومعناه التهدد والوعيد. ومثله {تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ} [هود: 65] وقوله: {وَلِيَتَمَتَّعُواْ} [العنكبوت: 66] وشبهه كثير. والأمر من الله [ D] على أقسام: فمنه ما معناه الإيجاب والإلزام نحو {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا} [المائدة: 6] الآية، وشبهه. فهذا لا بد من فعله ويأثم من تركه، ويكفر إن عاند في تركه. ومنه ما معناه التأديب والإرشاد نحو قوله: {وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} [النور: 32] وقوله: {وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] وفيه اختلاف. فهذا لا
يخرج المأمور بتركه إلى إثم. وإن تأدب به وعمله فقد أحسن، إذ قد اتبع ما ندبه الله [ D] إليه. ومنه ما معناه الاباحة [والاطلاق نحو قوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا} [المائدة: 2] وقوله:] {فانتشروا فِي الأرض} [الجمعة: 10] {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله} [البقرة: 222] فهذا إن شاء [فعله، وإن شاء] لم يفعله، ولا يشكر على فعله، ولا يندم على تركه. ومنه / ما معناه الحتم والتكوين والإحداث نحو قوله: {كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] وقوله: {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117 - يس: 82] فهذا تكوين وإحداث. ويوجد المأمور فيه مع الأمر ولا يتقدم ولا يتأخر. وكل أوامر النبي [ A] على هذه الأقسام تأتي إلا التكوين والإحداث فليس
يكون إلا لله D، غير أنه قد يكون ذلك على أيدي أنبيائه دلالة على صدقهم. كقول نبينا A لشجرة دعاها: " أقبلي " فأقبلت تجري عروقها وأغصانها حتى وقفت بين يديه، ثم قال: لها: " ارجعي " فرجعت إلى مكانها، وشبهه كثير. وهذه الأوامر إنما يميز الواجب منها [من غيره] بالبراهين والدلائل والتوقيف لا غير. وقوله: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}. قال: اين زيد: هو حائط من نار يحيط بهم كسرادق الفسطاط، وقاله ابن عباس. وقال: معمر: هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة وهو الذي قال: الله: [ D] { انطلقوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ} [المرسلات: 30]. وقيل هو البحر المحيط الذي في الدنيا، أي: أحاط بهم سرادق الدنيا أي: بحرها المحيط. وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: " البحر جهنم وتلا هذه الآية. وقال: لا
أدخله أبداً وما دمت حياً، ولا تصيبني منه قطرة " فيكون معناها أحاط بهم أي عمهم. وروى [عنه] أبو سعيد الخدري أنه قال: " سرادق النار أربع جدر، كتف كل واحد منها مسيرة أربعين سنة ". ثم قال: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ}. أي إن يستغيثوا من العطش يغاثوا بماء كالمهل أي " كعكر الزيت. فإذا قربه من فمه سقطت فروة وجهه فيه " كذا رواه الخدري عن النبي عليه السلام. وعن ابن مسعود: أن المهل هو كفضة وذهب أذيبا واختلطا. وقال: مجاهد:
" كالمهل " كالقيح والدم الأسود إذا اختلطا. وقال: ابن عباس: المهل ماء غليظ مثل دُرَدَيّ الزيت. وقال: الضحاك: المهل ماء جهنم أسود، وهي سوداء، وشجرها أسود وأهلها سود. وقال: ابن جبير: المهل الذي قد انتهى حرة. وقيل: المهل عكر القطران. وعن النبي عليه السلام أنه قال: " المهل صديد أهل جهنم إذا دني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه ولحم وجهه من حره ". والمهل عند أهل اللغة: كل شيء أذبته من رصاص أو نحاس ونحوه. ثم قال: {يَشْوِي الوجوه}.
وقال: ابن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقزم فيأكلون منها فاختلست جلودهم ووجوههم. فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم. فيتضاعف عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل. فإذا أدنوه من أفواهه انشوى من حره لحوم / وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود. وقوله: {بِئْسَ الشراب}. أي بئس الشراب هذا الذي يغاث به هؤلاء القوم. وقوله: {وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً}. أي ساءت هذه النار التي أعدت لهؤلاء الظانين: {مُرْتَفَقاً} أي متكئاً. والمرتفق في كلام العرب المتكا. يقال: ارتفقت أي: اتكأت. . وقال: مجاهد " مرتفقاً " مجتمعاً " وهو مفتعل من الرفق.
30
قوله: {إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ [مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً]} إلى قوله: {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً}. أي [إن] الذين صدقوا محمداً [ A] وما أتى به وعملوا بما جاءهم [به] لا نضيع ثواب من أحسن عملاً. وخبر إن الأول قوله: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} على تقدير من أحسن عملاً منهم. وحذفت " منهم " لأن الله قد أخبرنا أنه محبط عمل غير المؤمنين. وقيل التقدير: إنا لا نضيع أجرهم. وقيل: الخبر أولئك لهم جنات عدن. وروي " أن أعرابياً سأل النبي A وهو واقف بعرفات على ناقته الصهباء عن
قوله: {إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ} الآية. فقال: النبي [ A] : " يا أعرابي: ما أنت منهم وما هم منك ببعيد. هؤلاء الأربعة الذين هم وقوف معي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. فاعلم قومك أن هذه الآية نزلت في هؤلاء الأبعة " ". ولا تقف على {عَمَلاً} إن جعلت الخبر {أولئك لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} وإن جعلت الخبر: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ} وقفت عليه. ثم قال: تعالى: {أولئك لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ}. أي جنات إقامة لا زوال منها. {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار} أي من دونهم الأنهار. كما يقال: داري تحت دارك، أي دونها. وسأل عمر بن الخطاب Bهـ كعباً. فقال: [له]: إني سمعت الله [ D] يذكر جنات عدن، فما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هو قصر في الجنة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل. فقال: عمر: أما النبوة
فقد جعلها [الله D] في أهلها، وأما الصديق فوالله إني لأرجو أن [أكون] قد صدقت بالله [ D] وبرسوله، وأما الحكم العدل فوالله إني لأرجو أن أكون ما فرقت في حكم أحداً، وأما الشهادة فأنّى لي بالشهادة؟ قال: الحسن فجمعهن الله [ D] والله له ثلاثتهن. فجعله: صديقاً، حكماً عدلاً، شهيداً. وقوله: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ}. أساور جمع [اسورة، وأسورة جمع] سِوار وسُوار يقال: بالضم والكسر. وحكى قطرب إسوار. وإن أساور جمع أسوار على حذف الياء لأن أصله أساوير على هذا. والمعروف أن إسوار واحد أساورة الفرس. وقوله: {وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ}. قال: الكسائي: السندس جمع سندسة. وقال: واحد العبقري عبقرية وواحد
32
الرفرف: رفرفة، وواحد الأرائك: / أريكة. والسندس ما رقَّ من الديباج، والإستبرق ما ثخن منه وغلظ. والأرائك السور في الحجال، وقيل: هي الفرش في الحجال. ثم قال: {نِعْمَ الثواب} أي نعم الثواب [في] جنات عدن وما وصف فيها لمن ذكر. {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} أي حسنت هذه الأرائك والجنات التي وصف الله [ D] في هذه الآية {مُرْتَفَقاً} أي متكئاً. قوله: {واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} إلى قوله {وَأَعَزُّ نَفَراً}.
وروي عن [ابن] عباس: أنهما أخوان ورثا مالاً فصار لكل واحد أربعة آلاف دينار. فأعطى أحدهما نصيبه للفقراء والمساكين واكتسب الآخر بنصيبه الأجنة والعبيد، فاحتاج المتصدق فتعرض لأخيه ليصله. فقال: [له] أخوة: ما فعل مالك؟ قال: قدمته بين يدي. قال: [له]: لكني اشتريت بمالي لنفسي ولولدي {وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً} [الكهف: 36] الآية. وقيل: " كانا رجلين من بني إسرائيل اشتركا في تجترة فربحا ستة آلاف دينار. فاقتسماها وتفرقا. ثم اجتمعا فقال: أحدهما لصاحبه: ما فعلت؟ قال: نكحت امرأة أفضل نساء بني إسرائيل بألف دينار. فانطلق الآخر فأخرج ألفاً فقال: اللهم إن صاحبي نكح من يموت ويبلى بألف دينار. وأنا أخطب إليك امرأة من نساء الجنة بهذه الألف، وتصدق بها. . . القصة بطولها. و [المعنى و] اضرب يا محمد لهؤلاء المشركين، الذين سألوك أن تطرد الذين
يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين أي بستانين من كرم {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} أي أظللنا البتانين بنخل حولهما. من قولهم حف القوم بفلان إذا حد قوابه. وقيل: إن هذا مما سأل عنه اليهود مع قصة أهل الكهف وذي القرنين والروح، فأعلمنا الله [ D] به وجعله مثلاً للكفار ولجميع المؤمنين. وروي أن الرجلين هما أبناء فطر سويسِ ملك كان في بني إسرائيل توفي وترك ابنين أحدهما يسمى مليخا. وكان: وكان زاهداً في الدنيا وراغباً في الآخرة، فأنفق ماله في ذات الله [ D] وكان الآخر يبني القصور، ويكسب الأجنة والعبيد، فزار الزاهد أخاه فوجد عليه حجاباً فلم يدخل إلا بعد إذن فسألأه عن ماله. فقال: أنفقته في ذات الله، وقدمته بين يدي لأقدم عليه. وجئتك زائراً. فقال: له الغني {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} أي عبيداً. ثم كان من شأنهما ما قص الله علينا.
وقوله {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً}. أي جعلنا وسط هذين البستانين زرعاً {كِلْتَا الجنتين آتَتْ أُكُلَهَا} أي: أطعم ثمرها {وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً} أي: لم تنقص من الأكل شيئاً {وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً} أي: بين أشجارهما. وفجرنا: سيلنا. وأجاز النحويون في غير القرآن: آتتا أكلهما. وأجاز الفراء كلتا الجنتين آتى أكله، رده على معنى كل. وفي حرف عبد الله / " كلا الجنتين اتى أكله ". ثم قال: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ}.
أي: ذهب وفضة، قاله مجاهد وكذلك {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} [الكهف: 42] وقال: قتادة: هو المال الكثير من أنواع شتى. وقال: ابن عمر [وابن عباس]، ثمر: مال. وقال: مجاهد: كل ما في القرآن من " ثُمر " بالضم فهو المال، وما كان " من ثَمر " بالفتح " فهي من الثمار. وقال ابن زيد: الثمر هنا الأصل، وكذلك {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} [الكهف: 42] أي: بأصله. وهو جمع ثمار، كحمار وحمر، وثمار جمع ثمرة، فأما من أسكن الميم فإنما
35
أسكن استخفافاً. ومعناه كمعنى قراءة من ضم. فأما من فتح الميم والثاء، فإنه جعله جمع ثمرة كخشبة وخشب. ثم قال: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} الآية. أي قال: صاحب الجنتين لصاحبه، الذي لا مال له، وهو يخاطبه {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} أي: أعز عشيرة ورهطاً. قوله: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} إلى قوله {فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً}. أي دخل هذا الذي له جنتان جنته، وهو كافر بالله [سبحانه] وبالبعث شاكاً كما في قيام الساعة، وذلك ظلمه لنفسه، فقال: {مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً} لما رأى جنته وحسن ما فيها من الثمار والأنهار شك في المعاد.
فقال: ما أظن أن تبيد هذه الجنة أي لا تخرب ولا تفنى. ثم قال: {وَمَآ أَظُنُّ الساعة [قَائِمَةً]} شك في قيام الساعة. ثم قال: غير موقن بالبعث: {وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} يقول: إن كان ثَمَّ بعثٌ فلي عند ربي خير من جنتي. لأنه لم يعطني هذا في الدنيا إلا ولي عنده أفضل منهما في المعاد إن كان ثم معاد. وتحقيق المعنى، ولئن رددت إلى ربي، على قول صاحبي وقد أعطاني هذا في الدنيا فهو يعطيني في الآخرة أفضل من ذلك. فدل هذا على أن صاحبه المؤمن أعلمه أن ثم بعث ومجازاة. ومثله {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ} [النحل: 27] فأضافهما إلى نفسه، والمعنى أين شركائي على قولكم. ثم قال: تعالى: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ}. أي قال: له صاحبه المؤمن وهو يخاطبه {أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ} يعني خلق آدم أباك من تراب {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} أي: خلقك أنت من نطفة الرجل والمرأة. {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} أي عدلك سوياً رجلاً لا امرأة، فكفرت به أن يعيدك خلقاً
جديداً بعد موتك. [{لكنا هُوَ الله رَبِّي} أي] لكن [أنا] أقول هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً. وهذا يدل على أن صاحب المال كان مشركاً إذ نفى هذا المؤمن الإشراك عن نفسه. ثم قال: {ولولا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله} أي هلا إذ دخلت بستانك فأعجبك ما رأيت فيه قلت: ما شاء الله كان ولا قوة على ما نحاول من الطاعة إلآ بالله، قال: أبو عامر الباجي: من أكثر من قول ما شاء الله لم يصبه شيء إلا رضي به. قال: أبو محمد [Bهـ]: وقوله المسلمين بأجمعهم ما شاء الله كان، وقبولهم لهذا القول واستمالتهم له بأدمعهم يدل / على أن ما حدث في الدنيا وما
يحدث من خير وشر فبمشيئة الله [سبحانه]، وبقدرته [ D] وإرادته [تعالى] [كان] خلافاً لقول المعتزلة أن ثم أشياء كثيرة حدثت بغير مشيئة الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً، بل كل بمشيئته وارادته يفعل ما يشاء. كما قال {إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} [الحج: 18] ولو حدث شيء بغير مشيئته وإرادته لكان مقهوراً مغلوباً، جل وتعالى عن ذلك. وروى أبو هريرة عن النبي A أنه قال: " " ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة تحت العرش؟ قال: قلت: بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: [لا] قوة إلا بالله إذا قالها العبد قال: الله: " أسلم عبدي واستسلم " ". ثم قال: [له]: {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً} أي: في الدنيا {فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ
خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً [مِّنَ السمآء]} أي: عذاباً. وواحد الحسبان حسبانة وهي المرامي، قال قتادة والضحاك وقال: ابن زيد الجسبان قضاء الله [ D يقضيه]. والحسبان في اللغة الحساب كما قال: تعالى: {الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5] أي: بحساب. وتقدير الآية على هذا: أن يرسل عليها عذاب حسبان ما كسبت يداك مثل {وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82]. ثم قال: {فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً}. أي: فتصبح أرضاً ملساء لا شيء فيها من شجر ولا غرس، {زَلَقاً} لا ينبت في أرضها قدم لإملاسها ودروس ما كان ثابتاً فيها. والصعيد وجه الأرض الذي لا نبات فيه قال: قتادة {صَعِيداً زَلَقاً} أي قد
42
حصد ما فيها ولم يترك شيء. قال: ابن عباس: مثل الجرز. ثم قال: {أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً}. أي غائراً. وهو مصدر وضع موضع اسم الفاعل كما قال: رجل عدل أي عادل. وهذا مما يبقى على لفظه في الواحد والاثنين والجماعة والمؤنث. ومعنى غائر ذاهب في الأرض فلا يلحقه الرشاء. ثم قال: {فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً}. أي: فلن تدرك الماء الذي كان في جنتك إذا غار. قال: تعالى: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ}. المعنى: وأحاط الله [ D] بثمره أي أحاط عذاب الله [ D] بثمره.
والثمر أنواع المال. ولو كان الثمر المأكول لوجب أن يكون لم يهلك من ماله إلا ثمر شجرة [و] ليس الأمر على ذلك. بل هلك كل ماله في الجنتين وهلكت الجنتان مع ذلك. وقوله: {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا}. هذا مثل للنادم المتأسف على ما ذهب له أن يقلب كفيه ظهراً لبطن على ذهاب نفقته في جنته {وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا} أي حيطانها قائمة لا سقوف عليها. قد تهدمت سقوفها [و] بقيت حيطانها، فصارت الحيطان كأنها على السقوف إذ صارت السقوف تحت الحيطان. وقال: مجاهد {يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ} أي يصفق كفيه. أي يضرب كفاً على كف، وهذا يفعله صاحب المصيبة إذا نزلت به.
43
{يَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً}. هذا ندم منه على ما تقدم من شركه به لما عاين ذهاب ماله والانتقام منه في الدنيا. والمعنى ويقول إذا عاين عذاب الآخرة ذلك. لم يندم على الشرك في الدنيا، إذ لو ندم على شركه/ في الدنيا لكان مؤمناً. قال: {وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله}. أي لم تكن له عشيرة ينصرونه من هلاك جنته. وقيل من العذاب، قاله مجاهد. وقال: قتادة: " فئة جنده. {وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً}. أي ما كان ممتنعاً من عذاب الله [ D] إذا عذبه [سبحانه]. قال: تعالى: {هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق}. أي لم يكن ممتنعاً {هُنَالِكَ} ثم ابتدأ فقال: {الولاية لِلَّهِ الحق} فلا يوقف على " منتصراً " على هذا التقدير. ويجوز أن يكون {هُنَالِكَ} ظرفاً للولاية، فيحسن الوقف
على " منتصراً ". و" الولاية " بفتح الواو، في الدين مصدر للولي، من قوله {إِنَّ وَلِيِّيَ الله} [الأعراف: 196] ومعناه يتولى المؤمنين [و] قال: الفراء والكسائي الولاية بفتح الواو يعني به النصرة، أي هنالك النصرة لله [ D] . ودل على هذا قوله: {وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً}. والولاية بكسر الواو السلطان والقدرة. وهو مصدر وليت الشيء ولاية، فهو مصدر الوالي، هذا قول الكسائي والفراء. والمعنى ثم القدرة والنصرة والسلطان لله [ D] وثم إشارة إلى يوم القيامة. وأجاز أبو إسحاق " الحق " بالنصب على المصدر. أي أحق الحق. ولم
45
يقرأ به أحد. ثم قال: {هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً}. أي الله خير المثيبين في العاجل والآجل، {وَخَيْرٌ عُقْباً} أي عاقبة في الأجل إذا صار إليه المطيع له. والعقب العاقبة وهي العقبا وذلك ما يصير إليه الأمر. قال: {واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا}. أي واضرب للمشركين يا محمد الذين رغبوا [في الدنيا] واختاروها على الآخرة فسألوك أن نطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه للدنيا. {مَّثَلَ} أي شبهاً. {كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح}.
أي كمطر أنزله الله من السماء {فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً} فمثل الدنيا كمثل هذا النبات الذي حسن استواؤه بهذا المطر ثم انقطع عنه فعاد هشيما. أي: يابساً فتاتاً {تَذْرُوهُ الرياح} لا فائدة فيه. وكذلك الحياة الدنيا، بينما الإنسان في غضارتها مغتبطاً إذ أتاه الموت فيبطل كل ما كان فيه. وقيل: معنى المثل المستحسن من الدنيا المشتهى المستحلى من نعمها، كله [يبطل] ويفسد بالفناء والزوال والانقلاب من الحال المستحسنة [إلى الحال المستقبحة] كما انتقل النبات عن الخضرة والطراء إلى الجفاف والاسوداد والهلاك. فلا ينبغي لمن لطف نظره وصح تمييزه أن يعتد من الدنيا بما لا يبقى عليه ولا يحصل له نفعه. ثم قال: {وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً}. أي قادراً لا يفوته شيء. ومعنى {وَكَانَ الله} فأتى بالخبر عن الماضي أنه على [معنى: أن] ما شاهدتموه من قوته ليس بحادث بل لم يزل على ذلك. هذا مذهب
46
سيبويه. وقال: الحسن معناه: وكان مقتدراً عليه قبل كونه. وكذا الجواب عن كل ما أخبر الله [ D] به عن نفسه بالماضي. قوله: {المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا}. والمعنى المال والبنون الذي يفخر به عظماء قريش على الفقراء المؤمنين إذ سألوك يا محمد / أن تبعد الفقراء المؤمنين عن نفسك وتقرب الأغنياء زينة الحياة الدنيا دون الآخرة. {والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً} أي وما يعمل هؤلاء الفقراء من دعائهم ربهم [ D] بالغداة والعشي يريدون وجهه. {والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً}. أي ما يؤمل من عاقبه الدعاء إلى الله [ D] هؤلاء الفقراء خير مما يؤمل هؤلاء الأغنياء المشركون من أموالهم وأولادهم.
وقيل: عنى بهذه الآيات من قوله: {واتل مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ} [الكهف: 27] إلى هذا الموضع: عيينة والأقرع، سألا النبي [ A] أن يطرد الضعفاء المؤمنين عن نفسه مثل سلمان وصهيب وخباب. وقال ابن عباس: {والباقيات الصالحات} الصلوات الخمس، وهو قول ابن جبير. وقال: عثمان [بن عفان] Bهـ[هي] سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، رواه عنه الحارث مولاه. وقال: ابن عباس أيضاً: هي سبحان الله والحمد لله ولا إلأه إلا الله والله أكبر، وهو قول ابن المسيب وعطاء ومجاهد. وزاد ابن المسيب فيها: ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكذلك قال: ابن عمر لما سئل عنها مثل قول ابن المسيب، وهو قول محمد بن كعب القرطبي، وهو قول ابن مسعود، وهو مروي عن النبي عليه السلام.
وروي عن مجاهد أنه قال: هي التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير. وروى أبو أيوب الأنصاري أن النبي عليه السلام قال: " عرج بي إلى السماء فرأيت إبراهيم فقال: يا جبريل من هذا معك قال: محمد، قال: فرحب بي وسهل. ثم قال: مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة. فقلت: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله ". وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هن الباقيات الصالحات ". وروى أبو سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال: " استكثروا من الباقيات الصالحات، قليل وما هن يا رسول الله؟ قال: الملة. فيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله ". وروى ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله A: " خذوا
47
جنتكم، قالوا: يا رسول الله من عدو و [قد] حصر. [قال] لا، جنتكم من النار. قوله سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومنجيات من النار [هن] الباقيات الصالحات ". وعن ابن عباس أنه قال: هي الأعمال الصالحات من الذكر وغيره. تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السماوات والأرض. وقال: ابن زيد: هي الأعمال الصالحات. وعن ابن عباس أيضاً: هي الكلام الطيب. قال: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال وَتَرَى الأرض بَارِزَةً}. أي: واذكر يا محمد يوم تسير الجبال، أي يوم تبس الجبال بساً فتجعلها هباءً منبثاً {وَتَرَى الأرض بَارِزَةً}، أي: ظاهرة قد اجتنيت ثمارها وقلعت جبالها وهدم
48
بنيانها، قاله مجاهد / وقتادة. وروى أن ذلك في يوم النفخة الأولى. وقيل المعنى: قد أبرزت من فيها من الموتى الذين كانوا في بطنها فصاروا على ظهرها. فيكون على هذا النسب: أي وترى الأرض ذات بروز. ثم قال: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً}. أي: وجمعناهم إلى موقف الحساب فلم نترك منهم أحداً تحت الأرض. فهذا يدل على أن معنى {وَتَرَى الأرض بَارِزَةً} تبرز من في بطنها من الموتى على ظهرها. وعن أم سلمة زوجة النبي A أنها قالت سمعت النبي A يقول: " يحشر الناس حفاة عراة كما بدؤوا، وقالت أم سلمة: يا سوءتاه يا رسول الله هل ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: شغل الناس، قالت: قلت: وما شغلهم يا رسول الله؟ قال: نشروا الصحف فيها متى قيل الدر ومتى قيل الخردل ". قوله: {وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَّاً} [47] إلى قوله: (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) [49].
49
أي وعرض الخلق صفاً أي ظاهرة ترى جماعتهم كما ترى كل واحد منهم، لا يسترهم شيء. {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}. أي أحياء كهيئتكم حين خلقناكم أول مرة، يحشرون حفاة عراة غرلاً. وغرل جمع أغرل وهو الأقلف. والمعنى يقال: لهم يوم القيامة إذا عرضوا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة. ثم قال: [تعالى]: {بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً}. هذا خصوص للمنكرين البعث يقال: لهم بل زعمتم أن لن تبعثوا. قال: [تعالى]: {وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ}. في هذا الكلام اختصار وحذف. والتقدير ووضع الكتاب فيه عمل [كل]
امرئ أي وضع الكتاب في يد كل امرئ في يمينه أو في شماله. {فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ}. أي: ترى المشركين [بالله] خائفين وجلين مما فيه من أعمالهم السيئة {وَيَقُولُونَ ياويلتنا} أي قولون إذا قرءوا كتاب أعمالهم ورأوا ما كتب عليهم من كبائر ذنوبهم ومغائرها {ياويلتنا} دعوا بالويل لما أيقنوا بالعذاب. وروى عن عمر بن الخطاب Bهـ أنه قال: لكعب: ويحك يا كعب حدثنا من حديث يوم القيامة، فقال: نعم يا أمير المؤمنين إذا كان يوم القيامة رفع اللوح المحفوظ، فلا يبقى أحد إلا وهو ينظر إلى عمله فيه. ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال العباد فتنشر حول العرش فذلك قوله: {وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ ياويلتنا مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} لما رأوا ما رأوا ولم يقدروا أن ينكروا منها شيئاً. قال: قتادة: اشتكى القوم كما تسمعون الإحصاء ولم يشتك أحد منهم ظلماً، فإياكم والمحقرات من الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه.
وروى عن ابن عباس أن الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك. وقيل: الصغيرة ما دون الشرك والكبيرة الشرك. وقوله: {إِلاَّ أَحْصَاهَا} أي إلاّ حفظها الكتاب وأثبتت فيه. وقال: أحصاها على معنى أحصاهما، وعلى معنى / أحصى كل واحد منهما. وقيل المعنى: لا يغادر صغيرة إلا أحصاها ولا كبيرة إلا أحصاها، لكن حذفت إحدى الجملتين لدلالة الأخرى عليها اختصاراً وإ [ي] جازاً. ثم قال: {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً}. أي: ما عملوا في الدنيا من عمل حاضراً في كتابهم مكتوباً مبيناً. {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}. أي: لا يجازي ربك يا محمد أحداً بغير ما هو أهله، أي لا يجازي بالإحسان
50
إلا أهل الإحسان، ولا بالسيئات إلا أهل السيئة. وتحقيقه: لا يضع ربك العقوبة إلا في موضعها لأن الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه. قال: {وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمََ فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن}. أي: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ترك السجود حسداً لآدم. وقوله: {كَانَ مِنَ الجن} أي: من الملائكة الذين يقال: لهم الجن. وقيل كان من خزان الجنة فنسب إليها. وقيل: كان من الجن الذين استخفوا عن أعين الناس أي استتروا. وقال: ابن عباس كان اسم إبليس قبل أن يركب المعصية عزازيل. وكان من الملائكة من سكان الأرض من أشد الملائكة عبادة واجتهاداً فدعاه الكبر إلى ترك السجود وكان من حي يسمون جنا. وعنه أيضاً أنه قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال: لهم الجن
خلقوا من نار السموم من بين الملائكة. وكان اسمه الحرث، وكان خازناً من خزان الجنة، قال: وخلقت الملائكة من [نور] غير هذا الحي وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار السموم وهي لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت. وقال: ابن المسيب: كان إبليس رئيس الملائكة، ملائكة سماء الدنيا. وعن ابن عباس كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدير أمر سماء الدنيا. وعنه كان إبليس من أشراف الملائكة و [أ] كرمهم قبيلة وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان السماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض. وكان فيما قضى الله D أنه رأى أن له بذلك شرفاً وعظمة على أهل السماء فوقع في قلبه من ذلك كبر لا يعلمه إلا الله [ D] فلما كان عند السجود، حين أمر أن يسجد لآدم [ A] استخرج الله D كبره عند السجود فلعنه وأخره إلى يوم الدين. وعن ابن عباس أنه قال: إن الملائكة قبيلة من الجن وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض فعصى، فسخط الله [ D] عليه
فمسخه شيطاناً رجيماً لعنه الله ممسوخاً. وقال: إذا كانت خطيئة الرجل في كِبْر فلا ترجه، وإن كانت خطيئته في معصية فارجه. وكانت خطيئة آدم [ A] في معصية وخطيئة إبليس في كبر. وقال: ابن عباس: لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود. وقال: قتادة إنما سمي من الجن لأنه جن عن طاعة ربه. يريد أنه استتر عنها فلم يفعلها. وقال: الحسن: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وأنه لأصل للجن، كما أن آدم [ A] أصل للإنسان. وقال: ابن / جبير: كان من الجنانين الذين يعملون في الجنان فلذلك قال: {[كَانَ] مِنَ الجن}. فمن جعله ليس من الملائكة ينقض قوله قول الله [ D] { وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمََ} لم ير غير الملائكة. وقال: من أجاز ذلك: إن معنى أن الله أمره مع الملائكة بالسجود فاستثني، فهو استثناء ليس من الأول.
ثم قال: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}. أي: فعدل عن أمر ربه وخرج عنه، والفسق العدول والخروج عن الاستقامة. وقال: قطرب معناه ففسق عن [رده] أمر ربه [ D] . والمعنى عند الخليل وسيبويه أتاه الفسق لما أمر فعصى. وكان سبب فسقه الأمر بالسجود. ثم قال: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ}. أي: فتوالون يا بني آدم من استكبر على أبيكم وأغواه حتى أخرده من الجنة فكان ذلك سبب خروجكم منها. وتتركون طاعة ربكم الذي أنعم عليكم وأسجد ملائكته لأبيكم آدم [ A] . وذرية إبليس هم الشياطين الذين يغوون بني آدم.
51
ثم قال: {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً}. أي: بيس ما استبدل الظالمون من طاعة الله [ D] طاعة ابليس. قوله: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض}. أي: ما أشهدت إبليس وذريته {خَلْقَ السماوات والأرض}، أي ما أحضرتهم ذلك فاستعين بهم على خلقهما. {وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ}. أي: ولا أحضرت بعضاً منهم خلق بعض فأستعين به على ذلك. بل هو منفرد بخلق جميع ذلك بغير معين ولا ظهير. وقيل معنى: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض}: أي لم يكونوا موجودين إذ خلقهما. ثم قال: {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً}.
52
أي: وما كنت متخذ من لا يهدي إلى الحق أعواناً وأنصاراً وهو من قولهم فلان يعضد [فلاناً] إذا نصره وأعانه وقواه. وقرأ أبو جعفر وعاصم الجحدري: " ومن كنتَ " بفتح التاء على المخاطبة للنبي عليه السلام. أي لست يا محمد متخذاً المضلين أنصاراً. وفي عضد ستة أوجه وعََضُد وعَضْد وعُضُد بضمتين وبه قرأ الحسن. وحكى هارون القارى " عَضِدٌ ". ويجوز عند أبي إسحاق عُضْداً على قراءة الحسن بسكون الأوسط. والسادس عُضْداً على لغة من قال: كِتْف في كتف. قال: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ الذين زَعَمْتُمْ} أي: نقول للمشركين نادوا الآلهة والأنداد التي عبدتموها، وجعلتموها شركاء لله ووعدتم أنفسكم بنصرتها لكم من عذاب الله.
{فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ}: أي: فاستغاثوا بها ولم تغثهم. ثم قال: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً}. أي جعلنا بين المشركين، وما كانوا يعبدون في الدنيا عداوة يوم القيامة، قاله الحسن. وقال: ابن عباس معنى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً} الموبق المهلك الذي أهلك بعضهم بعضاً. كأنه جعل فعلهم ذلك لهم مهلكاً. ف " بين " اسم على هذا القول لأظرف، وانتصابه انتصاب / المفعول بجعل. قال: الضحاك: موبقاً هلاكاً. وقال: مجاهد: موبقاً واد في جهنم. وقال: عبد الله بن عمرو: يفرق يوم القيامة بين أهل الهدى والضلالة بواد عميق وهو الموبق. وقال: أبو عبيدة: موبقاً موعداً. وأحسن الأقوال، قول من قال: الموبق المهلك والهلاك. لأن العرب تقول: وبقَ
53
يَبِق: إذا هلك. [ومنه] قوله: {[أَوْ يُو] بِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا} [الشورى: 34] أي: يهلكهن. فالمعنى وجعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكاً لهم في الآخرة. وقد يسمى الوادي موبقاً لأنه يهلك فيه. ف " بين " على هذا اسم لا ظرف، وانتصابه بجعلنا انتصاب المفعولات لا انتصاب الظروف، ومن جعله وادياً فهو ظرف، وكذلك على قول موبقاً عداوة وموعداً. وروى أبان عن عكرمة أنه قال: [" موبقاً "] نهر في النار يسيل ناراً، على حافتيه حيات كالبغال الدهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالاقتحام في النار منها، أعاذنا الله من النار. قال: [تعالى]: {وَرَأَى المجرمون النار فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا}. أي عاين المجرمون النار يوم القيامة فأيقنوا بأنهم داخلوها. روى أبو سعيد
54
الخدري أن النبي A قال: " إن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة ". ثم قال: {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً}. أي: [و] لم يجدوا عن النار معدلاً إلى غيرها. قال: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ}. أي: ولقد مثلنا في هذا القرآن [للناس] من كل مثل فيه موعظة وحجة ليتعظوا ويتذكروا فينيبوا ويزدجروا عمّا هم فيه من الكفر {وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً}، أي خصومة لا ينيب لحق ولا ينزجر لموعظة. [و] الإنسان هذا الكافر، دل عليه قوله {ويجادل الذين كَفَرُواْ بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق} [الكهف: 56]
55
وإنما قيل: {وَكَانَ الإنسان}. لأن إبليس أيضاً قد جادل والجن تجادل. والمعنى: وكان الإنسان أكثر هذه الأشياء جدلاً. قوله: {وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى}. المعنى: وما منع هؤلاء المشركين يا محمد عن الإيمان [بالله D] إذ جاءهم البيان من عند الله [سبحانه] والاستغفار مما هم عليه من شركهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين. أي: إلا طلب أن يأتيهم العذاب كما أتي الأولين عند امتناعهم من الإيمان. وطلبهم العذاب كما طلب هؤلاء المشركون العذاب في قولهم: {اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]. ثم قال: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب قُبُلاً}.
56
من كسر القاف فمعناه: عيانا. ومن ضم فهو عند الفراء جمع " قبيل " أي يأتيهم متفرقاً صنفاً بعد صنف. وقال: أبو عبيدة: " قُبْلاً " بالضم مقابلة. وقال: مجاهد: قبلا، فجأة. وقال: ابن زيد: عيانا. قال: [تعالى]: {وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ}. أي: وما نرسل رسلنا إلا مبشرين أهل الإيمان بجزيل الثواب عند الله [ D] ومنذرة أهل الكفر عظيم العقاب. ثم قال: {ويجادل الذين كَفَرُواْ بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق}.
57
أي: يخاصم الكفار النبي A ويسألوا عن المسائل / يبتغون عجزه واستنقاصه ليزيلوا به حجته، وينكروا نبوته فيزيلون الحق. ومعنى {لِيُدْحِضُواْ} يزيلوا، وهو سؤالهم عن الروح وعن فتية الكهف وعن ذي القرنين وشبهه. فأعلم الله [ D] نبيّه أنه لم يرسل رسله للجدال إنما أرسلهم مبشرين ومنذرين. ثم قال: {واتخذوا ءاياتي وَمَآ أُنْذِرُواْ هُزُواً}. أي: اتخذ الكافرون آيات الله [ D] وحججه [سبحانه] سخرياً. والهزؤ السخرية كأنهم يسخرون به. قال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بآيات رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا}. أي: أيُّ الناس أوضع للأشياء في غير موضعها ممن ذكره الله [ D] آياته وحججه فدله على سبيل الرشاد، وأهداه إلى طريق النجاة، فأعرض عن ذلك
ولم يقبله {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي ترك ما اكتسبت من الذنوب المهلكة له فلم يتب منها. ثم قال: تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ}. أي: إنا جازيناهم بإعراضهم عن الهدى وميلهم إلى الكفر [بأن] جعلنا على قلوبهم أغطية لئلا يفقهوه {وَفِيءَاذَانِهِمْ وَقْراً} أي ثقلاً لئلا يسمعوه. فأعلم الله [ D] نبيه [ A] أن هؤلاء بأعيانهم لن يؤمنوا. ثم قال: لنبيّه عليه السلام {وَإِن تَدْعُهُمْ إلى الهدى} أي الاستقامة {فَلَنْ يهتدوا إِذاً أَبَداً} أي: فلن يؤمنوا أبداً لأن الله [ D] قد طبع على قلوبهم وآذانهم. وقيل المعنى: فمن أظلم لنفسه ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عن قبولها
58
{وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي: ترك كفره ومعاصيه لم يتب منها. قال: {وَرَبُّكَ الغفور ذُو الرحمة}. أي: وربك يا محمد الساتر على ذنوب عباده بعفوه إذا تابوا منها ذو الرحمة بهم. ولو أخذ هؤلاء المعرضين عن آياته بما اكتسبوا من الذنوب بالعذاب في الدنيا لعجّل لهم ذلك. لكنه برحمته وعفوه لم يعجل لهم ذلك. وتركه إلى وقته، وهو الموعد المذكور. {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً}. أي: لن يجدوا يعني هؤلاء المشركين من دون الموعد ملتحداً ملجئاً يلجؤون إليه من العذاب. قوله: {وَتِلْكَ القرى أَهْلَكْنَاهُمْ}. المعنى: وتلك القرى من عاد وثمود وأصحاب الأيكة وغيرهم أهلكنا أهلها
60
{لَمَّا ظَلَمُواْ} أي: كفروا بالله [ D] وآياته [سبحانه]. {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً}. أي: وجعلناه لوقت إهلاكهم أي لوقت هلاكهم موعداً، لا يتجاوزونه، أي أجلاً ووقتاً. فكذلك جعلنا لهؤلاء المشركين موعداً لإهلاكهم لا يتجاوزونه. وتقدير الآية: أولئك أهل القرى أهلكناهم لما ظلموا، ثم حذف المضاف. مثل {وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82]، وهنا الضمير في إهلاكهم على أصله، يعود على المحذوف وعمد للإشارة فقيل: تلك لما صارت للقرى. أي: واذكر يا محمد إذ قال: موسى لفتاه يوشع بن نون [و] كان يلازم موسى ويخدمه. وهو ابن اخته، وهو يوشع بن نون ابن فزائ [ي] ل بن يوسف بن يعقوب.
والمعنى أنه قال: ليوشع لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، يعني اجتماع بحر فارس وبحر الروم [فبحر الروم] مما يلي المغرب، وبحر فارس مما يلي المشرق، قاله قتادة ومجاهد. ومعنى {أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} أي أو أسير زماناً ودهراً. وهو واحد جمعه أحقاب في أقل العدد وكثيره. وقد / يجوز أن يكون أحقاب جمع حقب وحقب جمع حقبة. [و] قال: الفراء: الحقب في لغة قيس سنة. وقال: عبد الله بن عمر: الحقب ثمانون سنة. وقال: مجاهد " سبعون خريفاً. وعن ابن عباس {أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} دهراً. وعن قتادة: زماناً. وقال: ابن زيد: الحقب الزمان وأصله في اللغة أنه وقت مبهم يقع للقليل والكثير كرهط وقوم
61
وكان علة سيره إلى مجمع البحرين أنه واعد ثم الخضر يلقاه. قال: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا}. أي: فلما بلغ موسى [ A] وفتاه مجمع البحرين. قال: أبي بن كعب أفريقية. وقوله {نَسِيَا حُوتَهُمَا}. أي: تركاه. وقال: مجاهد أضلاه وقيل: الناسي له يوشع وحده، ولكن أضيف النسيان إليهما كما قال: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] وإنما يخرج من أحدهما من المالح دون العذب. وقيل كان النسيان منهما جميعاً أما موسى [ A] فنسي أن يقدم إلى يوشع في أمر الحوت، وأما يوشع فنسي أن يخبر موسى [ A] بسرب الحوت. وكانا قد تزودا الحوت في سفرتهما فأضيف إليهما إذ هو زادهما جميعاً وإن كان حامله أحدهما. ثم قال: {فاتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر سَرَباً}.
62
أي: اتخذ الحوت طريقه في البحر مسلكاً ومذهباً يرى. قال: ابن عباس بقي أثره كالحجر. وعنه أيضاً أنه قال: جاء فرأى أثر جناحيه في الطين حين وقع في الماء. وعن ابن عباس أنه قال: جعل الحوت لا يمس شيئاً من البحر إلا يبس حتى يصير صخرة فذلك اتخاذه في البحر سرباً. قال: ابن زيد: لما أحيى الله [ D] الحوت مضى في البطحاء فاتخذ فيها طريقاً حتى وصل إلى الماء بعدما أكلا منه، وكان زادهما. قوله: {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا} إلى قوله: {مِن لَّدُنَّا عِلْماً}. أي: فلما جاوزا مجمع البحرين، قال: موسى لفتاه: آتنا غذاءنا،
{لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً}. أي: تعباً. وذلك أن موسى [ A] لما جاوز الصخرة التي عندها يطلب الخضر وذهب الحوت عندها ألقى الله [ D] عليه الجوع ليذكر الحوت ليرجع [فليذهب] إلى مطلبه. قال له فتاه وهو يوشع بن نون ابن أخت موسى من سبط يوسف بن يعقوب [ A] : { قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصخرة فَإِنِّي نَسِيتُ الحوت وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر عَجَباً}، أي اتخذ طريقاً يسيرة. قال: موسى " عجباً " أي أعجب عجباً. وقيل هو من قول يوشع كله. أي اتخذ الحوت طريقه في البحر عجباً. فيكون عجباً مفعولاً ثانياً لاتخذ. ويجوز أن يكون مصدراً عمل فيه فعل دل عليه الكلام. وقيل المعنى: واتخذ موسى سبيل الموت في البحر عجباً. قال: ابن أبي نجيح عجباً لموسى [ A] لهى هو أي عجب موسى من أثر الحوت في البحر. وكذلك
قال: قتادة. قال: ابن زيد: عجباً والله من حوت أكل منه دهراً ثم صار حياً حتى أثر يسيره في الماء طريقاً. قال: ابن عباس: عجب موسى من أثر الحوت إذ صار صخرة كلما مس. فمن جعل العجب من موسى، وقوله {واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر} من قول يوشع، وقف على البحر. ومن جعله كله من قول يوشع أو جعل الاتخاذ لموسى [ A] لم يقف على البحر. ثم قال: تعالى: {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ}. أي قال: موسى لفتاه {ذَلِكَ مَا / كُنَّا نَبْغِ}. أي نسيانك للحوت هو الذي كنا نطلب. لأن موسى عليه السلام وعد أن يلقى الخضر في الوضع الذي نسي فيه الحوت.
{فارتدا على آثَارِهِمَا قَصَصاً}. أي: رجعا على طريقهما [الذي] أتيا فيه يطلبان الموضع الذي انسرب فيه الحوت. والقصص الاتباع. أي يقصان الأثر قصصاً حتى انتهيا إلى أثر الحوت {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} أي وجدا خضراً. وكان سبب سفر موسى لطلب الخضر فيما روى جماعة من المفسرين أنه سئل هل في الأرض أعلم منك؟ فقال: لا [و] حدثته نفسه بذلك. فكره له ذلك فأراد الله [ D] أن يعرفه أن من عباده في الأرض من هو أعلم منه. وقيل: إن موسى [ A] ركب البحر فأعجبه علمه، فقال: في نفسه: ما أجد في زماني أعلم مني. فرفع عصفور في منقاره نقطة من ماء البحر فأوحى الله [ D] إليه ما علمك عند علم عبد من عابدي إلا كما حمل هذا العصفور من ماء هذا البحر في منقارة. فقال: يا رب اجمع بيني وبين هذا العالم وسخره حتى أعلم علماً من علمه.
فأوحى الله [ D] إليه أنك تستدل عليه ببعض زادك. فمضى ومعه غلامه ومعهما خبزه وحوت وقد أكلا بعضه. فكان من قصتهما ما حكى الله [ D] عنهما وعن الحوت. وقيل: كان سبب ذلك أنه سأل الله [ D] أن يدله على عالم يزداد من علمه. قاله ابن عباس: قال: سأل موسى [ A] ربه [ D] : أي ربي، أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني فلا ينساني. قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: ربي فأي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن تصيبه كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى. قال: رب فهل في الأرض أجده؟ قال: نعم. قال: رب فمن هو؟ قال: الخضر. قال: زأين أطلبه؟ قال: [على] الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت. فخرج موسى [ A] يطلبه. حتى كان ما ذكر الله [ D] وانتهى موسى [ A] إليه عند الصخرة فسلم كل واحد منهما على صاحبه فقال: له موسى: إني أريد أن تصحبني. قال: له الخضر: إنك لن
تستطيع صحبتي. قال: له موسى: بلى. قال: له الخضر: فإن صحبتني {فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} [الكهف: 69] فكان ما قصّ الله [ D] علينا من أمر السفينة والغلام والجدار. ثم صار به الخضر في البحر حتى انتهى إلى مجمع البحور وليس في مكان أكثر ماء منه. قال: ابن عباس: وبعث ربك الخطاف فجعل يستقي من ذلك الماء العظيم بمنقاره. فقال: الخضر [لموسى]: كم ترى هذا الخطاف رزأ من هذا الماء؟ قال: ما أقل [ما] رزأ منه. قال: يا موسى فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء. وكان موسى يحدث نفسه أنه ليس أحداً أعلم منه. ومن رواية ابن جبير عن ابن عباس أيضاً: خطب موسى بني إسرائيل. فقال: ما أجد أعلم بالله وبأمره مني، فأمر أن يلقى الخضر. فلما اقتص موسى أثر الحوت انتهى إلى رجل راقد قد سجى عليه ثوبه، فسلم عليه موسى، فكشف الرجل عن وجهه الثوب / فرد عليه السلام. فقال: من أنت؟ فقال: موسى قال: صاحب بني
إسرائيل؟ قال: نعم. قال: أو ما كان لك في بني إسرائيل شغل؟ قال: بلى، ولكن أمرت أن أتبعك وأصحبك {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} [الكهف: 67] كما قص الله علينا. ويروى أن موسى قال: له: وما يدريك أني صاحب بني إسرائيل؟ قال: له: ادراني بكل الذي ادراك بي. قال: قتادة: قيل لموسى إن آية لقيك إياه أن تنسى بعض متاعك. فخرج هو ويوشع بن نون فتزودا حوتاً مملوحاً. حتى إذا كانا حيث شاء الله، رد الله إلى الحوت روحه فسرب في البحر واتخذ الحوت طريقه في البحر سرباً. وقال: قوم إن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل وإنما هو عبد من عبيد الله من غير بني إسرائيل. فأنكر ذلك أكثر الناس، وقالوا هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل. وقال: ابن جبير: كنا عند ابن عباس، فقيل له: أن نوفا قال: ليس صاحب الخضر موسى بني إسرائيل. وكان متكئاً فجلس، وقال: يا سعيد أنت سمعته؟ قال، قلت: نعم، أنا سمعته وهو يقول ذلك. فقال: ابن عباس: كذلك نوف. حدثني أبي بن كعب أنه سمع رسول الله A يقول: " بينما موسى [ A] يخطب قومه ذات [يوم] إذ قال: ما أعلم في الأرض رجلاً أعلم مني، فأوحى الله [ D]
إليه: أن في الأرض رجلاً أعلم منك. قال: يا رب فدلني عليه. فقيل له: تزود حوتاً مالحاً فإنه حيث تفقد الحوت. فانطلق هو وفتاه حتى انتهيا إلى الصخرة. وانطلق موسى [ A] يطلبه وترك فتاه فاضطرب الحوت في الماء فجعل لا يلتئم عليه الماء فصار مثل الكوة. فقال: فتاه: إلى أن يجيء نبي الله فأخبره، قال: فنسي أن يخبر موسى بذلك. فلما جاوزا {قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً}. قال: فلم يصبهما نصب حتى جاوزا ما أمرا به. قال: واذكر، يعني الفتى فقال: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصخرة فَإِنِّي نَسِيتُ الحوت} إلى قوله {قَصَصاً} فأراه مكان الحوت قال: ها هنا وصف لي. فذهب يلتمس فإذا هو بالخضر مسجى ثوباً " وذكر الحديث المتقدم.
66
قوله {قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً}. أي قال: موسى للخضر هل أتبعك على أن تعلمني مما علمك الله رشداً إلى الحق ودليلاً على الهدى. قال: له الحضر: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} أي إني أعلم بباطن علم علمنيه الله [ D] ولا تعلم أنت إلا بالظاهر من الأمور فلا تصبر على ما ترى مني لأن أفعالي بغير دليل في رأي العين. قال: موسى: {ستجدني إِن شَآءَ الله صَابِراً} [أي اصبر] على ما أرى منك وإن كان خلافاً لحكم الظاهر، {وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} أي [و] أنتهي إلى ما تأمرني وإن كان مخالفاً لهواي. وفعل موسى [ A] في هذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد ترك طلب العلم [و] الازدياد منه والرحلة فيه وإن كان قد / بلغ فيه مبلغه. ويدل على وجوب
71
التواضع لمن هو أعلم منه. قال الخضر لموسى: {فَإِنِ اتبعتني فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} أي: إن رأيت ما تنكر فلا تسئلني وتعجل علي بالسؤال حتى أبين لك وجهه وشأنه. {فانطلقا حتى إِذَا رَكِبَا فِي السفينة خَرَقَهَا}. أي: انطلق موسى والخضر يطلبان السفينة يركبانها فأصاباها فلما ركبا فيها خرق الخضر السفينة، فأنكر ذلك موسى وقال: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً}. أي: شيئاً منكراً عظيماً. ويروى أن موسى عليه السلام حين رآه يخرق السفينة التزمه، وذكره الصحبة، وناشده الله والصحبة فأكب الآخر عليها يخرقها. فلما خرقها ودخل الماء فيها جلس موسى مهموماً محزوناً وقال: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} الآية. وقال: قتادة {إِمْراً}: عجباً. فأنكر عليه موسى ما رأى، وذلك أنه لم يعلم
أنه نبي. وقيل قد علم أنه نبي ولكن نسي. قال: أبو عبيدة إمراً: داهية. وقيل: سمي الخضر خضراً لأنه كلما صلى في مكان اخضرّ ما حوله. وروى أبو هريرة أن النبي A قال: " إنما سمي الخضر خضراً لأنه جلس على ربوة بيضاء فاهتزت خضراً " فقال: له الخضر: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} لأنك ترى ما لا تعلم. قال: له موسى: {لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً}. قال: أبي بن كعب: لم ينسَ موسى ولكنها من معار [ي] ض الكلام. وقال: ابن عباس: لم ينسَ، وإنما ترك العهد. فالمعنى لا تؤاخذني بتركي عهدي. ألا أسألك عن شيء حتى تحدث لي منه ذكراً. وقيل: إنه نسي فاعتذر ولم ينس في الثانية ولم يعتذر، وعن النبي عليه السلام أنه قال "
74
كانت الأولى من موسى نسياناً "، ومعنى " لا ترهقني " لا تكلفني عسراً. وقيل لا تغشني عسراً. وقيل: المعنى عاملني باليسر لا بالعسر. وقيل معناها لا تضيق علي. قوله: {فانطلقا حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ}. المعنى: فانطلق موسى والخضر يسيران حتى لقيا غلاماً فقتله] الخضر. قال: ابن جبير: وجد الخضر غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً ظريفاً فأضجعه ثم ذبحه بالسكين. قيل كان اسمه جيسور. قال: له موسى
{أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} أي بريئة. وقيل معناها ليس لها إليك ذنب، قاله اليزيدي. وعن ابن عمر: " زاكية " صالحة. وعنه " زاكية " لا ذنب لها. فأما من قرأ " زكية " بغير ألف، فقال: ابن عباس وقتادة: الزكية التائبة. وقال: ابن جبير: الزكية التي لم تبلغ الخطايا. وقال قطرب: زكية مطهرة. وقال:
الكسائي والفراء هما لغتان. ومعناه عندهما لم يجن جناية. وقوله: {بِغَيْرِ نَفْسٍ}. أي: بغير قصاص نفس قتلت فيلزمها القصاص قوداً بها. وهذا المعنى يدل على أن الذي قتله الخضر لم يكن طفلاً بل كان بالغاً. لأن القود بالنفس لا يكون إلا بعد البلوغ. ثم قال: {لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً} أي: لقد فعلت فعلاً منكراً. قال: بعض أهل اللغة " الإمر: أشد من " النكر " لأن الأمر إنما / يستعمل في الشيء العظيم. فلما كان هلاك جماعة في خرق السفينة قال: " امراً " وقال: هنا " نكراً " لأنه قتل واحداً وقتل الجماعة أعظم من قتل واحد. وروي عن قتادة أنه قال: النكر أشد من الأمر.
وقيل معناه: لقد جئت شيئاً أنكر من الأول. قال له الخضر {أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}. أي: لا تقدر أن تصبر على ما ترى من أحوالي وأفعالي التي لم تحط بها خبراً. وإنما كرر المخاطبة الخضر في المرة الثانية لموسى [ A] لأن الإنسان إذا أذنب ثانية كان اللوم عليه آكد من ذنبه أولاً. فلما أنكر موسى على الخضر خرقه السفينة وبخه الخضر توبيخاً لطيفاً إذ لم يتقدم لموسى ذنب. فقال: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} فاعتذر موسى بأنه نسي الشرط الذي اش [ت] رط عليه الخضر. فلما عاد موسى إلى الإنكار في قتل الغلام زاد الخضر في توبيخه لعوده لبعض ما اشترط عليه فكرر الخطاب ليكون أبلغ في التوبيخ فقال: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} فكرر المخاطبة في الثاني لعودة العلة. فقال: له موسى: {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي} أي: تتابعني أي فارقني {قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً} أي: بلغت العذر في شأني.
77
وروى أبي بن كعب أن النبي عليه السلام قال: " يرحمنا الله وإياه يعني موسى، لو صبر لرأى عجباً "، وقال: لما قرأ هذه الآية: " استحيى نبي الله موسى ". قال: تعالى: {فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا}. أي: فانطلق موسى والخضر يسيران حتى إذا جاءا أهل قرية {استطعمآ أَهْلَهَا} أي: سألاهما أن يطعموهما من الطعام. فابوا، فاستضافوهم فأبوا. يقال: ضيفت الرجل إذا انزلته منزلة الاضياف. وأضفته أنزلته. وضيفته نزلت عليه، مشتق من ضاف السهم أي مال. وضافت الشمس إذا مالت للغروب. ومنه قولهم هو مخفوض بالاضافة
[أي] بإضافة الاسم إليه. ثم قال: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} أي يسقط بسرعة. وقرأ يحيى بن يعمر " يريد أن ينقاص " بالصاد غير معجمة، أي بنقطع من أصله وينصدع. وقيل معناه: ينشق طولاً. يقال: انقاصت سنة إذا انشقت ويقال: إن القرية انطاكية. قال: الكسائي: إرادة الجدار هنا ميله، لأن الأموات لا تريد. كما قال: النبي عليه السلام لا " ترى نارهما " أي لا يكون بموضع لو وقف فيه إنسان لرأى النار الآخر.
إن النار لا ترى منه. وقوله: {وتراهم يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [الأعراف: 198]. وقال: أبو عبيدة: ليس للحائط إرادة ولكن إذا كان في هذه الحال فهو من دنيه فهو إرادته. وقيل: إنما كلم القوم بما كانوا يعقلون ويستعملون فلما دنا الحائط من الانقضاض جاز أن يقول {يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} وقد قال: الشاعر: يُرِيدُ الرمحُ صدرَ أبي براء ... ويَرْغَبُ عن دِمَاءِ بَنِي تميم وقال: آخر: يَشْكُو إلي جملي طول السَّرى ... صبراً جميلى فكلانا مبتلى / وقال: آخر وهو عنترة:
فازوزَّ مِنْ وقع القَنَا بَلْبَانه ... وشكا إلي بَعَبْرة وتَحَمْحُم. وقوله: {فَأَقَامَهُ} قال: ابن عباس هدمه ثم قعد يبنيه. وعنه أنه قال: رفع الجدار بيده فاستقام. وقال: مرة أخرى: مسحه بيده فاستقام. قال: له موسى {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} أي لو شئت لم تقم لهؤلاء القوم جدارهم حتى يعطوك على إقامته أجراً. قيل عني موسى بالأجر هنا الضيافة، أي حتى يبرونا. و {لَتَّخَذْتَ} على قراءة الجماعة هو افتعلت من " اتخذ " لكن أدغمت التاء التي هي فاء الفعل الأصلية لالافتعال. ويجوز أن يكون افتعلت من " أخذ " وأصله " أيتخذ ". ثم أبدل من الياء التي هي عوض من الهمزة التي هي فاء الفعل فأدغمت في تاء الافتعال.
78
فأما قراءة أبي عمرو وابن كثير فإنه من: تخذ يتخذ مثل شرب يشرب. قال: ابن سيرين: القرية التي أتوها " الآيلة " وهي أبعد الأرض من السماء. قوله: {قَالَ هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ}. أي قال: الخضر لموسى في الثالثة: هذا الذي قلت لي، يعني قول موسى له: {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} [الكهف: 77] أي سأخبرك بما تؤول إليه عاقبة أفعالي التي فعلتها ولم تقدر أنت على ترك المسألة. قال: له الخضر: أما السفينة وما فعلت فيها فإنها كانت لقوم مساكين يعملون في البحر، فاردت أن أخرقها لئلا يمضوا بها فيأخذها منهم الملك الذي أمامهم غصباً. " وراء " هنا بمعنى أمام كما قال: {مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ} [الجاثية: 10] أي من أمامهم. فإذا خلفوه أصلحوها بزفت فاستمتعوا بها، فذلك أصلح لهم من تركها سالمة. وقيل معنى: " وراءهم " خلفهم على بابها. والمعنى أن الملك المغتصب خلفهم إذا رجعوا ليأخذ سفينتهم.
وقيل: اسم الملك المغتصب هدد بن بدد. وقيل: اسمه الجلندي بن المستكبر ابن الأرقم بن الأزد ملك غسان. كان يغصب الناس على سفنهم [إن] كانت صحيحة لا عيب فيها، فلما خرقها الخضر وعابها لم يعرض لها الملك الغاصب، ولم يضر بمن [كان] فيها بل نفع الخضر بفعله أصحابها إذ لو وصلوا بالسفينة صحيحة لغصبهم الملك إياها. وقيل: إن السفينة إنما كانت في أيديهم يعملون فيها بالأجرة ولذلك سماهم مساكين. وقيل: قوله {فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} [لا] يدل على ملكها لهم كما أن قول النبي A " من باع عبداً له وله مال فماله للبائع " لا يدل على أن العبد يملك.
80
وكذلك قوله تعالى: {لَبَيْتُ العنكبوت} [العنكبوت: 41] لا يدل على أنها تملك. قال: {وَأَمَّا الغلام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} [أي فكان كافراً وأبواه مؤمنين] وكذلك هي في حرف أبي " وكان كافراً ". وقرأ ابن عباس " فكان أبواه مؤمنين وكان كافراً ". وروى أبي بن كعب عن النبي A أنه قال: " الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً ". وقيل: كان فعالاً [للقبيح] مؤذياً للجيران فكان أبواه / يحلفان عنه أنه فعل، فيكذبان في ذلك. وقيل كان الغلام فاجراً لصاً قطاعاً للطريق، وكان أبواه في عدد وشرف، فإذا أحدث الحدث نجا إليهما فمنعا منه. ويحلفان بالله ما فعل ويظنان أنه صادق في إنكاره،
وقوله ما فعلت، فيحلفان كاذبان تصديقاً لولدهما. ثم قال: {فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا}. قيل هذا من كلام الخضر. وقيل هو من قول الله جل ذكره، فإذا كان من قول الله [ D] فمعناه فعلمنا، كما يقال: طننت بمعنى علمت. وقيل معناها فكرهنا، فالخشية من الله [سبحانه] الكراهة، ومن الادميين الخوف. ومعنى {يُرْهِقَهُمَا} أيك يلحقهما، أي: يحملهما على الرهق وهو الجهل. وقيل معناه يكلفهما.
وقيل يغشيهما {طُغْيَاناً} وهو الاستكبار على الله [ D] { وَكُفْراً} أي: وكفراً بالله [سبحانه]. ومن جعل {فَخَشِينَآ} من قول الله [ D] كان " فأردنا " من قوله أيضاً، أي فأراد الله. ومن جعل {فَخَشِينَآ} من قول الخضر فإن " فأردنا " من قوله أيضاً. ومعنى {خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً} اسلاماً. وقيل صلاحاً. قال: ابن جبير بدلاً منه جارية وقال: ابن عباس: بدلاً منه جارية] فولدت نبياً هدى الله به أمة من الأمم. وروي عنه أنه كان من ذريتهما سبعون نبياً. وقال: ابن جريج: كانت أم الصبي يومئذٍ حبلى فبدل الله [ D] لهما منه إن
ولدت غلاماً مسلماً. قال: قتادة: فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ول بقي كان فيه هلاكهما. فليرض امرؤ بقضاء الله [ D] فإن قضاء الله [سبحانه] للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب. وقوله: {وَأَقْرَبَ رُحْماً}. أي: أقرب رحمة بوالديه وأبرّ بهما من المقتول، قال قتادة. وعنه أيضاً {وَأَقْرَبَ رُحْماً} أقرب خيراً. وقال: ابن جريج: أقرب أن يرحمه أبواه منهما للمقتول. وقيل: المعنى أقرب أن يرحما به. وقيل: الزكاة هنا الدين والرحم المودة.
82
والرحم مصدر رحم رحماً ورحمة. وقيل هو من الرحم والقرابة. قوله: {وَأَمَّا الجدار}. هذه حكاية من قول الخضر لموسى أن الجدار الذي أقمته كان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما. قال: ابن عباس ومجاهد وابن جبير: كان صحفاً مدفونة فيها علم. [و] قال: جعفر بن محمد: كان ذلك سطرين لم يتم الثالث. وهما: عجب للموقن بالرزق كيف يتعب. و [عجب] للموقن بالحساب كيف يغفل. و [عجب] للموقن بالموت كيف يفرح. {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] فحفظا بصلاح أبيهما السابع. وقال: الحسن كان الكنز لوحاً من ذهب مكتوب فيه: " بسم الله الرحمن
الرحيم ": عجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها. لا إله إلا الله محمد رسول الله ". روى ابن وهب: أن الكنز كان لوحاً من ذهب مصمت مكتوب فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم " عجب لمن عرف الموت ثم ضحك، عجب لمن أيقن بالقدر ثم نصب، عجب لمن أيقن / بالموت ثم أمن أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله ". وقيل كان في جنب منه: عجب لمن أيقن بالقدر ثم نصب، عجب لمن أيقن بالنار ثم ضحك، وعجب لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها. أنا الله الذي لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي. وفي الشق الآخر: أنا الله الذي لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه. وقال: عكرمة: كان الكنز مالاً مدفوناً. وكذلك روي عن قتادة، وهو الذي يعطي ظاهر الخطاب لأنه لو كان غير مال لبين بالإضافة فكان يقال: كنز علم ونحوه.
83
ثم قال: تعالى حكاية عن قول الخضر لموسى: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}: أي باليتيمين. فهذا عذر الخضر في إقامته للجدار. ونصب " رحمة " على المصدر على أنه مفعول من أجله. ثم قال: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي}. أي: ما فعلت جميع ما رأيت يا موسى من عند نفسي إنما فعلته عن أمر الله. وهذا يدل على أنه وحي أتاه في ذلك من عند الله. ثم قال: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً}. أي: هذا الذي قلت هو الذي يؤول إليه فعلي الذي أنكرته ولم تقدر على الصبر لما رأيته يا موسى. وهذه الأخبار كلها تأديب للنبي A وإعلام له بما جرى لمن كان قبله. أي: ويسألك يا محمد المشركون عن ذي القرنين وقصته {قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً} أي سأقص عليكم منه خبراً. وهذا مما سألت اليهود قريشاً أن يسألوا عنه النبي A. وقيل إن اليهود بأنفسهم سألوا النبي A عن ذلك.
قال: مجاهد: ملك الأرض أربعة مسلمان وكافران. أما المسلمان فسليمان بن داود [عليهما السلام] وذو القرنين. وأما الكافران فنمرود وبختنصر. وروى عقبة بن عامر أنه خرج من عند النبي A، قال: فلقيني قوم من اليهود فقالوا: نريد أن نسأل رسول الله [ A] فاستأذن لنا عليه، قال: فدخلت فأعلمته. فقال: مالي ولهم؟ مالي علم إلا ما علمني الله. ثم قال: [لي]: أسكب لي ماء فتوضأ ثم صلى. قال: فما فرغ حتى عرفت السرور في وجهه. ثم قال: أدخلهم عليّ وما رأيت من أصحابي. فدخلوا فقاموا بين يديه. فقال: إن شئتم سألتم فأخبرتكم عما تجدونه في كتابكم مكتوباً. وإن شئتم أخبرتكم، فقالوا: بل أخبرنا. قال: جئتم تسألوني عن ذي القرنين وما تجدونه في كتابكم: كان شاباً من الروم فجاء فبنى مدينة مصر الإسكندرية فلما، فرغ جاء ملك فعلا به في السماء، فقال: ما ترى؟ قال: أرى مدينتي ومدائن. ثم علا به، فقال: ما ترى؟ قال: أرى مدينتي، ثم علا به فقال: ما
ترى؟ قال: أرى الأرض. قال: فهو اليم المحيط بالدنيا إن الله [تعالى] بعثني إليك تعلم الجاهل وتثبت العالم. فأتى به السد [ين] وهما جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء. ثم مضى به حتى جاوز يأجوج ومأجوج. ثم مضى به / إلى أمة أخرى وجوههم وجوه الكلاب يقاتلون يأجوج ومأجوج. ثم مضى به حتى بلغ إلى أمة أخرى يقاتلون هؤلاء الذين وجوههم وجوه الكلاب. ثم مضى به حتى قطع هؤلاء إلى أمة أخرى قد سماهم، وإنما سمى ذو القرنين لأنه ضرب على قرنه فهلك ثم أحيي فضرب على القرن الآخر فهلك. قال: علي بن أبي طالب [Bهـ]: لم يكن نبياً ولا ملكاً، ولكن كان عبداً صالحاً أحب الله فأحبه. ونصح لله [ D] فنصحه، ضرب على قرنه الأيسر فمات. فبعثه الله، ثم ضرب على قرنه الأيمن فمات فأحياه الله، وفيكم مثله. وقال: وهب بن منبه كان ذو القرنين ملكاً، قيل له: لِمَ سمي ذا القرنين؟
فقال: اختلف فيه أهل الكتاب. فقال: بعضهم ملك الروم وفارس. وقال: بعضهم كان في رأسه شبه القرنين. وقال: بعضهم إنما سمي بذلك لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس. وقيل كانت له ظفرتان. وقيل لأنه بلغ قطري الأرض المشرق والمغرب، وقيل سمي بذلك لأنه بلغ قرني الشمس. وروى ابن وهب أن النبي A قال: " كان يعلق سلاحه بقرن الثريا، وكان له حمار يضع حافره منتهى بصره " وروي " أنه كان يربط ارسَان خيله بقرون الثريا ". وقيل كان ذو القرنين يوناني من أهل مصر اسمه مرزبان بن مرزية من ولد يونان بن يافت بن نوح: حكى ذلك محمد بن اسحاق عن أهل الأخبار من الأعاجم. وقال: ابن هشام: اسمه الاسكندر. وهو الذي بنى الاسكندرية فنسبت إلى
84
اسمه. وسمع عمر بن الخطاب رجلاً يقول: يا ذا القرنين. فقال: عمر اللهم عفواً، أما رضيتم أن تتسموا بالنبيين، حتى تسميتهم بالملائكة. وذكر ابن وهب إنما سمي بذي القرنين لأنه كان له قرنان صغيران تواريهما العمامة. وقال: إن الذي كان معه فتاه ليس بموسى الذي كلم الله، ولكن كان أعلم من على وجه الأرض إلا الملك الذي لقي فدل قوله أن الذي لقي كان ملكاً ولم يكن الخضر. قوله: {وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً}. أي: علماً يتسبب به، قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد والضحاك فمعناه علماً يصل به إلى المسير في أقطار الأرض. وروي أنه كان له خليل من الملائكة فقال: له: صف لي عبادة الملائكة. فقال: منهم ساجد لم يرفع رأسه منذ خلق. ومنهم قائم شاخص يدعو الله D منذ خلق، لا
85
يعرف من على يمينه ولا من على شماله. ومنهم راكع لم يعرف رأسه منذ خلق يسبح الله ويحمده و [يمجده]، فقال: له ذو القرنين: لولا قصر عمري لعبدت الله هذه العبادة، فقال: له الملك: إن لله [ D نهراً يقال: له نهر] الحيوان من شرب منه لم يمت حتى ينفخ في الصور النفخة الأولى فيموت مع الملائكة. فخرج / يطلب نهر الحيوان حتى إذا وقع في الظلمة وكان الخضر على مقدمته فأصاب النهر ولم يصب [هـ] ذو القرنين. قال: الله تعالى ذكره: {فَأَتْبَعَ سَبَباً * حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس} إلى قوله: {مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً}. من خفف " أَتْبَع " وقطع الألف جعله من: اتبع، إذا سار ولم يلحق المتبوع في خير أو شر، حكاه الأصمعي. ومن وصل الألف و [شدد] جعله من اتبعه،
إذا لحقه. ومن الأول {فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ} [الشعراء: 60]. وقيل: هما لغتان بمعنى، يقع بهما اللحاق وقد لا يقع، وهو الصواب إن شاء الله لقوله {فَأَتْبَعَهُ الشيطان} [الأعراف: 175] فلو لم يلحقه ما غوى، ولقوله {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 10] فهذا قد يلحقه وقد لا يلحقه. ومعنى {سَبَباً} في هذا الموضع طريقاً ومنزلاً. قاله ابن عباس. وقال: مجاهد: منزلاً وطريقاً بين المشرق والمغرب. وقال: قتادة: اتبع منازل الأرض ومعالمها. وقال: الضحاك {سَبَباً} المنازل. وقال: ابن زيد: هذه الآن الطريق كما قال: فرعون {لعلي أَبْلُغُ الأسباب} [غافر: 36] أي: الطرق إلى السموات.
ثم قال: {حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}. قال: ابن عباس: في طين أسود حمأ، وقاله عطاء. وقال: مجاهد في طينة سوداء ثأط. وهي فَعلَة من قولهم: حمأت البير تحمى جمأة. وهي الطين المنتن المتغير اللون والطعم. ومن قرأ " حامية " فمعناه حارة، ونظر رسول الله A إلى الشمس حين غابت فقال: " في نار الله الحامية لولا ما يزعها من أمر الله جل ذكره. لأحرقت ما هلى وجه الأرض ". وقال أبو ذر: كنت رديف رسول الله A وهو على حمار، والشمس عند غروبها. فقال: " يا أبا ذر هل تدري أين تغرب هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: إنها
تغرب في عين حامية ". فهذا حجة لمن قرأها كذلك. ويجوز ان يكون بمعنى حمئة أي ذات حماة ولكن خففت الهمزة فأبدلوا منها ياء لانكسار ما قبلها. وقال: أبو حاضر: سمعت ابن عباس يقول: كنت عند معاوية فقرأ: {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} فقلت: ما أقرأها إلا " حمئة " فقال: لعبد الله بن عمر: كيف تقرأها يا عبد الله بن عمر؟ فقال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. فقلت: في بيتي أنزل القرآن. فأرسل معاوية إلى كعب. فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال: أما في العربية فأنتم أعلم بها، وأما أنا فأجد الشمس في التوراة تغرب في ماء وطين وأشار بيده إلى المغرب. فقال: أبو حاضر: فقلت لابن عباس: لو كنت عندك لرفدتك بكلمة تزداد بها بصيرة في " حمئة " وقال: ابن عباس: ما هي؟ قلت: فيما يؤثر من قول تُبع ذكر فيه ذو القرنين: بَلَغَ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حَكِيم مُرشد قال: عمر [و] نحن نتبع.
فرأى مغارب الشمس عند غروبها ... في عين ذي خُلُبٍ وَتَأْطٍ حَرْمِدِ فقال: ابن عباس ما الخُلب؟ فقلت: الطين بكلامهم. وقال: ما الثأط؟ قلت الحمأة، قال: [وما] الحُرْمَد؟ قلت: الأسود يقال: حمئت البير صارت فيها الحمأة. واحمأتها: ألقيت فيها الحماة وحماتها إذا أخرجت منها الحماة. وأجاز القتبي أن تكون هذه العين في البحر، والشمس تغيب وراءها. ثم قال: {وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً}. أي: عند العين، قيل يقال: لهم تاسك. {قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ}، أي قال له أصحابه المؤمنون يا ذا القرنين إما
أن تقتلهم وإما أن تستبقيهم. وقيل المعنى إما أن تقتلهم إذ هم لم يدخلوا في الاقرار بتوحيد الله [ D] وطاعته [جلت عظمته]، {وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً}، أي: تأسرهم فتعلمهم الهدى وتبصرهم الرشاد. و" إما " في هذه للتخيير عند المبرد بمنزلة قوله: {فَإِن جَآءُوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42] و " ان " في قوله {إِمَّآ أَن} في موضع نصب. وقيل: موضع رفع على معنى أما هو. ثم قال: {أَمَّا مَن ظَلَمَ} أي: من كفر ولم يؤمن {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} أي: نقتله، قاله قتادة {ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً}، أي: يرجع إلى ربه في الآخرة فيعذبه
عذاباً نكراً من عذاب الدنيا وهو عذاب جهنم. قال: علي بن سليمان {قُلْنَا ياذا القرنين} معناه: قلنا يا محمد قالوا يا ذا القرنين إما أن تعذب. ثم حذف القول، لأن ذا القرنين لم يصح أنه نبي فيخاطبه الله. ولأن بعده {أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً} وكيف يخاطب العبد ربه بلفظ الغيبة. وهذا لا يلزم لأنه يجوز أن يكون خاطبه الله [ D] على لسان نبي في وقته. فيكون تحقيق المعنى على ما قاله أبو إسحاق الزجاج: أن الله خيره بين القتل والاستبقاء، ثم قال: هؤلاء اولئك القوم مخبراً لهم عن حكمه فيهم: {أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ [ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ]} الآية.
ثم قال: {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى}. من رفع " جزاء " ولم ينون رفع بالابتداء وله الخبر، والحسنى في موضع خفض بالاضافة. ويجوز أن يكون الحسنى بدلاً من جزاء ويكون حذف التنوين من جزاء لالتقاء الساكنين. وكذلك التقدير في قراءة من نون ورفع وهي رواية الأعمش عن أبي بكر. وبها قرأ ابن أبي إسحاق. ومن نون ونصب جعله مصدراً. وقيل: هو مصدر في موضع الحال. وقيل: نصب على التمييز.
ومن نصب ولم ينون فعلى هذه التقديرات أيضاً إلا أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين وهي قراءة ابن عباس ومسروق. ومعنى الآية: وأما من صدق الله [ D] ، وعمل بطاعته [سبحانه] فله عند الله الحسنى وهي الجنة، {جَزَآءً} أي: ثواباً على إيمانه. ومعنى {جَزَآءً الحسنى} في قراءة من أضاف، أن الحسنى الجنة، ولكن حعله مثل {دِينُ القيمة} [البينة: 5] {وَلَدَارُ الآخرة} [يوسف: 109]. وقوله: {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً}.
89
أي: قولاً جميلاً. وقيل: المعنى وسنعلمه نحن في الدنيا ما تيسر له تعليمه مما يقربه إلى الله [سبحانه] ونلين له من القول. وقال مجاهد: " يسراً " معروفاً. قوله: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس}. المعنى: ثم اتبع طرقاً ومنازل. أي طلب زيادة في العلم يخلق الله [ D] وعجائبه [سبحانه] وقيل المعنى: اتبع سبباً آخر يبلغه إلى قطر من أقطار الأرض {حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ / الشمس وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً} أي: لا جبل في أرضهم ولا شجر يسترهم من الشمس بظله ولا يحمل بلدهم بناء فيسكنون البيوت وإنما يغورون في المياه ويتسربون في الأسراب، قال: ذلك الحسن، وقتادة.
وقال: ابن جريج: جاءهم جيش فقال: لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها فقالوا، لا نبرح حتى تطلع الشمس، ما هذه العظام؟ قالوا جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فهربوا فذهبوا هاربين في الأرض. قال: ابن جريج: لم يبنوا فيها بناء قط، وكانوا إذا طلعت الشمس دخلوا اسراباً لهم حتى تزول الشمس ودخلوا البحر وليس في أرضهم جبل. قال: قتادة: كانوا في مكان لا يستقر فيه البناء، ويكونوا في أسراب إذا طلعت الشمس حتى إذا زالت خرجوا إلى معائشهم. وقال: الحسن: كانوا إذا طلعت الشمس عليهم يغورون في المياه، فإذا غربت الشمس خرجوا كما ترعى البهائم. وقال: قتادة يقال: لهم الزنج. وقوله: " كذلك " الكاف في موضع خفض أي قوم {لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً} مثل ذلك القبيل الذي عند مغرب الشمس. وقيل: هي في موضع نصب نعت لسبب أي ثم اتبع سبباً مثل اتباعه الأول: أو
91
نعت لمصدر تطلع أي تطلع طلوعاً مثل غروبها وفيه بعد. ويجوز أن يكون المعنى لم نجعل لهم من دونها ستراً كذلك، أي مثل أولئك الذين وجدهم في غروب الشمس. فقيل له إما أن تعذب وإما ان تتخذ فيهم حسناً فقال: فيهم مثل قوله الأول. فالمعنى وكان شأنه مه هؤلاء كشأنه مع الذين [وجدهم] عند غروب الشمس. وحذف الجملة لدلالة كذلك عليها. وقيل: هي في موضع رفع على معنى: " الأمر كذلك "، أو على معنى حكمهم مثل حكم أولئك الذين تغرب عليهم الشمس. والوقف على " كذلك " حسن في هذا الوجه. قال: {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً}. أي: بما عند مطلع الشمس علماً لا يخفى علينا من أحوالهم وأحوال غيرهم شيء. قال: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ}.
أي: اتبع طرفاً ومنازل {حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ}، أي بين الجبلين. قال: عكرمة: ما كان من صنعة بني آدم فهو " السَّد " بالفتح وما كان من صنع الله [ D] فهو " السُّد " بالضم. ولذلك قال: أبو عبيدة وقطرب والفراء. وقال: أبو عمر [و] " السَّد " بالفتح هو الحاجز بينك وبين الشيء. والسُّد بالضم هو ما كان من غشاوة بالعين. وقال: أبو عمر [و] تميم تجعله كله سواء. وقال ابن [أبي] إسحاق: السد بالفتح ما لم تره عيناك، وبالضم ما رأته عيناك. وقال: الكسائي هما لغتان: بمعنى واحد. وقال المبرد: " السد " بالفتح
94
المصدر وبالضم الاسم، وهو قول الخليل وسيبويه. ثم قال: {وَجَدَ / مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً}. أي: لا يكادون يفقهون ما يقال: لهم. ومن قرأ [يفقهون] بضم الياء. قدر حذف مفعول، فمعناه لا يكادون يفقهون احداً قولهم. يقال: فَقِه يفقه إذا فهم. وأَفْقَه " غيره إذا أفهمه. وفقُه يفقُه إذا صار فقيهاً. والسدان جبلان، سد ما بينهما بردم ليقطع أذى ياجوج ومأجوج وهم من وراء ذلك، قال: ابن عباس: والجبلان أرمينية وأذربيجان. قال: {قَالُواْ ياذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرض}.
أي: قالوا بلغتهم [أو] أومؤوا إليه بذلك ففهم عنهم. ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان معرفتان فلذلك لا تنصرف. ولذلك ترك همزة من [رأى] ذلك، لأن الأعجمي غير مشتق. فأما من همزه فإنه جعله عربياً مشتقاً من اجت النار، ولكن لم ينصرف لأنه اسم للقبيلة وهو معرفة، وقال: الكسائي: من همزه جعله من أجيج النار يفعول ومفعول، ويجوز أن يكون من ترك حمزه أخذه أيضاً من هذا وسهل الهمزة على القياس فأبدل منها ألفاً، ذكر سعيد بن عبد العزيز: أن إفسادهم في أنهم كانوا يأكلون الناس.
قال: محمد بن إسحاق: حدثني من لا اتهم عن وهب بن منبه اليمانيي، وكان له علم لالأحاديث الأولى، أنه كان يقول: ذو القرنين رجل من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيه. وكان اسمه الاسكندر وإنما سمي ذا القرنين لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس، فلما بلغ وكان عبداً صالحاً، قال: الله: يا ذا القرنين إني باعثك إلى امم الأرض وهي أمم مختلفة ألسنتها وهم جميع أهل الأرض منهم أمتان بينهما طول الأرض [كله]. ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض [كله]. وأمم في وسط الأرض ومنهم الجن والانس ويأجوج ومأجوج. فأما اللتان بينهما طول الأرض فامة عند مغرب الشمس يقال: لها ناسك وأما الأخرى فعند مطلع الشمس يقال: لها منسك. وأما اللتان بينهما عرض الأرض فاقة في بطن الأرض الأيمن يقال لها هاويل، وأما الأخرى التي في بطن الأرض الأيسر، فيقال: لها راويل، ثم مضى في الحديث بطوله. وقال: في بعض الحديث: فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمة من الانس صالحة: يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقاً من خلق الله كثير فيهم مشابهة من الإنس. وهم أشباه البهائم يأكلون العشب
ويفترسون الدواب والوحوش كما تفترس السباع، ويأكلون خشاش الأرض من الحيات والعقارب وكل ذي روح مما خلق في الأرض. وليس لله خلق ينمو نماءهم في العام الواحد ولا يزداد كزيادتهم ولا يكثر ككثرتهم. [فإن كانت] لهم مدة على ما ترى من نمائهم وزيادتهم فلا شك أنهم سيملئون [الأرض] ويأكلون أهلها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة / منذ جاوزناهم إلا ونحن نتوقعهم وننتظر ان يطلع علينا أوائلهم من بين هذين الجبلين {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} أي حاجزاً {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف: 95] أي: ما أعطاني من القوة والتدبير والتيسير في الأمور خير مما تعطوني من أموالكم ولكن أعينوني بقوة أي برجال يعملون معي: أعدوا لي الصخور والحديد والنحاس حتى ارتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم. ثم انطلق يؤمهم حتى وقع إليهم وتوسط بلادهم.
فوجدهم على مقد [ا] ر واحد ذكرهم وأنثاهم يبلغ طول أحدهم مثل نصف طول الرجل المربوع منا. لهم مخاليب في مواضع الأظفار من أيدينا. وأضراس وأنياب كأضراس السباع وأنيابها، وأحناك [كأحناك] الابل قوة. تسمع لهم حركة إذا أكلوا كحركة الجرة من الإبل، أو كقضم البغل المسن. ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم، و [ما] يتقون به الحر والبرد، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان، إحداهما وبرة ظهرها وبطنها، والأخرى زغبة ظهرها وبطنها. تسعانه إذا لبسهما يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى. يصيف في أحدهما ويشتي في الأخرى. ليس منهم ذكر ولا أنثى إلا وقد عرف أجله الذي يموت فيه وينقطع عمره. وذلك أنه لايموت ميت من ذكورهم حتى يخرج من صلبه ألف ولد ولا تموت أنثى حتى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن بالموت. وهم يرزقون التنين في أيام الربيع ويستمطرونه إذا تحينوه. كما يستمطر المطر بحينه فيقدرون منه كل سنة. فيأكلون عامهم كله إلى مثلها من القابلة. فيغنيهم على كثرتهم ونمائهم. فإذا أمطروه أخصبوه وعاشوا وسمنوا
عليه ورؤي أثره عليهم. فدرت الاناث، وشبعت منه الرجال. وإذا أخطاهم هزلوا وجفرت الذكور، وحالت الاناث، وتبين أثر ذلك عليهم. وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عوي الذئاب، ويتسافدون حيث التقوا تسافد البهائم. ثم لما عاين ذلك منهم ذو القرنين انصرف إلى ناحية الصدفين فقاس ما بينهما وهو في منقطع أثر الترك مما يلي مشرق الشمس فوجد بُعْدَها بينهما مائة فرسخ، فلما أنشأ عمله حفر له اسما حتى بلغ الماء. ثم جعل عرضه خمسين فرسخاً. وجعل حشوه الصخور، وطينه النحاس، يداب ثم يصب عليه. فصار كأنه عرف من جبل تحت الأرض. ثم علاه وشرفه بزبر الحديث والنحاس المذاب. ثم جعل خلاله عرفاً من نحاس اصفر. [فصار] كأنه برد محبر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد. فلما فرغ منه و [أ] حكمه انطلق عامداً إلى جماعة الجن والإنس. فسار حتى وصل إلى قوم يونس [وهم] أمة/ صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون. يقتسمون بالسوية،
ويحكمون بالعدل، ويتواسون ويتراحمون. حالهم واحدة. وكلمتهم واحدة وطريقتهم مستقيمة وقلوبهم متآلفة. وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم. وليس على بيوتهم أبواب ولا عليهم امراء ثم اتى خبر يونس بطوله. وروى أبو هريرة أن النبي A قال: " إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال: الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً. فيعيده الله كأشد ما كان. فإذا بلغت مدتهم حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس فقال: الذي عليهم: ارجعوا فستفتحون غداً إن شاء الله، فيقدمون عليه وهو كهيئته حين تركون. فيخرجون على الناس فيشربون المياه، ويتحصن الناس في حصونهم. فيرمون بسهامهم. فيرجع فيها كهيئة الدماء فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفاً في أعناقهم فيقتلونهم فقال: النبي A
" والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتَشْكَرُ شكراً من لحومهم " ". وروى أبو سعيد الخدري ان النبي A قال: " يفتح يأجوج ومأجوج ويخرجون على الناس كما قال: الله: {وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} فيغشون الأرض. وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم ويضمون إليهم مواشيهم. فيشربون مياه الأرض حتى [إن] بعضهم ليمر بالنهر فيشربه جميعه حتى يتركوه يابساً. وحتى إن من بعده ليمر بذلك النهر فيقول: لقد كان ها هنا ماء مرة حتى إذا لم يبق أحد إلا أحداً في حصن أو في مدينة قال: قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم وبقي أهل السماء. قال: فيهز أحدهم حربته ثم يرمي بها إلى السماء فترجع إليه مخضبة دماً للبلاء والفتنة. فبينما هم على ذلك بعث الله عليهم دوداً في اعناقهم كالنغف فتخرج في أعناقهم فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس. فيقول المسلمون الآ رجل يشري نفسه فينظر ما فعل هذا العدو. وقال: فينفرد رجل منهم ذبلك محتسباً نفسه قد وطنها على أنه مقتول. فيجدهم موتى بعضهم فوق بعض. فينادي: يا معشر المسلمين! ألا فأبشروا، فإن الله قد كفاكم عدوكم. فيخرجون من مدائنهم وحصونهم فيسرحون
95
بمواشيهم فما يكون لها رعي إلا لحومهم فتشكر عليهم أحسن ما شكرت على شيء من النبات ". قال: ابن وهب: وخبرت أن يأجوج ومأجوج ثلاثة أصناف، صنف منهم طولهم كطول الأرز. وصنف طوله هو وعرضه سواء، وصنف يفترش أحدهم أذنه ويغطي بالأخرى سائر جسده. ومعنى: {مُفْسِدُونَ فِي الأرض}، أي يفسدون ولم يكن لهم افساد بعد إنما خيف منهم ذلك وسيكون إذا خرجوا. قوله: {قَالَ مَا مَكَّنِّي / فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ}. أي: الذي مكني فيه ربي خير في العمل الذي سألتموني من الحاجز بينكم وبين هؤلاء، وقضاه لي وقواني عليه خير من جعلكم الذي عرضتم علي وأكثر وأطيب. ولكن أعينوني بقوة أي بعمل تعملونه معي {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً} أي إن أعنتموني على ذلك. ذكر قتادة أن رجلاً قال: يا نبي الله إني رأيت سد يأجوج ومأجوج قال: انعته. قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء، قال: قد رأيته.
96
قال: {آتُونِي زُبَرَ الحديد حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين}. أي: أعطوني القطع العظام من الحديد فأعطوه ذلك. وفي الكلام حذف وهو: فاتوه زبر الحديد فجعلها بين الصدفين وهما ناحيتا الجبل. والصِّدف والصَّدف الصُّدف الجبل. قال: ابن عباس {بَيْنَ الصدفين} الجبلين. وقال: مجاهد {بَيْنَ الصدفين} رأس الجبلين. وقال: الضحاك {بَيْنَ الصدفين} بين الجبلين وهما من قبيل أرمينية وأذربيجان وهو قول ابن عباس أيضاً. قوله: {حتى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً}. أي: نفخ على قطع الحديد حتى صارت كالنار. ثم أذاب الصُّفر فأفرغه على القطع. والقطر النحاس عند أكثر المفسرين. وقال: أبو عبيدة: {أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} حديداً دائباً. وقيل: هو الرصاص. قال: {فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ}. أي: ما قدر يأجوج ومأجوج أن يعلوا الردم الذي جعله ذو القرنين حاجزاً
بينهم {وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْباً} وما قدروا أن ينقبوا أسفله. ثم قال ذو القرنين لما رأى الردم لا يقدر عليه من فوقه ولا من أسفله: هذا الفعل {رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي} رحم بها من دون الردم من الناس {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي} أي الوقت الذي وعده فيه أن يأجوج يخرجون {جَعَلَهُ دَكَّآءَ} أي سواه بالأرض. من نونه جعله على معنى مدكوكاً. ومن مده جعله بقعة دكاء وأرضاً دكاء، من قولهم: ناقة دكاء، مستوية الظهر لا سنام لها. وقيل المعنى: فإذا جاء يوم القيامة جعله دكاً ودل على هذا قوله {وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة: 14].
وقوله: {جَعَلَهُ} الهاء تعود على ما بين الجبلين وخروج يأجوج ومأجوج بعد نزول عيسى وبعد ظهور الدجال. يدل على ذلك أن ابن مسعود قال: قال: النبي A " لقيت ليلة الأسراء ابراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليهم فتذاكروا أمر الساعة وردوا الأمر إلى ابراهيم فقال: ابراهيم: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى موسى: فقال: موسى: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى عيسى فقال: عيسى: أما قيام الساعة فلا يعلمه أحد، إلا الله تعالى، ولكن ربي قد عهد إلى ما هو كائن دون مجيئها. عهد إلى ان الدجال خارج وانه سيهبطني إليه. فإذا رآني أهلكه الله فيذوب كما يذوب الرصاص. حتى أن الحجر والشجر لتقول يا مسلم هذا كافر فاقتله. فيهلكهم الله ويرجع الناس إلى بلادهم واوطانه. فيستقبلهم يأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون لا يأتون على شيء إلاّ / أهلكوه. ولا يمرون على ماء إلا شربوه، فيرجع الناس إلي، فادعوا الله عليهم. فيميتهم ويتغير الأرض من نتن ريحهم فينزل المطر فيجر أجسامهم فيلقيهم في البحر ثم تنسف الجبال حتى تكون الأرض كالأديم. فعهد إلي ربي أن ذلك، إذا كان كذلك، فإن الساعة منه كالحامل المتمم. والتي لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلاً أو نهاراً ". وقوله: {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً}. أي: وعد ربي الذي وعد خلقه في دك هذا الردم وخروج هؤلاء [القوم] على
99
الناس وغير ذلك من مواعيده حقاً لا خلف في شيء منها. قال: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} أي: وتركنا الخلق يوم يأتيهم الوعد وتد [ك] الجبال، بعضهم يختلط مع بعض أي: الانسي بالجني، وقال: ابن زيد: هذا اول القيامة. تختلط بعض الخلق ببعض ثم نفخ في الصور في أثر ذلك {فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً}. وسأل اعرابي النبي A عن الصور فقال: " قرن ينفخ فيه ". وعنه A أنه قال: " " كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى [ب] الأذن متى يؤمر. فشق ذلك على أصحابه فقال: " قولوا حسبنا الله، على الله توكلنا، فلو اجتمع، أهل منى ما اقلوا ذلك القرن " وكذلك رواه ابن عباس ولكن في حديثه: " قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل توكلنا على الله ". وروى أبو هريرة أن النبي A قال: " لما فرغ الله من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه اسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر. قال: أبو هريرة: يا رسول الله وما الصور؟ قال: قرن. قال: وكيف هو؟
100
قال: قرن عظيم فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لرب العالمين ". وقيل في قوله: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} يوم انقضاء السد وفرغ من عمله. يموجون متعجبين من السد يعني يأجوج ومأجوج. وقيل ذلك يوم خروجهم من السد. قال: أبو عبيدة: {وَنُفِخَ فِي الصور} واحده صورة. المعنى وأبرزنا جهنم يوم نفخ في الصور للكافرين حتى يروها كهيئة السراب. وقال: ابن مسعود: يوم يقوم الخلق لله D إذا نفخ في الصور، قيام رجل واحد، ثم يتمثل الله فيلقاهم فليس أحد من الخلق كان يعبد من دون الله شيئاً إلا وهو مرفوع له يتبعه. قال: فيلقى اليهود، فيقول من تعبدون؟ فيقولون [نعبد عزيراً. قال: فيقول هل يسركم الماء؟ فيقولون نعم. فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب ثم قرأ
101
{وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً} ثم يلقى الناصرى، فيقول: من تعبدون؟ فيقولون [نعبد] المسيح. فيقول هل يسركم الماء؟ قال: فيقولون: نعم. فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب. ثم كذلك لمن كان يعبد من دون الله جلّ وعزّ شيئاً. ثم قال: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} [الصافات: 24]. قال: {الذين كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي}. أي عرضنا جهنم للكافرين الذين كانوا لا ينظرون في آيات الله فيتفكروا فيها ولا يتأملون حججه، فيتعبروا بها، وينيبوا إلى توحيده وينقادوا إلى أمره ونهيه {وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً} أي: لا يطيقون ان يسمعوا ذكر الله وآياته لخدلان الله إياهم عند ذلك ولعداوتهم للنبي A واستثقالهم لما أتاهم به. قال: ابن زيد: هؤلاء الكفار. قال: {أَفَحَسِبَ الذين كفروا أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دوني أَوْلِيَآءَ}. والمعنى أفظن الذين كفروا بالله من عبدة الملائكة والمسيح وعزيراً، أن
103
يتخذوا الملائكة والمسيح أولياء لأنفسهم لأجل عبادتهم لهم. كلا بل هم لهم أعداء. والمعنى أفحسبوا أن ينفعهم ذلك. وقيل المعنى أفحسبوا أن يتخذوهم أولياء فيعبدوهنهم ولا أعاقبهم. وقرأ علي بن أبي طالب Bهـ " أفحسب الدين " باسكان السين ورفع الباء على معنى: أفيكفيهم اتخاذ العباد أولياء. وهو مرفوع بالابتداء و " أن يتخذوا الخبر ". ثم قال: تعالى: {إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً}. أي: أعددنا لهم منزلاً. والنزل عند أهل اللغة ما هيئ للضيف. قال: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين}. أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يجادلونك بالباطل ويمارونك في المسائل من أهل الكتابين: قل هل ننبؤكم بالأخسرين أعمالاً أي بالذين اتبعوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحاً وفضلاً فنالوا به غضباً وهلاكاً ولم يدركوا ما طلبوا. قال: علي بن أبي طالب Bهـ، عني بها الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع. وقال: الضحاك هم القسيسون والرهبان.
105
وقيل هم اليهود والنصارى. أما اليهود فكذبوا محمداً وأما النصارى فكذبوا وكفروا بالجنة. وقالوا ليس فيها طعام ولا شراب. ونزل في الحرورية {الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه} [البقرة: 27] الآية. وعن علي بن أبي طالب Bهـ قال: هم كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم على حق فأشركوا بربهم وابتدعوا في دينهم، الذين يجتهدون في الباطل ويحسبون أنهم على حق، ويجتهدون في الضلالة ويحسبون انهم على هدى فضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. وعن علي بن أبي طالب Bهـ: أنهم الخوارج اهل حرور. وقال: سعيد: هم الخوارج. وقيل هم الصائبون. قوله: {أولئك الذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ}. أي: الذين تقدمت صفتهم واعمالهم ضلت هم {الذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ} أي: جحدوا ذلك {فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أي: بطلت {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً} أي: لا يثقل لهم ميزان بعمل صالح.
روى أبو هريرة أن النبي A قال: " يؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن / جناح بعوضة، واقرؤوا إن شئتم: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً} ". ثم قال: أبو محمد: وهذا النص يدل على وزن اعمال الكفار. فلا يثقل بها ميزان إذا كانت لغير الله وإذ [كان] لا يصحبها توحيد ولا إيمان بالرسل. [قال: تعالى]: {لَهُمْ سواء الحساب} [الرعد: 18] وقال: فيهم: {وَعَلَيْنَا الحساب} [الرعد: 40] أي حساب من كفر. وقال: الله D { فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} [النور: 39] وقال: عن الكفار: {وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ} [الحاقة: 26]. وقال: عن الكفار أنهم قالوا: {عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب} [ص: 16] وقال {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92 - 93] وقال: {فَلَنَسْأَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ المرسلين} [الاعراف: 6] وقال: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الاسراء: 13] أي: كتاب عمله. وقد ذكر تعالى ذكره وزن
106
اعمال الكفار في غير ما موضع من كتابه. وذلك ما عظم الحساب، وهو كثير في القرآن مكرر يدل على محاسبة الكفار. قال: تعالى {ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ}. أي ثوابهم جهنم بكفرهم واتخاذهم آياتي ورسلي هزؤاً، أي سخرياً. قال: {إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفردوس نُزُلاً}. أي: الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بتوحيده وكتبه ورسله، وعملوا بطاعته كانت لهم جنات الفردوس نزلاً. وهي أفضل الجنات. وأوسطها، قاله قتادة. وقال: كعب: ليس في الجنات جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر. وقيل الفردوس هو البستان بالرومية، قاله مجاهد. وقال: كعب: جنات الفردوس التي فيها الأعناب. وقيل الفردوس الأودية التي تنبت ضروباً من النبات. وقال: أبو هريرة الفردوس جبل في الجنة يتفجر منه أنهار الجنة. وقيل الفردوس سرة الجنة. وقيل الفردوس الكروم وقيل هو في الرومية منقول إلى
لفظ العربية. وروى عبادة بن الصامت عن النبي A أنه قال: " الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها. ومنها الأنهار الأربعة، والفردوس فوقها. فإذا سألتم الله D فاسألوه الفردوس " وفي حديث آخر " ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ". وعنه A من رواية أبي سعيد الخدري أنه قال: " فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة واعلاها، وفوقها عرش الرحمن ومنها تفجر انهار الجنة ". وكذلك روى معاذ بن جبل عن النبي عليه السلام أنه قال: " إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجة ما بين السماء والأرض والفردوس أعلا الجنة وأوسطها وفوقها عرش الرحمن ومنها يفجر أنهار الجنة فإذا سألتم الله D فاسألوه الفردوس ". وقوله: {نُزُلاً} يعني منازل أو مساكن وهو من نزول بعض الناس على بعض. و {خَالِدِينَ} " لابثين فيها أبداً ". {فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً}
109
أي: لا يريدون تحولاً. وحولاً / مصدر تحولت. خرج عن أصله كتعوج عوجاً. ويقال: قد حال من المكان حولاً. وقال: مجاهد: " حولاً " متحولاً. وروي عن بعض اصحاب أنس أنه قال: يقول أول من يدخل الجنة: إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس احد أعطاه مثل الذي أعطاني. وقيل معنى " حولاً " لا يحتالون في غيرها فهو من الحيلة على هذا. قوله {قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي}. والمعنى، قل يا محمد لهؤلاء الكافرين بك، السائلين عن المسائل، لو كان ماء البحر مداداً للقلم الذي يكتب به كلمات ربي لنفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات ربي. ثم قال: {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}. أي: لو مددنا البحر بمثل ما فيه من الماء، ما فرغت كلمات ربي، والمدد الزيادة والمعونة، يقول جئتك مدداً لكم، أي زيادة ومنه قيل لما يكتب به مِداد: لأنه يمد الكاتب شيئاً بعد شيء. والمداد جمع واحدته مداده. ويجوز أن يكون المداد مصدر مد. وقرأ ابن عباس {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} على معنى ولو زدنا مثل ما فيه من المدد الذي يكتب به مداداً.
110
قال: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ}. أي: قل لهؤلاء المشركين، إنما أنا إنسان مثلكم من بني آدم، لا علم لي إلا ما علمني الله، يوحي إلي إنما معبودكم معبود واحد لا ثاني له. قوله: {فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ}. أي: يخاف لقاء ربه يوم القيامة ويخاف عقابه {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً} فليخلص العبادة لله ويعمل بطاعته، قال: ابن جبير: {يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ} أي لقاء ثواب ربه. فعلى قول ابن جبير يرجو بمعنى ينظر ويطمع ويوقن وعلى القول الأول يرجو بمعنى يخاف كقوله: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} [نوح: 13] أي لا يخافون. ويحتمل أن يكون {قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} [يونس: 15] لا ينتظرون ولا يوقنون بلقائنا. وقد فسر أكثر الناس ترجو بمعنى تطمع. وقال: مقاتل في قوله: {فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ} أي يخشى لقاء ربه، ويخشى بمعنى يخاف، وقال: الفراء وغيره من الكوفيين لا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلاّ مع الجحد. كقولك ما رجوت ولم أرج ولا أرجو.
وقال: ابن المبارك: {يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ} هو النظر إلى الله جل ذكره. فالرجاء في هذا بمعنى الطمع، وذكر الزجاج وغيره الرجاء بمعنى الخوف، فلا جحد معه. وأصل الرجاء وبابه أن يأتي بمعنى الطمع الذي يقرب من اليقين، يقع بمعنى الخوف على ما ذكرنا من الاختلاف والمعنيان متداخلان لأن من أيقن وطمع بلقاء ربه وثوابه خاف عقابه. ولا يخاف عقاب ربه إلا من طمع وأيقن بلقاء ثواب ربه. وكل واحد من المعنيين مرتبط بالآخر على ما ترى. ثم قال: {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً}. أي: لا يعبد معه غيره /. وقيل: لا يراني بعمله الذي يعمله لله أحداً. وسأل رجل عبادة بن الصامت C وقال: أرأيت رجلاً يصلي يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد؟ ويتصدق ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد؟ ويحج ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد؟ فقال: عبادة: ليس له شيء. إن الله D يقول أنا خير شريك. فمن كان له معي شريك فهو له كله لا حاجة لي فيه. وروى طاوس أن رجلا أتى النبي A فقال: يا نبي الله إني أحب الجهاد في سبيل الله وأحب أن يرى موطني ويرى مكاني. فأنزل الله D:
{فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ} الآية، وقال: سفيان Bهـ: الشرك هنا الرياء. وقال: معاوية بن أبي سفيان على المنبر وقد قرأ هذه الآية: إنها آخر آية نزلت من القرآن، يعني والله أعلم بمكة لأن السورة مكية. وقال: الحسن C: نزلت هذه الآية في المؤمنين، والشرك الرياء. وقال: ابن عباس: هي في المشركين. أي لا يعبد مع الله احداً. والرياء إنما يكون في التطوع فأما في الفرائض فقد استوى الناس فيها فليس فيها رياء. وقال: بكر القاضي: سمعت سهل بن عبد الله الزاهد يقول: الرياء في أهل القدر، لأنهم يعتقدون أن أعمالهم من أنفسهم واستطاعتهم. فأما أهل السنة فيعتقدون في أعمال البر كلها أنها من فضل الله عليهم ولولا ذلك ما قدروا عليها. فليس يكون الرياء فيهم إلا خاطراً لا يبطل بما يعتقدوه. فلا رياء يصح عليهم إن شاء الله. وصلى الله على محمد نبيه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته وسلم تسليماً.
مريم
بسم الله الرحمن الرحيم سورة مريم عونَك اللهم وتأييدَك، وصل على محمد وآله. قال أبو محمد، مكي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: سوره "مريم": مكية. وكان نزولها قبل أن يهاجر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أرض الحبشة، لأنهم قرأوا صدرها على النجاشي بعد هجرتهم إلى أرض الحبشة. قوله تعالى ذكره: {كهيعص} الآية. قرأ بعض القراء بإمالة الهاء والياء. وعلة الإمالة أنها أحرف مقصورة، فإذا ثنيت، ثنيت بالياء، فشابهت ما ثني بالياء من الأسماء، فأميلت لذلك. وعلة ..
الإمالة فيها عند الخليل وسيبويه أنها أسماء للحروف، فجازت إمالتها ليفرق بينها وبين الحروف التي لا يجوز إمالتها نحو: ما ولا وإلا بمعنى الذي، لا يحسن عندهما إمالة شيء من هذا فإن سميت بشيء منها جازت الإمالة. ولا يحسن إمالة كاف ولا قاف وصاد، لأن الألف متوسطة. وهذه الحروف عند ابن عباس مأخوذة من أسماء دالة، على ذلك. فالكاف تدل على كبير. وقيل: الكاف تدل على كاف. قاله ابن جبير والضحاك.
وروي أيضاً عن ابن جبير، أن الكاف تدل على " كريم "، وقال ابن عباس وابن جبير: الهاء تدل على هاد، وكذلك قال الضحاك. وقال ابن جبير: الياء من حكيم. وعن الربيع بن أنس ان الياء من [قولك]: يا من يجير ولا يجار عليه. وقال ابن عباس وابن جبير: العين من عالم. وعن ابن عباس أيضاً: العين من عزيز. وقال الضحاك: العين من عدل. وقال ابن عباس وابن جبير: الصاد من صادق.
وعنه أيضاً: الكاف، كاف، والهاء، هاد. والياء، يد من الله على خلقه. والعين، عالم بهم والصاد، صادق فيما وعدهم. وقال علي بن ابي طالب Bهـ: {كهيعص} كله اسم من أسماء الله. وروي عنه أنه كان يقول: (يا كَهَيعَص) اغفر لي. وعن ابن عباس أنه قال: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله. وقال أبو العالية: كل حرف على حدته اسم من أسماء الله وقال
2
قتادة: {كهيعص} اسم من أسماء القرآن. و {كهيعص} تمام عند الأخفش، وموضعها رفع عنده والتقدير: وفيما نقص عليكم، {كهيعص} وليس بتمام عند الفراء، لأن {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ} خبره. قوله تعالى ذكره: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} إلى {واجعله رَبِّ رَضِيّاً}. " ذِكْر " مرفوع عند الفراء على خبر {كهيعص}. ورد هذا القول الزجاج، لأن {{كهيعص} ليس مما أثنى الله به على زكريا، وليس " كهيعص " في شيء من قصة زكريا. وقال الأخفش: التقدير: وفيما يتلى عليكم، ذكر رحمة ربك عبده زكرياء.
و [قيل] التقدير: هذا الذي يتلى عليك، ذكر رحمة ربك عبده زكريا. والتقدير: وفيما يتلى عليك يا محمد، ذكر ربك عبده زكريا برحمته. قوله: {نِدَآءً خَفِيّاً}. أي: جعاه سراً كراهية الرياء. قاله ابن جريح وغيره. وقال السدي: رغب زكريا في الولد، فقام يصلي، ثم دعا ربه سراً فقال: " ربيِّ إنِّي وَهَنَ العَظْمُ مِنَّي " إلى قوله " واجْعَلْهُ رّبِّ رَضِيّاً ". ومعنى " وَهَنَ الْعَظْمُ " ضعف ورق من الكبر. وقوله: {واشتعل الرأس شَيْباً}. أي: كثر الشيب في الرأس. ونصب " شيباً " على المصدر، لأن معنى اشتعل، شاب. وقال الزجاج: نصبه على التمييز. أي: اشتغل من الشيب.
وروى أبو صالح عن ابن عباس أن زكريا كان من أولاد هارون من أحل أحبار بني إسرائيل، ثم تنبأه الله جلّ ذكره. قوله: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً}. أي: لم أشق بدعائي إياك قط، لأنك عودتني الإجابة إذا دعوتك حاجتي. ثم قال تعالى حكاية عنه: {وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآءِى} أي: أني خفت بني عمي وعصبتي من بعدي أن يرثوني. وقيل: " من [ورائي ": من قدامي]. قال ابن عباس /: الموالي هنا، الكلالة الأولياء، خاف أن يرثوه، فوهب الله له يحيى. وقيل: إنما خاف أن تقطع النبوة من ولده، وترجع إلى عصبته من غير ولد يعقوب، فأجاب الله دعاءه بعد أربعين سنة فيما ذكر ابن وهب وغيره.
وقيل: بعد ستين سنة. وقيل: معناه، خفت بني عمي عن الدين: يعني شرارهم فسأل الله تعالى في ولد يقوم بالدين بعده، ويرث النبوة من آل يعقوب، وقال أبو صالح، خاف موالي الكلالة. والموالي والأولياء سواء في كلام العرب. وقيل للعصبة موالي، لأنهم يلون الميت في النسب. وروي عن عثمان (Bهـ) أنه قرأ {وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآءِى} (بفتح الخاء، وتشديد الفاء، وإكسار التاء وإسكان الياء) وهي قراءة ويد بن ثابت وسعيد بن جبير، جعل الفعل للموالي، أي: إني قَلَّتْ الموالي الأويلء من بعدي فليس لي وارث. ثم قال: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً}. أي: هب لي وارثاً ومعيناً يرثني في مال]، و " يَرِثُ من آل يعقوب "، يعني النبوة. وكان زكريا (عليه السلام) من ولد يعقوب، وهو زكريا بن آذن، وعمران من ماثان من ولد أيوب النبي A. من سبط يهوذا بن يعقوب، وكان زكريا وعمران في زمن واحد، فتزوج زكريا أشياع بنت عمران أخت مريم ابنة عمران، واسم أمها - امرأة عمران -
حنة. فيحيى وعيسى ابنا خالو. وكان زكريا نجاراً. وكفل مريم بعد موت أبيها، لأن اختها عنده، ولأن قلمه خرج دون أقلامهم. فلما حملت مريم بعيسى، أشاعت اليهود أنه ركب من مريم الفاحشة فقتلوه في جوف شجرة، فقطعوه وقطعوها معه. قال قتادة: كان النبي A إذا قرأ هذه الآية وأتى على {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قال: " يرحم الله زكريا ما كان عليه من ورثه، ويرحم الله لوطاً. إن كان ليأوي إلى ركن شديد. وقال السدي: " يرثني ويرث من آل يعقوب " أي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب. وقيل: يرث حكمتي، ويرث نبوة آل يعقوب. وقد أنكر قوم رواثة النبوة إلا بعطية من الله، ولة ورثت بالنسب لكان الناس كلهم أنبياء، لأنهم أولاد نبي وهو آدم ونوح. وأنكر آخرون وراثة المال في هذا
7
لقوله A: " نحن معشر لا نورث، ما تركنا صدقة ". وهذا الحديث يجب أن يكون حكمه مخصوصاً للنبي ( A) ، وأخبر عن نفسه على لفظ الجماعة. وفي بعض الروايات: " إِنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة " ويحتمل أن تكون هذه شريعة كانت ونسختها شريعة محمد A بمنع وراثته. وقال القتبي: معناه: يرثني الحبورة. ثم قال: {واجعله رَبِّ رَضِيّاً}. أي: ترضاه أنت ويرضاه عبادك، ديناً وخلقاً وخُلقاً وهو فعل مصروف من مفعول. وأصله رضيو، منقول من مرضي واصل مرضي، مرضو. ثم رد إلى الياء لأنها أخف. قوله تعالى ذكره: {يازكريآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسمه يحيى} إلى قوله: {وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}. أي: إِنا نبشرك بهبتنا لك غلاماً اسمه يحيى.
قال قتادة: إِنما سماه الله يحيى لإحيائه إياه بالإيمان. وقيل: سمي بذلك لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها. ثم قال تعالى: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً}. أي: لم تلد العواقر ولداً، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: لم نجعل له من قبل مثلاً ولا شبيهاً. وقيل: المعنى، لم نأمر أحداً يسمي ابنه يحيى قبلك. وقال قتادة وزيد بن أسلم والسدي: معناه: لم يسم أحد يحيى قبله. ثم قال: {قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً}. أي: آل زكرياء: يا رب، من أي وجه يكون لي غلام وامرأتي عاقر لا تحمل،
وقد ضعفت من الكبر عن مباضعة النساء. كأنه يستثبت الخبر من عند ربه. كيف يأتي هذا الغلام؟ أيحدث فيه قوة يقوى بها على مباضعة النساء ويجعل امرأته ولوداً؟ أو يتزوج / غيرها ممن تلد؟ أو كيف ذلك؟ على طريق الاسترشاد لا على طريق الإنكار، لأنه هو الراغب في ذلك إلى الله. فلا يجوز الإنكار فيه البتة. وقيل: قال ذلك على طريق التعجب من قدرة الله إذا امرأته عاقر. قال السدي: نادى جبريل A زكرياء: {يازكريآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسمه يحيى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً}. فلما سمع النداء جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس من الله، إنما هو من الشيطان سخر بك، ولو كان من الله أوحاه إليك ما يوحى إليك غيره من الأمر فشك مكانه وقال: {أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً}. وقوله: " عُتِيّاً " أي قد عتوت من الكبر فصرت يابس العظام. يقال للعود اليابس، عود عات وعاس. وقال قتادة: " عُتِيّاً نسئاً، وكان ابن بضع وسبعين سنة. وقيل: سبعين سنة.
10
ثم قال تعالى: {كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ}. الكاف في موضع رفع. والمعنى، قال: الأمر كذلك، أي: الأمر كما قيل لك. أي: أهب لك غلاماً اسمه يحيى، هو عليّ هين. أي: خلقه عليّ هين. {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} أي: ليس خلقنا لغلام نهبه لك بأعجب من خلقنا إياك ولم تك شيئاً موجوداً. هو نفي للعين عام. ولو قال: " ولم تك رجلاً أو إنساناً " لم يكن ذلك نفيا للعين ولا نفياً عاماً. فافهمه. قوله تعالى ذكره: {قَالَ رَبِّ اجعل لي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس}. إلى قوله: {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً}. أي: اجعل لي علامة على وقت الهبة، ودليلاً على أن ما بشرتني به ملائكتك من هذا الغلام عن أمرك ورسالتك، ومتى يكون. قال ابن زيد: " اجعل لي آية أن هذا منك "، وكذا قال السدي. {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً}. أي: علامة ذلك وصحته أنك لا تكلم الناس ثلاث ليال، بلا علة بك من خرس ولا مرض يمنعك الكلام.
قال ابن عباس: " اعتقل لسانه من غير مرض ". وقال مجاهد: " سوياً ": صحيحاً لا يمنعكم من الكلام مرض ". وقال قتادة: " سوياً ": من غير خرس ولا بأس، إنما عوقب إذ سأل آية بعد مسافهته الملائكةبذلك، أخذ لسانه حتى كان يوميء إيماءً ". قال ابن زيد: " حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يسلم أحداً، وهو في ذلك يسبح ويقرأ التوراة، فإذا أراد كلام الناس، بم يستطع [أن] يكلمهم. وكذلك قال السدي. وقيل: المعنى، ثلاث ليال متتابعات. فسوياً من نعت الليالي. وعلى القول الأول يكون " سوياً " حالاً من المخاطب. والتقدير فيه التقديم. أي: آيتك ألا تكلم الناس سوياً ثلاث ليال.
ثم قال تعالى: {فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب}. أي: فخرج زكريا على قومه من مصلاه الذي جلس فيه حين حبس لسانه عن كلام الناس. ذوقال ابن جريج: معناه، أشرف على قومه من المحراب والمحراب عند أهل اللغة، مكان مرتفع. وقوله: {فأوحى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً}. أي: أوحى إليهم، قاله قتادة وقال الضحاك: " كتب لهم. وقال مجاهد ووهب بن منبه: " أشار إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً "، أي: صلوا بكرة وعشياً. والصلاة تسمى سبحة. وقيل: " أمرهم بالتسبيح بذكر الله طرفي النهار ". وهذا يدل على أن الإشارة ليست بكلام. يقال: أوحى ووحى. وأومى وومى.
ثم قال: {يايحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ}. والتقدير: قوله له يحيى، فقال الله تعالى له: " يا يحيى خذ الكتاب بقوة " أي بجد وعزم. قاله قتادة ومجاهد. ذوقال ابن زيد: " القوة: أن يعمل ما أمره الله ويجتنب ما نهاه عنه ". ثم قال: {وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً}. أي: أعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه. قال معمر: " بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال أللعب خُلقت؟ فأنزل الله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً}. قال قتادة: " كان ابن سنتين أو ثلاث ". قال مالك: " بلغني أن يحيى بن زكريا، إنما قتل في امرأة، وأن بخت نصر لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا
فار وعلا عليه، فلما رآه بني إسرائيل فسألهم فقالوا لا علم لنا / هكذا وجدناه، وأخبرنا به آباؤنا عن آبائهم أنهم هكذا وجدوه. قال بخت نصر: هذا دم مظلوم، لأقتلن عليه. فقتل [عليه] سبعين ألفاً من المسلمين والكفار فهدأ الدم بعد ذلك. وقوله تعالى: {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا} قال ابن عباس معناه: " ورحمة من عندنا "، وهو قول عكرمة وقتادة والضحاك. وقيل معناه: ورحمة من عندنا لزكريا، آتيناه الحكم وفعلنا به ما فعلنا، روي ذلك عن قتادة. وقال مجاهد: " معناه، وتعطفاً من عندنا عليه فعلنا ذلك ".
وقال ابن زيد: " معناه، ومحبة له من عندنا "، روي ذلك أيضاً عن عكرمة. وعن عطاء أن معناه: " وتعظيماً من عندنا له ". وقيل معناه آتيناه رحمة بالعباد وتحنناً عليهم ليُخلضهم من الكفر إلى الإيمان. وعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الحنان. وقاله عكرمة أيضاً مرة. وقول العرب " حنانيك " لغة في حنان، وليس بتثنية. وأصل الحنان من قولهم: حن إلى كذا، إذا ارتاح إليه. ويحن على فلان، إذا تعطف عليه. والحنان مصدؤ من حننت أحن حنيناً وحناناً، ومنه قيل لزوج الرجل حنته لتحننها عليه وتعطفها. وقوله: {وَزَكَاةً} قال قتادة: " العمل الصالح ". وقوله: {وَكَانَ تَقِيّاً} أي خائفاً مؤدياً فرائضه.
قال ابن عباس: " طهر فلم يعمل بذنب، فهو الزكاة ". وقوله: {وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ}. أي: مسارعاً في طاعتهما غير عاق لهما ". {وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً}. أي: متكبراً عن طاعة الله، ولا عصياً لربه. ثم قال: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ}. أي: أمان له من الشيطان حين وُلد فلم يُذنب، ولا يأتي في الآخرة بذنب. وقوله: {وَيَوْمَ يَمُوتُ} أ]: وأمان له من الله من فتاني القبر. {وَيَوْمَ يُبْعَثُ}. أي: وأمان له من العذاب يوم يبعث فلا يروعه شيء. قال ابن عيينة: " أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد، فيرى
نفسه خارجاً مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في حشر عظيم. فخض الله تعالى يحيى بالأمان في هذه الثلاثة مواطن، وهي الفضيلة التي فضل الله بها يحيى. وروي أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا، فقال عيسى استغفر لي، أنت خير مني. وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير مني. فقال عيسى: أنت خير مني؟ سلمتُ على نفسي، وسلم الله عليك، فعرف الله فضلها. فقال النبي A: " كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إى يحيى بن زكرياء ". وقال A: " ما من أحد يقلى الله D يوم القيامة إلا وأذنب إلا يحيى بن زكرياء، ما أذنب ولا هم بامرأة ". وهو قوله تعالى: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ}، أي أمان له وعصمة من الشيطان ألا يحمله على ذنب و " يوم يموت " من عذاب القبر "، ويوم يبعث " من هول المحشر. وقد قيل: المعنى، ورحمته، وسلامته عليه يوم ولد، وذلك تفضل من الله غير جزاء له على عمله، إذ لم يعمل بعد شيئاً. وقوله: {وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً}. هو جزاء من الله له بعمله وسعيه.
16
وروى ابن وهب عن مالك بن أنس عن حميد بن قيس عن مجاهد، أنه [قال]: كان طعام يحيى بن زكريا العشب، وإن كان ليبكي من خسية الله ما لو كان القار على عينيه لحرقه. ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في وجهه. قال أبو ادريس الخلاني: أطيب الناس طعاماً يحيى بن زكرياء. إنما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس معايشهم. قال ابن وهب أن ابن شهاب قال: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى بيسير. قوله تعالى ذكره: {واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ} إلى قوله: {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً}.
والمعنى: واذكر يا محمد في الكتاب الذي أنزل إليك مريم حين اعتزلت من أهلها، وانفردت في مكان شرقي، أي في شرقي المحراب. وقال السدي: " خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها ". وقال قتادة: " شرقياً " قبل المشرق شاسعاً ". وقيل: إنما صارت بمكان يلي المشرق، لأن ما يلي المشرق عندهم كان خيراً مما يلي المغرب /. وقال ابن عباس: أظلها الله بالشمس، وجعل لها منها حجاباً ". وهو قوله: {فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً} أي: ستراً يسترها عن الناس. ويروى أن مريم كانت في منزل زكرياء، وكان زوج أختها، وكان لها محراب تصلي فيه، وكان زكرياء إذا خرج أغلق عليها الباب، فآذاها يوماً القمل في رأسها فتمنت لو وجدت خلوة إلى الجبل تفلي فيه رأسها، فانفرج لها السقف وخرجت والبيت مقفل في يوم شديد البرد، فجلست في شرفة من الشمس، وأتى زكرياء فلم يجدها فبينما هي جالسة إذ أتاها جبريل A في صورة البشر في أحسن صورة شاب
مقصص عليه البياض وعليه تاج مكلل بالدر والياقوت، ومريم يومئذ بنت أربع عشرة سنة، فلما أن رأت جبريل عليه السلام يصعد نحوها نادته {إني أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً}. أي إن كنت تتقي الله فكان من شأنها ما قصّ الله علينا. ثم قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا}. قال قتادة وابن جريج ووهب بن منبه: هو جبريل A. وقيل: الروح: عيسى، لأنه روح الله وكلمته أَلقاها إلى مريم. وقيل: معناه، فدخل الروح في مريم فتمثل لها بشراً سوياً. أي تمثل فيها، يعني عيسى. قال أبي بن كعب: " كان روح عيسى بن مريم من الأرواح التي أخذ الله تعالى ذكره عليها الميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل من فيها، فحملت بعيسى عليه السلام ". والله أعلم بذلك كله. والصحيح أنه جبريل عليه السلام لقوله: " فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً " لأن عيسى بشر، ومعناه
فتشبه لها في صورة آدمي، سوي الخلق، معتدلة. وإنما سمي جبريل A روحاً، لأنه يأتي بما يحيي به العباد من الوحي، ولهذا سمي عيسى أيضاً روحاً، وسمي القرآن روحاً. وقيل: إنما اعتزلت لتغتسل من الحيض. وقيل: لتخلو بالعبادة. ثم قال: {قَالَتْ إني أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً}. والمعنى: أن مريم خافت من جبريل لما رأته في هيئة آدمي. قال قتادة: " خشيت أن يكون يريدها على نفسها ". وقال السدي: " فزعت منه لما رأته، فتعوذت بالرحمن واستجارت به منه ". ومعنى: {إِن كُنتَ تَقِيّاً} أي: إن كنت ذا تقوى وخوف من الله، تتقي محارمه. وقيل: المعنى: إني أستجير بالله منك إن كنت تتقي الله في استجارتي به منك. قال وهب بن منبه: " هو رجل من بني آدم معروف عندهم بالشر اسمه " تقي ".
ف " إن " على هذه الأقوال للشرط، وما قبلها جواب للشرط. وقيل: {إِن كُنتَ تَقِيّاً} معناه: ما كنت. [قوله]: قَالَ: {إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً}. من قرأ بالهمز في لأَهَبَ، فإنه أسند إلى جبريل A، إذ قد علم أن الهبة أصلها من الله. والتقدير: إنما أنا رسول ربك أرسلني لأهب لك. وقال أبو عبيد: التقدير في هذه القراءة: إنما أنا رسول ربك، يقول لك: أرسلته إليك لأهب لك غلاماً.
فأما من لم يهمز، فيحتمل أن يكون على أحد هذين المعنيين المتقدم ذكرهما في الهمز، لكن خففت الهمزة، ويحتمل أن يكون في الكلام حذف تقديره: بعثني لِيَهَبَ لك. وكذا حكى أبو عمرو عن ابن عباس. و" الزكي ": الطاهر من الذنوب. {قَالَتْ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً}. أي: قالت مريم: من أي وجه يكون لي غلام؟ أَمِنْ قبل زوج أرزقه منه؟ أم يبتدئ الله خلقه ابتداء، ولم يمسسني بشر من بني آدم بنكاح حلال. " ولمَ ألكُ بَغيّاً " أي لم يمسسني أحد في حرام. قال السدي: [{بَغِيّاً} زانية]. و {بَغِيّاً} فعول. وفعول يقع للمؤنث والمذكر بغير هاء. كقولك: امرأة شكور، ورجل شكور. ولا يجوز أن يكون " بغي " فعيلاً، لأنه يلزم فيه دخول الهاء ككريمة ورحيمة. ولا يلزم ذلك في فعول. فدل حذف الهاء منه على أنه فعول، وليس بفعيل. وأصله بغوى، ثم وقع القلب والإدغام على الأصول
21
المعروفة عند أهل العربية /. قوله تعالى ذكره: {قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ} إلى قوله: {نَسْياً مَّنسِيّاً}. أي: قال: الأمر كما قيل لك، أن الله يهب لك غلاماً زكيا. {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي: سهل. {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ} أي: ولنجعل هذا الغلام حجة على الناس {وَرَحْمَةً مِّنَّا} أي: ورحمة منا لك، ولمن آمن به. {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً}. أي: كان خلقه منك بغير ذكر أمراً قد قضاه الله في سابق علمه أنه يكون على ذلك. ثم قال تعالى: {فَحَمَلَتْهُ فانتبذت بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً}. في الكلام حذف، تقديره: فنفخنا فيها من روحنا بغلام {فَحَمَلَتْهُ فانتبذت بِهِ} أي: اعتزلت به مكاناً قصياً، أي: مبتاعداً عن الناس [نائياً]، وهو بيت لحم، أقصى
الوادي. فنظرت إلى أكمة /، فصعدت عليها مسرعة، وإذا على الأكمة جذع نخلة، فاستندت إلى الجذع. وهو قوله: {فَأَجَآءَهَا المخاض إلى جِذْعِ النخلة}. فجزعت عند شدة الولادة، وخوف ما يقول النس، فقالت: {ياليتني مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً}. فسمع جبريل A كلامها، فنادها من تحتها {أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} أي: جدولاً، وهو النهر الصغير. قم قال لها: {هزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً}، فعجبت من قول جبريل A، لأنه كان جذعاً قد قد نخر ليس فيه سعف، فلما هزته، نظرت إلى السعف قد أطلع من بين أعلى الجذع، وقد أخضر، ونظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف أبيض، ثم نظرت إليه قد اخضرّ بعد البياض، فصار بلحاً، ثم نظرت إلى البلح قد احمرّ بعد الخضرة، ثم نظرت إليه قد صار بسراً، ثم تظرن إلى البسر قد احمرّ، ثم نظرت إليه قد صار رطباً، وكذلك كله في أقل من ساعة. وقيل: كان ذلك كله في أقل من طرفة عين. فجعلت الرطب تسقط بين يديها، فطابت نفسها لما رأت من الآيات. قال وهب بن منبه: " نفخ جبريل A في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم. قال وهب: لما قال لها جبريل {قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} استسلمت لأمر الله،
فنفخ في جيبها وانصرف عنها ". وقال السدي: " فخرجت وعليها جلبابها لما قال لها جبريل عليه السلام ذلك، فأخذ كمها، فنفخ في جيب درعها وكان مشقوقاً من قدامها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت فأتتها أختها - امرأة زكريا - تعودها، فلما فتحت لها الباب، التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم، أشعرت أني حبلى؟ قالت مريم: أشعرت أيضاً أني حبلى؟ قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك. فذلك قوله تعالى: {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله} [آل عمران: 39]. قال ابن جريج: " إنما نفخ جبريل في جيب درعها ورحمها ". قال السدي: " لما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى المحراب الشرقي منه، فأتت أقصاه ". قوله: {فَأَجَآءَهَا المخاض إلى جِذْعِ النخلة}.
أي: جاء بها المخاض إلى جذع النخلة. والهمزة دخلت لتعاقب الباء. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: المعنى: أَلجأها. و " المخاض ": " الحمل ". وقال قتادة: {فَأَجَآءَهَا} " اضطؤها ". وذكر بعض أهل الأخبار أنها اعتزلت، وذهبت إلى أدنى أرض مصر، وآخر أرض الشام وذكر أنها هربت من قومها لما حملت، فتوجهت نحو أرض مصر. قال وهب بن منبه: " لما اشتملت مريم على الحمل، كان معها ذو قرابة لها يقال له يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى الجبل الذي عند صيهور، وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم. وكان مريم ويوسف يخدمان في ذلك
المسجد، في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم. فرغبا في ذلك. فكانا يليان معالجة ذلك بأنفسهما وتحبيره وكناسته، وكل عمل يعمل فيه. وكلان لا يعمل من أهل زمانها أحد أشد اجتهاداً وعبادة منهما. فكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف. ولما رأى الذي بها، استعظمه، ولم يدر على ما يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها، ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قط /، وإذا أراد يبرئها رأى الذي ظهر عليها. فلما اشتد ذلك عليه كلّمها. فكان أول كلامه إياها أن قال لها: إنه قد حدث في نفسي من أمر أمر، وقد خشيت، وقد حرصت على أن أكتمه وأميته في نفسي، فغلبني ذلك، فرأيت أن الكلام أشفى فيه لصدري. قالت: فقل قولاً جميلاً. قال: ما كنت أقول لك إلا ذلك. فحدثيني هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم. قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث؟ قالت: نعم. قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم. ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذر يومئذٍ إنما صار من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر؟ أولم تعلم ان الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة الشجر بعدما خلق كل واحد منهما وحده؟ أو تقول: لن يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء؟ ولولا ذلك لم يقدر
على إنباته؟ قال يوسف: لآ أقول هذا، ولكني أعلم أن الله يقدر على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون. قالت له: أو لم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير أثنى ولا ذكر قال: بلى. فلما قالت له ذلك، وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله. ثم دنا نفاسها فأوحى الله تعالى إليها أن اخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك، عيروك، وقتلوا ولدك. فأفضت ذلك إلى أختها، وأختها حينئذ حبلى، وقد بشرت بيحيى، فلما التقتا، وجدت أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجداً معترفاً بعيسى. فاحتملها يوسف ذإلى ارض مصر على حمار له، ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الأكاف شيء. فلما ذكان بقرب أرض مصر، في منقطع بلاد قومها، أدرك مريم النفاس، فألجأها إلى حمار أو مذوده وأصل نخلة. فاشتد على مريم المخاض، فلما وجدت منه شسدة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة قاموا صفوفاً محدقين بها. وعن وهب أنها قالت له عند سؤاله: إن الله تعالى خلق البذر قبل الزرع، وإن الله خلق الحبة من غير مطر، وإن الله خلق آدم من غير أنثى ولا ذكر.
وعن وهب أيضاً أنه قال: لما حضر ولادتها، وجدت ما تجده المرأة من الطلق، فخرجت من المدينة حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على ستة أميال يقال لها بيت لحم. فأجأها المخاض إلى أصل نخلة إليها مذود مقرة وتحتها نبع من الماء فوضعته عندها. وقد قال السدي لما حضر وضعها إلى جانب المحراب الشرقي منه أتت أقصاه. وقيل: إن عيسى ولد بمصر بكورة أهناس، ونخلة مريم قائمة بها إلى اليوم. والله أعلم بذلك كله. قال ابن عباس: ليس إلا أن حملت فولدت في ساعة. وعن مجاهد، أنها حملته ستة أشهر، فكانت حياته آية له لأنه لا يعيش من
ولد من ستة أشهر. وقال غيره أقامت ثمانية أشهر، وذلك آية لعيسى أيضاً، لأنه يولد مولود لثمانية أشهر فيعيش. وقوله: {فَأَجَآءَهَا المخاض} يدل على طول المكث. قال مجاهد: كان حمل النخلة عجوة. وقيل: كان جذعاً بلا رأس، وكان ذلك في الشتاء، فأنبت الله له رأساً، وخلق فيه رطباً؟ في غير وقته. وروي أنها لما رأت الآية في الرطب والجذع طابت نفسها. وقالت: ليس ولادتي هذا الغلام من غير أب أعجب من هذا الجذع البالي، فأكلت من الرطب، وشربت من النهر. وقوله: {ياليتني مِتُّ قَبْلَ هذا} [أي: قبل هذا] الطلق، استحياء من الناس قاله
السدي. {وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً}. أي: لم أخلق ولم أكن شيئاً. قال السدي: معناه نسى ذكري وأمري، فلا يرى لي أثر ولا عين. وقال قتادة: معناه: وكنت شيئاً لا يذكر ولا يعرف ولا يدري من أنا. وقال مجاهد وعكرمة: حيضة ملقاة. والنسي عند أهل اللغة، ما طال مكثه فنسي. ويكون لنسي الشيء الحقير الذي لا يعبأ به. وقرأ محمد بن كعب: " نِسْئاً " بالهمز وكسر النون. وكذا قرأ أيوب، إلا أنه فتح النون وهو من نسأه الله إذا أخره. / وإنما تمنت الموت وقد علمت أن الرضى
24
بقضاء الله واجب عليها لآنها كرهت أن يعصى الله فيها وفيما يقول قومها فيها إذ جاءت بولد من غير ذكر، فشق عليها أن يأثموا فيها ويعضوا الله من أجلها فيما يرمونها به لا أنها سخطت قضاء الله فيها، إذ هي تعلم أن الله تعالى لم يختر لها إلا ما فيه الخيرة والصلاح لها. فتمنيها للموت إنما هو طاعة لله لأن من كره أن يعصى الله فيه فقد أطاع الله. قوله تعالى ذكره: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي} إلى قوله: {فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً}. من قرأ " مَنْ تَحْتَهَا " بالفتح " أراد فناداها عيسى ". كذلك تأويله أُبي بهذا كعب والبراء بن عازب والنخعي، وبذلك قرؤوا. ومن قرأ بكسر الميم والتاء، أراد
فناداها جبريل. كذلك قال ابن عباس والضحاك. وقال مجاهد: هو عيسى عليه السلام. قال الضحاك: كان جبريل A أسفل منها، فناداها من ذلك الموضع " ألاّ تحزني ". وقال أبو عبيد: من كسر الميم والتاء، يجوز في قراءته أن يكون لجبريل ولعيسى عليهما السلام. ومن فتحهما، هو لعيسى خاصة، والاختيار عند أهل النظر في الكسر أن يكون لعيسى مثل الفتح، أي: فناداها عيسى من تحتها. وقرئ بذلك لتقدم ذكر عيسى ولم يتقدم ذكر جبريل إلا فيما بعد، عند قوله: {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} فالحمل على الأقرب أولى من الأبعد. قال ابن زيد: قال لها عيسى: لا تحزني، قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج، فأقول من زوج، ولا مملوكة فأقول من سيدي، أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً. قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام. قال البراء: " السري " الجدول، وهو النهر الصغير. وبذا قال ابن عباس
وغيره، وهو بالنبطية. وقال مجاهد: " السري " النهر بالسريانية. وقال قتادة: السري عيسى نفسه. وكذا قال ابن زيد. أي: شخصاً سرياً. وقال الحسن: كان والله سرياً من الرجال، يعني عيسى. فقيل له: يا أبا سعيد، إنما هو الجدول النهر. فقال: يرحمك الله، إنما تلتمس مجالستكم لهذا. وقوله: {وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة}. يدل على أنه النهر لقوله تعالى بعد ذلك {فَكُلِي واشربي} فكلي من هذا الرطب ةاشربي من هذا الماء وقريّ عيناً بولدك.
وقوله {تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً}. من قرأ بالتاء، رده على النخلة ومن قرأ بالياء، رده على الجذع، ومن شدد السين أدغم فيها إحدى التاءين، ومن خفّف، حذف إحدى التاءين كتظاهرون و " رطبا " منصوب على التمييز. وقال المبرد هو مفعول بهزي أي: وهزي إليك رطباً بجذع النخلة. وقرأه مسروق بن الأجدع " تُسقط " بتاء مضمومة. وحذف الألف فيكون على هذا " رطباً " مفعولاً به. وكذلك هو على قراءة عاصم " تساقط " على تفاعل. قيل: نصبه على التمييز.
وقيل: هو مفعول بـ " هزي " و {جَنِيّاً} نعت للرطب وهو فعيل بمعنى مفعول، أي: رطباً مجنياً. والجني: الطري. " والرطب " يؤنث على معنى الجماعة، ويذكر على معنى الجنس. وقال أبو وائل: لو علم الله شيئاً أطيب من الرطب لأطعمه مريم ". وقوله: {وَقَرِّي عَيْناً} هو من قررت بالمكان عند الشيباني، أي: قري عيناً. وقيل: هو من قررت به عيناه مشتق من القر أي: بردت عيناً، فلم تسخ بخروج الدمع. ولغة قريش قررت به عيناً أقر وقررت بالمكان أقر. وأهل نجد يقولون: قررت به عيناً أقر. ثم قال تعالى: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً فقولي إِنِّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً}. أي: " قال لها عيسى A بعد قوله [لها] أنا أكفيك الكلام، فإما ترين. . .
الآية ". والظاهر أن يكون هذا الأمر من الله جلّ ذكره لها، والله أعلم بذلك. فالمعنى: إن رأيت من بني آدم أحداً يسألك. فقولي: إني نذرت للرحمن صوماً. أي: أوجبت على نفسي للرحمن صوماً. أي: صمتاً: قاله ابن عباس والضحاك. وقال قتادة صامت من الطعام والشراب والكلام. وقال ابن زيد: كان في بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم / من الطعام إلا من ذكر الله D فقال لها ذلك. وأصل الصوم. الإمساك، وإنما أمرها بالصوم عن الكلام لأنه خاف عليها ألا تكون لها حجة فيما جاءت به، فأمرها بالكف عن الكلام ليكفيها ولدها الحجة عنها. ولا يحل لأحد أن ينذر ترك الكلام يوماً. وإنما جعل الله ذلك آية لمريم خاصة. وقد قيل: بل كانت ذلك اليوم صائمة عن الطعام والشراب، فأذن لها ألا تكلم الناس ذلك اليوم.
27
روى يزيد الرقاشي أن أنس بن مالك قال: إذ ولد عيسى أصبح كل صنم يعبد من دون الله خاراً على وجهه، وأقبلت الشياطين غلى إبليس تضرب وجوهها لما حدث. ومعنى " فَقُولي " أي: أشيري إليهم بذلك، لأنها لو كلمتهم بذلك لتناقض ما عقدت على نفسها من الصمت. وهذا يدل على أن القول قد يكون غير كلام، وهو كثير في كلام العرب. قوله تعالى ذكره: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} إلى قوله: {جَبَّاراً شَقِيّاً}. المعنى: أن عيسى عليه السلام لما قال لها ذلك: اطمأنت وسلمت لأمر الله وحملته حتى أتت به قومها. قال السدي: " لما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدون، فدعوها، فأتت به قومها تحمله ". قالوا: {يامريم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً}. أي: جئت بأمر عجيب وعظيم لم يسبق مثلك إلى مثله.
روي أنها خرجت من عندهم ضحى، وجاءت عند الظهر ومعها صبي تحمله فكان الحمل في ثلاثة ساعات من النهار ". وكانت مريم قد حاضت قبل ذلك حيضتين لا غير. ثم قالوا لها: {يا أخت هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْءٍ}. أي يا أخت هارون في الصلاح والعبادة. قال قتادة: كان رجلاً صالحاً في بني إسرائيل، يسمى هارون، فشبهوها به. قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل سوى من ليس اسمه هارون. وكانت عائشة Bها تقول: هو هارون أخو موسى. فقال لها كعب: يا أم المؤمنين، إن كان النبي A قاله فهو أعلم، وإلا فإني أجد بينهما ست مائة سنة، فسكتت. وقيل: أريد بهارون هنا أخو موسى نسبت مريم إليه لأنها من ولده كما يقال
للتميمي يا أخا تميم. قال ابن جبير: كان هارون منهم رجلاً فاسقاً، فنسبوها إليه، وقد غلط بعض المؤلفين في هذا فقال: كان لها أخ صالح يسمى بهارون. وما علمت أحداً من المفسيرين وأهل التاريخ قال هذا. " وقال المغيرة بن شعبة: بعثني رسول الله A إلى أهل نجران فقالوا: ألستم تقرأون يا أخت هارون؟ قلت: بلى، قالوا: وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى؟ قال: فرجعت إلى النبي A. فأخبرته، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم ". فهذا يدل على أن هارون المذكور في الآية كان رجلاً صالحاً وكانوا يسمون أولادهم بهارون لمحبتهم في ذلك الصالح الذي كان اسمه هارون.
وقوله: {مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْءٍ}. أي: ما كان أبوك رجل سوء فيأتي الفواحش. {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً}. أي زانية. {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ}. أي: لما قالوا لها ذلك أشارت لهم إلى عيسى أن كلّموه. {الُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً}. قال قتادة: " المهد " هنا حجر أمه. و" كان " هنا، زائدة. و " صيباً " نصب على الحال، والعامل فيه الاستقرار. والمعنى: كيف نكلم من في المهد صبياً لا يفهم مثله، ولا ينطق لسانه بكلام. وقيل: إنّ " كان " هنا بمعنى وقع. و " صبياً " نصب على الحال والعامل فيه " كان ". والمعنى على هذا القول: كيف نكلم صبياً قد خلق في المهد. وقيل إن " من " للشرط. و " صبياً " حال. و " كان بمعنى: وقع وخلق أيضاً. والمعنى على هذا، من كان في المهد صبياً فكيف نكلمه. كما تقول: من كان لا يسمع ولا يبصر فكيف نخاطبه. قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله آتَانِيَ الكتاب}. أي: قال عيسى لهم ذلك. وذلك أن مريم لما أشارت لهم إلى عيسى أن
يكلموه، ظنوا أن ذلك / منها استهزاء، فغضبوا. وقوله: {آتَانِيَ الكتاب}. أي: قضى أن يؤتني ذلك فيما قضى. قال عكرمة: الكتاب: القضاء. وقوله: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً} يدل على أن الخير والشر بقدر من الله وقضاء. قال مجاهد: أن نفاعاً معلماً للخير حيثما كنت. وقال محمد بن كعب: لم يبعث الله نبياً إلا أتى على إثره الشدة واحتباس المطر إلا عيسى عليه السلام، فإنه أتى على إثره الرخاء والمطر، وأتت البركات بيمينه. وقيل: معنى، " مباركاً " ثابت على دين الله وطاعته أينما كنت لأن أصل البركة الثبات على الشيء، مأخوذ من بروك البعير. وروى ابن وهب، عن مالك بن أنس أنه قال: بلغني أن عيسى ابن مريم انتهى إلى قرية قد خربت حصونها، وجفت أنهارها وتشيعت شجرها. فنادى يا خراب، أين أهلك؟ فلم يجبه أحد ثم نادى ثانية، فلم يجبه أحد، ثم نادى الثالثة، فنودي يا
عيسى ابن مريم بادوا وتضمنتهم الأرض، وعادت أعمالهم قلائد في رقابهم إلى يوم القيامة يا عيسى ابن مريم فجد. {وَأَوْصَانِي بالصلاة}. أي: قضى أن يوصيني بذلك. وقوله: {والزكاة}: هي زكاة الأموال. وقيل: هي تطهير البدن من الذنوب. {مَا دُمْتُ حَيّاً} أي: وقت حياتي في الدنيا. {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي} أي: وجعلني براً بوالدتي. وقد قرأ أبو نهيك، " وَبِرٍّ "، بكسر الباء ةالراء. أي: وأوصاني ببر والدتي. وقوله: {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً}. أي: ولم يجعلني مستكبراً عليه فيما أمرني به منهاني عنه، شقياً. وهذا يدل على أن الله جعل الأشقياء أشقياء، والسعداء سعداء. فهو نص ظاهر في القدر. قال قتادة: ذكر لنا أن عيسى A كان يقول: سلوني فإن قلبي لين، وإني صغير في نفسي، مما أعطاه الله D من التواضع. قال: وذكر لنا أن امرأة رأت عيسى وهو يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص. فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي
33
أرضعك. فقال لها عيسى: طوبى لمن تلا كتاب الله، وابتع ما فيه، ولم يكن جباراً شقياً. ومن قرأ: " وَبِرِّ " بالخفض حسن أن يقف على " أينما كنت " ومن نصبه، لم يقف عليه، لأن " وبراً " منصوب بـ " جعلني. قوله تعالى ذكره: {والسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ} إلى قوله: {صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}. معناه: أن عيسى عليه السلام سلّم على نفسه في هذه الأوقات وهي أشد ما يمر على الإنسان في حياته وبعد موته. أي: الأمن علي من الشيطان أن يصيبني في حين ولادتي بسوء، ويوم أموت من هول المطلع، ويوم أبعث يوم القيامة من الفزع. فأخبرهم أنه سيموت، وأنه يبعث حياً. ذكر عبيد بن عمير وغيره أن عيسى A كان يأكل من الشجر ويلبس من الشعر، ويأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد، ولا يخبئ طعام اليوم لغد، وليس له ولد يموت، ولا بيت يخرب، يبيت حيث يدركه الليل.
ثم قال تعالى: {ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَوْلَ الحق}. أي: هذا الذي وصفت لكم صفته، وأخبرتكم خبره هو عيسى ابن مريم. ثم قال: {قَوْلَ الحق} من رفع القول. فعلى خبر الابتداء. أي هذا الكلام الذي قصصته عليكم قول الحق. أي قول الله، ف {الحق} هو الله. أي هو كلامه لا كلام غيره من اليهود والنصارى فيما ادعوا في عيسى من الكذب والبهتان /. ومن نصبه، فعلى المصدر. أي: أقول قول الحق، لا قول اليهود، الذين زعموا أن عيسى عليه السلام كان ساحراً كذاباً. ولا قول النصارى، أنه ولد الله تعالى وجلّ وعزّ عن ذلك. قال مجاهد: {قَوْلَ الحق}. الحق: الله. أي: قول الله هو الحق. فمن رفع القول حسن أن يقف على مريم، ثم يبتدئ " قول الحق " أي هذا قول الله.
ومن نصب، لم يحسن الوقف على مريم، لأن ما قبله قد قام مقام الفعل الناصب ل: " قول ". وقد أجازه أبو حاتم على إضمار ناصب لقول الحق، كأنه ابتدأ: أقول قول الحق. وقوله: {الذي فِيهِ يَمْتُرُونَ} أي: يشكون ويختصمون من المراء وهو الخصام والجدال. قال قتادة: امترت فيه اليهود، فقالوا: ساحر كذاب، وامترت فيه النصارى، فزعموا أنه ابن الله. وذلك أن بني إسرائيل اجتمعوا فأخرجوا منهم أربعة نفر. أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض، فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السناء، وهم اليعقوبية فقال له الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه. قال فقال: هو
ابن الله وهم النسطورية. فقال له الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه. فقال هو ثالث ثلاثة. الله إله، وهو إله، وأمه إله. وهم الاسرائيلية ملوك النصارى. قال له الرابع: كذبت. هو عبد الله ورسوله وكلمته وروحه، وهم المسلمون. فكان لكل واحد منهم أتباع على ما قال. فاقتتلوا فظهر على المسلمين، فذلك قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس}. قال قتادة: وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ} يعني: اختلفوت فصاروا أحزاباً. قوله تعالى: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ}. هذا تكذيب للذين قالوا: إن عيسى ابن الله. أي: ما يصلح له أن يتخذ ولداً، بل كل شيء خلقه. ثم قال سبحانه: ينزه نفسه عما قالوا، أي: تنزيهاً لله أن يكون له ما أضيف إليه من الولد، فقال: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ}، ينفي عن نفسه وينزهها عما يقول الظالمون،
وهذا اللفظ ظاهره الحظر، والله لا يحظر عليه شيء، لكنه محمول على معناه. ومعناه النفي، أي: ما كان الله ليتخذ ولداً. فهو نفي عن الله ما لا يليق به وليس فيه في الباطن حظر. ومثله قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} [النساء: 92] معناه النفي، وتقديره: ما كان لمؤمنٍ أن يقتل مؤمناً. فظاهره حظر، ومعناه النفي، ولو كان حظراً لم يستثنى منه الإثبات في قوله " إلا خطأ " والنفي يستثنى منه الاثبات. ومعنى الإثبات في هذا، إجازة وقوعه من المؤمن لا أنه إطلاق له أن يفعل ذلك، وقد مضى ذكر هذا. ومثله {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا} [النمل: 60] ظاهره الحظر. أي لا تفعلوا وهو تعالى لم يحظر على خلقه أن يفعلوا ذلك، وإنما معنى ذلك، النفي عنهم القدرة على اختراع ذلك. فالمعنى: ما كنتم مخترعين ذلك، ومحدثين له، بل الله اخترعه وأحدثه. وهو كثير في القرآن يقاس عليه ما شابهه. ثم قال: {إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}. أي: إذا أراد خلق شيء، فإنما يقول له كن فيكون موجوداً حادثاً لا يتكلف في حدوثه معالجة ولا معاناة تصحيح، والتقدير، إذا قضى أمراً كونه. وقد زل في
هذا بعض الملحدين فقال: هذا يدل على أن الأمر مخلوق، لأنه قال: قضى أمراً. قال: وأمره كلامه، وهذا إلحاد وكفر. ليس قضى في هذا بمعنى خلق، إنما هو بمعنى أراد. والأمر في هذا إنما أحد أمور المحدثة، لا كلامه - تعالى عن ذلك - فالمعنى: إذا أراد إحداث أمر من الأمور المحدثة، قال له: كن فكان. فكن كلامه. فبهذا يحدث المحدثات. فلو كان الأمر في هذا كلامه، لحدث بكلامه كن، فيصير كلامه يحدث بكلامه، وهذا خلف من الكلام وخطأ ظاهر. ثم فال تعالى: {وَإِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ}. هذا من قول عيسى لهم. أخبرهم أنه وإياهم عبيد الله. فالعبادة له منا واجبة علينا. {هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي: هذا الذي أوصيتكم به طريق مستقيم ينجوا من سلكه. فمن فتح " أن " فعلى معنى: / و " لأن الله ". هذا مذهب الخليل وسيبويه. وقال الفراء " أن " في موضع خفض عطف على الصلاة. أي: قال عيسى:
أوصاني بالصلاة، وبأن الله ربي وأجاز أن يكون في موضع رفع على معنى: والأمر أن الله. وحكي عن أبي عمرو أنها في موضع نصب عطف على أمر. أي: وقضى الله أن الله ربي. وقيل: هي في موضع رفع عطف على عيسى. أي: ذلك عيسى، وذلك أن الله. وهذا ضعيف، لأن المعنى ليس عليه. ومن كسر، فعلى الابتداء، ولم يعطفها على ما قبلها. وفي حرف ابن مسعود وأبي: " أن الله ربي " بغير واو. فهذا يدل على صحة الاستئناف. وقيل: الكسر على العطف على: " قال: إني عبد الله، وقال إن الله ربي ". و" سبحانه "، وقف عند نافع. ولا يحسن الابتداء بـ " أن " على قراءة من فتح، إلا على قول الخليل وسيبويه:
37
لأنهما لا يجعلان في الكلام عطفاً. وعلى قول الكسائي: الأمر أن الله يحسن الابتداء بها أيضاً. قوله تعالى ذكره: {فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ} إلى قوله: {لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً}. أي: فاختلف المختلفون بعد رفع عيسى A. فصاروا أحزاباً، وقد ذكر اختلافهم كيف كان. ثم قال: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ}. أي: وادٍ في جهنم للكافرين الذين زعموا أن عيسى إله، والذين زعموا أنه ابن الله. {مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} يعني يوم القيامة. ثم قال: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا}. أي: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة إذا عاينوا ما لا يحتاج إلى فكر ولا رؤية. وقد كانوا في الدنيا عمياً عن إبصار الحق، صماً عن سماع الهدى. قال قتادة: سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر.
قال ابن زيد: كانت في الدنيا على أبصارهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، فلما كان يوم القيامة، أبصروا، وسمعوا فلم ينتفعوا، وقرأ {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً} [السجدة: 12]. ثم قال تعالى ذكره: {لكن الظالمون اليوم فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: لكن الكافرون في الدنيا في ذهاب مبين عن سبيل الحق. و {يَوْمَ يَأْتُونَنَا} وقف حسن. والعامل فيه " أسمع بهم وأبصر " أي: ما أبصرهم وأسمعهم في هذا اليوم، أي: هم ممن يقال ذلك فيهم، ففيه معنى التعجب، ولفظه، لفظ الأمر، ولا ضمير في الفعلين، إذ ليس بأمر للمأمور، إنما هو لفظ وافق لفظ الأمر، وليس به. ثم قال: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة إِذْ قُضِيَ الأمر} أي: أنذر هؤلاء المشركين يوم حسرتهم على ما فرطوا في جنب الله إذا رأوا مساكنهم في الجنة قد أوروثها الله أهل الإيمان به، وعوضوا منها منازل في النار، وأيقن الفريقان في الخلود. قال ابن مسعود: ليسي نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النالا البيت الذي في الجنة فيقال: / لو آمنتم، فتأخذهم الحسرة، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا ما منّ به الله
عليكم. وقيل: {يَوْمَ الحسرة} يوم يعطى كتابه بشماله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي A قال: " يجاء بالموت فيوضع بين الجنة والنار كأنه كبش أملح. قال فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت. قال: فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم، هذا الموت. ثم يؤمر به فيذبح. 4قال: فيقول: يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار، خلود بلا موت. ثم قرأ رسول الله A: { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة} الآية. وأشار بيده في الدنيا " يريد الغفلة في الدنيا. وكذلك رواه أبو هريرة عن النبي A أنه قال: " يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط. وقال في أهل الجنة، فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من
مكانهم، وقال في أهل النار، فيطلعون فرحين مسرورين، رجاء أن يخرجوا من مكانهم. وقال فيذبح على الصراط ". قال ابن عباس: " يصور الله الموت كأنه كبش أملح. فيذبح، فييأس أهل النار من الموت، فلا يرجونه، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار، ويأمن أهل الجنة الموت، فلا يخشونه ". وقال ابن عباس: " يوم الحسرة " من أسماء يوم القيامة، عظّمه الله وحذره عباده. ومعنى: {إِذْ قُضِيَ الأمر} إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها ولأهل الجنة بالخلود [فيها]. / وقوله: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} أي: هؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل بهم يوم القيامة. {وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي: لا يصدقون بآيات الله ولا بالرجوع إليه يوم القيامة. ثم قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا} أي: نفني من على الأرض، فتبقى لا مالك لها غيرنا. {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}.
اي: يرد هؤلاء المشركون وغيرهم، فيجازي كلاً بعمله. والمعنى: إلى حكم الله يرجعون وقضائه فيهم ومجازاتهم. لم يرد برجوعهم إليه، إلى مكانه، ولا إلى ما قرب منه، إنما رجوعهم إلى جزائه وحكمه فيهم. وكذلك كل ما شابهه. {قُضِيَ الأمر} وقف، إلا أن يجعل " وهم في غفلة " في موضع الحال فلا يقف على ذلك. والتمام " يؤمنون ". ثم قال تعالى: {واذكر فِي الكتاب إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً}. أي: أتل على هؤلاء قصص إبراهيم وأبيه التي أخبرناك بها في الكتاب المنزل عليك، وكذلك معنى قوله: {واذكر فِي الكتاب} في كل موضع، إنما معناه اذكر لقومك ما أنزل عليك في القرآن من قصة إبراهيم، وموسى وغيرهما. {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} أي: كان من أهل الثدق في حديثه وأخباره ومواعيده. " نبيئاً " أي: تنبأه الله وأوحى إليه. ولا يوقف على " نبي " لأن " إذ " متعلقة بما قبلها. {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يا أبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ}. أبتِ عند سيبويه لا تقع بالتأنيث إلا في النداء. ويكون للمذكر والمؤنث. و " التاء " عنده عوض من ياء الإضافة. ولذلك لا يجمع بينهما. ووقف ابن كثير بالهاء،
وجميع القراء غيره يقفون بالتء، لأنه مضاف في التقدير. وقرأ ابن عامر بفتح التاء على تقدير يا أبتاه، فحذف الهاء لأنه واصل وحذف الألف كما تحذف ياء الإضافة، لأنها بدل منها. وقيل: إنه أبدل من كسرة " التاء " فتحة، ومن " الياء " التي كانت في الأصل ألفاً. ثم حذف الألف، إذ لا يجمع بين الياء والتاء، والألف عوض من الياء. فكما لا تثبت الياء مع التاء، كذلك لا تثبت الألف التي هي عوض من الياء. وهذا القول أشبه من الأول، وفيهما نظر. وقوبه: {مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ} يعني الأصنام، لا يسمعك إذا دعوته، ولا بيبصرك إذا أجبته ولا يغني عنك شيئاً: إن نزل بكل أمر أو ضر لم ينفعك ولا دفع عنك شيئاً. ثم قال: {يا أبت إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ العلم مَا لَمْ يَأْتِكَ}. يعني: الوحي الذي أوحى الله إليه. {فاتبعني} أي: أقبل قولي، وما أدعوك إليه.
46
{أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} أي: أبصرك وأرشدك الطريق المستوي الذي لا تضل فيه إن لزمته. ثم قال: {يا أبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان}. أي: لا تطعه فيم أمرك به فتكون بمنزلة من عبده. {إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً}. أي: عاص. و " عصياً "، فعيل بمعن فاعل. لام الفعل " ياء " أدغمت فيها " ياء " فعيل. ثم قال: {يا أبت إني أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرحمن} الآية. . . أي: إني أعلم أنك، إن منت على عبادة الشيطان، أن العذاب يمسك فتكون للشيطان ولياً دون الله. فالخوف هنا بمعنى العلم. كما تقع الخشية بمعنى العلم في قوله: {فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً} [الكهف: 80]. قوله تعالى ذكره: قال {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبراهيم} إلى قوله {أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً}. أي: قال أبوه له حين دعاه إلى الإيمان وترك عبادة الشيطان، أراغب أنت عن عبادة آلهتي يا إبراهيم. {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ} عن ذكر آلهتي بالسوء وغبتك عن عبادتها لأرجمنك " أي: لأسبنك، قاله قتادة والسدي وابن جريح.
وقيل معناه: لأقتلنك. وقيل معناه: لرجمنك بالحجارة. ثم قال: {واهجرني مَلِيّاً} أي: واهجرني يا إبراهيم حيناً طويلاً. قاله: مجاهد والحسن وعكرمة. ف " ملياً " ظرف. وقال ابن عباس: معناه: واهجرني سالماً من عقوبتي إياك، وقاله: قتادة والضحاك. ف " ملياً " على هذا نصب على الحال من إبراهيم، واختار الطبري هذا القول، واختار النحاس القول الأول. و" أراغب " رفع بالابتداء، و " أنت " فاعل سد مسد الخبر، ويجوز أن يكون "
أنت " مبتدأ، و " أراغب " خبره مقدم عليه، وحسن رفع " أراغب " بالابتداء لاعتماد على ألف الاستفهام الذي معناه التقرير. ثم قال تعالى: {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي}. أي: قال إبراهيم لأبيه حين توعده، وامتنع من الإيمان بما جاء به: سلام عليك " أي: أمنة مني لك ان أعادوك فيما كرهت، ولكن سأستغفر لك ربي أي: أسأل لك ربي أن يستر عليك ذنوبك {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} أي: إن ربي عهدته / بي لطيفاً، يجيب دعائي إذا دعوته. قال ابن عباس وابن زيد: " حفيّاً " لطيفاً يقال حفي به إذا بره ولطف به. قال السدي: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ} أخره إلى السحر. {ياإبراهيم} تمام عند نافع. وإن شئت ابتدأت يا إبراهيم. و" سلام عليك " تمام عند ابي حاتم. و " لك ربي " عند غيره التمام. ثم قال تعالى: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله}. أي: وأجتنبكم وعبادة
ما تدعون [من دون الله] من أوثانكم وأصنامكم. و {وَأَدْعُو رَبِّي} بإخلاص العبادة له {عسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً} أي: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله}. لي: فحين اعتزل إبراهيم قومه وعباده ما يعبدون من دون الله. {وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} أي: آنسنا وحشته لما فارق قومه، فوهبنا له إسحاق، وابنه يعقوب. {وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً}. أي: وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، جعلناهم أنبياء. روي أنه خرج عنهم إلى ناحية الشام بإذن الله له. ثم قال: {وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا}. أي: ووهبنا لجميعهم من رحمتنا. وهو ما بسط لهم من الرزق في الدنيا. {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} أي: ورزقناهم الثناء الحسن والذكر الجميل من الناس إلى قيام الساعة. قوله: " ويعقوب " وقف. و " نبيئاً " أحسن منه و " علياً " أحسن منهما.
ثم قال: {واذكر فِي الكتاب موسى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً}. أي: واقصص على قومك يا محمد نبأ موسى، إنه كان مخلصاً لله عبادته وأعماله كلها. هذه على قراءة من كسر " اللام " في " مخلصاً " ومن فتحها فمعناه: إنه كان مختاراً اختاره الله لكلامه ورسالته. {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} أي: أرسله الله إلى نبي إسرائيل، وتنبأه. ثم قال تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطور الأيمن} أي: وكلمناه من جانب الجبل الأيمن، قاله قتادة. وقال الطبري: يعني يالأيمن هنا: يمين موسى، لأن الجبل لا يمين له ولا شمال. {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً}، أي: وأديناه مناجياً. قال ابن عباس: إن الله D أدناه حتى سمع صريف القلم. وقال أبو صالح: قربه حتى سمع صريف القلم.
وعن مجاهد في معنى {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} قال: بين السماء الرابعة أو قال السادسة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة، فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب وسمع صريف القلم، وقال: أرني أنظر إليك. وقال قتادة: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} (نجا بصدقه). وقيل معناه: قربناه في الكرامة والرفعة في منزلة رفيعة، لأن الله تعالى ذكره وجلّ ثناؤه وليس بمحدود، فيكون بعض الأجسام أقرب إليه من بعض. فهو كلام فيه توسع. فقد يقرب الرجل عبده بإكرامه له، وإن بعد منه ويبعد عبده الآخر بإهانته له وإن قرب مكانه منه، فذلك شائع في اللغة. والمعنى: إنا رفعنا بكلامنا له.
54
ثم قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً}. أي: وهبنا لموسى - رحمة منا له - أخاه هارون نبياً. اي: أيدناه بنبوته. قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد أنه وهب له نبوته. قوله تعالى: {واذكر فِي الكتاب إِسْمَاعِيلَ} إلى قوله: {سُجَّداً وَبُكِيّاً}. المعنى: واقصص عليهم يا محمد، نبأ إسماعيل، إنه كان صادق الوعد، أي: لا يخلف وعده. قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها. وقيل: إن هذا مما يدل على أنه هو الذبيح، لأنه وعد من نفسه الصبر على الذبح، فصبر حتى فداه الله. قال سهل بن عقيل: وعد إسماعيل رجلاً مكانه أن يأتيه، فجاءه إسماعيل، ونسي الرجل، وظن أنه قد اشتغل، فبات إسماعيل في المكان حتى جاء الرجل من الغد. فقال له الرجل: ما برحت من ها هنا؟ فقال إسماعيل: لا والله. فقال الرجل: إني
نسيت. فقال إسماعيل إني لم أكن لأبرح حتى تأتينَي، فذلك قوله " كان صادق الوعد ". وروي أن إبليس اللعين تمثّل له، فوقع بينهما موعد ألا يبرح إسماعيل حتى يعود إليه. فكان في اعتقاد إسماعيل أن ينتظر سنة فأتاه جبريل A فأعلمه أنه إبليس، فذهب وأرسله الله إلىجرهم. وقوله: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكاة}. يعني أمته كلها، ذات نسب وغير ذات نسب. {وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} /. أي: محمداً فيما كلفه، غير مقصر. و " مرضي " مفعول، والأصل فيه عند سيبويه. " مرضو ". ولكن أبدلوا من الواو لأنها أخف، ولأنها واو قبلها ضمة، وليس ذلك في كلامهم فأبدل ولم يعتد بالساكن الذي قبل الواو المضمومة. ومثله قولهم مسنية، أصلها مسنوة. وقال الكسائي والفراء: من قال: " مرضى " بناه على رضيت وقالا وأهل
الحجاز يقولون " مرضو ". وحكايا أنَّ من العرب من يُثني رضا على رضوان، ورضيان، وربوان، وربيان. فمرضي على رضيان. ومرضو على رضوان. ولا يعرف البصريون في التثنية إلا رضوان بالواو. وربوان بالوا. ثم قال تعالى: {واذكر فِي الكتاب إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً}. أي: واقصص نبأ إديس، إنه كان لا يقول إلا الحق فيما يوحى إليه، وفي غيره " نبيئاً " تنبأه الله. كان إدريس خياطاً، وكان كلما وخز وخزة بالإبرة سبّح الله وهو أول من خاط الثياب، وبينه وبين آدم خمسة آباء. ثم قال: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قال كعب: أوحى الله إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل بني آدم، فأحب أن يزداد عملاً فأتاه خليل له من الملائكة، فقال: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت فليؤخرني حتى أزداد عملاً، فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدراً، فلكم ملك الموت في الذي كلّمه فيه إدريس فقال: وأين إدريس؟ فقال هو ذا على ظهري. فقال ملك الموت: فالعجب، بعثت، وقيل لي: اقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض، فجلعت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في
الأرض. فقبض روحه هناك، فذلك قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}. وقيل: إن الله جلّ ذكره جعله في السماء الرابعة قاضياً كالملك في وسط ملكه وجعل خزائن السموات بيده. وقيل: رفع إلى السماء السادسة. وقال مجاهد: رفع إدريس ولم يمت كما رفع عيسى. وقال مجاهد: وقتادة: رف إلى السماء الرابعة. وروى قتادة عن أنس أن النبي A قال لما عرج به إلى السماء، قال: " أتيت على إدريس في السماء الرابعة ". وقيل: {مَكَاناً عَلِيّاً} عنى به في النبوة والعلم.
وسأل ابن عباس كعباً عن إدريس وما يجد من خيرة في التوراة فقال: إن في كتاب الله أن إدريس كان يعرج بعمله إلى السماء، فيعدل عمله عمل جميع أهل الارض. فأستأذن فيه ملك من الملائكة أن يؤاخيه، فأذن الله له أن يؤاخيه، فسأله إدريس؟ أي أخي، هل بينك وبين ملك الموت إخاء؟ قال: نعم، ذلك أخي دون الملائكة، وهم متآخرون كما يتآخى بنو آدم فقال: هل لك أن تسأله كم بقي من عمري لكي أزداد في العمل؟. قال إن شئت سألته وأنت تسمع. قال: فحمله الملك تحت جناحيه حتى سعد به إلى السماء [فقال لملك الموت] أي أخي، كم بقي من أجل إدريس؟ فقال: ما أدري حتى أنظره قال: فنظر فقال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من أجله إلا طرفة عين. فنظر الملك تحت جناحه، فإذا إدريس قد قبض وهو لا يشعر. ذكر ذلك ابن وهب.
وروى ابن وهب أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إن إدريس أقدم من نوح، بعثه الله إلى قومه فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله ويعملوا بما شاءوا فأبوا، فأهلكهم الله. وروى أن ادريس سَار ذات يوم في حاجته فأدركه وهج الشمس فقال: يا رب، إني مشيت في الشمس يوماً. فآذاني حرّها، فكيف بمن يحملها مسيرة خمس مائة عام في يوم واحد، اللهم خفف عن من يحملها، واحملعنه حرها. فلما أصبح الملكم، وجد خفة فسأل الله عن ذلك، فأعلمه أن إدريس دعا له في ذلك، فسأل الله أن يجمع بينه وبينه، وأن يجعل بينه وبينه خلة، فأذن الله له في ذلك. ثم قال تعالى: {أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين}. المعنى: أولئك الذين قصصت عليك، أنبأهم، هم الذي أنعم الله عليهم بتوفيقه، فهداهم لطريق الرشد من الأنبياء {مِن ذُرِّيَّةِءَادَمَ}. يعني إدريس. و {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} (أي ومن ذرية من حملنا مع نوح في الفلك، يعني: إبراهيم). {وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ} يعني من ذرية إبراهيم وإسماعيل من ذرية إبراهيم، ومن ذريته أيضاً هارون وموسى، وزكريا، وعيسى، وأمه. / {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا} للإيمان والعمل الصالح.
{واجتبينآ} أي: واصطفيا للرسالة والواحي. ثم قال تعالى: {إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرحمن}. أي: أدلته وحججه التي أنزلها في كتابه. {خَرُّواْ سُجَّداً} أي خضعاً. {وَبُكِيّاً} أي باكين. فبكى يجوز أن يكون مصدراً لبكى يبكي بكياً. بمعنى: بكاء. ويكون أصله بكوياً. كجلس يجلس جلوسا. ثم نقل ورد إلى الياء، على أصل اجتماع الواو والياء. والأول ساكن، وبكسر ما قبلها، لأنه ليس من كلامهم ياء سكانة قبلها ضمة، من كسر أوله، اتبع الكسر الكسر والياء. ويجوز أن يكون جمع باكٍ على فعول، كما قالوا شاهدوا وشهود. فأما العتي والجثي فهما جمع جاث وعات على فعول، ثم غير ما تقدم في " مرضي ". لأن لامه واو. فهو مخالف لبكياً. إذ لامه ياء، ولام جثياً وعتياً واو، لأن ذلك من بكى يبكي، وهذين من جثا يجثو،
59
وعتا يعتو، فقس على هذا ياءات هذه السورة وغيرها. وقرأ عمر بن الخطاب Bهـ سورة " مريم " فسجد فقال " هذا السجود، فأين البكي " وهذا يدل على أنه مصدر لا جمع يريد به فأين البكاء. قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاة}. إلى قوله: {وَعْدُهُ مَأْتِيّاً}. المعنى: فخلف من بعد من ذكرنا من الأنبياء، خلف سوء خلفوهم في الأض. يقال في الردئ " خَلْف " بإسكان اللام، وفي الصلاح " خَلَفْ " بتحريك اللام. وعن أبي إسحاق ضد هذا. والأول أشهر. ثم قال: {أَضَاعُواْ الصلاة واتبعوا الشهوات} أي أخروا الصلاة عن مواقيتها، ولم يتركوها، ولو تركوها لكان كفراً. قاله عمر بن عبد العزيز: وهو معنى قول ابن مسعود. وكذلك قال ابن مسعود: في قوله تعالى ذكره: {الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 5] إنه تأخيرها عن
وقتها. قال مسروق: لا يحافظ على الصلوات الخمس أحد فيكتب من الغافلين. وروى الخدري أن النبي A قال: " الخلف من بعد ستين سنة ". قال أبو محمد مكي Bهـ: وقد ذكر الجعفي في تفسيره عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: هم ناس يظهرون في آخر الزمان من قبل المغرب، وهم شر من يملك، وذكر اسمهم. وعن مجاهد، أن الخلف هنا النصارى بعد اليهود. رواه ابن وهب، وهو ظاهر الآية لأن بعده " إلا من تاب وآمن " فذكره لشرط الإيمان مع التوبة يدل على أنهم لم يكونوا مؤمنين. وقوله: {واتبعوا الشهوات} قيل: معناه: اتبعوا شهواتهم فيما حرّم الله عليهم.
وقال القرظي: أضاعتهم لها، تركها وهذا القول اختيار الطبري لقوله بعد ذلك: {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} فلو كان المضيعون مؤمنين لم يقل: " إلا من تاب وآمن " ولكنهم كانوا كفاراً بتركهم للصلاة والزكاة. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يكونون عند قيام الساعة، وذهاب صالحي امة محمد A، ينزو بعضهم على بعض في الآزقة زنا. وقال عطاء: هم من أمة محمد عليه السلام. ثم قال تعالى: {فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً}. يعني: وادياً في جهنم قاله ابن عمر. وعنه أنه قال: هو نهر في جهنم، خبيث الطعم بعيد القعر. وقال ابن عباس: غياً: خسراناً.
وقال ابن زيد: " غياً " شراً. والتقدير: فسوف يلقون جزاء الغي، كما قال يلق آثاماً أي: جزاء الآثلام. وقيل: سمي الوادي غياً لأن الغاوين يصيرون إليه. وقيل: المعنى: " فسوق يلقون غياً ". أي: خيبة من الجنة، والثواب الذي يناله المؤمنون، وعذاباً في النار. و" الغي " في اللغة " الخيبة. ثم استثنى فقال: {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة} دون أولئك. {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً}. أي: ولا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئاً. ثم بيّن موضع الدخول فقال: " جنات عدن " أي: إقامة. {التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب} أي: وعدهم بها، وهم لم يروها فصدقوا بذلك. {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً}. الوعد هنا بمعنى الموعود. كما قالوا: الخلق بمعنى المخلوق.
62
و " مأتياً " أي: ياتيه أولياؤه، وأهل طاعته. وقيل " مأتياً ": هو مفعول بمعنى فاعل. قاله ابن قتيبة واستبعده النحاس، وهو عنده/ مفعول من الإتيان، لأن كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه. قوله تعالى ذكره: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} إلى قوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً}. أي: لا يسمعون في الجنة لغواً وهو الهدر والباطل من القول. {إِلاَّ سَلاَماً} أي: تحييهم الملائكة من كل باب بالسلام. وقوله: " إلا سلاماً " استثناء ليس من الأول. وقيل: هو بدل من لغو. ثم قال تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً}. أي: لهم ما يشتهون من المطاعم، قدر وقت البكرة ووقت العشي من نهار الدنيا. إذ لا ليل في الجنة ولا نهار. قال مجاهد: ليس " بكرة " ولا " عشي " ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. خاطبهم الله بأعظم ما كان في أنفسهم من العيش.
وكانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء عجب به فأخبرهم الله أن لهم في الجنة ذلك الذي يعجبهم. وقال زهير بن محمد: " ليس في الجنة ليل. هم في نور أبداً ولهم مقدار الليل والنهار. يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب. ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب ". وقيل: معنى الآية: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً}. مقدار ما يكفيهم لكل ساعة ولكل وقت يريدون فيه الأكل. ثم قال تعالى: {تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً}. أي: الجنة التي وصفت، هي التي تورث مساكن أهل النار فيها. " من مكان تقياً " أي من اتقى عقاب الله، فأدى فرائضه واجتنب محارمه. قال إبراهيم بن عرفة: وعد الله بالجنة كل من اتقى، وأرجو أن يكون كل موحد من أهل التقية - إن شاء الله - ولن يهلك مؤمن بين توحيد الله، وشفاعة
نبيه A. وقيل: " التقي ": الذي قد أكثر من اتقاء معاصي الله ومحارمه. ثم قال تعالى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ}. هذه الآية نزلت لما استبطأ النبي A الوحي. قال ابن عباس: قال النبي A لجبريل عليه السلام: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزرونا، فنزلت {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ}. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: احتبس جبريل عن النبي A بالوحي فيما سأله المشركون عنه من خبر الفتية وخبر الطواف، وعن الروح، وقد كان قال لهم النبي A سأخبركم غداً، ولم يستثن. فأبطأ عنه الوحي أربعين يوماً. ثم نزل جبريل عليه السلام: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله} [الكهف: 23 - 24]، فوجد النبي A من ذلك، وحزن فأتاه جبريل عليه السلام، فقال: يا رسول الله {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} الآية. وكذلك قال قتادة ومجاهد والضحاك باختلاف لفظ واتفاق معنى. ثم قال تعالى: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلك}.
معناه: أبي العالية: ما بين أيدينا من الدنيا وما خلفنا من الآخرة " وما بين ذلك " ما بين النفختين. وقال ابن عباس: " ما بين أيدينا " الآخرة " وما خلفنا " من الدنيا. وكذلك قال قتادة، إلا أنه قال: " وما بين ذلك "، ما بين الدنيا والآخرة. وُرُوِيَ عن معمر: " ما بين ذلك " ما بين النفختين. وكذا قال الضحاك. وقال ابن جريج: " ما بين أيدينا " ما مضى أمامنا من أمر الدنيا، و " ما خلفنا، " ما يكون بعدنا من الدنيا والآخرة، " وما بين ذلك " ما بين ما مضى أمامهم وما بين ما يكون بعدهم. وقال الأخفش " ما بين أيدينا ": ما كان قبل أن نخلق " وما خلفنا " ما يكون بعد أن تموت " وما بين ذلك " منذ خلقنا إلى أن نموت.
65
وقال ابن جبير: " ما بين ذلك " ما بين الدنيا والآخرة، يعني البرزخ. فيكون المعنى: فلا استبطاء يا محمد في تخلفنا عنك، فإنا لا نترك إلا بأمر ربك لنا بالنزول بما هو حادث من أمور الآخرة، وما قد مضى من أمر الدنيا، وما بين هذين الوقتين. وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} أي ذا نيسان، فيكون تأخر نزولنا من أجل نسيانه إياكز قال مجاهد " {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} أي ما نيسك. قوله تعالى ذكره: {رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا} إلى قوله: {أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً}. أي: وما كان ربك - رب السماوات والأرض وما بينهما - ذ نيسان، " فاعبده " أي: الزم طاعته. {واصطبر لِعِبَادَتِهِ} أي: اصبر نفسك على العمل بطاعته. {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} أي: مثلاً وشبهاً في جوده وحلمه وكرمه وطوله. قاله ابن عباس وقتادة/ ومجاهد وابن جبير.
وعن ابن عباس أن معناه: هل تعلم يا محمد أحداً يمسى الرحمن سواه. وقيل: هل تعلم أحداً يقال له الله غيره. وقل المعنى: هل تعلم أحداً قال له رب السماوت والأرض وما بينهما غيره. وقيل: المعنى: هخل تعلم أحداً يجوز أن يكون إلهاً معبوداً غيره. ثم قال تعالى: {وَيَقُولُ الإنسان أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً}. أي: ينكر الإنسان الكافر البعث، فيقول: أنبعث، إذا ما مت، إنكاراً منه للبعث. فقال الله تعالى لنا: {أَوَلاَ يَذْكُرُ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} أي: فكما خلقناه من غير شيء، وأوجدناه من عدم، كذلك نحييه بعد مماته. وهذا مثل قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} [يس: 78] فكان الجواب {قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79] والرؤية بمعن العلم في هذا. أي: أولم يعلم الإنسان ذلك من حدوثه قبل أن لم يكن شيئاً. ولا يجوزك أن تكنون من رؤية البصر، لأن الإنسان لم ير نفسه وقت خلقه. والوقف على " حياً " بعيد، لأن " أولاً " معطوف، دخل عليه ألف الاستفهام للتوبيخ. وقيل: إن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه. ثم هي في كل من كان
مثلهم من الكفار المنكرين للبعث. ودخلت اللام في " لسوف " للتأكيد جواباً لقول قيل للإنسان، كان النبي A قال له: (إذا ما مات لسوف تبعث حياً). فقال إنكاراً للبعث، وجواباً لما قيل له: " أئذا ما مت لسوف أبعث " فأتى باللام في الجواب، كما كانت في القول ولو كان مبتدئاً بذلك لم تدخل اللام، لأن اللام للتأكيد والإيجاب، وهو مكر للبعث، فلا يصلح دخول اللام في غير مكر لخبره، فإنما دخلت في هذا لمجازاة ما قبل له. أدخل اللام في الجواب كما دخلت في القول الذي أجاب عنه. ثم قال: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين}. أي: لنحشرن هؤلاء المنكرين للبعث مقرنين بأوليائهم من الشياطين. {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً}. أي: على ركبهم، وهو جمع جاث. وأصله جثو، مثل: قاعد وقعود، ثم أبدل من الواو ياء لأنها ظرف على ما تقدم في " مرضياً ". وقيل: " جثياً " قعوداً لا يقدرون عل القيام لشدة هول ما يرون. روى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: " سمعت النبي A يقول: إنكم
[ملاقو] الله حفاة عراة مشاة عزلاً " قال ابن جبير: يحشرون حفاة عراة، فأول من يكسى خليل الله ابراهيم عليه السلام. وعن النبي A أنه قال: " كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم " ثم قال تعالى: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً}. أي: ثم لنأخذنّ من كل جماعة أشدهم على الرحمن عتواً وتمرداً. يعني الأكابر فالأكابر جرماً. والجبار فالجبار. والمعنى: نبدأ بتعذيب أعظمهم جرماً ثم الذي يليه ثم الذي يليه. قال مجاهد: " من كل شيعة ": من كل أمة. والشيعة: الجماعة المتعاونون على الأمر: فالتقدير: لنأخذن من كل أمة تعاونت على الكفر أشدهم كفراً ثم الذي يليه. " أيهم " رفع عند الخليل على الحكاية. أي لننزعنّ الذي يقال له من أجل عتوه أيهم أشد. ومعناه: لننزعن من كل فرقة الأعتى فالأعتى، عذب أولاً أشدهم كفراً ثم
الذي يليه. ومذهب يونس أن " لننزعن " معلق. " وأيهم " رفع بالابتداء وليس هذا الفعل مما يجوز أن يعلق عند غيره. ومذهب سيبويه أن " أيهم " مبنية على الضم، لأنها خالفت أخواتها في الحذف، لأنك لو قلت رأيت الذي أفضل منك، ومررت بمن أفضل منك قبح، وذلك حسن في " أيهم " فخالفت أختها بحسن حذف الصلة بعدها، فبنيت على الضم. وقد خطيء سيبويه في هذا القول، لأن مذهبه أنه إنما أعرب " أيا " إذا انفردت من أجل أنها تضاف. فكيف يعربها من أجل أنها تضاف ويبينها وهي مضافة. وقال الكسائي: " لننزعن " واقع على المعنى. كم تقول: لبست من الثياب، وأكلت من الطعام. فترفع " أيهم " بالابتداء.
70
وقال الفراء: المعنى: " لننزعن " بالنداء، فيكون معنى " لننزعن ": لننادين. وهذا يتعلق، ولا يتعدى، فحسن الرفع بالابتداء، إذ هو في موضع فعل يجوز أن يعلق عن العمل. أعني " لننزعن " وقع موقع " لننادين ". ونادى/ فعل يعلق عن العمل إذا كان بعده جملة. فلا يعمل في اللفظ ويعمل في المعنى كظننت وحسبت. وقال بعض الكوفيين في " أي " معنى الشرط والمجازاة فلذلك لم يعمل فيها ما قبلها. وقال المبرد: " أيهم " متعلقة بشيعة لا بننزعن. والمعنى: ثم لننزعن من الذين تشايعوا أيهم. أي: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم أشد. فيكون المعنى على هذا ثم لننزعن من هؤلاء الذين فعلوا هذا الذي وصف عنهم. قوله تعالى ذكره: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً} إلى قوله {فِيهَا جِثِيّاً}. أي: ثم لنحن أعلم بالذين ننزعهم من كل شيعة فيقدمهم إلى العذاب فيصلونه. " وصلياً " مصدر صلى يصلي صلياً، على فعول وأصله صلوي: ثم أعل وكسرت اللام. ثم قال: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً}. المعنى: وإنّ من هؤلاء القوم، الذين هذا القول المتقدم قولهم في البعث، إلا وارد
جهنم. {ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا}. أي: اتقوا الشرك، وأمنوا بالبعث، فهي مخصوصة فيمن تقدم ذكره على هذا القول. وقيل: هي عامة. والمعنى: ما منكم أحد إلا يرد جهنم. كان ذلك على ربك يا محمد قضاء مقضياً في أم الكتاب. وقال ابن مسعود وقتادة معناه: قضاءً واجباً. قال ابن عباس: الورود، الدخول. واحتج بقوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} وبقوله تعالى: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار} وقل محتجاً للدخول: دخل هؤلاء؟ أم لا؟. وقاله ابن جريج. وقاله ابن عباس: يردها البر والفاجر. وقيل: إنهم يردونها وهي خامدة.
وعن كعب أنه قال: تمسك النار للناس كأنها متن أهالة، حتى تستوي عليها أقدام الخلق، برّهم وفاجرهم. ثم ينادي بها مناد امسكي أصحابك ودعي أصحابي. فتخسف بكل ولي لها. فلهي أعلم بهم من الرجل بولده، وخرج المؤمنون ندية ثيابهم. وقال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنة جهنم مسيرة سنة. وقال ابن مسعود: الورود: الدخول. وقال قتادة: هو الممر عليها. وقيل: الورود هو الجواز على الصراط. والصراط على شفير جهنم مثل حد السيف. فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة، كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم. ثم يمرون، والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم. وعن ابن عباس، أن الورود الدخول، ولكن المخاطبة للكفار خاصة. وذلك قال عكرمة.
وقال ابن زيد: الورود عام، للمسلم والكافر، إلا أن ورود المؤمن المرور. ودل على هذا أن ابن عباس وعكرمة قرآ: وإن منهم إلا واردها يريدان الكفار برد الهاء والميم على ما تقدم من ذكر الكفار. وقرأ ابن عباس وعلي بن أبي طالب Bهما: {ثُمَّ نُنَجِّي الذين} بفتح التاء. إلا أن عليا قرأ " تَنحَّى بالحاء " وكذلك قرأ ابن أبي ليلى بفتح التاء. فورود المؤمن على الجسر بين ظهريها، وورود الكافر الدخول. وعن النبي A أنه قال: " الزالون والزالات يؤمئذٍ كثيرة وقد أحاط بالجسر سماطان من الملائكة، دعواهم يومئذٍ يا الله سلم سلم ". وقال مجاهد: " الحمى حظ كل مسلم من النار. وقال أبو هريرة: " خرج رسول الله A يعود رجلاً من أصحابه وعكَ، وأنا معه.
فقال: إن الله جلّ ذكره يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة ". وقال السدي: يردونها كلهم، ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم. وروت حفصة، " أن النبي A: قال إني لأرجو أن لا يدخل أحد شهد بدراً والحديبية. قالت: فقلت: يا رسول الله، أليس الله جلّ وعزّ يقول: " وإن منكم إلا واردها؟ قال لها: أولم تسمعيه يقول: " ثم نُنَجي الذين اتقوا ". وقيل: المعنى: وإن منكم إلا وارد القيامة. وهذا اختيار الطبري ودل على هذا قوله: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} [الأنبياء: 102] وقوله: {أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101]. ودل على هذا أيضاً قوله تعالى/ قبل الآية " {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين}
فالحشر إنما هو في القيامة. وروى ابن وهب عن زيد بن أسلم أنه قال في تفسير الورود: " وإن منكم يا أهل هذا القول إلا وارد جهنم ". يعني: الذين أنكروا البعث فقالوا: أإذا متنا لسوف نخرج أحياء إنكاراً منهم بالبعث. وقوله: {ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا} أي: ننجيهم من ورودها فلا يردونها. وقيل: معناه: وإن منكم إلاّ يحضر جهنم ويعاينها، لا يدخلها إلا من وجب عليه دخولها. ودليله قوله: {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} [القصص: 23] فهو لم يدخل الماء، إنما حضر قرب الماء وعاينه، لم يدخله فكذلك هذا، يحضرون كلهم جهنم ويعاينونها وينجي الله من دخولها المتقين وهو قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا}. ثم قال: {ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا}. أي: ننجي من النار بعد الورود الذين اتقوا الله وأدوا فرائضه، واجتنبوا محارمه. ثم قال: {وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً} أي: وندعهم في النار بروكاً على ركبهم. كذا قال قادة. وقال: إن الناس يردون جهنم وهي سوداء مظلمة، فأما المؤمنون فأضاءت لهم حسناتهم فأنجوا منها، وأما الكفار فأوبقتهم أعمالهم واحتبسوا بذنوبهم. قال ابن زيد: لا يجلس الرجل جاثياً إلا عند كرب ينزل به.
73
قوله تعالى: {وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بينات} إلى قوله: {وَأَضْعَفُ جُنداً}. المعنى: أن الكفار من قريش كانوا إذا تلا عليهم النبي A آيات القرآن، قالوا للذين آمنوا (أي الفريقين منا ومنكم خير مقاماً) أي: خير موضع إقامة، وهي مساكنهم " وأحسن ندياً " أي [مجلسا]. يتركون التفكير في آيات الله والاعتبار بها ويأخذون في التفاخر بحسن المسكن وحسن المجلس. قال ابن عباس: " المقام " المسكن. و " الندي " المجلس. يقال: ندوت القوم أندوهم ندواً، إذا جمعتهم في مجلس [واحد]. ومنه دار الندوة المتصلة بالمسجد الحرام، لأنهم كانوا يجتمعون فيها إذا كربهم أمر. ومنه قوله: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر} [العنكبوت: 29] ومنه {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} [العلق: 17] أي أهل مجلسه. ويقال: هو في ندي قومه، وفي ناديهم بمعنى: مجلسهم وندي: جمع أندية. ثم قالت تعالى ذكره: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ}. أي: وكثيراً يا محمد أهلكنا من القرون هم أحسن أثاثاً ورِئْيا قبل هؤلاء القائلين للمؤمنين: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً. قال ابن عباس: " الأثاث ": المتاع. " والرئي: المنظر. أي: أحسن متاعاً وأحسن مرئى ومنظراً من هؤلاء فأهلك الله أموالهم،
وأفسد صورهم وكذلك قال ابن زيد ومجاهد: " الأثاث: المتاع و " الرئي ": المنظر. وقال معمر: أحسن أثاثاً: أحسن صوراً. ورئياً: أموالاً. وروي عن ابن عباس: " أحسن أثاثاً وزياً " بالزاي. وقرأ طلحة " ورياً " خفيفة الياء من غير همز. ومن شدد الياء، جعله من رأيت، ولكن خفف الهمزة، فأبدل وأدغم. ويجوز أن يكون من رويت روية ورياء فيكون معناه أيضاً منظراً، لأن العرب تقول: ما أحسن روية فلان في هذا الأمر؟. . إذا كان حسن النظر فيه، والمعرفة به. ويجوز أن يكون من ري الشارب. فيكون المعنى أن جلودهم مرتوية من النعمة.
وأجاز الأخفش أن يكون من ري المنظر. ومن همز جعله من رؤية العين. " والأثاث " جمع واحدة أثاثه كالحمام والسحاب. هذا مذهب الأخفش. وقال الفراء: لا واحد له كالمتاع. ثم قال تعالى: {قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً}. أي: قل يا محمد لهؤلاء القائلين - إذا تتلى عليهم آياتنا بينات - أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً من كان من ومنكم في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً. فهو لفظأ مر، ومعناه الخير. جعل الله جزاء ضلالته في الدنيا أن يطول فيها، ويمد له كما قال تعالى: {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110]. لأن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر، كأن المتكلم يلزمه نفسه، كأنه يقول: أفعل ذلك وآمر نفسي به، فهو أبلغ. فلذلك أتى به على الخبر. ومعناه: فليعش ما شاء، وليوسع لنفسه في العمر، فإن مصيره إلى الموت والعذاب.
قال ابن نجيح معناه: فليدعه في طغيانه. ثم قال تعالى: {/حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العذاب}. يعني به النصر، فيعذبوا بالقتل والسبي. " وإما الساعة " يعني يوم القيامة، فيصيرون إلى النار. و " إما " للتخيير. وهي عند المبرد إن زيدت عليها " ما ". واستدل على ذلك أن الشاعر إذا اضطر، جاز له حذف " ما ". وليست عند غيره إلا حرفاً واحداً. ولم يختلفوا فيها في العطف أنها حرف واحد. وقال أبو العباس: إذا قلت ضرب ما زيداً وإما عمراً، فالأولى دخلت لبنية الكلام على الشك، والثانية للعطف. وقال ابن كيسان: " أما ": للشك والتخيير، والواو هي العاطفة. وأجاز الكسائي: إما زيد قائم على النفي يجعل " إما " بمنزلة " ما ". وأجاز الفراء أن تأتي " إما " مفردة بمنزلة " أو ". قوله: {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً}.
76
أي: مسكناً، منكم ومنهم. {وَأَضْعَفُ جُنداً} أهم؟ أم أنتم؟ يعني: إذا نصر الله المؤمنين. فأما قراءة طلحة، فإنما يجوز على تقدير. القلب وإلقاء حركة الهمزة على الياء بعد القلب. قوله تعالى: {وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى} إلى قوله: {وَيَأْتِينَا فَرْداً}. أي: ويزيد الله المؤمنين هدى، لأنهم يؤمنون بكل ما أنزل إليهم من الفرائض، ويصدقون بها، ويعملون بها، فهم في زيادة إيمان وهذا مثل قوله تعالى: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً}. . [التوبة: 124] الآية. وقيل: يزيدهم بإيمانهم بالناسخ والمنسوخ. وقيل: هو زيادة في اليقين يجعل جزائهم في الدنيا أن يزيدهم في يقينهم هدى. ثم قال تعالى: {والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً}. يعني: الأعمال الصالحات هي خير عند ربك جزاء لأهلها. {وَخَيْرٌ مَّرَدّاً} عليهم من مقامات هؤلاء المشركين في أنديتهم، وافتخارهم بها
في الدنيا. وقد تقدم ذكر الباقيات الصالحات، واختلاف العلماء في معناها في " الكهف ". وقد قيل: " الباقيات الصالحات " الإيمان والأعمال الصالحة وسماها باقية، لأنها تنفع أهلها في الدنيا والآخرة ولا تبطل كأعمال الكفار الذين لا يريدون بها ما عند الله. وروي " أن النبي A جلس ذات يوم فأخذ عوداً يابساً فحط ورقه، ثم قال: إن لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله يحططن الخطايا كما تحط ورق الشجر الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك بينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة. فكان أبو الدرداء، إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهللن الله، ولأكبرن الله، ولأسبحن الله حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون ". وإنما سميت هذه الكلمات بالباقيات الصالحات لأنها تبقى لأهلها حتى يردوا عليها في الجنة.
وروى أبو هريرة " أن النبي A قال: خذوا جنتكم خذوا جنتكم فقالوا: يا رسول الله، أمن عدو قد حضر؟ قال: لا، ولكن من النار. قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومنجيات، هن الباقيات الصالحات ". ثم قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً}. هذه الآية نزلت في العاص بن وائل السهمي. قال خباب: كنت قينا - والقين الحداد - قال: وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد A. قلت: والكله لا أكفر بمحمد A حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث؟ قلت: نعم. قال: فإنه سكون لي ثم مال وولد، فأقضيك. فأنزل الله جل ثناؤه {أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا. . .} الآيات إلى
{. . . فَرْداً}. وكذلك قال مجاهد: وقال ابن عباس: كان رجال من أصحاب النبي A يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوا يتقاضونه فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة فضة وذهباً وحريراً ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالاً وولداً، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله تعالى مثله في القرآن في قوله: {أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا}. إلى {فَرْداً}. ثم قال تعالى: {أَطَّلَعَ الغيب أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً}. أي: اعلم هذا القائل الغيب فقال ذلك عن علم/ غيب عنده؟ أم اتخذ عند الرحمن عهداً؟ أي: أم آمن بالله ورسوله وعمل بطاعته فكان له بذلك عهد عن الله فؤتيه ما يقوله له في الآخرة؟. قال قتادة: " عهداً " عملاً صالحاً قدمه. وقاله: سفيان.
وقيل: " العهد " التوحيد: " لا إله إلا الله ". وقيل: " العهد: الوعد. وقال عبد الله بن عمر: يقول الله تعالى يوم القيامة: من كان له عندي عهد، فليقم، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، فعلّمنا. فقال قولوا: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك عهداً في هذه الحياة الدنيا، إنك إن تكلني إلى عملي تقربني من الشر، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحتمك، فاجعلها لي عندك عهداً تؤديه إلى ايوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد. ثم قال تعالى: {كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ} المعنى: ليس الأمر كما قال أنه يؤتى في القيامة مالاً وولداً. قال أبو محمد ول " كلا " كتاب مفرد في القرآن، قد ألفناه وكتب عنا، ولذلك لم نشبع الكلام فيها ها هنا.
ثم قال: {كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ}. أي: سنكتب قوله، فنجازيه عليه، فنمد له من العذاب مداً. أي: نزيده زيادة من العذاب على قوله هذا. أي: نطول له العذاب غير ماله من العذاب على كفره. ثم قال: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ}. أي: نرث منه ماله وولده يوم القيامة {وَيَأْتِينَا فَرْداً} أي: وحده لا مال له، ولا ولد. وقوله: " ونرثه " هو، فعل من فعل يفعل بالكسر فيهما، كما جاء بالضم في الفعلين في مثل: ظرُف يظرُف. ونظيره: ورم يرم وومق يمق، ووري الزنديري، ووفق بأمره يفق، وورع يرع ووثق، يثق، ومنه وسع يسع ووطيء يطأ. وإنما فتح من أجل حرف الحلق، والدليل على أنه يفعل بالكسر في الأصل، حذف الواو منه في المستقبل. وبعدها فتحة، ولم يعتد بالفتحة، إذ هي غير أصلية، إنما أحدثها
81
حرف الحلق، والكسر هو الأصل، فلذلك حذفت الواو في المستقبل على أصل حذفها في: يزن، ويعد وشبهه. وقد أتت أربعة أفعال من السالم على يفعَل ويفعِل باللغتين في المستقبل وهي حسب يحسب، ونعم ينعم، ويبس يبس ويئس ييسأس. وحرف الجر، مقدر محذوف من المفعول الأول في " ونرثه " أي ونرث منه قوله. وفي حرف ابن مسعود، و " نَرِثُهُ ما عِنْدَهُ ". وقال ابن زيد: " وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ " ما جمع من الدنيا، وما عمل فيها. وقيل: معناه: ويبقى عليه الإثم. قوله تعالى ذكره: {واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً} إلى قوله: {عِندَ الرحمن عَهْداً}. المعنى: واتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة يعبدونها، لتكون لهم منعة من
عذاب الله. ومعنى: " كلا " أي: ليس الأمر على ذلك، لا تمنعهم من عذاب الله. ثم قال: {كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ}. أي: ستجحد الآلهة يوم القيامة عبادتهم لها. وهو قوله تعالى: {تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كانوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} [القصص: 63] فتبرؤها منهم هو جحدها لعبادتهم إياها. ثم قال: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً}. قال ابن عباس: " ضداً ": أعوانا. يعين على عذابهم. وقال مجاهد: عوناً عليهم، تخاصمهم وتكذيبهم. قال قتادة: " ضداً " قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض. وقال الضحاك: " ضداً " أعداء.
وقال ابن زيد: معناه: ويكونون عليهم بلاء. وقيل: معناه أن آلهتهم التي عبدوها من دون الله [يوم القيامة] تلعهنم وتدعو عليهم، لأنهم عبدوا الملائكة، فهي تلعنهم وتتبرأ منهم. وقيل: بل هي الأصنام يحييها الله تعالى [لهم] يوم القيامة لتوبخهم وتكذبهم. " والضد " في كلام العرب " المخالف ". ووحد " ضد لأنه في معن عوناً. وعون مصدر، فلذلك لم يجمع. ثم قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين تَؤُزُّهُمْ أَزّاً}. أي: تزعجهم على المعاصي، وتقودهم إليها قياداً، وتغويهم بها. وقال ابن عباس: تغويهم أغواء. وقال ابن زيد: تشليهم إشلاء على المعاصي. ومنه أزيز القدر، وهو صوت غليانها. وهذا يؤكد تحقيق القدر. ثم قال تعالى: {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} أي: فلا تعجل يا محمد، على
هؤلاء الكافرين بطلب العذاب لهم والهلاك، إنما نعد أعمالهم وأنفاسهم لنجازيهم على جميعها ولم نترك تعجيل هلاكهم لخير نريده بهم، ولكن ليزدادوا إثماً. قال ابن عباس: " إنما نعد لهم عداً " يعني نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد سنيهم وآجالهم. ثم قال تعالى: / {يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً}. التقدير: إنما نعد أعمالهم لنجازيهم عليها يوم نحشر المتقين. فالعامل في " يوم " ما دل عليه الكلام الأول وهو " نجازيهم " يوم كذا. ومعنى الآية: يوم يجمع الله الذين اتقوا في الدنيا، وخافوا عقابه إلى جاء الرحمن ووعده. " وفداً هو بمعنى جمع وافد، ونصبه على الحال، ووحد لأنه مصدر، " والوفد ": " الركبان. قال علي رضي الله عه: أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يوتون بنوق، ولم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، أزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة. وقال أبو هرية: " وفداً " على الإبل.
وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة: " أن النبي A قال: يبعث الله الأنبياء يوم القيامة إذا حشروا، على الدواب، ويبعث صالح نبي الله على ناقته، حتى يوافوا بالمؤمنين من أصحابهم المحشر، ويبعث أبنائي الحسن والحسين على ناقتي العضباء والقصواء وأبعث أنا على البراق، وخطوها عند أقصى طرفها. ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة، ينادي بالأذان، غضا، حتى إذا بلغ. أشهد أن محمداً رسول الله، شهد بها جميع الخلائق من المؤمنين والكافرين، فيقبل ذلك من المؤمنين، ويرد على غيرهم من أهل الشك والتكذيب ". وقيل: معنى " وفداً " أي: وافدين على ما تحبون. من كان يحب ركوب الخيل، وفد على الله على خيل لا تروث، ولا تبول، لجمها من الياقوت الأحمر، ومن الزبرجد الأخضر ومن الدر الأبيض، وسرجها من السندس والاستبرق. من كان يجب الإبل، فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول، أزمتها الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب السفن،
فعلى سفن من زبرجد أخضر، وأمواج مثل ما بين السماء والأرض قد أمنوا الغرق والأهوال. وروى عمرو بن قيس الملائي أن المؤمن إذاخرج من قبره، استقبله أحسن صورة وأطيبه ريحاً. فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله D قد طيب ريحك، وحسن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك، فاركبني أنت اليوم، وتلا {يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً}. قال قتادة: " وفداً " إلى الجنة. وقال ابن جريح: على النجائب. وقال الثوري: على الإبل والنوق. وفي هذا الخبر إيماء إلى الجزاء والثواب، لأن الوفد هم الواردون على الملوك، المنتظرون العطاء والبر والإكرام منهم. ورويَ أن المؤمن يستقبله عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبه
ريحاً، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول لا، إلا أن الله تبارك وتعالى [قد] طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، هكذا كنت في الدنيا حسن العمل، طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلّما اركبني، فيركبه. فذلك قوله تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً} قال: ويستقبل الكافر أو قال الفاجر عند خروجه من قبره أقبح صورة رآها، وأنتنها ريحاً فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفين؟ فيقول: لا، إلا أن الله تبارك وتعالى قد قبح وجهك، وأنتن ريحك. فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، فطالما ركبتني في الدنيا فهلمّ أركبك، فيركبه، فذلك قوله تعالى: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ} [الأنعام: 31]. ثم قال تعالى ذكره: {وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً}. أي: عطاشاً، قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وقتادة والثوري. فيكون تقديره: ذي ورد يقال للواردين الماء ورد وروداً، مصدر وصف به الجمع، فلذلك لم يجمع. وروى المقدام بن معد يكرب: " أن النبي A قال: يحشر المؤمنون يوم القيامة
فيحشر السقط إلى الشيخ الفاني أبناء ثلاث وثلاثين سنة، في مثل خلق آدم، وحسن يوسف وقلب أيوب، مرداء مكحلين، فسئل النبي A عن الكافر فقال: يعظم للنار حتى يصبر غلظ جلده أربعون ذراعاً وحتى يصير ناب من أنيابه مثل أحد ". ثم قال تعالى {لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً}. أي: لا يملك أحد من المجرمين الشفاعة لأحد، لكن من اتخذ عندج الرحمن عهداً بالإيمان، فإنه يملك الشفاعة. ف " من " في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. وقيل: هي في موضع رفع على البدل من الضمير في " يملكون ". فيكون التقدير: لا يملك الشفاعة إلا المؤمنون، فإنهم يشفعون. وقيل: التقدير: لا يملك أحد من المتقين الشفاعة إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهداً، أي: من آمن في الدنيا، فلما حذفت اللام، صارت " من " في موضع نصب. وقال ابن عباس: " العهد " شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحلول والقوة، ولا يرجو إلا الله.
88
وقال ابن جريج: " عهد " عمل صالح. وقال الليث: " العهد " حفظ كتاب الله. وقال مقاتل: " عهداً صلاة. وروي عن النبي A أنه قال: " إن الشهيد ليشفع في سبعين من أهل بيته ". وأنه قال: " إن من أمتي رجلاً ليدخلن الله بشفاعته الجنة أكثر من بني تميم ". وقال A: " إن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً ". فيكون قوله: " لا يملكون ". . ومابعده. في موضع نصب حال من المجرمين، أو من المتقين. قوله تعالى: {وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً} إلى قوله:
{سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً}. معناه: وقال هؤلاء الكفار بالله: اتخذ الرحمن ولداً، فقال لهم جلّ ذكره: {لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً}. أي: عظيماً. أي: قلتم قولاً عظيماً. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة. ويقال: أد واد واد على فاعل بمعنى واحد. ثم قال تعالى: {تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ}. أيك يتشققن مما قلتم. {وَتَنشَقُّ الأرض} أي: تتصدع. {وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً} أي: يسبقط بعضها على بعض سقوطاً. وقال ابن عباس: " هداً " هدمً. والهد الأنقاض. وقال ابن عباس: إن الشرك فزعت منه السماوات، والأرض، والجبال، وجميع الخلائق، إلا الثقلين، وكدن أن يزلن منه لعظمة الله. وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين مع التوحيد.
قال القرظي: لقد كاد عباد الله أن يقيموا علينا الساعة. وقال النبي A: " لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله. ومن قالها عند موته وجبت له الجنة، قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ مقال: تلك أوجب وأوجب. ثم قال: والذي نفسي بيده، لو جيء بالسموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن ". قال كعب: غضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا. ثم قال تعالى جل ثناؤه: {أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً}. أي: من أجل أهم جعلوا له ولداً. قال أبو ذؤيب: " دعوا " بمعنى " جعلوا. ثم قال تعالى: {وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً}. أي ما يصلح له أن يتخذ ولداً، لأن كل ولد يشبه أباه، والله لا يشبهه شيء. ثم قال: {إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً}. أي: إلا هو عبد الكله، خاضعاً، ذليلاً.
وهذه الآية تدل على أن الرجل لا يملك، ولده، فإذا صار إليه بشراء أو إرث أو هدية عتق عليه، إن شاء أو أبى. ومعنى: {وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} أن الرحمن لا شبيه له، والولد يشبه والده ومن جنسه يكون. فلو كان له ولد لأشبهه، ولكان من جنسه، وهو لا شبيه له وإلا مثل، فهذا أمر لا يتمكن، ولا ينبغي أن يكمون، فهو مستحيل ممتنع سبحانه لا إله إلا هو. ثم قال: {لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً}. أي: علمهم، وعدهم أجمعين، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً}. أي: جميع الخلائق يعرضون على الله يوم القيامة منفردين، لا ناصر لأحد منهم، فيقضي الله فيهم ما هو قاض. ثم قال تعالى ذكره: {إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً}. أي: إن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم، وانتهوا عما نهاهم، سيجعل لهم/ الرحمن في الدنيا في صدور عباده المؤمنين محبة، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين، وكذا قال ابن جبير عن ابن عباس.
وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل بقلبه إلى الله D، إلا أقبل الله تعالى بقلوب المؤمنين إليه حتى يزرقه مودتهم ومحبتهم. وكان عثمان بن عفان Bهـ يقول: " ما من الناس أحد يبذل خيراً أو شراً، إلا كساه الله رداء عمله. ويروى أن هذه الآية نزلت في عبد الحرمن بن عوف، وذلك أنه لما هاجر إلى المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، فأنزل الله جل وعز، الآية يعزّيه بها ويخبره أنه سيحدث له في قلوب المؤمنين الذين هاجر إليهم محبة. وقيل: إن الله تعالى جعل [له] في قلوب المؤمنين محبة، فلا ترى مؤمناً إلا يحبه.
97
قوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} إلى آخر السورة. فإنما سلهنا يا محمد، هذا القرآن بلسانك، وبلغتتك لتبشر به من آمن وتنذر من كفر من قومك. ومعنى: {قَوْماً لُّدّاً} أي: أشداء في الخصومة، لا يقبلون الحق. قال ابن عباس: " قَوْماً لُدّاً " أي: ظلمة. وقال أبو صالح: لداً: عوجاً ع الحق. وقال مجاهد: اللّد ": الظالم الذي لا يستقيم. وقال قتادة: " لداً " جدلاً بالباطل. وقال حسن: " لدا " صماً ". وقال أبو عبيدة: " اللّد " الذي لا يقبل الحق، ويدعي الباطل. وعن مجاهد: " قوماً لداً " فجاراً. ثم قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ}. أي: وكثير من القرون أهلكنا قبل هؤلاء المشركين، بلسوكهمه مسلك قومك في الكفر والخصومة في الدين. {تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ}.
أي: هل ترى منهم من أحد أو تعاينه {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً}. أي: صوتاً. بل بادوا وهلكوا، ولقوا ما عملوا، وكذلك، قومك يا محمد صائرون إلى ما صار إليه أولئك، إن ماتوا على ما هم عليه من الكفر، يقال: أحسست فلاناً: أبصرته، وحسسته أحسه قتلته. قال قتادة: معناه: هل ترى عيناً أو تسمع صوتاً. والرِكْز في كلام العرب الصوت الخفي.
طه
بسم الله الرحمن الرحيم سورة طه (مكية) قوله تعالى ذكره: {طه * مَآ أَنَزَلْنَا} إلى قوله: {وَمَا تَحْتَ الثرى}. قد قدمت علة الإمالة في هذه الحروف في أول " مريم ". وأتى أول هذه السورة على غير ترتيب أوائل السور، لأن جميع أوائل السور يحتمل أن يكون ما بعدها خبراً لها، ولا يجوز أن يكون ما بعد " طه " خبراً لها، لأنه نفي، فلذلك تأولوه بمعنى " يا رجل " و " يا إنسان ". وقيل: هو أمر من وطيء. وروي عن بعضهم أنه قرأ " طه " بإسكان الهاء. وهي قراءة مروية عن الحسن وعكرمة، وفيها تقديران أحدهما أنه أراد الأمر من وطيء. أي: طأ الأرض. ولكن أبدل من الهزة هاء، كما قالوا: إياك وهياك. وقيل: إنه إبدل من الهمزة ألفاً، ثم حذف الألف لدلالة الفتح عليها، وأتى بهاء للسكت.
وقيل: الهاء هاء الكناية عن المكان. أي: طأ يا محمد المكان الذي تصلي فيه برجليك، ولا تقف على رجل واحدة، فتتعب. ودل على هذا المعنى قوله: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى} فأسكنت هاء الكناية على نية الوقف، أو على التشبيه بهاء السكت. وقد قيل: إن الهاء في قراءة الجماعة تعود على الأرض، أي: طأ الأرض يا محمد برجليك في صلاتك، والألف في طأ بدل من همزة ساكنة. ومن قرأ " طه " بحذف الألف، وإسكان الهاء فهو أمر بالوطء لكنه أبدل من الهمزة ألفاً قبل الأمر، ثم حذف الألف للأمر، والهاء تعود على المكان على ما ذكرنا، أو هي هاء سكت كما ذكرنا، أو هي بدل من همزة ساكنة على ما قدمنا، فهذه ثلاثة أقوال في الهاء في قراءة من قرأ " طه " بحذف الألف، وإسكان الهاء، وروي عن النبي A أنه قال: " لي عند ربي جلّ وعزّ عشرة أسماء " " فذكر أن منها " طه " و " يس " إسمان له.
قال ابن عباس: " طه " بالنبطية: يا رجل. وهو قول الضحاك. وقال أبو صالح: هي بالنبطية أيطأ. وقال ابن جبير: طه بالسريانية: يا رجل. وهو قول قتادة. وقال عكرمة: " طه " بالنبطية: يا إنسان. وعن ابن عباس: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم [الله به]. وهذه الآية نزلت فيما كان النبي A يصعنه من السهر والتعب والقيام بالليل. قال الضحاك: كانوا يقومون حتى تتشقق، أقدامهم، فقال المشركون: ما نزل هذا القرآن إلا للشقاء، فأنزل الله تعالى ذكره: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى} {إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يخشى}.
أي: ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى. وقيل: كان النبي A يتعب في صلاته، ويقف على رجل واحدة، فأنزل الله: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى}. قال مجاهد: هذا في الصلاة. قال: هي مثل قوله تعالى: {فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20]. قال قتادة: " أنزل الله كتابه، وبعث رسوله رحمة، رحم بها الله العباد، ليتذكروا، وينتفع رجل بما سمع منه. ونصب تذكرة على البدل من " لتشقى ". وقيل: هي مفعول من أجله. وقيل " نصبها على المصدر. وقال الكوفيون: هي تكرير. وقيل: من حروف الهجاء. وقيل: هي حروف مقطعة، يدل كل حرف منها على معنى، وقد تقدم ذكر ذلك.
وقال الطبري: " طه " يا رجل، لغة معروفة في عك. قال الشاعر: هَتَفْتُ بِطَهَ فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِبْ ... فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلاَ وقال آخر: إنَّ السًَّفاهَةَ طَهَ مِنْ خَلائِقِكُمْ ... لا بارَكَ اللهُ في الْقَوْمِ الملاَعِينِ والتقدير على هذا: يا رجل، ما أنزلن عليك القرآن لتشقى بإنزاله عليك. ولا يوقف على " طه " على هذا القول، لأن النداء تنبيه على ما بعده. ومن جعلها افتتاحاً وقف عليها، وهو مذهب أبي حاتم. ثم ابتدأ فخاطب النبي A بقوله: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى} وكذلك لا يقف عليها على قول من جعلها قسماً، لأن القسم يحتاج إلى جواب، وجوابه: {مَآ أَنَزَلْنَا}. وأجاز أبو حاتم الوقف على " طا " ويبتدئ ها. وليس عليه عمل عند أهل النقل من المقرئين. وقيل: تقدير الكلام: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة، لا لتشقى.
ثم قال تعالى: {تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأرض والسماوات العلى}. أي: نزلناه تنزيلاً من الله الذي خلق الأرض والسموات العلى. " والعلى " جمع " علياً ": كالفضلى. والفضل. ثم قال: {الرحمن عَلَى العرش استوى}. أي: على عرشه، ارتفع وعلا. قال أبو عبيدة: استوى: " علا. وقال القتبي: استقر. وقيل: معناها: استولى. وأحسن الأقوال في هذه " علا " والذي يعتقده أهل السنة، ويقولونه في هذا: إن الله جلّ ذكره، سماواته على عرشه دون أرضه وأنه في كل م كان بعلمه، وله تعالى ذكره كرسي وسع السماوات والأرض كما قال جل ذكره. وكذلك ذكر شيخنا أبو محمد بن أبي زيد C.
وقد سأل رجل مالكاً عن هذا، فقال له: كيف استوى؟ فاحمرت وجنتا مالك، وطأطأ رأسه، ثم رفع رأسه فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والإيما به واجب والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن يكون ضالاً. أخرجوه، فأخرج، فناداه الرجل، يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله غيره، لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة، وأهل الكوفة، وأهل العراق، إلى أن وردت عليك، فلم أجد أحداً وفق لما وفقت له. وروي أن خباب بن الأرت قرأ " طه " على عمر بن الخطاب إلى قوله: " فتردى " فأسلم عمر عند ذلك. و" العلى " تمام إن رفعت " الرحمن على الابتداء، أو على إضمار مبتدأ، فإن جهلته بدلاً من الضمير في " خلق " لم تقف عليه. و" أستوى " تمام إن جعلت " الرحمن " بدلاً من الضمير في " خلق " أو على إضمار مبتدأ، فإن جعلت " له ما في السموات " في موضع خبر الرحمن، لم تقف على استوى. ثم قال: {لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَمَا بَيْنَهُمَا}. أي: هو يملك ذلك كله ويدبره/.
وقوله: {وَمَا تَحْتَ الثرى}: الثرى: التراب المبتل الندي يعني: وما تحت الأرضين السبع. وقال محمد بن كعب: الثرى: سبع أرضين. وقال ابن عباس: الأرض على نون، ونون على البحر، والبحر على صخرة وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى في قوله: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السماوات} [لقمان: 16] والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما يعلم ما تحت الثرى إلا الله. وروي عن وهب بن منبه أنه قال: على وجه الأرض سبعة أبحر والأرضين سبعة بين كل أرضين بحر، فالبحر الأسفل مطبق على شفير جهنم، ولولا عظم ذلك البحر، وكثرة مائة وبرده، لأحرقت جهنم كل شيء فوقها. قال: وجهنم على متن الريح ومتن الريح على حجاب من ظلمة لا يعلم غلظه إلا الله، وذلك الحجاب على الثرى، وإلى الثرى انتهى علم الخلائق، لا يعلك ما تحت الثرى إلا الله. وقال الضحاك: الأرض السابعة على الحوت، والحوت على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وسئل كعب ما تحت الأرض؟ قال ماء، قيل: فما تحت الماء؟ قال أرض. قيل فما تحت الأرض؟ قال: ماء، حتى بلغ سبع أرضين. قيل: له: لما تحت الأرض السابعة. قال: ماء. قيل فما حت الماء. قال صخرة، قيل فما تحت الصخرة؟ قال: هي على منكب ملك. قيل: فما تحت الملك؟ قال: هو قائم على وسط حوت معلق طرفاه بالعرش. قيل له: فما تحت الحوت قال: هواء وظلمات وانقطع العلم. وروى ابن وهب عن رجاله أن كعب الأحبار قال: إن إبليس يقلقل للحوت الذي على ظهره الأرض كلها. قال: فألقى في قلبه. فقال: هل تدري ما على ظهرك يا لوبيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال، لو هضتهم فألقيتهم عن ظهرك كلهم. قال: فهم لوبيا يفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابة، فدخلت في منخره حتى دخلت في دماغه فعج إلى الله منها، فخرجت. قال: وكان كعب يقول: والذي نفسي بيده، إنه لينظر إليها، بين يديه وتنظر إليه، إن همَّ بشيء من ذلك عادت حيث كانت. وروى عاصم عن زر عن ابن مسعود أنه قال: ما بين سماء الدنيا والتي تليها
7
مسيرة خمس مائة عام، وما بين سماء إلى سماء مسيرة خمس مائة عام، وما بين السماء السابعة والكرسي خمسة مائة عام، وما بين الكرسي وبين الماء مسيرة خمس مائة عام، والعرش فوق ذلك، والله جل ذكره فوق العرِِش. وعن ابن عباس: أيضاً أنه قال: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمس مائة عام، وذكر أن خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب. قوله تعالى: {وَإِن تَجْهَرْ بالقول فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى}. أي: وإن تجهر بالقول يا محمد، فإن الله تعالى يعلم ما أسررت في نفسك، وأخفى منه. قال الحسن ومجاهد وعكرمة: " السر ": ما أسررته إلى غيرك، " وأخفى " ما حدثت به نفسك. وقال الضحاك: " السر " ما حدثت به نفسك، و " أخفى " ما لم تفعله وأنت فاعله "، وكذلك، روي عن ابن عباس. قال ابن عباس: و " أخفى " ما تعمل غداً.
وقال ابن جبير: " السر ": ما أسره الإنسان في نفسه، " وأخفى ": ما لم يعلم الإنسان مما هو كائن. وقيل: معنى: " وآخفى ": ما ليس في نفس الإنسان. وسيكومن ذلك في نفسه، فهو لا إله إلا هو يعلم ما سيجري في نفس الإنسان قبل أن تجري. وقال ابن زيد: " يعلم السر " أسرار العباد وأخفى سره. وقاله أبوه زيد بن أسلم. أي: يعلم سر عباده، وأخفى سره، فلا يعلمه أحد جلّ وعزّ، وهذا اختيار النحاس. وأنكر هذا القول الطبري. وقوله: {يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى}، أتى على غير ظاهر، جواب قوله: " وإن تجهر بالقول، إنما هو جواب لمن قيل له وأن تستر بالقول، فإن الله يعلم السر وأخفى، ولكنه محمول على المعنى، كأنه قال: ما حاجتك إلى الجهر، والله يعلم السر وأخفى من السر. ثم قال: {الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسمآء الحسنى}. من جعل الله بدلاً من الضمير في " يعلم " لم يقف على " أخفى "، ومن جعله مبتدأ، وقف على أخفى.
أي: معبودكم واحد، لا معبود غيره، ولا إله إلا هو {لَهُ الأسمآء الحسنى} /. هي تسعة وتسعون أسماً على ما روي عن النبي A، وفي ألفاضها اختلاف. قال النبي A: " لله تسعة وتسعون اسماً: مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة " أي: من حفظها. وقيل: من آمن بها. وقيل: من قالها معتقداً لصحتها. ثم قال تعالى ذكره {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى} {إِذْ رَأَى نَاراً}. معناه: أن الله يخبر نبيه A بما مضى من أخبار الأنبياء عليهم السلام قبله، وما مضى عليهم ليتعزى بذلك مما يناله من قريش. ذكر: أن موسى عليه السلام أضل الطريق في شتاء ليلاً، فلما رأى ضوء النار، قال لأهله: امثكوا لعلي أتكيم بخبر نهتدي به على الطريق أو آتيكم بقبس توقدونه في هذا البرد. قال ابن عباس: لما قضى موسى الأجل، سار بأهله فضل الطريق. قال وهب بن منبه: لما قضى موسى الأجل. خرج ومعه غنم له، ومعه زندله وعصاه في يده، يهش بها على غنمه نهاراً، وإذا أمسى اقتدح ناراً فبات عليها وأهله وغنمه، فإذا أصبح غدا بغنمه وبأهله يتوكأ على عصاه، فلما كان الليلة التي أراد الله
11
جلّ وعزّ بموسى كرامته، وابتدأه فيها بنبوته، أخرج زنده ليقدح ناراً لأهله ليبيتوا عليها ويصبح ويعلم وجه سبيله، فقدح حتى إذا أعياه لاحت النار فرآها. {فَقَالَ لأَهْلِهِ امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً}، أي أبصرتها، لعلي آتيكم منها. . . الآية. .. وقيل: معنى: " آنست " علمت ووجدت. و" القبس " النار في طرف العود أو قصبة. {أَوْ أَجِدُ عَلَى النار هُدًى}. أي: دلالة تدلني على الطريق، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: " هدى " أي: هادياً يهدي إلى الطريق. وقال وهب: " أو أجد على النار هدى " أي: علماً من أعلام الطريق يدلني عليه. قوله تعالى ذكره: {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ ياموسى * إني أَنَاْ رَبُّكَ} إلى قوله: {بِمَا تسعى}. أي: فلما أتى النار موسى، ناداه ربه: يا موسى، إني أنا ربك فاخلع نعليك. قال وهب: خرج موسى نحو النار، فإذا هي في شجرة من العليق. (وبعض
أهل الكتاب يقول في عوسجه] فلما دنا، استأخرت عنه، فلما رأى تأخرها عنه، رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد أن يرجع دنت منه ثم كلم من الشجرة، فلما سمع الصوت، استأنس فقال له الله {فاخلع نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بالواد المقدس طُوًى} فخلعهما وألقاهما. قال كعب: " كانتا من جلد حمار ميت، فأمر بخلعهما، وأراد الله أن يمسه القدس، وكذلك قال عكرمة وقتادة. وكذلك روي عن النبي A أنه قال: " كانت على موسى يوم كلّمه الله جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلاه من جلد حمار غير ذكي ". وقال الحسن: كانتا من جلد بقر، ولكن الله تعالى أراد أن يباشر بقدميه بركة الأرض. وكان قد قدس الوادي مرتين. وكذلك قال ابن جريج. وهذا القول اختيار الطبري، لأن الحديث لم يصح عن النبي A أنهما من جلد حمار غير ذكي. وقوله: {إِنَّكَ بالواد المقدس طُوًى}. أي: المطهر.
وقال ابن عباس: " المقدس ": المبارك. وقال مجاهد: {المقدس طُوًى}: بورك فيه مرتين. ويروى أن موسى A لما خرج من مدين ومعه امرأته بنت شعيب ريد مصر أخطأ الطريق، وكان A رجلاً غيوراً، فكان يصحب الناس بالليل، ولا يصحبهم بالنهار، فأخطأ الطريق عند انفراده لما سبق في علم الله من أمره. فرأى ناراً. فقال لأهله امكثوا، إني أبصرت ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى. أي: من يهديني إلى الطريق، وكانت ليلة مظلمة، فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجر عناب، فوقف متعجباً من ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة. فلا شدة النار تغيّر خضرة تلك الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة يغيّر حسن ضوء النار. فلما أتى الشجرة سمع النداء، يا موسى، إني أنا ربك، فاخلع نعليك، وكانتا من جلد حمار ميت. وقال ابن عباس/: في معنى " طوى " أن موسى طواه الليل إذا مر به فارتفع إلى
أعلى الوادي. فيكون على هذا مصدراً عمل فيه ما هو من غير لفظه. كأنه قال: إنك يا موسى بالواد الذي طويته طوى: أي: تجاوزته فطويته بسيرك. وقال قتادة: معناه: قدس مرتين، أين طهره وهو قول الحسن. وقال مجاهد وابن أبي نجيج: " طوى " اسم الوادي. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وقاله ابن زيد. وعن ابن عباس: أنه أمر من الله تعالى لموسى أن يطأ الوادي بقدمه. فالمعنى: اخلع نعليك. طأ الوادي. وقال ابن جبير: معنه: طأ الأرض حافياً كما تدخل الكعبة حافياً. وكذلك روي أيضاً عن مجاهد. ومن فتح الهمزة في " إني أنا " فعلى تقدير: " نودي بأني ". ومن كسرها فعلى الاستئناف، لأن النداء وقع على موسى فاستؤنفت " إن بعده، فكسرت.
وقيل: كسرت لأنها حكاية بعدها. معناه: القول، لأن نؤدي مثل قيل. ومن صرف " طوى " جعله اسما للوادي مذكراً، فصرفه، وجعله مصدراً. والأكثر في المصدر من هذا أن يكون مكسور الأول مثل ثنى. ومن لم يصرفه جعله اسماً للبقعة. وقيل: هو معدول عن طاوي. كعمر، معدول عن عامر، وقد ذهب الكسائي في صرفه إلى أنه صرف لخفته. وكان حقه ألا ينصرف. ولكن سمع صرفه من العرب. وعلقة صرفه قلة حروفه وخفته. ثم قال تعالى ذكره: {وَأَنَا اخترتك فاستمع لِمَا يوحى}. أي: وأنا اجتبيتك لرسالتي، فاستمع لما يوحى وَعِهِ بقلبك، واعمل به. {إنني أَنَا الله لا إله إلا أَنَاْ فاعبدني}. أي: إني أنا المعبود، لا معبود غيري يستحق العبادة فاعبدني. {وَأَقِمِ الصلاة لذكري}، أي: أقم الصلاة فإنك إذا أقمتها ذكرتني. فتقديره: أقم الصلاة، لأن تذكرني بها، هذا معنى قول مجاهد. وقيل: معناه: أقم الصلاة حين تذكرها.
ورو ى أبو هريرة أن النبي A قال: " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها "، قال الله D: { وَأَقِمِ الصلاة لذكري} وزاد فيه قتادة " لا كفارة لها إلا ذلك ". وقيل: المعنى: أقم الصلاة لأن أذكرها بالمدح. وقيل: المعنى: أقم الصلاة إذا ذكرتني. وقيل: المعنى: أقم الصلاة لتذكرني فيها. وشاهده أن ابن عباس وأبا عبد الرحمن السلمي قرآ: {وَأَقِمِ الصلاة لذكري} بلامين، مشددة الذال. أي: لتذكرني فيها. وقرأ الأعرج وأبو رجا والشعبي: " لِذِكْرَاً " أبدلوا من الياء ألفا. كما
يقال: يا غلاماً. ثم قال تعالى ذكره: {إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}. أي: إن القيامة جائية أكاد أسترها. وقال ابن عباس معناه: لا أظهر عليها غيري. وقال مجاهد وابن جبير: أكاد أخفيها من نفسي. وقاله قتادة والضحاك. وقرأ ابن جبير بفتح همزة " أخفيها ". وكذلك روى عن مجاهد والحسن، بمعنى أظهرها. يقال خفيت الشيء وأخفيته بمعنى: أظهرته. ومنه قيل للنباس المختفي، لأنه يظهر الموتى ويقال: أخفى بمعنى ستر. هذا هو المشهور في كلام العرب. وإنما حسن أن تتأول الآية في قراءة من ضم الهمزة على أخفيها من نفسي - والله لا يخفى عليه شيء - لأنه تعالى خاطب العرب ما ما تعرف، وتستعمل فيما بينها من المخاطبات. وقد كان الرجل منهم إذا تبالغ في الخبر على إخفاء شيء هو له مسر، قال: كدت أخفيه من نفسي. فخوطبوا على أبلغ ما يعقلون. وقيل: إن: " كاد " بمعنى أريد. وذلك معروف اللغة. فيكون المعنى أريد أخفيها. أي أسترها لتجزي كل نفس بما تسعى. وقيل: إن تمام الكلام " أكاد " أي: أكاد أن آتي بها، ثم ابتدأ فقال أخفيها أي: ولكني أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى.
وقيل: أكاد زائدة. وهو قول الأخفش. قال ومنه قوله تعالى: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40] وإنما هو لم يرها. وقيل: معنى قول من قال: معناها أكاد أخفيها من نفسي، أي من قِبلي ومن عندي. وقيل: إن المعنى أن الله تعالى قد أرسل الرسل بخبر أن الساعة آتية، وكذب بها الأمم فقال: " أكاد أخفيها " أي: أكاد لا أجعل لها دليلاً، فتأتي بغتة. فلم يخفها تعالى ذكره لأنه قد أرسل الرسل ينذرون الناس ويحذرونهم من قيامها، وإنما احتاج العلماء إلى هذه التأويلات، لأن القائل إذا قال: كدت أخفيه " كان معنى قوله: أنه أظهره، فيجب أن يكون معنى " أكاد أخفيها " أظهرها. وذلك صحيح، لأن الله D قد أظهر علاماتها وأشراطها. واختار النحاس أن يكون المعنى: أن الساعة آتية أكاد " تم الكلام أي: " أكاد آتي بها. ودل " آتية " على " آتي بها ". ثم قال " أخفيها " على الابتداء. فصح المعنى، لأنه الله تعالى قد أخفى وقتها. وقوله: {لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى} اللام متعلقة بـ " آتية ".
16
وقيل: بـ {وَأَقِمِ الصلاة لذكري}. أي: لتثاب كل نفس من المكلفين بما تعمل من خير وشر. و" السعي " العمل. وأجاز أبو حاتم الوقف على " أخفيها ". ويبتدئ بلام {لتجزى} بجعلها لام قسم. وذلك غلط ظاهر. قوله تعالى ذكره: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا} إلى قوله: {سِيَرتَهَا الأولى}. أي: فلا يردنك عن العمل للساعة من لا يؤمن بها. أي: من لا يؤمن بالبعث. {واتبع هَوَاهُ} أي: هوى نفسه، وخالف أمر الله. {فتردى} أي: فتهلك إن فعلت ذلك. وقيل المعنى: فلا يصدنك يا موسى، عن الإيمان بالساعة من لا يؤمن بها، وهذا خطاب لموسى عليه السلام، والمراد به الجميع. ثم قال تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى}. " ما " لفظها، لفظ الاستفهام، ومعناها [معنى] التنبيه والتثبيت والتقرير لما يريد الله منها من إحالتها عما هي عليه. فإذا نبهه وقرره على حقيقتها، لم يقدر بعد استحالتها وكونها حية أن تقول: كذا كانت.
وقال الزجاج: " تلك هنا موصولة بمعنى التي. أي: وما التي بيمينك. وقال الفراء: " تلك " بمعنى هذه. يوصلان كما يوصل الذي. وقوله: {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا}. أي: اتكىء عليها في قيامي وقعودي. {وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي}. أي: أضرب بها الشجر، فيسقط ورقها فترعاه الغنم. فالمعنى: وأهش بها الورق. يقال: هش الشجر. إذا خبطه بالعصا. قال ذلك قتادة وعكرمة والضحاك وابن زيد. ثم قال تعالى: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى}. أي: ولي في عصاي حاجات أخرى. والمآرب جمع واحدة مأربة ومآربة ومارِبة. بضم الراء وفتحها وكسرها. وهي من قولهم: لا إرب لي في هذا. أي: لا حاجة لي فيه. وقال: " أخرى " ولم يقل " أخر ". لأن المآرب جماعة، فأتت على ذلك.
قال السدي: " حاجات أخر، أحمل عليها المزود والسقاء. ثم قال تعالى: {قَالَ أَلْقِهَا ياموسى}. أي: ألق عصاك. {فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى}. قال ابن عباس: ألقاها فصارت حية تسعة، ولم تكن قبل ذلك حية. قال فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبراً. فنودي يا موسى، خذها فلم يأخذها. ثم نودي ثانية فلم يأخذها، ثم نودي ثالثة {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى}. أي: هيئتها الأولى، عصا كما كانت، فأخذها. وقال السدي: ألقاها فإذا هي حية تسعى، فلما رآها تهتز كأنها جان، ولّى مدبراً ولم يعقب، فنودي يا موسى، لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون. وقيل: إنما أراد الله جلَّ ذكره أن يريه الآية الكبرى من العصا لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون ولا يولي مدبراً منها كما فعل عند الشجرة. وقيل: إنها عصا آدم، نزل بها من الجنة، طولها اثنى عشر ذراعاً بذراع موسى.
22
ويروى أن العصا كانت من ورقة آس الجنة، وهي من وسط الورقة الخط الثاني في وسط ورقة الآس " والآس " الريحان وكانت من ريحان الجنة من الخط لثاني في وسط الورقة المستطيل/، فما ظنك بحسن ريحان يكون الخط الثاني في وسط ورقه [منها] عصا في طولها اثنى عشر ذراعاً. ويروى أن موسى A أمره الله أن يدخل يده في فيها فيقبض عليها، فأدخل يده في فيها وقبض عليها، فصارت يده بين الشعبتين اللتين كانتا في العصا، وصارت الحية في يده عصا على ما كانت عليه قبل ذلك؟ وكان للعصا شعبتان في رأسها، فصارت الشعبتان فم الحية، ثم عادت إلى حالتها. قوله تعالى: {واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ} إلى قوله: {إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً}. المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك. وقال مجاهد: " إلى جناحك " كفه في عضده. يقال الآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح. وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع ونور.
وقال أبو عبيدة: " إلى جناحك " إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان. وقيل: " إلى جناحك " إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نوراً ساطعاً تضيء بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة الله وصحة نبوته. ومعنى: {مِنْ غَيْرِ سواء} من غير برص. وقال مجاهد: كان موسى رجلاً آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من غير سور أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه. وقوله: {آيَةً أخرى} أي: دلالة أخرى على العصا. وقوله: " بيضاء " نصب على الحال. " وآية " بدل من بيضاء عند الأخفش. وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره " آتيناك آية أخرى ". وقيل: " آية " حال أيضاً، لأنه بمعنى مبينة. ثم قال تعالى: {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكبرى}. أي: لنريك من آياتنا العجائب. ثم قال: {اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى}.
أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسل بني إسرائيل معك. وقوله: {قَالَ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لي أَمْرِي}. أي: أفسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون. {وَيَسِّرْ لي أَمْرِي}. أي: سهّل عليّ القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة. {واحلل عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي}. أي: واطلق لساني للمنطق. قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله. قال ابن جبير: " عقدة من لساني " عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد. وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى A - أرته أمه آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، أخذ موسى بلحيته
فنتفها. فقال فرعون: علي الذباحين. فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني. أنا أضع له حلياً من الياقوت وأضع له جمراً. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي فأخرجت له ياقوتاً ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يجه جمرة، فطرحها موسى A في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله {واحلل عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي} أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما سأل. وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة قول فرعون {أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هذا الذي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف: 52] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ذلك. والله أعلم. وقوله تعالى: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى} [طه: 36]. يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل. ثم قالت تعالى: {واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي} {هَارُونَ أَخِي} /.
وكان هاون أكبر من موسى. والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. والجبل وَزَرْ. وقيل: " الوزير " الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقاص من الوزار، وهي الأمتعة، ومن قوله: {ولكنا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ القوم} أي: آنية الفضة والذهب. وقيل: " الوزير ": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: {واجعل لِّي وَزِيراً} أي: صاحباً ألجأ إليه وأعتمد عليه. وقوله: {اشدد بِهِ أَزْرِي}. أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار. وقوله: {وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي}. أي: اجعله نبياً مثلي، وارسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله طلباً بفتح همزة " وأشركه "، فأما من جعله جواباً للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: أن يجعل لي وزيراً أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري. ثم قال: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً}: نعظمك بالتسبيح. {وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً}، فنحمدك. {إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً} أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء. وقيل: المعنى: إنك كنت عالماً بما يصلحنا.
36
وروى زيد بن أسلم أن نبي الله A موسى قال: " يا رب، قد أنعمت عليّ كثيراً، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيراً فإنك إذا ذكرتني فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيه. قال: اذكرني كثيراً. قال: فكان موسى عليه السلام إذا ادخل الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى " من رواية ابن وهب. قوله تعالى وجلّ ثناؤه: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى} إلى قوله: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً}. أي: قد أعطيتك ما سألت من شرح صدرك وتيسير أمرك، وحل العقدة من لسانك، وتصيير أخيك هارون عوناً لك. ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى}. أي: تطولنا عليكم قبل هذه المرة مرة أخرى، ثم بيَّن المرة الأخرى ما هي فقال: {إِذْ أَوْحَيْنَآ إلى أُمِّكَ} أي: إذا ألهمنا أمك. وقيل: كانت رؤيا رأتها. وقيل: بل أوحى إليها ما شاء.
وقال ابن إسحاق: لما ولدت أم موسى موسى A، أرضعته حتى إذا أمر فرعون بقتل من ولد سنته تلك، عمدت إليه، فصنعت به ما أمره الله تبارك وتعالى. روي أنها رؤيا رأتها، ففعلت ما أمرت به في رؤياي. وكان فرعون يذبح ذكور أولاد بني إسرائيل لأجل أنه بلغه أنه سيكون زوال ملكه وهلاكه على يدي واحد من أولاد بني إسرائيل فخافت أم موسى من فرعون على ولدها. فأراها الله ما أمرها به في منامها، فجعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النبيل فقذفته فيه، وهو اليم، فأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به، وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه. فقال: إن هذا لشيء [عجيب] في البحر، فآتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت، فإذا فيه صبي في مهد، فألقى الله D عليه محبته فعطف عليه نفسه. فهو قوله: {أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ
اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ}. يعني فرعون. ثم قال تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي}. أي: حببتك إلى عبادي. وقال عكرمة معناه: إني حسنت خلقك، أي: جعلت لك حسناً وملاحة. وقيل: معناه: حببتك إلى [كلِّ] من رآك. وقيل: إن الله جلّ ذكره جعل في موسى عليه السلام ملاحة، فكان لا يراه أحد إلا أحبه واستحلاه ومال قلبه إليه. وذكر ابن الإعرابي عن قتادة في قوله: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي}. قال: ملاحة في عينيك، لا يراك أحد إلا أحبك. وعن عكرمة أنه قال: حسن وملاحة. وقيل معناه: جبلت القلوب على محبتك، اختصاصاً لك. وقال مجاهد: مودة في قلوب المؤمنين. ثم قال: {وَلِتُصْنَعَ على عيني} أي: ولتغذى على عيني، قاله قتادة.
وقال ابن زيد: معناه: إني جعلتك في بيت الملك تنعم وتترف غذاؤه عندهم غذاء الملك. وقال ابن زيد. معناه: وأنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ثم إذ تمشي أختك. و" اللام " في " ولتصنع " متعلقة بـ " ألقيت " أي: ألقى المحبة لتصنع. ثم قال: / {إِذْ تمشي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ}. أي: ولتصنع على عيني حين تمشي أختك. وفي الكلام حذف. والتقدير: إذ تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك ثم يأتي من يطلب المراضع لك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟ قال السدي: لما ألقته أمه في اليم، قالت لأخته: قصيه، فلما التقطه آل فرعون، أرادوا له المرضعات، فلم يقبل أحداً من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، وأبى أن يأخذه فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحونن. فأخذوها وقالوا لها: إنك قد عرفت هذا الغلام،
فدلينا على أهله. قالت: ما أعرفه ولكني إنما قلت: للملك ناصحون. ومعنى: يكفله: يضمه إليه ويرضعه. ورويَ أن موسى عليه السلام لما خرج من التابوت بكى وطلب اللبن فطلب له النساء، فلم يقبل أحداً، فشق ذلك على فرعون، واغتم له، وقلق، وجعل يبعث إلى كل مرضعة، ولم يقبل أحداً، عند ذلك، جاءت أخت موسى A، فقالت: هل أدلكم على من يرضعه؟ فقيل لها: هاتها، فجاءت بأم موسى، فقبل ثديها، فطابت نفس فرعون ومضت به معها، آمنة عليه مما كانت تخافه، وذلك وعد الله لها، وقوله لها: {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ} وهو قوله: {فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها} أي رددناك إلى أمك بعد أن كنت في أيدي آل فرعون كي تقرّ عينها، أي: تقرّ عينها بسلامتك من القتل والغرق، ولا تحزن عليك من الخوف ومن فرعون أن يقتلك. قال ابن إسحاق: لما قالت أخت موسى ما قالت، قالوا: هاته، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم فناولتها إياه فوضعه في حجرها، وأخذ ثدييها، فسّروا بذلك، وردّوه إلى أمه تكفله، لطفاً من الله لها، وصار موسى وأمه كأنهم من
أهل بيت فرعون في الأمان من القتل وغيره. وكان على فراش فرعون وسريره متغذياً بما يتغذى به الملك. وهذا من بديع لطفه، لا إله إلا هو. ويروى عن ابن عباس أنه قرأ: (تقِرِ) بكسر القاف، وهي لغة. ثم قال: {وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغم}. يعني: قتله القبطي إذ استغاثه عليه الإسرائيلي: {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغم} أي: من غمّك بقتلك النفس إذا أرادوا أن يقتلوك. فخلصناك منهم حين هربت إلى أهل مدين. روى ابن عمر أن النبي A قال: " إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ ". ثم قال: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} قال ابن عباس: معناه: اختبرناك اختباراً. وعنه ابتليناك ابتلاء. وعن ابن عباس أيضاً: أنه إنجاؤه موسى من القوم. ومن اليم ومن الذبح حين أخذ بلحيه فرعون، ومن قتل حين قتل القبطي. وذكر ابن جبير عن ابن عباس حديثاً طويلاً في قصة موسى عليه السلام معناه: أن
فرعون تذاكر هو وجلساؤه، ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك فأتمروا بينهم أن يذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل، فذبحوا كل من وجدوا، وتمادوا على ذلك، فقال بعضهم: يوشك أن يفنى بنو إسرائيل لذبحكم الصغار وموت الكبار بآجالهم فتبقون لمباشرة الأعمال والخدمة التي تكفيهم إياها بنو إسرائيل، فأجمعوا رأيهم على أن يقتلوا عاماً ويتركوا عاماً لئلا يفنى بنو إسرائيل، ولئلا يكثروا، فحملت أم موسى هارون في السنة التي لا يذبح فيها أحد فولدته علانية آمنة. وحملت بموسى في العام الثاني، وفيه الذبح، فوقع في قلبها الهم والحزن. قال ابن عباس: فذلك من الفتون مما دخل على موسى في بطن أمه. فأوحى الله تعالى ذكره إليها ألاّ تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، ففعلت ذلك، ثم أتاها إبليس، فوسوس إليها، وقال: لو ذبح ولدك في بيتك لكنت توارينه وتسترينه كان أحب إليك مما ألقيته بيدك إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه، فأخذنه، فهممن بفتح التابوت ثم خفن أن يكون في التابوت مال فلا يصدقن عليه/، فمررن به على حاله إلى امرأة فرعون، ففتحت التابوت، فإذا بغلام، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق مثلها على أحد، وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فأتى الذابحون إلى امرأة فرعون ليذبحوه، فصرفتهم حتى تستوهبه من فرعون، فوهبها فرعون إياه، ومنعهم من ذلك. وذلك
من الفتون. وذكر ابن عباس، أنها لما أتت به إلى فرعون قالت: قرة عين لي ولك. قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فروي عن النبي A أنه قال: " والذي حلف به، لو أقرّ فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت هي به لهداه الله به كما هدى به امرأته. ولكن الله تعالى حرمه ذلك ". وروي أن امرأة فرعون كان لها جوار لا تشرب الماء إلا من استقائهن، فأتين يوماً إلى ساحل النيل ليأخذن الماء، فوجدن التابوت، فاتفقن على أن لا يفتحن التابوت، وأن يمضين به إلى مولاتهن على حاله، فذهبن به إلى امرأة فرعون ففتحته، فوجدت فيه صبياً لم تر مثله قط، فألقى الله في قلبها المحبة له، فأخذته ودخلت به على فرعون، وقالت له: قرة عين لي ولك فقال فرعون: أما لك فنعم، وأما لي، فلا. قال النبي A: " لو قال فرعون نعم هو قرة عين لي لآمن ". فقالت: له: فهبه لي، لا تقتله. فوهبه لها، فطلبت له المراضع فلم يقبل على ثدي امرأة، وكان من أمره ما قص الله علينا.
قال ابن عباس في حديث طويل معناه: أن امرأة فرعون طلبت له الرضاعة، فلم يقبل على ثدي أحد فغمّها ذلك حتى أخرجته إلى السوق ت طلب له مرضعة، فأتت أخته فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا: ما نصحهم له؟ هل تعرفونه، فشكوا في ذلك. قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في القرب من فرعون ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فجاءت معها، فلما وضعته في حجرها ترامى إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، وانطلقت البشرى إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك مرضعة فوجهت وراءها، وجيء بها وبه فقالت لها: امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإن لم أحب حبه شيئاً قط، فأبت أم موسى وتعاسرت عليها في القيام عندها، وتذكرت ما وعدها الله من رده عليها، وأن الله منجز وعده، بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، فكان بنو إسرائيل يمتنعون من الظلم والسخرة بذمام موسى، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم
موسى: أرني ولدي، فوعدتها بالإتيان به ليوم بعينه، فقالت امرأة فرعون لخواصها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، فلما أتت به أمه، لم تزيل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فأكرمته هي أيضاً ونحلته وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وانطلقت به إلى فرعون ليكرمه وينحله، فدخلت به عليه، وجعلته في حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها، فقال عدو من أعداء الله لفرعون: هذا من وعد الله إبراهيم أنه يصرعك ويعلوك فأراد ذبحه. قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت امرأته: قد وهبته لي فما بدا لك منه. قال: ألا ترينه يزعم أن يصرعني ويعلوني. فقالت: اجعل بين وبينك أمراً تعرف به الحق. ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فهو يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين [فهو لا يعقل] ففعل ذلك، فتناول الجمرتين، فصرفه الله تعالى عن قتله، فأقام حتى بلغ مبلغ الرجال، وانتفع به بنو إسرائيل وامتنعوا به من السخرة والظلم. فبينما هو يمشي في ناحية/ من المدينة إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من آل فرعون، والآخر من بني إسرائيل، فاستغاثه الإسرائيل على الفرعوني. وقد ضرب الفرعوني
الإسرائيلي، فضعب موسى واشتد غضبه لمعرفته لمنزلة الإسرائيلي وظلم الفرعوني له، فوكز موسى الفرعوني فقتله. ولم يرهما أحد إلا الله، فقال موسى A حين قتله: هذا من عمل الشيطان، ثم استغفر الله من قتله، فغفر له. وأصبح موسى خائفاً يستمع الأخبار، فبحث القوم عن قاتل الفرعوني فما وجدوا أحداً يخبر به. فمر موسى بذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً آخر فرعونياً، فاستغاثه أيضاً الإسرائيلي، فقال موسى للإسرائيلي: إنك لغوي مبين. ثم مد يده للفرعوني ليبطش به، فظن الإسرائيلي أنه إياه يريد، لما سمعه قال: إنك لغوي مبين. فقال: يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس، فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي، فخرجوا في طلب موسى. وجاءه رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقاً حتى سبقهم، فأنذر موسى، قال ابن عباس: وذلك من الفتون. وقال الضحاك: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً}: أي بلاء على بلاء. وقال مجاهد: هو إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً. قوله تعالى ذكره: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أَهْلِ مَدْيَنَ} إلى قوله: {يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى}.
في الكلام حذف واختصار. والتقدير: وفتناك فتوناً، فخرجت خائفاً إلى مدين، فلبثت سنين فيهم. قال: عشر سنين، كان فيهم في خدمة أجرة مهر زوجته. وقوله: {ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى}. أي: جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون فيه. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. ثم قال: {واصطنعتك لِنَفْسِي}. أي: قويتك لتبلغ عبادي أمري ونهيي. وقيل معناه: أخبرتك لتبلغ رسالتي. ثم قال: {اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي}. أي: اذهبا بأدلتي وحججي ولا تفترا ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ونهيتكما، فذكركما إياي يقوي عزيمتكما. قال ابن عباس: " لاتنيا ": لا تبطئا. وقال مجاهد وقتادة والضحاك: لا تضعفا.
وقال ابن زيد: الوافي: الغافل المفرط. ثم قال: {اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى}. أي: تجاوز في الكفر. {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً}. أي: كنياه. قاله مجاهد والسدي. وعن السدي أنه قال: قال له موسى عليه السلام: هل لك أن يرد الله عليك شبابك، ويرد عليك مناكحك ومشاربك، وأذا مت دخلت الجنة؟ وتؤمن. فهذا هو القول اللين. فركن فرعون إليه وقال: مكانك حتى يأتي هامان. وقيل: إن فرعون دخل إلى آسية فشاورها فيما قال له موسى. فقالت: ما ينبغي لأحد أن يرد هذا. فقال له هامان: أَتَعبْدُ بعدَما كُنتَ تُعْبَدْ، أنا أردك شاباً. فخضب لحيته بالسواد. فكان فرعون أول من خضب بالسواد. ودخل إلى آسية فقالت له: حسن إن لم ينصل. وقيل: إن موسى عليه السلام قال له: إن ربنا أرسلنا إليك لتؤمن به وتعبده وتطيعه، فينسئ في أجلك أربع مائة سنة، ويملكك في أرضه ولا تبؤس ساعة من نهار، ثم تصير إلى الجنة، لا يضرك ما كنت فيه من نعيم الدنيا وسرورها ونضارتها جناح بعوضة. فقال فرعون: دعوني أستشير فاستشار هامان. فقال له: لا ترض. أبعد أن
كنت ملكاً تصير مملوكاً. وبعد أن كنت رباً تصير مربوباً. فلم يؤمن لما سبق له في علم الله من الشقاء. وقوله: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى}. قيل: معنى " لعل " هنا الاستفهام. والمعنى: فقولاً له قولاً لينا، فانظرا هل يتذكر فيراجع، أو يخشى الله فيرتدع عن طغيانه. قاله: ابن عباس. وقيل: معنى: " لعل " هنا: كي. أي قولا له قولاً ليناً كي يتذكر. كما تقول: اعمل لعلك تأخذ أجرك. أي: كي تأخذ أجرك. وقال الحسن: " لعله يتذكر " هو إخبار من الله عن قول هارون، وذلك أنه تعالى لما قال له: قولا له قولاً ليناً. قال هارون لموسى: لعله يتذكر أو يخشى. وقيل: إن " لعل " على بابها، ترج وطمع من المرسلين. والتقدير عند سيبويه: اذهبا أنتما على رجائكما/ وطمعكما ومبلغكما من العلم أن يتذكر، وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا أن الحجة لا تجب إلا بالإنابة وخروج الفعل إلى الظاهر. وقيل: إن " لعل " و " عسى " في القرآن لم يقعا إلا وقد كانا. فتذكر فرعون
45
وخشيته قد كانت حين أدركه الغرق. قوله تعالى: {قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ}. إلى قوله: {خَلْقَهُ ثُمَّ هدى}. أي: قال موسى وهارون: يا ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا به أن يفرط علينا بالعقوبة. أي يعجل علينا ويقدم علينا. وأصله من التقدم. ومنه حديث النبي A " أنا فرطكم على الحوض ". ثم قال تعالى: {قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى}. أي: إنني أعينكما عليه وأبصركما. أسمع ما يجري بينكما وبينه، فألهمكما ما تجاوباه وأرى ما تفعلان ويفعل، فلا أخلي بينكما وبينه. قال ابن جريج: " أسمع وأرى ما يحاوركما، فأوحي إليكما، فتجاوباه. ثم قال: {فَأْتِيَاهُ فقولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ}. أي: أرسلنا ربك إليك، يأمرك أن ترسل معناه بني إسرائيل، ولا تعذيبهم بما تكلفهم من الأعمال الصعبة. {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ}. أي بمعجزة تدل على أنا أرسلنا إليك بذلك إن أنت لم تصدقنا فيما نقول
أريناكها {والسلام على مَنِ اتبع الهدى}. أي: والسلامة لمن ابتع الهدى. وليس السلام هنا تحية. ثم قال: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ العذاب على مَن كَذَّبَ وتولى}. هذا متصل بما قبله. أي: فقولا لفرعون: إنا رسولا ربك، وقولا له: إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى. أي: إن عذاب الله الذي لا انقطاع له على من كذب برسله وكتبه، وتولى عن طاعته. ثم قال تعالى: {فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى}. هذا كلام فيه حذف واختصار. والتقدير: فأتياه [فقالا] له ما أمرهما به ربهما. فقال لهما فرعون: {فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى} اكتفى بخطاب موسى من خطاب أخيه من آخر الكلام. وقد خاطبهما جمعياً قبل ذلك في قوله: " ربكما " وإنما جاز ذلك لأن الخطاب إنما يكون من واحد، فردّ الخطاب إلى واحد مثله. وقريب منه " نسيا حوتهما " ولم ينسه إلا فتى موسى وحده. دل على ذلك قوله: {فَإِنِّي نَسِيتُ الحوت}. ثم قال تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى}. أي: قال موسى: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه. أي: جعل لك ذكر نظير خلقه من الإناث. ثم هداهم لموضع الوطء الذي فيه النماء والزيادة من الخلق. فهدى كل حي كيف يأتي الوطء
فيكون التقدير: أعطى كل شيء مثل خلقه. ثم حذف المضاف. قال ابن عباس. معناه: خلق لكل شيء زوجه ثم هداه لمنكحه ومطمعه ومشربه ومسكونه ومولده. وكذلك قال السدي. وقال الحسن: معناه: تمم لكل شيء خلقه، ثم هداه لما يصلحه. القرون الماضية وكيف تبعث، فأجابه موسى/ بعلمها فقال: علمها عند ربي. ثم قال: {فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} أي علمها في أم الكتاب و {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى}. نعتان لكتاب. أي: في كتاب غير ضال الله، أي: غير ذهب عن الله وغير ناس الله له. وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: " في كتاب " ثم ابتدأ فقال: " لا يضل ربي " أي: لا يهلك. وقيل: معنى الآية: لا يضل عن ربي علم شيء، ولا ينسى شيئاً. وقال ابن عباس: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً. وقال ابن عباس وقتادة: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً. وقال قتادة: قوله: {قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى} أي فما أعمار القرون الأولى. فوكلها
موسى إلى الله فقال: {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي}. وقرأ الحسن وقتادة وعيسى وعاصم الجحدري: {لاَّ يَضِلُّ} بضم الياء وكسر الضاد. أي: لا يضيعه. قال: ضل فلان منزله يضله إذا أخطأه. وكذلك يقال في كل شيء ثابت، لا يبرح فيخطئه. فإذا ضاع ما يزول بنفسه مثل: دابة، وناقة، وفرس مما ينفلت فيذهب بنفسه، فإنه يقال: أضل فلان بعيره يضله. ثم قال تعالى: {الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً}. أي: فراشاً يتمهدها الناس، ولم يجعلها خربة خشنة. ومن قرأ " مهداً " فهو: مصدر وصفت الأرض به. أي: ذات مهد. وقيل: " مهداً " اسم وصفت الأرض به، لأن الناس يتمهدونها فهي لهم كالمهد الذي يعرف. وقيل: هما لغتان، كاللبس واللباس، والريش والرياش. ثم قال تعالى: {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أي: طرقاً. ثم قال: {وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً} أي: مطراً.
54
{فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً} خرج إلى الإخبار عن الله جلّ ذكره، لأن كلام موسى مع فرعون انتهى إلى قوله: " السماء ماء. ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بجميل صنعه لخلقه في معاشهم ومعاش أنعامهم فقال: " فأخرجنا به ". وقيل: كله من كلام موسى، أخبر موسى عن نفسه، ومن معه بالزراعة والمعالجة في الحرث. فالماء هو سبب خروج النبات وبه تم وكمل. والمعالجة في الحرث غيره لبني آدم بعون الله لهم وأقادره إياهم على ذلك. فلذلك أخبر عن نفسه فقال: فأخرجنا به أزواجاً. وقد قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} [الواقعة: 63] فأضاف الحرث إلى الخلق، وهو الزارع المنبث للحرث لا إله إلا هو. أي: أخرجنا بالمطر من الأرض أشابهاً وضروباً من نبات شتى. " وتشى ": نعت للنبات أو للأزواج. ومعناه: مختلفة الأطعمة والرائحة والمنظر. قوله تعالى: {كُلُواْ وارعوا أَنْعَامَكُمْ} إلى قوله: {وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى}. أي: كلوا من طيبات ما أخرجنا لكم بالغيث وارعوا أنعامكم فيه. {إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لأُوْلِي النهى} أي: إن في قدرة الله وسلطانه لعلامات لأولي العقول. أي: لأصحاب العقول. قال قتادة: " لأولي النهي " لأولي الورع.
" والنهي " جمع نهية. يقال: فلان ذو نهية. أي ذو عقل. وخص أهل النهى بذلك، لأنهم أهل التفكير والاعتبار والتدبر والاتعاظ. ثم قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ}. أي: من الأرض خلقنا أصلكم. وهو آدم، وفي الأرض نعيدكم بعد الموت، ومن الأرض نخرجكم عند البعث في القيامة أحياء كما كنتم " تارة أخرى " أي: مرة أخرى. قال علي بن أبي طالب Bهـ: " إذا قبض الملك روح المؤمن عرج به إلى السماء فقال: قد قبضت روح فلان. فيقول الله D: " ردّ بها. أي: قد وعدته {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى}. قال: فإنه ليسمع صوت نعالهم (إذا ولوا مدبرين). ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا} أي: أرينا فرعون أدلتنا وحججنا الي أعطينا موسى وهارون كلها عياناً فكذب بها وأبى أن يؤمن، استكباراً وعتواً. ثم قال: {قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ ياموسى} أي: قال فرعون لموسى لما رأى الآيات: {أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ ياموسى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فاجعل بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى} أي: مكاناً عدلاً نصفاً لنا/ ولك، قاله قتادة. وقال مجاهد: " مكانا منصفاً بينهم ".
وقال ابن زيد: مكاناً مستوياً يتبين للناس ما فيه لا صيب ولا نشز، فيغيب بعض ذلك عن بعض. وقيل: معناه: مكاناً سوى ذلك المكان الذي كانوا فيه، فيكون الأحسن على هذا المعنى كسر السين. وعلى المعاني المتقدمة الضم. والكسر في